الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الأمانة العامة
بيان
تلبيس الجهمية
في تأسيس بدعهم الكلامية
تأليف شيخ الإسلام
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني
(ت 728هـ)
الجزء الخامس
الجهة - المكان والمحل - المعية - الفوقية - المباينة
الجسم - الجنب - اليدين - النور
حققه
د. سليمان الغفيص
فصل وقد ذكر أبو عبد الله الرازي في نهاية العقول له لمثبتي الجهة حججاً أخرى فنذكر هنا أيضاً ما ذكره من الجانبين في الكتابين فقال واحتج مُثبِتو الجهة بأمور أربعة أولها أنا نعلم بالضرورة أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد أن يكونا متباينين ونعلم بالضرورة أن التباين بين الشيئين لا يخلو عن
أحد الوجوه الثلاثة التباين بالحقيقة أو بالزمان أو بالمكان وإذا ثبت ذلك فنقول التباين بين الباري تعالى وبين العالم لا يمكن أن يكون بالحقيقة أو بالزمان أو بهما فقط لأن الجوهر يباين العرض الحالّ فيه بالحقيقة والزمان
وكذلك العرضان الحالان في محل واحد قد تباينا تباينًا بالحقيقة والزمان مع أنا نعلم بالضرورة أن بين الباري وبين العالم من التباين ما ليس بين الجوهر وما حلّ فيه وبين العرضين الحالين في المحل الواحد إذْ لا بد من زيادة تباينٍ على هذين القسمين ولا ثالث يُعقَل إلا التباين بالمكان فوجب أن يكون التباين بين الباري تعالى وبين العالم بالمكان وذلك يقتضي كون الباري تعالى في الجهة ثم قال والجواب عما تمسكوا به أولاًُ أن الحل مباين للحالِّ في الحقيقة والزمان ولكنَّ أحدهما حالٌّ في الآخر والآخر محل له ويشتركان أيضاً في الحدوث والإمكان والحاجة إلى المؤثر وأما الباري تعالى كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان فليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له وبينهما مشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة فلما كان
كذلك كان الاختلاف بين الباري وبين العالم أتَمَّ من الاختلاف بين الحال وبين المحل فإذا ادَّعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع قلت وهذه الحجة التي ذكرها عن ابن الهيصم من بعض الوجوه والكلام على هذا من وجوه أحدها أن هذا الذي ذكره من الجواب تقرير لحجة المنازع وتوكيدٌ لها ليس بجواب عنها ومثل هذا يفعله هذا وأمثاله في مواضع قال تعالى أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ {18} [الزخرف 18] قالوا هي المرأة لا تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها وهؤلاء فيهم التخنُّث بمشابهتهم
المشركين الذين قال الله إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَاناً مَّرِيداً {117} [النساء 117] ما شابهوا به النساء وكذلك أن حجة المنازع مبنيةٌ على مقدمات إحداهن أن الله مباينٌ العالم والثانية أن المباينة ليست إلا بالحقيقة أو الزمان أو المكان والثالثة أن مباينته للعالم أعظم من أن يكون بمجرد الحقيقة أو الزمان وإذا ثبت هذه المقدمات لزم أن يكون مباينًا له بالمكان ويظهر ذلك بنظم ذلك في قياسين أحدهما أن يقال الباري مباين للعالم وكل مباين لغيره فلا بدّ وان يكون مباينًا بالحقيقة أو الزمان أو المكان فينتج أن الباري سبحانه لابد أن يكون مباينًا للعالم بالحقيقة أو الزمان أو المكان ثم يقال ومباينته للعالم ليست بمجرد الحقيقة والزمان وكل مباينة ليست بمجرد الحقيقة والزمان فلا بد أن تكون بالمكان فينتج أنه لا بد من المباينة بالمكان
إذا تبين نظم الدليل فقولهم الباري مباين للعالم لا منازعة فيه وقد ذكروا أن ذلك معلوم بالضرورة في كل موجودين قائمين بأنفسهما ولم ينازعهم في ذلك وقولهم كل مباين لغيره فلابد وأن تكون مباينته بأحد الوجوه الثلاثة قد ذكروا أن ذلك معلوم بالضرورة قالوا ويعلم بالضرورة أن التباين بين الشيئين لا يخلو عن أحد الوجوه الثلاثة التباين بالحقيقة أو بالزمان أو بالمكان وقد سلَّم لهم ذلك ولم ينازعهم فيه فأثبتوا بذلك أن الباري لابد أن يكون مباينًا للعالم بالحقيقة أو الزمان أو المكان وأما القياس الثاني قولهم مباينته ليست بمجرد الحقيقة والزمان وأثبتوا ذلك بأن قالوا المباينة بالحقيقة وبالزمان تكون بين الحال والمحل وبين الحالين في المحل مع أَنَّا نعلم بالضرورة أن بين الباري وبين العالم من التباين ما ليس بين المحل والحالٍِّ فيه وبين الحالِّين في المحل والمحل هو الجوهر والحال فيه هو العرض وإذا كان التباين الذي بينه وبين العالم زائدًا على تباين هذين وهذان متباينان بالحقيقة
وبالزمان لم يكن التباين بينه وبين العالم بمجرد الحقيقة والزمان فإنه إذا كانت مباينته للعالم أعظم من مباينة المباين لغيره بالحقيقة والزمان لم تكن من جنسها وهذا بيِّنٌ فإنه إذا كانت حقيقته المباينة بمجرد الحقيقة والزمان لم يمتنع أن يكون أحدهما حالاًّ في الآخر أو يكونا جميعًا حالين في محل واحد وهذا قد تقوله الحلولية من الجهمية فإن القائل إذا قال الباري مباين للعالم وهو مع هذا حالٌّ فيه أو مَحَلٌّ له ومباينته له أنه قبله وبأن حقيقته تخالف حقيقته كما يباين الجوهر ُ العرضَ والعرضُ الجوهرَ ولم تكن المباينة بالحقيقة والزمان مانعة من هذه المحايثة فإذا كانت المحايثة منتفية لم يكن بدٌّ
من إثبات مباينة تنفي هذه المحايثة والمباينة بالحقيقة والزمان لا تنفي المحايثة ولهذا لما زعم الجهمية أنه ليس مباينًا بالمكان اضطربوا بعد ذلك فقال جمهور علمائهم لا هو محايث للعالم ولا هو خارج عنه
وقال كثير من عامتهم وعبادهم وعلمائهم بل هو محايث فإنه إذا ارتفعت المباينة بالمكان لم تَبقَ إلا المحايثة ولا ريب أن قول هؤلاء أقرب إلى المعقول لكنه أقرب إلى العقل ابتداءً حيث جعلوه موجودًا محايثًا للعالم لكنه أعظم تناقضًا وجهلاً من وجه آخر فإن مانفَوا أن يكون على العرش هو أعظم نفيًا لكونه محايثًا للعالم ولأن في كونه في نفس المخلوقات من الكفر والضلال ما فيه شناعة تزيد على النفي المطلق الذي لا يفهم بحال وأيضًا فالأدلة الدالة على أنه فوق العالم وأنه مباين للعالم تمنع المحايثة أيضًا والمقصود هنا أنهم إذا لم يثبتوا إلا المباينة بالحقيقة أو بالزمان لم يكن العلم بهذه المباينة مانعًا من جواز المحايثة عليه لأن العرض والجوهر بينهما تباينٌ بالحقيقة وبالزمان مع
تحايثهما وهذا قد اتفقوا على نفيه وقد ذكروا أنهم يعلمون بالاضطرار أن بين الباري تعالى وبين العالم من التباين ما ليس بين الجوهر والعرض الحالِّ فيه وهذا بيِّنٌ إذْ لولا زيادة التباين لجاز أن يكون العالم كالعرض في الخالق والخالق جواهر قائمة بنفسها أو يكون الخالق كالعرض القائم بالجوهر ومعلوم أن هذا أشدُّ استحالة باتفاق العقلاء فإن الباري قائم بنفسه وهو المقيم لكل قائم فضلاً عن أن يكون كالعرض في الجوهر والعالم جواهر قائمة بأنفسها فثبت بذلك أن مباينتهُ للعالم ليست بمجرد الحقيقة والزمان وإذا ثبت ذلك فالمقدِّمَة الثانية وهو أن المتباينين اللذين ليس تباينهما بمجرد الحقيقة والزمان فلابد أن يكونا متباينين بالمكان وقد تقدمت وتقدم ما ذكر وسُلِّم فيها من العلم الضروري إذا تبين ما ذكره من حجتهم فقلُه في الجواب إن المحل مباين للحالّ في الحقيقة والزمان ولكن أحدهما حال في الآخر والآخر محل له ويشتركان أيضًا في الحدوث والإمكان والحاجة إلى المؤثر كلامٌ صحيح لكن مضمونهما أنهما مع التباين بالحقيقة والزمان متحايثان مشتركان في الحَيِّز وفي أمورٍ
أخرى وهي الحدوث والإمكان والحاجة إلى المؤثر وهذا الكلام أنهما مع هذا التباين متحايثان مشتركان ومجتمعان في أمور أخرى فتكون المباينة بينهما دون المباينة بين العالم والباري وهكذا قال القوم إنا نعلم بالضرورة أن بين الباري سبحانه وبين العالم من التباين ما ليس بين الجوهر الذي هو المحل وبين ما حلّ فيه فما ذكره تقرير لذلك وقوله وأما الباري كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان فليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له ولا بينهما مشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة قلما كان كذلك كان الاختلاف بين الباري تعالى وبين العالم أَتَمَّ من الاختلاف بين الحالّ والمحل فيقال له هذا توكيد لما قالوه لأنهم ذكروا أن مباينة الباري تعالى أتَمُّ فإنه غير محايث إذْ ليس هو حالاًّ في العالم ولا محلاًّ له بخلاف الجوهر والعرض وأما عدم المشاركة في الحدوث فيعود إلى المباينة بالزمان فإن القديم قبل المحدث وإلى المباينة بالحقيقة فإن حقيقة القديم مخالفة لحقيقة المحدث وأما عدم المشاركة
في الإمكان والحاجة إلى المؤثر فيعود إلى المباينة بالحقيقة فإن الواجبَ بنفسه الغني عن غيره حقيقتهُ مخالفةٌ لحقيقة الممكن في نفسه المفتقر إلى غيره فهذا الذي ذكرهُ مضمونُه أن مباينة الباري أتَمُّ من مباينة الجوهر للعرض لأنه مع المخالفة بالحقيقة وبالزمان غير محايث وهكذا قال القوم إن مباينة العالم أزيد من مباينة الجوهر للعرض فهذا الكلام تقرير لمقدمة من مقدمات دليلهم وقوله بعد ذلك فإذا ادَّعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع يقال أولاً ليس هذا جوابًا للقوم فإنك لم تمنعهم شيئًا من مقدمات دليلهم ولا عارضتهم ولكن ذكرت كلامًا أجنبيًّا وذكرت أنهم ينازعونك في المباينة بالمكان ولا ريب أنهم ينازعونك في ذلك لكن قد أقاموا حجة ولم تمنع شيئًا من مقدماتها ولكن حكيت مذهبك وحكاية المذهب ليست جوابًا لمن احتج على بطلانه ثم يقال لم يدَّعُوا ثبوت التباين من غير هذه الوجوه لكن قالوا هذا التباين الذي ثبت بعدم المحايثة وهو أحد الوجوه يستلزم أن يكون بالمكان أو قالوا إن التباين الثابت بهذه
الوجوه لا يجوز أن يكون بمجرد الحقيقة أو الزمان فتعيَّن أن يكون بالمكان إذْ لم يبق فسمٌ ثالث وأيضًا فلا ريب أن التباين حاصل بغير هذه الوجوه فإنه قد قرر في هذا الموضع ما هو القول الحق وهو أن حقيقة الله غير معلومة للبشر وأنه مخالف لخلقه بحقيقته الخاصة وليست هي ما علمه الناس قِدَمَهُ ووجُوبَهُ وغناهُ فهو أيضًا مباين للعالم بحقيقته الخاصة الخارجة عما ذكره والتحقيق أنه مباين للعالم بأمور كثيرةٍ لا يحصيها العباد غير ما ذكره ولا ينظر إلى من ينازع من أهل العلم في أخص
وصف الله الذي به يُمَيَّز هل هو القدرة على الخلق أو هو الاستغناء أو القدم أو أنه ذاته المخصوصة بل كل ما ثبت للرب تعالى من الأسماء والصفات يختص به مثل إنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه أرحم الراحمين وأنه خير الناصرين وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون وكل هذه الأمور وغيرها من أخص وصفه ليست له صفة يماثله غيره فيها بوجهٍ من الوجوه بل كل صفة لهُ فإنها تختص به وتوجب امتيازه بها عن خلقه ولكن ليس هذا موضعَ ذكر ذلك فإن مباينة الله لخلقه بالحقيقة مما
لا نزاع فيه وكذلك تقدمه على خلقه وإنما المقصود أنه مباينٌ مباينة زائدة على المباينة بالحقيقة وعلى المباينة بالزمان والمخالفة بينه وبين الخلق أتَمُّ من الاختلاف بين الحالِّ وبين المحل وهو قرّر ذلك مع أن هذين يتباينان بالحقيقة كما تقدم وإذا كانوا القوم بينوا إنما ذكره من التباين يستلزم التباين بالمكان والزمان لأن هذه يشاركه فيها المحلٍ والحالّ فيه وهذه المباينة لا تمنع أن يكون أحدهما حالاًّ في الآخر فلابد من المباينة بشيء غير ذلك وليس غير ذلك إلا المباينة بالمكان وبالزمان فإذا كانت المباينة بينه وبين خلقه ليست مجرد الحقيقة والزمان وكان قد قرر هذا التباين كان ما ذكره توكيدًا لحجتهم والوجه الثاني أن قوله وأن الباري كما خالف العالم
في الحقيقة وفي الزمان وليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له ولا بينهما مشاركة في الإمكان والحدوث والحاجة فيقال له قولك ليس بحالّ ولا محل سلبٌ محضٌ والأمور السلبية لا تتباين بها الحقائق ولا تختلف ولا تتماثل إلَاّ أن تكون مستلزمة لأمور وجودية لأن المتماثلين ما قام بأحدهما من الأمور الوجودية مثل ما قام بالآخر والخلافين اختص أحدهما بأمور وجودية خالف بها الآخر إذْ عُدِمَ ما به التماثل والاختلافُ مستلزمٌ لعدم التماثل والاختلاف فعدم كونه حالاًّ أو محلاًّ لمْ يستلزم أمرًا وجوديًّا تحصل به مخالفة وقد علم أنه لا يستلزم الاختلاف في الحقيقة وفي الزمان لأن المتماثلين في الحقيقة والزمان قد لا يكون أحدهما حالاًّ في الآخر ولا محلاًّ له كالجسمين المتماثلين
وأيضًا فهو قد ذكر أن هذا من المباينة الزائدة على المباينة بالحقيقة والزمان والأمر كذلك وإذا كان كذلك وعدم كونه حالًّ أو محلاًّ هو عدم المحايثة والمباينة فعدم المحايثة مع المباينة بالحقيقة والزمان إذا كان مستلزمًا لأمر وجودي لم يكن إلا المباينة بالجهة وهذا يتقرر بوجهين أحدهما أنه لم تبق مباينة وجودية بعد المباينة بالحقيقة والزمان إلا المباينة بالمكان كما تقدم والثاني أن عدم المحايثة يستلزم المباينة إذْ لا يعقل إلا متحايثان أو متباينان كما تقدم قبل هذا الوجه الثالث قوله فإذا ادّعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع يقال له هم قالوا التباين بالوجوه الزائدة على الحقيقة والزمان لا تكون إلا بالمكان وقد قرَّروا ذلك لم يقولوا بالتباين من غير هذه الوجوه حتى يقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان بل قولهم إنّ هذا التباين الذي سلّمهُ هو زائد على الحقيقة والزمان وهو مستلزم التباين بالمكان وإذا لم يكن
لهم حاجة إلى ثبوت التباين من غير هذه الوجوه التي سلمها تبيَّن أن هذا الجواب فاسد الوجه الرابع أن يقال التباين بين الله سبحانه وتعالى وبين العالم هو بأكثر مما ذكرتَه فإنه مباين للعالم بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وبأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وغير ذلك من الصفات ومباين للعالم بقرته وعظمته وعلوه وكبريائه وهذه الأمور ليست مباينة بالزمان فإما أنْ يقول هي من التباين بالحقيقة أو لا يقول فإن قال هي من التباين بالحقيقة فيبطل ما ذكره من كون تلك المباينات زائدة على التباين بالحقيقة وإن لم يقل هي من التباين بالحقيقة فقد ثبت تباين زائد على ما ذكره فأحد الأمرين لازم إما زيادة التباين على ما ذكره أو انحصار ما ذكره غير المحايثة في الحقيقة والزمان وقد علم أن التباين يبن الباري والعالم أزيد من التباين بالحقيقة والمحل وزعم أنها بهذه الأمور دون غيرها وقد تبين أن هذه الأمور هي كغيرها فلا يكون ما ذكره من الجواب عن الجواب عن تلك الحجة صحيحًا
والوجه الخامس أن قوله وأما الباري تعالى كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان فليس حالاًّ فيه لا محلاًّ له ولا بينهما مشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة فلما كان كذلك كان الاختلاف بين الباري وبين العالم أتم من الاختلاف بين الحالّ وبين المحل يقال له أما عدم المشاركة في الحدوث والإمكان والحاجة فمرجعُها إلى ثبوت الوجوب وإلى القدم وذلك لا يخرج عن المخالفة بالحقيقة أو الزمان كما تقدم وأما كونه ليس حالاًّ فيه ولا محلاًّ له فيقال له إن أردت بهذا أنه مباين عنه بالجهة والمكان فهو المطلوب وإن أردت بذلك أنه ليس حالاًّ ولا محلاًّ ولا مباينًا بالجهة فهذا غير معقول ولا متصوَّر فإما أن يقول إنه معقول والمنازع مكابر فهم يحلفون بالأيمان المغلظة أن هذا غير معقول لهم وهم أمم عظيمة وفيهم من الصدق والديانة ما يمنع إقدامهم على الكذب ولقد خاطبتُ بهذا طوائف مع ذكائِهم وصحة فطرتهم فلم يكن فيهم من يتصور ذلك أو يعقله وإن ادّعيت أنه معقول لطائفة دون طائفة فهذا لا يستقيم عندك لاشتراك الناس في المعقولات وإن قيل إن ذلك لاختصاص بعضهم زيادة ذكاء أو فطنة
فمعلوم أَنَّ هذا لا يختص به أهل هذا القول دون ذاك بل الاستقراء يدل على أن المنازعين له أكملُ عقولاً وأَحَدُّ أذهانًا وأوضحُ إدراكًا وأقَلُّ تناقضًا وأقل ما يمكن أن تقابل دعواه بمثلها الوجه السادس أن يقال هَبْ أن هذا معقول وأنه ممكن إمكانًا ذهنيًّا فما الدليل على أنه ليس بحالّ في محل ولا محايثًا للعالم إذا قلت إنه ليس بخارج العالم فإن المنازع لك يقول نفيُ كونهِ محايثًا للعالم إنما علم بأنه مباين للعالم بالجهة فإذا قُدِّر أنه غير مباين للعالم إلا بالحقيقة والزمان دون الجهة فهذا القدر لا يمنع أن يكون حالاًّ في العالم أو محلاًّ له كالجوهر مع عرضه فإن تباينهما بالحقيقة والزمان لا يمنع ذلك من تحايثهما فلابد لك من دليل يبين عدم محايثة العالم إذا ثبت مباينته بالجهة وأنت لم تذكر على ذلك حجة حتى يتم ما ذكرته
من المباينة فإن قلت المنازع يُسَلِّم لي ذلك فهو إنما يُسَلِّم عدم المحايثة التي هي المباينة بالجهة فأَمَّا نفي المحايثة من غير مباينة بالجهة فهذا عند المنازع غير معقول ولا هو حقًّا عنده فهو لا يُسَلِّمُ لك عدم المحايثة على هذا التقدير ولم تذكر عليها حجة فلا يكون ما ذكرتَه من المباينة ثابتًا بحجة ولا تسليم فلا يصح في النظر ولا المناظرة الوجه السابع أن يقال هذا الموضع من أصعب المواضع على الجهمية فإنهم لما نَفَوا مباينته للعالم بالجهة ذهبَ بعضهم إلى عدم محايثته أيضًا كما ذكره هذا وهو المشهور من قول
متكلميهم وذهب بعضهم إلى محايثته للعالم وأنه بكل مكان وهو قول كثير من عبادهم وبعض متكلميهم فتعارض كل طائفة بقول الأخرى فإن قال مثبتو المحايثة للعالم لا أَعقلُ موجودًا لا داخل العالم أو خارجه وليس بخارجه فيكون داخله وهذا معنى حجة طائفة من الجهمية الاتحادية ونحوهم يقال له إذا لم تعقل موجودًا إلا كذلك دلَّ على أنه إمّا خارج العالم وإمّا داخله لا يتعين أن يكون داخله وكونه ليس بخارج العالم إنما ثبت بهذه الحجة ونحوها فإذا كنت طاعنًا فيها كطعن أهل الإثبات بطل أصل قولك ولم يكن لك بعد هذا أن تنفي كونه خارج العالم وأمّا نافي المحايثة للعالم مثل الرازي ونحوه فقد احتجوا على كونه ليس بحالٍّ في محل بما ذكره الرازي في نهايته فقال المسألة الثالثة في أنه لا يمكن أن يكون حالا في محل ولنا فيه مسالك ثلاثة الأول لو حل في محل لكان إما أن يحلّ في أكثر من حيز واحد أو يحل في حيز
واحد وساق الحجة مختصرة ومضمونها أن الأول يستلزم أن يكون منقسمًا أو يكون الواحد في حيزين والثاني يستلزم أن يكون بقدر الجوهر الفرد وقد تقدم الكلام على هذه الحجة بعينها في نفي التحيز المسلك الثاني لوحَلَّ في جسم فإمّا أن يقال إنّهُ أبدًا كان حالاًّ فيه فيلزم إمَّا قِدَمَ المحل أو حدوثه تعالى وهما باطلان أو يقال حلَّ بعد أن لم يكن حالاًّ فيه وحينئذٍ إما أن يكون واجبًا فذاك الوجوب وإما أن
يكون للمحل أو للحال أو الثالث والأول باطل لأن الأجسام متساوية في الماهية وجميع اللوازم على ما مرَّ فلو اقتضى شيء منها حلولِ الله فيه لاقتضى الآخر مثل ذلك فيلزم أن يحل الباري في كلها فيلزم إمّا انقسام ذاته أو حلول الواحد في أكثر من محل وأنهما محلان والثاني باطل أيضًا لأن اقتضاءِهُ للحلول إنْ لم يكن بشرط حدوث المحل كان حالاًّ في المحل قبل حدوث المحل وهذا محال وإن كان بشرط حدوثه فعند حدوث الجواهر الكثيرة لم يكن بأن يحل في واحدٍ منها أولى بأن يحل في غيره فيعاد المحال المذكور والثالث أيضًا باطل لأن ذلك الثالث إن كان
لازمًا للحالّ أو المحل عادت المحالات وإن لم يكن لازمًا لها فهو إمّا موجب وإمّا مختار والموجب لابد وأن يكون لا جسمًا ولا جسمانيًّا وإلَاّ فليس اختصاصه بهذا الاقتضاء أولى من الاختصاص بسائر الأجسام بل يكون الجسم الذي
هو محل أولى بذلك ويعود المحال وإن لم يكن ذلك الموجب جسمًا ولا جسمانيًّا فليس بأن يقتضي حلول الله في بعض الجواهر أولى من أن يقتضي حلوله في غيره فيلزم أن يحل في كل الجواهر فيعود المحال وأما إن كان مختارًا فذلك المختار لابد وأن يفعل فعلاً وإلاّ لما افترق الحالُّ بين ما قبل الحلول وبين ما بعده وذلك الفعل لابد وأن يكون هو الحلول أو ما يقتضي الحلول لكن حلول الشيء في غيره ليس أمرًا وجوديًّا حتى يصح أن يجعل أثرًا للفاعل أو موجبًا لأن حلول الشيء في الشيء لو كان صفة موجودة لكانت تلك الصفة أيضًا حالة في الشيء الذي صار حالاًّ فيه فيكون حلول الحلول زائدًا عليه ولزم التسلسل
فثبت أن القول بحلول الله في غيره يفضي إلى أقسام عدة فيكون القول به فاسدًا فليس في النسخة ذكر القسم الآخر وهو أن يكون جائزًا فلا أدري هل سقط من النسخة أم من التصنيف ولكنما ذكره يدل على نظيره وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام وقد تقدم بيان فساده من وجوه كثيرة ومبنية على امتناع ما سماه انقسامًا وقد تقدم أيضًا بيان فساده وقوله عند حدوث الجواهر الكبيرة لم يكن بأن يحلَّ في واحدٍ منها أولى من أن يحل في غيره فهذا مبني على تماثل الأجسام وقد تقدم وبتقدير تماثلها فهو مبني على أن الرَّبَّ لا يخصّ أحد المثلين بشيء لمجرد مشيئته وهذا خلاف أصله وأيضًا فإن تخصيص بعض الأجسام ببعض الصفات أمر موجود فإن كان هذا قبل عدم تماثلها وإن كان
التخصيص بعد التماثل فقد ثبت جواز تخصيص أحد المثلين بما يحل فيه وعلى التقديرين يبطل ما ذكره من القسم الثاني وكذلك ما ذكره في القسم الثالث من أنه ليس اقتضاء المقتضي الثالث للحلول في بعض بأولى من الحلول في بعض يَرِدُ عليه هذه الوجوه الثلاثة وما ذكره من التخصيص باختيار المختار من أن المختار لابد وأنْ يفعل فعلاً والحلول ليس بأمر وجودي فهو أبطل من غيره فإن هذا لو صح لم يمتنع عليه في الحلول في غيره فإنه لا يمتنع عليه أن يكون بينه وبين المخلوقات تعلقات غير وجودية وأيضًا لو صح ذلك لكان التحيُّز والعلو على العرش
ونحو ذلك أمورًا عدمية وبطل نفي ذلك عنه لأن وصفه بالسلوب متفق عليه بين العالمين وأيضًا فلو كان كذلك أمرًا عدميًّا لكان نقيضه وجوديًّا لم يصح أن يكون صفة للمعدوم ومن المعلوم أن المعدوم يوصف بأنه ليس حالاًّ في غيره وليس غيره حالاًّ فيه وذلك يمنع أن يكون سبب الحلول وجوديًّا ويقتضي أن الحلول وجودي وأما قوله لو كان وجوديًّا لكانت الصفة حالة في الشيء ولكان للحلول حلول وهو يقتضي التسلسل فيقال الأول هو حلول الشيء القائم بنفسه بغيره والثاني حلول الصفة بالموصوف فهذا من باب حلول الأجسام في محالها وهذا من باب حلول الأعراض في الأجسام وأحد النوعين مخالف للآخر وذلك لا يقتضي أن يكون لحلول الصفة بالموصوف حلول فيها لأن العرض لا يقوم بالعرض
ثم قال المسلك الثالث وهو أنه تعالى إن كان محتاجًا إلى ذلك المحل كان ممكنًا لذاته ولكان ذلك المحل غنيًّا عنه فكان واجبًا لذاته أو لشيء آخر غيره فيلزم وجود موجودين واجبي الوجود وهو محال وإن لم يكن محتاجًا إلى ذلك المحل كان غنيّاً عنه والغنى بذاته عن المحل يستحيل أن يعرض له
ما يحوجهُ إلى المحل لأن العَرَضيات لا تزيل الصفات الذاتية قال وفي هذا المسلك مباحث وهو أعم من المسلكين السالفين لأنهما ينفيان حلول الله في الجسم وهذا المسلك ينفي حلوله في المحل سواء كان ذلك المحل جسمًا أو غير جسم قلت وهذا المسلك إن دلَّ فإنما يدل على أنه لا يحل في محل على طريق الحاجة إليه وأما الحلول على غير طريق الحاجة فلا ينفيه هذا المسلك فكيف وليس بمستقيم فإنَّ قوله ولكان ذلك المحل غنيًّا عنه ليس بلازم إذ الممكن لن يكون وجودهُ مستلزمًا لمحل يكون ذلك المحل محتاجًا إليه وواجبًا به لا بنفسه فلا يكون فيما يسميه حاجة إلى ذلك المحل ما ينافي وجوبه بنفسه لأن الحاجة هنا معناها الملازمة كما يقوله في صفاته اللازمة وأيضًا فهو قد قدح في الحجة المانعة من وجود واجبين وقد تقدم الكلام على هذا مبسوطًا وأن لهذا الكلام
ثلاثة أوجه أحدها أن يكون ذلك المحل داخلاً في صفات الرب كما تقدم بيان ذلك في لفظ الحيّز إذ أريد به نهاية المتحيز لكن قد يقال لفظ المحل أخص من الحيز والنزاع في كونه في المحل لا يعني به هذا الثاني أنه يراد بالمحل ما أراده هو بالحيّز المنفصل عنه وقد زعم هو في موضع أنه وجودي والتحقيق أنه عدمي الوجه الثالث أنه لو قدّر أنه وجودي فالمقصود هنا أنَّ استلزام ذاته لذلك المحل لا ينافي وجوبه لذاته ولا يقتضي أنه ممكن مفتقِر إليه فإن المتفلسفة القائلين بان ذاته تستلزمُ لوجودِ العالم يعلمون أن ذلك لا ينافي وجوب وجوده بنفسه فهذا أولى وإن كان انتفاءُ هذا المحل معلومًا بأدلة أخرى عقلية أو سمعية لكن المقصود بيان أنما ذكره ليس بدليل وإذا تبين أنهم ليس لهم حجة صحيحة تنفي حلوله في المحل إذا قالوا ليس مباينًا للعالم بالجهة كان قولهم حينئذٍ ليس هو حالًّ في العالم ولا العالم محلاًّ له إذا لم يقولوا بكونه مباينًا للعالم قولاً بلا علم ولا حجة فلا يكون مقبولاً
وكذلك يقتضي أنهم لا يثبتون له من المباينة قدرًا زائدًا على المباينة بالحقيقة والزمان وأن كل من قال أنه ليس بخارج العالم لم يثبت مباينة زائدة على المباينة التي يشاركها فيها المحل والحالّ فيه وهذا معلوم الفساد بالضرورة كما تقدم الوجه الثامن أن إخوانهم الجهمية الموافقين لهم على نفي كونه خارج العالم إذا قالوا لهم هو في كل مكان وحالٌّ فيه كل مكان لم يمكنهم نفي ذلك عنه بهذه الحجج كما تقدم وأولئك إذا قالوا هو في كل مكان لم يمكنهم الاحتجاج على ذلك بما نَفَى كونه خارج العالم وكان قول طائفة من الطائفتين مانعًا من صحة قول الآخرين وذلك يقتضي بطلان قول الطائفتين وبطلانهما جميعًا يوجب أن يكون خَارجَ العالم وإيضاح ذلك أن من يقول هو في كل مكان يجعله مقدرًا محدودًا قدر العالم فجميع ما يحتج به على نفي كونه فوق العرش ينفي أن يكون بكل مكان بطريق الأولى والأحرى لأن في هذا القول من وصفه بالصفات الممتنعة عليه وتجويز النقائص عليه وقبوله للزيادة والنقصان وغير ذلك ما ليس في كونه خارج العالم ومن قال إنه ليس داخل العالم ولا خارجه إما أن يثبت مباينتهُ للعالم بقدرٍ زائدٍ على المباينة بالحقيقة
والزمان أو لا يثبته فإن أثبت المباينة الزائدة وَجَبَ أن يكون مباينًا للمكان وإن لم يثبتها لم يمكنه نفي حلوله في العالم مع مباينته بالحقيقة والزمان إذ لا يكون له حجة على نفي حلوله في العالم كما تقدم وهذا باطل ومَا استلزمَ الباطل فهو باطل وإن قال هو داخل العالم وهو خارجه أيضًا كما يقوله بعض الناس فإنه يَرِدُ عليه كل ما يُورَدُ على من قال هو خارج العالم سواء قال هو جسمٌ مع ذلك أو ليس بجسمٍ فقد تبين أن من قال إن الله ليس خارج العالم يلزمه أن لا يكون الله مباينًا للعالم منفصلاً عنه وهذا اطل عند المنازع ونحوه ومن التزمهُ وقال بالحلول كان ما يلزمه من الفساد والتناقص أكثر ممَّا يلزمه خصمه فيكون قول من أبطل الباطل وإبطال قول هؤلاء زيادة زدناها إذ هو لم يتعرض لذلك هنا وإنما أفرد له مسألة ولهذا كان الأئمة كابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق
ابن إبراهيم وغيرهم يقولون إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ويقولون بحدٍّ لأن نفي المباينة لخلقه يستلزم حلولَهُ فيهم واتحادَهُ بهم
وأما نفي المباينة ونفي المحايثة فإنه جمع بين النقيضين من جنس كلام الملاحدة الذين يقولون ليس بعالم ولا جاهل ولا فادر ولا عاجز إذ كلام هؤلاء النفاة كله من وادٍ واحدٍ هو الإلحاد في أسماء الله وآياته بالقرمطة وتحريف الكلم عن مواضعه وبالسفسطة في العقليات بدعوى عدم النقيضين أو
دعوى اجتماعهما لكن فيهم من يلحد في أمور يقر الآخر بإثباتها وإلا فَيَنْفي علوه على العرش فقول القائل ليس داخل العالم ولا خارجه هو مثل نفي علمه وقدرته بقول القائل لا عالم ولا جاهل ولا عاجز كل هذا من بابٍ واحدٍ ومن لم يثبت أنه عالم قادر لزمه أن يكون جاهلاً عاجزًا كما أن من لم يثبت أنه فوق العالم لزمه أن يكون حالاًّ في العالم وكونه حالاًّ في العالم هو من صفات النقص كوصفه بعدم العلم والقدرة الوجه التاسع أن الجهمية بعد اشتراكهم في أن الله ليس فوق العرش وأنه ليس خارج العالم اختلفوا فقالوا مايمكن أن يخطر بالبال من الأقوال والممكن أن يقال إمّا أن يكون في كل مكان أو هو جسمٌ بقدر العالم أو هو جسم فاضل عن العالم متناهٍ أو هو في كل مكان وليس بجسم أو يقال إنه في كل مكان بذاته وهو مع ذلك فوق العرش وليس بجسم أو يقال ليس لمساحته نهاية ولا غاية وهو ذاهب في الجهات الست وليس بجسم أو يقال هو مع ذلك جسمٌ أو يقال ليس داخل العالم ولا خارجه وهذه الأقوال قد ذكرها أرباب المقالات كما تقدم ذلك
وإذا كان كذلك فهؤلاء الذين يقولون هو في كل مكان بذاته وليس مع ذلك خارج العالم أو هو مع ذلك خارج العالم ببعدٍ متناهٍ أو أنه لا نهاية له سواء قالوا هو جسم أو قالوا ليس بجسم أو قالوا ليس داخل العالم ولا خارجه فهذه الأقوال السبعة يقابل بعضها بعضًا كما تراه وهم كما قال الإمام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب وهم مع ذلك لابد أن يقولوا هو مخالف للعالم في حقيقته ليست حقيقته مثل حقيقة العالم كما تقدم وأنه متقدم عليه أيضًا فهم يثبتون المباينة بالحقيقة والزمان وأما المباينة بالجهة فلا يثبتها أحدٌ منهم لكن منهم
من ينفي المحايثة ومنهم من لا ينفيها بل يثبت المحايثة للعالم فمَن نفى المحايثة للعالم لزمه أن يثبت المباينة بالجهة وإلاّ جَمَعَ بين النقيضين ولم يمكن أن ينفي المحايثة مع نفي المباينة بالجهة كما تقدم ومن أثبت المحايثة لم يجعله مباينًا للعالم بالجهة بل غايته أن يجعل مباينته للعالم بالحقيقة والزمان وهذه المباينة تَثْبُتُ للجوهر مع عرضه ونحن نعلم بالاضطرار أن مباينة الله للمخلوق أعظم من مباينة المخلوق بعضه لبعض ومن مباينة الجوهر للعرض فكل من هؤلاء لابد أن يجحد الضرورة العقلية الوجه العاشر أن هؤلاء جميعًا فَرُّوا بزعمهم من التشبيه ومن المعلوم أن هذا فيه من تشبيههم إيّاه بكل شيء من الجواهر والأجسام بل ومن المعدومات ما ليس في قول أهل الفطرة والشرعة فإن نفي المباينة والمحايثة صفة للمعدوم والقول بالمحايثة تمثيل له بكل جوهر فإن أحدهما محايث للآخر مع مباينته له الحقيقة والزمان على أن فيهم من يجعل الأشياء حالّة فيه ومنهم من يجعله حالاًّ فيها فيكون هؤلاء مثَّلوه بالجواهر وهؤلاء مثلوه بالأعراض
الوجه الحادي عشر أنه قد ثبت بالشرع والعقل أن الله سبحانه ليس كمثله شيء وأن حقيقته لا تماثلها حقيقة وذلك أنه لو كان له مثْلٌ والمِثْلان يجوز ويجب ويمتنع على أحدهما ما يجوز ويجب ويمتنع على الآخر لوَجَبَ للمخلوق ما يجب له من الوجوب والقدم والخلق وسائر خصائص الربوبية ولجاز عليه ما يجوز على المخلوق من العدم والحاجة والحدوث وسائر صفات النقص ولامتنع على المخلوق ما يمتنع عليه من العدم ونحو ذلك وذلك يستلزم أن يكون الشيء موجودًا معدومًا قديمًا محدثًا خالقًا مخلوقًا واجبًا ممكنًا إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن عَدَمَ مماثلته لشيء من المخلوقات أعظم من عدم مماثلة المخلوق للمخلوق إذْ المخلوقات تشترك في كثير مما يجوز ويجب ويمتنع عليها
وإذا كان عدمه مماثلته للعالم أعظم فالمباينة والمخالفة ونحوها تتبع عدم المماثلة فكلما كان الشيء عن مماثلة الشيء أبعد كانت مباينته له ومخالفته له أعظم وذلك يوجب أن تكون مباينته له أعظم من مباينته كل جوهر وكل عرض لكل جوهرٍ ولكل عرض فإذا لم يكن مباينًا إلا بالحقيقة والزمان لم يكن كذلك فعلم أن ذلك باطل الوجه الثاني عشر أن يقال لو كان لا يباين العالم إلا بالحقيقة والزمان وهذه المباينة يشاركه فيها الجواهر وما يقوم بها من الأعراض لم يكن لمباينته للعالم قدر زائد على مباينة الجوهر للعرض وإذا انتفت المباينة الزائدة ثبتت المماثلة والمشابهة في المباينة فإن الشيئين إذا كان كل منهما لا يباين ما يباينه إلا بالحقيقة والزمان كان نسبة كل منهما إلى ما يباينه كنسبة الآخر إلى ما يباينه فتكون نسبته إلى العالم كنسبة كل من الجواهر والأعراض المخلوقة إلى الآخر أكثر ما يقال إن حقيقته أكثر مباينة لحقيقة غيره من الجوهر للعرض والعرض للعرض كما أن تقدمه للعالم أعظم من تقدم بعض العالم لبعض لكن بكل حال إذا كانت مباينته من جنس المباينة بالحقيقة والزمان لم يخرج عما يجوز على هذا
الجنس كما أنه موجودًا وقائمًا بنفسه لم يخرج عما يجوز على جنس الموجود والقائم بنفسه فإذا كان المَوْجود والقائم بنفسه لا يكون إلا واجبًا أو ممكنًا ولا يكون إلا قديمًا أو محدثًا لم يُخرج عن أحد القسمين وإذا كان التباين بالحقيقة أو الزمان لا يخرج عن أن يكون محلاًّ لحالٍّ يقوم به أو حالاًّ في محل والحالُّ مفتقر إلى محله والمحل لا يوجد بدون وجود الحالِّ فيه إذ العرض مفتقر إلى الجوهر والجوهر مستلزم للعرض وقد يقال هو محتاج إليه أيضًا لزِمَ إذا جُعل حالاًّ في العالم أن يكون مفتقرًا إلى العالم محتاجًا إليه لا يقوم وجوده إلا بالعالم مع أن العالم قائم بنفسه بدونه وهذا يقتضي أن يكون العالم غنيًّا عن الله تعالى والله مفتقر إليه وأن يكون هو إلى العالم أحوج من العالم إليه أو أن يكون كل منهما محتاجًا إلى الآخر وهذا قد صرح به الاتحادية كصاحب الفصوص وقال
بأن العالم والحق كل منهما محتاج إلى الآخر ونحو ذلك مما قد ذكرناه في غير هذا الموضع ويقول إن أعيان العالم هي ثابتة في العدم مستغنية عن الحق وأن وجود الحق ظهر فيها وهذا من جنس حلوله في تلك الأعيان لكن هما متحدان لا يتميز الحالّ عن المحل ولهذا يقول بنوعِ الحلول وبنوعٍ من الاتحاد وهو في ذلك متناقض كتناقض النصارى في
الحلول والاتحاد الخاص بالمسيح وذلك لأنه يجعل الثبوت غير الوجود كما يقوله من يقول المعدوم شيء وهذا باطل وإن كان محققو هؤلاء لا يرضون بالحلول الذي يقتضي اثنين حالاًّ ومحلاًّ بل عندهم ما ثم إلا وجود واحد ومنهم من يقول هو الوجود المطلق وإن كان المطلق لا وجود له في الخارج إلا معينًا مخصَّصًا فيكون هو وجود المخلوقات بعينه ومنهم من يصرح بذلك فيقول هو عين الموجودات لا يفرق بين ثبوت ووجود ولا بين مطلق ومعين فهؤلاء يجعلونه نفس المخلوقات فالحلول والاتحاد المطلق يشبه الحلول والاتحاد المعين وكما أن النصارى في المسيح منهم من يقول الّلاهوت والنّاسوت جوهر واحد وصفة واحدة كاليعقوبية القائلين
بأن الّلاهوت والنّاسوت اتحدا كاتحاد الماء واللبن وبأن نفس المصلوب المُسَمَّر هو خالق العالم ومنهم من يقول بالحلول كحلول الماء في الظرف كالنسطورية القائلين بأنهما جوهران وطبيعتان وأقنومان ومنهم من يقول بالحلول من وجهٍ وبالاتحاد من وجه كالملكانية الذين يقولون كالنار في الحديدة فهؤلاء الذين يقولون بالحلول والاتحاد المطلق في المخلوقات جميعها من الجهمية قولهم ذلك شر من مقالة النصارى في الاتحاد فإن قولهم من جنس قول المشركين والمعطلين وهم شر حالٍ من النصارى وذلك من وجهين
أحدهما أن النصارى قالوا بالاتحاد والحلول في شخصٍ واحدٍ وهؤلاء قالوا إنه في العالم كُلِّه حتى ذكروا عن صاحب الفصوص أنه قال النصارى ما كفروا إلا لأنهم خصصوا وقال ذلك التلمساني وغيره من شيوخهم وقد صرح في غير موضع بأن المشركين عباد الأوثان إنما أخطأوا من حيث عبادة بعض الأشياء دون البعض والمحقق عندهم من يعبد كل شيء ويرى كل شيء عابدًا للحق ومعبودًا له وكل من عبد شيئًا غير الله عنده فما عبد إلا الله وهذا يجمع كل شرك في العالم مع قوله إن الشريك هو الله كما زعمت النصارى أن الله هو المسيح ابن مريم ولهذا كثيرًا ما يصرح شيوخ الجهمية بأن الله في العالم كالزبد في اللبن وهذا قول اليعقوبية في المسيح وقد قالوا في مجموع الوجود ما يقوله النصارى في المسيح الوجه الثاني أنَّ النصارى يقولون بأنَّ الاتحاد والحلول فعل من أفعال الرب وأن اللاهوت اتحد بالناسوت مرة وانفصل عنه أخرى وهؤلاء عندهم ما يتصور أن يتميز وجود الحق عن المخلوقات ولا يباينها ولا ينفصل عنها وهؤلاء الاتحادية
هم أكفر وأضل ممن يقول إن الله تعالى بذاته في كل مكان ونحو ذلك من المقالات الشنيعة المتقدمة ولكنْ هم مشاركون لهم في أصل المقالة وزائدون عليهم في الضلالة والمقصود هنا التنبيه على أن أولئك الجهمية الذين لا يثبتون المباينة يضطرون إلى أن يجعلوا الرب مفتقرًا إلى العالم إذا جعلوه حالاًّ فيه مع استغناء العالم عنه وإن جعلوه محلاًّ لهُ مع أن ذاته لا تباين ذات العالم بل تحايثه كما هو قولهم فإنهم يقولون بأنه لا وجود للرب إلا بوجود العالم ولا يمكن وجود الرب بدون وجود العالم كما لا يمكن وجود المحل الذي هو الجوهر أو الهَيولى بدون ما يحل فيه من الأعراض أو الصورة فيكون العالم مقومًا لوجود الرب والرب محتاج إليه أيضًا وهو أعظم من قدم جميع العالم الوجه الثالث عشر أن هؤلاء الجهمية يقولون إنه لا تَحُلُّهّ الصفات ولا تقوم به فإنه إذا قامت به الصفات والأعراض كان
محتاجًا إليها وكانت مقاومة له ومنافية لوحدته ووجوب وجوده وقدمه فإذا قال منهم طائفة بأن المخلوقات كلها تحلّهُ وتقوم به كان هذا مع ما فيه من الكفر والضلال في الاختلاف والتناقض أعظم من أن يوصف وكذلك قالوا إنه لا يكون فوق العرش لئلا يكون حالاًّ بغيره وقائمًا بغيره وكائنًا في كل مكان ونحو ذلك مع أنه متميز عن العرش منفصل عنه فإذا قالوا إنه حالٌّ في المخلوقات مختلط بالقاذورات كان هذا مع ما فيه من الكفر والضلالات من أعظم المتناقضات والمقصود أنَّ هؤلاء الجهمية لا يفرون من شيء من الحق لما يظنونه شبهة إلا وقعوا في أضعاف مضاعفة من الباطل التي يلزمها ذلك المحذور عندهم فهم دائمًا متناقضون فإن كل من نفى عن الله أن يكون فوق العرش لابد أن يحتج بحجة تقتضي السلب والنفي فهو مع قوله بالمحايثة أو قوله بالمباينة بلا محايثة يكون مثبتًا لكل ما سَلَبَهُ ولأَضعافهِ أو يلزمه ذلك فلم يستفيدوا إلا التناقض في المقال وجَحَدوا الخالق وهذا من أعظم الضلال ونفس تناقض القولين يقتضي فساده فكيف بما زاد على ذلك فإنهم إذا قالوا الوجود الواجب لا يكون إلا واحدًا ليس هو
صفة ولا قدرة ونحو ذلك مما أصل قولهم يقتضيه فكل ما يقولونه بعد ذلك من كونه بكل مكان أو كونه داخل العالم وخارجه أو كونه هو الوجود القائم بالكائنات ونحو ذلك مما يناقض هذا فإن المحايث لجواهر العالم وأعراضه يجب أن يوصف بما توصف به الجواهر والأعراض من التركيب والانقسام وغير ذلك وإنْ لم يوصف بذلك مع قولهم بالمحايثة له كان هذا مع فساده في ضرورة العقل ناقضًا لجميع أصولهم فإنهم إذا جعلوا ذاتين متحايثتين وجعلوا إحداهما منقسمة ومركبة وغير ذلك دون الأخرى وجعلوا الواحد الذي لا تركيب فيه محايثًا لكل تركيب كان هذا مفسدًا لكل حجة لهم وقولهم إنه غير محايث له مع قولهم إنّهُ لا يُباينه إلا بالحقيقة والزمان جمع بين النقيضين حيث جعلوا مباينته غير زائدة على مباينة المحل للحالِّ فيه وقالوا مع ذلك إنه غير مباين بغير هذه المباينة كما تقدم ولولا أن هذا الموضع ليس هو موضع الرد على من يقول هو بذاته في كل مكان إذ المؤسسُ وذووهُ لا يقولون هذا لَكُنَّا نُوَسِّعُ المقال فيه وإنما المقصود هنا قول من يقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه وإن كان القولان جميعًا خارجين
من مشكاةٍ واحدة وهي التعطيل لكونه فوق العرش فإنهم لما جَحدوا هذا الحق الذي فطر عليه عباده وبعث به رسله وأنزل به كتبه واجتمع عليه المؤمنون به تفرقوا بعد ذلك وفساد أحد القولين مستلزم لفساد أصل القول الآخر وكل من القولين يناقض الآخر وكل منهما لا يمكنه إفساد قول خصمه مع مقامه على قوله فيلزم إما القول بباطل خصمه وإما الرجوع إلى الحق ومتى أبطل قول خصمه إبطالاً محققًا لزم إبطال قوله وأدلة إبطال قول الحلولية والاتحادية الذين يقولون
إنه في كل مكان ونحو ذلك كثيرة ليس هذا موضعها وكل آية في القرآن تبين أن لله ما في السموات والأرض وما بينهما ونحو ذلك فإنها تبطل هذا القول فإنَّ السموات والأرض وما بينهما وما فيهما إذا كان الجميع له وملكه ومخلوقه امتنع أن يكون شيء من ذلك ذاته فإن المملوك ليس هو المالك والمربوب ليس هو الرب والمخلوق ليس هو الخالق ولهذا كان حقيقة قول الاتحادية أن المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع لا يفرقون بينهما حتى إنه يمتنع عندهم أنه يكون الله رب العالمين كما يمتنع أن يكون ربَ نفسه إذْ ليس العالمون شيئًا خارجًا عن نفسه عندهم وقد قدمنا فيما مضى طرفًا من كلام السلف والأئمة في الرد على هؤلاء مثل الأثر المشهور عن ابن المبارك أنه قيل له بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه لا نقول كما تقول الجهمية إنه ها هنا في الأرض وقول
الإمام أحمد هكذا هو عندنا وروي عن ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية حدثنا الحسن بن علي بن مهران حدثنا بشار بن موسى الخفّاف قال جاء بشر بن الوليد
إلى أبي يوسف فقال له تنهاني عن الكلام وبشر المَرِيْسِي وعلي الأحول وفلان يتكلمون فقال وما يقولون قال يقولون الله في كل مكان فبعث أبو يوسف وقال عليَّ بهم فأتوا إليه وقد قام بشر فجيء بعلي الأحول والشيخ يعني الآخر فنظر أبو يوسف إلى الشيخ وقال لو أنّ فيك موضع أدب لأوجعتك فأمر به إلى الحبس وضرب غليًّا الأحول وطوَّف به وقال أيضًا حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي
سمعت أبي يقول حُبس رجل في التجهم فتاب فجيء به إلى هشام بن عبيد الله الرازي ليمتحنه فقال له أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوهُ فإنه لم يتب بعد وقال عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق لما روى حديث ابن عباس ما بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور فهو فوق ذلك قال من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث إن الله سبحانه فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك فقال أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم أن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه بلا كيف أحاط بكل شيء علمًا
وقال عثمان بن سعيد الدارمي قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سمواته وقال أيضًا قال أهل السنة إن الله بكماله فوق عرشه يعلم ويسمع من فوق العرش لا يخفي عليه خافية من خلقه لا يحجبهم عنه شيء وقال عثمان ين محمد بن أبي شيبة في كتاب العرش له ذكروا أن الجهمية يقولون ليس بين الله وبين خلقه حجاب
أي يحجبهم عن أن يَرَوه وأنكروا العرش وأن يكون الله فوقه وقالوا إنه في كل مكان إلى أن قال فسرت العلماء وهو معكم يعني بعلمه ثم تواترت الأخبار أن الله خلق العرش فاستوى عليه بذاته فهو فوق العرش بذاته مُتَخَلِّصًا من خلقه بائنًا منهم وقال عمرو بن عثمان المكي رفيق الجنيد في كتاب
آداب المريدين والتعرف لأحوال العباد في باب ما يجيء به الشيطان للتائبين من الوسوسة وأما الوجه الثالث الذي يأتي به للتائبين إذا هم امتنعوا عليه واعتصموا بالله فإنه يوسوس لهم في أمر الخالق ليفسد عليهم أصول التوحيد وذكر كلامًا طويلا إلى أن قال هذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيك أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل وأن يدخل عليه مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم فهلكوا إن قبلوا وتتضعضع أركانهم إن لم يلجؤوا بذلك إلى العلم وتحقيق المعرفة لله عز وجل من حيث أخبر عن نفسه ووصف به نفسه وما وصفه به رسوله إلى أن قال فهو تعالى القائل أنا لله لا الشجرة الجائي بعد أن لم يكن جائيًا لا أمره المستوي على عرشه بعظمته وجلاله دون كل مكان الذي كلم موسى تكليمًا وأراهُ من آياته عظيمًا فسمع موسى كلام الله الوارث لخلقه السميع لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه مبسوطتان وهما غير نعمته وقدرته خلق آدم بيديه وذكر أشياءً أخر
وقال زكريا بن يحيى الساجي إمام البصرة في زمانه وعنه أخذ الأشعري كثيرًا مما أخذه من مذاهب أهل السنة والحديث والفقه قال القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناههم أن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وقال نظيره أبو بكر بن محمد بن إسحاق بن
خزيمة رحمه الله مَنء لم يقر بأن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فإنه يُستَتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وأُلقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة وقال أبو عبد الله ابن بطة في الإبانة الكبرى أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين أن الله على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في الاعتقاد الذي جمعه طريقتنا طريقة السلف المتَّبِعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله سبحانه لم يزل عالمًا بعلم بصيرًا ببصر سميعًا بسمع متكلمًا بكلامٍ ثم أحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامُه غير مخلوق وأن القرآن من جميع الجهات مقروءًا ومتلوًّا ومحفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا وملفوظًا وكلامُ الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة واللفظية من الجهمية وأن مضن قَصَدَ القرآن بوجهٍ من الوجوه
يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية وأن الجهمي عندهم كافر إلى أن قال وأن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وان الله بائنٌ من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستوٍ على عرشه في سمائه من دون أرضه وذكر سائر اعتقاد السلف وإجماعهم على ذلك وقال يحيى بن عمار السجستاني في رسالته وفيه
لا نقول كما قالت الجهمية أنه مداخل الأمكنة وممازج لكل شيء ور يُعلم أين هو بل نقول هو بذاته على العرش وعلمه محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء وهو معنى قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد 4] هذا الذي قلناه إن الأمكنة غير خالية من علمه وقدرته وأنه مدرك لها بسمعه وبصره وهو بذاته على العرش سبحانه وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال معمر بن زياد شيخ الصوفية في عصر أبي نعيم
ويحيى بن عمار أحببتُ أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين فذكر أشياء في الوصية إلى أن قال فيها وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف مجهول وأنه مستوٍ على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة وأنه عز وجل سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تأويل فمن أنكر النزول أو تأوَّل فهو مبتدع ضال وقال أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتاب الرسالة في السنة له ويعتقد أصحاب
الحديث ويشهدون أن الله فوق سمواته على عرشه كما نطق به كتابه وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سمواته وقال أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد له في باب القول في الاستواء قال الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} [طه 5] ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الفرقان 59] وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الفرقان 61] يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل 50] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر 10] أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك 16] أراد فوق السماء كما قال وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه 71] يعني على جذوع النخل وقال فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ [التوبة 2] يعني على الأرض وكل ما علا فهو سماء والعرش على السموات فمعنى الآية أأمنتم من
على العرش كما صرح به سائر الآيات وقال فيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية بأن الله بذاته في كل مكان وقوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ إنما أراد بعلمه لا بذاته وقال أبو عمر بن عبد البر لما تكلم على حديث النزول قال هذا حديث ثابت من النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله في كل مكان قال والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله تعالى وذكر
