المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المملكة العربية السعودية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية - جـ ٦

[ابن تيمية]

الفصل: المملكة العربية السعودية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد

المملكة العربية السعودية

وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

الأمانة العامة

بيان

تلبيس الجهمية

في تأسيس بدعهم الكلامية

تأليف شيخ الإسلام

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني

(ت 728هـ)

‌الجزء السادس

التأويل - المعية - القرب - النفس - الأصابع

الجسم والجهة - الصورة

حققه

د. عبد الرحمن بن عبد الكريم اليحيى

ص: 1

فصل قال الرازي الوجه الثالث قال الله تعالى وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد 25]

ص: 3

ومعلومٌ أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض وقال تعالى وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر 6] ومعلوم أن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال قوله معلوم أن الحديد ما نزل وأن الأنعام ما نزلت لم يذكر ما به يعلم ذلك أبضرورة أم بدليل فلو نازعه منازع وقال هذا غير معلوم لنا إذ من الممكن نزول أصل هذا الحيوان كنزول أصل الإنسان والجن والحية وكما روي في نزول كبش الفداء ونزول حديد من السماء احتاج إلى ما يدفع به هذا

ص: 4

الثاني أن من الناس من قد روى أنه قد ينزل من السماء حديد الوجه الثالث وهو الجواب أن يقال له إن الله تعالى لم يقل أنزلنا الحديد من السماء ولا قال أنزلنا لكم ثمانية أزواج من السماء فقول القائل معلوم أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض وأن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض لا يعارض ظاهر القرآن حتى يقال إن ظاهر القرآن ليس بحق وأنه مؤول بل قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد 25] والإنزال يقتضي أن يكون من محلٍّ عالٍ ولا ريب أن الحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض وقد قيل إنه كلما كان المعدن أعلى كان حديده أجود والمستخرجون للحديد من المعادن يقولون نزل لنا من المعدن

ص: 5

كذا وكذا يبين ذلك أن الله ذكر الإنزال على ثلاث درجات قال في الحديد وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد 25] فأطلق الإنزال ولم يذكر من أين نزل وقال في الغيث وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة 22] وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ فذكر أنه أنزل المطر من السماء فإنه نزل مما يسمو على رؤوس بني آدم ويعلو عليهم بخلاف الجبال فإنها نفسها لا تسامت رؤوس بني آدم وقال في القرآن تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) وقال حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2)[غافر 1-2] وقال حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)[فصلت 1 -2] وقال وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام 114] وقال وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)[النمل 6] وقال الر كِتَابٌ

ص: 6

أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)[هود 1] فأخبر أن القرآن منزل منه وأن المطر نزل من السماء وأخبر أنه أنزل الحديد ولم يذكر من أين نزل وبهذا يظهر ما لبَّسته الجهمية من المعتزلة وغيرهم

ص: 7

في دعواهم أن الإخبار بان القرآن مُنزَّل لا يمنع أن يكون مخلوقًا فإن المخلوق يوصف بالإنزال كالماء والحديد وزعم بعضهم أن الإنزال يكون بمعنى الخلق فإن الله أخبر أن القرآن منزل والإنزال هو من العلو حيث كان وهذا من المعلوم بالضرورة من اللغة وهو من اللغة العامة الشائعة يوضح ذلك أن الله تعالى قال لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد 25] ثم قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد 25] ففرق بين إنزال الكتاب والميزان وذكر أنه أنزل ذلك مع الرسل وبين إنزال الحديد فوصفه بإنزال مطلق لم يجعله مع الكتاب والميزان ولم يصفه بالإنزال الذي وصف به الكتاب والميزان وقد قال تعالى وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ [الأحزاب 26] فإذا كان قد يسمى هذا نزولاً فما أنزله من الجبال أولى أن يكون منزلاً فإن الجبال أعلى من الصياصي التي هي

ص: 8

الحصون التي كانت بالحجاز وكذلك قال لنوح عليه السلام فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29)[المؤمنون 28-29] وإنما هو نزوله من السفينة إلى الأرض يقرر ذلك أن الله تعالى قال لنوح يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ الآية [هود 48] بعد قوله وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود 44] فهذا هبوط من السفينة وقال لآدم ومن معه وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة 36] فهذا هبوط من السماء وكذلك قال لإبليس فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)[الأعراف 13] فلفظ الهبوط من جنس لفظ النزول فبعضه من السماء أو الجنة وبعضه من الأرض مكان عال في الأرض كالسفينة كما أن العلو والظهور الذي في مقابلته

ص: 9

كذلك وأما قوله وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر 6] فإنه ينزل الماء من أصلاب الذكور إلى بطون الإناث ثم ينزل الأجنة من بطون الإناث إلى الأرض فأنزل منها ثمانية أزواج ومن المشهور في اللغة أنه يقال عن ابن آدم أنزل الماء أو المني ولم ينزل كما في الحديث وذلك أنه سبحانه قال خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر 6] فحواء خلقت من نفس آدم من ضلعه

ص: 10

القصراء لم تخلق من مني ولا في رحم كما قال يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء 1] وقال هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف 189] فلم تكن زوج آدم منزلاً منه بل مخلوقاً مجعولاً منه وزوجها هي حواء وأما الأنعام فإنه يعلو بعضها بعضًا وهي قائمة أو قاعدة وتلد وهي كذلك قائمة فينزل الله تعالى منها أولادها وتسمية ذلك إنزالاً ليس بدون تسمية إخراج المني إنزالاً بل أبلغ وفي الصحيحين عن أسامة أنه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أين ننزل غدًا قال بخيف بني

ص: 11

كنانة حيث تقاسموا على الكفر واستعمال لفظ النزول في النزول من ظهر الدابة أكثر وأشهر وأظهر مما يذكر وعلى هذا فـ من في قوله وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ

ص: 12

[الزمر 6] يحتمل وجهين أحدهما أن يكون لبيان الجنس كما هو الظاهر لكثير من الناس والمعنى أنزل ثمانية أزواج كما قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد 25] وإنزالها كإنزال المني ومن هنا مثل من في قوله وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ [الأنعام 141] إلى قوله وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا [الأنعام 142] إلى قوله ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام 143] أي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا ثمانية أزواج ويحتمل أن تكون من لابتداء الغاية كقوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد 17] وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء 1] والمعنى أنه أنزل ثمانية أزواج أنزلها من الأنعام فيكون قد ذكر المحل الذي أنزلت منه وهذان الوجهان يجيئان في قوله تعالى في السورة الأخرى جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)[الشورى 11] فقوله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا هل المراد جعل لكم

ص: 13

من جنسكم أزواجًا يذرؤكم في ذلك أو المراد جعل أزواجكم من أنفسكم لكون حواء جعلت من نفس آدم وكذلك من الأنعام أزواجًا وقد يقال بيان الجنس أظهر لأنه لم يخلق من آدم إلا زوجه فقط كما قال خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء 1] وأما أزواج ولده فلم تخلق من ذواتهم فيكون المعنى جنسكم أزواجًا كما قال لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور 12] وقال ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة 85] وقال وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات 11] وله نظائر في القرآن

ص: 14

فصل قال الرازي الرابع قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد 4] وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وقال تعالى مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] وكل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية قلت قد ذكر في هذا الوجه لفظ المعية ولفظ القرب ولم يذكر إلا تأويل لفظ القرب وذكر في الوجه السادس قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] مع قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] وتلك الآية هي نظير هذه لا نظير تلك ثم ذكر الوجه التاسع وهو آخر وجوه القرآن قال

ص: 15

تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)[طه 46] وهذه المعية ليست إلا بالعلم والحفظ والرحمة فيكون ذكره لتلك المعية في تلك الآية لأنه جعل معناها معنى قربه فلابد من الكلام في لفظ المعية ولفظ القرب أما المعية فالكلام عليها من وجوه أحدها أن يقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد 4] أن ذاته نفسها مختلطة في المخلوقات أو لا يكون هذا ظاهر الخطاب فإن كان الأول فهذا قول طوائف من إخوانه الجهمية الذين ينكرون أنه فوق العرش ويقولون إنه في كل مكان أو إنه نفس وجود الأمكنة ولهم في ذلك مقالات تقدم حكايتها وبينَّا أنه عاجز عن مناظرتهم والرد عليهم إلا إذا وافق أهل

ص: 16

الإثبات فهؤلاء إذا قالوا له نحن نتمسك بظاهر القرآن لم يمكنه الرد عليهم وقوله كل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية هؤلاء إخوانه الجهمية ينازعونه في هذا ونحن وإن كنا نعلم بطلان قولهم لكن المقصود هنا أن ما ادعاه من الاتفاق على أن من ظواهر القرآن ما ليس بحق ليس كما ادعاه فليس في شيء مما ذكره وفاق ولا في صورة واحدة وإن لم يكن ظاهر الخطاب يدل على أن ذاته في المخلوقات لم تكن الآية مصروفة عن ظاهرها فعلى التقديرين لم يسلم ما ادعاه من الاتفاق على إحالة ظاهر القرآن الوجه الثاني أن أهل السنة والإيمان والإثبات لا ينازعونه في أن الله ليس في المخلوقات لكن ينازعونه في أن ظاهر هذه الآية يدل على ذلك فيقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر الآية يدل على أن ذاته في نفس المخلوقات أم لا فإن كان الثاني بطل قوله وإن كان الأول فلا ريب أن الله قد فسر هذه الآيات وأزال

ص: 17

الشبهة التي تعترض بما بينه في غير موضع من كتابه من أنه استوى على العرش وأنه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح وانه رفع عيسى إليه وأنه تعرج الملائكة والروح إليه إلى غير ذلك من النصوص المفسرة المحكمة التي تبين أن الله فوق الخلق فكان ذلك بيانًا من الله بليغًا لعباده أن ذاته ليست في نفس المخلوقات وكان ذلك البيان مانعًا عن فهم هذا المعنى الباطل من القرآن وهم لاينازعون أن القرآن يفسر يعضه يعضًا ويكون بعضه مانعًا من حمل بعضه على معنى فاسد كما تقدم وإنما الممتنع أن يكون ظاهره ضلالاً ولم يبين الله ذلك الوجه الثالث أن هؤلاء يقولون إن الله تعالى قد بين في غير موضع أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وبين أن له ملك السموات والأرض وما بينهما

ص: 18

وبين أن الأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وأن كرسيه وسع السموات والأرض وأنه يمسك السموات والأرض أن تزولا إلى غير ذلك من الآيات التي فيها بيان أن جميع هذه المشهودات هي مخلوقة لله مملوكة لله مدبرة لله وهذه نصوص صريحة في أن الله تعالى ليس فيها لأن الخالق ليس هو المخلوق ولا بعض المخلوق ولا صفة للمخلوق وإذا كان كذلك فمثل هذه النصوص تهدي القلوب وتشفيها وتعصمها عن أن يفهم من قوله وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد 4] أنه في المخلوق كما يزعم ذلك من يزعمه من الزنادقة

ص: 19

والجهمية من الاتحادية والحلولية عمومًا وخصوصًا ومثل هذا لا يمتنع كما تقدم الوجه الرابع أن يقال إنه ليس ظاهر قوله وَهُوَ

ص: 20

مَعَكُمْ [الحديد 4] أنه في المخلوقات ولا أنه مختلط ممتزج بها ونحو ذلك من المعاني الفاسدة ولا يدل لفظ على هذا بوجه من الوجوه فضلا عن أن يكون ذلك هو ظاهر ذلك اللفظ وذلك أن لفظ مع قد استعمل في القرآن في مواضع كثيرة وفي سائر الكلام ولا يوجب في عامة موارده أن يكون الأول في الثاني ولا مختلطًا به ومعنى اللفظ وظاهره وإنما يؤخذ من موارد استعمالاته قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا الآية [الفتح 29] وقال فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)[الأعراف 157] وقال عن المنافقين يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد 14] وقال تعالى فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)[التوبة 83] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)[التوبة 119] وقال وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)[البقرة 43] وقال يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)[آل عمران 43] وقال رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى

ص: 21

قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)[التوبة 87] وقال عن نوح وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)[هود 40] وقال فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)[الشعراء 119] وقال قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود 48] وقال هارون فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)[الأعراف 150] وقال لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف 88] وقال قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [النمل 47] وقال فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة 249] وقال إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)[النساء 146] وقال عن فرعون فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103)[الإسراء 103] وقال وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)[البقرة 14] وقال وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة 41] وقال وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة 213] وقال رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)[آل عمران 53] وقال وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران 146]

ص: 22

وقال وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)[آل عمران 193] وقال فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ إلى قوله وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ [النساء 102] وقال فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء 140] وقال وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)[المائدة 84] فهذه المواضع الكثيرة التي وصف الله بأن المخلوق مع المخلوق لم يوجب ذلك أن يكون الأول في الثاني ولا ذاته مختلطة ممتزجة بذاته أصلاً ولا أن يكون محايثًا له فكيف إذا وصف الرب نفسه بأنه مع عباده عمومًا وخصوصًا يقال إن ظاهر ذلك أن ذاته فيهم أو ممتزجة مختلطة بهم وذلك لأن مع ظرف مكان معناها المصاحبة والمقارنة والموافقة فإذا قيل هذا مع هذا كان التقدير أنه في مكان أو في مكانة لها اتصال بالثاني بحيث يكونان مقترنين

