الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، وَلَا تَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْ ذَاتِهِ جَمِيعُ الذَّوَاتِ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْ حَيَاتِهِ كُلُّ حَيَاةٍ؟
الشَّابُّ: لَا شَكَّ أَنَّ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ الْقَدِيمَ هُوَ حَيٌّ كَمَا أَنَّهُ قَيُّومٌ، فَإِذَا كَانَ
مَعْنَى قَيُّومِيَّتِهِ أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ، فَكَذَلِكَ هُوَ حَيٌّ بِذَاتِهِ وَكُلُّ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ فَهُوَ حَيٌّ بِهِ ; أَيْ إِنَّهُ يَسْتَمِدُّ حَيَاتَهُ مِنْهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْيَاءَ كُلَّهَا مِنْ نَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ هِيَ حَادِثَةٌ، وَالْحَادِثُ: هُوَ مَا كَانَ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِهِ لَا مِنْ ذَاتِهِ. فَالْحَيَاةُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، بَلْ هِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْوُجُودِ. فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ تِلْكَ الذَّاتَ الْأَزَلِيَّةَ قَدْ صَدَرَتْ عَنْهَا أَشْيَاءُ كُلُّهَا بِلَا حَيَاةٍ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَهَا أَحْدَثَ لِنَفْسِهِ حَيَاةً؟ هَذِهِ سَخَافَةٌ لَا تَخْطُرُ فِي بَالِ عَاقِلٍ، فَالْإِنْسَانُ أَرْقَى الْأَحْيَاءِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّ مِنْ أَثَرِ حَيَاتِهِ الْعِلْمَ بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْإِرَادَةَ وَالتَّدْبِيرَ وَالنِّظَامَ، وَمَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ هِبَةِ الْحَيَاةِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْيَاءِ أَحَقُّ بِالْعَجْزِ.
التِّلْمِيذُ: إِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ الَّتِي أَثَرُهَا الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالنِّظَامُ هِيَ أَرْقَى مَرَاتِبِ الْحَيَاةِ وَهِيَ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ، أَلَا يَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ مُشَابَهَةُ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ لِحَيَاةِ اللهِ - تَعَالَى - ; لِأَنَّ هَذِهِ الْخَصَائِصَ هِيَ لِحَيَاةِ اللهِ - تَعَالَى - أَيْضًا؟
الشَّيْخُ: اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ ذَاتَ اللهِ - تَعَالَى - لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتَ، وَصِفَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ، فَإِذْ طَرَأَتْ عَلَيْكَ الشُّبْهَةُ فِي أَثَرِ الْحَيَاةِ فَقَطْ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا مَجْهُولَةٌ فَتَأَمَّلِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ: إِنَّ حَيَاةَ اللهِ - تَعَالَى ذَاتِيَّةٌ، - وَحَيَاةَ الْإِنْسَانِ مِنَ اللهِ - تَعَالَى -، إِنَّ حَيَاةَ اللهِ - تَعَالَى - أَزَلِيَّةٌ وَحَيَاةَ الْإِنْسَانِ حَادِثَةٌ، إِنَّ حَيَاةَ اللهِ - تَعَالَى - لَا تُفَارِقُهُ وَحَيَاةَ الْإِنْسَانِ تُفَارِقُهُ حِينَ يَمُوتُ، إِنَّ حَيَاةَ اللهِ - تَعَالَى - هِيَ الَّتِي تُفِيضُ الْحَيَاةَ عَلَى كُلِّ حَيٍّ وَحَيَاةُ الْإِنْسَانِ خَاصَّةٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ وَالتَّدْبِيرُ وَالْإِرَادَةُ وَالنِّظَامُ، كُلُّ ذَلِكَ نَاقِصٌ فِي الْإِنْسَانِ وَاللهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ، وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. انْتَهَى الْمُرَادُ نَقْلُهُ مِنْ تِلْكَ الْعَقِيدَةِ.
وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ يُجَلِّي لِمَنْ وَعَاهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ هَذَا اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ أَوْ قَالَ: " أَعْظَمُ أَسْمَاءِ اللهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [2:
1
63] وَفَاتِحَةِ
آلِ عِمْرَانَ
الم اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [3: 1: 2] فَالْآيَةُ الْأُولَى: تُثْبِتُ لَهُ - تَعَالَى - وَحْدَانِيَّةَ الْأُلُوهِيَّةِ مَعَ الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، وَالثَّانِيَةُ: تُثْبِتُ لَهُ مَعَ الْوَحْدَانِيَّةِ
الْحَيَاةَ الَّتِي تُشْعِرُ بِكَمَالِ الْوُجُودِ وَكَمَالِ الْإِيجَادِ بِإِضَافَةِ الْحَيَاةِ عَلَى الْأَحْيَاءِ، وَالْقَيُّومِيَّةِ وَهِيَ كَوْنُهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ ; أَيْ ثَابِتًا بِذَاتِهِ وَكَوْنُ غَيْرِهِ قَائِمًا بِهِ ; أَيْ ثَابِتًا وَمَوْجُودًا بِإِيجَادِهِ إِيَّاهُ وَحِفْظِهِ لِوُجُودِهِ بِإِمْدَادِهِ بِمَا يَحْفَظُ بِهِ الْوُجُودَ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَمِنْ مَعَانِي هَذِهِ الْقَيُّومِيَّةِ: الْقِيَامُ
بِالْقِسْطِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [3: 18] وَالْقِسْطُ هُنَا: هُوَ الْعَدْلُ الْعَامُّ فِي سُنَنِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَشَرَائِعِهِ، وَمِنْهَا الْقِيَامُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ كَمَا قَالَ: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [13: 33] وَقَدْ قَصَّرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي بَيَانِ مَعْنَى " الْحَيِّ " وَقَارَبُوا فِي مَعْنَى " الْقَيُّومِ ". قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هُوَ قَيِّمُ كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ وَيَرْزُقُهُ وَيَحْفَظُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ عَلَى خَلْقِهِ بِآجَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: - مِنْ رُوَاةِ اللُّغَةِ - مَعْنَاهُ الْمُدَبِّرُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ نَحْوَ قَوْلِ قَتَادَةَ. قَالَ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ قَتَادَةَ: وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا لَا بِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُومُ بِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ حَتَّى لَا يُتَصَوَّرَ وُجُودُ شَيْءٍ وَلَا دَوَامُ وَجُودِهِ إِلَّا بِهِ. قُلْتُ: وَلِذَا قَالُوا فِيهِ: إِنَّهُ اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ اهـ. وَالْمَادَّةُ تُعْطِي هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا. وَالْغَزَّالِيُّ يُبْدِئُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِحْيَاءِ وَيُعِيدُهُ لَا سِيَّمَا فِي كِتَابِ الشُّكْرِ وَكِتَابِ التَّوَكُّلِ، وَمِمَّا قَالَهُ فِي الْأَوَّلِ، وَقَدْ قَسَّمَ النَّاسَ إِلَى أَقْسَامٍ فِي شُهُودِهِمْ نِعَمَ اللهِ وَشُكْرِهِ قَالَ:" النَّظَرُ الثَّانِي: نَظَرُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ إِلَى مَقَامِ الْفَنَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَهَؤُلَاءِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَمْ يُثْبِتُوا إِلَّا وُجُودَ أَنْفُسِهِمْ وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَبٌّ يُعْبَدُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْعُمْيَانُ الْمَنْكُوسُونَ وَعَمَاهُمْ فِي كِلْتَا الْعَيْنَيْنِ ; لِأَنَّهُمْ نَفَوْا مَا هُوَ الثَّابِتُ تَحْقِيقًا وَهُوَ الْقَيُّومُ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَقَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَكُلُّ قَائِمٍ فَهُوَ قَائِمٌ بِهِ، وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى هَذَا حَتَّى أَثْبَتُوا أَنْفُسَهُمْ وَلَوْ عَرَفُوا لَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ هُمْ، لَا ثَبَاتَ لَهُمْ وَلَا وُجُودَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا وُجُودُهُمْ مِنْ حَيْثُ أُوجِدُوا لَا مِنْ حَيْثُ وُجِدُوا، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَبَيْنَ الْمُوجَدِ، وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا مَوْجُودٌ وَاحِدٌ وَمُوجِدٌ، فَالْمَوْجُودُ حَقٌّ وَالْمُوجَدُ بَاطِلٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، وَالْمَوْجُودُ قَائِمٌ وَقَيُّومٌ وَالْمُوجَدُ هَالِكٌ فَانٍ، وَإِذَا كَانَ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ فَلَا يَبْقَى إِلَّا وَجْهُ رَبِّكِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " اهـ.
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ السِّنَةُ: النُّعَاسُ ; وَهُوَ فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ قَالَ ابْنُ الرِّقَاعِ:
وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ
…
فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
وَالنَّوْمُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ تَعْرِيفُهُ مِنْ جِهَةِ بَيَانِ سَبَبِهِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ:
" وَالنَّوْمُ حَالٌ يَعْرِضُ لِلْحَيَوَانِ مِنِ اسْتِرْخَاءِ أَعْصَابِ الدِّمَاغِ مِنْ رُطُوبَاتِ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ بِحَيْثُ تَقِفُ الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ عَنِ الْإِحْسَاسِ رَأْسًا " وَهُوَ قَوْلُ الْأَطِبَّاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ أَقْوَالٌ أُخْرَى مُخْتَلِفَةٌ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا. قِيلَ: كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَنْفِيَ النَّوْمَ أَوَّلًا وَالسِّنَةَ بَعْدَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّرَقِّي. وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَا فِي النَّظْمِ جَاءَ عَلَى حَسَبِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ فِي الْوُجُودِ، فَنَفَى مَا يَعْرِضُ أَوَّلًا ثُمَّ مَا يَتْبَعُهُ. وَقَدْ قَالَ: لَا تَأْخُذُهُ دُونَ " لَا تَعْرِضُ لَهُ أَوْ لَا تَطْرَأُ عَلَيْهِ " مُرَاعَاةً لِلْوَاقِعِ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّ السِّنَةَ وَالنَّوْمَ يَأْخُذَانِ الْحَيَوَانَ عَنْ نَفْسِهِ أَخْذًا، وَيَسْتَوْلِيَانِ عَلَيْهِ اسْتِيلَاءً.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي النَّظْمِ الْكَرِيمِ تَرَقٍّ فِي نَفْيِ هَذَا النَّقْصِ، وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ التَّرَقِّي فَقَدْ غَفَلَ عَنْ مَعْنَى الْأَخْذِ وَهُوَ الْغَلَبُ وَالِاسْتِيلَاءُ، وَمَنْ لَا تَغْلِبُهُ السِّنَةُ قَدْ يَغْلِبُهُ النَّوْمُ لِأَنَّهُ أَقْوَى، فَذِكْرُ النَّوْمِ بَعْدَ السِّنَةِ تَرَقٍّ مِنْ نَفْيِ الْأَضْعَفِ إِلَى نَفْيِ الْأَقْوَى. وَالْجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهَا مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنَى الْحَيَاةِ وَالْقَيُّومِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ ; فَإِنَّ مَنْ تَأْخُذُهُ السِّنَةُ وَالنَّوْمُ يَكُونُ ضَعِيفَ الْحَيَاةِ وَضَعِيفَ الْقِيَامِ بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ.
أَقُولُ: وَيَظْهَرُ هَذَا عَلَى رَأْيِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سَبَبِ النَّوْمِ أَكْمَلَ الظُّهُورِ وَإِنْ كَانَ بَدِيهِيًّا فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّوْمَ عِبَارَةٌ عَنْ بُطْلَانِ عَمَلِ الْمُخِّ بِسَبَبِ مَا تُوَلِّدُهُ الْحَرَكَةُ مِنَ السُّمُومِ الْغَازِيَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْعَصَبِ، وَقِيلَ: بِسَبَبِ مَا تُفْرِزُهُ الْحُوَيْصِلَاتُ الْعَصَبِيَّةُ مِنَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالْفِعْلِ الْكِيمَاوِيِّ وَقْتَ الْعَمَلِ، فَكَثْرَةُ هَذَا الْمَاءِ تُضْعِفُ قَابِلِيَّةَ التَّأَثُّرِ فِيهَا فَتُحْدِثُ فِيهَا الْفُتُورَ فَيَكُونُ النَّوْمُ، وَيَسْتَمِرُّ إِلَى أَنْ يَتَبَخَّرَ ذَلِكَ الْمَاءُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَنَبَّهُ الْأَعْصَابُ وَيَرْجِعُ إِلَيْهَا تَأَثُّرُهَا وَإِدْرَاكُهَا، فَسَبَبُ النَّوْمِ أَمْرٌ جُسْمَانِيٌّ مَحْضٌ، وَاللهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ وَعَوَارِضِهَا.
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ فَهُمْ مُلْكُهُ وَعَبِيدُهُ مَقْهُورُونَ لِسُنَّتِهِ خَاضِعُونَ لِمَشِيئَتِهِ، وَهُوَ وَحْدَهُ الْمُصَرِّفُ لِشُئُونِهِمْ وَالْحَافِظُ لِوُجُودِهِمْ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ مِنْهُمْ فَيَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ مُقْتَضَى مَا مَضَتْ بِهِ سُنَّتُهُ، وَقَضَتْ بِهِ حِكْمَتُهُ، وَأَوْعَدَتْ بِهِ شَرِيعَتُهُ، مِنْ تَعْذِيبِ مَنْ دَسَّى نَفْسَهُ بِالْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ، وَدَنَّسَهَا بِالْأَخْلَاقِ السَّافِلَةِ،
وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، وَأَعْرَضَ عَنِ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ، مَنْ ذَا الَّذِي يُقْدِمُ عَلَى هَذَا مِنْ عَبِيدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ صُورَةٌ وَحَقِيقَةٌ؟ وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ نَصًّا فِي أَنَّ الْإِذْنَ سَيَقَعُ، وَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [11: 105] فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِانْفِرَادِهِ بِالسُّلْطَانِ وَالْمُلْكِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [82: 19] وَلِهَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْجُمْلَةِ: " بَيَانٌ لِكِبْرِيَاءِ شَأْنِهِ وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ يُسَاوِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ وَيَسْتَقِلُّ بِأَنْ يَدْفَعَ مَا يُرِيدُهُ شَفَاعَةً وَاسْتِكَانَةً فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعَاوِقَهُ عِنَادًا أَوْ مُنَاصَبَةً ".
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مُحَصَّلُهُ: إِنَّ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ قَطْعًا لِأَمَلِ الشَّافِعِينَ وَالْمُتَّكِلِينَ عَلَى الشَّفَاعَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي كَانَ يَقُولُ بِهَا الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ عَامَّةً بِبَيَانِ انْفِرَادِهِ - تَعَالَى - بِالسُّلْطَانِ وَالْمُلْكِ وَعَدَمِ جُرْأَةِ أَحَدٍ مِنْ عَبِيدِهِ عَلَى الشَّفَاعَةِ أَوِ التَّكَلُّمِ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَإِذْنُهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ أَيْ مَا قَبْلَهُمْ وَمَا بَعْدَهُمْ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ أُمُورَ الدُّنْيَا الَّتِي خَلَّفُوهَا وَأُمُورَ الْآخِرَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُونَهَا أَوْ مَا يُدْرِكُونَ وَمَا يَجْهَلُونَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ فَعَلَهُ الْعِبَادُ فِي الْمَاضِي
وَمَا هُوَ حَاضِرٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا يَسْتَقْبِلُهُمْ وَكَانَ مَا يُجَازِيهِمْ بِهِ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الْعِلْمِ كَانَتِ الشَّفَاعَةُ الْمَعْهُودَةُ مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ - تَعَالَى - ; لِأَنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِإِعْلَامِ الشَّفِيعِ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ مِنْ أَمْرِ الْمَشْفُوعِ لَهُ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ. مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنْ يَنْفِيَ رَجُلًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ - وَهُوَ عَادِلٌ - إِلَّا إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُفْسِدًا ضَارًّا بِالنَّاسِ، فَإِذَا شَفَعَ لَهُ شَافِعٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِعُمَرَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي بَقَائِهِ دُونَ نَفْيِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ ; هَذَا إِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ عِنْدَ سُلْطَانٍ عَادِلٍ كَعُمَرَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَيَجُوزُ أَنْ تُقْبَلَ وَيُتْرَكَ نَفْيُ الْمُفْسِدِ الضَّارِّ بِالنَّاسِ لِأَجْلِ مَرْضَاةِ الشَّفِيعِ، كَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَبِطَانَتِهِ الَّذِينَ يُؤْثِرُ مَرْضَاتِهِمْ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ; لِأَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ هَوَاهُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ يَظُنُّ الْغَافِلُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَيْسَ فِيهَا إِعْلَامُ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَلَوْ
رَجَعَ نَظَرَ الْبَصِيرَةِ لَرَأَى أَنَّ الشَّفِيعَ قَدْ أَعْلَمَ السُّلْطَانَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْجَانِيَ مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِ وَيُهِمُّهُ شَأْنُهُ وَيُرْضِيهِ بَقَاؤُهُ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ. فَالشَّفَاعَةُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي يَغْتَرُّ بِهَا الْكَافِرُونَ وَالْفَاسِقُونَ وَيَظُنُّونَ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَرْجِعُ عَنْ تَعْذِيبِ مَنِ اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ مِنْهُمْ لِأَجْلِ أَشْخَاصٍ يَنْتَظِرُونَ شَفَاعَتَهُمْ هِيَ مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهَا - وَهِيَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ - تَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ وَهُوَ ذُو الْعِلْمِ الْمُحِيطِ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْكَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى التَّصَدِّي لِإِعْلَامِكَ بِهِ، فَمَاذَا عَسَى أَنْ يَقُولَ مَنْ يُرِيدُ الشَّفَاعَةَ عِنْدَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَعْهَدُهُ النَّاسُ وَيَغْتَرُّ بِهِ الْحَمْقَى الَّذِينَ يَرْجُونَ النَّجَاةَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ بِدُونِ مَرْضَاةِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الدُّنْيَا؟
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِهِ، وَإِذْنُهُ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنْهُ - تَعَالَى -، يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ تَرَقٍّ فِي نَفْيِهَا مِنْ دَلِيلٍ إِلَى آخَرَ، أَيْ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ شَفَاعَةٌ بِمَعْنَى آخَرَ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ - تَعَالَى - كَالدُّعَاءِ الْمَحْضِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْرُؤُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَصِيبِ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ - تَعَالَى -، وَإِذْنُهُ - تَعَالَى - مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ فَلَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ إِلَّا إِذَا شَاءَ إِعْلَامَهُ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إِذْنُهُ - تَعَالَى - بِمَا حَدَّدَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي كِتَابِهِ، أَيْ فَمَنْ بُيِّنَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِعِقَابِهِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ لَا يَجْرُؤُ أَحَدٌ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالنَّجَاةِ، وَمَنْ بُيِّنَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِرِضْوَانِهِ عَلَى هَفَوَاتٍ أَلَمَّ بِهَا لَمْ تُحَوِّلْ وَجْهَهُ عَنِ اللهِ - تَعَالَى - إِلَى الْبَاطِلِ وَالْفَسَادِ الَّذِي يَطْبَعُ عَلَى الرُّوحِ فَتَسْتَرْسِلُ فِي الْخَطَايَا حَتَّى تُحِيطَ بِهَا وَتَمْلِكَ عَلَيْهَا أَمْرَهَا، فَذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ، مُنْتَهٍ إِلَيْهِ بِوَعْدِ اللهِ فِي كِتَابِهِ وَفَضْلِهِ عَلَى عِبَادِهِ - كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ.
ثُمَّ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: قَالُوا إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِلَّا بِإِذْنِهِ وَاقِعٌ. وَهُوَ أَنَّ نَبِيَّنَا عليه الصلاة والسلام يَشْفَعُ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ فَيُفْتَحُ بَابُ الشَّفَاعَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الشُّفَعَاءِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ. وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَأَثْبَتَهَا أَهْلُ السُّنَّةِ،
وَاللهُ - تَعَالَى - يَأْذَنُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُطْلِعُ عَلَى عِلْمِهِ بِاسْتِحْقَاقِ الشَّفَاعَةِ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا عُلِمَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَنَقُولُ: أَجْمَعَ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كَمَالِ عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى - وَإِحَاطَتِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اسْتِحَالَةَ الشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ بِالْمَعْنَى الْمَعْهُودِ - كَمَا سَبَقَ الْقَوْلُ - وَقُلْنَا هُنَاكَ: إِنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَبِذَلِكَ نَجْمَعُ بَيْنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَنْفِي الشَّفَاعَةَ بِدُونِ الِاسْتِثْنَاءِ وَبَيْنَ
هَذِهِ، وَقُلْنَا: إِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ، فَنُفَوِّضُ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَيْهِ - تَعَالَى - أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى الدُّعَاءِ الَّذِي يَفْعَلُ اللهُ - تَعَالَى - عَقِبَهُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ أَنْ سَيَفْعَلُهُ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الشَّافِعَ لَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ عِلْمِهِ وَلَمْ يُحْدِثْ تَأْثِيرًا مَا فِي إِرَادَتِهِ - تَعَالَى - ; وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ كَرَامَةُ اللهِ لِعَبْدِهِ بِمَا أَوْقَعَ الْفِعْلَ عَقِبَ دُعَائِهِ. أَقُولُ: وَبِهَذَا فَسَّرَ الشَّفَاعَةَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله وَرَاجِعْ تَفْسِيرَ آيَةِ وَاتَّقُوا يَوْمًا [2: 48] إِلَخْ.
