المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تفسير قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) - تفسير القرآن الكريم - المقدم - جـ ٦٧

[محمد إسماعيل المقدم]

فهرس الكتاب

- ‌ الأعراف [156 - 159]

- ‌تفسير قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة)

- ‌تفسير قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)

- ‌الرحمة تخص المؤمنين دون غيرهم

- ‌إطلاق الرحمة على العطف والمغفرة والإحسان

- ‌وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أمي

- ‌الأمور التي يستدل بها على صحة النبوة

- ‌البشارات في الكتب السابقة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌البشارة بمحمد في سفر التكوين

- ‌البشارة بمحمد في سفر التثنية

- ‌البشارة بنبي مثل موسى والدليل على أنه محمد لا يوشع

- ‌الأدلة على أن المبشر به أنه مثل موسى هو محمد لا عيسى

- ‌البشارة بالفارقليد في الإنجيل

- ‌شهادة أهل الكتاب الذي أسلموا بوجود البشارات في كتبهم

- ‌تفسير قوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات)

- ‌تفسير قوله عز وجل: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)

- ‌سهولة الاهتداء إلى الدين الحق

- ‌العلوم الحديثة تدعو إلى التوحيد

- ‌قيام الحجة على كل من سمع بمحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌تفسير قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)

الفصل: ‌تفسير قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة)

‌تفسير قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة)

قال تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156].

قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) أي: أسس لنا فيها خصلة حسنة، كالعافية والحياة الطيبة والتوفيق للطاعة، (وفي الآخرة) أي: حسنة أيضاً، وهي: المثوبة الحسنى والجنة، (إنا هدنا إليك) أي: تبنا إليك، يقال: هاد إليه يهود، إذا رجع وتاب، فهو هائد، ولبعضهم: يا راكب الذنب هد هد واسجد كأنك هدهد فقوله: (يا راكب الذنب هد) يعني: ارجع وتب، (هد) كرر الفعل للتأكيد.

وقوله: (واسجد كأنك هدهد) الهدهد: الطائر المعروف.

وقال آخر: إني امرؤ مما جنيت هائد يعني: راجع وتائب.

قال أبو البقاء: المشهور ضم الهاء، يعني:(هُدنا إليك)، وهو على هذا من (هاد يهود) إذا تاب، وقرئ بكسرها، يعني:(إنا هِدنا إليك)، من (هاد يهيد) إذا تحرك أو حرك، وعلى هذا فقوله تعالى:(إنا هدنا إليك) يعني: إنا حركنا إليك نفوسنا، وعلى القراءتين:(هُدنا) و (هِدنا) يحتمل الوجهين: البناء للفاعل وللمفعول، فقوله:(إنا هدنا إليك) يحتمل أنها بمعنى: إنا ملنا إليك، أو أمالنا غيرنا، أو حركنا أنفسنا، أو حركنا غيرنا، فعلى القراءتين تحتمل البناء للمفعول والبناء للفاعل؛ وذلك لاتحاد الصيغة وصحة المعنى، فاتحاد الصيغة (هُدنا) و (هِدنا) تصلح في البناء للمعلوم والمجهول، وكذلك يصح المعنى وإن اختلف التقدير.

وقوله تعالى: (قال عذابي أصيب به من أشاء) استئناف وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الكلام، وكأنه قيل: هذا دعاء موسى وقومه؛ لأنه قد قال موسى في الدعاء: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك)، فكأن سائلاً سأل وقال: فماذا قال تبارك وتعالى في جواب دعاء موسى؟ فقيل: قال: (عذابي أصيب به من أشاء)، أي: من أشاء تعذيبه من العصاة.

وقوله: (ورحمتي وسعت كل شيء)، تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان والجنة، كما قال تعالى:(يدخل من يشاء في رحمته)، يعني: في جنته، فتطلق الرحمة على الجنة، ولعلها هي المرادة هنا: والمعنى: جنتي وسعت كل شيء؛ بدليل مقابلتها بالعذاب قبل، كما جاءت المقابلة أيضاً في قوله تعالى:{يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان:31].

والله تعالى أعلم.

وقوله: (فسأكتبها)، أي: هذه الرحمة، (للذين يتقون) أي: يتقون الكفر والشرك والمعاصي، (ويؤتون الزكاة) أي: يعطون زكاة أموالهم، (والذين هم بآياتنا) يعني: بكتابنا ورسولنا (يؤمنون) أي: يصدقون.

قال الجشمي: تدل الآية على حسن سؤال نعيم الدنيا، كما يحسن سؤال نعيم الآخرة، وتدل على أن الواجب على الداعي أن يقرن بدعائه التوبة والإخلاص؛ لأنه قرن التوبة والرجوع بقولهم:(إنا هدنا إليك).

قرنوه بالدعاء، وتدل على أنه تعالى ينعم على البر والفاجر، ويخص بالثواب المؤمن، فلذلك فصل فقال تبارك وتعالى:(قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها) أي: هذه الرحمة إلى آخره، وكما قال تبارك وتعالى من قبل في أوائل السورة:{قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32]، فهي لهم في الحياة الدنيا، لكن يشاركهم فيها الكافرون، وأما يوم القيامة فستكون: خالصة للمؤمنين دون أن يشاركهم فيها المشركون كما كان الحال في الدنيا، ومن تأمل هذا السؤال والجواب عرف عظيم محل هذا البيان؛ لأنه عليه السلام سأل نعيم الدنيا والدين عقيب الرجفة، فكان من الجواب أن العذاب خاصة يصاب به من يستحقه، فأما النعم فما كان من باب الدنيا يسع كل شيء يصح عليه التنعم، وما كان من باب الآخرة يكتب لمن له صفات ذكرها.

وتدل على أن الرحمة لا تنال بمجرد الإيمان الذي هو التصديق، حتى ينضم إليه الطاعات، فيبطل قول المرجئة؛ لأنه قال:(فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون)، ولم يقتصر على التصديق حتى أضاف إليه العمل، فهذا يبطل قول المرجئة في زعمهم أن الإيمان مجرد المعرفة ولا يدخل في مسماه العمل.

ص: 2