الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
[الكتاب الثالث في الإجماع]
(ص) الكتاب الثالث في الإجماع
(ش): قدمه على القياس، لأنه معصوم من الخطأ بخلافه
(ص): وهو اتفاق مجتهد الأمة بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على أي أمر كان.
(ش): الاتفاق: جنس يعم الأقوال، والأفعال، والسكوت
والتقرير، وقوله: مجتهد، فصل خرج به اتفاق بعضهم، واتفاق العامة، وبإضافته إلى الأمة يخرج اتفاق الأمم السابقة وبقوله: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم الإجماع في زمنه صلى الله عليه وسلم فلا ينعقد، وقوله: في
عصر، يخرج توهم اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة، بل يكفي وجوده في عصر ثم يصير حجة عليهم، وعلى من بعدهم، وهذا القيد زاده الآمدي، ومن لم يذكره قال: المقصود العمل، وإنما يكون في عصره.
وقوله: على أي أمر كان، يعم الإثبات والنفي، والأحكام الشرعية والعقلية واللغوية، وفائدة هذه القيود تأتي مشروحة فيما بعد، وقد أورد عليه: أن مجتهدي جمع أقله ثلاثة فيقتضي أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهدان لا يكون قولهما إجماعاً.
وأجاب المصنف: بأن مجتهد لا يكتب بالياء إذ ليس جمعاً سقطت نونه بالإضافة وبقيت الياء، وإنما هو مفرد فدخل الاثنان فصاعداً، لأن المفرد المضاف عام.
فإن قلت: فيلزم أن يكون قول الواحد المجتهد إذا لم يكن في العصر سواء إجماعاً، والمختار خلافه.
قلت: لا لخروجه بلفظ الاتفاق، فإن الاتفاق إنما يكون من اثنين فصاعداً وإنما نكر عصراً، ولم يدخل عليه صيغة العموم وأدخلها على الأمر، تنبيهاً على أن تنكير ابن الحاجب لهما قد يظهر في بادئ الرأي تصويبه لأن الأعصار كلها سواء والأمور كلها سواء، لكن عبارة المصنف هو التحرير، أما تنكير عصر فلأنه لا
يظهر فرق بين عصر وعصر، فكأن الحكم للقدر المشترك بين الأعصار، كلها، فعصر نكرة مراد به الحقيقة من حيث هي، حتى لو ابتدأ به جاز، لأنه من مسوغات الابتداء بالنكرة عند النحاة أن يراد بها الحقيقة من حيث هي نحو: رجل خير من امرأة، وتمرة خير من جرادة، لأن الوحدة غير مقصودة، فاندفع الإيهام، وحصلت الفائدة المسوغة للابتداء، وأما التصريح بتعميم ما يقع الإجماع فيه فقولنا: أي أمر كان فلأن الفرق ظاهر بين الأمور، ألا ترى إلى اختلاف العلماء في الفرق بين أمر وأمر نحو اختلافهم في الإجماع في العقليات هل هو صحيح، وفيما أصله أمارة ونحو ذلك.
ولم يقل أحد بالفرق بين عصر وعصر، فلما ظهر الفرق نص على العموم دفعاً للإيهام، بخلاف العصر، ثم أورد على نفسه أنه لو لم يفترق الأعصار، لما كان عصر السالفين لا يختص فيه الإجماع بخلاف أعصار هذه الأمة، ولما قال قوم إن الإجماع يختص بعصر الصحابة.
وأجاب بأن الخلاف لم ينشأ عن اختلاف الأعصار في أنفسها بل عن المختلفين، فالقائل، باختصاص الإجماع بهذه الأمة يدعي تميزها بذلك فالخلاف لأجل أهل العصر لا للعصر فلم يقبل أن إحداث الإجماع يختص بعصر الصحابة
بل إنه مختص بالصحابة ويظهر أثر هذا فيما لو كان بين الصحابة تابعي مجتهد، وذلك كثير فأجمعوا دونه فإن قلنا: يختص بالصحابة، لم يعتد بخلافه فيهم، وإن قلنا: يختص بالعصر نفسه، اعتد، لأنه من أهل عصرهم.
(ص): فعلم اختصاصه بالمجتهدين، وهو اتفاق، واعتبر قوم وفاق العوام مطلقاً، وقوم في المشهور بمعنى إطلاق أن الأمة أجمعت لا افتقار الحجة إليهم خلافاً للآمدي.
(ش): مسائل هذا الباب كلها مستخرجة من هذا التعريف، وقد أبدع المصنف في ذلك بحيث يلوح للفطن الاكتفاء بالتعريف عن النظر في آحاد المسائل، فعلم ـ أي: من قولنا مجتهد ـ اختصاص الإجماع بالمجتهدين، أي: لا يعتبر إلا بهم ولا اعتبار بقول العوام وفاقاً ولا خلافاً، وهذا قول الأكثرين، لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد فلا عبرة بقولهم كالصبي والمجنون، ولأن قول المجتهد بالنسبة إلى العوام كالنص بالنسبة إلى المجتهد، فكما أن حجية النص لا تتوقف على رضا المجتهدين فكذلك حجية قولهم لا تتوقف على رضا العوام به، وقيل: يعتبر قولهم مطلقاً أي: سواء المسائل المشهورة والخفية لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة، وحينئذ لا يلزم من ثبوت العصمة للكل ثبوتها للبعض، وهذا ما اختاره الآمدي، ونقله الإمام وغيره
عن القاضي.
وفي المسألة مذهب ثالث: أنه يعتبر وفاقهم في المشهور دون الخفي كدقائق الفقه، وهو ما حكاه القاضي عبد الوهاب في (الملخص)، وأشار المصنف بقوله: بمعنى إلى تحقيق محل الخلاف، وأن في إطلاق اللفظ، أي: إذا خالفت
العوام وأجمع العلماء، هل يقول أجمعت الأمة أم لا؟ أما عدم الاعتبار بقولهم: فلا خلاف فيه وإليه أشار بقوله أولاً: (وهو اتفاق) وهذا عكس ما فهمه جماعة عن القاضي والصواب ما ذكره المصنف، وقد صرح القاضي في (التقريب) أن خلاف العوام لا يعتبر به، وقال فيه في الكلام على الخبر المرسل: لا عبرة بقول العوام وفاقاً ولا خلافاً.
(ص): وآخرون: الأصولي في (الفروع).
