المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ … } - تفسير الشعراوي - جـ ٩

[الشعراوي]

الفصل: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ … }

{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ

}

ص: 5650

ما هو العجيب - إذن - في أن الله أوحى إلى رجل منكم أن يبلغكم إنذار الله وبشارته؟ ما الذي تعجبتم منه؟ وما موضع العجب فيه؟ وجاء تحديد العجب فيه ما ذكرته الحيثية في آخر السورة السابقة من أنه: {رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ

} [التوبة: 1‌

‌2

8]

أي: من البشر، ومن العرب، ومن قبائلكم، ومن أنفسكم ممن تعرفون كل خُلُقه، فما العجيب في أن يرسله الله رسولاً إليكم؟ إنكم قد ائتمنتموه على أموركم من قبل أن ينزل عليه الوحي من الله، فكأنكم احترمتم طبعه الكريم، وأنكم في كثير من الأشياء قبلتم منه ما يصل إليه من أحكام.

ودليل هذا أنكم حين اختلفتم في بناء الكعبة، وقالت كل قبيلة: نحن أولى بأن نضع بأيدينا أقدس شيء في الكعبة، وهو الحجر، حين ذلك اختلفت القبائل؛ فما كان إلا أن حَكَّموا أول داخل؛ فشاء الله أن يكون

ص: 5650

أول داخل هو محمد بن عبد الله، فكيف يحل محمد بن عبد الله هذه المشكلة، ولم يكن قد نزل عليه وحي بعد؟ إنها الفطرة التي جعلته أهلاً لاستقبال وحي الله فيما بعد، فماذا صنع؛ لينهي هذا الخلاف؟

جاء برداء، ووضع الحجر على الرداء، ثم قال لكل قبيلة: أمسكوا بطرف من الرداء، واحملوا الحجر إلى مكانه. وتلك هي الفطرة السليمة. ورأينا أيضاً سيدنا أبا بكر عندما قالوا له وهو راجع من الرحلة التي كان يقوم بها: لقد ادعى صاحبك النبوة، قال:«إن كان قد قالها فقد صدق» .

من أي أحداث جاء حكم أبي بكر. أهو سمع من رسول الله كلاماً معجزاً؟ أسمع منه قرآناً؟ لا، بل صدٌّقه بمجرد أن أعلن أنه رسول. فقد جربه في كل شيء ووجده صادقاً، وجربه في كل شيء ووجد أنه أمين، فما كان محمد لِيصْدُقَ فيما بين البشر، ليكذب على الله.

وكذلك خديجة بنت خويلد حينما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: يأتيني كذا وأخاف أن يكون كذا، فبينت له أن المقدمات التي في حياته لا توحي بأن الله يخذله ويفضحه ويسلط عليه الجن: «إنك لتصل الرحم، وتحمل

ص: 5651

الكَلَّ وتنصف المظلوم، ولن يخزيك الله أبداً» وبذلك كانت السيدة خديجة أول فقيه مستنبط في الإسلام.

وقوله سبحانه: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} يعني: التعجب من أن يصدر منهم العجب، والقرآن يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ وما دام يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ فمن المنطقي ألا يكونوا قد تعجبوا؛ لأنك حين تتعجب من شيء فإما أن تتعجب منه؛ لأنه بلغ من الحسن مبلغاً فوق مستوى ما تعرف من البشر، مثلما ترى صنعة جميلة وتقول: ما أحسن هذه الصنعة، ونتساءل: ما الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور؟

وأنت تقول ذلك؛ لأن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغاص لا تصدق به أن أحداً من الموجودين في إمكانه أن يصنعها.

والمثال على ذلك: نجد من يقول: ما أحسن السماء؛ وهو يتعجب من الشيء الذي يفوق تصوره. وقد يتعجب من شيء قبيح، ما كان يجب أن يرد على الخاطر، ولذلك يقول القرآن: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله

} [البقرة: 28]

ص: 5652

أي: قولوا لنا: كيف قبلتم لأنفسكم الكفر؟

لأن الكفر مسألة عجيبة تتنافى مع الفطرة.

وهنا يقول الحق: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ

} [يونس: 2]

وهنا نتساءل: كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم، {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]

أليس هذا هو المطلوب في الرائد، فكيف تعجبون؟ .

إن عجبكم يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الأشياء، وما كان يصح أن يُستقبل الرسول بالعجب، ونحن نتعجب من عجبكم هذا.

وحين تتعجب من العجب؛ فأنت تبطل التعجب.

{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ

} [يونس: 2]

أي: أن إيحاءنا لرجل منكم كان عجيباً عندكم، وما كان يصح أن يكون أمراً عجيباً؛ لأنه أمر منطقي وطبيعي.

ثم ما هو الوحي؟ لقد سبق أن أوضحنا أن الوحي هو الإعلام بخفاء. وهناك إعلام واضح مثل قولك لابنك: يا بني اسمع كذا، وافعل كذا. هذا إعلام واضح. وهناك إعلام بخفاء، كأن يدخل عندك ضيف؛ ثم يسهو خادمك - مثلاً - عن تحيته، فتشير للخادم إشارة؛ تعني بها أن

ص: 5653

يُسرع بتقديم التحية للضيف؛ من مرطبات، أو حلوى، وهكذا تكون قد أعلمت خادمك بخفاء.

والحق سبحانه وتعالى يوحي إلى الجماد، فسبحانه يقول:{إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} [الزلزلة: 1 - 5]

أي: أنه سبحانه وتعالى قد أعلمها إعلاماً خفيّاً؛ وهي قد فهمت بطريقة لا نعرفها.

وسبحانه يوحي للحيوانات، فهو القائل: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل

} [النحل: 68]

أي: أنها فهمت عن الله بما أودع فيها من الغرائز.

وسبحانه يوحي للملائكة وهو القائل: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة

} [الأنفال: 12]

ويوحي الحق سبحانه إلى غير الرسل؛ كما أوحى إلى أم موسى

ص: 5654

{وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم

} [القصص: 7]

وأوحى سبحانه إلى الرسل جميعاً.

إذن: فسبحانه يوحي للجماد، ويوحي للحيوان، ويوحي للملائكة ويوحي للصالحين من غير الأنبياء، ويوحي للأنبياء وللرسل.

والوحي - كإعلام بخفاء - يقتضي مُعْلِماً، وهو الحق سبحانه وتعالى، ومُعْلَماً؛ وهو إما: الأرض، وإما النحل، وإما الملائكة، وإما إلى بعض الصالحين من غير الأنبياء، وإما إلى الرسل والأنبياء.

وقد يأتي الوحي من غير الله، فسحبحانه يقول:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً

} [الأنعام: 112]

إذن: فالشياطين يُعلمون بعضهم البعض إعلاماً خفياً.

ويقول الحق: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ

} [النساء: 163]

والموحى إليه هو محمد صلى الله عليه وسلم َ، وهو وحي خاص بالرسول، فلا تقل: أنا لم أسمع ماذا أوحى إلى محمد، ولا أعرف كيف نزل

ص: 5655

الوحي، فقد جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، وبلغه أن يعلن ما أوحي إليه، ولو كنت أنت قادراً على سماع الوحي من جبريل، فما ضرورة إرسال الرسول إذن؟

إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحى إليه تحتاج إلى قوة تحمل، وضربنا المثل من قبل بأن الإنسان حين ينقل طاقة من مصدر عال قوى إلى مصدر ضعيف فهو لا يُسرب الطاقة من القويّ إلى الضعيف دفعةً واحدة، وإلا لما تحمَّل الضعيف تلك الطاقة من القادمة إليه من القوى، ولذلك نحن نأتي بمحوِّل يتحمل طاقة قوى، ثم ينقل للضعيف ما يناسب قدرته، ومثال ذلك هو شراؤنا لمحول كهربي حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف قليل الجهد؛ مثل المصباح الصغير الذي تضيئه في المنزل ليلاً لينير بالقدر المناسب كيلا نرتطم بالأشياء، وهو ما نسميه بالعامية «ونّاسة» . إذن: فمهمة المحول أن يستقبل من مصدر الطاقة القوي؛ ليضيء لمصدر الطاقة الضعيف.

فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي يوحي للرسول، والرسول من البشر لا يمكنه التلقي المباشر عن الله؛ لذلك لا بد من واسطة تبلغ في الارتقاء بما يمسح لها بالتلقي عن الله، وتستطيع أن تلتقي بالبشر؛ وهذه خاصية المَلَك.

ورغم أن أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم َ في أول تلقيه للوحي، وكان صلى الله عليه وسلم َ يعرف حتى يتفصد العرق من جبينه، وإذا انصرف

ص: 5656

عنه الوحي قال: «زمّلوني. . زملوني» ويرتعد.

وكان الصحابة يقولون: كان إذا نزل الوحي على رسول على رسول الله، وهو قاعد؛ وقد تكون ركبته على فخذ أحد الصحابة، فيجد الصحابي ثقلاً على رجله من شدة وطأة ركبة الرسول صلى الله عليه وسلم َ، وإذا نزل الوحي، والرسول يركب مطيه فهي تئط منه.

إذن: كان الوحي يُتعب رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، وبعد أن يُسرِّي عنه التعب؛ تبقى له حلاوة ما أوحي إليه؛ فيتشوّق ثانية للوحي.

وقد شاء الحق أن يشوّق النبي صلى الله عليه وسلك، للوحي ففتر الوحي لمدة من الزمن. وحين اشتاق النبي للوحي؛ كان ذلك يعني أنه قد شحن نفسه بطاقة متقبلة لاستقبال هذا الوحي؛ بما فيه من تعب.

ولله المثل الأعلى دائماً، قسْ أنت الجهد المبذول في رحلة إلى من تحب، أثناء المطر، والأرض موحلة ومليئة بالشوك، ورغم ذلك أنت تقطع الرحلة دون أن تلتفت لما فيها من إرهاق وتعب.

وشاء سبحانه أن يرغِّب رسوله شوقاً إلى الوحي، رغم ما فيه من جهد؛ لأن التقاء مَلَك ببشر، وهذا اللقاء يكون على صورتين: إما

ص: 5657

أن ينقلب الملَك إلى مرتبة بشرية؛ وهذه الصورة ليس فيها إجهاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ؛ لأن عملية التحويل جاءت في الأعلى بينما يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم َ كما هو، «مثلاً دخل جبريل على رسول الله، وكان معه بعض من الصحابة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم َ: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الإحسان؟ ثم اختفى السائل، فسأل الصحابة رسول الله عن هذا السائل؛ فقال:» هذا جبريل جاءكم يُعلِّمكم أمور دينكم. «

هذه هي الصورة الأولى في الوحي، والتحول فيها كان من جهة الإرسال فلا مشقة فيها على النبي صلى الله عليه وسلم َ.

أما الصورة الثانية، فقد كان فيها مشقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ؛ لأن الملك يظل على طبيعته، والتحول إنما يحدث لمحمد صلى الله عليه وسلم َ، وكان التحول يقتضي عملية كيمياوية تصيبه بالجهد؛ فيقول بعد أن يُسرى عنه:» زمّلوني. «

وشاء الحق أن يتلطف برسوله، ففتر الوحي فترة من الزمن. وقال الكافرون من العرب: إن رب محمد قد قلاه وهذا غباء منهم؛ لأنهم

ص: 5658

اعترفوا أن لمحمد ربّا. وما داموا قد اعترفوا، فعدم إيمانهم صلف وغباء، وارادوا بذلك أن ينسبوا النقص لمحمد صلى الله عليه وسلم َ، فقالوا: إن الله قد قلى محمداً.

وقد شاء الحق أن ينقطع الوحي عن محمد صلى الله عليه وسلم َ هذه المدة؛ ليكشفهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم، لتنكشف نواياهم، وتثبت قلّة بصيرتهم، وافتقادهم للمنطق السليم، فهم حين اعترفوا أن لمحمد ربَّا، كان عليهم أن يحتكموا إلى عقولهم؛ ليعرفوا أنهم قد أقروا بالألوهية، لكنهم أرادوا بهذا الاعتراف أن ينسبوا النقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ.

ولو قاضيناهم إلى عقولهم، وإلى الكون الذي عاشوا فيه، وإلى الظواهر المادية المحسوسة لهم، لعرفوا أن الأحداث لا بد لها من زمان ومكان؛ لأن كل حديث يتطلب زماناً ومكاناً، وإذا لم يوجد حدث؛ لا يوجد زمان أو مكان.

ولذلك أقول دائماً لمن يسأل: أين كان الله؟ أقول له: أنت جئت بالأينية من الزمان، والمكانية من المكان، وهذا لا يتأتى إلا بوجود حدث. وما دام الله غير حدث، فلا زمان يحدده، ولا مكان يُجيّزه؛ لأن الزمان كان به، والمكان كان فيه. والأحداث هي عند البشر، فهم من يستقون في المكان، ويتوالى عليهم الزمان.

والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه» ظرف زمان «، والمكان

ص: 5659

الذي يحدث فيه الحدث اسمه» ظرف مكان «؛ وظرف المكان ظرف قارّ ثابت، بينما ظرف الزمان غير قارٍ، بل هو حال، وبعد قليل يصبح الحال زمناً ماضياً؛ ويأتي المستقبل ليكون حاضراً، ثم يصبح ماضياً.

وهكذا نعلم أن زمناً يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي، والليل والنهار هما أوضح صور ظرف الزمان وفيهما اختلاف، فالليل يأتي والنهار خلفه؛ لأن النهار جعله الله ضياء؛ للحركة والكدح والعمل، وجعل سبحانه الليل ظلاماً؛ للسكون والراحة، فإن لم ترتحْ بالليل؛ لا تقوى علة العمل في الصباح، وهكذا يكون الليل مكملاً للنهار لا مناقضاً له.

وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي بهذا الشكل، فحين جاء الوحي لأول مرة أجهد رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، ثم فتر الوحي ليستريح صلى الله عليه وسلم َ؛ وتتجدد قدرته على استقبال الوحي من بعد ذلك.

وحين قال الكافرون: إن ربَّ محمد قد قلاه، ردّ عليهم الحق سبحانه

ص: 5660

وتعالى: {والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى} والضحى ضحوة النهار وهي - كما قلنا - للعمل والحركة، فإذا جاء الليل فهو يبدو وكأنه ضد النهار، لكنه غير ذلك، بل هو مكمل له ويساعده.

إذن: ففتور الوحي لمدة من الزمن كان لمساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ لتجديد الحيوية. وقد أقسم الحق سبحانه بالضحى والليل، وهو قسم بالظاهرة الكونية المشاهدة والتي يعترف بها كل إنسان، مؤمنهم، وكافرهم!

أقسم الحق بالضحى أنه ما قلى رسوله، بل شاء بفتور الوحي أن يعطيه طاقة تزيد من حركته، وتزيد من جهده ليشتاق صلى الله عليه وسلم َ لأمر الوحي. وبذلك أعانه الحق على مهمته، وفي هذا أبلغ ردٍّ على من قالوا: إن رب محمد قد قلاه، وإثبات أن الحق قد شاء لفترة فتور الوحي أن تكون كالليل سكوناً، ليهدأ صلى الله عليه وسلم َ بعد الضحى المجهد الذي استقبل به الوحي.

ص: 5661

وبعد أن تتجدد حيويته صلى الله عليه وسلم َ يأتي الوحي من جديد؛ لذلك قال الحق: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 4 - 5]

وبعد هذه السورة يقول الحق سبحانه في سورة الشرح: {والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى} [الشرح: 1 - 4]

وهكذا بيَّن لنا الحق أن مسألة فتور الوحي وعودته هي عملية متكاملة، لكن الأغبياء فقط هم من يظنون أنها نتناقضة ويقولون:(ظلمة - وضوء) ، و (ليلٌ - ونهارٌ) والحق أنها متكاملة.

ومثل هذا الأمر تجده أيضاً فيمن يحاولون خَلْق عداوة بين الرجل والمرأة، ولم يتفهَّموا أن الذكر متمّم للأنثى، وأن الأنثى متمّمة للذكر.

وهنا يقول الحق {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا

} [يونس: 2]

والإنذار - كما نعلم - هو الإخبار بشيء يمكن أن تتلافاه.

أما البشارة فهي الإخبار بخير يحثُّك من يبشرك على أن تقتنيه. وأنت تنذر من يهمل في دراسته بأنه قد يرسب، وأنت حين تنذره إنما تطالبه بأن يجتهد، وفي المقابل فأنت تبشر المجتهد بالنجاح وبالمستقبل الطيب.

إذن: فالإنذار يعني أن تحث الإنسان على ألا يقبل أو يُقْدِمَ على

ص: 5662

ما يضره. والتبشير يعني أن تحث الإنسان على أن يجتهد؛ لينال ما يحبه. والأمور في الأحداث كلها تدور بين سَلْب وإيجاب.

ولسائل أن يقول: ولماذا جاء سبحانه بالإنذار قبل البشارة؟

فنقول: إن كلمة «الإنذار» كلمة عامة لكل الناس، حتى يتجنبوا ما يقودهم إلى النار، لكن البشارة تكون لمن آمن فقط. أو أن الإنذار والبشارة للمؤمنين، ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في صف البشارة دائماً، وأن يكون الإنذار لوناً من ضرورة التخلية من العيوب، قبل التحلية بالكمال.

فأنت تدفع عن نفسك الأمر الذي يأتي بالضُرّ أولاً، ثم تتجه إلى ما يجلب النفع من بعد ذلك؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدّم على جلب المصلحة.

ونجد الحق سبحانه يحدد الإنذار بأنه للناس، والناس: هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة. وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة «الناس» ، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن، وقالوا: إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له.

وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة «الناس» حيث يقول الحق: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس مَلِكِ الناس إله الناس مِن شَرِّ

ص: 5663

الوسواس الخناس الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس مِنَ الجنة والناس} [الناس: 1 - 6]

وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة «الناس» في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد. ولنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة؛ لم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة «الناس» في كل موقع هو معنى مختلف وضروري؛ لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جائبة لمعناها، وأن يكون كل معنى جاذباً للكلمة المناسبة له.

والمثال أيضاً في كلمة «الناس» ؛ هو قول الحق سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ

} [النساء: 54]

فهل كل الناس تتلقى الحسد؟ لو كان الأمر كذلك فمن الحاسد؟ إذن: فقوله الحق: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس

} [النساء: 54]

إنما يعني أن هناك أناساً حاسدين، وآخرين محسودين، ولا تكون كلمة «الناس» عامة شاملة لكل الأفراد إلا في حالة الحكم العام.

ص: 5664

والمثال هو قوله الحق: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ

} [آل عمران: 96]

وهذا القول الحق يحل لنا إشكالاً عاماً، فالبيت الحرام موضوع لكل الناس، من لَدُن آدم، وآدم أبو الناس.

ولا بد - إذن - أن يكون البيت موضوعاً قبل أن يكون آدم، وأن الذي وضعه هو من غير الناس، فالذي وضعه هو بأمر من الحق سبحانه، فلا يقولن أحد: إن إبراهيم عليه السلام هو الذي وضع البيت الحرام؛ لأن مهمة إبراهيم عليه السلام كانت هي رفع القواعد من البيت؛ لأننا لو قلنا: إن إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى البيت؛ فكيف ينسجم هذا مع قوله الحق:

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ

} [البقرة: 127]

وهو قول نفهم منه أن إسماعيل كان شريكاً لوالده في الرفع والبناء، ولا بد أن يكون قد امتلك درجة من القوة تجعله قادراً على مساعدة الأب في العمل.

وهذا القول أيضاً نفهم منه أن عملية رفع القواعد من البيت لم تتم وقت أن كان إسماعيل رضيعاً؛ لأن الحق سبحانه قال على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم

} [إبراهيم: 37]

وهذا يعني أن البيت كان موجوداً قبل ذلك.

ص: 5665

وقولنا هذا يرد على بعض العلماء الذين قالوا: إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى الكعبة فنقول لهم: وماذا عن الخلق البشري من قبل إبراهيم إلى لَدُنْ آدم، أليسوا ناساً؛ فلماذا لم يكن لهؤلاء الناس من قبل إبراهيم بيتٌ محرّمٌ؟

وهكذا شاء الحق سبحانه أن يكون البيت الحرام لكل الناس من لدن آدم، وأنه موضوع من قِبَلِ الله.

وكلمة الناس - إذن - عامة حين يتعلق الأمر بحكم عام، وتكون خاصة في مواقع أخرى، مثل قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ

} [النساء: 54]

وأما سورة «الناس» بالاستقراء الدقيق في هذه السورة، نجد الحق سبحانه يقول:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس} [الناس: 1]

وهذا إعلان للربوبية لكل الخلق، فهو الرب الذي أوجد وأعطى الصفات لكل مخلوق.

ولا تحسب أنك تستطيع أن تشرد منه؛ فهو سبحانه يقول: {مَلِكِ الناس} [الناس: 2]

أي: أنه يملك كل الخلق، وجعل لهم الاختيار في أشياء؛ ومنع عنهم

ص: 5666

الاختيار في أشياء، ولم يقل:«مليك النَّاس» ؛ لأن هذا القول يعني أنهم مجبورون على الإيمان، ولا يسعهم غير هذا، ولكن الله جعلهم مختارين في الأمور التي هي مَنَاط للتكليف، وغير مختارين في أمور هي ليست محلاّ لهذا.

وأقول لأي واحد ممن تمرّدوا على الإيمان؛ فكفروا بالله؛ أقول: أنت متمرّد على الله، وتكفر به، وتنكر الألوهية، فلماذا لا تكون منطقيّاً مع نفسك، وتتمرّد على كل الأحداث التي تصيبك، فإن أصابك مرض؛ قل له: لا، لن أمرض.

فلا أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدراً شاءه الله؛ لأن الأحداث ستنال من كل إنسان من كل إنسان ما قدره الله له.

إذن: فكل إنسان هو مملوك لله.

وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس} [الناس: 1]

وان يقول: {مَلِكِ الناس} [الناس: 2]

و «الناس» في الآية الأولى هم المربون، والناس في الآية الثانية هم «المملوكون لله» فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور القهرية.

وتأتي «الناس» في الآية الثالثة: {إله الناس} [الناس: 3]

ص: 5667

لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق، وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة:{مِن شَرِّ الوسواس الخناس} [الناس: 4]

والآية الخامسة: {الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس} [الناس: 5]

والوسواس الخناس: هو الذي يزين لك أفعال الشر في أذنك، وهو خَنّاس؛ لأنه يخنس ساعة يسمع قولك:«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وهو يوسوس في صدور الناس المُوَسْوَسِ إليهم.

وهكذا نجد أن كلمة «الناس» قد جاءت؛ لتعبر عن المربوبين، والمملوكين، والمأهولين، والموسوس إليهم، وأن من يوسوِس قد يكون من الجن، وقد يكون من الناس.

إذن: فليس هناك تكرار بل جاءت الكلمة الواحدة بمعنى يناسب كل موضع جاءت فيه.

والمثال في حياتنا - ولله المثل الأعلى - قد أكون معلِّماً متميزاً واختارتني الكلية التي أقوم بالتدريس فيها لأكون رائداً للطلاب، ورئيساً لجمعيتهم الصحفية، ومشرفاً عليهم في الرحلات، ومراجعاً لتصحيح أوراق إجاباتهم، وهكذا تكون كلمة «الطلاب» لها معنى مختلف في كل موقع.

ص: 5668

والحق يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ

} [يونس: 2]

والحديث موجه لمحمد صلى الله عليه وسلم َ وهو الرسول الخاتم.

إذن: فالمراد بإنذار الناس هنا؛ هم جميع الناس.

وما المقصود بقوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2]

إن القدم كما نعرفه: هو آلة السعي إلى الحركة، كما أن اليد آلة الإعطاء؛ فتقول: فلان له يد عندي، أو تقول: أنا لا أنسى أياديك عليّ حين يقدم لك صديق هدية ما، وهو قد سار على قدميه؛ ليحضر لك الهدية، ولكنه يناولك لها بيديه.

إذن: فكل جارحة لها ظاهر في الحركة؛ وفي الأعمال. فالقدم تسعى إلى الأشياء، واليد تتحرك في العطاء، والأذن في السمع، والعين في الرؤية. وهكذا يكون معنى {قَدَمَ صِدْقٍ} هو سابقة فضل؛ لأنهم حين استمعوا إلى منهج الله، وأدَّوْا مطلوبات هذا المنهج كما يحب الله؛ فعليك

ص: 5669

يا محمد ان تبشرهم بالجنة. ذلك أن لهم سابق قدم، سعي إلى الخير، وهو قدم صدق.

لكن هل هناك ما يمكن أن نسميه «قدم كذب» ؟

نعم، وهو ما يخلعه الأفاقون على تواريخ الناس، فيصفونهم بما لم يكن فيهم، وهكذا نفرق بين قدم الصدق وقدم الكذب.

قدم الصدق - إذن - هو سابقة في الفضل أهّلتهم لأن يكونوا موضع البشارة، فهم قد صدقوا المنهج، وأعطوا من واعد حق.

والصدق - كما نعلم - هو الخصلة التي لا يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها؛ لأنه لو تنّحى عنها، فهذا يعني التنحّي عن الإيمان. وحينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟

فقال: لا.

إذن: فالصدق هو جماع الخير. وعلى الصدق تدور الحركة النافعة في الكون.