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُرْسِيَّ هُوَ الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ، وَبِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلُ اللُّغَةِ. وَيُقَالُ: كَرَّسَ الرَّجُلُ كَفَرَّحَ، أَيْ كَثُرَ عِلْمُهُ وَازْدَحَمَ عَلَى قَلْبِهِ ; أَيْ إِنَّ عِلْمَهُ - تَعَالَى - مُحِيطٌ بِمَا يَعْلَمُونَ مِمَّا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَبِمَا لَا يَعْلَمُونَ مِنْ شُئُونِ سَائِرِ الْكَائِنَاتِ. فَبِمَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الشُّفَعَاءُ؟ وَقِيلَ: هُوَ الْعَرْشُ، وَاخْتَارَهُ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) وَهُوَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْمَعْصُومِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ تَمْثِيلٌ لِمُلْكِ اللهِ - تَعَالَى -، وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ يَضْبِطُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَتَوَقَّفُ التَّسْلِيمُ بِهَا عَلَى تَعْيِينِهِ وَالْقَوْلِ بِأَنَّهُ عِلْمٌ أَوْ مُلْكٌ أَوْ جِسْمٌ كَثِيفٌ أَوْ لَطِيفٌ، أَيْ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ خَلْقًا آخَرَ فَهُوَ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ الَّذِي نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَبْحَثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَلَا نَتَكَلَّمُ فِيهِ بِالرَّأْيِ. كَمَا قَالَ كَثِيرُونَ: إِنَّهُ هُوَ الْفَلَكُ الثَّامِنُ الْمُكَوْكَبُ مِنَ الْأَفْلَاكِ التِّسْعَةِ الَّتِي كَانَ يَقُولُ بِهَا فَلَاسِفَةُ الْيُونَانِ وَمُقَلِّدُوهُمْ فَذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِدُونِ عِلْمٍ وَهُوَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْكَبَائِرِ.
وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا أَيْ لَا يُثْقِلُهُ حِفْظُ هَذِهِ الْعَوَالِمِ بِمَا فِيهَا وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ فَيَتَعَالَى بِذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ كَشَأْنِ الْبَشَرِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَيَتَنَزَّهُ بِعَظَمَتِهِ عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى مَنْ يُعْلِمُهُ بِحَقِيقَةِ أَحْوَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَنْزِلُهُ إِلَى مَا لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ مِنْ مُجَازَاتِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَأَقُولُ: إِنَّ جُمْلَةَ الْآيَةِ تَمْلَأُ الْقَلْبَ بِعَظَمَةِ اللهِ وَجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْغُرُورِ بِالشُّفَعَاءِ الَّذِينَ يُعَظِّمُهُمُ الْمَغْرُورُونَ تَعْظِيمًا خَيَالِيًّا غَيْرَ مَعْقُولٍ حَتَّى يَنْسَوْنَ أَنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - عَبِيدٌ مَرْبُوبُونَ، أَوْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [21: 27، 28] فَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالَهَا مِمَّا وَرَدَ فِي عِلْمِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ
وَانْفِرَادِهِ بِالسُّلْطَةِ لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ يَوْمُ الدِّينِ، فَإِنَّ عَظَمَتَهُ - تَعَالَى - لَا تَدَعُ فِي نَفْسِهِ غُرُورًا، بَلْ يُوقِنُ بِأَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا بِمَرْضَاةِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُرْضِيًا لِلَّهِ - تَعَالَى - لَا يَتَجَرَّأُ أَحَدٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ لَهُ كَمَا تَلَوْتُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ آنِفًا. وَاتْلُ أَيْضًا قَوْلَهُ - تَعَالَى - عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [20: 108 - 113] وَإِنَّكَ لَتَجِدُ الْمُسْلِمِينَ يَتَرَنَّمُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَقَلَّمَا تُحْدِثُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ ذِكْرًا يَصْرِفُهُ عَنْ حَمْلِ الظُّلْمِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَالِاعْتِمَادِ فِي النَّجَاةِ عَلَى وَعْدِ اللهِ لِمَنْ يَعْمَلُ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، بَلْ تَرَى الْجَمَاهِيرَ يُعْرِضُونَ عَنْ هَذَا الذِّكْرِ وَيَرْجُونَ النَّجَاةَ وَالسَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالشَّفَاعَاتِ فَقَطْ.
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا
…
إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ مَبْسُوطًا: جُمْلَةُ الْآيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا إِنْذَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا كَأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَتَّكِلُونَ فِي نَجَاتِهِمْ عَلَى شَفَاعَةِ سَلَفِهِمْ فَأَوْقَعَهُمْ ذَلِكَ فِي تَرْكِ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّبَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ سُنَنَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَسَبَقُوهُمْ فِي الِاتِّكَالِ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّهَاوُنِ بِالدِّينِ، كَمَا نَرَى هَذِهِ الْقُلُوبَ الَّتِي خَوِيَتْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ وَخَلَتْ مِنْ خَشْيَتِهِ لِلْجَهْلِ بِمَا يَجِبُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَهِيَ عَلَى خَطَرِ الْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ، وَهَذِهِ النُّفُوسُ الْمُنْغَمِسَةُ فِي أَقْذَارِ الشَّهَوَاتِ، الْمُسْتَرْسِلَةُ فِي فِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ، وَهِيَ تَشْعُرُ بِأَنَّهَا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ تُرِيدُ أَنْ تَتَلَهَّى بِمَا يَصُمُّهَا عَنْ سَمَاعِ نَذِيرِ الشَّرِيعَةِ لِلْفِطْرَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْهَا الْجَهَالَاتُ وَالْأَهْوَاءُ ; لِكَيْلَا تَتَأَلَّمَ بِمَا يُنَغِّصُ عَلَيْهَا لَذَّاتِهَا، أَوْ يُحَتِّمُ عَلَيْهَا طَاعَةَ رَبِّهَا، فَلَا تَرَى أُلُوهِيَّةً تُضِيفُهَا إِلَى الدِّينِ، وَيَرْتَضِيهَا رُؤَسَاؤُهُ الرَّسْمِيُّونَ إِلَّا كَلِمَةَ الشَّفَاعَةِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّهَا
تُعَظِّمُ بِهَا النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَإِنْ جَعَلَتْهَا بِمَعْنًى وَثَنِيٍّ يُخِلُّ بِعَظَمَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكُلُّ مَنِ اغْتَرَّ بِذَلِكَ فَشَيْطَانُهُ هُوَ الَّذِي يُوَسْوِسُ لَهُ وَيَمُدُّهُ فِي الْغَيِّ، وَإِنَّهَا لَنُفُوسٌ مَا عَرَفَتْ عَظَمَةَ اللهِ وَلَا شَعَرَتْ بِالْحَيَاءِ مِنْهُ فِي حَيَاتِهَا وَلَا ظَهَرَ فِي أَعْمَالِهَا أَثَرُ مَحَبَّتِهِ، وَلَا احْتِرَامُ دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَمَا أَثَّرَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالْحُبُّ لَهُ وَالرَّجَاءُ بِفَضْلِهِ إِلَّا أُخِذَ دِينُهُ بِقُوَّةٍ وَجِدٍّ. وَآيَتُهُ بَذْلُ الْمَالِ وَالرُّوحِ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَتَأْيِيدِ شَرِيعَتِهِ، لَا الِامْتِنَانُ عَلَيْهِ وَعَلَى رَسُولِهِ بِقَبُولِ لَقَبِ الْإِسْلَامِ، وَتَعْظِيمِهِ بِالْقَوْلِ وَالْخَيَالِ، دُونَ الْقُلُوبِ وَالْأَعْمَالِ، وَالْقُرْآنُ شَاهِدٌ عَدْلٌ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [86: 13: 14] .
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
(الْمُفْرَدَاتُ) الرُّشْدُ - بِالضَّمِّ وَالتَّحْرِيكِ - إِصَابَةُ وَجْهِ الْأَمْرِ وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ، وَالْهُدَى: إِصَابَةُ الثَّانِي، فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الرُّشْدِ، وِمِثْلُهُ الرَّشَادُ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَضِدُّهُ الْغَيُّ، وَالطَّاغُوتُ: مَصْدَرُ الطُّغْيَانِ وَمَبْعَثُهُ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الشَّيْءِ وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ كَالْمَلَكُوتِ مِنَ الْمُلْكِ، أَوْ مَصْدَرٌ. وَيَصِحُّ فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَالْإِفْرَادُ وَالْجَمْعُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى. وَالْعُرْوَةُ مِنَ الدَّلْوِ وَالْكُوزِ: الْمَقْبَضُ، وَمِنَ الثَّوْبِ: مَدْخَلُ الزِّرِّ، وَمِنَ الشَّجَرِ: الْمُلْتَفُّ الَّذِي تَشْتُو فِيهِ الْإِبِلُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ حَيْثُ لَا كَلَأَ وَلَا نَبَاتَ، أَوْ هُوَ مَا لَا يَسْقُطُ وَرَقُهُ كَالْأَرَاكِ وَالسِّدْرِ، أَوْ مَا لَهُ أَصْلٌ بَاقٍ فِي الْأَرْضِ. أَقْوَالٌ يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ الْعُرْوَةَ هِيَ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ فِي كُلِّ فَصْلٍ لِثَبَاتِهِ وَبَقَائِهِ. وَقَالُوا: إِذَا أَمْحَلَ النَّاسُ عَصَمَتِ الْعُرْوَةُ الْمَاشِيَةَ ; يَعْنُونَ مَا لَهُ أَصْلٌ بَاقٍ كَالنَّصِيِّ وَالْعَرْفَجِ وَأَجْنَاسِ الْخَلَّةِ وَالْحَمْضِ. وَالْوُثْقَى: مُؤَنَّثُ الْأَوْثَقِ، وَهُوَ الْأَشَدُّ الْأَحْكَمُ، وَالْمُوَثَّقُ مِنَ الشَّجَرِ: مَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ النَّاسُ
إِذَا انْقَطَعَ الْكَلَأُ وَالشَّجَرُ. وَأَرْضٌ وَثِيقَةٌ: كَثِيرَةُ الْعُشْبِ يُوثَقُ بِهَا. وَالِانْفِصَامُ: الِانْكِسَارُ وَالِانْقِطَاعُ، مُطَاوِعُ فَصَمَهُ، أَيْ كَسَرَهُ أَوْ قَطَعَهُ وَلَمْ يَبْنِهِ.
(سَبَبُ النُّزُولِ) رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاةً (أَيْ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ) فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ الْحُصَيْنُ
كَانَ لَهُ ابْنَانِ نَصْرَانِيَّانِ، وَكَانَ هُوَ مُسْلِمًا، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَلَا أَسْتَكْرِهُهُمَا فَإِنَّهُمَا قَدْ أَبَيَا إِلَّا النَّصْرَانِيَّةَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ. وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّهُ حَاوَلَ إِكْرَاهَهُمَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَدْخُلُ بَعْضِي النَّارَ وَأَنَا أَنْظُرُ؟ وَلِابْنِ جَرِيرٍ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ فِي نَذْرِ النِّسَاءِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَهْوِيدَ أَوْلَادِهِنَّ لِيَعِيشُوا، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَرَادُوا إِكْرَاهَ مَنْ لَهُمْ مِنَ الْأَوْلَادِ عَلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فَكَانَتْ فَصْلَ مَا بَيْنَهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ عِنْدَمَا أُنْزِلَتْ: قَدْ خَيَّرَ اللهُ أَصْحَابَكُمْ فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْ.
(التَّفْسِيرُ) أَقُولُ: هَذَا هُوَ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي يَزْعُمُ الْكَثِيرُونَ مِنْ أَعْدَائِهِ - وَفِيهِمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ - أَنَّهُ قَامَ بِالسَّيْفِ وَالْقُوَّةِ فَكَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّاسِ وَالْقُوَّةُ عَنْ يَمِينِهِ فَمَنْ قَبِلَهُ نَجَا، وَمَنْ رَفَضَهُ حَكَمَ السَّيْفُ فِيهِ حُكْمَهُ، فَهَلْ كَانَ السَّيْفُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ فِي إِكْرَاهِ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي مَكَّةَ أَيَّامَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مُسْتَخْفِيًا، وَأَيَّامَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْتِنُونَ الْمُسْلِمَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّعْذِيبِ وَلَا يَجِدُونَ رَادِعًا حَتَّى اضْطُرَّ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْهِجْرَةِ؟ أَمْ يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنِ اعْتَزَّ الْإِسْلَامُ! ! وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ فِي غِرَّةٍ هَذَا الِاعْتِزَازِ، فَإِنَّ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: إِنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ الَّتِي لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَكَانَ كُفَّارُ مَكَّةَ لَا يَزَالُونَ يَقْصِدُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْحَرْبِ. نَقَضَ بَنُو النَّضِيرِ عَهْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَادُوا لَهُ وَهَمُّوا بِاغْتِيَالِهِ مَرَّتَيْنِ وَهُمْ بِجِوَارِهِ فِي ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ
فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ إِجْلَائِهِمْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى أَجْلَاهُمْ، فَخَرَجُوا مَغْلُوبِينَ عَلَى أَمْرِهِمْ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِإِكْرَاهِ أَوْلَادِهِمُ الْمُتَهَوِّدِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْعِهِمْ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَ الْيَهُودِ. فَذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ خَطَرَ فِيهِ عَلَى بَالِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: كَانَ مَعْهُودًا عِنْدَ بَعْضِ الْمَلَلِ - لَا سِيَّمَا النَّصَارَى - حَمْلُ النَّاسِ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِمْ بِالْإِكْرَاهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَلْصَقُ بِالسِّيَاسَةِ مِنْهَا بِالدِّينِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ - وَهُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَجَوْهَرُهُ - عِبَارَةٌ عَنْ إِذْعَانِ النَّفْسِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْإِذْعَانُ بِالْإِلْزَامِ وَالْإِكْرَاهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ - تَعَالَى - بَعْدَ نَفْيِ الْإِكْرَاهِ: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أَيْ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ فِي هَذَا الدِّينِ الرُّشْدَ وَالْهُدَى وَالْفَلَاحَ وَالسَّيْرَ فِي الْجَادَّةِ عَلَى نُورٍ، وَأَنَّ مَا خَالَفَهُ مِنَ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ عَلَى غَيٍّ وَضَلَالٍ. فَمَنْ يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ وَهُوَ كُلُّ مَا تَكُونُ عِبَادَتُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ سَبَبًا لِلطُّغْيَانِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْحَقِّ مِنْ مَخْلُوقٍ يُعْبَدُ، وَرَئِيسٍ يُقَلَّدُ، وَهَوًى يُتَّبَعُ، وَيُؤْمِنُ بِاللهِ فَلَا يَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَرْجُو غَيْرَهُ وَلَا يَخْشَى
سِوَاهُ، يَرْجُوهُ وَيَخْشَاهُ لِذَاتِهِ، وَبِمُنَاسَبَةٍ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالسُّنَنِ فِي عِبَادِهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا أَقُولُ: أَيْ فَقَدْ طَلَبَ أَوْ تَحَرَّى بِاعْتِقَادِهِ وَعَمَلِهِ أَنْ يَكُونَ مُمْسِكًا بِأَوْثَقِ عُرَى النَّجَاةِ، وَأَثْبَتِ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ، أَوْ فَقَدِ اعْتَصَمَ بِأَوْثَقِ الْعُرَى، وَبَالَغَ فِي التَّمَسُّكِ بِهَا، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الِاسْتِمْسَاكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ الْقَوِيمِ الَّذِي لَا يَضِلُّ سَالِكُهُ، كَمَا أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِعُرْوَةٍ هِيَ أَوْثَقُ الْعُرَى وَأَحْكَمُهَا فَمَثَلًا لَا يَقَعُ وَلَا يَتَفَلَّتُ، وَقَدْ حُذِفَ لَفْظُ الَّتِي وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عَنِ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، وَأَقُولُ: أَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ الْعُرْوَةَ فِي الْآيَةِ مُسْتَعَارَةٌ مِنْ عُرْوَةِ الثَّوْبِ وَيُنَاسِبُهُ الِانْفِصَامُ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ أَنْ يُرَادَ بِهَا عُرْوَةُ الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ فَهِيَ الَّتِي لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهَا بِالْقَحْطِ وَالْجَدَبِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْمُبَالِغَ بِالتَّمَسُّكِ بِهَذَا الْحَقِّ وَالرُّشْدِ كَمَنْ يَأْوِي بِنِعَمِهِ إِلَى ذَلِكَ الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهُ، وَلَا يَفْنَى عَلَفُهُ، فَإِذَا نَزَلَ الْجَدَبُ وَالْقَحْطُ بِمَنْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، كَانَ هُوَ مُعْتَصِمًا بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، أَيْ إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْعُرْوَةِ يَجِدُ فِيهَا السَّعَادَةَ الدَّائِمَةَ دُونَ غَيْرِهِ. وَمِمَّا خَطَرَ لِي عِنْدَ الْكِتَابَةِ الْآنَ: أَنَّ عُرْوَةَ الْإِيمَانِ إِذَا كَانَتْ لَا تَنْقَطِعُ بِالْمُسْتَمْسِكِ بِهَا فَهُوَ لَا يَخْشَى عَلَيْهِ الْهَلَكَةَ إِلَّا إِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي تَرَكَهَا، فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْآثَارِ فِي صِفَاتِ صَاحِبِهِ وَأَعْمَالِهِ مِنْ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْوُجُودِ - لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَالْخَيْرُ الْمُوَافِقُ لِمَصَالِحِ الْعَالَمِ - فَلَا شَكَّ أَنَّ شِدَّةَ التَّمَسُّكِ بِهِ هِيَ الْعِصْمَةُ مِنَ الْهَلَاكِ وَالسَّبَبُ الْأَقْوَى لِلثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْمُلْكِ وَالسِّيَادَةِ وَالسَّعَةِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلِلْبَقَاءِ الْأَبَدِيِّ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى. وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِمْسَاكِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِجَمِيعِ مَنَاشِئِ الطُّغْيَانِ، وَيَعْتَصِمْ بِالْحَقِّ الْيَقِينِ مِنْ أَصُولِ الْإِيمَانِ، فَهُوَ لَا يُعَدُّ مُسْتَمْسِكًا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِنِ انْتَمَى فِي الظَّاهِرِ إِلَى أَهْلِهَا، أَوْ إِلَى مَا بِهَا إِلْمَامُ الْمُمْسِكِ بِهَا، فَالْعِبْرَةُ بِالِاعْتِصَامِ وَالِاسْتِمْسَاكِ الْحَقِيقِيِّ، لَا بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ الضَّعِيفِ الصُّورِيِّ، وَالِانْتِمَاءِ الْقَوْلِيِّ وَالتَّقْلِيدِيِّ، وَاللهُ سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ مُدَّعِي الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَالْإِيمَانِ بِاللهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلِيمٌ بِمَا تُكِنُّهُ قُلُوبُهُمْ مِمَّا يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ، فَهُوَ يَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ. فَمَنْ شَهِدَ بِقُوَّةِ إِيمَانِهِ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ وَالسُّنَنَ الْكَوْنِيَّةَ مُسَخَّرَةً بِحِكْمَةِ اللهِ - تَعَالَى - مُسَيَّرَةً بِقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِسِوَاهَا إِلَّا لِوَاضِعِهَا وَالْفَاعِلِ بِهَا - فَهُوَ الْمُؤْمِنُ حَقًّا، وَلَهُ جَزَاءُ الْمُسْتَمْسِكِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَمَنْ كَانَ مُنْطَوِيًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ نَزَغَاتِ الْوَثَنِيَّةِ، نَاحِلًا مَا جَهِلَ سِرَّهُ مِنْ عَجَائِبِ الْخَلْقِ قُوَّةً غَيْرَ طَبِيعِيَّةٍ، يَتَقَرَّبُ إِلَيْهَا أَوْ يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ زُلْفَى، فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَصِمٍ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَلَهُ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تُذْكَرُ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّهْدِيدِ، أَيْ فَهِيَ تُفَسَّرُ بِحَسَبِ الْمَقَامِ كَمَا قُلْنَا. فَهِيَ جَامِعَةٌ هُنَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَرَدَ بِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [10:99] وَيُؤَيِّدُهُمَا الْآيَاتُ الْكَثِيرَةُ النَّاطِقَةُ بِأَنَّ الدِّينَ هِدَايَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ لِلنَّاسِ تَعْرِضُ عَلَيْهِمْ مُؤَيِّدَةً بِالْآيَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَأَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يُبْعَثُوا جَبَّارِينَ وَلَا مُسَيْطِرِينَ، وَإِنَّمَا بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَكِنْ يَرِدُ
عَلَيْنَا أَنَّنَا قَدْ أُمِرْنَا بِالْقِتَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حِكْمَةِ ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نُفَسِّرُهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بُنِيَ النَّضِيرِ إِذْ أَرَادَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ إِجْبَارَ أَوْلَادَهُمِ الْمُتَهَوِّدِينَ أَنْ يُسْلِمُوا وَلَا يَكُونُوا مَعَ بَنِي النَّضِيرِ فِي جَلَّائِهِمْ كَمَا مَرَّ، فَبَيَّنَ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الْإِكْرَاهَ مَمْنُوعٌ وَأَنَّ الْعُمْدَةَ فِي دَعْوَةِ الدِّينِ بَيَانُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، وَأَنَّ النَّاسَ مُخَيَّرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَبُولِهِ وَتَرْكِهِ. شُرِعَ الْقِتَالُ لِتَأْمِينِ الدَّعْوَةِ وَلِكَفِّ شَرِّ الْكَافِرِينَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، لِكَيْلَا يُزَعْزِعُوا ضَعِيفَهُمْ قَبْلَ أَنْ تَتَمَكَّنَ الْهِدَايَةُ مِنْ قَلْبِهِ، وَيَقْهَرُوا قَوِيَّهُمْ بِفِتْنَتِهِ عَنْ دِينِهِ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي مَكَّةَ جَهْرًا وَلِذَلِكَ قَالَ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [2:193] أَيْ حَتَّى يَكُونَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ آمِنًا مِنْ زَلْزَلَةِ الْمُعَانِدِينَ لَهُ بِإِيذَاءِ صَاحِبِهِ فَيَكُونَ دِينُهُ خَالِصًا لِلَّهِ غَيْرَ مُزَعْزَعٍ وَلَا مُضْطَرِبٍ، فَالدِّينُ لَا يَكُونُ خَالِصًا لِلَّهِ إِلَّا إِذَا كُفَّتِ الْفِتَنُ عَنْهُ وَقَوِيَ سُلْطَانُهُ حَتَّى لَا يَجْرُؤَ عَلَى أَهْلِهِ أَحَدٌ (قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) : وَإِنَّمَا تُكَفُّ الْفِتَنُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
(الْأَوَّلُ) إِظْهَارُ الْمُعَانِدِينَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ بِاللِّسَانِ ; لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْ خُصُومِنَا وَلَا يُبَارِزُنَا بِالْعَدَاءِ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ كَلِمَتُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَيَكُونُ الدِّينُ لِلَّهِ وَلَا يُفْتَنُ صَاحِبُهُ فِيهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ.