(ش): المجتهد الذي يعتبر ليس هو المجتهد كيف كان، بل هو المجتهد مطلقاً أو المجتهد في ذلك الفن الذي يحصل الإجماع على مسألة من مسائله، فأما لو كان مجتهداً في فن، فإنه لا يعتبر قوله في فن آخر، لأنه عامي بالنسبة إليه، فعلى هذا المعتبر في مسائل الكلام إنما هو قول المتكلمين لا غير، وفي مسائل الفقه (2/ك) قول (79/ز) المتمكن من الاجتهاد في الفقه، لا قول المتكلمين واختلفوا في الأصولي الذي ليس بفقيه، والفقيه الذي ليس بأصولي، هل يعتبر في الفروع؟ على أربعة مذاهب.
أحدها: يعتبر قولهما: نظراً لما لهما من الأهلية المناسبة بين الفنين.
الثاني: لا يعتبران، لعدم أهلية الاجتهاد.
وثالثهما: اعتبار قول الأصولي دون الفقيه الحافظ للأحكام، لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد واستنباط الأحكام من مآخذها، وليس من شرط الاجتهاد حفظ الأحكام، واختاره القاضي، وقال الإمام: إنه الحق.
والرابع: قول الفقيه الحافظ للأحكام دون الأصولي، لكونه أعرف بمواقع الاتفاق والاختلاف.
واعلم أن المصنف إنما ذكر المسألة عقب العامي، ليرتبها عليها، فإن من اعتبر وفاق العامي اعتبر الأصولي والفقيه الحافظ بطريق الأولى، ومن منع: فمنهم من ألحقها بالعامي مطلقاً، لعدم الاجتهاد، ومنهم من أدخلها، نظراً إلى تفاوت الرتبة،
ومنهم من فصل فاعتبر الفقيه، ومنهم من اعتبر الأصولي.
(ص): وبالمسلمين فخرج من نكفره.
(ش): علم من قوله: (مجتهد الأمة) اختصاصه بالمسلمين فلا اعتبار بالكافر فيه، لأن أدلة الإجماع لم تتناوله إنما تناولت المؤمنين على الخصوص، ولأنه غير مقبول القول، فلا اعتبار به في حجة شرعية، ولا بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته، لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه، ولا خلاف فيه، فإن لم نكفره، فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه، نظراً إلى دخوله في مفهوم الأمة، وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه، بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره،
واعلم أنه سيأتي أن الإجماع قد يكون على أمر دنيوي، وحينئذ فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين، لا سيما إذا بلغ المجمعون، حد التواتر ولم يشترط في ناقل التواتر الإسلام.
(ص): وبالعدول إن كانت العدالة ركنا، وعدمه إن لم تكن، وثالثها: في الفاسق يعتبر في حق نفسه، ورابعها: إن بين مأخذه.
(ش): علم من قوله: (مجتهد) اختصاص الإجماع بالعدول، إن جعلنا العدالة ركناً في الاجتهاد.
فإن قلنا: ليست بركن لم يختص الإجماع بالعدول، وعلم منه حكاية قولين في اعتبار قول الفاسق، وأن مأخذهما البناء على أن العدالة ركن في الاجتهاد أم لا؟ وقد صحح المصنف في باب الاجتهاد أن العدالة لا تشترط، فيلزم منه ترجيح اعتبار قول الفاسق، لكن الأكثرين، على عدم اعتباره، ثم في هذا البناء نظر من جهة أن أهلية الاجتهاد ـ الذي هو استنباط الأحكام، وتصحيح المقاييس، وترتيب المقدمات إلى غير ذلك ـ مما لا تعلق لها بالديانة أصلاً.
والثالث: يعتبر خلافه في حق نفسه دون غيره.
ورابعها: إن بين مأخذه وإلا فلا، قال ابن السمعاني: ولا بأس به، قال:
وعند هذا القائل يفارق العدل الفاسق، لأن العدل إذا أظهر خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله، لأن عدالته تمنعه عن اعتقاد شرع بغير دليل، قال: وهذا كله في الفاسق بلا تأويل، أما الفاسق بتأويل فكغيره وقد نص الشافعي رضي الله عنه على قبول شهادة أهل الأهواء، وهو محمول على ما إذا لم يؤد إلى التكفير، وإلا فلا عبرة به.
(ص): وأنه لا بد من الكل، وعليه الجمهور، وثانيها: يضر الاثنان، وثالثها: الثلاثة، ورابعها: بالغ عدد التواتر، وخامسها: إن ساغ الاجتهاد في مذهبه، وسادسها: في أصول الدين، وسابعها: لا يكون إجماعاً بل حجة.
(ش): علم من قوله: (مجتهد الأمة) أنه لا بد من وفاق جميعهم، فلو خالف واحد لم يكن قول غيره إجماعاً، وهذا مذهب الجمهور.
والثاني: يضر الاثنان لا الواحد.
وثالثها: تضر الثلاثة لا الواحد ولا الاثنان.
ورابعها: عن بلغ الأقل عدد التواتر لم يعتد بالإجماع دونه، وإلا اعتد به، حكاه الغزالي والآمدي وقال القاضي في (مختصر التقريب): إنه الذي يصح عن ابن جرير.
والخامس: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف كان خلافه معتداً به كخلاف ابن عباس في العول، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد بل أنكروه عليه
كالمتعة وربا الفضل ـ فلا، وهو قول الجرجاني من الحنفية وحكاه السرخسي
عن أبي بكر الرازي.
والسادس: يضر في أصول الدين دون غيره من العلوم.
وسابعها: لا يكون إجماعاً، بل هو حجة فهذا هو الذي رجحه ابن الحاجب، فإنه قال: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعاً قطعاً، والظاهر أنه حجة، لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف قال الهندي والظاهر أن من قال:
إنه إجماع، فإنما يجعله إجماعاً ظنياً لا قطعياً، وبه يشعر إيراد بعضهم.
وحكى ثامناً: أنه إجماع وحجة.
وتاسعاً: أنه ليس بحجة ولا إجماع لكن الأولى اتباع الأكثر، وإن كان لا يحرم مخالفتهم.
(ص): وأنه لا يختص بالصحابة، خلافاً للظاهرية.
(ش): لأن الأدلة على كون الإجماع حجة لا تفرق بين عصر وعصر، قال ابن حزم:
وذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إما أن يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف فإن قيل فما تقولون في إجماع من بعدهم أيجوز أن يجمعوا على خطأ؟ قلنا هذا لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمنا من ذلك بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).
والثاني: أن سعة الأقطار بالمسلمين وكثرة العدد لا يمكن أحداً ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لم يخف كذبه على أحد انتهى.
(ص): وعدم انعقاده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
(ش): علم من قوله: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينعقد الإجماع في حياته، لأنه إن أجمع معهم فالحجة في قوله وإلا فلا اعتبار بقولهم.
(ص): وأن التابعي المجتهد معتبر معهم، فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر.
(ش): علم من إطلاقه المجتهد أن التابعي إذا كان موجوداً في عصر الصحابة فلا يعتد بإجماع الصحابة مع مخالفته خلافاً لقوم.
