المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المملكة العربية السعودية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية - جـ ٨

[ابن تيمية]

الفصل: المملكة العربية السعودية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد

المملكة العربية السعودية

وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

الأمانة العامة

بيان

تلبيس الجهمية

في تأسيس بدعهم الكلامية

تأليف شيخ الإسلام

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني

(ت 728هـ)

‌الجزء الثامن

اللقاء - النور - الحجاب - القرب - المجيء

التأويل - المحكم والمتشابه

حققه

د. راشد بن حمد الطيار

ص: 1

فصل قال الرازي الفصل الخامس في لفظ اللقاء قال الله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة 46] وقال فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ [الكهف 110] وقال بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ [السجدة 10] وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قالوا واللقاء من

ص: 3

صفات الأجسام يقال التقى الجيشان إذا قرب أحدهما من الآخر في المكان قال واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه تعالى ليس بجسم وجب حمل هذا اللفظ على أحد الوجهين أحدهما أن من لقي إنساناً أدركه وأبصره فكان المراد

ص: 4

من اللقاء هو الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب والثاني أن الرجل إذا حضر عند ملك ولقيه دخل هناك تحت حكمه وقهره دخولاً لا حيلة له في دفعه فكان ذلك اللقاء سبباً لظهور قدرة الملك عليه على هذا الوجه قلما ظهرت قدرته وقوته وقهره وشدة بأسه في ذلك اليوم عبَّر عن تلك الحالة باللقاء والذي يدل على صحة قولنا إن أحداً لا يقول بأن الخلائق تلاقي ذواتهم ذات الخالق على سبيل المجاورة ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة لم يبق إلا ما ذكرناه والله أعلم والكلام على هذا أن يقال لفظ اللقاء من أسماء الأفعال المقتضية للحركة والقرب إلى الله تعالى وفي الكتاب والسنة من هذا أنواع عديدة كلفظ المجيء في قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام 94] وقوله لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف 48] وقوله حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف 38]

ص: 5

وفيها قراءتان مشهورتان وقوله إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)[الصافات 84] ولفظ الذهاب وهو قول إبراهيم إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)[الصافات 99] ولفظ الإتيان كما في قوله تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)[النمل 87] وقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)[مريم 93] ولفظ الرجوع كقوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة 281] وقال قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)[البقرة 156] لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)[المائدة 105] وقال كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)[الأنعام 108] وقال فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا [المائدة 48] وقوله إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)

ص: 6

[العلق 8] وقوله يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)[الفجر 27-30] ولفظ الحشر كقوله تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام 38] وقوله وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام 51] ونحو ذلك مما في كتاب الله يكاد يبلغ مئين وقوله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)[الجاثية 15] وقوله فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)[يس 83] وقوله وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [لقمان 23] ولفظ الإياب

ص: 7

كقوله إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)[الغاشية 25-26] ولفظ المصير كقوله وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)[التغابن 3] وقوله رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)[الممتحنة 4] وقوله اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)[الشورى 15] وهذا أيضاً كثير ولفظ الكدح وهو قوله يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)[الانشقاق 6] ولفظ الانقلاب لقوله عن السحرة لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50)[الشعراء 50] وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21)[العنكبوت 21] ولفظ الاستقرار وهو قوله يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ

ص: 8

الْمُسْتَقَرُّ (12)[القيامة 10-12] ولفظ السوق كقوله تعالى وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)[القيامة 29-30] ونحوه وقوله وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)[ق 21] لكن هنا لم يذكر اللفظ الذي يبين إلى من يساق ونحن لم نذكر من ألفاظ القرآن إلا ما صرح فيه بما هو ذهاب إلى الله ولفظ التبتل وهو قوله وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)[المزمل 8] ولفظ العروج لقوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] ولفظ الرد كقوله تعالى قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الجمعة 8] وقوله عن المؤمن وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ [غافر 43] وقوله وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا

ص: 9

مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)[الكهف 36] وقوله ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)[الأنعام 60-62] ولفظ الانتهاء كقوله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42)[النجم 42] ولفظ الفرار كقوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات 50] ولفظ الإنابة كقوله تعالى وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ [الزمر 54] وقال ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)[الشورى 10] وقوله وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ [لقمان 15] ولفظ التوبة كقوله تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)[النور 31] وقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم 8] وقال وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف 15] وقوله فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)[الفرقان 71] وقوله قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)[الرعد 30] ولفظ الأوب كقوله إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36)[الرعد 36]

ص: 10

ولفظ الاستقامة كقوله تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت 6] ولفظ الهجرة قال وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26)[العنكبوت 26] ولفظ الصعود كقوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] ولفظ الملجأ كقوله تعالى وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة 118] إلى أمثال ذلك كما هو في كتاب الله كافٍ مبلّغ مبين وأما ذكر لقاء الله فقد ذكره الله في القرآن في مواضع كثيرة كقوله نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)[البقرة 223] وقوله فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)[البقرة 249] وقوله قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) الآية [الأنعام 31] وقوله وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا

ص: 11

بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)[يونس 45] وقوله ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)[الأنعام 154] وقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)[التوبة 75-77] وقوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7)[يونس 7] وقوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس 15] وقوله فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)[الكهف 110] وقوله قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ

ص: 12

[الكهف 103-105] وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [العنكبوت 23] وقوله وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)[الأعراف 147] وقوله مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت 5] وقوله وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)[الروم 8] وقوله تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب 44] وقوله أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)[فصلت 54] إذا عرف أن الإخبار بلقاء العباد لربهم مذكور في كتاب الله في قريب من عشرين موضعاً وأن ما يشبه هذا مذكور في مواضع يدخل في الناس فقد ذكر الله هذا اللفظ في حق غير الله في مواضع كقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)[الأنفال 15]

ص: 13

وقوله إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الأنفال 45] وقوله قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران 13] وقوله إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال 41] وقوله لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ [غافر 15-16] من هذا الباب على أكثر الأقوال وقد أخبر الله بلقاء يوم القيامة في قوله فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)[الطور 45] وقوله فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)[الزخرف 83][المعارج 42] وإذا كان كذلك فالكلام على ما ذكره من وجوه أحدها أن الذي ذكره المؤسس عن منازعيه أنهم قالوا اللقاء من صفات الأجسام يقال التقى الجيشان إذا قرب أحدهما من الآخر في المكان لم يذكر عنه جواباً فإن قوله اعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه تعالى ليس بجسم وجب حمل اللفظ على أحد وجهين تسليم لهم أن

ص: 14

اللفظ يدل على التجسيم وأن هذه النصوص المذكورة في القرآن تدل على أن الله جسم وإذا سلّم لهم هذه الدلالة فلم يذكر ما يعارضها لأن ما ذكره هو وغيره من الأدلة قد تقدم بيان حالها بحيث يظهر كل من فهمها أنها ليست بأدلة ألبتة وأن الحجج العقلية التي حكوها عن منازعيهم في الإثبات أقوى من حججهم المذكورة على النفي وحينئذ فيكون ما سلّمه من دلالة القرآن على قول منازعيه سليماً عن المعارض الوجه الثاني أن يقال تأويل هذه النصوص لكون ظاهرها التجسيم لا يجوز فإن قول القائل هذا من صفات الأجسام وارد في كل اسم وصفة لله تعالى مثل كونه موجوداً وقائماً بنفسه وموصوفاً ومبايناً لغيره ومثل كونه حيًّا عالماً قديراً سميعاً وبصيراً ورؤوفاً ورحيماً فإن هذا جميعه لا يعترف الناس انه يسمى ويوصف به إلا الجسم فإن كان مثل هذا موجباً لصرف الأسماء والصفات عن ظاهرها وجب أن يُصرف الجميع ومن المعلوم أنه إذا صرف شيء منها فلابد أن يصرف إلى معنى آخر يعبر عنه بلفظ آخر وذلك اللفظ الثاني يردُ عليه مثل ما ورد على الأول فإنه لا يعرف إطلاقه إلا على

ص: 15

الجسم وإذا كان كذلك علم أن جميع هذه التأويلات باطلة لأنه يلزم من رفعها إثباتها وما استلزم عدمه وجوده كان عدمه ممتنعاً وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وكل دين أن هذا باطل وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة العقلية أن هذا باطل فإن كل من أقر بموجود لابد أن يعلم منه معنىً يعبر عنه بلفظ وقد قدمنا أن الغالية من الملاحدة الذين لا يسمونه باسم لابد

ص: 16

أن يعثروا بما يلزمهم فيه أعظم مما فروا منه فإن نفس الإقرار بالوجود الواجب يستلزم وهذا لازم في نفس الوجود وبهذا يظهر أن الحق هو ترك هذه التأويلات مطلقاً وأن الإقرار ببعضها دون بعض تحكم وتناقض الوجه الثالث أن يقال إذا كانت هذه الأمور جميعها لا يعرف أنه يسمى ويوصف بها إلا الجسم فأحد الأمرين لازم وإما أن يكون ثبوت ما يسمونه جسماً هو الحق في نفس الأمر وإن كان السلف والأئمة لم ينطقوا بلفظ الجسم لكن نطقوا بالألفاظ التي هي صريحة في المعنى الذي يسميه هؤلاء جسماً وإما أن يكون جميع هذه الأسماء والصفات وإن كانت لا تقال إلا على جسم فإنها تقال لله عز وجل وليس بجسم وبهذا نجيب كل من أثبت شيئاً من هذه الصفات لمن نفاها فنقول إذا اتفقنا على أنه حي عليم قدير وليس

ص: 17

بجسم فكذلك يكون عالماً بعلم وقادراً بقدرة ولا يكون جسماً وقد قدمنا أن لفظ الجسم لفظ مجمل وان كل واحد من إطلاق القول بإثباته أو نفيه عنه بدعة لا يؤثر عن أحد من السلف والأئمة ولا لذلك أصل في الكتاب وأن الواجب أحد أمرين إما ترك إطلاق هذا الاسم نفياً وإثباتاً وإما التفصيل وهو أن يقال إن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى حق وإن كنا لا نسميه بهذا الاسم لما فيه من الإجمال والاشتراك والإبهام والإيهام والبدعة وإن أريد بالجسم كذا وكذا فهذا المعنى باطل ولا يحتاج أن ينفى مثل هذا اللفظ المجمل بل ينفى بالألفاظ الناصة كما دل على ذلك الكتاب والسنة الوجه الرابع أنه مازال الصفاتية نفاة الجسم ومثبتوه

ص: 18

يستدلون بهذه الآيات ونحوها على أن الله تعالى فوق العرش ليس هو في الخلق بحيث يصح أن يؤتى إليه ويوقف عنده كما استدل بذلك أبو الحسن الأشعري في مسألة

ص: 19

العرش فقال وقال الله تعالى ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] وقال سبحانه وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام 94] كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً جل عما يقوله الذين لم يثبتوا له في وصفه حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم

ص: 20

على النفي في التأويل ويريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل فاحتجاجه بهذه الآيات على أن الله عز وجل فوق العرش صريح في أن الله نفسه هو الذي رُدُّوا إليه وهو الذي جاءوا إليه فرادى ووقفوا عليه ونكسوا رءوسهم عنده كما دل القرآن على ذلك فلو كان الله بنفسه لا يجوز أن يلقى ولا يؤتى ولا يوقف عليه لم تصح هذه الدلالة بالنصوص المشتملة على ذكر إتيان الله عز وجل ومجيئه ونزوله وكذلك استدلال الأشعري على أنه على العرش قال ومما يذكر لكم أن الله عز وجل مستو على عرشه دون

ص: 21

الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله

ص: 22

ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له حتى يطلع الفجر رواه نافع عن جبير ابن مطعم عن أبيه

ص: 23

وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بقي ثلث الليل نزل الله إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه من ذا الذي يسترزقني أرزقه حتى ينفجر الصبح

ص: 24

قال وروى رفاعة الجهني قال قفلنا مع رسول الله

ص: 25

صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد أو قال بقديد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إذا مضى ثلث الليل أو ثلثا الليل نزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستغفرني فأغفر له من ذا الذي يسألني فأعطيه حتى ينفجر الفجر

ص: 26

قال وقد قال عز وجل يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل 50] وقال سبحانه تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة 29] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ [الفرقان 59] وقال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة 4] وكل هذا يدل على أنه في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست في الأرض فدل على أنه منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه وهذا

ص: 27

الاستدلال قال الأشعري قال الله سبحانه تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وقال عز وجل هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [القرة 210] وقال سبحانه وتعالى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)[النجم 8-10] واستدلاله بهذه الآيات على أن الله فوق العرش يقتضي أن الله عنده هو الذي يأتي ويجيء إذ لولا ذلك لم يصح الدليل كما تقدم قال وقال سبحانه وتعالى يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال سبحانه وتعالى وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء 157-158] قال وأجمعت الأمة على أن الله تعالى رفع عيسى إلى السماء فهذه دلالة الأشعري وهو من أكبر أئمة المتكلمين الصفاتية تصرح بأنه كان يثبت أن الله نفسه تأتيه عباده ويأتي عباده مع قوله بأنه ليس بجسم وكذلك أبو محمد عبد الله

ص: 28

لبن سعيد بن كلاب قبله وغيرهما فإذا كان هؤلاء يقررون هذا التقرير فكيف بمن لا ينفي الجسم ولا يثبته أو بمن يثبته وهذا الاستدلال منه ومن غيره من علماء الأمة وسلفها بهذه الأحاديث على أن الله فوق يبين أن نزول الرب عندهم ليس مجرد نزول شيء من مخلوقاته مثل ملائكته أو نعمته أو رحمته ونحو ذلك إذ لو كان المراد بهذا الحديث عندهم هو نزول بعض المخلوقات لم يصح الاحتجاج به على أنه فوق العرش فإن ذلك يكون كإنزال المطر وخلق الحيوان وذلك منا لا يستدل به على مسألة العرش كما يستدل بقوله ينزل ربنا فلما استدلوا بقوله ينزل ربنا علم أنهم كانوا

ص: 29

يقولون إن الله هو الذي ينزل لتستقيم الدلالة ولهذا كل من أنكر أن الله فوق العرش لا يمنع أن الله ينزل ذلك الوقت بعض المخلوقات الوجه الخامس أن يقال إن هذه الآيات المذكورة في اللقاء من قرأها علم بالاضطرار أن مضمونها إخبار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن العبد يلقى الله اللقاء الذي هو اللقاء كما أن سائر النصوص تخبر بما هو من جنس ذلك وإذا كان هذا معلوماً بالاضطرار من إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم فيقال إن كان ذلك مستلزماً لأن الملقي جسم كان ذلك حجة قاطعة في إثبات جسم وليس في نفي ذلك حجة تعارض هذا لا سمعية ولا عقلية أما الحجج الشرعية فظاهرة لم يدّع أحد من العقلاء أن الكتاب والسنة دلالتهما على نفي الجسم أظهر من دلالتهما على ثبوته بل عامة الفضلاء المنصفين يعلمون أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الله تعالى ليس بجسم وجميع الطوائف من نفاة الجسم ومثبتته متفقون على أن ظواهر الكتاب والسنة تدل على إثبات الجسم وإنما ينازعون

ص: 30

في كون الدلالة محتملة التأويل أم لا فعلم اتفاق الطوائف على أن الأدلة الشرعية الثبوتية لا تدل على قول نفاة الجسم بل إنما تدل على قول المثبتين سواء قيل إن تلك الدلالة مقررة أو مصروفة وإنما يدعي النفاة دلالة الأدلة العقلية على النفي وقد تقدم ما ذكره النفاة من حجتهم وحجة منازعيهم أظهر لكل ذي فهم أنهم اقرب إلى المعقول وأن حجتهم أثبت في النظر والقياس العقلي وإذا كان كذلك فإذا قيل إن مدلول هذه النصوص مستلزمة للجسم فلازم الحق حق وكان الواجب حينئذ إثبات الملزوم ولازمه لا نفي اللازم ثم نفي

ص: 31

ملزومه كما يفعله من يجعل أقيسته النافية هي الأصل مع ما يبين منازعوه من فسادها واضطرابها وردها بـ ما علم بالاضطرار وبالأقيسة العقلية ويجعل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع سلف الأمة وأئمتها تبعاً لها فلا يقبل حكمه ولا شهادته فيما يخالفها وهؤلاء أسوأ حالا من هذا الوجه ممن ادعى أن مسيلمة مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من جنسه فإن أولئك لا يظهرون أنهم يتركون أوامر محمد صلى الله عليه وسلم لأمر مسيلمة وإن كان كذلك لازمًا لهم وهؤلاء يصرحون بهذا وقد بينا أنهم أن أقيستهم من باب الإشراك وجعل الأنداد لله عز وجل والعدل به