(وَالثَّانِي) - وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى عَدَمِ الْإِكْرَاهِ - قَبُولُ الْجِزْيَةِ، وَهِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ يُعْطُونَنَا إِيَّاهُ جَزَاءَ حِمَايَتِنَا لَهُمْ بَعْدَ خُضُوعِهِمْ لَنَا، بِهَذَا الْخُضُوعِ نَكْتَفِي شَرَّهُمْ وَتَكُونُ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَاعِدَةٌ كُبْرَى مِنْ قَوَاعِدِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَرَكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ سِيَاسَتِهِ فَهُوَ لَا يُجِيزُ إِكْرَاهَ أَحَدٍ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ، وَلَا يَسْمَحُ لِأَحَدٍ أَنَّ يُكْرِهَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا نَكُونُ مُتَمَكِّنِينَ مِنْ إِقَامَةِ هَذَا الرُّكْنِ وَحِفْظِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِذَا كُنَّا أَصْحَابَ قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ نَحْمِي بِهَا دِينَنَا وَأَنْفُسَنَا مِمَّنْ يُحَاوِلُ فِتْنَتَنَا فِي دِينِنَا اعْتِدَاءً عَلَيْنَا بِمَا هُوَ آمِنٌ أَنْ نَعْتَدِيَ بِمِثْلِهِ عَلَيْهِ إِذْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَ إِلَى سَبِيلِ رَبِّنَا بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَنْ نُجَادِلَ الْمُخَالِفِينَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُعْتَمِدِينَ عَلَى تَبَيُّنِ الرُّشْدِ مِنَ الْغَيِّ بِالْبُرْهَانِ: هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ إِلَى الْإِيمَانِ، مَعَ حُرِّيَّةِ الدَّعْوَةِ، وَأَمْنِ الْفِتْنَةِ، فَالْجِهَادُ مِنَ الدِّينِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ; أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جَوْهَرِهِ وَمَقَاصِدِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ سِيَاجٌ لَهُ وَجُنَّةٌ، فَهُوَ أَمْرٌ سِيَاسِيٌّ
لَازِمٌ لَهُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِمَا يَهْذِي بِهِ الْعَوَامُّ، وَمُعَلِّمُوهُمُ الطُّغَامُ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الدِّينَ قَامَ بِالسَّيْفِ
وَأَنَّ الْجِهَادَ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ، فَالْقُرْآنُ فِي جُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَتَأَمَّلْ مَعَ مَا ذَكَّرْنَاكَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ فَهَذَا الْقَوْلُ يَهْدِي إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ ضُرُوبِ الْهِدَايَةِ يَكُونُ بِتَوْفِيقِ اللهِ - تَعَالَى - مَنْ شَاءَ، وَإِعْدَادِهِ لِلنَّظَرِ فِي الْآيَاتِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الشُّبَهَاتِ بِمَا يَنْقَدِحُ لِنَظَرِهِ مِنْ نُورِ الدَّلِيلِ لَا بِالْإِجْبَارِ وَالْإِكْرَاهِ. فَالْآيَةُ بِمَثَابَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مَنْعِ الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ، وَالتَّنْبِيهِ لِأُولَئِكَ الْآبَاءِ الَّذِينَ أَرَادُوا إِكْرَاهَ أَوْلَادِهِمْ عَلَى تَرْكِ الْيَهُودِيَّةِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَى الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ هِيَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ، فَإِذَا أَعَدَّتْهَا سُنَنُهُ وَعِنَايَتُهُ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَالرَّشَادِ كَانَتِ الدَّعْوَةُ الْمُبَيِّنَةُ كَافِيَةً لِجَذْبِهَا إِلَى نُورِ الْهِدَايَةِ وَإِلَّا فَقَدْ تُودَعُ مِنْهَا لِإِحَاطَةِ الظُّلُمَاتِ بِهَا.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ إِلَى أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - هُوَ مُتَوَلِّي أُمُورَ الْمُؤْمِنِينَ يُوَفِّقُهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الظُّلُمَاتِ، وَيَمُدُّهُمْ فِي الْهِدَايَةِ بِمَحْضِ الْقُدْرَةِ، كَمَا أَنَّ الطَّاغُوتَ يَمُدُّونَ الْكَافِرِينَ فِي الْغَوَايَةِ، وَيُخْرِجُونَهُمْ بِالْإِغْوَاءِ مِنْ نُورِ الْحَقِّ إِلَى ظُلُمَاتِ الضَّلَالَةِ. وَهَذَا تَفْسِيرُ الْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَفْهَمُونَ أَسَالِيبَ اللُّغَةِ الْعَالِيَةِ، أَوْ تَفْسِيرُ الْأَعَاجِمِ الَّذِينَ هُمْ أَجْدَرُ بِعَدَمِ الْفَهْمِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ مَعْنَى سَابِقَتِهَا ظَاهِرٌ أَتَمَّ الظُّهُورِ وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا وَلِيَّ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ لِأَحَدٍ عَلَى اعْتِقَادِهِ إِلَّا اللهُ - تَعَالَى - وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَهْتَدِي إِلَى اسْتِعْمَالِ الْهِدَايَاتِ الَّتِي وَهَبَهَا اللهُ لَهُ عَلَى وَجْهِهَا وَهِيَ الْحَوَاسُّ وَالْعَقْلُ وَالدِّينُ، فَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّمَا عَرَضَتْ لَهُمْ شُبْهَةٌ لَاحَ لَهُمْ بِسُلْطَانِ الْوِلَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ شُعَاعٌ مِنْ نُورِ الْحَقِّ يَطْرُدُ ظُلْمَتَهَا فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا بِسُهُولَةٍ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [7: 201] جَوَلَانُ الْحَوَاسِّ فِي رِيَاضِ الْأَكْوَانِ، وَإِدْرَاكُهَا مَا فِيهَا مِنْ بَدِيعِ الصُّنْعِ وَالْإِتْقَانِ يُعْطِيهِمْ نُورًا، وَنَظَرُ الْعَقْلِ فِي فُنُونِ الْمَعْقُولَاتِ يُعْطِيهِمْ نُورًا، وَمَا جَاءَ بِهِ الدِّينُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ يُتِمُّ لَهُمْ نُورَهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أَيْ لَا سُلْطَانَ عَلَى نُفُوسِهِمْ إِلَّا لِتِلْكَ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةِ السَّائِقَةِ إِلَى الطُّغْيَانِ، فَإِذَا كَانَ الطَّاغُوتُ مِنَ الْأَحْيَاءِ النَّاطِقَةِ وَرَأَى أَنَّ عَابِدِيهِ قَدْ لَاحَ لَهُمْ شُعَاعٌ مِنْ نُورِ الْحَقِّ الَّذِي يُنَبِّهُهُمْ إِلَى فَسَادِ مَا هُمْ فِيهِ بَادَرَ إِلَى إِطْفَائِهِ، بَلْ إِلَى صَرْفِهِمْ عَنْهُ بِمَا
يُلْقِيهِ دُونَهُ مِنْ حَجْبِ الشُّبَهَاتِ وَأَسْتَارِ زَخَارِفِ الْأَقْوَالِ الَّتِي تُقْبَلُ مِنْهُ لِأَجْلِ الِاعْتِقَادِ أَوْ بِنَفْسِ الِاعْتِقَادِ، وَإِذَا كَانَ الطَّاغُوتُ مِنْ غَيْرِ الْأَحْيَاءِ فَإِنَّ سَدَنَةَ هَيْكَلِهِ وَزُعَمَاءَ حِزْبِهِ لَا يَقْتَصِرُونَ فِي تَنْمِيقِ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ، وَتَزْيِينِ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ، أَقُولُ: بَلْ هَؤُلَاءِ الزُّعَمَاءُ يُعَدُّونَ مِنَ الطَّاغُوتِ كَمَا عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِهِ، فَإِنَّهُمْ دُعَاةُ الطُّغْيَانِ وَأَوْلِيَاؤُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تُعْتَقَدُ فِيهِمُ السُّلْطَةُ الْغَيْبِيَّةُ وَتُوَلَّهُ الْعُقُولُ
فِي مَزَايَاهُمُ الْإِلَهِيَّةِ فَإِنَّهُمْ مِمَّنْ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمْ فِي الِاعْتِقَادِ بِتِلْكَ السُّلْطَةِ وَالْمَزَايَا وَمَا يَنْبَغِي لِمَظَاهِرِهَا أَوْ لِأَرْبَابِهَا مِنَ التَّعْظِيمِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ الْعِبَادَةِ وَإِنْ سُمِّيَ تَوَسُّلًا أَوِ اسْتِشْفَاعًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ الْأُسْتَاذُ: الظُّلُمَاتُ هِيَ الضَّلَالَاتُ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كُلِّ طَوْرٍ مِنْ أَطْوَارِ حَيَاتِهِ كَالْكُفْرِ وَالشُّبَهَاتِ الَّتِي تُعْرَضُ دُونَ الدِّينِ، فَتَصُدُّ عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ أَوْ تَحُولُ دُونَ فَهْمِهِ وَالْإِذْعَانِ لَهُ، وَكَالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَى تَأْوِيلِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ وَجْهِهِ، وَكَالشَّهَوَاتِ وَالْحُظُوظِ الَّتِي تَشْغَلُ عَنْهُ وَتَسْتَحْوِذُ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى تَقْذِفَهَا فِي الْكُفْرِ. أَقُولُ: وَلِهَذِهِ الظُّلْمَةِ شُعْبَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: مَا يُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ الْإِيمَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِأَنَّهُ يَرَى ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى التَّمَتُّعِ بِشَهَوَاتِهِ الْحِسِّيَّةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالسُّلْطَةِ وَالْجَاهِ.
وَالثَّانِيَةُ: مَا يَسْتَرْسِلُ صَاحِبُهَا فِي الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ أَوِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِنُورِ الدِّينِ مَكَانٌ مِنْ قِبَلِهِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [83: 14، 15] الْآيَاتِ. وَقَالَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: لَا تُوجَدُ مِرْآةٌ يَرَى فِيهَا عَبَدَةُ الطَّاغُوتِ أَنْفُسَهُمْ كَمَا هِيَ أَجْلَى مِنَ الْقُرْآنِ: أَيْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ فِيهِ، إِمَّا لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْعَمَى وَأَلِفُوهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ أَمَلٍ فِي شِفَاءِ بَصَائِرِهِمْ وَإِمَّا لِأَنَّ طَاغُوتَهُمْ يَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كَمَا تَقَدَّمَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ لِأَنَّ النَّارَ هِيَ الدَّارُ الَّتِي تَلِيقُ بِأَهْلِ الظُّلُمَاتِ الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ لِنُورِ الْحَقِّ وَالرَّشَادِ مَكَانٌ فِي أَنْفُسِهِمْ يَصِلُهَا بِدَارِ النُّورِ وَالرِّضْوَانِ، فَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي الْآخِرَةِ هُوَ عَاقِبَةُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْخَوْضَ فِي حَقِيقَةِ تِلْكَ الدَّارِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِالنَّارِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَقَدُ مِنْ مَجْمُوعِ النُّصُوصِ أَنَّهَا دَارُ شَقَاءٍ يُعَذَّبُ الْمَرْءُ فِيهَا بِمَا
تَقَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْعَذَابُ بِالْبَرْدِ إِذْ وَرَدَ أَنَّ فِيهَا الزَّمْهَرِيرَ. وَأَزِيدُ الْآنَ: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ شَبِيهَةً بِالْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهَا مَوَاضِعَ شَدِيدَةَ الْحَرِّ كَالْأَمَاكِنِ الَّتِي فِي خَطِّ الِاسْتِوَاءِ، وَمَوَاضِعَ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ كَالْقُطْبَيْنِ إِلَّا أَنَّهَا أَبْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ عَنِ الِاعْتِدَالِ، فَحَرُّهَا وَبَرْدُهَا أَشَدُّ، وَمَصَادِرُهُمَا غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ لَنَا. أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا وَمِمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهَا مِنِ اعْتِقَادٍ وَقَوْلٍ وَعَمَلٍ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
هَذَا، وَإِنَّ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ هَدْمِ التَّقْلِيدِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي الْبَصِيرَةِ، وَلَكِنَّ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الدَّرْسِ بِالنَّصِّ، بَلْ قَالَ كَلَامًا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَيُفْهَمُ مِنْهُ ; ذَلِكَ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - جَعَلَ تَبَيُّنَ الرُّشْدِ وَظُهُورَهُ فِي كِتَابِهِ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الدِّينِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيَانُ الْكِتَابِ كَافِيًا فِي أَنْ يَتَبَيَّنَ لِلْمُكَلَّفِ مَا هُوَ مُطَالَبٌ بِهِ لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ وَلَا تَفْوِيضُ الْأَمْرِ بَعْدَ الْبَيَانِ إِلَى النَّاظِرِ، وَلَمَا عُدَّ الْبَيَانُ إِعْذَارًا لَهُ وَإِنْظَارًا، وَلَمَا الْتَأَمَ مَعَ هَذَا قَوْلُهُ:
اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَخْ فَإِنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ هُمُ الَّذِينَ وُكِلُوا إِلَى وِلَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْبَشَرِ سُلْطَانٌ عَلَى عَقَائِدِهِمْ وَلَا تَصَرُّفٌ فِي هِدَايَتِهِمْ، أَيْ إِنَّهُمْ ظَلُّوا عَلَى فِطْرَةِ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَنَظَرُوا فِي الدِّينِ بِمَا غَرَزَ فِي فِطْرَتِهِمْ مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، فَتَبَيَّنَ لَهُمُ الرُّشْدُ فَاتَّبَعُوهُ وَالْغَيُّ فَاجْتَنَبُوهُ، وَالْمُقَلِّدُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِاعْتِقَادِ غَيْرِهِ فَلَا تَسْلَمُ لَهُ وِلَايَةُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي تُؤَيِّدُهَا الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْعَظِيمَةُ وَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ فَلَهُمْ أَوْلِيَاءُ مِنَ الطَّاغُوتِ يَتَصَرَّفُونَ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَهُمْ يَقْبَلُونَ تَصَرُّفَهُمْ ثِقَةً بِهِمْ وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وَهَذَا لَيْسَ بِعُذْرٍ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - بَعْدَ مَا بَيَّنَ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ، فَتَبَيَّنَ فِي نَفْسِهِ حَتَّى لَا يُمْكِنَ أَنْ يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ فِيهِ طَالِبًا لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِ تَعَصُّبٍ لِلْأَهْوَاءِ، وَلَا لِتَقَالِيدِ الْآبَاءِ، وَيُؤَكِّدُ هَذِهِ الْمَعَانِي قَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَا انْفِصَامَ لَهَا فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ تَبَيَّنَ لَهُ هَذَا الرُّشْدُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَالْمُقَلِّدُ عُرْضَةٌ لِلتَّرْكِ وَالِانْفِكَاكِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ مَا هُوَ فِيهِ لِذَاتِهِ.
أَقُولُ: وَمِمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ وِلَايَةِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَوِلَايَتِهِمْ لَهُ وَوِلَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإِنَّ الْجَاهِلِينَ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْوِلَايَتَيْنِ، فَيَجْعَلُونَ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْوِلَايَةِ مَا هُوَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ، وَذَلِكَ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ خَفِيٌّ عِنْدَ الْجَاهِلِ، جَلِيٌّ عِنْدَ الْعَارِفِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلٍ فِيهِ.
هَذِهِ الْآيَاتُ تُثْبِتُ وِلَايَةَ اللهِ وَحْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي مَعْنَاهَا آيَاتٌ تُفِيدُ الْحَصْرَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الشُّورَى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ [42: 9] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ فِيهَا: وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [42:28] وَثَمَّةَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَنْفِي وِلَايَةَ غَيْرِهِ - تَعَالَى - كَالْآيَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّفَاعَةِ، وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ هُودٍ بَعْدَ أَمْرِ النَّبِيِّ وَمَنْ مَعَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكَمَ مَنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [11: 113] وَقَوْلِهِ لَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [6: 14] وَقَوْلِهِ: إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [7: 196] وَكَذَلِكَ أَمَرَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَلَّا يَتَّخِذُوا وَلِيًّا لَهُمْ غَيْرَ اللهِ - تَعَالَى -، أَيْ وَأَنْ يُعْلِمُوا أُمَمَهُمْ ذَلِكَ قَالَ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ عليه السلام: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [12: 101] الْآيَةَ وَقَالَ: وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا [4: 45] فَهَذِهِ شَوَاهِدُ عَلَى وِلَايَةِ اللهِ وَحْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَهْيِهِمْ عَنِ اتِّخَاذِ وَلِيٍّ مِنْ دُونِهِ " وَوَرَدَ فِي وِلَايَتِهِمْ لَهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [10: 62، 63] وَفِي مَعْنَاهَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ
الْأَنْفَالِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [8: 34] .
وَقَالَ - تَعَالَى - فِي وِلَايَةِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [8: 72] وَقَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ [9: 71] .
يُقَابِلُ وِلَايَةَ اللهِ - تَعَالَى - لِلْمُؤْمِنِينَ وَوِلَايَتَهُمْ لَهُ، وِلَايَةُ الشَّيْطَانِ وَالطَّاغُوتِ لِلْكَافِرِينَ وَوِلَايَتُهُمْ لَهُمَا كَمَا تَرَى فِي الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [3: 175] وَقَالَ: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ [4: 76] وَقَالَ: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [7: 30] وَيُقَابِلُ
وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وِلَايَةُ الْكَافِرِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كَمَا قَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [8: 73] وَقَالَ: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [5: 51] .
وَمِنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَاتِ رَأَى مَعَانِيَهَا ظَاهِرَةً جَلِيَّةً، أَمَّا كَوْنُهُ - تَعَالَى - هُوَ الْوَلِيُّ وَحْدَهُ لَا وَلِيَّ سِوَاهُ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ الْعِبَادِ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَذَلِكَ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْمَنَافِعِ وَمِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى الَّتِي تُمَكِّنُهُمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، بِمَا بَيَّنَ لَهُمْ مِنَ السُّنَنِ وَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهَذِهِ هِيَ الْوِلَايَاتُ الْعَامَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَأَمَّا وِلَايَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ عِنَايَتِهِ بِهِمْ وَإِلْهَامِهِ وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ لِمَا فِيهِ الْخَيْرُ وَالصَّلَاحُ الرُّوحَانِيُّ وَالْجُسْمَانِيُّ، بِمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَأَمَّا وِلَايَتُهُمْ لَهُ - تَعَالَى - فَقَدْ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِوِلَايَتِهِ لَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ، أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِهِمْ وَحْدَهُ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَهُمْ فِي اسْتِفَادَتِهِمْ بِقُوَاهُمْ مِنْ نَافِعِ الْكَوْنِ وَاتِّقَائِهِمْ لِمَضَارِّهِ يُلَاحِظُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَتَوَلِّيهِ لِأُمُورِهِمْ، إِذْ مَكَّنَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَهَيَّأَ أَسْبَابَهُ لَهُمْ، وَإِذَا ضَعُفَتْ قُوَاهُمْ دُونَ مَطْلَبٍ مِنْ مَطَالِبِهِمْ أَوْ جَهِلُوا طَرِيقَهُ وَسَبَبَهُ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ وَحْدَهُ مَعَ تَعَاوُنِهِمْ وَتَنَاصُرِهِمْ لَا يَتَوَجَّهُونَ إِلَى غَيْرِهِ فِي اسْتِمْدَادِ الْعِنَايَةِ وَطَلَبِ التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَعَ هَذَا الْإِيمَانِ يَتَّقُونَهُ - تَعَالَى - بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْإِثْمِ وَالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ فِي الْأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبَ الْبَلَاءِ وَالشَّقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْخَيْرَاتِ الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ السَّعَادَةِ فِي الدَّارَيْنِ، فَهَذَا مَعْنَى تَفْسِيرِ أَوْلِيَائِهِ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَاوُنِهِمْ وَتَنَاصُرِهِمْ فِي الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ مَعَ اسْتِقَامَتِهِمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ; لِأَنَّ الْفَسَادَ الشَّخْصِيَّ لَا يَتَّفِقُ مَعَ الْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ (9: 71) بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ.