لنا: تناول أدلة الإجماع للكل، واستدل كثيرون منهم الإمام فخر الدين بتسويغ الصحابة للتابعي مخالفتهم، ورجوعهم إليه في بعض الوقائع لقول أنس:(سلوا الحسن) وابن عباس،
لما سئل عن نذر ذبح الولد: سلوا مسروقاً وقصة أبي سلمة في العدة،
وهذا لا يدل، لأن ذلك جوز عند اختلاف الصحابة فلا يلزم من اعتبار قوله عند الخلاف اعتباره عند وفاقهم، وهذا إذا كان مجتهداً وقت إجماعهم، فإن نشأ بعدهم أي: صار مجتهداً بعد الإجماع فخلافه مبني على أنه هل يشترط في الإجماع انقراض العصر؟ فمن شرط انقراضه قال: لا ينعقد إجماع الصحابة (3/ك) مع مخالفته، ومن لم يشترط لم يعتد بخلافه وهو ما قطع به الغزالي وابن السمعاني، كمن أسلم بعد تمام الإجماع، واعلم أن هذه المسألة من جملة أفراد التي قبلها، وهي مخالفة الواحد هل يؤثر؟ ولهذا قال الغزالي: هذه المسألة إنما يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بخلاف واحد منهم كما سبق، أما من ذهب إلى أنه لا يدفع إجماع الأكثر بالأقل كيفما كان لا يختص كلامه بالتابعي.
(ص): وأن إجماع كل من أهل المدينة وأهل البيت، والخلفاء الأربعة، والشيخين، وأهل الحرمين وأهل المصرين ـ الكوفة والبصرة ـ غير حجة.
(ش): قوله: غير حجة، مرفوع خبر أن، أي: علم من عموم مجتهد الأمة
أن إجماع من ذكر ليس بحجة، لأنهم ليسوا كل الأمة، والأول خالف فيه مالك فأجراه أكثر أصحابه على ظاهره وأوله بعض أصحابه على ترجيح
روايتهم على غيرهم مع مخالفة غيرهم لهم، وقد أشار الشافعي رضي الله عنه إليه في القديم ورجح رواية أهل المدينة على رواية غيرهم، وبعضهم قال: أراد اتباعهم أولى مع تجويز المخالفة لعلو، وبعضهم قال: أراد الصحابة، وبعضهم: التابعين وتابعيهم.
وقال ابن دقيق العيد: الذي نقطع به ولا يصح سواه أن علمهم إنما يقوى فيما طريقة النقل، وما تقتضي العادة فإنه لو تغير لعلم التغيير وزمانه، وأما مسائل الاجتهاد فلا، هذا مع أنه قد ادعى أنه لم يختلف في مسألة في غير المدينة إلا وقد
اختلف فيها أهل المدينة. انتهى.
والثاني: خالف فيه الشيعة محتجين بقوله تعالى:
{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} فنفى الخطأ.
وأجيب: بأنها نزلت في الأزواج لدفع التهمة عنهم، وسياقها يدل على ذلك، فإن قيل: لو كان المراد الأزواج لقيل: عنكن الرجس.
قلنا: لأنه أراد معهن غيرهن من الذكور كعلي، والحسن والحسين، وإذا اشتمل الجمع على مذكر ومؤنث غلب المذكر كقوله تعالى:{أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} .
والثالث: خالف فيه أبو حازم
من الحنفية وتعبير المصنف بالخلفاء أحسن من تعبير ابن الحاجب بالأئمة الأربعة، لأنه أظهر في إرادة أبي بكر وعمر وعثمان،
وعلي رضي الله تعالى عنهم.
والرابع: خالف فيه قوم.
لقوله: ((واقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)).
والخامس والسادس: حكى الغزالي الخلاف فيه عن طائفة، ومدركهم
انتشار الصحابة في هذه البلاد دون غيرها، وهو في الحقيقة راجع لخلاف الظاهرية المخصصين، له بالصحابة إلا أنه أخص من ذلك.
(ص): وأن المنقول بالآحاد حجة وهو الصحيح في الكل.
(ش): أي: في المسائل الست السابقة، وفيه تنبيه على الخلاف فيها لكن الصحيح هنا أن المنقول بالآحاد حجة، لأن الإجماع من جملة الأدلة، فلا يشترط التواتر في نقله قياساً على نقل السنة وهذا ما صححه الإمام والآمدي وغيرهما، وخالف الأكثرون فشرطوا التواتر في نقله محتجين بأنا إنما عملنا بخبر الواحد لإجماع الصحابة عند نقل العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إذا نقل الإجماع بطريق الآحاد.
فلا يجوز أن يستند إليه إلا بالقياس على محل الإجماع، ولم يتعبد بالقياس في قواعد الشريعة هذا كلام الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والأصح الأول، وقال الغزالي: من جعل مأخذ الإجماع دليل العقل في استحالة الخطأ بحكم العادة ـ لزمه اشتراط عدد التواتر، ومن جعل مأخذه السمع، اختلفوا على قولين.
(ص): وأنه لا يشترط عدد التواتر، وخالف إمام الحرمين.
(ش): أي علم من مجتهد الأمة وجود مسمى الجمع، ولا يشترط في المجمعين بلوغهم عدد التواتر عند الأكثرين، لأن أدلة الإجماع تدل على عصمة المؤمنين والأمة مطلقاً، من غير فرق بين بلوغهم حد التواتر أم لا،
خلافاً للإمام والذي رأيته في (البرهان) ذهب بعض الأصوليين إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن مبلغ التواتر، وجوزه الأستاذ أبو إسحاق وقال: لو أجمعوا كان إجماعهم حجة ثم طرد قياسه، فقال: يجوز أن لا يبقى في الدهر إلا مفت واحد، ولو اتفق ذلك فقوله حجة كالإجماع، قال الإمام: والذي نرتضيه ـ وهو الحق ـ أنه يجوز انحطاط عددهم، بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة، وأما القول بأن إجماع المنحطين عن مبلغ التواتر حجة، فهو غير مرض، فإن مأخذ الإجماع يستند إلى طرد العادة، ومن لم يحسن إسناد الإجماع إليه لم
يستقر له قدم فيه انتهى.
فعلى هذا هنا مسألتان: جواز ذلك، وهل هو حجة أم لا؟ والإمام يوافق على الأول، ولكنه يخالف في الثاني، وكلام المصنف فيه، واعلم أن التجويز إنما يتجه إذا قلنا بثبوت الإجماع بدليل السمع، فأما من يثبته بدليل العقل كإمام الحرمين، وهو أن الجمع الكثير لا يمكن تواطؤهم على الخطأ عادة فلا بد من اشتراط التواتر عنده.
