الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإيضاح
(آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) أي صدّق الرسول بما جاء به الوحى من العقائد والأحكام تصديق يقين واطمئنان، وتخلّق به كما قالت عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن، وكذلك المؤمنون من أصحابه.
وقد كان من أثر هذا الإيمان أن زكت نفوسهم، وطهرت قلوبهم، وعلت هممهم فأتوا بالعجب العاجب من فتح البلاد والشعوب وسياستها سياسة عدل وحكمة مما شهد لهم به أعدى أعدائهم، وسجله لهم التاريخ في سجلّ الدول العظيمة الرقىّ والتقدم حين كان الناس في ظلام دامس، وحين كانت أرقى الأمم في تلك العصور تسوس رعاياها بالخسف والعسف، فأنقذها مما ترسف فيه من قيود الاستعباد وجعلها تتنفس في جوّ من الحرية لم تر مثله- وكفى بالله شهيدا لهم.
(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) أي كل منهم آمن بوجود الله ووحدانيته، وتمام حكمته في نظام خليقته، وبوجود الملائكة وسفارتهم بين الله والرسل ينزلون بوحيه على قلوب أنبيائه، أما البحث عن ذواتهم وصفاتهم وأعمالهم فمما لم يأذن به الله.
وآمن كل منهم إجمالا فيما أجمله القرآن وتفصيلا فيما فصله- بأن الله أنزل على رسله كتبا فيها هداية للبشر بحسب ما فصل في قوله: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ» الآية.
(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) أي ويقولون إن الرسل في الرسالة والتشريع سواء كثر قوم الرسول أو قلوا، والتفضيل الذي جاء في قوله تعالى:«تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ» إنما هو في مزايا أخرى فوق الرسالة.
وفي هذا إشارة إلى فضيلة المؤمنين على غيرهم من أهل الكتاب الذين يفرقون بين الله ورسوله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
(وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) أي وقالوا بلّغنا الرسول فسمعنا القول سماع تدبر وفهم، وأطعنا ما فيه من الأوامر والنواهي طاعة إذعان وانقياد، وهذا مما يبعث النفس إلى العمل به إلا إذا عرض لها مانع يمنعها منه.
والمخلصون في إيمانهم يحاسبون أنفسهم على ما يقع منهم من تقصير تأتى به العوارض الطارئة، ويأبون إلا الكمال، ومن ثم كان من شأنهم أن يقولوا:
(غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أي استر لنا ذنوبنا بعدم الفضيحة عليها في الدنيا وترك الجزاء عليها في الآخرة، أي نسألك ربنا المغفرة مما عساه يقع منا من التقصير الذي يعوقنا عن الرقى في مراتب الكمال.
وإنما يكون ذلك بالتوبة وإتباع السيئة الحسنة، وبهذا يمّحى أثر الذنب من النفس في الدنيا، فترجع إلى الله في الآخرة نقيّة زكية.
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) أي لا يكلف الله عباده إلا ما يطيقون، ويتيسر لهم فضلا منه ورحمة، وهو كقوله:«يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» وهذا إخبار من الله بعد تلقيهم تكاليفه بالطاعة والقبول بآثار فضله ورحمته لهم، إذ كلفهم ما يتسنى لهم فعله، ولا يصعب عليهم عمله.
وفيه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير، وبتيسير ما ربما يفهم من الآية السالفة (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) من المشقة والتعسير.
(لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) أي لها خير ما كسبته لنفسها من قول أو فعل، وعليها ضرّ ما جدّت فيه من شر.
وأضيف الاكتساب إلى الشر لبيان أن النفس مجبولة على فعل الخير، وتفعل الشر بالتكلف والتأسى، إذ الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان، ولا يحتاج إلى مشقة فى فعله بل يجد لذة في عمله، كما يشعر بالميل إلى عبادة الله، لأن شكر المنعم مغروس فى طبعه.
