المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الإحسان في الزواج: - النظرات - جـ ١

[المنفلوطي]

الفصل: ‌الإحسان في الزواج:

‌الإحسان في الزواج:

ورد إلي في البريد هذا الكتاب بهذا التوقيع

حضرة السيد الفاضل

ضمني وجماعة من الأصدقاء مجلس جرى فيه الحديث عن صديق لنا عرف امرأة من البغايا فأخذته الرأفة بها فتزوجها، وكان القوم ما بين مستحسن لهذا العمل ومستهجن له، وطالت مدة الجدل بيننا ساعات ولم يستطع أحد الفريقين أن يقنع الآخر برأيه فاتفق رأينا جميعا على أن نكتب إليك بذلك علك تلقي على هذا الموضوع نظرة من نظراتك الصادقة والسلام.

ف. س

أيها السائل الكريم

إن كان باعث الرجل على الزواج بهذه البغي شهوة يريد قضاءها من امرأة يعشقها، ولا يرى له سبيلا إلى طول استمتاعه بها والاستئثار بحظه منها إلا هذا السبيل كما هو شأن أكثر الذين يتزوجون من البغايا فقد أخطأ خطأ جما؛ لأن من كان هذا شأنه

ص: 250

لا يعنيه إلا ذات نفسه ولا يشغله من شئون تلك المرأة إلا الشأن الذي يرتبط بشهوته، ويتعلق بلذته، وآية ذلك أنه لا ينظر بعد اتصاله بها في إصلاح قلبها، ولا يحاول أن ينزع من بين جنبيها ملكة الفساد الراسخة في نفسها، ولا يداخلها مداخلة المؤدب المهذب الذي يصور في نظرها معيشة الفساد بصورة تنفر منها وتشمئز لها، بل لا يكفيها مئونة العيش ولا يرفهها ولا يقلبها في الرغد والنعمة إلا إذا شعر بأن في قلبه بقية من الوجد والشغف بها، فإذا أقفر قلبه من حبها وعلم أن فراقها لا يهيج له وجدا، ورجوعها إلى عيشها السالف لا يثير منه غيرة، فارقها فراقا هادئا مطمئنا لا يمازجه حزن على فسادها، ولا يخالطه أسف على سقوطها، وهنالك تعود تلك المرأة إلى عشها الذي طارت منه، وقد أمسكت بين جوانحها من الحقد والموجدة على معيشة الصلاح والاستقامة ما الله عالم به.

فالرجل الذي يتزوج من البغي قضاء لشهوته وإيثارا للذته، لا ينفعها ولا يحسن إليها؛ لأنه لا يهذب نفسها، ولا يفي لها بما عاهدها عليه من البقاء معها، والاستمرار على عشرتها، بل يسيء إليها بسوء تصرفه معها فيبغض إليها الصلاح ويحبب إليها الفساد، وعندي أنه في عمله هذا فاسق لا متزوج؛ لأنه لو لم ير أن الزواج

ص: 251

وسيلة من وسائل الاستئثار والتوسع في الاستمتاع ما سعى الأجر مهرا ولا المتعة عقدا.

فإن كان حقا ما تقول من أن باعثه إلى ذلك الرحمة والرأفة والحنان والشفقة فقد أحسن كل الإحسان، ولا أحسب أن بين أعماله الصالحة عملا هو أفضل عند الله ذخرا، وأعظم أجرا، من هذا العمل الصالح.

العرض أثمن من الحياة فإن كان من يمنح الحياة فاقدها شريفا فأشرف منه من يرد العرض الضال إلى صاحبه المفجوع فيه.

ليت الرجال يتفقون جميعا على أن يستنقذوا بهذه الوسيلة الشريفة كل امرأة ساقها فقرها وعدمها أو فقد عائلها إلى البغاء، بل ليتهم يتفقون على الزواج منهن قبل أن تضيق بهن حلقات العيش فيسقطن.

لم لا يكون بابا من أبواب الإحسان أن يتفقد المحسنون من الرجال الفقيرات من النساء فيتزوجوا منهن أو يزوجوهن من أولادهم وأقربائهم، وإن لم يكن من ذات الجمال أو ذوات النسب؛ لأنه إحسان والإحسان لا يجمل إلا إذا أصاب موضعه من الشدة ومكانه من الشقاء.

لو عرف المحسنون معنى الإحسان لعرفوا أن إنفاق الأموال

ص: 252

على بناء التكايا والزوايا وتوزيعه على المتسولين والمتكففين ووقفه على القارئين والذاكرين لا يدخر لهم من المثوبة والأجر عند الله ما يدخره لهم الإحسان إلى النساء، بالعصمة من البغاء.