بعض الآيات إلى أن قال وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكرهُ عليهم مسلم وقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقَّب شيخ الإسلام في كتاب الصفات له باب إثبات استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنًا من خلقه من الكتاب والسنة فذكر رحمه الله دلالات ذلك من الكتاب والسنة إلى أن قال ففي أخبار شتى أن الله تعالى فوق السماء السابعة على العرش بنفسه وهو ينظر كيف يعملون وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان وهذا باب واسع لا يحصيه إلا الله تعالى فإن الذين نقلوا إجماع السلف أو إجماع أهل السنة أو إجماع الصحابة والتابعين على أن الله فوق العرش بائن من خلقه لا يحصيهم
إلا الله وما من أحد من هؤلاء المذكورين إلا وشهرته في الإسلام بالعلم والدين أعظم من أن يتسع لها هذا الموضع وإن كان بعضهم أفضل من بعض وفي شيء دون شيء وما زالَ علماء السلف يثبتون المباينة ويردُّون قول الجهمية بنفيها مع أن نفيها بالحقيقة أو الزمان لا ينكرهُ أحد وإنما ينكرون المباينة بالجهة ثم هم مضطربون في ثبوت المحايثة وعدمها كما تقدم وإثبات المحايثة أقرب إلى الفطر ابتداءً من نفي المباينة والمحايثة ولهذا كان هذا هو الذي تتظاهر به الجهمية وإنْ كان منهم من يتأَوَّلُ قوله إنه في كل مكان بمعنى علمه وقدرته لكن منهم من يقول إن ذاته في كل مكان وهو قول طوائف من علمائهم وعُبَّادهم حتى قالوا إنه نفس وجود الأمكنة ومعلوم أن في هذا من الفساد أمورًا كثيرة من وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب وما هو منزَّه عنه وقد التزم ذلك جميعه من التزمه من هؤلاء كالاتحادية وقالوا إن من كماله أن يكون هو الموصوف بكل مدح وذم ولعن وشتم وهو الناكح والمنكوح والشاتم والمشتوم وأمثال ذلك مما هو من أعظم الكفرِ والسَبِّ والشتم والإلحاد والمحادةِ لرب العالمين فكان السلف
يحتجون على الجهمية بما يلزم قولهم من كونه مخالطًا للأجسام المذمومة من النجاسات والشياطين وقد أخذ هذه الحجة عنهم من اتبعهم في ذلك من متكلمة الصفاتية ونحوهم كما ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في غير موضع من كتبه قال فإنْ قال قائل فهل تقولون إن الله في كل مكان قيل له معاذ الله بل مستوٍ على العرش كما أخبر في كتابه فقال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} [طه 5] وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10]
وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ {16} [الملك 16] وذكر آيات أخر إلى أن قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولَوَجَبَ أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان ولَصَحَّ أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وشمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله فذكر بعد ما ذكر من النصوص ثلاث حججٍ قياسيةٍ عقليةٍ
أحدها أن ذلك يستلزم أن يكون في الأمكنة والأجسام القبيحة المذمومة كالحشوش وأن يكون في جوف الإنسان وفمه وهذا مما يعلم الإنسان بفطرته وبديهة عقله أن الله سبحانه منزه عنه يعلم بضرورة حسه وعقله أن الله ليس في جوفه وان ذاته لا تصلح أن تلاصق النجاسات والأجواف بل ملائكته عليهم السلام مثل جبريل ونحوه قد نزَّههم أن يدخلوا بيتًا فيه كلب أو جنب وإنَّما يحضر الحشوش الشياطين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذه الحُشُوشَ محْتَضَرَةٌ
والحجة الثانية أنه كان يجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا زِيد فيها بالخلق وينقص بنقصانها إذا نقص منها وهذا على قول من يقول منهم إنه في كل مكان لا يفضل عن العالم فإن الأمكنة إذا زادت زاد وإذا نقصت نقص بالضرورة والحجة الثالثة أن ذلك يوجب دعاءَهُ والرغبةَ إليه إلى جهة السفل واليمين والشمال وذلك مخالف لإجماع المسلمين لأن الرغبة هي إليه نفسه حيث كان فإذا كان في الأرض كما هو فوق العرش كانت الرغبة إليه هنا كالرغبة إليه هناك والأشعري قبله قد احتج في كتاب الإبانة المشهور بهذا التنزيه فاحتج بانزيهه عن أن يكون مستويًا على الأقذار على
منع أن يكون الاستواء هو الاستيلاء واحتج على نفي كونه في كل مكان بتنزيهه عن أن يكون في النجاسات وقال وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى أنه استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء على العرش إلى معنى القدرة ولو كان هذا كما قالوه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة السفلى لأن الله عز وجل قادر على كل شيء والأرض والسموات وكل شيء في العالم فالله قادر عليه فلو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء لكان الله مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأنتان والأقذار لأن الله سبحانه وتعالى قادر على الأشياء كلها
ولما لم نجد أحدًا من المسلمين يقول إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون معنى الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها وَوَجَبَ أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون سائر الأشياء قال وزعمت المعتزلة والجهمية والحرورية أن الله عز وجل في كل مكان فلزمهم أن يكون في بطن مريم وفي الحشوش تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًّا ويقال لهم إذا لم يكن الله مستويًا على العرش بمعنى يختص به العرش دون غيره كما قال ذلك نقلة الآثار وكان الله في كل مكان فهو سبحانه تحت الأرض والأرض فوقه والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمهم أن الله تحت التحت والأشياء فوقه وهو عز وجل فوق الفوق والأشياء كلها تحته وهذا يوجب أنه فوق ما تحته وتحت ما فوقه وهو المحال الفاسد المتناقض تعالى الله ربنا جل جلاله عن ذلك
علوًّا كبيرًا فاحتج أبو الحسن بما يعلم بالاضطرار أنه ليس في الأجواف والحشوش وخص بطن مريم بالذكر لأن ذلك مشاركة للنصارى الذين يقولون إنَّ الله حَلَّ في بطن مريم لما تَدرَّعَ اللاّهوت بالنَّاسوت مع أن هذا حين يَقولُهُ علماءُ النصارى لعامتهم تنكره فطرتهم وتدفعه عقولهم لما يجدون في أنفسهم من العلم الضروري بنفي ذلك فإنهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على القطرة فأبواهُ يهوِّدانه وينصِّرانه ويُمَجِّسانه فالنصارى مولودون على الفطرة التي تنكر ذلك ولكن الدين الذي وجدوا عليه آباءهم هو الذي أوجَبَ تغيير فطرتهم وهذه حال هؤلاء الجهمية أجمعين فما منهم من أحد إلا حين يذكر
قول الجهمية تنكره فطرته وترده ضرورة عقله لكنْ يَتَّبع سادته وكبراءَه في خلاف طاعة الرسول حتى يغيروا فطرته لأجل المذهب الذي وَجَدَ عليه أباهُ وأمَّهُ أو من يجري مجرى ذلك من سيدٍ مالكٍ أو معلمٍ أو نحو ذلك وهم أعني متكلمة الصفاتية أخذوا ما أخذوه من هذه الحجج عن السلف والأئمة وإن كان في كلام السلف والأئمة مالم يَهْتَدِ إليه هؤلاء من التحقيق قال الإمام أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية ومما أنكرت الجهمية الضُّلَاّل أن الله سبحانه على العرش قلنا لِمَ أنكرتم أن الله سبحانه على العرش وقد قال سبحانه الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} [طه 5] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً {59} [الفرقان 59] قالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش
فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان وتَلَوْا من القرآن وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام 3] فقلنا عَرَفَ المسلمون أماكنَ ليس فيها من عِظَمِ الرَّبَِ شيء فقلنا أحشاءكم وأجوافَكم وأجوافَ الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عِظَمِ الرب سبحانه وتعالى شيء فهذا الذي ذكره الإمام أحمد مُتضمِّن إجماع المسلمين ويتضمن أن ذلك من المعروف في فِطرتهم التي فُطروا عليها وقوله من عِظَمِ الرَّبِّ كلمةٌ سَديدَة فإنَّ اسمَهُ العظيم يدل على العِظَمِ الذي هو قدره كما بيناه في غير هذا الموضع وذَكَرَ الأحشاش والأجواف لأنَّ علم المسلمين بذلك ببديهة حسهم وعقلهم ولأن في ذلك ما يجب تنزيه الرب عنه إذ كان من أعظم كفر النصارى دعواهم ذلك في واحد من البشر فكيف من يدعيه في البشر كلهم وكذلك ما ذَكَرَهُ من أجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة فإنَّ هذا كما تقدم مما يعلم بالضرورة العقلية الفطرية أنه يجب تنزيه الرب وتقديسه أن يكون فيها أو ملاصقًا لها أو مماسًّا
وتخصيص هذه الأجسام القذرة والأجواف بالذكر فيه اتباع لطريقة القرآن في الأمثال والأقيسة المستعملة في باب صفات الله سبحانه فإن الإمام أحمد ونحوه من الأئمة هم في ذلك جارون على المنهج الذي جاء به الكتاب والسنة وهو المنهج العقلي المستقيم فيستعملون في هذا الباب قياسَ الأولى والأحرى والتنبيه في باب النفي والإثبات فما وجب إثباته للعباد من صفات المدح والحمد والكمال فالرَّبُّ أولى بذلك وما وَجَبَ تنزيه العباد عنه من النقص والعيب والذم فالرب سبحانه أحق بتنزيهه وتقديسه عن العيوب والنقائص من الخلق وبهذا جاء القرآن في مثل قوله ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ [الروم 28] وفي مثل قوله وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً [الزخرف 17] وغير ذلك فإنه احتج على نفي ما يثبتونه له من الشريك والولد بأنهم ينزهون أنفسهم عن ذلك لأنه نقص وعيب عندهم فإذا كانوا لا يرضَون بهذا الوصف ومثل السوء فكيف يصفون ربهم به ويجعلون لله مثل السوء بل للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوءِ ولله المثلُ الأعلى ومما يشبه هذا في حقنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس لنا مثل السوء ولهذا شبَّه الله من ذمه
بالحمار تارةً وبالكلب أخرى والأقيسة العقلية وهي الأمثال المضروبة كالتي تُسمى أقيسة منطقية وبراهينَ عقلية ونحو ذلك استعمل سلف الأمة وأئمتها منها في حق الله سبحانه وتعالى ما هو الواجب وهو ما يتضمن نفيًا وإثباتًا بطريق الأولى لأن الله تعالى وغيره لا يكونان متماثلين في شيء من الأشياء لا في نفي ولا في إثبات بل ما
كان من الإثبات الذي ثبت لله تعالى ولغيره فإنه لا يكون إلا حقًّا متضمنًا مدحًا وثناءً وكمالاً والله أحق به ليس هو فيه مماثلاً لغيره وما كان من النفي الذي يُنْفَى عن الله وعن غيره فإنه لا يكون إلا نفي عيب ونقص والله سبحانه أحق بنفي العيوب والنقائص عنه من المخلوق فهذهِ الأقيسة العادلة والطريقة العقلية السلفية الشرعية الكاملة فأما ما يفعله طوائف من أهل الكلام من إدخال الخالق والمخلوق تحت قياس شمولي أو تمثيلٍ يتساويان فيه فهذا من الشرك والعدل بالله وهو من الظلم وهو ضرب الأمثال لله وهو من القياس والكلام الذي ذمَّه السلف وعابوه ولهذا ظن طوائف من عامة أهل الحديث والفقه والتصوف أنه لا يتكلم في أصول الدين أو لا يتكلم في باب الصفات بالقياس
العقلي قط وان ذلك بدعة وهو من الكلام الذي ذمه السلف وكان هذا مما اطمع الأولين فيهم لما رأوهم ممسكين عن هذا كله إما عجزًا أو جهلاً وإما لاعتقاد أن ذلك بدعة وليس من الدين وقال لهم الأولون رَدُّكُم أيضًا علينا بدعة فإن السلف والأئمة لم يردوا مثل ما رددتم وصار أولئك يقولون عن هؤلاء إنهم ينكرون العقليات وأنهم لا يقولون بالمعقول واتفق أولئك المتكلمون مع طوائف من المشركين والصابئين والمجوس وغيرهم من الفلاسفة الروم والهند والفرس وغيرهم على ما جعلوه معقولاً يقيسون فيه الحق تارة والباطل أخرى وحصل من هؤلاء تفريط وعدوان أوجبَ تفرقًا واختلافًا بين الأمة ليس هذا موضعه ودين الإسلام هو الوَسَطُ وهو الحق والعدل وهو متضمن لما يستحق أن يكون معقولاً ولما ينبغي عقله وعلمه ومُنزَّه عن الجهل والضلال والعجز وغير ذلك مما دخل فيه أهل الانحراف فسلك الإمام أحمد وغيره مع الاستدلال بالنصوص وبالإجماع مسلكَ الاستدلال بالفطرة والأقيسةِ العقلية الصحيحة المتضمنة للأَوْلَى
وذلك أن النجاسات مما أمر الشارع باجتنابها والتنزه عنها وتوعد على ذلك بالعقاب كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه وهذا مما علم بالاضطرار من دين
الإسلام وهي فُطرت القلوب على كراهتها والنفور عنها واستحسان مجانبتها لكونها خبيثة فإذا كان العبد المخلوق الموصوف بما شاء الله من النقص والعيب الذي يجب تنزيهُ الرب عنه لا يجوز أن يكون حيث تكون النجاسات ولا أن يباشرها ويلاصقها لغير حاجة وإذا كان لحاجة يجب تطهيرها ثم إنه في حال صلاته لربه يجب عليه التطهير فإذا أوجب الرب على عبده في حال مناجاته أن يتطهر له ويتنزه عن النجاسة كان تنزيهُ الرب وتقديسهُ عن النجاسة أعظم وأكثر للعلم بأن الرب أحقُّ بالتنزيه عن كل ما يُنزّه عنه غيره وأيضًا فالمعبود أعظم من العابد وهذا معلوم في بدائِهِ العقول لا سيما وهو سبحانه القدوسُ السلامُ والقدوسُ مأخوذ من التقديس وهو التطهير ومنه سُمِّيَ القدوس قدوسًا والجهمية تدعي أنها تقدسهُ بنفي الصفات ويسمون كلامهم
تأسيس التقديس ومنهم من يقول بمخالطته للنجاسات والباقون يلتزمون ذلك فهم منجِّسون لا مقدسون
ومِن أنكرِ الأمور في بدائِهِ العقول أن يكون العابد واجبًا عليه التنزيه عن النجاسات التي تخرج منه مع أن المعبود مختلط بها ملاصق لها وإذا كان العلم بأن الرب سبحانه أحق بالتنزيه والتعظيم من العبد والمعبود أحق بذلك من العابد كان هذا القياس وأمثاله من أظهر الأقيسة في بديهة العقول بل قد قال تعالى لخليله وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {26} [الحج 26] فإذا أمر عبده بتطهير بيته الذي يُطافُ به ويصلِّي فيه وإليه ويعكف عنده من النجاسة أَلَمْ يكن هو أحق بالطيب والطهارة والنزاهة من بيته وبدن عبده وثيابه ولهذا كان هؤلاء الاتحادية والحلولية يصفونه بما توصف به الأجسام المذمومة ويصرحون بذلك وهؤلاء من أعظم الناس
كفرًا وشتمًا لله وسبًّا لله وسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا وحصل بما ذكره الأئمة أن هؤلاء الجهمية هم أصل قولهم الذي به يُمَوِّهون على الناس إنما هو التنزيه ويسمون أنفسهم المُنَزِّهون وهم أبعد الخلق عن تنزيه الله وأقرب الناس إلى تنجيس تقديسه وهذا يظهر بوجوهٍ كثيرةٍ لكن المذكور هنا كونهم يقولون إنه في كل مكان من الأمكنة النجسة القذرة فَأَيُّ تنزيهٍ وتقديسٍ يكون مع جعلهم له في النجاسات والقاذورات والكِلَابِ والخنازير بل وتصريحهم بذلك حتى حدثني من شَهِدَ أحذقَ محقِّقيهم التلمساني وآخر من
طواغيتهم وقد اجتاز بكلب جربٍ ميتٍ فقال ذلك للتلمساني وهذا الكلب أيضًا ذلك فقال أوَ ثَمَّ شيء خارج عن الذات وهذا التلمساني هو وسائر الاتحادية كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وغيره وابن سبعين وابن الفارض والقونوي صاحب ابن عربي شيخ التلمساني وسعيد
الفرغاني إنما يَدَّعون الكشف والشهود لما يخبرون عنه وأن تحقيقهم لا يوجد بالنظر والقياس والبحث وإنما هو شهود الحقائق وكشفها ويقولون ثبت عندنا في الكشف ما يناقض
صريح العقل ويقولون لمن يُسْلِكُونهُ لابد أن يجمع بين النقيضين وأن يخالف العقل والنقل ويقولون القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا ويقولون لا فرق عندنا بين الأخوات والبنات والزوجات فإنَّ الوجود واحد لكنْ هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ومن شعر هذا التلمساني قبحه الله يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني والوجدُ أصدقُ نهَّاءٍ وأمَّارٍ فإن أُطِعْك وأعصى الوجد عدمت عمي عن العيان إلى أوهام أخبار وعينُ ما أنت تدعوني إليه إذا حقَّقته تره المنهيَّ يا جاري يقول أنت تدعوني إلى أن أعبد الله ولا أعبد غيره وما ثم غيره بل هو الذي تظنه غيرًا وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع
أصل ذلك أن علم الإنسان كله إنما يحصل بطريق الإحساس والمشاهدة الباطنة والظاهرة أو بطريق القياس والاعتبار أو بطريق السمع والخبر والكلام كما قال تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً {36} [الإسراء 36] والعبد الصادق يحصل له من المشاهدة الباطنة ما ينكشف به أمور كانت مغطاةً عنه ويفهم من كلام الله ورسوله والسلف معانيَ يشهدها لم يكن قبل ذلك يشهدها بل يظهر له قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ثم قال أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {53} [فصلت 53] أي أو لم يكفِ بشهادته وعلمه التي أخبرهم عنها في كتابه وهؤلاء المنافقون المرتدون الزنادقة ومن وقع في بعض ضلالاتهم من الغالطين الضالين هم في الشهود الذي يحصل لهم ويجعلونَهُ من جنس شهود المؤمنين مثل ما هم في المخاطبة التي تقع لهم ويجعلونها من جنس مخاطبة المؤمنين التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد كان في الأمم محدثون فإنْ يكن في أمتي أحدٌ فعمر وقد رواه البخاري في صحيحه من
حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البخاري ورواه زكريا ابن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون قال
أبو مسعود الدمشقي الصواب من حديث إبراهيم بن سعد عن أبي هريرة كما ذكره البخاري وأما حديث ابن عجلان عن يعد فإنه يقول فيه عن عائشة كذلك رواه عن الناس ولا أعلم أحدًا تابع ابن وهب عن إبراهيم بن سعد في قوله عن عائشة
والمخاطبة التي تقع لهؤلاء المنافقين والغالطين والمتشبهين بالمؤمنين هي من الشياطين التي تنزل على أمثالهم من كل أفَّاكٍ أثيم ومن حديث النفس ولهذا يكثرون من الشعر والكهانة التي يقترن بأهلها الشياطين كثيرًا قالوا لابن عمر ولابن عباس إن المختار يزعم أنه ينزل عليه فقال صدق هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ {221} [الشعراء 221] وقالوا للآخر إنه يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام 121] فلهم وحي وتنزيل ولكن من الشياطين كما تنزل على أشباههم من السحرة والكهان وبينهم قدرٌ مشترك في كثيرٍ من الأمور
وأما المشاهدة فإن أحدهم يشهد بباطنه الوجود المطلق الساري في الكون كله الذي لا يختص بشيء دون شيء وهذا شهود صحيح لكن ضلوا في ظنهم أن ذلك هو رب العالمين وأن ما وراءَ السموات والأرض شيءٌ آخر حيث يقولون ما فوق العرش رب ولا فوق العالم إله ويقول أحدهم لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله فكانوا في هذا الشهود والذوق والوجود كما ذكرته لمن خاطبته من أهل المعرفة والتحقيق في بيان الشبهة التي ضل بها هؤلاء ما كثرة ما فيهم من العبادة والصدق في ذلك العلم والفضيلة فقلت هم بمنزلة من شاهد شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس وليس وراء الشعاع شيء آخر أصلاً وجحد أن
يكون في الوجود شمس غير ما شهده من الشعاع وهذا مثل بعيد وإلا فالله سبحانه وتعالى أجلُّ وأعلى وأعظم وأكبر من جميع المخلوقات أن يكون نسبته إليها كنسبة الشمس إلى شعاعها ولكن هذا كما تقدم من باب قياس الأولى فإنه إذا كان من شهد شعاع الشمس ووجدَهُ فظن أنها عينُ الشمس وحقيقتها من أعظم الجاهلين الضالين فالذي شهد وجود المخلوقات فاعتقد أن عين وجود رب العالمين هو الأرض والسموات أعظم جهلاً وضلالاً وهؤلاء لم يكن ضلالهم فيما علموه وشهدوه من وجود المخلوقات ولكن في نفي ما لم يشهدوه وأنكروه من وجود رب السموات ثم ضلوا فظنوا وجود المخلوق هو وجود خالق الكائنات فوافقوا فرعون في ذلك النفي وامتازوا عنه بهذا الإثبات وهذا حال عامة الكفار وأهل البدع إنما ضلالهم في التكذيب بما لم يعرفوه من الحق لا بما علموه من الحق لكن يضمُّون إلى ذلك التكذيب ظنونًا كاذبة تنشأ عن الهوى يصدقون لأجلها بالباطل وذِكْرُ الأئمة في الرد على الجهمية ما عَلِمَهُ المسلمون بضرورة حسهم وعقلهم ودينهم وتنزيهه عن أن يكون في أجوافهم وأحشائهم أيضًا مع ما ذكروه من تنُّزهه عن الأنجاس
لأن ذلك أقرب إلى حس الإنسان وبديهة عقله فكلما كان المعلوم مما يحسه الإنسان ويعقله بديهة كان أعلم به لا سيما مع تكرر إحساسه به وعقله له وأيضًا فنبهوا بذلك على ما ذكره الله تعالى من كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وأنّ الله تعالى حل في بطن مريم فإن هذا تكفير لكل من قال في بشرٍ إنه الله بطريق الأولى فمن قال في الوجود كله ذلك أكفر وأكفر ولهذا اجتمع جماعة عظيمة بدمشق في سماع فأنشد فيه القوّال شعرًا لابن إسرائيل وكان شاعرًا من شعراء الفقراء في شعره إيمان وكفر وهدى وضلال وفي شعره كثير من كلام الاتحادية لكن التلمساني وابن الفارض أحذق في الاتحاد منه فأنشد القوّال له وما أنت غير الكون بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذايق وكامن هناك شيخ يعرف بالشيخ نجم الدين بن الحكيم صحب الشيخ إسماعيل الكوراني فأنكر ذلك وتلا قوله تعالى
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة 72] والتفت إلى القوّال وقال له قل وما أنت عينُ الكون بل أنت غيرهُ ويشهد هذا الأمر من هو صادق وهي واقعة مشهورة حدثني بها غير واحد ممن شهدها ولقد أحسن هذا الشيخ التالي لهذه الآية في الرد على هذا الشعر الذي هو من أقوال الملاحدة والاتحادية وأيضًا نبهوا بذلك على ضلال من يقول إنه الله أو أن الله فيه من أهل الاتحاد والحلول الخاص فإن المسلمين يعلمون بضرورة حسهم وعقلهم أن الله ليس في أجوافهم ولا أحشائهم ثم احتج الإمام أحمد بالنصوص فقال وقد أخبرنا الله أنه في السماء فقال سبحانه أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ {16} أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك 16-17] الآية وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء 158] وقال وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ [الأنبياء 19] وقال يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {50} [النحل 50] وقال ذِي الْمَعَارِجِ {3} تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 3-4] وقال وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام
61] وقال وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ {255} [البقرة 255] وقال فهذا خبرُ الله أخبرنا أنه في السماء ثم احتج بحجة أخرى من الأقيسة العقلية قال ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا قال الله تعالى إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء 145] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ {29} [فصلت 29] وهذه الحجة من باب قياس الأولى وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءَهُ في أسفل سافلين وذلك مستقرٌ في فطر العباد حتى أن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين وإذا كان هذا مما ينزه عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالربُّ تعالى أحق أن ينزهَ ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل هو أو شيء منه أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه بل هو العلي الأعلى بكل وجه ولهذا يروى عن بشر المريسي أنه كان يقول في سجوده سبحان ربي
الأسفل وكذلك بلغني عن طائفة من أهل زماننا أن منهم من يقول إن يونس عرج به إلى بطن الحوت كما عرج بمحمد إلى السماء وأنه قال لا تفضلوني على يونس وأراد هذا المعنى وقد بينا كذب هذا الحديث وبطلان التفسير في غير هذا الموضع
وهذه الحجة التي احتج بها الأئمة أجود من حجة التناقض التي احتج بها أبو الحسن فإنه يرد على تلك الأسولة ما لم يرد على هذه حيث يمكن أن يقال هو يجمع بين ما يتناقض
في حق غيره كما قيل لأبي سعيد الخراز بماذا عرفت ربك قال بالجمع بين النقيضين ثم تلا قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {3} وأما هذا القياس قياس الأول ووجوب تنزيه الرب عن كل نقص ينزه عنه غيره ويذم به سواه فهذا فطري ضروري متفق عليه ثم ذكر أحمد حجة أخرى عقلية قياسية قال وقلنا لهم أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان ومكان الشياطين مكانهم مكان فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد
وهذا التنزيه عن مجامعة الخبيث النجس من الأحياء نظيرُ التنزيه عن مجامعة الخبيث النجس من الجمادات ولهذا نهي عن الصلاة في المواطن التي تسكنها الشياطين كالحمام والحش وأعطان الإبل ونحو ذلك وإن كان المكان ليس فيه من النجاسات الجامدة شيء بل أرواث الإبل طاهرة بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه ذكر أن الكلب
يقطع الصلاة وخصَّه في الحديث الصحيح بالأسود وقال إنه شيطان لما سئل عن الفرق بين الأحمر والأبيض والأسود فقال الأسود شيطان وفي الصحيح عنه أنه قال إن الشيطان تفلت علي البارحة فأراد أن يقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فذعته ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاتلة المار بين يدي المصلي وقال إن معه القرين فأما مرور
الإنسي فقد قال ابن مسعود إنه يذهب بنصف اجر الصلاة وأما شيطان الجن فقد قال طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم إنه يقطع الصلاة إذا علم ذلك كما بقطعها الكلب الأسود البهيم الذي هو شيطان الدواب
وأيضًا فالشيطان ملعون رجيم كما قال تعالى وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَاناً مَّرِيداً {117} لَّعَنَهُ اللهُ [النساء 117-118] وقد أخبر سبحانه وتعالى أن الشياطين ترجم بالشهب لئلا تسترق السمع من الملائكة فقال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ {6} وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ {7} لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ {8} دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ {9} إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ {10} [الصافات 6-10] وقد أمر الله عباده بالاستعاذة من الشيطان فقد قال لكبيرهم في السماء اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ {18} [الأعراف 18] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض عباد الله وهو عمر بن الخطاب ما رآك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك وقد أخبر الله في كتابه عن هرب الشيطان من
الملائكة حيث قال وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ {48} [الأنفال 48] فإذا كان ملعونًا مبعدًا مطرودًا عن أن يجتمع بملائكة الله أو يسمع منهم ما يتكلمون به من الوحي فمن المعلوم أن بعده عن الله أعظم وتنزه الله وتقديسه عن قرب الشياطين أولى فإذا كان كثير من الأمكنة مملوءًا وكان تعالى في كل مكان كان الشياطين قريبين منه غير مبعدين عنه ولا مطرودين بل كانوا متمكنين من سمع كلامه منه دع الملائكة وهذا مما يعلم بالاضطرار وجوب تنزه الله وتقديسه عنه أعظم من تنزيه الملائكة والأنبياء والصالحين وكلامه الذي يبلغه هؤلاء ومواضع عباداته فإن نفسه أحق بالتنزيه والتقديس من جميع هذه الأعيان
المخلوقة ومن كلامه الذي يتلوه هؤلاء ثم أجاب الإمام أحمد عن حجتهم فقال وأما معنى قوله تبارك وتعالى وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام 3] يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش وقد أحاط بعلمه ما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان وكذلك قوله تعالى لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً {12} [الطلاق 12] ثم ذكر الإمام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لإمكان ذلك هي من باب الأولى قال ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلاً كان في يده قدح من قوارير صاف وفيه شيء كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله سبحانه له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه
من غير أن يكون في شيء من خلقه قلت وقد تقدم أن كل ما يثبت من صفات الكمال للخلق فالخالق أحق به وأولى فضرب أحمد رحمه الله مثلاً وذكر قياسًا وهو أن العبد إذا أمكنه أن يحيط بصره بما في يده وقبضته من غير أن يكون داخلاً فيه ولا محايثًا له فالله سبحانه أولى باستحقاق ذلك واتصافه به وأحق بأن لا يكون ذلك ممتنعًا في حقه وذكر أحمد في ضمن هذا القياس لقول الله تعالى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى مطابق لما ذكرناه من أن الله له قياس الأولى والأحرى بالمثل الأعلى إذ القياس الأولى والأحرى هو من المثل الأعلى وأما المثل المساوي أو الناقص فليس لله بحال ففي هذا الكلام الذي ذكره واستدلاله بهذه الآية تحقيق لما قدمناه من أن الأقيسة في باب صفات الله وهي أقيسة الأولى كما ذكره من هذا القياس فإن العبد إذا كان هذا الكمال ثابتًا له فالله الذي له المثل الأعلى أحق بذلك ثم ذكر قياسًا آخر فقال وخصلة أخرى لو أن رجلاً بنى دارًا بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها كان لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار فالله سبحانه له المثل الأعلى قد
أحاط بجميع ما خلق وقد علم كيف هو وما هو من غير أن يكون في جوف شيء مما خلق وهذا أيضًا قياس عقلي من قياس الأولى قرر به إمكان العلم بدون المخالطة فذكر أن العبد إذا صنع مصنوعًا كدار بناها فإنه يعلم مقدارها وعدد بيوتها مع كونه ليس هو فيها لكونه هو بناها فالله الذي خلق كل شيء أليس هو أحق بأن يعلم مخلوقاته ومقاديرها وصفاتها وإن لم يكن فيها محايثًا لها وهذا من بين الأدلة العقلية وهذان القياسان أحدهما لإحاطته بخلقه إذ الخلق جميعًا في قبضته وهو محيط بهم وببصره والثاني لعلمه بهم لأنه هو الخالق كما قال سبحانه أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ {14} [الملك 14] وهؤلاء الجهمية نفاة الصفات كثيرًا ما يجمعون بين نفي علوه وكونه فوق العالم وبين الريب في علمه فكثيرًا منهم مستريب في علمه لا سيما من تفلسف منهم فتارة يقولون لا علم له وتارة يقولون لا يعلم إلا نفسه وتارة
يقولون إنما يعلم غيره على وجه كلي ولهم من الاضطراب في مسألة العلم ماهو نظير اضطرابه في علوه وفوقيته وكان ما ذكره الله في كتابه وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الجمع بين هذين ردًّا لضلال هؤلاء في الأمرين كما قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {4} [الحديد 4] وهؤلاء جاحدون أو مستريبون بأنه فوق العرش وبأنه معنا أينما كنا ومن هؤلاء طوائف موجودون وإن كان لهم من الفضيلة والذكاء ما تميزوا به على من لم يشركهم في ذلك ولهم من السمعة والرياسة مالهم ففيهم من الجهل والنفاق هذا وغيره ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الإمام أحمد ومما تأول الجهمية من قول الله تعالى مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ الآية قالوا إن الله عز وجل معنا وفينا فقلنا لِمَ قطعتم الخبر من أوله إن الله يقول أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ يعني أن الله
بعلمه رابعهم وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعني بعلمه فيهم أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {7} [المجادلة 7] يفتح الخبر بعلمه ويختم الخبر بعلمه ثم ذكر حجتين عقليتين على مباينته فقال ويقال للجهمي إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له هل يغفر الله لكم فيما بينكم وبين خلقه فإن قال نعم فقد زعم أن الله بائن من خلقه وأن خلقه دونه وإن قال لا كفر وذلك أن من أثبت أن شيئًا بين الله وبين خلقه فقد جعله مباينًا فإن المباينة والبين من اشتقاق واحد وإذا كان شيء بين شيئين فالثلاثة مباينة بعضها عن بعض وهذا الوسط من هذا وهو ما بينه وبين هذا وهو مباينه ومباين المباينين أولى أن يكون مباينًا وقد ذكر في كتابه أنه يحجب بعض خلقه عنه فقال تعالى
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ [الشورى 51] وقال كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ {15} [المطففين 15] واختصاص بعض خلقه بالحجاب يمنع أن يكون الجميع محجوبين وإذا كان البعض محجوبًا والبعض ليس محجوبًا امتنع أن يكون فيهم كلهم لأن نسبتهم إليه حينئذٍ تكون نسبة واحدة ووجب أن يكون بينه وبين بعضهم حجابًا وذلك يقتضي المباينة كما تقدم ومثل هذا قوله ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وقوله وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وقوله وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف 48] وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] فلفظ إليه وعنده وعليه بحيث يكون بعض الخلق مردودًا إليه وبعضهم موقوفًا عليه ومعروضًا عليه وبعضهم ناكسو رؤوسهم عنده يقتضي أن الخلق ليسوا كلهم كذلك وأنهم قبل ذلك لم يكونوا كذلك وأنهم مباينون له منفصلون عنه وأنه بحيث يكون شيء عنده ويرد شيء إليه ويعرض ولو كانت ذاته مختلطة بذواتهم لامتنع ذلك وهذا يقتضي مباينته وامتيازه واختصاصه بجهة وحدٍّ وبطلان قول من يقول إن ذاته مختلطة بذواتهم أو يجعل الموجودات
لا تختلف نسبتها إليه بل ما فوق السماء كما تحتها وعلى قول هذا يمتنع لقاؤه والعروج إليه والرد إليه والوقوف عليه والعرض عليه وأمثال ذلك مما دلَّ عليه القرآن وعلم بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا يجعلون ما جعل له في هذه الآيات إنما هو لبعض المخلوقات إما ثوابه وإما عقابه وإما غير ذلك أو يجعلون ذلك عبارة عن حصول العلم به وأمثال ذلك من التأويلات التي هي من جنس تأويل القرامطة قال الإمام أحمد وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس كان الله ولا شيء فسيقول نعم فقل له حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل لابد له من واحد منها
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أنه خلق الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه في كل مكان وحُشٍّ قذر رديء وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة وهذه الحجة التي ذكرها الإمام أحمد مبناها على أنه لا لا يخلو عن المباينة للخلق والمحايثة لهم وهذا كما أنه معلوم بالفطرة العقلية الضرورية كما تقدم فإن الجهمية كثيرًا ما يضطرون إلى تسليم ذلك ولأن الخروج عن هذين القسمين مما تنكره قلوبهم بفطرتهم ومما ينكره الناس عليهم
وإذا كان كذلك فالإمام أحمد بنى الحجة على أن الله تعالى وحده كان متميزًا عن الخلق وهذه مخاطبة للمسلمين وسائر أهل الملل الذين يقرون بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأنها محدثة بعد أن لم تكن فإن الأمر إذا كان كذلك فمن أثبت محايثته للخلق أثبت محايثةً بعد أن لم تكن محايثة بخلاف ما لو لم يُقّر بذلك فإنه لا يثبت انفراده ومباينته أصلاً وهذا لا ريب أنه أعظم كفرًا وجحودًا للخالق كما تفعله الاتحادية من هؤلاء فإن هؤلاء كثيرًا إما أن يكون متفلسفة لكن المتفلسفة الضالون يقولون بقدم العالم إما معلولاً عن علة واجبة كما يقوله أرسطو وذووه وإما غير معلول كما يقوله غيرهم وهؤلاء ضموا إلى ذلك أنه هو العالم أو في العالم وأولئك الجهمية الذين ناظرهم الإمام أحمد وأمثاله كانوا أقرب إلى العقل والدين فإنهم لم يكونوا يقولون هو عين الموجودات ولا يقولون إنه لم يزل محايثًا لها ولا كانوا يظهرون أنه ليس بمباين للعالم ولا محايث له بل يقولون بنفي الاختصاص بالعرش بقولهم إنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان وإذا كان وحده ثم خلق الخلق فإما أن يقولوا إنه محلّ للخلق أو يقولوا إنه حلّ في الخلق أو
يقولوا إنه ليس بحالٍّ ولا محلّ فهذه القسمة حاصرة كما ذكره أحمد أنه لابد من قولٍ من هذه الأقوال الثلاثة فإن جعلوه محلاًّ للمخلوقات فقد جعلوا إبليس والشيطان والنجاسات مما يبعد عن الله ملعون مطرود جعلوه في جوف الله وذلك كفر وإن جعلوه حالاًّ فيها فقد جعلوه حالاًّ في كل مكان يتنزه عن مقاربته وملاصقته والقرب منه وذلك أيضًا كفر كما تقدم وفرَّق الإمام أحمد في كونه محلاًّ وكونه حالاًّ بين الخبيث والحي وبين الخبيث الموات الجامد فذكر في القسم الأول الخبيثَ الحي وهم الشياطين وفي الثاني الخبيث الجامد وهو النجس الرديء لأنه في هذا القسم يكون التقدير أن المخلوق أمكنة له ومحل والمكان المحل من شأنه أن لا يكون من الحيوانات فألزمهم المكان من الأجسام النجسة الخبيثة القذرة وفي القسم الأول ذكر أنه هو المحل والمكان فذكر المتمكن في المكان الحال فيه والعادة أن الحيوانات تكون في الأمكنة فالحيوان يتحرك في المكان وإليه ليس المكان هو يتحرك إلى الحيوان ويجيء إليه وإذا انتفى هذان القسمان
بقي القسم الثالث وهو أنه سبحانه وتعالى خلق الخلق خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم وهو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة وعموم الخلائق من كل ذي فطرة سليمة ثم قال الإمام أحمد بيان ما ذكر الله في القرآن وَهُوَ مَعَكُمْ وهذا على وجوه قول الله تعالى لموسى إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه 46] يقول في الدفع عنكما وقال تعالى ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة 40] يعني في الدفع عنا وقال وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ {249} [البقرة 49] يعني في النصرة لهم على عدوهم وقوله وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد 35] وفي النصرة لكم على عدوكم وقال سبحانه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء 108] يقول بعلمه فيهم وقوله كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ {62} [الشعراء 62] يقول في
العون على فرعون قال فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادَّعى على الله عز وجل أنه مع خلقه قال هو في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماس فلم يحسن الجواب فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة موَّه عليهم فقلنا له إذا كان يوم القيامة أليس إنما هو الجنة والنار والعرش والهواء قال بلى قلنا فأين يكون ربنا قال يكون في كل شيء كما كان حيث كانت الدنيا فقلنا فإن مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو في العرش وما كان من الله في الجنة فهم في الجنة وما كان من الله في النار فهو في النار وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء فعند ذلك تبيَّن للناس كذبهم على الله عز وجل
فذكر الإمام أحمد بعد تفسير المعية التي احتجوا بها من جهة السمع حجتين عقليتين فذكر قول الجهمية أنه في كل شيء غير مماس للأشياء ولا مباين لها وهذا قول الجهمية الذين ينفون مباينته ثم يبقون مع ذلك مماسته فيقولون هو في كل مكان والصنف الآخر كالمؤسس ينفون مباينته الحقيقة وإن قالوا إنهم يثبتون مباينته بالحقيقة والزمان فإن أولئك أيضًا وإن نفوا المباينة فإنهم يثبتونها بالحقيقة والزمان فكلا الطائفتين يقولون إنهم يثبتون مباينته لكن ينفون أن يكون خارج العالم وكل من الصنفين خصم للآخر فيما يوافقه عليه الجماعة فالأولون يقولون كما تقول الجماعة إنه إذا لم يكن مباينًا للعالم بغير الحقيقة والزمان كان محايثًا له خلافًا للطائفة الأخرى ثم تقول بما تقول به الأخرى وما ليس بمباين للعالم بغير الحقيقة والزمان فيلزم أن يكون محايثًا له والآخرون يقولون إذا كان محايثًا للعالم كان مماسًّا له كما تقول الجماعة خلافًا لتلك الطائفة ثم يقولون مع الجماعة وما ليس بمماس
للعالم فيلزم أن لا يكون فيه وما لا يكون مباينًا له بغير الحقيقة والزمان فلا يكون خارجًا عنه واحمد رحمه الله ذكر ما يعلم بضرورة العقل من أنه إذا كان فيه وليس مباين فإنه لابد أن يكون مماسًّا له فإنه لا يعقل كون الشيء في الشيء إلا مماسًّا له لا مباينًا عنه فإنه لما كان خطابه مع الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان ذكر أنه لابد من المماسة أو المباينة على هذا التقدير وهو تقدير المحايثة فإن أولئك لم يكونوا ينكرون دخوله العالم وإنما ينكرون خروجه وذكر دعوى الجهمية بنفي هذين النقيضين قال فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماس قال لا قال فكيف يكون في كل شيء غير مماس يقول أحمد إن هذا لا يُعقل فكيف يكون ذلك وذكر أن الخصم لم يحسن الجواب عن ذلك فإنه لا يمكنه أن يذكر ما يعقل كونه في كل شيء وهو مع ذلك غير مماس فلما كان هذا غير معقول لجأ الخصم إلى أن قال بلا كيف قال أحمد رحمه الله فخدع الجهال بهذه الكلمة مَوَّه عليهم
فبيَّن أحمد أن هذه الكلمة إنما يقبلها الجهال فينخدعون بها لأنهم يعتقدون أن ما ذكره هذا ممكن وإن لم نعلم نحن كيفيته وإنما كانوا جهالاً لأنهم خالفوا العقل والشرع وقبلوا ما لا يقبله العقل واعتقدوا هذا من جنس ما أخبر به الشارع من الصفات التي لا نعلم نحن كيفيتها والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الله ورسوله عالم صادق فيما أخبر به عن نفسه وهو أعلم من عباده فإذا أخبرنا بأمر فقد علمنا صدقه في ذلك وعلمنا مما أخبرنا به ما أفهمناه وما لم نعلم كيفيته من ذلك لا يضرنا عدم علمنا به بعد أن نعلم صدق المخبر وأما هؤلاء فإنما يدعون ما يقولونه بالعقل لا يثبتونه بالشرع فإذا كان العقل الذي به يعتصمون لا يقبل ما يقولونه ولا يثبته بل ينفيه كان ما يقولون باطلاً ولم يكن لهم به علم وكانوا أسوأ حالاً ممن استشهد بشاهد فكذَّبه أو نزع بآية ليحتج بها وكانت حجة عليه إذ كان مفزعهم العقل والعقل عليهم لا لهم وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو كما ذكرناه على كلام هذا المؤسس ونحوه من أنهم يدعمون العقل ما لا يقبله العقل بل يرده كدعواهم وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه كما قال إخوانهم بوجود موجود في العالم لا مباين العالم ول مماس
له ثم إن صنف المؤسس وهذا الصنف الآخر كل منهما يقول بأن الإلهيات تثبت على خلاف ما يعلمه الناس وتثبت بلا كيفية ويدعون ذلك فيما يثبتونه بالعقل والعقل نفسه لا يقبل ما يقولونه بل يرده بضرورته وفطرته فضلاً عن قياسه ونظره الوجه الثاني أن الشارع لم يخبر بما يعلم بالعقل بطلانه ولا بما يحيله العقل حتى يكون نظيرًا لهذا وهؤلاء ادَّعَوا ما يرده العقل ويحيله فلهذا كان ما لأخبر به الشارع يقال له والكيف مجهول ويقال فيه بلا كيف لعدم امتناعه في العقل وهؤلاء الجهمية ادعوا محالاً في العقل فلم يقبل منهم بلا كيف ولهذا قال الإمام أحمد إنه خدع الجهال بهذه الكلمة موَّه عليهم حيث لم يثبتوا الفرق بين خبر الشارع وبين كلام هؤلاء الضُّلَاّل ولم يثبتوا الفرق بين ما يقبله العقل ويرده وهذا الذي ذكره أحمد عنهم من قولهم هو فيه غير مباين ولا مماس وقول الآخرين الذين منهم المؤسس لا داخله ولا خارجه قد علم بالفطرة الضرورية أنه خروج عن النقيضين
كما علم مثل ذلك في قول سائر الجهمية من الملاحدة والباطنية ونحوهم حيث قالوا هو لا حيٌّ ولا ميت ولا عاجز ولا قادر ولا عالم ولا جاهل وكلام هؤلاء كلهم من جنس واحد يتضمن الخروج عن النقيضين ويتضمن تعطيل ما يستحقه الباري وحقيقته وتعطيل ذاته بالكلية وتعطيل معرفته وذكره وعبادته بحسب ما نعوه من ذلك فإن قيل ما ذكره الإمام أحمد وقدَّرتموه من امتناع كونه في العالم غير مباين ولا مماس معارضٌ بما يذكره طوائف من أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم القائلون بأنه فوق العرش فإنهم يقولون هو فوق العرش غير مباين ولا مماس فما الفرق بين الموضعين قيل هؤلاء الذين يقولون هذا إنما يقولونه لأنهم يقولون إنه فوق العرش وليس بجسم وهذا قول الكلابية وأئمة الأشعرية وطوائف ممن اتبعهم من أهل الفقه وغيرهم وطوائف كثيرة من أهل الكلام والفقه يقولون بل
هو مماس للعرش ومنهم من يقول هو مباين له ولأصحاب أحمد ونحوهم من أهل الحديث والفقه والتصوف في هذه المسألة ثلاثة أقوال منهم من يثبت المماسة كما جاءت بها الآثار ثم من هؤلاء من يقول إنما أثبت إدراك اللمس من غير مماسة للمخلوق بل أثبت الإدراكات الخمسة له وهذا قول أكثر الأشعرية والقاضي أبي يعلى وغيره فلهم
في المسألة قولان كما تقدم بيانه وعلى هذا فلا يرد السؤال ومنهم من أصحاب أحمد وغيره من ينفي المماسة ومنهم من يقول لا أثبتها ولا أنفيها فلا أقول هو مماس مباين ولا غير مماس ولا مباين وهذه المباينة التي تقابل المماسة أخصُّ من المباينة التي تقابل المحايثة فإن هذه العامة متفق عليها عند أهل الإثبات وهي تكون للجسم مع الجسم وللجسم مع العرض وأما التي تقابل المماسة فإنها لا تكون له مع العرض والعرض يحايث الجسم فلا يباينه المباينة العامة وأما الخاصة فلا يقال فيها مباينة ولا مماسة وإذا كان أحمد قد ذكر امتناع خلوه عن المباينة الخاصة والمماسة فامتناعُ خُلوِّه عن المباينة العامة والمحايثة أولى فإن المباينة الخاصة والمماسة نوعان للمباينة
العامة فإذا امتنع رفع النوع فامتناع رفع الجنس أولى وليس هذا موضع الكلام في هذه الأقوال ولكن نذكر جوابًا عامًّا فنقول كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر وإجماع سلف الأمة مع دلالة العقل ضرورة ونظرًا أنه خارج العالم فلا يخلو مع ذلك إما أن يلزم أن يكون مماسًّا أو مباينًا أو لا يلزم فإن لزم أحدهما كان ذلك لازمًا للحق ولازمُ الحق حق وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك فإن تنزيهه عن ذلك إنما أثبتناه لوجوب بُعدِ الأشياء عنه ولكونها ملعونة مطرودة لم نثبته لاستحالة المماسة عليه وتلك الأدلة منتفية في مماسته للعرش ونحوه كما روي في مس آدم وغيره وهذا جواب جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام وإن لم يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماسًّا أو مباينًا فقد اندفع السؤال فهذا الجواب هنا قاطع من غير حاجة إلى تغيير القول الصحيح في هذا المقام وبين من قاله إنه فوق العرش ليس
بمباين له ولا مماس كما يقوله من الكلابية والأشعرية من يقوله من اتبعهم من أهل الفقه والحديث والتصوف والحنبلية وغيرهم إن كان قولهم حقًّا فلا كلام وإن كان باطلاً فليس ظهور بطلانه موجود قائم بنفسه مع وجود قائم بنفسه أنه فيه ليس بمماس ولا مباين له وأنه ليس هو فيه ولا هو خارجًا عنه ثم ذكر أحمد الحجة الثانية فقال فقلنا لهم إذا كان يوم القيامة أليس إنما الجنة أو النار والعرش والهواء إلى آخره فبيَّن أن موجب قولهم أن يكون بعضه على العرش وبعضه في الجنة وبعضه في النار وبعضه في الهواء لأن هذه هي الأمكنة التي ادَّعَوا أن الله فيها فيتبعَّض ويتجزأ بتيعُّض الأمكنة وتجزُّئها وذكر أنه عند ذلك تبين للناس كذبهم على الله لأن
الناس في الدنيا قد آمنوا بالغيب وبأمور أخرى لم يروها في الدنيا وسوف يرونها في الآخرة فإذا ظهر لهم أن هؤلاء يقولون إنه يكون في الآخرة كما كان في الدنيا متفرقًا متجزئًا لم يمكن أن يراه أحد ولا أن يحايث أحدًا ولا أن يختص أولياؤه بالقرب منه دون أعدائه بل يكون في النار مع أعدائه كما هو في الجنة مع أوليائه فظهر بذلك من كذبهم على الله ما لم يظهر بما ذكروه في أمر الدنيا وقال عبد العزيز الكناني في رده على الجهمية بعد أن بيَّن أنه على العرش وأجاب عما احتجوا به ثم قال ولكن يلزمك أنت أيها الجهمي أن تقول إن الله عز وجل محدود وقد حوته الأماكن إذ زعمت في دعواك أنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه كما تقول العرب فلان في
البيت والماء في الحِبِّ والبيت قد حوى فلانًا والحِبُّ قد حوى الماء ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى وذلك أنهم قالوا إن الله حلّ في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد وكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظمتم الله تعالى إذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم تقولون إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم ويلزمك أيضًا أن تقول إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك أنه في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًّا فبما شنعت مقالته قال أقول إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء مع الشيء خارجًا عن الشيء ولا مباينًا للشيء يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا لأنه إذا كان شيئًا ماخلا من القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو خارجًا فلما لم يكن في قولك شيء استحال أن يكون كالشيء في الشيء