(ص): وأنه لو لم يكن إلا واحد لم يحتج به وهو المختار.
(ش): أي علم من قولنا: اتفاق ـ أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فليس بحجة لأن العصمة إنما تثبت للأمة، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه حجة وعزاه الهندي للأكثرين، قيل: أما كونه ليس بإجماع فلا خلاف فيه.
قلت: ذكر الغزالي أنا إن اعتبرنا موافقة العوام (82/ز) فإذا قال الواحد قولاً وساعده العوام فهو إجماع الأمة فيكون حجة، وإن لم نلتفت إلى قولهم فلم يوجد ما يتحقق به اسم الاجتماع، لأنه يستدعي عدداً حتى يسمى إجماعاً.
(ص): وأن انقراض العصر لا يشترط، وخالف أحمد وابن فورك وسليم فشرطوا انقراض كلهم أو غالبهم أو علمائهم، أقوال اعتبار العامي والنادر، وقيل: يشترط في السكوتي، وقيل: إن كان فيه مهلة، وقيل: إن بقي منهم كثير، وأنه لا يشترط تمادي الزمن، وشرطه إمام الحرمين في الظني.
(ش): علم من قوله: في عصر ـ أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين، وفيه مذاهب.
أصحها: عند المحققين: أنه لا يشترط، بل يكون اتفاقهم حجة وإن لم ينقرضوا حتى لو رجع بعضهم كانت الحجة عليه.
والثاني: يشترط، وهو قول أحمد،
واختاره ابن فورك، وسليم الرازي، من أصحابنا.
وإذا قلنا بهذا فهل يشترط انقراض كلهم أو انقراض غالبهم أو انقراض
علمائهم؟ ثلاثة أقوال، وهي مبنية على الخلاف السابق، والقائل باشتراط غالبهم هو القائل بأنه لا يعتبر بمن ندر عن المجمعين، والقائل باشتراط انقراض علمائهم هو القائل بأنه لا عبرة بوفاق العوام، وإليه أشار بقوله، أقوال اعتبار العامي والنادر والقائل انقراض الكل ـ هو الذي لا يشترط شيئاً من ذلك.
والثالث: إن كان سكوتياً اشترط لضعفه بخلاف القولي وهو رأي البندنيجي واختاره الآميدي.
والرابع: ينعقد قبل الانقراض فيما لا مهلة فيه، ولا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج دون غيره، وحكاه ابن السمعاني، وسيأتي نظيره في السكوتي.
والخامس: إن لم يبق من المجتمعين إلا عدد ينقصون عن أقل عدد التواتر فلا
يكترث ببقائهم ويحكم بانعقاد الإجماع حكاه القاضي، وقوله: وأنه لا يشترط أي: لا يشترط في انقراض العصر تمادي الزمان وطول المكث وفصل إمام الحرمين بين أن يكون الإجماع مقطوعاً به فلا يشترط فيه الانقراض ولا طول المكث بعد قوله، وبين أن يكون حكماً مطلقاً يسنده المجمعون إلى الظن، فلا بد فيه من غلبة الزمن، فإذا طال ولم ينقدح على طوله لواحد منهم خلاف فهو يلتحق بقاعدة الإجماع.
ونقل ابن الحاجب مذهب الإمام في أصل المسألة أنه إن كان عن قياس اشترط وإلا فلا، وقال الهندي: فصل الإمام بين أن يعلم أن متمسكهم ظني فليس بحجة حتى يطول الزمان، وتتكرر الواقعة، قال: ومقتضى هذا أنهم لو انقرضوا عقب الإجماع لا تستقر حجته، ولو بقوا بعد التكرر وتطاول الزمان يكون حجة، وإن كان قطعياً فلا يعتبر الانقراض، ولا التطاول، وعلى هذا فاقتصار المصنف في النقل عن الإمام على تمادي الزمن وحده ليس بجيد، بل لا بد أن يقول: وتكرر الواقعة، وعليه الإمام في (البرهان) وشرط ما ذكرناه: أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك
الواقعة وتردد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها إلى ما سواها فلا آخر الزمان والحالة هذه، ثم بني على ذلك أنهم لو قالوا عن ظن ثم ماتوا على الفور لا يكون إجماعاً، ثم أشار إلى ضبط الزمن فقال: المعتبر زمن لا يعرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأي إلا عن حاصل قاطع، وما نزل منزلة القاطع على الإقرار.
(ص): وأن إجماع السالفين غير حجة وهو الأصح.
(ش): علم ذلك من قوله: الأمة، فإجماع الأمم السالفة ليس بحجة لأنه إنما صار حجة بالشرع، والشرع لم يرد إلا بعصمة هذه الأمة، وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن إجماع كل أمة حجة ولم يبينوا أن الخلاف في كونه حجة عندنا أو عندهم، ويحتمل أنه عندنا، وهو مفرع على كونه حجة عندهم فإذا ثبت أنه حجة عندهم فيتفرع على أنه شرع لنا أو لا؟
فإن قلنا: نعم، فيكون عندنا إجماعهم حجة وإلا فلا وفيه نظر.
(ص): وأنه قد يكون عن قياس خلافاً لمانع جواز ذلك أو وقوعه مطلقاً أو الخفي.
(ش): علم من إطلاق الاجتهاد أنه يكون مستنده إلى النص، ولا خلاف فيه، ويكون عن قياس وفيه مذاهب.
أحدها: أنه جائز واقع وعليه الجمهور.
وثانيها: جائز غير واقع.
والثالث: أنه غير ممكن إذ لا يتصور اتفاق الخلق الكثير في مظنة الظن وهو قول داود وابن جرير.
والرابع: إن كانت الأمارة جلية جاز أو خفية فلا، وقال المقترح: عندي
لا يستحيل ذلك في العادة لكن بعض صور الإجماع تتشعب فيها الظنون فيستحيل عند عدم ظهور الظن ودقة النظر في الواقعة الإجماع على ذلك الظن البعيد عادة، ثم اختلف القائلون بالوقوع في أنه يحرم مخالفته، إذا ما وقع إطباقهم على أنه حجة.
(ص): وأن اتفاقهم على أحد القولين قبل استقرار الخلاف جائز، ولو من الحادث بعدهم، وأما بعده منهم فمنعه الإمام، وجوزه الآمدي مطلقاً، وقيل: إلا أن يكون مستندهم قاطعاً وأما من غيرهم فالأصح يمتنع إن طال الزمان.
(ش) إذا اختلف أهل العصر على قولين، ثم اتفقوا فله حالتان:
إحداهما: أن يكون قبل استقرار الخلاف، فالجمهور على جوازه خلافاً للصيرفي؛ لرجوعهم إلى الصديق في قتال مانعي الزكاة بعد سبق الخلاف
فيه وإذا جوزنا ذلك لهم جاز للحادث بعدهم.