وحين يصدق التاجر في ثمن الأشياء؛ ويصدق العامل في إخلاصه للعمل؛ ويصدق الصحفي في نقل الخبر، ويصدق كل فرد في المجتمع، هنا يتكامل المجتمع وينسجم؛ لأن الفساد في الكون إنما ينشأ من الكذب، والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة.

لذلك أتى الله بكلمة الصدق في القرآن في أكثر من موضع، فهو القائل: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ

} [يونس: 93]

ص: 5670

فحين قالوا: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ

} [البقرة: 61]

أنزلهم الله بمكان يحقق لهم ما طلبوا من طعام، فلم يخدعهم سبحانه، ويأتي الحق مرة ثانية بكلمة الصدق فيقول:{واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين} [الشعراء: 84]

أي: اجعل لي ذكْراً حسناً فيمن يأتون من بعدي، فلا يقال في تاريخي كلام كذب، وألا يخلع عليَّ الناس ما ليسَ فيّ.

وقد قال الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن الإنسان: {وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المسلمين} [الأحقاف: 15]

ص: 5671

ثم يقول الحق سبحانه: {أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الجنة وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16]

ولماذا يصف الحق الوعد هنا بأنه وعد حق؟ لأن هناك من يعد الوعد الكاذب، حين يعد أحدهم بما لا يملك، أو أن تعد بما لا تقدر عليه، أو أن تعد بما لا تمهلك الحياة لإنفاذه.

ولذلك قال الحق لنا: {وَلَا تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله

} [الكهف: 23 - 24]

إذن: لا بد أن تسبق أي وعد بمشيئة الله؛ لأنك حين تَعد؛ قد لا تملك إنفاذ ما وعدت به، فقد تعد إنساناً بأن تلقاه في الغد في مكان ما لتتحدثا في أمرٍ ما.

ونقول: أضمنت أن تستمر حياتك إلى الغد؟ ها هو أول عنصر قد يُفقد؛ أضمنت أن تستمر حياته؟ هذا هو العنصر الثاني الذي قد يُفقد، ثم أضمنت ألا يتغير السبب الذي من أجله تلقاه؟ ثم أضمنت إن اجتمعت كل هذه العناصر ألا تُغير أنت رأيك في هذه المسألة؟

إذن: لا تجازف بأن تعد بشيء ليس عندك عنصر من عناصر الوفاء له، وأسند كل عمل إلى من يملك كل العناصر، وقل:

{إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله

} [الكهف: 24]

إذن: فوعد الصدق معناه أن يكون الوعد ممن هو قادر على أن يحققه قطعاً؛ ولا تخرج الأشياء مهما كانت عن قدرته، ولم يترك الأشياء؛

ص: 5672

لأنه باقٍ. ولن يتغير رأيه؛ لأنه ليس حدثاً يتغير. بل بيده كل شي وهو على كل شيء قدير. وسبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 54 - 55]

هكذا وعد الحق عباده المتقين بأنهم سوف يقعدون في حضرته مقعد صدق وهو المليك المقتدر. وسبحانه يقول: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ

} [الإسراء: 80]

أي: أدخلني في هذه البلدة مدخل صدق للغاية التي لا أستحي من أن أقولها، لا أن أدخل بغرض أمام الناس وأن أخفي غرضاً آخر، وكذلك أخرجني منها مخرج صدق.

إذن: فكلمة الصدق دائرة {قَدَمَ صِدْقٍ} و {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} و {مَقْعَدِ صِدْقٍ} و {مُدْخَلَ صِدْقٍ} و {مُخْرَجَ صِدْقٍ} وكل هذا يُحببنا في الصدق؛ لأن كل أمور الحياة؛ وفضائلها؛ وخيراتها، وما ينتظر الناس من سعادة؛ كل ذلك قائم على كلمة الصدق.

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} [يونس: 2]

أي: أن لهم سابقة فَضْلٍ عند ربهم يجازيهم بها؛ لأنهم عملوا بمقتضى

ص: 5673

منهجه، أما موقف الكافرين فهو مختلف؛ لذلك يقول الحق سبحانه:{قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]

ولماذا جاء سبحانه بخبر الكافرين هنا رغم أن الموقف هو إنذار وبشارة؟

ونقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم َ حين أبلغ المنهج عن الله، استقبله أهل الإيمان بالتصديق، أما الكافرون فقد اختلف موقفهم، فَإِتَّهمَ بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بأنه ساحر.

وجاء قول الحق على هذه الصورة المبينة بالآية؛ لأن القرآن يحذف أشياء أحياناً، لأن لباقة السامع ستنتهي إليها، فلا يريد أن يكرر القول. وانظر إلى قصة بلقيس، حيث نجد الهدهد يقول لسيدنا سليمان: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ

} [النمل: 22]

هذا هو الهدهد وهو المخلوق الأقل من سليمان عليه السلام يقول له: لقد عرفت ما لم تعرفه أنت، وكأن هذا القول قد جاء؛ ليعلمنا حسن الأدب مع من هو دوننا، فهو يهب لمن دوننا ما يُعَلِّمُه لنا، ألم يُعلِّمنا الغراب كيف نواري سوأة الميت؟

ص: 5674

{فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض

} [المائدة: 31]

ويقول قابيل: {ياويلتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين} [المائدة: 31]

وهكذا يتعلم الإنسان ممن هو دونه، وممن سخره الله له. وانظر كيف أبرز لنا الله أن الأدنى إن رأى خبراً، لا بد أن يبلغه للأعلى، فتتحقق سيولة المعلومات، التي يتخذ الأعلى على ضوئها القرار المناسب؛ فالهدهد يقول لسيدنا سليمان:

{أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22]

ويتخذ سليمان قراراً ينفذه الهدهد: {اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28]

وتتتابع الحكاية من بعد ذلك فيقول الحق: {قَالَتْ ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 29]

فكأن الهدهد أخذ الكتاب وألقاه إلى بلقيس فما قرأته؛ جمعت قومها؛ لتخبرهم. وهكذا حذف القرآن بعضاً من التفاصيل التي إن رُويت تكون تكراراً؛ ولكن جاءت المسألة بهذه الصورة؛ ليدلنا الحق على أن أوامر التلقي كانت سريعة بحيث لا يوجد فاصل بين الأمر وتنفيذ الأمر، فالتحم الأمران معاً.

ص: 5675

إذن: فقوله الحق: {قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]

جاء منسجماً مع ما يُفهم من النص، فهم لم يقولوا ذلك الاتهام إلا بعد أن بلغهم صلى الله عليه وسلم َ أن الله قال له: بَشِّر وأنذر، فلما بشَّر وأنذر، جاء قولهم بأن الرسول ساحر، وهكذا نفهم كيف تكوَّن موقفهم هذا من سياق الآية؛ لأنهم لم يقولوا ذلك إلا بعد بلاغ الإنذار، أو بلاغ البشارة.

وهكذا نجد أن القرآن قد لا يذكر الأشياء التي إذا سمع السامع الأسلوب أخذها من نفسه دون أن يتطلبها كلام منطوق، ومثل هذا الأمر جاء في لقطة أخرى في قصة سبأ، فبعد أن ائتمر الهدهد بأمر سليمان وذهب بالكتاب فألقاه إلى ملكة سبأ، وقرأته، وجمعت القوم؛ لتأخذ رأيهم فيما تفعله مع سليمان، فكان من أمرها معهم ما ذكره القرآن ثم علم سيدنا سليمان بأمر مقدمها مع قومها، فنجد سيدنا سليمان عليه السلام يسأل من حوله:{أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38]

ص: 5676

إذن: فهو قد عَلِم أنهم مُقبلون عليه بالإسلام، فأراد أن ينقل العرش من مملكتها إلى مملكته؛ قبل أن يجيئوا، وما داموا قادمين في الطريق، فعلى من يذهب ليفك العرش وينقله، لا بد أن تكون له طاقة تفوق قدرة الإنسان العادي، ولذلك لم يتكلم الإنس العادي، لكن الذي تكلم جني غير عادي، ذكي، فمن الجن من يتميز بالذكاء، ومنهم غير ذلك.

وجاء قول الحق سبحانه: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]

ومقام سليمان مع قومه قد يستمر ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات. وسيدنا سليمان يريد التعجيل بنقل عرش بلقيس، لذلك تجده يستمع إلى من عنده علم من الكتاب: {قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ

} [النمل: 40]

ألم يكن مثل هذا القول يحتاج إلى إذن من سيدنا سليمان، وأن يقول سليمان اذهب فيذهب ويحل العرش ويعود به؟ نعم، الأمر يحتاج كل ذلك، ولكن القرآن جاء بالقصة في تصوير متتابع للسرعة، وجاء القرآن بخبر العرش، وقد جاء إلى حيث يجلس سليمان عليه السلام:

{فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ

} [النمل: 40]

ص: 5677

وهكذا حذف التفاصيل التي يسهل معرفتها، والتي وقعت بين قول مَنْ عنده علم من الكتاب، وبين تنفيذ نقل عرش بلقيس.

وكذلك حذف القرآن قدراً من الأحداث في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فعندما بلَّغهم رسول الله الإنذار، هنا قال الكافرون:{إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]

وقد قال الكافرون هذا الاتهام أكثر من مرة، فمرة يقولون عن القرآن: إنه سحر، ومرة يقولون عن محمد: إنه ساحر. ولنسأل: ما معنى كلمة ساحر؟ إن الساحر هو الذي يصنع أشياء، ويوهمك أنها حقيقة؛ وهي ليست بحقيقة.

ولذلك يجب أن نفرق بين السحر وبين معجزة موسى، حتى لا يقال: إن معجزة موسى عليه السلام وهي العصا كانت من جنس ما برع فيه سحرة فرعون، صحيح أنها من جنس ما برع فيه قوم فرعون، ولكنها ليست سحراً؛ لأن الحق شاء أن يُغير من حقيقة العصا فجعلها أفعى، أما سحر قوم فرعون فهو لا يغير حقيقة الأشياء، بل يوهم مَنْ يراها بأنها تغيرت.

ص: 5678

والسحر يقتضي ساحراً، ويقتضي مسحوراً، ويقتضي عملية السحر ذاتها. أما عن الساحر فهو الذات التي تقوم بعملية السحر.

ويقول الحق عن السحرة: {سحروا أَعْيُنَ الناس

} [الأعراف: 116]

أي: سحروا الأعين التي ترى الأمر المسحور على غير حقيقته، رغم بقاء الشيء المسحور على حقيقته.

إذن: فهم قد أوهموا المسحورين بغير واقع، لكن المعجزة - معجزة موسى - ليست كذلك؛ لأنها لا تُغير من الرائي، بل تغير من حقيقة المرئي فعلاً. وقد دَلَّنَا القرآن على حقيقة هذه المسألة بالتجربة العملية حين اختار الله موسى وقال له:{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 17 - 18]

وحين أمر الحق سبحانه موسى بإلقاء العصا، رآها موسى عليه السلام حيّةً تسعى:{قَالَ أَلْقِهَا ياموسى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى} [طه: 19 - 20]

فعندما رأى موسى عصاه، قد تحوَّلتْ إلى حية تسعى على الأرض، فرَّ هارباً خائفاً، ولكن الله أراد أن يثبّت قلبه ويؤمنه إعداداً له للموقف الذي سيقفه فيما بعد أمام سحرة فرعون فقال له رب العزة:{خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى} [طه: 21]

ص: 5679

إذن: فلم يكن هناك سحر في عيني موسى، ولكن كان هناك تغيُّر فعليّ في حقيقة العصا. فلما خاف طمأنه الحق سبحانه وأمره بأن يلتقط العصا؛ لأنها ستعود - بإذن الله - إلى سيرتها الأولى. والدليل على ان التغير قد حدث في حقيقة العصا، أن السحرة الذين جمعهم فرعون من كل مكان، ووقفوا في منافسة مع سيدنا موسى، وقالوا له:{إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى} [طه: 65]

وقبل موسى عليه السلام التحدي، وتجد القرآن يصور المسألة فيقول:

{قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} [طه: 66]

وقوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} يعني: أن الحبال والعصى لم تتغير حقيقتها ولم تسعَ. وما إن رمى موسى عصاه حتى تحولت إلى حية فعْليّة تلقف ما صنعوا، وهذا ما جعل السحرة يسجدون ويعلنون الإيمان؛ لأنهم رأوا حقيقة واضحة، وهي أن العصا قد تحولت بالفعل إلى حية.

إذن: فالساحر يرى الشيء على حقيقته، والمسحور هو الذي تتغير رؤيته إلى الشيء، فيُخيَّل إليه أنه شيء آخر؛ ولذلك لم يقل أحد: إن موسى تعلّم السحر، وإن من علّمه غلبهم، لا، بل عرفوا أنها مسألة أكبر من طاقة البشر؛ لأن حقيقة العصا نفسها قد تغيرت، فقالوا:{آمَنَّا بِرَبِّ هارون وموسى} [طه: 70]

ولم يقولوا: آمنا بموسى.

ص: 5680

إذن: فالتخييل إنما يحدث في عيني المسحور. أقول ذلك حتى نفهم غباء كفار قريش حين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بأنه ساحر، يسحر الناس، فيخرج الولد على أبيه، وأهله. ويجعل العبيد يتمردون على سادتهم. ولو كان رسول الله ساحراً، فلماذا لم يُسحَر من قالوا هذا الاتهام. وبقاء من يقول بمثل هذا الاتهام دليل على أن مسألة الإيمان بالمنهج وبالرسول لا علاقة لها بالسحر.

ص: 5681

ومن بعد ذلك يرد الحق على حكاية العجب من أن الله أوحى لرسوله، وكذلك مسألة اتهام الرسول بالسحر، فيلفتهم إلى قضية فوق هذه القضية، وأنهم كان عليهم أن يروا العجب في غير مسألة الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم َ.

أي: كان عليكم ان تروا هذه المسألة العجيبة، وهي خلق السموات والأرض وتتأملوا صنعها، وكيف حدثت؟

وإذا كان الله هو الذي خلق السموات والأرض، وجعلك أيها الإنسان تطرأ على عالم، وعلى كون معدّ لك إعداداً دقيقاً، فكان يجب أن تلتفت إلى هذه المسألة قبل أي شيء آخر.

ص: 5681

وضربنا من قبل المثل، وقلنا: هَبْ أن إنساناً ركب طائرة، ثم نفد وقودها وسقطت في الصحراء، وكُتبت له النجاة وتلفَّت حوله فلم يجد ماء أو طعاماً أو أي دليل من أدلة الحياة، ثم غلبه النوم، فلما استيقظ من نومه، وجد مائدة عليها من أطايب الطعام، وأطايب الشراب، أما كان يسأل نفسه قبل أن يأكل ويشرب: من الذي صنع وأحضر كل هذا الطعام، وكل هذا الشراب؟

وهذا الكون قد أعدَّ لك أيها الإنسان، أما كان يصح أن تفكر فيمن أعدَّ لك هذا الكون، وخلق لك كل ما ليس في متناول قدرتك، وسخّر كل ذلك لك؟ وقد أبلغك الحق: أنا خلقت السماء، وخلقت الأرض، والشمس، والنجوم، وحين وصلك هذا البلاغ، فإما أن يكون صدقاً، فلتنفذ ما أمر به الخالق. وإن لم يكن هذا الكلام صدقاً، فمن الذي خلق إذن؟ إن كان هناك إله غيره قد خلق الكون، وسمع مثل هذا البلاغ، ولم يتحرك لبيان صدق المسألة، لما كان هذا الآخر يستحق أن يكون إلها.

وما دام لم يظهر معارض له سبحانه، فهو الخالق؛ لأن الدعوى إذا ما صدرت من واحد، ولم يظهر لها معارض، فصاحبها هو من أصدرها إلى أن يوجد له معارض.

وقد ضربنا مثلاً؛ فقلنا: هَبْ أن جماعة من أصدقائك جاءوا

ص: 5682

لزيارتك، ثم خرجوا من عندك، ووجدت أنت حافظة نقود، ولم تعرف لمن هي، ثم بعثت بخادمك؛ ليسأل من كانوا في زيارتك، وقال كل واحد منهم: إن حافظة نقوده لم تضع منه، إلا واحداً قال: نعم، هي حافظة نقودي. وهكذا تثبت ملكية هذا القائل لحافظة النقود، إلى أن يثبت العكس.

والحال هنا هكذا، فحين أبلغنا الحق أنه خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وجعل في الأرض رزق البشر، ولم يعارضه أحد، إذن: يجب أن نصدق أنه الخالق.

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلق لكم كل هذا الكون مُسخَّراً أفلا تتركون له حرية أن يختار رسولاً منكم إليكم؟ فما وجه الاعتراض إذن؟

يكشف الحق منطقهم حين قالوا:

{لَوْلَا نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]

إذن: هم قد اعترفوا أن القرآن لا غبار عليه، لكنهم ساخطون ويعيشون في ضيق؛ لأن هذا القرآن قد جاء على يد يتيم أبي طالب.

ويكشفهم الحق أيضاً فيأتي بما جاء على ألسنتهم: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء

} [الأنفال: 32]

ص: 5683

ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا.

فالعداوة هي لرسول الله، وهي عداوة حاقدة غير منطقية؛ لأن كل واحد منكم كان إذا ملك شيئاً نفيساً عزيزاً عليه، فهو لا يجد أميناً عليه إلا محمداً.

إذن: فلماذا لا تغشون أنفسكم في مسألة استئمان محمد على الأشياء النفيسة، ولو كنتم غير مؤمنين بصدقه. فلماذا استأمنتموه على نفائسكم؟ أليس هو محمد بن عبد الله الذي هاجر وترك عليَّ بن أبي طالب؛ ليرد الأمانات لأصحابها؟

إذن: فلا محمد دون مستوى الرسالة والأمانة، ولا القرآن دون المستوى، بشهادتكم أنتم؛ بشهادتي القول والفعل.

وهنا يقول الحق: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ

} [يونس: 3] .

وفي موقع آخر بالقرآن يقول سبحانه: {لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]

وما دام هذا الخلق العجيب قد صدر منه، فالتصرفات التي دون ذلك لا بد أن تكون مقبولة منه سبحانه وتعالى، وأن تكون لحكمة ما. وتعالوا نتحاكم إلى أنفسكم، أنتم تقولون:{لَوْلَا نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]

إذن: لا شك عندكم في القرآن لا طَعْنَ فيه، بل تطعنون في مسألة

ص: 5684

أنه جاء على يد محمد صلى الله عليه وسلم َ، وتمنيتم لو أن القرآن قد جاء على يد واحد آخر تقبلونه. وأنتم في هذه المسألة غير منطقيين؛ لأنكم تريدون أن تتدخلوا في قسمة الله ورحمته في أن يُنزِل الوحي على من تشاءون، لا من يشاء هو سبحانه.

وأنتم بذلك تريدون أن تتحكموا في الرحمة العليا من الله في أن يختار رسولاً؛ ليبلغكم عنه. وتتناسون أنكم في هذه الدنيا لا تقسمون الأرزاق؛ لذلك يقول الحق: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ

} [الزخرف: 32]

فإذا كنتم تريدون أن تقسموا رحمة الله، فاعلموا هذا القول من الله: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا

} [الزخرف: 32]

وهذا الأمر السهل؛ تقسيم المعيشة في الحياة الدنيا تصرف فيه الحق سبحانه، فكيف لكم - إذن - أن تطمعوا في تقسيم الأمر العلوي وهو رحمة الله العليا في أن يرسل رسولاً.

والحق سبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله} .

وساعة تسمع كلمة «رب» ينصرف الذهن إلى الخلق وإلى التربية، ولذلك نحن نستعمل هذه الكلمة ونقول:«فلان رب هذه الأسرة» أي: أنه المتولي تربيتها، وكلمة «الرب» بمعناها المطلق تنصرف إلى الله، فهو

ص: 5685

الخالق الذي خلق من عَدَم وأمدَّ من عُدْمٍ، وهو بهذا الوصف ربّ كل خلقه: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي.

وما دام الله سبحانه ربّاً لكل الخلق، فهو الرازق لكل خلقه، فهو الذي استدعى خلقه إلى هذه الدنيا، وهو الذي يعطي كل مخلوق الرزق الذي كتبه الله له، وهو سبحانه يأمر نواميس الكون وأسبابه أن تعطي له أو لا تعطي، فإن زرع الأرض وأحسن زراعتها؛ أعطى سبحانه الأمر للأرض أن تعطي هذا المخلوق الرزق.

وكل مخلوق يأخذ بالأسباب، ويوفر له الحق النجاح في الأسباب.

وأقول دائماً لمن يرون تقدم الكفار في أمور الدنيا، ويتساءلون: لماذا يتقدم الكفار في أمور الدنيا ونتأخر نحن؟ أقول لهم: لقد أخذوا من عطاء الربوبية في الأسباب، وأنتم لم تاخذوا من عطاء الربوبية؛ حتى لا يسبقكم الكافرون إليها، ولا تجلسوا في موقع المتفرج، بل المفروض فيكم أن تسبقوا الكفار إلى عطاء الربوبية.

أما عطاء الألوهية، وهو أن يُقِرَّ الإنسان بأن الله هو المعبود بحق، وهو المطاع في «افعل» و «لا تفعل» ، فهذا العطاء لا يناله إلا مَنْ آمن به.

إذن: فالله رب الجميع، ولكنه إله مَنْ آمكن به. إذن: هناك فارق بين

ص: 5686

عطاء الإله، وهو المنهج المتمثل في «افعل» و «لا تفعل» ، وعطاء الربوبية المتمثل في الأمور المادية وهي شركة بين كل الناس: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وحين يُحسن الكافرُ الأخذ بالأسباب؛ فهو يأخذ نتائجها.

والحق سبحانه هو القائل: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20]

إذن: فواجب على المؤمنين أن يستقبلوا عطاء الربوبية بحسن الأخذ بالأسباب؛ ليأخذوا النتيجة، ولا يتقدم أهل الكفر عليهم؛ لأن الكافر حين يسبقك في الأخذ بالأسباب، ربما استغل هذه المسألة في ان يفرض عليك ما يخالف دينك.

وهنا يقول سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله

} [يونس: 3]

أي: أن الذي ربَّي، هو الذي كلَّف، ويجب أن تستمعواإلى منهجه.

ثم يقول سبحانه: {الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ

} [يونس: 3]

وكلمة {سِتَّةِ أَيَّامٍ} هذه وردت في كل آيات القرآن التي تحدثت عن زمن مدة الخلق للأرض والسموات، لكن هناك آية جاءت بتفصيل ويظهر من أسلوبها أن الخلق قد استغرق ثمانية أيام، وهي في سورة فصلت: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ

ص: 5687

أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 9 - 10]

وهذه ستة أيام.

ثم يقول سبحانه: {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم}

[فصلت: 11 - 12]

وهكذا يكون المجموع ثمانية أيام، وهذا هو الفهم السطحي؛ لأن آيات الإجمال جاءت كلها بخبر الخلق في ستة أيام. وتعلم أن كل مُجمل يفسره مُفصَّلة إلا العدد؛ فإن مفصَّله محمول على مجمله، فالأرض خلقها الله في يومين، وجعل فيها رواسي، وبارك فيها، وكل مخلوق ثان هو تَتمَّة للأول، فاليومان الأولان إنما يدخلان في الأربعة الأيام، وأخذت بقية الخلق اليومين الأخيرين، فصار المجموع ستة أيام.

إذن: فالزمن تتمة الزمن، ولذلك تجد أن اليوم على كوكب الزهرة أطول من عامها؛ لأن عامها بتوقيت الأرض هو مائتان وخمسة وعشرون يوماً، أما طول اليوم فيها فهو بتوقيت الأرض مائتان وأربعة وأربعون يوماً.

إذن: فاليوم على كوكب الزهرة أطول من العام فيها. والسر في ذلك أن كوكب الزهرة يخضع لدورة تختلف في سرعتها عن سرعة الدورة التي

ص: 5688

تخضع لها الأرض، فدورة كوكب الزهرة حول نفسه بطيئة، ودورته حول الشمس سريعة.

إذن: فكل كائن له نظام.

وما هو اليوم إذن؟ اليوم في اعتبارنا هو دورة الأرض حول نفسها دورة يتحقق فيها الليل والنهار. ولكننا نجد القرآن الكريم يطلق كلمة اليوم ويفصلها عن الليل، فيقول سبحانه: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً

} [سبأ: 18]

وهنا جعل الحق اليوم للضوء والكدح، والليل للظُّلمة والراحة. والحساب الفلكي يسمى الليل والنهار يوماً.

ويبين القرآن لنا أن هناك يوماً للدنيا، ويوماً للأخرة، ويوم الدنيا هو ما نحسبه نحن من شروق إلى شروق آخر، وكذلك هناك يوم عند الله هو بحساب الدنيا يقدر بألف سنة مما يحسبه البشر:{وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]

ويقول الحق في موضع آخر: {تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4]

إذن: فالأزمنة متعددة، ومنوعة، وتختلف من قياس إلى آخر، ومن

ص: 5689

كوكب إلى آخر. وما أظهره الله لنا في القرآن من الأزمنة إنما يدل على اختلافها، لا على التعارض والتناقض.

ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} ووقف العلماء عند كلمة «اسْتَوَى» طويلاً، واستعرضوا القرآن كله؛ ليحصروها في كتاب الله؛ فوجدوها قد جاءت في اثنتي عشرة سورة: البقرة والأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان والقصص والسجدة وفصلت والفتح والنجم والحديد.