البغاء للبغي شقاء ما جناه عليها إلا الرجل، فجدير به أن يغرم ما أتلف ويصلح ما أفسد.

يهجم الرجل على المرأة ويعد لمهاجمتها ما شاء الله أن يعده من وعد كاذب، وقول خالب، وسحر جاذب، حتى إذا خدعها عن نفسها، وغلبها على أمرها، وسلبها أثمن ما تملك يدها، نفض يده منها وفارقها فراقا لا لقاء بينهما من بعده.

هنالك تجلس في كسر بيتها جلسة الكئيب الحزين مسبلة دمعها على خدها، مسندة رأسها بكفها، تفلي أناملها التراب، لا تدري أين تذهب، ولا ماذا تصنع، ولا كيف تعيش.

تطلب العيش من طريق الزواج فلا تجد من يتزوجها؛ لأن الرجل يسميها ساقطة، وتطلبه من طريق العمل فلا تجد ما تحسنه منه؛ لأن الرجل أهمل شأنها فلم يعلمها من العلم ما تستعين به على ضائقة العيش، وتطلبه من طريق التسول فلا تجده؛ لأن الرجل يؤثر أن يمنحها القنطار حراما، على أن يمنحها الدرهم حلالا، فلا تجد لها بدا من أن تطلبه من طريق البغاء.

ص: 253

فها أنت ذا ترى أن شقاء المرأة الساقطة رواية من الروايات المحزنة، وأن الرجل هو الذي يمثل جميع أدوارها، ويظهر في كل فصل من فصولها، ومهما حال بيننا وبينه من ذلك الستار المسبل فإنا لا نزال نعتقد أن الرجل غريم المرأة، وأن حقا عليه أن يؤدي دينه ويغرم أرش1 جنايته.

إن أبى الرجل أن يتزوج المرأة بغيا فليحل بينها وبين البغاء، ولا سبيل له إلى ذلك إلا إذا اعتبر الزواج بابا من أبواب الإحسان، أي: إنه يتزوجها لها أكثر مما يتزوجها لنفسه، وأحق النساء بالإحسان أولئك اللواتي لم يرزقهن الله الجمال والمال، والحسب والنسب، فإن أبى إلا أن يتزوج المرأة السعيدة، فليعلم أنه هو الذي أخذ الشقية من يدها، وساقها بنفسه إلى قرارة الشقاء ورماها بيده في هوة الفسق والبغاء.

1 الأرش دية الجراحات.

ص: 254

لا همجية في الإسلام 1:

أيها المسلمون: إن كنتم تعتقدون أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق المسيحيين إلا ليموتوا ذبحا بالسيوف، وقصفا بالرماح، وحرقا بالنيران، فقد أسأتم بربكم ظنا، وأنكرتم عليه حكمته في أفعاله، وتدبيره في شئونه وأعماله، وأنزلتموه منزلة العابث اللاعب الذي يبني البناء ليهدمه، ويزرع الزرع ليحرقه، ويخيط الثوب ليمزقه، وينظم العقد ليبدده.

لم يزل الله سبحانه وتعالى مذ كان الإنسان نطفة في رحم أمه يتعهده بعطفه وحنانه، ويمده برحمته وإحسانه، ويرسل إليه في ذلك السجن المظلم الهواء من منافذه، والغذاء من مجاريه، ويذود عنه آفات الحياة وغوائلها نطفة فعلقة فمضغة فجنينا فبشرا سويا.

إن إلها هذا شأنه مع عبده وهذه رحمته به وإحسانه إليه

1 كتبت لمناسبة ما أشيع من هياج المسلمين على المسيجين في ولاية أطنه من ولايات الدولة العثمانية وقتلهم إياهم وتمثيلهم بهم في عام 909

1.

ص: 255

محال عليه أن يأمر بسلبه الروح التي وهبه إياها أو يرضى بسفك دمه الذي أمده به ليجري في شرايينه وعروقه، لا بين تلال الرمال، وفوق شعاف الجبال.

في أي كتاب من كتب الله وفي أي سُنة من سنن أنبيائه ورسله قرأتم جواز أن يعمد الرجل إلى الرجل الآمن في سربه، القابع في كسر بيته، فينزع نفسه من بين جنبيه، ويفجه فيه أهله وقومه؛ لأنه لا يدين بدينه، ولا يتقلد مذهبه.

لو جاز لكل إنسان أن يقتل كل من يخالفه في رأيه ومذهبه لأقفرت البلاد من ساكنيها وأصبح ظهر الأرض أعرى من سراة أديم.