وأما الشر فإنه يعرض للنفس لأسباب ليست من طبيعتها، ولا من مقتضى فطرتها ولا يخفى عليها إذ ذاك أنها ممقوتة في نظر الناس، وأنها مهينة في قرارة نفوسهم.
فالطفل ينشأ على الصدق حتى يسمع الكذب من الناس فيتعلمه وهو يشعر بقبحه، وهكذا شأنه عند اجتراح كل شر، فتراه يشعر بقبحه، ويجد بين جوانحه وازعا يقول له:
لا تفعل، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه.
والخير كل ما فيه نفع نفسك ونفع الناس، والعبارة الجامعة له أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك كما
ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
والخلاصة- إن للنفس ثواب ما كسبت من الخير، وعليها عقاب ما اجترحت من الشر.
وفي هذا ترغيب في عمل الخير، والمحافظة على أداء الواجبات الدينية، فإن اختصاص نفع الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله، وتحذير له من الإخلال به لأن مضرة ذلك تحيق به لا بغيره، واقتصار مضرة الفعل بفاعله من أشد الزواجر عن مباشرته.
وبعد أن بين سبحانه حال المؤمنين في السمع والطاعة، وطلبهم المغفرة مما يتّهمون به نفوسهم من التقصير، وذكر فضله على عباده في عدم تكليفهم ما لا يطيقون- علمهم ما يدعون به ربهم فقال:
(رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) علمنا سبحانه أن ندعوه بألا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا تفضلا منه، وإحسانا علينا، إذ كان ينبغى العناية والاحتياط والتذكر، لعلنا نسلم من الخطأ والنسيان، أو يقل وقوعها منا، فيكون ذنبنا جديرا بالعفو والمغفرة.
ذاك أن النسيان قد يكون من عدم العناية بالشيء، وترك إجالة الفكر فيه، ليستقر في النفس، ومن ثم ينسى الإنسان ما لا يهمّه ويحفظ ما يهمه، ويؤاخذ الناس
بعضهم بعضا بالنسيان، ولا سيما نسيان الأدنى لما يأمره به الأعلى، فإنه إن لم يفعل ما يأمره به نسيانا رماه بالإهمال والتقصير وآخذه على ذلك.
وكذلك الخطأ ينشأ من التساهل وعدم الاحتياط والتروّى، ومن ثم أوجبت الشريعة الضمان في إتلاف الشيء خطأ، فإذا رمى امرؤ صيدا فأخطأ وأصاب إنسانا فقتله أوخذ به في الشريعة والقوانين الوضعية.
وبهذا تعلم أن المؤاخذة على النسيان والخطأ مما جاءت به الشريعة، وجرى عليه العرف في المعاملات والقوانين، ولو لم يكن كل منهما مقصرا ما جاز هذا وما حسن، وكذلك يجوز أن يؤاخذ الله الناس في الآخرة بما يأتونه من المنكر ناسين تحريمه أو واقعين فيه خطأ.
والخلاصة- أن المراد من الآية أن الخطأ والنسيان مما يرجى العفو عنهما إذا وقع الإنسان فيهما بعد بذل الجهد والتفكر والتذكر وأخذ الدين بقوة، ثم لجأ إلى الدعاء الذي يقوى في النفس خشية الله ورجاء فضله، فيكون هذا الإقبال نورا تنقشع به ظلمة ذلك التقصير.
وما
رواه ابن ماجه والبيهقي في السنن عن ابن عباس مرفوعا «إن الله تجاوز عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
فهو وعد من الله بالتجاوز عنها يوم القيامة رحمة منه وفضلا.
(رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) أي ربنا لا تكلفنا ما يشق علينا فعله، كما كلفت من قبلنا من الأمم التي بعثت فيها الرسل كبنى إسرائيل إذ كان يجب عليهم قطع موضع النجاسة من الثوب إذا تنجس، وكانوا يدفعون ربع المال زكاة إلى نحو من ذلك.