ص: 23

مصطحبين متفقين وهذا معنى قول من يقول من النحاة إن مع للمصاحبة ثم ذلك الاقتران يدل على أمور أخرى تكون من لوازم الاقتران فالله سبحانه إذا قيل إنه مع خلقه فمن لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم وإذا كان مع بعضهم خصوصًا كان في السياق ما يبين أنه ناصر لهم معين لهم ولهذا جاءت المعية في كتاب الله عامة وخاصة لكن ذلك من خصوص التركيب والسياق وإلا فالقدر المشترك يبين مواردها هو ما تقدم قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)[التوبة 36] وقال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)[آل عمران 81] وقال وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ [المائدة 12] وقال إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة 140] وقال إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)[النحل 128] وقال وَاصْبِرُوا إِنَّ

ص: 24

اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)[الأنفال 46] وقال خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)[الحديد 4] فأخبر أنه مستوٍ على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وكلاهما حق فمن تدبر القرآن علم بالاضطرار أن كونه معهم ليس ذاته فيهم ولا أنه مختلط بهم كسائر موارد مع ومن ادعى ذلك أن هذا ظاهر القرآن فقد افترى على اللغة عمومًا وعلى القرآن خصوصًا وأما قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وقوله كل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية فليس الأمر كما ادعاه من هذا العموم والإجماع وذلك أنه سبحانه قال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وهل المراد بذلك

ص: 25

الملائكة أو العلم أو كلاهما قال أبو عمر الطَّّلَمَنْكي ومن سأل عن قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ

ص: 26

إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم والقدرة عليه قال والدليل على ذلك صدر الآية قال الله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] لأن الله لما كان عالمًا بوسوسته كان أقرب إليه من حبل الوريد وحبل الوريد ما يَعْلَم ما توسوس به النفس ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطًا لدم الإنسان ولحمه وأن لا يُجَرد الإنسانُ تسميته المخلوق حتى يقول خالق ومخلوق لأن معبوده بزعمه داخلُ حبلِ الوريد من الإنسان وخارجه فهو على قوله ممتزج به غير مباين له قال وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من خلقه تعالى الله عن قول أهل الزيغ علوًّا

ص: 27

كبيرًا قال وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)[الواقعة 85] أي بالعلم به والقدرة عليه إذ لا يقدرون له على حيلة ولا يدفعون عنه وقد قال الله تعالى تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)[الأنعام 61] وقال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة 11] انتهى كلامه وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبي

ص: 28

وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وفي قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة 85] فذكر أبو الفرج القولين إنهم الملائكة وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس

ص: 29

وأنه القرب بالعلم وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات الباري جل وعلا قريبة من وريد العبد ومن الميت ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية ولا حاجة إلى هذا فإن المراد بقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة 85] أي بملائكتنا في الآيتين وهذا بخلاف لفظ المعية فإنه لم يقل ونحن معه بل جعل نفسه هو الذي مع العباد وأخبر أنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض وهو نفسه الذي استوى على العرش وتفسير قربه سبحانه

ص: 30

بالعلم قاله جماعة من العلماء لظنهم أن القرب في الآية هو قربه وحده ففسروها بالعلم ولما رأوا ذلك عامًا قالوا هو قريب من كل موجود بمعنى العلم وهذا لا يحتاج إليه كما تقدم وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] لا يجوز أن يراد به مجرد العلم فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال إنه أقرب إليه من

ص: 31

غيره لمجرد علمه به ولا لمجرد قدرته عليه ثم إنه سبحانه وتعالى عالم بما يسره من القول وبما يجهر به وعالم بأعماله فلا معنى لتخصيصه حبلَ الوريدِ بمعنى أنه اقرب إلى العبد منه فإن حبل الوريد قريب إلى القلب ليس قريبًا إلى قوله الظاهر وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه قال تعالى وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)[الملك 13 - 14] وقال تعالى أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)[الزخرف 80]

ص: 32

وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة فإنه قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)[ق 16-18] فَقَيّدَ القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقي المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)[ق 18] ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذاته لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذكر العتيد والرقيب معنى مناسب وكذلك قوله في الآية الأخرى فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)

ص: 33

[الواقعة 83-85] لو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال ولا قال وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)[الواقعة 85] فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال لكن لا نبصره والرب تبارك وتعالى لا يراه في هذه الحال أحد لا الملائكة ولا البشر وأيضًا فإنه قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة 85] فأخبر عمن هو أقرب إلى المختصر من الناس الذين عنده في هذه الحال وذات الرب سبحانه وتعالى إذا قيل هي في كل مكان أو قيل فريبة من كل موجودٍ لا تختص بهذا الزمان والمكان والأحوال فلا يكون أقرب من شيء إلى شيء ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص كما في قوله وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة 186] فإنما ذلك

ص: 34

إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده وهذا المحتضر قد يكون كافرًا أو فاجراً أو مؤمنًا ومقربًا ولهذا قال تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)[الواقعة 88-94] ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله وقد يكون حوله قوم مؤمنون وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء 97] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال 50] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)[الأنعام 93] وقال تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)[الأنعام 61] وقال تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)[السجدة 11] ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال وَنَحْنُ

ص: 35

أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وهذا كقوله سبحانه نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)[القصص 3] وقال نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف 3] وقال إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)[القيامة 17-19] فإن مثل هذا اللفظ ذكره الله تعالى في كتابه دلَّ على أنه المراد أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة فإن صيغة نحن يقولها المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره وليس لأحد جنود يطيعونه كطاعة الملائكة لربهم وهو خالقهم وربّهم فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم فكان لفظ نحن هنا هو المناسب وكذلك قوله وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق 16] فإنه سبحانه يعلم ذلك وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر حسنات وإذا

ص: 36

هم بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة وإن تركها لله كتبت له حسنة فالمَلَكُ يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث صفية

ص: 37

رضي الله عنها إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم

ص: 38

وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار سواء كان العبد مؤمنًا أو كافرًا وبما ذكرنا تبين أن قول المؤسس لا وجه له وبالله

ص: 39

التوفيق

ص: 40

فصل قال الرازي الخامس قوله تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)[العلق 19] فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال له أنت مقصودك أنه لابد من مخالفة ظاهر القرآن وليس في ظاهر الآية ذكر القرب إلى مَن بل قال وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)[العلق 19] فلم يقل واقترب إلى كذا فيحتاج أن يقول ظاهر القرآن فيه واقترب إلى الله والاقتراب إلى الله محال وليس في ظاهر القرآن ذكر ذلك بل هو من باب المحذوف المضمر الوجه الثاني أن المقترَب إليه محذوف فلابد من إضماره فلا يخلو إما أن يكون الاقتراب من الله تعالى ممكنًا أو ممتنعًا فإن كان ممكنًا كان المعنى واقترب إلى الله كما أن

ص: 41

المعنى واسجد لله وعلى هذا التقدير فلا يكون في ذلك مخالفة لظاهر القرآن ولا لمضمره أيضًا وإذا كان الاقتراب من الله غير ممكن بل من الممكن الاقتراب إلى ثوابه وكرامته أو غير ذلك كان هذا هو المضمر ابتداء وعلى هذا التقدير أيضًا فلا يكون قد خولف ظاهر القرآن فعلى التقديرين لم نترك ظاهر القرآن فدعواه ترك ظاهره دعوى باطلة وهذا بيِّنٌ لا مندوحة عنه الوجه الثالث قوله هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية لا يدل على أنه مخالف للظاهر كما لم يدل على المقترب إليه فمن المعلوم أن المُقْتَرِبَ إلى الله إنما يَقْتَرِبُ بطاعته وعبادته التي من جملتها السجود وهو أعظم العبادات البدنية الفعلية لكن إذا قال قائل التقرب بالطاعة والعبودية لم يكن قد بيَّن المتقرب إليه ولا بيَّن أن ظاهر

ص: 42

التقرب غير مراد فقوله القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية كلام لا يليق بمورد النزاع ولا يتناول المقصود الوجه الرابع أن يقال التقرب سواء كان بالعبادة والطاعة أو بغير ذلك لابد له من متقرَّب إليه فإن القرب من الأمور المستلزمة للإضافة فلابد فيه من متقرب إليه وهو لم يذكر المتقرب إليه من هؤلاء في النص ولا في كلامه ليبين أن الظاهر من النص متروك وظهر أن كلامه كلام من لم يتصور ما يقول الوجه الخامس أن يقال إن هذا التقرب إذا لم يكن إلى الله تعالى فإلى من هو فإن قال إلى الطاعة والعبادة قيل له الطاعة والعبادة نفس فعل العبد الذي هو الاقتراب والمسئول عنه ما يتقرب إليه لا ما يتقرب به فما هذا

ص: 43

المتقرب منه وإن قال المتقرب إليه هو ثواب الله قيل له ثواب الله في الآخرة هو الجنة وفي الدنيا ما يجده من النعم ومن المعلوم أن الساجد لم يتقرب إلى الجنة إلا كما يتقرب إلى الله تعالى فإنه لم يقطع ببدنه مسافة بينه وبين الجنة وإذا كان كذلك كان المحذور الذي فرَّ إليه المتأول من جنس ما فر منه وأما ثواب الدنيا فيقال أولاً ليس ذلك بلازم فمن المتقربين من لا يثاب إلا بعد الموت ويقال ثانيًا ليس في مجرد السجود تقرب إلى نفس الأجسام التي ينعمه الله بها فإن تلك قد تكون غير معلومة للعبد ولو كانت معلومة لم يكن التقرب إليها مقدوراً له بل إثباتها بقدرة الله ومشيئته فكيف يكون العبد متقربًا إليها الوجه السادس أن قوله فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود يقال له يحتاج أن نُبَيِّن أن ظاهر الخطاب هو الاقتراب بنفس السجود والقرآن إنما فيه وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)

ص: 44

[العلق 19] وأنت لم تبين أن ظاهره الاقتراب بالسجود واعلم أنا نحن لا ننازع في السجود يكون بع اقتراب كما لا ننازع في أن الاقتراب إلى الله ولكن نحن كل ما نقوله لا ندعي أنه يخالف ظاهر القرآن بل إما أن يكون ظاهر القرآن دالاًّ عليه أو هو معلوم من ظاهر القرآن ومن دليل آخر أو معلوم من دليل لا يعارضه ظاهر القرآن الوجه السابع أن يقال له المعلوم بالضرورة أنه لا يكون اقتراب فعلي إلا الاقتراب بالجهة أي شيء كان المتقرب إليه فإذا أمر العبد أن يقرب إلى شيء أو يتباعد عنه أو يتقرب من شيء أو يتباعد عنه لم يعقل إلا الاقتراب والتباعد بالجهة وكذلك إذا قيل فلان قد تقرب إلى كذا أو تباعد منه فالمعلوم بالضرورة أن التقرب بالأفعال لا يكون إلا اقتراباً بالجهة

ص: 45

فإن قيل فقد يقال هذا قريب من هذا بمعنى أنه مشابه له قيل عنه جوابان أحدهما أن هذا قرب في الصفات ونحن قلنا التقرب بالأفعال الثاني أن القرب هاهنا بالجهة أي هذا مكانه ومكانته قريب من هذا كما بسطنا هذا الكلام في موضعه فإن قيل القرب والبعد لا يعقل إلا للأجسام قيل وجميع ما يوصف به الرب مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والرحمة والغضب والرضا والسخط والإرادة والمحبة والفعل وغير ذلك لا يعقل إلا للأجسام سواء بسواء فنفي إحدى الصفات بمثل هذا الكلام كنفي سائر الصفات وذلك باطل بالاتفاق ويقال هنا جواب مركب وهو أن هذه الصفات إما أن

ص: 46

تكون في نفس الأمر لا تقوم إلا بما هو جسم أو لا تكون فإذا كان الأول لم يكن القول بالجسم باطلا على الإطلاق ولم يصح نفي الجسم مطلقًا بل يُنفى الباطل وإن كان الثاني كان قولهم هذه الصفات لا تكون إلا للأجسام قولاً باطلاً فهذا الكلام يبين بطلان إحدى المقدمتين لا بعينها وأيهما بطلت بطلت هذه المعارضة العقلية القياسية التي

ص: 47

تزعمون أنها توجب تأويل النصوص الوجه الثامن قوله فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود يقال هذا الكلام تضمن إثبات القرب الأول ونفي الثاني وأنهما متناقضان متضادان وليس فيما ذكرته بيان تناقضهما فإن كون القرب بالطاعة والعبودية لا ينافي كونه بالجهة إذ الطاعة هي فعل المقترب والجهة مكان فعله ولا منافاة بين الفعل والمكان فإن يُثْبِت قربًا ينافي قرب الجهة كان كلامه باطلاً وهذا ممتنع فليس في شيء من أنواع القرب ما ينافي قرب الجهة إذ القرب مستلزم الجهة الوجه التاسع قولك القرب بالجهة معلوم بالضرورة أنه

ص: 48

لا يحصل بسبب السجود يقال تدعي أنه لا يحصل إلى الله أو لا يحصل إلى الله ولا إلى غيره فإن كان المدعى هو الثاني فهذا تعطيل للنص لا تأويل فإنك إذا ادعيت أن القرب لا يتصور إلى شيء من الأشياء بالجهة امتنع أن يكون العبد متقربًا إلى شيء من الأشياء وتسمية العمل الذي ليس فيه قرب إلى شيء تقربًا لا يكون لا حقيقة ولا مجازًا فيكون باطلاً ويكون قلبًا للغة وتبديلاً لها وإن ادعى أن القرب يحصل إلى غير الله بالجهة كان قوله إن القرب بالجهة يعلم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود إطلاقاً باطلاً بل كان عليه أن يقول لا يحصل إلى غير الله وإذا قال ذلك قيل له لا فرق بين كون السجود مقربًا بالجهة إلى الله أو إلى غيره وهذا الوجه بيِّنٌ ظاهر فإنه بين أمرين إما أن يسمى ما ليس فيه تقرب بوجه من الوجوه تقربًا وإما أن يخالف ما ادعاه من العلم الضروري