أو خارجًا عن الشيء فوصفته لعمري ملتبسًا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل
فصل ثم ذكر الرازي الحجة الثانية لمثبتي الجهة فقال وثانيها أنه كما لا يُعقَل موجود خاليًا عن القدم أو الحدوث فكذلك لا يُعقَل موجود ليس في العالم ولا خارج العالم ولا فوق العالم ولا أسفل العالم ولا قُدَّام العالم ولا خلف العالم ولا يمين العالم ولا شمال العالم ولو جاز إثبات موجود غير موصوف بهذه الأوصاف جاز إثبات موجود غير موصوف لا بالقدم ولا بالحدوث وذلك سفسطة وهذه الحجة تشبه ما ذكره في التأسيس من كون المنازعين له يقولون إن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه معلوم بالضرورة العقلية امتناعه
ثم قال والجواب عما تمسكوا به ثانيًا من أن ذلك غير معقول فهو ممنوع لأن صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فقياسُ أحدهما على الآخر بعيد قال وأيضًا فالعقل يأبى إثبات موجود في جهة لا يمكن أن ينسب إلى موجود في جهة أخرى بأنه يساويه أو أنه أصغر منه أو أعظم منه وأنتم تمنعون من أن يقال الباري تعالى
مساوٍ للعرش أو أعظم أو أصغر منه فإن التزموا ذلك لزمهم انقسام ذاته قلت والكلام على هذا من وجوه أحدها أن كون الموجود إما داخل العالم وإما خارجه مثل كونه إما قديمًا وإما حديثًا إما خالقًا وإما مخلوقًا وإما قائمًا بنفسه وإما قائمًا بغيره وإما واجبًا وإما ممكنًا وهذا معلوم بالفطرة الضرورية ولهذا لم يكن ينازع في ذلك الجهمية الذين خاطبهم الأئمة كما ذكر الإمام أحمد في احتجاجه عليهم أنه إذا كان وحده ثم خلق العالم فإما أن يكون خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه ولم يكن القسم الثالث وهو أن يقال خلقه لا في نفسه ولا خارجًا عن نفسه لأن هذا معلوم انتفاؤه بضرورة
العقل ولا نازعه في ذلك الجهمية الذين قالوا في العالم غير مماس ولا مباين وإن دعوى أولئك قد يسلِّم الرازي وأمثاله أنها معلومة بالفساد وبضرورة العقل فدعواهُ أظهرُ فسادًا في ضرورة العقل كما تقدم التنبيه عليه إذ العرض في الجوهر ليس بمماس له ولا مباين له ولا يوجد جوهر ولا عرض إلا هو مباين للآخر أو محايث له فكلٌّ من طائفتي الجهمية يوافق الجماعة على أن قول الأخرى مخالف لضرورة العقل وحقيقة الأمر أن قول الطائفتين جميعًا مخالف لضرورة العقل وقو هؤلاء الموجود المباين للعالم ليس بداخل العالم ولا خارجه أو قولهم الموجود ليس بداخل العالم ولا خارجه مثل قول إخوانهم أنه في العالم ليس بمباين للعالم ولا مماس له فإذا كان قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة فكذلك قولهم وإلا فلا فرق بل قولهم أظهر فسادًا كما تقدم إذ قد عرف وجود ليس بمماس لموجود ولا مباين له ولم يعرف موجود ليس بمباين لوجود آخر ولا محايث له وكذلك قول الملاحدة أنه موجود ليس بحي ولا ميت ولا هو عالم ولا جاهل ولا هو قادر ولا عاجز ونحو ذلك فهذه الأمور معلوم فسادها بضرورة
العقل ودعوى وجود موجود خارج عن هذين القسمين مخالف لفطرة العقل الضرورية وهو من أعظم السفسطة فلا تقبل من أحد دعوى ذلك ومتى سمع ذلك وجب أن تسمع نظائره من السفسطة الوجه الثاني أنه يجب الفرق بين الأقسام الممكنة في الوجود الخارجي وبين التقديرات الذهنية التي لا يُشتَرط فيها مطابقة للأمور الخارجية فإن الذهن يقدر الأمور الممتنعة مع امتناع وجودها في الخارج ويقدر الموجود معدومًا والمعدوم موجودًا وليس هو كذلك في الخارج فباب التقديرات الذهنية أوسع من باب الأقسام الممكنة الخارجية وذلك أن الذهن تقديره بحسب ما يفرضه من الأقسام فيمكنه أن يقول الشيء إما أن يكون موجودًا وإما أن يكون معدومًا وإما أن يكون لا موجودًا ولا معدومًا والشيء إما أن يكون مجهولاً أو معلومًا أو لا معلومًا ولا مجهولاً وإما أن يكون واجبًا أو ممتنعًا أو جائزًا أو لا واجبًا ولا ممتنعًا ولا جائزًا ويمكنه أن يقول الموجود إما أن يكون قديمًا أو محدثًا أو لا قديمًا
ولا محدثًا وإما أن يكون خالقًا أو مخلوقًا أو لا خالقًا ولا مخلوقًا والموجودان وإما أن يكون أحدهما مقارن للآخر ولا سابقًا ولا متأخرًا أو يقول إما أن يكون مقارنًا أو منفكًا أو لا مقارنًا ولا منفكًا وإما أن يكون مباينًا للآخر أو محايثًا له أو لا مباينًا له ولا محايثًا له والموجودان والقائمان بأنفسهما إما أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر أو خارجه أو لا داخل الآخر ولا خارجه وإما أن يكون متحيزًا أو حالاّ في المتحيز أو لا متحيزًا ولا حالاّ في المتحيز وإما أن يكون حيًّا أو ميتًا أو لا حيًّا ولا ميتًا وإما أن يكون عالمًا أو جاهلاً أو لا عالمًا ولا جاهلاً وإما أن يكون قادرًا أو عاجزًا أو لا قادرًا ولا عاجزًا وذلك كما تقول الموجود إما أن يكون واجبًا أو جائزًا أو ممتنعًا أو الموجود إما أن يكون ثابتًا أو منتفيًا أو لا ثابتًا ولا منتفيًا فيكون الذهن يقدر هذه التقديرات لا يقتضي جواز وجودها في الخارج بل مع ذلك يعلم أن بعض هذه الأقسام ممتنع في الخارج كما يعلم امتناع أن يكون الموجود ممتنعًا أو أن يكون الموجود منتفيًا أو نحو ذلك وكما يعلم عدم خروج الموجود عن القسمين الحاصرين مثل علم العقل بامتناع أن يكون الموجود لا خالقًا ولا مخلوقًا أو
لا قديمًا ولا محدثًا أو لا واجبًا ولا ممكنًا والعلم بامتناع أن يكون الموجودان لا متقاربين ولا منفكين ولا متباينين ولا متحايثين فقول القائل هذا الموجود لا داخل هذا ولا خارجه كقوله ليس مقارنًا له ولا منفكًا عنه بتقدم أو تأخر أو يقال هذان الموجودان ليس واحد منهما مقارنًا للآخر ولا قبله أو ولا بعده إذا ظهر ذلك فقولُه صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فقياس أحدهما بالآخر بعيد يقال له ليس هذا بموازنة عادلة لأن قوله الموجود إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون إما أن يريد بالحيز أمرًا وجوديًّا منفصلاً عن المتحيز أو لا يريد بالحيز شيئًا وجوديًّا منفصلاً عن المتحيز فإن أراد الأول كان ذلك نظير قول القائل الموجود إما أن يكون في الزمان أو لا يكون إذا أراد بالزمان
تقدير حركات الفلك ومايجري مجرى ذلك في الأمور الوجودية فإن كلا هذين القسمين مضمونُه أنّ الموجود إما أن يكون في مكان وجودي أو زمان وجودي منفصل عنه أو لا يكون وهذا تقسيم صحيح فإن كل موجود لو احتاج إلى مكان وجودي وزمان وجودي منفصل عنه لكان ذلك المكان الموجود والزمان الموجود يحتاج إلى مكان آخر موجود منفصل عنه وزمان آخر موجود منفصل عنه وذلك يقتضي التسلسل إذا أُرِيدَ به غير الأول وإن أريد به الأول فإن أريد به العلة أفضى إلى الدور وإلا فليس ذلك محالاً إذا جُعِل كل منهما زمانًا للآخر أو سُمِّي حيزًا له وأما إن أراد بالحيز ما ليس بشيء وجودي منفصل عن المتحيز إما أمر عدمي أو شيء قام بالمتحيز أو نوع إضافة ونحو ذلك مما لابد للقائم بنفسه منه أو لابد للجسم منه فهذا
نظير ما يعني بالدهر إذا أريد بالدهر نحو ذلك من أمر عدمي أو بعض صفات الحي أو أمر إضافي أو نحو ذلك فإنه كما يقال إن الحيز تقدير المكان فإنه يقال الدهر تقدير الزمان وكما يقدر الذهن فيهما العالم أحيازًا عدمية هي تقدير الأمكنة فإنه يقدر قبل العالم دهورًا عدمية هي تقدير الأزمنة وهذا هو الذي يجعله بعض الفلاسفة أمرًا وجوديًّا كما يُذكَر ذلك عن أفلاطون ويحكون أنه يُثبِت المادة والمدة والخلا والمثل الأفلاطونية
وأرسطو صاحبه وجمهور العقلاء يعلمون أن هذه إنما هي ثابتة في الأذهان لا في الأعيان بل العقلاء يعلمون أن ما بيَّنه أرسطو وأتباعه من الهيولى المطلقة إنما هي أيضًا في الأذهان لا في الأعيان بل وكذلك ما يثبتونه من العقول المحرفات وإذا كان كذلك فتقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في
الحيز وما لا يكون نظيره تقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في الذهن وما لا يكون ومعلوم أن هذا تقسيم ذهني لا خارجي وإلا فكل موجود في الخارج فهو في الذهن ومعلوم بهذا التفسير فكذلك كل موجود في الخارج فهو في الحيز بهذا التفسير وليس من الموجودات شيء يمتنع عليه أن يقال هو في أمر عدمي وإن سمي ذلك العدمي حيزًا أو دهرًا ولا في الموجودات ما يمتنع أن يضاف إليه أو ينتسب إليه شيء بل إذا كان لا موجود إلا ويمكن أن يقارنه ما يقدر فيه الزمان فلا موجود إلا ويقارنه ما يقدر فيه المكان وأما خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فنظيرُه خلو الشيء عن ثبوت الفوقية ولا ثبوتها فقول القائل إما أن يكون للشيء أول أو يكون مسبوقًا بغيره أو لا يكون فإن كان له أول فهو العالم والمحدث وإن لم يكن له أول فهو الرب القديم نظيره قول القائل إما أن يكون للشيء فوق بمعنى أنه علاه غيره أو لا يكون فإن علاه غيره فهو العالم وإن لم يَعْلُهُ غيره فهو الرب الأعلى سبحانه وتعالى ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء
وأنت الباطن فليس دونك شيء وكذلك إذا فسر المُحْدَثُ بالذي كان بعد أن لم يكن أو بالمسبوق بعدم نفسه وقيل يكون مسبوقًا بتقدير زمان فإنه يفسر الأسفل بالذي يمكن لأن يعلوه غيره ويقال هو مخصوص بعلم ما يمكن بتقدير موجود فيه وإذا قيل الأول القديم هو الذي لم يزل موجودًا وهو الذي لم يسبقه شيء فتفسير الظاهر بأنه العلي الأعلى وهو الذي لا يعلوه شيء وإذا قيل إن الباري لم يسبقه عدم يصلح لتقدير الزمان قيل إنه لا يعلوه عدم يصلح لتقدير المكان فكما لا يمكن أن يكون شيء قبله لا يمكن أن يكون شيء فوقه بل هو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء
وقد تكلمنا بنحوٍ من ذلك في أول هذا الحكم العادل بينه وبين منازعه الذي خلَّصنا فيه ما التبس من الحق بالباطل في تأسيسه ولكنا تكلمنا هنا على ما ذكره في نهايته وقد ظهر بما ذكرناه أنه عمد إلى تقدير المكان والزمان فذكر في أحدهما المقارنة له وذكر تقسيم الموجود إلى المقارن له وغير المقارن وذكر في الآخر الذي في القسمين جميعًا المقارنة له لكن فتتميمها إلى المقارن المطلق والمقيد وليست هذه موازنة عادلة ومقايسة صحيحة وتمثيلاً مطابقًا في الموضعين بل هذا من الأقيسة الفاسدة الجائرة الظالمة بل يجب أن يوزن ونسبة كل واحد بنظيره وحينئذ فيكون في كل من الصنفين نوعان فيجيء المجموع أربعة كما ذكرناه الوجه الثالث أنه ينبغي أن يعرف أن الأمثال والمقاييس تُضرب للشيء تارة لخفاء حكمه وظهوره بالتمثيل سواء كان التمثيل لتصوُّره أو للتصديق به وتارة يكون هو في نفسه مع سلامة الفطرة جليًّا بديهيًّا ظاهرًا ولكن في القلب ظن أو هوى يصرفه عن معرفة نفسه فضرب المثل الذي لا يعارض
الحق فيه لا ظن ولا هوى فيدركه القلب ويعلم أن هذا مثل ذلك بالضرورة فينقاد إلى الحق لزوال المانع فالغرض أن الأمثال تضرب تارة لتحقيق المقتضى وتارة لدفع المانع ويكون المقصود بها العلم تصورًا أو تصديقًا ويكون المقصود بها أيضًا اتباع العلم والعمل بموجبه أيضًا وهذا كما أن الملكين لما نزلا على داود فقالا فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ {22} إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ {23} قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ الآية [ص 22 - 24] فلما حكم داود تبيَّن أن هذا مثل مضروب له وعلم حال نفسه ومعلوم أن الأدلة العلمية على قضية كلية يحصل بها التصورات العلمية على هذه القضية لكن هذه لم يكن فيها مانع يخاف أن يعوقه عن معرفة الحق واتباعه فكان التمثيل بما يؤمن فيه المانع محصلاً للمقصود وما نحن فيه من تمثيل المكان وتقديره بالزمان وتقديره هو من هذا الباب فإن مورد النزاع قد حصل فيه للمنازع من الاعتقاد ما قد يصرف عن تصور المطلوب وإلا فالأمران بديهيان فطريان ضروريان في الحقيقة وإذا كان كذلك فنحن نتكلم على ما ضرب من المثل
فيقول له المنازع لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن التقدم عليه والحدوث وهذا هو المثل الذي ضربه والأصل الذي مثل به وهو خلو الموجود عن هذين النعتين جميعًا اللذين لابد للموجود من أحدهما فإن الذي سبقه غير محدث والذي سبق غيره أو سبق كل شيء قديم يـ قال وكذلك مسألتنا لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن العلو والسفول خاليًا عن الدخول في غيره والخروج عنه فهو أيضًا ذكر خلو الموجود مع غيره عن هذين النعتين وكل من هذين النعتين ينقسم إليهما الموجود له والموصوف به نسبة وإضافة إلى النعت الآخر وموصوفه فللقدم والقديم نسبة وإضافة إلى المحدث والحدث وبالعكس وكذلك العلو والعلي نسبة وإضافة إلى السفل والسافل فالقديم متقدم على المحدث فلا شيء أقدم منه والمحدث ما تقدمه القديم أو ما تقدم عدمه أي كان بعد أن لم يكن كائنًا فكان قبله تقدير زمان يقدر وجوده فيه ولم يكن فيه موجودًا بل الموجود في غيره والعلي عالٍ على السافل وهو العلى فلا شيء أعلى منه والسافل ما علاه العلي وما علاه عدم أي كان يجب أن يكون ما لم يكن
فيه أو كان فوقه حيز وهو تقدير مكان يقدر وجوده فيه ولم يكن فيه موجودًا بل الموجود فيه غيره وهذه موازنة صحيحة وأنت ذكرت في الجواب أن صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية وعدمها وكونه حاصلاً في الحيز أو ليس فيه وفي غيره والخروج منه قسمان للمتحيز على ما يقوله فهو كما لو قيل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الدهر وإلى ما لا يكون فكان الواجب أن تذكر نفس الصورة التي ادعى منازعك العلم الضروري بها إما بلفظها أو بلفظ آخر ثم تعرضها على العقل هل يقبلها أو يردها وهو قد قال العقل لا يحكم حكمًا بديهيًّا عن الموجود مع غيره إما أن يكون داخلاً فيه أو خارجًا عنه غير داخل فيه ويحكم بأن الموجود مع غيره إما أن يكون محدثًا معه أو متقدمًا عليه غير محدث وهو لا يذكر هذه الصورة للاحتجاج بها أو أن الحكم فيها أقوى بل نفس ما ذكره معلوم بفطرة العقل وضرورته كما أن الثاني كذلك وليس العلم بالأول مستفادًا من العلم بالثاني ولا بالعكس بل كل منهما معلوم
بنفسه والعقل بفطرته وبديهته يعلم أن الموجودين إما أن يكون أحدهما داخل الآخر أو خارجه وإما أن يكون فوقه أو لا يكون فوقه وإما أن يكون محايثًا له مجامعًا له في حيزه بل مباينًا لحيزه وكل هذه العلوم مستقرة في الفطرة وقول القائل العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون متحيزًا أو إلى ما لا يكون ليس نظيرًا لذلك لا في اللفظ ولا في المعنى فلا يدفع ما علم من ذلك بالبديهة وحينئذ فلا حاجة إلى القياس والتمثيل ويعرف ذلك بالوجه الرابع وهو أن يقال قول القائل لا أعقل موجودًا خاليًا عن القدم والحدوث أو لا أعقل موجودًا لا داخل الموجود الآخر ولا خارجه ولا مباينًا له ولا محايثًا له ليس معناه أني لا أعلم ذلك ولا أعرفه أو أني أعجز عن عقله ومعرفته فإن كون الإنسان لا يعلم الشيء ويعقله أو لا يقدر على عقله وعلمه لا يدلُّ على عدمه ولا على امتناعه إذ في الموجودات التي لا يعلمها كثير من بني آدم ولا يقدرون على علمها ما لا يحصيه إلا الله وإنما مراد القائل بقوله هذا غير معقول أي لا يتصور أن يكون معقولاً ومعلومًا وجوده أي يمتنع أن يعقل وجوده أو يعلم وجوده وما امتنع العقل أو العلم بوجوده كان ممتنعًا في نفسه وهذا كقوله تعالى قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ [يونس 18] أي بما لا يكون فإنه لو
كان لعلمه وهكذا ما عقل الإنسان وعلم امتناعه في نفسه وأنه لا يمكن وجوده يقال فيه أنه غير معقول وأن هذا لا يُعقل وإن كان هذا اللفظ يقال على المعنى الأول فاللفظ إذا كان فيه اشتراك قد يغلط الناس في فهمهم فـ لا يعرف المعنى وإذا علم أن هؤلاء المنازعين قالوا إنا نعقل عقلاً ضروريًّا فطريًّا أو نعلم علمًا ضروريًّا فطريًّا امتناعَ وجود موجودين ليس أحدهما داخل الآخر ولا خارجه ونعلم أن من أثبت موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه فإنه أثبت ما لا يتصور أن يعلم وجوده وما لا يكون وجوده بل هذا بمنزلة جعلِه لا موجودًا ولا معدومًا ولا قديمًا ولا محدثًا ولا عالمًا ولا غير عالم ولا قادرًا ولا غير قادر والموجود يمتنع أن يخلو عن هذين النقيضين فمن أثبتهما أو نفاهما يكون قد وصف الموجود بصفة الممتنع وجوده فضلاً عن أن يكون معدومًا فيكون قد أثبت واجب الوجود وجعله ممتنع الوجود فيكون قد جمع في كلامه بين إثبات واجب الوجود بين وجوده وبين عدمه وهذه صفة هؤلاء الملاحدة من الجهمية وأشياعهم هم منافقون مذبذبون بين الإقرار بالصانع واجب الوجود وبين إنكاره وإحالة وجوده لا جحدوه بالكلية ولا أقروه بالكلية
وصفوه بما يقتضي أنه واجب الوجود ووصفوه بما يقتضي أنه ممتنع الوجود ثم قد يكون هذا في كلامهم اغلب وقد يكون هذا أغلب وحينئذ فيكون الكفر الصريح على بعضهم أغلب وهو حال الملاحدة النفاة للنقيضين جميعًا فإن جحود هؤلاء وجعلهم له ممتنعًا أضعاف إقرارهم بوجوب وجوده وقد يكون الإثبات أغلب وهو حال من أقر بعامة أسمائه وصفاته وإنما جحد منها شيئًا يسيرًا كما يوجد في بعض الصفاتية كثيرًا وهؤلاء يؤمنون ببعض أسناء الله تعالى ويكفرون ببعض ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ولهذا تنازع الناس في إيمانهم وكفرهم بما ليس هذا موضعه ولا ريب أن فيهم الجاهل المتأول الذي لا يجوز أن يُحكم عليه بحكم الكفار وأن قوله من قول الكفار كما أن فيهم المنافق الزنديق الذي لا ريب في نفاقه وكفره وإذا كان منازعك قد قال إنا نعلم ونعقل بالفطرة امتناع وجود ما ذكرته من وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فقولُك صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى متحيز وغير متحيز ليس فيه جواب عن هذا القول أصلاً فإنك
لم تقل إن صريح العقل يقبل وجود موجود لا يكون داخل العالم ولا خارجه فإنك لو قلت هذا كان رجوعًا إلى قولك الأول وكان ذلك مقابلة لدعوى العلم الضروري بالامتناع بدعوى العلم الضروري بالإمكان وإذا وصل الأمر إلى أن يقول أحد المناظرين أنا أعلم بالضرورة امتناع هذا ويقول الآخر أنا أعلم بالضرورة إمكانه لم يكن الفصل بينهما إلا من وجوهً أخرى كما بيَّناه في غير هذا الموضع ومع هذا فلا يكون أحدهما قد قطع الآخر فإذا كنت لو ادعيت العلم الضروري بإمكان لم يكن له وحينئذٍ يكون كلٌّ منهما متكافئًا فكيف إذا لم تذكر ذلك بل ادّعيت العلم بشيء آخر غير محل النزاع الذي ادعى المنازع العلم الضروري به ومن المعلوم أن أحدًا من الخلق لا يمكنه أن يدعي الضرورة بإمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه بل غايته أن يذكر علمًا نظريًّا وأن
يزعم أن ما عند المنازع ليس علمًا ضروريًّا وأن لا يقول أنا أعلم بالضرورة امتناع هذا فغايته أن ينفي العلم الضروري الذي إنْ اضطر إليه بعض الناس لم يضطر إليه آخرون لم يكن هذا دافعًا لما عند أولئك لأنه إنْ جوّز اختصاص بعض الناس بالعلوم الضرورية كما يختصون العلوم النظرية كما يختصون بالعلم بالأخبار المتواترة والمخبريات وعلم الأشياء الدقيقة وهذا أصح القولين فلا يضرهم عدم علم غيرهم وإن قيل بل يجب اشتراك الناس في كل العلوم الضرورية كما تقوله طائفة من أهل الكلام فإذا قال هؤلاء نحن مضطرون إلى العلم وقال هؤلاء لم نضطر إليه لم يكن قبول قول أحدهما أولى من الآخر إلا بموجب منفصل وعلى هذا التقدير فلا يندفع ما ذكره المنازع من العلم الضروري بنفي ذلك عن محل النزاع لو فعله المنازع فكيف إذا لم يذكر ذلك إلا في ضرورة أخرى يقرّر هذا الوجه الخامس وهو أن هذه الصورة التي ادعى أن العقل الصريح لا يأباها إمّا أن تكون مستلزمة لإمكان ما أحاله المنازع أو لا تكون مستلزمة لإمكانه فإن لم تكن مستلزمة لم يكن جوابًا أصلاً وإن كانت مستلزمة كانت غايته أنه قدح فيما
ذكره المنازع من العلم الضروري بحجة نظرية لأنه يقول العقل يجوِّز هذا وتجويز هذا يستلزم تجويز ذاك والقدح في الضروريات بالنظريات غير مقبول لأن الضروريات أصل النظريات فلو جاز القدح في الضروريات بالنظريات لكان ذلك قدحًا في أصل النظريات والقدح في أصل الشيء قدح فيه نفسه فيكون القدح في الضروريات بالنظريات يتضمن القدح في الضروريات والنظريات وإذا كان على هذا التقدير لا تصح الضروريات ولا النظريات لم يكن هذا علمًا ولا كلامًا صحيحًا فلا يقدح به في شيء وهذا من الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وهو كما قيل حُجَجٌ تهافت كالزُّجاج تَخَالُهَا حقًّا وكُلٌ كاسرٌ مكسورٌ وإذا كان القدح في الضروريات بالنظريات مستلزمًا ألَاّ يكون واحدٌ منهما علمًا ولا يثبت أنه حق وصدق كان كلام القادح
ليس علمًا ولا يثبت أنه حق وصدق فلا يكون مقبولاً فثبت أنه على التقديرين لا يقبل ما ذكره وليس هو علمًا ولا ثبت أنه حق وصدق فبقي ما قاله المنازع على حاله غير مقدوح فيه الوجه السادس أن هذه الصورة التي قد ذكر أن العقل الصريح لا يأباها وهو أنه لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما لا يكون فيقال له تعني بقولك إن العقل الصريح لا يأبى هذا التقسيم أتريد أن العقل الصريح لا يعلم امتناع هذا في الحيز أو أن العقل الصريح يعلم إمكان هذا في الخارج فإن قال العقل الصريح يعلم إمكان هذا في الخارج كان معنى ذلك أن العقل الصريح يعلم أنه يمكن في الخارج وجود موجود متحيز ووجود موجود غير متحيز كما يعلم وجود موجود متحيز وقائم بالمتحيز ووجود الجسم وصفاته والعقل الصريح هنا إنما يُراد به العلم الضروري وإلا لم يحصل المقصود ومعلوم أنه لم يَدَّع ولا ذكر عن أحد من ذويه أنهم ادعوا أنهم يعلمون علمًا ضروريًّا وأن عقلهم الصريح يحكم بإمكان وجود موجود في الخارج ليس بمتحيز ولا قام بالمتحيز إذا فُسِّر المتحيز بالمباين لغيره بالجهة بل هؤلاء إنما يثبتون إمكان ذلك كما يثبتون وجوده بالأدلة النظرية ولو أمكنهم دعوى العلم الضروري بذلك كانوا يدعون العلم
الضروري بإمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ثم لو قُدِّر أنه ادعى ذلك مدعٍ لم يكن دعواه دافعة لما ادعاه أولئك بل يكون الحكم لغيرهما وحينئذ فعليهم جميعًا أن يسلِّموا الحمم لكتب الله المنزلة وأنبيائه المرسلة ولا نزاع بين الخلائق أن دلالة الكتب الإلهية والآثار النبوية على أنه سبحانه فوق العالم أعظم من دلالتها على نفي كيفيته وكَمِّيتهِ وذلك يقتضي رجحان ذلك لو فرض أن لهؤلاء في السمع دليلاً فكيف وجميع علمائهم وعلماء الأولين والآخرين يعلمون أن السمع ليس فيه دلالة تدل لا نصًّا ولا ظاهرًا على أن الله سبحانه وتعالى ليس فوق العالم وفيه من الأدلة التي هي نصوص وظواهر على أن الله سبحانه وتعالى فوق العالم ما لا يحصيه إلا رب العباد ولما علم الله أن بني آدم يصل الأمر بينهم في المناظرات إلى هذا الحد وكانوا يدعون وجدا وعلمًا ضروريًّا إما صادقين في ذلك وهم غالطون لا يعرفون وجه غلطهم وإما كاذبين في ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وأمرهم أن يحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه ولهذا لا يقطع النزاع عن بني آدم إلا بالنبي والرسول وحاجتهم إلى ذلك ضرورية قال الله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة 213] وقال تعالى فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {59} [النساء 59] وهذا كله إذا ادعى مدعٍ العلمَ الضروري العقلي بنقيض ما ادَّعاه أولئك فكيف ولم يذكر أن أحدًا ادعاه ولا يدعيه إلا من خالف أصحابه ودخل في السفسطة الصريحة والجحود والبهتان ولا ريب أن باب الكذب والافتراء ليس مسدودًا فيمكن أن يحمل بعض الناس اعتقاده وظنه أو هواه وغرضه أو كليهما على ادعاء ذلك وإن قال معنى قولي إن العقل الصريح لا يأباها أي لا يعلم امتناعها فهذا إذا علم لم يضر المنازع فإن المنازع إذا قال أنا أعلم بالضرورة امتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وأنت لم تعلم امتناع صورة تستلزم إمكان ذلك لم يكن عدم العلم بامتناع ما يوجب إمكان ذلك قادحًا في العلم بامتناعه فإنا إذا علمنا أن الشيء ممتنع وكان إمكان غيره مستلزمًا لإمكانه وذلك اللزوم لا يعلم امتناعه لم يكن عدم علمنا بامتناع مستلزم الإمكان مثبتًا للإمكان هذا ولا مانعًا من العلم بالامتناع وقد تقدم أنه لو قال لا أعلم امتناع ذلك لم يكن هذا جوابًا فكيف إذا قال بما يثبت به الإمكان أني أعلم امتناع هذا التقسيم لم يكن عدم العلم بامتناعه موجبًا عدم العلم بامتناع ذلك الخلو عن القسمين إذ أحدهما ليس هو الآخر وإن كان
بينهما تلازمًا الوجه السابع أن يقال لا نسلّم أن العقل الصريح لا يأبى هذا التقسيم إذا بين معناه وزال عنه الاشتباه وذلك أن الحيز يراد به الأمر الوجودي المنفصل عن المتحيز ويراد به ما لا ينفصل عن المتحيز ولا يستلزم وجود غيره فإن تحيز العالم وغيره من الأجسام لا يستلزم وجود شيء غيره وبالجملة فالمتحيز إن أريد ما يستلزم وجود شيء غيره لم ننازع فيما ذكره من التقسيم فإن العقل يعلم أن الموجود قد يكون في حيز منفصل عنه وقد لا يكون ولكن هذا لا يضر فإن المنازع إنما ادعى العلم الضروري أن الموجود لا يكون داخل العالم ولا خارجه لم يذكر المتحيز وكذلك إن أريد بالمتحيز الجسم فقط دون العرض فقد علم أن الموجود فيه أجسام وصفات يقوم بها وإن كان هذا فيه نزاع ومن الناس من يقول لا موجود إلا الجسم وهذا تنازع في هذا التقسيم ويقول لا أسلّم أن العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون متحيزًا أو غير متحيز لكن ليس الغرض الكلام من جهة هؤلاء فقط بل يقالُ كلامًا عامًّا إذ لا حاجة إلى هذه الأقوال فإذا أراد بالحاصل في الحيز المتحيز أصالة أو تبعًا ولم يعين بالحيز أمرًا وجوديًّا منفصلاً عنه لم يسلم له منازعه أن العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الحيز وما لا يكون حاصلاً فيه لا بمعنى أن العقل يعلم جواز ذلك في الخارج كما تقدم
ولا يعني أن العقل الصريح لا يعلم امتناع ذلك بل نقول العقل الصريح يعلم امتناع ذلك مما صرح ذوو العقول الصريحة من أئمة الإسلام وعلمائهم بأن العقل يمنع ذلك ولم يعرض على ذوي عقل صريح هذا إلا أنكره ونفاه إذا فهم حقيقة المعنى وأما من لم ينكر عقله ذلك فلأنه لم يعرضه على العقل الصريح فإن الصريح هو المحض الخالص الذي لا يشوبه هوى ولا جهل فكثير من الناس يسمع هذه الألفاظ المتداولة مثل الحيز والمتحيز والجسم والجوهر والعرض والصفات ونحو ذلك وهي فيها من الاحتمال والاشتراك ما يوجب تنازع العقلاء فيها فيكون كثير من النظر في مسماها ليس بعقل صريح خالص من الاشتباه والاشتراك ومن الناس من أَلِفَ قولاً واعتاده وتقلده عن بعض المعظَّمين في قلبه مثل تقلده أن الباري ليس في جهة أو أنه ليس بمتحيز أو ليس بجسم ولا جوهر أو هو جسم أو جوهر فيكون هذا التقليد مانعًا له من أن يكون عقله صريحًا كما قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ ن
َتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ {170} [البقرة 170] وقد قال تعالى وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ {116} [الأنعام 116] وقال تعالى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً {44} [الفرقان 44] فالعقل الصريح قليل في بني آدم ولكن علامته متابعة ما جاء به الرسل عن الله تعالى فإن العقل الصريح لا يخالف ذلك قط بل لو وَحَّدَه لوجد الإيمان ولهذا قال أهل النار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ {10} [الملك 10] فأخبروا أنه أي الأمرين وجد منهم العذاب وقد قال تعالى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ {46} [الحج 46]
وأعظم الناس عقلاً وأعظمهم إيمانًا ويقينًا بما جاءت به الرسل وهم أعظم الناس علمًا كما قال تعالى وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {6} [سبأ 6] وأن العقل الصريح يوجب الاجتماع فإن الحق لا يختلف ولا يتناقض ولهذا كان ما جاء من عند الله كذلك كما في قوله كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ [الزمر 23] وقال في خلافه وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً {82} [النساء 82] وقال إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ {8} يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ {9} [الذاريات 8- 9] وقد قال تعالى تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ {14} [الحشر 14] فَبَيَّنَ سبحانه وتعالى أن تشتُّتهم بسبب عدم العقل ومعلوم أن هؤلاء المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم من أعظم الناس تفرقًا واختلافًا ولهؤلاء في معنى الجسم والجوهر والمتحيز والعرض وأحكامه نفيًا وإثباتًا من الاضطراب ما لا يعلمه إلا الله فأين العقل الصريح معهم ولكن معهم دعوى العقل ولكن بين دعوى صفات الكمال وبين وجودها بون عظيم فما أكثر من ادعى بنوة الله وولايته وهم من أكذب الناس وكل من خرج عن شريعة الله فلابد أن يفتري ويكذب في دعواه منهم من ادعى
النبوة والرسالة كمسيلمة والعنسي والثقفي وغيرهم ممن قال الله تعالى فيهم وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام 93] ومنهم من ادعى ولاية الله تعالى وأنه من أهله وخاصته كما يدعي ذلك الملاحدة من القرامطة والباطنية والرافضة والاتحادية وأمثال هؤلاء ممن
هو إما منافق وإما فاسق وإما داعٍ إلى بدعة عظيمة ونحو ذلك وكذلك فيمن يدعي العقل الصريح والمعرفة بالمعقولات ويدعي صحة النظر ومعرفة الأدلة القطعية والبراهين الموزونة بالميزان العدل وغير ذلك من هم في كثير من أمورهم أو أكثرها من أبعد الناس عن العقل والمعقول وهذا كله تسمية الشيء من العيان والصفات بغير أسمائها كما قال تعالى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ [النجم 23] وإذا كان كذلك فالمنازعون يقولون إن العقل الصريح يمنع أن يكون العقل الصريح موجودًا مع غيره ليس بداخلٍ في غيره ولا خارج أو ليس بمباين له ولا محايث أو يكون قائمًا بنفسه لا يباين القائم بنفسه بالجهة ونحو ذلك من المعاني التي يمكن التعبير عنها بعبارات متنوعة وما زال أئمة الإسلام يذكرون أن العقل يمنع وجود هذا فقول القائل هذا
قول بأن الموجود لا يكون إلا جسمًا أو قائمًا به ونحو ذلك لا يدفع ما ذكر بعد ذكرنا بعض ما تقدم من قولهم فإن أول من ابتدع في هذه الأمة وصف الموجود بعدم النهاية هو الجهم ولفظ المتحيز والجسم والحد والنهاية وتنزيه الرب سبحانه بهذه الأسماء كلها من بدع الجهمية قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي وادعى المعارض أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية قال وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من
العالمين أي من هذه الأمة وإلا فهذا النفي كان موجودًا قبل هذه الأمة في كثير من مبتدعه اليهود والنصارى وفي طائفة من المشركين والصابئين والفلاسفة لهم في ذلك قولان مشهوران قبل الإسلام قال عثمان فقال للجهم قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك منها أيها الأعجمي وتعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة وأنه لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة فالشيء أبدًا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية وقولك لا حد له يعني أنه لا شيء قال أبو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره
ولا يُجَوِّزُ أحدٌ أن يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونَكِل علم ذلك إلى الله تعالى والمكانة أيضًا حد وهو على عرشه فوق سماواته فهذان حدان اثنان قال وسئل ابن المبارك بِمَ نعرف ربنا قال بأنه على العرش بائن من خلقه قيل بحد قال بحد وتقدم ذكر هذا بتمامه وقال عبد العزيز المكي في رده على الجهمية بعد أن ذكر بيان فساد قولهم في مسألة العرش وأبطل قولهم إنه في كل مكان قال فلما شنعت مقالته قال أقول إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء مع الشيء ولا كالشيء خارجًا عن الشيء ولا مباينًا للشيء قال يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا لأنه لو كان شيئًا ما خلا في القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو خارجًا منه فلما لم يكن في قولك شيء استحال أن يكون كالشيء في الشيء أو خارجًا من الشيء فوصفت لعمري ملتبسًا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل وقال الإمام أحمد إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون
مكان فقل أليس الله كان ولا شيء معه فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل وقد تقدم تمام هذا الكلام وقوله أيضًا فلما ظهرت الحجة على الجهم بما ادعى على الله أنه مع خلقه قال هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين منه فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماس قال لا فقلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين فلم يحسن الجواب فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة مَوَّهَ عليهم وقال في خطاب الجهمية وقلنا هو شيء فقال هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية فإذا قيل من تعبدون قال نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يُعرَف بصفة قالوا نعم قلنا قد عرف المسلمون أنكم
لا تؤمنون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلَّم موسى قالوا لم يكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم نظر أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله ولا يشعر أنهم إنما يعود قولهم إلى فرية في الله تعالى أو قال إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر إذا تبين ذلك أن يقال في الوجه الثامن كونه خارج العالم لا يخلو إما أن يستلزم كونه حاصلاً في الحيز أو لا يستلزم ذلك فإن كان ذلك لا يستلزم كونه متحيزًا أمكن أن يقال هو خارج العالم ولا يكون متحيزًا وحينئذ فالعلم بأن الموجود لا يكون إلا داخل العالم أو خارجه لا ينافيه العلم بأنه إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون فإن لم ينافِهِ لم يكن هذا جوابًا عن الأول بل يكون قول الأولين أن الموجود إما داخل الآخر أو خارجه صحيحًا وذلك يوجب أن يكون الباري إما داخل العالم وإما خارجه وهو مقصودهم وإن كان مع ذلك ليس بحاصلٍ في الحيز وهذا يقوله من يقول إنه فوق العرش مباين للعالم وليس بجسم
فقوله الموجود إما حاصل في الحيز وإما غير حاصل في الحيز حينئذٍ يجتمع مع قول الأولين على هذا التقدير فلا يضرهم التزامه وإن كان هذا منافيًا للأول بحيث أنه إذا قيل الموجود قد يكون حاصلاً في الحيز وقد لا يكون وما ليس في الحيز ليس بداخل في غيره ولا خارج منه كان قول من قال إن الموجود لا يكون إلا داخلاً في غيره أو خارجًا قولاً منهم بأنه لا موجود إلا حاصل في الحيز وهذا هو الذي يقوله من يقول ليس فوق العرش وليس بجسم كما يقوله المؤسس وذووه ويقوله من يقول هو فوق العرش وهو جسم وهو أيضًا يقتضي قول من قال إن الله فوق العرش بحدٍّ وعلى هذا التقدير فيكون الأئمة الذين قالوا إنه لا موجود مع غيره إلا داخل الآخر أو خارجه أو أنه على العرش يقولون بهذا وأنـ ـه كان كذلك وقد علم أن هؤلاء يقولون إن العقل الصريح يمنع وجود موجود لا داخل الآخر ولا خارجه فيكونون هؤلاء على هذا التقدير يقولون إن العقل الصريح يأبى
وجود موجود غير حاصل في الحيز على هذا التقدير والتفسير وقد صرح طوائف من أهل الكلام باللغة التي يتخاطبون بها بذلك وقالوا لا موجود إلا الجسم أو الجسم وما يقوم به وقالوا لا يعقل موجود إلا كذلك ومن ادعى وجود موجود غير ذلك فقد خالف العقل الصريح وهذا كله إذا ادعى المنازع ذلك بغير قياس على القديم والمحدث وأما تقديره بالقياس فيقال في الوجه التاسع المكان المشهور المعروف هو الأعيان المشهورة وما يقوم بها سواء قيل إن المكان هو نفس الأجسام التي يكون الشيء عليها أو فيها أو قيل إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاصق للسطح الظاهر للجسم المحوي وأما الزمان المعروف فإنه تابع للجسم سواء قيل إنه تقدير الحركة أو مقارنة حادث لحادث أو مرور الليل والنهار قال تعالى في كتابه الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام 1] وقال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [البقرة 164] ولا نزاع بين أهل الملل أن الله سبحانه كان قبل أن يخلق هذه الأمكنة والأزمنة وأن وجوده لا يجب أن يقارن وجود هذه الأمكنة والأزمنة كما تقدم بيان ذلك لكن مع هذه الأمكنة المخلوقة الموجودة يقدر الذهن لها أحيازًا حاوية لها ويقدر ذلك مع عدم هذه الأمكنة
وهذا معنى قولهم الحيز وتقدير المكان وكذلك الذهن يقدر أن هذه الأزمنة لها دهر يحيط بها ويقدر فيه تعاقبًا كتعاقب الأزمنة وتقدير هذا الدهر مع عدم هذه الأزمنة وليس الغرض هنا الكلام بأن هذا الدهر والحيز هل هو وجودي كما يقوله بعض الناس أو هو عدمي لا وجود له في غير الذهن كما يقوله الجمهور وإنما الغرض ذكر مقايسة أحدهما بالآخر وقد علم أنه لابد من وجود واجب وأن هذا لا يمكن النزاع فيه وذلك هو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولا ريب أنه لم يزل موجودًا وأنه يمتنع عدمه فإن وجوب الوجود ينافي جواز العدم فضلاً عن وقوعه ولا نزاع بين من يقول بحدوث العالم أو تقدمه ووجوبه عنه في أنَّ العالم مفتقر إليه محتاج إليه وأنه متقدم عليه بالمرتبة والغلبة والذات وهؤلاء أيضًا قد يقولون العالم محدث ويعنون حدوثه وجوده بالرب ووجوبه به وافتقاره إليه لا يشترطون في المحدث أن يكون معدومًا ثم يوجد والمعروف في اللغة ما هو عُرْفُ أهل الكلام وغيرهم أن المحدث ما كان بعد أن لم يكن بل المحدث في اللغة أخص من المحدث عند أهل الكلام فإن المحدث والحدث يقابل القديم والمتقدم
والقديم في اللغة ما كان متقدماً على غيره ولو كان مخلوقاً كما قال تعالى حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} [يس 39] وقال وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ {11} [الأحقاف 11] وقال قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ {95} [يوسف 95] وقال الخليل عليه السلام أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ {75} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ {76} [الشعراء 75-76] والأقدم أبلغ من القديم والقديم فعيل من قدم يقدم ومنه قولهم أَحْدَثيّ فيما قدم وما حدث وقد زعم بعض أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم أن القديم حقيقة فيما لم يسبقه عدمٌ وهو الله وهو مجاز فيما تقدم على غيره مع كونه مخلوقاً وقال قوم لئن حرم أن الله لا يجوز أن يسمى قديماً لأن ذلك لم يرد به الشرع فأسماء الله شرعية والصواب أن القديم ما تقدم على غيره في اللغة التي جاء بها القرآن وأما كونه كان معدوماً أو لم يكن معدوماً فهذا لا يشترط في تسميته قديماً والله أحق أن يكون قديماً لأنه متقدم على كل شيء لكن لما كان لفظ القديم فيه نواحٍ
لا تدل مطلقة إلا على المتقدم على غيره كان اسم الأوَّل أحسن منه فجاء في أسمائه الحسنى التي في الكتاب والسنة أنه الأول وفرق بين الأسماء التي يُدعَى بها وبينما يُخبر به من الألفاظ لأجل الحاجة إلى بيان معانيها كما هو مذكور في غير هذا الموضع فصار المتكلمون الذي يقولون إن القديم هو الله فقط وأن تسمية غيره به مجاز يجعلون القديم الذي لم يكن معدوماً ولم يزل موجوداً وجعلوا المحدث ماكان معدوماً ثم وجد وقالـ وا إن الله هو القديم وما سواه محدث وسبق العدم داخل في معنى المحدث عندهم ولا ريب أن من قال إن العالم لم يزل موجوداً يقول إنه قديم ولا ريب أن الله سبحانه قديم سواء فسر القديم بما لم يسبقه عدمه أو فسر القديم بأنه
متقدم على غيره بل هو متقدم على كل شيء إذ هو الأول الذي ليس كمثله شيء وأما الحديث ففي اللغة لا يكون إلا ما حدث بعد أن لم يكن وهو عند أهل اللغة مقابل للقديم ولهذا يراد به المتجدد القريب الزمان كما يقال تمر قديم وتمر حديث لكن هؤلاء سموا العالم محدثاً باعتبار تقدم الباري عليه وإن لم يكن ذلك على محض اللغة ولهذا لم يوجد في كلام سلف الأمة وأئمتها لفظ حدوث العالم لأن هذا اللفظ يقتضي التجدد المنافي للتقدم الإضافي بل يقولون كما قال الله إنه مخلوق ونحو ذلك مـ ما أخبرت به الرسل وإن كان يوصف بالقدم الإضافي كما في العرجون القديم إذا عرف ذلك فقولُ القائل الموجود إما أن يكون قديماً أو محدثاً إذ لا يخلو عن القدم والحدوث ينبغي أن يعرف على هذه الاصطلاحات فمن جعل القديم ما لم يسبقه عدم وما سوى ذلك فهو محدث يقول الموجود إما أن يكون بعد
عدمه أو يكون موجوداً لم يزل وهذا تقسيم حاصر وعلى هذا فالقِدم له وجهان أحدهما ذاتي للموصوف وهو يعود إلى كونه أزليًّا وهو كونه موجوداً لم يزل سواء قدر وجود غيره أو لم يقدر والثاني أن يكون قدمه باعتبار تقدمه على غيره وذلك معنى كونه الأول فإن اسم الأول فيه معنى للإضافة إلى غيره كما في المتقدم على غيره بحيث لو لم يفرض وجود غيره لم يعقل كونه أولاً أو آخراً كما لم يفهم كونه متقدماً أو سابقاً فإذا قيل الموجود إما أن يكون قديماً أو محدثاً فهو بالمعنى الذاتي إما أن يكون أزليًّا أو لا يكون وبالمعنى الثاني إما أن يكون قبل غيره أو لا يكون وكونه قبل غيره له وجوه قد تقدم ذكرها ومن قال بقدم العالم يقول هو قبل العالم بوجه مع أنهما أزليان وكنوه أزليًّا معناه أنه لم يزل موجوداً وهذا الأزلي الدايم الباقي يقدر العقل معه دهوراّ متعاقبة شيئاً بعد شيء لا ابتداءَ لها كما لا ابتداءَ له هذا مع تقدير أنه لا وجود للزمان المعروف لكن قد تقدم أن هذا الدهر المقدر لا وجود له إلا في الذهن عند أكثر الناس ومنهم من يجعل وجوده خارجيًّا وكذلك القديم بالمعنى الثاني فإن المتقدم على غيره يعقل تقدمه عليه مع عدم الليل والنهار والزمان المعروف والذهن يقدِّر بينهما دهوراً متعاقبة كنحو ما يقدره مقارناً لوجود الأزل وهكذا يوجد في اسمه الكبير والعظيم والعلي والظاهر
ونحوه من أسماء الله المتعلقة بالمكان فإنه هو سبحانه في نفسه قائم بنفسه متميز بحقيقته وهو في نفسه كبير عظيم سواء كان غيره موجوداً أو لم يكن لكن العقل يقدر معه أحيازاً خالية لا نهاية لها وهذه تقديرات ذهنية لا وجود لها في الخارج عند عامة العقلاء ومنهم من يزعم أنها وجودية وهي تقدير المكان وهذه المباينة والامتياز وكونه بحيث يشار إليه أمر ثابت له سواء كان غيره موجوداً أو لم يكن ثم إذا وجد غيره فهو أيضاً مباين له منفصل عنه فمباينته تابعة لوجوده لا يكون موجوداً إلا بحقيقته التي يباين بها غيره وهو العظيم الكبير ولا يكون واجب الوجود إلا بوجوب هذه المباينة له لاختصاصه بحقيقته التي تستلزم مباينته لغيره وهو الصمد الذي لا يجوز عليه التفرق وهو الكبير العظيم وكما أن وجوده بنفسه يقتضي أزليته فوجوده بنفسه يقتضي عظمته وبينونته التي هي أعظم من كل عظمة وبينونة وأن يكون أحداً صمداً لا يخرج منه شيء فيكون والداً ولا يخرج من شيء فيكون ولداً إذا حقيقته مباينة لكل شيء فإنه كما أن وجوبه بنفسه ينافي عدمه فلا يكون محدثاً موجوداً بعد عدمه لأنه حينئذ يكون مفتقراً إلى غيره فلا يكون وجوده بنفسه ينافي تعلقه بغيره وملابسته له بحيث يكون محتاجاً إلى مماسته ومخالطته ونحو
ذلك فإن ذلك ينافي وجوبه بنفسه بل هو الغني مطلقاً الصمد مطلقاً فيكون مبايناً لغيره لا يحتاج إليه ولا يتعلق به بوجه من الوجوه كما لا يجوز عليه العدم والحدوث بوجه من الوجوه وهذه المباينة لها وجهان أحدهما ذاتي للموصوف وهو يعود إلى كونه موجوداً ووجوبها يعود إلى كونه واجب الوجود صمداً والثاني أن تكون مباينته باعتبار انفصاله عن غيره إذا وجد وذلك معنى كونه الظاهر والأعلى والظاهر في المباينة كالأول في المتقدم قال تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد 3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء فقول القائل لا يكون الموجود إلا مبايناً أو محايثاُ كقوله لا يُعقل موجود إلا قديماً أو محدثاً بالاعتبارين الذاتي والإضافي فإنه إن أراد بالقديم ما لم يسبقه عدم والمحدث ما سبقه عدم فالمباين هو القائم بنفسه والمحايث ما لا يقوم بنفسه وذلك في الموضعين تابع لوجوده ووجوب وجوده وغن أراد بالقديم ما تقدم على غيره وبالمحدث ما تقدمه غيره فالمباين ما باين غيره وقام بنفسه والمحايث ماكان قيامه
بغيره لا يباينه وقول القائل إما أن يكون داخل العالم أو خارجه كقول القائل إما أن يكون مع العالم أو قبله فإن محايثته للعالم في المكان ومجامعته للعالم في الحيز كمقارنته للعالم في الزمان ومجامعته له فيه وهو إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً له وإما أن يكون مقارناً للعالم أو متقدماً عليه وكذلك كل موجود مع وجود غيره إما أن يكون قبله أو لا يكون وإذا لم يكن قبله فإما أن يكون معه أو بعده وإما أن يكون مبايناً له فإما أن يكون محلاًّ له أو حالاًّ فيه والحجة التي حكاها المنازع لم يحرِّرها تحريراً يظهر فيه التماثل فإنه قال لا نعقل موجوداً خالياً عن القدم أو الحدوث فكذلك لا نعقل موجوداً ليس في العالم ولا خارج العالم ولا في شيء من جهاته الست وكان تحرير التماثل أن يقال لا يُعقل موجودان إلا أن يكون أحدهما متقدماً على الآخر أو هما متقارنان فكذلك لا يعقل موجودان إلا أن يكون أحدهما خارجاً عن الآخر بائناً منه أو يكونا متحايثين فيكون أحدهما داخلاً في الآخر أو
يقال لا يُعقل موجود خالٍ عن القدم أو الحدوث فكذلك لا يعقل موجود خال عن المباينة والمحايثة ونحو ذلك ما يظهر به تماثل التباين ومما يوضح ذلك أن من قال العالم قديم والباري متقدم عليه بالذات والغلبة وغير ذلك وهو محدث باعتبار تقدمه عليه يمكنه أن يقول أيضاً إن الباري فوق العالم بالذات والغلبة والرتبة وغير ذلك وهو تحته باعتبار عُلوَِه عليه ومن قال إنه متقدم عليه تقدماً حقيقيًّا بحيث يقدر الذهن بين وجوده ووجود العالم أزمنة لا نهاية لها كما يقدر ذلك في وجوده مفرداً وإن لم يكن لذلك وجود يقول إنه ظاهر عالٍ على العالم ظهوراً وعلوًّا حقيقيًّا بحيث يقدر الذهن بينه وبين العالم أحيازًا خالية كما يقدر ذلك في وجوده ووجود العالم وإذا كان ذلك تقديراً لما لا وجود له في الخارج فمن جعل علوه على العالم ليس إلا بالرتبة والقدرة ونحوهما فهو شبيه بمن جعل تقدمه على العالم ليس إلا بالرتبة والتوليد
ونحوهما وهذا في الحقيقة إنكار لكونه الأول وإثبات لمقارنة العالم له في الزمان وذلك إنكار لكونه هو الظاهر وإثبات لمقارنة العالم له في المكان وكلا القولين يعود إلى تعطيل الصانع في الحقيقة وأنه ما ثَمَّ غير هذا العالم ولهذا كان الاتحادية وغيرهم من هؤلاء يصرحون بذلك ويقولون إن العالم هو حقيقته وهويته وهذا في الحقيقة قول المعطلة للصانع كما أظهره فرعون ولهذا يعترف أئمتهم بأنهم على قول فرعون وكنت قد ذكرت أنه يلزمهم قول فرعون لبعض من له خبرة وصدق حتى حدثني عن إمام من أئمتهم أنه قال له ونحن على قول فرعون والله سبحانه قبل الأزمنة وفوق الأمكنة ولكن الذهن يقدر تقدمه بدهر وتقدم فوقيته بحيز كما تقدم ذكره وهما أمران ذهنيان مقدران لا وجود لهما في الخارج عند جمهور الناس لكن بين النوعين فرق لابد منه وهو أن الدهر المقدر والزمان الموجود هو يقتضي شيئًا بعد شيء لا يجتمع أوله وآخره في زمان واحد
ولهذا يمكن ألا يكون له نهاية في وجوده كالزمان فإن أهل الجنة ونحوهم لا نهاية لوجودهم وأما الحيز المقدر والمكان الموجود فإنه موجود في وقت واحد لا يوجد شيئًا بعد شيء فلابد له من حد وحقيقة ولا يمكن وجود مكان لا نهاية له ولا جسم لا نهاية له فلهذا كان الفرق بين تقدمه على العالم ومباينته له أنه في تقدمه على ما يتقدم عليه من خلقه يمكن فرض أزمنة لا نهاية لها وأما مباينته لما يباينه من خلقه فلا يمكن أن يفرض بينهما أمكنة لا نهاية لها ولهذا لم يكن لابتداء وجوده ولا لدوام بقائه حد ولا نهاية ولا غاية ولا يقال مثل ذلك في عظمة ذاته وقدره بل يقال لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 103] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً {110} [طه 110] وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر 67] ونحو ذلك ولهذا كان الجهم وأبو الهذيل وهما إماما الجهمية وغيرهما لما قاسوا النهاية في الذات والمكان على النهاية في الوجود والزمان عدُّوا حكم هذا إلى حكم هذا وحكم هذا إلى