ص: 32

فصار أصل قولهم شركاً وردة ظاهرة ونفاقا أعني من الجهة التي يخالفون فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كانوا من جهة أخرى مؤمنين به مقرين بما جاء به ولكنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض ومنهم من يعلم ذلك فيكون منافقاً محضاً ومنهم جهال اشتبه الأمر عليهم وإن كانوا فضلاء فهؤلاء فيهم إيمان وقد يغفر للمخطئ سيئة المجتهد وفي متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا قال عبد الله بن المبارك ولا أقول بقول الجهم إن له قولاً يضارع قول الشرك أحياناً وقال إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن

ص: 33

نحكي كلام الجهمية الوجه السادس قوله والذي يدل على صحة قولنا إن أحداً لا يقول إن الخلائق تلاقي ذواتهم ذات الله على سبيل المجاورة ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة ولم يبق إلا ما ذكرناه

ص: 34

يقال له إما أن تعني بذلك المماسة والاتصال أو تعني به المواجهة أو المقاربة فإن عنيت الثاني فلا نزاع بين القائلين إن الله تعالى على العرش وأن ذوات العباد تقرب من ذات الله عز وجل تارة وتبعد أخرى ومن المعلوم أن إحدى الذاتين إذا قربت من الأخرى صارت الأخرى منها قريبة وإنما نازع بعضهم في أن ذات الله عز وجل نفسها هل تدنو من العباد مع أن جمهورهم يثبتون ذلك وهذه الأقوال المحفوظة عن سلف الأمة وأئمتها وهي مذهب جماهير أهل الحديث وأئمة الفقهاء والصوفية وطائفة من أهل الكلام وإن عنيت بالملاقاة على سبيل المجاورة ومماسة إحدى الذاتين للأخرى ففيه جوابان أحدهما أن هذا لا يشترط في معنى لفظ اللقاء قال تعالى إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)[الأنفال 15] ومعلوم أن هذا يكون بدون تباين الذوات وقال تعالى إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال 45] وقال تعالى قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [آل عمران 13]

ص: 35

ومن المعلوم أن أكثر الفئتين لم تمس أحدهما أحداً من الأخرى وإن كان قد تقع المماسة بين بعضهم ومثله قوله تعالى إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال 41] وقوله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال 44] وقد سماهما ملتقيين حين الترائي قبل التواصل ومن هذا قول متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتسطتارا

ص: 36

فإنه لا يعني به إلا المواجهة والمقاربة وقد قال تعالى وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان 75] وليس التحية والسلام مما تمس الإنسان وإن كان كذلك وهؤلاء متفقون على صحة هذا المعنى بين العبد وربه بطل ما ذكره من اتفاق الخلائق الجواب الثاني أنه لو قدر أن المراد بالملاقاة في اللغة المماسة فليس هذا المعنى مما اتفق على نفيه بل أكثر الصفاتية يجوزون أن الله يمس المخلوقات وتمسه كما يجوزون أن يراها وتراه بل هذا مذهب أئمة الأشعرية أيضاً وقد ذكره هو عنهم في مسألة الإدراكات الخمسة وقد تقدم ذكر ذلك

ص: 37

قال في مسألة الرؤية قوله يعني المعترضين هذا الدليل يقتضي صحة تعلق إدراك اللمس بالله قلنا إن إخواننا التزموا ذلك ولا طريق إلا ذلك وقال أيضًا في حجة المخالف الرابعة شبهة الأجناس وهي أن المرئيات في الشاهد أجناس مخصوصة وهي الجواهر والألوان والحركات والسكنات والافتراق والاجتماع ولا يخرج من هذه الأجناس ما هو منها ولا يدخل فيها ما ليس منها فلا يصح أن ترى إلا ما كان من جنسها كما أن المسموعات لما كانت في الشاهد جنساً واحداً مخصوصاً وهو الصوت وكما لا يجوز أن يسمع ما ليس

ص: 38

بصوت فكذا لا يجوز أن يرى ما ليس من هذه الأجناس قال وربما قالوا ابتداء لو جاز تعلق الرؤية بالباري تعالى فَلِمَ لا يجوز أن تتعلق به سائر الإدراكات حتى يكون مسموعاً مشموماً مذوقاً ملموساً ولما بطل ذلك بضرورة العقل فكذلك ها هنا ثم قال في الجواب وأما التزام اللمس والشم والذوق والسمع فقد التزمه أصحابنا وفي نسخة بعض أصحابنا وذلك بالحقيقة لازم على م اعتمد في هذه المسألة على الوجوه العقلية فأما من اعتمد على الوجوه السمعية فله أن يقول لما دلت الدلالة السمعية على كونه مرئيًّا قلت به ولم تقم الدلالة علو كونه مذوقاً

ص: 39

ملموساً مشموماً فلا يلزمني أن أقول به وقال أيضا في مسألة إثبات أن الله عز وجل سميع بصير بعد أن ذكر الطريقة العقلية وذكر الأسئلة عليها قال فيها ثم لئن سلمنا أن هذا الكلام يدل على كون الباري سميعاً بصيراً لكنه يقتضي اتصافه بإدراك الشم والذوق واللمس قال وللأصحاب اضطراب فيه وقياس قولهم يوجب القول بإثباته على ما هو مذهب القاضي وإمام الحرمين وغيرهما

ص: 40

ثم قال الفصل الخامس عشر في أنه تعالى هل هو موصوف بإدراك الشم واللمس والذوق أثبت القاضي والإمام هذه الإدراكات الثلاثة لله تعالى وزعموا أن لله عز وجل خمس إدراكات وزعمت المعتزلة البصرية أن كون الله تعالى حيّا يقتضي إدراك هذه الأمور بشرط حضورها فأما أبو القاسم بن سهلوية فإنه نفى كونه تعالى مدركا للألم واللذة وأما الأستاذ أبو إسحاق

ص: 41

منا فإنه نفى عن الله تعالى هذه الإدراكات والأول مذهب القاضي والإمام والدليل على ذلك ما ذكرناه في باب السمع والبصر فإذا كان هو وأئمة مشايخه يقولون إن الله تعالى يدرك الأجسام باللمس لم يصح أن ينفي مماسته للأجسام وهذا هو المفهوم من اللقاء على سبيل المجاورة ولكن دعواه اتفاق الخلائق على عدم قول ذلك مثل قول المعتزلة الذين ناظرهم في ذلك معلوم بالضرورة ثم إنه لم يقبل ذلك منهم وأثبته والحكم بينهم له موضع غير هذا وإنما الغرض نفي ما ادعاه حتى لمذهبه بل إذا كان قد ذكر عن المعتزلة البصريين أن كون الله عز وجل حيًّا يقتضي إدراك هذه الأمور بشرط حضورها يعنون إدراك اللمس وما معه فكيف بغيرهم والمعتزلة

ص: 42

البصرية أقرب إلى الإثبات من البغداديين والأشعري كان في أول أمره منهم من أصحاب أبي علي الجبائي شيخهم في وقته ولعل هذا البحث القياسي إنما أخذه الأشعري عنهم فإذا كان هؤلاء يثبتون بالقياس إدراك اللمس والشم والذوق فكيف بأصحاب الحديث والآثار فإنهم أكثر إثباتاً وإن كان النزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في ثبوت ذلك كما تنازعوا في كونه على العرش هل هو بمماسة أو بغير مماسة وملاصقة أو لا يثبت ذلك ولا ينتفي على ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم من الطوائف

ص: 43

وكذلك خلق آدم بيديه وإمساكه السموات والأرض ونحو ذلك هل يتضمن المماسة والملاصقة على هذه الأقوال الثلاثة وأما السلف وأئمة السنة المشاهير فلم أعلمهم تنازعوا في ذلك بل يقرون ذلك كما جاءت به النصوص ولكن يذكر هذا في موضعه وهذا كقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي قال ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها

ص: 44

وعددها في كتابه من الوجه والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفاً بعد حرف وشيئاً بعد شيء بحكم بشر بن غياث المريسي لا يعتمد فيها على إمام أقدم منه ولا أرشد منه عنده فاغتنمنا ذلك منه إذ صرح باسمه وسلّم فيها لحكمه لما أن الكلمة قد اجتمعت من عمة الفقهاء في كفره وهتك ستره وافتضاحه في مصره وفي سائر الأمصار الذين سمعوا بذكره فروى المعارض عن بشر المريسي قراءة منه بزعمه وبزعم أن بشراً قال له اِرْوِهِ عني أنه قال في قوله الله تعالى لإبليس مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] فادعى أن بشراً قال يعني

ص: 45

الله عز وجل بذلك أني وليت خلقه وقوله بيديّ تأكيد للخلق لا أنه خلقه بيده قال فيقال لهذا المريسي الجاهل بالله بآياته فهل علمت شيئاً مما خلق الله ولي خلق ذلك غره حتى خص آدم من بينهم أنه ولي خلقه من غير مسيس

ص: 46

بيده فَسَمِّهِ وإلا فمن ادعى أن الله تعالى لم يل خلق آدم بيده مسيساً لم يخلق ذا روح بيديه فلذلك خصَّه به وفضَّله وشرَّف بذلك ذكره لولا ذلك ما كانت له فضيلة في ذلك على شيء من خلقه إذ كلهم بغير مسيس في دعواك وأما قولك تأكيد للخلق فلعمري إنه لتأكيد جهلت معناه فقلبته إنما هو تأكيد اليدين وتحقيقهما وتفسيرهما حتى يعلم العباد أنها تأكيد مسيس بيد لما أن الله عز وجل قد خلق كثيراً في السموات والأرض أكبر من آدم وأصغر وخلق الأنبياء والسل فكيف لم يؤكد في خلق شيء منها ما أكد في آدم إذ كان أمر المخلوقين في معنى يد الله تعالى كمعنى آدم عند المريسي فإن يك صادقاً في دعواه

ص: 47

فَلْيُسَم شيئاً نعرفه وإلا فإنه الجاحد لآيات الله المعطل ليدي الله قال وادعى الجاهل المريسي أيضا في تفسير التأكيد من المحال ما لا نعلم أحداً ادعاه من أهل الضلالة فقال هذا تأكيد للخلق لا لليد لقول الله تعالى فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة 196] فيقال لهذا التائه الذي سلب الله عقله وأكثر جهله نعم هو تأكيد لليدين كما قلنا لا تأكيد للخلق كما أن قوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ تأكيد العدد لا تأكيد الصيام لأن العدد غير الصيام ويد الله غير آدم فأكد الله تعالى لآدم الفضيلة التي كرَّمه وشرَّفه بها وآثره على جميع عباده إذ كل عباده خلقهم بغير مسيس بيد وخلق آدم بمسيس فهذه عليك لا

ص: 48

لك وبسط الكلام في ذلك بسطاً ليس هذا موضعه وذكر فيما ذكره حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن

ص: 49

ميسرة قال إن الله لم يمس من خلقه غير ثلاث خلق آدم

ص: 50

بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع فإن ذلك متعلق بعدة نصوص وإنما الغرض هنا بيان ما ذكره من الاتفاق الوجه السابع قوله أنه لما ثبت بالدليل أنه ليس بجسم وجب حمل هذا اللفظ على أحد وجهين أحدهما أن من لقي إنساناً أدركه وأبصره فكان المراد من اللقاء هو الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب

ص: 51

قلت لا ريب أن من السلف والأئمة من جعل اللقاء يتضمن الرؤية واستدلوا بآيات لقاء الله عز وجل على رؤيته ومن الناس من نازع في دلالة اللقاء على الرؤية وقد تكلمنا على ذلك في غير هذا الموضع وذكرنا دلالة الأحاديث النبوية على ذلك أيضاً لكن الذين جعلوا اللقاء يدل على الرؤية لم ينفوا معنى اللقاء ويثبتون الرؤية كما يفعله طائفة من متأخري أصحاب الأشعري مثل المؤسس وغيره فإن هذا عندهم ممتنع معلوم الامتناع بضرورة العقل كما يوافقهم على ذلك سائر العقلاء وهو أيضاً خلاف ما تواتر من السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو إثبات الرؤية بغير معاينة ومواجهة وأيضاً فلفظ اللقاء نص في المواجهة والمقاربة وإنما يقال إنه يتضمن الرؤية أو يستلزمها فهي جزء المسمى أو لازمه فكيف يصح إثبات ذلك مع نفي ما اللفظ عليه أدل وهو الأظهر من معناه

ص: 52

فهذا القول لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها ولا من أهل اللغة والتفسير الوجه الثامن أن القرآن والأحاديث تصرح بأن الكفار يلاقون الله عز وجل وبأن من أنكر ذلك فهو كافر كقوله تعالى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [الأنعام 31] وقوله وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)[يونس 45] وقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ [التوبة 75-77] وقوله أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف 105] وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [العنكبوت 23] وقوله وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)[الروم 8] وقوله أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)[فصلت 54] وغير ذلك كما تقدم وإذا كان كذلك فمذهبه ومذهب

ص: 53

أصحابه وغيرهم أن الكفار لا يرون الله عز وجل فكيف يفسر لقاؤهم لله عز وجل بأنهم يرونه وأيضاً من أنكر أنهم يرون الله عز وجل لا يكفره بل من أنكر رؤية الله تعالى لا يكفره والقرآن قد كفر من أنكر لقاء الله عز وجل فإذا فسر اللقاء بمجرد الرؤية وجب أن يجعل القرآن مخبراً بكفر من أنكر الرؤية في هذه الآيات وهو لا يقول بذلك الوجه التاسع أن تفسير اللقاء بأنه رؤية ليس فيها مواجهة ولا مقاربة تفسير للفظ ما لا يعرف في شيء من لغات العرب أصلاً ومن المعلوم أن التأويل لا يمكن إلا إذا كان اللفظ دالاً على المعنى في اللغة وهذا اللفظ لا يدل على هذا المعنى في اللغة أصلاً بل هذا المعنى إما أن يكون ممتنعاً في نفسه أو يكون بصورة كذا لا يفهمه إلا قليل من الناس ومن الأصول التي يقررها هو أن اللفظ الذي يتناوله الخاص والعام لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى لا يفهمه إلا آحاد الناس وإذا لم يكن

ص: 54

هذا اللفظ دالاً على هذا المعنى في لغتهم التي بها يتخاطبون لا حقيقة ولا مجازاً امتنع حمل اللفظ عليه الوجه العاشر أن تفسيره لذلك في الوجه الثاني بأن اللقاء هو ظهور قدرته وقهره وشدة بأسه في ذلك اليوم يقال له تفسير اللقاء بظهور قدرة الملاقي على الملاقى هو تفسير للفظ بما لا أصل له في لغة العرب أصلاً بل يعلم بالاضطرار من لغتهم أن هذا ليس معنى اللقاء في لغتهم وإن كان هذا قد يقع في بعض صور اللقاء كما قد يقع الإكرام تارة والعقوبة أخرى لكن ليس لفظ اللقاء دالاً على مجرد هذه المعاني التي يقترن وجودها بوجود المعنى المعروف من لفظ اللقاء وقد لا يقترن كما أن الرؤية قد يقترن بها المجالسة والمواكلة والإكرام أو العقوبة أو غير ذلك ثم إن لفظ الرؤية ليس معناه هذه الأمور التي قد يحصل مع مسمى الرؤية في بعض الصور الوجه الحادي عشر أنه قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)

ص: 55

[الأحزاب 41-44] فهنا لقاء المؤمنين ربهم اقترن به الإكرام والتحية بالسلام فامتنع أن يكون معنى الفظ ظهور القدرة والقهر والبأس لأن المؤمنين لم يظهر في لقائهم إياه إلا الرحمة والخير دون البأس والشدة ومثل هذا قوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ [البقرة 223] فإن المؤمنين لا يجب عليهم أن يعلموا أن الله يظهر لهم رحمته وكرامته الوجه الثاني عشر قوله تعالى فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)[الكهف 110] فإن الرجاء لا يتعلق بالمكروه المحض فلو كان المراد باللقاء ظهور القهر والبأس لم يكن ذلك مما يرجى بل مما يخاف فكان ينبغي أن يقال فمن كان يخاف لقاء ربه ونحوه قوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا [يونس 7] وقوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [يونس 15] وقوله تعالى مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت 5]

ص: 56

وأما ما قاله من أن الرجاء يكون بمعنى الخوف كما في قول الشاعر إذا لسعه النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل

ص: 57

أي لم يخف ولم يبال فأكثر اللغويين والمفسرين على خلاف هذا قالوا ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد فإذا كان كذلك كان الخوف على جهة الرجاء والخوف وكان الرجاء كذلك كقوله عز وجل لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية 14] هذه للذين لا يخافون أيام الله