الثانية: أن يستقر ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة، وفيه مسألتان.
إحداهما: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف، الاتفاق على أحد القولين، والمنع من المصير إلى القول الآخر فيه خلاف مبني على اشتراط انقراض العصر، فإن شرطناه جاز قطعاً وإلا ففيه مذاهب.
أحدها ـ وهو اختيار الإمام ـ: أنه لا يجوز مطلقاً.
الثاني: وهو اختيار الآمدي (83/ز) عكسه.
والثالث: يجوز إن كان مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد ولا دليل قاطع.
المسألة الثانية: إذا اختلفوا على قولين، ومضوا على ذلك، فهل يتصور انعقاد إجماع العصر الثاني بعدهم على أحدهما، حتى يمتنع المصير إلى القول الآخر فذهب الجمهور إلى امتناعه، منهم الأشعري، وأحمد بن حنبل، وإمام الحرمين والغزالي.
وذهب جماعة إلى الجواز، وأشار بقوله: إن طال الزمان، إلى أنه إذا تمادى الزمان المتطاول على قولين بحيث يقضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة لظهر ذلك في الباحثين فحينئذ لا يجعل ذلك إجماعاً، بخلاف ما إذا قرب فإنه لا أثر للاختلاف السابق، وهذا التفصيل اختاره إمام الحرمين، قال الكياالهراسي: ذهب قوم إلى أن هذا النوع لا يتصور وإليه ميل إمام الحرمين، والذين أحالوا تصويره اختلفوا على ثلاثة طرق، فقيل: لأن إجماع التابعين لا يحتج به، وقيل: لأن الإجماع لا يصدر إلا عن اجتهاد، والخلاف على قولين يقتضي صدور الأقوال عن الاجتهاد، وقال الإمام: استحالة تصوره من حيث إنه إذا تمادى الخلاف في زمان متطاول بحيث يقضي العرف بأنه لو كان يقدح وجه
في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة لظهر في المباحثين فإذا انتهى الأمر إلى هذا المنتهى، ولم يتجدد بلوغ ما يجب الحكم به فلا يقع في العرف درس مذهب طال الذب عنه، فإن فرض ذلك فالإجماع محمول على بلوغ خبر يجب الحكم بمثله سوى ما كانوا خائضين فيه من مجال الظنون.
(ص): وأن التمسك بأقل ما قيل حق.
(ش): أخذ الشافعي بأقل ما قيل إذا لم يجد دليلاً ووافقه القاضي وكثيرون وخالفه قوم، مثاله: اختلاف العلماء في دية الكتابي، قيل: كدية المسلم، وقيل النصف، وقيل بل الثلث فقط، فأخذ به الشافعي، وظن جماعة أنه
راجع للإجماع، فإن الأمة أجمعت على ذلك الأقل، فإن من أوجب الكل والنصف فقد أوجب الثلث ضرورة كونه بعضه فالكل مطبقون على وجوب الثلث، وهذا هو ظاهر إدراج المصنف له في باب الإجماع، لكن القاضي أبو بكر في (التقريب) ذكر أن بعضهم عزى ذلك إلى الشافعي، ثم قال: ولعل الناقل عنه زل في كلامه، وقال الغزالي: هو سوء ظن به، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه، والمختلف فيه سقوط الزيادة، ولا إجماع فيه، وحينئذ فليس ممسكاً بالإجماع، بل مجموع هذين الدليلين.
أحدهما: (5/ ك) على إثبات الأقل،
والآخر: على نفي الزيادة وهو البراءة الأصلية.
قال شارحه العبدري: (ليس تمسكاً بالإجماع) أي في إبطال الزيادة على أصل ما قيل بها في أقل ما قيل، فهو تمسك بالإجماع بدليل قوله: المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالف فيه لهم، وما زاد ينازع فيه، والأصل براءة الذمة منه فلا يزاد بغير دليل، وهنا تنبيه آخر وهو أن الشافعي رضي الله عنه إنما أخذ بالأقل إذا كان الأقل مجمعاً عليه، ولم يدل دليل على الزيادة، بل الزيادة منفية بالبراءة الأصلية فأما إذا دل دليل على الزيادة أقوى من البراءة الأصلية فلا يأخذ بالأقل مطلقاً ولهذا لما اختلف الناس في العدد الذي تنعقد به الجمعة، فقيل: أربعون
وقيل ثلاثة فلم يأخذ الشافعي رضي الله عنه بالأقل لأنه وجد في الأكثر دليلاً أقوى من البراءة الأصلية ربما ذكرناه= يندفع استشكال من أوردها على هذا الأصل.
(ص): أما السكوتي فثالثها حجة لا إجماع، ورابعها: يشترط الانقراض، وقال ابن أبي هريرة: إن كان فتيا، وأبو إسحاق المروزي عكسه، وقوم إن وقع فيما يفوت استدراكه، وقوم في عصر الصحابة، وقوم إن كان الساكتون أقل، والصحيح حجة، وفي تسميته إجماعاً خلاف لفظي، وفي كونه إجماعاً حقيقة تردد مثاره أن السكوت المجرد عن أمارة رضا وسخط مع بلوغ الكل ومضى= مهله= النظر عادة عن مسألة اجتهادية تكليفية وهي صورة السكوت هل يغلب ظن الموافقة؟
(ش): تناول إطلاقه الاتفاق في الحد السابق القولي والسكوتي وما سبق في القولي، أما الإجماع السكوتي: فهو أن يفتي واحد ويسكت الباقون بعد علمهم، نظرهم، وفيه مذاهب:
أحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة لاحتمال توقفه في المسألة، أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد وحكاه القاضي أبو بكر عن الشافعي رضي الله عنه واختاره وقال: إنه آخر أقواله، وإمام الحرمين وقال: إنه ظاهر مذهبه، ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول، قال الإمام: وهي من عبارته الرشيقة، وقال الغزالي في (المنخول): نص عليه في (الجديد).
الثاني: أنه إجماع وحجة، وحكاه الآمدي عن بعض أصحابنا واختاره صاحب (البديع)
…
والثالث: حجة لا إجماع، وبه قال الصيرفي، واختاره الآمدي وابن الحاجب في مختصره الكبير، وقال: لا إجماع قطعي، ونبه الآمدي في مسألة انقراض
العصر على شرط فيه، وهو ما قبل انقراض العصر فأما بعد انقراضه، فإنه يكون إجماعاً.
والرابع: إجماع بشرط انقراض العصر، وهو رأي البندنيجي من أصحابنا، وقال الشيخ في (اللمع): إنه المذهب، قال: فأما قبل انقراضه، فهل يقول إنه ليس بإجماع قطعاً، وعلى الخلاف طريقان.