حكم هذا فقال بأن المخلوق تثبت له النهايتان جميعًا وأثبتوها فـ الانتهاء فقال الجهم بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء الحركات كلها وقالوا بأن الخالق تعالى لا تثبت له النهايتان جميعاً فكما لا نهاية لابتداء وجوده وانتهائه فلا يكون لذاته نهاية ثم تفرَّعت بهم وبأصحابهم المقالات كما تقدم نقل المقالات السبع لهم هل يقال إنه لا يتناهى وليس بجسم أو هو جسم أو غير ذلك من الأقوال التي تقدمت وقد تقدم ذكر عثمان بن سعيد أن أول من قال بعدم الحد
والنهاية وهو الجهم ولا خلاف أنه أول من قال بفناء الجنة والنار وأعظم من هؤلاء ضلالاً المتفلسفة الصابئة الذين يقولون بعدم النهاية للعالم ابتداءً وانتهاءً كالصانع ثم يثبتون النهاية لذات العالم دون الصانع فسوَّوه بالخالق في عدم النهاية ابتداءً وفرقوا بينهما في الذات ثم هؤلاء الجهمية الذين أثبتوا النهاية للعالم ابتداءً وانتهاءً وتكلموا في الفناء كما تكلموا في الحدوث ونفوا عن الباري النهايتين يوضح ذلك الوجه العاشر وهو أن يقال قد تبين تماثل المكان والزمان وما يقدر بهما في لزومهما للموجود أو عدم اللزوم وفي انقسام الموجود إلى ما ذكر من القسمين في النوعين جميعًا سواء قسّم الموجود باعتبار ذاته أو باعتبار إضافته إلى القسم الآخر فإذا قيل الموجود إما أن يكون قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره
أو قيل إما أن يكون مباينًا أو محايثًا وإذا قيل إما أن يكون مباينًا أو لا مباينًا ولا محايثًا فهو كما لو قيل إما أن يكون قديمًا أو محدثًا أو لا قديمًا ولا محدثًا وهذه القسمة ذهنية والقسم الثالث فيها ممتنع في الخارج بخلاف القسم الأول ولو قيل إما أن يكون حاصلاً في المكان أو لا يكون فهو كما لو قيل إما أن يكون في الزمان أو لا يكون وهي تسمية صحيحة في الخارج إذا لم يرد بالمكان الأجسام أو صفاتها وبالزمان مقدار حركاتها وما يشبه ذلك فإن نفس أجسام العالم ليست في مكان بهذا الاعتبار ولا هي أيضًا في زمان وكذلك الزمان ليس في زمان آخر وإذا قيل إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون فهو كما لو قيل إما أن يكون حاصلاً في الدهر أو لا يكون والمراد بالدهر ما يقدر الذهن وجود أزمنة فيه ومعلوم أنه ما من موجود إلا والذهن يقدر تعاقب أزمنة مقارنة فإذا كان وجوده إلى غير غاية وإن لم يكن ذلك موجودًا وكذلك ما من موجود إلا والذهن يقدر معه أحيازًا خالية يفرض فيها أمكنة لا نهاية لها وهذا أيضًا لا وجود له في الخارج وإنما الموجود في الخارج دوام الحق وبقاؤه وللناس نزاع في الباقي هل هو باقٍ ببقاء أو لا وكذلك
حده وحقيقته التي بها بان وامتاز فلا موجود قبل العالم إلا الله بما هو عليه من صفاته وقد ذهب طوائف من أهل السنة والمعرفة إلى أن الدهر من أسماء الله على ظاهر الحديث المروي في ذلك وقالوا معناه الباقي الدائم الأزلي وذكر أنه روي يا دهر يا ديهور يا ديهار وتسميته قديمّا
وأوّلاً مثل تسميته عليًّا وظاهرًا وكونه دهرًا بمعنى تقدُّمه مثل كونه محلاًّ للصفات بمعنى موصوف بها فهو سبحانه الغني بقدمه وقيامه بنفسه عن غيره من زمان ومكان وغيرهما وإذا قيل الموجود إما أن يكون متقدمًا على غيره أو محدثًا بعده فهو كما لو قيل الموجود إما أن يكون عاليًا على غيره بائنًا عنه أو يكون داخلاً فيه محايثًا له قائمًا به فالمتقدم على غيره مستغنٍ كاستغناء القائم بنفسه عن القائم بغيره والمحدث بعد العدم مستلزم لزمانٍ أو تقدير مكانٍ يكون هو بعده والقائم بغيره مستلزم لمكانِ محل هو فيه والقديم المطلق مستغنٍ عن الزمان والقائم بنفسه مستغنٍ عن المكان والمحدث بعد غيره مقارن للزمان المفتقر بمقارنة حادث لحادث والقائم بغيره مفتقر إلى المكان والمحل وهو سبحانه الأول فليس قبله شيء بل هو قبل الأزمنة وما فيها وهو الظاهر فليس فوقه شيء بل هو فوق الأمكنة وما فيها ومن قال هو في الأمكنة المخلوقة فهو بمنزلة من قال ليس ذاته قبل الأزمنة وذلك لا تنفصل ذاته عنها ولا تكون ذاته فوقها فهو بمنزلة من قال هو مع الأزمنة المخلوقة مقارن لها لا تكون ذاته قبلها ولا يتقدم عليه والأول جحود لكونه الظاهر فوقها وهذا جحود لكونه الأول قبلها
ومن قال ليس في الأمكنة ولا خارجًا عنها فهو كمن قال ليس مقارنًا للأزمنة ولا متقدمًا عليها وكل من هذين المقالين من مقالات الجهمية لكن الأولى أقرب إلى العقل وهي قولهم في الابتداء يقولون إنه في كل مكان فيجعلونه بمنزلة الحال فيها المحتاج إليها هو نظير قول من قال مقارن للأزمنة المحدثة فيكون هؤلاء قد جعلوه داخلاً في المخلوقات والمحدثات بل زادوا حتى جعل الاتحادية منهم نفسَ وجود المخلوقات فهؤلاء أقروا به ثم جعلوه هو المخلوق أو بعض المخلوق وإذا قال هو في العالم لا مباين له ولا مماس له كان كقولهم هو مع العالم لا متقدم عليه ولا مقارن له وأما الجهمية في الانتهاء فإنهم عطَّلوه بالكلية ولم يثبتوا له وجود المخلوقات ولا غيرها حيث قالوا لا هو داخل العالم ولا خارجه كما لو قالوا لا هو مع العالم ولا قبله ليس بين هذا وبين هذا فرق في بديهة العقل ومن أجاب عن هذا بأن العقل الصريح يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون فهو بمنزلة من قال العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون
حاصلاً في الذهن وإلى ما يكون وإذا كان هذا لا يمنع ما يعلمه العقل بفطرته من أنه إما أن يكون وجوده مقارنًا للعالم أو متقدمًا عليه فكذلك ما ذكره في الحيز لا يمنع ما يعلمه العقل من فطرته من أنه إما أن يكون وجوده داخل العالم محايثّا له أو خارجًا عنه مباينًا له وكما لا يُعقل موجود إلا قديم أو محدث فلا يعقل إلا قائمًا بنفسه أو بغيره وكما أن القديم ينقسم إلى القديم المطلق الذي لا يجوز عدمه وإلى القديم المقيد وهو المسبوق بالعدم أو الممكن عدمه فالقائم بنفسه ينقسم إلى المحتوم المطلق وهو الذي لا يجوز عدمه ولا يحتاج إلى غيره بحال وإلى القائم المقيد وهو المحتاج إلى غيره والذي يقوم في وقت ويعدم في وقت وكما أن المخلوق القديم قديمٌ مقيدٌ إذا كان متقدمًا على غيره فالخالق القديم أولى بأن يكون متقدمًا على غيره ويكون هو الأول الذي ليس قبله شيء الكائن قبل كل شيء فالمخلوق القائم بنفسه قائمًا مقيدًا لحاجته إلى غيره إذا كان مباينًا لغيره فالخالق للعالم قائم بنفسه قيامًا مطلقًا أولى أن يكون مباينًا لغيره وأن يكون هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء والجهمية من المتكلمين يقولون هو القديم والعالم
محدث مع قولهم إنه في كل مكان أو أنه مع ذلك لا مباين للعالم ولا مماس له أو قولهـ م إنه لا داخل العالم ولا خارجه وأما الجهمية من المتفلسفة والصابئة فيقولون مع ذلك إن العالم أيضًا قديم معه مقارن له في الوجود مقارنة المعلول لعلته التامة والمتولّد لمولِّده كتولُّد الصوت عن الحركة والشعاع عن الشمس ومع هذا يقولون إن الباري تعالى متقدم عليه بالغلبة وبالذات أو بالطبع وبالشرف وقد يقولون العالم محدث بمعنى افتقار إلى الصانع وعند التحقيق فلا يثبتون له تقدمًا حقيقيًّا كما أنهم وجهمية المتكلمين لا يُثبتون له عليه علوًّا حقيقيًّا ومباينة معقولة وذلك أن هؤلاء قالوا التقدم والتأخر خمسة أنواع الأول التقدم بالعلية كتقدُّم السراج على ضوء السراج وتقدم الشمس على شعاعها فإن العقل يدرك تقدم وجود السراج على ضوء السراج وإن امتنع تأخُّر أحدهما عن الآخر في الزمان
الثاني التقدم بالطبع وهو تقدم الشرط على المشروط مثل تقدم الواحد على الاثنين والفرق بينه وبين ما قبله بعد اشتراكهما فالمتأخر لا يوجد إلا بعد وجود المتقدم إذ العلة تستلزم وجود المعلول والشرط لا يستلزم وجود المشروط الثالث التقدم بالشرف والرتبة كتقديم العالم والقادر على الجاهل والعاجز الرابع التقدم بالمكان كتقدم الإمام على المأموم وخامسها التقدم بالزمان كتقدم الشيخ على الشاب ثم إنهم لما زعموا حصر التقدم في هذه الوجوه قالوا نحن نقول بتقدم الباري على العالم بالوجوه الثلاثة الأُوَل والتقدم بالمكان ليس مما يتعلق بما نحن فيه وأما التقدم بالزمان فممتنع ولو كان ممكنًا لكان مبطلاً لقول منازعنا وأما كونه
ممتنعًا فلأن تقدم الباري على العالم لو كان بالزمان لزم أن يكون الباري زمانًا والزمان زمانيًّا أما الأول فلأن الزمان من لواحق التغيُّر وذلك ممتنع على الباري وأما الثاني فلامتناع التسلسل وأما كونه مبطلاً لقول منازعنا فلأنه إذا كان تقدم الباري على العالم زمانيًّا مع أن الله سبحانه لا بداية لتقدمه على العالم لزم أن لا يكون للزمان بداية فيكون الزمان قديمًا والزمان من العالم فلا يكون العالم محدثًا كما يقوله منازعنا وقد يستدلون بهذه الحجة على امتناع كون العالم مسبوقًا بالعدم بأن تقدم العدم عليه لا يصحّ أن يكون بالوجوه الأربعة ولو كان بالزمان لزم قدم الزمان فهذا الكلام الذي قالوه قد موَّهوا به على الناس حتى اضطرب هنا كثير من أذكياء العالم وقد أجاب عنه مَن أجاب مِن متكلمي الإسلام بإثبات تقدم آخر خارج هذه الأقسام الخمسة وهو كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض وتقدم الباري على الحوادث اليومية وقد يسمي بعضهم كالشهرستاني وغيره هذا التقدمَ
بالذات ولاريب أن تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض ليس بالعلّية ولا بالشرط ولا بالشرف لامتناع تقارب أجزاء الزمان مع تقارب المتقدم والمتأخر بهذه الوجوه ولأن أجزاء الزمان متماثلة وليس أيضًا بالزمان لأنه يلزم أن يكون للزمان زمان وأن يكون الباري زمانيًّا قالوا وإذا كان قد عُقِل تقدم الأمس على اليوم من غير حاجة إلى زمان آخر فكذلك يعقل تقدم العدم على الوجود وتقدم الباري على الوجود قالوا وانتم لا تقولون بهذا التقدم لا تقولون إنه مسبوق موجود غيره أو معدوم نفسه بهذا النوع من السبق والتقدم وقد يقال هذا الجواب
وإنْ كان فيه من إبطال كلام أولئك ما فيه فلم يجيبوا عن الشبهة في الجواب بل هذه معارضة ومن أعطى النظرَ حقَّه علم أن هؤلاء الملاحدة قلبوا الحقيقة ونفوا عن الرب التقدم الحقيقي ومنعوا إمكان التقدم الحقيقي بحال كما أنهم وملاحدة المتكلمين في العلو قلبوا الحقيقة فنفوا عن الرب العلوَّ الحقيقي والمباينة الحقيقية بل منعوا إمكان العلو الحقيقي والمباينة الحقيقية بل منعوا أو موَّهوا بما في لفظ المكان من الاشتراك وبيان ذلك أن يقال لا ريب أنه يقال إن التقدم والتأخر والمقارنة من الأمور التي فيها إضافة كما يقال هذا إما أن يكون متقدمًا على هذا أو متأخرًا عنه أو مقارنًا له ويقال إما أن يكون معه أو قبله أو بعده وإما أن يكون معه أو أمامه أو خلفه فلفظ مع هي بمعنى المقارنة والمصاحبة وهي ظرف يقارن ظرف الزمان تارة وظرف المكان أخرى فإذا قيل هو قبله أو بعده أو معه كانت هنا ظرف زمان وإذا قيل أمامه أو وراءه أو معه كانت ظرف مكان والتقدم والتأخر قسيمان للمقارنة التي يعبر عنها بلفظ مع فيقال هو متقدم عليه أو متأخر عنه أو هو معه وإذا كان
كذلك فالتقدم والتأخر والمقارنة في الأصل إنما هي بالزمان والمكان كما أنه المستعمل في ذلك إذا قلَّب الزمان والمكان وهي الألفاظ التي تسمى ظروف الزمان والمكان والله الذي علّم البيان علم الإنسانة العبارة عن المعاني التي يعقلها قلبه فالمعقول لبني آدم من ذلك هو المعبَّر عنه بألفاظ الزمان والمكان فأما التقدم والتأخر بالمكان كقول سمرة بن جندب أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا رواه الترمذي وكقول أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه الذي في الصحيحين لما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه الحديث في صلاة
الخوف ذكر الصف المقدم والصف المؤخر وهكذا لفظ الأول والآخر يستعمل في المكان كما يُستعمل في الزمان كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ونظائر هذا في الاستعمال كثير ومنه قوله تعالى وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ {97} يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود 97-98] مع أن تقدم فرعون وتقدم الإمام هو بالمكان والزمان جميعًا فإذًا فعلُهُ قبل فِعْلِهم وهو إمامهم
ثم التقدم بالرتبة والشرف هو من هذا فإن المكانة والرتبة مأخوذة من المكان لأن صاحب الرتبة المتقدمة يكون متقدمًا في المكان والمكانة على صاحب الرتبة المتأخرة كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والتقدم بالرتبة كالعلو بالرتبة والدرجة والمكانة وأصله من المكان وقد تكلمنا على هذا مبسوطًا في غير هذا الموضع وسنوضحه إن شاء الله إذا تكلمنا على ما تأوَّل به ما جاء في القرآن من وصفه سبحانه بالعلو فإن إلحاد هؤلاء في أسمائه وآياته التي وُصف فيها بالعلو والظهور والرفعة تشيه إلحاد هؤلاء في أسمائه وآياته التي
وصف فيها بالأولية والتقدم والنوع الثاني التقدم والسبق والأولية بالزمان كقوله سبحانه وتعالى حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} [يس 39] وقوله وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ {11} [الأحقاف 11] وقول إبراهيم عليه السلام أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ {75} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ {76} فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ {77} [الشعراء 75-77] وقوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ {24} [الحجر 24] يتناول هذا وقد فسر أيضًا بالاستقدام والاستيخار في صفوف الصلاة ومنه قوله تعالى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس 12] فإن الذي قدموه هو ما فعلوه قبل موتهم وآثارهم ما أخروه وقد فسر أيضًا بالمكان وفسرت آثارهم بآثار خطاهم في المسجد والتقدم والتأخر والسبق والأولية في هذا النوع أشهر وقد يقال إنما استُعمل في المكان لتضمُّنه التقدم في الزمان أيضًا كما استعمل لفظ الأول والآخر فإنه لا يكاد يخلو في جميع موارده عن تقدمه نوعًا من التقدم بالزمان
وأما ما ذكروه من التقدم بالعلية والشرط فهذا قد نًوزِعوا فيه وقيل لهم يمتنع في المقارنة الزمانية أن يكون أحدهما متقدمًا على الآخر بوجه من الوجوه فإن التقدم إذا كان من عوارض الزمان وهو ضد المقارنة واجتماع التقدم والتأخر مع المقارنة في شيئين لأعيانهما جمع بين الضدين فكما أنه يمتنع أن يكون أمامه ويكون معه في ظروف المكان والمكانة وموانعهما فإنه يمتنع أن يكون قبله ويكون معه في ظرف الزمان وتوابعه فمن قال إن العالم مع الله لم يصح أن يقول هو بعده ولا متأخرًا عنه ولا أن يقول إن الله قبله ولا متقدمًا عليه وهذا يختص بالكلام على ما أثبتوه من التقدم بالعلية والشرط دون الزمان وما نفوه من امتناع تقدم الله بالزمان كما نفوا أيضًا علوه بالمكان فيُجعل في ذلك فصلان
الفصل الأول ما أثبتوه من التقدم بالعلة والشرط دون الزمان وأما المتقدم بالشرط كما مثلوه من تقدم الواحد على الاثنين فإن الواحد ليس له وجود خارجي محدد عن المواد بل ليس في الخارج من الوحدان إلا ما له حقيقة تتميز بها ولكن الإنسان يتصور في ذهنه الواحد قبل الاثنين ويتكلم بلفظ الواحد قبل الاثنين وهذا ترتيب زماني محسوس ثم إذا قُدِّر اجتماع تصوره للواحد والاثنين أو اجتماع نطقه بهما فهو كاجتماع أعيانهما في الخارج كما لو اجتمع درهم ودرهمان وثلاثة دراهم ونحو ذلك فليس هناك ترتيب أصلاً وليس الدرهم متقدم على الدرهمين ولا الدرهمان متقدمان على الثلاثة وقول القائل لا توجد الدرهمان إلا بوجود الدرهم أو لا يوجد الاثنان إلا بوجود الواحد يقال له أما الدرهمان الموجودان في الخارج فهما مستغنيان في وجودهما عن الدرهم المنفرد عنهما لا يشترط وجودُهما وجودَه بحال ولكن هما متوقفان على وجود أنفسهما كتوقف الدرهم الواحد على وجود نفسه فليس بأن يجعل تقدمه عليهما لكون الاثنين واحدًا وواحدًا بأولى من أن يجعل متقدمًا على نفسه لأن الواحد واحد وكل هذا غلط وهذا الترتيب من جنس التركيب
والافتقار الذي يذكرونه في افتقار الشيء إلى صفته وبعضه وهو من جنس افتقاره إلى نفسه فيكون وجوده لا يكون إلا بصفته التي يمتنع أن يكون ذاته بدونها مثل كون وجوده لا يكون إلا بوجوده وهو مثل كونه واجبًا بنفسه ولا ريب أن الذهن قد يغلط فيظن في الواجب بنفسه أنه علة نفسه وأن هناك
تقدمًا وتأخرًا وهو غلط بل هو هو فتوقُّف الاثنين على الواحد وتوقف الثلاثة على الاثنين هو توقف الجملة على بعض أفرادها وهو كتوقف الشيء على نفسه كتوقف الاثنين على الاثنين والثلاثة على الثلاثة وإذا لم تكن الجملة إلا هذه الأفراد وهذا التأليف لم يكن المتوقف غير المتوقف عليه ولم يكن هناك شيء متقدمًا على شيء بوجه من الوجوه في الخارج إلا إذا وجد أحدهما قبل الآخر فيكون الترتيب زمانيًّا وهو حق ولكن الذهن قد يدرك المفرد قبل الجملة والبسيط قبل المركب والواحد قبل العدد وننطق بذلك فيكون الترتيب في علمنا ونطقنا لا في الحقيقة نفسها فهذا هو التقدم بالشرط الذي يجعلونه في الأعداد والمقادير والمركبات ونحو ذلك وكذلك هو في الصفات والكيفيات فإنه إذا قيل العلم والقدرة مشروطة بالحياة والشرط متقدم على المشروط فليس في الموصوف ترتيب بحال بل الحياة والعلم والقدرة موجودة معًا بكل وجه لكن العلم يستلزم وجود الحياة فلا يوجد إلا معها لا أنه لا يوجد إلا بعدها وإذا لم يوجد إلا معها سواء كانت قبله أو لم تكن لم يقتض ذلك أنه يجب تأخره عنها بل إذا قارنها فهو مقارن لها وإذا قدر حياة لا علم لها ثم حصل معها علم فهنا هو متأخر عنها في الزمان أيضًا ونحن لا ننازع في أن الصفات يعرض لها الترتيب الزمني كما يعرض الأعداد كما تقدم ولكن ليس هذا بواجب ومتى
انتفى هذا الترتيب لم تكن مرتبة أصلاً بل تكون متقارنة وأما الترتيب في علم الإنسان بالصفات فهذا لا ينضبط فقد يعلم الإنسان العلم ويستدل به على الحياة وقد يعلم الحياة ويستدل بها على العلم وحيث وجد ذلك الترتيب فهو ترتيب زماني وهو ترتيب في العلم بها والتعبير عنها لا في ذاتها وأما ما ذكر وهـ من التقدم بالعلية فيقال لهم ليس هذا أيضًا حقيقة وليس في المخلوق شيء واحد هو علة تامة لشيء أصلاً لكن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمراده بها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما سوى ذلك من الأسباب الموجودة فليس شيء منها بمفرده علة تامة لشيء ولكن يكون سببًا والسبب بمنزلة الشرط الذي إذا ضم إليه غيره من السباب صار المجموع علة ولكن ذلك المجموع لا يكون إلا بمشيئة الله لا يكون المجموع بعلة غير مشيئة الله قط فإذًا وصف العلية التامة لا تقوم بشيء من المخلوقات وإذا لم يكن شيء من المخلوقات علة تامة امتنع بطريق الأولى أن يكون متقدمًا بالعلية لكن يكون سببًا وهو كالشرط والشرط لا يجب تقدمه على المشروط بل قد يقارنه وقد يسبقه كما تقدم وإذا قارنه فليس هو متقدمًا عليه بوجه من الوجوه فكذلك ما يسمونه علة إنما هو في الحقيقة شرط وسبب ويكون متقدمًا عليه وإذا كان
مقارنًا لم يكن متقدمًا فلا يجتمع الضدان وذلك يظهر فيما يذكرونه من الأمثلة وأشهرها الشمس مع الشعاع والشعاع عندهم إما أن يراد به ما يقوم بذات الشمس من الضوء أو ما يقوم بالأجسام المقابلة للشمس وهو المسمى بالشعاع عندهم وهو شعاع منعكس فإذا أريد به الضوء القائم بذات الشمس فذاك صفة من صفاتها ليست متقدمة عليه بوجه من الوجوه ومن جعل تقدم الباري على العالم كتقدم ذات الشمس على صفتها فقد جعل المخلوقات مثل صفة من صفات الخالق وجعل الخالق بمنزلة المحل للمخلوقات وهذا أقبح من قول من يقول إن الباري حالّ في المخلوقات ونحن إنما قصدنا أن نبين أن قول هؤلاء أقبح من قول أولئك لكن هؤلاء مع زيادة القبح يكونون قد جعلوا الصانع محلاًّ للمخلوقات من هذا الوجه وحالاًّ فيها وإن أرادوا بالشعاع الضوء الموجود في الأجسام المقابلة للشمس من الجدران والأرض والهواء وغير ذلك فيقال هذا الشعاع لم يحدث لمجرد الشمس وليست الشمس وحدها علة مولدة له بل لابد فيه من شيئين أحدهما الشمس والثاني جسم آخر
يقابل الشمس لينعكس الشعاع عليه وإذا لم تكن الشمس علة تامة لم يـ حصل المقصود بل هي جزء العلة وهي سبب وشرط فإن الشعاع يتوقف على الشمس المستنيرة وعلى المحل الذي ينعكس عليه الشعاع وإذا كان كذلك كان توقفه على هذين توقف المشروط على شرطه فإنهم فرقوا بين التقدم بالعلة والتقدم بالطبع والشرط بأن المتقدم بالعلة يستلزم وجود المتأخر بخلاف المتقدم بالشرط وقد تقدم قولنا إنه ليس في المخلوقات شيء منفرد يستلزم وجود شيء متأخر عنه لكن مشيئته مستلزمة لمرادها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد ظهر في الشعاع الذي ضربوه مثلاً أن نفس الشمس وحدها لو قُدِّر وجودها بدون ما يقابلها لم يكن للشعاع وجود ولكن وجوده بشرط الشمس وشرط ما يقابلها فيكونان شرطين وإذا كان كل منهما شرطًا فالشرط قد يتقدم على المشروط وقد لا يتقدم عليه فلا ريب أن الجدار والأرض والهواء موجود قبل الشعاع وكذلك الشمس موجودة قبل هذا الشعاع وذلك تقدم بالزمان لكن إذا حصلت حصل الشعاع وتولد عن اجتماع هذين الأصلين له كتولُّد غيره من المتولدات عن
أصلين وكل منهما متقدم عليه ومتى ظهر هذا في شعاع الشمس ظهر أنه في شعاع السراج وغيره من النيرات إذ النار يكون لها شعاع كما يكون للشمس شعاع فهذا ما يمثلون به من المرئيات وأما ما يمثلون به من المسموعات فإنهم يمثلون بوجود الأصوات عن الحركات لوجود الطنين عن النقرة فيقال وهذا أيضًا كذلك فإن الصوت لا يولّده شيء واحد بل لا بد من شيئين من جسمين يقرع أحدهما الآخر أو يقلع عنه وهذان أصلان للصوت الذي تولد عنهما كأصلي الشعاع وهذان الأصلان وهما الجسمان المتحركان هما متقدمان عليه بالزمان فإن قيل المراد بالعلة الحركة المولدة للصوت والمقابلة المولدة للشعاع فيقال الحركة مع الصوت والمقابلة مع الشعاع إما أن يكونا متقارنين فإن كانا متقارنين في الزمان لم يكن أحدهما متقدمًا على الآخر بوجه من الوجوه ولا نسلِّم على هذا التقدير أن الحركة والمقابلة هي علة الصوت والشعاع بل علة ذلك هو الفاعل للحركة والفاعل للمقابلة وإذا كانت
المقابلة لم يفعلها واحد من الخلق والحركة لم يفعلها واحد من الخلق لم يكن للفاعل لهذا المتولد واحد من الخلق وهذا هو الصواب المقطوع به أن جميع المتولدات لا يجوز أن تكون فعلاً لفاعل واحدٍ من الخلق بل كل من الأمرين سبب فيها وهما متشاركان فيها متعاونان عليها وقد بينا أن الخلق لا يفعل فعلاً تامًّا إلا بشركة من غيره والخالق سبحانه هو الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وذلك يظهر ببيان ما ذكروه من المثال فالناقر إذا نقر طشتٍ فحدث صوت فالصوت لا بد له من فعل الإنسان ومن الجسم الذي جعلت عليه النقرة فجميع ما يحدثه الإنسان من الأصوات منفصلاً عنه لا بد فيه من جسم آخر معه وأما صوته القائم ببدنه فإنه يحرك عضوين فصاعدًا من أعضائه لا يكون الصوت بحركة شيء واحد فالحركتان جميعًا هنا سبب الصوت وهو وإن كان المحركَ لأعضائه فنفسُ أعضائه والنقرة التي فيها والصلابة التي بها صارت متصوتة ليس من فعله ولا مقدورًا له بل الله هو الذي خلق ذلك له وجعله آلة له بمنزلة الآلات المنفصلة عنه فنفسُ قدرته لا تستقل بالصوت إلا بهذه الأمور الخارجة عن قدرته
فصار الصوت متولدًا عما يقدر عليه العبد وعما لا يقدر عليه العبد وكل ذلك أسباب وشروط ليس شيء منها علية تامة فقد ظهر أنه إذا قيل إن الصوت والحركة متقارنان في الزمان لم يجز أن تجعل الحركةَ علةً للصوت بل يكون الفاعل للصوت هو الفاعل للحركة أكثر ما يقال إن وجود الصوت مشروط بوجود الحركة كما تشترط الحركة في ذلك الشرك لا يجب أن يتقدم المشروط بل يجب مقارنته له فإذًا تكون الحركة والمقابلة شرطًا في الصوت والشعاع ولا يجب أن يكونا متقدمين عليه بل دعوى تقدم الحركة والمقابلة مع القول باقترانهما جمع بين الضدين وأما إن قيل إن كان الصوت والحركة ليسا متقارنين في الزمان بل الحركة قبل الصوت فعلى هذا التقدير لا يضرّ القول بتقدم الحركة على الصوت إذ المقصود أن يمتنع أن تكون الحركة متقدمة بوجه وتكون متقارنة في الزمان بل إما أن تكون متقدمة أو مقارنة للحقيقة وأما التقدم الذهني وهو إدراك أحدهما قبل الآخر أو جعل أحدهما شرطًا أو مفرداً أو بسيطًا أو نحو ذلك فهذا الترتيب الذهني لا يقتضي الترتيب
الخارجي بل هذا الترتيب الذهني بمنزلة الترتيب النطقي على ما تقدم بيانه ووجود الباري تعالى حقيقي خارجي ليس هو في مجرد الذهني وكذلك القول في مثالهم الآخر وهو تولد الحركة عن الحركة كقول القائل حركت يدي فتحرك خاتمي أو كمي فإنه من هذا الباب ليس مجرد حركة اليد علة تامة لحركة الخاتم أو الكم بل نفس وجود محل الحركة الذي هو الخاتم والكم هو شرط أو سبب في وجود الحركة فالحركة تتوقف على المحل الذي يقوم به كما تتوقف على السبب الذي يطلبها وإذا كانت هذه الحركة تتوقف على أمرين فصاعدًا فالقولُ في وجود هذه الحركة مع حركة اليد كالقول في الحركة والصوت إما أن يقال هما متقارنان في الزمان فلا يكون أحدهما علة للآخر وإن كان شرطًا مقارنًا له وإما أن
يكونا متعاقبين فيكونان متعاقبين في الزمان وإن كان سريعًا فحركة الخاتم لليد كحركة بعض اليد مع بعض مثل حركة الأصابع مع الكف أو حركة الظفر مع الأنملة وأما قولهم العقل يدرك هذا قبل هذا قيل لهم العقل يدرك الأمور على ما هي عليه وإلا كان ذلك جهلاً لا عقلاً فإن كان ذلك الشيء في نفسه مرتبًا فأدركه العقل مرتبًا وإلا كان إدراكه جهلاً ومتى كان المدرك مرتبًا بحيث يكون بعضه قبل بعض فهذا هو الترتيب الزماني والتقدم الزماني ويمتنع مع وجود هذا الترتيب الخارجي أن يكون زمانهما واحدًا ويمتنع مع كونهما غير متميزين في الزمان أن يكونا متميزين فالجمع بين الضدين ممتنع إما ترتيب وتقدم وتأخر وإما مقارنة ليس فيها تقدم وتأخر وإذا تبين ذلك ظهر أنه ليس فيما يعلمه الإنسان شيء متقدم على غيره بالعلية أو الشرط مع مقارنته له بالزمان بل المتقدم سواء سُمّي شرطًا أو علة أو غير ذلك إن كان مقارنًا في الزمان غير متقدم فيه فليس متقدمًا بحال وإذا كان متقدمًا فيه وهو متقدم في الزمان
فهو متقدم غير مقارن وإذا كان كذلك وقد قالوا إن العالم مقارن للباري لا يقدر وقت يكون فيه الباري إلا ويكون فيه العالم فقد أثبتوا مقارنة له مطلقًا ومنعوا أن يكون الباري متقدمًا عليه بوجه من الوجوه ومن المعلوم ببديهة العقل أن الفاعل للشيء لا بد وأن يكون متقدمًا عليه سواء سمي علة أو لم يسمَّ فإذا كان الفاعل لا يكون إلا متقدمًا على الفعل وعلى أصلهم يمتنع أن يكون متقدمًا عليه امتنع عندهم أن يكون رب العالمين أو خالقًا للعالم وأيضًا فكلُ ما وجبت مقارنته لغيره كان وجوده متوقفًا على وجود قرينه فيكون وجود الباري ممتنعًا إلا بوجود ما تجب مقارنته له وهو العالم فيكون الباري محتاجًا إلى العالم من هذا الوجه فإن قيل إنه علة له لا سيما إذا ثبت ذواتٌ غنية عنه فإنه يكون محتاجًا إلى غيره قطعًا كما يصرح بذلك الاتحادية منهم حيث يجعلون الباري والعالم كل منهما محتاجًا إلى الآخر ويكونون بما أوجبوه من مقارنة العالم له واحتياجه إليه قد جعلوه كفوًا له كما أنهم بما أثبتوه من تولده عنه قد جعلوه والدًا له فجعلوا الخلق ولدًا لله وكفوًا له وهو سبحانه في غير موضع من كتابه نزه نفسه عن الشريك والولد كما قال تعالى وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء
111] وقال تعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً {1} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً {2} [الفرقان 1 - 2] وقد ذكر أن الشيء وحده لا يولِّد شيئًا ولا يكون علة تامة بل كلُّ ما ولَّد شيئًا فلابد له من شريك ومعين له كالشمس التي لا يتولد شعاعها إلا بها وبما يقابلها والجسم الذي لا يتولد الصوت عنه إلا بجسم آخر مماسّه وملاقيه كما أن الأعيان أيضًا من الأولاد لا تتولد إلا عن أصلين فكل مولِّدٍ فهو محتاج إلى كفوٍ يشاركه ويعاونه على التولد وهؤلاء إذا زعموا أن العالم مقارن له فقد جعلوه محتاجًا إليه من تلك الجهة وأيضًا فإذا جعلوه مولدًا له فلابد له من توليده من شيء آخر كما يقول بعضهم هي أعيان الممكنات المستغنية عنه الثابتة في العدم وكما يقول منهم من يقول بالقدماء الخمسة وأمثال ذلك مما فيه إثبات شيء غني عنه شريك له وإن كان منهم من يحيل ذلك بل محققوهم يحيلون ذلك للبدلاء لهم إذ الواحد من كل وجهٍ لا يكون علة
ولا مولدًا وهذا ضد قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فإن المعلوم بالحس والعقل أن الواحد لا يصدر عنه شيء ولا يصدر شيء ويتولد شيء إلا عن شيئين فيكون الباري محتاجًا إلى كفو وشريك وصاحبة يتولد العالم عنهما قال سبحانه وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ {100} بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {101} [الأنعام 100-101] وقال تعالى قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ [يونس 68] وهم في جعله مولِّدًا للعالم وإثباتهم لمقارنة العالم إياه هذه المقارنة التي يمتنع فيها تقدمه عليه واستقلاله بإبداعه وقد جعلوه مفتقرًا إلى بعض العالم محتاجًا إلى غيره كما تقدم من هذين الوجهين ضد ما أثبتوه من أنه واجب الوجود بنفسه وهذه عادتهم التناقض والجمع بين النفي والإثبات ومن وافقهم من المتكلمين على أنه ليس فوق العالم بل
أوجب محايثته للعالم ومقارنته له فإنه أيضًا جعله مفتقرًا إلى العالم والاتحادية تصرِّح بهذا كله ومن هذا حدثني بعض الفضلاء الضابطين عن الشيخ القاضي تقي الدين محمد القشيري عرف بابن دقيق العيد رحمه الله أنه قال لما دخل علينا الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه إلى مصر سألناه عن ابن عربي فقال شيخ سوء مقبوح كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجًا وبين ما ذكره عنه من هذه الصفات فقلت لمن حدثني لم يكن بعد قد فهمت حقيقة قوله وأين هذا من القائلين بقدم العالم أولئك يثبتون عالمًا وواجبًا غيره صدر عنه وإن كان قولهم باطلاً من جهة أخرى
وهذا عنده نفس العالم صورته وهويته وليس له وجود غير وجود العالم ولكن هو كما يذكر عن ابن سبعين أحد أئمة الاتحادية ومحققيهم وأذكيائهم أنه قال عن كلام ابن عربي فلسفة مخموجة وكلامه هو ادخل في الفلسفة وأبعد عن الإسلام ولا ريب أن هؤلاء من جنس الملاحدة الباطنية القرامطة وهو وهؤلاء الفلاسفة مشتركون في الضلال ومذاهب هؤلاء الفلاسفة في الإلهيات من أشد المذاهب اضطرابًا وتناقضًا وقولاً لا حقيقة له فلما كان مذهبهم المقارنة التي هي في الحقيقة تعطيل الصنع والخلق والإبداع وإن كانوا يدعون أنهم يثبتون واجبًا غير العالم فهذا دعواهم وإلا ففي الحقيقة يلزمهم ألا يكون ثَمَّ واجب الوجود غير العالم وهذا حقيقة قول الاتحادية وهو الذي أظهره إمام هؤلاء فرعون فإن الاتحادية تنتحله وتعظمه والباطنية تنتحله وتعظمه وهو على مقتضى أصول الفلاسفة الصابئة المشركين اللذين هم من أعظم الناس إيمانًا بالجبت والطاغوت وليس هذا موضع تفصيل ذلك ولم يكن هذا الموضع موضع كلام في مسألة خلق الله للعالم وإبداعه إياه وإنما
المقصود تمثيل من يقول إنه في كل مكان بمن يقول إنه مقارن للوجود وأن كلا القولين في الحقيقة يوجب افتقاره إلى المخلوقات ويمنع أن يكون واجب الوجود وأن أصحاب هذه الأقوال وإن قالوا مع ذلك هو مباين للعالم وفوقه أو قالوا هو قبل العالم ومتقدم عليه فلا حقيقة لكلامهم بل قولهم صريح في معنى ذلك والتكذيب به ومن قال منهم ليس بداخل العالم ولا بخارجه فهو كمن قال لا قبل العالم ولا معه وكل من هؤلاء ينازع في أنه رب العالمين وخالقه وفي إنه إله العالم المعبود لا يثبتون حقيقة ربوبيته ولا حقيقة إلهيته بل هم مشركون به وجاحدون معطلون وإن كان جهمية المتفلسفة أشد إشراكًا وجحودًا من جهمية المتكلمين لكون هؤلاء أقرب إلى دين المرسلين الذين جاءوا بالحق المبين سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ {180} وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ {181} وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {182} [الصافات 180-182] وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم بقدم العالم يوجب القول بقدم جميع الحوادث وذلك مخالف للمشاهدة وأنهم إذا قالوا هو علة تامة امتنع أن يحدث عنه شيء بواسطة أو بغير واسطة فإن الواسطة إذا كانت قديمة لزم قدم معلولها وإن كانت محدثة فالقول في حدوثها كالقول في حدوث ما يحدث عنها
الفصل الثاني فيما نفوه عن الرب تعالى من التقدم بالزمان وما نفوه من تقدم العدم على الوجود بالزمان وقولهم مع من وافقهم من المتكلمين ليس تقدم الرب على العالم زمانًا فنقول التقدم المعقول الحقيقي إما أن يكون بالزمان فقط أو يكون بغير الزمان أو يكون بالزمان وبغير الزمان أو لا يكون بالزمان ولا بغيره أما الأول فلا ريب أن الأقدمين من الآدميين كالآباء متقدمين على المتأخرين منهم بالزمان وإذا حقق التقدم بالزمان كان معناه أن الأولين قارنوا الزمان المتقدم على زمان هؤلاء فالتقدم والتأخر هو في الزمانين وفي أهل الزمانين لكن تقدُّم الزمان يعرف بقدم أهله كما يعرف تقدمه بتقدم أهله وتأخُّر الزمان يعرف بتأخر أهله كما يعرف تأخره بتأخر أهله إذ كل من الزمان وأهله متقارنان فتقدم أحدهما تقدم قرينه وتأخره تأخر قرينه وذلك يعرف في الأيام بطلوع الشمس وغروبها وفي الأشهر بالأهلة وفي السنين بالعدد كما في الأسابيع هذه شريعة المسلمين ولبقية الأمم في ذلك سنين أخرى منهم من يجعل الشهور عددية والسنة طبيعية كحركة الشمس وإن كانت حركة الشمس في البرج المعين
لا يرى وإنما يعلم بالحساب وهذه سنة من ليس من أهل الكتاب كالروم والفرس وغيرهم ومنهم من يجمع بين الأمرين وهذه سنة مَن بدَّل وغيَّر من أهل الكتاب كما يفعل اليهود والنصارى وقد تكلمنا على هذا مبسوطًا في غير هذا الموضع وأما الأسبوع فليس له سبب مرئي بالاتفاق وإنما سببه سمعي وهو ما أخبرت به الرسل من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وقد شرع الله لأهل الكتب من المسلمين واليهود والنصارى الاجتماع في كل أسبوع لذكر الله وعبادته وفي ذلك حفظ أيام الأسبوع الذي يذكر فيه خلق الله السموات والأرض في ستة أيام وانقضاء ذلك في اليوم السابع ولهذا لا توجد أيام الأسبوع إلا في لغة من تلقى ذلك عن أهل الكتاب كالفرس أما الترك الأعراب مثل التتار ونحوهم فليس في لغتهم لهذه الأيام ذكر لأنه لا يعلم سببها بالرؤية ولا علم لهم بذلك من جهة السمع لبعدهم عن ديار العلم والإيمان وأما ما يعلم بالرؤية فقد قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة 189] وقال تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ
السَّمَاوَات وَالأَرْضَ [التوبة 36] وقال تعالى فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {96} [الأنعام 96] وقال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {5} [يونس 5] وقال تعالى وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ {37} وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم ِ {39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {40} [يس 37-40] ونحو هذا من القرآن في مواضع فلا ريب أنه مما يشاهده الناس من نور الشمس والقمر تتوقت الأوقات ويتميز آخر الزمان بعضه من بعض ويعلم بذلك عدد السنين والحساب الذي به يعرف المتقدم والمتأخر فإذا قيل إن هذا متقدم بالزمان كان معناه أن تقدمه متقدم لتقدم الزمان وأن تقدمه عرف بتقدم الزمان لا يراد بذلك أن تقدمه هو بسبب تقدم الزمان إذ ليس جعل تقدم الزمان سببًا لتقدمه بأولى من جعل تقدمه سببًا لتقدم الزمان وذلك أن اليوم المعين يحدث فيه طلوع الشمس والقمر وكذلك طلوع الكواكب وغير ذلك من الحركات ومن
ذلك ما هو فلك الشمس والقمر ومنه ما هو تحت فلك الشمس والقمر وجميع ذلك يقال فيه إنه زماني وإن كان تقدم الزمان وتأخره إنما يعرف بما يرى من الأنوار كالشمس والقمر التي بها تتوقت الأوقات والمقصود أن التقدم بالزمان لا يشترط أن يكون الزمان مؤثرًا فيه فإنه غير مؤثرٍ في الأفلاك وأما التقدم بغير الزمان فإنه لو لم يخلق شمس ولا قمر ولا كان فلك ولا حركة فلك لكان يعقل أن الشيء يكون قبل الشيء لكن إذا لم يكن هناك موجود يميز ذلك لم يعلم مقدار ذلك ولا أجزاؤه ولا يتميز بعضها من بعض لكن هذا لا يعدم بحال فإن الله سبحانه وتعالى حي موجود قيوم أزلي وقد قال عبد الله بن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه
ورُوِي أن أهل الجنة يعرفون مقدار الليل والنهار بأنوار تظهر من جهة العرش والله سبحانه وتعالى قادر أن يظهر ما شاء من نوره أي وقت شاء فيكون ذلك مؤقتًا وتحديدًا لآخر الزمان وأبعاضه كما جعل ذلك في الدنيا بالشمس والقمر ولو قدر عدم ذلك كله وعدم ما يتميز به لنا متقدم عن متأخر لم ينتف التقدم والتأخر بل هو ثابت في نفسه فيكون الشيء قبل الشيء سواء وجدت الحركات والأنوار التي توقت أجزاء ذلك وأبعاضه أو لم توجد وإنما بحركة الأنوار يتميز أبعاض ذلك عندنا والتقدم والتأخر لا يشترط فيه وجود هذا الزمان المحدد وليس هو المؤثر فيه بل هو ثابت في نفسه سواء كان هذا الزمان المحدود أو لم يكن لكن هذا الزمان المحدود المؤقت يبين لنا المتقدم والمتأخر وهذا مما ينبغي أن يعرف وتصُّور ذلك فطري بديهي لا يفتقر تصور الإنسان التقدم والتأخر إلى تصور الأوقات المحددة بالأنوار والحركات كما أن العلو
والسفل أمر حقيقي معقول ولو فرض عدم هذه الأجسام المعنية العالية والسافلة أو عدم الإنسان ذي الجهات الست بل كل قائمين بأنفسهما يعقل كون أحدهما فوق الآخر إذا ظهر ذلك فقولهم المحدث بعد عدمه يكون عدمه سابقًا على وجوده وتلك القبلية أمر زائد على ذات العدم ولا محالة قبل كل قبلية قبلية أخرى فإذن هاهنا قبليات لا نهاية لها ولا بداية ولا يَعنى بالزمان إلا بما تلحقه القبلية والبعدية لذاته فإذن لا أول للزمان فإذن يلزم من حدوثه بعد عدمه قدم الزمان فيكون حدوث العالم بهذا التفسير مستلزمًا لقدمه يجاب عنه بوجوه أحدها أن يقال لهم لاريب أن هذا العدم قبل الوجود
فإن كان كما يوصف بأنه قبل غيره أو بعده يكون زمانًا لزم أن يكون الله زمانًا وكل موجود زمانًا إذا قيل إن هذا قبل هذا أو بعده فالوجود قبل العدم والعدم قبل الوجود والوجود قبل الموجود فإن كان الموصوف بأنه قبل وبأنه بعد زمانًا فهذه الأشياء كلها زمان وهذا لا يقوله أحد وإن قيل إن وصف الشيء بأنه قبل أو بعد يستلزم الزمان والزمان هو الذي يلحقه القبل والبعد لذاته وهذه الأمور لا يلحقها ذلك لذاتها فيقال تقدم العدم على الوجود لا يقتضي ذلك لكن يقتضي أن ذلك مستلزم للزمان والزمان على هذا التقدير ما يعقل فيه التقدم والتأخر وإن كان معدومًا إذ التقدير أن العدم يتقدم على الوجود وإذا كان كذلك فالزمان بهذا الاعتبار لا يجب أن يكون وجوديًّا بل يكون عدميًّا وإن عقل فيه التقدم والتأخر إذ لا فرق في التوقيت بين العدم والوجود فإنه قد يقال هذا كان وقت عدم كذا وفنائه كما يقال وقت وجوده وحدوثه ثم كل منهما قد يتميز بعضه عن بعض كالوجود المختلف والعدم والمختلف وقد لا يتميز كالوجود الواحد والعدم الواحد فظهر أن ذلك لا يستلزم قدم موجود الثاني أن ذلك لو افتقر إلى شيء موجود يتميز به بعض ذلك عن بعض كالوجود المختلف والعدم المختلف كان وجود الله ونور وجهه كافيًا في ذلك فهو سبحانه يظهر ما شاء من نوره كما يظهر ما شاء من نور مخلوقاته وذلك تتوقت به الأزمنة وتتحدد ولا يحتاج في ذلك إلى غيره فإذا لم يكن
إلا هو وحده فالأوقات تتميز بعلمه وبفعله عند من يقول ذلك من المسلمين ولا يحتاج إلى شيء غيره الثالث أن هذا معارض بتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض الرابع أن يقال نحن نعقل التقدم والتأخر مع قطع النظر عن زمان موجود والعلم بذلك ضروري وكذلك قولهم لو كان تقدم الباري على العالم بالزمان لزم أن يكون الباري تعالى زمانيًّا والزمان زمانيًّا وهما محالان أما الأول فلأن الزمان من لواحق التغير وذلك ممتنع على الباري سبحانه وتعالى وأما الثاني فلامتناع التسلسل يجاب عن ذلك بأربعة أوجه أحدها أن الزمان الذي قد بيناه لا يجب أن يكون وجوديًّا فلا يمتنع حينئذٍ أن يكون الباري زمانيًّا الثاني أنه لو فرض أن ذلك موجود فالموجود هنا هو الله
سبحانه وتعالى وهو متقدم على العالم بتقدم هو من صفات نفسه وإذا قيل هو زماني وكان المراد بالزمان هنا شيئًا من صفاته لم يكن ذلك محالاً وليس النزاع في مجرد لفظٍ فإنا نعقل ونتصور تصورًا بديهيًّا وجود شيء قبل شيء من غير أن يكون هناك موجود غيرهما فهذا التقدم سواء سموه زمانيًّا أو لم يسموه فهو معقول الوجه الثالث هب أن يقال أن الزمان من لواحق الحركة لكن هذه مسألة حلول الحوادث وقد ذكر الرازي أنه ليس في الأدلة العقلية ما يحيلها وأن القول بها يلزم كل الطوائف فيجوز عند من يجوزها أن يكون ذلك الزمان من لواحق حركته هو سبحانه وتعالى الوجه الرابع أن يقال لا يحتاج أن يجعل تقدم الباري على العالم بزمان موجود فلا يرد علينا هذا السؤال وأما كون الزمان زمانيًّا فهذا وارد عليهم كما هو وارد على مخالفيهم وليس هو من خصائص حدوث العالم بل هو حجة عليهم في إثبات تقدم وتأخر بغير زمان موجود ثم يقال التسلسل يقطع أن يكون الزمان الثاني عدمًا وبأن يكون من توابع وجود الحق كما تقدم
فظهر أن ما نَفَوه عن الرب من التقدم بالزمان ليس فيه ما يقبل النزاع إلا وجه واحد وله ثلاثة أوجه لاتقبل النزاع بين العقلاء فهو أربعة أوجه الأول أن يكون متقدمًا على بعض مخلوقاته تقدمًا مقارنًا لما خلقه من الليل والنهار كتقدمه على الحوادث اليومية ولاريب أن كل تقدم يوصف به المخلوق على غيره فالباري يوصف به زيادة وأحرى وهذا من باب قياس الأولى فإن التقدم على الغير من صفات الكمال كالعلو وكل علو يثبت للمخلوق فهو به أحق وكل تقدم يثبت للمخلوق فهو به أحق فإذا كان الأولون متقدمين على الآخرين تقدمًا معلومًا بمقارنة ذلك بالزمان فهو موجود مع طلوع الشمس وغروبها كما أن غيره موجود مع ذلك ووجوده أكمل فمقارنته له أكمل وليس في ذلك ما يقتضي أنه محتاج إلى الزمان بل قد بينَّا أن مقارنة المخلوق للزمان لا تُوجِب حاجة المخلوق إليه فالخالق أولى أن لا يكون محتاجًا إلى الزمان إذا كان الزمان قد قارن وجوده حين وجود الزمان يبين هذا أن المقارنة يدل عليها لفظ مع وكون الله مع خلقه عمومًا أو خصوصًا مما اجمع عليه المسلمون ودل عليه القرآن في غير موضع فهو مع كل شيء معية عامة أو خاصة فلماذا يمتنع أن يكون مع الزمان والمكان على الوجه الذي يليق
به وذلك أمر واجب لا محالة الوجه الثاني أن الزمان الذي يراد به ما يقدر فيه من وجود الليل والنهار الذي ذكرنا أن العدم يتقدم على الوجود به أمر عدمي فلا يمتنع تقدمه بهذا الزمان كما تقدم الوجه الثالث أنه متقدم على المخلوقات بنفسه وما هو عليه من صفاته وإن لم يخطر بالقلب شيء آخر من وجود أو عدم يكون متقدمًا به بل هو متقدم بنفسه وإن شمي شيء من ذلك زمانًا أو دهرًا كان النزاع لفظيًا وأما الوجه الذي فيه النزاع فإن يفعل فعلاً آخر ويتصرف تصرفًا قائمًا بنفسه يتوقف به ما يوصف به فهذا فيه نزاع كما تقدم وهؤلاء الذين يقولون بقدم العالم عن موجبه أشهرهم هم الفلاسفة المشاءون أتباع أرسطو وهم مبدلة دين الصابئة الصحيح وأظهر حججهم التي اعتمدوا عليها وهو الذي اعتمده أفضل متأخريهم ابن سيناء ونحوه من الملاحدة وهو
طلب سبب التخصيص وهو أنهم قالوا العقل الصريح الذي لا يكذب قط يعلم أن الذات إذا كانت واحدة من جميع جهاتها ولم تفعل ثم فعلت فعلاً فلابد من تجديد شيء لها إما قدرة أو علمًا أو إرادة أو غير ذلك مما هون من الشروط وزوال
الموانع وإلا فإذا كانت كما لم تزل امتنع صدور الفعل عنها لأن تخصيص بعض الأوقات بالفعل لابد له من مخصص والقول في ذلك الحادث المتجدد كالقول في جملة العالم وإذا صدر الفعل عنها لم يكن صادرًا بعد أن لم يكن لئلا يلزم المحال المذكور وبالجملة فإما أن تكون هي علة تامة للفعل أو لا تكون فإن كانت علة تامة وجبت مقارنة الفعل لها وإن لم تكن علة تامة فلابد من تجدد أمر يصير به علة تامة والقول في ذلك المتجدد كالقول في العالم إن كانت علته تامة وجبت مقارنته وإن لم تكن علة تامة فلابد من تجدد أمر ويلزم التسلسل ومدار هذه الحجة على وجوب مقارنة الأثر للمؤثر التام وأنه يمتنع أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً وهذه الحجة يقولون بها وقد أجاب الناس عنها بالممانعات تارة وبالمعارضات أخرى تارة يمنعونهم وجوب مقارنة الأثر
للمؤثر إذا كان فاعلاً باختياره وقدرته ويقولون القادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك وتارة يذكرون من أسباب الترجيح أمورًا وتارة يبدون ما في الوجود من المخصصات للصفات والمقادير وغير ذلك مما لا يُحصِي تفاصيله إلا الله ويقولون القول في سبب التخصيص بالزمان كالقول بالتخصيص بالحيز والصفات والمقادير والحركات وغير ذلك من الأنواع التي اشتمل عليها العالم وتارة يقولون هذا بعينه وارد في الحوادث اليومية فإن حدوثها مشهود وهذه الحجة واردة عليها فما كان جوابًا عنها بل التحقيق أن هذه الحجة تبطل بنفسها فبطل قولهم بقدم العالم فإنه يقول الحوادث إما أن يجوز صدورها عن علة قديمة تامة أو لا يجوز فإن جاز
صدورها عن علة تامة قديمة بطلت هذه الحجة وأمكن أن يقال إنه حدث عن فاعل قديم وإن قيل لا يجوز صدورها عن علة تامة قديمة قيل فهذه الحوادث المشهودة لا يجوز حينئذٍ صدورها عن علة تامة قديمة فلابد من حدوث علتها التامة ثم القول في حدوث تلك العلة التامة كالقول في حدوث الحوادث فإن كان حدوث حوادث لا أول لها ممتنعًا بطل مذهبهم وغن كان ممكنًا جاز أن يقال حدوث العالم كان موقوفًا على حوادث لا أول لها ولا يمكنهم أن يقولوا بامتناع حلول الحوادث فهم يجوِّزون حلول الحادث بالقديم بل ليس منهم إلا من يجوز قيام الحادث بواجب الوجود كما جوزه كثير من أهل الكلام وليس لهم على ذلك دليل ثم الحجة لا تدل على قدم الأفلاك وبالجملة فهم مضطرون إلى إثبات محدث أحدث هذه الحوادث وإبطالهم حدوث الأفلاك مع هذا باطل والمقصود هما أن أصل هذه الحجة هو القياس الفاسد وهو تمثيل الله بغير من الفاعلين وجعلهم له أندادًا وأكفاءً وأمثالاً حتى يحكم عليهم بما يحكم به عليه حتى جعلوه مولِّدًا للعالم فجعلوه له ولدًا وشريكًا فنفوا بهذه الحجة أن يكون خالقًا بارئًا مبدعًا للعالم وجعلوه علة والدة تولد عنها العالم تولُّدًا قارنها
به ومدارها على أنه يمتنع منه أن يحدث شيئًا ويجدده لأن ذلك تخصيص بلا مخصص وهذا القياس والمثل الذي ضربوه لله هو كنظائره في الأمثال المتناقضة الفاسدة وقد بيّنا قبل أن الله لا يجوز أن يُجعَل هو وغيره سواء لا في قياس تمثيل ولا في قياس شمول بل إنما يستعمل في جانبه قياس الأولى والأحرى فما كان من باب المدح والثناء في المخلوق فهو أحق به وما كان من باب العيب والنقص الذي يتنزه عنه المخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه وهذا القياس مضمونه أنهم وصفوا الله بامتناع الفعل منه وعجزه عنه إذا لم يكن متولدًا عنه كما يمتنع في غيره من المتولد الموجب بذاته أن يكون محدثًا أو معيدًا لما صدر عنه فقاسوه سبحانه وتعالى بالعاجز المضطر الذي يمتنع عليه الفعل والإحداث وهو ضرب