وأول سورة جاء فيها ذكر استواء الله على العرش هي «الأعراف» يقول الحق: {الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِي اليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً والشمس والقمر والنجوم

ص: 5690

مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين} [الأعراف: 54]

وما دام الله سبحانه هو الذي خلق فلا تعترض أن يكون الأمر له، وأن يبعث سبحانه من شاء؛ ليكون رسولاً؛ لذلك فلا عجب أن أرسل لكم رجلاً منكم؛ لأنه لو كان هناك غيره سبحانه هو الذي خلق، ثم جاء ليفتئت فيأمر فيما خلق، لكان للخلق شأن آخر، لكن الله هو الذي خلق، وهو سبحانه الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم َ.

والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول فيها الحق: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش} ، أي: استتب له الأمر.

ثم تأتي آية سورة الرعد: {الله الذي رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ استوى عَلَى العرش وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]

أما الصفات التي توجد في البشر، ووصف الله نفسه بها، هذه الصفات لا تؤخذ على مقتضى ما هي في البشر، فكل إنسان هو ممكن الوجود. ولكن الحق سبحانه وتعالى هو واجب الوجود؛ لذلك تؤخذ تلك الصفات في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

} [الشورى: 11]

ومثال هذا: أن الحق سبحانه وتعالى له عِلْم بأنك تقرأ الآن في التفسير، وفي أي مكان تقرأه، والذين من حولك يعلمون ذلك، ولكنْ أعلْمُ الله يساوي علمَك وعلمَ مَنْ حولك؟ لا، فعلمه سبحانه وتعالى هو

ص: 5691

عِلْم أزليّ، عِلْم قبل أن توجد أنت أو يوجد غيرك؛ لذلك فأنت إذا عَلمت شيئاً، وعَلمَ الله شيئاً، فعِلْم الله يناسبه، وعلْم البشر يناسبك. وأيُّ صفة من صفات الله مطلقة، وأيُّ صفة من صفاتك نسبية؛ لأن الحق سبحانه هو واجب الوجود الأزلي، وأنت في هذه الحياة مجرد حدثٍ محدود العمر بين قوى الميلاد والموت.

فالله غني، وقد تكون أنت غنيّاً، لكن غناك لا يمكن أن يتساوى مع غنى الله. وأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك لا يمكن أن يُقَاس بوجود الله. فذاتُ الله ليست كذواتنا، وكذلك صفات الله ليست كصفاتنا، وفعْله ليس كفعْلنا، واستواؤه سبحانه ليس كاستوائنا، بل في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لأن الذي يُفْسد الفهم أن يقال:«استوى» بمعنى: قعد. أو فلنأخذ الاستواء كتمثيل للسيطرة، وسبحانه مسيطر على كل شيء، والاستواء: يعني التمكن. وسبحانه القائل: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى

} [القصص: 14]

إذن: فاستوى: تعني بلوغ تكوين الكمال في الذات. والإنسان منا وهو صغير - قبل البلوغ - إنما تنقصه بعض من درجات النضج في الجهاز العصبي، وكذلك في الجهاز التناسلي، فإذا ما بلغ اكتمل النضج، ويقال:(اَسْتَوَى) أي: صار قادراً على إنجاب مثله، وتمت له رجولته. ويقال عن الثمرة: إنها استوت {فاستوى على سُوقِهِ} [الفتح: 29]

أي: نضجت نُضْجاً يبلغها أن تعطي من ثمرتها مثل ذاتها، وبذلك تضمن بقاء نوعها.

ص: 5692

وحين بلغ الطوفان تمامه استوت مركب سيدنا نوح ومعه المؤمنون من قومه، وقال الحق:

{واستوت عَلَى الجودي

} [هود: 44]

أي: استقرت على الجبل واستتب الأمر.

إذن: فكل استواء لله يجب أن يؤخذ على أنه استواء يليق بذاته، وصفاته، التي قد يوجد في البشر مثلها، لكنها صفات مطلقة في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

} [الشورى: 11]

وفعْل الله لا يمكن أن يتساوى مع فعل البشر؛ ولذلك قلنا في حديث الإسرَاء: إن الكفار المعاصرين للإسراء حينما كذَّبوا النبي صلى الله عليه وسلم َ في أنه قد أسرى به، قالوا: أتدَّعي أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وهذا القول المستنكر يؤكد أنهم قد فهموا أن الإسراء قد حدث حقيقة.

ورغم ذلك تجد بعض المعاصرين - الذين يدعون المعاصرة والفهم - يتساءلون: ولماذا لا تقولون: إن الإسراء قد تَمَّ بالروح؟ ونقول لهم: إن كفار قريش أنفسهم الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ لم يقولوا ذلك، وفهموا أن الإسراء قد تمَّ بالجسد؛ لذلك قالوا: «أنضرب إليها أكباد الإبل شهراً،

ص: 5693

وتدَّعي أنك أتيتها في ليلة؟» بل، ولم يقولوا له: إنه رأى بيت المقدس في رؤيا أو حُلْم؛ لأنه لا أحد يُكذِّب رؤيا أو حُلْماً، وهكذا كان تكذيبهم دليلاً على التصديق للإسراء إلى أن تقوم الساعة.

ونقول لمن يدَّعي أن الإسراء إنما تَمَّ بالروح: افهم جيّداً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قال: «أسري بي» .

إذن: فعْل الإسراء منسوب لله، لا لمحمد صلى الله عليه وسلم َ. والقرآن يقول: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً

} [الإسراء: 1]

وما دام الحق قد قال: (سُبْحَانَ) أي: أن الله مُنَزَّهٌ عَمَّا في بال البشر من المسافات والقوة وغيرها.

ولقد ضربنا مثلاً لهذا - ولله المثل الأعلى - برجل يصعد بابنه الرضيع قمة جبل «إفرست» ، فلا يقال: وهل يصعد الرضيع قمة الجبل؟ فالصعود منسوب هنا للرجل، ولقدرة الرجل وقوته، لا إلى الطفل.

وهكذا - ولله المثل الأعلى - فالزمن والقدرة على الإسراء منسوبان لله سبحانه، لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم َ.

ونحن في مجالنا البشرى تختلف قدراتنا في قطع المسافات وأزمانها، فمن يركب عربة يجرُّها حصان فقد يصل من القاهرة إلى الإسكندرية في

ص: 5694

أيام، ومَنْ يركب سيارة فقد يصلها في ساعتين. ومَنْ يركب طائرة فقد يصلها في نصف ساعة.

إذن: فكلما زادت القوة تجد الزمن يقل، فما بالنا بقوة القويِّ؛ أيكون معها زمن؟ طبعاً لا.

وقال الحق سبحانه لسيدنا نوح: {فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك

} [المؤمنون: 28]

أي: بعد أن ركب معك يا نوح مَنْ آمن من قومك، واطمأننت على نجاتهم، ستسير السفينة بإذن ربها.

إذن: فقول الحق عن ذاته: {استوى عَلَى العرش.

. .} [يونس: 3]

يعني أن الأمور قد استتبت وتمت. وهكذا نفهم أن كل شيء يتعلق بالحق سبحانه وتعالى نأخذه في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

} [الشورى: 11]

وأن كل صفة من صفاته يأتي تمثيلها ليقرب المعنى فقط ولا يعطي حقيقة المعنى؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء. وهكذا فسبحانه له استواء يليق بذاته، لا كاستواء البشر.

والشاعر أبو تمام حين جاء ليمدح الخليفة المعتصم، نظر إلى الصفات التي اشتهر بها بعض القوم، «فحاتم» على سبيل المثال كان قمة الكرم.

ص: 5695

و «عنترة» هو قمة الشجاعة، «والأحنف بن قيس» قمة الحكمة، فقال الشاعر أبو تمام عن الخليفة:

إقْدَامُ عَمْروٍ في سَمَاحةِ حاتمٍ

في حِلْمِ أحْنَفَ في ذكاء أيَاسِ

وهكذا صار الخليفة مَجْمع فضائل؛ لأنه أخذ إقدام عمرو، وكرم حاتم، وحلم الأحنف، وذكاء إياس. ولكن حاسد الشاعر قال: إن الأمير فوق كل من وَصَفْتَ، فهؤلاء جميعاً بالنسبة للخليفة صغار. وقال أحد الشعراء:

وشبهه المدَّاح في البأس والنَّدى

بمَنْ لو رَآهُ كان أصغَر خادِمِ

ففي جَيْشِه خَمسُون ألْفاً كَعنْترٍ

وَفي خَزَائِنه ألفِ حاتمِ

وحين سمع الشاعر الأول ذلك، وكانت قصيدته الأولى «سينية» ، أي: أن آخر حرف في كل أبياتها هو حرف السين، فجاء بأبيات أخرى من نفس بحر القصيدة الأولى: وقال:

لا تُنْكِروا ضَرْبي له مَنْ دُونهُ

مَثلاً شَروداً في النَّدَى والباسِ

فالله قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لنورهِ

مثلاً من المِشْكَاةِ والنِّبراسِ

ص: 5696

إذن: فهناك فَرْق بين تمثيل الشيء، وبين حقيقة الشيء، فحين قال الحق: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ

} [النور: 35]

فهذا مثل توضيحي للبشر. وشاء الحق ذلك ليعطينا مجرد صورة؛ لأنه يتكلم عن أشياء لا وجود لها عندك. ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم َ يقول عن الجنة: «فيها ما لا عَينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خَطَر على قلبِ بَشَر» .

وأنت حين ترى؛ فللرؤية حدود. وحين تسمع فأنت تسمع مرائي غيرك، وما لا يخطر على البال هو القمة، فقد ارتقى الرسول في وصفه للجنة من حدود ما تراه العين إلى آفاق ما تسمعه الأذن، ثم ارتقى من حدود السمع إلى ما لا يخطر على البال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم َ علم أن اللغة هي ألفاظ تعبر عن معان، والمعاني تزجد أولاً ثم نأتي لها بالألفاظ؛ ولذلك فالأمثال لمجرد التوضيح باللغة.

وهكذا نطون قد استوفينا فهم قوله الحق: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} بما يليق بذات الله، فلا نأخذ الاستواء على المعنى الذي يدل على مكان محيّز؛ لأنه سبحانه مُنَزَّه عن أن يكون متحيزاً في مكان؛ فذاته سبحانه ليست كالذوات، وفعله ليس كالأفعال، وصفاته ليست كالصفات.

ص: 5697

ثم يقول بعد ذلك: {يُدَبِّرُ الأمر} أي: أنه يرتب الوجود ترتيباً يجعل كل شيء موضوعاً في مكانه بحكمة.

والحق سبحانه وتعالى له صفة علم، وصفة إرادة، وصفة قدرة، وصفة العلم هي التي تخضع كل شيء في مكانه بحكمة. وصفة الإرادة هي التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه. وصفة القدرة تبرز المراد لله.

إذن: فهناك علم، وهناك إرادة، وهناك قدرة تبرز المراد على وفق العلم. ومن المنطقي أن يدبر الله كل أمر؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق السموات وخلق الأرض. واستوت له الأمور بحيث لم يعد هناك خلق جديد إلا ما يبرزه ب «كن» . وهو سبحانه بعد أن خلق السموات والأرض وخلق الإنسان وسخَّر له السموات والأرض؛ لذلك لا بد أن يدبر سبحانه للإنسان أمور مادياته، وأمور قيمه.

أما أمور الماديات فد ظهرت في خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والماء والهواء. وما في الأرض من عناصر تنبت للإنسان ما يحتاج إليه في قوام حياته، وهو سبحانه الذي خلق كل ذلك قبل أن يخلق الإنسان، ثم جاء بالإنسان ليكون الخليفة والسيد.

إذن: فالإنسان هو الذي طرأ على هذه الأمور المادية، وكان لا بد أن يُنزِلَ الحق سبحانه قيماً يحيا بها الإنسان كخليفة في هذه الأمور المادية.

وهكذا خلق الله القيم المعنوية، فلا تقولوا: لماذا أرسل رسولاً لا يُحسب في نظر بعض الناس من عظماء أقوامهم، ولا تقولوا لماذا أرسل محمداً بالتحديد؛ لأن هذا الإرسال هو من ضمن تدبير الأمور، و {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ

} [الأنعام: 124]

ص: 5698

إذن: فقوله: {يُدَبِّرُ الأمر} جاء ليؤكد نَفْي التعجب من أن يكون الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم َ: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ

} [يونس: 2]

وعلتها أن الله هو ربكم وهو الذي خلق، ولا يجادل أحدٌ الله فيما خلق، وفيمن خلق. وإذا كان هو سبحانه الذي خلق الإنسان والكون، فلا بد أن ينظم حركة الوجود بين الإنسان والكون؛ لذلك اختار الرسول المناسب؛ ليحمل منهج القيم للإنسان في «افعل كذا» و «لا تفعل كذا» . ثم ترك الحق للإنسان أموراً لا يقول له فيها: افعلها أو لا تفعلها، فهي من المباحات.

وإذا استقرأت الأفعال والأحداث، ستجد أن الذي قال الله فيه «افعل» قليل، والذي قال الله فيه «لا تفعل» قليل. وبذلك تجد المباحات أكثر من «افعل» وأكثر من «لا تفعل» .

وما دام سبحانه هو الذي شاء ذلك، وترك لك أيها الإنسانُ الكثير من الأمور المباحة، فاترك القيم لله؛ لأن الكون المادي المخلوق لله في غاية الدقة وفي غاية النظام، ولم تمتنع الشمس أن تشرق أو تعطي ضوءها وحرارتها للناس، وما امتنع القمر أن يعطي نوره، وما امتنع السحاب أن يسقط مطراً مدراراً، وما امتنعت الأرض أن تتفاعل مع أي غَرْس تغرسه فتعطيك الغذاء، وكل شيء داخل في نطاق القدرة في النواميس العليا؛ مُحكم؛ ولا خلل فيه.

ص: 5699

وإذا نظرتم إلى غير ذلك وجدتم الخلل قد حدث؛ لأن الشيء الذي لا تدخل فيه قدرة الإنسان وإرادته هو على أتم ما يكون من النظام، ولا يفسد إلا الشيء الذي للإنسان فيه عمل واختيار، ولا يعني ذلك أن كل أعمال الإنسان تعاني من الخلل، لكن الأعمال التي تعاني من الخلل هي الأعمال التي يُقبل عليها الإنسان دون منهج الله. ولو اخترنا البدائل على ضوء منهج الله، لاستقامت القيم كلها، كما استقامت لنا نواميس الكون العليا.

فإذا رأيتم فساداً فلوموا أنفسكم؛ لأن الأمر الذي لا تتناولونه بأيديكم ولا دخل لكم فيه، يعمل غاية في الدقة، فإن أردتم أن تعمل أموركم الاختيارية بغاية الدقة؛ فخذوا منهج الله في الأفعال، ولا تفسدوها أنتم بأن تختاروا البدائل على غير مرادات الله.

ولذلك أقول دائماً: إنك إذا ما رأيت عورةً في الوجود، يتعب منها المجتمع، فاعلم أن حدّاً من حدود الله قد عُطِّل. وإن وجدت أمة متخلفة، فاعلم أنها عطلت حدود الله، وإن وجدت أمة تعاني من أمراض اجتماعية جسيمة، فاعلم أنها لا تطبق منهج الله.

ويخطئ مَنْ يقصر فَهْمَ عبادة الله على أنها الانقطاع في المسجد، أو الصوم، أو إخراج الزكاة في ميعادها، أو الذهاب إلى الحج، فكل هذه هي رؤوس الإسلام تشحن العبد ليعمل وَفْق منهج الله، فالصلاة هي إعلان الولاء لله خمس مرات في اليوم، ومدة الصيام شهر كل عام،

ص: 5700

والزكاة إنما هي من فائض المال، والحج هو تَرْكٌ للمال والأهل والولد.

كل ذلك من أجل شحن الطاقة، فإذا ما شحنت الطاقة، فوجِّه الطاقة إلى عمل آخر. ولنأخذ الصلاة مثلاً: فأنت تحتاج إلى طاقة تُقيمك وتُقعدك وتستبقي حياتك؛ وقوة حركتك تحتاج كل ذلك لتصلي!

إذن: فأنت تحتاج إلى طعام، ولن تُطْعم ما لم يَكُنْ لك عمل يتيح لك شراء الطعام، وحتى يبيع لك التاجر الخضر واللحم، والفاكهة والخبز، هو يحتاج إلى مَنْ ينتج ذلك، ومَنْ ينتج الأطعمة يحتاج إلى مَنْ يدرس طبيعة الأرض والبذور ومعرفة الأوقات، وكل هذه الأمور تحتاج إلى أجهزة منظمة لإنتاج الطعام. فمن يزرع يحتاج إلى محاريث تحرث، وهذا يستلزم وجود الحديد وآخرين ليصهروه ويستخرجوا منه ما يصلح لصناعة المحاريث.

إذن: فقيامك إلى الصلاة يحتاج إلى كل هذه الأعمال. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا تجد أن كل الأعمال التي تُسهِّل لك العبادة هي أعمال واجبة. والمثال: أنك حين تصلي تحتاج إلى سَتْر عورتك؛ لذلك تشتري القماش ليُفصِّل لك الخائط ما ترتديه من ملابس، وكل هذه الأعمال التي تنتج القماش وتصنع الثياب هي أعمال واجبة، بدءاً من زراعة القطن أو الكتان أو التيل وغيرها إلى المغازل ومصانع النسيج، وغير ذلك.

وهكذا تجد أن كل الأعمال التي يتم الواجب بها هي أعمال واجبة، فَسَتْر العورة أمر شرعي، وهكذا يتسع مفهوم العبادة ليكون معناها: كل حركة تؤدي إلى إبقاء الصالح على صلاحه وزيادة الصالح إلى ما هو أصلح.

والمثال الذي أضربه دائماً: هو حاجة الإنسان إلى الماء للشرب،

ص: 5701

والغُسْل من الجنابة وطهو الطعام وغير ذلك، وكان الإنسان قديماً يشرب من الآبار، ثم تطور التفكير إلى إقامة شبكات لتوزيع المياه بعد تنقيتها، كل هذه أعمال تُزيد الأمر الصالح صلاحاً؛ لأنك أخذت الماء من المطر الذي ملأ النهر، وأعليْتَ الماء في خزانات لتنقيته، ثم اكتشفت قوانين الاستطراق ومضخات المياه؛ ليصل الماء الطاهر إلى كل من يحتاجه. وهكذا تزيد الصالح صلاحاً بالتفكير واستخدام العلم بما يفيد الإنسان، إذن: فهذا عمل عبادي ما دامت النية فيه لله.

وانظر إلى يوم السوق في أي قرية، تجد من يدخله ومعه الماشية والأنعام التي يرغب في بيعها، وتجد مَنْ يدخل بالفواكه والأطعمة، ومَنْ يدخل ومعه الثياب أو أدوات المنزل، وتجد من يدخل ليس معه شيء، وبعد انتهاء السوق تجد كل إنسان قد خرج بما يحتاج، لا بما دخل لبيعه. وهكذا ألقى الله الخواطر في قلب وتفكير إنسان ما ليبيع ما لا يحتاجه، وآخر ليشتري ما يحتاجه من إنتاج غيره.

وأنت إذا نظرت إلى قرية ما، ستجد واحداً من أعيانها يرغب في بيع أرضه وقصره، ويرغب في الرحيل إلى بلدة أخرى، وهكذا ترى الميزان الاقتصادي الإلهي، الذي يوزع العباد في الأماكن التي تليق بكل واحد

ص: 5702

منهم، فإذا ما زاد واحد عن الحاجة في مكان، فهو يرحل إلى مكان آخر يحتاجه. وهذا هو التدبير الإلهي على أحسن ما يكون.

وقد تجد - مثلاً - الطفل يكتب بيده اليسرى، على عكس أقرانه، وقد تضربه على ذلك، فيعجز عن الكتابة باليمنى وباليسرى، وحين يقول لك الطبيب: لقد شاء الله أن يجعل ابنك موهوباً في الخط الجميل، وهو يكتب بيده اليسرى، فأنت تتعجب، وتكتشف بالفعل أن خط الطفل باليد اليسرى جميل.

وأقول دائماً لمن يشكون أن بعضاً من أولادهم يكتبون باليد اليسرى أو يأكلون باليد اليسرى، أقول لهم: إن هذه المسألة تتعلق بالجهاز العصبي للإنسان، فهناك من خلقه الله ليَعْملَ باليد اليمنى، وهناك من خلقه الله ليعمل باليد اليسرى، وهناك من خلقه الله ليعمل بيديه الاثنتين، مثل سيدنا عمر رضي الله عنه وكان «أضبط» أي: يعمل بيديه الاثنتين.

وعلينا أن نحترم أقدار الله فيما خلق ومَنْ خلق. فسبحانه يخلق ما يريد، لا وَفْق قوالب، بل يخلق ما يشاء، ومع كل خَلْق مراد معين. وكما أحسن الحق تدبير ما ليس لكم دَخْلٌ فيه، فاعلموا أنه قد أنزل المنهج

ص: 5703

لِيُحسِّن مما لكم فيه دَخْلٌ، ويجعل أموركم منتظمة، وكل ذلك يدخل ضِمْنَ تدبير الأمر.

وأنت إذا نظرت إلى معنى كلمة «أمر» تجد أنها كل شيء ينشأ، ولماذا عدل سبحانه عن قول:«شيء» إلى قول: «أمر» ؛ لأن كل شيء لا يوجد في الوجود إلا ب «كن» وهي أمر. وسبحانه القائل: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]

وسبحانه يدبر الأمر في السنن المادية التي لا تتناولها يد الإنسان، فإن أراد الإنسان أن يضبط أمور حياته، فليأخذ بالمنهج الذي أنزله الله ب «افعل» و «لا تفعل» ، وأما المباحات فهي كثيرة، والإنسان حرٌّ فيها.

وإذا ما سأل سائل: ولماذا اتَّبِع المنهج؟ أقول: إن الحق شاء أن يخلق الإنسان على هيئتين: هيئة إرغامية قهرية، وهيئة اختيارية، فأنت أيها الإنسان مقهور في أشياء، ومُحتار في أشياء أخرى؛ أنت مقهور في التنفس، وتتنفس آلياً دون تدخُّل منك، تتنفس مستيقظاً أو نائماً، ولو كان التنفس باختيارك، لاحتجْتَ إلى مَنْ يدير حركة تنفسك وأنت نائم؟

إذن: فمن رحمته سبحانه أن جعلك مقهوراً في مثل هذه المسألة وكذلك نبضات قلبك، أنت مقهور فيها، وكذلك أنت مقهور في الحركة الدودية للأمعاء، وللحركة الانبساطية والانقباضية في المعدة، وإفراز العصارات الهضمية، كل ذلك أنت مقهور فيه، وأنت مُختار في أشياء أخرى، كأن تشتري من البائع الفلاني، أو بائعٍ غيره، وأنت مُخَيِّر في أن تختار أصناف الطعام التي تهواها.

ص: 5704

والمباحات في الوجود كثيرة، وما أكثر ميادين الحرية في الحياة، وما حدده لك الحق سبحانه وتعالى ب «افعل» و «لا تفعل» ، لا يخرج عن أمور محصورة تصونك وتصون مجتمعك، وكذلك الكون الذي تحيا فيه. وإنْ مارسْتَ أيها الإنسان حريتك في الأمور المباحة على أي لون شئت، فذلك لا يفسد الكون.

وقد شاء الحق سبحانه - أيضاً - أن تكون مقهوراً في بعض الأمور حتى لا يفسد الكون، فإن أكلت ما شئت من المأكولات غير المحرمة؛ فأنت حرٌّ، وإن سلك كل إنسان كما يهوى في الأمور المباحة؛ فلا مانع لذلك. وكل البشر يختلفون.

وأراد سبحانه أن يحمي الإنسان والكون؛ لأنه علم أزلاً أن أهواء البشر تتضارب، وهو القائل: {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض

} [المؤمنون: 71]

ولهذا نرى أن تدبير الله فيما لا دخل لنا فيه، تدبير مُحْكَم، وما يسير بدون تَدَخُّل من البشر إنما يتبع نظاماً مستقيماً، وشاء الحق أن يجعل نواميس الكون تعمل بدقة يندهش لها المؤمنون بالله والكافرون به، فسبحانه يحكم في مُلْكه بدقة متناهية؛ حتى إن بعض العلماء ممن لا يؤمنون بمنهج الله قد حددوا مواعيد الكسوف الكلي أو الجزئي

ص: 5705

للشمس أو القمر بدقة متناهية وذلك باستقرائهم لمعطيات الكون.

وما دُمْتم أنتم تتميزون على الكافرين بالإيمان بالله، فخذوا منهج الله في حياتكم؛ لتستقيم أموركم بمثل استقامة الكون.

