الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كوكبة من خلانه وصحبه، فطار لمرآه لبك، وتمشى له قلبك في صدرك، وخيرك بين لحم شاتك ولحمك، فالفقر إن منحت، والعار إن منعت، وأعجب من ذلك أنك ما برحت الوليمة حتى أخذ المغني مجلسه فسمعت وطربت، ومن طرب شرب، ومن شرب وهب، ومن وهب خرب، ولقد كان لك في انزوائك واعتزالك، واكتفائك بقرصك وزيتك، وخلوتك بصندوقك في كسر بيتك، من حيث لا تزور ولا تزار، منادح عن هذه اللقمة التي أسهرت ليلك، وأقضّت مضجعك، وأقعدتك على مثل روق الظبى خيفة وحذارا، فإياك والعود إلى مثلها يطل غمك، ويسود عيشك، والسلام.
كتاب يأس:
كتابي إلى سيدي ومولاي والنفس بين جنة من الأمل تغنّ أشحارها، وترن أطيارها، وتشتجر أغصانها، وتعتنق غدرانها، وهاجرة من اليأس تتلظى نارها، ويعتلج أُوارها، وتحول بين الجفون واغتماضها، والجنوب ومضاجعها، والقلب يهبط به الخوف فيتمشى بين الأضالع مشية الطائر الحذر، ثم يدركه الأمن فيقر في مستقره قرار الماء في نهاية منحدره، وحالي كحال هذه الدنيا تضطرب ما بين فرح وهم، وسرور
وحزن، وقبض وبسط، ومد وجزر، أذكر الله ورحمته وإحسانه، ورأفته وحنانه، فيشرق لي من خلال ذكراه وجه الحياة الناضر، وثغرها البارق، وجمالها الساطع، وبشرها الضاحك، ثم أذكر الدهر وصروفه، والعيش وحتوفه، والأيام وما أعدت في طياتها لبنيها من عثرات، في الخطوات، ونكبات، في الغدوات والروحات، وما أخذته من العهد على نفسها من الوقوف بين النفوس وآمالها، والقلوب وأمانيها، فألمس صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي، ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا، فليت الله يصنع لي فيمطر علي قطرة واحدة من غيوث رحمته وإحسانه أبل بها غلتي، وأطفئ بها لوعتي، أو ليت القدر ينشب أظافره بين سَحْري1 ونحري نشوبا لا يستبقي بعده عرقا نابضا، ولا نفسا مترددا، فيستخلصني من موقف أنا فيه كالمريض المشرف، لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيبكى.
يقولون: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، وأقول: ما عذب الله عباده بنازلة القضاء، وصاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر، والموت الأحمر، والخوف من الجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، بمثل ما عذبهم بالأمل الباطل،
1 السحر: الرئة.
وما ليلة نابغية ضرير نجمها، حالك ظلامها، يبيت منها صاحبها على مثل روق الظبى خيفة وحذارا، فوق أرض تعزف جنانها1، وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها، بأسوأ في نفسه أثرا من رجاء كاذب يتردد بين جنبيه، تردد الغصة بين لحييه، لا هي نازلة فيطعمها، ولا صاعدة فيقذفها.
قد أصبحت أحسد الوحوش الهائمة على وجوهها في بطون الأودية، وقنن الجبال، أن أراها ساربة في مساربها، سارحة في مسارحها، تتناول رزقها رغدا من بوارق المصادفات، ومفاجآت المقادير، لا يعنيها الأسف على فائت من العيش، ولا يقلقها الطمع في آتٍ من الرزق، قد قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب2، فتساوى لديها شحمها ولحمها، وشيحها وقيصومها، وسعدها ونحسها، ونعيمها وبؤسها، فما تحفل بنوازل القضاء، ولا رجوم السماء، ولا تبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليها.
فمن لي بهذا العيش من عيش مَثَلي فيه كمثل رجل عثرت به قدمه، فسقط في جوف بئر بعيد غورها، ناءٍ مكانها، فما زال يتخبط
1 جمع جان.
2 الجشب: الخشن من الطعام.
ويضطرب، ويهب ويثب، حتى عثر بمرقاة علقت رجله بها ثم تلمس أخرى غيرها فما وجدها حتى بلغ منه الجهد أو كاد، فلم يصبر على الثانية صبره على الأولى فسقط فخاف الغرق، فعاد إلى تلمسه، فعاد إلى سقوطه، فلا هو بالغ رأس البئر فينجو من الموت، ولا هو بالغ قرارة الماء، فينجو من الشقاء.
ارم بطرفك حيث شئت من الناس، هل تبصر إلا صريعا صرعه أمله، أو قتيلا قتله رجاؤه، أو صديقا يشكو غدر صديق كان يعده لنوائب الدهر فأصبح عون النوائب عليه، أو باكيا يبكي وليدا كان يرجوه لمستقبل دهره ففجعته الأيام فيه، أو ساعيا دائبا وراء غاية يطلبها من الدهر فلا يقرب منها حتى يبتعد عنها، ولا يمسك بها حتى تفلت من يديه، أو ساهرا متململا لولا أمله أن تنيله الأيام ما يشتهيه من هواه ما بات ليله شاكيا باكيا، داعيا مناجيا، لا تراه إلا عين السماء، ولا تسمعه إلا أذن الجوزاء.
هذه حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعا وأفارق عشيرتي وصحبتي، ويراعي ومحبرتي، علني أجد في البعد عن مثارات الأماني ومباعث الآمال راحة اليأس، فاليأس خير دواء، لأمراض الرجاء.
فها أنذا قابع في كسر بيتي لا مؤنس لي إلا وحشتي، ولا أنيس إلا وحدتي، أتخيل البيت قبرا، والثوب كفنا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم؛ لأعالج نفسي على نسيان الحياة، وأمانيها الباطلة، ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك، والسلام.