مَثَلٍ له فيما هو نقص في المخلوق فأوجبوا هذا النقص للخالق بالقياس عليه والكلام على ذلك من وجوه أحدها أن يقال كونه يفعل بعد أن لم يفعل إما أن يكونوا علموا ذلك لعلمهم بخصوص ذات الله وامتناع ذلك عليه كما يمتنع عليه العدم المنافي لوجوبه أو علموه لقياس شمولي متضمن لقضية كلية أو لقياس تمثيل فإن ادعوا الأول لم يصح لثلاثة أوجه أحدها أنهم يقرون أنهم لم يعلموا خصوص ذات الرب والثاني أن يقال فما تلك الخاصية التي يمتنع حدوث الفعل منها ويكون إحداثها للأمر ممتنعًا ولا سبيل لهم إلى معرفة ذلك ولا ذكره الثالث أن معرفة عين الشيء إنما تكون بالحواس الباطنة أو الظاهرة وذلك يوجب أن تكون معرفة الله بديهية أو حسية وهم لا يقولون بذلك ومن يقر بذلك يعلم أن الأمر بخلاف ما قالوه فإن ادعوا ذلك عن قياس شمولي أو تمثيل وهو طريقهم فيقال لا يصح دخوله هو وغيره تحت حكم كلي في هذا الباب فإنه ليس في الكائنات شيء واحد هو علة تامة لفعل بل لايصدر شيء إلا عن اثنين فصاعدًا وإذا لم يكن في الموجودات علة تامة ولم يكن غيره مؤثرًا تامًّا لم يمكن أن
يقال المؤثر التام يجب أن يقارنه الأثر أو يمتنع تخلف الأثر عنه إذ ليس في الكائنات ما هو وحده مؤثر تام البتة وهذا مشهود محسوس في جميع المؤثرات سواء كان بالإرادة والاختيار كالحيوانات أو كان بالطبع كالجامدات فليس فيها ما يكون وحده مؤثرًا بل النار ونحوها لا تحرق إلا مع سبب آخر وهو المحل القابل للإحراق والإنسان لا يفعل بإرادته وقدرته إلا بأسباب خارجة عن قدرته وأيضًا فذلك الغير الذي يدخل تحت القضية الكلية إما أن يكون حيًّا له مشيئة أو يكون غير حي ليس له إلا الطبع وعلى التقديرين فهذه الأمور تصدر عنها الأفعال بعد أن لم تكن صادرة كما هو مشهود في جميع الفاعلين لكن المنازع يقول إنها لا تحدث فعلاً حتى يغير والتغير على الرب محال يقال له هذا إنما يصلح أن يقال لو كان غيرك هو المحتج بالقياس على هذه الأمور فتفرق أنت والمقصود هنا أنك أنت لا يمكنك أن تذكر قضية كلية تعم شيئين فصاعدًا على امتناع صدور الفعل عن الذات بعد أن
لم يكن صادرًا عنها وإن لم يكن لك على ذلك قياس شمول فقياس التمثيل أبعد وأبعد فتبين أن حكمه بأنه واجب الوجود لا يحدث شيئًا قول بلا علم أصلاً لا هو معلوم بنفسه ولا بحجة ومنشأ ضلالة هؤلاء المشركين الصابئين والمجوس المشركين وغيرهم من أصناف المشركين هو القياس الفاسد الذي مضمونه التسوية بين الله وبين غيره وأن يجعل غير الله عدلاً وندًّا ومثلاً وكفوًا فتارة يعدلونه بما وجوده مما له فعل بمشيئته فيه وتارة يعدلونه بما وجوده مما له فعل بقوة فيه بلا حياة وهؤلاء من أجدر الناس أن يقولوا تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {97} إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ {98} [الشعراء 97- 98]
ولهذا كان من أصول أهل السنة أنه لا خالق إلا الله ولا فاعل مستقل بالفعل ولا مؤثر تامًّا غيره وذلك أن كل ما يقدر غيره مما له فعل وتأثير ففعلُه موقوف على شروط من غيره يكون شريكًا وممنوع بمعارضات من غيره وله كفو يفعل كفعله وله شريك وله ندّ وله كفو ولهذا بين سبحانه وتعالى اختصاصه بعدم الشريك والمعاون وعدم الند المعارض وعدم الكفو المماثل كما في قوله تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ [فاطر 2] فأخبر أنه لا مانع ولا معارض لما يفتحه من رحمته وأخبر أن ما يمسكه فلا يرسله ولا يعطيه أحد غيره وهذا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة في رفعه من الركوع وبعد السلام اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وليس في الوجود من يعطي شيئًا إلا وله مانع غيره ولا يمنع شيئًا إلا وله معطٍ غيره
فهو في إعطائه غير مستقل بل لابد له من شريك ومعاون وهذا لأنه ليس في المخلوقات ما هو مؤثر تام فلا شيء يؤثر وحده ولا شيء إذا أثَّر يكون الأثر واجبًا معه مطلقًا بل قد يكون له من المعارضات ما يمنع أثره ومن أظهر ما يسمى مؤثرًا الشمسُ في الإشراق والتسخين وهي لا تشرق إلا مع شيء آخر يقابلها يتعلق شعاعها عليه فيكون الضوء والشعاع حادثًا بسببين بسببها وبسبب الجسم المقابل لها الذي يحل به الشعاع ثم إن موانع الضوء والشعاع من السحاب وغيره موجودة مشهودة وكذلك تسخينها مشروط بالمحل الذي تقوم به السخونة وموانع السخونة موجودة مشهودة ومع كون فعلها موقوفًا على شريك لها ولها مانع يمنعها بل أسباب غيرها فإن السخونة عن الشعاع فإنها تكون عن النار وتكون عن الحركة وكذلك الإشراق يكون عن النار والقول في تسخين النار وإشراقها وتسخين الحركة كذلك فإنه لابد من سبب آخر كالجسم الحامل للسخونة وثم موانع تمنع وجود السخونة فلا تكون بالأسباب الموجودة من رحمة فاه ممسك أيضًا من الأسباب المخلوقة وما يكون بها من
إمساك بغيرها يكون به إرسال ما أمسكه الله والله سبحانه هو وحده الذي ما يفتحه للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ولهذا قال بعد ذلك يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فاطر 3] وقال تعالى وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء [الأنعام 100] وكذلك قوله قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ {38} [الزمر 38] وقوله تعالى وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ [يونس 107] بين سبحانه أنه لا يكون غير الله معارضًا ومانعًا لما يشاؤه الله من منفعة أو مضرة إذ كل ما يقدر من سبب لنفع أو ضُرُّ فله مانع ومعارض فما من سبب مقتضٍ في الوجود إلا وله مانع معارض وما كان كذلك لم يكن علة تامة ولا مؤثرًا تامًّا إلا بمشيئة الله تعالى فإنه ما شاء الله كان والله تعالى لا معارض لحكمه ولا مانع له فلا يكشف ما ينزله من الشدة إلا هو ولا يرد ما ينزله من الرحمة أحد غيره وأيضًا ما من سبب إلا وله كفو يكون عنه بدلاً وعوضًا
فإذا انتفى أمكن حصول الأثر بكفوه والله تعالى ما لم يشأ لم يكن وظهورها في الأسباب الخاصة مثل عطاء الآدميين ومنعهم وضرهم ونفعهم من الملوك وغيرهم واضح جدًّا فإنه مع أن قلوبهم بيد الله هو الذي يقلبها كيف يشاء وأن اختيارهم وقدرهم التي تكون بها أفعالهم كثيرة التحول والتغير فإن أحدهم لايستقلّ وحده بفعل شيء قط بل لابد من أسباب أخر خارجة عن قدرته يكون الأمر بالمجموع ثم إن مع وجود تلك الأسباب منه ومن غيره يكون لها معارض وعوائق ومعارضات ثم إن مع وجود تلك الأسباب وانتفاء موانعها قد استُغْنِي عنها بكفوها ونظيرها ويحصل المقصود من غيرها مثل ما يحصل منها وكل سبب لايكون له كالرسول المرسل الذي هو خاتم الرسل الذي لايمكن العباد أن يستغنوا عما جاء به من البينات والهدى فإنه نفسه معترف بأنه عبد الله ورسوله وأن الله هو الذي أعطاه هذا وكذلك الشمس وما يكون بها من نهار وبعدمها من ليل فإنه لا يدَّعى أحد قط إضافتها إلى غير الله ولهذا قال الخليل عليه السلام فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة 258] وقال تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ {71} قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ
سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ {72} وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {73} [القصص 71-73] الوجه الثاني أنهم اعتمدوا على أنه لا يحدث شيئًا حتى يحدث أمر من الأمور فلا يحدث سواه حتى يحدث فيه شيء أو يتغير وهذا المقام للناس فيه نزاع مشهور بين الأولين والآخرين فطوائف كثيرة من متكلمي المعتزلة والأشعرية والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وغيرهم منعوهم هذا وقالوا هل يحدث عنه شيء بعد أن لم يحدث من غير حدوث شيء في نفسه وطوائف كثيرة من المتكلمين من الشيعة والمرجئة والكرامية وأهل
الحديث والفقهاء والصوفية سلموا ذلك ونحن ننزل إلى التسليم فنقول هب أنه يمتنع أن يحدث شيئًا حتى يحدث فيه شيء فأنتم لم تقيموا حجة على امتناع أن يحدث فيه شيء إلا أن قلتم القول في هذا الحادث كالقول في العوالم وهذا الحادث لا يحدث إن لم يحدث سبب يقتضي حدوثه فنقول هب أن الأمر كذلك فَلِمَ قلتم أنه لا يحدث لنفسه عملاً وحركة يحدث به ذلك المفعول وهذا قول طوائف من أهل الكلام والفقه وجمهور أهل الحديث والتصوف وغيرهم وهو قول طوائف من الأوائل
والأواخر حتى قال أوحدهم في زمانه أبو البركات صاحب المعتبر إلهية الباري لِمَ لا تتم إلا مع هذا القول وقد قال الرازي إن هذا يلزم جميع الطوائف القول به وأنه ليس في الأدلة العقلية ما ينفيه وليس المقصود هنا تقريره لكن يقال وأنتم لم تذكروا حجة غلا قولكم والقول في الحادث في ذاته كالقول في العالم الذي لابد لحدوثه من سبب والأمر كذلك لكن لم تذكروا حجة على امتناع حدوث هذا الحادث إلا مجرد الدعوى الأولى وهو أنه يمتنع أن يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن صادرًا وهذا هو نفس المذهب فالاحتجاج به مصادرة على المطلوب لكن يحتجون بأن ذلك يفضي إلى التسلسل
ولكن التسلسل في هذا ليس ممتنعًا عندكم فإنكم تقولون ما هو أبلغ من ذلك في الفلك ومَن تدبَّر هذا علم أن القوم لم يذكروا على ذلك حجة أصلاً إلا مجرد المطالبة بقولهم لِمَ فعل بعد أن لم يفعل والمطالبة بالدليل ليست دليلاً على عدم المدلول فإذا لم تعلموا لِمَ أحدث لم يكن هذا دليلاً على امتناع الإحداث فظهر أنهم لم يعلموا نفي الإحداث وفرق بين العلم بامتناع الشيء أو عدمه وبين المطالبة بدليلي جوازه أو علة وقوعه وهذا التحقيق يبين أن القوم كما قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام 112] ومن فَهِم هذين الوجهين فهم الجواب عما يصفون به هذا القياس من الصور المختلفة فإن المادة واحدة كقول بعضهم ما لأجله يكون المحدث محدثًا إما أن يكون
حاصلاً بتمامه في الأزل أو لايكون فإن لم يحصل لم يحصل إلا لمؤثِّر والكلام فيه كالكلام في الأول فتسلسل وهو محال وإن كان حاصلاً فهو معلوم بالضرورة أن المؤثر إذا حصل مع جميع الأمور التي باعتبارها تتم مؤثريته فإنه يستحيل تخلف الأثر عنه فإذًا يستحيل تخلف العالم عن الباري وكذلك أنه يمكن الجواب عن القسمين بهذين الوجهين أما الأول فيقال لا نسلِّم أن المؤثر إذا لم يكن حاصلاً بتمامه ولكن نفس التأثير الذي يقال إنه قام به من التخليق والكلام والإرادة لم يكن حاصلاً أو وجود شرط وانتفاء مانع ليس بحاصل فإن هذا كله من تمام المؤثر كان المراد بالمؤثر عنده مجموع الأمور التي إذا وجدت وجد المفعول وهي الأمور التي يجب أن يقارنها المفعول وتكون واجباتها فإذا لم تحصل هذه الأمور لم يكن المؤثر حاصلاً لكن يقال هذه الأمور إذا لم تكن جميعها حاصلة بل فات بعضها لم يكن المؤثر الأول حتى يلزم
التسلسل بل يكون هذا المؤثر الثاني هو المؤثر في ذلك الشرط أو زوال ذلك المانع وليس المؤثر في العالم المؤثر في بعض الأسباب التي يجب العالم عندها سواء قيل هو التخليق أو الكلام أو الإرادة أو غير ذلك فإن قيل المؤثر في ذلك التتمة الذي هو الموجب الذي يجب عنده وجود الأثر إما أن يكون حاصلاً بتمامه في الأزل أو لا يكون كان المختار أنه لم يزل حاصلاً في الأزل وهنا جوابان أحدهما أن يقال لا نسلِّم أن وجود مفعول يتوقف على هذا المؤثر بل يقال ليس في الوجود المعروف مؤثر يجب عنده وجود الأثر وجوبًا يمتنع زواله حتى يقال فإن لم يكن لم يحصل الأثر ولا موجب الحوادث إلا مشيئة الله تعالى ومشيئته ليس لها نظير حتى يقاس بها والله ليس كمثله شيء والثاني أن يقول حصوله بعد ذلك يكون لوجود شرطه أو انتفاء مانعه وهذا التسلسل في الشروط وانتفاء الموانع ليس ممتنعًا عند المنازع وإنما الممتنع التسلسل في العلل التامة التي كلُّ علة تُوجِب الأخرى والأمر هنا ليس كذلك بل يكون حدوث هذا الشرط موقوفًا على شرط آخر ليس علة له ويجوز تعاقب الشروط ودليل ذلك أن الحوادث اليومية موجودة والعالم مملوء من الحوادث فالموجب التام لكل حادث إما أن يكون حاصلاً في الأزل أو لايكون ويعود التقسيم
وغاية ما قاله هؤلاء أن هذه الحوادث تتبع حركة الفلك المتعاقبة وليس الغرض الكلام في هذا الجواب ليس المقصود أنهم إذا اشترطوا شروطًا ولم يكن ذلك من التسلسل الممتنع فهنا أولى الوجه الثاني أن يقال وإن كان المؤثر بتمامه حاصلاً في الأزل لكن لِمَ قلتم إنه يستحيل تخلف الأثر عنه قوله من المعلوم بالضرورة أن المؤثر إذا حصل مع جميع الأمور التي باعتبارها تتم مؤثريته فإنه يستحيل تخلف الأثر عنه يقال هذه قضية كلية مضمونها أن كل مؤثر تام فإنه يستحيل تخلف الأثر عنه والقضية الكلية لابد لها من أفراد غير مورد النزاع الذي يراد الاستدلال عليه بها ومعلوم أن الوجود كله ليس فيه مؤثر تام غير الله أصلاً بل لا يصدر عن شيء واحد من المخلوقات أثر أصلاً ولا يصدر إلا عن شيئين فصاعدًا وليس من المخلوقات ما يقال إنه مؤثر إلا
ويمكن تخلُّف أثره عنه سواء في ذلك المؤثرات الاختيارية والطبيعية فإذا لم نشهد في العالم مؤثرًا يجب وجوبًا عقليًّا أن يقترن بعه الأثر المنفصل عنه فكيف يعلم أن المؤثر التام يجب اقتران الأثر به فضلاً عن أن يكون ذلك معلومًا بالضرورة وهو حكم لانظير له ومورد النزاع غير معلوم فإن قال أريد بالمؤثر التام ما يجب عند وجود الأثر كان التقدير المؤثر الذي لا يتخلَّف عنه أثره إما أن يكون حاصلاً في الأزل أو لايكون والجواب أن هذا ليس بحاصل في الأزل ولا في الموجودات المشهودة مؤثر لا يتخلف عنه أثره وتحرير هذا الوجه أن جميع ما يفرض من المؤثرات المشهودة يمكن وجودها عقلاً مع عدم أثرها وليس في العالم مؤثر واحد يوجب أثرًا أصلاً وإنما التأثير عقب شيئين كما تقدم بيانه ووجود تلك الأسباب بدون ذلك الأثر ممكن فإذا لم يحكم العقل حكمًا قاطعًا بأن ما يعرفه من المؤثرات يوجب الآثار وجوبًا يمتنع فكاكه لم يكن له سبيل إلى أن يحكم بوجوب مقارنة الأثر للمؤثر الوجوب العقلي أصلاً ويعود الأمر إلى أن يقال فإذا صدر عنه الأثر تارة ولم يصدر أخرى كان تخصيصًا بغير مخصص وهذا هو الذي قدمنا الكلام عليه فقلنا إنهم أثبتوه في حق الله بالقياس على خلقه مع وجود الفارق ويمكن تلخيص هذا الجواب بأن يقال في
الوجه الثالث قولك ما لأجله يكون المحدث محدثًا إما أن يكون أزليًّا أو لايكون ما تعني به أتعني به ما يجب وجود الأثر عنده أم تعني به ما لأجله يجوز أن يكون فاعلاً مثل قدرته وغيرها من صفاته فإن قال أعني الأول قيل ليس ذاك بأزلي ولا نسلم بأنه محتاج إلى حصوله في كون المحدث محدثًا وإن سلَّمنا أنه لابد منه فلا نسلم لزوم التسلسل وإن أريد به الثاني فهو أولى ولكن ليس ذلك بموجب لوجود الأثر عنده الوجه الرابع أن هذه الحجة مدارها أنه إذا كان مؤثرًا تامًّا وجب وجود الأثر مقارنًا له وإذا لم يكن مؤثرًا تامًّا امتنع وجود الأثر عنه إذا لم يكن تامًّا وامتنع أن يتم المؤثر بعد ذلك لأنه يستلزم التسلسل وحينئذٍ فيلزم امتناع إحداثه بعد أن لم يكن محدثًا فلابد في هذه الجهة من تقدير هذه المقدمات ومطلوبهم ثبوت القسم الأول وهو انه مؤثر تام فيجب مقارنة الأثر له ويمتنع تخلف الأثر عنه أو أن يفعل شيئًا بعد أن لم يكن فعله والمؤثر التام هو العلة وهو المولِّد وقد يقولون إن ذلك لا ينافي كونه مختارًا إذ اختياره للشيء المعين من لوازم ذاته ولو لم يكن مؤثرًا تامًا امتنع منه الفعل سواء قيل إنه تم أو لم يقل إنه تم وإذا كان كذلك فالعلمُ بهذه المقدمات في حق الله لا سبيل لهم إليه إلا بمجرد القياس الذي لا يصح فإن واجب الوجود لا ندَّ له ولا عدل له ولا مثل له حتى يقال إنه
بمنزلة ذلك المؤثر التام والمنع متوجه على هذه المقدمات الثلاث فَلِمَ قلتم إنه إذا كان كاملاً في نفسه قادرًا على الفعل بحيث لايعجز عنه إذا أرادوه أنه يجب صدور الفعل عنه غايتكم في هذا أن تمثِّلوا الله ببعض مخلوقاته وتقيسوا عجزه ونقصه على عجز هذه المخلوقات ونقصها وقد أجابهم من أجابهم من المتكلمين كالرازي وغيره بجواب بنوه أيضًا على القياس الفاسد فقالوا لهم قولكم جميع جهات مؤثِّرية الباري في العالم لابد وأن تكون حاصلة في الأزل ويلزم من ذلك امتناع تخلف العالم عنه قلنا هذا إنما يلزم إذا كان موجبًا بالذات أما إذا كان قادرًا فلا وقال هؤلاء قولاً كليًّا إن القادر لا يتوقَّف ترجيحه لأحد المثلين على الآخر على مرجح لوجهين أحدهما أن الواحد من الناس إذا استوى في حقه إرادة الفعلين كالهارب إذا عَنَّ له طريقان متساويان في حقه والجايع إذا قدم له رغيفان متساويان في حقه فإنه يرجح أحدهما لا لمرجِّح الثاني أن القادر إنما يفعل أحد المقدورين دون الآخر
لإرادته له والإرادة بنفسها مرجحة لأحد المقدورين وذلك صفة نفسية لها لا يجوز تعليلها بأمرٍ خارجٍ عنها وهذه خاصية الإرادة كما أن خاصية القدرة كونها بحيث يتمكن بها من الفعل وخاصية العلم كونه بحيث يعلم به فكذلك خاصية الإرادة كونها بحيث يخصص بها مقدور على مقدور ومنهم من قال ترجيح القادر بإرادته لابد له من ترجيح ومنهم من ذكر الترجيح بالعلم ومنهم من ذكر الترجيح بما في الفعل من الإحسان ومنهم من ذكر الترجيح بالقدرة وهو أنه كان ممتنعًا والمقصود هنا الكلامُ على من سلَّم ما ذكروه في المرجح الموجب بالذات ومنعه في القادر المختار فالصواب هو الفرق بين الله وبين غيره لا الفرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار فيقال لهم ما ذكروه ممتنع في حق الله تعالى بكل وجه وليس في الوجود شيء موجب بذاته تجب مقارنة موجبه
له أصلاً بل جميع الكائنات إنما هي أسباب لا يوجد الأثر عنها إلا بسبب آخر فإما أن يكون علمنا في الموجودات سببًا هو موجب بذاته وهو على تامة مولد بنفسه فهذا خلاف ما الوجود عليه فما من أثر يصدر إلا عن اشتراك بسببين فأكثر ومع هذا فيمكن تخلفه عنهما وإذا وجد هذا في جميع ما يقال إنه مؤثر من المؤثر باختياره وقدرته وبطبعه وقوته فليس فيها شيء يستقل بأثره وحده فضلاً عن أن يقال إنه موجب له بذاته والأثر الحاصل عند اجتماع أسباب كالحريق الحاصل عند وجود النار وجسم يلاقيه والشعاع الحاصل عند وجود الشمس وجسم يقابله ليس بواجب أيضًا فقد يمكن أن يكون ذلك ولا يكون إشراق ولا إحراق فإذا كان ليس في الوجود من يفعل بذاته أثرًا فضلاً عن أن يقال إنه موجب وإنما الأثر يصدر عن شيئين كصدور الولد عن الوالدين والنتيجة عن المقدمتين وهو مع
ذلك ليس بواجب كيف يسلّم لهم أن الموجب بالذات لا يتخلف عنه الأثر وهو قول لا حقيقة له وبهذا يتبين أن القوم أشركوا بالله وعدلوا به وضربوا له مثل السوء كما فعل إخوانهم الذين جعلوه يولِّد البنات وهملا يرضون بتوليدهن وجعلوا مملوكه شريكه وهم لا يرضون بمشاركة المملوك وذلك أن هؤلاء جعلوا الأثر لازمًا له لايمكنه دفعه بوجه من الوجوه قياسًا على ما هو موجب بذاته من العلل وهم مع ذلك لم يجدوا في العلل ما يكون معلوله لازمًا لايمكنه دفعه بوجه من الوجوه فوصفوا الله بما ينزهون عنه المخلوقات ووصفوه من التولد والعجز بما لا يصفون به المصنوعات ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أنه ليس في الموجود مؤثر تام إلا الله تعالى فلا رب غيره ولا إله سواه ولهذا قال من قال من متكلمة أهل الإثبات كالأشعري إن أخص وصف الله هو القدرة على الاختراع ور ريب أن هذا من أخص أوصاف الله وإن لم يكن هو وحده الأخص لكن الشعري حرر القول في هذا الأصل تحريرًا باين به سائر أهل الضلال من
أهل القبلة وكان انتصاره لهذا الأصل من أحسن أو أحسن ما نصره من مذاهب أهل السنة والجماعة وأما الذين يفرقون بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار في الشاهد والغائب فتفريقهم باطل أما في الشاهد فلأن الفاعل باختياره إذا حصل عنده الإرادة الجازمة مع القدرة التامة كان بمنزلة الموجب بذاته وجاز أن يسمى موجبًا بذاته والموجب بذاته إنما أوجب بصفة قائمة به طبيعية هي نظير الاختيار في المختار وكلاهما فيه قوة فعل بها وكلاهما فيه اقتضاء وميل إلى الفعل وكلاهما يسمى طبيعة وغريزة فإن خلقية الحي يسمى طبيعة له كما يسمى بذلك ما في الجامدات لكن بينهما من الفرق حصول الشعور في أحدهما دون الآخر والشعور يستلزم اللذة والألم ولهذا فرق بينهما بأن جعل أحدهما إرادة دون الآخر وإن كان قد يسمى إرادة كما في قوله تعالى جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ [الكهف 77] وهذا الفرق أول من أحدثه في الإسلام القدرية وبالغوا في إثبات الفعل للحي القادر حتى جعلوا الإنسان مستقلاً بما يفعله وأخرجوا فعله عن أن يكون مخلوقًا لله ومقدورًا له ومرادًا
له والأشعرية ونحوهم وإن خالفوهم في هذا فقد وافقوهم وزادوا عليهم في سلب ما في الأجسام من القوى والطبائع التي بها يفعل ما جعلها الله فاعلة له وفي الحقيقة فالجميع فيه القوى والطبائع التي هي مبدأ الميل إلى الفعل والحركة سواء كانت مع الحياة أو بدونها والله هو خالق هذا كله لكن غير الحي لا تكون حركته إلا تبعًا إذا خرج من مستقره كان فيه ميل إلى مستقره فليست الحركة فيه أصلية بخلاف الحي فإن كل حركة في الكون مبدؤها من اختيار حيٍّ وملائكة الله تعالى هم الذين يدبر الله بهم ما يدبره من أمر خليقته كما يدبر بالآدميين ما شاء لكن الملائكة أكبر وأكثر كما قال تعالى فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً {5} [النازعات 5] وقال تعالى فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً {4} [الذاريات 4]
وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه فأولئك الفلاسفة أشركوا بالله وعدلوا به حيث قاسوه على الموجب بذاته من المخلوقات وهؤلاء كانوا أمثل فإنهم لما عدلوا به وأشركوا بما شبهوه بالفاعل باختياره من المخلوقات ثم إن كل واحد من الفريقين لو كان حكمُ الأصل ثابتًا لكان قياسه من أفسد القياس لما فيه من تسوية رب العالمين ببعض المخلوقات فكيف وحكم الأصل مُنتفٍ في الأصلين فإن أولئك قاسوه على القادر المختار الذي يرجِّح أحد المثلين على الآخر وهو نفسه إن شاء فعل وإن شاء ترك وليس في الوجود قادر مختار بهذا المثابة كل قادر مختار من المخلوقين فإنه لايفعل حتى تثبت له إرادة جازمة معينة لمراده وتكون حاصلة فيه من غيره وهذا خير من بعض الوجوه والله تعالى له المثل الأعلى ليس كذلك بل هو يستقل بالفعل بإرادته التي لم يستفدها من غيره من غيره ولايضطر إلى الفعل فلا فعلُه ولا نفسُ إرادته تضطره بل هذان وصف الآدميين وإنكار القدرية لذلك وما يقال إنه موجب بذاته في
المخلوقات سواء قيل إنه يقتضي بالطبع بلا حياة ولا شعور أو فيل إن له حياة وشعورًا ليس كما يقوله هؤلاء بل ليس في الوجود ما يفعل شيئًا إلا بشريك معاون له يكون هو وذاك سببين والله تعالى لا شريك له ثم إذا وجد شريك كان صدور الأثر عنهما بغير اختياره ولا بمشيئته ويكون عاجزًا عن رد الأثر إذا وجد الشريك والله تعالى لا يفعل شيئًا إلا باختياره ومشيئته وليس عاجزًا عن رد الشيء لفعل غيره له بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فظهر أن هؤلاء جميعهم أتوا من تمثيل الله بخلقه ثم إنهم غلطوا في حكم الأصل الذي مثَّلوه به قال الله تعالى وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ {100} بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {101} [الأنعام 100-101] فهذا بعض ما يتعلق بقولهم في المقدمة الواحدة أنه يجب مقارنة الأثر إذا كان تامًّا وأما المقدمة الثانية وهو أنه إذا لم يوجد المؤثر التام امتنع صدور الفعل عنه ويمتنع أن يكون تامًّا بعد أن لم يكن فيمتنع
أن يفعل بعد أن لم يفعل فهم إنما يوجبون بالمؤثر التام ما تجب مقارنة الفعل له وقد قلنا إن هذا لاوجود له فبطل قولهم إذا لم يوجد المؤثر التام بهذا التفسير امتنع وجود الفعل بل جميع المؤثرات التي نشهدها يمكن تخلف الأثر عنها فلا تكون تامة عندهم ومع هذا فالأثر يوجد عندها ثم لو سلم أن هذه يمتنع صدور الأثر عنها لم يسلم أن الباري كذلك وأنه إذا كان بحيث لايجب صدور الفعل عنه لايكون مؤثرًا تامًّا فيمتنع صدور الفعل عنه بل هذا القول هو عين الباطل في حق الله تعالى أن يقال لايفعل حتى يمتنع أن يفعل ويمتنع أن يفعل إذا لم يجب أن يفعل فالفعل منه إما واجب لا يقدر على تركه أو ممتنع لا يقدر على فعله بل هذا سلب لقدرته التي هي مدلول فعله وقد جعلوه بهذا أعجز من عامة المخلوقات وأنقص منها فإنه ليس شيء منها بحال يكون المتولد عنه إما واجبًا لايمكن عدمه بحال وإما ممتنعًا لايمكن وجوده بحال ونحن نعلم أن الأمور الموجودة يجب وجودها بمشيئة الله تعالى لها وما لم يوجد يمتنع وجودها بعدم مشيئة الله لها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فالوجوب والامتناع هو بحسب مشيئة الله وعدم مشيئته وأما الوجوب والامتناع بحسب سبب آخر فهو باطل وهو خلاف الواقع ومن استقرأ الموجودات لم يجد شيئًا موجبًا يمتنع أن يكون
موجبًا ويمتنع إن لم يكن موجبًا بهذا الاعتبار أن يوجد ذلك الأثر وإذا كان الوجوب والامتناع في الممكنات بحسب مشيئة الله تعالى فلا نظير لمشيئته كما لا نظير له ومن قاسها ومثَّلها بغيرها فهو كمن قاسه ومثله بغيره وذلك من الإشراك به وجعل الأنداد والأمثال والأكفاء له وهو ممتنع في نفسه لأن مماثلته لغيره توجب اتصاف أحدهما بصفة الآخر وذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم بيانه وأيضًا فإنهم يمثلون بغيره فيما هو نقص وعجز في ذلك الغير لو كان موجودًا وهو سبحانه لا يمثّل بغيره ويسوَّى به في الكمالات فكيف في النقائص فصار هذا باطلاً من ثلاثة أوجه أحدها أن هذا الوصف ليس ثابتًا لغيره حتى يجعل هو وإياه تحت قضية كلية في قياس شمولي أو يشبه به في قياس
تمثيل ولو كان موجودًا أو مقدرًا لم يجز أن يعدل بالله ويسوي به لأن الله أكبر من كل شيء ولو جاز أن يعدل بغيره لم يعدل به فيما هو نقص لا يعدل بالناقصات فلو كان حكم الأصل موجودًا كان قياسهم من باب ويجعلون لله ما يكرهون حيث وصفوه بما ينزهون عنه المخلوقات فيف ولا وجود للأصل وأما الكلام على أصلهم الثاني وهو انه يمتنع أن يصير مؤثرًا تامًّا بعد أن لم يكن فيمتنع أن يحدث شيئًا والمؤثر التام عندهم الذي تجب مقارنة الفعل له فهذه أيضًا باطلة من جانب النفي والإثبات كبطلان وجوب المقارنة التامة وامتناعها فإنه يقال إما أن يكون مؤثرًا تامًّا في الأزل بجميع حوادث العالم أو لا يكون فإن كان مؤثرًا تامًّا وجب وجودها جميعًا في الأزل وهو خلاف المشهود المحسوس المعلوم لكل أحد فإن لم يكن مؤثرًا تامًّا في الأزل امتنع أن يصير بعد ذلك مؤثرًا تامًّا فيجب أن لايفعل شيئًا فيلزمهم إما قدم جميع الحوادث أو عدمها وكلاهما معلوم الفساد وإنما لزمهم ذلك لأجل المقدمتين اللتين بَنَوا عليهما قدم العالم فإنهم قالوا لا يفعل إلا أن تكون بحيث تجب مقارنة الأثر له ويمتنع أن يصير كذلك بعد أن لم يكن لأنه يفضي إلى التسلسل فيقال لهم المؤثر في جميع هذه الحوادث كائنًا ما كان إما أن يكون مؤثرًا
تامًّا بتفسيركم أو لا يكون فإن كان كذلك وجب قدمها جميعها وإن لم يكن كذلك وجب امتناعها جميعها لامتناع تمام المؤثرية فيما بعد واعتذارهم عن ذلك بأن تمام المؤثرية في الفلك التاسع الذي بحركته تستعد القوابل لفيضان الوجود والكمال عليها لا يدفع هذا التناقض الظاهر فإن مجموع هذه الأمور التي حصلت بها هذه الآثار هي المؤثر التام فحدوث هذا المجموع إما أن يصدر عن مؤثر تام أو لا فإن لم يصدر عن مؤثر تام موجب للمقارنة بطل قولهم إن الثر لايصدر إلا عن مؤثر تام تجب مقارنة الثر له فإن صدرت عن مؤثر تام تجب مقارنة الثر له فإن كان قديمًا لزم قدمها وإن كان محدثًا فالقول في علة حدوثه كالقول فيما تقدم وهذا كلام قاطع
وبرهان ساطع لا مندوحة عنه وبغيره يتفطن لضلال هؤلاء الذين هم أكفر وأضل من عموم المشركين اللذين هم بربهم يعدلون يوضح ذلك أن حقيقة ما يقولونه إن المؤثرية التامة لكل حادث يحدث مستلزمة لحدوثه فكلما دار الفلك حدث بدورانه من استعداد القابل وفيض الفاعل ما يستلزم الحادث بمجموعهما وبالمجموع تتم المؤثرية هذا حقيقة قولهم فإذا كانت المؤثرية التامة تحدث شيئًا بعد شيء كما تحدث عنها الآثار شيئًا بعد شيء فكل من المؤثرية وآثارها تحدث شيئًا بعد شيء لكن بعض أجزائها قديم إما واجب الوجود بنفسه وإما غير واجب الوجود بنفسه بل بغيره وبعض أجزائها حادث وإذا كان كذلك فلابد لحدوث المؤثرية شيئًا بعد شيء من سبب إذ الحادث لايحدث نفسه كالحركة الفلكية شيئًا بعد شيء لابد لحدوث مؤثريتها من سبب حادث فإذا قيل هو التصورات المتجددة أو الشوق المتجدد أو ماذا عسى أن يقال كان
القول في حدوث هذا كالقول في حدوث ما حدث عنه فكيف ما داروا كانوا مضطرين إلى حدوث حوادث في العالم من غير حدوث شيء في العالم كالحركة الفلكية فإنها حادثة شيئًا بعد شيء في العالم وكحركة النفس المحركة لها عند من يقول بذلك منهم كان ذلك حادثًا في العالم وفي الممكنات من غير أن يكون في الممكنات سبب يقتضي حدوثه ومن غير أن يحدث في الممكنات وفي العالم ما يحصل به مؤثرية ذلك الحادث فإذا كان في العالم من الحوادث ما ليس له سبب تام يقتضي حدوثه من العالم علم أن الموجب التام للحدوث أمر خارج عن العالم ولا يخرج عن العالم إلا الله سبحانه يجوز أن يحدث الحوادث بعد أن لم تكن من غير أن يعاونه شيء على ذلك هو المطلوب واعلم أن الكلام هنا على وجهين أحدهما إفساد دليلهم على القدم وهو قولهم يمتنع حدوثه بعد أن لم يكن لأن الحادث يقتضي شيئًا وحدوث الحادث عن العلة التامة القديمة محال فلا يكون العالم حادثًا فقد تبين أن هذا مُنتقِض بجميع الحوادث وبجميع ما يقال إن وجد سبب لها فإنها حادثة بعد أن لم تكن ونفس حركة الفلك ظاهرة في النقض فإن الحركة حوادث متوالية وليس فوقها عندهم سبب حادث يوجبها فهي حوادث عن علة قديمة عندهم فقد جوَّزوا حدوث الحادث عن حركة تامة قديمة فإن
قالوا فوقها سبب حادث به تمت مؤثريتها كما يقوله من يجوز قيام الحوادث به منهم جاز عند هؤلاء حدوث العالم بمثل هذا فعلى القولين تبطل الحجة وأما الوجه الثاني فهو الاستدلال بهذه على حدوث العالم وهو أن يقال لو كان العالم قديمًا للزم أن يكون له موجب تام يستلزم موجبُه قِدَمَهُ عن غير موجب فإنه يستلزم محالاً لأنه إنْ لم يكن تامًّا مستلزمًا أمكن وجوده وأمكن أن لا يوجد والممكن لا يوجد إلا بموجب تام مستلزم والموجب التام المستلزم لا يتخلف عنه شيء من موجباته ولوازمه فجميع الحوادث إن كان هو موجِبًا تامًّا مستلزمًا لها لزم قدمُها وهو خلاف المشاهدة وإن لم يكن موجِبًا تامًّا مستلزمًا لها فلابد من شيء يتم به موجبها وذلك إن كان قديمًا لزم قدمها لأن قدم الملزوم يوجب قدم اللازم وإن كان محدثّا كان من جملة الحوادث فلابد له من شيء به يتم مُوْجِبُهُ من غير الحوادث لأن الكلام في جميع الحوادث وما يتم به الموجب من غير الحوادث لا يكون إلا قديمًا ولو كان قديمًا لزم قدم الحوادث فصار قدم العالم مستلزمًا لقدم الحوادث وهو ممتنع فقدم العالم ممتنع فصار قدم العالم مستلزمًا لعدم قدمه وما اقتضى ثبوت نفيه كان ممتنعاً ثبوته واعلم أنه كما يُحتج بما في العالم من الحوادث فإنه يحتج
بما فيه من الاختصاص والمقادير والصفات والأزواج المتنوعة كما قال وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {49} [الذاريات 49] فإن مبدع العالم إن كان علة موجبة بنفسه وهو واحد بسيط امتنع أن يصدر عنه أمور مختلفة على أصلهم وإن لم يكن كذلك كان فاعلاً بمشيئته واختياره ما يختاره من المفعولات وحينئذ فيمتنع أن يقال الحركة هي الموجبة للحوادث لأن الحركة إنما تحدث عنها مع بقية الحركات المختلفة لأن حركات الأفلاك مختلفة كما أن الأفلاك مختلفة ومعلوم أن حركة التاسع ليست الموجبة للحركة التي تخلفها في الثامن فإن قيل إنها توجب الحركة التي ترادفها إذ للثامن وغيره من الأفلاك حركة تخصُّه وحركة تابعة لحركة التاسع فالحركات إذاً مختلفة والمتحركات مختلفة والمعلولات المختلفة تستلزم عللاً مختلفة إذ العلة الواحدة من كل وجه لا تُوجِب معلولين مختلفين ولايقال ذلك بحسب القوابل لأن الكلام في القوابل المختلفة كالكلام في الحركات المختلفة وهذه المختلفات من الفاعل والقوابل لاتكون صادرة عن علة واحدة فيقتضي الصدور عن فاعل حي ذي صفات ومشيئة يفعل بها وهذا ضد ما يقولونه من أنه واحد لايصدر عنه إلا الواحد فإن هذا الواحد الذي أثبتوه ونفوا عنه الصفة والقدر وسموا ذلك تركيباً وكثرة قد تبرهن في غير هذا الموضع بالوجوه الكثيرة
أنهم لا دليل لهم على هذه الوحدة وأن ألفاظ حججهم ألفاظ فيها إجمال واشتراك كما قد بيَّناه في غير هذا الموضع بل تبين بالبرهان أن هذه الوحدة يمتنع أن يوصف بها موجود وأن وصف المبدع بها يقتضي تعطيله ولهذا آل بهم الأمر إلى القول بأن الوجود كله واحد ثم إن العالم فيه كثرة مشهودة فإن كان الصادر عن الواحد واحداً من كل وجه فلا يصدر عنه إلا واحد ويلزمهم نفي الكثرة المشهودة في الوجود وهو خلاف المشاهدة وإن كان فيه ما يسمونه كثرة وتعدداً وتركيباً ونحو ذلك فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد فهم بين أمرين إما إثبات الواحد ونفي جميع الصادر الثاني والثالث والرابع والخامس وإما إثبات الكثرة في الصادر الأول ثم في المبدع يوضح هذا أن الفلك الثامن مكوكب كثير الكواكب والتاسع فوقه أطلس فمن أين جاءت هذه الكثرة العظيمة وإذا قالوا إنه صدر عنه عقل ثم عن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل العاشر ثم صدر عنه ما تحت فلك القمر ففي هذا الكلام من التناقض والهذيان ما لا يروج على عقول الصبيان وقد كنت في أوائل معرفتي بأقوالهم بعد بلوغي بقريب وعندي من الرغبة في طلب العلم وتحقيق هذه الأمور ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سيناء وأنا أناظره في هذا المقام
وأقول له أنتم تزعمون أنكم عقلاء العالم وأذكياء الخلق وتقولون مثل هذا الكلام الذي لايقوله أضعف الناس عقلا وأورد عليه مثل هذا الكلام فأقول العقل الأول إن كان واحداً من جميع الجهات فلا يصدر عنه إلا واحد لايصدر عنه عقل ونفس وفلك وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد ولو قيل تلك الكثرة هي أمور عدمية فالأمور العدمية لايصدر عنها وجود ثم إذا جوَّزوا صدور الكثرة عن العقل الواحد باعتبارٍ ما فليجوِّزوا صدورَها عن المبدع الأول بمثل ذلك الاعتبار بدون هذه الواسطة كقولهم باعتبار وجوبه صدر عنه عقل وباعتبار وجوده صدر عن نفس وباعتبار إمكانه صدر عنه فلك فإن هذه الصفات وإن كانت أموراً ثبوتية فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد وإن كانت إضافة أو سلباً أو مركباً منهما فالمبدع الأول عندهم يتصف بالسلب والإضافة والمركب منهما فبطلانُ كلامهم في هذا المقام الذي هو أصل توحيدهم يظهر من وجوه كثيرة متعددة تبيَّن فيها أن القوم من أجهل الخلق وأضلهم وأبعدهم عن معرفة الله وتوحيده فإن عوام اليهود والنصارى الذين لم نوافقهم أعلم بالله من خواص هؤلاء الفلاسفة المبدلين الصابئين وقد بينا في غير هذا الموضع أن ما يذكرونه من المجردات المفارقات إنما أصله ما تصوروه من الكليات الذهنية المجردة
عن المحسوسات العينية فتخيَّلوا ما في الذهن ثابتاً في الأعيان كما تخيل قدماؤهم كأصحاب أفلاطون أن الكليات ثابتة في الخارج أزلية وهي المثل الأفلاطونية وتخيلوا وجود هيولى مقارنة للصورة ومدة وراء حركة الأجسام وتخيل غير هؤلاء كأصحاب فيثاغورس وجود أعداد خارجة عن المعدودات وتخيل أرسطو وأصحابه وهو صاحب التعاليم تركيب الجسم من مادة وصورة وأن المادة
شيء كوجود تختلف عليه صورة الأجسام وهي عند التحقيق ترجع إلى تقدير ذهني لا حقيقة له في الخارج وكذلك تخيُّله أن حقائق الأنواع الكلية ثابتة في الأعيان الخارجية وأنها غيرها وكل هذا لأن الذهن يجرد العقول عن المحسوس والمعقولات أمور كلية ثابتة في الذهن والذهن يجردها تجريداً بعد تجريد كما يجرد العدد عن المعدود والأنواع عن الأشخاص والأقدار عن المقدورات ومن هذا الباب تجريده للكليات الخمسة فمن تخيل أن المجردات أمور ثابتة في الخارج كان نسبتها كمن رأى صورة في المرآة فظن تلك الصورة التي يراها في نفس المرآة موجودة في الخارج فجاء ليمسها أو لينالها كما ينال الصورة المحسوسة فلم يجد شيئاً ولاريب أن هؤلاء وسائر الذين كفروا كما قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {39} أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ {40} [النور 39-40] فالمثل الأول نسبة الجهل المركب والكفر المركب كالاعتقادات الفاسدة كاعتقاد هؤلاء والثاني نسبة الجهل البسيط والكفر البسيط كحال من لم يعتقد منهم شيئاً أو تعارضت عنده الاعتقادات وصار حيران لا يرى حقًّا وإذا تأمل العاقل كلامهم فيما يثبتونه من العقول المجردة المفارقة علم أنهم أخذوا ذلك عن المجردات المعقولة لنا وتلك الأعراض قائمة في أنفسنا وهم يجعلون تلك المفارقات جواهر روحانية بل هي عندهم أشرف الموجودات ومن يجمع بين كلامهم وبين ما جاءت به الرسل يجعل هذه المجردات التي هي في الحقيقة خيالات ملائكة الله التي أخبرت بها الرسل وقد بينا في غير هذا الموضع أن من نزل الملائكة على ما يدعيه هؤلاء من هذه المجردات كان من أجهل الناس وأكفرهم فإنه قد ذكر من أصناف الملائكة وأوصافهم ما تبين أنه أبعد الأشياء عن هذه ولهذا يصيرون إلى جعل الملائكة قُوى في النفس صالحة كما يجعلون
الشياطين كذلك ومن سمع ما أخبر الله به في القرآن والسنة عن الملائكة والشياطين علم أن بين هذا وهذا من الفرق ما لا يخفى على أدنى الناس علماً بما جاءت به الرسل وما يقوله هؤلاء إنما يلبسون على الناس بعباراتهم الغريبة وبمن أضلوه من متكلم متصوف حتى اخذ عبارات المسلمين مما جاء بها الكتاب والسنة فنزلها على معاني هؤلاء الكفرة الملحدين كما يوجد مثل ذلك في كلام صاحب رسائل إخوان الصفا وصاحب جواهر القرآن ومشكاة الأنوار ومن سلك
هذا السبيل من فيلسوف قرمطي ومشارك له في بعض ذلك وإن كان فيه من التصوف الإسلامي ما يباين به القرمطي لكن يشاركه من وجه ويفارقه من وجه وما أحسن ما قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري فيمن هو خير من هؤلاء أخذوا أصح الفلسفة فلبّسوه لحاء الإسلام وهو كما قال الحلية حلية مسلم والعبارة عبارة مسلم والمعرفة والقصد ليست معرفة المسلمين ولا قصد المسلمين بل ذلك سبيا الزنادقة المنافقين أعداء الرسل وسوس الملل الوجه الخامس على أصل حجتهم أن يقال أنتم طلبتم
الموجب للتخصيص فيقال إذا جعلتموه مولداً موجباً بذاته كان المحذور ألزم ولزمكم من الجهل بعدم المخصص المرجح أعظم مما لزمكم من الجهل به على تقدير تخصيصه بمشيئته وذلك أنه يقال إذا كان العالم متولداً عنه لازماً لذاته لا ينفكّ عن ذاته ولايقدر على إزالة لزومه له وتولده عنه ولاعلى عدمه كما هو قولكم فما الموجب لكونه بهذه الصفة مع ما في ذلك من القصور والعجز والنقص فإن كون الذات بحيث يلزمها غيرها ويتولد عنها ولاينفك عنها ولايقدر على دفع تولُّده ولزومه لها ولو أراد أن يدفعه لم يستطع ولا يمكنه ذلك لاريب أنه أنقص من كون الذات تقدر على دفعه وإن شاءت دفعه عنها دفعته ولو لم تكن أنقص لكن كونه بهذا التولد وهذا الإيجاب وهذا الاقتضاء وهذا الإحداث لابد له من موجب فإن كونه كذلك نوع من الاختصاص إذ تعقل وجود الذات الواجبة خالية عن هذا اللزوم والتولد فلابد لهم أن يقولوا نفس الذات الواجبة بخصوصها لايمكن أن يكون إلا كذلك على هذا الاقتضاء والتولد فإنه لو أمكن أن يكون كذلك وأمكن أن لايكون كذلك كان وجود أحد الممكنين متوقفاً على مرجح فإذا قالوا ذلك قيل من المعلوم أن كون ذاته من لوازمها أن تفعل إن شاءت وتترك إن شاءت هو أعظم في القدرة والكمال من أن يكون من لوازمها الفعل الذي لايقدر على تركه ولو شاءه ومن تدبَّر هذا وميَّزه حسم هؤلاء الذين بدلوا دين
المرسلين وغيروا فطرة الله التي فطر الناس عليها وكل ما يسألون عنه من وجه خالقيته وفاعليته يلزمهم في وجه توليده أو محايثته أعظم منه ومن هنا يظهر الوجه السادس وهو أن يقال واجب الوجود ليس كمثله شيء من الأشياء ولايجوز أن يُجعَل له عدل ولا ند ولا مثل في أفعاله كما لايجوز أن يُجعَل له ذلك في صفاته وأسمائه ومن خصائصه أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وانه ما شاء فعل وليس غيره من القادرين بهذه المثابة وليس غيره يفعل ما يشاء بل قد يعجز عنه وإذا كانت مشيئته في عمومها ونفوذها من خصائصه فهو إذا شاء فعل وإذا شاء ترك وذاته هي الموجبة لهذه المشيئة المتعلقة بالفعل وإن لم يكن لغيره مثل هذه المشيئة إذ ليس غيره واجب الوجود ولا صفاته واجبة بوجه كما أن ذاته ليست واجبة بل يمكن وجود ذاته دون صفاته وإن كانت ذاته واجبة بغيرها فكما لاعدل لله في صفاته لاعدل لع في أفعاله يقرر هذا الوجه السابع وهو أنهم يقولون إنه وَلَدَ الفلك إما بواسطة فلك وإما بواسطة عقل ونفس أو بغير واسطة والفلك له مشيئة يفعل بها على التعاقب حوادث العالم فإذا كانوا يجعلون له
ولداً تولد عنه ويثبتون لولده مشيئة وفعلاً يفعل به الحوادث على التعاقب فإثبات مشيئةٍ له يفعل بها أولى وأحرى وإيجاب ذاته لصفاته أقرب إلى المعقول من إيجابها لأمور منفصلة عنه إذ الصفات صفات كمال فكونُ الذات تستلزمها تقتضي كمال الذات أما كون الذات مستلزمة لغيرها المنفصل عنها بحيث لايمكنها فراقه فهذا لا كمال فيه ومن المعلوم أن الأعلى لا يُستكمَل بالأسفل ومن هنا يظهر الوجه الثامن وهو أنهم نفوا الصفات وليس له إلا صفة سلب أو إضافة أو مركبة منهما قالوا لأن الصفات تقتضي من التعدد والتركيب ما يقتضي الحاجة إلى الغير المنافية لوجوب الوجود ومن المعلوم بالفطرة البديهية أن كون الذات قد تولد عنها ذات أخرى لايمكن أن تنفصل عنها أصلاً ولايقدر على دفع لزومها وتولدها عنها ولو أرادت ذلك لم ينف مرادها ولايقدر أن يغير شيئاً ولايحدثه ولايتصرف فيه بوجه من الوجوه فهذه الذات أولى بالنقض من غبر وجه من الذات المستغنية بما هي عليه من الصفات وقد قدمنا فيما تقدم الجوابَ عن شبهة التركيب الخارجة وبيَّنا أن ذلك كله ألفاظ مجملة مشتركة وأن الموجود يمتنع أن
يكون إلا بصفات ونفيها ينفي الوجود الواجب والممكن وأما ما ذكروه من التولُّد والتعليل فالنقض فيه ظاهر وأين من يتولد عنه الشيء بغير اختياره ممن يفعل باختياره هذا من أبين الأمور الحسية العقلية أن الذي يفعل باختياره أكمل ممن يتولد عنه الفعل من غير أن يقدر على منعه له أو يكون له اختيار في تركه وهو وإن اثبتوا له غاية وربما يثبتون له إرادة تستلزم العالم فهم يتناقضون في ذلك كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا أنه أنهم ينفون الاختيار ويثبتون من الحكمة الغائية في العالم ما يستلزم الاختيار وكذلك الغاية ولا ريب أنهم كثيرو التناقض كما قد بيناه في غير هذا الموضع وهذا حال كل من خالف الرسل يكون تناقضه على قدر مخالفته ويقال لهم الذي يمكنه الفعل والترك أكمل ممن لايمكنه إلا الفعل بل كثيرٌ من أهل الكلام يقول الذي يقدر أن يريد الفعل ويقدر أن يريد الترك أكمل ممن لايقدر على إرادة الترك بل هو لايمكنه إلا إرادة للفعل بل هذا نوع من الخبر وإن كان فيه اختياراً إلا أنذلك أكمل وإن كان كذلك فكونُه سبحانه على صفة يشاء الفعل ويشاء الترك أكمل من أن تكون ذاته لا تقتضي إلا شيئاً معيناً
وإذا كان لابد من أن يكون هو على وجه يوجب وجود العالم على ما هو عليه ثم يمكن أن يكون ذلك على وجه هو فيه أكمل من وجه كان من قال إنه على الوجه الأنقص دون الأكمل من أجهل الناس وأظلمهم لاسيما إذا ادعى امتناع الوجه الأكمل ولزوم الوجه الأنقص الوجه التاسع أنه لاريب أن لذاته خصوصية يتميز بها عن سائر الذوات إذ الوجود المطلق الذي لا اختصاص فيه بشيء دون شيء إنما وجوده في الذهن لا في الخارج بينهم وهو القدر المشترك بين الموجودات فإن المطلق بشرط الإطلاق لا وجود له في الخارج بالاتفاق والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضاً في الخارج مطلقاً بالاتفاق وإن كان المتفلسفة كابن سيناء يتناقضون في هذا الموضع فيجعلون الوجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ويجعلون موردَ التقسيم بين الواجب والممكن الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم الوجودَ المطلق لا بشرط وقد دخل معهم في هذا التناقض أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهم
ممن يقول بأن الوجود واحد وهو الله سواء فسّر بهذا أو بهذا فمن فسره بالمطلق بشرط الإطلاق لزمه أن يكون معدوماً في الخارج ومن فسره بالمطلق لا بشرط فغايته أن يجعله وجود المخلوقات أو جزءاً منها أو حالاً فيها وكل ذلك من أبين الأقوال فساداً في العقل وأظهرها كفراً في الدين وعلماء النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي المعالي والغزالي قد بيَّنوا فساد قول من يجعله وجوداً مطلقاً فيقول كل موجود فله حقيقة يختص بها ويتميز بها ويباين بها غيره وإذا كان كذلك فكونُه بتلك الحقيقة الخاصة
المباينة لغيرها في حقيقتها المخالفة لما سواها في ماهيَّتها إن قيل لابد له من موجب فلا موجب له سوى الذات نفسها فهي موجبة لما هي عليه بنفسها ووجودها على ما هي عليه واجب بها لا بغيرها وإن قيل لا مُوجب له بمعنى أنه لا موجب لتلك الحقيقة والخاصية منفصل عنها فهو أيضاً صحيح وإنما المقصود أن تلك الحقيقة الخاصة واجبة الوجود بنفسها لايجوز أن يُطلَب لها سبب منفصل عنها بل طلب ذلك إنكار لواجب الوجود بنفسه وإنكار الوجود الواجب يستلزم إنكار الموجود كله إذ الموجود إما أن يكون واجبًا أو ممكناً والممكن لابد له من واجب فلابد في الوجود من واجب وإذا كان إنكار الاختصاص الواجب بنفسه يقتضي إنكار واجب الوجود وإنكار
الموجود بالكلية كان هذا أعظم السفسطة وإذا كان الأمر كذلك كان طلب علة علمه ومشيئته وقدرته وسائر صفاته الواجبة له كطلب علة ذاته وهو محال فالأول مثله فقول القائل لِمَ فعل بعد أن لم يكن يفعل كقول القائل لم فعل ولِمَ شاء وذلك كقوله لِمَ كان وهذه كلها أسوِلَةُ باطلة لأنها تنافي وجوب الوجود ويتقرر ذلك بالوجه العاشر وهو أن هذه المسائل هي مسائل الشيطان الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول مَنْ خَلَقَ الله فإذا وجد أحدُكم ذلك فَلْيستعِذ بالله ولينتهِ. وفي حديثٍ آخر في الصحيح لايزال الناس تَسْوِلُكُمْ حتى يقولوا هَذَا الله خَلَقَ كل شيء فمن خلق الله فهذه السؤالات من شياطين الإنس والجن أسولة معلومة الفساد في العقل ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم العبدَ إذا جاءته هذه.
المسائل أن يستعيذ بالله منها وينتهي فإن الشيطان يلقي إليه هذه المسائل ليشكِّكه في الحق كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إن للملك لمةً وللشيطان لمة فلمةُ الملك إيعادٌ بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق الوجه الحادي عشر أما ما ذكروه منقوضٌ عليه بجميع ما في الوجوه من الحوادث وبجميع ما في الوجود من كل موجود وصفة وقدرة وذلك أنه ما من موجود من سماءٍ أو أرضٍ أو ليلٍ أو فلكٍ أو نجمٍ أو بشرٍ أو حيوان أو نباتٍ إلا وهو مخصوص بأمور متعددة من الخواص في مقاديره وصفاته ومكانه وزمانه وهذا يذكر على وجهين الأول النقض بالحوادث كلها فإنه يقال في كل حادث
جميع الأمور المعتبرة في تأثيره إما أن تكون حاصلة في الأزل أو لاتكون فإن كانت حاصلة وجب قدمه وهو خلاف المشهود وإن لم تكن حاصلة في الأزل فالقول في حصولها بعد ذلك كالقول في ذلك الحادث ويلزم التسلسل فيجب أن لا يحصل بعد ذلك فيمتنع حدوث هذه الحوادث وهو خلاف المشهود فطردُ قياسهم هذا الذي به يهوِّلون يلزمهم إما القول بقدم جميع الموجودات وإما عدم جميع المفعولات وإذا بطل القِدَمُ والعَدَمُ عُلِم أنهم زَلّت بهم القَدَمُ والثاني أن يقال هذه مع حدوثها وما يزعم أنه قديم من الأفلاك والكواكب والعناصر هي مختصة في مقاديرها وصفاتها وأحيازها وحركات من الخصائص مما لايحصيه إلا الله تعالى فالمقتضي لذلك التخصيص إما أن يكون موجباً بالذات ليس له التخصيص أو لايكون فإن كان موجباً بالذات فهو لا اختصاص فيه على ما يزعمونه بل هو واحدٌ من جميع الوجوه والعقلُ الصريح يشهد أن ما يكون كذلك لا يُخصّصُ شيئاً بصفةٍ وقدرٍ دون شيء ولايعقل ذاتاً على صفة مخصوصة دون ذات وإن كان الفاعل لذلك ما من شأنه التخصيص فهو يخص الحوادث بأوقاتها كما يخصها بأحيازها وكما يخصها بصفاتها وأقدارها بل أمر الزمان أخص من غيره ومها اعتذروا به مثل أن يقولوا لايمكن غير ذلك أو ما سوى ذلك.