أن وجود الاختلاف بين الناس في المذاهب والأديان والطبائع والغرائز سنة من سنن الكون التي لا يمكن تحويلها ولا تبديلها، حتى لو لم يبق على ظهر الأرض إلا رجل واحد لجرد من نفسه رجلا آخر يخاصمه وينازعه، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} .

إن الحياة في هذا العالم كالحرارة التي تنتج من التحاك بين جسمين مختلفين، فمحاولة توحيد المذاهب والأديان محاولة القضاء على هذا العالم وسلبه روحه ونظامه.

ص: 256

أيها المسلمون: ليس ما كان يجري في صدر الإسلام من محاربة المسلمين المسيحيين مرادا به التشفي والانتقام منهم، أو القضاء عليهم، وإنما كان لحماية الدعوة الإسلامية أن يعترضها في طريقها معترض أو يحول بينها وبين انتشارها في مشارق الأرض ومغاربها حائل، أي: إن القتال كان ذودا ودفاعا، لا تشفيا وانتقاما.

وآية ذلك أن السرية من الجيش ما كانت تخطو خطوة واحدة في سبيلها الذي تذهب إليه حتى يصل إليها أمر الخليفة القائم أن لا تزعج الرهبان في أديرتهم، والقسيسين في صوامعهم، وأن لا تحارب إلا من يقاومها، ولا تقاتل إلا من يقف في سبيلها، ولقد كان أحرى أن تسفك دماء رؤساء الدين المسيحي وتسلب أرواحهم لو أن غرض المسلمين من قتال المسيحيين كان الانتقام منهم والقضاء عليهم.

لو أنكم قضيتم على كل من يتدين بدين غير دينكم حتى أصبحت رقعة الأرض خالصة لكم لانقسمتم على أنفسكم مذاهب وشيعا وتقاتلتم على مذاهبكم تقاتل أرباب الأديان على أديانهم، وهكذا حتى لا يبقى على وجه الأرض مذهب ولا متمذهب.

أيها المسلمون: ما جاء الإسلام إلا ليقضي على مثل هذه

ص: 257

الهمجية والوحشية التي تزعمون أنها الإسلام.

ما جاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها ثم يملؤها بعد ذلك حكمة ورحمة ليعيش الناس في سعادة وهناء، وما هذه القطرات من الدماء التي أراقها في هذا السبيل إلا بمثابة البضع العضوي الذي يتذرع به الطبيب إلى شفاء المريض.

عذرتكم لو أن هؤلاء الذين تريقون دماءهم في بلادكم كانوا ظالمين لكم في شأن من شئون حياتكم، أو ذاهبين في معاشرتكم والكون معكم مذاهب سوء تخافون مغبتها، وتخشون عاقبتها، أما والقوم في ظلالكم والكون تحت أجنحتكم أضعف من أن يمدوا إليكم يد سوء أو يبتدروكم ببادرة شر فلا عذر لكم.

عذرتكم بعض العذر لو لم تقتلوا الأطفال الذين لا يسألهم الله عن دين ولا مذهب قبل أن يبلغوا سن الحلم، والنساء الضعيفات اللواتي لا يحسن في هذه الحياة أخذا ولا ردا، والشيوخ الزاحفين إلى القبور قبل أن تزحفوا إليهم وتتعجلوا قضاء الله فيهم.

أما وقد أخذتم البريء بجريرة المذنب فأنتم مجرمون لا مجاهدون، وسفاكون لا محاربون.

من أي صخرة من الصخور أو هضبة من هضبات الجبال

ص: 258

نحتم هذه القلوب التي تنطوي عليها جوانحكم والتي لا تروعها أنات الثكالى، ولا تحركها رنات الأيامى.

من أي نوع من أنواع الأحجار صيغت هذه العيون التي تستطيعون أن تروا بها منظر الطفل الصغير والنار تأكل أطرافه وتتمشى في أحشائه وبين جوانحه فتصرخ أمه وأمه عاجزة عن معونته؛ لأن النار لم تترك لها يدا تحركها، ولا قدما تمشي عليها.

لا أستطيع أن أهنئكم بهذا الظفر والانتصار؛ لأني أعتقد أن قتل الضعفاء جبن وعجز، ولؤم ودناءة، وأن سفك الدماء بغير ذنب ولا جريرة وحشية وهمجية أحرى أن يعزى صاحبها فيها، لا أن يهنأ بها.

أيها المسلمون: أقتلوا المسيحيين ما شئتم وشاءت لكم شراستكم ووحشيتكم، ولكن حذار أن تذكروا اسم الله على هذه الذبائح البشرية فالله سبحانه وتعالى أجل من أن يأمر بقتل الأبرياء، أو يرضى باستضعاف الضعفاء، فهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين.

ص: 259