والخامس: إجماع إن كان فتيا لا إن كان حكماً وهو قول ابن أبي هريرة كذا حكاه الآمدي، والذي في (المحصول) عنه:
لا إن كان من حاكم، وبينهما فرق إذ لا يلزم من صدوره من الحاكم: أن يكون قاله على جهة الحكم، فقد يفتي الحاكم، وهذا وجه إعراض المصنف عن ذكر مقالته في الشق الآخر كما لم يتحرر له فيه شيء.
والسادس: عكسه قاله أبو إسحاق المروزي، معتلاً، بأن الأغلب أن الصادر عن الحاكم يكون عن تشاور.
السابع: إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم واستباحة فرج كان إجماعاً وإلا فلا حكاه ابن السمعاني.
والثامن: إن كان في عصر الصحابة كان إجماعاً وإلا فلا (48/ز) حكاه الماوردي.
التاسع: إن كان الساكتون أقل كان إجماعاً وإلا فلا حكاه السرخسي من الحنفية وما صححه المصنف سبقه إليه الرافعي، حيث قال في كتاب القضاء: المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتي حجة، وهل هو إجماع؟ فيه وجهان وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح (اللمع): إنه إجماع على المذهب، وأشار المصنف إلى أن الخلاف حينئذ في تسميته إجماعاً لفظي لأن التفريع على كونه حجة، وفي كونه إجماعاً حقيقة تردد مثاره أن السكوت المجرد عن أمارات الرضا والسخط مع العلم ببلوغ جميع أهل العصر الواقعة ولم يخالفوا ومضى عليهم مهلة النظر عادة في مسألة واقعة في محل الاجتهاد ليخرج الاتفاقية، وخرج بالتكليفية، ما لو كانت المسألة في تفضيل شخص على آخر، وهذه شروط الإجماع
السكوتي هل يغلب ظن الموافقة أم لا؟ وفات المصنف من الشروط: أن يتكرر مع طول المدة، وأن يكون قبل استقرار المذاهب.
(ص): وكذا الخلاف فيما لا ينتشر.
(ش): إذا أفتى واحد ولم ينتشر بين أهل عصره ولم يعرف له مخالف، ذهب بعضهم إلى أنه إجماع أو حجة على الخلاف السابق، لأن الظاهر وصوله إليهم مع الانتشار فيكون كالسكوت مع العلم به، وعلى هذا تأتي مذاهب التفصيل، لكن الأكثرين، هنا على أنه ليس بحجة، وقال الرازي: إن كان القول مما تعم به البلوى كان كالسكوتي وإلا لم يكن حجة.
(ص) وأنه قد يكون في دنيوي وديني وعقلي لا تتوقف صحته عليه.
(ش): علم من قوله: على أمر، أنه يستدل بالإجماع في الأمور الدنيوية كالآراء والحروب، وتدبير الجيوش، وأمور الرعية، لأن أدلة الإجماع لم تفصل بين أن يتفقوا على أمر ديني أو دنيوي وللقاضي عبد الجبار فيه قولان، ووجه المنع أن المصالح تختلف بحسب الأزمان فلو كان حجة للزم ترك المصلحة وإثبات ما لا يصلح فيه، وقطع به الغزالي، وقال ابن السمعاني إنه الأصح، لا لهذا المأخذ المعتزلي، بل ذكره غيره، ومنهم من فصل بين ما يكون بعد استقرار الرأي وبين ما
يكون قبله فقال بحجية الأول دون الثاني حكاه الهندي، وأما الأمور الدينية كوجوب الصلاة والزكاة فبالاتفاق، وأما العقلي فيستدل به فيما لا تتوقف حجته على الإجماع كحدوث العالم ووحدة الصانع، لجواز معرفة هذين قبل معرفة الإجماع، وأما ما يتوقف على إثباته فلا يستدل به كإثبات الصانع والنبوة فإن الإجماع يتوقف على ذلك وإلا لزم الدور.
(ص): ولا يشترط فيه إمام معصوم.
(ش): أي خلافاً للروافض بناء على رأيهم أنه لا يجوز خلو زمن من أزمنة التكليف عن الإمام المعصوم، ومتى كان كذلك كان الإجماع حجة من حيث إن
الإمام داخل فيهم لا من حيث الإجماع.
(ص): ولا بد له من مستند وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد معنى وهو الصحيح في الكل.
(ش): مذهب الجماهير أنه لا يجوز حصول الإجماع إلا عن مستند شرعي، قالوا: وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ما يقوله إلا عن وحي فالأمة أولى أن لا يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل، وهذا معلوم من قوله في الحد مجتهد الأمة، وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد فائدة.
وقال قوم: يجوز أن يحصل بالمصادفة بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيف على مستند، لكن سلموا أن ذلك غير واقع كما قاله الآمدي
وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن دليل فلا خلاف أنه ينعقد عن الكتاب والسنة، ثم إن كان عن نص غير محتمل، كان الحكم ثابتاً بالنص، ولو لم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهم، وإن كان النص خبر واحد فالحكم ثابت بالنص والقطع بصحته ثابت بالإجماع، وإن كان المستند ظاهراً فالحكم ثابت بالظاهر، ونفي الاحتمال عن الظاهر والقطع بصحة الحكم ناشئ عن الإجماع واختلفوا هل يجوز أن ينعقد عن القياس؟ وبه يثبت.
(ص): مسألة: الصحيح إمكانه وأنه حجة في الشرع وأنه قطعي حيث اتفق المعتبرون لا حيث اختلفوا كالسكوتي، وما ندر مخالفه، وقال الإمام والآمدي: ظني مطلقاً.
(ش): فيه ثلاث مسائل:
الأولى: الإجماع ممكن خلافاً للنظام.
في إحالته، ولمن قال بإمكانه لكن لا سبيل إلى الاطلاع عليه لتعذر الإحاطة
بأقوال الخلق، والدليل عليه أنا نعلم اتفاق الخلق الكثير والجم الغفير في شرق البلاد وغربها على نبوة سيدنا محمد (6/ك) صلى الله عليه وسلم بسبب معجزته القاطعة، واتفاق أهل السنة على مقتضاها فأين الاستحالة والعسر.
الثانية: إذا ثبت إمكانه فهو حجة خلافاً لمن قال بتصوره وأنكر حجيته،
والصحيح أنه حجة لله في شريعته وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة على ذلك ومنهم من احتج عليه بطريق العقل،
ومنهم من احتج بالعادة.