ممتنع فإنه يقال نظيره في محل النزاع كما قال من قال من المتكلمين إنه لم يكن فعله إلا حين فُعلَ بل قد يدرك العقل الإحالة في العدم أعظم مما يُدركه في هذه الخصائص والله سبحانه وتعالى أعلم. وأما مخالفة هؤلاء لما جاءت به الرسل عن الله وما نزلت به كتبه فهو أعظم وأكثر من أن يوصف هنا وإن كان من دخل في الملل من منافقيهم من الملاحدة القرامطة الباطنية ومن ضاهاهم من المتفلسفة ونحوهم يزعمون أنهم يجمعون بين الكتب الإلهية وبين هذه الفلسفة الفاسدة الحائدة كما فعل أصحاب الرسائل التي سمَّوها رسائل إخوان الصفا وغيرهم فإن من تحققت معرفته ببعض ما جاءت به الرسل وببعض ما عليه هؤلاء علم أنهم أعداء الرسل وسُوْسُ الملل وأنهم من أعظم الناس نفاقاً للمرسلين إذا أظهروا موافقتهم وأعظمهم معاداة لهم وكفراً بهم ومحاربة لهم إذا اظهروا مخالفتهم بل هم أئمة الكفر من كل طائفة كما قال تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41)[القصص 41] وقال تعالى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)[غافر 56] وقال تعالى فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا
بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)[غافر 83-85] وقال تعالى مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5)[غافر 4-5] وقال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)[الفرقان 31] وقال وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [النعام 112] وقال تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)[المدثر 11-26] وهذا باب واسع ليس هذا موضعه وقد تكلمنا على كثير مما يتعلق بهذا في غير هذا الموضع وإنما نبَّهنا هنا على ذلك لِتعلُّق الكلام في المكان بالكلام في الزمان وتعلق الكلام في كونه فوق العالم بكونه قبل العالم كما قال سبحانه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)[الحديد 3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء
الوجه الثاني عشر أن خروج هؤلاء الجهمية عن النقيضين ومنعهم من ثبوت العلو الحقيقي والمباينة الحقيقية هو كخروج سائر إخوانهم من ملاحدة المتفلسفة والقرامطة ونحوهم عن النقيضين ومنعهم من أسمائه الحسنى فقول القائل ليس بداخل العالم ولاخارجه أو لا على العالم ولا فيه أو ليس بمباين للعالم ولا محايث له كقوله لا قائم بنفسه ولابغيره ولامقارن للعالم ولايتقدم عليه ذلك كقولهم ليس بحي ولاميت ولاعالم ولاجاهل ولا قادر ولاعاجز ولامتكلم ولا أخرس ولاسميع ولا أصم ولابصير ولا أعمى ومنعهم من أن يكون له العلو والمباينة الحقيقية كمنع أولئك من أن يكون له التقدم والأولوية الحقيقية أو يكون عالماً أو قادراً أو حيًّا والسؤلات التي يوردها هؤلاء على ثبوت علوه ومباينته كالسؤالات التي يوردها إخوانهم على ثبوت علمه وقدرته وحياته أو على ثبوت كونه عالماً قادراً حيًّا سواء بسواء وإذا كان المؤسس وغيره يعلمون أن قول الملاحدة خروج عن النقيضين فقولُه وقول موافقيه أيضاً خروج من النقيضين جميعاً وهم وإن قرروا بألفاظ النصوص مثل اسمه العلي والظاهر والكبير والمتعالي ونحو ذلك فقد جحدوا حقائقها كما أن إخوانهم الجهمية لما نفوا أن يكون عِلمٌ وقُدرةٌ وحَيَاةٌ فهم في
الحقيقة قد نفوا أن يكون حيًّا عالماً قادراً موافقةً للزنادقة الملاحدة النافين للأسماء كما قال أبو الحسن الأشعري في الإبانة وزعمت الجهمية والقدرية أن الله تعالى لاعلم له ولا قدرة ولا حياة ولاسمع ولابصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعَهم من ذلك خوف السيف من إظهار نفي ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لاعلم ولاقدرة لله عز وجل فقد قالوا ليس بعالم ولاقادر ووجب ذلك عليهم قال أبو الحسن وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم ليس بعالم ولاقادر ولاحي ولاسميع ولابصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت إن الله عز وجل عالمٌ قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن تثبت لله علماً وقدرة أو سمعاً أو بصراً وحقيقتهم القرمطة في السمعيات والسفسطة في
العقليات فهؤلاء بمنزلة الملاحدة من وجهين أحدهما إقرارهم بلفظٍ مع جحدهم بحقيقة معناه كما هو عادة القرامطة الباطنية في تحريف الكلم عن مواضعه وكما ذكره الأشعري عن المعتزلة وه النفاق في القرآن وهو من الإلحاد في أسماء الله وآياته والوجه الثاني السفسطة في العقليات من وجوه منها نفيُهم للنقيضين جميعاً بقولهم ليس بعالم ولاجاهل ولاحي ولا ميت ولاقادر ولاعاجز ومن تدبر هذا وتدبر قول هؤلاء في قولهم ليس فوق العالم ولابداخل العالم أو ليس بمباين للعالم ولامحايث له أو لاداخل العالم ولاخارجه عَلِم أن هذا في العقل مثل الأول بل أبلغ وأبدَهُ للعقل وهو بمنزلة قول القائل لاقائم بنفسه ولابغيره ولامع العالم ولاقبله لأن ذلك نفي للنقيضين في الصفات وهذا في الحقيقة نفي للنقيضين في الذات أو مما هو لزومه للذات ووجوبه لها أعم من وجوب تلك الصفات وأيضاً فهذان النقيضان لايُتصَوَّر أن يخلو عنهما وجود بخلاف تلك الصفات والمرجع في هذا التناقض إلى الفِطَرِ الصحيحة السليمة وكل من أنصف وعلم ما في فطر الخلق وما عليه الموجودات علم هذا يقيناً لاريب فيه ولهذا تجد عامة بني آدم
السليمي الفطرة ينفرون عن نفي هذين النقيضين أعظم من نفورهم عن نفي ذينك النقيضين إذ هو عام لكل موجود بخلاف الصفات المختصة بالكامل من الموجودات والله سبحانه وتعالى أعلم وما يعتذر به هؤلاء من أنه ليس بقابل للدخول والخروج هو من جنس ما يعتذر به القرامطة والفلاسفة من الفرق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة كقولهم إنه لايقبل
هذه الصفات حتى يقال إنه يلزم من نفي أحد النقيضين إثبات الآخر وإذا كان المسلمون قد بينوا أن واجب الوجود أحق بالصفات الوجودية وبصفات الكمال من سائر الموجودات وأن مَن نفى قبوله لها ألحقه بالمعدوم والموات كان هذا جواباً للفريقين وليس هذا موضع بسط ذلك إذ المقصود هاهنا أنهم من جنس القرامطة الملاحدة في هذا المقام الوجه الثالث عشر أن هؤلاء الجهمية كما نفوا النقيضين جميعاً فإنهم يثبتون النقيضين جميعاً فإنهم يقرون بأنه موجود وبأنه حي عالم قادر ثم يقولون إنه لاعلم له ولاقدرة وهذا نفي لكونه عليماً قديراً ويقولون ليس بداخل العالم ولاخارجه ولامباين ولامحايث ولاجسم ولاجوهر ولايشار إليه ولايجوز أن يُرى ونحو ذلك وهذا نفي لوجوده وهذا بيان لقولهم هو موجود فحقيقة أقوالهم أنه موجود معدوم قائم بنفسه ليس بقائم بنفسه عالم ليس بعالم قادر ليس بقادر حي ليس بحي فقولهم يستلزم الجمع بين النقيضين من هذا الوجه وأحدهما إيمان والآخر كفر فجمعوا في قولهم بين ما يستلزم الإيمان والكفر جميعاً للإقرار بالصانع والإنكار له والنقيضان لايجتمعان ولايرتفعان وهم يجمعون بين النقيضين من هذا الوجه كما يرفعون النقيضين في الوجه الذي قبل هذا
الوجه الرابع عشر من شبههم ادعاء التماثل بين الله وخلقه أن هؤلاء الجهمية مدار جميع حججهم في هذا الباب على التمثيل بين الله تعالى وبين خلقه مثل قولهم لو كان له صفات لكان مثل سائر الموصوفين من الجسام ولو كان مرئيًّا لكان حكمه حكم سائر المرئيات ولو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام لأن الأجسام متماثلة وكل حجة مبناها على التمثيل بين الله وبين خلقه تحقيقاً أو تقديراً فإنها حجة باطلة لأن هذا منتفٍ في نفس المر والعلم وبانتفائه ضروري فإذا كانت الحجة لا تتم إلا بهذه المماثلة الباطلة كانت باطلة وهم يستعملون التمثيل في حق الله من وجوه أحدها أنهم يجعلون ما يثبتون له من الصفات التي ورد بها الشرع مثل الثابتة للمخلوق ويحكمون عليه بما يحكمون على ذلك ثم ينفون بعد ذلك فيمثلون ويعطلون الثاني أنهم يمثلونه في السلوب والأمور العدمية التي لاتستلزم صفة كمال بالمعدومات الناقصات الثالث أن ما ينفونه عنه يقدرون ثبوته له وأنه إذا ثبت له كان مساوياً لغيره وهذا أيضاً باطل
الرابع أن ما يثبتونه مثل وجوده وكونه عالماً قادراً ونحو ذلك يثبتونه على مماثلته لما يوصف بهذه الأمور الخامس أن ما أقروه من الصفات الشرعية أثبتوا فيه المماثلة فهم يثبتون المقايسة والمماثلة فيما يثبتونه بالعقل وفيما يقرونه من الشرع وفيما ينفونه من الصفات الشرعية ومن الصفات العقلية ويمثلونه أيضاً بالناقصات والمعدومات فهذا عدلهم وإشراكهم بالله من هذه الوجوه الخمسة وأما تعطيلهم فمن وجوه أيضاً أحدها نفي مضمون السماء والصفات الشرعية والثاني نفي الحقائق العقلية والثالث وصفه بالصفات العدمية التي لاتستلزم وجوداً وهذه الصفات لاتكون إلا لمعدوم الرابع جمعهم بين النقيضين وهذا هو صفة المعدوم الممتنع وأما منازعوهم فحجتُهم مبناها على قياس الأَولَى والأحرى وهذه حق في الشرع والعقل فإنهم أوجبوا عُلوَّه ومباينته ومنعوا خُلوَّّه عن النقيضين بقياس الأولى وذلك أن علوه على العالم مع أنه معلوم بالفطرة فهو ثابت أيضاً بالأقيسة العقلية البرهانية التي مبناها على الأولى والأحرى وذلك
كقولهم إن القائم بنفسه لابد أن يكون مبايناً للقائم بنفسه بالجهة وقولهم إن القائم بنفسه المباين للقائم بنفسه لاتكون مباينته له بمجرد الحقيقة والزمان بل بقدر زائد على ذلك وليس إلا الجهة وقولهم إن القائم بنفسه إما أن يكون مماساً لغيره أو مبايناً له وقولهم الموجود هو إما قائم ينفسه أو قائم بغيره وهذا متفق عليه وهو إما مباين لغيره وإما محايث له وإما داخل في غيره وإما خارج عنه وهو مباين لغيره إما بالحقيقة أو المكان أو الزمان وأمثال هذه المقاييس التي هي عندهم من البراهين العقلية التي يثبتون بهام باينته وعلوه ووجوب ذلك له وأما ما يثبتون به امتناع ما تقوله النفاة فمثل قولهم إثبات موجود لامباين لغبره ولامحايث له ممتنع في البديهة وهو إثبات موجود لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره وكذلك قولهم لاداخل العالم ولاخارجه وعلى هذا فمن فسَّر الجوهر بالقائم بنفسه والعرض بالقائم بغيره وادعى وجود موجود ليس بجوهر ولا عرض فقد ادعى ما يعلم فساده بالبديهة ثم إنهم يقولون ما وجب للقائم ينفسه أو للموجود من وجوب المباينة لغيره الذي يقتضي عدم المحايثة وكونه فيه فاللهُ أحق به وأولى لأن الله تعالى هو القيوم الغني فهو أحق بما يستوجبه القيام والغنى ويقولون ما امتنع على الموجود من كونه غير قائم بنفسه ولاقائم بغيره ولامحايثاً ولامبايناً أو لاداخل العالم ولاخارجه فإنما امتنع المنافي
لعدمه وأن هذه صفة المعدوم وكل أمرٍ منه الوجود واختص به المعدوم فوجودُ الرب أحق بمنعه والله أحق بالتنزيه عنه من غيره من الموجودات والله سبحانه ابعد عن كل ما ينافي الوجود ويمانعه ويعارضه ويختص بالمعدوم إذ وجوده هو الوجود الواجب الذي ينافي العدم من كل وجه فتبين أن هؤلاء لما رأوا نوع كمالٍ وغنىً يجب للمخلوقات علموا أن الخالق أحق به ولما رأوا نوع عدم يمتنع على الموجودات ويتنزَّه عنه علموا أن تنزيه الخالق أحق بذلك وهو عن ذلك أبعد وهذا من أحسن النظر والاعتبار العقلي الموافق للعقل الصريح وبهذا جاء كتاب الله في غير موضع فيما ضربه من القياس والمثال كقوله سبحانه حيث نفى عن نفسه الشريك والولد في مواضع مثل قوله في سورة النحل وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الآيات 57-60] وكقوله وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)[النحل 71] وقوله تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ
فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ [الروم 28] وكقوله تعالى وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42)[الإسراء 39-42] وكقوله سبحانه فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149)[الصافات 149] وقوله تعالى وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)[الزخرف 15-19] وقال تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)[النجم 19-22] وقال وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)[الأنعام 136] وقال وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81)[يس 78-81] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)[الروم 27] وقال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)[الأحقاف 33] وقال إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)[غافر 56-57] وليس هذا الموضع موضع استقصاء الكلام في هذا كله وإنما نبهنا على جماع ذلك وأصله
فصل وأما قول الرازي في الجواب الثاني عن حجة الامتناع وهو أن يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولاخارجه كما يمتنع أن يكون لا مع العالم ولا متقدماً عليه لا قديماً ولا محدثاً قال وأيضاً فالعقل يأبى إثبات موجود في جهةٍ لايمكن أن يُنسب إلى موجود في جهة أخرى بأنه يساويه أو أنه أصغر منه أو أعظم منه وأنتم تمنعون أن يقال الباري مساوٍ للعرش أو أعظم منه وأنت تمنعون أن يقال الباري مساوٍ للعرش أو أعظم منه أو أصغر منه فإن التزموا ذلك لزمهم انقسام ذاته فالكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال له هذا من الأجوبة القياسية الإلزامية وأنت قد قرَّرت في أول نهايتك أن مثل هذا الكلام باطل لا ينفع في النظر ولا يقبل في المناظرة كما تقدم نظير ذلك غير مرة
إذ حاصله الاستدلال بخطأ المنازع في موضع على صواب المستدل في موضع آخر فمضمونه بيان تناقض المنازع فإنه يقول له كما قلت ذلك فقل هذا لازمٌ له فيقول المنازع أنا اعتقدت عدم التلازم فإن كان اعتقادي صحيحاً لم يلزم وإن لم يكن صحيحاً فقد يكون خطئي في نفس اللازم لا في إثبات الملزوم الذي تنازعنا في ثبوته وبيان ذلك هنا أن الذين قالوا هو فوق العرش وهو مع ذلك يمتنع أن يكون اكبر منه أو أصغر منه أو مساوياً له إما أن يكون العقل يأبى قولهم كما يأبى وجود موجود لاداخل العالم ولاخارجه أو لا يأباه فإن كان يأباه فهذا العلم الضروري حجة في الموضعين عليهم وعلى غيرهم ولا إجماع في ذلك بل قد تقدم بعض ما في ذلك من النزاع وإن لم يكن العقل يأبى ذلك لم يصلح معارضتهم بذلك ولم يكن هذا الكلام لازماً لهم فهذا في النظر أما في المناظرة فإنهم يقولون نحن فرَّقنا بين الموضعين لأنا نعتقد أن
الموجود الخارج عن العالم يمكن أن يكون لا أكبر ولا أصغر ولا مساوياً لأن هذه التقادير من عوارض التركيب والتقسيم وهو ليس بمركب ولامنقسم وأما كونه موجوداً لا بخارج العالم ولا داخله فهو معلوم الامتناع بالبديهة فإما أن يكون هذا الفرق صحيحاً أو باطلا فإن كان صحيحاً حصل الجواب وإن كان باطلاً فنحن نمنع الحكم في صورة الإلزام ونقول إنه أكبر من العرش وقوله يلزم انقسام ذاته فقد تقدم جوابه الوجه الثاني أن يقال أما كونه فوق العرش فهو قول سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل الإثبات للصفات كالكرامية والكُلابية والشعرية وأئمتهم وقدمائهم وعامة أئمة الفقهاء والحديث والتصوف ثم من هؤلاء من قال إنه ليس بجسم ولا يكون
مقدراً ولا له حَدّ فيمتنع أن يُقال هو أكبر أو اصغر أو مساوٍ لأن الاتصاف بقدر دون قدر من لوازم كونه في نفسه له قدر وحد فإذا لم يكن له في نفسه قدر ولا حدّ لم يَجُز أن يوصف بما يستلزم ذلك من كونه أكبر أو اصغر أو مساوياً وهذا قول الكُلابية والأشعرية وطوائف من أهل الفقه والحديث والتصوف فإما أن يكون قول هؤلاء حقًّا أو باطلاً فإن كان حقًّا اندفع الإلزام وإن كان باطلاً لزم بطلان إحدى مقالتيه لا بعينها إما مقالته التي وافقكم عليها وهي نفي الجسم المستلزم لنفي الحد والقدر وإما في مقالته التي وافق عليها أهل الإثبات وهو كونه فوق العرش خارج العالم فإذا كان خطؤه إنما يستلزم بطلان إحدى المقالتين لا بعينها لم يكن لكم أن تجعلوا المقالة الباطلة هي القول الذي نخالفكم فيه دون الذي نوافقكم عليه إلا بحجة وأن لم تذكر هنا حجة توجب ذلك بل جعلت ما يلزمهم بموافقتكم معارضة محضة وقد تقدم الكلام على ما ذكروه في نفي الانقسام الوجه الثالث أن الذي خالفكم فيه هؤلاء قد تقدم قول المحتج فيه أنه معلوم بالاضطرار والبديهة فإن البديهة تنكر وجود موجود لا داخل العالم ولاخارجه كما تنكر وجود موجود لا قائم بنفسه ولا بغيره ولا مع العالم ولا قبله ولا قديم ولا محدث والقول الذي وافقكم عليه من نفي الحد
والقدر وملازم ذلك لم يذكر أحد أنه معلوم بالضرورة أو البديهة أكثر ما يقال أنه ثابت بالقياس العقلي وأنت قد ذكرت أن المعلوم بالضرورة ثبوت ذلك بتقدير ثبوت الأول وإذا كان كذلك لنم يصح أن تقدح في قولهم الذي يقولون إنه معلوم بالضرورة بقولهم الذي يقولون إنه معلوم بالنظر لأن القدح في الضرورة بالنظر باطل كما تقدم بل إذا كان ما ألزمتهم لازماً ضروريًّا وقد ادعوا أن الملزوم ضروري كان كلاهما ضروريًّا فلا يقدح فيه النظري بحال إذ الضروري أصل النظري فالقدح في الضروري بالنظري يستلزم القدح فيهما الوجه الرابع إذا أنهم خالفوا موجب العقل في هذا الموضع لم يكن ذلك عذراً لهم في مخالفته في موضع آخر بل يكون ذلك زيادة في ضلالهم والإنسان لايسوغ له في عقل ولا دين أن ينتقل عن ضلال قليل إلى ضلال كثير بل بقاؤه على قليلِ ضلال خير من الانتقال إلى كثيره وإنما هذا بمنزلة شخص احتج على شخص في مسألة بنص أو إجماع فقال أنا وأنت قد خالفنا النص والإجماع في نظير هذه المسألة فنخالفه فيها ومعلوم أن هذا كلام فاسد أو رجل طلب من يشهد له بالزور في قضية أخرى لأنه شهد له بالزور في قضية أو أن يفعل محرماً
ل أنه فعل محرماً آخر وأمثال ذلك من الإلزامات الباطلة وإن كان ذلك إذا وقع كان جزءاً للموافقة على الباطل أولاً الوجه الخامس أنه ليس إنكار العقل لوجود موجود فوق العالم لايوصف بكونه أكبر منه أو أصغر مثل إنكاره لوجود موجود لايكون داخل العالم ولا خارجه فإن هذا الثاني مثل إنكار لوجود موجود لا قائم بنفسه ولابغيره ولامباين لغيره ولامحايث له وذلك إنكار للمساواة وعدمها والمساواة وعدمها من عوارض المقدار والمباينة وعدمها من عوارض نفس الحقيقة ومعرفة الفطرة بنفس الموجودات قبل معرفتها بأقدارها وأيضاً فإنهم مفطورون على الإقرار بأن ربهم فوق السموات وإنكار هذا إنكار للعلم الضروري الفطري الذي فُطِر عليه بنو آدم وأما كونه مساوياً أو غير مساوٍ فليس هو في فطرتهم مثل ذلك وإذا لم يكن إنكار العقل لهذا كإنكار العقل لهذا لم يكن المنازع في الأدنى كالمنازع في الأعلى ولم يَجُز إلزام المقر بالأعلى أن يقر بالأدنى لكونه مثله الوجه السادس أن يقال ما ذكرته من كون العقل يوجب
أن يكون مساوياً أو زائداً أو ناقصاً يوجب عليهم وعليك الإقرار به إذا كان مبايناً للعالم فكيف إذا كانت مباينته ضرورية وإلا فالجواب عنه بجواب سديد وأنت لم تجب عنه بجواب سديد بل قلت ذلك يستلزم انقسام ذاته وهذا قد تقدم الجواب عنه بما في لفظ الانقسام من الاشتراك وأن الانقسام المعروف غير لازم بالاتفاق وأمّا ما سميته أنت انقساماً فقد تقدم أنه لازمٌ لكل موجود وأنه لامحذور فيه وإن كان كذلك كان العقل مطابقاً لما دل عليه بالنص والإجماع من أن الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء وأعلم من كل شيء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم يا عدي ما يُفِركَ أيُفِرُّكَ أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم من إله إلا الله يا عدي ما يُقِرُّكَ أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئاً أكبر من الله رواه احمد والترمذي وقد تقدم
حديث أبي رزين العقيلي المشهور في سنن أبي داود وابن ماجة قلت يارسول الله أَكُلُّنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين ألي كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال فإنما هو من خلق الله فالله أعظم
وقال ابن عباس أو عكرمة لمن سأله عن قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ألست ترى السماء قال بلى قال أفكلها ترى قال لا قال قال فالله أعظم الوجه السابع أن يقال العلم بنفي الانقسام على الوجه الذي ادعيته يخالفك فيه أكثر العقلاء ومثبتوه واختلفوا في طرق إثباته ولم يتفقوا على طريق واحد بل كل منهم أبطل طريق صاحبه ومنازعوهم أبطلوا طرقهم ولاخلاف أنها نظرية دقيقة خفية وأما العلم بالمباينة ولوازمها فهو ضروري فطري فإذا نفيت ما زعمته من الانقسام على هذه الطريق ونفيت لوازمه
المعلومة بالفطرة والضرورة وباقيه واضح من تلك الأقيسة ومنازعوك وأثبتوا ما يُعلَم بالفطرة والضرورة والأقيسة الواضحة وشاهده الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة كان معلوماً عند كل عاقل لأن ما فعلوه هو الحق دون ما فعلته
فصل ثم ذكر الرازي في نهايته الحجة الثالثة لمثبتي الجهة وهي الاستدلال برفع الأيدي في الدعاء وقد تقدم ذكرها ثم قال ورابعها التمسُّك بظاهر الآيات كقوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وقوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وقوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وقوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ قال ومما تمسكوا به على اختصاصه بجهة فوق خاصة بعد أن بينوا كونه في الجهة هو أن فوق اشرفُ الجهات فيجب أن يكون مختصاً به
قال والجواب عما تمسكوا به رابعاً أنا نعارضهم بقوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وبقوله تعالى مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا وبقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) وبقوله إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) قال وأما التفصيل في تأويل كل واحدة من الآيات فقد صنفوا فيه كتباً فلا حاجة بنا إلى ذكره قلت والكلام على ما ذكره من وجوه أحدها أن الذي ذكره لايصلح أن يكون معارضاً وإنما يعارض بمثل ذلك من لايعلم حقيقة المعارضة وذلك أن المعارضة نوعان معارضة في الحكم ومعارضة في الدليل
فالمعارضة في الحكم نفي قول المستدل أو إثبات نقيضه بدليل آخر والمعارضة في الدليل بيان انتقاضه أو انتقاض مقدمة من مقدماته ويقال هذا معارضة في مقدمة الدليل وما ذكره ليس بمعارضة في الحكم ولامعارضة في الدليل وذلك أن المعارضة في الحكم المعارض به هو الذي يدل على نقيض قول المستدل أو على مثل قول المعارض فإنه إذا ثبت قول المعترض نفى قول منازعه الذي يناقضه ومتى نفى قول المستدل حصل مقصود المعترض وذلك يستلزم صحة قوله الذي يناقضه وهذه الآيات لاينازع هذا المؤسس وموافقوه أنها لاتنفي أن يكون الله فوق العرش ولا هي أيضاً دالة عندهم على أن الله بذاته في كل مكان حتى يقال يلزم من ذلك نفي كونه فوق العرش بل المنازع وذووه لايستريبون أنها لا تدل على شيء من ذلك ومن ادَّعى دلالتها على أن الله تعالى بذاته في كل مكان فهو مبطل سواء قيل إن ظاهرها يقتضي ذلك أو لايقتضيه فإن أكثر ما يقال إن ظاهرها يقتضي أنه في كل مكان لكنْ المؤسسُ وموافقوه
لاينازعون لأولئك في أنها لاتدل على ذلك ولم يُرد بها ذلك وأنه لايجوز أن يستدل بها على ذلك وإذا كانوا متفقين على عدم جواز الاستدلال بها على أن الله في كل مكان وعلى أن ذلك لم يُرد بها ولم تدل عليه لم تكن منافية ومعارضة لما استدل عليه به المثبتون بتلك الآيات وإذا لم تكن معارضة لها لم تكن المعارضة بها معارضة صحيحة وهذا بيِّنٌ لما يقابله فإن الاتفاق إذا حصل من الخصمين على أن قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] وعلى أنها لم تدل على أن ذات الله في الأرض بل معناها أنه إلهُ مَن في السماء ومن في الأرض ونحو ذلك كانت الآيات الدالة على أنه الله فوق وأنه فوق العرش لا تعارضها هذه الآيات فإن كونه فوق العرش لايعارضه كونه معبوداً في السماء والأرض وكونه مع الخلق بعلمه وقدرته ونحو ذلك بل الذين يقولون ليس هو فوق العرش يوافقون المثبتة على أن معنى هذه الآيات فتعيَّن التأويل لهما أو لأحدهما ويجعل هذا معارضة في الدليل لا في الحكم أي أن التمسك بالظاهر يقتضي الجمع بين هذا وهذا وذلك ممتنع فتكون دلالة الإثبات منتقضة وهذه المعارضة باطلة فإن الأدلة على أنه مباين للعالم فوق العرش نصوصٌ كثيرة قطعية يعلم بالضرورة
مضمونها ويعلم ذلك أيضاً بأدلة كثيرة ويعلم بالسنة المتواترة ويعلم بإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم إنه موافق للفطرة الضرورية والبراهين العقلية وأما ما يظن أنه يدل على أنه في العالم فيقال أولاً لا نسلِّم أن شيئاً من الآيات ظاهر ة في ذلك ولو سلم ظهوره فمعه قرائن لفظية تبين المراد به فلا يكون ذلك مراداً ومع القرائن اللفظية لايبقى ظاهراً في المحايثة ثم إنه قد ثبت تفسيره باتفاق سلف الأمة بما ينفي المحايثة ويُعلم بالحس والعقل ضرورة ونظراً انتفاءُ ما يتوهم فيه من المحايثة ومع ذلك من ظن أنه دالٌ على المحايثة يكون ضالاً من جهة نفسه لا من جهة الآيات ثم يقال ليس هذا معارضة في الدليل بأن تكون قدحاً من آيات تدل على أنه فوق مثل هذه الآيات ولم يُرد بها أنه فوق فيبقى اللفظ محتملاً للتعيين ونقض دلالاته وأما ما يدل على نفي الفوقية فهذه معارضة في الحكم حينئذٍ فيقال لهم ليس للمعترض أن يعارضه بظاهر يوافق خصمه على عدم منافاته لمذهبه وأيضاً فإذا قدر تعارضهما في الظاهر كان ذلك محوجاً إلى تأويل أحدهما فلماذا يجب تأويل
الصنفين جميعاً بل لو قال لهم القائلون إنه بذاته في كل مكان نحن نقول بنصوص المحايثة ونتأوَّل نصوص المباينة لكانوا أقرب إلى اتباع النصوص منهم ف إنه من المعلوم أن صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح الذي يسميه المتأخرون التأويلَ على خلاف الأصل وما كان على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف الأصل فيكون مثبتو المحايثة أقل مخالفة للنصوص من نفاة المحايثة والمباينة ولهذا كان عوامهم وعبادهم إنما يفهمون من قولهم المحايثة استدلالاً يهدم الشبهات الوجه الثاني أن يقال ظاهر هذه الآيات إما أن يقتضي أنه بذاته في كل مكان أو لا يقتضي فإن اقتضى الأول وجب القول بمضمون الصنفين جميعاً فيقال إنه فوق العرش وإنه بذاته في كل مكان كما تقوله طائفة من الجهمية المجسمة وغير المجسمة كما تقدم ذكره فكان على هذا المؤسس أن يقول
بقول هؤلاء إن كانت هذه الآيات تقتضي أنه في كل مكان بذاته ويحتاج أن يجيب إخوانه هؤلاء الجهمية عن دلالة الصنفين من الآيات على مذهبهم وإن لم تكن هذه الآيات تقتضي أنه بذاته في كل مكان وهو الذي تقوله الجماعة لم يصلح لمعارضة ما دل على أنه فوق العرش فقد ظهر على التقديرين بطلان قوله وهو أنه لاداخل العالم ولاخارجه فإنه سواء كانت هذه الآيات دالة على أنه في كل مكان أو لم تكن دالة فإن القرآن يدل على بطلان قولهم إنه لا داخل العالم ولا خارجه إذ مضمون القرآن على أحد التقديرين أنه خارج العالم وعلى التقدير الآخر الذي عارض به المنازع أنه داخله والقول بمضمونها قد قاله القوم وعلى التقديرين فقولُ المؤسس باطل يقرر هذا الوجه الثالث أنه إن لم تكن هذه الآيات دالة على أنه داخل العالم فلا تصلح المعارضة بها وإن كانت دالة كان في القرآن ما يدل على أنه خارج العالم وفيه ما يدل على انه داخل ومن المعلوم أن النصوص إذا تعارضت فالواجب استعمالها جميعاً أو ترجيح أحد النصين وتأويل الآخر فأما ترك العمل بجميع النصوص فلا يقوله أحد ولا يستحلُّه مسلم فكان الواجب حينئذٍ أن نقول إنه خارج العالم وتأويل ما دل على داخله أو نقول إنه داخله ويتأول كما دل على أنه خارجه أو نقول بمجموع
النصين وهو أنه داخله وخارجه والأقوال الثلاثة قد قال بها طوائف فأما قوله وقول ذويه من أنه لاداخل العالم ولاخارجه فهو خلاف النصوص جميعاً وتركُ لاتباعِ جميع آيات القرآن ومعلوم أن هذا باطل بالضرورة من دين المسلمين ودين كل من آمن بالرسل فيكون فسادُ قوله معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام يوضِّحه الوجه الرابع وهو أن يقال لاريب أن نصوص العلو والفوقية كثيرة جدًّا في القرآن وهذه الآيات القليلة قد يزعم من يزعم أنه تدل على أنه في داخل العالم فإن كان الواجب اتباع هذا وتأويل هذا أو بالعكس أو اتباعهما جميعاً كان ذلك مما قد يقال إنه يسوغ أما إذا كان الحق خلاف ما يُعرَف ويفهم من الآيات كلها وهذا الحق وهو أنه لاداخل العالم ولاخارجه لم يدل عليه الكتاب لا نصًّا ولا ظاهراً كان الكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس قد أكثر فيه من الآيات التي لا هدى فيها بل ظاهرها الإضلال والكفر والحق الذي يجب اعتقاده لم تذكره قط فيه ومعلوم أن من تكلم كلاماً كثيراً بما يظهر منه نقيض الحق ولم يتكلم بكلام يظهر فيه الحق لم يكن هادياً إلى الحق
ولا مبيناً له ولا دالاً على الحق بل كان سكوته عما يدل على الباطل كما سكت عما يدل على الحق خيراً مما يتكلم بما يدل على الباطل ويسكت عما يدل على الحق وهذا مقتضى قول المؤسس وموافقيه وحينئذٍ يكون عدم الكتاب والرسول في هذا الباب الذي هو من أعظم أصول الدين على قولهم خيراً وأنفع للخلق من وجود الكتاب والرسول فإن الكتاب والرسول على قولهم لم يهدهم إلى الحق في ذلك ولا بيَّنه ولا سكت أيضاً عما يدل على الباطل حتى يكونوا كما كانوا عليه في الجاهلية بل تكلم بكلام كثير يدل على الباطل عندهم ومعلوم أن هذا القول كفرٌ بصريح الكتاب والرسول وكل قول يستلزم الكفر فهو من أعظم الباطل والضلال بل هو كفر وهذا لازم لهؤلاء لزوماً لا محيدَ عنه وإن كان منهم من لايهتدي إلى هذا الضلال الذي وقعوا فيه وهذا الكفر الذي لزمهم ولو اهتدى إلى ذلك لرجع عن قوله ولهذا لم يُحكم بكفر من يتكلم بنا هو كفر إن لم تقم عليه الحجة البلاغية إذ قد لا يكون عَلِمَ ما جاء به الرسول في ذلك ومن هؤلاء من قد يظن أن قوله حزبه عليه دليل من كتاب أو سنة أو أثر عن بعض السلف فإذا عرف أن هذا القول الذي يقولونه من أنه ليس فوق العرش ولا فوق العالم لم يدل عليه الكتاب ولا السنة ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها أهل القرون الثلاثة الفاضلة بل نطقوا بنقيض ذلك كما هو معروف في موضعه تبين لهم أنهم ضلال مخالفون لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المؤمنين السابقين ومن علم أن قولهم مخالف لذلك
واتبعه كَفَرَ كما كَفَّرهم السلف والأئمة الوجه الخامس أن هذه الآيات إنما يعارض بها الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان كما ذكر ذلك الأئمة وإن كان كثير من هؤلاء ملبِّساً كما لَبَّس هذا المؤسس لايقول بموجب الآيات ولابموجب هذه وإنما يذكر هذه ليدفع بها في الظاهر دلالة تلك الآيات وهي عنده لا تدفع دلالتها كما ذكرناه وهؤلاء الجهمية إذا قالوا إنه في كل مكان بذاته فقد لزمهم من المحاذير والمناقضات التي فروا إليه من كونه فوق العرش أكثر مما فروا منه وإذا كان كذلك لم يكن لهم حجة عقلية يحتجون بها في تأويل تلك الآيات دون هذه فيكون احتجاجهم بهذه الآيات باطلاً كاحتجاج إخوانهم فظهر فساد المعارضة بها من الطائفتين جميعاً وذلك أن المعارض بها إذا قال إنه في كل مكان بحيث يماس الجسام ويكون محدوداً بها أوقال إنه داخل العالم وخارجه وهو جسم محدود ففي هذه الأقوال من الفساد ما ليس في قول من يقول إنه فوق العرش وهو جسم كما تقدم وإذا كان كذلك لم يكن كما تقدم له القول فيما ادعاه من موجب هذه الآيات لاقتران الدليل العقلي بها دون تلك بل الأدلة العقلية على موافقة تلك الآيات أدل منها على هذه كما
تقدم بيانه وإن قال إنه في كل مكان بلا مماسة أو أنه داخل العالم وخارجه وليس بجسم أو أنه ذاهب في الجهات إلى غير غاية وليس بجسم ونحو ذلك فمن المعلوم أن هذا أبعد عن المعقول وأعظم إحالة من كونه فوق العرش وليس بجسم ومن المعلوم أيضاً أن هذه الآيات التي ذكرها لا تدل على ذلك فحينئذ لا يكون قد قال بموجب هذه الآيات ولابموجب تلك بل ترك النصين جميعاً مع مخالفته للمعقول وهذا كله يبين أن هذه الآيات لا تصلح أن يعارض بها أحد ممن يقول إن الله ليس فوق العرش الوجه السادس أن هذه الآيات ليس فيها ما يعارض تلك الآيات بوجه من الوجوه كما تقدم حكاية أقوال الأئمة وكما سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام مفصلاً إذا ذكرنا قوله مبسوطاً فإن قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] ليس ظاهرها أن ذاته في السموات والأرض فإنه لم يقل وهو في السموات وإنما قال وَهُوَ اللَّهُ فالظرف متعلق باسم الله فيكون بمنزلة قوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف 84] وأما آيات المَعِيَّة فنحن نعلم بالاضطرار من لغة العرب أنها لا تقتضي أن الله تعالى مختلط بالخلق ممتزج بهم
بل عامة ما استعمل فيه لفظ مع في القرآن لايدل على ذلك لا في الله تعالى ولا في حق المخلوق وإنما يدل على المقارنة والمصاحبة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أنت الصاحب في السفر وكون الشيء مقارناً لغيره أو مصاحباً له لايمنع أن يكون فوقه ولا يجب أن تكون ذاته مختلطة ممتزجة بذاته وإذا لم يكن لفظ مع في جميع القرآن يدل على الممازجة والمخالطة علم أن ذلك ليس مدلول هذه الكلمة بل كون الشيء مع الشيء على أي وجهٍ قيل لا يمنع أن يكون فوقه ولا يجب أن يكون تحته وإذا لم يكن بين الآيات تنافٍ لم تصلح المعارضة بها وأما قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) فلا منافاة أيضاً بين علوه وبين قربه إن أريد بهذه الآية الله سبحانه وتعالى وأما إن أريد بها الملائكة اندفعت المعارضة من كل وجه وقد تكلمنا على قربه في جواب الأسولة المصرية
كلاماً مبسوطاً وحينئذ فلا حاجة إلى تأويل شيء من هذه الآيات الوجه السابع أنا لو فرضنا الحاجة إلى التأويل فلا ريب أنه على خلاف الأصل وما كان على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف الأصل فإذا كان أحد القولين مستلزماً لتأويل آيات قليلة اثنتين أو ثلاث أو عشر فالقول الآخر يستلزم مع تأويل هذه أو مع ترك تأويلها تأويل نحو خمسمائة موضع لم يكن هذا القول مثل ذاك بل كان كل قول أقرب إلى تقرير النصوص خيراً من القول المقتضي تأويلها الوجه الثامن أن تلك الآيات نصوص لاتحتمل التأويل كما سنقرره إن شاء الله الوجه التاسع أن الظواهر إذا تعاضدت على مدلول واحد صار قطعيًّا كأخبار الآحاد إذا تواردت على معنى واحد صار تواتراً فإن الظنون إذا كثرت وتعاضدت صار بحيث تفيد العلم اليقيني وهذه النصوص كذلك
الوجه العاشر أن كل من تدبر هذه النصوص بلا هوى ونظر فيما جاء عن السلف في تفسيرها وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جنسها أفاده ذلك علماً ضروريًّا من أقوى العلوم الضرورية على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بمضمونها وأن الله فوق العالم والعمل الضروري لا يندفع بالتأويلات وبسط هذه الأجوبة وغيرها له موضع آخر ثم قال الرازي والجواب عما تمسكوا به خامساً من أن الفوق أشرف الجهات فيجب أن يكون الباري مختصاً به إذ من يقول الأرض كُرَيَّةٌ يقول إن جهات الفلك كلها فوق
لأنه لو كان بعض الحيوان تحت أرجلنا ورأسه مسامِتاً لأخمصنا إذا كان قائماً لكان الفوق عنده ما سامت رأسه وإذا كانت الجهات كلها فوق فكيف قلتم إنه يجب حصوله تعالى في بعضها لأنه أشرف مما عداه ولأنا لو تصورنا أنفسنا إذا ضممنا رؤوسنا إلى جهة الأرض وكانت الأنوار في هذه الجهة وجهة فوق مظلمة لتصورنا أن الأرض هي الشريفة ولأنه لا حيِّزَ إلا ويُفرض فوقه حيز آخر فإذاً لاحيز إلا بالقياس إلى ما فوقه أسفل فوجب أن لايحصل في شيء من الجهات والكلام على هذا من وجوه9 الأول أن قولـ ـه من يقول إن الأرض كُرَيَّةٌ يقول إن جهات الفلك كلها فوق يُشعر أن الفلك جهات متعددة عند من يقول ذلك وليس الأمر كذلك باتفاق علماء المسلمين الذين يقولون الفلك مستدير وباتفاق علماء الهيئة الذين يقولون
بكُرِية الأرض واستدارة الفلك فإن العلو عندهم جهة واحدة لاجهاتٍ متعددة وليس للعالم عندهم إلا جهتان جهة السفل وهو المركز في جوف الأرض وأسفلها وجهة العلو وهي جهة السماء وهي جهة المحيط فقولُه جهات الفلك كلها فوق كلامٌ لا حقيقة له فإذًا لاجهة للفلك إلا جهة واحدة وهي جهة فوق فلا جهات هنالك عند هؤلاء الوجه الثاني أنه إذا كان الفلك عالياً من جميع جوانبه وهو في العلو والأرض هي السفلى وجوفها هو المركز وهو أسفل سافلين وليس للعالم إلا جهتان العلو والسفل كان قولُهم إن الله في العلو وفوق العرش تخصيصاً له بالجهة العالية دون السافلة وذلك تخصيص له بالجهة الشريفة فظهر بذلك شرف العالية الفوقانية على السفلى التحتانية
الوجه الثالث أن كونه فوق العالم أمرٌ يلزم كونه خارج العالم على قول هؤلاء وكل ما كلن خارج العالم كان فوقه بالضرورة إذ لايمكن أن يكون شيء خارج العالم ولا يكون فوقه إذ المحيط بالعالم هو أعلى شيء فيه من جميع النواحي وإذا كان كذلك كان كونه فوق العالم من لوازم كونه خارج العالم وكونه خارج العالم من لوازم ذاته وكونه قائماً بنفسه كما تقدم ذلك فصار كونه فوق العالم من لوازم وجود نفسه الوجه الرابع أن قوله إذا كانت الجهات كلها فوق فلما قلتم إنه يجب حصولها في بعضها لأنه أشرف مما عداه يقال له كونها كلها فوق هو وصف لها في نفسها وهيمن ذلك الوجه جهة واحدة لا جهات لايتصور أن يكون في بعضها دون بعض بل يجب أن يكون في تلك الجهة وهي الجهة العالية بالذات على العالم وأما كونها جهات ست فهو بالإضافة إلى الحيوان إذ يسمّى ما يسامت رأسه فوق وما يسامت رجليه تحت وما يحاذي بيمينه يميناً وما يحاذي شماله يساراً وما يحاذي وجهه أماماً وما يحاذي قفاه خلفاً لأنه يؤم هذا ويقصده ويخلف هذا وهذه أمور إضافية فأمام هذا يكون خلفاً لغيره وخلفاً له أيضاً إذا استدار وكذلك ما يكون يميناً له يكون يساراً لغيره وله أيضاً إذا انفتل ومن المعلوم أن ما كان أعلى كان
أشرف مما كان أسفل والحيوان حيث كان من الأرض فالسماء فوق رأسه والأرض تحت رجليه فلا تكون قط السماء إلا من الجهة التي تحاذي رأسه وهي الجهة الشريفة فإذا قيل إن الباري يختص بالجهة الشريفة بالنسبة إلينا فذاك تخصيص له بالجهة التي استحقها بنفسه وهي الجهة العليا الخارجة عن العالم فصار استحقاقه لها لوجهين أحدهما لوجوب كونه مبايناً للعالم خراجاً عنه ولايكون كذلك إلا إذا كان فوق العالم ولوجوب كونه العلي الأعلى على كل شيء فيجب أن يكون فوق العالم ولكونه من العالم بأشرف جهاتهم الإضافية ناحية العلو وهي ناحية السماء منهم حيث كانوا فهذه ثلاثة أوجه متناسبة متوافقة ليست مختلفة كما زعمه المؤسس الوجه الخامس قوله ولأنا لو تصورنا أنفسنا إذا ضممنا رؤوسنا إلى جهة الأرض وكانت النوار في هذه الجهة وجهة فوق مظلمة لتصورنا أن الأرض هي الشريفة فمضمونه أن جهة السماء هي بنفسها الجهة العليا الواسعة سواء كنا موجودين أو معدومين وجهة الأرض هي جهة السفلى الضيقة والرب يمتنع أن يكون فيها لأن أسفل الأرض ضيق سافل وذلك يستلزم أن يحيط بالله أقل
شيء وأسفله وأضيقه وأيضاً فإنه يجب مباينته للعالم وذلك يستلزم كونه فوق العالم وأيضاً فما ذكره من تقدير رؤوسنا والنور من الجهة السافلة تقدير خلاف الواقع وإذا كان تقديراً لاحقيقة له كان الحكم اللازم له حكماً لاحقيقة له كما لو قال قائل لو كان العرش في جوف الأرض ولو كانت الأرض فوق السماء ونحو ذلك ولاريب أنه لو اختلفت صفات الأجسام ومقاديرها وحقائقها لاختلفت أحكامها لكن بكل حال يجب أن يكون الله مبايناً للعالم وأن يكون هو العلي الأعلى وذلك يمنع أن يكون في الجهة السفلى الضيقة سواء على أي وجه قُدِّر وهو المطلوب الوجه السادس قوله لاحيز إلا ويُفرض فوقه حيزٌ آخر يقال له المفروض هو تقدير الذهن وتخيُّله وذلك لايستلزم تحقق هذا المقدار في الخارج بل تقدير أحياز بعضها فوق بعض بمنزلة تقدير أجسام لا نهاية لها وذلك تقدير لاحقيقة له في الخارج فقوله ولا حيز إلا وهو بالنسبة إلى ما فوقه أسفل يوجب ألا يحصل في شيء من الجهات إنما يصح لو كان فوقه شيء لا يلزم إذا قَدَّر الذهن شيئاً لاحقيقة له في الخارج كما لا يلزم إذا قُدِّر أجسام لا نهاية لها أن يكون مداخلاً للأجسام وكما لا يلزم إذا قُدِّر هناك عالم آخر أن يقال لايكون فوق هذا العالم بل فوق ذلك بل إذا قدر الذهن حيزاً فوق حيز قدر أيضاً فوق الأسفل وهكذا كلما زاد الذهن في هذا التقدير زِيدَ في
هذا التقدير ولكن لايلزم من ذلك أن يكون الخارج كذلك وإنما هي تقدير ذهني وقد قدمنا فيما مضى أن الأحياز التي قال إنها خارج العالم إنما هي أمور عدمية وتقديرات ذهنية ليس لها حقيقة خارجية والله سبحانه وتعالى أعلم
فصل قال الرازي في تأسيسه الفصل السادس اعلم أن المشهور عن قدماء الكرامية إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون لانريد به كونه تعالى مؤلفاً من الأجزاء ومركباً من الأبعاض بل نريد به كونه تعالى غنيًّا عن المحل قائماً بالنفس وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في أنه تعالى جسم أم لا نزاعاً لفظيًّا هذا حاصلُ ما قيل في هذا الباب إلا أنا نقول كل ما كان مختصاً بحيز أو جهة ويمكن أن يشار إليه بالحس فذلك المشار إليه إما أن لا يبقى منه شيء في جوانبه الستة فهذا يكون كالجوهر الفرد وكالنقطة التي لا تتجزأ ويكون في غاية الصغر والحقارة ولا أظن أن عاقلاً يرضى أن يقول إن إله العالم
كذلك أما إن بقي منه شيء في جوانبه الستة أو في أحد هذه الجوانب فهذا يقتضي كونه مؤلفاً مركباً من الجزأين أو أكثر أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن تلك الأجزاء لا تقبل التفريق والانحلال إلا أن هذا لا يمنع من كونه في نفسه مركباً مؤلفاً كما أن الفلسفي يقول الفلك جسم إلا أنه لايقبل الخرق والالتئام فإن ذلك لايمنعه من اعتقاد كونه جسماً طويلاً عريضاً عميقاً فثبت أن هؤلاء الكرامية لما اعتقدوا كونه تعالى مختصًّا بالحيز والجهة ومشارًا إليه بحسب الحس واعتقدوا أنه تعالى ليس في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد والنقطة التي لا تتجزأ وجب أن يكونوا قد اعتقدوا أنه تعالى ممتد في الجوانب أو في بعض الجوانب ومن قال ذلك فقد اعتقد كونه تعالى مركباً مؤلفًا فكان امتناعه عن إطلاق لفظ المؤلف
والمركب امتناعاً عن مجرد هذا اللفظ مع كونه معتقداً لمعناه فثبت أنهم إنما أطلقوا عليه لفظ الجسم لأجل أنهم اعتقدوا كونه تعالى طويلاً عميقاً عريضاً ممتداً في الجهات فثبت أن امتناعهم عن هذا الكلام لمحض التقية والخوف وإلا فهم يعتقدون كونه تعالى مركباً مؤلفاً فهذا تمام الكلام في القسم الأول من هذا الكتاب وهذا هو القسم المشتمل على الوجوه العقلية والكلام على هذا من وجوه أحدها أن القول بكون الجسم الموجود القائم بنفسه أو الموجود هو قول أئمة المجسمة مثل هشام بن الحكم
وغيره فإن الأمة أول ما تنازعت في الجسم نفياً وإثباتاً هل الله تعالى بجسمٌ أو ليس بجسمٍ والخائضون في ذلك هم أهل الكلام فقال أبو الهذيل العلَاّف وأتباعه من المعتزلة إنه ليس بجسم وقال هشام بن الحكم وأتباعه من الشيعة أنه جسم وكان أولئك يفسرون الجسم بما احتمل الصفات أو ربما هو مؤلف من الأجزاء وهؤلاء يفسرون الجسم بالقائم بنفسه أوبالموجود قال الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين بعد أن ذكر اختلافهم في الجليل من الكلام والتوحيد والقدر والأسماء والأحكام والإمامة والوعيد قال ذكر اختلاف الناس في الدقيق اختلف المتكلمون في الجسم ما هو على اثنتي عشرة مقالة فقال قائلون الجسم هو ما احتمل الأعراض كالحركات والسكون وما أشبه ذلك فلا جسم إلا ما احتمل الأعراض
ولا ما يحتمل أن تحلّ الأعراض فيه إلا جسم وزعموا أن الجزء الذي لايتجزأ جسم يحتمل الأعراض وكذلك معنى الجوهر أنه يحتمل الأعراض وهذا قول أبي الحسن الصالحي قال وزعم صاحب هذا القول أن الجسم محتمل لجميع أجناس الأعراض غير أن التأليف لايسمى حتى يكون تأليف آخر ولكن أحدهما قد يجوز على الجزء ولا نسمِّيه تأليفاً اتباعاً للغة قالوا وذلك أن أهل اللغة لم يجيزوا مماسة
لا شيء قالوا وإنما سمي ذلك عند مجامعة الآخر له وإلا فحظه من ذلك قد يُقَدِّرُ الله أن يُحدِثَهُ فيه وإنْ لم يكن آخر معه إذا كان يقوم به ولايقوم بأخيه وشبهوا ذلك بالإنسان يُحَرِّك أسنانه فإن كان فيه شيء فذلك مضغٌ وإن لم يكن في فيه شيء لم يسمَّ ذلك مضغاً قال وقال قائلون الجسم إنما يكون جسماً للتأليف والاجتماع وزعم هؤلاء أن الجزء الذي لايتجزأ إذا جامع جزءاً آخر لايتجزأ فكل واحد منهما في حال الاجتماع جسم لأنه مؤلف بالآخر فإذا افترقا لم يكونا ولا واحدٌ منهما جسماً قال وهذا قول البغداديين قلت وهذا قول كثير من متأخري المتكلمة الصفاتية كالقاضي أبي بكر بن الطيب وغيره وهو قول القاضي أبي يعلى قال وقال قائلون معنى الجسم أنه مؤتلف وأقل الأجسام جزءان ويزعمون أن الجزأين إذا تألَّفا فليس واحدٌ
منهما جسماً ولكن الجسم هو الجزآن جميعاً وأنه يستحيل أن يكون التركيب في واحدٍ والواحد يحتمل اللون والطعم والرائحة وجميع الأعراض إلا التركيب وأحسب هذا قول الإسكافي وزعموا أن قول القائل يجوز أن يُجمع إليهما ثالث خطأٌ محال لأن كل واحد منهما مشغل لصاحبه وإذا أشغله لم يكن للآخر مكان لأنه إذا كان جزآن مكانهما واحد فقد ماس الشيء أكثر من قدره ولو جاز ذلك جاز أن تكون الدنيا تدخل في قبضة ولهذا قال لا يماس الشيء أكثر من قدره قال وهذا قول أبي بشر صالح بن أبي صالح ومن وافقه قلت هذا القول قول طائفة من متأخري المتكلمة الصفاتية الأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد قال وقال أبو الهذيل الجسم ما له يمين وشمال
وظهر وبطن وأعلى وأسفل وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء أحدها يمين والآخر شمال أحدها ظهر والآخر بطن وأحدها أعلى والآخر أسفل وأن الجزء الواحد الذي لايتجزأ يماس ستة أمثاله وأنه يتحرك ويسكن ويجامع غيره ويجوز عليه الكون والمماسة ولايحتمل اللون والطعم والرائحة ولا شيئاً من الأعراض غير ما ذكرنا حتى تجتمع هذه الستة الأجزاء فإذا اجتمعت فهي الجسم وحينئذٍ يحتمل ما وصفنا قال وزعم بعض المتكلمين أن الجزأين اللذين لايتجزآن يحلهما جميعاً التأليف فإن التأليف الواحد يكون في مكانين وهذا قول الجبائي قال وقال معمَّر هو الطويل العريض العميق وأقل الأجسام ثمانية أجزاء فإذا اجتمعت الأجزاء وجبت الأعراض
وهي تفعلها بإيجاب الطبع وإن كل جزء يفعل في نفسه ما يحله من الأعراض وزعم أنه إذا انضم جزء إلى جزء حدث طول وأن العرض يكون بانضمام جزأين إليهما وأن العمق يحدث بأن ينطبق على أربعة أجزاء فتكون الثمانية الأجزاء جسماً عريضاً طويلاً عميقاً قال وقال هشام بن عمرو الفوطي إن الجسم ستة وثلاثون جزءاً لايتجزأ وذلك أنه جعل ستة أركان وجعل كل ركن منه ستة أجزاء فالذي قال أبو الهذيل إنه جزء جعله هشام ركناً وزعم أن الجزء لا يجوز عليه المماسة وأن المماسات للأركان وأن الأركان التي كل ركن منها ستة أجزاء ليست الستة الأجزاء متماسة ولا متباينة ولا يجوز ذلك إلا على الأركان فإذا كان كذلك فهو محتمل لجميع الأعراض من اللون والطعم والرائحة والخشونة واللين والبرد وما أشبه ذلك
قال وقال قائلون الجسم الذي سماه أهل اللغة جسماً هو ما كان طويلاً عريضاً عميقاً ولم يُحِدُّوا في ذلك عدداً من الأجزاء وإن كان لأجزاء الجسم عدد معلوم قال وقال هشام بن الحكم معنى الجسم أنه موجود وكان يقول إنما أريد بقولي جسم أنه موجود وأنه شيء وأنه قائم بنفسه قال وقال النظَّام الجسم هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه وأنه لا نِصف إلا وله نصف ولا جزء إلا وله جزء قال وكانت الفلاسفة تجعل حد الجسم أنه العريض العميق قال وقال عباد بن سليمان
الجسم هو الجوهر والأعراض التي لا ينفكّ منها وما كان قد ينفك منها م الأعراض فليس ذلك من الجسم بل ذلك غير الجسم وكان يقول الجسم هو المكان ويعتل في الباري تعالى أنه ليس بجسم فإنه لو كان جسماً لكان مكاناً ويعتل أيضاً بأنه لو كان جسماً لكان له نصف قال وقال ضرار بن عمرو الجسم أعراض أُلِّفَتْ وجمعت فقامت فثبتت فصارت جسماً تحتمل الأعراض إذا حلَّت والتغيير من حال إلى حال وتلك الأعراض هي ما لا تخلو الأجسام منه أو من ضده نحو الحياة والموت اللذين لا يخلو الجسم من واحد منهما والألوان والطعوم التي لا ينفك من واحد من جنسها وكذلك الزِنَةُ كالثقل والخفَّة وكذلك الخشونة واللين والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وكذلك
الصمد فأما ما ينفك منه ومن ضده فليس ببعض له عنده وذلك كالقدرة والألم والعلم والجهل وليس يجوز عنده أن تجتمع هذه الأعراض وتصير أجساداً بعد وجودها ومحال أن يفعل بها ذلك إلا في حال ابتدائها لأنها لاتخرج إلى الوجود إلا مجتمعة وقد يمكن أن تجتمع عنده كلها وهي موجودة ومحال أن تفترق كلها وهي موجودة لأنها لو افترقت مع الوجود لكان اللون موجوداً لا الملون والحياة موجودة لا الحي فإذا قلت له فليس يجوز على هذا القياس عليها الافتراق قال مرة افتراقُها فَنَاؤها وقال مرة الافتراق يجوز على الجسمين فأما أبعاض الجسم مع الوجود فلا وقد يجوز عنده أن يفني بعض الجسم وهو موجود على أن يجعل مكانه ضدُّه فهذه الأقوال ترجع إلى أقوال أحدها أنه المحتمل للصفات والأعراض وإن لم يكن مؤلفاً والثاني أنه ما يدخله التأليف من الأجزاء وهو يُسمى الواحد جسماً حال تركيبه أو لا يكون جسماً إلا الجزءان أو الستة أو الثمانية أو الستة والثلاثون ولايحصر ذلك بعدد على الأقوال الستة
والثالث أنه الطويل العريض العميق وإن لم يكن مؤلفاً من الأجزاء أو لم يكن مؤلفاً من الأجزاء المحصورة كما يقوله النظام والفلاسفة وهو قول الشهرستاني وغيره والرابع أنه المؤلّف من الأعراض والخامس أنه الموجود أو أنه المكان والسادس انه الموجود أو أنه القائم بنفسه وهو مع حكاية هذا عن هشام قد ذكر عنه أنه قال إن الله تعالى جسم محدود عريض طويل عميق طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقداراً في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان
كالسبيكة الصافية تتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون ولم يعين لوناً ولا طعماً هو غيره وانه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد قال وحُكي عنه أنه قال هو جسم لا كالأجسام ومعنى أنه شيء موجود قال وذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري متكوناً ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسَّة وأن يكون طويلاً أو عريضاً أو عميقاً وزعم أنه يتحرك من وقت خلق الخلق قال وقال قائلون إن الباري جسم وأنكروا أن يكون موصوفاً بلون أو طعم أو رائحة أو مجسّة أو شيء مما وصف به هشام غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه وقال في اختلاف الشيعة في التجسيم وهم ست فرق
فالفرقة الأولى الهشامية وهم أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية وحد وذكر نحو ما تقدم قال وأنه قد كان لا في مكان ثم حدث المكان بأن تحرك الباري فحدث المكان بحركته وزعم أن المكان هو العرش قال وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال له إن ربه لجسم ذاهب جاء فيتحرك تارة ويسكن أخرى ويقعد مرة ويقوم أخرى وأنه طويل عريض عميق لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي قال والفرقة الثانية يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم إنه جسم إلى أنه موجود
ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله على العرش مستوٍ بلا مماسة ولا كيف قال والفرقة الثالثة يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان ويمنعون أن يكون جسماً والرابعة أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أن ريهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحماً أو دماً ويقولون هو نور ساطع يتلألأ ضياء وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان له يد ورجل وأنف وأذن وعين وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم والفرقة الخامسة يزعمون أن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمرٍ واحدٍ وليس بذي صورة ولا أعضاء ولا اختلاف في الأجزاء وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من
الحيوان قال والفرقة السادسة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا صورة ولايشبه الأشياء ولايتحرك ولايسكن ولايماس وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج قال وهؤلاء من متأخريهم فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه قلت فقد ذكر عن المجسمة قولين أحدهما أنه لا يوصف بالطول والعرض والعمق وذكر هؤلاء ثلاثة أقوال أحدها أن معنى ذلك أنه موجود ولايثبتون الباري تعالى ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى مستوٍ على العرش بلا كيف
والقول الثاني أنه جسم وأنكروا أن يكون يوصف بالكيفيات الخمس أو بشيء مما وصفه به هشام غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه وهذان القولان يشبهان القول الذي ذكره الرازي عن قدماء الكرامية والقول الثالث إثبات أن الباري تعالى متلوِّن ومنع أن يكون ذا طعم أو لون أو رائحة أو طويل أو عريض أو عميق لكنه متحرك والقول الثاني الذي ذكره عن المجسمة أنه طويل عريض عميق وأن هؤلاء يقولون معنى الجسم أنه الموجود القائم ينفسه وأنه مع ذلك الطويل العريض العميق الموصوف بالحركة والسكون وما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي فقولهم
هو الموجود القائم بنفسه لاينافي عندهم قولهم هو الطويل العريض العميق الموصوف بالحركة والسكون لأنه عندهم لاموجود قائم بنفسه إلا كذلك وهذا قول أئمة المجسمة وجمهورهم كهشام وغيره وهو أيضاً قول طوائف من الكرامية لكن هشام وأصحابه لا يثبتون للجسم صفة غير نفسه ولهذا يقول لا موجود إلا الجسم ولهذا لايقول إن صفته غيره وأما الكرامية فنقل عنهم أنهم يقولون إن صفته غيره هذا مع أن هذه المقولات والفرق كانوا قبل وجود الكرامية فإن محمد بن كرام إنما ظهر في أثناء المائة الثالثة وهو فرين أبي سعيد بن كُلاّب وهما أقدم من الأشعري وإن كان أي
الأشعري قد أدرك ذلك الزمان لكن ابن كرام كان بسجستان وتلك النواحي وابن كلاب كان بالبصرة وكذلك الأشعري وعصرهما هو عصر أئمة أهل السنن المصنفة كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومع هذا فلم يذكر الأشعري في مقالاته عن الكرامية شيئاً خصهم به إلا أنه عدهم في فرق المرجئة فقال اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو وهم اثنتا عشرة فرقة فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله ورسوله وبجميع ما جاء من عنده فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعلم بالجوارح فليس بإيمان وزعموا
أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يُحكى عن جهم بن صفوان قال وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لايكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعَّض ولا يتفاضل أهله فيه وان الإيمان والكفر لايكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح والفرقة الثانية من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر هو الجهل به فقط فلا إيمان بالله إلا بالمعرفة به ولا الكفر بالله إلا الجهل به وأن قول القائل إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر ولكنه لايظهر إلا من كافر وذلك أن الله تعالى أكفر من قال ذلك وأجمع المسلمون انه لا يقول إلا كافر وزعموا أن معرفة الله تعالى هي المحبة له وهي الخضوع لله تعالى وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا مؤمن بالرسول ليس لأن ذلك يستحيل ولكن لأن الرسول قال من لا يؤمن بي فليس مؤمناً بالله وزعموا أيضاً أن الصلاة ليست بعبادة لله وأنه لاعبادة إلا الإيمان به وهو معرفته والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر