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ إِلَخْ، وَمِنْ وَصْفِهِمْ بِالْمُجَاهَدَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى (8: 72) فَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ وِلَايَتُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْمُؤْمِنِ وَلِيًّا لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا هَذَا، أَيْ إِنَّهُ عَوْنٌ لَهُ وَنَصِيرٌ فِي الْحَقِّ الَّذِي يَعْلُو بِهِ شَأْنُ الْإِيمَانِ وَأَهْلُهُ، فَمَنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ فَاتَّخَذَ لَهُ وَلِيًّا أَوْ أَوْلِيَاءَ يُعْتَقَدُ أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ شَيْئًا
مِنْ أُمُورِهِ فِيمَا وَرَاءَ هَذَا التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ أَشْرَكُ ; إِذِ اعْتَدَى عَلَى وِلَايَةِ اللهِ الْخَاصَّةِ بِهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ لَا بِالتَّوَسُّطِ عِنْدَهُ وَلَا الِاسْتِقْلَالِ دُونَهُ.
هَذَا الْمَعْنَى هُوَ عَيْنُ وِلَايَةِ الْكَافِرِينَ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلطَّاغُوتِ كَمَا قَالَ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى [39: 3] وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُسَمَّى بِالطَّاغُوتِ بَعْضُ مَنِ اتَّخَذَ وَلِيًّا بِهَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَعِيسَى عليه السلام، فَإِنَّ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا هَذِهِ الْوِلَايَةَ لِعِيسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّالِحِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اتَّبَعُوا وَحْيَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَوَسَاوِسِهِمْ، فَهُمْ طَاغُوتُهُمْ كَمَا قَالَ: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [6: 121] الْآيَةَ وَقَالَ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [6: 112] وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لِيَتَبَرَّأُ مِنْ بَعْضٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا عُلِمَ مِنَ الْآيَاتِ الْأُخْرَى، وَمِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ تَعْلَمُ أَنَّ الْقُرْآنَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْنَدَ وِلَايَةَ اللهِ الْخَاصَّةِ إِلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَوْغَلَ بَعْضُ مُتَّخِذِي الْأَوْلِيَاءِ فِي دُعَاءِ أَوْلِيَائِهِمْ وَمُطَالَبَتِهِمْ بِمَا لَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنَ اللهِ - تَعَالَى - حَتَّى صَارَ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ وَيَكْتُبُ أَنَّ فُلَانًا الْوَلِيَّ يُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُسْعِدُ وَيُشْقِي وَيُفْقِرُ وَيُغْنِي، فَعَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ بِهَدْيِ الْقُرْآنِ وَلَا يَغُرَّنَّكَ تَأْوِيلُ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - وَعَزَاهُ إِلَى الْمُحَقِّقِينَ - الْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَشَاهَدٌ
عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ كَيْفَ كَانَ يَهْتَدِي بِوِلَايَةِ اللهِ لَهُ إِلَى الْحُجَجِ الْقَيِّمَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الشُّبَهَاتِ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَيْهِ، فَيَظَلُّ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، وَإِلَى الَّذِي حَاجَّهُ كَيْفَ كَانَ بِوَلَايَةِ الطَّاغُوتِ لَهُ يَعْمَى عَنْ نُورِ الْحُجَّةِ وَيَنْتَقِلُ مِنْ ظُلْمَةٍ مِنْ ظُلُمَاتِ الشُّبَهِ وَالشُّكُوكِ إِلَى أُخْرَى، قَالُوا: الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ هَذِهِ الْمُحَاجَّةِ وَغُرُورِ صَاحِبِهَا وَغَبَاوَتِهِ مَعَ الْإِنْكَارِ وَقَوْلُهُ: أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذِهِ الْمُحَاجَّةِ هُوَ إِيتَاءُ اللهِ - تَعَالَى - الْمُلْكَ لَهُ، فَكَانَ مَنْشَأَ إِسْرَافِهِ فِي غُرُورِهِ وَسَبَبَ كِبْرِيَائِهِ وَإِعْجَابِهِ بِقُدْرَتِهِ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَكَأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَأَلَهُ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي يَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ - وَقَدْ كَسَّرَ الْأَصْنَامَ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ وَسَفَّهَ أَحْلَامَ عَابِدِيهَا لِأَجْلِهِ - فَأَجَابَ بِهَذَا الْجَوَابِ، فَأَنْكَرَهُ الْمَلِكُ الطَّاغِيَةُ الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ ادِّعَاءُ الْأُلُوهِيَّةِ لِنَفْسِهِ وَقَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أُحْيِي مَنْ أُحْكِمَ عَلَيْهِ بِالْإِعْدَامِ بِالْعَفْوِ عَنْهُ، وَأُمِيتُ مَنْ شِئْتُ إِمَاتَتَهُ بِالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ، فَدَلَّ جَوَابُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَمْ يَقِلْ " فَقَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ " لِأَنَّ جَوَابَهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الدَّلِيلِ لَا يَتَّصِلُ بِهِ بِالْمَرَّةِ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَالْكَلَامُ فِي الْإِنْشَاءِ وَالتَّكْوِينِ، لَا فِي اتِّخَاذِ الْأَسْبَابِ وَالتَّوَسُّلِ فِي الشَّيْءِ الْمُكَوَّنِ. فَالْمُرَادُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ الَّذِي يُنْشِئُ الْحَيَاةَ فِي جَمِيعِ الْعَوَالِمِ الْحَيَّةِ مِنْ نَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهَا وَيُزِيلُ الْحَيَاةَ بِالْمَوْتِ، وَعَبَّرَ بِالَّذِي الدَّالِّ عَلَى الْمَعُهُودِ الْمَعْرُوفَةِ صِلَتُهُ دُونَ " مَنْ " الَّتِي فِيهَا الْإِبْهَامُ، وَبِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالِاسْتِمْرَارِ، لِإِفَادَةِ أَنَّ هَذَا شَأْنُهُ دَائِمًا كَمَا هُوَ مَعْهُودٌ مَعْرُوفٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي الْأَكْوَانِ نَظَرَ الْمُفَكِّرِ الْمُسْتَدِلِّ.
وَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ - مَصْدَرُ التَّكْوِينِ الَّذِي يَحْيَا كُلُّ حَيٍّ بِإِحْيَائِهِ وَيَمُوتُ بِقَطْعِ إِمْدَادِهِ لَهُ بِالْحَيَاةِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَائْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَهَذَا إِيضَاحٌ لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَإِزَالَةٌ لِشُبْهَةِ الْخَصْمِ، لَا أَنَّهُ جَوَابٌ آخَرُ كَمَا فَهِمَ الْجَلَالُ وَغَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ رَبِّي الَّذِي يُعْطِي الْحَيَاةَ وَيَسْلُبُهَا بِقُدْرَتِهِ وَحَكَمْتِهِ هُوَ الَّذِي يُطْلِعُ الشَّمْسَ مِنَ الْمَشْرِقِ، أَيْ هُوَ الْمُكَوِّنُ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ بِهَذَا النِّظَامِ وَالسُّنَنِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي نُشَاهِدُهَا عَلَيْهَا. فَإِنْ كُنْتَ تَفْعَلُ فَغَيِّرْ لَنَا نِظَامَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَائْتِ بِهَا مِنَ الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْجِهَةِ الَّتِي جَرَتْ سُنَّتُهُ - تَعَالَى - بِظُهُورٍ مِنْهَا. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أَيْ أَدْرَكَتْهُ الْحَيْرَةُ وَأَخَذَهُ الْحَصْرُ مِنْ نُصُوعِ الْحُجَّةِ وَسُطُوعِهَا فَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا. وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذَا تَرْشِيحٌ لِلْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ بِالظُّلْمِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: الْإِعْرَاضُ عَنِ النُّورِ الْإِلَهِيِّ وَهُوَ نُورُ الْعَقْلِ الَّذِي يَسِيرُ بِهِ الْمَرْءُ فِي طَرِيقِ الدِّينِ، فَمَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِإِطْفَاءِ هَذَا الْمِصْبَاحِ
فَصَارَ يَتَخَبَّطُ فِي الظُّلُمَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يَهْتَدِي فِي سَيْرِهِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُوصِلِ إِلَى السَّعَادَةِ، بَلْ يَضِلُّ عَنْهُ حَتَّى يَهْلَكَ دُونَ الْغَايَةِ.
أَقُولُ: يُرِيدُ بِمُطْفِئِ الْمِصْبَاحِ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ الْحُكْمَ فِي أَمْرِ الدِّينِ لِنَظَرِ الْعَقْلِ الصَّحِيحِ الْبَرِيءِ مِنَ الْهَوَى وَنَزَغَاتِ التَّقْلِيدِ، بَلْ يُحَكِّمُ الطَّاغُوتَ الَّذِي اسْتَسْلَمَ لَهُ، كَتَقْلِيدِهِ لِلَّذِينَ وَثِقَ بِهِمْ تَارِكًا مَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْفَهْمِ اكْتِفَاءً بِرَأْيِهِمْ، أَوِ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ وَشَهَوَاتِهِ الَّتِي تُزَيِّنُ لَهُ مَا هُوَ فِيهِ، وَتُوهِمُهُ أَنَّ النَّظَرَ فِي الدَّلِيلِ قَدْ يُقْنِعُهُ بِتَرْكِ مَا هُوَ مُتَمَتِّعٌ بِهِ فَيَفُوتُهُ، فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ وَيَسْتَرْسِلَ فِيمَا هُوَ فِيهِ. مَنْ فَهِمَ الْآيَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ يَعْلَمُ أَنْ لَا مَحَلَّ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي يُورِدُهَا بَعْضُ النَّاسِ عَلَى حُجَّةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَهِيَ أَنَّهُ كَانَ لِنَمْرُوذَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: إِذَا كَانَ رَبُّكَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا طَالَبْتَنِي بِهِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَلْيَأْتِ بِهَا يَوْمًا مَا.
قَالَ بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ: وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْأَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ خَرَابَ الْعَالَمِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُرْتَابِينَ: إِنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ نَمْرُوذُ ذَلِكَ لَأَلْزَمَهُ، وَقَدْ فَهِمَ نَمْرُوذُ عَلَى طُغْيَانِهِ وَغُرُورِهِ مِنَ الْحُجَّةِ مَا لَا يَفْهَمُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ، فَهِمَ أَنَّ مُرَادَ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ هَذَا النِّظَامَ فِي سَيْرِ الشَّمْسِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ حَكِيمٍ، إِذْ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ بِالْمُصَادَفَةِ وَالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّ رَبِّي الَّذِي أَعْبُدُهُ هُوَ ذَلِكَ الْفَاعِلُ الْحَكِيمُ الَّذِي قَضَتْ حِكْمَتُهُ بِأَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ عَلَى مَا نَرَى، وَمَنْ فَهِمَ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: اطْلُبْ مِنْ هَذَا الْحَكِيمِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حِكْمَتِهِ وَيُبْطِلَ سُنَّتَهُ، كَذَلِكَ لَا مَحَلَّ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: لِمَ سَكَتَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ كَشْفِ شُبْهَتِهِ الْأُولَى إِذْ زَعَمَ أَنَّ تَرْكَ الْقَتْلِ إِحْيَاءٌ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الشَّمْسِ قَدْ كَشَفَتْ ذَلِكَ انْكِشَافًا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى مَنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الشَّمْسُ.
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ
لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(الْمُفْرَدَاتُ) الْكَافُ فِي قَوْلِهِ: أَوْ كَالَّذِي بِمَعْنَى مِثْلِ، فَهِيَ اسْمٌ، وَمِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
بَيْضٌ ثَلَاثٌ كَنِعَاجٍ جُمِّ
…
يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ الْمُنْهَمِّ
أَيْ عَنْ ثَنَايَا مِثْلِ حَبِّ الْبَرَدِ الذَّائِبِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَتَنْتَهُونَ وَلَنْ يَنْهِي ذَوِي شَطَطٍ
…
كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفَتَلُ
وَزَعَمَ الْجَلَالُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ انْتِصَارًا لِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَجِيءَ الْكَافِ بِمَعْنَى مِثْلِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى لَا يَسْتَقِيمُ كَمَا يَلِيقُ بِبَلَاغَةِ الْقُرْآنِ إِلَّا عَلَى الْأَوَّلِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ تَحْكِيمَ مَذَاهِبِهِمُ النَّحْوِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَمُحَاوَلَةَ تَطْبِيقِهِ عَلَيْهَا - وَإِنْ أَخَلَّ ذَلِكَ بِبَلَاغَتِهِ - جَرَاءَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى اللهِ - تَعَالَى -، وَإِذَا كَانَ النَّحْوُ وُجِدَ لِمِثْلِ ذَلِكَ فَلَيْتَهُ لَمْ يُوجَدْ، وَالْقَرْيَةُ - بِالْفَتْحِ -: الضَّيْعَةُ وَالْمِصْرُ الْجَامِعُ، وَأَصْلُ مَعْنَى الْمَادَّةِ: الْجَمْعُ، وَمِنْهُ قَرْيَةُ النَّمْلِ الْمُجْتَمِعُ تُرَابُهَا، وَيُعَبَّرُ بِالْقَرْيَةِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَالْخَاوِيَةُ: الْخَالِيَةُ، يُقَالُ: خَوَى الْمَنْزِلُ خَوَاءً، وَخَوَى بَطْنُ الْحَامِلِ، وَقِيلَ: يَعْنِي سَاقِطَةً؛ مِنْ خَوَى النَّجْمُ إِذَا سَقَطَ، وَالْعُرُوشُ: السُّقُوفُ، وَيَتَسَنَّهُ: يَتَغَيَّرُ بِمُرُورِ السِّنِينَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّنَهِ، فَهَاؤُهُ أَصْلِيَّةٌ يُقَالُ سَنِهَ " كَتَعِبَ " أَتَتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ، وَتَسَهَّنَتِ النَّخْلَةُ: أَتَتْ عَلَيْهَا السُّنُونَ، وَتَسَنَّهَ الطَّعَامُ: تَكَرَّجَ وَتَعَفَّنَ لِطُولِ الزَّمَنِ، أَوْ أَصْلُهُ تَسَنَّى أَوْ تَسَنَّنَ، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ وَنُنْشِزُهَا بِالزَّايِ: نَرْفَعُهَا، مِنْ أَنْشَزَهُ إِذَا رَفَعَهُ، وَ " نَنْشُرُهَا " - بِالرَّاءِ - نُقَوِّيهَا، وَمِنْهُمَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ " لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ ".
(التَّفْسِيرُ) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مُلَخَّصُهُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ كَانَ مِنَ الصِّدِّيقِينَ أَوِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤَيَّدُ بِآيَاتِ اللهِ، فَالْكَلَامُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ
الصَّحِيحُ، مَثَلٌ لِهِدَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، كَمَا كَانَ شَأْنُ إِبْرَاهِيمَ مَعَ ذَلِكَ الْكَافِرِ. وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قِصَّةِ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ وَرَدَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّعْجِيبِ وَالْإِنْكَارِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ مِثْلِهِ أَلَّا يَقَعَ، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ عَجِيبًا - لَا يَصِحُّ إِنْكَارُ وُقُوعِهِ ; لِأَنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ تَعْرِضُ لِلْمُؤْمِنِ - وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فَيَطْلُبُ الْمَخْرَجَ بِالْبُرْهَانِ، فَيَهْدِيهِ اللهُ إِلَيْهِ بِمَا لَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ وَالسُّلْطَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ ظُلُمَاتِ الشُّبْهَةِ وَالْحَيْرَةِ إِلَى نُورِ الْبُرْهَانِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. وَقَدْ قَدَّرُوا هُنَا " أَرَأَيْتَ " لِإِثْبَاتِ التَّعْجِيبِ دُونَ الْإِنْكَارِ، أَيْ أَوْ أَرَأَيْتَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ أَيْ مِثْلَ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ فِي إِلْمَامِ ظُلْمَةِ الشُّبْهَةِ بِهِ. وَإِخْرَاجِ اللهِ إِيَّاهُ مِنْهَا إِلَى النُّورِ، وَقَدْ أَبْهَمَ اللهُ - تَعَالَى - هَذَا الْمَارَّ وَهَذِهِ الْقَرْيَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَهَا وَأَصْحَابَهَا، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي بِهِ
تُقَرِّرُ الْحُجَّةُ حَتَّى لَا يَشْغَلَ الْقَارِئَ أَوِ السَّامِعَ عَنْهَا شَاغِلٌ، فَهُوَ مِنَ الِاخْتِصَارِ الْبَلِيغِ، وَلَكِنَّ الْمُفَسِّرِينَ أَبَوْا إِلَّا أَنْ يَبْحَثُوا عَنْهَا وَعَمَّنْ مَرَّ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا قَرْيَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي مَرَّ أَرْمِيَاءُ، وَقِيلَ: الْعُزَيْرُ؛ رَجْمًا بِالْغَيْبِ أَوْ تَسْلِيمًا لِلْإِسْرَائِيلِيَّاتِ.
وَقَوْلُهُ: وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا مَعْنَاهُ: وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنَ السُّكَّانِ وَاقِعَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، فَقَوْلُهُ: عَلَى عُرُوشِهَا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَاوِيَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، أَيْ سَاقِطَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَهِيَ الْخَاوِيَةُ مِنَ السُّكَّانِ وَقَائِمَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: إِذَا نُزِعَتِ الْقَوَائِمُ سَقَطَتِ الْعُرُوشُ، وَالْحَالُ تَأْتِي مِنَ النَّكِرَةِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَأَوْقَعَ الْمُفَسِّرِينَ فِي التَّعَسُّفِ فِي التَّأْوِيلِ وَاخْتِيَارِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ عَلَى الْحَالِ الْمُفْرَدِ لِتَمْثِيلِ حَالِ الْقَرْيَةِ فِي النَّفْسِ بِذِكْرِ ضَمِيرِهَا، وَإِسْنَادِ خَاوِيَةٍ إِلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى قَرْيَةٍ خَاوِيَةٍ لَمَا أَفَادَ هَذَا التَّمْثِيلُ.
قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا يَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ وَيَعُدُّهُ غَرِيبًا لَا يَكَادُ يَقَعُ فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالُوا: مَعْنَاهُ أَلْبَثَهُ مِائَةَ عَامٍ مَيِّتًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْتَ يَكُونُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَفَاتَهُمْ أَنَّ مِنَ الْمَوْتِ مَا يَمْتَدُّ زَمَنًا طَوِيلًا، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ فَقْدِ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ وَالْإِدْرَاكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفَارِقَ الرُّوحُ الْبَدَنَ بِالْمَرَّةِ، وَهُوَ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْكَهْفِ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ - تَعَالَى - بِالضَّرْبِ عَلَى الْآذَانِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ السَّمْعَ آخَرُ مَا يُفْقَدُ مِنْ
إِدْرَاكِ مَنْ أَخَذَهُ النَّوْمُ أَوِ الْمَوْتُ، وَهَذَا الْمَوْتُ أَوِ الضَّرْبُ عَلَى الْآذَانِ هُوَ الْمُرَادُ بِالشِّقِّ الثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [39: 42] وَالْبَعْثُ هُوَ الْإِرْسَالُ ; فَإِذَا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَوْتِ يَكُونُ بِتَوَفِّي النَّفْسِ، أَيْ قَبْضِهَا فَزَوَالُهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِرْسَالِهَا وَبَعْثِهَا.
وَأَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تُحْفَظُ حَيَاتُهُ زَمَنًا طَوِيلًا يَكُونُ فِيهِ فَاقِدَ الْحِسِّ وَالشُّعُورِ، وَيُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِالسُّبَاتِ وَهُوَ النَّوْمُ الْمُسْتَغْرِقُ الَّذِي سَمَّاهُ اللهُ وَفَاةً، وَقَدْ كَتَبَ إِلَى مَجَلَّةِ الْمُقْتَطَفِ سَائِلٌ يَقُولُ: إِنَّهُ قَرَأَ فِي بَعْضِ التَّقَاوِيمِ أَنَّ امْرَأَةً نَامَتْ 5500 يَوْمًا أَيْ بِلَيَالِيهَا مِنْ غَيْرِ أَنَّ تَسْتَيْقِظَ سَاعَةً مَا فِي خِلَالِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَسَأَلَ هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟ فَأَجَابَهُ أَصْحَابُ الْمَجَلَّةِ بِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا شَابًّا نَامَ نَحْوَ شَهْرٍ مِنَ الزَّمَانِ ثُمَّ أُصِيبَ بِدَخَلٍ فِي عَقْلِهِ، وَقَرَءُوا عَنْ أُنَاسٍ نَامُوا نَوْمًا طَوِيلًا أَكْثَرُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَنِصْفٌ، وَاسْتَبْعَدُوا أَنْ يَنَامَ إِنْسَانٌ مُدَّةَ 5500 يَوْمًا أَيْ أَكْثَرَ مِنْ 15 سَنَةً نَوْمًا مُتَوَالِيًا. وَقَالُوا: إِنَّهُمْ لَا يَكَادُونَ يُصَدِّقُونَ ذَلِكَ. نَعَمْ إِنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ مَأْلُوفٍ، وَلَكِنَّ الْقَادِرَ عَلَى حِفْظِ الْإِنْسَانِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ، و15 سَنَةً قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهِ مِائَةَ سَنَةٍ، وَإِنْ لَمْ نَهْتَدِ إِلَى سُنَّتِهِ فِي ذَلِكَ، فَلُبْثُ الرَّجُلِ الَّذِي ضُرِبَ عَلَى سَمْعِهِ - هُنَا مَثَلًا - مِائَةً غَيْرُ مُحَالٍ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِنْدَنَا
فِي التَّسْلِيمِ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّصُّ مِنْ آيَاتِ اللهِ - تَعَالَى -، وَأَخْذِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ دُونَ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ هَذَا السُّبَاتِ الطَّوِيلِ الَّذِي لَمْ يَعْهَدْهُ أَكْثَرُهُمْ لِأَجْلِ تَقْرِيبِ إِمْكَانِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَذْهَانِ الَّذِينَ يَعْسُرُ عَلَيْهِمُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يُسْتَبْعَدُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْلُوفٍ، وَمَا هُوَ مُحَالٌ لَا يَقْبَلُ الثُّبُوتَ لِذَاتِهِ.
قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أَيْ لَمْ يَفْسُدْ بِمُرُورِ السِّنِينَ. أَقُولُ: لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا - تَعَالَى - نَوْعَ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَذَلِكَ الشَّرَابِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعَدُّ بَقَاؤُهُ مِائَةَ عَامٍ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تُدِلُّ رَائِيَهَا عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ - تَعَالَى -، وَإِلَّا فَإِنَّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَا لَا يَفْسُدُ بِطُولِ السِّنِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ انْظُرْ كَيْفَ مَاتَ وَتَفَرَّقَتْ أَوْ تَفَتَّتَتْ عِظَامُهُ، فَلَوْلَا طُولُ الْمُدَّةِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ انْظُرْ كَيْفَ بَقِيَ حَيًّا طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يَعْتَنِي بِشَأْنِهِ، كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ مِنْ حَيْثُ الْعَطْفُ وَلَا مَعْطُوفَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ، فَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ فِعْلًا مَحْذُوفًا أَيْ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا مِنَ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لِنُزِيلَ تَعَجُّبَكَ وَنُرِيَكَ آيَاتِنَا فِي نَفْسِكَ وَطَعَامِكَ وَشَرَابِكَ وَحِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، فَالْعَطْفُ دَلَّنَا عَلَى الْمَحْذُوفِ الْمَطْوِيِّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً وَهَذَا مِنْ لَطَائِفَ إِيجَازِ الْقُرْآنِ، أَمَّا كَوْنُ مَا رَأَى آيَةً لَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ هُوَ آيَةً لِلنَّاسِ فَهُوَ أَنَّ عِلْمَهُمْ بِمَوْتِهِ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بِحَيَاتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْآيَاتِ. وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ لَا يَزَالُ شَابًّا وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ قَدْ شَابُوا وَهَرَمُوا، وَقَدْ عَرَفُوهُ وَعَرَفَهُمْ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ بَدَنَهُ لَمْ يَعْمَلْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْأَعْمَالَ الَّتِي تُضْنِيهِ وَتُذْهِبُ بِمَاءِ الشَّبَابِ مِنْهُ فَتُهْرِمُهُ، بَلْ حُفِظَتْ لَهُ حَالَتَهُ الَّتِي تُوُفِّيَتْ نَفْسُهُ وَهُوَ عَلَيْهَا.
ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ " نُنْشِرُهَا " - بِالرَّاءِ - مِنَ الْإِنْشَارِ - وَالْبَاقُونَ - بِالزَّايِ - مِنَ الْإِنْشَازِ. قَالَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْحِمَارَ مَاتَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعِظَامِ هُنَا عِظَامُهُ، وَمَعْنَى نُنْشِزُهَا نَرْفَعُهَا وَنُرَكِّبُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَمَعْنَى " نُنْشِرُهَا ": نُحْيِيهَا، وَلَا مَنْدُوحَةَ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحِمَارَ كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِظَامِ جِنْسُهَا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَرَاهُ الْآيَةَ الَّتِي تَكُونُ حُجَّةً خَاصَّةً لِمَنْ رَآهَا نَبَّهَهُ إِلَى الْحُجَّةِ الْعَامَّةِ، وَالدَّلِيلِ الثَّابِتِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْبَعْثِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَهُوَ سُنَّتُهُ - تَعَالَى - فِي تَكْوِينِ الْحَيَوَانِ وَإِنْشَاءِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَالْإِنْشَاءُ مَعْنَاهُ: التَّقْوِيَةُ، وَالِانْتِشَارُ مَعْنَاهُ: التَّنْمِيَةُ ; لِأَنَّ الَّذِي يَنْمُو يَعْلُو وَيَرْتَفِعُ ; كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا أَطْلَعْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْآيَاتِ الْخَاصَّةِ الَّتِي تَدُلُّكَ عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى الْبَعْثِ نَهْدِيكَ إِلَى الْآيَةِ الْكُبْرَى الْعَامَّةِ وَهِيَ كَيْفِيَّةُ التَّكْوِينِ، وَإِنَّمَا
كَانَتْ هِيَ الْآيَةُ الْعَامَّةُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [7: 29] وَقَوْلِهِ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [21: 104] وَقَوْلِهِ فِي آيَاتٍ تُبَيِّنُ تَفْصِيلَ كَيْفِيَّةِ الْبَدْءِ: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا [23: 14] أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّفْسِيرَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ رضي الله عنه " وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِيهَا " مِنَ الْإِنْشَاءِ، وَعِظَامُ الْحِمَارِ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا إِنْشَاءٌ
جَدِيدٌ، بَلِ الْحِمَارُ نَفْسُهُ كَانَ مَوْجُودًا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَهُوَ الْمُتَبَادَلُ مِنْ قَوْلِهِ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ثُمَّ مِنْ إِعَادَةِ الْعَامِلِ انْظُرْ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ إِنْشَازِ الْعِظَامِ وَإِنْشَاءِ الْحَيَوَانِ مَعَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِذِكْرٍ جَعَلَهُ فِي نَفْسِهِ آيَةً. فَهَذَا الْفَصْلُ دَلِيلٌ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنَ الْآيَةِ الْخَاصَّةِ إِلَى الْآيَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ الْعِظَامُ تُوجَدُ فِي أَوَّلِ الْخِلْقَةِ عَارِيَةً مِنْ لِبَاسِ الْحَيَاةِ، بَلْ قَالَ فَقِيرَةٌ مِنْ مَادَّتِهَا، فَالْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَكْسُوَهَا لَحْمًا يَمُدُّهَا بِالْحَيَاةِ وَيَجْعَلُهَا أَصْلًا لِجِسْمٍ حَيٍّ - قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ الْخِصْبَ وَالْعُمْرَانَ لِلْقَرْيَةِ، كَمَا أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْإِحْيَاءِ بَعْدَ لُبْثِ مِائَةِ سَنَةٍ قَادِرٌ عَلَى الْإِحْيَاءِ بَعْدَ لُبْثِ الْمَوْتَى أُلُوفًا مِنَ السِّنِينَ، هَكَذَا يُشْبِهُ بَعْضُ أَفْعَالِهِ بَعْضًا.
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَيْ ظَهَرَ وَاتَّضَحَ لَهُ مَا ذُكِرَ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عِلْمًا يَقِينًا مُؤَيَّدًا بِآيَاتِ اللهِ فِي نَفْسِي وَفِي الْآفَاقِ. وَسَأَلَ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ سَائِلٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذَا التَّكَلُّمِ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَمْ يُبَيِّنْهُ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ سَامِعٍ، فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ بَيَانِهِ، أَقُولُ: إِنَّمَا سَأَلَ السَّائِلُ لِأَنَّ الْأُسْتَاذَ جَرَى عَلَى أَنَّ الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ صِدِّيقٌ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا فَهَذَا التَّكْلِيمُ كَانَ مِنَ الْوَحْيِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْقِصَّةِ لِنَبِيٍّ قُرِّرَتْ بِهِ الْحُجَّةُ هَكَذَا، كَمَا وَقَعَ لِإِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ يَقَعُ فِي نُفُوسِ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَفْكَارِ الصَّحِيحَةِ مَا لَا يَقَعُ فِي نُفُوسِ غَيْرِهِمْ، فَيُعَدُّ مِنْ إِلْهَامِ اللهِ - تَعَالَى - إِيَّاهُمْ ذَلِكَ، كَإِلْهَامِ أُمِّ مُوسَى مَا أُلْهِمَتْ بِهِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْوَحْيِ، وَيُحْكَى عَنْهُ بِمِثْلِ مَا يُحْكَى عَنِ التَّكْلِيمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
(الْمُفْرَدَاتُ) فَصُرْهُنَّ - بِضَمِّ الصَّادِ -: أَمِلْهُنَّ، مِنَ الْإِمَالَةِ، وَكَذَلِكَ فَصُرْهُنَّ - بِكَسْرِ الصَّادِ - يُقَالُ: صَارَهُ إِلَيْهِ يَصُورُهُ وَيَصِيرُهُ بِمَعْنَى أَمَالَهُ، وَيُقَالُ: صَارَ الرَّجُلُ إِذَا صَوَّتَ، وَمِنْهُ
عُصْفُورٌ صَوَّارٌ، وَصَارَهُ يَصِيرُهُ: قَطَّعَهُ وَفَصَّلَهُ صُوَرًا صُوَرًا، يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَعَ كَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا، فَأَمَّا الْكَسْرُ فَمَعْنَاهُ التَّصْوِيتُ، أَيْ صَوَّتَ وَصَاحَ بِهِنَّ، وَأَمَّا الضَّمُّ فَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ.
(التَّفْسِيرُ) هَذَا مِثَالٌ ثَالِثٌ لِوِلَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَهُوَ كَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ آيَاتِ الْبَعْثِ، وَأَمَّا الْمِثَالُ الْأَوَّلُ - وَهُوَ مُحَاجَّةُ مَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ لِإِبْرَاهِيمَ - فَهُوَ مِنَ الْآيَاتِ عَلَى وُجُودِ اللهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ مِثَالٍ وَاحِدٍ فِي إِثْبَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمِثَالَيْنِ فِي إِثْبَاتِ الْبَعْثِ أَنَّ مُنْكِرِي الْبَعْثِ أَكْثَرُ مِنْ مُنْكِرِي الْأُلُوهِيَّةِ! ! قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ الْجُمْهُورُ: التَّقْدِيرُ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَقَدْ صَرَّحَ بِمِثْلِ هَذَا الْمُتَعَلِّقِ فِي قَوْلِهِ: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ [7: 74] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ وَاخْتَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوَرَأَيْتَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ إِلَخْ. وَقَالُوا: إِنَّهُ صَرَّحَ هُنَا بِذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمِثَالِ الَّذِي قَبْلَهُ بِذِكْرِ الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ ; لِأَنَّ فِي سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْأَدَبِ مَعَ اللهِ - تَعَالَى - وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ فِي سُؤَالِ ذَاكَ، فَصُورَةُ ذَلِكَ صُورَةُ الْإِنْكَارِ وَصُورَةُ هَذَا صُورَةُ الْإِقْرَارِ مَعَ طَلَبِ الزِّيَادَةِ فِي الْعِلْمِ. رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى بَدَأَ السُّؤَالَ بِكَلِمَةِ رَبِّ الَّتِي تُفِيدُ عِنَايَتَهُ - تَعَالَى - بِعَبِيدِهِ وَتَرْبِيَتَهُ لِعُقُولِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ بِالْمَعَارِفِ لِتَكُونَ ثَنَاءً وَاسْتِعْطَافًا أَمَامَ الدُّعَاءِ، أَيْ أَرِنِي بِعَيْنِي كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِكَ لِلْمَوْتَى، وَقَدْ ذَكَرُوا أَسْبَابًا لِهَذَا السُّؤَالِ لَا يُقْبَلُ مِثْلُهَا إِلَّا بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي فَهْمِ الْكَلَامِ قَالَ - تَعَالَى - وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا سُئِلَ عَنْهُ مِنَ الْمَسْئُولِ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ حُذِفَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ لِدَلَالَةِ الْعَطْفِ عَلَيْهِ، وَقَدَّرُوا لَهُ أَلَمْ تَعْلَمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَقْرَبَ أَنْ يُقَدَّرَ: أَلَمْ يُوحَ إِلَيْكَ وَلَمْ تُؤْمِنْ بِذَلِكَ؟ قَالَ بَلَى أَيْ قَدْ أَوْحَيْتَ إِلَيَّ فَآمَنْتُ وَصَدَّقْتُ بِالْخَبَرِ، وَلَكِنْ تَاقَتْ نَفْسِي لِلْخَبَرِ. وَالْوُقُوفِ عَلَى كَيْفِيَّةِ هَذَا السِّرِّ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالْعِيَانِ بَعْدَ خَبَرِ الْوَحْيِ وَالْبُرْهَانِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - لِإِبْرَاهِيمَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ - إِرْشَادًا إِلَى مَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنَّ يَقِفَ عِنْدَهُ وَيَكْتَفِيَ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى مَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ:
إِنَّ الْإِيمَانَ بِهَذَا السِّرِّ الْإِلَهِيِّ وَالتَّسْلِيمِ فِيهِ لِخَبَرِ الْوَحْيِ وَدَلَائِلِهِ وَأَمْثَالِهِ هُوَ مُنْتَهَى مَا يُطْلَبُ مِنَ الْبَشَرِ، فَلَوْ كَانَ وَرَاءَ الْإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ مَطْلَعٌ لِنَاظِرٍ لَبَيَّنَهُ اللهُ لَكَ، وَفِي هَذَا الْإِرْشَادِ لِخَلِيلِ الرَّحْمَنِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً وَمَنْعٌ لَهُمْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ وَإِشْغَالِ نُفُوسِهِمْ بِمَا اسْتَأْثَرَ اللهُ - تَعَالَى ـ بِهِ فَلَا يَلِيقُ بِهِمُ الْبَحْثُ عَنْهُ.
وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام، كَانَ قَلِقًا مُضْطَرِبًا فِي اعْتِقَادِهِ بِالْبَعْثِ وَذَلِكَ شَكٌّ فِيهِ، وَمَا أَبْلَدَ أَذْهَانَهُمْ وَأَبْعَدَ أَفْهَامَهُمْ عَنْ إِصَابَةِ الْمَرْمَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَيْ أَنَّنَا نَقْطَعُ بِعَدَمِ شَكِّهِ كَمَا نَقْطَعُ بِعَدَمِ شَكِّنَا أَوْ أَشَدَّ قَطْعًا، نَعَمْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يُشْعِرُ، بِالشَّكِّ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يُؤْمِنُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ إِيمَانًا يَقِينِيًّا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّتَهَا وَيَوَدُّ لَوْ يَعْرِفُهَا، فَهَذَا التِّلِغْرَافُ الَّذِي يَنْقُلُ الْخَبَرَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْغَرْبِ فِي دَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ يُوقِنُ بِهِ كُلُّ النَّاسِ فِي كُلِّ بَلَدٍ يُوجَدُ فِيهِ، وَيَقِلُّ فِيهِمُ الْعَارِفُ بِكَيْفِيَّةِ نَقْلِهِ لِلْخَبَرِ بِهَذَا السُّرْعَةِ، أَفَيُقَالُ فِيمَنْ طَلَبَ بَيَانَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ إِنَّهُ شَاكٌّ بِوُجُودِ التِّلِغْرَافِ؟ طَلَبَ الْمَزِيدَ فِي الْعِلْمِ وَالرَّغْبَةِ فِي اسْتِكْنَاهِ الْحَقَائِقِ وَالتَّشَوُّفِ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى أَسْرَارِ الْخَلِيقَةِ مِمَّا فَطَرَ اللهُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانَ، وَأَكْمَلُ النَّاسِ عِلْمًا وَفَهْمًا أَشَدُّهُمْ لِلْعِلْمِ طَلَبًا وَلِلْوُقُوفِ عَلَى الْمَجْهُولَاتِ تَشَوُّفًا، وَلَنْ يَصِلَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَقَتْلِ كُلِّ مَوْجُودٍ فِقْهًا وَفَهْمًا، وَقَدْ كَانَ طَلَبُ الْخَلِيلِ عليه الصلاة والسلام رُؤْيَةَ كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِعَيْنَيْهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَهُوَ طَلَبٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ فِيمَا تَنْزِعُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ الْقُدْسِيَّةُ مِنْ مَعْرِفَةِ خَفَايَا أَسْرَارِ الرُّبُوبِيَّةِ. لَا طَلَبٌ فِي أَصْلِ عَقْدِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ الَّذِي عَرَفَهُ بِالْوَحْيِ وَالْبُرْهَانِ دُونَ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ.
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ قَرَأَ حَمْزَةُ " فَصِرْهُنَّ " - بِكَسْرِ الصَّادِ - وَالْبَاقُونَ - بِضَمِّهَا - مَعَ تَخْفِيفِ الرَّاءِ فِيهِمَا، وَمَعْنَاهُ: أَمِلْهُنَّ وَضُمَّهُنَّ إِلَيْكَ. وَقِيلَ مَعْنَى قِرَاءَةِ - الْكَسْرِ - فَقَطِّعْهُنَّ، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى بِـ " إِلَى " كَمَا تَقَدَّمَ، وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ، وَمَعَ هَذَا قَالُوا: إِنَّهُ قَطَّعَهُنَّ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي حِكْمَةِ اخْتِيَارِ الطَّيْرِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، فَقَالَ الرَّازِّيُّ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الطَّيْرَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ وَأَجْمَعُ لِخَوَاصِّ الْحَيَوَانِ، وَلِسُهُولَةٍ تَأَتِّي مَا يُفْعَلُ بِهِ مِنَ
التَّقْطِيعِ وَالتَّجْزِئَةِ.
وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الطَّيْرَ أَكْثَرُ نُفُورًا مِنَ الْإِنْسَانِ فِي الْغَالِبِ، فَإِتْيَانُهَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ أَبْلَغُ فِي الْمَثَلِ، وَسَيَأْتِي الْوَجْهُ الْوَجِيهُ فِي تَفْسِيرِ أَبِي مُسْلِمٍ لِلْآيَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمُوا فِي أَنْوَاعِهَا وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَتَكَلَّمُوا فِي أَرْبَعَةٍ فَقَالُوا: إِنَّهُ الْمُوَافِقُ لِعَدَدِ الطَّبَائِعِ، أَوْ لِعَدَدِ الرِّيَاحِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَتْ أَرْبَعَةً لِيَضَعَ فِي كُلِّ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ بَعْضَهَا وَهُوَ قَرِيبٌ، وَمَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ إِلَى التَّفْوِيضِ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَاصِمٍ " جُزُؤًا " - بِضَمِّ الزَّايِ - حَيْثُ وَقَعَ، وَالْبَاقُونَ - بِسُكُونِهَا - وَهُمَا لُغَتَانِ، قَالُوا: وَالْمَعْنَى جَزِّئْهُنَّ، وَاجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، وَرَوَوْا أَنَّهُ ذَبَحَ الطُّيُورَ وَنَتَفَهَا وَقَطَّعَهَا أَجْزَاءً وَخَلَّطَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَلَا يَدُلُّ
الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا أَيِ ادْعُ الطُّيُورَ يَأْتِينَكَ مُسْرِعَاتٍ طَيَرَانًا وَمَشْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَهُوَ بِعِزَّتِهِ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَبِحِكْمَتِهِ قَدْ جَعَلَ أَمْرَ الْإِعَادَةِ مُوَافِقًا لِحِكْمَةِ التَّكْوِينِ.