وفي تعليمنا هذا الدعاء بشارة بأنه لا يكلفنا ما يشقّ علينا كما صرح بذلك في قوله:
«وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» وامتنان علينا وإعلام لنا بأنه كان يجوز
أن يحمل علينا الإصر، فيجب علينا أن نشكره لذلك، فنحن ندعوه استشعارا للنعمة والشكر عليها.
(رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) من العقوبات أو من البلايا والمحن، ولا ما يشق علينا من الأحكام، بل حملنا اليسير الذي يسهل علينا حمله والنهوض به، حتى لا نستحق بمقتضى سنتك أن تحملنا ما لا طاقة لنا به من عقوبة المفرّطين في دينهم.
(وَاعْفُ عَنَّا) أي امح آثار ذنوبنا فلا تعاقبنا عليها.
(وَارْحَمْنا) بتوفيقك إيانا للسير على سنتك التي جعلتها وسيلة لسعادة الدارين.
وهذه الجمل الثلاث نتائج لما قبلها من الجمل التي افتتحت بلفظ (رَبَّنا) فاعف عنا مقابل لقوله (لا تُؤاخِذْنا) واغفر لنا مقابل لقوله (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً) وارحمنا مقابل لقوله (وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم المغفرة، ومن آثار عدم تحميل ما لا يطاق الرحمة.
(أَنْتَ مَوْلانا) أي أنت مالكنا ومتولى أمورنا، فأنت الذي منحتنا الهداية، وأيدتنا بالتوفيق والعناية.
(فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) بإقامة الحجة عليهم والغلبة حين قتالهم، والأول أشد أثرا وأقوى فعلا، فإنه نصر على الروح والعقل، أما النصر بالسيف فهو نصر على الجسد فحسب.
وما علمنا الله هذا الدعاء لتلوكه ألسنتنا وتتحرك به شفاهنا فحسب، بل لندعوه مخلصين له لاجئين إليه بعد استعمال ما يصل إليه كسبنا من الأسباب والوسائل التي هى طريق الاستجابة، فمن فعل ذلك فإن الله يستجيب دعاءه، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان، مع مخالفة أحكام الشريعة، وتجافى السنن التي سنها الله، فهو بدعائه كالساخر من ربه، فهو لا يستحق منه إلا المقت والخذلان.
ونحن الآن قد أعرضنا عن هدايته، وتنكبنا سنته في خليقته، ثم طلبنا منه النصر بألسنتنا دون قلوبنا فلم يستجب لنا دعاء، وكنا نحن الجانين على أنفسنا، المستحقين لهذا الخذلان.
فإذا اتخذ المسلمون العدّة وقاموا ببذل الوسع في استكمال الوسائل التي أرشد إليها المولى سبحانه، وساروا على السنن التي هدى إليها البشر، فإنه يستجيب دعوتهم وينصرهم على أعدائهم،
فقد ورد في الأثر: إن هذه الأمة لا تغلب من قلة.
وفّقنا الله إلى العمل بسنته، والسير وفق شريعته، إنه نعم المولى ونعم النصير.
خلاصة ما في هذه السورة من أمهات الشريعة (1) دعوة الناس جميعا إلى عبادة ربهم.
(2)
عدم اتخاذ أنداد له.
(3)
ذكر الوحى والرسالة، والحجاج على ذلك بهذا الكتاب المنزل على عبده، وتحدى الناس كافة بالإتيان بمثله (4) ذكر أسّ الدين وهو توحيد الله.
(5)
إباحة الأكل من جميع الطيبات.
(6)
ذكر الأحكام العملية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأحكام الصيام، والحج والعمرة، وأحكام القتال والقصاص.
(7)
الأمر بإنفاق المال في سبيل الله.
(8)
تحريم الخمر والميسر.
(9)
معاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة.
(10)
أحكام الزوجية من طلاق ورضاعة وعدة.
(11)
تحريم الربا والأمر بأخذ ما بقي منه.
(12)
أحكام الدّين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال في ذلك.