ص: 58

وكذلك قوله تعالى لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)[نوح 13] قالوا ولا تقول رجوتك في معنى خفتك إذ لا جحد فلا يمكن حمل الرجاء فيما ذكر فهذا لا يصح في هذا الموضع الوجه الثالث عشر إن ظهور قدرة الله وقهره وبأسه كثيراً ما يظهر في الدنيا بحيث يتيقن العبد أن لا ملجأ إلا إليه ولا يكشف شدته إلا هو ولا يغني عنه دون الله شيء كما في حال ركوب البحر وهيجانه وغير ذلك من الشدائد العظيمة ومع ذلك فلا يسمى هذا قط لقاء الله تعالى فلو كان اللقاء يراد به قدرته وقهره وبأسه لكان سمى هذا لقاء الله حقيقة أو مجازاً وليس الأمر كذلك قال تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35)[الشورى 32-35] الوجه الرابع عشر قوله إن الرجل إذا حضر عند ملك ولقيه دخل هناك تحت قهره وحكمه دخولاً لا حيلة له في

ص: 59

دفعه فكان اللقاء سبباً لظهور قدرة الملك عليه على هذا الوجه يقال له من المعلوم أن من عادة الملوك إذا أرادوا تعذيب إنسان وشدة عقوبته فإنهم يبعدونه عن حضوره عندهم أكثر مما يحضرون من يكون كذلك وأن الذين يريدون الإحسان إليهم يقربونهم إلى حضرتهم أكثر مما يبعدونهم هذا أمر معلوم باستقراء العادات وأن اقتران الكرامة بالتقريب إلى الحضرة أكثر من اقتراب الناس فكيف يجعل لفظ اللقاء دالاً على قهر الملوك دون إحسانهم الذي يقترن بلقائهم الوجه الخامس عشر إن الناس لا يسمون بأس الملوك وعذابهم لقاء لهم لا حقيقة ولا مجازاً ولكن لفظ اللقاء يدل على اللقاء المعروف وإذا كان معه عذاب سموه باسم آخر لم يجعلوه مسمىً باللقاء فما ذكره من المقال ليس شاهداً له بل عليه الوجه السادس عشر أن الملوك إذا أظهروا قدرتهم وقهرهم وبأسهم لمن لم يكن بحضرتهم لم يسم ذلك لقاءً لا حقيقة ولا مجازاً ولا يقول الملك لمن أمر بعقابه وهو

ص: 60

غائب عنه قد لقيني فلان ولا لقيته فعلم أن الذي ذكره افتراء على اللغة كما هو افتراء على الرحمن والقرآن الوجه السابع عشر أن المشركين ما كانوا يكذبون بأن الله يقدر عليهم قدرة ولا يمكنهم دفع ذلك عن أنفسهم والله عز وجل قد أخبر أنهم يكذّبون بلقاء الله عز وجل وجعل ذلك بعد الموت فلو كان المراد به ظهور مقدوره وبأسه لم يكونوا مكذبين بلقاء الله عز وجل

ص: 61

فصل قال الرازي الفصل السادس في لفظ النور قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور 35] وروى ابن خزيمة في كتابه عن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن قال واعلم أنه لا يصح

ص: 62

القول بأنه هو هذا النور المحسوس بالبصر ويدل على ذلك وجوه الأول أنه تعالى لم يقل إنه نور بل قال إنه نور السموات والأرض بمعنى الضوء المحسوس ولو كان نوراً في ذاته لم يكن لهذه الإضافة فائدة الثاني أنه لو كان كونه تعالى نور السموات والأرض بمعنى الضوء المحسوس لوجب أن لا يكون في شيء من السموات والأرض ظلمة ألبتة لأنه تعالى دائم لا يزال ولا يزول الثالث لو كان تعالى نوراً بمعنى الضوء وجب أن يكون ذلك الضوء مغنياً عن ضوء الشمس والقمر والنار والحِسُّ دال على خلاف ذلك

ص: 64

الرابع أنه تعالى أزال هذه الشبهة بقوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [النور 35] أضاف النور إلى نفسه ولو كان تعالى نفس النور وذاته نور لامتنعت هذه الإضافة لأن إضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة وكذلك قوله تعالى يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور 35] الخامس أنه تعالى قال وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام 1] فتبين بهذا أنه تعالى خالق الأنوار السادس أن النور يزول بالظلمة ولو كان تعالى عين هذا النور المحسوس لكان قابلاً للعدم وذلك يقدح في كونه قديماً واجب الوجود السابع أن الأجسام كلها متماثلة على ما سبق تقريره ثم إنها بعد تساويها في الماهية تراها مختلفة في الضوء والظلمة فوجب أن يكون الضوء عرضاً قائما بالأجسام والعرض يمتنع أن يكون إلهاً فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل النور على ما ذكروه بل معناه أنه هادي السموات والأرض أو معناه منور

ص: 65

السموات والأرض على الوجه الأكمل كما يقال فلان نور هذه البلدة إذا كان سبباً لصلاحها وقد قرأ بعضهم الله نَوَّر السموات والأرض فيقال قد تقدم الكلام على هذه الآية في أول كلامه وذكر أن الذي عليه جماهير الخلائق أن الله عز وجل نفسه نور حتى نفاة الصفات الجهمية كانوا يقولون إنه نور وأما

ص: 66

القول بأن الله عز وجل نفسه هو نور الشمس والقمر والنار فهذا لا يقوله مسلم ولكن قد ورد عن ابن مسعود أنه قال نور السموات من نور وجهه وهذا يتكلم عليه في موضعه ويتوهم بعض الناس أن هذه الأنوار قديمة لزعمهم أنها من نور الله عز وجل بل يقولون أن هذه النوار هي الله وهو نصب الخلاف مع من يقول ذلك ولكن يبقى كونه نوراً مطلقاً فلم يذكر إلا قولين إما أن يكون هو هذا النور المحسوس وإما ألا يكون نوراً بحال وكلا القولين باطل

ص: 67

بل هو نور وله نور وحجابه نور وإن لم يكن ذلك محسوساً لنا ولا حاجة في نفي كونه هذا النور المحسوس إلى ما ذكره من الأدلة ولكن ضمَّنها نفي كونه نوراً مطلقاً وذلك باطل فنتكلم على ما ذكره من الوجوه قوله في الوجه الأول لو كان نوراً في ذاته لم يكن لهذه الإضافة فائدة يقال له هذا باطل من وجوه أحدها أنه قيوم في نفسه ومع هذا ففي الحديث أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن الثاني أنه قد سمى القمر نوراً بقوله هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس 5] ومع هذا يقال للقمر نور الأرض الثالث أن كل ما كان موصوفاً بصفة في نفسه ولها تعلق بالغير أنه يذكر اسمه بإضافة وبغير إضافة كما يقال عالمٌ ويقال عالمُ الدنيا قوله في الوجه الثاني لو كان كونه نور السموات والأرض يعني هذا الضوء المحسوس لوجب ألا يكون في شيء من السموات والأرض ظلمة ألبتة لأنه تعالى دائم لا يزول

ص: 68

يقال على هذا وجوه أحدها أن هذا بعينه يرد في تفسيرك حيث قلت منور السموات والأرض بمعنى المصلح وهادي السموات والأرض فإن ذلك يستلزم على قياس قولك ألا يكون فيهما شيء من الضلالة أو الظلم والفساد فما قلته في هذا يقال في ذلك الثاني أن كونه نوراً أو له نور لا يوجب ظهور ذلك لكل أحد فإنه يحتجب عن العباد كما سنذكره في لفظ الحجاب الثالث أن في تمام الحديث ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ومعلوم أن كونه ملكاً لا ينافي أن يكون من عباده من جعلهم ملوكاً ويكون ملكهم من ملكه لا بمعنى انه بعضه لكن بمعنى أنه بقدرته وملكه حصل ملك العبد وكذلك الرب والقيوم وكذلك إذا كان هو نور السموات والأرض لم يمنع أن يكون غيره من المخلوقات نوراً وله نور إذا كان ذلك من نوره بمعنى أنه بنوره حصل ذلك وحينئذ فهو نور السموات والأرض ولا يجب أن يزول

ص: 69

كل ظلمة لأنه نفسه لم يحل في المخلوقات وإنما يلزم هذا الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان كما ذكر ذلك عنهم الأئمة كالإمام أحمد وغيره فأما أهل السنة الذين يقولون إنه فوق العرش فلا يلزمهم ذلك قوله في الوجه الثالث لو كان نوراً بمعنى الضوء لوجب أن يكون ذلك الضوء مغنيا عن ضوء الشمس والقمر يقال هذا إنما يلزم أن لو كان هو أو نوره الذي هو نوره ظاهر المخلوقات فكان يغني عن هذه الأنوار أما إذا كانت هذه الأنوار حادثة عن نوره المحتجب عن العباد لم يلزم ذلك قوله الرابع أنه تعالى أزال هذه الشبهة بقوله مَثَلُ نُورِهِ [النور 35] أضاف النور إلى نفسه وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة يقال هو نور وله نور فإن اسم النور يقال للشيء القائم بنفسه كما سمى القمر نوراً ويقال للصفة القائمة بغيرها كما يقال نور الشمس والقمر وقد دل الكتاب والسنة على أنه نور وله نور وحجابه

ص: 70

النور فالمضاف ليس هو المضاف إليه وأيضا فإن هذا يلزمهم مثله فإنه إذا فسر نور السموات والأرض بأنه هادي أو مصلح أو منور لزم أن يقال مثل هاديه أو مصلحه أو منوره ومعلوم أن هذا باطل بل يقال مثل هدايته أو إصلاحه أو تنويره فيكون مسمى النور المضاف ليس هو مسمى النور المضاف إليه على كل تقدير فعلم أن هذا لا يصلح أن يكون دليلا على صرف الآية عن ظاهرها ولا على صحة التأويل

ص: 71

وأيضاً فهذا مثل اسمه السلام فقد ثبت في صحيح مسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ثم قال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام فأخبر أنه هو في نفسه السلام وأن منه السلام وقوله الخامس أنه تعالى قال وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ

ص: 72

[الأنعام 1] فبين أنه خالق الأنوار يقال له وجوه أحدها أنه إذا أخبر أنه جاعل الظلمات والنور علم أن النور المجعول هو الذي تعاقبه الظلمات فيكون هذا موضع هذا وهذا موضع هذا كما في نور النهار وظلمة الليل أما هو نفسه ونوره فذاك لا يعاقبه ظلمة تكون في محله فلا يدخل في هذا العموم الثاني أن هذا يرد عليه أيضاً فإنه فسر النور بالهادي والمصلح والمنور فإن كان قوله وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام 1] يعم هذا النور المذكور في قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور 35] لزم أن يكون قد جعل نفسه وإن لم يعم نفسه لم يلزم أن يكون خالق النور المذكور في هذه الآية الثالث أنه من المعلوم أن الله عز وجل لما قال إنه خالق كل شيء وقال وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء 30] وقال كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] لم يدخل هو فيما خلق من الأشياء ولا فيما جعل من الماء من الأحياء ولا من الأنفس الذائقة للموت مع أنه قد سمي

ص: 73

حيا ونفساً فكذلك لا يدخل في النور المجعول وإن كان هو سبحانه وتعالى نوراً قوله السادس إن النور يزول بالظلمة ولو كان تعالى هو عين هذا النور المحسوس لكان قابلاً للعدم يقال له لا يقول مسلم إنه عين هذا النور المحسوس وليس هذا ظاهر الآية كما قد بينا وقوله في الوجه السابع إن الأجسام متماثلة وهي مختلفة في الضوء والظلمة فيكون الضوء عرضاً قائماً بالأجسام يقال له لا نزاع في أن الضوء الذي هو عرض قائم بالأجسام يسمى نوراً مثل شعاع الشمس المنبسط على الأرض وكذلك ضوء القمر المنبسط على الأرض وكذلك نور النار كالسراج القائم بالجدران لكن النور يقال للعرض ويقال للجسم أيضاً فإن نفس النار تسمى نوراً فإنه إذا سُمِّي ضوء النار الذي يكون على الأرض والحيطان نوراً فالنار الخارجة من الفتيلة وهو جسم قائم بنفسه أولى أن يكون نوراً قال الله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس 5] فَسُمِّي هذا ضياء

ص: 74

وهذا نوراً مع العلم بأنه يقال ضياء الشمس ويقال نور القمر فعلم أن الاسم يتناول الجسم ويتناول العرض فعلم أن اسم النور في حق الخالق وحق المخلوق يقال للموصوف القائم بنفسه ويقال للصفة القائمة به ويقال لما يحصل لغيره من نوره كالأشعة المنعكسة وقوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [النور 35] يتناول الأقسام الثلاثة فإنه أخبر أنه نور وأخبر أن له نورا وأخبر أنه كمشكاة فيها مصباح ومعلوم أن المصباح الذي في المشكاة له نور يقوم به ونور

ص: 75

منبسط على ما يصل إليه من الأرض والجدران فصل قال الرازي الفصل السابع في الحجاب قال الله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)[المطففين 15] قالوا والحجاب لا يعقل إلا في الأجسام وتمسكوا أيضا بأخبار كثيرة الخبر الأول ما روى صاحب شرح السنة في باب الرد على الجهمية عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ولكنه يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل

ص: 76

النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه قال المصنف هذا حديث أخرجه الشيخان وقوله

ص: 77

يخفض القسط ويرفعه أراد به أنه يراعي العدل في أعمال العباد كما قال تعالى وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)[الحجر 21] الخبر الثاني ما يروى في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره

ص: 78

الخبر الثالث روي في تفسير قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] أنه تعالى يرفع الحجاب فينظرون إلى وجهه تعالى واعلم أن الكلام في الآية هو أن أصحابنا قالوا إنه لا يجوز أن يقال إنه تعالى محتجب عن الخلق ولا يجوز أن يقال إنه محجوب عنهم لأن لفظ الاحتجاب مشعر بالقوة والقدرة والحجب

ص: 79

يشعر بالعجز والذلة يقال احتجب السلطان عن عبيده ويقال فلان حجب عن الدخول على السلطان وحقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محالٌ لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين بل هذا محمول عندنا على أن الله تعالى لا يمنع وصول آثار إحسانه وفضله إلى الإنسان وأما الخبر الأول وهو قوله صلى الله عليه وسلم حجابه النور فاعلم أن كل شيء يفرض مؤثراً في شيء آخر فكل كمال يحصل للأثر فهو مستفاد من المؤثر لا شك أن ثبوت ذلك الكمال لذلك المؤثر أولى من ثبوته في ذلك الأثر وأقوى وأكمل ولا شك بأن معطي الكمالات بأسرها هو الحق تعالى فكان كل كمال الممكنات بالنسبة إلى كمال الله تعالى كالعدم ولا شك أن جملة الممكنات ليست إلا عالم الأجسام وعالم الأرواح ولا شك أن جملة كمالات عالم

ص: 80

العناصر بالنسبة إلى كمال عالم الأفلاك كالعدم ثم كمال عالم الروح بالنسبة إلى كمال كل العناصر كالعدم ثم كمال الشخص المعين بالنسبة إلى كمال هذا الروح كالعدم فيظهر هذا أن كمال الإنسان المعين

ص: 81

بالنسبة إلى كمال الله تعالى أولى من أن يقال إنه كالعدم ولا شك أن روح الإنسان وحده لا تطيق قبول ذلك الكمال ولا يمكنه مطالعته بل الأرواح البشرية تضمحل في أدنى مرتبة من مراتب تلك الكمالات فهذا هو المراد بقوله لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره من خلقه والكلام على هذا أن يقال أما ذكر الحجاب في الكتاب والسنة فأضعاف ما ذكره فإنه لام يذكر من القرآن إلا قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)[المطففين 15] وقد قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] وأيضاً فذكره لتجليه للجبل يدل على أنه كان محتجباً فتجلى وأما الأحاديث فمنها حديث أبي موسى الذي ذكره

ص: 82

وليس هو مما أخرجه الشيخان كما ادعاه وإنما هو من أفراد مسلم خرَّجه عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات قال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه نور في رواية النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وذكر ابن خزيمة رواية أبي معاوية عن

ص: 83

الأعمش عن عمرو بهذا اللفظ قال حجابه نور ورواه من طريق الثوري عن عمرو قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات وقال حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره

ص: 84

وكذلك رواه المسعودي عن عمرو بمثله وزاد فيه ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)[النمل 8] ورواه من طريق جرير عن الأعمش وذكر أنه مثل رواية الثوري ورواه عثمان بن سعيد من طريق جرير عن الأعمش ولفظه قام فينا رسول

ص: 85

الله صلى الله عليه وسلم بأربع وقال حجابه النور ولو كشفها ورواه أيضا من طريق الثوري عن حكيم بن الديلم عن أبي بردة عن أبي موسى مثل لفظ الثوري عن عمرو بن مرة

ص: 86

وفي الصحيحين عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه وفي رواية ما بين أن ينظروا إلى ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه رواه

ص: 87

ابن خزيمة وفي صحيح مسلم هن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال

ص: 88

رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً لم ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيّض وجوهنا ويثّقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب عن وجهه فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة وقد رواه حماد بن زيد وسليمان بن