مُلَخَّصُ مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وآله وسلم طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَأَمَرَهُ - تَعَالَى - بِأَنْ يَأْخُذَ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَيُقَطِّعَهُنَّ أَجْزَاءً يُفَرِّقُهَا عَلَى عِدَّةِ جِبَالٍ هُنَاكَ، ثُمَّ يَدْعُوهَا إِلَيْهِ فَتَجِيئُهُ، وَقَالُوا: إِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ الْمُفَسِّرُ الشَّهِيرُ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَمَا كَلُّ أَمْرٍ يُقْصَدُ بِهِ الِامْتِثَالُ، فَإِنَّ مِنَ الْخَبَرِ مَا يَأْتِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لَا سِيَّمَا إِذَا أُرِيدَ زِيَادَةُ الْبَيَانِ، كَمَا إِذَا سَأَلَكَ سَائِلٌ كَيْفَ يُصْنَعُ الْحِبْرُ مَثَلًا؟ فَتَقُولُ خُذْ كَذَا وَكَذَا وَافْعَلْ بِهِ كَذَا وَكَذَا يَكُنْ حِبْرًا. وَتُرِيدُ هَذِهِ كَيْفِيَّتُهُ وَلَا تَعْنِي تَكْلِيفَهُ صُنْعَ الْحِبْرِ بِالْفِعْلِ. قَالَ: وَفِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخَبَرُ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا مَثَلٌ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى. وَمَعْنَاهُ خُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَضُمَّهَا إِلَيْكَ وَآنِسْهَا بِكَ حَتَّى تَأْنَسَ وَتَصِيرَ بِحَيْثُ تُجِيبُ دَعْوَتَكَ، فَإِنَّ الطُّيُورَ مِنْ أَشَدِّ الْحَيَوَانِ اسْتِعْدَادًا لِذَلِكَ، ثُمَّ اجْعَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى جَبَلٍ ثُمَّ ادْعُهَا فَإِنَّهَا تُسْرِعُ إِلَيْكَ لَا يَمْنَعُهَا تَفَرُّقُ أَمْكِنَتِهَا وَبُعْدُهَا مِنْ ذَلِكَ. كَذَلِكَ أَمْرُ رَبِّكَ إِذَا أَرَادَ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى يَدْعُوهُمْ بِكَلِمَةِ التَّكْوِينِ " كُونُوا أَحْيَاءً " فَيَكُونُوا أَحْيَاءً كَمَا كَانَ شَأْنُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، إِذْ قَالَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. هَذَا مَا نُجْلِي بِهِ تَفْسِيرَ أَبِي مُسْلِمٍ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الرَّازِّيُّ مُخْتَصَرًا. وَقَالَ: " وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ فِي عَوْدِ الْأَرْوَاحِ إِلَى الْأَجْسَادِ عَلَى سَبِيلِ السُّهُولَةِ وَأَنْكَرَ - يَعْنِي أَبَا مُسْلِمٍ - الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فَقَطِّعْهُنَّ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
(الْأَوَّلُ) : أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي اللُّغَةِ فِي قَوْلِهِ: فَصُرْهُنَّ أَمِلْهُنَّ، وَأَمَّا التَّقْطِيعُ وَالذَّبْحُ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَكَانَ إِدْرَاجُهُ فِي الْآيَةِ إِلْحَاقًا لِزِيَادَةٍ بِالْآيَةِ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
(وَالثَّانِي) أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِـ " صُرْهُنَّ " قَطِّعْهُنَّ لَمْ يَقُلْ إِلَيْكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى بِإِلَى، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى بِهَذَا الْحَرْفِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْإِمَالَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ فَخُذْ إِلَيْكَ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ؟ قُلْنَا: الْتِزَامُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُلْجِئٌ إِلَى الْتِزَامِهِ خِلَافَ الظَّاهِرِ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ ادْعُهُنَّ عَائِدٌ إِلَيْهَا لَا إِلَى أَجْزَائِهَا وَإِذَا كَانَتِ الْأَجْزَاءُ مُتَفَرِّقَةً مُتَفَاصِلَةً وَكَانَ الْمَوْضُوعُ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ بَعْضَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ - يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ لَا إِلَيْهَا وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَأَيْضًا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: يَأْتِينَكَ سَعْيًا عَائِدٌ إِلَيْهَا إِلَى أَجْزَائِهَا. وَعَلَى قَوْلِكُمْ إِذَا سَعَى بَعْضُ الْأَجْزَاءِ إِلَى بَعْضٍ كَانَ الضَّمِيرُ فِي يَأْتِينَكَ عَائِدًا إِلَى أَجْزَائِهَا لَا إِلَيْهَا.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْمَشْهُورِ بِوُجُوهٍ:
(الْأَوَّلُ) أَنَّ كُلَّ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ أَبِي مُسْلِمٍ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ ذَبْحُ تِلْكَ الطُّيُورِ وَتَقْطِيعُ أَجْزَائِهَا فَيَكُونُ إِنْكَارُ ذَلِكَ إِنْكَارًا لِلْإِجْمَاعِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم فَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْغَيْرِ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ اللهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى. وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي مُسْلِمٍ لَا تَحْصُلُ الْإِجَابَةُ فِي الْحَقِيقَةِ.
(وَالرَّابِعُ) أَنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الطُّيُورَ جُعِلَتْ جُزْءًا جُزْءًا. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ: إِنَّهُ أَضَافَ الْجُزْءَ إِلَى أَرْبَعَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجُزْءِ هُوَ الْوَاحِدُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إِلَّا أَنَّ حَمْلَ الْجُزْءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَظْهَرُ. وَالتَّقْدِيرُ فَاجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا أَوْ بَعْضًا ". انْتَهَى كَلَامُ الرَّازِّيِّ.
آيَةٌ فَهْمِ الرَّازِّيُّ وَغَيْرُهُ فِيهَا خِلَافَ مَا فَهِمَهُ جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ قَبْلِهِ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ فَهْمَ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ حُجَّةٌ عَلَى فَهْمِ الْآخَرِينَ، عَلَى أَنَّ مَا فَهِمَهُ أَبُو مُسْلِمٍ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَمَا قَالُوهُ مَأْخُوذٌ مِنْ رِوَايَاتٍ حَكَّمُوهَا فِي الْآيَةِ، وَلِآيَاتِ اللهِ الْحُكْمُ الْأَعْلَى، وَعَلَى مَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ هِيَ لَا تَدُلُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ أَبُو مُسْلِمٍ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِإِبْرَاهِيمَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ مَزِيَّةٌ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذَا الْمِثَالَ لِكَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ اللهِ لِلْمَوْتَى أَوْ لِكَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ: فِيهِ تَوْشِيحٌ لَهَا وَتَحْدِيدٌ لِمَا يَصِلُ إِلَيْهِ عِلْمُ الْبَشَرِ مِنْ أَسْرَارِ الْخَلِيقَةِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ كَانَ عَامًا فِي النَّاسِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ فِيهِ لِإِبْرَاهِيمَ، عَلَى أَنَّهُ يَرِدُ مِثْلُ هَذَا الْإِيرَادِ عَلَى حُجَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الَّذِي آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ، وَحُجَّتِهِ عَلَى عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحُجَجِ الَّتِي أَيَّدَ اللهُ - تَعَالَى - بِهَا إِبْرَاهِيمَ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الرَّازِّيُّ وَغَيْرُهُ. فَهَلْ يَنْفِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هِدَايَةً مِنَ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِخْرَاجًا مِنْ ظُلُمَاتِ الشُّبَهِ الَّتِي كَانَتْ مُحِيطَةً بِأَهْلِ زَمَنِهِ إِلَى نُورِ الْحَقِّ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ [6: 83] الْآيَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ إِجَابَةَ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَا سَأَلَ لَا تَحْصُلُ بِقَوْلِ أَبِي مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ فَالْأَمْرُ بِعَكْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِتْيَانَ الطُّيُورِ بَعْدَ تَقْطِيعِهَا وَتَفْرِيقِ أَجْزَائِهَا فِي الْجِبَالِ لَا يَقْتَضِي رُؤْيَةَ كَيْفِيَّةِ الْإِحْيَاءِ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا رُؤْيَةُ الطُّيُورِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ التَّقْطِيعِ ; لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ حَصَلَ فِي الْجِبَالِ الْبَعِيدَةِ. وَافْرِضْ أَنَّكَ رَأَيْتَ رَجُلًا قُتِلَ وَقُطِّعَ إِرْبًا إِرْبًا ثُمَّ رَأَيْتَهُ حَيًّا أَفَتَقُولُ حِينَئِذٍ: إِنَّكَ عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ؟ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ فَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ
مَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ الْبَشَرُ مِنْ سِرِّ التَّكْوِينِ وَالْإِحْيَاءِ وَهُوَ تَوْضِيحُ مَعْنَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ وَلَوْلَا أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - بَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ - بِمَا حَكَاهُ عَنْ خَلِيلِهِ - لَجَازَ أَنَّ يَطْمَعَ فِي الْوُقُوفِ عَلَى سِرِّ التَّكْوِينِ الطَّامِعُونَ، وَلَوْ فَهِمَ الرَّازِّيُّ هَذَا لَمَا قَالَ: إِنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَى الْغَيْرِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْجَوَابِ قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ مُوسَى إِذْ طَلَبَ رُؤْيَةَ اللهِ - تَعَالَى -، وَمِنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنِ الْأَهِلَّةِ وَلَيْسَ مِثْلُهُمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّهُ بَيِّنٌ وَأَوْضَحُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا وَنَهَى عَمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ تَفْسِيرَ أَبِي مُسْلِمٍ لِلْآيَةِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ،
وَهُوَ الَّذِي يُجَلِّي الْحَقِيقَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ ; فَإِنَّ كَيْفِيَّةَ الْإِحْيَاءِ هِيَ عَيْنُ كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِتَعَلُّقِ إِرَادَةِ اللهِ - تَعَالَى - بِالشَّيْءِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِكَلِمَةِ التَّكْوِينِ " كُنْ " فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ الْبَشَرُ إِلَى كَيْفِيَّةٍ لَهُ إِلَّا إِذَا أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِ إِرَادَةِ اللهِ - تَعَالَى - وَكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِهَا بِالْأَشْيَاءِ. وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ - أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ ; فَصِفَاتُ اللهِ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْعَجْزُ عَنِ الْإِدْرَاكِ فِيهَا هُوَ الْإِدْرَاكُ وَهُوَ مَا أَفَادَهُ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ فِي النَّظْمِ الْمُحْكَمِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ثُمَّ اجْعَلْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاخِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِمَالَةُ الطُّيُورِ وَتَأْنِيسُهَا عَلَى أَنَّ لَفْظَ صُرْهُنَّ يَدُلُّ عَلَى التَّأْنِيسِ، وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَقَالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَقَطِّعْهُنَّ وَاجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْإِمَالَةِ إِلَيْهِ وَيَعْطِفْ جَعْلَهَا عَلَى الْجِبَالِ بِـ " ثُمَّ ". وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا خَتْمُ الْآيَةِ بِاسْمِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ دُونَ اسْمِ الْقَدِيرِ. وَالْعَزِيزُ: هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يُنَالُ. وَمَا صَرَفَ جُمْهُورَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى وُضُوحِهِ إِلَّا الرِّوَايَةُ بِأَنَّهُ جَاءَ بِأَرْبَعَةِ طُيُورٍ مِنْ جِنْسِ كَذَا وَكَذَا وَقَطَّعَهَا وَفَرَّقَهَا عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَطَارَ كُلُّ جُزْءٍ إِلَى مُنَاسِبِهِ حَتَّى كَانَتْ طُيُورٌ تُسْرِعُ إِلَيْهِ ; فَأَرَادُوا تَطْبِيقَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا وَلَوْ بِالتَّكَلُّفِ. وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَهَمُّهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ خَصَائِصُ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْخَوَارِقِ الْكَوْنِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَهُوَ أَكْبَرُ الْآيَاتِ، وَلِكُلِّ أَهْلِ زَمَنٍ غَرَامٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ يَتَحَكَّمُ فِي عُقُولِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ. وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ فَهْمَ كِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - أَنْ يَتَجَرَّدَ مِنَ التَّأَثُّرِ بِكُلِّ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ ; فَإِنَّهُ الْحَاكِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَلِلَّهِ دَرُّ أَبِي مُسْلِمٍ مَا أَدَقَّ فَهْمَهُ وَأَشَدَّ اسْتِقْلَالَهُ فِيهِ.
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
أَعَادَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ التَّذْكِيرَ هُنَا بِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ مَزْجَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ بِآيَاتِ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ وَالتَّوْحِيدِ ; لِيُقَرِّرَ أَمْرَ الْحُكْمِ وَيَنْصُرَ النُّفُوسَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ (ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ بِتَصَرُّفٍ) : قَدْ قُلْنَا مِرَارًا إِنَّ أَمْرَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَشَقُّ الْأُمُورِ عَلَى النُّفُوسِ، لَا سِيَّمَا إِذَا اتَّسَعَتْ دَائِرَةُ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا يُنْفَقُ فِيهِ، وَبَعُدَتْ نِسْبَةُ مَنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِ عَنِ الْمُنْفِقِ ; فَإِنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ إِلَّا أَفْرَادًا مِنْ أَهْلِ الشُّحِّ الْمُطَاعِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِنْفَاقِ لَا يُوصَفُ صَاحِبُهُ بِالسَّخَاءِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ السَّخَاءِ سَهُلَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ بِقَدْرِ هَذَا النَّصِيبِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ أَدْنَى نَصِيبٍ فَإِنَّهُ يَرْتَاحُ إِلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى وَالْجِيرَانِ. فَإِنْ زَادَ أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِ بَلَدِهِ فَأُمَّتِهِ فَالنَّاسِ كُلِّهِمْ وَذَلِكَ مُنْتَهَى الْجُودِ وَالسَّخَاءِ. وَإِنَّمَا يَصْعُبُ عَلَى الْمَرْءِ الْإِنْفَاقُ عَلَى مَنْفَعَةِ مَنْ يَبْعُدُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ فُطِرَ عَلَى أَلَّا يَعْمَلَ عَمَلًا لَا يَتَصَوَّرُ لِنَفْسِهِ فَائِدَةً مِنْهُ، وَأَكْثَرُ النُّفُوسِ جَاهِلَةٌ بِاتِّصَالِ مَنَافِعِهَا وَمَصَالِحِهَا بِالْبُعْدِ عَنْهَا فَلَا تَشْعُرُ بِأَنَّ الْإِنْفَاقَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ الْهَامَّةِ كَإِزَالَةِ الْجَهْلِ بِنَشْرِ الْعِلْمِ وَمُسَاعَدَةِ الْعَجَزَةِ وَالضُّعَفَاءِ وَتَرْقِيَةِ الصِّنَاعَاتِ وَإِنْشَاءِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالْمَلَاجِئِ وَخِدْمَةِ الدِّينِ الْمُهَذِّبِ لِلنُّفُوسِ هُوَ الَّذِي بِهِ الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ حَتَّى تَكُونَ كُلُّهَا سَعِيدَةً عَزِيزَةً فَعَلَّمَهُمُ اللهُ - تَعَالَى - أَنَّ مَا يُنْفِقُونَهُ فِي الْمَصَالِحِ يُضَاعَفُ لَهُمْ أَضْعَافًا كَثِيرَةً فَهُوَ مُفِيدٌ لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِهِ
وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ لِيَكُونَ مُفِيدًا لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ أَيْضًا، فَذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَنْزِلَةِ إِقْرَاضِهِ - تَعَالَى - وَوَعَدَ بِمُضَاعَفَتِهِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، ثُمَّ ضَرَبَ الْأَمْثَالَ وَذَكَرَ قَصَصَ الَّذِينَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ فِي سَبِيلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ
الْبَعْثَ وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَانْتِهَاءَهُمْ إِلَى الدَّارِ الَّتِي يُوَفُّونَ فِيهَا أُجُورَهُمْ فِي يَوْمٍ لَا تَنْفَعُ فِيهِ فِدْيَةٌ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ، وَإِنَّمَا تَنْفَعُهُمْ أَعْمَالُهُمُ الَّتِي أَهَمُّهَا الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ الْمَثَلَ لِلْمُضَاعَفَةِ ; أَيْ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَمْرَ الْبَعْثِ بِالدَّلَائِلِ وَالْأَمْثَالِ إِذْ كَانَ الْإِيمَانُ بِهِ أَقْوَى الْبَوَاعِثِ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ.
قَالَ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَهِيَ مَا يُوصِلُ إِلَى مَرْضَاتِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ نَفْعُهُ أَعَمَّ وَأَثَرُهُ أَبْقَى كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ أَيْ كَمَثَلِ أَبْرَكِ بَذْرٍ فِي أَخْصَبِ أَرْضٍ نَمَا أَحْسَنَ نُمُوٍّ فَجَاءَتْ غَلَّتُهُ مُضَاعَفَةً سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ وَذَلِكَ مُنْتَهَى الْخِصْبِ وَالنَّمَاءِ ; أَيْ أَنَّ هَذَا الْمُنْفِقَ يَلْقَى جَزَاءَهُ فِي الدُّنْيَا مُضَاعَفًا أَضْعَافًا كَثِيرَةً، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ سَابِقَةٍ. فَالتَّمْثِيلُ لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلْحَصْرِ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ فَيَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةً لَا تُقَدَّرُ وَلَا تُحْصَرُ، فَذَلِكَ الْعَدَدُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَلَا يُحَدُّ عَطَاؤُهُ عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُضَاعَفَةَ مِنَ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ يَهْدِيهِمْ إِخْلَاصُهُمْ إِلَى وَضْعِ النَّفَقَاتِ فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي يَكْثُرُ نَفْعُهَا وَتَبْقَى فَائِدَتُهَا زَمَنًا طَوِيلًا، كَالْمُنْفِقِينَ فِي إِعْلَاءِ شَأْنِ الْحَقِّ وَتَرْبِيَةِ الْأُمَمِ عَلَى آدَابِ الدِّينِ وَفَضَائِلِهِ الَّتِي تَسُوقُهُمْ إِلَى سَعَادَةِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، حَتَّى إِذَا مَا ظَهَرَتْ آثَارُ نَفَقَاتِهِمُ النَّافِعَةِ فِي قُوَّةِ مُلْكِهِمْ وَسَعَةِ انْتِشَارِ دِينِهِمْ وَسَعَادَةِ أَفْرَادِ أُمَّتِهِمْ عَادَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَرَكَاتِ ذَلِكَ وَفَوَائِدِهِمْ مَا هُوَ مَا أَنْفَقُوا بِدَرَجَاتٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا. وَقَدْ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رحمه الله فِي الدَّرْسِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْفَاقِ هُنَا الْإِنْفَاقُ فِي خِدْمَةِ الدِّينِ، وَقَالَ فِي وَقْتٍ آخَرَ: إِنَّ كَلِمَةَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَشْتَمِلُ جَمِيعَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ مَا جَرَيْنَا عَلَيْهِ آنِفًا.
أَقُولُ: وَمَنْ أَرَادَ كَمَالَ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ فَلِيَعْتَبِرْ بِمَا يَرَاهُ فِي الْأُمَمِ الْعَزِيزَةِ الَّتِي يُنْفِقُ أَفْرَادُهَا مَا يُنْفِقُونَ فِي إِعْلَاءِ شَأْنِهَا بِنَشْرِ الْعُلُومِ وَتَأْلِيفِ الْجَمْعِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْخَيْرِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ، إِذْ يُرَى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ أَدْنَى طَبَقَاتِهَا عَزِيزًا بِهَا مُحْتَرَمًا بِاحْتِرَامِهَا مَكْفُولًا بِعِنَايَتِهَا كَأَنَّ أُمَّتَهُ وَدَوْلَتَهُ مُتَمَثِّلَتَانِ فِي شَخْصِهِ، وَلِيُقَابِلَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادِ وَبَيْنَ كُبَرَاءِ الْأُمَمِ الَّتِي ضَعُفَتْ وَذَلَّتْ بِإِهْمَالِ الْإِنْفَاقِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَإِعْلَاءِ شَأْنِ الْمِلَّةِ كَيْفَ
يَرَاهُمْ أَحْقَرَ فِي الْوُجُودِ مِنْ صَعَالِيكِ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ لِيَرْجِعْ إِلَى نَفْسِهِ وَلِيَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَنَّ نَفَقَةَ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ يَصِحُّ أَنْ تُعْتَبَرَ هِيَ الْمُسْعِدَةُ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَجْمُوعَ النَّفَقَاتِ الَّتِي بِهَا تَقُومُ الْمَصَالِحُ تَتَكَوَّنُ مِمَّا يَبْذُلُهُ الْأَفْرَادُ، فَلَوْلَا الْجُزْئِيَّاتُ لَمْ تُوجَدِ الْكُلِّيَّاتُ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّاسَ يَقْتَدِي بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ وَالْفِطْرَةِ ; فَكُلُّ مَنْ بَذَلَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَ إِمَامًا وَقُدْوَةً
لِمَنْ يَبْذُلُ بَعْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا الِاقْتِدَاءَ بِهِ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَأَثَّرُ بَعْضُهُمْ بِفِعْلِ بَعْضٍ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. وَالْفَضْلُ الْأَكْبَرُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لِمَنْ يَبْدَأُ بِالْإِنْفَاقِ فِي عَمَلٍ نَافِعٍ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ. أُولَئِكَ وَاضِعُو سُنَنِ الْخَيْرِ وَالْفَائِزُونَ بِأَكْبَرِ الْمُضَاعَفَةِ لِأَنَّ لَهُمْ أُجُورَهُمْ وَمِثْلَ أُجُورِ مَنِ اقْتَدَى بِسُنَّتِهِمْ. فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا الْحَدِيثَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى الْآيَةَ: قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لِبَيَانِ ثَوَابِ الْإِنْفَاقِ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِمَنْفَعَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ شُرِطَ لِهَذَا الثَّوَابِ تَرْكُ الْمَنِّ وَالْأَذَى ; فَأَمَّا الْمَنُّ فَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُحْسِنُ إِحْسَانَهُ لِمَنْ أَحْسَنَ هُوَ إِلَيْهِ يُظْهِرُ بِهِ تَفَضُّلَهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْأَذَى فَهُوَ أَعَمُّ، وَمِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُحْسِنُ إِحْسَانَهُ لِغَيْرِ مَنْ أَحْسَنَ عَلَيْهِ بِمَا يَكُونُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِمَّا لَوْ ذَكَرَهُ لَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَنُّ أَنْ يَعْتَدَّ عَلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ بِإِحْسَانِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ أَوْجَبَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقًّا. وَالْأَذَى أَنْ يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمَنَّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وَتَوْسِيطُ كَلِمَةِ " لَا " لِلدَّلَالَةِ عَلَى شُمُولِ النَّفْيِ بِإِفَادَةِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى كَافٍ وَحْدَهُ لِإِحْبَاطِ الْعَمَلِ. وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْعَطْفَ بِثُمَّ لِإِظْهَارِ عُلُوِّ رُتْبَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: قَدْ يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ التَّعْبِيرُ بِثُمَّ الَّتِي تُفِيدُ التَّرَاخِيَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَنَّ أَوِ الْأَذَى الْعَاجِلَ أَضَرُّ وَأَجْدَرُ بِأَنْ يُجْعَلَ تَرْكُهُ شَرْطًا لِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ مَنْ يَقْرِنُ النَّفَقَةَ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى أَوْ يُتْبِعُهَا أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا عَاجِلًا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَدْخُلَ فِي الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ يُوصَفُ بِالسَّخَاءِ
الْمَحْمُودِ عِنْدَ اللهِ. وَإِذَا كَانَ مَنْ يَمُنُّ أَوْ يُؤْذِي بَعْدَ الْإِنْفَاقِ بِزَمَنٍ بَعِيدٍ لَا يَعْتَدُّ اللهُ بِإِنْفَاقِهِ وَلَا يَأْجُرُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَقِيهِ الْخَوْفَ وَالْحُزْنَ، أَفَلَا يَكُونُ الْمُتَعَجِّلُ بِهِ أَجْدَرَ بِذَلِكَ؟ بَلَى، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي السَّخِيِّ الَّذِي يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللهِ مُخْلِصًا مُتَحَرِّيًا لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لَا بَاغِيًا جَزَاءً مِمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَلَا مُكَافَأَةً، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْمَنِّ وَالْأَذَى الْمُحْبِطَيْنِ لِلْأَجْرِ، كَأَنْ يَرَى مِمَّنْ كَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ غَمْطًا لِحِقِّهِ أَوْ إِعْرَاضًا عَنْهُ وَتَرْكًا لِمَا كَانَ مِنِ احْتِرَامِهِ إِيَّاهُ، فَيُثِيرُ بِذَلِكَ غَضَبَهُ حَتَّى يَمُنَّ أَوْ يُؤْذِيَ، وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ مِنَ الْمُخْلِصِينَ فَحَذَّرَهُمُ اللهُ - تَعَالَى - مِنْهُ.
