الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مؤدب الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق، حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا، غير كز ولا جامد، حلوا لبيبا ذا مروءة ونظافة ونزاهة"1، ومن خلال تلك الآراء نستطيع أن نحدد الصفات الواجب توفرها في المعلم المسلم فيما يلي:
1-
الورع وتقوى الله: وذلك بمراقبة الله سبحانه وتعالى في السلوك والأقوال فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" والمعلم أب لأولاده يوجههم إلى الخير ويلتزم به في سلوكه والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن أكرم الناس أتقاهم وأن أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق، ولا بد أن يكون المعلم ورعا يشعر بأن الله معه أينما كان، وأن مراقبة الله الدائمة هي الموجهة للسلوك والإرادة فإذا لم يكن المعلم تقيا ورعا نشأ أولاده على الفساد والتحلل وانعدام الضمير والرادع.
2-
الإخلاص في العمل: لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه وكل عمل يبتغي به المرء وجه الله فهو عبادة، ولذلك يقول الله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 2، ويقتضي الإخلاص أن يكون المعلم واسع العلم عالما بأمور الدين وتعاليم الإسلام وآرائه في الحياة والموت والكون ونظامه الاقتصادي والسياسي والتربوي والتشريعي زيادة على ما في الحياة من مبادئ ونظم وأفكار ثم التمكن من مادته التي تخصص فيها والتعرف على الجديد في العلم عن طريق البحث والاطلاع والصلة بالعلماء وما إلى ذلك، وقد أوصى هشام بن عبد الملك معلم ابنه بقوله:"إن ابني هذا هو جلدة ما بين عيني وقد وليتك تأديبه فعليك بتقوى الله وأداء الأمانة وأول ما أوصيك به أن تأخذه بكتاب الله إلخ"3.
3-
الالتزام بالإسلام والعمل له: إن المسلم المعلم في حقيقة الأمر داعية إلى الله على بصيرة وإدراك وعليه أن ينقل هذا المفهوم لطلابه قولا وعملا وسلوكا وممارسة {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} فالربط بين الأقوال والأعمال دليل على الالتزام الأخلاقي بالإسلام وليس الالتزام الفكري فقط، وهذا يقتضي أن تتمثل الفضائل الأخلاقية كلها في سلوك المعلم لأنها مراقبة ومحسوبة عليه مثل الالتزام بالصدق والأمانة والتواضع والعفة في اللسان والجوارح والشجاعة والكرم والمروءة والحب والبغض في الله والرفعة والرقة واللين ودماثة الخلق وما إلى ذلك.
إن المدرسة تمثل نافذة الحياة بالنسبة للأطفال يعيش فيها الطفل وقتا كبيرا من يومه ليتزود بالمعارف والتعاليم والخبرات التي تجعله قادرا على اقتحام الحياة والتكيف معها وأداء رسالته فيها وتحقيق سر وجوده في الأرض وهو معرفة الله وعبادته.
1 الأبراشي ـ التربية الإسلامية وفلاسفتها ص225.
2 البينة 5.
3 راجع الأبراشي ـ التربية الإسلامية ص146.
رابعا: المجتمع:
يقول الله سبحانه وتعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَاّ
نَكِداً} 1، وهذه الآية توضح لنا أن التربية لا تتم إلا في إطار اجتماعي وداخل مجتمع مسلم نظيف لأن الطفل لا يمكن تربيته بعيدا عن المؤسسات الاجتماعية مثل البيت والمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها لما لهذه المؤسسات من أثر تربوي فعال ولما للعادات والتقاليد والأخلاقيات الاجتماعية من تأثير على الطفل والسلوك الإنساني عبارة عن التفاعل بين الظروف الاجتماعية البيئية والطبيعة الإنسانية.
إن المجتمع المسلم يتميز عن المجتمعات الأخرى كما يتميز الفرد عن الأفراد غير المسلمين في عقيدته التي ينشأ منها سلوكه والمصدر الذي يلتقى منه سلوكه والأخلاق التي يتميز بها عن غيره والطرق التي يسلكها في حياته وفي تحقيق أهدافه والعبادة التي يمارسها والمؤسسات التي ينشأ فيها والقيم التي يوزن بها البشر.