ص: 89

المغيرة ومعمر عن ثابت لكن رواية حماد بن سلمة أتم إسناداً ومتناً وذلك معروف في أحاديثه عن ثابت البناني لأنه كان بينهما من الصلة ما لم يكن بينه وبين غيره وكان ثابت يقول ولا أن يصنعوا بي كما صنعوا بأبي سعيد يعني الحسن البصري لحدثتهم أحاديث موثقة فلهذا كان يختصر لبعض

ص: 90

الناس ويختصر عنه حماد بن سلمة أشياء لاختصاصه به ورواه ابن خزيمة وغيره عن حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] أعطوا فيها ما شاءوا وما سألوا قال يقال إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى قال وتلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] الجنة وزيادة النظر إلى ربهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إلى ربهم

ص: 91

ولفظ سليمان عن ثابت عن ابن أبي ليلى أنه سئل عن قول الله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ قال إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة أعطوا فيها من النعيم والكرامة ينادون يا أهل الجنة إن الله قد وعدكم الزيادة قال فيكشف الحجاب فيتجلى لهم تبارك وتعالى فما ظنك بهم حيث ثقلت موازينهم وحين طارت صحفهم في أيمانهم وحين جازوا جسرهم فقطعوه وحين دخلوا الجنة فأعطوا فيها من النعيم والكرامة قال فكأن هذا لم يكن شيئاً فيما أعطوه ورواية معمر عن ثابت عن ابن أبي ليلى قال الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم

ص: 92

وعن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمرو بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى عليه السلام قال يارب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله آدم فقال أنت أبونا فقال له آدم نعم قال الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر الملائكة فسجدوا لك قال نعم قال فما حملك على أن أخرجتنا من الجنة قال له آدم من أنت قال أنا موسى قال أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه قال نعم قال أفما وجدت أن ذلك في كتاب الله قبل أن أخلق قال نعم قال فيما تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم

ص: 93

موسى رواه أبو داود في سننه وابن خزيمة في توحيده الذي اشترط فيه الصحة وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي

ص: 94

في صحيحه وغيرهم وهو على شرط الصحيح من هذا الوجه وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكن من احد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه تُرجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أمامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم

ص: 95

أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبة وفي رواية أبي أسامة ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان

ص: 96

وكذلك رواه ابن خزيمة بإسناد مشهور من رجال الصحيحين عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان قال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا يحيى الحماني حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي عن يزيد بن الهاد عن

ص: 97

عبد الله بن يونس سمع المقبري يحدث قال حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول أيما والد جحد ولده احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين

ص: 98

قال أبو سعيد ففي هذا الحديث دليل أنه إذا احتجب من بعضهم لم يحتجب من بعض وأما الخبر الثاني الذي ذكر أنه مروي في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره فهذا الحديث لا يوجد في شيء من دواوين الإسلام فضلاً عن أن يكون في الكتب المشهورة وقد روي في الحُجب أحاديث وآثار وإن لم تكن في

ص: 99

الكتب المشهورة لكنها مما رواه العلماء أهل الحديث فأما هذا الحديث فلا أصل له والأحاديث المأثورة في هذا فمثل ما رواه الخلال في كتاب السنة حدثنا يزيد بن جمهور حدثنا الحسن بن يحيى

ص: 100

ابن كثير العنبري حدثنا أبي عن إبراهيم بن المبارك عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام وإذا في كفه كأصفأ المرايا

ص: 101

وأحسنها وإذا في وسطها نكتة سوداء قال فقلت يا جبريل ما هذه قال هذه الدنيا صفاؤها وحسنها قال قلت وما هذه اللمعة في وسطها قال هذه الجمعة قال قلت وما الجمعة قال يوم من أيام ربك عظيم وسأخبرك بشرفه وفضله واسمه في الآخرة أما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله تعالى جمع فيه أمر الخلق وأما ما يرجى فيه فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله تعالى فيها خيراً إلا أعطاهما إياه وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة فإن الله تعالى إذا صيَّر أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وجرت عليهم أيامهما وساعاتهما ليس بها ليل ولا نهار إلا قد علم الله مقدار ذلك وساعته فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي يبرز أو يخرج فيه أهل الجنة إلى جمعتهم نادى مناد يا أهل الجنة اخرجوا إلى يوم المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله في كثبان المسك قال فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسٍ من ياقوت قال فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحاً تدعى المثيرة تثير عليهم أثابير المسك الأبيض تدخل من تحت ثيابهم وتخرج من وجوههم وأشعارهم فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها

ص: 102

كل طيب على وجه الأرض لكانت تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دفع إليها ذك الطيب بإذن الله قال ثم يوحي الله تعالى إلى حملة العرش فيوضع بين ظهراني الجنة وما فيها أسفل منه بينهم وبينه الحُجب فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري فسلوني فهذا يوم المزيد قال فيجتمعون على كلمة واحدة رب رضينا عنك فارض عنا قال فيرجع الله تعالى في قوله يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي فهذا يوم المزيد فسلوني قال فيجتمعون على كلمة واحدة رب وجهك وجهك أرنا ننظر إليك قال فيكشف الله عز وجل تلك الحجب قال ويتجلى لهم قال فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره قال ثم يقال ارجعوا إلى منازلكم قال فيرجعون إلى منازلهم وقد خفوا على أزواجهم وخفين عليهم مما غشيهم من نوره فإذا صاروا إلى منازلهم يزداد النور وأمكن حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها قال فيقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا في صورة ورجعتم على

ص: 103

غيرها قال فيقولن ذلك بأن الله عز وجل تجلى لنا فنظرنا منه إلى ما خفينا به عليكم قال فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه وذلك قول الله تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)[السجدة 17]

ص: 104

وأصل هذا الحديث في تقدير يوم الجمعة في الآخرة مشهور من طرق من حديث أبي هريرة وحديث سوق الجنة

ص: 105

وحديث أنس وحديث ابن مسعود موقوفاً وقال الخلال حدثنا عبد الواحد بن شعيب حدثنا عبد العزيز بن موسى البهراني حدثنا مسند بن محمد عن عبد الله التميمي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجب الله عن خلقه بسبعين ألف حجاب هواء وريح وماء وظلمة ونور ثم قرأ قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)[الأنعام 103] حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري

ص: 106

حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله تبارك وتعالى عن خلقه بأربعة نار وماء ونور وظلمة

ص: 107

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا زيد بن الحباب العكلي عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قوله تعالى فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال طوله خمسمائة سنة فإذا أراد الله أمراً في الأرض من وحي أو شيء دُلي بين عنق إسرافيل فنظر فيه فيوحي إلى جبريل عليه السلام وبينه وبينه حجب وبين الله وبين خلقه سبعون حجاباً نور وظلمة وماء

ص: 108

ونار وبرق يلمع وإسرافيل لا يرفع طرفه حدثنا الحسن بن حميد البلخي حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني أبي حدثني ابن أبي

ص: 109

ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل يناجيه إذا انشق فأقبل جبريل يدنو من الأرض ويدنو بعضه من بعض ويتماثل فإذا ملك فقلت أردت عن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن

ص: 110

المسألة فمن هذا يا جبريل قال هذا إسرافيل خلقه الله عز وجل يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب تبارك وتعالى سبعون نوراً ما منها نور كاد يدنو منه إلا احترق وبين يديه لوح فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح حتى يضرب جبينه فينظر فيه فإذا كان من عملي أخبرني به وإن كان من عمل ميكائيل أخبره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قال قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال أنا على الريح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات والقطر قلت وعلى أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما هبط إلى الأرض منذ خلقه الله عز وجل إلى يومه هذا وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة

ص: 111

فمثل هذه الأحاديث وإن كان لا يحتج بآحادها أئمة الحديث فهي ونحوها المأثور دون ما ذكره وروى الخلال وغيره وهو مشهور عن سفيان الثوري عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله تبارك وتعالى عن خلقه بأربعة نار وماء ونور وظلمة ورواه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على

ص: 112

الجهمية حدثنا محبوب بن الحسن الأنطاكي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن عبيد المكتب عن

ص: 113

مجاهد عن ابن عمر قال احتجب الله من خلقه بأربعة بنار وظلمة ونور وماء وروى أبو بكر النجاد في سننه بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال والذي نفسي بيده إن دون الله يوم القيامة سبعون ألف حجاب إن منها حجاباً من ظلمة ما ينفذها شيء وإن منها حجاباً من نور ما يستطيعه شيء وإن منها حجاباً لا يسمعه شيء لا يربط الله

ص: 114

على قلبه إلا انخلع فؤاده

ص: 115

وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة حدثنا حماد وهو ابن سلمة أنا أبو عمران الجوني عن زرارة بن أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل هل رأيت ربك فانتفض جبريل وقال يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور لو دنوت من أدناها حجاباً لاحترقت

ص: 116

إذا عرفت النصوص فالكلام على ما ذكره من وجوه الأول قوله واعلم أن الكلام في الآية هو أن أصحابنا قالوا يجوز أن يقال إنه محتجب عن الخلق ولا يجوز أن يقال إنه محجوب عنهم الوجه الأول يقال له الآية التي ذكرتها ليس فيها ذكر أن الله محتجب ولا محجوب وإنما فيها أن الكفار محجوبون عن الله وإن أردت الآية التي في الشورى وَرَاءِ حِجَابٍ فتلك لم تذكرها ولم تذكر أن كونهم محجوبين يقتضي أنه تعالى محتجب حتى يتم الكلام وإن كان فيه ما فيه الوجه الثاني أن هذا قول طائفة من أصحابه وإلا فآخرون منهم كأبي بكر بن فورك وغيره يقولون لا يجوز أن يكون الله محتجباً ولا محجوباً بحجاب وقالوا الحجاب

ص: 117

راجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدم الإدراك في أبصارهم قالوا لأن ما ستر بالحجاب فالحجاب أكبر منه ويكون متناهياً محاذياً جائزاً عليه المماسة ومنه قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)[المطففين 15] فجعل الكفار محجوبين عن رؤيته لما خلق فيهم من الحجاب والحجاب الذي خلقه فيهم هم عدم الإدراك في أبصارهم قالوا ومن هذا أنه لم يضف الحجاب إلى الله بل أطلق ذكر الحجاب ويبين صحة هذا ما روي عن علي أنه أمر بقصاب وهو يقول لا والذي احتجب

ص: 118

بسبعة أطباق فقال علي ويحك يا قصاب إن الله لا يحتجب عن خلقه وفي لفظ إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء ولكن حجب خلقه عنه ومن حجة هؤلاء أنه إذا جاز أن يقال هو محتجب جاز أن يقال هو محجوب أي هو حجب نفسه لم يحجبه غيره وقوله الحجب يشعر بالعجز والذل إنما ذاك إذا حجبه غيره كما في المثال الذي ذكره من قولهم فلان حجب عن الدخول على السلطان أما لو قيل إن السلطان قد حجب نفسه

ص: 119

أو وكّل من يحجبه أو جعل حاجباً يحجبه لم يكن ذلك مشعراً بالذلة والعجز بل بالقوة ولهذا يسمون الذي يحجبهم من الناس حاجباً ويقولون إنه يحجب الأمير وسُمي حاجب العين حاجباً لأنه يحجب العين وأما الشعري نفسه فذكر ما يوافق أهل الإثبات أنه سبحانه وتعالى محتجب بالعرش والسموات فقال في مسألة العرش ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل أنهم يقولون يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي احتجب بالعرش وسبع سماوات الوجه الثالث قوله الحجاب محمول عندنا على أن

ص: 120

يخلق الله تعالى في العين رؤية متعلقة به وهذا تفسير أصحابه الذين يقولون بإثبات الرؤية وينفون الحجاب والمقابلة ونحو ذلك وهذا باطل بالضرورة فإن كون الله تعالى لا يخلق في العين رؤية أمرُ عدمي لا يحتاج إلى إحداث فعل بل هو مثل أن الله تعالى لا يخلق للجسم طعماً أو لوناً أو ريحاً أو حركة أو حياة أو غير ذلك من الأمور العدمية فقول القائل فهم محجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم وهو عدمُ الإدراك في أبصارهم كلام باطل لأن العدم لا يخلق الوجه الرابع أنه قال في الحديث الصحيح حجابه النور وفي الرواية الأخرى النار ومعلوم أن عدم الرؤية لا يسمى نوراً ولا ناراً لا حقيقة ولا مجازاً بل إذا سُمّي ظلمة كان فيه مناسبة الوجه الخامس أنه قال في الحديث فيكشف الحجاب فينظرون إليه وكشف الشيء إزالته أو رفعه وهذا لا يوصف به المعدوم فإن المعدوم لا يُزال ولا يرفع وإنما يزال ويرفع الموجود ومنه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام 17] وقوله وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل 62] وقوله فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ [الأنعام 41]

ص: 121

الوجه السادس أنه قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فجعل النظر متعقباً لكشف الحجاب وعندهم أن الحجاب هو عدم خلق الرؤية أو ضده خلق الرؤية فيكون زوال ذلك العدم هو عين الرؤية لا يكون شيئاً يتعقب الحجاب الوجه السابع أنه قال حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ولو كان الحجاب عدم خلق الرؤية لم يكن كَشفُ ذلك وهو خلق الرؤية في العبد يحرق شيئاً من الأشياء فإن المؤمنين إذا رأوا ربّهم في عرصات القيامة ثم رأوه في الجنة مرة بعد مرة لا يُحْرَقُ شيء الوجه الثامن أن في الصحيحين وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فأثبت رداء الكبرياء على وجهه وعلى قول هؤلاء ما بينهم وبين أن

ص: 122

ينظروا إليه إلا زوال ذلك العدم بخلق الرؤية في أعينهم ومعلوم أن عدم خلق الرؤية فيهم ليس هو رداء الكبرياء ولا هو على وجه الله عز وجل ولا هو في جنة عدن ولا هو شيء أصلا حتى يوصف بشيء من صفات الموجود الوجه التاسع أن تسمية مجرد عدم الرؤية مع صحة الحاسة وزوال المانع حجاباً أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً ولهذا لا يقال إن الإنسان محجوب عن رؤية ما يعجز عنه مع صحة حاسته وزوال المانع وكالأشياء البعيدة ولكن يقال في الأعمى هو محجوبُ البصر لأن في عينه ما يحجب النور أن يظهر في العين ولكن هؤلاء قوم وافقوا المؤمنين على أن رؤية الله عز وجل جائزة ووافقوا الكفار أعداء الرسل من المشركين والصابئين على ما يوجب أن الله عز وجل لا يرى كما وافقهم الجهمية كالمعتزلة ونحوهم ثم أثبتوا رؤيةً يُعلم بضرورة العقل بطلانها وجحدوا حقيقة ما جاء به السمع فصاروا منافقين مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل صاروا جاحدين لصريح المعقول باتفاق الطوائف جاحدين لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم والإيمان

ص: 123

الوجه العاشر قوله حقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محال لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين يقال له هذا بعينه وارد في كل ما يضاف إلى الله عز وجل من أسمائه وصفاته فإن تلك الأسماء والصفات لا تعرف إلا للأجسام وصفات الأجسام كما تقدم التنبيه على ذلك الوجه الحادى عشر أن الرؤية أيضا لا تعقل إلا لجسم ولا يعقل إثبات الرؤية إلا لجسم فإثبات كون الرب مرئيّا ورائياً مع نفي الجسم ليس بأولى من إثبات كونه محجوباً ومحتجباً مع نفي الجسم فإن كان الجمع بين هذا الإثبات والنفي حقّا هو حق في الموضعين وإن كان باطلاً في الموضعين ومن قال إني أعقل الرؤية بغير جسم ولا أعقل

ص: 124

الحجاب إلا لجسم فهو جاحد لما يعلمه العقلاء بالاضطرار الوجه الثاني عشر أن الحجاب مانع من الرؤية بلا نزاع ومعلوم أن المانع من الشيء لا يكون عين عدمه فإن مجرد عدم الشيء ليس مانعاً من وجوده إذ المانع لا يعقل مانعاً إلا عند وجود المقتضي لوجود الشيء والعدم ليس بشيء أصلاً حتى يكون مانعاً ولو كان عدم الشيء مانعاً من وجوده لما وجد شيء من المحدثات لأن عدمها سابق على وجودها فعلم أنه لابد أن يكون الحجاب المانع من الرؤية شيئاً غير عدم خلق الرؤية فإن كان ذلك محالاً لم يكن للرؤية مانع أصلاً فكان يجب رؤية الله عز وجل عند صحة البصر وسلامته لأن المقتضي موجود والمانع مفقود كما في رؤية سائر الأشياء الوجه الثالث عشر أنّا إذا عرضنا على العقل أن الإنسان يرى شيئاً لا يقابله بوجه من الوجوه وأنه لا مانع من رؤيته قط إلا مجرد عدم القوة في العين وعرضنا على العقل أن ذلك لا يبعد أن يكون محجوباً لم يحكم العقل بذلك لأن ما أثبت رؤيته أبعد من المعقول من نفي الحجاب عنه والعقل لا يثبت الأخفى