وَأَنْتَ تَرَى مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْأَفْرَادِ بِمَا يُصْنَعُ مِثْلُهُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي الْمَصَالِحِ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي الْآيَةِ فَإِنَّهُ حَمَلَ الْإِنْفَاقَ فِيهَا عَلَى إِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ، وَصَوَّرَ الْمَنَّ وَالْأَذَى بِالِانْتِقَادِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِالتَّقْصِيرِ فِي جِهَادِهِمْ وَكَوْنِهِمْ لَمْ يَقُومُوا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: " وَإِنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَوْجَبَ الْأَجْرَ لِمَنْ كَانَ غَيْرَ مَانٍّ وَلَا مُؤْذٍ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللهِ مِمَّا ابْتُغِيَ
بِهِ وَجْهُ اللهِ وَطُلِبَ بِهِ مَا عِنْدَهُ. فَإِذَا كَانَ مَعْنَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ وَصْفُنَا فَلَا وَجْهَ لِمَنِّ الْمُنْفِقِ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ قِبَلَهُ وَلَا صَنِيعَةَ يَسْتَحِقُّ بِهَا عَلَيْهِ - إِنْ لَمْ يُكَافِئْهُ عَلَيْهِ - الْمَنَّ وَالْأَذَى إِذَا كَانَتْ نَفَقَةُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسَابًا وَابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللهِ وَطَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَعَلَى اللهِ مَثُوبَتُهُ دُونَ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ " اهـ. وَهُوَ يَلْتَقِي مَعَ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْمَنَّ فِي الْآيَةِ قَدْ يَقَعُ مُتَرَاخِيًا عَنْ وَقْتِ الْإِنْفَاقِ وَلَكِنَّ تَخْصِيصَهُ ذَلِكَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا الْأَجْرَ عَظِيمٌ. مِنْ رَبٍّ قَادِرٍ كَرِيمٍ، فَقَدَ أَضَافَهُمْ إِلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُمْ وَإِعْلَاءً لِشَأْنِهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ يَخَافُ النَّاسُ وَتُفْزِعُهُمُ الْأَهْوَالُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَوْمَ يَحْزَنُ الْبُخَلَاءُ الْمُمْسِكُونَ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُبْطِلُونَ لِصَدَقَاتِهِمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، بَلْ هُمْ أَهْلُ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالسُّرُورِ الدَّائِمِ وَالسَّكِينَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخَوْفُ وَالْحُزْنُ مِنْ قَبْلُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى قَالُوا: أَيُّ
كَلَامٍ جَمِيلٍ تَقْبَلُهُ الْقُلُوبُ وَلَا تُنْكِرُهُ يُرَدُّ بِهِ السَّائِلُ مِنْ غَيْرِ عَطَاءٍ، وَسَتْرٍ لِمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ الْإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَثْقُلُ عَلَى النُّفُوسِ، أَوْ سَتْرِ حَالِ الْفَقِيرِ بِعَدَمِ التَّشْهِيرِ بِهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَغْفِرَةِ الْمَغْفِرَةُ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - لِمَنْ يَرُدُّ السَّائِلَ رَدًّا جَمِيلًا، وَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى فَهُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْعِقَابَ مِنْ حَيْثُ يَرْجُو الثَّوَابَ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ الْمَنِّ وَالْأَذَى فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْقَوْلُ بِالْمَعْرُوفِ يَتَوَجَّهُ تَارَةً إِلَى السَّائِلِ إِنْ كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ، وَتَارَةً يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، كَمَا إِذَا هَاجَمَ الْبَلَدَ عَدُوٌّ وَأَرَادُوا جَمْعَ الْمَالِ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى دَفْعِهِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يُسَاعِدَ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَحُثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَيُنَشِّطُ الْعَامِلَ، وَيَبْعَثُ عَزِيمَةَ الْبَاذِلِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَنْ تُغْضِيَ عَنْ نِسْبَةِ التَّقْصِيرِ فِي الْإِنْفَاقِ إِلَيْكَ، وَأَنْ تَظْهَرَ فِي هَيْئَةٍ لَا يَنْفِرُ مِنْهَا الْمُحْتَاجُ وَلَا يَتَأَلَّمُ مَنْ فَقْرِهِ أَمَامَكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مُقَابَلَةَ الْمُحْتَاجِ بِكَلَامٍ يَسُرُّ وَهَيْئَةٍ تُرْضِي خَيْرٌ مِنَ الصَّدَقَةِ مَعَ الْإِيذَاءِ بِسُوءِ الْقَوْلِ أَوْ سُوءِ الْمُقَابَلَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمُحْتَاجِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فَرْدًا أَوْ جَمَاعَةً، فَإِنَّ مُسَاعَدَةَ الْأُمَّةِ بِبَعْضِ الْمَالِ مَعَ سُوءِ الْقَوْلِ فِي الْعَمَلِ الَّذِي سَاعَدَهَا عَلَيْهِ وَإِظْهَارِ اسْتِهْجَانِهِ وَبَيَانِ التَّقْصِيرِ فِيهِ أَوْ تَشْكِيكِ النَّاسِ فِي فَائِدَةٍ لَا تُوَازِي هَذِهِ الْمُسَاعَدَةَ. إِحْسَانُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي تُطْلَبُ لَهُ الْمُسَاعَدَةُ وَالْإِغْضَاءُ عَنِ التَّقْصِيرِ الَّذِي رُبَّمَا يَكُونُ مِنَ الْعَامِلِينَ فِيهِ، فَكَوْنُكَ مَعَ الْأُمَّةِ بِقَلْبِكَ وَلِسَانِكَ خَيْرٌ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ تَرْضَخُ بِهِ مَعَ الْقَوْلِ السُّوءِ وَفِعْلِ الْأَذَى، وَمَعْنَى هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ أَنَّهُ أَنْفَعُ وَأَكْثَرُ فَائِدَةٍ لَا أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَذْلِ وَيُغْنِي عَنْهُ، فَمَنْ آذَى فَقَدْ بَغَّضَ نَفْسَهُ إِلَى النَّاسِ بِظُهُورِهِ فِي مَظْهَرِ الْبَغْضَاءِ لَهُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّلْمَ وَالْوَلَاءَ، خَيْرٌ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ،
وَأَنَّ أَضْمَنَ شَيْءٍ لِمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ وَأَقْوَى مُعَزِّزٍ لَهَا هُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا فِي عَيْنِ الْآخَرِ وَقَلْبِهِ فِي مَقَامِ الْمُعِينِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعِنْهُ بِالْفِعْلِ.
وَأَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُقَرِّرَةٌ لِقَاعِدَةِ: " دَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ " الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمُبَيِّنَةٌ أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَكُونُ طَرِيقًا وَوَسِيلَةً إِلَى الشَّرِّ، وَمُرْشِدَةٌ إِلَى وُجُوبِ الْعِنَايَةِ بِجَعْلِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ خَالِيًا مِنَ الشَّوَائِبِ الَّتِي
تُفْسِدُهُ وَتَذْهَبُ بِفَائِدَتِهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، وَإِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ عَجَزَ عَنْ إِحْسَانِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَجَعْلِهِ خَالِصًا نَقِيًّا أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إِحْسَانِ عَمَلٍ آخَرَ يُؤَدِّي إِلَى غَايَتِهِ حَتَّى لَا يُحْرَمَ مِنْ فَائِدَتِهِ بِالْمَرَّةِ، كَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ لَا يَمُنَّ وَلَا يُؤْذِي فَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ أَوْ جَبَرَ الْفَقِيرَ بِقَوْلِ الْمَعْرُوفِ. وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ لَا يُغْنِي بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، فَكَيْفَ يُغْنِي تَرْكُ الشِّرْكِ وَاتِّقَاءُ الْمَفَاسِدِ عَنْ عَمَلِ الْخَيْرِ وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ.
وَاللهُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ وَبِمَا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَنْ صَدَقَةِ عِبَادِهِ فَلَا يَأْمُرُ الْأَغْنِيَاءَ بِالْبَذْلِ فِي سَبِيلِهِ لِحَاجَةٍ بِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَهُمْ وَيُزَكِّيَهُمْ وَيُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَيُصْلِحَ شُئُونَهُمُ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لِيَكُونُوا أَعِزَّاءَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَوْلِيَاءُ، وَالْمَنُّ وَالْأَذَى يُنَافِيَانِ ذَلِكَ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ قَبُولِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَاتِ. حَلِيمٌ لَا يُعَجِّلُ بِعُقُوبَةِ مَنْ يَمُنُّ وَيُؤْذِي. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: يُطْلَقُ الْحِلْمُ وَيُرَادُ بِهِ هَذَا اللَّازِمُ مِنْ لَوَازِمِهِ ; أَيِ الْإِمْهَالُ وَعَدَمُ الْمُعَاجَلَةِ بِالْمُؤَاخَذَةِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ لَازِمٌ آخَرُ هَذَا الْإِغْضَاءُ وَالْعَفْوُ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ هُنَا لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ لَكَانَ تَحْرِيضًا عَلَى الْأَذَى وَلِكُلِّ مَقَالٍ مَقَامٌ يُعَيِّنُهُ، فَالْأَوَّلُ يُطْلَقُ فِي مُقَابِلِ الْعَجُولِ الطَّائِشِ، وَالثَّانِي فِي مُقَابِلِ الْغَضُوبِ الْمُنْتَقِمِ. وَفِي الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ تَنْفِيسٌ لِكُرَبِ الْفُقَرَاءِ وَتَعْزِيَةٌ لَهُمْ وَتَعْلِيقٌ لِقُلُوبِهِمْ بِحَبَلِ الرَّجَاءِ بِاللهِ الْغَنِيِّ الْمُغْنِي، وَتَهْدِيدٌ لِلْأَغْنِيَاءِ وَإِنْذَارٌ لَهُمْ أَنْ يَغْتَرُّوا بِحِلْمِ اللهِ وَإِمْهَالِهِ إِيَّاهُمْ وَعَدَمِ مُعَاجَلَتِهِمْ بِالْعِقَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْمَالِ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَسْلُبَهَا مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَتِ النُّفُوسُ مُولَعَةٌ بِذِكْرِ مَا يَصْدُرُ عَنْهَا مِنَ الْإِحْسَانِ لِلتَّمَدُّحِ وَالْفَخْرِ وَكَانَ ذَلِكَ مَطِيَّةَ الرِّيَاءِ، وَطَرِيقَ الْمَنِّ وَالْإِيذَاءِ، لَا سِيَّمَا إِذَا آنَسَ الْمُصَّدِّقُ تَقْصِيرًا فِي شُكْرِهِ عَلَى صَدَقَتِهِ أَوِ احْتِقَارًا لَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَمْلِكُ حِينَئِذٍ نَفْسَهُ وَيَكُفُّهَا عَنِ الْمَنِّ أَوِ الْأَذَى كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ، كَانَ مِنَ الْهُدَى الْقَوِيمِ وَمُقْتَضَى الْبَلَاغَةِ أَنْ يُؤْتَى فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَنِّ وَالْأَذَى وَالرِّيَاءِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِأَجْلِ التَّأْثِيرِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْ ذَلِكَ، وَالْحَمْلِ عَلَى تَرْكِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى أَقُولُ: بَيَّنَ سبحانه وتعالى
فِي الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ أَنَّ تَرْكَ الْمَنِّ وَالْأَذَى شَرْطٌ لِحُصُولِ الْأَجْرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ، وَأَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَتْبَعُهَا إِلَى قَوْلٍ وَعَمَلٍ آخَرَ يُكْرِمُ بِهِ الْفَقِيرَ، أَوْ تُؤَيَّدُ بِهِ
الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ خَيْرٌ مِنْ نَفْسِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ فِي الْغَايَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ - تَعَالَى - عَلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَهَاهُمْ نَهْيًا صَرِيحًا أَنْ يُبْطِلُوا صَدَقَاتِهِمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْ هَاتَيْنِ الرَّذِيلَتَيْنِ مَا يَقْتَضِيهِ وَلُوعُ النَّاسِ بِهِمَا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: وَاسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِالْآيَةِ عَلَى إِحْبَاطِ الْكَبَائِرِ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تُعْمَلْ، وَأُجِيبَ عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا تُبْطِلُوا ثَوَابَ صَدَقَاتِكُمْ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إِحْبَاطِ الْمَنِّ وَالْأَذَى لِلْفَائِدَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَهِيَ تَخْفِيفُ بُؤْسِ الْمُحْتَاجِينَ وَكَشْفُ أَذَى الْفَقْرِ عَنْهُمْ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى الْأَفْرَادِ، وَتَنْشِيطُ الْقَائِمِينَ بِخِدْمَةِ الْأُمَّةِ وَمُسَاعَدَتِهِمْ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، فَإِذَا أُتْبِعَتِ الصَّدَقَةُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَانَ ذَلِكَ هَدْمًا لِمَا بَنَتْهُ وَإِبْطَالًا لِمَا عَمِلَتْهُ، وَكُلُّ عَمَلٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ فَقَدْ حَبِطَ وَبَطُلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، فَكَيْفَ إِذَا أُتْبِعَ بِضِدِّ الْغَايَةِ وَنَقِيضِهَا؟ كَذَلِكَ تَكُونُ صَلَاةُ الْمُرَائِي بَاطِلَةً ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا لَمْ يَحْصُلْ وَهُوَ تَوَجُّهُ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - وَاسْتِشْعَارُ سُلْطَانِهِ وَالْإِذْعَانُ لِعَظَمَتِهِ وَالشُّكْرُ لِإِحْسَانِهِ، وَقَلْبُ الْمُرَائِي إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى مَنْ يُرَائِيهِ، هَذَا هُوَ مَعْنَى إِبْطَالِ الْمَنِّ وَالْأَذَى لِلصَّدَقَةِ، وَالَّذِي يَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةُ هُوَ أَنَّ ارْتِكَابَ أَيِّ كَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ يُبْطِلُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ السَّابِقَةِ وَيُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، فَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْآيَةِ عَلَى هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا هُدَى اللهِ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا فِطْرَةَ الْبَشَرِ الَّتِي جَاءَ الدِّينُ لِتَأْدِيبِهَا، وَقَدْ رَأَيْتَ كَلَامَ مَنْ أَيَّدَ مَذْهَبَهُ بِهَدْمِ مَذْهَبِهِمْ، هَكَذَا يَتَجَاذَبُ الْقُرْآنَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ كَلٌّ يَجْذِبُهُ إِلَى مَذْهَبِهِ الَّذِي رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، فَتَرَاهُمْ عِنْدَمَا يُشَاغِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَتَعَلَّقُونَ بِالْكَلِمَةِ الْمُفْرَدَةِ إِذَا كَانَتْ تَحْتَمِلُ مَا قَالُوا وَيَجْعَلُونَهَا حُجَّةً لِلْمَذْهَبِ وَيُؤَوِّلُونَ مَا عَدَاهَا وَلَوْ بِالتَّمَحُّلِ، وَأَهْلُ الْخِلَافِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي بَيَانِ مَعَانِيهِ.
ثُمَّ شَبَّهَ - تَعَالَى - أَصْحَابَ الْمَنِّ وَالْأَذَى بِالْمُرَائِي أَوْ إِبْطَالَ عَمَلِهِمْ لِلصَّدَقَةِ بِإِبْطَالِ رِيَائِهِ لَهَا فَقَالَ: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ أَيْ لِأَجْلِ رِيَائِهِمْ أَوْ مُرَائِيًا لَهُمْ ; أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَرَوْهُ فَيَحْمَدُوهُ لَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ - تَعَالَى - بِتَحَرِّي مَا حَثَّ عَلَيْهِ مِنْ رَحْمَةِ
عِبَادِهِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَعُوزِينَ، وَتَرْقِيَةِ شَأْنِ الْمِلَّةِ بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ، فَهُوَ إِنَّمَا يُحَاوِلُ إِرْضَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ - تَعَالَى - بِالْإِنْفَاقِ خَشْيَةَ عِقَابِهِ، وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا أَيْ إِنَّ صِفَتَهُ وَحَالَهُ فِي عَدَمِ انْتِفَاعِهِ بِمَا يُنْفِقُ كَالْحَجَرِ الْأَمْلَسِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَطَرٌ غَزِيرٌ عَظِيمُ الْقَطْرِ أَزَالَ عَنْهُ مَا أَصَابَهُ حَتَّى عَادَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْمَانِّ وَالْمُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ وَبَيْنَ الْمُرَائِي بِنَفَقَتِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَشَّ نَفْسَهُ فَأَلْبَسَهَا ثَوْبَ زُورٍ يُوهِمُ رَائِيهِ
مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ كَمَنْ يَلْبَسُ لُبُوسَ الْعُلَمَاءِ أَوِ الْجُنْدِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُهُ وَيَفْتَضِحَ سِرُّهُ، فَيَكُونَ مَا تَلَبَّسَ بِهِ كَالتُّرَابِ عَلَى الصَّفْوَانِ يَذْهَبُ بِهِ الْوَابِلُ، كَذَلِكَ تَكْشِفُ الْحَوَادِثُ وَمَا يُبْتَلَى بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُنَافِقُونَ حَقِيقَةَ هَؤُلَاءِ وَتَفْضَحُ سَرَائِرَهُمْ، فَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أَيْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ وَنَفَقَاتِهِمْ وَلَا يَجْنُونَ ثَمَرَاتِهَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّ الْمَنَّ وَالْأَذَى مِمَّا يُنَافِي غَايَةَ الصَّدَقَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَمَنْ فَعَلَهُمَا كَانَ أَبْغَضَ إِلَى النَّاسِ مِنَ الْبَخِيلِ الْمُمْسِكِ، وَالرِّيَاءُ لَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ فَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
ثَوْبُ الرِّيَاءِ يَشُفُّ عَمَّا تَحْتَهُ
…
فَإِذَا اكْتَسَيْتَ بِهِ فَإِنَّكَ عَارٍ
فَلَا تَكَادُ تَجِدُ مَنَّانًا وَلَا مُرَائِيًا غَيْرَ مَذْمُومٍ مَمْقُوتٍ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَأَنَّ الْمَنَّ وَالْأَذَى كَالرِّيَاءِ فِي مُنَافَاةِ الْإِخْلَاصِ، وَلَا ثَوَابَ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا لِلْمُخْلِصِينَ فِي أَعْمَالِهِمِ الَّذِينَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَا سُنَنَ اللهِ - تَعَالَى - فِي تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ وَإِصْلَاحِ حَالِ النَّاسِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أَيْ مَضَتْ سُنَّتُهُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي يَهْدِي قَلْبَ صَاحِبِهِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَوَضْعِ النَّفَقَاتِ فِي مَوَاضِعِهَا، وَالِاحْتِرَاسِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَا يَذْهَبُ بِفَائِدَتِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، فَكَانَ الْكَافِرُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ السُّنَّةِ مَحْرُومًا مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ الَّتِي تَجْمَعُ لِصَاحِبِهَا بَيْنَ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ وَسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
بَعْدَ هَذَا ضَرَبَ اللهُ الْمَثَلَ لِلْمُخْلِصِينَ فِي الْإِنْفَاقِ لِأَجْلِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أُولَئِكَ الْمُرَائِينَ وَالْمُؤْذِينَ، وَعَقَّبَهُ بِمَثَلٍ آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ حَالُ الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ:
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ
أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
يَقُولُ: ذَاكَ الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ مَثَلُ أَهْلِ الرِّيَاءِ وَأَصْحَابِ الْمَنِّ وَالْإِيذَاءِ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْ لِطَلَبِ رِضْوَانِ اللهِ وَلِتَثْبِيتِ أَنْفُسِهِمْ وَتَمْكِينِهَا فِي مَنَازِلِ الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ حَتَّى تَكُونَ مُطَمْئِنَةً فِي بَذْلِهَا لَا يُنَازِعُهَا فِيهِ زِلْزَالُ الْبُخْلِ وَلَا اضْطِرَابُ الْحِرْصِ; لِإِيثَارِهَا حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ أَمْرِ اللهِ عَلَى حُبِّ الْمَالِ، عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا التَّثْبِيتُ بِتَعْوِيدِ النَّفْسِ عَلَى الْبَذْلِ حَيْثُ يُفِيدُ الْبَذْلُ، حَتَّى يَصِيرَ الْجُودُ لَهَا طَبْعًا وَخُلُقًا، وَإِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ لِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ إِنْفَاقَ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ يُفِيدُ بَعْضَ التَّثْبِيتِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَإِنَّمَا كَمَالُ ذَلِكَ بِبَذْلِ الرُّوحِ وَالْمَالِ جَمِيعًا فِي سَبِيلِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [49: 15] وَقَدْ هَدَانَا تَعْلِيلُ الْإِنْفَاقِ بِهَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ إِلَى أَنْ نَقْصِدَ بِأَعْمَالِنَا أَمْرَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: ابْتِغَاءُ رِضْوَانِهِ لِذَاتِهِ تَعَبُّدًا لَهُ.