والقائل بهذا القول أبي الحسين الصالحي ثم ذكر سائر مقالات المرجئة التي هي أصلح من هذين القولين فقال والفرقة الثالثة من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة له فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وزعموا أن إبليس كان عارفاً بالله غير أنه كفر باستكباره على الله وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري وزعموا أن الإنسان وإن كان لايكون مؤمناً إلا بجميع الخلال التي ذكرناها فقد يكون كافراً بتركه خصلة منها ولم يكن يونس يقول بهذا والفرقة الرابعة منهم وهم أصحاب أبي شمر ويونس
يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء فإن قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم والتصديق لهم والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخلٍ في الإيمان ولايسمُّون كل خصلة من هذه الخصال إيماناً ولابعض إيمان حتى تجتمع هذه الخصال فإذا اجتمعت سموها إيماناً لاجتماعهما وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بَلْقَاءَ ولابعض أبلق حتى يجتمع السواد والبياض فإذا اجتمعا في الدابة سمى ذلك بَلَقَاً إذا كان في فرس فإذا كان في جمل
أو كلبٍ سمى بَقَعاً وجعلوا ترك الخصال كلها وترك كل خصلة منها كفراً ولم يجعلوا الإيمان متبعِّضاً ولامحتملاً للزيادة والنقصان وحُكي عن أبي شمر أنه قال لا أقول في الفاسق الملِّي فاسق مطلق دون أن أقيد فأقول فاسق في كذا وحكى محمد بن شبيب وعباد بن سليمان عن أبي شمر أنه كان يقول إن الإيمان هو المعرفة بالله والإقرار به وبما جاء من عنده ومعرفة العدل يعني في القدر وما كان من ذلك منصوصاً عليه أو مستخرجاً بالمعقول مما فيه إثبات عدل الله ونفي التشبيه والتوحيد فكل ذلك إيمان والعلم به إيمان والشاك فيه كافر الشاك في الكفار كافر أبداً والمعرفة لايقولون إنها إيمان ما لم يعلم الإقرار وإذا وقعا كانا جميعاً إيماناً والفرقة الخامسة من المرجئة أصحاب أبي ثوبان يزعمون
أن الإيمان هو الإقرار بالله ورسله وما كان لايجوز في العقل إلا أن يفعله وما كان جائزاً في العقل أن لا يفعله فليس ذلك من الإيمان والفرقة السادسة من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها والخضوع له بجميع ذلك والإقرار باللسان فمن جهل شيئاً من ذلك وقامت عليه حجة أو عُرِّفه ولم يُقرَّ به كفر ولم تُسمَّ كل خصلة من ذلك إيماناً كما حكينا عن أبي شمر وزعموا أن الخصال التي هي إيمان إذا وقعت فكلُّ خصلة منها طاعة فإن فعلت خصلة منها ولم تفعل الأخرى لم تكن طاعة كالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة كالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة لأن الله أمر بالإيمان جملة أمراً واحداً
ومن لم يفعل ما أمر به لم يُطع وزعموا أن ترك كل خصلة من ذلك معصية فإن الإنسان لايكفر بترك خصلة واحدة وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضه أعلم بالله وأكثر تصديقاً له من بعض فإن الإيمان يزيد ولاينقص وأن من كان مؤمناً لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر وهذا قول الحسين بن محمد النجار وأصحابه والفرقة السابعة الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء
به الرسول وبما جاء من عند الله تعالى وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشمرية في الخصلة من الإيمان أنه لايقال لهما إيمان إذا انفردت ولايقال لها بعض إيمان إذا انفردت وأن الإيمان لايحتمل الزيادة والنقصان وأنهم خالفوا في العلم فزعموا أن العلم بأن الأشياء محدثة مدبرة ضرورية والعلم بأن محدثها ومدبرها ليس باثنين ولا أكثر من ذلك اكتساب وجعلوا العلم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عنده اكتساباً وزعموا أن من الإيمان إذا كان الذي جاء من عند الله منصوصاً بإجماع المسلمين ولم يجعلوا شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً قال وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية والجهمية والغيلانية والنجارية ينكرون أن يكون من الكفار إيمان وأن يقال فيهم بعض الإيمان إذ كان الإيمان لايتبعض عندهم وذكر زرقان عن غيلان أن الإيمان هو الإقرار باللسان
وهو التصديق وأن المعرفة بالله فعل الله وليست من الإيمان في قليل ولا كثير واعتل بأن الإيمان في اللغة هو التصديق والفرقة الثامنة من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون أن الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام وأشباه ذلك مما لا اختلاف بينهم فيه ولا تنازع وما كان من الدين نحو اختلاف الناس في الأشياء فإن الراد للحق لا يكفر وذلك أنه إيمان واستخراج ليس يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به من عند الله تعالى ولا يرد على المسلمين ما نقلوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ونصوا عليه والخضوع لله هو ترك الاستكبار وزعموا أن إبليس قد عرف الله تعالى وأقر به وإنما كان كافراً لأنه استكبر ولولا استكباره لما كان كافراً وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله وأن الخصلة ممن الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافراً بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمناً إلا بإصابة الكل وكل رجل يعلم أن
الله واحد ليس كمثله شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان وهي معرفته بالله وذلك أن الله أمره أن يعرفه وأن يقر بما كان عرف فإذا لم يقر أو عرف الله وجحد أنبياءه فإذا فعل ذلك فقد جاء ببعض ما أمر به وإذا كان الذي أمر به كله إيمان فالواحد منه بعض إيمان وكان محمد بن شبيب وسائر من قدمنا وصفه من المرجئة يزعمون أن مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة العارفين بالله ورسله المقرين به وبرسله مؤمنين بما معه من الإيمان فاسقون بما معهم من الفسق والفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير قال وذكر أبو عثمان الآدمي أنه اجتمع أبو حنيفة
وعمر بن عثمان الشمزي بمكة فسأله عمر فقال له أخبرني عمن زعم أن الله تعالى حرّم أكل الخنزير غير أنه لا يدري لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هي هذه العين فقال مؤمن فقال قد عمر فإنه قد زعم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذه بمكان كذا فقال هذا مؤمن قال فإن قال أعلم أن الله بعث محمداً وأنه رسول غير أنه لا يدري لعله هو الزنجي قال هذا مؤمن ولم يجعل أبو حنيفة شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً وزعم أن الإيمان لا يتبعَّض ولايزيد ولايتفاضل الناس فيه قال فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون
عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه لا يزيد ولا ينقص والفرقة العاشرة من المرجئة أصحاب أبي معاذ التَّوْمِني يزعمون أن الإيمان ما عصم من الكفر وهو اسم لخصال إذا تركها التارك أو ترك خصلة منها كان كافراً فتلك الخصال التي يكفر بتركها أو ترك خصلة منها إيمان ولا يقال للخصلة منها إيمان ولابعض إيمان وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع
المسلمون على كفره فتلك الخصلة شريعة من شرائع الإيمان تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق فيقال له إنه فسق ولا يسمى بالفسق ولايقال فاسق وليس تخرج الكبائر من الإيمان إن لم يكن كَفَر فتارك الفرائض مثل الصلاة والصوم والحج على الجحود لها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود وإن تركها غير مستحلًّ لتركها متشاغلاً مسوّقاً يقول الساعة الأصلي وإذا فرغت من لهوي ومن عملي فليس بكافر إذا كان غرضه أن يصلي يوماً ووقتاً من الأوقات ولكن نُفَسِّقُهُ وكان أبو معاذ يزعم أن من قتل نبيًّا أو لطمه كفر وليس من أجل اللطمة والقتل كَفَرَ ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له وكان يزعم أن الموصوف بالفسق من أصحاب الكبائر ليس بعدو لله ولا وليٍّ لله وكل المرجئة يقولون إنه ليس في أحد من الكفار إيمان بالله والفرقة الحادية عشرة من المرجئة أصحاب بشر المريسي يقولون إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو
التصديق وما ليس بتصديق فليس بإيمان ويزعم أن التصديق يكون بالقلب واللسان جميعاً وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي قال وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية فليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفراً ولايجوز أن يكون إيماناً إلا ما كان في اللغة إيماناً وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولكنه عَلَمٌ على الكفر لأن الله تعالى بين لنا أنه لا يسجد للشمس إلا كافر قال والفرقة الثانية عشرة من المرجئة الكرامية أصحاب محمد بن كَرَّام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء
غير التصديق باللسان إيماناً وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين على الحقيقة وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان قال ومن المرجئة من يقول إن الفاسق من أهل القبلة لا يُسمَّى بعد تقضِّي فعله فاسقاً ومنهم من يقول لا أقول لمرتكب الكبائر فاسق على الإطلاق دون أن يقال فاسق في كذا ومنهم من أطلق اسم الفسق قال واختلفت المرجئة في الكفر ما هو وهم ست فرق الفرقة الأولى تزعم أن الكفر خصلة واحدة وبالقلب تكون وهو الجهل بالله وهؤلاء هم الجهمية والفرقة الثانية
منهم يزعمون أن الكفر خصال كثيرة ويكون بالقلب وبغير القلب والجهل بالله كفر وبالقلب يكون وكذلك البغض لله والاستكبار عليه وكذلك التكذيب بالله وبرسله بالقلب وباللسان وكذلك الجحود لهم والإنكار لهم وسبُّهم وكذلك الاستخفاف بالله ورسله كفر وكذلك ترك التوحيد إلى اعتقاد التثنية والتثليث أو ما هو أكثر من ذلك كفر وزعم قائل هذا القول أن الكفر يكون بالقلب واللسان دون غيرهما من الجوارح وكذلك الإيمان وزعم قائل هذا القول أن قاتل النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولاطِمَه لم يكفر من أجل القتل واللطمة ولكن من أجل الاستخفاف وكذلك تارك الصلاة مستخفًّا لتركها إنما يكفر بالاستحلال لتركها لا بتركها وزعم صاحب هذا القول أن من استحل ما حرم الله مما نص الرسول على تحريمه وأجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر بالله وأن استحلال ذلك كفر وكذلك من قال قولاً واعتقد عقداً قد أجمع المسلمون على إكفار فاعله وكل قول أجمعوا على
إكفار قائله كفر بأي جارحة كان الفعل والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن الكفر بالله هو التكذيب والجحد له والإنكار له باللسان وأن الكفر لا يكون إلا باللسان دون غيره من الجوارح وهذا قول محمد بن كرام وأصحابه والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن الكفر هو الجحود والإنكار والستر والتغطية وأن الكفر يكون بالقلب واللسان والفرقة الخامسة منهم أصحاب أبي شمر وقد تقدمت حكاية قولهم في إكفار من رد قولهم في التوحيد والقدر والفرقة السادسة أصحاب محمد بن شبيب وقد ذكرنا قولهم في الإكفار عند ذكرنا قولهم في الإيمان وأكثر المرجئة لا يكفِّرون أحداً من المتأوِّلين ولا يكفرون إلا من جمعت الأمة على إكفاره قلت فلم يذكر عن الكرامية شيئاً انفردوا به إلا قولهم في الإيمان والكفر أن ذلك يتعلق باللسان فقط دون القلب ولاريب أن هذا القول هو بدعة من الكرامية لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه وهو باطل فإن إدخال المنافقين في اسم المؤمنين مما
يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام ونصوص القرآن الكثيرة تنفي ذلك ولم يذكر عن الكرامية في جميع كتابه شيئاً إضافة إليهم غير ذلك فأما سائر ما يذكره أصحابه من الكرامية من التجسيم وحلول الحوادث وذلك بأنه قد حكاه في كتابه عن طوائف من أهل القبلة من أهل الكلام والحديث والتصوف والتفسير بل عن طوائف غيرهم متقدمين على الكرامية لاسيما أصل القول بحلول الحوادث فإنه ذكره عن طوائف متنوعة من الفقهاء والصوفية من أهل الحديث والمتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم والقول الذي ذكره عن جهم والصالحي في الإيمان فهو الذي ينصره أئمة أصحابه ويضيفونه إليه ولا ريب أن كتبه المصنَّفة في آخر عمره مثل المقالات
ونحوها إنما قال فيها بقول أهل السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والجهم اعتقد في الإيمان ما اعتقده في الله المُؤْمَنِ به من أنه إذا كان واحداً امتنع أن يكون له صفات وأن كونه واحداً يمتنع أن يكون حيًّا قادراً عالماً له حياة وقدرة وعلم وكذلك اعتقد في الإيمان أنه لايكون إلا شيئاً واحداً يتساوى فيه جميع الموصوفين به وأن ذلك لايمكن أن يكون إلا خصلة واحدة ولايمكن أن تكون تلك الخصلة إلا مجرد المعرفة واعتقد أن الواحد لايتصور أن يتضمن أشياء لأن ذلك عنده تركيب وانقسام فنفى ذلك بزعمه في الإيمان كما نفاه في حق الله تعالى فجحد أن يتميز في الإيمان شيء من شيء في الوجود والعلم كما قال ذلك في الله تعالى وإذا كان كذلك عُلِم أن الذين قالوا إنه جسم وأن معنى ذلك أنه موجود قائم بنفسه وأنه لايعقل قائم بنفسه إلا الجسم لهم قولان منهم من يقول إنه مع ذلك طويل عريض عميق ومنهم من يقول ليس بذي أجزاء وأبعاض وأن هذا مما ينازعون فيه
موافقيهم على أنه جسم وإذا كان كذلك علم أن امتناعهم عن ذلك ليس لمحض التَّقيَّة والخوف بل هو اعتقاد يعتقدونه وينفون الأجزاء والأبعاض وإن قال القائل هذا تناقض منهم وأنه يلزمهم القول بالأجزاء والأبعاض فغايتُه أنهم في ذلك كسائر الطوائف التي يقال إنه يلزمهم قولٌ وهم لايقولون به وهذا كما أن الكُلَاّبية أئمة الأشعرية وقدماؤهم تقول بقول المعتزلة ومتأخرو الأشعرية يلزمهم القول بأنه جسم وهم لايقولون بذلك وكذلك كل من أثبت الرؤية يقول نفاتها وكثير ممن يثبتها أنه يلزمه القول بالتجسيم وإن كان لايقول بذلك الوجه الثاني أن لوازم نفاة الجسم أعظم من لوازم مثبتته فإن من نفاه يقال عنه إنه يلزمه أن الله لا يُرى وأن الله لا يتكلم وأن القرآن مخلوق وأن الله ليس على العرش وأنه لا يقوم به صفة وأن إقراره بالكُرَوِيَّة وبأن كلام الله غير مخلوق وأن الله تعالى على العرش وغير ذلك إنما هو لمحض التقية والمصانعة لأهل السنة والحديث وهذا يقوله خلق كثير من الأشعرية وغيرهم حتى قالوا إن الأشعري إنما
صنف كتاب الإبانة تقية وإلا فالرجل باطنه يشبه بواطن شيوخه المعتزلة وأنهم بمنزلة المنافقين الذين يوافقون أهل السنة والحديث في الظاهر ويخالفونهم في الباطن وأيضاً فمن تأمل كلام الرازي وجده في كثير من مسائله لاينصر القول الذي ينصره إلا للتقية دون الاعتقاد كما فعله في مسألة الرؤية والقرآن ونحوهما فإن كلامه يقتضي أن الرجل منافق لأصحابه الذين هم متأخرو الأشعرية فضلاً عن قدمائهم وأيضاً فالأشعري قد ذكر عن المعتزلة أنهم منافقون بإثبات أسماء الله فقال في المقالات الحمد لله الذي بصَّرنا خطأ المخطئين وعَمَى العَمين وحيرة المتحيرين الذين نفوا صفات رب العالمين وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لاعلم له ولا قدرة ولا حياة له ولاسمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي يوصف بها لنفسه قال وهذا قولٌ أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين
يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حيّ ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك قال غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك قال وقد أفصح بذلك رجل يُعرف بابن الإيادي كان ينتحل مذهبهم فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة
وقال الأشعري أيضاً في الإبانة زعمت الجهمية والقدرية أن الله عز وجل لاعلم له ولاقدرة ولا حياة ولا سمع ولابصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم من ذلك خوف السيف من إظهار نفي ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لاعلم ولاقدرة لله عز وجل فقد قالوا ليس بعالم ولاقادر ووجب ذلك عليهم وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم إن الله ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت إن الله عز وجل عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن تثبت له علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وأيضاً فكلامُ السلف والأئمة كثيرٌ مشهور في أن الجهمية
وهم أول من نفى الجسم وملازمه في الإسلام إنما هم معطِّلون في الحقيقة وإنما يظهرون الإقرار نفاقاً ومدار أمرهم على التعطيل كما ذكره البخاري وغيره من الأئمة عن وكيع بن الجراح الإمام أنه قال لا تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل قال البخاري وحدثني أبو جعفر سمعت الحسن بن موسى الأسيب وذكر الجهمية فنال منهم ثم قال أُدْخِلَ رأسٌ من رؤساء الزنادقة يقال له شمغلة على المهدي فقال دلني على أصحابك فقال أصحابي أكثر من ذلك
فقال دلني عليهم فقال صنفان ممن ينتحل القبلة الجهمية والقدرية والجهمي إذا غلا قال ليس ثَمَّ شيء وأشار الأشيب إلى السماء والقدري إذا غلا قال هم اثنان خالقُ خير وخالقُ شر فضرب عنقه وصلبه وهذان الصنفان جمعهما المعتزلة وفيهم يقول ابن المبارك ولا أقول بقول جهم إنّ له قولاً يُضارعُ قول الشرك أحيانا ولا أقول تخلى من بريته ربُّ العباد وولَّى الأمر شيطانا وروى عن يحيى بن يوسف الزمي قال كنا عند
عبد الله بن إدريس فجاء رجل فقال ياأبا محمد ما تقول في قوم يقولون القرآن مخلوق قال أمن اليهود قال لا قال أمن النصارى قال لا قال فمن المجوس قال لا قال فممّن قال من أهل التوحيد قال ليس هؤلاء من أهل التوحيد هؤلاء من الزنادقة مَن زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق وهذا أصل الزندقة قال وقال وهب بن جرير الجهمية زنادقة إنما يريدون أنه ليس على
العرش استوى قال البخاري وكان إسماعيل بن أبي أويس يسميهم زنادقة العراق وقيل له سمعت أحداً يقول القرآن مخلوق فقال هؤلاء الزنادقة وقال البخاري نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت قوماً أضلّ في كفرهم منهم وإني لأستجهل من لا يكفِّرهم إلا من لا يعرف كفرهم قال وقول عبد الله بن المبارك إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية
وقال الإمام أحمد في وصف قول الجهمية ما قدمناه حيث قال إنه بلغه أن الجهم لقي أناساً من المشركين يقال لهم السُّمَنِيَّة فعرفوا الجهم فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلهاً قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيتَ إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فهل شممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسًّا قال لا قالوا فوجدت له مجسًّا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله قال فتحيَّر الجهم فلم يَدْرِ من يعبد أربعين يوماً ثم إنه
استدرك حجة مثل حجج الزنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث شيئاً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهي عما يشاء وهو روح غائب غن الأبصار فاستدرك جهمٌ حجةٌ مثل هذه الحجة فقال للسُّمني ألست تزعم أن فيك روحاً قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فسمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حسًّا قال لا قال فكذلك الله لا يُرى له وجه ولا يُسمع له صوت ولايشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولايكون في مكان دون مكان ووجدت ثلاث آيات من المتشابه في القرآن قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذّب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً وكان من المشبهة فأضل بكلمه بشراً كثيراً واتبعه على قوله رجالٌ من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد
بالبصرة ووضع دين الجهمية فإذا سألهم الناس عن قول الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش لا يخلو منه مكان ولايكون في مكان دون مكان ولم يتكلم ولا يكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا بفعل ولا له غاية ولا له منتهى ولا يدرك بعقل وهو وجه كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا يكون فيه شيئان ولايوصف بوصفين مختلفين ولا له أعلى ولا له أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو ثقيل ولا خفيف ولا له لون ولا له جسم وليس هو بمعلوم ولا معقول وكلما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه فقلنا هو شيء فقالوا هو
لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعبد ذلك تبين للناس أنهم لايثبتون شيئاً ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لايعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لاتؤمنون بشيء بل تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر الأمر هو كلّم موسى قالوا لم يتكلم ولا يُكَلم لأن الكلام لايكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيماً لله ولايعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى فرية وضلالة وكفر
وروى عبد الله بن أحمد عن ابن إبراهيم بن طهمان قال الجهمية كفار وعن الأصمعي عن المعتمر بن سليمان وعن سليمان التيمي عن أبيه قال ليس قوم أشد
بغضاً للإسلام من الجهمية وعن سلام بن أبي مطيع قال الجهمية كفار وعن يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال زنادقة وفي رواية أخرى رواها المروذي
عنه وذكر الجهمية فقال كفار لايعبدون شيئاً وروى المروذي عن سلام بن أبي مطيع قال الجهمية كفار لايصلى خلفهم وعن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال كان أبي يحيى وعبد الرحمن يعني ابن مهدي يقولان الجهمية تدور على أن تقول ليس في السماء شيء وروى سليمان بن
حرب عن حماد بن يزيد قال الجهمية تحاول على أن ليس في السماء شيء ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد عنه ولفظه إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء وروى الخلال عن وكيع بن الجراح أنه قال القرآن
كلام الله أنزله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم كل صاحب هوى يعبد الله ويعرفه إلا الجهمية فإنهم لايعرفونه بشر وأصحابه وعن شبابة بن سوّار قال اجتمع رأيي ورأي جماعة من الفقهاء وأبي النضر هاشم بن القاسم على أن المريسي كافر جاحد يستتاب فإن تاب وإلا ضرب عنقه وعن ابن عيينة قال هذا الذي يقول في القرآن يعني المريسي ينبغي أن
يصلب وعن عباد بن العوام أنه قال كلام بشر المريسي يزعم أنه ليس بشيء يعني أن الله ليس بشيء وعنه قال كلمت بشراً وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن ليس في السماء شيء وروي عن أبي بكر بن عياش إنما تحاول الجهمية أن ليس في السماء شيء وعن الميموني أنه ذاكر أبا عبد الله
أحمد بن حنبل أمر الجهمية وما يتكلمون به فقال في كلامهم كلام الزنادقة يدورون على التعطيل ليس يثبتون شيئاً وهكذا الزنادقة وقال لي أبو عبد الله بلغني أنهم يقولون شيئاً هم يدعونه وينقصون على المكان ويقولون هو الأشياء وليس بالشيء في الشيء قال لي فهو قد ترك قوله الأول وأقبل يتعجب إليَّ وعن أحمد بن حنبل قال ما أحد أضر على الإسلام من الجهمية ما يريدون إلا إبطال القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كثيرٌ في كلام السلف والأئمة وسائر العلماء لايحصيه إلا الله يصفون فيه الجهمية بالزندقة التي هي النفاق وبالتعطيل وبالجحود للقرآن والحديث وبأنهم إنما يقرون في الظاهر بالإسلام والقرآن خوفاً من السيف إذا كان كذلك وهم أول من أحدث في الإسلام القول بأن الله تعالى ليس بجسم وأنه إذا كان ليس بجسم فإن ذلك يستلزم نفي علوه على العرش ونفي صفاته وغير ذلك علم أن ما في هؤلاء من المنافقة والتقية وخوف السيف من أهل الإيمان أعظم مما ذكر وهـ أولئك
الوجه الثالث أن يقال إنه من المعلوم أن في هؤلاء وهؤلاء مَن قد يقول القولين اللذين هما في نفس الأمر متناقضان فإنهم مع ذلك نوعان منهم من يعلم التناقض ويقر بأحدهما إما لرغبةٍ وإما لرهبة ومنهم من لايعلم التناقض وهذا لاريب فيه فإنا نعلم خلقاً من الجهمية الذين ينكرون الصفات ويقولون هذه تجسيم والله ليس بجسم الذين يتظاهرون بالإسلام وهم في الباطن لايقرون بأن القرآن حق وما خالفه باطل ولا يقرون بأن محمداً هو رسول الله إلى جميع الخلق ولا يقرون بأنه تجب عبادة الله وحده لاشريك له ولا يقرون بالمعاد الذي أخبر الله به في كتابه بل منهم طوائف يجعلون اليهودية والصابئة والشرك كل ذلك أديان غير محرمة ولاأهلها كفار كدين الإسلام ثم من هؤلاء من يرجِّح الإسلام على سائر هذه الأديان ومنهم من لا يرجحه ومنهم طوائف يعتقدون أن الأنبياء إنما هم من عقلاء بني آدم وفضلائهم وبمنزلة الملوك الذين لهم علم وعدل وأنه إنما تجب طاعتهم في الأمور والسياسات الظاهرة التي هي نظام الدنيا فأما الأمور الدينية الباطنة النافعة في الآخرة من العلوم والأعمال فيدَّعون أنهم أعلم بذلك من الأنبياء والمرسلين أو مثلهم وأنهم مستغنون عن الرسل فيها ومنهم طوائف يجحدون خالق العالم جحداً
محققاً ويسخرون بمن يقر بوجوده أما العبادات التي جاءت بها الرسل والتحريمات فيسخرون بأهلها سخرية زائدة على الحد ومنهم من يعبد الأصنام والكواكب أو يأمر بذلك وقد يرى ذلك أفضل وأنفع من عبادة الله وحده إلى أمور أخرى من أصناف الكفر والزندقة التي توجد في الجهمية التي هي بإجماع المسلمين من أعظم الزندقة والنفاق إذا استبطنها من يظهر الإسلام وغن أعلنها كان كافراً معلناً باتفاق المسلمين وهذه الأمور هي من جنس سائر الضلال تارة يتلقاه بعض الضالين عن المضلين كما قال تعالى إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70)[الصافات 69-70] وقال عنهم وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة 170] وتارة يقولونه لتشابه قلوبهم كما قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة 118] وقال تعالى كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)[الذاريات 52-53] وقال تعالى بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)[المؤمنون 81-82] وقال
تعالى مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت 43] وقال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام 112] وقال تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام 148] وهذا في القرآن في غير موضع يذكر مُشابهةَ ضلال الآخرين لضلال الأولين وذلك أن بني آدم جنس واحد مشتركون في الحد والحقيقة الإنسانية وقوى إدراكهم وحركاتهم من جنس واحد من هذا الوجه فهم يتشابهون في الإيمان والكفر والهدى والضلال والعلم والجهل والقدرة والعجز وسائر ما يعرض لهم من الأمور المتقابلة ولاريب أن كثيراً ممن ليس بزنديق ولامنافق من أهل الإيمان قد التبس عليه كثيرٌ مما يقولون الجهمية وظن أن ذلك حق وأنه من تعظيم الله وتنزيهه وغالب هؤلاء في حيرة فإنهم لابد أن يروا منافاة الفطرة وما جاءت به الرسل لما يقوله الجهمية فيرونه منافياً للعقل والشرع المعلومين بالاضطرار فتارة يُعرضون عن النظر في ذلك مطلقاً
فلا يحققون الإيمان بما جاءت به الرسل ويقررون أمره ولايعتقدون ما يقوله الجهمية وهذا ضَعفٌ في إيمانهم ومرض في قلوبهم وتارة يقولون هذا ويقولون هذا إما في حالٍ واحدة وإما في حالين ولايشعرون بالتناقض الذي بينهما وتارة يوافقون المؤمنين وتارة يوافقون الجهمية وتارة يوافقون هؤلاء في البعض وهؤلاء في البعض وهو موجود أيضاً في المثبتة للجسم فإن منهم من يستعمل التقية مع نفاقٍ فيوافقونهم على ما ينفونه من تفاريغ ملازم الجسم مع علمه بأنه متناقض ومنهم من يقول القولين المتناقضين ولايشعر بالتناقض كما تقدم وهؤلاء المتناقضون يقولون قول هؤلاء وقول هؤلاء لكن بعبارات متنوعة وهؤلاء خلق عظيم وطوائف كثيرة في الأمة من أصناف أهل العلم والدين لايحصيهم إلا رب العالمين الوجه الرابع أنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه يجب على الناس رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد 25] وقال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء 105] وقال تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة 213] وقال تعالى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء 59] وهذا عام في جميع الأشياء لاسيما باب أسماء الله وصفاته فإن الاعتصام في ذلك بالكتاب والسنة هو من أعظم أصول الإيمان فإن الله قد ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويجادلون فيه بغير علم والذين يجادلون بغير كتاب منزل من الله ونهى عن ضرب الأمثال له فقال وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)[الأعراف 180] وقال وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)[الرعد 13] وقد روي أنها نزلت فيمن جادل في الله من أي جنس هو من أجناس المخلوقات وقال الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ
أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا [غافر 35] وهذا في كل من جادل في الله بغير كتاب منزل من السماء فإن الكتاب المنزل هو السلطان كما قال تعالى أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)[الروم 35] وقال تعالى أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)[الصافات 156-157] وقال تعالى أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)[الطور 38] وإذا كان كذلك فالواجب أن يجعل ما بعث الله به رسله من السماء والكلمات هي الأصل والرد عند التنازع في النفي والإثبات وأما سائر ما يتكلم الناس به من نفي وإثبات فيرد إلى ذلك فما وافقه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل وإذا كانت الألفاظ مجملة تحتمل ما يوافق كتاب الله وما يخالفه لم تقبل مطلقاً ولم تردّ مطلقاً بل يقبل منها ما وافق كتاب الله ويرد ما خالفه والمنافق المذموم الذي ذمه الله ورسوله هو من أظهر الإيمان بالكتاب والرسول وموالاة المؤمنين وأبطن نقيض ذلك فأما من استعمل التقية مع غير كتاب الله ورسوله وأهل الإيمان فليس هو هذا المنافق وإذا كان كذلك فالجهمية نفاة الصفات تنفي الجسم
وملازمه نفاقهم في الإيمان بالله والرسول فإنهم يظهرون الإيمان بالقرآن وبما جاء فيه من أسماء الله وصفاته التي هي من آياته وهم عند التحقيق غير مؤمنين بذلك بل هم منافقون في كثير من ذلك يحرفون الكلم عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وصفاته وذلك مضموم إلى منافقتهم في المعقولات حيث يبغون اتباع المعقول وهم من أعظم الخلق جحوداً للمعقولات ففيهم من السفسطة في العقليات والقرمطة والنفاق في الشرعيات مما لاينضبط هنا وهذا من أعظم الأمور دناة وبطلاناً في العقل والدين بإجماع المسلمين وأما ما ذكره الرازي عن منازعيه من التقية فغايتهم أنهم استعملوا التقية مع من يقول إنه ليس بجسم وغاية هذا أن يكون هو المصيب وهم المخطئون إذ ليس قوله مأثوراً عن الله ور عن رسوله ولا عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمتها فإنه ليس في هؤلاء من نفى ما ينفيه هؤلاء بلفظ الجسم وملازمه ولا نفى ما يسمونه تركيباً وانقساماً وتأليفاً وإذا كانت هذه المعاني لايوجد نفيها عن الله لا بألفاظهم ولا بألفاظ أخرى في كلام الله
ولا رسوله ولا كلام سلف الأمة وأئمتها وإنما غاية أحدهم أن يستنبط ذلك كما ذكره الرازي في الأدلة السمعية ومعلوم لمن تدبر تلك الأدلة أنها لاتفيد ظنًّا ضعيفاً فضلاً عن ظنٍّ قويٍّ فضلاً عن العلم بل قد بينا فيما تقدم أن كل دليل ذكره فإنه أدل على نقيض مطلوبه منه على مطلوبه وإذا كان الأمر كذلك وقدرنا أن نفي هذه المعاني حق كان مستعمل التقية والخوف مع هؤلاء النفاة أحسن حالاً وأعظم قدراً عند أهل العلم والإيمان من حزب الرازي النفاة فيما يستعملونه من التقية والخوف فإن أولئك يستعملونها مع أهل العلم والإيمان وهو حال المنافقين الذين ذكرهم الله وذمَّهم في القرآن فيما شاء الله من المواضع وهذا بيِّنٌ ظاهرٌ فإن خطأ هؤلاء إذا ثبت أنه خطأ هو خطأٌ فيما يقال إنه معقول ليس خطأً فيما جاء به الرسول وتقاته مع من يدعي العقليات ليس مع أهل الإيمان والقرآن وأين من يتقي من يكون مصيباً من العقلاء والملوك إلى من يتقي وينافق الأنبياء والمرسلين وخلفاءهم الراشدين هذا كله إذا قدر خطؤه حيث كان في الباطن يعتقد ما هو خطأ وأما إن كان ما يقوله الباطن صواباً فيكون قولهم بألسنتهم خلاف ما في
قلوبهم من غير إكراه ضعفاً في إيمانهم وجماع القول أنه إذا قُدِّر أنهم استعملوا التقية فأظهروا نفي هذه الأمور مع اعتقاد ثبوتها فإما أن يكونوا في هذا الاعتقاد مخطئين أو مصيبين فإن كانوا مخطئين كان هذا كما تقدم أنه من جنس مخالفة الملوك والعقلاء فيما هم فيه مصيبون ومخالفتهم من جنس المنافقين لأنبياء الله والمرسلين وعباد الله أهل العلم والإيمان فإذا كانوا مصيبين في هذا الاعتقاد كانوا بمنزلة مؤمن كتم إيمانه وأظهر خلاف ما يعتقده من الإيمان فهو مؤمن بقلبه معتقد متكلم بكلمة الخطأ أو الكفر خوفاً وهذا سائغ في الدين قال تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل 106] وقال تعالى لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران 28] وحيث لايكون سائغاً فالتكلُّم بذلك مع اعتقاده الإيمان لنوع رغبةٍ أو رهبةٍ على أي وجه كان هو خيرٌ من المنافق الذي يتكلم بقول أهل الإيمان ويبطن خلاف ذلك فأولئك النفاة منافقون وهذا مذنب ذنباً دون ذنب أولئك بكثير الوجه الخامس أنه ليس لأحد أن يشرع ديناً لم يأذن به الله
ولا يسمي أحداً باسم حمدً أو ذم إلا بسلطان من الله ولا يفرِّق بين ما جمع الله بينه ويجمع بين ما فرق الله بينه ويقطع ما أمر الله به أن يوصل وينقض عهد الله من بعد ميثاقه قال تعالى أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى 21] وقال تعالى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم 23] وقال تعالى المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)[الأعراف 1-3] وقال تعالى وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام 153] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران 102-103] وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام 159] وقال تعالى وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)[البقرة 176] والله سبحانه وتعالى مدح في كتابه المؤمنين والمقسطين والصادقين والعالمين والمصلين والمتصدقين والصائمين والأبرار ونحو ذلك وذم في كتابه الكافرين والمنافقين والفجار والكاذبين والمحرقين للكلم عن مواضعه والملحدين في أسماء الله وآياته والمشركين والعادلين به والجاعلين له أنداداً ونحو ذلك
فالذي يجب أن يحمد ما حمده الله ويذم ما ذمه الله تعالى وأما الأسماء التي تعرف بها المذاهب والمقالات والطوائف سواء كانت مضافة إلى إمام المذهب كالجهمية والأزارقة والكُلابية والكرامية والأشعرية أو كانت مضافة إلى قول أو عمل لهم كما يقال الحرورية لاجتماعهم بحروراء ويقال لهم الخوارج والمارقة لمروقهم من الإسلام وكما يقال الرافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين لموالاته أبا بكر وعمر وكما
يقال المعتزلة لاعتزالهم أهل الجماعة من أصحاب الحسن البصري ونحوهم وكما يقال المجسمة لاتباعهم لمن قال إنه جسم وكما يقال معطلة لتعطيلهم الصفات إذ استلزم ذلك تعطيل الذات وكما يقال الزنادقة هم
المنافقون فالواجب أن تكون تلك السماء هي بنفسها لايعلق بها حمد ولا ذمً إلا بما حَمده القرآن وذمه فالله تعالى هو الذي حمدُه زين وذمُه شين وإنما هذه السماء للتعريف كأسماء القبائل وليس لأحد أن يوالي المسمَّى بهذه الأسماء أو يعاديه مطلقاً إلا إذا كان المسمى بها كذلك في الشرع كالمنافق والملحد فإن هذا من اتباع الأهواء أو من التفرق في الدين بل
يوالي من ذلك ما يحبه الله ورسوله يعادي من ذلك ما ذمه الله ورسوله والجهمية هم الذين اتبعوا جهماً فيما ابتدعه في الإسلام وكل ما ابتدعه ضلالة مخالفة للكتاب والسنة ولهذا كان كلام الجهم كله منكراً باتفاق السلف والأئمة إذ ما لم يبتدعه الجهم لايضيفه السلف إلى الجهمية وأما الكرامية والكلابية والأشعرية فهؤلاء هم المتبعون لأئمتهم فيما رتَّبوه من المذاهب وفي مذاهبهم ما هو صواب وخطأ لكن لهؤلاء مقالات ابتدعوها لم يُسبقوا إليها فتلك المذاهب تضاف إلى صاحبها وتذم مطلقاً كما يذم ما ابتدعه ابن كرام من جعل الإيمان هو مجرد قول اللسان بدون تصديق القلب ويذم ما ابتدعه ابن كلاب والأشعري من الكلام في الصفات والكلام الذي وافق أهل السنة من وجوه كثيرة ووافق فيه الجهمية من وجوه أخرى وإذا كان كمذلك فلفظُ المجسمة لايوجد به ذكر في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة لا بمدحٍ ولا ذم ولايوجد أيضاً ذم هذا المعنى الذي سميته أنت تجسيماً في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها وأما المذهب الذي ذكرته فهو الذي يسميه السلف مذهب الجهمية وأول من ابتدعه في الإسلام الجعد وذمُّه
في كلام السلف وأئمتهم متواتر ودلالة الكتاب والسنة على بطلان معانيه وذمها لا يحصى فلا يستوي في ذمه الله ورسوله والمؤمنون بمن لا يوجد ذمه في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام المؤمنين ومما يوضح الأمر أن ذم الرافضة في كلام السلف والأئمة كثير جدًّا وقد علم العلماء أن أول من ابتدع الرفض في الإسلام بعضُ الزنادقة المنافقين كما ذكروا من أول من ابتدع التجهم كان
كذلك ومع هذا فالمتكلمون الذين تكلموا في الجسم نقياً وإثباتاً في عهد السلف أئمة النفاة مهم أو من المعتزلة كأبي الهذيل وذويه وأئمة الإثبات منهم هم متكلموا الرافضة كهشام بن الحكم وذويه ومع هذا كلامُ السلف كثيرٌ مستفيض في ذم الجهمية والمعتزلة على نفي الصفات ولم يعرف عن السلف ذم لهؤلاء الرافضة على ما يقال إنه التجسيم ولا شاع عنهم من عيب الرافضة بذلك ما شاع عنهم من عيب المعتزلة على النفي ولايحفظ عن أحد من السلف ذم المجسمة ولا ذم من يقول بالجسم ولا نحو هذا أصلاً فإذا كانوا متفقين على ذم الجهمية نفاة الصفات بنفي الجسم وملازمه ولم يذموا أحدًا لخصوص كونه أثبت الجسم ولم ينفه كما نفاه نفاة الجسم على أن ذم هؤلاء ذمٌ لا أصل له في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من سلف
الأمة وأن النفاة مذمومون بالكتاب والسنة والإجماع نعم ذم السلف من كان يزيد في الإثبات على ما جاء في الكتاب والسنة من المشبهة والمجسمة كما وجد هذا في كلام غير واحد من السلف رضي الله عنهم فيذمونهم ذمًّا خاصًّا على ما زادوه من الباطل وما وصفوا الله تعالى به مما هو مُنزَّه عنه كما يذكر عنهم من المقالات الباطلة وذموهم على التجسيم الذي ابتدعوه وخالفوا به الكتاب والسنة ولم يكن في كلامهم نفي عام وذم عام كما يوجد في كلام النفاة وهؤلاء السلف والأئمة الذين ذكرنا مدحهم وذمهم قد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم والمؤمنون شهداء الله في أرضه وهم الذين يُعتدّ بإجماعهم في الدين فإذا كانوا مجمعين على ما ذكرناه كان ذلك ثابتاً بالكتاب والسنة بخلاف من قد تنازعت الجماعة في مدحه وذمه الوجه السادس أن انتحال قول أو طريقة للذم بها والمدح والموالاة عليها والمعاداة غير الإيمان والقرآن أو إمام يوالى على اتباعه مطلقاً ويعادَى على عدم اتباعه مطلقاً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حال أهل البدع الضالين بل حال المنافقين والمرتدين وإن كانوا مع ذلك مقرين بالكتاب والرسول كما فعل أتباع مسيلمة الكذاب حيث زعموا أنهم يؤمنون بالرسولين والقرآنين وكما فعلت الخوارج حيث جعلت تمتحن الناس وتواليهم وتعاديهم
على ما أحدثوه من الرأي وكذلك الرافضة وغيرهم وهؤلاء الجهمية عمدوا إلى ألفاظ القرآن والرسول مثل قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)[طه 5] وقوله أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك 16] وقوله وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)[النساء 164] وقوله وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)[البقرة 255] وقوله الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)[الرعد 9] وأمثال ذلك فجعلوه المجمل المتشابه وجعلوا ما ابتدعوه من لفظ الجسم والتحيز والتركيب والتأليف هو أصل دينهم المحكم الذي يوالون عليه ويعادون عليه ومعلوم أن هذا تبديل للدين وتحريف للكتاب وهو شبيه بما فعله المبدلون المحرفون من أهل الكتاب حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوه الشياطين الوجه السابع أن هؤلاء القوم إما أن يكون فيهم تقية ومخافة من إظهار ما يعتقدونه أو لايكون فإن لم يكن بطل ما ذكره وإن كان فيهم تقية ومخافة من إظهار ما يعتقدونه فهذا لايدل على أنه باطل فإن الإنسان قد يكتم الحق تارة والباطل أخرى فلا يكون هذا دليلاً في إبطال قولهم ولكن غايته أن هؤلاء مجسمة حقيقة في المعنى لا في اللفظ وقد تقدم الكلام على هذا
الوجه الثامن هَبْ أن هؤلاء معتقدون كونه مركباً مؤلفاً فقد تقدم أن هذه ألفاظ مجملة يُنفى بها الحق كما يُنفى بها الباطل وليس على من اعتقد معنى صحيحاً دل عليه القرآن والعقل واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها حرج وإن كان كذلك المعنى يسمى في بعض الاصطلاحات تركيباً وتأليفاً فإن القول إما أن يذم للفظه لكون الشرع ورد بذمه أو لمعناه المذموم في الشرع ولفظ التركيب والتأليف ليس منفيًّا عن الله بهذا اللفظ في شيء من الكلام المقبول ولا هو المعنى الذي يقصدونه هم بهذا اللفظ منفياً في شيء من هذا الكلام المقبول لا في كلام الله ولا في كلام رسوله ولا كلام أحد من سلف الأمة ما ينفيه مما لا يعلمه إلا الله وإذا كان كذلك لم يكن في اعتقاد لم يذمه الشرع عارٌ وإنما العار فيما خالف الشرع وأما العقل فقد تقدم أنهم مخالفون لضرورة العقل ونظره وأن منازعهم لايخالف العقل لاضرورة ولا نظراً وإنما خالف أقيسة فاسدة من جنس مقاييس المشركين الذين هم بربهم يعدلون الذين سوَّوا رب العالمين بما اتخذوه من الأوثان وهذه المقاييس هي بمنزلة الأوثان التي يجب أن
يقال فيها كفرانك لاسبحانك ويقال فيها ما قاله الخليل عليه السلام لقومه إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة 4] وإذا كان القياس الذي يسوَّى فيه بين الحق والباطل كقياس الذين قالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وقياس الذين جعلوا المسيء كالذين آمنوا وعملوا الصالحات فيها من الشرك بقدر ذلك كما قال تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)[الأنعام 121] فكيف بقياس الذين يعدلون رب العالمين بالمعدومات والموتات ويعدلونه بالموجودات التي ليست مثله في صفات الكمال ليعطلوا عنه صفات الكمال فإنهم يعدلون به ويشركون في قياسهم من هذه الوجوه الثلاثة الوجه التاسع أن لفظ التركيب والتأليف لفظ مجمل فيه ما هو منتفٍ عند المنازع له بلا ريب ومنها ما ليس منتفياً بمقتضى ما ذكره المنازع وإذا كان من الممكن أن الذين نفوه من منازعه إنما نفوه بأحد معنييه دون المعنى الآخر وإذا كان كذلك لم يكونوا بهذا معيبين ولا مستعملين للتقية بل كان هذا خيراً من
أن يجعل ألفاظ القرآن والرسول التي أنزلها الله تعالى المحكمة مجملة مشتبهة ويجعل ألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة هي الحاكم عليها لكن أولئك المتكلمون ينفون تلك الألفاظ المجملة وإذا كانوا عارفين بالمعنيين جميعاً وعالمين بأن المستمع يفهم منها المعنى الذي لم يقصدوه كانوا قد استعملوا معه المعاريض وهذا يجوز مع الظالم دون العادل كما قال الخليل عليه السلام لسارة هذه أختي وكما كان أبو بكر يفعل وهو خلف النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يسمع كلامه إذا سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا رجل يهديني السبيل وكما
قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله من أنت فقال من ماء أراد خلقنا من ماء وفهم المستمع أنه من قبيلة من العرب تسمى ماء وإذا كان كذلك وكان المخاطب له ظالماً يستحلّ منهم ما حرمه الله ورسوله بما ابتدعه من الرأي الفاسد لم يكونوا مذمومين على ما استعملوه من المعاريض كذلك من نفي الجسم من أهل الإثبات وأراد بنفيه ما يتضمنه من الباطل دون الحق كان من هذا الباب ولم يكن هذا مما يُذم في العقل والدين ل هو من جنس كيد الله للمؤمن المحق إذْ جعل الله له توسعة في الكلام بحيث يكذب فيما يعنيه ولايفهم الظالم ما يستعين به على الظلم والعدوان بل يكتمه ذلك وإن كان في هذا تلبيس على الظالم حيث يفهم من كلامه ما لا يعنيه فهذا التلبيس جزاء له على ما لبّسه من الحق بالباطل بما دخل فيه من الكذب والظلم كما كاد الله ليوسف الصديق عليه السلام مثل تأذين المؤذِّن أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)[يوسف 70] فهم وإن اعتقدوا أنه أُرِيدَ سرقة
الصواع فقد كانوا يستحقون الخطاب بالسرقة لأنهم سرقوا يوسف من أبيه ولبسوا على أبيهم فإن الدين كله مداره على العدل والقسط قال تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد 25] وإن قُدر أن ذلك الظالم متأول وأنه معتقد صواب نفسه فهو من البغاة المتأولين والبغاة المتأولون يجب أن يعاملوا بالقسط والعدل فيدفع بغيهم وإن كان في ذلك ضرر بهم لأنهم أيضاً يضرون غيرهم فيتقابل الضرران ويتميز أهل العدل بأنهم أهل الحق والعدل فلهذا كان هذا مما أمر الله به ورسوله وهو من العدل والقسط ومن هذا ما وصف الله تعالى به نفسه في مثل قوله تعالى وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)[البقرة 14-15] وفي مثل قوله إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء 142] وفي مثل قوله الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)[التوبة 79] فلما كان المنافقون فيهم من الكذب والظلم ما هو استهزاء
وخديعة ومكر وسخرية بغير الحق جازاهم الله على ذلك بما فعله بهم من الاستهزاء والخديعة والسخرية بالحق والعدل ومثله قوله إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)[الطارق 15-16] وقوله أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)[الطور 42] وقوله فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)[القلم 44] وقوله أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)[المؤمنون 55-56] وقوله فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)[الأنعام 44] إلى أمثال ذلك في القرآن وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع فإذا كان كذلك وقد علم أن هؤلاء الملاحدة الجهمية وسائر أتباعهم فيهم من النفاق أعظم مما يوجد في أكثر أهل الأهواء وفيهم من صفات المنافقين بقدر ذلك من السخرية والاستهزاء والخديعة ونحو ذلك فالله تعالى يجازيهم على أعمالهم جزاءً وفاقاً وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)[فصلت] فيما يأمر به ويشرعه وفيما يقدره ويتوعد به وهذا يتقرر بالوجه العاشر وهو أن هؤلاء الجهمية فيهم من استعمال
الألفاظ المجملة وإفهام الناس خلاف ما في نفوسهم ما لا يوجد في غيرهم من أهل الأرض والرافضة يشركونهم في ذلك لكن هؤلاء أعظم كفراً ونفاقاً فلهذا قال عبد الرحمن بن مهدي هما ملّتان الجهمية والرافضة ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال البخاري ما أبالي أصليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهودي والنصراني ولا يُسلَّم عليهم ولايعادون ولايناكحون ولايشهدون ولاتأكل ذبائحهم وهذا مشروح في غير هذا الموضع فإن الجهمية قدحوا في حقيقة التوحيد وهو شهادة أن لا إله إلا الله والرافضةُ حقيقةُ قولهم قدحٌ في الأصل الثاني وهو شهادة أن محمداً رسول الله فإذا جمع الإنسان بين الرفض والتجهم يقرب حينئذ إلى الملاحدة القرامطة الباطنية الذين هم أعظم أهل الأرض نفاقاً وكتماناً لما في أنفسهم وإظهاراً لخلاف ما يعتقدونه ومخاطبة للناس بالألفاظ المجملة التي يفهمون الناس منها
ما لا يقصدونه هم ولفرط ضلالهم يجعلون الأنبياء كذلك زعماً منهم أن هذا هو الكمال الذي لا كمال بعده وهؤلاء الملاحدة هم الذين ينفون عن الله النقيضين جميعاً وينفون أسماء هـ الحسنى وهم مشتركون مع الفلاسفة المشائين في عامة الأمور الإلهية فإنه بعد ظهور الإسلام وانتشاره لم يكن بُدٌّ من الدخول فيه رغبة في أهله ورهبة منهم فصار هؤلاء المنافقون من المتفلسفة ونحوهم يدخلون في هؤلاء الملاحدة وأشباههم ولهذا ذكر ابن سيناء اشتغاله بهذه الفلسفة كان لأن أباه كان من أهل دعوة القرامطة الملاحدة الذين كان ملكهم إذ ذاك بمصر وكان لهم ظهور عظيم في الأرض وقصص يطول شرحها ولهذا لما ظهر المشركون من الترك من التتار وأتباعهم كان من أعظم من انضم إليهم من المنافقين هم الملاحدة وصار مقدم الفلاسفة الطوسي الذي كان وزيراً للملاحدة الباطنية
وزيراً لهؤلاء المشركين وقدموه على الطوائف المنتسبة إلى العلم الذين يسمونهم الداشمندية من جميع أصناف الناس من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم وظهر بسبب ظهوره من النفاق والزندقة في المنتسبين إلى العلم ما لا يمكن وصفه وتصرف في أهل الإسلام تصرُّفَ الأعداء المحادِّين لله ورسوله بحسب الإمكان مع ما كان عليه من الفلسفة وسعة الخلق والحلم والتدبير المطابق لمذهب الصابئين المتبوعين لليهود والنصارى التنصر والإشراك وهو لايُظهر لكل مسلم خروجهم عن الإسلام ونفاقهم وزندقتهم ولكن المقصود الجهمية الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما سواه فإن هؤلاء يستعملون من الألفاظ المجملة التي يعنون بها ما لا يفهمونه الناس ما لا يحصيه إلا الله وذلك في الألفاظ الشرعية التي في كتاب الله تعالى وسنة رسوله إذا أظهروا الإيمان بها وفي الألفاظ التي يثبتونها هم لبيان ما يجب في أصول الدين وصفات الله تعالى فيوهمون الناس أنهم لاينفون عن الله إلا ما قد يظهر أنه نقص
وعي وهم ينفون بها أموراً لو فهمها الناس لكفَّروهم وهذا موجود في كلام أئمتهم حتى أن الأتباع يُعرضون عن تلك المواضع وأما الألفاظ الشرعية فيقرون بها بفهم منها وهم يحرفونها إلى معانٍ بعيدة عن مدلولها ومعناها فإذا كانوا بهذه الحال فكيف يليق بهم أن يعيبوا أهل الإثبات على ألفاظ قليلة مجملة إذا وافقوهم عليها بأحد المعنيين دون الآخر مع أن تلك الألفاظ ليست شرعية الوجه الحادي عشر قوله أنهم يطلقون لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون لانريد به كونه تعالى مؤلفاً من الأجزاء ومركباً من الأبعاض بل نريد به كونه تعالى غنيًّا عن المحل قائماً بالنفس وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في كونه تعالى جسماً أم لا نزاعاً لفظيًّا يقال له قد تقدم حكاية أقوال هؤلاء القائلين بالأجزاء أو نفاة ذلك والخلاف مع الطائفتين جميعاً ليس بلفظي محض بل هؤلاء يقولون إنه فوق العرش ومنهم من يقول هو مماس له ويقولون مع ذلك ليس بمركب ولا مؤلف بل هو جسم كما أن الكلابية وأئمة الأشعرية يقولون هو فوق العرش ويقولون ليس
بجسم وهؤلاء جميعاً يثبتون ذات الرب تعالى كما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ثم إن كثيراً من الناس النفاة والمثبتين يقولون لا يكون فوق العرش إلا ما كان مركباً من الأبعاض مؤلفاً من الأجزاء وأولئك ينكرون هذا فهذا موضع نزاع بين الطائفتين وليس هو نزاعاً لفظيًّا مطلقاً لكن يقال إذا كان الجسم عند مُطْلِقِهِ لا يكون إلا مؤلفاً مركباً من الأجزاء والأبعاض وهؤلاء يقولونه وينفون هذا المعنى صار النزاع لفظيًّا فيقال هؤلاء وإن نفوا هذا المعنى لكن يثبتون معنى آخر يستلزم عند المنازع هذا المعنى وأيضاً فإنهم إذا قالوا أنه قائم بالنفس غني عن المحل أرادوا بذلك أنه مباين للعالم بالجهة ولايُتَصور عندهم قائم بالنفس إلا كذلك والمنازع يزعم أنه يمكن أن يكون قائماً بالنفس لامبايناً لغيره ولامحايثاً له ولاداخل العالم ولاخارجه وأولئك يقولون هذا خلاف ما يعلم بالضرورة وجحد للمعقول الصريح وأولئك يقولون لهم إثبات ما بين بالجهة خارج العالم ليس بمؤلف ولامركب أيضاً خلاف ما يعلم بالضرورة وجحد
للمعقول الصريح وإذا كانت كل طائفة تذكر أن قول الأخرى يتضمن مخالفة العلم الضروري والمعقول الصريح لم يكن هذا النزاع لفظيًّا محضاً ولا هو أيضاً نزاعاً في جميع مسمى الجسم ومسمى القائم بالنفس بل في بعضه فإن أولئك يوافقون هؤلاء على نفي بعض مسمى الجسم وهو التأليف والتركيب ولا يوافقونهم على نفي المباينة بالجهة وامتناع خلوه عن المحايثة والمباينة وهؤلاء يوافقونه في لفظ القائم بالنفس على استغنائه عن الغير وعدم حاجته إليه وهو وجوب الوجود لكن لايوافقونهم على عدم مباينته بالجهة وامتناع قائم بنفسه غير مباين القائم الآخر بغير الحقيقة والزمان بل عندهم كل قائم بنفسه لابد أن يباين القائم الآخر بنفسه بغير الحقيقة والزمان إذ المباينة بالحقيقة والزمان وتوابع ذلك تحصل بين القائم بنفسه وبغيره وبين القائمين بغيرهما فظهر أن الذين يفسرون الجسم بالقائم بنفسه دون التركيب وافقوا أولئك على نفي بعض مسمى الجسم عندهم دون بعض وأولئك وافقوا هؤلاء على إثبات بعض مسمى القائم بنفسه دون بعض وأن أولئك
يقولون يعلم بالاضطرار أن كل ما هو قائم بنفسه لايكون إلا جسماً كما يقول هؤلاء يعلم بالضرورة أن ما يكون جسماً لايكون إلا مؤلفاً وقد قدمنا فيما تقدم أنه إذا كانت كل طائفة مصيبة فيما تذكره من العلم الضروري فخطأُ المثبتة أقل من خطأ النفاة في الشرع والعقل فإن المثبتة أثبتت ما علم بالفطرة والشرعة من أن الله فوق العالم وقد وافقها على ذلك سلف الأمة وأئمتها وغايتهم أنهم نفوا بعضهم لوازم ذلك وأما النفاة فإنهم نفوا ما علم بالفطرة والشرعة ثبوته وادَّعَوا وجود موجود يعلم بالفطرة عدمه وأخرجوه عن النقيضين وأثبتوا له النقيضين فكانوا أكثر تناقضاً وتعطيلاً ونفياً للحق وإذا كان كل من العلمين ضروريًّا لزم المعنى الذي سموه تأليفاً وتركيباً واستعمالنا في هذا الموضع وفي غيره لفظ الضرورة مثل قولنا معلوم بالضرورة وبالاضطرار وهذا من العلوم الضرورية ومما يضطر الإنسان إلى العلم به ونحن مضطرون إلى العلم بكذا ونحو ذلك من باب المخاطبة لهم بلغتهم وعرفهم واصطلاحهم وهذا الاصطلاح قد اشتهر حتى صار ظاهراً في ألسنة أهل العلم من عامة الطوائف والذي يضطر إليه الإنسان