ص: 49

وعلى التقديرين فهو يبطل بل مضمون قوله إنه زعم أن القرآن باطل بالضرورة الوجه العاشر أن يقال بل التقرب إلى الله بالسجود حق كما دلت عليه النصوص مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخبر أن العبد يقرب من ربه وأنه أقرب ما يكون العبد في سجوده وقال في الحديث الآخر أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الآخر فهذا قرب الرب من عبده وذاك قرب العبد من ربه وقوله تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)[العلق 19]

ص: 50

يدل على ذلك لأن قوله وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) ذكر بعد قوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) إلى قوله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) إلى قوله كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)[العلق 19] ومعلوم أنه ذكر الصلاة لله وأمر بالسجود لله فقوله وَاقْتَرِبْ (19)[العلق 19] أيضًا أمر بالاقتراب إلى الله وحذف مثل هذا المفعول للاختصار كثير في كلام العرب لدلالة الكلام ودلالة الحال عليه فإنه إذا كان قد أمره أن يقرأ باسم ربه الذي خلق فَلأن يكون السجود له والاقتراب إليه أولى وأحرى وأمره بالاقتراب مطلق لا يتقيد بالسجود بل يكون الاقتراب بالسجود وبغير السجود وإن كان العبد أقرب ما يكون من ربه إذا كان ساجدًا ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 51

قال يقول الله تعالى من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولايزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه فإذا أحبَبْتُهُ كنت سمعه الذي يسمع به وبَصَرَه الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله تَرَددِي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه

ص: 52

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وذكر التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة كثير في الأحاديث وقد قال تعالى في كتابه أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ

ص: 53

[الإسراء 57] وابتغاء الوسيلة إلى ربهم أيهم اقرب هو طلب التقرب إليه وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة 35] وقال تعالى وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)[سبأ 37] وقال تعالى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)[الواقعة 10-12] وقال فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)[الواقعة 88-89] وقال وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)[المطففين 27-28] فوصف خير الأصناف الثلاثة من عباده بأنهم المقربون

ص: 54

وقال تعالى في موسى وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)[مريم 52] وقال في داود وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)[ص 25] والزلفى هو القرب وفي الأثر المحفوظ عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال يدنيه حتى يَمَسَّ بعضه رواه حماد بن

ص: 55

سلمة والثوري وسفيان بن عيينة عن ابن أبي

ص: 56

نجيح عن مجاهد وقال في أم المسيح يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)[آل عمران 45] وقال في الملائكة لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)[النساء 172] وهذا أمر مستقر في الفطر حتى المشركين الذين يعبدون الأوثان أخبر عنهم بقوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] والله لم ينكر على المشركين طلب التقرب إلى الله تعالى وإنما أنكر عليهم أنهم اتخذوا أولياء من دونه يتقربون

ص: 57

بعبادتهم إليه وهو تعالى لم يشرع ذلك ولم يأمر به بل إنما يُتَقَرَّبُ إليه بعبادته وحده لا شريك له فأما قوله فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود فيقال له المعلوم بالضرورة أن جسد الإنسان لا يرتفع في السجود إلى فوق وليس قربه مجرد قرب جسده كما أن تقارب بني آدم وتباعدهم ليس بمجرد قرب الجسد وبعده بل كما قال قائلهم وإن كانت الأجساد منا تباعدت فإن المدى بين القلوب قريب وذلك أن قلوب بني آدم وأرواحهم لها قرب وبعد وحركة وصعود وهبوط ومكانة كما أن الجسد له كذلك والناس يحس أحدهم بقرب قلب بعض الناس من قلبه وبعده منه فالساجد إذا سجد يتقرب قلبه وروحه إلى الله تعالى نفسه وكذلك الأعمال الصالحة جميعها التي يتقرب بها إلى

ص: 58

الله تقرب بها روحه وقلبه إلى الله نفسه فإذا كان في الدار الآخرة قرب جسده أيضَا مع قلبه ورفع بعضهم فوق بعض درجات وظهر في الدار الآخرة ما كان باطنًا في الدنيا وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ولو قال قائل إن السجود وغيره من الأعمال الصالحة هي تورث القرب إلى الله تعالى كما قال وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران 133] والمغفرة والجنة ليست من أفعالهم لكن المسارعة إليها هو بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة الموجبة لذلك فكذلك الأمر بالاقتراب إلى الله تعالى هو أمر بالأعمال الموجبة لذلك فكان في هذا الكلام ما يَرُد على المنازع ويمنع أن يكون ظاهر القرآن ضلالاً

ص: 59

يقرر ذلك أن الله تعالى قد أخبر في غير موضع من كتابه بانتهاء العباد إليه عمومًا وخصوصًا فقال يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)[الانشقاق 6] فذكر أنه كادح إليه وأنه ملاقيه وقال تعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)[الأنعام 38] وقال تعالى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)[المائدة 48] وقال كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)[العلق 6-8] وقال تعالى إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)[الغاشية 25-26] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)[الأنعام 60-62] وقال تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ [الأنعام 94] وقال وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)[يونس 46] وقال فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ

ص: 60

فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)[غافر 77] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) إلى قوله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام 27-31] فأخبر أنهم يقفون على ربهم وأخبر أن الذين كذبوا بلقاء الله خاسرون وقال تعالى وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)[السجدة 10-12] فذكر كفرهم بلقاء ربهم وذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بعد الموت وذكر أن المجرمين ينكسون رؤوسهم عند ربهم وقال وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)[البقرة 45-46] وقال فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)[الكهف 110] وقال تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)[الأحزاب 44] وقال الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ

ص: 61

مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)[البقرة 156-157] وقال يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)[القيامة 10-13] وقال إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)[القيامة 30] وقال يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)[الفجر 27-30] وقال إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى قوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا إلى قوله تعالى فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) إلى قوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس 13-15] وقال وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)[الأنعام 51] وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه

ص: 62

يقول يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع كَنَفَهُ عليه فيقول هل تعرف فيقول أعرف ربِّ فيقول هل تعرف فيقول أعرف رب فيبلغ من ذلك ما شاء الله فيقول الله إني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أسترها عليك اليوم قال وأما الكافر أو المنافق فينادى عليهم على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين

ص: 63

وقد ذكر سبحانه وتعالى السعي إليه في الدنيا كقوله تعالى عن الخليل صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)[الصافات 84] فقال الخليل صلى الله عليه وسلم وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)[الصافات 99] وقال موسى صلى الله عليه وسلم وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)[طه 84] وقول المسيح صلى الله عليه وسلم مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران 52] وفي الصف قال تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)[الذاريات 50] وقال تعالى وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر 54] وقال وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)[النور 31] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم 8] وقال المؤمنون رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ

ص: 64

أَنَبْنَا [الممتحنة 4] وقال وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)[الشورى 10] وقال تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)[الشورى 13] وقال وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)[الرعد 30] وقول نبينا صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه

ص: 65

وفي الحديث الذي علمه البراء بن عازب اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك لاملجأ ولا منجا منك إلا إليك وفي حديث المباهاة يوم عرفة يقول الله تعالى انظروا

ص: 66

إلى عبادي أتوني شعثًَا غبرًا ما أراد هؤلاء والسجود هو نهاية خضوع العبد وتواضعه والعبد كلما تواضع رفعه الله كما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله

ص: 67

فالمتواضع لله الذي ذلَّ واستكان لله تعالى لا لخلقه يكون قلبه قريبًا من الله فيرفعه الله بذلك فهو في الظاهر هابط نازل وفي الباطن وهو في الحقيقة صاعد عالٍ كما في مسند الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو محفوظ عن عمر موقوفًا قال ما من أحد إلا وفي

ص: 68

رأسه حَكَمَة فإن رفعَ رأسه قيل له انتكس نَكَسَكَ الله وإن طأطأ رأسه قيل له انتعش نَعَشَكَ الله

ص: 69

فالمتكبر الذي يطلب الاستعلاء يعاقب بأن يخفضه الله وينكسه والمتواضع الذي يتواضع لله فيطأطئ رأسه لله يثيبه الله بأن ينعشه ويرفعه وكل هذه أمور حقيقية وسنبسط الكلام إن شاء الله على ذلك في الكلام على نصوص العلو وما يتبعه

ص: 70

فصل قال الرازي السدس قوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] وقال تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)[الواقعة 85] قلت أما آية القرب فهي نظير قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وقد تقدمت وأما قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] فلم يذكر من أي وجه يجب مخالفة ظاهر الآية وكأنه يقول ظاهرها أن نفس صفة الله ثَمَّ وصفة الله لا تكون ثَمَّ والكلام على هذه الآية من وجوه أحدها أن يقال نحو ما ذكرتُه في بعض المجالس فإن هذه الآية هي التي أوردها عليّ بعض أكابر

ص: 71

الجهمية لما ذكرت أن السلف لم يتأولوا آيات الصفات وأخبارها وجرى في ذلك مناظرة مشهورة وكانوا أيامًا يكشفون الكتب ويطالعون ما قدروا عليه ويفتشون الخزائن حتى وجدوا ما زعموا أنهم يعارضون به فلما اجتمعنا في المجلس الثاني أو الثالث قال ذلك الشخص قد وجدنا عن السلف أنهم تأولوا فقلت لعلك قد وجدت قولهم في قوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] أي قبلة الله فقال نعم فقلت هذا معروف عن مجاهد والشافعي

ص: 72

وغيرهما وهذا حق ولكن ليس هو من باب التأويل فإن لفظ الوجه ظاهر هنا في الوجهة على قول هؤلاء وقد قال تعالى وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة 148] فأخبر أن الوجهة يوليها العبد أي يتولاها أي يستقبلها ويقولون أي وجه تقصد أَيْ أَيّ وجهة تقصد وفلان قد قصد هذا الوجه وجاء من هذا الوجه أي الوجهة والجهة وهو قد قال وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة 115] وهذه هي الجهات ثم قال فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] أي تستقبلوا فإن ولى هنا فعل لازم بمعنى تولى واستقبل وإن كان يستعمل أيضًا متعديًا فقد قرئ هُوَ مُوَلِّيهَا وهو مُولَّاها

ص: 73

وهذا كما يقال وجه وتوجه وقدم وتقدم وبين وتبين فالمعنى أينما تستقبلوا فثم وجه الله أي مكان تستقبلوه فهنالك وجه الله والمقصود بهذا الكلام أن من قال من السلف والأئمة لم يقولوه لأنهم ينفون وجه الله الذي يراه المؤمنون في الآخرة ل قالوه لأن ذلك ظاهر الخطاب عندهم لأن لفظ الوجه مشهور أنه يقصد به الجهة والقبلة هي الجهة وقد اخبر أن وجهه ثم أي في ذلك المكان وهذا يناسب أن يكون قبلته في ذلك المكان لأن صفته ليست في مكان فهذا القول ليس عندنا من باب التأويل الذي هو مخالفة الظاهر أصلاً وليس المقصود نصر هذا القول بل بيان توجيهه وأن قائليه من السلف لم يكونوا من نفاة الصفة ولا ممن يقول ظاهر الآية ممتنع ثم يقال هنا جواب مطلق وهو أن الوجه يراد به الجهة ولا يكون ذلك خرفًا لظاهر الخطاب إذ كان ذلك

ص: 74

مبينًا في الكلام كقول أنس في حديث الاستسقاء فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود فهذه الآية إما أن يكون ظاهرها أن وجه الله الذي هو الصفة ثم أو يكون ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة

ص: 75

المخلوقة فقط أو يكون ظاهرها أن كلاهما ثم أو تكون مجملة تحتمل الأمرين فإن كان ظاهرها هو الأول أقرت على ظاهرها ولا محذور في ذلك ومن يقول هذا لا يقول إن وجه الله هو نفسه في نفس الأجسام المستقبلة فإن هذا لا يقوله أحد من أهل السنة بل يقول فثم إشارة إلى البعيد وقوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا [البقرة 115] أي أينما تستقبلوا والعبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه والله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه عنه كما تواترت بذلك الأحاديث الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه وإذا

ص: 76

كان كذلك فقد أخبر أنه أينما استقبل العبد فإنه يستقبل وجه الله فإن ثم وجه الله فإن الله فوق عرشه على سمواته وهو محيط بالعالم كله فأينما ولى العبد فإن الله يستقبله وعلى هذا فقوله ثم إشارة إلى ما دل عليه أينما وهو المستقبل وهذا مبسوط في غير هذا الموضع وإن كان ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة المخلوقة فقط لم تكن مصروفة عن ظاهرها إذا فسرت بذلك وتوجيه ذلك أن يقال قوله فثم إشارة إلى مكان وجود والله تعالى فوق العالم ليس هو في جوف الأمكنة لكن يرد على هذا أن يقال لو أراد الله ذلك لقال فأينما تولوا فوجهوا الله لأنه إذا لم يرد بالوجه إلا الجهة المستقبلة فهي التي تولى كما قال وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة 148] فأخبر أن العباد يولون نفس الوجهة فإذا كان المراد بالوجه الوجهة قال فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115]