وإن المجتمع المسلم قائم على نبذ العنصرية والوطنية الإقليمية وعلى الحرية المبنية على العبودية الكاملة لله وحده والتي تحقق له المحافظة على ماله وعرضه ونفسه وتطلب منه الالتزام بالحق والعدل، كما أنه مجتمع الأخوة والمساواة والكفاية والعدل بين المسلمين الذين يتساوون في الواجبات والحقوق: "المسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم
…
" فالمجتمع عامل تربوي فعال يحتاج إلى تضافر المؤسسات في تحقيقه لمسؤلياته التربوية التي يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:
1-
التعاون على البر والتقوى:
والله سبحانه وتعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} 2، لأن التعاون على البر والتقوى هما وسيلتا المجتمع لنشر الفضية والخير ومحاربة الرذيلة والشر فوسائل التربية الحديثة من صحافة وإذاعة وتلفزيون وغيرها من وسائل الإعلام كل منها معلم يملك أذواق البشر وأسماعهم وأبصارهم فإذا وجهت وجهتها الصحيحة كانت وسائل خير ورحمة وتعليم وتثقيف وإذا تركت على ما هي عليه من نشر السموم والأغاني المائعة والتمثيليات الهابطة والكذب الدائم والسخافات والأباطيل كانت وسائل دمار وهدم لجهود مؤسسات التربية الأخرى كالبيت والمدرسة والمسجد، فواجب الدول أن تطهر مؤسساتها من كل ما يعوق تربية أجيالها على الحق والفضيلة والبر والتقوى وأن تحارب هذه الأجهزة وتجعلها تتكيف مع طبيعة المجتمع وعقائده ونظمه، ولا يتم التعاون على محاربة الإثم والعدوان إلا بإغلاق مظاهر الفساد الاجتماعي وتوجيه الثقافة التي يتأثر بها الأطفال والكبار إلى الثقافة التي يبني المجتمع عليها وحماية الشباب من المؤثرات الثقافية الدافعة للفساد، والإسلام يوجه توجيهات كثيرة في هذه الناحية فالله سبحانه يقول:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ} 3.
والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الرجل يرتكب عملا بالليل وينشره بالنهار وقد ستره الله لأن عمل الشر إثم ونشره عن طريق إذاعته إثم آخر لا يفعل ذلك إلا الماجن الذي لا يستحي وإذاعة الفاحشة مضر
1 البقرة آية 286.
2 المائدة 3.
3 الأعراف 33.
للمجتمع من الناحية التربوية فكيف به إذا تولته أجهزة في الدولة وبأموال المسلمين والله لا يحب الجهر بالسوء من القول أو الفعل فواجب المجتمع التعاون على إزالة الإثم الفواحش إلى درجة قتال المفسدين في الأرض وقتلهم {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 1، كما يحث الإسلام الفرد في النيابة عن المجتمع في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "من رأى منكم منكرا فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"2.
والمجتمع المسلم هو الذي يقوم على التقوى ويطالب أفراده بذلك والحض على التقوى كثير في القرآن باعتبار التقوى مصدرا لسلوك المسلم فردا وجماعة فالمتقون هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله ويؤمنون بالآخرة وبالكتب المنزلة والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرون في البأساء والضراء والمنفقون فيهما والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس المحسنون الذين يذكرون الله ليلا وسحرا والمستغفرون، فالتقوى هي وصية الله الدائمة لكل أمة على لسان الأنبياء وهي خير زاد للمسلم وخير لباس له والمتقون هم أولياء الله وهم سبب سعادة المجتمع وأساس بنائه وسبب الرزق والانفتاح الاقتصادي وسبب النجاة من كل ضعف والوصول إلى الجنة التي أعدت للمتقين.
والمجتمع هو الذي تتعمق فيه بالممارسة معاني الود والرحمة والإيثار والتضحية فالمسلمون في توادهم وتراحمهم جسد واحد ألف الله بين أعضائه بنعمته بعد أن كانوا أعداء وقد ضرب المسلمون الأوائل أروع الأمثلة في ممارسة التكافل الاجتماعي والإيثار مع الحاجة والتضحية في سبيل الغير فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ترسل إليهم الأموال الكثيرة فيوزعونها على المحتاجين وينسون أنفسهم وهم أحوج ما يكونون إليها وكانوا رحماء فيما بينهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا.
إن المجتمع المسلم هو الذي يقوم بدوره في مساعدة الآباء على تربية أبنائهم على أخلاق الإسلام وتقاليده بحيث أنهم إن خرجوا إليه وجدوا فيه ما تعلموه من الوالدين فلا يسمع كلمة نابية أو لفظا جارحا ولا يرى مظهرا للغش أو الخداع وهو يبتاع ويتعامل في الخارج ويجد مدرسيه في حرص أبويه على المثل الإسلامية فلا يسمح له بالغش في الامتحان أو يعطى ما لا يستحقه إرضاء للمدير أو جنسيته.
المجتمع الذي لا يعج بمظاهر الفساد والتحلل والعري ويطلب من المراهق أن يكون عفيفا طاهرا
…
إن النشء المسلم يجب ألا يجد نوعا من التناقض بين تربية والديه والأخلاقيات الممارسة في المجتمع، فالمجتمع المسلم مجتمع متحرر من الانقياد لغير الله ونظيف طاهر تبنى فيه العلاقات على القاعدة القرآنية {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} .
إننا لا نستطيع تربية أطفال صالحين في بيئة اجتماعية فاسدة كما لا نستطيع أن نزرع أرضا دون تهيئة هذه الأرض لأن أدواء المجتمع كلها معدية تنتقل إليهم شاءوا أم أبوا.
1 المائدة 32.
2 رواه مسلم في كتاب الإيمان.