قد يكون علماً وقد يكون عملاً وقد يراد بالاضطرار إليه وجوده بغير اختياره وقد يراد احتياجه إلى وجوده فإن هذا في الأصل مشتق من الضرر وهذا اللفظ جاء في كتاب الله تعالى متضمناً هذا المعنى كما قال تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)[البقرة 126] وقال أيضاً فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ [البقرة 173] فحذف فاعل اضطر لأن الجوع هو الذي اضطره يعني جعله محتاجاً إلى ذلك والجوع ضرر وهناك يضطر إلى العذاب بمعنى يلجأ إليه بغير اختياره والعذاب هو الضر ر فتارة يكون الضرر من جهة السبب المضطر وتارة من جهة الغاية التي يضطر إليها لكن لما كان هذا متضمناً معنى الإلجاء والاضطهاد والإكراه ونحو ذلك مما فيه عدم الاختيار استعمله هؤلاء فيما يوجد بغير اختيار الإنسان من العلم وإن لم يكن هنالك ضرر وما يوجد بغير اختياره وتارة لا يكون له فيه اختيار أصلاً وتارة يكون مختاراً له من وجه دون وجه كالمضطر إلى الإطعام ولهذا ما كان من القسم الأول سموه ضروريًّا بلا نزاع وما كان من القسم الثاني سماه بعضهم ضروريًّا ولم يسمه بعضهم ضروريًّا بل سماه كسبيًّا
واختياريًّا ونظريًّا ومن قال بالأول قال العلوم كلها ضرورية في الانتهاء وهذا حق والنزاع لفظي وهم لا يطبِّقون ذلك إلا على العلوم الصادقة بناءً على أن العبد لايضطر إلى اعتقاد غير حق وهذا صواب في القطرة الصحيحة فإنها مفطورة على الشعور الصحيح والإرادة لكن إذا غيرت الفطرة فقد يضطر إلى إكراه فاسد كالإحساس الفاسد ويضطر إلى إرادة فاسدة كما دل عليه القرآن الوجه الثاني عشر قوله فذلك المشار إليه إما أن لايبقى منه شيء في جوانبه الستة أو يبقى يقال له هؤلاء المنازعون نزاعاً معنويًّا يقولون لايجوز أن يقال يبقى منه شيء ولايجوز أن يقال لا يبقى منه شيء لأن البقاء وعدمه فرع على كونه مركباً منقسماً وإذا قدرنا أنه قائم بنفسه مشار إليه بالحس ليس بمركب لم يَجُز أن يقال يبقى أو لا يبقى فهذا قولهم في المقام الأول فإن قال هذا خلاف الحس أو الضرورة لم يدفع ذلك فإنَّ دَفْعَ ذلك يكون باطلاً من جنس
دفعه الباطل بل يقال إما أن يكون هذا حقًّا أو خطأً فإن كان حقًّا فلا كلام عليه وإن كان خطأ فلا ريب أنه أبعد عن الخطأ من دعوى موجود لاداخل العالم ولا خارجاً عنه ولامبايناً لغيره ولامحايثاً له وكون القائم بنفسه لايباين القائم بنفسه إلا بالحقيقة والزمان أو كون القائم بنفسه لا يباين القائم ينفسه بالجهة ونحو ذلك من الأمور التي كُلُّ من فهمها وتصورها علم أنها مخالفة للحس والضرورة ولاريب أن الفطرة هي بذلك أعظم إقراراً منها بهذا فإنك إذا عرضت على كل ذي فطرة سليمة وجود موجود لاداخل العالم ولاخارجه أو وجود الباري لافوق العالم ولافيه ونحو ذلك يكون إنكاره بفطرته ذلك إنكاراً يضطر إليه لا يملك دفعه عن نفسه ولو عرضت عليه موجوداً فوق العالم مشاراً إليه بالحس لايوصف بأنه يبقى منه شيء في جوانبه الستة أو لايبقى لم يكن إنكاره لهذا بفطرته وبديهته كإنكاره لذلك فإنَّ فَهمَ هذا أدق وهو بعد فهمه أقرب إلى دخول الشبهة فيه من الأول ولهذا كان الذين قالوا ذلك فيهم من فضلاء المسلمين وأعيان العلماء ما ليس في أولئك فإن أولئك ليس فيهم من يقلده المسلمون فرعاً من فروع الدين فضلاً عن أن يقلدوه أصول دينهم ولا فيهم إلا من له مقالات تخالف إجماع المسلمين بل هو كفر صريح
الوجه الثالث عشر قوله وإما أن يبقى منه شيء فهذا يقتضي كونه مركباً مؤلفاً من الجزأين أو أكثر يقال هذا مبنيٌّ على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة وهذا فيه نزاع مشهور فالمؤسس من الموافقين في هذا الأصل فالمنازع يقول لا أسلِّم أنه إذا بقي منه كان مركباً من الجزاء بل هو واجب في نفسه وإن تميز في الحس أو العلم منه شيء عن شيء الوجه الرابع عشر أن هذا بعينه يَرد عليك في جميع ما أثبته من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك وهذا قد أورده عليك نفاة الصفات فقال في حجتهم إن ذات الله لو كانت موصوفة بصفات قائمة لها لكانت حقيقة الإلهية
مركبة من تلك الذوات ومن تلك الصفات ولو كانت كذلك لكانت ممكنة لأن كل حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى أجزائها وكل واحد من أجزائها غيرها فإذن كل حقيقة مركبة في ذاتها فهي محتاجة إلى غيرها وذلك في حق الله تعالى محال فإذن يستحيل اتصاف ذاته بالصفات وقال في الجواب قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما نلتزمه وهذا الجواب يقال نظيره إن عنيتم بكونه مؤلفاً مفتقراً إلى غيره افتقاره إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال أن تكون تلك الذات بما هي عليه من الصفة والقدر الواجبة واجبة لذاتها وإن عنيت
أن تلك الذات لا يمكن وجودها أو لايعقل وجودها إلا على هذا الوجه فهذا مما نلتزمه الوجه الخامس عشر أن هذا يلزم سائر بني آدم وسائر من أقرَّ بوجود شيء ما فإن الموجود لابد أن يتميز منه شيء عن شيء وأما الوجود الواجب فالتميز فيه أظهر لأنه أكمل وأتم فلابد أن يتميز عن غيره من الموجودات بخصوص ذاته الواجبة مع مشاركته لها في عموم الوجود وهذا إثبات لمعنيين يُعلم أحدهما مع عدم العلم بالآخر فإما أن ينفي أحدهما مع تقدير عدم الآخر أو لا ينفي فإن لم ينفِ لزم أن يكون أحدهما عين الآخر وهو محال وإن جاز ذلك جاز ذلك في نظيره فلا فرق بين أن تُجعل الحقيقتان المتميزتان في الذهن إحداهما عين الأخرى أو يجعل الحيزات المتميزات أحدهما عين الآخر وغن لم ينف لزم التركيب من صفتين وأكثر فكذلك القول في كونه عاقلاً ومعقولاً وعقلاً وذي عناية وفاعلاً وموجباً لغيره وسائر
هذه المعاني وقول القائل هذه الأمور إضافية ليست وجودية لاينفعه ولو لم يقل إن الإضافات من جملة الأعراض الوجودية فكيف إذا قيل ذلك وذلك أنا نعلم بالاضطرار أن هذه الأمور يختص بها الموجود دون المعدوم وأنه لايجوز وصف المعدوم بها والأمور العدمية المحضة لا يختص بها الموجود ولا يكون وصف المعدوم بها ممتنعاً وأيضاً فإن المعدوم يوصف بنقائضها فيقال ليس بفاعل ولا عاقل ولامعقول ولا عقل ولا واجب ولا له عناية فلو كانت هي أموراً عدمية لكانت نقائضها وجودية فإن الوجود نقيض العدم ولو كانت نقائضها وجودية لامتنع وصف المعدوم بها فإنه من أَبْدَهِ العلوم الضرورية أن الوجود لايكون صفة للعدم فإن كانت نقائضها صفة للعدم كانت عدماً فتكون هي وجودية وهي معانٍ ثابتة لواجب الوجود بالاضطرار ولابد من ثبوت معاني متعددة لكل موجود فإن كانت هذه المعاني المتميزة في العلم من ضرورة الوجود الواجب
وغير الواجب كان ما سموه تركيباً من ضرورة كل موجود فلا تكون محالاً بل تكون واجباً ويمتنع وجود موجود بدون هذه المعاني التي سموها تركيباً ويكون نفيها نفياً للوجود وذلك جماع السفسطة ولهذا جعل الناس أول قولهم سفسطة وآخره زندقة الوجه السادس عشر قوله أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن تلك الأجزاء لاتقبل التفريق والانحلال إلا أن هذا لايمنع من كونه في نفسه مركباً مؤلفاً كما أن الفلسفي يقول إن الفلك جسم إلا أنه لايقبل الخرق والالتئام فإن ذلك لايمنع من اعتقاد كونه جسماً طويلاً عريضاً عميقاً يقال له هذا مثل قول القائل إن القول بثبوت الصفات قول بثبوت الأعراض والأعراض لا تقوم إلا بمتحيز غاية ما في الباب أن يقال تلك الصفات لازمة للموصوف لا تفارقه ولا تزايله ولهذا امتنع من امتنع من تسميتها أعراضاً قال لأن العرض ما لا يبقى بل يَعرض ويزول وتلك الصفات
لازمة باقية فيقال له إلا أن هذا لا يمتنع كونه في نفسه متحيزاً قامت به الصفات التي هي من جنس الأعراض كما أن الفلسفي لما اعتقد في الإنسان أنه حيوان ناطق وأن هذه صفات ذاتية له لايمكن أن تفارق ذاته لا في الذهن ولا في الخارج لم يمنعه ذلك من أن تكون هذه الصفات عنده أعراضاً وكذلك إذا قال القائل القول بكونه عالماً قادراً حيًّا هو قولٌ بثبوت هذه الصفات بل إذا قال القائل القول بكونه واجب الوجود أنه فاعل العالم وأنه عاقل ومعقول وعقل وأن له عناية ونحو ذلك هو قول بثبوت الأعراض والصفات والتركيب أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن هذه الصفات والأجزاء ذاتية للموصوف لايقبل مفارقتها ومما يوضح ذلك أن هؤلاء يسمون الصفات الذاتية أجزاء
ويقولون أجزاء الحد وأجزاء الكم والقدر فهم إذا أثبتوا هذه المعاني كانوا مضطرين إلى القول بثبوت هذه الأمور التي يسمونها أجزاء وصفات ذاتية ونحو ذلك ومتى ادعوا أنها أمور ليست وجودية وأن المفهوم منها واحد كانوا من أعظم الناس مكابرة للضروريات في كل واحدة من الدعوتين ومتى أقروا بما هو معلوم بالفطرة الضرورية وبما هو أجلى العلوم البديهية أنها أمور وجودية وليس أحدهما هو الآخر فقد أقروا بما منه فروا وهذا شأن من فر من الحق الذي لا يفرّ منه إلا إليه ولا ملجأ منه إلا إليه قال تعالى وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)[الذاريات 49] قالوا لتعلموا أن خالق الأزواج واحد فأخبر أن لكل شيء ندًّا ونظيراً خلاف زعم الذين جعلوا له ولداً وقالوا لم يتولَّد عنه ولم يصدر عنه إلا
واحد وهو العقل الأول ثم قال فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)[الذاريات 50-51] فأمرهم بالفرار إليه وأن لايجعلوا معه إلهاً آخر فمن طلب نفي شيء عنه أو إثبات شيء له بالتسوية بينه وبين غيره فقد أشرك به ووقع فيما عنه فرَّ ولم ينجه إلا الفرار إلى الله وحده الوجه السابع عشر أن قول القائل في جميع هذه المعاني الثابتة في حق الرب أقصى ما في الباب أن يقول قائل هي لازمة ذاتية لاتقبل الانفصال والزوال كلامٌ فاسد فإن هذا ليس أقصى ما في الباب وليس هذا هو الفارق بين رب العالمين وبين بعض مخلوقاته بل بينهما من عدم التشابه والتماثل ما لا يدركه عقل عاقل وما يتصور من قدر مشترك فيه نوع مشابهة ما فتلك من أبعد الأمور بعداً عن الحقيقة بحيث لايقتضي مماثلة بوجه من الوجوه إذ هذه الأمور لا تقتضي مماثلة بين الوجودين المخلوقين فَأَنْ لا تقتضي بين وجود الرب الخالق ووجود المخلوق أولى وأحرى وهذا كقول القائل إذا كان حيًّا عالماً قادراً والعبد حيًّا عالما ً قادراً فقد ثبت أنه مركب أو انه مماثل ونحو ذلك أقصى ما في الباب أن ذلك تجب له هذه الأسماء وهذا لا تجب له أو أن يقول قائل إذا كان موصوفاً
بالحياة والعلم والقدرة فقد ثبت التركيب ولذا أقصى ما في الباب أن ذلك تجب له هذه الأسماء وهذا لا تجب له أو أن يقول قائل إذا كان موصوفاً بالحياة والعلم والقدرة فقد ثبت التركيب أقصى ما في الباب أن يقال تلك الصفات لازمة دون هذه وكذلك سائر النظائر بل هو مثل أن يقول القائل إذا كان موجوداً وهذه المشهودات موجودة فقد تماثلا في الحقيقة الوجودية أقصى ما في الباب أن يقول هذا واجب وهذا ليس بواجب وكل هذه المقاييس والأمثال المضروبة باطلة فإن حقيقة ذات الله تعالى التي هي ليس بينها وبين غيرها من الحقائق تماثُل بوجه من الوجوه بل كل ما يعلم من التباين بين موجود وموجود فالتباين الذي بين الله وبين خلقه أعظم من ذلك بما لا يقدر قدره إلا الله إذ العلم بحقيقة ذلك من خواص الرب سبحانه وتعالى ولا يعلم ما هو إلا هو لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)[الأنعام 103] الوجه الثامن عشر أنا قدمنا غير مرة أن الله لايضرب له المثل بغيره ولا يسوَّى بينه وبين غيره لا في نفي ولا في إثبات بل هذا من الإشراك وجعل الأنداد والأكفاء له وهذا من
أعظم الأمور فساداً وتحريماً في العقل والدين وذلك أكبر الذنوب بل ما ثبت لغيره من صفات الحمد والثناء فهو أحق به وأولى ولايكون مماثلا لذلك الغير في ذلك النفي والتنزيه وفد ذكرنا أن مثل هذا القياس العقلي والمثل المضروب هو الذي يستعمل في باب الربوبية في كتاب الله تعالى في باب التنزيه عن الشركاء والأولاد وغير ذلك ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه قال نعم قال فاقضوا الله فالله أحق بالقضاء وهذا المعنى جاء في أحاديث متعددة صحيحة فقبول الاستيفاء من الإنسان عن غيره لما
كان من باب العدل والإحسان كان الله أحق بالعدل والإحسان من العباد وكان الذي يقضي عن غيره حق المخلوق هو أحق بأن يقضي عنه حق الخالق من جهتين من جهة أن حق الخالق أعظم ومن جهة أنه أعدل وأرحم ونظير ذلك في جانب النفي ما رواه الإمام أحمد في مسنده أنهم لما فاتتهم الصلاة سألوه هل يقضونها مرتين فقال أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم يقول إنه نهى عن الربا لما فيه من الظلم وهو المعاوضة عن الشيء بما هو أكبر منه في الديون الثابتة في الذمة بعوض أو غيره وهو أحق بتنزيهه عن الظلم من عباده وكذلك الأمثال والمقاييس التي تضرب في عمل العبد له مثل طاعته وعبادته وشكره وخوفه ورجائه والاستحياء منه وغير ذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم لبهز بن حكيم لما قال فإذا كان أحدنا خاليًا قال فالله
أحق أن يُسْتَحْيَى منه من الناس ومثل قوله في القرآن وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة 62] فالأمثال تضرب تارة لما يوصف به من الصفات والأفعال وهو الحق الموجود وتارة لما يؤمر به الإنسان من الأعمال وهو الحق المقصود وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما رأى امرأة من السبي لما رأت طفلاً أخذته فأرضعته أترون هذه طارحة ولدها في النار قالوا لا يا رسول الله قال للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها فيه قياس الأولى لكن من باب التصور وقد يستعمل من باب
التصديق بأن يقال إذا كانت هذه لكونها كانت سبباً في وجود هذا فيها هذه الرحمة فالرب الخالق لكل شيء ووجود كل شيء منه أحق بأن يكون رحيماً بذلك ومن باب الأمر قول ابن عمر لغلامه نافع وقد رآه يصلي في ثياب ناقصة فقال أرأيت لو أرسلتك في حاجة أكنت تذهب هكذا فقال لا فقال فالله أحق من تُزُيِّنَ له من الناس وهذا يسبه حديث بهز بن حكيم ومنه الحديث
المرفوع لايمنعن أحدكم هيبةُ الناس أن يقول الحق إذا رأى منكراً أو سمعه فيقول الله له ما منعك أن تقول الحق فيقول ربِّ خفت الناس فيقول الله فإياي كنت أحق أن تخاف وهذا المعنى في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت 10] ومن باب الخبر قوله تعالى أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس 81] أمثال بني آدم فيعيدهم كما قال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)[الأحقاف 33] وكما قال تعالى لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)[غافر 57] إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)[غافر 59] وأما ظن من ظن كالرازي أن قوله عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
المراد به إعادة خلق السموات والأرض واستدل بذلك في مسالة الإفناء فليس بشيء والعربية تمنع ذلك ومن ذلك الاستدلال على قدرته على الإعادة بقدرته على الابتداء كقوله وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)[يس 78-79] وقوله إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الحج 5] وقوله وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ثم قال وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الروم 27-28] فأخبر أن له المثل الأعلى وذلك يدل على ما ذكرناه من أنه له قياس الأعلى لا المساوي وقد ذكر مثلين مثلاً لنفي الشرك ومثلاً لإعادة الخلق وذلك في الأصلين الإيمان بالله وباليوم الآخر ومنه قوله تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)[القيامة 36-40] فبيَّن بما ضرب من المثل الأعلى أن الذي خلق الإنسان على هذه الصفة أولى بأن يكون قادراً على إحيائه وذلك معلوم بالفطرة
الضرورية العقلية ومن باب النهي قوله تعالى وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة 267] يقول إذا كنتـ م في حقوق بعضكم على بعض لا تأخذو ن إلا بإغماض فأنا أحق ألا تؤدوا في حقي الخبيث ومنه قول بعض السلف لبنيه في الأضحية لايُهدى أحدكم ما يستحي أن يهديه لكريمه فإن الله أكرم الكرماء ومنه حديث عمر في الناقة التي أهداها وقد بُذِلَ له فيها مال كثير وهذا الذي نبهنا عليه من أن الطرق العقلية القياسية في أمر الربوبية لا تكون من باب التمثيل والتشريك الذي تستوي أفراده
وإنما هو من باب قياس الأولى والتنبيه قاعدةٌ شريفة عظيمة القدر ولهذا خلاصة ما عند المتكلمين من الطرق العقلية هي من هذا الباب فإن كلامهم يشتمل على حق وباطل مثال ذلك أنهم لما أثبتوا كونه سميعاً بصيرًا بالطرق العقلية ذكر أبو عبد الله الرازي هذا المؤسس في كتاب نهاية العقول طرقَهم وبسط الكلام في ذلك بسطاً كثيراً ثم أنه زيفها وذكر عللها ثم قال الفصل الثالث فيما تُعَوِّلُ عليه هذه المسألة فذكر طريقة عقلية وطريقة سمعية قال والمعتمد طريقان الأول ما ذكره الإمام الغزالي وهو أنه قال نحن نعلم بالضرورة أن السميع والبصير أكمل ممن لايكون سميعاً بصيراً والواحد منا سميع بصير فلو لم يكن الباري كذلك لزم أن يكون الواحد منا أكمل من الباري وذلك معلوم الفساد بالضرورة فوجب القطع بكونه سميعاً بصيراً ثم أورد على هذه الطريقة أَسْوِلَةً وذكر جوابها وتقريرها يمكن أجود ما قرره وكذلك يمكن تقرير الطريقة المشهورة أنه
حي والحي إما أن يكون سميعاً بصيراً أو أبكم وأصم وذكر غيرها وكان يمكن تقرير تلك الطرقة العقلية على هذه الطريقة الولية أيضاً لكن ليس هذا موضع شرح ذلك وإنما الغرض التنبيه على أن هذه القاعدة قاعدة شريفة عامة النفع وهي التي جاء بها الكتاب والسنة وهي مبرهنة معقولة في نفسها وقوله في القرآن وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ في موضعين من كتابه بيانٌ لها والمقصود هنا أنه سبحانه أنه كان له المثل الأعلى الذي فيه قياس الأولى فكونه تعالى لايتفرق ولاينحل ولايتمزق هو من معنى صمديته وقيوميته كما تقدم ذلك ومعلوم أن غيره إن كان له وصف من الاجتماع الذي فيه نوع تصمد فليس قيامه بنفسه كقيام الحق ولا تصمده كتصمد الحق سبحانه وتعالى بل هو القائم بنفسه الذي يجب له هذا القيام بنفسه ويمتنع عدمه وهو
القيم لكل ما سواه وهو الصمد السيد الذي لاجوف له ولايتفرق ويتبعض ويتمزق وهو الذي يصمد له كل حي ما سواه فهو الصمد في نفسه الذي يصمد له كل شيء وهو القائم بنفسه المقيم لكل شيء وإذا كان كذلك لم بجز أن يمثل بشيء من الأجسام بوجه من الوجوه بل للمنازع أن يقول ما يذكره وهو الوجه التاسع عشر أن نفي مباينته للغير يوجب عدم قيامه بنفسه ونفي عدم تفرقه يوجب عدم صمديته فالذي يقول لا هو مباين لغيره ولامحايث له ولايوصف باجتماع ولا افتراق ونحو ذلك من الأمور المتقابلة التي ينفونها عنه من جنس نفي الملاحدة لكونه عالماً وجاهلاً ولكونه قادراً وعاجزاً يوجب نفي كونه قيوماً وكونه صمداً ودلالة هذه السماء على موجب قول أهل الإثبات أظهر كثير من دلالة ما ذكره من الأدلة السمعية على قول أهل النفي ولهذا كان فضلاء أهل النفي إذا سمعوا
تفسير المفسرين لقوله الصمد بأنه الذي لا جوف له قالوا هذا تفسير المجسمة ومعلوم أن هذا تفسير الصحابة والتابعين وروي مرفوعاً وذلك أشهر من كلامهم من تفسير الصمد بأنه السيد وإن كان كلاهما حقًّا فإذا كان اسم الصمد يدل على أنه جسم واسمه القيوم يدل علة أنه ما باين العالم في الجهة أعظم من دلالة ما ذكره على النفي من وجوه كثيرة ظهر بطلان قول النفاة دع سائر الأسماء التي هي على ذلك أدل من اسمه العلي والأعلى والعظيم والكبير وغير ذلك الوجه العشرون قوله كما أن الفلسفي يقول الفلك
جسم إلا أنه لايقبل الخرق والالتئام فإن ذلك لايمنعه من اعتقاد كونه جسماً طويلاً عريضاً عميقاً يقال لاريب أن بين الشيئين اللذين يقال إنهما جسم قدراً مشتركاً وقدراً مميزاً وكذلك ما يقال إنه جوهر ومتحيز وقائم بنفسه أو غني عن المحل أو مباين لغيره أو محل للصفات أو حامل الصفات أو محل للأعراض أو حامل للأعراض مثل ما يقال إنه موجود وثابت وكائن وحق وغير ذلك من الأسماء العامة التي يسميها أهل النحو أسماء الأجناس فلا ريب أن بين المسميات بها قدراً مشتركاً وقدراً مميزاً والمعنيُّ بالقدر المشترك أن يكون في أحد المسميات ما يشبه ما في الآخر ليس المراد أن يكون في الخارج شيء معين هو بعينه مشترك بينهما فإن هذا ممتنع بكل موجود في الخارج فإنه متميز بنفسه مختص بصفاته لايشركه غيره في نفس وجوده وماهيته وصفاته القائمة به إلا بمعنى المشابهة والذهن يرتسم فيه معنى يتناول المشتبهين وذلك هو المعنى العام وله لفظ يطابقه وهو اللفظ العام وإذا كان كذلك فكونُ الفلك مشاركاً لغيره في مسمى الجسم وممتازاً عنه بعدم قبول الانقسام والانحلال لا يقتضي لهذا أن يكون الباري مع مخلوقاته عند من يصرِّح بلفظ
الجسم بهذه المنزلة فضلاً عمن يقول أعني به القائم بنفسه الغني عن المحل وإن كان عنده كل قائم بنفسه مباين لغيره حامل للصفات لا يُشار إليه بأنه هنا أو هناك وهو الذي يعنيه غيره بلفظ الجسم لكن مع هذا كله لايقتضي أن كون المميز بين الباري وبين مخلوقاته مثل المميز بين الفلك والعناصر وهو عدم الانخراق بل هذا بمنزلة أن يقال إذا كان قائماً بنفسه فهو مساوٍ لسائر القائمات بأنفسها من السموات والأرض والحيوان والشجر والنبات أقصى ما في الباب أن يقول قائل هذه القائمات بأنفسها تقبل التفرق والانحلال وهو ليس كذلك أو يقول إذا كان حيًّا عالماً قادراً سميعاً بصيراً فهو مساوٍ لكل موصوف بذلك من الآدميين والملائكة والجن أقصى ما في هذا الباب أن هذه الصفات يمكن زوالها عن محلها وتلك الصفات لايمكن زوالها عن محلها بل اشتراك الجسام والقائمات بأنفسها والمخلوقات في هذه الأمور العامة لايُوجِب اشتراكها في حقائقها بل لكل من هذه الأجناس حقيقة وصفات تخصه هو بها مباين مخالف لغيره أعظم بكثير مما هو له مشابه وقد تقدم بيان هذا لما بينا فساد قول من يقول بتماثل الأجسام وأنها لما اشتركت في
مسمى القدر وهذا من أبعد الأشياء عن حقائقها وصفاتها المقومة لها فكيف تكون متماثلة بمجرد ذلك وإذا كان الأمر كذلك في المخلوقات مع تماثلها في الجملة وأنه ما من شيء منها إلا وقد خلق الله له زوجاً كما قال تعالى وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات 49] فكيف بخالق الموجودات وبارئ الكائنات رب الأرض والسموات وصانع كل ما يعلم ويشهد خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه مع العلم بأن هذه العبارات العامة لم تدخل فيها نفسه المقدسة بما لها من السماء والصفات وهو سبحانه لايسمى من الأسماء ولايوصف من الصفات إلا بما يخصه ويمنع مشاركة غيره له وإذا أضيف ما يشبه ذلك الاسم أو الصفة إلى غيره كان أيضاً مقيداً بما يوجب اختصاص ذلك الغير به ويمنع أن يكون لله شريك في شيء من أسمائه وصفاته لكن إذا قُدِّر تجرُّد ذلك الاسم عن المخصصات وهذا تقدير لاوجود له في الخارج كان مشتركاً بين المسميات كما أنه إذا قدر صفة مشتركة بين الموصوفات وهو المعنى العام وهذا تقدير لاوجود له في الخارج كانت تلك الصفة وذلك المعنى العام مشتركاً بين الموصوفات والموجودات لكن هذا المطلق
المشترك من السماء والمعاني والصفات إنما ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان وقد قدمنا أن هذا التقدير إنما يفعل للحاجة إلى زوال الاشتراك الذي في نفوس بني آدم الذين وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) فيقدر تقديراً ليبين بتقديره ما فيه من افتقاره أو ما فيه من علو الله على غيره وأن له المثل الأعلى وأنه أحق بكل ثناء وأبعد عن كل نقص كما يقدر وجود مثل للباري أو شريك في الملك ونحو ذلك ليس بتقديره امتناعه وتنزُّه الباري عنه إذ كل ما ينزه عنه الباري تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً من الشركاء والأولاد والأنداد والعيوب والنقائص وسائر ما يصفه به المبطلون الذين سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) فلابد من تصوره وتقديره في النفس ليُنفى عن الرب وينزه عنه إذ حكم الذهن بنفي الشيء وإثباته لايكون إلا بعد تصوره فلا يمكن نفي شيء وتنزيه الرب عنه إن لم يكن معلوماً متصوراً في الذهن وهو لاحقيقة له في الخارج فيكون مقدراً تقديراً بطريق المقايسة والمشابهة للمخلوق الموصوف ثم حينئذ يصير معلوماً فيُنفى ويسلب ويقدس الرب عنه وينزه وهذا الذي قلناه عام في كل أمر يُقدَّرُ مشتركٍ بين الرب وبين عباده من الأسماء والصفات وغير ذلك فليس بينهما قدر مشترك يستويا فيه ولكن هو أحق من كل موجود
وكامل بكل وصف له وجودية وكمالية وبنفي كل صفة سلبية ونقيصة وهو أحق بمناقضة المعدوم الناقص ومنافاته ومباينته من كل شيء فإذا ثبت لغيره صفة وجودية كمالية كان له من ذلك ما هو أكمل وأعلى وأرفع فإنه سبحانه وتعالى له المثل الأعلى وإذا نُزِّه غيره عن عدم أو نقص كان له من التنزيه ما هو أكمل وأعلى وارفع قال تعالى في الأول وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم 27] وقال في الثاني وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى وهي التي ضرب مثلاً إلى قوله لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل 58-60] وإذا ثبت له الأعلى من ثبوت الوجود والكمال ونفي العدم والنقص فإن الذهن أيضاً يأخذ هنا قدراً مشتركاً فيجرده تجريداً وإن لم يكن ذلك موجوداً في الخارج ليستدل بذلك القدر المشترك على أن لله ما هو أعلى وأرفع في جانب الوجود والعدم وهذا الذي يسميه بعض الناس الألفاظ المشكِّكة فينتقل الذهن والمتكلم من إثبات القدر
المشترك إلى القدر المميز وإن لم يكن في الخارج شيء مشترك أصلاً ويثبت من المعاني والألفاظ التي فيها تشبيه واشتراك بحسب ذلك كلفظ الوجود والذات والعليم والقدير والسميع والبصير وغير ذلك من أسماء الرب وصفاته سبحانه وتعالى فليس لأحد قط أن يحصر الفارق بين الله وبين غيره في شيء معين من جنس ما يجده من الفوارق بين المخلوقات حتى يقول إنه ليس بينه وبين غيره من الفرق إلا مثل ما بين كذا وكذا ولو قال ذلك على تقدير قول منازعه وذلك أنه على ذلك التقدير أيضاً فلله حقيقة اختص بها تباين سائر الخلائق ولا يعلمها العباد وبالجملة فليس أحد يعلم حقيقة الرب كما يعلم الرب نفسه وقد قال إمام الأئمة صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
وإذا لم يكن هذا معلوماً وهو من الأمور التي يباين الله وتفارق حقيقته بها حقيقة غيره كان المدعي انحصارَ المباينة والمفارقة في شيء معين مبطلاً قائلاً على الله غير الحق مفترياً عليه وهذه الجملة مع بيانها فإنها نافعة في أصول عظيمة الوجه الحادي والعشرون قوله أقصى ما ذكره أنهم معتقدون كونه مركباً مؤلفاً فيقال قد تقدم غير مرة أن لفظ التركيب والتأليف فيه اشتراك وإجمال وإبهام وإيهام وأنت لم تُرد التركيب والتأليف المعروف في اللغة وهو أن يكون الشيء قد ركّبه غيره أو ألّفه غيره من شيئين مختلفين أو غير مختلفين أو ركبه في غيره أو ألّف بين شيئين كما قال تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)[الانفطار 8] وقال تعالى هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال 62-63]
وقال إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة 60] فلم ترد ما يشبه هذا التأليف والتركيب المعروف من اللغة التي نزل بها القرآن وإنما أرادت ما سميتموه أنتم تأليفاً وتركيباً كما سمَّى المنطقيون الموصوف بالصفات مركباً مؤلفاً وبمثل هذا الكلام المجمل المتشابه الذي يذكرونه وليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ضل من ضلَّ كما وصف ذلك الأئمة وذموا المتكلمين بمثل هذا الكلام كقول الإمام أحمد فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يُلَبِّسون عليهم وهذا كما ذكر الأئمة فإن عامة الألفاظ التي يستعملونها هؤلاء من هذا الباب مثل لفظ الجسم والمتحيز والجوهر والطويل والعريض والعميق والمنقسم والمؤلف والمركب ليس فيها لفظ واحدٌ
هو باقٍ على معناه في اللغة ولا منها لفظ إلا وهو مجمل متشابه يحتمل المعنيين المختلفين ويكون أحد المعنيين مما يجب تنزيه الرب تعالى عنه عند أهل الإيمان وفي صريح العقل كما يجب تنزيهه عن مماثلة المخلوقات وعن أن يكون يفتقر إلى غيره أو مفعولاً لغيره حتى يركبه أو يؤلفه أو غير ذلك من المعاني ويكون المعنى الآخر مما أثبته القرآن والعقل أو مما لا يُعلم نفيه أو مما يقتصر العقل على دَرْكه أو هو معنى دقيق يحتاج إلى نظر طويل وعلوم كثيرة فيطلقون نفي ذلك اللفظ المشترك مقروناً بالتنزيه والتعظيم فيقوم الاشتباه في ذهن المستمع حتى يظن ابتداءً أن المنفي هو المعنى الذي نفاه القرآن والعقل ثم لايميز بين هذا وذاك فينفي المعنيين جميعاً بغير حجة ويقع في القياس الفاسد بسبب اشتراك اللفظ ولهذا ذم السلف والأئمة هؤلاء المتكلمين الجهمية وأخبروا أن من وافقهم على ما ابتدعوه من الألفاظ والمعاني فإنه لابد أن يتجهم كما رواه الخلال عن أبي داود السجستاني
سمعت أبا ثور قال قال لي الشافعي يا أبا ثور ما رأيت أحداً ارتدى شيئاً من الكلام فأفلح وعن أبي يوسف قال العلم بالكلام يدعو إلى الزندقة وعن أبي عمر الضرير
قال العلم بالكلام بمنزلة العلم بالتخنث كلما كان صاحبه يزداد علماً كان أشد لفساده وعن عبد الملك بن الماجشون أنه أوصى رجلاً فقال إياك والكلام فإن لأوله آخر سوء وعن يزيد بن هارون قال لو تكلمت ما أمِنت أن أبتدع وقال من تكلم ابتدع ولو سكتت المرجئة لم يبتدعوا وقال إن المرجئة كانت لسان أهل السنة حتى غَلَوا نسأل الله العافية والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
فرغ من تعليقه أبو بكر بن المجد بن ماجد المقدسي بتاريخ العشرين من شهر جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة بالقاهرة المصرية وحسبنا الله ونعم الوكيل
فصل قال الرازي القسم الثاني من هذا الكتاب في تأويل المتشابهات من الأخبار والآيات والكلام فيه مرتب على مقدمة وفصول فيقال مقصوده بذلك الآيات والأخبار التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله التي يجب عنده نفي دلالتها على شيء من الصفات التي ينفيها وتسمية هذه الآيات والأحاديث كلها متشابهات واعتقاد أن المتشابه من ذلك له معنيان أحدهما حق والآخر باطل وأن ظاهرها باطل أمرٌ لم يذهب إليه من سلف الأمة وأئمتها فإن الله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ
مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران 7] وهذا حق وسنتكلم إن شاء الله على الآية حيث تكلم هو عليها لكن المقصود هنا أن تعيين هذه الآيات والأخبار بأنها من المتشابهات هو قوله ورأيه ورأي من يوافقه وكذلك كل طائفة من أهل الكلام والأهواء والبدع يجعلون ما خالف مذهبهم من القرآن والحديث متشابهاً وما وافقه محكماً والجهمية والمعتزلة لايجعلون المتشابه ما ذكر هو فقط بل عندهم ما دلَّ على أن الله يُرى وان لله علماً أو قدرة أو مشيئة أو وجهاً أو سمعاً أو بصراً أو أنه يتكلم بنفسه أو غير ذلك فهو عندهم من المتشابه والقرامطة والغالية والفلاسفة عندهم أسماء الله الحسنى هي من جملة المتشابه وكذلك عندهم ما أخبر الله به من أمور الآخرة هو من المتشابه
وغرضهم بذكر لفظ المتشابه أن لا يؤمن بما دل عليه اللفظ بل إما أن يعرض عنه وإما أن يحال إلى معنى آخر بعيد عن دلالة اللفظ وكذلك القدرية من المعتزلة وغيرهم عندهم آيات القدر كلها متشابهة والمحكم آيات الأمر وإذا كانت كل طائفة تقول إنه متشابه ما تقول الأخرى إنه محكم كان تسميته لذلك متشابهاً من جملة دعاويه ولم يكن بُدٌّ من الفرق بين المحكم والمتشابه وهو قد ذكر ذلك فيما بعد فيؤخر الكلام عليه إلى موضعه إذ المقصود هنا أن لا يُسلم له تسميته جميع هذه الآيات
والأخبار متشابهة فإن ذلك دعوى لم يذكر هنا حجتها
فصل ثم قال أما المقدمة فهي في إثبات أن جميع فرق الإسلام مقرون بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار ثم ذكر تسعة عشر وجهاً بعد ما ذكره من النصوص الدالة على نفي الجسم وكلامه في الموضعين متقارب وقد ادعى هنا الإجماع على تأويل بعض الظواهر ومقصوده بذلك أن التأويل مما أجمعوا عليه في الجملة فمن نفاه مطلقاً كان مخالفاً للإجماع ومن أثبته في الجملة كان له حجة فأما لفظ التأويل فمرادُه به صرف اللفظ عن دلالته الظاهرة إلى غيرها بدليل
وسنتكلم إن شاء الله على لفظ التأويل ومعانيه في القرآن والسنة وكلام المفسرين والفقهاء والمتكلمين وغير ذلك فإن لفظ التأويل في هذا الاصطلاح أخصُّ من لفظ التأويل في كلام كثير من السلف وأهل التفسير والأئمة وهو غير معنى لفظ التأويل في القرآن وذلك أن لفظ التأويل في كلامه وكلام كثير من متأخري المتكلمين والفقهاء وأهل الأصول والجدل معناه هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر بدليل ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل ويقولون التأويل يحتاج إلى دليل ويتكلمون في التأويلات وانقسامها إلى مقبول ومردود وعلى هذا الاصطلاح فإقرار الكلام على معناه الظاهر وتفسيره بما يوافق معناه الظاهر ليس بتأويل وهذا اصطلاح خاص وإن كان قد شاع في عُرْفِ المتأخرين من هؤلاء وأما لفظ التأويل في كلام أكثر المتقدمين من السلف والأئمة
من أهل الفقه والحديث والتفسير فإنهم يعنون بلفظ التأويل نظير ما يعنى بلفظ التفسير ويقول المصنف منهم في تفسير القرآن قد اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية كما يقال اختلف المفسرون في هذه الآية وهذا الاصطلاح أعم من الذي قبله وأما لفظ التأويل في القرآن فالمراد به حقيقة المعنى الذي يُؤوَّل إليه اللفظ وهو الحقيقة الموجودة في الخارج فإن الكلام قسمان خبر وأمر فتأويل الخبر هو الحقيقة المخبر عنها وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود به والمتوعَّد به وتأويل ما أخبر الله به من صفاته نفس حقيقته وما هو عليه وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها كما قال تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف 53] وقال تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس 39] وقال يوسف عليه السلام يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف 100] وقال تعالى فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)[النساء 59] وقد بسطنا الكلام في ذلك في القواعد وغيرها
وسنتكلم إن شاء الله على ذلك إذا تكلمنا على ما ذكر في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] وأما لفظ الظاهر فينبغي أن يُعرف أن الظاهر قد يراد به نفس اللفظ لظهوره للسمع أو لظهور معناه للقلب وقد يراد به المعنى الذي يظهر من اللفظ للقلب وقد يراد به الأمران ويعلم أن الظهور والبطون من الأمور النسبية فقد يظهر لشخص أو طائفة ما لا يظهر لغيرهم تارة لأسباب تقترن بالكلام أو المتكلم وتارة لأسباب تكون عند المستمع وتارة لأسباب لأُخَر ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ لايجب أن يكون لمجرد الوضع اللغوي المفرد بل قد يكون من جهة الحقيقة اللغوية أو العرفية أو الشرعية وقد يكون من جهة المجاز الذي اقترن باللفظ من القرائن اللفظية والحالية ما جعله هو ظاهر اللفظ عند من يسميه مجازاً وأما من يمنع تسميته مجازاً إما في القرآن أو
مطلقاً فلا يسمون ذلك مجازاً ويعلم أن وضع اللفظ حال الإفراد قد يخالف وضعه حال التركيب بل غالب الألفاظ كذلك وهذه مقدمات تحتاج إلى بسط ونحن نذكر ذلك في موضعه وإنما المقصود هنا التنبيه على أن كثيراً من الناس يدعي أن ظاهر القرآن والأخبار شيء إما موافق له وإما مخالف له ليتأوله وتكون دعواه باطلة فيجب الاعتناء أولاً بذلك فإنه مَقامٌ مهم ضلَّ وزلَّ فيه طوائف وهم الذين ينفي أهل العلم قولهم كما ورد في الحديث يحمل هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عدولهُ وينفون عنه تحريف العالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين
وهؤلاء إما أنهم ضلوا معتقدين أنهم متبعون القرآن وإما أنهم جعلوا ظاهر القرآن ضلالاً لا هدىً للناس ونذكر مقدمة مختصرة فنقول قول القائل إقرار الطوائف بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار يقتضي أن إقرار بعض ظواهر الكتاب والسنة ضلال باتفاق الأئمة فبقال له أتقول حيث كان الظاهر ضلالاً غير مراد للمتكلم إن الله لم يبين ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله أو أنه لابد من بيان ذلك بالنصوص فإن أراد الأول كان مضمون كلامه أن من الآيات والأحاديث ما ظاهره ضلال وباطل إما كفر وإما ما دون الكفر وأن الله لم يبين ذلك ولا ذكر المراد الحق ولا ما ينفي المراد الباطل وعلى هذا فلا يكون القرآن كله هدى للناس ولا بياناً للناس ولا يكون الرسول بلَّغ البلاغ المبين ولا يكون الله قد بين للناس ما يتقون بل ضلوا بكلامه قبل أن يبين لهم ما يتقون ولايكون الناس مأمورين بتدبر القرآن كله ولا مأمورين باتباعه كله فإنه إذا كان بعض القرآن دلالته باطلة مضلة ولم يبين في القرآن ما يزيل هذا الضلال الباطل لزم من اتباعه الضلال
وأما إن قال ما لم يُرَد ظاهره فإنه قد بين بخطاب آخر ما يبين المراد أو ينفي الباطل لم ينازعه عامة العلماء في هذا فإنه بالجمع بين النصوص من الآيات والأخبار يكون البيان من الله ورسوله حاصلاً وتقوم الحجة على الناس بالرسالة إذ على الناس أن يؤمنوا بالكتاب كله ولايؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض وللإمام أحمد رحمه الله في هذا رسالة معروفة في الرد على من تمسك ببعض الظواهر دون ما يفسره من الآيات والأخبار لكن هذا ما ينفعه في باب الصفات كما سنبينه إن شاء الله تعالى ونحن لا نقصد الكلام في إثبات التأويل في الجملة ولا نفيه ولا وجوب موافقة الظاهر مطلقاً ولا مخالفته إذ في هذا تفصيل وكلام على الألفاظ المشتركة كما قد تكلمنا على ذلك في جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية وفي غير ذلك وإنما المقصود تعقب كلامه بما يجب من ردٍّ أو قبول ونبهنا على أنه ليس كل ما يدعي المدعي أنه ظاهر اللفظ يكون
كذلك سواء وافق ذلك الظاهر أو خالفه وهذا الغلط ما زال ولا يزال في الناس حتى أنه كان منه قطعة في الصدر الأول مثل ما ظن بعضهم أن ظاهر قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة 187] أن يتبين لهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود فكان يعمد أحدهم فيربط في رجليه حبلين ففي الصحيحين عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال أُنزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل مِنَ الْفَجْرِ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار
وفي الصحيحين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يتبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار وفي رواية قال إن وسادك إذا لعريض وهذه الحال جرت لبعض الناس الذين شهدناهم ولا ريب أن هؤلاء غلطوا فيما ظنوه الظاهر لا لقصورٍ في بيان اللفظ ودلالته ولكن لقصورٍ في فهمهم فإن الله تعالى قال حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فذكر خيطين مفردين مُعرَّفَيْن باللام واللام تصرفهما إلى الخيط المعروف
المعهود والخيط إنما يقال للشيء الدقيق دون الغليظ وقوله حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ يقتضي أن الخيطين المعروفين يتناولهم كلهم فمن جعل ذلك عُقُلاً لكل الناس عقالان يختصان بهما ويختلفون في التبيّن بحسب المكان الذي هم فيه فإنما أُتي من نفسه قال الإمام أحمد أكثر ما يغلط الناس من جهة التأويل والقياس فالتأويل كحال هؤلاء الذين تأولوا القرآن على غير تأويله والمراد بالتأويل المعنى العام كما سنذكره إن شاء الله والتأويل في الألفاظ المسموعة كالقياس في المعاني المعقولة مثل ما ظن بعضهم لمَّا سمع أن الجنب يتيمم بالصعيد أن البدل يكون مثل المبدل منه فقاس التراب على الماء فَتَمَعَّكَ كما تتمعك الدابة ليوصِّل التراب إلى جميع البدن بحسب الإمكان كما وصل الماء
قال الرازي أما في القرآن فبيانه من وجوه الأول وهو أنه ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر الأعين وذكر الجنب الواحد وذكر الأيدي وذكر الساق الواحد فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيدٍ كثيرة وله ساق واحد ة ولا نرى في الدنيا شخصاً أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ولا أعتقد أن عاقلاً يرى بأن يوصف ربه بهذه الصفة
يقال قد ادعى في هذا الوجه أن ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده وهو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاءً لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ادعى أن ظاهر كلامه أنه شخص له وجه فيه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيدٍ كثيرة وله ساق واحد فقد ادعى أن ظاهر ما وصف الله به نفسه في كتابه أنه على هذه الصورة الشنيعة القبيحة فلا يكون الله كما وصف به نفسه إذ قد وصف نفسه بأقبح الصفات في ظاهر خطابه
ويكفي المرءَ المؤمن أن يعلم أن هؤلاء يجعلون القرآن بهذه الصفة فهل هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين فعضوه بالباطل وقالوا هو شعر أو سحر أو مفترى بل هذا أقبح من ذلك فإن أولئك اتفقوا على عظمة الكلام وارتفاع قدره لفظاً ومعنى ولم يدَّعوا أن ظاهره وصف الخالق بما لا توصف به القردة والخنازير ولو كان هذا ظاهر القرآن لكان هذا من أقوى الوجوه للذين جعلوا القرآن عضين نبين أن هذا ليس هو ظاهر القرآن من وجوه أحدها أن الله تعالى إنما قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] وقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس 71] فدعوى المدعي أن ظاهره أعينٌ كثيرة وأيدٍ كثيرة فِريةٌ ظاهرة إذ لفظ الجمع لا يدل بمطلقه على الكثرة أصلاً الثاني دعواه أن ظاهر القرآن أن لله جنباً واحداً عليه أيدٍ كثيرة باطلٌ أيضاً فأين في القرآن أن الأيدي في الجنب غايته
أن يجعل بالقياس على بني آدم وهذا ليس من ظاهر الخطاب وكذلك جعله للأعين الكثيرة في الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما قالع بالقياس على عيون بني آدم التي في وجوههم الثالث أنه من أين في ظاهر القرآن أنه ليس لله إلا ساق واحد وجنب واحد فإنه قال أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر 56] وقال يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم 42] وعلى تقدير أن يكون هذا من صفات الله فليس في القرآن ما يُوجِب أن لايكون لله إلا ساق واحد وجنب واحد فإنه لو دل على إثبات جنب واحد وساق واحد وسكت عن نفي الزيادة لم يكن ذلك دليلاً على النفي إلا عند القائلين بمفهوم الاسم واللقب لأنه متى كن للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مراداً بلا نزاع ولم يكن المقصود بالخطاب في الآيتين إثبات الصفة حتى يكون المقصود تخصيص أحد الأمرين بالذكر بل قد يكون المقصود حكماً آخر مثل بيان تفريط العبد وبيان سجود العباد إذا كشف عن ساق وهذا الحكم قد يختص بالمذكور دون غيره مثل أن
يقال هب أنه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة فمن أين في الكلام أنه ليس له إلا ساق واحدة والقائل إذا قال كشفت عن يدي أو عن عيني أو عن ساقي أو قدمي لم يكن ظاهر هذا أنه ليس له إلا واحد من ذلك بل قد يقال إنه لم يكشف إلا عن واحد فدعواه النفي في ظاهر القرآن دعوى باطلة وهو ممن لايقول بمفهوم الصفة فكيف بما ليس من باب المفهوم بحال فكيف وليس في القرآن ما يقتضي إثبات الوحدة العينية وذلك أن قوله يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر 56] اسم جنس مضاف ومثل هذا إما أن يكون ظاهره العموم على القول المختار كالمعرَّف باللام عند الجمهور وإما أن يكون العموم كثيراً فيه كقوله لَيْلَةَ الصِّيَامِ [البقرة 187] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم 34] ولو كان هذا صفة لكان بمنزلة قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك 1] وبِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران 26] ووَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)[طه 39] الوجه الرابع أنه يقال من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد صفة لله ومن المعلوم أن هذا لا يثبته جميع مثبتة الصفات الخبرية بل كثير منهم ينفون ذلك بل ينفون قول أحدٍ
منهم بذلك قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في النقض على المريسي ومتبعيه وادعى المعارض زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله تعالى يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر 56] قال يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس على ما يتوهمون قال فيقال لهذا المعارض ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن كنت صادقاً في دعواك فَأَشِر بها إلى أحد من بني آدم قاله وإلا فَلِمَ تُشَنِّع بالكذب على قوم هم أعلم بالتفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك إنما تفسيرها عندهم تحسُّر الكافرين على ما فرَّطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسمّاهم الساخرين
فهذا تفسير الجنب عندهم فمن أنبأك أنهم قالوا جنب من الجُنوب فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم وقد قال أبو بكر الصديق الكذب مجانبٌ للإيمان وقال ابن مسعود لايجوز من الكذب جد ولا هزل وقال الشعبي من كان كذاباً فهم منافق فاحذر أن تكون منهم وتوجيه ذلك أن الله تعالى قال أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59)[الزمر 56-59] فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به
وعليه هذه النفوس لاتعلم أن الله جنباً ولا تقرّ بذلك كما هو الموجود منها في الدنيا فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنه بذلك وقد قال في كلامهم يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ فجعلوا التفريط في جنب الله والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لايكون قائماً بذات الله لا في جنب ولا في غيره بل يكون منفصلاً عن الله وهذا معلومٌ بالحس والمشاهدة فظاهر القرآن يدل على أن قول القائل يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله تعالى وأبعاضه فأين في ظاهر القرآن أنه ليس لله إلا جنب واحد بمعنى الشق لكن قد يقال القرآن فيه إثبات جنب الله تعالى وفيه إثبات التفريط فيه فثبوت نوع من التوسع والتجوز فيما جعل فيه لا يوجب ثبوت التوسع والتجوز فيه كما في قوله تعالى بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك 1] فإن هناك شيئين اليد وكون الملك فيها ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله
قال القاضي أبو يعلى فأما قوله تعالى يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ الآية فحكى شيخنا أبو عبد الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله تعالى قال ونقلت من خط أبي حفص البرمكي قال ابن بطة قوله بذات الله أمر الله كما تقول في جنب الله يعني في أمر الله قال القاضي وهذا منه يمنع أن يكون صفة لذات وهو الصحيح عندي وأن المراد بذلك التقصير في طاعة الله تعالى والتفريط في عبادته لأن التفريط لا يقع في جنب الصفة وإنما يقع في الطاعة والعبادة وهذا مستعمل في كلامهم فلان في جنب فلان يريدون بذلك في طاعته وخدمته والتقرب منه ويبين صحة هذا التأويل ما في سياق الآية مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) ، لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) وهذا كله راجع إلى الطاعات
قال وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا فقال في قوله مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] قال المراد به علم الله لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم وقد يقال من يثبت ذلك من الصفات يحتاج إلى استنباط يثبت ذلك بأن يقول الجنب الجانب والناحية وهو الجهة أي على ما فرطت في جهة الله وجانبه وناحيته كما تقول أعيش في جنب الله وجانبه وجهته وكما يقال أعرضت عن جانبي وجنبي وجهتي ويميل على جوانبه ثم يقولون وهذا إنما يقال لما له جانب هو حدُّه ونهايته فيدل بطريق الاستلزام على أن له جنباً هو حدُّه ونهايته كما قد يقال في قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ [البقرة 115] إنه وإن كان المراد قبلة الله كما قال مجاهد والشافعي وغيرهما لأن الذي
بالمكان الذي يتولاه أي يستقبله إنما هو نفس تضمن الجهة والمكان لا شيء من الله تعالى لكن كونه أضيف إلى الله فقيل وجه الله أي جهة الله وقبلة الله فإنه يدل على أن له وجهاً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله قِبَلَ وجهه وأنه يستقبل الله بوجهه والغرض هنا أن المثبتة للصفة في هذا النص يستنبطونه بطريق آخر غير ظاهر النص وليس الغرض تقرير طريقهم الوجه الخامس أن يقال هب أن ظاهره أو مستنبطه إثبات جنب واحد لله فالجنب أعم من أن يكون أحد شِقّي الشيء بل يطلق على جوانبه كلها فيقال جوانب الشيء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب
ومعلوم أن قوله على جنب لم يدل على أنه ليس لعمران إلا شق واحد بل المراد جميع جنوبه كما قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران 191] وقال فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء 103] وذلك يدخل فيه المستلقي على ظهره الوجه السادس أنه من أين في ظاهر القرآن لله ساقٌ وليس معه إلا قوله يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم 42] والصحابة قد تنازعوا في تفسير الآية هل المراد به الكشف عن الشدة أو المراد به أنه يكشف الرب عن ساقه ولم يتنازع الصحابة والتابعون في ما يذكر من آيات الصفات إلا في هذه الآية بخلاف قوله لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن 27] ونحو ذلك فإنه لم يتنازع
فيها الصحابة والتابعون وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله تعالى لأنه قال يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ولم يقل عن ساق الله ولا قال يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقاً منكَّرة غير معرَّفة ولا مضافة وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين الذي قال فيه فيكشف الرب عن ساقه وقد يقال إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود والسجود لايصلح إلا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه وأيضاً فحَمْلُ ذلك على الشدة لا يصحّ لأن المستعمل في الشدة أن يقال كشف الله الشدة أي أزالها كما قال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)[الزخرف 50] وقال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ [الأعراف 135]
وقال وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)[المؤمنون 75] وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال كشف الشدة أي أزالها فلفظ الآية يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وهذا يراد به الإظهار والإبانة كما قال كَشَفْنَا عَنْهُمُ وأيضاً فهناك تحدث الشدة ولا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهراً من مجرد لفظ ساق بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود الوجه السابع أن دعواه أن ظاهر القرآن أن لله أعيناً كثيرة وأيدياً كثيرة باطلٌ وذلك أنه وإن كان قد قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] وقال وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود 37] وقال وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور 48] وقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس 71] فقد قال في قصة موسى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه 39-40] فقد جاء هذا بلفظ المفرد في موضعين فلم يكن دعواه الظهور في معنى الكثرة لكونه جاء بلفظ الجمع بأولى من دعوى غيره الظهور في معنى الإفراد لكونه قد
جاء بلفظ المفرد في موضعين بل قد ادعى الأشعري فيما اختاره ونقله عن أهل السنة والحديث هو وطوائف معه إثبات العينين لأن الحديث ورد بذلك وفيه جمع بين النصين
كما في لفظ اليد بل لو قال قائل الظاهر في العين للمفرد أو المثنى دون المجموع لتوجَّه قوله وذلك أن قوله بِأَعْيُنِنَا في الموضعين مضاف إلى ضمير جمع والمراد به الله وحده بلا نزاع ومثل هذا كثير في القرآن يسمي الرب نفسه من الأسماء المضمرة بصيغة الجمع على سبيل التعظيم لنفسه كقوله إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)[الفتح 1] وقوله نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف 32] فلما كان المضاف إليه لفظه لفظ الجمع جاء المضاف كذلك فقيل بِأَعْيُنِنَا وفي قصة موسى لما أفرد المضاف إليه افرد المضاف فقيل وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه 39] ومعلوم أن هذا هو الأصل والحقيقة فإن الله واحد سبحانه ومن احتج بما ذكره الله تعالى عن نفسه بلفظ الجمع على العدد فهو ممن تمسك بالمتشابه وترك المحكم كما فعل
نصارى نجران الذين قَدِموا على النبي صلى الله عليه وسلم وناظروه في أمر المسيح وذكروا أن صدر آل عمران أُنزلت بسببهم إذ عامته في ذكر المسيح واتّباعهم للمتشابه أن قالوا ألم يقل في كتابك إنا ونحن فهذا يدل على أن الآلهة ثلاثة فتركوا المحكم في كتاب الله كقوله وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة 163] وقوله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة 73] واتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهكذا قد يقال فيمن عمد إلى لفظ أعيننا وترك لفظ عيني أنه اتبع المتشابه دون المحكم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا عائشة إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه
فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم وهذا الكلام يقال في لفظ أيدينا مع قوله مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] وقوله بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة 64] فإن صيغة المضاف إليه هناك صيغة جمع بخلاف صيغة المضاف إليه في بقية الآيات فجاء على لفظ المضاف إليه ومما يوضح الأمر في ذلك أن من لغة العرب الظاهرة التي نزل بها القرآن استعمال لفظ الجمع في موضع التثنية في المضاف إذا كان متصلاً بالمضاف إليه والمعنى ظاهر كقوله تعالى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ [التحريم 4] وليس لكل منهما إلا قلب فالمعنى قلباكما لكن النطق بلفظ الجمع أسهل والمعنى معروف أنه ليس لكل منهما إلا قلب وكذلك قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة 38] والمعنى فاقطعوا أيمانهما إذ لا يقطع من كل
واحد إلا يده اليمنى لكن وضع الجمع موضع التثنية لسهولة الخطاب وظهور المراد وفي قراءة عبد الله فاقطعونا أيمانهما حتى أن التعبير في مثل هذا بلفظ التثنية عدول عن أفصح الكلام وغن كان جائزاً كما قال ظهراهما مثل ظهور الترسين وقد جاء مثل الأول في المضاف المنفصل وهو قليل كقوله وضعا رحالهما
وإذا كان كذلك قيل لفظُ بأعيننا ولفظ أيدينا مع كون المضاف إليه ضمير جمع أولى بالحسن مما إذا كان المضاف إليه ضمير تثنية فإذا كان من لغتهم ترك استحسان قلباكما ويديهما فلأن يكون في لغتهم ترك استحسان بعيننا أو بعينينا ومما عملت يَدُنَا أو يدانا أولى وأحرى ويكون المضاف مفرداً أو مثنى والمضاف إليه مجموعاً وهذا خروج عن المطابقة وعدول عن الحسن أعظم من ذلك بل هنا يقبح مثل هذا اللفظ فإنه إذا عبر عن نفسه بصيغة الجمع تعظيماً وتفخيماً فالتعبير مع ذلك عما أضيف بما لا تعظيم فيه تناقض في البيان وتناسب الكلام ويوضح ذلك أنه في الصورة المستشهد بها كقوله صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وفَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا يعلل بأنـ ـه حسن العدول عن المثنى بأن صيغة الجمع واحدة معربة