ص: 125

البعيد دون القريب من ذلك أن الناس تنازعوا في عدم الإدراك الذي هو الرؤية والسمع هل هو مستلزم لوجود ضدّ له أم يكفي عدم وجوده فهل يجب أن يقال إن الأعمى والأصم قام بهما ضد وجودِ السمع والبصر أو لم يقم بهما السمع والبصر أم معناهما عدم السمع والبصر فإن لم يكن الواجب إلا مجرد عدم الإدراك فالعدم لا يكون حجاباً وإن قيل بل هما أمران وجوديان معتادان للإدراك كما يقوله من أهل الإثبات فمعلوم أن الضدين لا يجتمعان لكن ليس تسمية البصر والرؤية حجاباً لامتناع مجامعته الصمم والعمى بأولى من تسمية الصمم والعمى حجاباً لامتناع مجامعته للرؤية والسمع وكذلك لا يقال إن أحدهما هو المانع من الآخر بل يمتنع اجتماعهما نعم إذا كان أحدهما قائماً بالمحل فهل يقال إنه يمتنع الضد الطارئ أن يزيله أو يزول بنفسه حتى يحدث الطارئ هذا فيه نزاع أيضاً من القائلين ببقاء الأعراض ونفاة ذلك والمقصود أنه مع التقدير لا يسمى ذلك حجاباً

ص: 126

الوجه الرابع عشر أنه لو كان الحجاب لغير جسم بطل ما ذكروه وإن كان لا يكون لجسم فقد تقدم أنه ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي الجسم وأن إطلاق القول بأن الله عز وجل ليس بجسم ولا جوهر بدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها بل ذلك أعظم ابتداعاً من القول بأنه جسم وجوهر وإذا كان هذا النفي بدعةً باطلةً لم يكن ذلك معارضاً لما ثبت بالكتاب والسنة وهذه الكلمة هي قول الجهمية المُعَطلِة لما جاء به الكتاب والسنة ولما عُلم بضرورة العقل والنظر المُعَطلِة في الحقيقة للرب المعبود ومعرفته وعبادته هي أساس الشر والردة والنفاق وإن كانت قد نفقت على طوائف من أهل الإيمان لم يعلموا ما قصدوا بها الذين

ص: 127

ابتدعوها أفسدوا بها فطرة الله عز وجل التي فطر العباد عليها وكتابه الذي أنزل على رسوله وصدوا بها عن سبيل الله عز وجل وهي لهؤلاء كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لأولئك وهي من السماء التي سموها هم وآباؤهم وما أنزل الله بها من سلطان فإن الله تعالى لم ينزل في شيء من كتبه ولا قال أحد من رسله ولا من ورثتهم أن الله عز وجل ليس بجسم ولا جوهر وإنما الكلام مأخوذ عن المشركين ومن وافقهم من مبدّلة الصابئة وأهل الكتاب ثم إنه اشتبه على من ضل به من أهل الملل الوجه الخامس عشر أن من تأمل نصوص الكتاب وما ورد في ذلك من الآثار عن الصحابة والتابعين علم بالضرورة علماً يقيناً لا يستريبُ فيه أن لله عز وجل حجاباً وحجبا منفصلة عن العبد يكشفها إذا شاء فيتجلى وإذا شاء لم يكشفها وإذا كان الحجاب هو الجسم المتوسط بين جسمين فلازم الحق حق لا يمكن أن يُدفع ما علم بالاضطرار من دين المرسلين بمثل نفي هذا الكلام الذي قد تبين أن نفيه من فاسد الكلام وأن الحجة لمثبتيه أقوى منها لنافيه في الفطرة والشرعة والنظر والخِصَام

ص: 128

الوجه السادس عشر أن الله تعالى قد قال وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى 51] ومعلوم أن هذا التكليم هو مثل تكليمه لموسى كما جاء في الحديث المتقدم أنت موسى الذي كلمك الله من وراء حجاب ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه وهذا التكليم أرفع درجة من تكليمه بالوحي أو إرسال رسول باتفاق المسلمين كما دل عليه الكتاب والسنة فإن كان الحجاب هو عدم خلق الرؤية كان المعنى أن الله عز وجل كلمه مع عدم رؤيته ومعلوم أن عدم الرؤية قدر مشترك في جميع هذه الأنواع وأن ذلك ليس مما يفضل به موسى وإذا لم

ص: 129

يكن التكليم من وراء حجاب لا يفيد إلا هذا المعنى كان ما ثبت لموسى دون ما ثبت لغيره من الرسل وهذا معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام لاسيما إذا قرن بذلك في أن تكليمه هو خلق إدراك المعنى القائم فيه فيكون لموسى من التكليم ما لا يحصيه إلا رب السماء ولهذا يدّعي طوائف من الجهمية أنه يحصل لهم من التكليم مثل ما حصل لموسى ومنهم من يدّعي أنه يحصل لهم أرفع من ذلك الوجه السابع عشر أنه قال أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى 51] أي من خلف حجاب والعدم المحض ليس له خلف لا أمام فعلم أنه حجاب موجود يكون له وراء الوجه الثامن عشر أنه لو صرح بالمعنى الذي ذكروه فقال أو من وراء عدم خلق الرؤية لكان هذا من الكلام الذي يُعلم جنون صاحبه أو هو كلام لا حقيقة له ولا يَحمل كلام الله عز وجل على ذلك إلا زنديق منافق متلاعب بالقرآن والإسلام أو جاهل فيحكم عليه بالجهل بما يخرج منه من الكلام

ص: 130

الوجه التاسع عشر أنه عز وجل قال في حق الكفار كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)[المطففين 15] فخص الحجاب بأنه يومئذٍ فلو كان هو عدم خلق الرؤية لكانوا ما داموا محجوبين الوجه العشرون أنه تعالى خصّهم بذلك دون المؤمنين وجعل ذلك مما يعذبهم به فلو كان هو عدم خلق الرؤية لكان المؤمنون في الدنيا محجوبين معذبين بهذا الحجاب الذي حجب به الكفار في الآخرة فعلم أن ذلك حجاب خاص يحجب الله عز وجل به الكفار حين يتجلى للأبرار الوجه الحادي والعشرون أن الله عز وجل قال في قصة موسى وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف 143] فأخبر سبحانه أنه تجلى للجبل وأنه لما تجلى له جعله دكًّا فتجليه له إما أن يكون مجرد خلق الرؤية فيه كما يقولون إن ذلك هو تجليه لسائر من يراه أو يكون تجليه هو رفع الحجاب حتى ظهر للجبل فإن كان التجلي هو خلق الرؤية كان قد أخبر أن الجبل أطاق رؤيته وأن الجبل رأى الله وإذا كان كذلك لم

ص: 131

يجب أن يصير دكًّا إذا ورد عليه ما يعجز عن مقاومته فإذا كان التجلي ليس هو إلا أن جعل رائياً فمعلوم أنه يكون قادراً على ما جُعل فاعلاً له فلا يكون دكًّا ولو كان كذلك لكان العبارة المناسبة أن يقال فلما رأى الجبلُ ربَّه جعله دكًّا فلما دلّ القرآن مع ما ورد به الحديث في تفسير هذه الآية أن التجلي هو ظهوره وأنه مع ذلك قد لا يطيق المتجلي له رؤيته لعجزه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عُلم أنه قد يتجلى لمن يراه ولمن لا يراه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عند الاحتجاب فعلم أن هناك حجاباً خارجاً عن الإنسان وأن التجلي يكون برفع كل الحجاب الوجه الثاني والعشرون قوله والحجاب عند من ينكر الرؤية محمول على أنه منع وصول آثار إحسانه إليهم فيقال لو كان الحجاب منع الإحسان لكان من كلمه الله من وراء حجاب كما كلم موسى وهو التكليم الذي فضله الله به على سائر العباد منعاً من الإحسان فيكون الذي ناداه الله وقربه نجيا أو اصطفاه على الناس برسالاته وكلامه ممنوعاً من الإحسان إليه وهذا من أفسد ما يكون في بداهة

ص: 132

العقول وهو من أبلغ التحريف وقلب الحقائق والإلحاد في آيات الخالق ومعلوم أن هذا ما قالوه إلا في قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)[المطففين 15] لم يقولوا في هذه الآية لكن الحجاب مذكور في الآيتين

ص: 133

الوجه الثالث والعشرون أن هذا حمل للفظ على ما لا تحتمله اللغة بوجه من الوجوه وهو تبديل اللغة كما أنه تبديل للقرآن وتحريف له الوجه الرابع والعشرون أن ألفاظ الحديث صريحة في الحجاب المانع من الرؤية كقوله صلى الله عليه وسلم فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة وفي رواية فيتجلى لهم ولا يجوز تفسير النظر هنا بالإحسان لقوله فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولأن اقتران كشف الحجاب بالنظر صريح في الرؤية وكذلك قول وما بين قوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن هذا صريح في أنه حجاب مانع من النظر لا من الإحسان الوجه الخامس والعشرون قوله حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه والنور والنار لا تختص بمنع الإحسان وذلك الحجاب

ص: 134

لو كشف لم يحرق سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه بل عندهم إذا كشفه حصلت الرحمة والإحسان إلى المحجوبين الذين كانوا محجوبين أي ممنوعين من الإحسان الوجه السادس والعشرون أن إحسان الله عز وجل إلى عباده لا يمنعه شيء أصلاً كما قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر 2] وقال تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس 107] وذلك أنه إن أحسن إلى العبد امتنع أن يكون الإحسان ممنوعاً وإن لم يحسن فليس هناك شيء يكون ممنوعاً فأحد الأمرين لازم إما وجود إحسانه ونعمته فلا مانع له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت وإما عدم وجوده فذلك يكون لأنه لم يشأه لا يكون لوجود مانع الوجه السابع والعشرون أنه عز وجل قال كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ

ص: 135

رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16)[المطففين 15-16] فجعل الحجب قبل دخول النار وذلك لا يكون إلا في عرصة القيامة أو ما قبل ذلك ومعلوم أن الله عز وجل لم يخلق في عَرصة القيامة إحساناً موجوداً حجب الكفار عنه فإن العرصة ليست محل ثواب ولا عقاب وإذا لم يكن هناك نعيم موجود يصح منعهم عنه عُلم أن الحجب عن نفسه الوجه الثامن والعشرون أن ما ذكره من الخبر الثاني الذي قال إنه مروي في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره ثم إنه فسره بذلك التفسير العجيب الذي لم يدل عليه اللفظ لا حقيقة ولا مجازاً هو من جنس ما فعله في كتابه الكبير الذي سماه المطالب العالية وجمع فيه من مباحث الفلاسفة والمتكلمين وذكر فيه كتاباً مفرداً في تفسير المعراج فرواه بسياق لا يعرف في شيء من كتب الحديث وفسره بتفسير الصابئين

ص: 136

والمنجمين وهذه الأمور تلقاها من زنادقة الفلاسفة الجهال بالمعقول والمنقول وهي عندهم من أسرار الحقائق كما يدعي ذلك القرامطة ونحوهم من الداخلين في هؤلاء وذلك أن

ص: 137

هذا الحديث في أن لله عز وجل سبعين حجاباً من نور

ص: 138

وكون الفاعل أكمل من المفعول والأعلى أكمل من الأدنى ليس في ذلك ما يدل عليه لفظ سبعين حجاباً من نور الوجه التاسع والعشرون أن هذه المخلوقات لا تسمى عنده حجاباً فإن الأجسام لا تحجب الله بل هي آيات ودلالات على الرب الوجه الثلاثون أم كشف الحجاب زواله ورفعه فيكون المعنى لو كُشفت هذه المخلوقات أي رفعت وزالت ومعلوم أن رفعه لا يحصل به فائدة عنده فإن الله عز وجل لا يُرى إذا رفعت ولا يزداد العلم به بل تنقص آياته فيكون العلم به بوجودها أكمل وأتم الوجه الحادي والثلاثون قوله كمال الأدنى بالنسبة إلى الأعلى كالعدم أمر لا حقيقة له إذ كون الشيء دون غيره ولو كان بأي مرتبة كان لا يوجب أن يكون مثل المعدوم بل له حظه من الوجود ومعلوم أن الله عز وجا قد كرّم بني آدم بأنواع الكرامات التي تمنعهم عن مشابهة المعدومات الوجه الثاني والثلاثون أن الذي يقال إن الإنسان عاجز عن إدراك ربه والإحاطة به غاية العجز وهذا حق لكن قوله لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره لا يدل

ص: 139

على هذا المعنى أصلاً فتفسير هذا بهذا من باب التحكم بل تفسير جهال الرافضة للإمام المبين بأنه علي بن أبي طالب

ص: 140

أشبه من هذا لأن عليًّا يسمى إماماً وكذلك تفسيرهم لللؤلؤ والمرجان بالحسن والحسين فيه من المناسبة أكثر من هذا حيث قتل هذا وسم

ص: 141

هذا الوجه الثالث والثلاثون أن كشف هذه الحجب إما أن يعني به وجودها فهي موجودة ولم يحصل هذا أو يراد به عدمها فإذا عدمت لم تكن معرفة الله بذاتها إلا دون معرفة الله عز وجل مع وجودها وكذلك رؤيته على أصله إذ ليس للرؤية تعلق بوجود هذه ولا عدمها عنده وإذا كان كذلك علم أن تفسير قوله لو كشف هذه الحجب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه لا يصح على التقديرين الوجه الرابع والثلاثون أنه قال لأحرقت كل شيء أدركه بصره لم يخص بذلك الإنسان العاجز عن مطالعة تلك الكمالات الوجه الخامس والثلاثون أن قوله في الحديث الصحيح حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه قد بينوا السبحات في لغة العرب قال

ص: 142

الخلال في كتاب السنة سألت ثعلباً عنها وقد رواه ابن بطة في كتاب

ص: 143

الإبانة عن أبي بكر عنه قال سألت ثعلباً عن قول

ص: 144

النبي صلى الله عليه وسلم لأحرقت سبحات وجهه فقال السُبحات يعني من ابن آدم الموضع الذي يسجد عليه وهذا الذي قال ثعلب معروف يقول أحدهم أما ترى إلى سبحات وجهه يعني إلى نور هذا الموضع وكأنه والله أعلم سمى ذلك سبحات لأن الصلاة تسمى تسبيحاً ويسمون صلاة التطوع سُبْحة لغة مشهورة لأن العبد يجمع فيه بين كمال القول والفعل وهو حال السجود الذي يكون العبد فيه أقرب ما يكون من ربه إذ أفضل أقوال الصلاة القراءة لكن نهي عنها في الركوع والسجود وأفضل أفعالها السجود وذكره التسبيح والسُّبْحة ما يسبح به كما يسمى النظام الذي فيه خرز يسبح به سبحة وسبحات وجهه ما يُسبح به وقال القاضي أبو يعلى فأما قوله كل شيء أدركه بصره من

ص: 145

خلقه معناه أن نور وجهه يحرق ما يدركه من خلقه وذكر قول ثعلب وهذا يطابق معنى الحديث حيث أخبر أن حجابه النار أو النور وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه الذي حجابها النور أو النار ما أدركه بصره من خلقه قال نور سبحاته تحرق ما أدركه بصره من خلقه وقد تقدم أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود كان إذا روى هذا الحديث عن أبي موسى يقرأ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)[النمل 8] الوجه السادس والثلاثون أنه قد تقدم من حديث عدي بن حاتم قوله مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له وهذا يقتضي أنه يمكن أن يكون له حجاب يحجبه كما يمكن أن يكون له ترجمان يترجم له وقد صرح القرآن بأن التكليم يكون من وراء حجاب وعلى رأي المؤسس وذويه لا يمكن أن يكون بينه وبين عباده حاجب ولا ترجمان إذ

ص: 146

تكليمه هو خلقٌ لإدراك المعنى القائم بنفسه وهذا لا يتصور أن يكون فيه ترجمان ورؤيته هي خلق الرؤية في العين وذلك لا يتصور أن يكون له حجاب وأيضا فنفيه للحاجب والترجمان في تكليمه ذلك اليوم دليل على أن المر في الدنيا ليس كذلك وعند المؤسس لا فرق بين الدنيا والآخرة بل إذا فهم أحدهما المعنى القائم بذاته يُعَدُّ كلمه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان الوجه السابع والثلاثون أن قول القائل إن الله لا يُحجب أو لا يحتجب لفظ مجمل كقوله إن الله لا يغيب فإن هذا يراد به أن لا يحتجب أن يشهد خلقه ويراهم كما أنه لا يغيب عن أن يشهدهم ويراهم وهذا حق فإن الله لا يحجبه شيء عن علمه وبصره ولا يتوراى منه شيء الوجه الثامن والثلاثون ما احتج به الأشعري في مسألة العرش حيث قال ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم يقولون

ص: 147

يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي احتجب بالعرش وسبع سموات قال قال عز وجل وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم ممن ليس من جنس البشر لكان أبعد من الشبهة وأدخل في الشك على من سمع الآية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيرفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً وترك