ص: 77

أي فهو قبلة الله وقد يؤكد ذلك بأن يقال لفظ الوجه وإن كان مراده الجهة لكن الله إنما سمى القبلة في كتابه وجهه لم يسمها وجهًا فيفسر القرآن بعضه ببعض ويقال أيضًا إذا كان المراد ليس هو إلا أن هناك قبلة مخلوقة لله فهذا قد عرف بقوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة 115] وأما إن قيل إن ظاهرها يتناول الأمرين وقول مجاهد وغيره لا ينافي ذلك فإن القبلة ما يستقبله المصلي وقد ثبت بالنصوص المتواترة أن المصلي يستقبل ربه وهو أيضًا يستقبل القبلة المخلوقة القريبة منه وهي السترة والبعيدة عنه وهي الكعبة مثلاً فإن كلاهما يسمى قبلة إذ القبلة ما يستقبل فيكون على هذا قوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] أي فثم جهته التي يصلي إليها وثم وجهه الذي يستقبله المصلي وكل ذلك موجود في توجه العبد وليس في ظاهر القرآن أن الله تعالى في جوف المخلوقات وإنما قال فثم وهذا إشارة إلى ما استقبل

ص: 78

فتناول العالم وما وراءه وما فوقه فإن ذلك كله يستقبله العبد ومن قال هذا قال إن الله ذكر هذا الموضع بلفظ الوجه لا بلفظ الجهة والكلام هو في استقبال القبلة في الصلاة فلا يجوز حمل الآية على أحد المعنيين دون الثاني وقد تقدم بيان أنه لا يجوز حمله على الوجهة فقط وكذلك لا يجوز حمله على صفة الله فقط لأن المقصود بالآية بيان جواز استقبال تلك الجهة في الصلاة فلابد من دلالتها على هذا الحكم يوضح ذلك أن المصلي إنما مقصوده التوجه إلى ربه وكان من المناسب أن يبين له أنه إلى أي الجهات صليت فأنت متوجه إلى ربك ليس في الجهات ما يمنع التوجه إلى ربك فجاءت الآية وافية بالمقصود فقال وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة 115] فأخبر أن الجميع ملكه وهو خَلْقه وقد علم بالفطرة والشرعة أن الرب فوق خلقه ومحيط به فدل ذلك على أن من استقبل شيئًا من المشرق أو المغرب فإنه متوجه إلى ربه كسائر ما يستقبله والله قبل وجهه إلى أي جهة صلى لأنه فوق ذلك كله ومحيط بذلك كله الوجه الثالث أن يقال بل هذه الآية دلت على الصفة

ص: 79

كغيرها وذلك هو ظاهر الخطاب وليست مصروفة عن ظاهرها وإن كانت مع ذلك دالة على استقبال قبلة مخلوقة ويجزم بذلك فلا نسلم أنها مصروفة عن ظاهرها ولفظ الوجه هو صفة الله فما الدليل على وجوب تأويلها وقوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] فيه الإشارة إلى وجه الله بأنه ثم والله تعالى يشار إليه كما تقدم تقرير هذا الوجه الرابع أن يقال أنت ادعيت أن جميع فرق الإسلام يقرون بالتأويل وذكرت هذه الآية للاحتجاج بذلك فإن لم يكن تأويلها متفقًا عليه لم ينفعك ذكرها ومعلوم عدم الاتفاق

ص: 80

على ذلك فإن كثيرًا من أهل الإثبات بل أكثرهم جعلها من آيات الصفات مع قولهم إن الله فوق العرش خارج العالم كما تقدم بيانه وسواء كان قولهم حقًّا أو باطلاً لا إجماع معك وإن ادعيت وجوب التأويل بدليل آخر لم ينفعك في هذا المقام

ص: 81

فصل قال الرازي السابع قال تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ولاشك أنه لابد فيه من التأويل والكلام عليه من وجوه أحدها أن يقال له هذا ممنوع ولم يذكر على ذلك حجة وغايته أن يقول الاقتراض لا يكون إلا من محتاج والله الغني فيقال له أين في لغة العرب أن مسمى القرض مطلقًا يستلزم حاجة المقترض الوجه الثاني إنه من المعلوم أن المقترض من الآدميين قد يكون مستغنيًا عن الاقتراض وإنما يقترض لحاجة المُقرِض كما كان الزبير بن العوام يفعل ففي

ص: 82

صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير أنه قال حسبت ما كان على الزبير من الدين فوجدتها ألفي ألف ومائتي ألف قال وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير لا ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة وهذا كثير في الناس يريدون حمل أموالهم إلى مكان فيقرضونه لمليء وإذا كان هذا موجودًا في المحتاجين من بني آدم فكيف

ص: 83

يقال إن لفظ القرض في حق الله تعالى ظاهره حاجة الله تعالى ومعلوم أن العبد محتاج إلى حسنات يثاب عليها فالله تعالى إذا اقترض منه ما يحفظ له حتى يؤديه إليه وقت حاجته إليه ألم يكن محسنًا باقتراضه ولايمنع ذلك أن يكون مقترضًا الوجه الثالث أن الإنسان يقترض لغيره بطريق الأمر بالمعروف والصلة والإحسان إلى الاثنين إلى المقترض لدفع حاجته وإلى المقرض ليحصل له الأجر ومع ذلك يضمن المقترض ماله ويقول لا تعرفه إلا مني فالله تعالى إذا اقترض من بعض عباده لبعض فرزق هذا المقترض وأثاب هذا المقرض وضمن له الوفاء الأكمل كيف يكون تسميته هذا قرضًا مخالفة للظاهر الوجه الرابع أن الإنسان يقترض من عبده ما أعطاه إياه ولو شاء أن ينتزعه منه بغير إقراض لساغ له في الشريعة لكن يأخذه اقتراضًا إحسانًا إليه ويعطيه لمن يحتاج إليه إما عبد آخر أو غيره والله سبحانه وهو المالك للخلق ولأموالهم وقد أعطاهم وأباح لهم فيها من التصرف ما أعطى

ص: 84

وأباح ولو شاء أن ينتزعها منهم وهو غير ظالم لفعل فإذا أحسن إليهم بأن أخذ ما يأخذه قرضًا ليعطيه عبدًا آخر وأحسن إلى هذا المقرض بما يثيبه عليه كيف يمتنع أن يكون هذا قرضًا الوجه الخامس إن هذا السؤال هو سؤال اليهود الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران 181] فإن الله تعالى لما أنزل هذه الآية قال بعض اليهود إنما يقترض الفقير فالله فقير ونحن الأغنياء الوجه السادس أن يقال المعنى في قوله مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة 245] هو ظاهر متفق عليه ليس فيه اشتباه ولا نزاع وكل من سمع هذا الخطاب علم المراد به هو التقرب إلى الله بإنفاق المال في سبيله غاية ما في هذا الباب أن يقول بعض الناس تسمية هذا

ص: 85

قرضًا مجاز وكون اللفظ مجازًا لا يمنع أن يكون هو ظاهر الخطاب فإن المجاز المقرون بالقرائن اللفظية المبينة نص في معناه ليس للخطاب ظاهر إلا ذلك المعنى وليس الكلام هنا في كون اللفظ حقيقة أو مجازًا أو كون القرآن مشتملا على المجاز فإن هذه مسألة أخرى وشواهدها أضعاف ما ذكره وإنما المقصود هنا أن قولك إن الطوائف متفقة على وجوب التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار والتأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره فهل ظاهر هذه

ص: 86

الآيات عند من يسمعها من المخاطبين خلاف ما أريد بها حتى يقال إنها متأولة وإنما تدخل الشبهة على هؤلاء بأن يقولوا القرض لايكون إلا لحاجة المقترض وانتفاعه هو به فيقال لهم هب أن الأمر كذلك في حق المخلوق فالقرض هنا مضاف إلى الله والمعنى ظاهر مفهوم وهو الصدقة على عباده والإنفاق في سبيله لم يظهر لأحد قط أن الله نفسه محتاج في نفسه إلى الانتفاع بالقرض فأكثر ما يقال إن تسمية هذا قرضًا مجاز لكن ليس هذا المجاز هو الظاهر من هذا اللفظ بعد التركيب والتأليف الذي يجعله نصًّا في معناه حيث أضيف القرض إلى الله ألا ترى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في خالد إنه سيف من سيوف

ص: 87

الله وقوله في فرس أبي طلحة إن وجدناه لبحرًا

ص: 88

وقول أبي بكر عن أبي قتادة لا يعمد إلى أَسَدٍ من أُسْدٍ الله ونحو ذلك

ص: 89

فإن قيل إن هذا مجاز فلا يقول أحد إن ظاهر هذا اللفظ أن خالدًا حديد وأن الفرس ماء وأن أبا قتادة هو السبع الذي له ناب بل اللفظ نص في خلاف هذا وهو أن خالدًا شجاع متقدم بمنزلة السيف الذي يقتل الله به أعداءه وأن الفرس جواد جرى بمنزلة البحر وأن أبا قتادة رجل شجاع بمنزلة الأسد الذي سلطه الله على أعدائه وقد بسطنا هذه القاعدة في غير هذا الموضع

ص: 90

فصل قال الرازي الثامن قوله تعالى فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل 26] ولابد فيه من التأويل والكلام على هذا أن يقال التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لدليل وهذه الآية ليس ظاهرها والمعنى المفهوم منها أن الله سبحانه نفسه جاءت ذاته من أسفل الجدران كما تجيء الهوام والحشرات من أسفل البنيان وكما يخرج المحاصرون للحصون من أسفلها إذا نقبوا الأساس بل ظاهرها المراد هدم الله بنيانهم من أصله والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس وكان بعضهم يقول هذا مثل للاستئصال وإنما معناه أن الله استأصلهم والعرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء قاله ابن جرير وفي كتب اللغة يقال

ص: 91

أُتي فلان إذا أطل عليه العدو وقد أتيت يا فلان إذا أنذر عدوًّا أشرف عليه قال الله عز وجل في النحل فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل 26] أي هدم بنيانهم وقلع بنيانهم من قواعده وأساسه فهدمه عليهم حتى أهلكهم فأي حاجة حينئذ إلى التأويل

ص: 92

فصل قال الرازي التاسع قال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)[طه 46] وهذه المعية ليست إلا بالعلم والحفظ والرحمة فهذه وأمثالها من الأمور التي لابد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل يقال له أما لفظ المعية فقد تقدم الكلام عليه وأما قوله إن هذه الأمور لابد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل فالكلام عليه من وجوه أحدها أنه ادعى أن جميع فرق الإسلام مقرون بالتأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار وهنا ادعى وجوب الاعتراف بالتأويل فأين ذكر إقرارهم بالتأويل من ذكر وجوب إقرارهم

ص: 93

بالتأويل فإن غايته تبين وجوب دخولهم في التأويل وهذا القدر قد ادعاه هذا المدعي في هذا الكتاب فليس في هذه المقدمة فائدة إلا إذا كان الخصم موافقًا على ما ذكر من التأويل وإلا فهو في الموضعين ملزم له بالتأويل فيكون غايته أن يقيس موضع النزاع على مورد النزاع لقيام الحجة في الموضعين الثاني أنا قد بينا أنه ليس في هذه المواضع موضع إلا ومن الناس من ينكر التأويل فيه فبطل ما ادعاه الثالث أنه قد تبين بما تقدم أنه ليس فيها موضع واحد يجب فيه التأويل ولم يذكر على عامة ذلك حجة الرابع أنه قد تبين بما تقدم من الوجوه الكثيرة أن هذه الآيات جميعها ليس فيها ما يجوز تأويله فضلاً عن وجوب تأويله الخامس أنه ادعى أنه لابد من التأويل في بعض ظواهر

ص: 94

القرآن والأخبا ر بمعنى مخالفة ذلك الظاهر وقد تبين أن عامة هذه النصوص لا يظهر منها معنى باطل بل لا يظهر منها إلا ما هو حق سواء كان الظهور باللفظ المفرد أو بالتركيب

ص: 95

فصل قال الرازي أما الأخبار فهذا النوع فيها كثير فالأول قول صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى مرضت فلم تعدني استطعمتك فما أطعمتني استسقيتك فما سقيتني ولا يشك كل عاقل أن المراد بها التمثيل فقط والكلام على هذا أن يقال هذا فيه من قلة المعرفة بأحاديث الرسول ومعنى التأويل ما به يضل الجهول وذلك أن هذا الحديث الصحيح له تمام آخر ذكر فيه تفسيره وأظهر فيه معناه ففي صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى يوم القيامة

ص: 96

يا ابن آدم مرضت فلم تعدني فيقول يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ويقول يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني فيقول أي رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين فيقول تبارك وتعالى أما علمت أن عبدي فلانًا استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي قال ويقول يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني فيقول أي رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا استطعمك فلم تطعمه أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي فإذا كان الرب لمَّا قال لعبده مرضت وجعت قال كيف أعودك وكيف أطعمك قال إن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده وعبدي فلان جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي فهل يكون في إظهار المعنى وبيانه وكشفه وإيضاحه أبلغ

ص: 97

من هذا الخطاب وإذا كان المتكلم قد أظهر المعنى وبينه كيف يجوز أن يقول لابد من التأويل في الظاهر والتأويل صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى غيره فهل يجوز صرف هذا الكلام بتمامه عن هذا المعنى الذي أظهره المتكلم بل لو قيل له تأويل هذا الحديث كفر وضلال لكان متوجهًا فإن التأويل هو صرفه عن المعنى الظاهر إلى غيره فالمعنى الذي أظهره الرسول صلى الله عليه وسلم المتكلَّم به هو أن المراد بقول جعت جوع عبدي ومرضت مرض عبدي فإن جاز أن يُصرف عن هذا المعنى اقتضى ذلك أن يكون الله نفسه هو الجائع المريض وذلك كفر صريح ولكن هذا المؤسس لم يذكر إلا بعض الحديث وكأنه ما سمع إلا ذلك فلو كان الحديث ليس فيه إلا اللفظ الذي ذكره لكان لكلامه مساغ وقيل إنه يتأول ولكن ليس الأمر كذلك ودعواه كثرة احتياج الأخبار إلى التأويل هو لقلة معرفتهم بها فإنهم لا يميزون بين صدقها وكذبها فكثيرًا ما يسمعون الكذب ويعتقدونه من جنس الصدق مبدلاً مغيرًا إما مزيدًا فيه وإما منقوصًا منه وإما مغيرًا في إعرابه كما وجدنا ذلك لهم ثم يكون حاجته إلى التأويل بحسب ذلك وهذا لا يمكن