ولذلك قال سبحانه: {يُدَبِّرُ الأمر

} [يونس: 3]

ويضيف: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} وجاء الحق بمسألة الشفاعة بعد مسألة تدبير الأمر؛ لأن هؤلاء الكافرين الذين تعجبوا من إرسال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم َ، كانوا يعبدون ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: إن تلك الأصنام تشفع لهم عند الله، مصداقاً لقوله الحق: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله

} [يونس: 18]

ولذلك يُفصِّل الحق سبحانه مسألة الشفاعة. فالإنسان لا يحتاج إلى شفاعة عند مَنْ يملك الأمر إلا إذا ارتكب جُرْماً أو حدث منه تقصير في أمر ما. والآية أوضحت أنهم يعبدون ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، وما لا ينفعهم إن عبدوه. واقرأوا أن مثل هذه الأصنام إنما تشفع لهم، والشفاعة من الشفع، والشفع ضد الوتر. والوتر هو ما لا يقبل القسمة على اثنين، فيكون الوتر رقماً فرديّاً.

ص: 5706

والعبد من هؤلاء له موقف من الإله الذي يعبده، وهو غير قادر على مواجهته؛ لأنه مقصر، فبدلاً من أن يقابله فرداً يأتي بآخر معه؛ ليشفع له، وهكذا يكون معنى الشفع هو تعضيد الفرد بواحد آخر؛ فينتقل من كونه وتراً إلى كونه شفعاً.

وكان الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقولون عن تلك الأصنام: إنهم شفعاء لهم عند الله، فيقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ

} [يونس: 3]

لأن الشفاعة تقتضي شافعاً ومشفوعاً عنده، ومشفوعاً له، ومشفوعاً فيه، هذه هي الأربعة العناصر في الشفاعة. والذي يستشفع هو المقصِّر، وهؤلاء الكفار قالوا عن الأصنام: إنها شفعاء لهم عند الله، وهذا إقرار منهم بالتقصير، وأقروا بأن المشفوع عنده هو الله، وأما المشفوع فيه؛ فهو تخفيف العذاب أو إنهاء العذاب.

إذن: فالمشفوع فيه أمر مشترك، والمشفوع عنده أمر مشترك، أما الأمر في الشافع، والأمر في المشفوع له، فهما مختلفان. وأنت - على سبيل المثال، لا تأتي بإنسان يسير في الطريق وترسله ليشفع لك (مثلاً) عند المحافظ أو عند الوزير؛ إن كانت لك حاجة عند أي منهما، بل تأتي بإنسان تعلم رضا المحافظ عنه أو رضا الوزير عنه، وله منزلة ومكانة، وهذه المنزلة والمكانة تسمحان له بالإذن في أن يكلِّم المحافظ أو الوزير في أمور الناس.

وإذا كان هذا هو الحال في الشفاعة من البشر لدى البشر، فما بالنا

ص: 5707

بالشفاعة للإنسان لدى الله؟ لذلك بيَّن الحق هنا أن الشفيع لا بد أن يكون بإذن منه سبحانه {مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]

وفي سورة البقرة يقول سبحانه:

{مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ

} [يونس: 3]

وفي آية أخرى يقول سبحانه: {يَوْمَئِذٍ لَاّ تَنفَعُ الشفاعة إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109]

إذن: فالشفيع لا بد له من إذن ورضاً من الله.

أما المشفوع له فقد قال الحق: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارتضى

} [الأنبياء: 28]

هكذا بيَّن لنا الحق عناصر الشفاعة: الشافع، والمشفوع له، والمشفوع عنده وهو الله سبحانه، والمشفوع فيه هو الذنوب وهي معروفة.

ولقائل أن يتساءل: ما دام الحق سبحانه قد رضي عن عبد، فلماذا يحتاج العبد إلى الشفاعة؟

وأقول: لننتبه إلى أن الإنسان يتعرض لأعمال كثيرة، وله نقاط ضعف في حياته؛ قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، فإذا جاء في نقطة الضعف وأذنب ذنباً، فعليه أن يزيد من فعل النقاط القوية التي تُكتب له بها الحسنات؛ لأن المعيار هو:{إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} [هود: 114]

ص: 5708

فالعبد حين يزيد من الحسنات فالحق سبحانه قد يمحو السيئات، وليعلم كل إنسان أنه إن اختلس من الله حكماً فهو لن يستطيع أن يهرب من العقاب، وعليه أن يزيد من الحسنات، ويرجو المغفرة من الله؛ وقبول التكفير بالحسنات عن السيئات، ولن يُفلت أحد من ملكوت الله.

وهَبْ أن إنساناً فيه نقطة ضعف، وأذنب ذنباً، وعنده نقطة قوة يطيع فيها الله بسهولة ويُسْر، هذا الإنسان له أن يعلم أن الله يحبه لأجل نقطة قوته هذه، وقد ي رحمه الله سبحانه فيما أذنب من الذنوب، ويجعل المأذون له في الشفاعة يشفع له عنده سبحانه.

فلماذا أراد الحق ذلك؟

شاء الحق ذلك حتى لا يُحرَمُ العالم من الحسنات التي يجيدها ذلك الإنسان. ويحكي لنا الحديث النبوي الشريف عن الرجل الذي لقي كلباً يلهث من العطش، ولم يجد الرجل إناء يملأه ماء من البئر ليسقي الكلب، فنزل البئر وملأ خفه، وعاد إلى الكلب ليسقيه. وبطبيعة الحال لم يكن هذا الرجل لينافق الكلب، بل منتهى الرحمة بهذا الحيوان، كذات خلقها الله؛ لذلك غفر الحق سبحانه لهذا الرجل.

وهكذا نفهم أن الحق يغفر ويمحو السيئات. وقد جعل الحق سبحانه الشفاعة لرسول الله تكريماً له صلى الله عليه وسلم َ، وكذلك في المأذون له في الشفاعة،

ص: 5709

حتى يعلم المسلم أن الرسول قد يشفع له، وأن المؤمن قد يشفع لأخيه، وأن الأب قد يشفع لابنه، وحين يعلم المسلم ذلك، فهو يحسن إلى كل هؤلاء؛ لعله يحصل على الشفاعة منهم، ويحسن اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم َ، ويحسن معاملة المؤمنين، ويحسن الابن معاملة والديه، وهكذا يعيش المجتمع في كرامة الشفاعة بعمل الخير وإخلاص النية.

وإذا رأيت إنساناً محسناً في دينه، فلا بد لك أن تحترمه؛ لأن إحسانه في دينه قد ينفعك أنت؛ ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة يقول:

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]

وكان الحق سبحانه قادراً أن ينزلها «إياك أعبد وإياك أستعين» ولكنه شاء أن تنزل على صورتها تلك؛ حتى يأذن سبحانه بقبول الصفقة من كل قائليها، فيتقبل من عباده أعمالهم بما يغفر لبعضهم الأشياء المعيبة.

ولذلك أقول: إن رأيت إنساناً مستغرقاً في العبادة فلا تسخر منه ولا تهزأ به؛ لأن حرصه على الطاعة وانشغاله بالعبادة قد تنفعك أنت.

وساعة تتلقى آمراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وتجده شاقّاً، فعليك أن تتذكر أنه المرجع الذي قد يشفع لك في الأمور التي لم تقدر عليها.

ص: 5710

ولا بد أن يرضى الحق عن المشفوع له؛ لأنه قد أجاد فعل حسنات. وإن كانت له سيئات، وقد رأى رجل سيدنا عمر في رؤيا، فسأل الرائي سيدنا عمر بن الخطاب: ماذا افعل الله بك يا ابن الخطاب؟ فقال سيدنا عمر: غفر الله لي. فسأل الرائي: بماذا؟ أجاب سيدنا عمر: لأني رأيت غلاماً يعبث بعصفور فاشتريته حتى لا أفجعه في عصفور يملكه، وأخذت العصفور وأطلقته.

واعترض أحد السامعين للرؤيا متسائلاً: ألم يفعل ابن الخطاب أعمالاً تؤهله لمغفرة الله إلا مسألة العصفور هذه؟ فقال له قائل: أحسن الفهم يا رجل؛ فمسألة إطلاق العصفور إنما تخص غفر الخطايا، وأما أعمال عمر بن الخطاب الجليلة فهي لرفع الدرجات.

وفي القرآن آيتان جاءتا بنص متقارب، فالحق يقول: {واتقوا يَوْماً لَاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ

} [البقرة: 48]

والآية الثانية تقول: {واتقوا يَوْماً لَاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ

} [البقرة: 123]

ومن حاولوا المقارنة بين الآيتين بغرض الطعن في القرآن، هم من الغرباء عن اللغة ولا يملكون ملكة البيان التي يمكن أن يستقبلوا الأساليب بها، ولو امتلكوا هذه الملكة لعلموا أن الصدر في الآيتين محتمل

ص: 5711

لوجهين، فهناك نفس جازية هي التي تتشفع ونفس مجزيٌّ عنها هي التي يُتشفع لها.

والضمير الذي يأتي في قوله الحق: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا} و {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} و {وَلَا تَنفَعُهَا} ، هذا الضمير يصح أن يرجع إلى النفس الشافعة، ويصح أن يرجع إلى النفس المشفوع لها. والإنسان منا إذا ما كان عليه شيء لإنسان آخر، وغير قادر على أن يستبرئ ذمته منه، فهو يلجأ إلى صديق لهذا الآخر، له مكانة عنده ليستشفع له. وفور أن يذهب صاحب المكانة إلى هذا الاخر فهو يقول له: هل تقبل شفاعتي لفلان؟ فإن قال صاحب الأمر: لن أقبل الشفاعة، فالمستشفع عنده يقول له: إذن: سأدفع العدل، أي: ما يساوي قيمة ما كنت سأتشفع له فيه.

وهكذا نجد أنفسنا أمام نفسين: شافعة، ومشفوع لها. والضمير يعود على أي من النفسين.

وهكذا نجد أن صدر كل آية من الآيتين اللتين يقال عنهما: إنهما متشابهتان، صدر كل منهما منسجم مع عجزها.

وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بعد أن أوجزت الآية فكرة عن خلق الله تعالى للكون، وأنه يشفع لمن شاء ويختار من يقدم له الشفاعة، فيقول:{ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3]

فسبحانه خلق الكون، واستتبَّت بيده مقاليد الأمور، وخلق الإنسان ليعمر هذا الكون، ونعلم أنه سبحانه قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو، وحين يشهد الحق لنفسه، فسبحانه على ثقة تامة بأن أوامره في كونه نافذة.

وقوله سبحانه: {ذلكم} أي: إشارة إلى ما تقدم من خلق السموات والأرض، والاستواء على العرش، وتدبير الأمر كله،

ص: 5712

ولا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، هذا هو الله ربكم، وما دام هو ربكم فاعبدوه؛ لأنه هو الذي خلق من عدم، وأمد من عُدْم، وله كل صفات الكمال المطلق.

وهذه العبادة لا تعود عليه سبحانه بأي فائدة، فسبحانه منزَّه عن فائدة تعود عليه؛ لأنكم إن عبدتموه فلن تزيدوا في ملكه شيئاً، وإن لم تعبدوه فلن تنقصوا من ملكه شيئاً. والعبادة يعود نفعها عليكم؛ لأنكم ستأخذون بها منهجاً يخرج كل الخلق عن أهوائهم، ويصير هوى الموجِّه واحداً، فلا تصطدم إرادة بإرادة، بل تتساند الإرادات؛ فيتكامل العالم.

إذن: فالعبادة توحِّد أهواء الخلق إلى مراد واحد، لا يأنف الإنسان منا أن يخضع له؛ لأن هذا ليس خضوعاً من بشر لبشر، بل خضوعاً من مخلوق لخالق، وبذلك تستقيم أموركم الاختيارية، كما استقامت أموركم غير الاختيارية.

وهكذا لا تنحصر العبادة في أركان الإسلام الخمسة فقط، بل تكون هذه الأركان الخمسة هي الدعائم التي تقوم عليها عمارة الإسلام، وكل الإسلام هو كل أمر لله وكل نهي له سبحانه؛ ولذلك حين نتابع تسلسل الأمور، سنجد أن أركان الإسلام الواجبة تعتمد على حركة الحياة كلها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ص: 5713

ويقول الحق في آخر الآية: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} والذهن أو المخ - كما نسميه - فيه ملكات متعددة مثل: ملكة التخيُّل، وملكة الحفْظ والاختزان، وكثير من الملكات الأخرى منها مَلكَةُ التذكُّر. ومعنى التذكُّر أن شيئاً سبق لك إلْفٌ به، فطرأ عليك ما أنساك، وحين تنسى أمراً يخصُّ أحد أقرانك، فهو يقول لك: تذكر يا أخي الأمر الفلاني، وهو لا يأتي لك بأمرٍ مجهول لم تعرفه أولاً، بل يأتي لك بأمر كان معلوماً لك، ولكنك نسيته.

والإنسان حين ينظر إلى الكون نظرة غير متحيزة لا بد أن يؤمن بأن لهذا الكون إلهاً، وهذا الأمر لا نأخذه من الفلاسفة، بل من رجل الشارع، وراعى الشاة؛ فقد جاء في الأثر أن راعياً كان يسير في الصحراء فرأى بَعْراً في الطريق، فقال: إذا كان البعر يدل على البعير، والسير يدل على المسير، أفلا يدل كل هذا الكون على وجود اللطيف الخبير؟!

والمثال من حياتنا اليومية: أن غسَّالة الملابس الكهربية - وهي لا تدل على شيء ضروري في الحياة، بدليل أن السابقين علينا كانوا يغسلون ملابسهم بدونها، فهي تمثل ترفاً، لا ضرورة - نجد الناس يعرفون من الذي ابتكرها، ومن أوصلها بالكهرباء ومَنْ صنع لها توقيتات دورات الغسيل، ومثلها مثل المصباح الكهربي ومَنْ صنع لها توقيتات دورات الغسيل، ومثلها مثل المصباح الكهربي الذي يفسد بعد عدد معيّن من الساعات، ونجد التلاميذ يدرسون تاريخ من صنعه، فهل يمكن أن ننسى من خلق الشمس التي تضيء الكون؟

ص: 5714

بل ونجد في زماننا العالم والكافر وهو يمدُّنا بأدلة الإيمان، فكل اختراع نجد مَنْ يسجله؛ حتى لا يسرقه غيره، فما بالنا بالشمس التي تضيء وتُدْفئ، والقمر الذي يحدد الشهور، والنجوم التي تدل الناس على الاتجاهات ولا شيء في كون الله يحتاج إل قطع غيار، ألا نعترف بمن خلق كل ذلك، ها هو ذا سبحانه يدلنا على مَنْ خلق ويبلغنا ما يسجل له ملكية ما خلق، فأنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم َ ليدلنا على أنه سبحانه الذي خلق، وأبقى الله الكافرين ليتحدى مَنْ يناقض قضية الخلق.

وسجل الحق سبحانه ما خلقه لنفسه، ولم يقدر أحد من الكافرين على إنكار ذلك.

ولن نأخذ الأدلة على وجود الله من الفلاسفة الذين يرتبون النتائج على المقدمات، ومطابقة قياس الشكل على الموضوع، بل سوف نأخذ الدليل من كلمة «الكفر» نفسها، هذه الكلمة (كفر) تعني:(ستر) ، فهل يُسْتَرُ إلا موجودٌ؟

إذن: فالكفر بالله دليل على وجود الله، وما دام الكفر سَتْراً، فالكفر أمر طارئ، نتيجة للغفلة، والغفلة إنما تأتي لأن مقتضيات الإيمان تقيد النفس في حركتها؛ لذلك قد يغفل الإنسان متناسياً أن قيود المنهج لا تطبق عليه وحده، بل تطبق على كل الناس.

فحين يُحرَّم الله السرقة، فهو لم يحرمها علىإنسان واحد، بل حرمها على كل إنسان، فقيَّد الآخرين ومنعهم من أن يسرقوا منك.

ص: 5715

وحين يأمرك بغضِّ بصرك عن محارم جارك، فهو يحمي محارمك أن ينظر إليها غيرك.

إذن: فالإيمان جاء بالنفعية لكل إنسان. وما دام الأمر كذلك، نجد الحق سبحانه يقول: {اذكروا

} [فاطر: 3]

وحين يجلس الإنسان بمفرده ولا تُحركه شهواته فهو يهتدي إلى الإيمان بأن هذا الكون لم يَأتِ صدفة.

واسم الخالق للكون لا يمكن أن يعرفه الإنسان بعقله؛ لأن التصورات تختلف من إنسان لآخر. وتجد الفلاسفة حين أقروا بأن هذا الكون لا بُدَّ له من خالق لم يتعرفوا على الاسم، بل أخطأ بعضهم التصور وظنوا أن من خلق الكون ترك النواميس لتعمل، وتناسوا أن الخالق لا يباشر سلطانه في الكون مرة واحدة.

لذلك جاء الرسل بالمعجزات التي تخرق النواميس؛ ليدلنا سبحانه على أنه هو الذي خلق، وله قيومية على ما خلق، فليست المسألة مسألة نواميس تعمل بذاتها، بل شاء سبحانه أن يدلنا على عدم الآلية في الكون.

ونحن نعلم أن الآلية التي يصممها البشر في بعض المعدات تتسبب في إحداث جمود، فالعقل الإلكتروني ليست له قيومية على المعلومات المختزنة فيه، فلا يستطيع أن يخفي منها شيئاً إذا طلبت منه.

أما عقل الإنسان فله سيطرة على معلوماته ويستطيع أن يخفي ما شاء منها، ولذلك قال الحق سبحانه:

ص: 5716

{وَلَا تَلْبِسُواْ الحق بالباطل وَتَكْتُمُواْ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]

فما دام قيل للإنسان: لا تكتم الحق. إذن: فله قدرة على الإخفاء.

والوردة الطبيعية - على سبيل المثال - حيويتها في ذبولها على عكس الوردة الصناعية التي تظل على جمودها ليس فيها حياة.

والحق حين يقول: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ

} [المؤمنون: 80]

أو {أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

} [السجدة: 4]

فهو يحرّض الإنسان على أن يتذكر، ويتفكر، ويعتبر. ولو كان القرآن يريد أن يخدع الإنسان، لما أثار انتباهه إلى ضرورة التذكر والتفكر والتدبر والاعتبار.

وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى: هب أنك ذهبت إلى محل للصوف لتشتري قماشاً متميزاً، فتجد البائع يفرد أمامك القماش، ويشده بيديه ليبين لك متانته، ثم يأخذ منه خيطاً ويحرقه ليبين لك أنه صوف خالص نقي، إن هذا البائع يحاول أن يشرح لك خبايا صناعة الصوف؛ لأنه واثق من جودة ما يبيع.

هذا ما يحدث فيما بين البشر، فما بالنا حين يعرض خالق الكون على مخلوقاته أسرار الكون ويدعوهم عبر منهجه إلى التذكُّر والتعقُّل والتفكُّر والتدبُّر والاعتبار.

والحق سبحانه يطلب منا ذلك ثقة منه في أن الإنسان منا، إن فعل ذلك؛ فسيصل إلى مراد الحق من الخلق.

ص: 5717

وإياكم أن تظنوا أن الله خَلَق لكم، ثم خلق لكم، ثم أنزل لكم المنهج ليسعد حياتكم في الدنيا والآخرة، ثم اعتزلكم. لا، بل هو قيُّوم حياتكم ولا تأخذه سنةٌ ولا نوم، ولا يفلت منه شيء، ولا أحد بقادر علىأن يختلس منه شيئا.

وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم. وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِم جعلتموني أهون الناظرين إليكم» .

وأنت في الحياة اليومية تعرف أن أحداً لا يقترب من إنسان قوي منتبه.

ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله

}

ص: 5718

وحين يقول سبحانه: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فهذا إعلام لكل الخلق أن كل الأمور معلومة له سبحانه، فقد أنزل التكليف الذي قد يُطاع؛ وقد يُعصى. فمن أطاع يفرح بقوله سبحانه:{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} ، ومن عصى يحزن؛ لأنه سيلقى عقاب العصاة حين يرجع إلى الله.

ص: 5718

ونجد القرآن يقول مرة: «يُرْجَعُون» ومرة يقول: «يَرْجِعون» ، فمن عمل صالحاً؛ فهو يفرح بالرجوع إلى الله، ومن عصى وكفر؛ فهو يحزن ويخاف ويتردد ويحاول ألا يرجع، لكنه يُرجَع رغم أنفه، والحق سبحانه يقول:{يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13]

وقوله سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً

} [يونس: 4]

وسُمِّي هذا المرجع في نفس الآية: {وَعْدَ الله حَقّاً

} [يونس: 4]

ولقائل أن يقول: ولكن الوعد يطلق على الأمر الذي سيأتي بخير، فإن كان المرجع للطائع فهذا هو الخير، ولكن العاصي لن يرى في الرجوع خيراً، فلماذا لم يقل الله: إن المرجع للعاصي وعيد؟

وأقول: إن الحق سبحانه إنما ينبه الإنسان لما ينتظره في المستقبل، ويعظه، وترك له الاختيار، وهذا تقديم للخير، وهكذا تصبح المسألة كلها وعْداً. والصيغة التي يتقدم فيها المجرور رغم أن من حقه التأخير، فهي تعني تفرُّد المرجع، فكلنا نرجع إليه سبحانه، مثل قوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ

} [الفاتحة: 5]

إذن: فالطائع يفرح بجزاء الله له، وعلى العاصي أن يراجع نفسه قبل

ص: 5719

أن يرجع إلى الله. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت تنبه التلاميذ إلى أن يذاكر طوال العام، فالذي يذاكر فعلاً، يفرح بالامتحان؛ لأنه سوف ينجح فيه، والذي لا يذاكر قد يراجع نفسه ويقبل على المذاكرة خوفاً من الرسوب، والتذكير لون من ألوان الإنذار؛ ليتهيب الموقف ويرتدع، وهكذا يصير التذكير وعداً لا وعيداً.

ويضيف الحق سبحانه لوصف وعده بأنه حق، فيقول:{وَعْدَ الله حَقّاً} ولقائل أن يقول: أليس كل وعد من الله حقّاً؟ ونقول: نعم. كل وعد من الله هو حق، وشاء الحق سبحانه هنا أن يَصِفَ وعده بأنه حق ليذكرنا بان الحق هو الشيء الثابت؛ فإن خُيِّل إليك في بعض الأوقات أن الباطل هو السائد والسيد، فلتعلم أن الباطل لا ثبات له ولا سيادة.

وسبحانه يقول: {أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} [الرعد: 17]

فحين ينزل المطر نجد كل وادٍ يأخذ من الماء على قَدْر حاجته، وساعة ينزل المطر ويتجمع، نجد القشّ يطفو ومعه الحشائش والأشياء التي لا فائدة منها؛ لأن الماء في لحظة النزول إنما يُنظف المكان الذي ينزل عليه؛ لذلك تطفو الأشياء الخفيفة وغير المفيدة.

ص: 5720

كذلك الباطل إنما يطفو على السطح لكنه لا يفيد ولا يزعزع الحق الذي يستقر وينفع الأرض والناس، وطفو الباطل إنما هو تنبيه لجنود الحق، والباطل مَثَلُه مَثَلُ الألم الذي ينبه للمرض، وأخطر الأمراض هو الذي لا ألم فيه، فيستفحل إلى الدرجة التي يصبح علاجه صعباً ومستحيلاً.

إذن: فالألم كالباطل ينبه جنود الحق؛ ولذلك أنت تلحظ أنه إذا ما أهيج الإسلام من أي عدو، تجد الحماسة وقد دبَّتْ في الناس جميعاً، حركة وتعاوناً، ونسياناً للأحقاد؛ للدفاع عن الإسلام.

وفي الأمراض التي تنتقل ببعض الفيروسات، نجد الأطباء وهم يُطَعِّمون الناس من نفس ميكروبات أو فيروسات المرض بجرعات ضعيفة لتستثير مقاومة الجسم، إذن: فالباطل جندي من جنود الحق، كما أن الألم جندي من جنود العافية.

وإذا كان الحق هو القائل: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فلا بد أنه الوعد الحق؛ لأنه سبحانه يملك ما يعد به، وسبحانه منزه عن الكذب وعن الخديعة؛ لأنه القائل:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً} [النساء: 122]

ولأنه أقوى مما خلق؛ وممَّنْ خلق. ولا تخونه إمكاناته؛ لأنه يملك الكون كله.

وكلمة «الرجوع» في قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} تفيد أن تكون

ص: 5721

على شيء ثم تفارق هذا الشيء وبعد ذلك ترجع له، فهي وجود أولاً، ثم خروج عن الوجود، ثم عودة إلى الوجود الأول. فإذا كانت في مكان، ثم ذهبت إلى مكان آخر، وترجع إلى المكان الأول، فهذا هو الرجوع.

والقول هنا يفيد أننا سنموت جميعاً، مصداقاً لقوله الحق:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26 - 27]

وقد قال الكافرون ما ذكره القرآن: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] .

كأنهم قد استبعدوا فكرة البعث، وقالوا أيضاً: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ

} [السجدة: 10]

أي: أنهم تساءلوا: هل بعد الموت والدفن وتحلُّل الجثمان إلى عناصر تمتزج بعناصر الأرض، أبعد كل ذلك بعث ونشور؟

وجاء هنا قوله سبحانه: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} ليفيد أن الخروج إلى الوجود بالميلاد إلى الحياة، ثم بعد ذلك خروج على

ص: 5722

الحياة إلى مقابلها وهو الموت، ومن بعد ذلك البعث.