الثالثة: إذا قلنا إنه حجة فهل هو حجة قطعية بحيث نكفر أو نضلل مخالفه، أو ظنية؟ فذهب الأكثرون إلى الأول، وذهب الآمدي والإمام إلى الثاني، واختار المصنف تفصيلاً في المسألة، وهو إما أن يتفق المعتبرون على كونه حجة إجماعاً أو لا، فإن اتفقوا على أنه إجماع فهو حجة قطعية كالإجماع بالحد السابق، وإن اختلفوا في الشيء هل هو إجماع أم لا؟ فهو حجة ظنية كالإجماع السكوتي، وما ندر مخالفه ولهذا لما حكى ابن السمعاني الخلاف في السكوتي، وأنه هل هو
ظني أو قطعي اختار أنه ظني وقال ابن الحاجب: فيما ندر مخالفه لا يكون إجماعاً قطعياً وقال الهندي من قال إنه إجماع فإنما يجعله إجماعاً ظنياً لا قطعياً، وإنما مثل المصنف بمثالين للتنبيه على أن المختلف فيه لا فرق بين أن يكون الأصح أنه ليس بحجة كما ندر مخالفه أو يكون حجة كالسكوتي.
(ص): وخرقه حرام فعلم تحريم إحداث ثالث، والتفصيل إن خرقاه، وقيل خارقان مطلقاً، وأنه يجوز إحداث دليل أو تأويل أو علة إن لم يخرق، وقيل: لا.
(ش): خرق الإجماع حرام، لأن الله تعالى توعد عليه بقوله:{ويتبع غير سبيل المؤمنين} ولا خلاف فيه إذا كان عن نص، فإن كان عن اجتهاد فحكى القاضي عبد الجبار قولاً: إنه يجوز لمن تقدم، مخالفته، لأنه قول صادر عن اجتهاد
…
فيجوز خلافه والصحيح (85/ز) المنع؛ لأن الإجماع إذا وجد بأي دليل كان، صار حجة وحرم خلافه، وفرع المصنف عليه مسائل:
إحداها: أنه يحرم إحداث قول ثالث في مسألة واحدة، فإذا اختلف أهل العصر على قولين فهل لمن بعدهم إحداث ثالث؟ فيه مذاهب: أصحها المنع مطلقاً وعليه الجمهور كما إذا أجمعوا على قول واحد، حرم إحداث ثان.
الثاني: الجواز وأشار المصنف بفاء التفريع إلى أن= لا يجوز ثالث مع اعتقاد أنه خارق بل من جوز الثالث اعتقده غير خارق ومن منعه اعتقده خارقاً.
الثالث: وهو الحق عند المتأخرين أن الثالث إن لزم منه رفع ما أجمعوا عليه كان خارقاً فيكون حراماً، وإلا جاز، مثاله أن الشافعي رضي الله عنه يقول: ما أسكر كثيره فقليله حرام سواء ماء العنب وهو المسمى بالخمر أو غيره وأبو
حنيفة، يقول: المسكر من كل شيء حرام، وأما غير المسكر، فإن كان خمراً فكذلك، وإلا فلا يحرم منه إلا القدر المسكر، فمن قال بحل ما لا يسكر من خمر وغيره وقصر التحريم على القدر المسكر من كل شيء ـ فقد خرق الإجماع، لأن قوله في الخمر لم يقل به أحد.
الثانية: إذا لم يفصل أهل العصر بين مسألتين بأن قال بعضهم بالحل فيهما وآخرون بالتحريم فيهما، وأراد من بعدهم بالتفصيل، فإن قالوا: لا فصل بين هاتين المسألتين امتنع التفصيل، بالاتفاق لأنه إجماع صريح كغيره من الإجماعات، كذا قاله الهندي، لكن الخلاف فيه ثابت، ومثله ما إذا لم ينصوا عليه بل يعلم اتحاد الجامع بين المسألتين كتوريث العمة والخالة لأنه رفع مجمع، وإلا فقيل: لا يجوز الفرق، وقيل: يجوز، وهو المختار، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: والتفصيل، أي: ويحرم
التفصيل، وقوله: إن خرقاه، قيد في هذه والتي قبلها، وقوله: وقيل: خارقان، راجع إليهما أيضاً، وخرقه يتصور بما إذا نصوا على عدم الفصل أو علم اتحاد الجامع.
الثالثة: إذا استدل المجمعون بدليل على حكم أو ذكروا تأويلاً أقر عليه، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل أو علة؟ فإن كان فيه إلغاء الأول وإبطاله لم يجز لأنه يقتضي إبطال ما أجمعوا عليه وخرق الإجماع حرام، وإن لم يكن فيه ذلك فالأكثرون على الجواز، لأنه قد يكون على الشيء أدلة، وقيل: لا يجوز
لأن التأويل الجديد والدليل ليس سبيلاً للمؤمنين فوجب أن لا يجوز قبوله.
(ص): وأنه يمتنع ارتداد الأمة سمعاً وهو الصحيح.
(ش): اختلفوا في إمكان ارتداد الأمة في عصر من الأعصار سمعاً لا عقلاً فمنهم من جوزه، والمختار الامتناع، لأنه خطأ وضلال، وهما منفيان عن الأمة بالأحاديث الدالة على عصمتها عن الخطأ، وأشار المصنف بقوله: سمعاً، إلى عدم امتناعه عقلاً.
(ص): لاتفاقهم على جهل ما لم تكلف به على الأصح لعدم الخطأ.
(ش): يمتنع جهل جميع الأمة لما كلفوا به، كالجهل بكون الوتر واجباً أم لا، وهل يجوز أن تشترك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به كالتفاضل بين عثمان وحذيفة
ذهب كثيرون إلى الجواز لأن عدم العلم به ليس بخطأ، لأن الخطأ في الشرعيات عبارة عن مصادفة الحكم أو عدم مصادفة طريقة فلا يلزم من إجماعهم على عدم العلم به إجماعهم على الخطأ، وذهب قوم إلى المنع لأنهم لو أجمعوا عليه لكان عدم العلم سبيلاً فكان يجب اتباعهم فيه فيحرم تحصيل العلم به وهو ضعيف، لأن عدم العلم ليس بسبيل لهم لأن السبيل ما يختاره الإنسان من قول أو عمل، واعلم أن ابن الحاجب لم يذكر هذه المسألة، وإنما ذكر مسألة هل يمكن وجود خبر أو دليل ولا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به، وقال الهندي: الخلاف فيه مرتب على الخلاف السابق فمن منع هناك منع هنا بطريق الأولى، ومن وافق، ثم اختلفوا هنا فمنهم من جوزه، ومنهم من منع، ومنهم من فصل: فجوز فيما إذا كان عملهم، موافقاً لمقتضاه دون ما ليس كذلك وهو الأولى لأنه لا يجوز ذهولهم عما كلفوا به وإلا لزم إجماعهم على الخطأ، ووجه ترتيب الخلاف فيه على
الخلاف السابق أن عدم التكليف هنا لأمر عارض وهو عدم علمهم به، وأما في السابقة فبالأصالة.