ص: 148

أجناساً لم يعمهم بالآية فيدل ما ذكرناه على أنه خصَّ البشر دون غيرهم فهذا الأشعري أثبت بذلك أن الحجاب قد يكون خاصًّا لبعض المخلوقات دون بعض وذلك يدل على ثبوت الحجاب المنفصل عن المخلوقات إذ الحجاب الذي هو عدم خلق الرؤية لا يختص بنوع دون نوع واستدل بذلك على أن الله بائن من خلقه فوق العرش إذ لا يمكن أن يكون بعض المخلوقين محجوبين عنه إلا على هذا القول دون من ينكر ذلك ويقول إنه بذاته في كل مكان أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه فإن نسبة جميع الخلق إليه واحدة في ثبوت هذا الحجاب ونفيه وقوله لو كشفها عن وجهه معناه لو كشف رحمته عن النار لأحرقت سُبحات وجهه أي أحرقت محاسنَ

ص: 149

وجه المحجوب عنه بالنار فالهاء عائدة على المحجوب لا إلى الله عز وجل ومثل هذا يقال في الخبر الذي رواه أُبيّ لأحرقت سبحات وجه العبد كل ما أدركه بصره فتكون السبحات محرقة لما أدركه العبد فيقال هذا من أبطل الباطل من وجوه أحدها أن هذا تحريف للفظ الحديث وهو أبلغ من تحريف معناه فإن لفظ الحديث حجابه النار أو النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره وهذا التحريف نظير قراءة من قرأ من الجهمية وكلم الله موسى تكليما وجعل موسى هو المُكلّم الذي كلم الله عز وجل الوجه الثاني أنه قال حجابه النور أو النار لو كشفها لم يقل لو كشف عنها وكشف الشيء إزالته ورفعه والكشف عنه إظهاره كما قال في الحديث الآخر فيكشف الحجاب فينظرون إليه ولو أراد ذلك المعنى بها لقال لكشف عنها الوجه الثالث أنه قال حجابه نور والضمير عائد إلى الله

ص: 150

لا إلى العبد لأن العبد لم يجر له ذكر فإنه قال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعملُ النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وعلى ما ذكره لا يكون الضمير إلا إلى العبد كما صرحوا بذلك الوجه الرابع أنه لا يصح عود الضمير إلى العبد عندهم لأنه لا يحجبه لا نور ولا نار أصلاً وإنما الحجاب عدم خلق الرؤية أو ما يمنع الإحسان الوجه الخامس أنه لو فرض أن هناك نور أو نار أو ما مثل بذلك وأنه يحرق العبد لأحرقه كله لم يكن الإحراق مختصًّا بسبحات وجهه الوجه السادس انه قال لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدركه بصره من خلقه فلو كانت السبحات مُحَرقة وكانت منصوبة وكانت النار هي المُحرِقةُ لكان قوله بعد ذلك كل ما أدركه كلامٌ باطلٌ ولو كان المُحرِق كل ما أدركه بصره لم تكن النار محرقة فيمتنع أن يكون الفاعل النار وكل ما أدركه بصره وجعل المُحْرقِ أحدَهما يمنع أن يكون الآخر فاعلاً لفظاً ومعنى

ص: 151

وعلى قول الرازي جعل المُحرِق هو كل ما أدركه بصره من خلقه وعلى قول ابن فورك جعل المُحرِق هو النار والحديث نصٌّ في إبطال الاثنين جميعاً الوجه السابع أن كل ما أدركه بصر العبد يمتنع أن يحرق سبحات وجهه فإنه لا يزال يدرك أشياء وهي لا تحرقه ولو أريد احتراق قلبه وفناؤه عن المشاهدة لم يكن المذكور هو الوجه بل قال لأحرق قلبه ونحو ذلك قالوا لا يجوز أن يكون الله محتجباً ولا محجوباً بالحجاب لأن ما ستر بالحجاب فالحجاب أكبر منه ويكون متناهياً محاذياً جائزاً عليه المماسة فقال القاضي اعلم أنه ممتنع إطلاق حجاب هو نور من دون الله على وجه الإحاطة والحد والمحاذاة كما أجزنا رؤيته لا على وجه الإحاطة والجهة

ص: 152

والمقابلة وإن كنا لا نجد في الشاهد ذلك وكما قال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] فأثبت الوقوف عليه قال وما ذكروه غلطٌ لأنا لما بينا أنا نثبت حجاباً لا يفضي إلى التناهي والمحاذاة والمماسة كما أثبتنا رؤيته لا على وجه التناهي والمحاذاة وهذا الذي قاله القاضي من نفي التناهي والمماسة والمحاذاة فيه نزاع مشهور وقد رجع هو إلى إثبات الحد كما تقدم حكاية قوله والتحقيق أن قولهم ما ستره الحجاب فالحجاب أكبرُ منه ليس بسديد سواء كان الحجاب يحجب الشيء عن أن يراه غيره أو يحجب أن يرى غيره والحجاب في حق الله

ص: 153

لا يصح إلا بالمعنى الثاني فإن الله عز وجل لا يحجبه شيء عن أن يرى عباده ويشهدهم وإنما يحجب العباد عن أن يروه وأن يحرق سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه والعبد يصح في حقه الحجاب بالمعنيين ومع هذا فلا يشترط أن يكون الحجاب أكبر فإن الشيء الصغير إذا وضع قريباً من عينه حجبه أن يرى شيئاً من الأشياء والشيء الكبير إذا كان بعيداً من الرائي حجبه ما هو أصغر منه بكثير كما يحجب الشمس سحابةٌ وإن كانت الشمس بقدرها مرات لا يعلمها إلا الله تعالى والإنسان يكون محجوباً عن رؤية السماء بسقف بيته بحيث إذا زال عاين السماء وهي بقدر السقف أضعافاً مضاعفة وذلك أن الحجاب كلما قرب إلى الرائي كان أصغر من البعيد عنه لأنه على قدره يكون لا على قدر ما يحجب العبد عن رؤيته فحجب الرب الذي يحجب العباد عن مشاهدته أو أن يحرق سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه من أين يجب أن يكون أكبر منه قالوا لا يصح أن يكون المحدث ولا القديم محجوباً بشيء من سواتر الأجسام المغطية الكثيفة المحيطة وإنما

ص: 154

يقال لهذه الأجسام الساترة أنها حجاب عن رؤية المحدث لما رآه من أجل أن المنع من الرؤية يحدث عنده وعلى هذا ما يقوله من أن الباري لا نراه في الدنيا لأنَّا في حجاب على طريق المجاز وإنما المانع من رؤيته ما يحدثه من المنع وإنما كان كذلك لأن المانع من معرفة الشيء أو رؤيته ومعاينة ما يمنع من وجود معرفته ومعاينته وما يمنع من ذلك فهو الذي يضاد وجوده وذلك لا يصح إلا في العرضين المتضادين المتعاقبين ولا يصح أن يكون الجسم منعاً ولا مانعاً من عرض أصلا لأنه لا يصح أن يكون بين العرض والجسم تنافٍ وقد أجاب القاضي عن هذا بأن هذا لا يمنع من إطلاق اسم الحجاب على القديم سبحانه كما لا يمنع من إطلاقه على غيره وإن كان هذا المعنى الذي ذكره موجوداً فيه والتحقيق أن هذا الكلام من أغاليط هؤلاء المتكلمين

ص: 155

وذلك أن تسمية الأجسام الساترة حجباً أمرٌ معلومٌ بالاضطرار من اللغة مُتفق عليه بين أهلها ومنه تسمية حاجب الأمير حاجباً وحاجب العين حاجباً فمنع كون الجسم حاجباً ومحجوباً جحد لما يُعلم بالضرورة من اللغة وأيضا فلفظ الحَجْب والسِّتْر متقاربان فقوله إنما يقال لهذه الأجسام الساترة إنها حجاب لِكَذا إثبات لكونها ساترة فكيف يثبت أنها ساترة ويمنع أنها حاجبة وأيضا فالعلم أن الأجسام تحجب الإنسان أن يرى ما وراءها هو من العلوم الحسية فإن الحجاب الحائل بين العبد وبين المرئي يمنع رؤيته وأما قوله المانع من رؤية الشيء ما يحدث من المنع خلاف ما تقدم من أن الحجاب عنده عَدمُ خَلْق الرؤية وهذا أمر عدمي لا يحتاج فيه إلى وجود ضد وجودي منع الرؤية وهذا ظاهر فإن السمع والبصر أمران وجوديان عنده ثم يقال وإذا قام بالعين مانع من الرؤية فذلك لا يمنع أن يكون الجسم مانعاً وأن يكون ذلك الجسم المانع الحاجب سبباً لهذا العرض المانع بل ذلك لا يمنع أن يكون باسم

ص: 156

الحجب والمنع أحق لأنه حدث عنه والحجب المانع ليس هذا المنع والحجب وقوله إنما المانع من رؤيته ما يحدثه من المنع ليس هذا الحصر صحيحاً بل الأجسام الساترة مانعة وإن قدّر أن تكون العين قد حصل فيها مانع كالعمى ألا ترى أن الجفن نفسه جسمٌ فإذا أطبقه العبد منع العين أن ترى وإن قام بالعين مانع فالمانع ليس سبباً للمنع وقوله المانع من الرؤية ما يمنع وجودها وما يمنع ذلك فهو الذي يضاد وجودها فيقال له لفظ التضاد في اللغة أعم من لفظ التضاد في اصطلاح المتكلمين وبهذه اللغة جاء القرآن قال الله تعالى وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)[مريم 81-82] وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضادَّ الله في أمره

ص: 157

وأما تخصيص الضدين بأنهما العرضان اللذان لا يجتمعان في محل واحد فهذا عرف اصطلاحي للمتكلمين وإذا كان التضاد في اللغة أعم من ذلك بحيث قد يكون الجسم يضاد الجسم ويضاد العرض لم يجز حمل كلام الله ورسوله

ص: 158

على اصطلاحهم الحادث هذا لو كان الشارع نطق بلفظ الضد وإنما جاء بلفظ الحجاب والحجاب يتضمن المعنى لكان هذا الذي فعلوه مغلطة نشأت من جهة اشتراك اللفظ وذلك أنهم قالوا الحجاب مانع والمانع من الشيء ما يضاده وهذا كله صحيح باللغة العربية وهو مسلَّم على هذه اللغة ثم قالوا والتضاد لا يصح إلا في العرضين المتعاقبين ولا يصح أن يكون الجسم منعاً ولا مانعاً من عرضٍ أصلاً لأنه لا يصح أن يكون بين العرض والجسم تناف وتضاد وهذه مغلطة فإنه يقال التضاد والمنع والتنافي الذي

ص: 159

لا يصح إلا بين عرضين لا يكون بين جسم وعرض وهو المنع من اجتماعهما في محل واحد أو هو المنع من اجتماعهما في الوجود وإن كان في محلين فإن قال الأول فذاك التضاد والمنع والتنافي الخاص الاصطلاحي ولم يدع أحد أن لفظ الحجاب في اللغة موضوع بإزاء هذا المعنى الخاص فإنه من المعلوم أن الجسم يقبل الأعراض لا يمتنع لعموم كونه جسماً أن تقوم به الأعراض وإن كان قد يمتنع لخصوص ذاته من قيام بعض الأعراض به وإن قال بل مطلق المنع والتضاد ولو في محلين لا يصح أن يكون بين جسم وعرض قيل هذا غير مسلَّم ولا هو صحيح فإن منع كثير من الأجسام لكثير من الأعراض كالشمّ والذوق واللمس أمرٌ محسوس غاية ما يقال إن مطلق الجسم لا ينافي مطلق العرض فإنه يمكن قيامه به لكن فَرْق بين عموم النفي ونفي العموم ففرق بين نفي الإمكان والصحة من جهة خاصة وبين نفي ذلك مطلقاً

ص: 160

فقول القائل لا يصح أن يكون بين العرض والجسم تنافٍ وتضاد إن أراد به أن لا يصح فهذا خلاف للمحسوس بل أظهر ما للإنسان لباسه الذي يقيه الحر والبرد وهما عرضان قال تعالى وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل 81] وقاية الحر منعه ودفعه وإن أراد أن الجسم من جهة كونه جسماً لا يمنع وجود العرض فهذا حق لكن نفي المنع من جهة كونه جسماً لا يقتضي انتفاء المنع من جهة كونه جسماً لاسيما وقد بينَّا أن الأجسام ليست متماثلة

ص: 161

وأن مسمى الجسم إنما هو القائم بنفسه أو المقدر أو صفة المقدر فيكون المعنى أن الأمور القائمة بأنفسها لا تمنع من جهة المقدار قيام الصفات بها إذ لا منافاة بين المقدار والصفة وهذا حق لكن قد تكون المنافاة من جهة خصوص ذات القدر كما أن العرض من حيث هو عرض لا يمنع مجامعة العرض كاجتماع اللون والطعم والرائحة في محل واحد وإنما تقع المنافاة في بعض الأعراض كاللونين والطعمين فلا فرق في الحقيقة بين تنافي الأجسام وتنافي الجسم والعرض إذ المنافاة والمضادة تختص ببعض هذه الأقسام الثلاثة دون بعض بحسب خصوص ذات المتضادين وفي الجملة فلفظ المانع والتنافي والتضاد ونحو ذلك لها في اللغة التي يتخاطب بها الناس معنى أعم مما لها في اصطلاح هؤلاء وأيضا فإنهم كثيراً ما يَغْلَطون في أحكام الأجسام

ص: 162

والأعراض كاعتقاد بعضهم تماثلها أو امتناع بقاء الأعراض وغير ذلك مما ليس هذا مَوضعَه فإذا سمع هذه الكلمات من لا يكون عارفاً حقيقة معانيها يحسب أنها من القضايا المقبولات بمنزلة الأخبار الصحيحة والأحكام المجمع عليها بين المسلمين ولا يعلم أن النزاع بين الناس فيها عظيم وغلط هؤلاء فيها جسيم وأنه عند الاستفصال ينكشف الحال

ص: 163

فصل قال الرازي الفصل الثامن في القرب قال سبحانه وتعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وروى الأستاذ ابن فورك رحمه الله في كتابه

ص: 164

المتشابهات عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع الجبار كنفه عليه فيقر بذنوبه فيقول أعرف ثلاث مرات فيقول تعالى إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود 18] قال واعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته

ص: 165

ودنوها من العبد وأما قوله فيضع الجبار كنفه عليه فهو أيضا مستفاد من قرب الرحمة يقال أنا في كنف فلان أي في إنعامه وأما ما رواه بعضهم فيضع الجبار كتفه فاتفقوا على أنه تصحيف والرواة ضبطوها بالنون ثم إن صحت الرواية فهي محمولة على التقريب بالرحمة والغفران والله أعلم والكلام على هذا أن يقال أما الخبر الأول فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الثاني فهو أيضاً من أشهر الأحاديث الصحاح أخرجه في الصحيحين عن صفوان بن محرز المازني قال بينما ابن عمر يطوف إذ عرض له رجل فقال يا أبا

ص: 166

عبد الرحمن أو يا ابن عمر كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا فيقول أعرف ربي أعرف ربي مرتين فيقول سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم يعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود 18] وفي لفظ إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا وتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره ورأى في نفسه أنه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأما الكافر والمنافق فيقول الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)[هود 18] ولفظ الحديث بالنون وأما ما ذكره في رواية بعضهم كتفه فهذا تصحيف باتفاق أهل العلم كما ذكره ومثل هذا لا يحتاج إلى تفسير فأما إذا علم أن اللفظ كذب

ص: 167

على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم من حدّث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين

ص: 168

ولا يجوز تفسير ما علم أنه كذب بتقدير ثبوته ولاسيما في مثل هذا الباب فإنه جعل للكذب معنىً صحيحاً وهذا التقدير منتف فيكون المعلق عليه منتفياً وهو إثبات معنى صحيح له وقد بينا فيما تقدم أن التأويل بيان مراد المتكلم ليس هو بيان ما يحتمله اللفظ في اللغة وإذا كان كذلك فمن الممتنع أن يقال أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ كذا مع العلم بأنه لم يقل ذلك اللفظ فإن إثبات إرادته مع العلم بانتفائها جمع بين النقيضين وسواء احتمل ذلك في اللغة أو لم يحتمله فإن هذا لا يوجب إرادة النبي صلى الله عليه وسلم للمعنى بلفظ قد علمنا أنه لم يقله ولكن العلم بالموضوع المختلق وبالصحيح الثابت هو من بيان أهل العلم بالحديث والسنة وأما هذا المؤسس وأمثاله فلا يميزون بين هذين حتى قد يكذّبوا بالأحاديث التي يعلم أهلُ العلم أنها صدق ويصدّقوا أو يجوزوا صدق الأحاديث التي يُعلم أنها كذب إذا عرف هذا فهذان الحديثان مع الآية تضمنا شيئين