وقد وقف الكافرون عند هذه النقطة واستبعدوها، فأراد الله أن يبيّن لنا هذه المسألة؛ لأنها تتمة التمسك بالمنهج، وكأنه يقول لنا: إياكم أن تظنوا أنكم أخذتم الحياة، وأفلتم بها وتمتعتم، ثم ينتهي الأمر؟ لا، إن هناك بعثاً وحساباً. لذلك قال:{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً} [يونس: 4]

فإن قال قائل: كيف يكون ذلك. يأتي القول الحق: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} فالذي قدر على أن يخلق من عدم؛ أيعجز أن يعيد من موجود؟ إنه الحق القائل:

{وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9]

فإذا شاء أن يعيدكم فلا تتساءلوا كيف؟ لأن ذراتكم موجودة، والحق سبحانه يقول:{أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15]

هكذا يستدل الحق سبحانه بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني، فإن كنتم تتعجبون من أنكم تعودون بعد أن أوجد الحق أجزاءكم وذراتكم ومواصفاتكم؛ فانظروا إلى الخلق الأول؛ فقد خلقكم من لا شيء؛ أفيعجز أن يعيدكم من شيء؟ {أَفَعَيِينَا بالخلق الأول} .

ص: 5723

وجاء الفلاسفة وأقاموا ضجة، فجاء الحق سبحانه وتعالى من الكون بالأدلة، وقال: {وَتَرَى الأرض هَامِدَةً

} [الحج: 5]

أي: أرضاً ميتة وليس فيها أي حياة. {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]

إذن: فلا عجب أن تصدر حياة عن موت، وأنتم ترون ذلك كل ساعة. والحياة التي تراها أمامك ليست إلا دورة؛ لأن الله حين خلق الكون، خلق عناصره، ولا زيادة على هذه العناصر.

وخذ مادة واحدة وهي المياه، فمنذ أن خلق الحق سبحانه المياه لم تزد ولم تنقص، ويشرب منها الإنسان والحيوان، ولو أخذ كل واحد في حياته أيّ قدر من المياه، تظل المياه كما هي؛ لأن هذا الإنسان يفرز ما شربه على هيئة عرق وإفرازات مختلفة، وكل ذلك يخرج منه، ويبقى ما يمثل وزنه.

إذن: فما أخذته من المياه إنما يخرج منك مختلطاً بأشياء نتيجة التفاعل الذي يعطيك طاقة الحياة، وبعد ذلك يتبخر الماء، وعملية التبخير هي

ص: 5724

تقطير للماء، فأنت إذا أردت تقطير المياه تسخنها إلى درجة الغليان فتتحول بعد ذلك إلى بخار، ثم تكثفها لتعود مياهاً من جديد.

إذن: فالماء له دورة، نروي منه الزرع؛ فيأخذ المائية ويصير أخضر اللون، ويخرج منه الماء الزائد عن حاجته في عملية النتح، ثم يجف، بعد أن تخرج منه المياه بالتبخر، وكل ذلك دون أن يشعر أحد بحكاية التبخير هذه.

وأنت حين تُحضِّر كوباً من الماء المقطر في الصيدلية، تتكلف كثيراً، وتحتاج موقداً وإناءً وأنابيب، ثم إلى مياه أخرى باردة لتكثف البخار، ولكن هذه مسألة تحدث في الكون ملايين المرات، ولا يدري بها أحد.

وبعد أن تتبخر المياه تصير سحاباً، ثم ينهمر المطر وهو مياه مقطّرة. ولذلك تجد أن مساحة رقعة الماء ثلاثة أرباع الأرض لتخدم الربع الباقي (اليابسة) ؛ لأن الله يريد اتساع سطح الأرض، وهذا الاتساع هو الذي يساعد على التقطير والتبخير والتكثيف.

مثلما تجيء أنت بكوب ماء، وتضعه في حجرة، ثم تغيب شهراً عن الحجرة، فعند عودتك إيها قد تجد الكوب نقص ما مقداره نصف سنتيمتر تقريباً، لكنك إن أخذت كوب الماء نفسه وألقيت ما فيه من ماء ليسيح على أرض الغرفة، فستجد أن الأرض جفت خلال ساعات قليلة، وهكذا نجد ان اتساع الرقعة إنما يساعد على سرعة البخر.

ص: 5725

إذن: الكمية التي خلقها الله من المياه كما هي، لم تَزدْ ولم تنقص، تدور الدورة التي شاءها الحق، وهكذا نرى أن الشيء يعود إلى أصله مرة أخرى، ويمكن أن نرى ذلك في كل أوجه الحياة، والحق سبحانه يقول:{والذاريات ذَرْواً فالحاملات وِقْراً فالجاريات يُسْراً فالمقسمات أَمْراً إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} [الذاريات: 1 - 5]

يقسم الحق سبحانه هنا بالرياح التي تحمل السحاب، وتمطر كل سحابة على الموقع المحدَّد لها بأمر من الله، ويلفتنا الحق سبحانه هنا إلى دورة الماء، الذي هو قوام الحياة، بان الوعد منه سبحانه يتحقق حتماً.

تأمّل الوردة، تجد لها نعومة ونضارة؛ لأن فيها شيئاً كثيراً من المائية، ولها لون جميل ورائحة ذكية تفوح، فإذا قطفتها تتساقط أوراقها وتجف؛ لأن ما فيها من المائية يتبخر؛ فما أخذته الوردة من الماء عاد إلى مخزنه مرة أخرى، وكذلك الرائحة تظل في أرواقها الذابلة إلى أن تنتهي، وكذلك اللون، ثم تخرج وردة جديدة.

إذن: حياة كل كائن في الوجود والعالم في حركته ناشئة عن هذه الدورة، فإذا كانت مائية حياتكم تدور؛ أتستبعد أن تدور أنت بمكنوناتك؟ هَبْ أن إنساناً وُجد ومات؛ بخروج الروح من الجسد ويُواري الجثمان ويتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل مواد الجثمان مع عناصر الأرض

ص: 5726

لتصير تراباً، فهل يعجز الحق أن يعيد إلى الوجود أبعاض هذا الإنسان؟ طبعاً لا يمكن أن يعجز.

الحياة - إذن - احتكاك هذه الدورات لتلك العناصر، فلم يزد شيء عليها، ولم ينقص منها شيء.

واقرأ القرآن بتبصر تجد قوله الحق: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4]

وهكذا يبيِّن لنا الحق أن العناصر كلها موجودة في الكون، قد تزيد في مخلوق عن الآخر، لكن المجموع الكلي لكل العناصر ثابت، وإذا كان العلم قد توصل إلى أن هناك ستة عشر عنصراً تكوِّن الكائنات، فهذه العناصر ثابتة الكمية، وإن اكتشفوا زيادة في عددها، فالزيادة في عدد العناصر ستكون أيضاً ثابتة الكَمِّ لكل عنصر.

وقال العلماء: إن الستة عشر عنصراً هي: الأوكسوجين، والكربون، والهيدروجين، والنتروجين، والمغنيسيوم، والبوتاسيوم، والصوديوم، وغيرها.

كل هذه العناصر تعود إلى أصلها بعد أن تموت الكائنات وتتحلل.

هكذا يصدق قول الحق: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4]

وقد حاول بعض الفلاسفة أن يعترضوا اعتراضاً ثانياً وقالوا: هي أن إنساناً مات، ثم تحللت عناصره في الأرض. ألا تذهب عناصره إلى

ص: 5727

كائنات أخرى، مثل شجرة أنتجت ثمرة أو غير ذلك، ثم أكلها إنسان آخر، فدخلت في أجزائه، إذن: فمن مات ونشأت على أنقاضه ثمرة، أو غير ذلك، ودخلت المكونات في إنسان آخر، فكيف يبعث الله كلَّ إنسان من جديد؟

ونقول: أنت عرفت شيئاً، وغابت عنك أشياء.

انظر مثلاً إلى السِّمنة والنحافة كظاهرة موجودة في الناس وتراها كل يوم، ومعنى السمنة أن كمية من مادة معينة تزيد في الإنسان السمين أكثر من مادة الإنسان الآخر النحيف. وقد يطرأ على السمين ما يجعله نحيفاً أو العكس.

فهل هذا يغيِّر من شخصيته؟ طبعاً لا، وهكذا نجد فارقاً بين المشخصات وبين تكوين المشخصات من العناصر.

وما دام الحق سبحانه قد أعلمنا أنه لا شيء ينقص من الأرض إلا بمقدار مكونات الكائنات الموجودة عليها، فالعناصر التي في الأرض تكفي كل الكائنات، ويوزعها سبحانه بالنسب اللازمة، وأنت إن جمعت هذه العناصر فستجدها ثابتة الكم وإن اختلفت في كيفية تكوين الكائنات.

مثال ذلك: أنك تجد إنساناً وزنه مائة كيلو جرام، ويمرض؛ فيهزل وينقص وزنه إلى سبعين كيلو جراما، ومعنى ذلك أن الثلاثين كيلو جراما الأخرى ذهبت إلى الأرض، فلكل جسم قاعدة يقف عندها الوزن إلى سن معينة، وتُعتبر هذه هي القاعدة التي يزيد فوقها الوزن، أو يقل عنها حسب ظروف التغذية والصحة.

وأنت ترى الطفل يفرز أقل مما يتناول من الغذاء؛ حتى ينمو، ولو كان يُخرج إفرازات تساوي - في الكمية - ما يأكل ويشرب لَمَا كبر. ومن بعد ذلك يكبر إلى أن يصل إلى وزن ثابت تقريباً، فتخرج منه إفرازات تساوي

ص: 5728

ما يدخل إليه، ثم تأتي الشيخوخة فيخف الوزن، وهذا يعني أن ما يخرج منه أكثر مما يدخل إليه؛ فتنشأ النحافة.

وهَبْ أن طبيباً حاذقاً استطاع أن يعلم الداء الذي يسبب إصابة مريض ما بالهزال، وأعطاه من الدواء ما جعله يسترد عافيته، ومعها ما فُقد من الوزن، وتتحسن تغذية هذا المريض أثناء فترة العلاج، فهل تتغير شخصية هذا المريض؟ طبعاً لا؛ لأن ما خرج منه أثناء الهزال ذهب إلى الأرض، ثم استرد مثله من الأغذية أثناء الشفاء.

إذن: فلا تقل: إن هناك شيئاً نقص، فعند الله كتاب حفيظ فيه مكونات كل الكون، ويأتي بعناصر معينة، ويأمرها ب «كن» فتكون إنساناً، أو تكون كائناً آخر حسب مشيئة الله سبحانه.

وإذا كنا نتحدث الآن كيميائياً فنحن نتكلم بذلك؛ ليثبت عقديّياً وعقليّاً؛ لأننا آمنا بأن هناك منهجاً من المكلِّف، والمنهج عُرْضة لأن يطاع أو يعصى، ومَنْ يُطع الله في المنهج، فهو يحدد حريته، والذي لم يُطع الله واستسلم للضياع فهو الخاسر؛ لأن منطق العقل يؤكد أن من يأخذ المنهج ويلتزم به ويكبح شهواته؛ لا يمكن أن يستوي مع من

ص: 5729

عبث، ولا بد أن يفترض منطق العقل أن يوجد بعث يجازي بالطيبات مَنْ سار على المنهج، ويعاقب مَنْ خرج على المنهج.

وما دام قد وجد إله، ووجد بلاغ عن الله بواسطة الرسل، ووجد تكليف ب «افعل» و «لا تفعل» ، ووجدت طاعة للتكليف، ومعصية للتكليف، إذن: لا بد بعد هذه الحياة من بعث، ويأخذ من أحسَنَ جزاءه، وينال مَنْ أساء عقابه؛ ولذلك قال الحق:

{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط.

. .} [يونس: 4]

جاء هذا القول مطمئناً الملتزمين بالمنهج بأن هناك بعثاً وحساباً؛ لأن المؤمن المطيع لا بد أن ينال حسن الثواب، وأن ينال العاصي الشرير الذي شقيت الدنيا كلها بعصيانه العقاب، ولذلك لا بد من الإعادة؛ ليجزي الله كل واحد بعمله بالقسط. والقسط - كما أوضحنا من قبل - معناه العدل، والمادة هي القاف والسين والطاء. ننطقها مرة «القسط» بكسر القاف. وننطقها مرة أخرى «القسط» بفتح القاف والقسط «بالكسر» هو العدل؛ والقسط «بالفتح» هو الظلم، ولذلك نجد قوله الحق:

ص: 5730

{وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن: 15]

والمقصود بالقاسطين: الجائرون على حقوق غيرهم.

ونجد قوله الحق: {وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} [المائدة: 42]

والمقْسِطون: هم العادلون بين الناس.

إذن: فهناك «قِسْط» و «قَسْط» ، وهناك شيء اسمه «قَسَط» بالفتحتين وهو الانحراف في الرِّجلين. إلا أن المستعمل في كلمة «قِسْط» هنا مقصود به العدل، واسم الفاعل منها «قاسط» واستعملت في الجوْر. وهي مأخوذة من القَسْط لا من القِسْط، وتجد من أسماء الله «المُقْسِط» ، ولم يصف نفسه بالقاسط بمعنى العادل، أي: ابتدأ بالعدل أولاً، وشاء سبحانه فوصف نفسه بالمُقْسِط، لأنه هو الذي يرفع الجور فيحقق العدل.

وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه: {لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط} أي: جزاء منه بالعدل، وأيضاً يمكن أن نقول: إنه سبحانه يجزيهم؛ لأنهم عدلوا في العقيدة؛ لأن القرآن الحكيم - كما نعلم - جاء حاكماً وفيصلاً بين قضايا العقائد وقضايا الاختيار في الأفعال

ص: 5731

وقضايا الأخلاق، وهؤلاء قد أخذوا المنهج بدون ظلم لله فلك يشركوا به أحداً، والحق سبحانه هو القائل:{إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]

إذن: فهم بعدلهم وبقسطهم في أمر العقيدة وأنهم لم يرتكبوا إثم الشرك الذي هو ظلم عظيم؛ وبذلك لم يظلموا أنفسهم أيضاً، ولم يأخذ واحد منهم لنفسه متعة عاجلة؛ لذلك أنقذهم الله من الشقاء الأبدي الطويل، وهم لم يظلموا الناس. ولكل ما تقدم لا بد أن يجزيهم الله على العمل الصالح بسبب عدلهم وقسطهم.

وقد يقال: إن الجزاء بالقسط لا زيادة فيه ولا نقصان، فإذا كان الجزاء من الله، فالعدل على مقتضى التشريع أن تكون الحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف سبحانه لمن شاء، هذا هو عدل الله بالتشريع. أو أن الجزاء يُعطى بلا زيادة ولا نقصان جزاء العدل، ولكن ذلك لم يحدد الفضل في هذه الآية.

ولذلك حدث إشكال بين علماء الكلام في قول الله سبحانه:

ص: 5732

{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سعى} [النجم: 39]

فقال بعضهم: إذا كان الإنسان لا يأخذ إلا جزاء ما سعى، فكيف يُجزى جزاء على الحسنة بعشر أمثالها؟ وكذلك ماذا عن صلاة الجنازة؟ وهل ينتفع بها الميت حين ندعو له بالمغفرة؟ وإن كان الإنسان لا يأخذ إلا ما سعى فلن ينتفع بها الميت، فلماذا كلفنا الحق سبحانه بصلاة الجنازة كفرض كفاية، لا فرض عين؟

ونقول: إن وجود اللام في قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ} يفيد الملْك، أي: الحق، والآية تعطي الحق ولكنها لم تمنع الفضل، أو نقول: هل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المؤمن، والإيمان من عمله، وهو يُجَازي بصلاتنا عليه، أي: جزاء عمله.

ويقول سبحانه: {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} وهكذا نعرف أن العذاب الأليم قد جاء لهم بسبب الكفر، مثلما يجيء الجزاء على الأعمال الصالحة للمقابل لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح.

إذن: فالقسط هنا تعود على قسط الله، وهو العدل، وكذلك قسطهم هم؛ لأنهم حكموا في الربوبية بالعدل. أما الكافرون، فالعدل معهم أن

ص: 5733

يذيقهم الله شراباً من حميم بما كانوا يكفرون، وهذا ما يرجح أن القسط هنا هو قسطهم هم.

وكلمة {حَمِيمٍ} مأخوذة من مادة «الحاء» و «الميم» و «الميم» وهي مادة كل موارد معانيها فيها الحرارة والسخونة.

والحق سبحانه يقول في آية أخرى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه

} [الكهف: 29]

و {كالمهل} أي: أنه يغلي، وحين تكون المادة من غير الماء، فدرجة حرارتها أثناء الغليان تكون أعلى من درجة حرارة غليان الماء؛ فالنحاس مثلاً حين يغلي تكون درجته أعلى من درجة غليان الماء، وكذلك الحديد والذهب وغيرها، وسبحانه يقول:{إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم كالمهل يَغْلِي فِي البطون كَغَلْيِ الحميم} [الدخان: 43 - 46]

ص: 5734

إذن: فدرجة غليان المهل أعلى من درجة غليان الماء، والمادة كلها تفيد الحرارة.

وإن نظرنا إلى كلمة «حمّام» و «استحم» ، فهي تعني أن الماء حين ينزل على البدم يكون له ثلاث صور: الصورة الأولى مسح، والصورة الثانية غسل، والصورة الثالثة استحمام. والمسح أن تبل الشيء بالماء بدون أن يقطر منه شيء، والغسل أن تُسَيِّل الماء من الجسد المغسول، والاستحمام أيضاً فيه سيولة للماء. والغسل للتطهير، لكن الاستحمام للتنظيف، فإن أحدثت فأنت تقوم لتتوضأ. {فاغسلوا وُجُوهَكُمْ

} [المائدة: 6]

تنفيذاً لأمر الله وهو غسل التطهير، ويقوم مقامه التراب في حالة عدم وجود الماء وهو التيمم. أما إذا كانت المسألة تنظيفاً فهي تحتاج إلى الاستحمام؛ لأن مسام الإنسان لها إفرازات قد تكون دهنية، وبعد ذلك تطرأ عليها أتربة تسدها، وهذه المسام أبعاض من الإنسان وأبعاض من تراب طاهر جاء على الجسم، وهي لا تنسجه، فإن اغتسلت فيكفي أن تصب الماء على الجسم، ولو بقي بعض من ذرات التراب على البدن فهذا لا يمنع الطهارة، لكن حين يستحم الإنسان فهو يأتي بماء حار؛ ليذيب القذارة وينقّي المسام، وتخرج بعض الأتربة ومعها الخلايا الجلدية الميتة وكأنها خيوط رفيعة.

ص: 5735

إذن: هناك فرق بين الغَسْل وهو للتطهير؛ وبين الاستحمام الذي هو للنظافة. ونأخذ منه الحمام، إذن: مادة الحاء والميم والميم فيها الحرارة وفيها السخونة.

ويقول الحق هنا: {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} ، وكلمة {شَرَابٌ} تفيد الارتواء، فلماذا جاء بها الله هنا؟ إنها تصعيد للعذاب؛ لأن الإنسان يرغب في الشراب ليرطِّب جوفه، فإذا ألهبه ما يشرب، فهذا أكثر إيلاماً مثل قوله تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه بِئْسَ الشراب

} [الكهف: 29]

وحين تسمع هذه الآية تجد انبساط الأمل في صدر الآية {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ} وهم يستشرفون للنجاة، ثم يأتيهم غوث من لون يناسب ما اقترفوه من ذنوب {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل} .

إذن: ف {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي: بسبب كفرهم. وعرفنا أنهم كفروا بالقضايا العقدية.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:

ص: 5736

{هُوَ الذي جَعَلَ الشمس

}

ص: 5737

وبعد أن بيَّن الحق أنه خلق السماء والأرض وخلق الكون كله وسخره للإنسان جاء لنا بنعم من آياته التي خلقها لنا، والتي جعلها الله سبحانه وتعالى سبباً لقوام الحياة؛ فالشمس هي التي تُنضج لنا كل شيء في الوجود، وتعطي لكل كائن الإشعاع الخاص به، كما أن الشمس تبخر المياه - كما قلنا من قبل - لينزل الماء بعد ذلك عذباً فراتاً، يرتوي منه الإنسان وتشرب منه الأنعام ونروي به الزرع.

والشمس هي الأم لمجموعة من الكواكب التي تدور حولها، فدورة الأرض حول الشمس تمثل السنة، ودورة الأرض حول نفسها تمثل اليوم. فيقول الحق سبحانه هنا:

{هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً} ولو نظرت إلى المعنى

ص: 5737

السطحي في الشمس والقمر لقلت: إن الشمس تعطي نوراً وكذلك القمر، ولكن النظرة الأعمق تتطلب منك أن تفرِّق بين الاثنين؛ فالشمس تعطي ضياء، والقمر يعطي نوراً. والفرق بين الضياء والنور يتمثل في أن الضياء تصحبه الحرارة والدفء، والنور إنارة حليمة، ولذلك يسمى نور القمر النور الحليم؛ فلا تحتاج إلى الظل لتستظل من حرارته، لكن الشمس تحتاج إلى مظلة لتقيك حرارتها.

إذن: فالنور هو ضوء ليس فيه حرارة، والحرارة لا تنشأ إلا حين يكون الضوء ذاتيّاً من المضيء مثل الشمس. أما القمر فضوؤه غير ذاتي ويكتسب ضوءه من أشعة الشمس حين تنعكس عليه، فهو مثل المرآة حين تسلط عليها بعضاً من الضوء فهي تعكسه.

إذن: القمر مضيء بغيره، أما الشمس فهي تضيء بذاتها. لذلك قال الحق هنا:{جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً} .

وكلمة {ضِيَآءً} إما أن تعتبرها مفرداً مثل صام صياماً، وقام قياماً، وضاء ضياءً. وإما أن تعتبرها جمعاً، مثلها مثل حوض جمعه: حياض، ومثل روض جمعه رياض، وكذلك جمع ضوء هو ضياء.

إذن كلمة {ضِيَآءً} تصلح أن تكون جمعاً وتصلح أن تكون مفرداً، وحين يجيء اللفظ صالحاً للجمع وللإفراد، لا بد أن يكون له عند البليغ ملحظ؛ لأنه يحتمل هذه المعاني كلها، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشمس وقبل تحليله، كنا نقول: إنه ضوء، لكن بعد أن حللنا ضوء الشمس، وجدنا أن ألوان الطيف سبعة منها ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر، وغيرها.

ص: 5738

إذن: ف «ضياء» تعبر عن تعدد الألوان المخزونة في ضياء الشمس، فإن قلت: ضياء جمع ضوء، فهذا بتحليل الضوء إلى عناصره كلها، وإن قلت: ضياء مثل قيام، ومثل صيام، فهذا يصلح في المعنى العام.

ولذلك كان القرآن ينزل بما تحتمله العقول المعاصرة لتزوله التي لا تعرف المعاني العلمية للظواهر. ولو قال القرآن هذه الحقائق، لقال واحد: إنني أرى الشمس حمراء لحظة الغروب، وأراها صفراء لحظة الظهيرة، وهو لا يعلم أن الحمرة وقت الغروب هي حمرة في الرؤية لطول الأشعة الحمراء، وهي لا تظهر إلى حين الغروب حيث تكون الشمس في أبعد نقطة، فلا يصل إلينا إلا الضوء الأحمر، أما بقية الأضواء فهي تشع في الكون ولا تصل إلينا.

إذن: كلمة {ضِيَآءً} ، إما أن تعتبرها جمع ضوء، مثل سوط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض، وإما أن تعتبرها مفردة. هذه صالحة للمعنى لعام، وتلك صالحة للمعنى التحليلي؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى:{تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} [الفرقان: 61]

والسراج هو ما يعطي الضوء والحرارة، وهو وصف مناسب للشمس.

ص: 5739

وهنا يقول الحق: {هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} ، وكلمة {وَقَدَّرَهُ} تعود في ظاهر الأمر إلى القمر. لكن في الواقع أن الشمس لها منازل أيضاً، وقال الحق:{وَقَدَّرَهُ} لأن هناك شيئاً اسمه «الجعل» ، فهو سبحانه جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نوراً.

إذن: فالجَعْل جاء بأمرين اثنين؛ جعل للشمس ضياء وجعل للقمر نوراً، هذا الجعل نفسه جعله الله لنقدر به الزمن، فهو صالح للاثنين؛ للشمس وللقمر؛ لنعلم عدد السنين والحساب.

وفي العبادات نحتاج إلى تحديد بداية شهر رمضان؛ لنمارس عبادة الصوم، ونحتاج إلى تحديد أشهر الحج، وكذلك تحتاج المرأة مثلاً إلى حساب شهور العدة، وكل هذه التقديرات تخضع للهلال، فهو علامة واضحة للكل، فهو يبدأ صغيراً ويكبر ثم يصغر.

ص: 5740

{والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم} [يس: 39]

و «العرجون» هو ما نسميه «السباطة» التي تحمل «شماريخ» البلح، وكانوا يصنعون منها قديماً المكانس التي يكنسون بها بيوت البادية والريف، وهكذا أعطانا الله تشبيهاً من البيئة التي عاش فيها العربي القديم.

وفي أول شهر كلنا نرى الهلال كعلامة مخبرة عن ميلاد الشهر، وهكذا تعلَّم الإنسان أن يحسب الشهور بتقدير منازل القمر، وبالنسبة للسنة؛ فالحق سبحانه يقول: {إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض

} [التوبة: 36]

والتقدير هنا اثنا عشر شهراً هلاليّاً. أما اليوم فيقدر بالشمس؛ لذلك فهي تدخل في تقدير المنازل. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد شاء أن يجعل «الجعل» لأمرين؛ مجعول الشمس، ومجعول القمر، مصداقاً لقوله:{وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلَاّ بالحق} .