ص: 98

في القرآن لأن حروف القرآن محفوظة وأما قوله ولا يشك عاقل أن المراد منها التمثيل فقط فلفظ التمثيل مجمل فليس المقصود مجرد التمثيل بأن يكون قد جعل عائد العبد كأنه قد عاد الله إذا مرض في نفسه ومطعم العبد كأنه مطعم الله إذا جاع في نفسه فيكون قد مثَّل عيادة عبده وإطعامه عيادته وإطعامه بل حمل هذا الحديث على هذا المعنى ضلال وإشراك وتشبيه لله بخلقه ورد لمعناه الحق وذلك إنما التمثيل يكون إذا كان الحكم في الأصل صحيحاً ثم قدر وجوده في الفرع والله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يُطعَم ولا يجوز أن يمرض ويعاد حتى يقال جعل إطعام عبده وعيادته مثل إطعامه وعيادته وأيضًا فإنه قد فسر المراد فقال أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده وعبدي فلان جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي فبين أني أنا عند عبدي فإذا عدته كنت عائدًا إلي بهذا المعنى وإذا أطعمته كنت أنا الذي أقبض الصدقة وآخذها فهي لك عندي وجعل نفسه مريضًا وجائعًا

ص: 99

لمرض العبد الذي يحبه وجوعه كما قال وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه ولو أريد مجرد التمثيل لقيل لو عدته لكنت كأنك قد عدتني ولو أطعمته لكنت كأنك أطعمتني وهذا باطل

ص: 100

فصل قال الرازي الثاني قوله صلى الله عليه وسلم من أتاني يمشي أتيته هرولة ولا يشك كل عاقل أن المراد منه التمثيل والتصوير يقال له هذا الحديث لفظه في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن تقرَّب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ولا ريب أن الله تعالى جعل تقربه من عبده جزاء لتقرب عبده إليه لأن الثواب أبدًا من جنس العمل كما قال في أوله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وكما قال صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن وارحموا من في

ص: 101

الأرض يرحمكم من في السماء وقال لا يرحم الله من لا يرحم الناس وقال تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد 7] وقال إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)[النساء 149] وقال وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور 22] وإذا كان كذلك فظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر وكلاهما مذكور بلفظ المساحة

ص: 102

فيقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر اللفظ في تقرب العبد إلى ربه وهو تقرب بالمساحة المذكورة أو لا يكون فإن كان ذلك هو ظاهر ذلك اللفظ فإما أن يكون ممكنًا أو لا يكون فإن كان ممكنًا فالآخر أيضًا ممكن ولا يكون في ذلك مخالفة للظاهر وإن لم يكن ممكنًا فمن أظهر الأشياء للإنسان علمه بنفسه وسعيه فيكون قد ظهر للمخاطب معنى قربه بنفسه وقد علم أن قرب ربه إليه من جنس ذلك فيكون الآخر أيضًا ظاهرًا في الخطاب فلا يكون ظاهر الخطاب هو المعنى الممتنع بل ظاهره هو المعنى الحق ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه شبرًا وذراعًا ومشيًا وهرولة لكن قد يقال عدم ظهور هذا هو للقرينة الحسية العقلية وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه وذلك لا يمنع أن يكون ظاهر اللفظ متروكًا يقال هذه القرينة الحسية الظاهرة لكل أحد هي أبلغ من القرينة اللفظية فيكون بمعنى الخطاب ما ظهر بها

ص: 103

لا ما ظهر بدونها فقد تنازع الناس في مثل هذه القرينة المقترنة باللفظ العام هل هي من باب التخصيصات المتصلة أو المنفصلة وعلى التقديرين فالمتكلَّم الذي ظهر معناه بها لم يُضِل المخاطب ولم يلبس عليه المعنى بل هو مخاطب له بأحسن البيان ثم يقال الحجة لمن جعل ذلك مخصصًا متصلاً لا من منع ذلك أن يكون ذلك تخصيصًا

ص: 104

فصل قال الرازي الوجه الثالث نقل الشيخ الغزالي عن أحمد بن حنبل أنه أقر بالتأويل في ثلاثة من الأحاديث أحدها قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله في الأرض

ص: 105

وثانيها قوله صلى الله عليه وسلم إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن

ص: 106

وثالثها قوله صلى الله عليه وسلم حاكيًا عن الله أنا جليس من ذكرني والكلام على هذا من وجوه أحدها أن الذي ذكره الغزالي في كتابه المسمى بإحياء علوم الدين أنه قال سمعت بعض أصحابه يقول

ص: 107

إنه حسم الباب في التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله في الأرض وقوله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وقوله صلى الله عليه وسلم إني

ص: 108

أجد نفس الرحمن من قبل اليمين فقد نقل عن الغزالي خلاف ما ذكر في الإحياء فإما أن يكون هو غلط في النقل عن الغزالي أو الغزالي نقل في كتاب آخر خلاف ما نقل في الإحياء وعلى التقديرين فيعلم أن هذا النقل الذي ذكره غير مضبوط الثاني أنا قد تكلمنا على ما ذكره الغزالي في هذا الباب ونحوه وبينا أن في هؤلاء من القصور في معرفة الكتاب والسنة وحقائق الإيمان ومعرفة السلف وكلامهم ما أوجب ظهور ما يظهر منهم من التناقض والبدع وطريق الزنادقة

ص: 109

المنافقين وفتح باب الإلحاد والتحريف فإنهم قليلو المعرفة بالأحاديث النبوية والآثار السلفية ومعاني الكتاب والسنة إلى الغاية وهم في المعقولات في غاية الاضطراب وللغزالي في ذم الكلام والمتكلمين والفلاسفة ما يطول

ص: 110

ذكره وهذه الأمور أكبر من عقول عامة الخلائق وغاية المتكلم فيها أن يتكلم بمبلغ علمه ومقدار علمه وسمعه ونهاية اجتهاده ووسعه كما يفعله أبو حامد ونحوه إذا اجتهدوا وقصدوا الحق مع سعة مرادهم وتفننهم في علوم كثيرة وهذا الكلام الذي نقله عن أبي حامد ذكره لما تكلم عن مراتب التأويلات واختلاف الناس فيها وقد تكلمنا على ما ذكره في ذلك في الأجوبة المصرية وغيرها وسنتكلم

ص: 111

إن شاء الله تعالى على ما ذكره الغزالي وغيره إذا تكلمنا على ما ذكره الرازي في الفرق بين ما يؤول وما لا يؤول فإنهم جميعهم مضطربون في الأصل كما أنهم مقصرون في معرفة السلف والأئمة وما دل عليه الكتاب والسنة لكن المقصود هنا ذكر ما نقله عن أحمد فإنه قال في أثناء كلامه في التأويلات وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف واقتصاد فمن مسرف في دفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر أو أكثرها حتى حملوا قوله تعالى وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس 65]

ص: 112

وقوله وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت 21] وكذلك جميع المخاطبات التي تجري من منكر ونكير والميزان والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة وفي قولهم أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله زعموا أن كل ذلك لسان الحال قال وغلا آخرون منهم أحمد بن حنبل حتى منع تأويل قوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ (117) وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل مكون حتى سمعت لبعض أصحابه أنه حسم الباب في التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله

ص: 113

في الأرض وقوله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وقوله صلى الله عليه وسلم إني أجد نفس الرحمن من جانب اليمن ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر قال والظن بأحمد بن حنبل أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار والنزول ليس هو الانتقال ولكنه منع من التأويل حسمًا للباب ورعاية لصلاح الخلق فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج عن الضبط وجاوز الاقتصاد إذ حد الاقتصاد لا ينضبط ويشهد له سيرة السلف فإنهم كانوا يقولون أمروها كما جاءت حتى قال مالك لما سئل عن

ص: 114

الاستواء فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة

ص: 115

قال وذهب طائفة إلى الاقتصاد ففتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله تعالى وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل وهم الأشعرية وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفات الله تعالى تعلق الرؤية به وأولوا كونه سميعًا بصيرًا وأولوا المعراج وزعموا أنه لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان والصراط وجملة من أحكام الآخرة لكن أقروا بحشر

ص: 116

الأجساد بالجنة وباشتمالها على المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملاذ المحسوسة وبالنار وباشتمالها على جسم محسوس محرق تحرق الجلود وتذيب الشحوم ومن ترقيهم على هذا الحد تدرجت الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة وردوها إلى آلام عقلية روحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدركه الحس وهؤلاء هم المسرفون وحد هذا الاقتصاد بين هذا الانحلال وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين وقرروه وما خالف ما أولوه فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد

ص: 117

فلا يستقر له فيه قدم ولا يتعين له موقف والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل والآن فكشف الغطاء في حد الاقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة

ص: 118

والقول فيه يطول قلت وقد تكلمنا على هذا الكلام وما فيه من مردود مقبول وما فيه من عزل الرسول صلى الله عليه وسلم عزلاً معنويًّا وإحالة الخلائق على الخيالات والمجهولات وفتح باب النفاق وبيناه في الأجوبة المصرية والمقصود هنا أن أبا حامد تكلم بمبلغ علمه وما وصل إليه من كلام السلف والأئمة ولهذا كلامه في ذلك في غاية التقصير فإن كلام الإمام أحمد بن حنبل في الأصول مع أنه ملء الدنيا وقد صنف في ذلك مصنفات وما من مسألة منها إلا وقد ذكر فيها من الدلائل وكلام الله ورسوله والصحابة والتابعين وما شاء الله وناظر الجهمية وغيرهم من الذين حرفوا باب الإيمان بالله واليوم الآخر ومع هذا فلم يكن

ص: 119

عنده منه شيء وكذلك غير كلام أحمد بن حنبل من كلام الصحابة والتابعين فيه أعظم مما في كلام أحمد بن حنبل ونحوه فإن أحمد بن حنبل لم يبتدع من عنده شيئًا ولكن كان أعلم أهل زمانه بما أنزل الله على رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعون وكان أتبع الناس لذلك وابتلى بالمخالفين من أهل الأهواء ومناظرتهم بالخطاب والكتاب والرد عليهم فأظهر من علوم السلف ما هو متبع فيه كسائر الأئمة قبله وما من قول يقوله إلا وقد قاله بلفظه أو بمعناه ما شاء الله من الأئمة قبله وفي زمانه وعليه من الدلائل ما شاء الله فلهذا اتخذته الأمة إمامًا لأن الله تعالى يقول وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)[السجدة 24] وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ممن آتاه الله من الصبر واليقين بآيات الله ما استحق به الإمامة حتى اشتهر ذلك عند الخاصة والعامة فصار لفظ الإمامة مقرونًا باسمه أكثر وأشهر مما يقترن باسم غيره

ص: 120

قال أبو بكر الخلال في أثناء كتاب السنة قال أبو بكر المروذي قال وقال ابن

ص: 121

دريد في قوله تعالى وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)[الصافات 173] هم أهل السنة وقال عبد الوهاب الوراق إن لم يكونوا هذه العصابة

ص: 122

فلا أدري أي عصابة هي قال أبو بكر الخلال فهي عصابة أحمد بن حنبل رضي الله عنه الذابون عن السنة المحيون لما أماته الناس من السنن عن أهل الخلاف وإظهار ذلك وإحياء أمر المجانبة لأهل الزيغ والجدال والتمسك بما عليه إمام الناس في زمانه أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأبو حامد كانت مواده في العلوم الإلهية من المتكلمين والفلاسفة والصوفية الذين فهم كلامهم وقد

ص: 123

ذكر في المنقذ من الضلال أن هؤلاء هم والباطنية هم الخائضون في هذا الفن وذكر بعض ما في طريق الباطنية

ص: 124

من الضلال وهو كثيرًا يعيب طريقة المتكلمين والفلاسفة ويذكر أنها لا توصل إلى علم ويقين وكان يؤثر من طريق الصوفية مجملات لم يفصلها ولم تتفصل له بل يحيل على مكاشفات ومشاهدات لا وصل إليها ولا رأى من وصل إليها فأما الطريقة التي لخاصة المسلمين أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية أهل السنة ظاهرًا وباطنًا المقتبسين من مشكاة الرسالة أهل العلم والإيمان الذين يرون أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق من ربهم الذين قذف الله في قلوبهم من نوره ما أبصروا به وأيقنوا بحقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهؤلاء لم يصل أبو حامد إلى معرفتهم ومعرفة طريقهم وإن كان يومئ إليهم جملة لا تفصيلاً ويشتاق إلى سبيلهم لكونه

ص: 125

كان قليل المعرفة بالحديث والآثار والمعرفة لمعانيها وكان يقول بضاعتي من الحديث مزجاة كما نقل عنه أبوبكر بن العربي أنه سمعه منه ولهذا في كتبه من المنقولات المكذوبة الموضوعة ما شاء الله مع أن تلك الأبواب يكون فيها من الأحاديث الصحيحة ما فيه كفاية وشفاء ومن ذلك هذا النقل الذي نقله عن أحمد فإنه نقله عن مجهول لا يعرف وذلك المجهول أرسله إرسالاً عن أحمد ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب مفترى عليه ونصوصه المنقول عنه بنقل الثقات الأثبات والمتواتر عنه يرد هذا الهذيان الذي نقله عنه بل إذا كان أبو حامد ينقل عن