(ص): وفي انقسامها فرقتين كل مخطئ في مسألة تردد مثاره هل أخطأت.
(ش): هل يجوز انقسام الأمة إلى قسمين كل قسم مخطئ في مسألة أخرى غير مسألة صاحبه، كاتفاق شطر الأمة على أن الترتيب في الوضوء واجب وفي الصلوات الفائتة لا يجب، واتفاق الشطر الآخر على أن الترتيب في الفوائت واجب وفي الوضوء غير واجب؟ فذهب الأكثرون إلى المنع لأن خطأهم في المسألتين لا يخرجهم من أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ، وهو منفي عنهم وجوزه المتأخرون، لأن المخطئ في كل واحدة، بعض الأمة، ومثار الخلاف أن المخطئين
في المسألتين جميعاً كل الأمة أو بعضهم.
(ص): وأنه لا إجماع يضاد إجماعاً سابقاً خلافاً للبصري.
(ش): ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن ينعقد إجماع بعد إجماع البت، على خلافه، لأنه يستلزم تعارض دليلين قطعيين، وأنه يمتنع، وذهب أبو عبد الله البصري إلى أنه غير ممتنع، لأنه لا امتناع في جعل الإجماع على قول حجة قاطعة ما لم يطرأ عليه إجماع آخر كما في الإجماع على تجويز الأخذ بكلا القولين وتجويز الاجتهاد، لكن لما أجمعوا على أن كل ما أجمعوا عليه على وجه البت فإنه حق واجب العمل به في جميع الأمصار أمناً من وقوع هذا الجائز، فعدم الجواز عنده مستفاد من الإجماع الثاني لا من الإجماع الأول، وعند الجماهير هو مستفاد من الإجماع الأول من غير حاجة إلى الثاني، والحاصل إن تبين كون الإجماع
حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له عند الجماهير، وعند البصري لا يقتضي ذلك لإمكان تصور (7/ك) كونه حجة إلى غاية إمكان حصول إجماع آخر.
(ص): وأنه لا يعارضه دليل، إذ لا تعارض بين قاطعين ولا (86/ز) قاطع ومظنون.
(ش): الإجماع لا يعارضه دليل، لأن ذلك إن كان قطعياً فمحال، لأن تعارض دليلين قطعيين محال، لأنه يقتضي خطأ أحدهما، وإن كان ظنياً كالقياس وخبر الواحد، فظاهر، لأن الظني لا يعارض القطعي وتقديم القطعي على الظني ليس من باب الترجيح، وعلم من إطلاقه الدليل أنه لا فرق فيه بين أن يكون نصا أو إجماعاً آخر، وتعارض الإجماعين، يستحيل، لاقتضاء أن يكون أحدهما خطأ وباطلاً، وهو غير جائز على الإجماع، بخلاف النص فإنه يحتمل أن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، وعلم منه أن كلامه في الإجماع القطعي، أما الظني فتجوز معارضته، فالإجماع المتفق عليه أولى من المختلف فيه.
(ص): وأن موافقته خبراً لا تدل على أنه عنه، بل ذلك الظاهر إن لم يوجد غيره.
(ش): الإجماع الموافق لمقتضى دليل إذا لم يعلم له دليل آخر لا يجب أن يكون مستنداً إلى ذلك الدليل، لاحتمال أن يكون له دليل آخر وهو مستنده، ولم ينقل إلينا استغناء بالإجماع، هذا قول الجمهور، وعن أبي عبد الله البصري: أنه يكون
مستنده، ويجب تأويله على أنه أراد أن ذلك هو الظاهر إذا لم يوجد في المسألة دليل سواه، لا أنه لذلك على سبيل الوجوب، وحكاه ابن برهان في (الوجيز) عن الشافعي أيضاً، وموضع الخلاف عبد الوهاب، فكان حق المصنف تقييد الخبر بالآحاد، ولينظر في هذا المسألة مع قوله فيما سبق في الأخبار: وأن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه.
ثالثها: إن تلقوه بالقبول، فإن كون مستند الإجماع ودلالة الإجماع على صدقة متقارب، وقد اقتصر ابن السمعاني على إيراد هذه هنا وقال: إنها
تبنى على مسألة أخرى، وهي أن الإجماع يكون منعقداً على الحكم الثابت بالدليل أو على الدليل الموجب للحكم، قال: وأصحهما الأول، لأن الحكم هو المطلوب من الدليل، ولأجله انعقد الإجماع.
(ص): خاتمة: جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كافر قطعاً، وكذا المشهور المنصوص في الأصح، وفي غير المنصوص تردد، ولا يكفر جاحد الخفي، ولو منصوصاً.
(ش): من جحد مجمعاً عليه فله أحوال:
أحدها: أن يكون ذلك المجمع عليه معلوماً من الدين بالضرورة كأركان الإسلام فهو كافر قطعاً وليس كفره من حيث إنه مجمع عليه بل لجحده، ما اشترك الخلق في معرفته، ولأنه صار بخلافه جاحداً، لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم واعلم أنه قد يستشكل قولهم: المعلوم من الدين بالضرورة، فإنه ليس في الأحكام الشرعية على قاعدة الأشعرية شيء يعلم كونه حكماً شرعياً إلا بدليل، وجوابه: أنها تثبت بأعظم دليل، وإنما سميت ضرورية في الدين من حيث أشبهت العلوم الضرورية في عدم تطرق الشك إليها واستواء الخواص والعوام في تركها.
الثانية: أن لا يبلغ رتبة الضروري لكنه مشهور، فينظر، فإن كان فيه نص كالصلوات ففي تكفيره خلاف والأصح نعم، وإن لم يكن فيه نص ففي الحكم
بتكفيره خلاف، وصحح النووي في باب الردة التكفير، ونقل الرافعي في باب حد الخمر عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفير المستحل، وقال: كيف يكفر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع؟ وإنما نبدعه ونضلله، وأول ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم خالفه فإنه يكون رداً للشرع.
الثالثة: أن يكون خفياً لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وتوريث بنت الابن السدس مع بنت الصلب فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا أنه خلاف إجماع العلماء لم يكفر، لكن يحكم بضلاله وخطئه، ولا فرق في هذا القسم بين المنصوص عليه وغيره لاشتراك الكل في الخفاء ولا نعلم خلافاً،
وأنكروا على ابن الحاجب حيث أوهمت عبارته حكاية قول فيه بالتكفير وهذا التقسيم المذكور يسلم شعث المسألة ويزيل كل إشكال فجزى الله تعالى المصنف خيراً، وختم لي بالحسنى بمنه وكرمه.