والحق - كما أوضحنا - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وحين نتأمل مسار الأفلاك، ومسار الشمس، ومسار القمر، لا نجد فيها خلافاً، بل نجد مراصد الكفار تعلن مواعيد تواجد القمر بين الأرض والشمس، وقد توجد الأرض بين القمر والشمس، ويتسبب هذا في ظاهرتي

ص: 5741

الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وكل هذه الأمور تجدها عندهم غاية في الدقة.

{وَلَا اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]

وهذا القول الحكيم قد أثبت للعرب حكماً يعتقدونه، ونفى حكماً آخر يعتقدونه، فالعرب كانت تعتقد أن الليل قبل النهار، بدليل أن تحديد الليلة الأولى في رمضان هو الميعاد الذي يبدأ فيه شهر الصوم، وما داموا قد حكموا بأن الليل هو الذي يسبق النهار، فلا بد من حكم مقابل؛ وهو أن النهار لا يسبق الليل.

وجاء القرآن إلى القضية المتفق عليها وتركها، وهي أن النهار لا يسبق الليل مثلما اعتقد العرب، ونفي القرآن أن يسبق الليل النهار. وكان المخاطب - إذن - يعتقد أن الليل يسبق النهار، ويصحح الله المفاهيم فلا الليل يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل.

وهكذا عرض الحق سبحانه للكونيات عرضاً رمزيّاً في القرآن؛ لأنه لو جاء بالتوضيح العلمي لذلك لكَذَّب العرب القرآن، فلو قال القرآن بصريح العبارة: إن الأرض كروية، لعارض الناس ذلك وقت نزول القرآن، وما زلنا نجد من يعارض تلك الحقيقة في أواخر القرن العشرين؛ لذلك لم يكشف الحق كل الحقائق الكونية، بل أشار إليها بما يحتمل قبول العربي البسيط لها.

وما دام لا يسبق النهار، والنهار لا يسبق الليل، فكيف جاء هذا الأمر - إذن؟

ونقول: هل خلق الله الشمسَ مواجهة لسطح الأرض أولاً، ثم الشمس فجاء الليل؟ كان الأمر يصح لو أن الأرض كانت مسطوحة،

ص: 5742

ولكن الحق سبحانه خلق الأرض كروية، وذلك دليل على أن الحق سبحانه خلق الشمس والأرض على هيئة يوجد فيها الليل والنهار معاً، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية، فالنصف المواجه للشمس يكون الوقت فيه نهاراً، وغير المواجه لها يكون الوقت فيه ليلاً، ثم تدور الأرض؛ فيأتي النهار إلى القسم الذي كان ليلاً، ويأتي الليل للقسم الذي كان نهاراً.

إذن: فالحق سبحانه حكى في القرآن الكريم عن الأمور الكونية - التي سوف تستكشفها العقول بعد نزول القرآن - وعالجها بحكمة ودقة، وعلى سبيل المثال نجد قوله الحق: {وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً

} [الفرقان: 62] .

ثم يأتي التعليل: {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62] .

فالليل خلْفة النهار، ومعنى خلفه أي: يخلف غيره. والمثال من حياتنا نجده في دوريات الحراسة، نجد إنساناً يحرس موقعاً ما - مدّة ست ساعات مثلاً - وبعد انتهاء فترة الحراسة يسلم المهمة لحارس ثان، وبذلك يخلف واحدٌ الآخر، لكن من الذي بدأ المهمة الأولى في الحراسة قبل أن يأتي إنسان ليتسلم منه دورية الحراسة؟

وكذلك الأمر في الليل والنهار، فبيّن الحق سبحانه أن الليل والنهار خلْفة، ومعنى ذلك أن كلا منهما كان موجوداً من البدء ولأن الأرض تدور جَاء النهار في البلاد التي تشرق فيها الشمس، وجاء الليل في البلاد التي تغيب عنها الشمس، وتتابع الليل والنهار. هكذا فَصَّل الحق سبحانه آياته

ص: 5743

لنا، وقال سبحانه:

{يُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ فِي اختلاف اليل

} .

ص: 5744

وهكذا بينّ الحق اختلاف الليل عن النهار مما يؤكد أنهما وجدا معاً، وعطف عليها {وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض} ؛ لأنه سبحانه خلق الكون بما فيه من مقومات حياة من مأكل ومشرب وهواء، وغير ذلك، ثم سخَّر الكون كله؛ لخدمة السيد وهو الإنسان.

ولو نظرتَ إلى مقومات الحياة لوجدت فيها احتياجات أساسية تتمثل في نفس هواء، وشراب ماء، وطعام؛ هذه أهم احتياجات الإنسان من مقومات الحياة. ويصبر الإنسان على المأكل أكثر مما يصبر على المشرب، ويصبر على المشرب أكثر مما يصبر على نَفَس الهواء، بل ولا يملك الإنسان الصبر على نَفَس الهواء مقدار شهيق وزفير.

لذلك شاء الحق أن يملك قومٌ طعام غيرهم، لأن الجسم يمكنه أن يصبر على الطعام لمدة قد تصل إلى الشهر ويعتمد في ذلك على إذابة الدهن المتراكم بداخله، عكس ما اخترع البشر من آلات، فالسيارة لا يمكن أن تسير لمتر واحد دون وقود، أما الجسم فيتحمل لعل مَنْ يملك الطعام

ص: 5744

يخفف من القيود، أو لعل الإنسان الجائع يجد طريقه لينال ما يقتات به.

أما الماء فقد شاء الحق أن يقلل من احتكار البشر له؛ لأن الإنسان أكثر احتياجاً للماء من الطعام.

أما الهواء فسبحانه وتعالى لم يُملِّك الهواء لأحد؛ لأن الهواء هو العنصر الأساسي للحياة؛ ولذلك اشتق منه لفظ النّفس، ونَفْس ونَفَس.

ولو نظرتَ إلى الهواء في الوجود كله لوجدته عامل صيانة لكل الوجود من ثبات الأرض، إلى ثبات المباني التي عليها، إلى ثبات الأبراج، إلى ثبات الجبال، كل ذلك بفعل الهواء؛ لأن تياراته التي تحيط بجوانب كل الأشياء هي التي تثّبتها، وإنْ تخلخل الهواء في أي ناحية حول تلك المباني والجبال فهي تنهدم على الفور.

إذن: الهواء هو الذي يحفظ التوازن في الكون كله. ولذلك قلنا: إنك لو استعرضتَ ألفاظ القرآن لوجدت أن الحق سبحانه حينما يتكلم عن تصريف الرياح، فهو سبحانه يتكلم بدقَّةِ خالقٍ، بدقة إله حكيمٍ، فهو يرسل من الرياح ما فيه الرحمة، مثل قوله الحق: {وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ

} [الحجر: 22] .

ص: 5745

لكن إذا جاء بذكر ريح ففي ذلك العقاب، مثل قوله:{بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] .

ومثل قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لَا يرى إِلَاّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي القوم المجرمين} [الأحقاف: 25] .

لأن الرياح تأتي من كل ناحية، فتوازن الكائنات، أما الريح فهي تأتي من ناحية واحدة فتدهم ما في طريقها.

وهنا يقول سبحانه:

{وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض} أي: أنه جاء بالمخلوقات الأخرى مجملة بعد أن جاء بذكر الشمس والقمر كآيتين منفصلتين، ثم ذكر السماوات والأرض وما فيهما من آيات أخرى: من رعد، وبرق، وسحاب، ونجوم وعناصر في الكون، كل ذلك مجمل في قوله:{وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض} ؛ لأنه لو أراد أن يفصِّل لَذَكَرَ كثيراً من الآيات والنعم، وهو القائل:

{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لَا تُحْصُوهَا

} [إبراهيم: 34] .

ص: 5746

والقرآن ليس كتاباً لبسط المسائل كلها، بل هو كتاب منهج، ومن العجيب أنه جاء ب «إن» وهي التي تفيد الشك في قوله:{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لَا تُحْصُوهَا} ؛ لأن أحداً مهما أوتي من العلم ليس بقادر أن يُحصي نعمَ الله في الكون؛ ولأن الإقبال على العَدّ فرض إمكان الحصر، ولا يوجد إمكان لذلك الحصر؛ لذلك لم يأت ب «إذا» ، بل جاء ب «إنْ» وهي في مقام الشك.

والأعجب من هذا أنك تجد أن العَدَّ يقتضي التكرار، ولم يقل الله سبحانه: وإن تعدوا نعم الله، بل جاء ب «نعمة» واحدة، وإذا استقصيتَ ما في النعمة لوجدتَ فيها آلاف النعم التي لا تُحصَى.

ويُنهي الحق الآية بقوله: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} ، والآيات تطلق ثلاث إطلاقات: الإطلاق الأول آيات القرآن، والإطلاق الثاني على المعجزة الدالة على صدق الرسول، والإطلاق الثالث للآية أنها تحمل عجيبة من عجائب الكون الواضحة في الوجود الدالة على عظمة الله سبحانه.

وهذه الآيات خلقها الله لتُلْفت إلى مُكَوِّن هذه الآيات، واللفتة إلى مُكوِّن هذه الآيات ضرورة لينشأ الإنسان في انسجام مع الكون الذي أنشيء

ص: 5747

من أجله، بحيث لا يأتي له بعد ذلك ما ينغّص هذا الانسجام، فهبْ أن إنساناً ارتاح في حياته الدنيا ثم استقبل الآخرة بشقاء وجحيم، فما الذي استفاده من ذلك؟

إذن: كل المسائل التي تنتهي إلى زوال لا يمكن أن تُعتبر نعمة دائمة؛ لأن النعمة تعني أن تتنعم بها تنعُّماً يعطيك يقيناً أنها لا تفارقك وأنت لا تفارقها، والدنيا في أطول أعمارها؛ إما أن تفوت النعمةُ فيها الإنسان، وإما أن يفوت هو النعمة.

والحق سبحانه وتعالى يبقى الذين يريدون أن يتقوا الله؛ ليصلوا إلى نعيم لا يفوت ولا يُفَات، ويجب أن ينظروا في آيات الكون؛ لأنهم حين ينظرون في آيات الكون بإمعان يكونون قد أفادو فائدتين: الفائدة الأولى أن يفيدوا مما خلق الله، والفائدة الثانية أن يعتبروا بأن هذا الكون الذي خلقه الله إنما جعله وسيلة ومَعْبراً إلى غيره، فقد خلق فيه الخلق ليعيش بالأسباب، لكنه يريد أن يُسْلمه بعد ذلك إلى حياة يعيش فيها بالمسبِّب وهو الله. فالذين يتقون هم الذين يلتفتون، والذين لا يتقون لا يعتبرون بالنظر في الكون وتمر على الإنسان منهم الأشياء فلا يعتبرون بها، كما قال الله:{وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] .

إذن: فهم لا يلتفتون إلى ما في آيات الحق من الآيات الدالة على عظمة قدرة الله سبحانه؛ فهم غير حريصين على أن يَقُوا أنفسهم عذاب الآخرة.

ويقول الحق بعد ذلك:

ص: 5748

{إِنَّ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا

} .

ص: 5749

والرجاء هو طلب شيء محبوب متوقع، والتمنى طلب شيء محبوب إلا أنه غير ممكن الحدوث، ولكن تعلن بتمنّيك أنه أمر تحبه، مثل من قال:

ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً

فأخبِرَهُ بما فَعَلَ المَشِيبُ

هو بهذا القول يبين أن الشباب أمر محبوب ومرغوب. لكن هل يتأتى هذا؟ طبعاً لا. إذن: التمني هو طلب شيء محبوب لا يمكن أن يقع؛ ومثل قول الشاعر:

ليتَ الكواكبَ تَدْنُو لي فَأْنْظِمَها

عُقُودَ مَدْحٍ فما أرضَي لكُم كَلِمِي

وهذا غير ممكن.

أما الرجاء فهو أن تطلب شيئاً محبوباً من الممكن أن يقع.

وهنا يقول الحق سبحانه: {إِنَّ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} ، فلماذا لا يرجون لقاء الله؟ لأن الذي يرجو لقاء الله هو من أعد نفسه لهذا اللقاء؛ ليستقبل ثواب الله، لكن الذي لم يفعل أشياء تؤهله إلى ثواب الله، وعمل أشياء تؤهله إلى عقاب الله؛ فكيف له أن يرجو لقاء الله؟ إنه لا يرجو ذلك.

وعلى سبيل المثال: إن الرجل الذي يستشهد ويقدم نفسه للشهادة، ونفسه هي أعز شيء عنده، إنما يفعل ذلك لوثوقه بأن ما يستقبله

ص: 5749

بالاستشهاد خير مما يتركه من الحياة.

إذن: فالذي يرجو لقاء الله هو الذي يُعدُّ نفسه لهذا اللقاء؛ بأن يتقي الله في أوامره، ويتقي الله في نواهيه؛ ولذلك تمر على الإنسان أحداث شَتّى؛ وهي في مقاييس اليقين بين أمرين اثنين: حسنات وسيئات، وكل واحد يعلم أية حسنات قد فعل، وأية سيئات قد اقترف، ولا يغشُّ أحد نفسه، فإذا ما كان حيّاً فقد يجعله الأمل يكذّب نفسه، ولا يرى إلا ما فات من المغريات.

أما إذا جاء لحظة الغرغرة في الموت، فهو يستعرض كل صفحته. فإن كانت حسنة استبشر وجهه، وإن كانت سيئة اكفهرَّ وجهه، ولذلك يقال:«فلان كانت خاتمته سيئة، وفلان كانت خاتمته متهللة» . وهذا كلام صحيح؛ لأن الروح ساعة أن تُقبض فهي تترك الجسم على ما هو عليه ساعة فراقها، فإن كان ضاحكاً ومستبشراً، فقد رأى بعضاً مما ينتظره من خير.

والإنسان وقت الغرغرة لا يكذب على نفسه، فهو ساعة يمرض بمرض فهو يأمل في العافية، فإذا أتى وقت انتهاء تُعْرَضُ عليه أعماله عَرْضاً سريعاً، فإن كانت الأعمال حسنة تنفرج أساريره؛ لأنه يستشرف ما سوف يلقاه من جزاء.

وهذا مثل التلميذ حين يكون مُجِدّاً ومجتهداً ثم يقولون له: هناك من جاء لك بالنتيجة؛ فيجري عليه مطمئناً. وإن كان غير مُجِدٍّ؛ لم يجب، ويخاف من لقاء مَنْ يحمل النتيجة.

كذلك الذين يرجون لقاء الله؛ عملوا استعداداً لهذا اللقاء وينتظرون

ص: 5750

الجزاء من الله، أما من لم يعملوا فهم يخافون من لقاء الله ولا يرجونه وسبب ذلك أنهم لم يعملوا للآخرة {وَرَضُواْ بالحياة الدنيا واطمأنوا بِهَا} وكأنهم قد اكتفوا بها ولم يرغبوا في الآخرة.

وقد سمى الله هذه الدار اسماً كان يجب بمجرد أن نسمعه ننصرف عنها، فقال:{بالحياة الدنيا} ولا يوجد اسم أقل من ذلك، والمقابل للحياة الدنيا هي الحياة العليا.

والإنسان قد يبحث في عُمْر الدنيا ويقول: إنها تستمر عشرة ملايين من السنين، أو مائة مليون سنة، وقد لا يلتفت إلى أن عمره هو موقوت في هذه الدنيا.

إذن: فالدنيا بالنسبة لك هي مقدار عمرك فيها، لا مقدار عمرها الحقيقي إلى أن تقوم الساعة، وماذا تستفيد منها وهي تطول لغيرك؟ إن عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هو مقدار مُكْث الإنسان فيها، وهو مظنون وغير متيقن، وقد يمت وهو في بطن أمه أو يموت وهو ابن شهر، أو ابن سنة، أو بعد أن يبلغ المائة. فالذي يرضي بغير المتيقن قصير النظر.

ولذلك انظر إلى القرآن وهو يقول: {أَرَضِيتُمْ بالحياوة الدنيا مِنَ الآخرة فَمَا مَتَاعُ الحياوة الدنيا فِي الآخرة إِلَاّ قَلِيلٌ} [التوبة: 38] .

ص: 5751

وحتى إن قسْت عُمْر الدنيا من بدء الخلق إلى أن تقوم الساعة، فه إلى فناء، وما دامت إلى فناء، فهي متاع قليل، ومن يطمئن إلى هذا المتاع القليل فهو غافل؛ لذلك يُنهي الحق الآية:{والذين هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} عكس ما قال في الذين يعرفونَ قيمة العمل للآخرة. حين يقول الحق: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6] .

والغفلة: هي ذهاب المعنى عن النفس، فما دام المعنى موجوداً في النفس، فاليقظة توجد، والغفلة تذهب. إذن: الغفلة ذهاب المعنى عن النفس، واليقظة هي استقرار المعنى في النفس.

ونحن نعرف أن المعلومات التي يستقبلها الذهن البشري إنما تلتقطها بؤرة الشعور، مثلما تلتقط آلة التصوير الفوتوغرافية أية صورة.

وإياك أن تظن أن الإنسان يعرف المعلومة من تكرارها مرتين مثلاً أو أكثر؛ لأن كل الأذهان تتفق في أنها تلتقط المعلومة من مرة واحدة، ويتميز إنسان عن آخر في قدرته على أن يستقبل المعلومة بذهن مستعد لها؛ لأن بورة الشعور لا تلتقط إلا معنى واحداً، ثم يتزحزح المعنى إلى حاشية الشعور؛ لتأتي المعلومة الثانية، فإن استقبلت المعلومة وفي بؤرة شعورك معنى آخر؛ لا تثبت المعلومة؛ لذلك تكرر القراءة مرة واثنتين وثلاث مرات، حتى تصادف المعلومة خُلُوَّ بؤرة الشعور.

ومثال هذا: الطالب حين يحاول حفظ قصيدة، فلو كان ذهنه مستعداً

ص: 5752

لاستقبال القصيدة فهو يحفظها من مرة واحدة.

لاستقبال القصيدة فهو يحفظها من مرة واحدة.

إذن: الذهن كآلة الغوتوغرافيا؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول: {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ

} [الأحزاب: 4] .

فإن كنت تريد أن تستقبل معلومة ما، فكُن حريصاً على أن تُفرِّغ ذهنك، من أي معلومة؛ لتأتي المعلومة الجديدة، فتصادف خلاء لبؤرة الشعور؛ فتستقر فيها.

والمدرس الناجح هو الذي يلفت أذهان كل التلاميذ لما يقول، وما دامت الأذهان قد التفتت إليه؛ فلن تمر كلمة دون أن يستوعبها التلاميذ، عكس المدرس غير الناجح الذي يؤدي عمله برتابة وركاكة تَصْرف عنه التلاميذ. ونجد المدرس الناجح، وهو يُلفت انتباه تلاميذه ويقطع الدرس؛ ليسأل أي واحد منهم عمَّا قال؛ فيستمع إليه التلاميذ من بعد ذلك بانتباه؛ لأن كل واحد منهم يتوقع أن يُسأل عن المعلومة التي قِيلتْ من قبل.

والتلميذ المجتهد هو الذي يقرأ الدرس بعقلية قادرة على مناقشة ما فيه من أساليب ومعلومات، وهو يستصحب حضور الذهن أثناء القراءة، أما التلميذ الفاشل فهو يقرأ دون يقظة أو انتباه.

مثال آخر: إن الفلاح الذي ينام على حافة بئر الساقية لا يقع في بئرها؛ لأنه ينام وهو مستصحب لفكرة أنه إن تقلَّب على جنبٍ ما فسوف يقع في

ص: 5753

البئر. وكذلك الإخوة حين ينام اثنان منهم على سرير واحد، يقوم كل واحد منهما في الصباح وهو مستصحب أن هناك آخر بجانبه، ولكن إذا نام كل منهما في سرير منفصل، فهو يستيقظ ليجد رأسه في ناحية وساقيه في ناحية أخرى، وتسمى هذه عملية الاستصحاب واليقظة، ويقال «فلان يقظ» ، وكلمة «يقظ» ضد «نائم» ؛ لأن اليقظان يحتفظ بالوعي والانتباه.

إذن: فالغفلة هي ذهاب المعنى من النفس وانطماسه، والذين يمرون بالآيات وهم غافلون عنها لن ينتفعوا بشيء من هذه الآيات، ثم تأتي لهم محصلة غفلتهم في الآخرة.

ويقول الحق سبحانه عنهم: {أولئك مَأْوَاهُمُ

} .

ص: 5754

وأنت تقول: «أويت إلى كذا» ، إذا كان هذا هو المكان الذي يعصمك من شيء، وهنا يقول الحق:{مَأْوَاهُمُ النار} فإذا كان ذلك هو المأوى، فلا بد أن ما خارجها بالنسبة لهم أشد عذاباً. وهم يأوون إلى النار {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: بسبب ما كانوا يعملون من ذنوب وسيئات.

ص: 5754

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ الذين آمَنُواْ

} .

ص: 5755

هنا يتحدث الحق سبحانه عن المقابل، وهم الذين آمنوا، ويعُلِّمنا أنه سبحانه:{يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} .

والهداية - كما قلنا من قبل - معناها الدلالة على الخير، بالمنهج الذي أرسله الحق سبحانه لنا، وبه بيَّن الحق السُّبُلَ أمام المؤمن والكافر، أما الذي يُقبل على الله بإيمان فيعطيه الحق سبحانه وتعالى هداية أخرى؛ بأن يخفف أعباء الطاعة على نفسه، ويزيده سبحانه هدى بالمعروف؛ لذلك قال سبحانه:{واستعينوا بالصبر والصلاوة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الخاشعين} [البقرة: 45] .

وهكذا يتلقى المؤمن مشقات الطاعة بحب؛ فيهونّها الحق سبحانه عليه ويجعله يدرك لذة هذه الطاعة؛ لتهون عليه مشقتها، ويمده سبحانه أيضاً بالمعونة.

يقول الحق سبحانه:

ص: 5755

{إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} .

وما داموا قد آمنوا؛ فسبحانه يُنزِل لهم الأحكام التي تفيدهم في حياتهم وتنفعهم في آخرتهم، أو أن الهداية لا تكون في الدنيا بل في الآخرة، فما دامو قد آمنوا، فهم قد أخذوا المنهج من الله سبحانه وتعالى وعملوا الأعمال الصالحة، يهديهم الحق سبحانه إلى طريق الجنة.

ولذلك يقول الحق سبحانه: {يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم

} [الحديد: 12] .

ويقول سبحانه: {والذين آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ

} [التحريم: 8] .

أي: أن نورهم يضيء أمامهم. أما المنافقون فيقولون للذين آمنوا: {انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا

} [الحديد: 13] .

أي: أن هذا ليس وقتَ التماس النور، فالوقت - لالتماس النور - كان في الدنيا؛ باتباع المنهج والقيام بالصالح من الأعمال.

ص: 5756

إذن: فالحق سبحانه يهدي للمؤمنين نوراً فوق نورهم في الآخرة.

والآية تحتمل الهداية في الدنيا، وتحتمل الهداية في الآخرة.

ويصف الحق سبحانه حال المؤمنين في الآخرة فيقول: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار فِي جَنَّاتِ النعيم} [يونس: 9] .

وقلنا: إن الجنة على حوافِّ الأنهار؛ لأن الخضرة أصلها من الماء. وكلما رأيتَ مجرى للماء لا بد أن تجد خضرة، والجنات ليست هي البيوت، بدليل قول الحق سبحانه: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ

} [التوبة: 72] .

ونجد الحق سبحانه يقول مرة: {تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار

} [التوبة: 100] .

ويقول سبحانه في مواضع أخرى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار

} [البقرة: 25] .

والحق سبحانه يعطينا صوراً متعددة عن الماء الذي لا ينقطع، فهي مياه ذاتية الوجود في الجنة لا تنقطع أبداً.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ

} .

ص: 5757

دعواهم: أي دعاؤهم.

وهل الآخرة دار تكليف؛ حتى يواصلوا عبادة الله؟ لا، ولكنها عبادة الالتذاذ، وهم كُلَّما رأوا شيئاً يقولون: لقد أكلنا ذلك من قبل، ولكنهم يعرفون حين يأكلون ثمار الجنة أن ما في الأرض كان يشبه تلك الثمار، لكنه ليس مثلها. {قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً

} [البقرة: 25] .

أو يقولون: {سُبْحَانَكَ اللهم} اعترافاً بالنعمة، وأنت حين ترى شيئاً يعجبك تقول: سبحانك يا رب. وبعد أن تأتي لك النعمة وتقول: سبحان الله، وتُفاجَأ بأشياء لم تكن في الحسبان - من فرط جمالها؛ فتقول: الحمد لله.

إذن: فأنت تستقبل النعمة «بسبحان الله» ، وينتهي من النعمة «بالحمد لله» . ولذلك يقول الحق سبحانه:{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} والذي يجعل للحياة الدنيا معنى، ويجعل لها طعماً ويجعل لها استقراراً، أن يكون الإنسان في سلام، ومعنى السلام: الاطمئنان والرضا؛ فلا مُهيِّجات، ولا مُعكِّرات، ولا يأتي ذلك إلا بعدم اصطدام في ملكات النفس؛ فيتحقق سلام الإنسان مع نفسه، وسلام الإنسان مع أهله، وهذا هو المحيط الثاني، وسلام الإنسان مع قومه، وسلام الإنسان مع العالم كله، كل ذلك اسمه سلام، لا مُنغِّص، لا من نفسه، ولا من أهله، ولا من قومه، ولا من العالم. وكلما اتسعت رقعة السلام زاد الإحساس الإنسان بالاطمئنان.