ص: 126

رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله فكيف ما ينقله عن مثل أحمد ولم يكن ممن يتعمد الكذب فإنه كان أجل قدرًا من ذلك وكان من أعظم الناس ذكاء وطلبًا للعلم وبحثًا عن الأمور ولما قاله كان من أعظم الناس قصدًا للحق وله من الكلام الحسن المقبول أشياء عظيمة بليغة ومن حسن التقسيم والترتيب ما هو به من أحسن المصنفين لكن لكونه لم يصل إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة كان ينقل ذلك بحسب ما بلغه لاسيما مع هذا الأصل الفاسد إذ جعل النبوات فرعًا على غيرها وقد قيل عنه إن كثيرًا مما يذكر في كتبه مما كان يسمعه من بعض القصاص والوعاظ أو

ص: 127

السؤال والشحاذين وبعض العباد والزهاد وقد قال الإمام أحمد أكذب الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم القصاص والسؤال وكذلك أحاديث العباد الذين لا يضبطون مردوده حتى قال يحيى بن سعيد ما رأينا

ص: 128

الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث وقال أيوب السختياني إن لي جيرانًا أرجو بركة دعائهم في السحر ولو شهد أحدهم عندي على جزرة بصل لما قبلت شهادته وقال ملك بن أنس أدركت بهذا المسجد كذا وكذا شيخًا كان يقول حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم فضل وصلاح فلم يكن يأخذ عن أحد منهم شيئًا وكان يقدم

ص: 129

ابن شهاب وهو شاب فيردهم على بابه ولهذا لم يذكر أهل الصحيح عن زهاد البصرة وعبادها مثل مالك بن دينار وحبيب العجمي وفرقد

ص: 130

السبخي وثابت البناني إلا لثابت وحده والباقون أبعد الناس عن تعمد الكذب لكن قد لا يحفظونه فأحاديثهم تصلح لأن يستشهد بها ويعتبر لا تصلح للاعتماد مع ما فيهم من الخير والدين والصلاح وما لهم من الكرامات والمقصود أن هذا المنقول عن أحمد كذب عليه ولم يقل أحمد قط إن قوله كُنْ فَيَكُونُ (117) خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل مكون

ص: 131

ولا توجد هذه العبارة في شيء من كلامه ولا من كلام أصحابه وكذلك أحمد لم يحسم التأويل إلا في هذه الأحاديث الثلاثة وقد ذكرنا من كلامه في مسمى التأويل وتأويل الأحاديث في هذا الباب ما فيه كفاية وفي كتاب السنة للخلال وغيره من الكتب من كلام الإمام أحمد ما يعرف به مذهبه وسنبين أن استثناء هذه الأحاديث الثلاثة من التأويل لا يصلح أن يقوله أحد من المنتسبين إلى غلمان أحمد فضلاً عن أن يقول هو وإنما يصلح أن يثبت هذه الأحاديث ويجعلها مما يتأول مثل هؤلاء الذين لا يعرفون الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ولا يعرفون دلالة الألفاظ حتى يميزوا ما هو تأويل مخالف للظاهر وما ليس تأويلاً مخالفًا للظاهر فلقلة معرفتهم بأعلام الهدى وهي ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم ووجه دلالتها يقعون في الحيرة والاضطراب حتى لا يميزوا بين ما يقبل من كلام الفلاسفة والمتكلمين وما يرد بل

ص: 132

تارة يوافقونهم وتارة يخالفونهم وتارة يكفرونهم فهم دائمًا متناقضون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك وأبو حامد من خيارهم وأعلمهم وأدينهم وهو مع هذا يكفر الفلاسفة فضلاً عن أن يضللهم تارة وتارة يجعل ما كفرهم به من العلم المضنون به على غير أهله ويضلل المتكلمين تارة ويجعل طريقهم ليس فيها بيان للحق وتارة يجعلها عمدته وأصله الذي يضلل من خالفه وكذلك تارة يقول في الصوفية الأقوال المتناقضة فتارة يجعلهم خاصة الأمة ويفضلهم على الفقهاء وتارة يمنع إعطاءهم الزكاة ويوجب عليهم الاكتساب

ص: 133

مع إباحته إعطاء الزكاة للمتفقهة وإن كان في آخر عمره مال إلى طريقة أهل الحديث وكان كثير المطالعة لصحيح البخاري وبذلك ختم عمله وعليه مات وهو أفضل أحواله والله تعالى يغفر لنا ولسائر إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا يجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ومع هذا فأبو حامد لم يعرف في كلامه خروج إلى الشرك وعبادة الأوثان بل غاية ما ينتهي إليه ضلال الصابئين من المتفلسفة ونحوهم

ص: 134

فكيف بمن يخرج إلى الإشراك بالله الصريح والردة إلى الأمر بعبادة الكواكب والأوثان وإن كان قد تاب من ذلك وأسلم بعد ذلك فإنه يكون كالذين ارتدوا على

ص: 135

عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ثم عادوا مثل الأشعث بن قيس والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ومن خيار من عاد إلى الإسلام من المرتدين عبد الله بن سعد ين أبي سرح فإنه

ص: 136

كان كاتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وارتد ثم أسلم عام فتح مكة الوجه الثالث أما قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض فإنه ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بل قد رووه عن ابن عباس ولم يقل أحمد قط إن هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يتأول بل هذا الحديث سواء كان عن ابن عباس أو كان مرفوعًا فلفظه نص صريح لا يحتاج إلى تأويل فإن لفظه الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه

ص: 137

وقبّله فكأنما صافح الله وقبّل يده وتسمية هذا تأويلاً أبعد من تسمية الحديث الذي فيه جعت وذلك أنه يمين الله في الأرض فقوله في الأرض متصل بالكلام مظهر لمعناه فدل بطريق النص أنه ليس هو يمين الله الذي هو صفة له حيث قال في الأرض كما لو قال الأمير مخاطبًا للقوم في جاسوس له هذا عيني عندكم فإن هذا نص في أنه جاسوسه الذي هو بمنزلة عينه ليس هو نفس عينه التي هي صفة فكيف يجوز أن يقال إن هذا متأول مصروف عن ظاهره وهو نص في المعنى الصحيح لا يحتمل الباطل فضلاً عن أن يكون ظاهره باطلاً وأيضًا فإنه قال من استلمه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يده فجعل المستلم له كأنما صافح الله تعالى ولم يقل فقد صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به بل ذلك نص في المغايرة بينهما فكيف يقال إنه مصروف عن ظاهره وهو نص في المعنى الصحيح

ص: 138

بل تأويل هذا الحديث لو كان مما يقبل التأويل أن يجعل الحجر عين يمين الله وهو الكفر الصريح الذي فروا منه قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على

ص: 139

المريسي ومتبعيه وروى المعارض أيضًا عن ابن عباس الركن يمين الله في الأرض يصافح به خلقه وروي عن الثلجي يعني محمد بن شجاع الثلجي أنه قال يمين

ص: 140

الله نعمته وبركته وكرامته لا يمين الأيدي قال فيقال لهذا الثلجي الذي يريد أن ينفي عن الله تعالى يديه اللتين خلق يهما آدم ويلك أيها الثلجي إن تفسيره على خلاف ما ذهبت إليه وقد علمنا يقينًا أن الحجر الأسود ليس بيد الله نفسه فإن يمين الله معه على العرش غير باين منه ولكن تأويله عند أهل العلم أن الذي يصافح الحجر الأسود ويستلمه كأنما يصافح الله كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح 10] فثبت له اليد التي هي اليد عند ذكر المبايعة إذ سمى اليد مع اليد واليد معه على العرش وكقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل يد السائل فثبت بهذا لله اليد التي

ص: 141

هي اليد وإن لم يضعها المتصدق في نفس يد الله وكذلك تأويل الحجر الأسود إنما هو إكرام للحجر الأسود وتعظيم له وتثبيت ليد الرحمن ويمينه لا النعمة كما ادعى الثلجي الجاهل في تأويله وكما يقدر أن يكون مع كل صاحب نجوى وفوق عرشه كذلك يقدر أن تكون يده فوق أيديهم من فوق عرشه وقد ذكر القاضي أبو يعلى هذا الأثر عن أحمد ولم

ص: 142

يذكر عنه فيه كلامًا فرواه مرفوعًا بإسناد ضعيف قال حدثنا أبو القاسم يعني عبد العزيز بن علي الأزجي قال حدثنا القاضي عمر بن سَبَنْك حدثنا أحمد بن القاسم بن نصر ابن زياد حدثنا أبو سالم العلاء بن مسلمة

ص: 143

الرواس قال حدثنا أبو حفص العبدي عن أبان عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر في الأرض يمين الله جل اسمه فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله عز وجل أن لا يعصيه وهذا إسناد ضعيف قال القاضي وروى ابن جريج عن محمد بن عباد

ص: 144

ابن جعفر المخزومي قال سمعت عبد الله بن عباس يقول إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه وهذا هو المعروف ثم قال القاضي اعلم أن هذا الخبر ليس على ظاهره لأن إضافة الحجر إلى أنه صفة ذات هي يمين تحيل صفاته وتخرجها عما تستحقه لأن الحجر جسم مخلوق حالٌّ

ص: 145

في مخلوق وفي الأرض والقديم سبحانه تستحيل عليه هذه الصفات ويفارق هذا ما تقدم من إثبات اليمين في الخبر الذي قبله وأن ذلك صفة ذات يعني قوله الذي في صحيح مسلم المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين لأنه لا يستحيل إضافة

ص: 146

اليمين إليه لأنها غير مستحيلة عليه لأن إضافة اليمين إليه كإضافة اليد إليه وذلك جائز قال ومثل هذا غير موجود هاهنا يبين صحة هذا من كلام أحمد أنه فسر قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] قال معناه هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش قلم يحمل قوله وَفِي الْأَرْضِ على ظاهره بل تأوله وبين أنه على العرش فوجب أيضًا أن يمتنع من إطلاق صفة ذات في الأرض

ص: 147

تلمس في جهة من الجهات وقد قيل في تأويله أوجه أحدها أن هذا على طريق المثل وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلاً قبَّل الرجل يده فكأن الحجر لله عز وجل بمنزلة اليمين للملك تستلم وتلثم وقد روي في الخبر أن الله عز وجل حين أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى جعل ذلك في الحجر الأسود وكذلك يقال إيماناً بك ووفاء بعهدك قال وقد قيل فيه وجه آخر وهو أنه يحتمل أن يكون معنى قوله الحجر يمين الله في أرضه إنما إضافة اليد على طريق التعظيم للحجر وهو فعل من أفعال الله تعالى سماه يمينًا

ص: 148

بنسبته إلى نفسه وأمر باستلامه ومصافحته ليظهر طاعتهم بالائتمار وتقربهم إلى الله تعالى فيحصل لهم بذلك البركة والسعادة قال وقيل وجه آخر وهو أن قوله يمين الله أمان الله لأن الحجر من جملة البيت وقد قال سبحانه وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران 97] قال ولا بأس بهذه الوجوه للمعنى الذي بينا من امتناع إضافة ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ويبين صحة ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود من ياقوت الجنة وإنما سودته خطايا بني آدم وأيضًا قول عمر إني لأعلم

ص: 149

أنك حجر لا تضر ولا تنفع وهذا لا يقال في صفات

ص: 150

القديم فالقاضي نفى عنه المعنى الفاسد الذي يقال إنه ظاهره وسمى ذلك ظاهره موافقة لمن جعل ذلك ظاهره وبين امتناع ذلك المعنى بالأدلة الشرعية والعقلية ولم يذكر عن أحمد في ذلك شيئًا وتسميته لذلك ظاهرًا هو موافقة منه لمن سماه ظاهرًا من المتأولين فإنه صنف كتابه على كتاب أبي بكر بن

ص: 151

فورك وكذلك في معناه الوجوه التي ذكرها هؤلاء وهي فاسدة إلا الوجه الأول الذي هو ظاهر الحديث وكذلك إن قوله ‘ن أحمد لم يحمل قوله وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] على ظاهره موافقة على تسمية ذلك ظاهر والذي ذكره أحمد في الآية هو ظاهرها كما بيناه في غير هذا الموضع وهذا الذي قاله القاضي من التسمية لا يلزم الإمام أحمد

ص: 152

فإن القاضي واحد أصحابه وهو وغيره من أصحاب أحمد قد يوافقون المثبتة على أشياء من قولهم على أحاديث ضعيفة ودلالات ضعيفة ويوافقون النفاة على أشياء أيضًا من قولهم مثل نفي الأسماء التي يزعمون أن العقل نفاها كالجوهر والجسم ونحو ذلك وليس هذا ولا هذا من قول السلف والأئمة وأصحاب أحمد فيهم من النفي والإثبات ما يوجد في غيرهم لكنهم أقرب إلى الاعتدال في الطريقين وأقل غلوًّا فيهما من غيرهم لأن الإمام أحمد له من تقرير أصول السنة ما لايوجد لغيره فلا يمكن أتباعه أن يغلوا في الانحراف عن السنة والاعتدال كانحراف غيرهم وإن كان يوجد فيهم من قد ينحرف إلى النفي أو الإثبات أو كليهما جميعًا على وجه التناقض أو لاختلاف الاجتهاد ولعل هذا المنقول من أنه لم يتأول إلا كذا أصله عن