ص: 169

أحدهما تقرب العبد إلى ربه ودنوه إليه والثاني تقرب الرب إلى عبده وتقرب الرب إلى عبده نوعان أحدهما هو من لوازم تقرب العبد إليه فإنه من المعلوم أن الشيئين إذا تقرب أحدهما إلى الآخر كان من لوازم هذا قرب الآخر إليه إذ القرب من الأمور الإضافية من الجانبين فيمتنع أن يقرب أحدهما من الآخر إلا والآخر قد قرب إليه لكن لا يستلزم هذا أن يكون المُتقَرب إليه قد وجد منه فعل بنفسه يقرب منه بل يكون قربه هو القرب الذي حصل بفعل المقترب كالشيء المتحرك المتقرب إلى الشيء الساكن فإنه كلما تقرب إليه قرب الساكن إليه من غير حركة منه فهذا النوع من قرب الرب إلى عبده هو تبع لقرب العبد إلى الله فمن أثبت قرب ذات الله إلى العبد بهذا الاعتبار وإلا فلا وأما النوع الثاني من تقرب الرب إلى العبد فهو تقربه بفعلٍ يقوم بنفسه كما ورد لفظ المجيء والإتيان والنزول وغير ذلك فالكلام على هذا التقرب يؤخر إلى حيث يذكر ذلك وتكلم هنا في القرب الأول فكل من قال إن الله فوق العرش قال إنه يمكن التقرب إليه وأما من قال إنه ليس فوق

ص: 170

العرش قال إنه في كل مكان بذاته أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه فعلى قولهم يمتنع التقرب إليه وهؤلاء منهم من يقول إنه جسم ومنهم من يقول ليس بجسم كما تقدم ذكر ذلك عنهم وقد اعترف بالتقرب إليه نفسه من أقرّ بأنه فوق السموات ممن قال إنه ليس بجسم وممن قال إنه جسم وممن لم يقل واحداً من القولين لا أثبَتَ الجسم ولا نفاه فتبين أن إثبات التقرب إليه ونفيه ليس من لوازم القول بالجسم بل المثبت له والنافي منهم من يقول يتقرب إليه نفسه ومنهم من يقول لا يُتقرب إليه نفسه ومن يقول لا يتقرب إليه نفسه والتقرب إليه اسم جنس وتحته أنواع من أثبت نوعاً من تلك الأنواع فقد أثبت التقرب إليه بشيء وكذلك من أثبت أنه يصعد إليه نفسه بشيء أو يرتفع إليه بشيء وكذلك من ذهب إلى أنه تذهب إليه نفسه بشيء أو تأتيه نفسه بشيء أو تقف عليه نفسه ونحو ذلك فقد أثبت أنه يتقرب إليه بشيء وأما من

ص: 171

أثبت أنه هو يجيء ويأتي ويتقرب فإنه يثبت التقرب إليه بطريق الأولى وكل من استدل على أنه فوق العرش بالنصوص المتضمنة لذكر العلو إليه مثل قوله تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر 10] وقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقوله تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وغير ذلك فإنه يقول إنه يتقرب إليه وكذلك من أثبت أنه يقف عليه شيء أو يجيئه شيء أو أن عبده يلقاه أو يكون بينه وبين خلقه حجاب ونحو ذلك فإنه يقول إنه يتقرب إليه وفي القرآن مما فيه وصف ذهاب بعض الأشياء إليه نفسه أو صعودها إليه أو نزولها من عنده وما يشبه ذلك نحو خمسمائة آية أو أكثر وكل ذلك يدل على جواز التقرب إليه قال تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة 281] وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ

ص: 172

[البقرة 223] وقد تقدم كثير من الآيات التي فيها ذكر لقاء العبد ربه وكل ذلك يستلزم التقرب إليه ومن نفى أحدهما نفى الآخر ومن أثبت أحدهما أثبت الآخر وهذا يتأولهما النافي على لقاء مخلوق التقرب من مخلوق وقد قال تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)[البقرة 156] وقال تعالى فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة 54] وقال تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ [الأنعام 164] وقال تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)[آل عمران 28] وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)[المائدة 96] وقال تعالى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)[الأنعام 164] وقال تعالى إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزمر 7] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)[الأنعام 60] وقال تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام 94] وقال

ص: 173

كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)[الأنعام 108] وقال تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 61-62] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام 30] وقال تعالى وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 51] وقال تعالى عن السحرة قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)[الأعراف 125] وقال تعالى وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة 118] وقال شعيب عليه السلام وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)[هود 88] وقال تعالى وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود 123] وقال تعالى وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)[يونس 46] وقال تعالى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)[يونس 23] وقال تعالى قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)[يوسف 108] وقال تعالى وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [يوسف 6] وقال تعالى وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ

ص: 174

مُسْتَقِيمٍ (87)[الأنعام 87] وقال تعالى وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)[الرعد 30] وقال تعالى وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)[الكهف 48] وقال تعالى وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت 50] وقال تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)[مريم 93 إلى 95] وقال تعالى وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)[مريم 58] وقال تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85)[مريم 85] وقال وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)[المؤمنون 79] وقال تعالى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)[المؤمنون 60] وقال تعالى وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور 39] وقال تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)[النور 31] وقال تعالى فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)[الفرقان 71] وقال تعالى قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)[الفرقان 57]

ص: 175

وقال تعالى عن السحرة قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50)[الشعراء 50] وقال تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)[النمل 87] وقال تعالى وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)[القصص 38-39] وقال تعالى وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) إلى قوله كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)[القصص 87-88] وقال تعالى فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان 15] وقال تعالى فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)[العنكبوت 17] وقال تعالى مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)[الروم 31] وقال تعالى دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم 33] وقال تعالى وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان 15] وقال تعالى وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ

ص: 176

الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [لقمان 22-23] وقال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ 31] وقال المؤمن وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)[يس 22] وقال تعالى وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)[يس 32] وقال تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51)[يس 51] وقال تعالى عن إبراهيم إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)[الصافات 84] وقال

ص: 177

تعالى وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)[الصافات 99] وقال تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت 33] وقال تعالى فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)[فصلت 6] وقال تعالى وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)[الزخرف 36] إلى قوله حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)[الزخرف 38] وقال تعالى مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)[الجاثية 15] وقال تعالى وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)[الأحقاف 15] وقال تعالى لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق 28] وقال تعالى مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق 33] وقال تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات 50] وقال تعالى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42)[النجم 42] وقال تعالى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [النازعات 40] وقال تعالى رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)[الممتحنة 4] وقال المسيح عليه السلام مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [الصف 14] وقال تعالى قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ

ص: 178

بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)[الجمعة 8] وقال تعالى تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم 8] وقال تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)[المزمل 8] وقال تعالى فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19)[المزمل 19] وقال تعالى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)[النازعات 18-19] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)[الانشقاق 6] وقال تعالى إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)[الغاشية 25-26] وقال تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)[الفجر 27-30] ومثل هذا في كتاب الله كثير لا يستقصى إلا بكلفة شديدة وأما لفظ القرب إلى الله تعالى فقد قال تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)[النساء 172] وقال تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)[الواقعة 88-89] وقال تعالى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21)[المطففين 18-21] وقال تعالى

ص: 179

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)[المائدة 35] وقال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء 57] وقال تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)[العلق 19] وقال تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] وقال تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)[ص 25] في قصة داود وسليمان عليهما السلام وقال هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران163] وأما في الأحاديث النبوية فكثير وكلام السلف والأئمة وجميع المسلمين من ذكر القرب إلى الله تعالى وما يقرّب إلى الله ونحو ذلك هذا لا يحصيه إلا الله تعالى إذا عرف هذا فقوله في هذا الحديث يدنو المؤمن من ربه أو أن الله يدني المؤمن أو يؤتي بالمؤمن يوم القيامة فيدنيه الله منه ليس فيه إلا تقريبه وإدناؤه إلى الله تعالى وهذا له نظائر لا يحصيها إلا الله وقد تقدم ذكر بعضها وبعضها يحُصّل العلم الضروري بدلالة النصوص على الدنو إلى الله –تعالى والقرب إليه والنصوص الدالة على ذلك أضعاف

ص: 180

النصوص الدالة على الصعود إلى الله تعالى فإن الصعود إلى الله تعالى نوع من القرب وكما أن دلالات النصوص على ذلك من أعظم المتواترات فالعلم بها أيضاً مستقرٌ في فطرِ المسلمين عامتهم وخاصتهم كما استقر في فطرهم أن الله فوق كلهم مقرون بأن العبد قد يتقرب إلى الله وأن العباد منهم المقرب وهو الذي يقربه الله عز وجل إليه ومنهم الملعون الذي يبعده الله عز وجل عنه وكلهم يسمون الطاعات قربات ويقولون إنا نتقرب بها إلى الله وليس فيهم من ينكر بفطرته التقرب إلى الله إلا من غُيرت فطرته بنوع من التجهم والتعطيل كما أنه ليس منهم من ينكر رفع يديه إلى الله تعالى إلا من غيرت فطرته بنوع من التجهم والتعطيل وكل واحد من هذين الأصلين يستلزم الآخر فإنه إذا كان فوق العرش أمكن القرب وكان علوه دليلاً على إمكان القرب منه وإذا ثبت أنه يمكن القرب منه ثبت أنه حيث يمكن القرب منه

ص: 181

ولهذا يحتجون بكل من الأصلين فإن أبا محمد عبد الله بن كلاب وأصحابه وأبا الحسن الأشعري وأئمة أصحابه لا ينازعون في أن الله تعالى فوق العرش وفي أنه يمكن التقرب إليه نفسه وهم يستدلون بأحدهما على الآخر وإن قالوا مع ذلك إنه ليس بجسم وإن كان بينهم وبين غيرهم نزاع في أن قولهم متناقض أو غير متناقض ولهذا كان كثير من متأخري أصحابه ينكرون أنه فوق العرش ويوافقون المعتزلة في نفي ذلك أن ثبوته يستلزم التجسيم قال أبو الحسن الأشعري في مسألة العرش ومما يؤكد لكم أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية من قوله ينزل ربنا كل ليلة وقد تقدم ذكر

ص: 182

لفظه إلى أن قال وقد قال سبحانه وتعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 4] وقال سبحانه يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل 50] وقال سبحانه وتعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [فصلت 11] وقال تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)[الفرقان 59] وقال تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة 4] قال وكل هذا يدل على أنه في السماء مستو على عرشه والسماء بإجماع الناس ليست في الأرض فدل على أنه جل وعلا منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه وقال سبحانه وتعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)[الفجر 22] وقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] وقال سبحانه ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ

ص: 183

الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) إلى قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)[النجم 8-18] إلى أن قال وقال سبحانه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء 157] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء 157-158] قال وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء وهذا كله تصريح بأن الرفع والصعود إلى الله نفسه وقال أيضاً وقال الله تعالى ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ

ص: 184

الْحَقِّ [الأنعام 162] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] وقال تعالى وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف 48] قال وكل هذا يدل على أنه ليس في خلقِِهِ ولا خَلْقُهُ فيه وأنه سبحانه مستو على عرشه جل وعز وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيراً جلَّ عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي في التأويل ويريدون بذلك

ص: 185

زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل قال وروت العلماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي رب العالمين حتى يسأله عن ثلاث وروت العلماء أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء وأومأت بيدها إلى فوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أعتقها فإنها مؤمنة قال وهذا يدل على أن

ص: 186

الله على عرشه فوق السماء وقد أثبت أبو الحسن الأشعري ما هو أبلغ من ذلك من قرب الله تعالى إلى خلقه وحكاه عن أهل السنة والجماعة فقال في كتاب المقالات في حكاية قول جملة أصحاب

ص: 187

الحديث وأهل السنة قال جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة وذكر ما نقلناه عنه قبل هذا وفيه ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)[الفجر 22] وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال

ص: 188

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] ثم قال وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول قال في الإبانة وجملة قولنا أنَّا نقر بالله تبارك وتعالى وذكر نحواً مما ذكره في المقالات إلى أن قال ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)[الفجر 22] وأن الله تعالى يقرب من عباده كيف يشاء كما قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] وكما قال ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9)[النجم 8-9] وله كلام غير هذا وهو صريح في أن قربه إلى خلقه عنده من الصفات الفعلية حيث قال كيف يشاء والقرب بالعلم والقدرة لا يجوز تعليقه بالمشيئة لأن علمه وقدرته من لوازم ذاته فهذا من اتفاق عامة الصفاتية

ص: 189

على إثبات قرب الخلق إلى الله عز وجل وقربهم إليهم وهذا الذي قاله الأشعري وحكاه عن أهل السنة تلقاه عن زكريا بن يحيى الساجي وغيره من أئمة البصريين وهذا اللفظ الذي ذكره في القرب محفوظ عن حماد بن زيد إمام أهل السنة في عصر مالك

ص: 190

والثوري والأوزاعي قال الخلال في كتاب السنة أنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا أحمد بن محمد المقري حدثنا سليمان بن

ص: 191

حرب قال سأل بشر بن السرى حماد بن زيد فقال يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء ينزل الله إلى السماء يتجول من مكان إلى مكان فسكت حماد ثم قال هو في مكان يقرب من خلقه كيف يشاء وهذا يذكر في موضعه وأما حديث إدنائه إليه ووضع كنفه عليه فهو أظهر من هذا ولم ينازع أحد من الصفاتية المتقدمين أصلاً كما لم ينازعوا

ص: 192

في أن الله تعالى فوق العرش وقد نص الأئمة على إقراره قال الخلال في كتاب السنة باب يضع كنفه على عبده تبارك وتعالى أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال قلت لأبي عبد الله ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن الله يدني العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه قال هكذا يقول يدنيه ويضع كنفه عليه كما قال ويقول له أتعرف ذنب كذا قال الخلال أنبأنا إبراهيم الحربي قال قوله فيضع عليه

ص: 193

كنفه يقول ناحيته قال إبراهيم أخبرني أبو نصر عن الأصمعي يقال أنا في كنف بني فلان أي في ناحيتهم وأنا في ظلك أي قربك قال إبراهيم وأنبأنا عمرو عن أبيه قال كنف جانب وأنشدنا وأرحب له كنفا قال

ص: 194

وأنشدني أبو عبد الله النحوي بأكناف الحجاز هوى دفين يؤرقني إذا هدت العيون والكلام على ما ذكره من التأويل فمن وجوه أحدها أنه قال واعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته ودنوها من العبد فيقال له هذا التأويل لا يصح في قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)[ق 16] ومعلوم أن هذا يتناول المؤمن والكافر لا يقرب من رحمته وإنما قد يتأول هذا على العلم كما قد يذكر في موضعه الثاني أن هذا التأويل إنما يجيء في قرب الرب من العبد كقوله تعالى من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً فأما تقرب العبد فيقال فيه قرب العبد من الرحمة لا يقال قرب رحمته ودنوها من العبد ولكن خلط أحدهما بالآخر وهذا لا يستقيم

ص: 195

الثالث يقال قوله من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً إما أن يراد بكل واحد من القربين قرب رحمته ودنوها من العبد أو يراد بأحدهما غير ذلك والأول ممتنع لأن أحد التقربين لو كان هو الآخر لكان جزاء العمل هو العمل وهذا باطل فلابد أن يكون أحدهما غير المعنى الذي ذكره ولأنه قال من تقرب إليَّ شبرا تقربت منه ذراعاً فجعل الثاني ضعف الأول فيمتنع أن يكون إياه الرابع أن قرب الرحمة ودنوها من العبد ليس من فعله ومقدوره وإنما هو من فعل الله فلا يصح أن يفسر به تقرب العبد بل الذي يفسر به القرب إنما يفسر به قرب الله تعالى الخامس أنه قال في أول هذا القسم في أدلة المتأولين الخامس قوله وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)[العلق 19] فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فقد فسر قرب العبد بطاعته وعبوديته فعلم أن تفسيره بخلاف ذلك متناقض

ص: 196

السادس أنه قال يدنو المؤمن من ربه تعالى يوم القيامة فيضع عليه كنفه وهو لم يذكر إلا قوله اعلم أن المراد من قربه ودنوه قرب رحمته ودنوها وهذا ليس بتفسير لهذا الحديث لأنه جعل القربين شيئاً واحداً وهذا تخليط كما تقدم لكن هو لم يستوف التأويل المعروف عن الجهمية قالوا نحمل على أنه يقربه من رحمته وإثابته وتعطفه ولطفه وهذا سائغ في اللغة والمراد به المنزلة وعلو الدرجة فهذا التأويل الذي ذكروه وإن كان باطلاً لكنه هو الذي يمكن المتأول أن يقوله في هذا الحديث بخلاف ما ذكره ونحن نبين بطلانه فنقول الوجه السابع أن ما يدني إليه العبد من الرحمة والإيمان وغير ذلك إما أن تكون أعيانا قائمة بأنفسها أو صفات قائمة بغيرها فإن كانت صفات فمعلوم أن القرب إلى الصفة لا يكون إلا بالقرب إلى الموصوف نفسه فلا يمكن أن يقرب العبد إلى ما يقوم بالله من رحمة وإيمان إلا إذا قرب من نفسه فأما قربه من صفته القائمة به دون قربه من نفسه فظاهر البطلان والفساد ولهذا لم يقله أحد من العباد بل الذي يحيل القرب إلى نفسه