ص: 5758

وحين يقول الحق سبحانه: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} ، فالسلام وارد في أشياء متعددة، والحق سبحانه يقول:{إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأرآئك مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 55 - 58] .

وهذا هو السلام الذي له معنى؛ فهو سلام من الله. ولم يقل سبحانه: «سلام يورثك اطمئناناً ونفساً راضية» فقط، بل هو سلام بالقول من الله، وانظر أي سعادة حين يخاطبك الحق سبحانه وتعالى مباشرة. وهناك فرق بين أن يشيع الله فيك السلام وبين أن يحييك كلامه بالسلام. وهذا هو السبب في قوله:{سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] .

وهذا سلام الله، ثم من بعده هذه المنزلة يأتي سلام الملائكة:

{وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم

} [الرعد: 23 - 24] .

إذن: فقول الحق هنا: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} نجد فيه كلمة السلام رمز الرضا والاستقرار في الجنة؛ فالسلام هو أول الأحاسيس التي تحبها في نفسك، ولو كانت الناس كلها ضدك. لكنك ساعة تستقر، فأنت تسائل نفسك: ماذا فعلت ليكون البعضُ ضدي؟ وحين تجيب نفسك: «إنني لم

ص: 5759

أفعل إلا الخير» ؛ فأنت تحس السلام في نفسك، وإذا ما رحَّب الآخرون بما تفعل، فالحياة تسير، بلا ضدّ ولا حقد، وهذا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم َ:

«يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فيدخل رجل عرفه القوم فلما انصرف؛ قام واحد من الصحابة، وذهب إلى الرجل؛ ليعلم ماذا يصنع، وسأله: ماذا تفعل حتى يبشّرك الرسول صلى الله عليه وسلم َ بالجنة؟ فوجد سلوك الرجل مستقيماً ومتبعاً للمنهج دون زيادة، فسأله الصحابي: لماذا - إذن - بشّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بالجنة؟

قال الرجل: والله إني لأصلّي كما تصلّون، وأصوم كما تصومون، وأزكّى كما تزكون، ولكني أبيت وما في قلبي غلٌّ لأحد.

هذا هو السلام النفسي، وإذا ما وصل الإنسان إلى السلام مع النفس؛ فلا تضيره الدنيا إن قامت، وبعد ذلك يضمن أن يوجد سلامه مع

ص: 5760

الله تعالى، ومن عنده سلام مع نفسه، ومع بيئته، ومع مجتمعه؛ فهو ينال سلاماً من الله سبحانه. ويقول لنا القرآن عن الذين يعانون من مأزق في الآخرة:{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] .

هؤلاء هم الذين شقوا في النار، أما الذين سُعدوا ففي الجنة، فماذا عن حال الذين لا هم شقوا ولا هم سعدوا - وهم أهل الأعراف؛ لأن الموقف يوم القيامة ينقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام؛ فقد قال الله سبحانه:{فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 6 - 9] .

ولم يقل الحق سبحانه لنا أمر الذين تساوت الكفتان لهم أثناء الحساب؛ لأنه سبحانه قال في حديث قدسي:

«إن رحمتي غلبت غضبي» .

ويبين لنا الحق سبحانه رحمته فيقول:

ص: 5761

{ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [الأعراف: 44] .

ويأتي أمر رجال الأعراف فيقول سبحانه: {وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ

} [الأعراف: 46]

لقد عرفوا المؤمنين بسيماهم، وعرفوا الكفار بسيماهم، وجليس البعض على الأعراف؛ ينتظرون وينظرون لأهل الجنة قائلين:{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] .

ثم يعطينا الحق سبحانه صورة ثانية فيقول: {ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين} [الأعراف: 50] .

أهل الأعراف - إذن - يسعدون بعطاء الله لأهل الجنة، ويطمعون أن يغفر الله سبحانه وتعالى لهم.

ونحن في حياتنا نسمع المشرفين على المساجين أو المحكوم عليهم بالإعدام يقولون: قبل أن يحكم على المجرم بالإعدام ينخفض وزنه، ثم

ص: 5762

يزيد بعد الحكم؛ لأن الأمر قد استقر. والذين يُشغلون بأن يعرفوا مكانهم في الآخرة، أهو في الجنة أو في النار، لا ينسون أن يقولوا للمؤمنين. {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ

} [الأعراف: 46] .

وهنا يقول الحق سبحانه عن أهل الجنة: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} وقد تكون آخر دعواهم، أي: آخر كلمة.

فالواحد منهم يقول: أنا حمدت ربنا على الشيء الفلاني والشيء الفلاني. وآخر حَمْد هو قمة الحمد؛ لأنهم حمدوا الله على النعمة في الدنيا التي تزول، ويحمدونه في الآخرة على النعمة التي لا تزول، فلئِنْ يوجد حَمْد على النعمة التي لا تزول فهو قمة الحمد.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم

} .

ص: 5763

وهذه الآية تتناول قضية عقدية قد تكون شُغُل الناس الشاغل في الدعاء

ص: 5763

لله تعالى، وقد لا يُجاب دعاؤهم مع كثرة الدعاء، ويُحزنهم على أنفسهم ويقول الواحد منهم: لماذا لا يقبل الله دعائي؟ أو يقع بعضهم في اليأس.

ونقول لكل إنسان من هذا الفريق: لا، أنت تدعو، مرة تدعو بالشر ومرة تدعو بالخير، فلو أن الله سبحانه وتعالى قد أجابك في جميع الدعاء، فسوف يجيب دعاءك في الشر ودعاءك في الخير، ولو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل لك دعاء الشر، كما تحب أن يُعجَّل لك دعاء الخير، لَقُضِي إليك أجلك وانتهت المسألة، وهناك من قالوا:{اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] .

ولو استجاب الحق لمثل هذا الدعاء، لكان وبالاً على مَنْ دعوا ذلك الدعاء.

إذن: فمن مصلحتك حين تدعو على نفسك أو تدعو بأي وبال ألا يجيبك الله تعالى، وافهم أن لله تعالى حكمة في الإجابة؛ لأنه سبحانه

ص: 5764

وتعالى مُنزَّه عن أن يكون موظفاً عند الخلق، ومَن يدعُهُ بشيء يجبه عليه، بل لا بد من مشيئته سبحانه في تقرير لون الإجابة؛ لأنه لو كان الأمر عكس ذلك لانتقلت الألوهية للعبد.

لقد صان الحق سبحانه عباده بوضع رقابة على الدعاء؛ وأنت تعتقد أن دعاءك بالخير، ولكن رقابة الحق سبحانه التي تعلم كل شيء أزلاً تكاد أن تقول لك: لا، ليس خيراً. وانتظر الخير بعدم استجابة دعائك؛ لأنه القائل سبحانه: {وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ

} [البقرة: 216] .

إذن: فمعرفتك ليست نهائية في تقرير الخير والشر؛ لذلك دَعِ الإلهَ الأعلى - وهو المأمون عليك - أن يستجيب أو لا يستجيب لما تدعوه وأنت في ظنك أنه الخير، فالمعرفة العليا هي التي تفرق بين الخير والشر، وفي المنع - أحياناً - عين العطاء؛ ولذلك يقول الحق:{وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} [الإسراء: 11] .

وقد تلحّ في دعاء لو استجيب لك؛ لكان شرّاً. والله سبحانه يعلم ما هو الخير لك، وهو سبحانه يجيب أحياناً بعض خلقه في أشياء كان الإنسان منهم يتمنى أن توجد، ثم يكتشف الإنسان أنها لم تكن خيراً، وأحياناً يأتي لك بأشياء كنت تظن أنها شر لك، فتجد فيها الخير. وهكذا يصحّح لك الحق سبحانه بحكمته تصرفاتك الاختيارية.

ص: 5765

وقد قال الكافرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] .

ومن قالوا هذا القول هم: العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يهود، وكانوا قد وصلوا إلى قمة الاضطراب؛ فهم قد اضطربوا أولاً حين اتهموه بأنه ساحر، ولم ينتبهوا إلى غباء ما يقولون؛ لأنه إن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ قدرة السحر؛ فلماذا لم يسحرهم هم ليؤمنوا أيضاً؟

واضطربوا مرة ثانية، وحاولوا أن يقولوا: إن القرآن شعر، أو له طبيعة الشعر والكلام المسجوع، والقرآن ليس كذلك.

ولو أن جماعة غيرهم قالت مثل هذا القول لكان لهم عذرهم لأنهم ليسوا أهل لغة، أما هؤلاء فهم قوم أهل دُرْبة على الفصاحة والبلاغة، وكانوا يعقدون أسواق الشعر والخطابة، ثم اضطربوا مرة ثالثة، وحاولوا الطعن في مكانه محمد صلى الله عليه وسلم َ وهم يُقروّن بعظمة القرآن؛ فقالوا:{لَوْلَا نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .

ص: 5766

والحق سبحانه وتعالى حينما يتعرض لحادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم َ مع الكافرين؛ لا يقتصر في الحدث على ما وقع، ولكنه يعالج قضية عامة كونية إلى أن تقوم الساعة، ويجعل الحدث الحاصل في زمنه سبباً فقط؛ ليعطي عموم الحكم في كل زمان وفي كل مكان. وإلا اقتصر الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. وقد جاء القرآن للناس كافة، وجاء للزمان عامة، فلا بد أن تكون القضية المعروضة - أيّ قضية - أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم َ من قوم عاصروه لها سبب خاص، ولكن العبرة بعموم الموضوع لا بخصوص السبب.

ويعالج الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة الشخصية من هؤلاء الذين قالوا ذلك قضيةً كونيةً ستظل إلى أن تقوم الساعة.

فقد دَعَوْا على أنفسهم: {إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] .

كما قال قوم عاد لهود: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [الأعراف: 70] .

إذن: هم قد دعوا بشرٍّ على أنفسهم.

ويعالج الله قضية الدعاء بالخير أو الدعاء بالشرّ، لأن الإنسان قد يضيق ذَرْعاً بأمور تحيط بذاته أو بالمحيط به؛ فإذا ضاق ذرعاً بأمور تحيط به

ص: 5767

في ذاته من ألم كمرض - مثلاً، أو عاهة لا يقوى على الصبر عليها، أو لا يقوى على تحمّلها؛ فيقول:«يا رب، أرحني يا رب» ، وهو هنا يدعو على نفسه بالموت. فلو أن الله سبحانه وتعالى استجاب دعاءه لَقُضيت المسألة.

ولكن الله هو الحكيم العزيز، لا يأتمر بأمر أحد من خلقه، ولا يعجل بعَجَلة العباد، وكما يؤجل لك استجابته لدعوة الخير منك، فهو يؤجل أيضاً إجابتك لدعوة الشرّ منك على نفسك؛ وفي ذلك رحمة منه سبحانه.

وإذا كنت تقول: أنا أدعو بالخير، والله سبحانه وتعالى لا يعطيني، فخذ مقابلها: أنك تدعو بالشرّ على نفسك، ولا يجيبك الله.

ثم ألا يضيق الأب أحياناً ذَرْعاً بمن حوله، فيقول: فليأخذني الله؛ لأستريح من وجوهكم؟ هَبْ أن الله سبحانه أجابه إلى هذه الدعوة، فماذا يكون الموقف؟ وقد تجد من يقول: يا رب أصبني بالعمى فلا أراهم، أو تدعو المرأة على نفسها أو على أولادها.

وأنتم تحبون أن يجيب الله تعالى دعاءكم، فلو كان يجيبكم على دعاء الشرّ لانتهت حياتكم إلى الفزع، مثل هذه الأم التي تدعو بالمتناقضات فتقول لولدها - مثلاً:«ربنا يسقيني نارك» فتطلب السُّقيا بالنار، رغم أن السُّقيا للرِّي، والنار للحرارة.

إذن: قد يضيق الإنسان ذرعاً بنفسه، أو يضيق ذرعاً بمن حوله؛ فيدعو على نفسه بالشرّ، وحين يدعو الإنسان فيجب عليه أن ينزّه الحق سبحانه تعالى عن أن ينفذ ما يدعو العبد به دون أن يمر الدعاء على حكمته سبحانه وتعالى.

ص: 5768

{وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} ، فكما قبلتم أن يؤجل الله تعالى لكم دعاء الشر على أنفسكم؛ فاقبلوا منه تأجيل دعائكم بالخير؛ لأن الخير فيما تطلبون غير الخير فيما يعلم الله؛ فهو العليم الخبير. وقد تطلب خيراً تعلمه ولكن الله يعلم فيه شراً؛ فمن مصلحتك ألا يجيبك. وكما تحترم عدم إجابته لك في الشر على نفسك، أو على من تحب، فاحترم عدم إجابته لك فيما تظنه خيراً لك، أو لمن تحب؛ لأن الله لا يعجل بعجله عباده؛ لأنه سبحانه هو الذي خلقهم، وهو أعلم بهم، فهو القائل: {خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ

} [الأنبياء: 37] .

وهو سبحانه القائل: {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] .

والحق سبحانه لو استجاب لهؤلاء الذين دعوا:

ص: 5769

{اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً

} [الأنفال: 32] .

لكانت نهايتهم بجنس ما دعوا به، وقُضي عليهم، ثم انتهوا بعد ذلك إلى عذاب الجحيم.

ولكن الحق سبحانه شاء لهم البقاء؛ ليؤمن من يختار الإيمان، أما من اختار الكفر؛ فعليه أن يتحمّل تبعة الطغيان التي تتمثل في أن الواحد منهم لا يختار الكفر فقط، بل يتجاوز الحد، ويطلب ممن آمن أن يرتد عن إيمانه، وفي ذلك مجاوزة للحد؛ ولذلك فهم يعمهون في هذا الطغيان، أي: تتكاثر عليهم الظروف، ويثبت - لهم ولمن بعدهم - عجز الكفر عن مواجهة قدرة الحق.

وفي الحياة أمثلة - ولله المثل الأعلى - فهناك من يملك عدوه، فيضربه؛ لكنه لا يقتله، ثم يتكرر من هذا الخصم الإساءة، فيضربه من جديد، ثم تتكرر الإساءة فيضربه، وهو لا يقتله أبداً ليداوم على إذلاله، والقويّ لا يقتل خصمه، بل يؤلمه؛ فلا يرفع الخصم رأسه.

والحق سبحانه يقول:

{فَنَذَرُ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .

أي: أن الحق سبحانه يترك أهل الباطل؛ لتتجمع عليهم سيئاتهم، ويذوقون ويل خصومة الإسلام فلا يرفعون رءوسهم؛ لأن أهل الإسلام يردّون لهم الإساءة مضاعفة، ولسوف ييأس أهل الباطل من أنهم

ص: 5770

سينتصرون على الحق بأي شكل وبأي لون.

وهم مهما تحايلوا في أساليب النكاية في الإسلام، تجد الحق سبحانه وتعالى ينصر المسلمين.

والمثل أمامنا من سيرته حين أمره الحق سبحانه بأنه يهاجر، وكان الكفار يحاصرون بيته بشباب من القبائل، فخرج صلى الله عليه وسلم َ ولم يشعروا، وقال صلى الله عليه وسلم َ:«شاهت الوجوه» .

وشاء سبحانه ذلك؛ ليعلموا أنهم لن يستطيعوا الانتصار على محمد صلى الله عليه وسلم َ، لا بالمواجهة، ولا بتبييت المكر.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان

} .

ص: 5771

يصور الحق سبحانه حال البشر؛ الذين لم يرتبطوا دائماً بالإله، وبمنهج الإله؛ هؤلاء الذين يتجهون إلى الله في لحظات الأزمات، ثم ينسون الإيمان وتكاليفه من بعد ذلك. وحياتنا مليئة بهذا الصنف من البشر.

وفي قريتنا - على سبيل المثال - كان الذي يشرف على رعاية صحة

ص: 5771

الناس حلاّق الصحة، إلى أن تخرَّج أحد أبناء القرية في كلية الطب، فأخذ حلاق الصحة يشيع عنه ما لا يليق، وفي أحد الأيام لاحظ الفلاحون خروج حلاق الصحة مبكراً وهو يحمل لِفافة كبيرة، فأرادوا أن يعرفوا ما بها، واكتشفوا أن ابن حلاق الصحة مريض وهو يريد أن يذهب به إلى الطبيب، هو - إذن - لا يخدع نفسه، رغم محاولته خداع أهل القرية بالشائعات الكاذبة عن الطبيب.

وكذلك الإنسان مع منهج الله، قد يخدع الآخرين في لحظة اليسر، لكنه لا ينسى الله لحظة العسر. وساعة يأتيه الضر، وحين تعزُّ الأسباب عليه فهو لا يجد إلا كلمة «يا رب» . وأنت تجدها من أعتى الفُجَّار، ومن أقسى العُتاة، تجد الواحد من هؤلاء وهو يدعو الله ساعة الضرّ.

وهذا ما يقوله الحق سبحانه هنا: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ} .

والمثل من حياة هؤلاء الكافرين الذين دعوا على أنفسهم، ولو كانوا يرغبون في إنهاء الحياة، فلماذا يدعون الله وهم قد كفروا به؟ إنه كذب مفضوح، والإنسان حين يضيق بنفسه قد يدعوا على نفسه بالضُّر؛ مثلما قال المتنبي:

كَفَى بِكَ داءً أن تَرَى الموتَ شَافياً

وحَسْب المنايا أن يكُنَّ أمَانِيَا

أي: يكفي أن يصل الإنسان إلى الدرجة التي يتمنى فيها الموت.

ص: 5772

ونلحظ أن الحق سبحانه قد جاء بموقف الإنسان من الضر في أكثر من موضع، فنجد آية تفرد الإنسان بمعنى؛ وآية ثانية تفرده بمعنى آخر، وآية ثالثة تصور وضع الإنسان بشكل آخر.

يقول سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ

} [الزمر: 8] .

ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا} .

ويقول سبحانه في موضع آخر: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 53 - 54] .

إذن: فالحق سبحانه يأتي بها مفردةً مرّة، ومرة يأتي بها جمعاً. ومرة يأتي بها مفردة على ألوان شتّى، ومرة ثاني بها جمعاً بألوان شتّى، ومرة يذكرها في البر، ومرة يذكرها في البحر: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ

} [الإسراء: 67] إذن: فالآيات تستوعب حالات الإنسان المختلفة؛ إذا ما أصابه ضرّ،

ص: 5773

ولم يجد مَفْزعاً له لا من ذاته ولا من البيئة المحيطة به، فلا يجد من يلجأ إليه إلا ربه.

ومن الأسف أن هذا الإنسان يكون كافراً بالله.

والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها تعطينا صوراً متعددة؛ فالحق سبحانه يقول: {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي: وهو مضطجع، {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} . وهكذا تتناول الآية الإنسان في تصرفاته في الكون. والآية متمشية مع أطوار تكوين الإنسان؛ فالطفل الصغير لا يستطيع أن يتقلّب، بل يقلّبه أهله؛ لينام على جنبه، يكبر قليلاً فهو يتقلب بمفرده ثم تأتي حركة القوة الثانية؛ فيقعد الطفل، ثم يقف دون أن يمشي، ثم يمشي من بعد ذلك.

والآية هنا تعطينا التصوير الدقيق لثلاث حالات: {دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} ، ولم تَأت حركة المشي؛ لأن المتحرك للمشي لا يقعده الضر، لكن من يمر بالمراحل الأخرى قائماً أو قاعداً أو راقداً على الجنب، فقد يناله الضر.

وتلك هي مراحل النقض لمظاهر الحياة، فالإنسان يعيش الطفولة، ثم فُتوَّة الشباب، ثم يأتيه الضعف والشيب، فلا يستطيع أن يمشي بقوة الشاب، وإن كان يستطيع الوقوف، ثم تدخل عليه الشيخوخة؛ فيقعد، ولا يستطيع أن يقف، ثم تتقدم به الشيخوخة؛ فلا يمشي، ولا يقف، ولا يقعد، ويظل راقداً على جنبه، وقد يقلّبه أهله.

إذن: نقض كل شيء إنما يأتي على عكس بنائه؛ فكما بنيت مراحل الإنسان هكذا جنباً، فقعوداً فقياماً، فسعياً وحركة، فهي تنتهي بالعكس؛ لأن النقض دائماً على عكس البناء.

ص: 5774

ومن هذا خرجنا بالاستدلال على صدق الله في إخباره لخلقه بكيفية الخلق؛ لأننا لم نشاهد عملية الخلق، مصداقاً لقوله سبحانه:{مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً} [الكهف: 51] .

ولأن الحق لم يُشْهدْ أحداً على كيفية خَلْق السماء والأرض وخلق الإنسان، فنحن لا نأخذ معلومات عن كيفية الخلق بعيداً عن القرآن؛ لذلك لا نصدق الافتراضات القائلة بأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها ثم انخفضت درجة حرارتها؛ فكل هذه افتراضات لم تثبت صحتها، والحق سبحانه قد قال: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ

} [الكهف: 51] .

وهذا القول يدل على أن العقل البشري لا يمكن أن يصل إلى معرفة كيفية خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وهو معزول عن منهج السماء. فإن حُدِّثْتُمْ كيف خُلقتم بصورة تختلف عما جاء في القرآن فقولوا: كذبتم، وإن حُدِّثتم كيف خُلقت السماوات والأرض بغير ما جاء في كتاب الله؛ فقولوا: كذبتم؛ لأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض والإنسان وحده، ولا أحد معه، وما شهد أحد من هؤلاء مشهداً ليخبركم به. ويقول الحق سبحانه:

ص: 5775

{وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً} [الكهف: 51] .

والمضلون: هم الذين يقولون لكم افتراضات غير صحيحة عن تطور القرد حتى صار إنساناً، وأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها؛ كل هذه افتراضات قالها من سمّاهم الحقُّ سبحانه:{المضلين} .

ولو لم يقل الله تعالى هذه الآية، ثم جاء قوم ليقولوا: الإنسان كان في الأصل قرداً، لقلنا: إن القرآن لم يتعرض لذلك، وكان من الممكن أن نصدقهم، لكن الله سبحانه شاء لنا أن تكون لدينا المناعة ضد هذا الإضلال.

وعملية الخلق غيب عنا، أخبرنا عنها من خلقنا سبحانه، فلم يكن معه شاهدٌ رأي هذا المشهد؛ ليقول لنا. والخلق الذي به الحياة ينقضه الموتُ، ولكن الموت مشهد نشهده، وأي نقض لشيء - كما عرفنا - إنما يأتي على عكس بنائه، فإن بنينا عمارة من عشرين طابقاً، وأردنا أن نهدمها لسبب أو لآخر؛ فنحن نهدم الطابق العشرين أولاً، ثم نوالي الهدم بعد ذلك، فما بُني أولاً يهدم أخيراً؛ لأن نَقْض كل شيء يأتي على عكس بنائه.

وبما أن الموت نَقْضٌ للحياة؛ فالروح إذا ما خرجت من الجسم، وتُرك الجثمان بلا دفن، فالجثمان يتصلَّب، ثم يصير جيفَةً، ثم يتبخر منه الماء، ويتحلل الجسد إلى العناصر الأولى في التراب، هذه مراحل الموت.

وقد أخبرنا الحق عن كيفية الخلق، فبيَّن أنه سبحانه خلق الإنسان من التراب والماء فصار طيناً، ثم استوى الطين، فصوَّره الحق صورة الإنسان ونفخ فيه الروح، وآخر مراحله في الإيجاد هي الروح؛ لذلك فخروج الروح هو أول مرحلة في الموت.

ص: 5776

والله سبحانه وتعالى في هذه الآية جاء بوضع الإنسان على الجنب وقائماً وقاعداً، ولم يأت بالمشي؛ لأن الماشي عنده قدرة فلا ضرّ في ذاته، إن أصابه ضرّ فمن غيره، والضرّ مقابل النفع، والنافع هو مَنْ يُبقِي الشيء على صلاحه الممتع المريح، في الذات أو في الخارج.

فساعة تكون ذاتك مستقيمة وملكاتها وأعضاؤها كلها سليمة؛ فليس عندك ضرّ، لكن إذا حدث خلل في أي عضو من الأعضاء؛ فالمتاعب تبدأ، ولذلك يقال عن السلامة العامة: هي ألا تشعر بأن لك أعضاء؛ لأنك حين تشعر أن لك عَيْناً - مثلاً - فاعرف أنها تؤلمك، وإذا شعرت بأذنك فاعرف أنها تؤلمك. وأنت تطحن الطعام بضروسك وتأكل ولا تدري بها. ويوم أن تدري بها فهذا المعنى أن ألماً قد بدأ.

وهكذا لا يشعر الإنسان بفقد السلامة إلا إذا عرف وانتبه إلى أن له عضواً من أعضائه، فيقول:«آه يا عيني» ، و «آه يا أذني» .

ونقول: إن وجع العين مؤلم ألماً مخصوصاً، وكذلك نقول: على أي عضو من الأعضاء، أما من لا يشكو بأعضائه فهو لا يشعر بها؛ لأنها تؤدي أعمالها على الوجه المناسب. والسلامة فيمن حولك تتمثل في أن يحققوا لك المتعة والصفاء بدون كدر. وبذلك تظهر منفعتهم لك.