ص: 153

القاضي فإن القاضي في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات قد يتأول أشياء مثل هذا لكنه مع ذلك يبين أن تأويلها وجب لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة نفت ذلك كما ذكره هنا وكما يأتي كلامه في قوله إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين ولا ريب أن صرف ظاهر النص ينص آخر ليس مما ينازع فيه الفقهاء والذي أنكرناه وهو كون ظاهر القرآن باطلاً وكفراً من غير أن يبين الله تعالى ذلك فهذا مما ينكره علماء الإسلام وقد روى عثمان بن سعيد الدارمي هذا الخبر مرفوعًا في إثبات صفة اليد بلفظ آخر فقال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن أبي

ص: 154

سويد عن عطاء عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من فاوض الحجر فإنما يفاوض كف الرحمن يعني استلام الحجر الأسود

ص: 155

فهذا فيه إثبات وصف صفة الرحمن بمفاوضته كقوله إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح 10] الوجه الرابع أن قوله إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمين فلم أجد عن أحمد فيه كلامًا أيضًا ولا نقل ذلك عن أصحابه الذين تتبعوا نصوصه كالخلال وغيره ولكن تكلم فيه ابن حامد وابن بطة والقاضي وغيرهم

ص: 156

فذكر القاضي ما حدثه به أبوالقاسم الأزجي بإسناده عن أبي بن كعب أنه قال لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل اسمه وفي رواية فإنها من نفس الله جل وعز فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به

ص: 157

قال وروى ابن بطة في بعض مكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فاسألوا الله من

ص: 158

خيرها واستعيذوا بالله من شرها ثم قال القاضي اعلم أن شيخنا أبا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه وامتنع أن يكون على ظاهره في أن الريح صفة ترجع إلى الذات والأمر على ما قاله ويكون معناه أن الريح مما يفرج الله تعالى بها عن المكروب والمغموم فيكون معنى النفس معنى التنفس وذلك معروف من قولهم نفست عن فلان أي فرجت عنه وكلمت فلانًا في التنفيس عن غريمه ويقال نفس الله عن فلان كربه أي فرج الله عنه وروي في الخبر من نفس عن مكروب كربة نفس الله عنه كربة يوم القيامة

ص: 159

وروي في الخبر أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا

ص: 160

[الأحزاب 9] قلت ثم رأيت أبا عبد الله بن حامد ذكر في كتابه في ذلك نزاعًا بين أصحابه فقال فصل وهل يجوز أن يقال بأن الريح من نفس الرحمن فقد ذكر ابن قتيبة في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن فقال فرأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفًا في ذاته بأنه يتنفس وقد فصلوا بين الرياح فقالوا ما كان من هذه الرياح الهابة مثل رياح الرحمة والعذاب من الريح العقيم

ص: 161

والعاصف والجنوب والشمال والصبا والدبور وما دخل في ذلك وهي ثلاثون ريحًا كلها خاصة بالأفعال مخلوقة وريح أخرى من صفاته هي ذات نسيم

ص: 162

صباي هو خارج عن الريح وهي من نفس الرحمن قال ابن حامد ولم أجد ذلك لأبي عبد الله نصًّا ولا أدخله الخلال في جامعه من كتاب السنة والأشبه عندي أنه ضعيف الإسناد فلا يجوز أن يثبت به صفات الله تعالى قلت فابن حامد قد طعن في نفس هذا الخبر من أصله فلم يحتج إلى تأويله وأما القاضي فقال وإنما وجب حمل هذا

ص: 163

الخبر على هذا ولم يجب تأويل غيره من الأخبار لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك وذلك أنه قال فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به وهذا يقتضي أن فيها شرًّا وأنها مرسلة وهذا من صفات المحدثات قال وحدثنا أبو القاسم بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الريح من روح الله يبعثها بالرحمة ويبعثها بالعذاب فلا تسبوها واسألوا الله خيرها وعوذوا بالله من شرها قال وقوله فإنها من روح الله يدل على صحة هذا التأوبل وأنه يروح بها عن المكروب وقوله يبعثها بالرحمة

ص: 164

وبالعذاب صريح في أنها مخلوقة مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى وهذا دليل على صحة هذا التأويل ثم قال حديث آخر في هذا المعنى من حديث دعلج عن ابن خزيمة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو

ص: 165

مولي ظهره إلى اليمين إني أجد نفس الرحمن من هاهنا وروى ابن بطة في مكاتبته إلى بعض أصدقائه بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم الكريم من قبل اليمن قال القاضي ومعناه ما تقدم من الحديث الذي قبله وهو أني أجد تفريج الله عني وتنفيسه عن كربي بنصرته إياي من قبل اليمن وذلك لما نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين وقتلهم الله على أيدي المهاجرين من أهل اليمن والأنصار وكان صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يمدح أهل اليمن فروي عنه أنه قال الإيمان يمان والحكمة يمانية وإنما وجب حمله على ذلك لما تقدم في الحديث الذي قبله وأن فيه ما دل على أن النفس مخلوق لأنه أضافه إلى الريح والريح مخلوقة من جهة أنها مأمورة بالرحمة والعذاب فوجب حمل هذا

ص: 166

المطلق على ذلك قال ورأيت في بعض مكاتبات ابن بطة إلى بعض أصدقائه وقد ذكر هذين الخبرين حديث جابر إذا رأيتم الريح فلا تسبوها وحديث ابن هريرة أجد نفس ربكم وحكى كلام ابن قتيبة في ذلك فقال أنت في نفس من أمرك أي في سعة وقوله من نفس الرحمن معناه أن يفرج بها الكرب ويذهب بها الجدب يقال اللهم نفس عني أي فرج عني وذكر كلامًا طويلاً

ص: 167

ثم قال ابن بطة بعده ومما يشهد لصحة هذا التأويل وأن الريح من نفس ربكم وإنما أراد بالنفس الفرج والروح ما سمعت أبا بكر بن الأنباري يقول إنما سميت الريح ريحًا لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم والأذى فهي مأخوذة من الروح وأصلها روح فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم قال ابن بطة فهذا ما قاله أهل العلم بتأويل الكتاب والسنة وكلام العرب في تأويل الريح ومعنى النفس بها وفي كتاب الله تعالى ما دل على أنها بمعنى الفرج من الغم والنفس من الكرب إذ الغم والضيق يكونان بركودها

ص: 168

كما يدل عليه قوله عز وجل حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [يونس 22] وقوله وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف 57] وقوله إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ [الشورى 33] قال القاضي أبو يعلى وفي معنى ذلك حديث رواه ابن فورك ولم يقع لي طريقه أنه قال هذا نفس ربي أجده بين كتفي أتتكم الساعة معناه هذا فرج الله عني صرف به همومي وغمومي وكشف عن قلبي وسرى عن فؤادي ما كان يجده صلى الله عليه وسلم في مستقبل أوقاته من زوائد

ص: 169

روح اليقين والألطاف فسمى ذلك نفس الرب لأنه هو الذي نفس به عنه والإضافة إلى طريق الملك والموجب لحمله على ذلك ما تقدم من الخبر الأول وقد بينا أن فيه ما دل عليه قلت فهذا كلام القاضي وما ذكره فيه من كلام غيره وقد بين أنه إنما تأول هذا الخبر لأن في الخبر نفسه ما دل على صحة التأويل ومثل هذا لا نزاع فيه فإنه إذا كان في الحديث الواحد متصلاً به ما يبين معناه فذلك مثل التخصيص المتصل ومثل هذا لا يقال فيه إنه خلاف الظاهر بل ذلك هو الظاهر بلا نزاع بين الناس ولهذا يقبل مثل ذلك في الإقرار والطلاق والعتاق والنذر واليمين وغير ذلك من المواضع التي ليس له أن يرفع الظاهر بعد تمام الكلام وله أن يصل بالكلام من

ص: 170

الاستثناء والشرط والعطف والصفات والأحوال وغير ذلك مما يقيد أوله ويخصه ويصرفه عن موجب إطلاقه بل لا نزاع بين الناس إلا نزاعًا شاذًا في الطلاق أو فيه وفي العتق فإن في الناس من يقول إنه لا يقبل رفع مطلقه بشرط ملحق ولا باستثناء يروى ذلك عن شريح وهو قول في مذهب أحمد وهو رواية شاذة عنه والمتواتر عنه وعن سائر العلماء خلاف ذلك وهو الصواب وليس المقصود هنا الكلام على خصوص هذه الأحاديث وتفسيرها ولكن الغرض الكلام على ما احتج به المؤسس من

ص: 171

أن صرف الظواهر متفق على الحاجة إليه ومقصوده بذلك صرفها بالأدلة القياسية كما قد قرره في أثناء الكتاب وبين أن اللفظ لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال وأن الدليل القاطع لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا عند قيام دليل قاطع آخر وهذا محال وهذا الذي قاله خلاف ما اتفقت عليه الأمة وقد حكى هو في غير هذا الموضع اتفاق الأمة على خلافه كما سنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه الوجه الخامس أن قوله قلوب العباد بين أصبعين من

ص: 172

أصابع الرحمن قد نص أحمد على رد تأويل الجهمية فيه روى الخلال في كتاب السنة عن أبي طالب قال قلت لأبي عبد الله قال أبو إسحاق بن أبي الليث الذين يصفون ربهم يقول هو السميع البصير قال عافاه الله كأنه أعجبه قوله قلت ما تقول أنت قال أقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ووصف ولا يجوز الحديث قال بين أصبعين وقال خلق الله آدم وكما جاء في الحديث

ص: 173

مثل هذا قلنا مثله قلت فنحن الذين يصفون قال نعم قال وصف النبي صلى الله عليه وسلم لا نجوزه

ص: 174

فصل قال الرازي الرابع حكي أن المعتزلة تمسكوا في خلق القرآن بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنهما غمامتان فأجاب أحمد ابن حنبل وقال يعني ثواب قارئيهما وهذا تصريح منه بالتأويل

ص: 175

يقال هذه الحجة والجواب عنها مذكور فيما حفظ من مناظرة أحمد للجهمية من المعتزلة وغيرهم لما حبس وامتحن وهو أيضًا مذكور فيما خرجه في الرد على الجهمية فقال فيما خرجه وقد ذكره الخلال عنه في كتاب السنة باب ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التي رويت أن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب فيأتي صاحبه فيقول هل تعرفني فيقول له من أنت فيقول أنا القرآن الذي أظمأت نهارك وأسهرت

ص: 176

ليلك قال فيأتي الله به فيقول يا رب فادَّعوا أن القرآن مخلوق من هذه الأحاديث فقلنا لهم إن القرآن لا يجيء إنه قد جاء من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فله كذا وكذا

ص: 177

ألا ترون أن من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا تجيئه يجيء ثوابه لأنا نقرأ القرآن ويجيء ثواب القرآن فيقول يا رب كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال وأما كلامه في المناظرة فروى الخلال في كتاب السنة أخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم أن

ص: 178

أبا عبد الله قال احتجوا علي يومئذ فقالوا تجيء البقرة يوم القيامة وتجيء تبارك وقلت لهم إن هذا الثواب قال الله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)[الفجر 22] إنما تأتي قدرته إنما القرآن أمثال ومواعظ وكذا وكذا وأمر وقال حنبل في موضع آخر ومواعظ وأمر وزجر

ص: 179

وهذا نظير ما روي عن مجيء سائر الأعمال الصالحة في الصور الحسنة ومثل ما في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور الذي رواه أحمد من حديثه حدثنا

ص: 180

أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان أبي عمر عن البراء بن عازب قال

ص: 181

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير في يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال أستعيذ بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من كفن الجنة وحنوط من حنوط الجنة فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقا فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك

ص: 182

الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيبة فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا ثم إلى التي تليها حتى ينتهون بها إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت

ص: 183

قال فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي أفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها فيفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له أبشر بالذي يَسُرُّك فهذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول ربِّ أقم الساعة رب أقم الساعة ثلاثًا حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه

ص: 184

فتتفرق في أعضائه كلها فينتزعها نزع السفود من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب قال فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح قال ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمي بها في الدنيا حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يُفتح

ص: 185

لها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف 40] ثم يقول الله تعالى اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى قال فيطرح روحه طرحًا ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)[الحج 31] قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي منادٍ من السماء كذب عبدي فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيدخل عليه من حرها وسمومها ويضيق عليه في قبره

ص: 186

حتى تختلف فيه أضلاعه قال ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك السيئ فيقول رب لا تقم الساعة وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من حمل الأعمال ووزنها كقوله تعالى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ

ص: 187

أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)[الأنعام 31] وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وفي السنن لأبي داود وغيره عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن

ص: 188

والمعنى الظاهر الذي يظهر للمخاطب من قوله يجيء عمله في صورة رجل أن الله تعالى يخلق من عمله صورة يصورها ليس المعنى الظاهر أن نفس أقواله وأفعاله على صورة رجل فإن هذا لا يظهر من هذا الخطاب ولا يفهمه أحد منه وعلى هذا فلا يكون هذا الخطاب مصروفًا عن ظاهره ولكن أزيل عنه المعنى الفاسد الذي يتأوله عليه المبتدع حيث جعل نفس كلام الله الذي تكلم به هو الصورة المصورة كما جعلوا نفس المسيح ابن مريم هو كلمة الله التي تكلم بها وإنما المسيح تكوَّن بكلمة الله فسمي كلمة الله لذلك وليس ظاهر الخطاب أن نفس كلام الله هو نفس جسد المسيح فالمفعول بالكلمة والمفعول مما يقرؤه الإنسان ويعمله من الصالحات يسمى باسمها فلو قيل إن في هذا نوعًا من التوسع والتجوز حيث سمي