ص: 197

هو القرب إلى صفاته ابتداء حاله إن كان يثبت له صفة وإن أراد بما يتقرب العبد إليه عيناً قائمة بنفسها غير الله عز وجل فذلك خلق من خلق الله تعالى ومن المعلوم أن قوله يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا يقول أعرف رب وقوله إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه كل ذلك ألفاظ صريحة يعلم من سمعها بالاضطرار أن الذي يدنيه منه ويضع عليه ويقرره بذنوبه ويغفرها له الله عز وجل لا أحد من خلقه فكيف يجوز أن يقال لا يدنو العبد من ربه وإنما يدنو من بعض مخلوقاته وهل ذلك إلا بمثابة أن يقال إن الذي يقرره بذنوبه هو بعض مخلوقاته كما تقول الجهمية القائلون بأن الله عز وجل لا يقوم به كلام وإنما الكلام يقوم ببعض مخلوقاته فهذا مثل هذا وكلاهما بمنزلة أن يقال إن الله عز وجل لا يغفر له وإنما يغفر له بعض مخلوقاته وهذا يؤول إلى ما يقوله من يقوله من الصابئة المتفلسفة وغيرهم إن العباد لا يرجعون إلى الله عز وجل وإنما منتهاهم هو العقل الفعال ونحو ذلك مما يدعون لها الملائكة فيجعلون ذلك هو رب العباد الذي إليه يرجعون كما يزعمون أنه هو ربهم المدبر لهذا العالم

ص: 198

وهذا كله مما يعلم بالاضطرار أنه خلاف ما أخبرت به الرسل وأنه شرك صريح في اتخاذ غير الله إلهاً وربًّا وأقوال الجهمية تستلزم هذا ولهذا قال من قال من أئمة السلف من قال إن قوله لموسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه 12] مخلوق كافر لأنه جعل هذا الكلام قائما بمخلوق يلزم أن يكون هو الرب وكذلك سائر تأويلاتهم من هذا الجنس

ص: 199

الوجه الثامن أن يقال هذا الدنو ووضع الكنف والمخاطبة يكون وقت السؤال والعبد خائف غير آمن ولا ظهر له أنه يغفر له ويرحمه كما في لفظ الحديث الصحيح إن الله يدني المؤمن فيضع كنفه عليه ويستره فيقول أتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فإذا كان العبد حين هذا الدنو من الله والمخاطبة والتقرير بذنوبه يرى أنه قد هلك قبل أن يذكر له الرب أنه غفر له امتنع أن يكون ما ذكره من دنوه من الله هو الدنو من رحمته وأمانه وتعطفه الوجه التاسع أن الرحمة والعطف والأمان إن كانت صفات لله تعالى كان القرب إليها قرباً إلى الموصوف كما تقدم وإن كانت أعياناً قائمة بنفسها مخلوقة لله تعالى فمن المعلوم أنه حين الحساب في عرصات القيامة لا يكون هناك أجسام مخلوقة يرحم بها العباد فإن ذلك إنما يكون في الجنة وإذا لم يكن في عرصة الحساب أجسام مخلوقة من الرحمة أعدها الله

ص: 200

عز وجل لعباده ولكن هو يحكم بالعفو والمغفرة ثم ينقلبون إلى دار الرحمة امتنع أن يكون أحد حال المحاسبة مقرباً إلى أجسام هي رحمة قبل أن يؤذن لهم في دخول الجنة الوجه العاشر أن يقال من المعلوم أن الله عز وجل أخبر في كتابه بأصناف ما ينعم به على عباده من المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمساكن وقد أجمل ما لم يفصله في قوله تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ

ص: 201

[السجدة 17] وهذه الأمور يباشرها المؤمن مباشرة لا يكون جزاؤه مجرد قربه منها دون مباشرتها بل ذلك يكون حسرة وعذابا فدعوى الإكرام بمجرد التقريب من هذه الأمور دون مباشرتها كلام باطل لا حقيقة له الوجه الحادي عسر أن المؤمن مازال في رحمة الله في الدنيا والآخرة فكيف يجوز تخصيص حال السؤال بقربه من رحمته دون ما قبل ذلك وما بعده الوجه الثاني عشر أن يقال هو مازال مباشراً لما يرحمه الله به قبل وبعد فأي فائدة في أن يوصف بالقرب من شيء مازال مباشراً له لا ينفصل عنه الوجه الثالث عشر أنه في العرصة يظهر له من الأهوال والشدة ما يكون أعظم عليه وأشد لرعبه وألمه من كل ما كان قبل ذلك وبعده فكيف يجوز تخصيص أشد الأحوال عليه بأنه تقرب فيه مما يرحم به مع أن ما قبلها وما بعدها كان ما يرحمه به إليه أقرب وهو له أعظم مباشرة ونيلا الوجه الرابع عشر أن هذا الذي ذكره لا ريب أنه من

ص: 202

باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه حيث قال قوله فيدنيه منه أي من رحمته وأمانه وتعطفه ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب أن هذا لا يجوز عندهم إلا إذا كان قد اقترن بالكلام ما يبين المضاف والمحذوف إذ لا يقولون جاء زيد يعنون ابنه أو غلامه أو رسوله إلا بقرينة ومن المعلوم أن الحديث نص في أن الله تعالى هو الذي يدنيه من نفسه فضلاً عن أن يقال إن هناك قرينة تبين أنه إنما أدناه ن بعض الأمور المضافة إلى الله تعالى ولهذا لا يسمع أحد هذا الكلام فيفهم أن الله تعالى يدنيه من شيء آخر ولا يخطر هذا ببال المستمع فكيف يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد هذا الوجه الخامس عشر أن قوله فيدنيه منه فيضع عليه كنفه ثم يقرره بذنوبه جمع بين الإدناء ووضع الكنف عليه قرينة في أنه هو الذي يدنيه إليه ويضع كنفه عليه ويستره من الناس كما جاء ذلك في ألفاظ الحديث الوجه السادس عشر أنه من المعلوم أن هذا الحديث هو من جنس مادل عليه القرآن من وقوف العباد على ربهم وخطابه لهم ومن المعلوم بالاضطرار من رسالات الرسل ودين الإسلام أن هذا إنما يكون يوم القيامة وأن أحوال العباد مع الله عز وجل يوم القيامة بخلاف أحوالهم في الدنيا

ص: 203

وعلى رأي المنازعين الجهمية وفروعهم لا فرق بين الدنيا والآخرة فإن اله نفسه لا يقربون إليه لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يقفون عليه ولا يرجعون إليه وإنما ذلك كلهم مصيرهم إلى بعض مخلوقاته ومقدوراته وهذا ثابت في الدنيا والآخرة وكذلك خطابهم لهم معناه عند الجهمية المحضة أنه يخلق كلاماً في بعض مخلوقاته يكلمهم وعند فروعهم يخلق في العباد إدراكاً يفهمون به المعنى القائم بالذات لا أنه يخاطبهم بكلام يسمعونه إذ ذاك ومعلوم أن خلق الفهم والإدراك لا فرق فيه بين الدنيا والآخرة وحينئذ فهذا الذي أخبر به في هذا الحديث وغيره يكون عندهم في الدنيا كما يكون في الآخرة فيدنو العبد المؤمن من الله تعالى في الدنيا ويضع عليه كنفه ويقرره بذنوبه ويقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وذاك عندهم إما سماع صوت في بعض المخلوقات أو إلهام يقع في النفس وكل من تدبر القرآن والحديث علم بالاضطرار أن هذا الذي يقولونه ليس هو الذي

ص: 204

أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن قولهم فيه هو من التكذيب ببعض الإيمان بالله واليوم الآخر وهذا أمر عظيم ضاهوا به ما يقولونه الصابئة الفلاسفة والقرامطة الباطنية ونحوهم من لا يشك مؤمن في أنهم يكذبون بآيات الله ولقائه وأنهم ممن قيل فيه فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)[الأنعام 150] وهذا قد صرح به من أئمة الجهمية طوائف كالاتحادية وغيرهم ولهذا ينكرون المسير إلى الله عز وجل

ص: 205

والدعوة إليه أو يتأولونه بالطريق المستقيم إليه وذلك يظهر بالوجه السابع عشر وهو أن ابن عربي صاحب

ص: 206

الفصوص قال في الكلمة النوحية وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)[نوح 22] لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية ادعو الله فهذا عين المكر على بصيرة فنبه أن الأمر كله له فأجابوه مكراً كما دعاهم مكراً فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته وإنما هي من حيث أسماؤه فقال يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85)[مريم 85] فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسم إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين فقالوا في مكرهم لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)[نوح 23] فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله من المحمديين وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] أي حكم فالعالم يعلم من عبد وفي أي

ص: 207

صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد غير الله في كل معبود فالأدنى من تخيل فيه الألوهية فلولا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره ولهذا قال قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد 33] فلو سموهم لسموهم حجراً وشجراً وكوكباً ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهاً ما كانوا يقولون الله ولا الإله والأعلى ما تخيل بل قالوا هذا مجلى إلا هي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر والأدنى صاحب التخيل يقول مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] والأعلى العالم يقول فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا [الحج 34] الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا إلها ولم يقولوا طبيعة وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح 24] أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ

ص: 208

[نوح 24] لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب فهم أول الثلاثة فقدم على المقتصد والسابق إِلَّا ضَلَالًا (24)[نوح 24] إلا حيرة المحمديين زدني فيك تحيرا كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [البقرة 20] فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه وصاحب الحركة الدورية لابد له فيلزمه من ولا غاية فيحكم عليه إلى قلة الوجود الأتم وهو المؤتى وجوامع الكلم والحكم مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله وهو الحيرة فَأُدْخِلُوا نَارًا في عين الماء في المحمديين وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)[التكوير 6] سجرت التنور إذا أوقدته فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25)[نوح 25] فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد فلو أخرجهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة وإن كان الكل لله

ص: 209

وبالله بل هو الله فيقال لهم هذه الأمور التي تضمنها هذا الكلام وهو لازم الجهمية الذين يقولون إن الله عز وجل ليس فوق العرش بل هو في كل مكان من أن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه في النهاية كما هو في البداية من أن صاحب السلوك إلى الله بالطريق المستقيم مائل خارج عن المقصود صاحب خيال إليه غايته فله من وإلى يسير من شيء إلى شيء والحائر الذي يدور ولا يبرح ولا يذهب إلى شيء غير ما هو فيه فله الوجود الأتم وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم وأن الدعوة إلى الله ليست إلى هويته بل إلى نسب وإضافات إليه هي التي جعلها هذا أسماء فإن هؤلاء الاتحادية وإن كانوا جهمية فلهم فروع أقوال انفردوا بها عن غيرهم من الجهمية ولكن نذكر ما يلزم غيرهم

ص: 210

من الجهمية فهذه المقالات ونحوها لا تخلو إما أن يقال هي حق وهي معنى القرآن كما ذكره هذا أو لا أما الأول فإنه من أظهر الأمور كفراً وضلالاً وتحريفاً واتحاداً وتعطيلاً فكل من فيه أدنى إيمان وعَلِمَ وفَهِمَ مقصودهم يعلم علماً ضروريًّا أن الذي قالوه هو من أعظم الأقوال منافاة لما جاءت به الرسل وان الله أمر أن يسأل أن يهدينا الصراط المستقيم ومدح الصراط المستقيم في غير موضع وذم الحائر كما في قوله تعالى قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ [الأنعام 71] وأن الله بعث الرسل بالدعوة إليه نفسه وأن ذلك ليس بمكر بالعباد بل هدى لهم وأنه ليس المدعو في ابتداء إجابة الرسل كما يكون إذا انتهى إلى ربه أو لاقاه وأن من عبد الأصنام أو شيئا م المخلوقات فهو كافر مشرك باتفاق الرسل كما قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)[الزخرف 45] وقال وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)[الأنبياء 25] وقال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل 36]

ص: 211

وعلى قول الاتحادية ما ثم طاغوت إذ كل معبود فعابده إنما عبد الله عندهم ومن المعلوم بأعظم الضرورات أن عُبّاد يغوث ويعوق ونسرا وسائر الأوثان لم يكونوا عابدين لله وكانوا مشركين أعداءً لله لم يكونوا من أولياء الله وهذا وأمثاله كثير وليس هذا موضع بسطه فهؤلاء الجهمية النفاة إما أن يوافقوا هؤلاء أو ى فإن وافقوهم كان كفرهم أظهر من كفر اليهود والنصارى ومشركي العرب وكان جحدهم للمعارف الكثيرة الضرورية أعظم من جحد السوفسطائية

ص: 212

وإن خالفوهم وهو قولهم قيل لهم إذا قلتم إن الله لا يتقرب إليه نفسه أحد ولا يدعى إليه نفسه أحد وليس بين العبد وبينه نفسه طريق مستقيم ولا مستدير وأنه لا يذهب إليه نفسه أحد وإنما ذلك كله عندكم يعود إلى بعض مقدوراته ومخلوقاته مثل ما يخلقه مما يرحم به العباد فإليها يذهب وإليها يسير فإذا قلتم هذا لم يكن لكم طريق إلى إفساد قول أولئك الاتحادية إذ قولكم من جنس قولهم إلا أنهم توسعوا في ذلك فجعلوا كل من دعا إلى شيء أو وصل إليه أو سلك إليه فإنما دعا إلى الله ووصل إليه وسلك إليه وأنتم تخصون ذلك ببعض المخلوقات دون بعض فالفرق بينكم وبينهم فرق ما بين العموم إلى الخصوص ومشابهتكم لهم أقرب من مشابهة النصارى لهم ولهذا كان يقول صاحب الفصوص إن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا إذ عنده أن جميع

ص: 213

الموجودات هي بمنزلة ما يقوله النصارى في المسيح عليه السلام

ص: 214

فصل قالوا أبو عبد الله الرازي القسم الثالث في تقرير مذهب السلف وفيه فصول الفصل الأول في أنه هل يجوز أن يحصل في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به اعلم أن كثيراً من الفقهاء والمحدثين والصوفية يجوّزون ذلك والمتكلمون ينكرونه قلت قول القائل ما لا سبيل لنا إلى العلم به كلامٌ مجملٌ قد يراد به ما لا سبيل لبعض الناس إلى معرفته أو يراد به ما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ثم قد يراد به أنه لا سبيل لأحد إلى فهم معناه ومعرفة شيء من المراد به بل قد يكون مثل الأعجمي الذي حفظ حروف القرآن ولا يدري

ص: 215

ما هو وإذا خاطبته بعربية القرآن لم يفهم عنك ولم يخاطبك إلا بلسانه وقد يراد به أنه لا سبيل لأحد إلى معرفة الخبر الواقع في الخارج كيف هو ومتى يقع أو كم مقداره فإن لفظ التأويل له عدة معان كما سنذكره إن شاء الله تعالى والذين جوّزوا ذلك عمدتهم قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] وسنبين أنه ليس المراد بهذا أنه لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله بل هذا القول خطأ وما ذكره من حجج المتكلمين يبطل هذا القول لكن لا يدل على أن التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح والتأويلات التي لا يعلم بها مرادُ المتكلم هو التأويل المذكور في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران 7] على القراءة الأخرى بل إن هؤلاء المتكلمين لا يعلمون تأويله الذي هو تفسيره ومعرفة المراد به فإن الراسخين في العلم الذين

ص: 216

يعلمون هذا التأويل قد عرفوه بعينه لم يترددوا ويقولوا يجوز كذا ويجوز كذا فمن قال إن القرآن يجوز أن يشتمل على ما لا سبيل لبعض الناس إلى العلم به فقد أصاب وذلك لعجزه لا عن نقص في دلالة القرآن فكثير من الناس لا سبيل له إلى أن يعلم كثيراً من العلوم كالطب والنجوم والتفسير والحديث وإن كان غيره يعلم ذلك وإن أراد أنه لا سبيل لأحد إلى معرفة تفسيره فقد غلط وإن قال لا سبيل لأحد إلى معرفة حقيقته وكيفيته وهيئته ونحو ذلك فقد أصاب وما ذكر من حجج المتكلمين يدل على أنه ليس فيه ما يمتنع معرفة تفسيره ومعناه والمراد به الذي هو الصواب وعلى هذا عامة السلف فإنهم لا يقولون إن في القرآن ما لا يعلم الرسول معناه وتفسيره وما عنى الله تعالى به ولا جبريل الذي جاء به ولا أحد من المؤمنين بل فيه ما لا يعلم عاقبته وما يؤول إليه إلا الله تعالى وبسط هذا له موضع

ص: 217