وكل إنسان له كبرياء ذاتي، يبيّنها قول الحق سبحانه وتعالى:{كَلَاّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى}

[العلق: 6 - 7] .

ولا يذل الإنسان إلا حين يعاني من آفة ما، ولا يأتي طغيانه إلا عند استكمال النعمة في الخارج والنعمة في الداخل، وإن بدأت النعمة

ص: 5777

في الانقباض عن الإنسان، فكبرياؤه تتطاير. ومن كان يستعرض قوته على الناس، قد يرجو القيام من الوقود؛ ليخطو بضع خطوات فلا يستطيع.

والإنسان لا يستغني إلا بما هو ذاتي فيه؛ لا بما هو موهوب له؛ لذلك فعليه ألا يغتر؛ لأن الواهب الأعلى قد يقبض هبتَه، فقد يأخذ منك العافية، وكثيراً ما رأينا أصحّاء قد مرضوا، ورأينا أغنياء قد افتقروا، وأصحاب جاه قد خرجوا من جاههم.

إذن: فلا داعي للغرور؛ لأن الله قد وهبك كل شيء، وليس لك شيء ذاتيٌّ فيك أبداً؛ لذلك يجب أن ينعدم الغرور، فما دام كل ما فيك موهوباً من الواهب الأعلى سبحانه، فالواهب قد يسلب ما وهب، وما إن تُسلب من الإنسان نعمة فهو ينتبه. فلا داعي - إذن - لأن يغتر أحد؛ حتى لا يسلم نفسه رخيصة للضياع.

والمثال: قد تكون عاديْتَ طبيباً، وهو الوحيد في المكان الذي تقطنه، وقد يحاول البعض الإصلاح بينك وبين هذا الطبيب، فتتأبَّى أنت، ثم يأتي لك مرض؛ فتلجأ إليه؛ لأن الله قد وهبه القدر السليم من التشخيص بالعلم، فلا يجب - إذن - أن تغتر أو تتعالى على أحد.

لكن الإنسان هو الإنسان؛ لذلك يقول الحق سبحانه:

{وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر

} [يونس: 12] .

والكافر ما إن يمسّه الضرّ؛ حتى يقع في بئر الهوان. أما المؤمن فهو مع ربه دائماً، وإذا مسّه الضرّ فهو يدعو الله تعالى دائماً ولا ينساه؛ لذلك يتلطف به سبحانه، عكس الكافر الذي يدعو الله ساعة الضرّ فقط. وأين

ص: 5778

كان ذلك الكافر ساعة أن دعاه الله سبحانه بالرسل إلى الإيمان؟

ونسيان الإنسان أمر وارد في تكوينه الفطري الأول؛ لأن الإنسان حين يعيش في محيط ما. فهو يحب النفع من خارجه، وإذا امتنع عنه هذا النفع الخارجي، فهو يأخذ النفع من ذاته؛ من تحرُّك أبعاضه وخدمتها لبعضها البعض. ثم لا يجد له مفزعاً إلا أن يؤمن بمن خلقه أولاً. وانظر إلى التعبير القرآني:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ. .} [الإسراء: 67] .

إذن: فمن يَعْبُد غيرَ الله سبحانه وتعالى يضل عنه معبوده، ولا يعرف كيف ينقذ من يعبده؛ لذلك يعود المشرك إلى الله، ولا يجد سواه سبحانه، فهو الذي ينقذ الإنسان لحظة الخطر؛ لأنه الرب الخالق هو أرحم بصنعته، وهذه الرحمة تنقذ الإنسان حتى لو كان كافراً، وهذا كلام منطقي؛ لأننا شهدنا بوحدانية الله تعالى في عالم الذر؛ حينما

ص: 5779

أخذ الله سبحانه علينا العهد الأول، وقال لنا: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ

} [الأعراف: 172] .

قلنا: {بلى

} [الأعراف: 172] .

وهذا إيمان الفطرة قبل أن توجد الغفلة أو التقليد؛ لذلك حين تتفرق الآلهة الباطلة من حول الكافر فهو يرجع إلى نفسه ويدعو الله، بل ويوسِّط من يسأله أن يدعو له الله سبحانه.

وقد يدعو الإنسان من يواسيه لحظة المرض فلا يجد ولداً من أبنائه، أو قريباً من أقربائه، ولكنه فور أن يدعو الله تعالى؛ تلمسه رحمته سبحانه، وقد تجد إنساناً حين يستجيب الحق سبحانه لدعائه قد تركبه حماقة الغرور من جديد، ويقول ما جاء به الحق على لسان قارون: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي

} [القصص: 78] .

ويقول: كنت محتاطاً وقد رتبت أموري، ثم يأخذه الحق سبحانه وتعالى أخْذَ عزيز مقتدر.

فإذا مسكم الضر؛ فلن تجدوا من البيئات الخارجة عنكم، ولا من ذوات نفوسكم، ما يغنيكم عن خالقكم، وفي لحظة الخطر لا تستطيعون

ص: 5780

الكذب على أنفسكم؛ فلا تسألون حينئذ أحداً إلا الله سبحانه، وتتذكرون في تلك اللحظة عهد الذَّر الأول، وتعودون إليه سبحانه.

وهنا يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} .

وقوله الحق: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} يصوّر الضرّ وكأنه يغطي الإنسان ويلفّه، فلا منقذ له أبداً؛ لأن الكشف هو رفع لغطاء يغطي كل الإنسان، وهكذا يعطينا الله تعالى صورة لاستيعاب الضرّ للجسم كله؛ حتى وإن كان بأداة من أدوات الإدراك مثل قوله سبحانه:{فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .

فكأن الجوع والخوف قد لفّ القرية كلها، فلم تعُد البطون وحدها هي الجائعة، بل كل ما في الأجسام جائع وخائف.

وهنا يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ} .

وكلمة {مَرَّ} تفيد أن هنا وقفة، فحين يقال: إن فلاناً مرّ عليَّ؛ مقابلها: وقف عندي.

ونفهم من قوله الحق: إن هذا الذي مسهّ الضرّ كان له وقفة عند الله سبحانه؛ حين لفّه الضرّ ولم يجد معيناً له غير الله تعالى، أما قبل ذلك فقد كان يأخذ الخير من الله ولا يتذكر الإيمان به سبحانه، وبعد أن يذهب عنه

ص: 5781

الضرّ وينسى الإيمان؛ {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ} وكأنه قد نسي تذلّله إلى الله، فهو يمر من مرحلة الذلة والخضوع والدعاء إلى الله إلى مرحلة الاستكبار، فلم يقف عند من أنقذه من ضره، وهذه هي الصفاقة.

ويُنهي الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: {كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وهنا يأتي قضية ثانية؛ فالحادثة حادثة خاصة وينقلها الحق سبحانه إلى عمومية تأتي في الكون كله؛ فالمسرفون قديماً حصل لهم هذا، والذي زَيِّن لهم المرور إما أن يكون الشيطان، وإما أن يكون الحمل من الحق على صفات موجودة فيه، فالحق سبحانه هو القائل: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً

} [البقرة: 10] .

وقوله تعالى هنا:

{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ.

. .} [يونس: 12] .

وهذا ما حدث للمسرفين سابقاً، وما سوف يحدث من المسرفين لاحقاً. والإنسان له عمل مكوَّن من القول والفعل، والعمل هو كل حادثة متفرعة عن جوارح الإنسان، وإن كان القول مقابله الفعل؛ فالاثنان عمل.

وبعد أن يعرض الحق سبحانه هذه القضية في عمومها، وفي

ص: 5782

خصوصها، وفي انسحابها على الكون كله، يبيّن لنا ضرورة الانتباه للكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم َ، ويحذر الكافرين: أأسلمنا رسولاً إلى خصومه أم نصرنا كل رسول جاء على خصومه؟ إن السوابق تدل على أن كُّلاً أخذناه بذنبه، فاحذروا أن تكونوا كذلك.

ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ

} .

ص: 5783

فإياكم أن تسوّل لكم أنفسكم أن تظلوا على عداوتكم لمحمد صلى الله عليه وسلم َ؛ لأنكم لن تنالوا منه شيئاً، وسيتم الله نوره، فلستم بدعاً عن سابق الخلق.

و {القرون} : جمع قرن، والقرن من المقارنة، وكل جماعة اقترنوا

ص: 5783

في شيء نسميهم «قرنا» . وقد يكون القرن في الزمنية، ولذلك حسبوا القرن مائة سنة، والبشر الذين يجتمعون في مائة سنة يسمونهم قرناً.

أو القرن جماعة يقترنون في شيء يجمعهم، مهما طال بهم الأمد.

وقوله الحق: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} فهل لو أمهلهم الله - تعالى - كانوا سيؤمنون؟ لا، فلله علمٌ أزليٌّ، يعلم الأشياء على وفق ما تكون عليه اضطراراً أو اختياراً.

والمثل من حياتنا وأعرافنا - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان حين يريد بناء بيت، فالأمر يختلف حسب مقدرته؛ الفقير مثلاً يطلب بناء حجرتين؛ فيخطط رجل البناء لبناء حجرتين، وإذا كان الإنسان متوسط الحال؛ فهو يتجه إلى مهندس يصمِّم له بناء على قدر سعته، وإن كان الإنسان ثرياً؛ فهو يستدعي المهندس الذي يبني له بيتاً حسب إمكانات ورغبات هذا الثرى، ويصمم المهندس نموذجاً للبناء قبل أن يبدأ فيه، وتظهر فيه كل التفاصيل، حتى ألوان النوافذ والأبواب والحجرات.

والعالم قبل أن يخلقه الله سبحانه وتعالى كانت هيئته مقدرة أزلاً عنده سبحانه، وهذا هو مطلق القدرة من الحق تعالى، ويأتي واقع الكون على وفق ما قدره الخالق سبحانه أزلاً؛ حتى ولو كان هناك اختيار للمخلوق الكافر، فالله سبحانه يعلمه.

وقد صحَّ أن القلم جفَّ حتى في الأمور الاختيارية، وسبحانه يعلم ما تجري به الأمور القهرية وما يقضيه على خلقه بدون اختيار منهم، أما في

ص: 5784

الأمور الاختيارية فقد أعطى لخلقه الاختيار. وقد علم ما سوف يفعلونه غيباً؛ فصمم المسألة على وفق ما علم.

وإياك أن تظن أنه أراد بذلك أن يُلزمك، لا، فقد علم أنك ستختار. وهكذا علم الحق سبحانه من سيظلم نفسه - أزلاً - وسبق في علمه أن أهل القرون السابقة الذين أهلكهم لا يؤمنون.

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} والظلم معناه نقل الحق من صاحبه إلى غيره، والحقوق الموهوبة من الخالق للبشر قد يظلمون فيها بعضهم البعض، لكن أعلى درجات الظلم حين يظلم أحدٌ حقَّ الإله الأعلى في أن يكون إلهاً واحداً، وأن ينقل ذلك لغيره. تلك هي قمة الظلم؛ لذلك قال سبحانه:{إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .

وهم قد ظلموا في قضية العقيدة الأولى، أو ظلموا في الحقوق بينهم وبين أنفسهم مصداقاً لقوله تعالى:{ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] .

والواحد منهم ظالم ومظلوم في آن واحد؛ لأن الإنسان ملكاته متعددة، ومن هذه الملكات ملكة الإيمان الفطري، وملكة النفع العاجل الذاتي.

فإذا تغلبت ملكة النفع العاجل؛ تخرج النفس اللوَّامة؛ لتعيد الأمر إلى صوابه، أما إن كانت نفس تأمر بالسوء فهي تطلب تحقيق

ص: 5785

الشهوات فقط؛ لأنها نفس أمَّارة بالسوء. أما إن اطمأنت النفس إلى حكم الله تعالى ورضيت به ونفذت ما قاله الله سبحانه، فهي نفس مطمئنة. ومن يظلم نفسه فهو الذي يتبع شهوات نفسه، وهو قد أعطاها متعة عاجلة؛ ليستقبل بعد ذلك شقاءً آجلاً؛ فيكون قد ظلم نفسه.

والحق سبحانه لم يتركهم، بل أرسل الرسل مُؤيَّدين بالمعجزات؛ ليبصّروهم. لكن الله تعالى يعلم أنهم لا يؤمنون؛ لذلك قال:{وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي: أنه سبحانه لو تركهم أحياء فلن يؤمنوا، فهو الذي خلقهم وقد علم أزلاً لن يختاروا الإيمان.

والحق سبحانه هو العالم الأعلى الذي يعلم الأشياء على وفق ما تكون عليه، لا على وفق ما يقهر خلقه عليه، فلو كان علمه - سبحانه - على وفق ما يَقْهر الخلق عليه لكانت المسألة منتهية.

والمثال - ولله المثل الأعلى - أنت في البيت وتريد أن تقوم وزوجتك برحلة، فإن كان الأولاد صغاراً؛ فأنت تغلق عليهم الباب بعد أن تقول لهم: إن طعامكم في الثلاجة؛ لحماً وسمكاً وجبناً وزيتوناً. وبعد أن

ص: 5786

تخرج أنت وزوجتك تقول لها: إن أبناءنا لن يأكلوا إلا جبناً وزيتوناً؛ لأنهم سوف يستسهلون هذا الطعام. ولو لم يكن في الثلاجة إلا الجبن، لما قلت ذلك؛ لأن هذا هو لون الطعام القهري.

لكن ما دام في الأمر اختيار؛ فأنت تستشف من سابق سلوك الأبناء. وعندما ترجع تجد أبناءك قد تصرفوا وفق ما حكمت به، رغم أنك تركت لهم الاختيار. ومثال هذا في القرآن قوله الحق:{تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 1 - 3] .

وفي هذا حكم من الله تعالى بان أبا لهب سيموت كافراً، وهذا حكم مُعْلَن ويُردَّد في الصلاة، ونحفظه، وأبو لهب هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، وكان كافراً مثل غيره من الكفار. وقد آمن من الكفار الكثير. ألم يسلم عمر؟ ألم يسلم عكرمة بن أبي جهل؟ ألم يسلم عمرو بن العاص؟ ألم يسلم خالد بن الوليد؟ فما المانع أن يسلم أبو لهب هو الآخر؟ لا، لم يسلم وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ من ربه أن ذلك لن يكون منه. وما كان من الممكن أن يمكر أبو لهب ويعلن إسلامه تكذيباً للقرآن؛ لأن الحق علم أزلاً سلوك أبي لهب.

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كذلك نَجْزِي القوم المجرمين} .

ص: 5787

وقوله: {كذلك} أي: مثل هذا الجزاء الذي كان للأمم السابقة التي أهلكت في القرون الماضية تجري ممن يحدِّد كل شيء؛ لأن القضايا في الكون واحدة. فالقضية الإيمانية موجودة من أول ما أرسلت الرسل إلى أن تنتهي الدنيا.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ

} .

ص: 5788

و {خَلَائِفَ} : جمع خليفة، وهو من يَخْلُف غيره. والحق سبحانه وتعالى حينما وصف الإنسان أصدر أول بيان عن الإنسان قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً

} [البقرة: 30] .

والله سبحانه وتعالى قادر، وسميع، وعليم، وله من كل صفات الكمال المطلق، وأنت قد تكون لك قدرة وقد تُعَدِّى أثر قدرتك إلى غيرك، ولكنك لن تستطيع أن تُعدِّي قدرتك إلى سواك، فإن كنت قوياً؛ فلن تستطيع أن تَهَبَ ضعيفاً قدراً على قوتك. بل كل الذي تستطيعه هو أن تهبه أثر قدرتك، فإن كان غير قادر على أن يحمل شيئاً؛ فأنت قد تحمله عنه، وإن كان غير قادر على المشي؛ فأنت تأخذ بيده، لكنك لا تستطيع أن تهبه جزءاً من قوتك الذاتية، فيظل هو عاجزاً، وتظل أنت قادراً - كما أنت.

هذا هو حال الخلق: تجد غنياً وآخر فقيراً، ويُعطي الغني للفقير من غناه، ويُعطي العالمُ للجاهل بعضَ العلم، لكنه لا يهبه مَلَكَة العلم؛ ليعلم.

ص: 5788

أما الحق الأعلى سبحانه فهو وحده القادر على أن يهب من قدرته المطلقة للخلق قدرة موهوبة محدودة، وقد أعطاهم سبحانه أثر القدرة العالية في الأفلاك التي صنعها ولا دخل للإنسان فيها؛ من شمس، وقمر، ونجوم، ورياح، ومطر.

وأعطى الحق سبحانه للإنسان طاقة من قدرته في الأمور التي حوله؛ فأصبح قادراً على أن يفعل بعض الأفعال التي تتناسب مع هذه الطاقة الموهوبة. وبذلك عدَّي له الحق سبحانه من قدرته؛ ليقدر على الفعل، ومن غناه؛ ليعطي الفقير، ومن علمه؛ ليعطي الجاهل، ومن حلمه؛ ليحْلِم على الذي يؤذيه.

إذن: فالخلق لا يعدّون صفاتهم إلى غيرهم ولكنهم يعدون آثار صفاتهم إلى غيرهم، وتظل الصفة هنا قوة، والصفة هناك ضعفاً. أما الواحد الأحد فهو الذي يستطيع أن يهب من قدرته للعاجز قدرة؛ فيفعل. فهل كل الكون هكذا؟

إن الكون قسمان: قسم وهبة الله سبحانه وتعالى للإنسان بدون مجال له فيه. وقد أقامه الحق بقدرته، وهذا القسم من الكون مستقيم في أمره استقامة لا يتأتّى لها أي خَلَل، مثل: نظام الأفلاك والسماء ودوران الشمس والقمر والريح وغيرها، ولا تعاني من أي عطب أو خلل، ولا يتأتى لهذا القسم فساد إلا بتدخُّل الإنسان.

ص: 5789

وقسم آخر في الكون تركه الحق سبحانه للإنسان؛ حتى يقيمه القوة الموهوبة له من الله.

وأنت لا تجد فساداً في كون الله تعالى إلا وجدت فيه للإنسان يداً، أما الأمور التي ليس للإنسان فيها يد فهي مستقيمة، ولذلك يقول الحق سبحانه:{الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] .

والمراصد تحدِّد موقع الأرض بين الشمس والقمر، وموقع القمر بين الأرض والشمس بدقة تتناسب مع قوله الحق:{بِحُسْبَانٍ} ؛ لأن الإنسان ليس له دخل في هذه الأمور.

وفيما لنا فيه اختيار علينا أن نتدخل بمنهج الله تعالى؛ لتستقيم حركتنا مثل استقامة الحركة في الأكوان العليا التي لا دخل لنا فيها.

إذن: فالذي يُفْسد الأكوان هو تدخُّل الإنسان - فيما يحيط به، وفيما ينفعل له وينفعل به - على غير منهج الله؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:{الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 1 - 5] .

ص: 5790

أي: هذه الأكوان مخلوقة بحساب، وتستطيعون أن تُقَدِّروا أوقاتكم وحساباتكم على أساسها. ويقول سبحانه:{الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلَاّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلَا تُخْسِرُواْ الميزان} [الرحمن: 5 - 9] .

وحتى تستقيم لكم الأمور الدنيا في حركتكم في الكون - كما استقامت لكم الأمور العليا؛ وازنوا كل الأمور بالعدل؛ فلا يختل لكم ميزان؛ لأن الذي يُفسد الكون أنكم تتدخلون فيما أعطي لكم من مواهب الله قدرة وعلماً وحَركة على غير منهج الله. فادخلوا على أمور حياتكم بمنهج الله في «افعل» و «لا تفعل» ؛ ليستقيم لكم الكون الأدنى كما استقام لكم الكون الأعلى.

وهنا يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأرض} وقد خلف الإنسان الله تعالى في الأرض، في أنه - مثلاً - يحرث الأرض ويسقيها؛ فيخرج له الزرع، وحين يأخذ الإنسان أسباب الله فهو ينال نتيجة الأخذ بالأسباب. ولكن آفة الإنسان بغروره، حين تستجيب له الأشياء، فهو يظن أنه قادر بذاته، لا بأسباب الله.

والحق سبحانه وتعالى يُعطي بعطاء ربوبيته للمؤمن، وللكافر؛ لأنه سبحانه هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، لكنه جلّ وعلا ميَّز المؤمن، لا بعطاء الأسباب فقط، ولكن بالمنهج، والتكليف المتمثل في «

ص: 5791

افعل كذا» و «لا تفعل كذا» ، فإن أخذ العطاءين من الله يبقَ له حسن الجزاء في الدنيا والآخرة، وإن أخذ العطاء الثاني في «افعل» و «لا تفعل» ، فهو يأخذ الآخرة، أما دنياه فتظل متخلّفة.

ومن يُردْ أن يأخذ حُسْن الدنيا والآخرة، فليأخذ عطاء ربوبية الله تعالى بالأخذ بالأسباب، وعطاء الألوهية باتّباع المنهج.

إلا أن آفة الخليفة في الأرض أنه لا يرى بعض الأمور مستجيبة له؛ فيطغي، ويظن أنه أصيل في الكون، ونقول له: ما دمت تظن أنك أصيل في الكون فحافظ على روحك، وعلى قوتك، وعلى غناك، وأنت لن تستطيع ذلك. فأنت إنْ تمردت على أوامر الله بالكفر - مثلاً، فلماذا لا تتمرد على المرض أو الموت؟

إذن: أنت مقهور للأعلى غصباً عنك، ويجب أن تأخذ من الأمورالتي تنزل عليك بالأقدار؛ لتلجمك، وتقهرك، إلى أن تأخذ الأمور التي لك فيها اختيار بمنهج الله سبحانه.

ولو ظن الخليفة في الأرض أنه أًصيل في الكون، فعليه أن يتعلّم مما يراه في الكون، فأنت قد توكّل محامياً في العقود والتصرفات؛ فيتصرف في الأمور كلها دون الرجوع إليك ولا يعرض عليك بياناً بما فعل، فتقوم أنت بإلغاء التوكيل.

فيلتفت مثل هذا المحامي إلى أن كل تصرف له دون التوكيل قد صار غير مقبول. فماذا عن توكيل الله للإنسان بالخلافة؟ يقول الحق سبحانه:

ص: 5792

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأرض} فاذا كنتم قد خَلَفْتُم من هلكوا، فمن اللازم أن تأخذوا العظة والعبرة في أن الله تعالى غالب على أمره، ولا ترهقوا الرسل، بل تأخذوا المنهج، أو على الأقل، لا تعارضوهم إن لم تؤمنوا بالمنهج الذي جاءوا به من الله. واتركوهم يعلنون كلمة الله، وليعيدوا صياغة حركة المؤمنين برسالاتهم في هذا الكون على وفق ما يريده الله سبحانه، وأنتم أحرار في أن تؤمنوا أو لا تؤمنوا. {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ

} [الكهف: 29] .

والدليل على ذلك أن الإسلام حينما فتح كثيراً من البلاد ترك لهم حرية اعتناق الإسلام أو البقاء على أديانهم، مع أنه قد دخل بلادهم بالدعوة أو الغلبة، ولكنه لم يقهر أحداً على الدين، وأخذ المسلمون منهم الجزية مقابل حماية المسلمين لهم.

ولو كان الإسلام قد انتشر بالسيف لما أبقي أحداً على دينه، ولكن الإسلام لم يُكْره أحداً، وحمى حرية الاختيار بالسيف. ولأن الذين لم يؤمنوا بالإسلام عاشوا في مجتمع تتكفّل الدولة الإسلامية فيه بكل متطلبات حياتهم، والمسلم يدفع زكاة لبيت المال، فعلى من لم يؤمن - وينتفع بالخدمات التي يقدمها المجتمع المسلم - أن يدفع الجزية مقابل تلك الخدمات.

ص: 5793

وإذا اعتقد الإنسان أنه خليفة، وظل متذكراً لذلك، فهو يتذكر أن سطوة من استخلفه قادرة على أن تمنع عنه هذه الخلافة.

إذن: فخذوا الأمر بالتسليم، وساعدوا النبي صلى الله عليه وسلم َ على دعوته، وآمنوا به أولاً، وإن لم يؤمنوا به فاتركوه؛ ليعلن دعوته، ولا تعاندوه، ولا تصرفوا الناس عنه؛ لأن الحق هو القائل:{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأرض مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] .

وساعة تأتي لأمر يعلله الله بكلمة {لِيَعْلَمَ

} [المائدة: 94] .

أو {لِنَنظُرَ

} [يونس: 14] .

فاعلم أن الله عالم وعليم، علم كل الأمور قبل أن توجد، وعلم الأشياء التي للناس فيها اختيار، وهو القائل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب

} [الحديد: 25] .

وقد علم الحق سبحانه أزلاً كل شيء، وإذا قال الله:{وَلِيَعْلَمَ} فليس معنى ذلك أن هناك علماً جديداً لم يكن يعلمه سوف ينشأ له، لكنه يعلم علم مشهد وإقرار منك؛ حتى لا يقول قائل: لماذا يحاسبنا الله على ما عَلمَ أزلاً؟ بل يأتي سبحانه بالاختيار الذي يحدِّد للعبد المعايير التي تتيح للمؤمن أن يدخل الجنة، وللعاصي أن يُحاسَب ويُجازَي.

ص: 5794