ص: 189

ما يكون عن العمل باسم العمل لكان هذا سايغًا لكن ذلك لا يمنع أن يكون ذلك هو المعنى الظاهر كما تقدم نظيره هذا مع أن الناس قد تنازعوا في نفس الأعراض من العمال وغيرها هل يجوز قلبها أجسامًا قائمة بأنفسها وذكر النزاع في ذلك أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات فقال واختلف يعني أهل الكلام

ص: 190

ونحوهم في قلب الأعراض أجساماً والأجسام أعراضًا فقال قائلون منهم حفص الفرد وغيره جائز أن تقلب الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا لأنه خلق الجسم جسمًا والعرض عرضًا وإنما كان العرض عرضًا بأن خلقه الله عرضًا وكان الجسم جسمًا بأن خلقه الله جسمًا فجائز أن يكون الذي خلقه الله عرضًا أن يخلقه جسمًا والذي خلقه جسمًا يخلقه عرضًا وكذلك زعم أن الله تعالى خلق اللون

ص: 191

لونًا والطعم طعمًا وكذلك قوله في سائر الأجناس وأن الأشياء إنما هي على ما هي عليه بأن خلقت كذلك وأن الإنسان لم يفعل الأشياء على ما هي عليه ولم تكن على ما هي عليه بأن فعلها كذلك قال وقال أكثر أهل النظر بإنكار قلب الأعراض أجسامًا والجسام أعراضاً وقالوا ذلك محال لأن القلب إنما هو رفع الأعراض وإحداث أعراض والأعراض لا تحتمل أعراضًا واعتلوا بعلل كثيرة قلت والقول الأول قول طوائف من العلماء منهم

ص: 192

أبو الوفاء بن عقيل قال في كفايته في الجواب عن هذا الحديث لما احتجت به المعتزلة على خلق القرآن فقال والجواب أن هذا معنى ثوابها بدليل قوله اتقوا النار ولو بشق تمرة ومعلوم أن التمرة لا تقيه فضلاً عن شقها وإنما

ص: 193

المراد به اتقوا النار ولو بثواب شق تمرة قالوا الثواب عرض فكيف تقول والكلام عندك عرض فكيف يجيء فرجع الكلام يردك فأنت احتججت وأنت أخذت بما به استدللت قال ولأن الله قادر على أن يقلب العرض جسمًا والجسم عرضًا ولأنه يحتمل أن يكون من بعض ثوابه شخص كولدان الجنة وحورها فيجيء ذلك الوليد في هذه الصورة قلت ثم إني وجدت هذا التمثيل الذي ذكرته من تمثيل

ص: 194

مجيء القرآن في صورة مجيء عمله الصالح في صورة قد ذكروه أئمة السنة كما ذكر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي ومتبعيه قال في كلامه عليه في النزول فكان من أعظم حجج المعارض لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول حكاية حكاها عن أبي معاوية لعلها مكذوبة عليه أنه قال نزوله أمره وسلطانه وملائكته ورحمته وما أشبهها فتكلم على إبطال ذلك بما ليس هذا موضعه إلى أن قال ثم قلت ويحتمل ما قال أبو معاوية أن نزوله أمره وسلطانه

ص: 195

كما يرون أن القرآن يجيء يوم القيامة شافعًا مشفعًا وماحلاً مصدقًا فقالوا معنى ذلك أنه ثوابه فإن جاز لهم هذا التأويل في القرآن جاز لنا أن نقول إنا نزوله أمره ورحمته قال فيقال لهذا المعارض لقد قست بغير أصل ولا مثال لأن العلماء قد علموا أن القرآن كلام والكلام لا يقوم بنفسه شيئًا قائماً حتى تقيمه الألسن ويستبين عليها وأنه بنفسه لا يقدر على المجيء والتحرك والنزول بغير

ص: 196

منزل ولا محرك إلا أن يؤتى به وينزل والله تعالى حي قيوم ملك عظيم قائم بنفسه في عزه وبهائه يفعل ما يشاء كما يشاء وينزل بلا منزل ويرتفع بلا رافع ويفعل ما يشاء بغير استعانة بأحد ولا حاجة فيما يفعل إلى أحد فلا يقاس الحي القيوم الفعال لما يشاء بالكلام الذي ليس له عين قائم حتى تقيمه الألسن ولا له أمر ولا قدرة ولا يستبين إلا بقراءة أرأيت إن كان نزوله أمره ورحمته لا تنزل إلا في ثلث الليل ثم إلى السماء الدنيا وما بال أمره ورحمته في دعواك لا ينزل إلى الأرض حيث مستقر العباد ممن يريد الله أن يرحم ويحب ويعطي فما بالها تنزل إلى

ص: 197

السماء الدنيا لا تجوزها وما بال رحمته تبقى على عباده من ثلث الليل إلى انفجار الفجر ثم ترجع من حيث جاءت بزعمك وما باله إذ الله بزعمك في الأرض فإذا استرحمه عباده واستغفروه وتضرعوا إليه بَعَّدَ عنهم رحمته على السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام ولا يغشيهم إياها وهو معهم في الأرض بزعمك إذ زعمت أن نزوله تقريب رحمته إياهم كقوله الآخر من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا فقلت هذا تقرب بالرحمة ففي دعواك في تفسير النزول من تقرب إليه شبرًا

ص: 198

تباعد هو عنه مسيرة ما بين الأرض إلى السماء أو كلما ازداد العباد إلى الله اقترابًا تباعد هو برحمته عنهم بعد ما بين السماء والأرض بزعمك لقد علمت أيها الجاهل أن هذا تفسير محال يدعو إلى ضلال والحديث نفسه يبطل هذا التفسير ويكذبه غير أنه أغيظ حديث للجهمية وأنقض شيء لدعواهم لأنهم لا يقرون أن الله فوق عرشه فوق سمواته ولكنه في الأرض كما هو في السماء فكيف ينزل إلى سماء الدنيا من هو تحتها في الأرض وجميع الأماكن منها ولفظ الحديث ناقض لدعواهم وقاطع لحججهم قال وأخرى أنه قد عقل كل ذي عقل ورأي أن القول لا يتحول صورة له لسان وفم ينطق ويشفع فحين اتفقت المعرفة من المسلمين أن ذلك كذلك علموا أن ذلك

ص: 199

ثواب يصوره الله تعالى بقدرته صورة رجل يبشر به المؤمنين لأنه لو كان للقرآن صورة كصورة الإنسان لم يتشعب أكثر من ألف ألف صورة فيأتي أكثر من ألف ألف شافعًا وماحلاً لأن الصورة الواحدة إذ هي أتت واحدًا زالت عن غيره فهذا معقول لا يجهله إلا كل جهول قال وهذا كحديث الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا مات تأتيه أعماله الصالحة في صورة رجل في أحسن هيئة وأحسن لباس وأطيب ريح فيقول له من أنت فيقول أنا عملك الصالح كان حسنًا فكذلك تراني

ص: 200

حسنًا وإن كان طيبًا تراه طيبًا وكذلك العمل السيئ بأتي صاحبه فيقول له مثل ذلك ويبشره بعذاب الله قال وإنما عملهما الصلاة والزكاة والصيام وما أشبهها من الأعمال الصالحة وعمل الآخر الزنا والربا وقتل النفس بغير حقها وما أشبهها من المعاصي وقد اضمحلت وذهبت في الدنيا فيصور الله بقدرته للمؤمن والفاجر ثوابها وعقابها ويبشرهما به إكرامًا للمؤمنين وحسرة على الكافرين وهذا المعنى أوضح من الشمس وقد علمتم ذلك إن شاء الله تعالى ولكن تغالطون وتدلسون وعليكم أوزاركم وأوزار من تضلون وقال

ص: 201

الخلال في كتاب السنة أخبرني محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثني أبو جعفر قال كان رجل يأتي أبا عبيد قال فسأله عن الحديث الذي يروى فيه أن البقرة وآل عمران تأتي يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أليس ذلك يدل على أن هذا مخلوق فقال أبو عبيد إن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عن علي بن زيد بن جُدْعان عن سعيد بن

ص: 202

كعب قال لو رأى أحدكم ثواب ركعتين لرأى أعظم من الجبال الراسيات وقال النبي صلى الله عليه وسلم ظل المؤمن صدقته يوم القيامة فيجيء ديناره ودرهمه يظله إنما هذا ثواب ذلك وقال الله تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام 160] ومن أكبر الحسنات أن يقول الرجل لا إله إلا الله فإذا قال لا إله إلا الله يقال له يوم القيامة لا إله إلا الله عشر مرات إنما هذا ثواب ذلك قال ولم نر العرب تدفع في طبعها أن يقول الرجل للرجل

ص: 203

لأوفينك ما عملت ليس أنه يريد نفس ما عمل إنما يعده على الطاعة الثواب ويتوعده على المعاصي العقاب وإنما معنى مجيء البقرة وآل عمران إنما يعني ثوابهما

ص: 204

فصل قال الرازي الخامس قوله عليه السلام إن الرحم تتعلق بحقوي الرحمن فيقول سبحانه صلي من وصلك وهذا

ص: 205

لابد فيه من التأويل يقال له بل هذا من الأخبار التي يقره من يقر نظيره والنزاع فيه كالنزاع في نظيره فدعواك أنه لابد فيه من التأويل بلا حجة تخصه لا يصح فإنك إن ذكرت الحجة التي تذكرها على وجوب تأويل خلقه بيديه ووضعه قدمه ونحو

ص: 206

ذلك فهذا يحتاج إلى أن يحتج له كما سيأتي وإن كنت هنا ادعيت وجوب التأويل بالإجماع فذكرت هذا وأمثاله فيما لا يشك احد في وجوب تأويله وليس الأمر كذلك قال القاضي أبو يعلى اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره وان الحقو والحُجْزَة صفة ذات لا على وجه الجارحة والبعض وأن الرحم آخذة بها لا على وجه الاتصال والمماسة بل يطلق تسمية ذلك كما أطلقها الشرع

ص: 207

ونظير هذا ما حملناه على ظاهره في وضع القدم في النار وفي أخذ داود بقدمه لا على وجه الجارحة ولا على وجه المماسة كما أثبتنا خلق آدم بيديه فاليدان صفة ذات والخلق بهما لا على وجه المماسة والملاقات وكذلك هاهنا قال وذكر شيخنا أبو عبد الله في كتابه هذا في الحديث وأخْذُه يظاهره وهو ظاهر كلام أحمد قال المروذي جاءني كتاب من دمشق فعرضته على أبي عبد الله فنظر فيه وكان فيه أن رجلاً ذكر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت

ص: 208

الرحم فأخذت بحقو الرحمن وكان الرجل تلقاه يعني حديث أبي هريرة فرفع المحدث رأسه فقال أخاف أن تكون كفرت فقال أبو عبد الله هذا جهمي وقال أبو طالب سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث هشام بن عمار أنه قرأ عليه حديث يجيء الرحم يوم القيامة فتتعلق بالرحمن فقال أخاف أن تكون قد

ص: 209

كفرت فقال هذا شامي ما له ولهذا قلت ما تقول قال يمضي الحديث على ما جاء قلت أما قول القاضي على غير وجه الاتصال والمماسة وغير ذلك ففيه نزاع يذكر في غير هذا الموضع وأما ما ذكره عن شيخه أبي عبد الله بن حامد فقد قال ابن حامد في كتابه فصل ومما يجب التصديق به أن لله حقوًا قال المروذي قرأت على أبي عبد الله كتابًا فنظر فيه فإذا فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الرحم حتى إذا فرغ منها أخذت بحقو الرحمن فرفع المحدث رأسه وقال أخاف أن تكون قد كفرت قال أبوعبد الله هذا جهمي وقال أبو طالب سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار أنه قرئ عليه حديث

ص: 210

الرحم تجيء يوم القيامة فتتعلق بالرحمن تعالى فقال أخاف أن تكون قد كفرت فقال هذا شامي ما له ولهذا قلت ما تقول قال يمضي كل حديث على ما جاء وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحم شجنة يعني لها تعلق تقرب من الرحمن تعالى تتعلق بحقو الرحمن تعالى تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني قال فقال أحمد في الحديث في كنَفَه قيل له

ص: 211

قول النبي صلى الله عليه وسلم يضع عليه كنفه قال هكذا يقول بيديه وهذه أحاديث مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرحم والحقو وأنه يضع كنفه على عبده ومثل ذلك أيضًا ما رواه عنه أبو علي الصانع من أصحاب إدريس الحداد المقري قال سمعت عمران النجار يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول وسألته ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ [الروم 25] فمن قال إن دعوة الله مخلوقة فقد كفر قال فجملة هذه المسائل مذهب إمامنا فيها الإيمان والتصديق بها والتسليم والرضا وأن الله يضع كنفه على عبده تقريبًا له إلى أن يضع كنفه عليه وذلك صفة ذاته لا يدري ما التكييف فيها ولا ماذا صفتها وكذلك في الرحم تأخذ بحقو

ص: 212

الرحمن صفة ذاته لا يدري ما التكييف فيها ولا ماذا صفتها وكذلك دعوة الله لعباده وهم في الأرض أموات بالخروج منها فيخرجون كل ذلك صفات ذاته من غير تكييف ولا تشبيه قال فأما الحديث في الرحم والحقو فحديث صحيح ذكره البخاري وقد سئل إمامنا عنه فأثبته وقال يمضي الحديث كما جاء وأما الحديث في كنفه فهو حديث ثابت رواه الأئمة أحمد بن حنبل وابن معين وابن المديني

ص: 213