وَثَانِيهِمَا: تَزْكِيَةُ أَنْفُسِنَا وَتَطْهِيرُهَا مِنَ الشَّوَائِبِ الَّتِي تَعُوقُهَا عَنِ الْكَمَالِ، كَالْبُخْلِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي حُبِّ الْمَالِ، عَلَى أَنَّ هَذَا وَسِيلَةٌ لِذَاكَ وَفَائِدَةُ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عَائِدَةٌ عَلَيْنَا وَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ. فَإِذَا صَدَقْنَا فِي الْقَصْدَيْنِ صَدَقَ عَلَيْنَا هَذَا الْمَثَلُ وَكُنَّا فِي نَفْعِ إِنْفَاقِنَا كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَيْ بُسْتَانٍ بِمَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ - قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٍ بِفَتْحِ رَاءِ " رَبْوَةٍ " وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهَا - قَالُوا: وَمَا كَانَ كَذَلِكَ مِنَ الْجَنَّاتِ كَانَ عَمَلُ الشَّمْسِ وَالْهَوَاءِ فِيهِ أَكْمَلَ، فَيَكُونُ أَحْسَنَ مَنْظَرًا وَأَزْكَى ثَمَرًا، أَمَّا الْأَمَاكِنُ الْمُنْخَفِضَةُ الَّتِي لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا قَلِيلًا فَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالرَّبْوَةِ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْجَيِّدَةُ التُّرْبَةُ بِحَيْثُ تَرْبُو بِنُزُولِ الْمَطَرِ عَلَيْهَا وَتَنْمُو كَمَا قَالَ: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ الْآيَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ كَوْنُ الْمَثَلِ مُقَابِلًا لِمَثَلِ الصَّفْوَانِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْمَطَرُ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ أَيْ فَكَانَ ثَمَرُهَا مِثْلَيْ مَا كَانَتْ تُثْمِرُ فِي الْعَادَةِ أَوْ أَرْبَعَةَ أَمْثَالِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ مَرَّتَيْنِ، وَالْأُكُلُ كُلُّ مَا يُؤْكَلُ وَهُوَ - بِضَمَّتَيْنِ، وَتُسَكَّنُ الْكَافُ تَخْفِيفًا - وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ أَيْ فَالَّذِي يُصِيبُهَا طَلٌّ أَوْ فَطَلٌّ يَكْفِيهَا لِجَوْدَةِ تُرْبَتِهَا وَكَرَمِ مَنْبَتِهَا وَحُسْنِ مَوْقِعِهَا، وَالطَّلُّ:الْمَطَرُ الْخَفِيفُ الْمُسْتَدَقُّ الْقَطْرُ.
أَقُولُ: وَقَدْ عُرِفَ بِالِاخْتِبَارِ أَنَّ الْأَرْضَ الْجَيِّدَةَ فِي الْمَوَاقِعِ الْمُعْتَدِلَةِ يَكْفِيهَا الْقَلِيلُ مِنَ الرَّيِّ لِرُطُوبَةِ ثَرَاهَا وَجَوْدَةِ هَوَائِهَا ; فَإِنَّ الشَّجَرَ يَتَغَذَّى مِنَ الْهَوَاءِ كَمَا يَتَغَذَّى مِنَ الْأَرْضِ،
وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا، كَثُرَ مَا يُصِيبُهَا مِنَ الْمَطَرِ أَوْ قَلَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَرُهَا مُضَاعَفًا لَمْ يَكُنْ مَعْدُومًا فَإِذًا لَا يَكُونُ طَالِبُهُ قَطُّ مَحْرُومًا.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ عِنْدِي: أَنَّ الْمُنْفِقَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَالتَّثْبِيتِ مِنْ نَفْسِهِ هُوَ فِي إِخْلَاصِهِ وَسَخَاءِ نَفْسِهِ وَإِخْلَاصِ قَلْبِهِ كَالْجَنَّةِ الْجَيِّدَةِ التُّرْبَةِ الْمُلْتَفَّةِ الشَّجَرِ الْعَظِيمَةِ الْخِصْبِ فِي كَثْرَةِ بِرِّهِ وَحُسْنِهِ، فَهُوَ يَجُودُ بِقَدْرِ سَعَتِهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ أَغْدَقَ وَوَسُعَ فِي الْإِنْفَاقِ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ قَلِيلٌ أَنْفَقَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، فَخَيْرُهُ دَائِمٌ وَبِرُّهُ لَا يَنْقَطِعُ ; لِأَنَّ الْبَاعِثَ عَلَيْهِ ذَاتِيٌّ لَا عَرَضِيٌّ كَأَهْلِ الرِّيَاءِ وَأَصْحَابِ الْمَنِّ وَالْإِيذَاءِ. هَذَا مَا سَبَقَ إِلَى فَهْمِي عِنْدَ الْكِتَابَةِ، فَالْوَابِلُ وَالطَّلُّ عَلَى هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ سَعَةِ الرِّزْقِ وَمَا دُونُ السَّعَةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مَا كَتَبْتُ فِي مُذَكِّرَتِي عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فَإِذَا هُوَ قَدْ قَالَ فِي الدَّرْسِ: إِنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ فِي الْإِنْفَاقِ كَالْوَابِلِ لِلْجَنَّةِ فِيهَا تَكُونُ النَّفَقَةُ نَافِعَةً لِلنَّاسِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَهَا يَتَحَرَّوْنَ فَيَضَعُونَ نَفَقَتَهُمْ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ لَا يُبَذِّرُونَ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ. ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّلِّ: أَيْ أَنَّ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ الْمُخْلِصِينَ لَا يَخِيبُ قَاصِدُهُمْ ; لِأَنَّ رَحْمَةَ قُلُوبِهِمْ لَا يَغُورُ مَعِينُهَا فَإِنْ لَمْ تُصِبْهُ بِوَابِلٍ مِنْ عَطَائِهَا لَمْ يَفُتْهُ طَلُّهُ، فَهُمْ كَالْجَنَّةِ الَّتِي لَا يُخْشَى عَلَيْهَا الْيُبْسُ وَالزَّوَالُ، وَقَدْ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ عز وجل. وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لِيُذَكِّرَنَا بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمُخْلِصُ مِنَ الْمُرَائِي تَحْذِيرًا لَنَا مِنَ الرِّيَاءِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ يَغُشُّ النَّاسَ بِإِظْهَارِهِ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ
اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ سَرِيرَتُكَ أَيُّهَا الْمُنْفِقُ فَعَلَيْكَ أَنْ تُخْلِصَ لَهُ.
وَأَمَّا الْمَثَلُ الثَّانِي فَقَوْلُهُ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ.
(الْمُفْرَدَاتُ) وَدَّ الشَّيْءَ: أَحَبَّهُ مَعَ تَمَنِّيهِ. وَالْأَعْنَابُ: جَمْعُ عِنَبٍ، وَهُوَ ثَمَرُ الْكَرْمِ الطَّرِيُّ، وَاحِدَتُهُ عِنَبَةٌ، وَالنَّخِيلُ: جَمْعُ نَخْلٍ، أَوِ اسْمُ جَمْعٍ، وَهُوَ شَجَرُ التَّمْرِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَوَاحِدَتُهُ نَخْلَةٌ، وَالْقُرْآنُ يَذْكُرُ الْكَرْمَ بِثَمَرِهِ وَالنَّخْلَ بِشَجَرِهِ وَلَا بِثَمَرِهِ، وَقَالُوا فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ: إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي النَّخِيلِ نَافِعٌ لِلنَّاسِ فِي ارْتِفَاقِهِمْ: وَرَقَهُ وَجُذُوعَهُ وَأَلْيَافَهُ وَعَثَاكِيلَهُ، فَمِنْهُ يَتَّخِذُونَ الْقُفَفَ وَالزَّنَابِيلَ وَالْحِبَالَ وَالْعُرُوشَ وَالسُّقُوفَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالْإِعْصَارُ: رِيحٌ عَاصِفَةٌ تَسْتَدِيرُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ تَنْعَكِسُ عَنْهَا إِلَى السَّمَاءِ حَامِلَةً لِلْغُبَارِ، فَتَكُونُ كَهَيْئَةِ الْعَمُودِ، جَمْعُهُ أَعَاصِرُ وَأَعَاصِيرُ. وَالْمُرَادُ بِالنَّارِ: السَّمُومُ الشَّدِيدُ، أَوِ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ رِوَايَتَانِ عَنِ السَّلَفِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ بِأَسَانِيدِهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يَحْرِقُ الشَّيْءَ وَلَوْ بِتَجْفِيفِ رُطُوبَتِهِ، وَالصَّرُّ: أَيِ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ كَالْحَرِّ الشَّدِيدِ فِي ذَلِكَ، كِلَاهُمَا يَحْرِقُ الشَّجَرَ وَالنَّبَاتَ.
(التَّفْسِيرُ) الِاسْتِفْهَامُ لِإِنْكَارِ وُقُوعِ أَنَّ يُودَّ الْإِنْسَانُ لَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ مُعْظَمُ شَجَرِهَا الْكَرْمُ وَالنَّخْلُ اللَّذَانِ هُمَا أَجْمَلُ الشَّجَرِ وَأَنْفَعُهُ، كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ حَاوِيَةٌ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ الْكَثِيرَةِ قَدْ نِيطَتْ بِهَا آمَالُهُ، وَرَجَا أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا عِيَالُهُ، وَيُصِيبُهُ الْكِبَرُ الَّذِي يُقْعِدُهُ عَنِ الْكَسْبِ فِي حَالِ كَثْرَةِ ذُرِّيَّتِهِ وَضَعْفِهِمْ عَنْ أَنْ يَقُومُوا بِشَأْنِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ وَلَا لَهُمْ مَوْرِدٌ لِلرِّزْقِ غَيْرَ هَذِهِ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا بِالْجَنَّةِ قَدْ أَصَابَهَا الْإِعْصَارُ، فَأَحْرَقَهَا بِمَا فِيهِ مِنْ سَمُومِ النَّارِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ مَعَ كَوْنِ الْجَنَّةِ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالثَّمَرَاتِ هُنَا الْمَنَافِعُ، أَيْ هُوَ مُتَمَتِّعٌ بِجَمِيعِ فَوَائِدِهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَهُ فِيهَا رِزْقٌ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ عَلَى حَدِّ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [37: 164] أَيْ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا لَهُ. . . إِلَخْ. وَقِيلَ: إِنَّ " مِنْ " بِمَعْنَى بَعْضٍ، وَهِيَ مُبْتَدَأٌ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: إِذَا الْتَفَتْنَا عَنْ قَوَاعِدِ النَّحْوِ الْوَضْعِيَّةِ، وَلَمْ نَلْتَزِمْ تَعْلِيلَاتِهَا وَتَدْقِيقَاتِهَا الْفَلْسَفِيَّةَ، وَكَسَرْنَا قُيُودَ سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ، أَمْكَنَنَا أَنْ نَفْهَمَ الْعِبَارَةَ مِنْ
غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ الصَّرِيحَ، الَّذِي طُبِعَ عَلَى الْقَوْلِ الْفَصِيحِ، لَا يَفْهَمُ مِنْ قَوْلِكَ " عِنْدِي مَنْ كُلِّ ثَمَرٍ أَوْ لِي بُسْتَانِي مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ " إِلَّا أَنَّكَ تُرِيدُ أَنَّ لَكَ حَظًّا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَسَهْمًا مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ لَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وَنَظْمٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَطَبِّقْ عَلَيْهِ وَلَا تُطَبِّقْهُ عَلَى قَوَاعِدِ الْإِعْرَابِ.
أَمَّا وَجْهُ التَّمْثِيلِ فَقَدْ خَصُّوهُ بِالْمُرَائِي، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ سَيَكُونُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى ثَوَابِ نَفَقَتِهِ الَّتِي رَاءَى بِهَا، كَذَلِكَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي احْتَرَقَتْ جَنَّتُهُ الَّتِي لَا مَعَاشَ لَهُ سِوَاهَا عِنْدَمَا كَثُرَ عِيَالُهُ الضُّعَفَاءُ، وَعَجَزَ هُوَ عَنِ الْعَمَلِ فَلَا يَمْلِكُ مِنْ ثَوَابِهَا شَيْئًا، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَكْسِبَ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ.
أَقُولُ: إِنَّ الْمَثَلَ يَنْطِقُ أَيْضًا عَلَى مَنْ أَبْطَلَ صَدَقَتَهُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، وَأَنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِالْآخِرَةِ ; فَإِنَّ بَاذِلَ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ وَفِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْجَاهِ وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ النَّاسِ مَا يُشْبِهُ تِلْكَ الْجَنَّةَ الَّتِي وَصَفَهَا الْمَثَلُ فِي رَوْنَقِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَيُوشِكُ أَنَّ يَذْهَبَ مَالُ هَذَا الْمُنْفِقِ تَشْتَدُّ حَاجَتُهُ وَتَقْصُرُ يَدُهُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ مُرْتَزَقٌ إِلَّا مَا غَرَسَتْهُ يَدُهُ مِنْ جَنَّتِهِ تِلْكَ فَيُحَاوِلُ أَنْ يَجْنِيَ مِنْهَا فَيَحُولُ دُونَ ذَلِكَ إِعْصَارٌ مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى، أَوْ مِنْ ظُهُورِ الرِّيَاءِ فَيَحْرِقُهَا حَتَّى تَكُونَ كَالصَّرِيمِ لَا تُؤْتِي ثَمَرَتَهَا، وَلَا تَسُرُّ رُؤْيَتُهَا، كَذَلِكَ تَكُونُ عَاقِبَةُ أَهْلِ الرِّيَاءِ وَذَوِى الْمَنِّ وَالْإِيذَاءِ، يَنْبِذُهُمُ النَّاسُ عِنْدَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِلَى النَّاسِ ; لِذَلِكَ أَرْشَدَنَا - تَعَالَى - بَعْدَ الْمَثَلِ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي عَاقِبَةِ هَذَا الْعَمَلِ، فَقَالَ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ أَيْ إِنَّهُ - تَعَالَى - يُبَيِّنُ لَكُمُ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ وَغَايَاتِهَا وَفَوَائِدِهَا وَغَوَائِلِهَا، مِثْلَ هَذَا الْبَيَانِ الْبَارِزِ فِي أَبْهَى مَعَارِضِ التَّمْثِيلِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الْعَوَاقِبِ فَتَضَعُونَ نَفَقَاتِكُمْ فِي
الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَرْضَاهَا مَعَ الْإِخْلَاصِ وَقَصْدِ تَثْبِيتِ النَّفْسِ حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّهَا الطَّيْشُ وَالْإِعْجَابُ، فَيَدْفَعُهَا إِلَى الْمَنِّ وَالْأَذَى، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
أَقُولُ: حَثَّتِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَبْلَغَ حَثٍّ وَآكِدَهُ، وَأَرْشَدَتْ إِلَى مَا يَجِبُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الْمُنْفِقُ عِنْدَ الْبَذْلِ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَقَصْدِ تَثْبِيتِ النَّفْسِ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يَتَّقِيَهُ بَعْدَ الْبَذْلِ وَهُوَ الْمَنُّ وَالْأَذَى، فَكَانَ ذَلِكَ إِرْشَادًا يَتَعَلَّقُ بِالْبَذْلِ وَالْبَاذِلِ، ثُمَّ أَرَادَ - تَعَالَى - أَنَّ يُبَيِّنَ لَنَا مَا يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ فِي الْمَبْذُولِ لِيُكْمِلَ الْإِرْشَادَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَبَيَّنَ نَوْعَ مَا يُبْذَلُ وَمَا يُنْفَقُ وَوَصَفَهُ، أَمَّا الْوَصْفُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَالطَّيِّبُ هُوَ الْجَيِّدُ الْمُسْتَطَابُ وَضِدُّهُ الْخَبِيثُ الْمُسْتَكْرَهُ ; وَلِذَلِكَ قَالَ فِي مُقَابِلِ هَذَا الْأَمْرِ: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ أَصْلُ تَيَمَّمُوا: تَتَيَمَّمُوا، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ الطَّيِّبِ، هَلْ يُرَادُ بِهِ مَا ذُكِرَ أَمْ هُوَ بِمَعْنَى الْحَلَالِ؟ وَأَنْ يُرَجِّحَ بَعْضُ الْمَعْرُوفِينَ بِالتَّدْقِيقِ مِنْهُمُ الثَّانِيَ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ وَرَدَ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ عَزَا الْأَوَّلَ إِلَى الْجُمْهُورِ. نَعَمْ إِنَّ كُلَّ جَيِّدٍ وَحَسَنٍ يُوصَفُ بِالطَّيِّبِ وَإِنْ كَانَ حُسْنُهُ مَعْنَوِيًّا، فَيُقَالُ: الْبَلَدُ الطَّيِّبُ. الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، لَكِنَّ أُسْلُوبَ الْآيَةِ يَأْبَى أَنْ يُرَادَ بِالطَّيِّبَاتِ هُنَا أَنْوَاعُ الْحَلَالِ، وَبِالْخَبِيثِ: الْمُحَرَّمُ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ لَا تَرْضَاهُ، وَمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ يُؤَيِّدُ أُسْلُوبَهَا وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْتُونَ بِصَدَقَتِهِمْ مِنْ حَشَفِ التَّمْرِ وَهُوَ رَدِيئُهُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْحَسَنِ " كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ مِنْ رَذَالَةِ مَالِهِمْ " وَفِي أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إِلَى التَّمْرِ فَيَصْرِمُهُ فَيَعْزِلُ الْجَيِّدَ نَاحِيَةً، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُ الصَّدَقَةِ أَعْطَاهُ مِنَ الرَّدِيءِ " وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ. وَالْمَعْنَى: أَنْفَقُوا مِنْ جِيَادِ أَمْوَالِكُمْ وَلَا تَيَمَّمُوا - أَيْ تَقْصِدُوا - الْخَبِيثَ فَتَجْعَلُوا صَدَقَتَكُمْ مِنْهُ خَاصَّةً دُونَ الْجَيِّدِ ; فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ تَعَمُّدِ حَصْرِ الصَّدَقَةِ فِي الْخَبِيثِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ التَّصَدُّقِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ وَلَا حَصْرٍ، وَلَوْ أُرِيدَ بِالْخَبِيثِ الْحَرَامُ لَنَهَى عَنِ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ لَا عَنْ قَصْدِ التَّخْصِيصِ فَقَطْ، أَمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْآيَةُ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ لِلنَّفَقَةِ فِيهَا، وَبِالنَّهْيِ عَنْ تَحَرِّي الْإِنْفَاقِ مِنَ الْخَبِيثِ خَاصَّةً دُونَ الطَّيِّبِ لَا عَنْ مُطْلَقِ الْإِنْفَاقِ مِنَ الْخَبِيثِ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ هَذَا أَنْ يُرَادَ بِالطَّيِّبَاتِ الْحَلَالُ، وَبِالْخَبِيثِ الْمُحَرَّمُ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَالِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا، وَإِنَّمَا خُوطِبُوا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ فَلَوْ أُرِيدَ
بِالطَّيِّبَاتِ وَالْخَبِيثِ مَا ذُكِرَ لَكَانَ الْخِطَابُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ أَمْوَالَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَكَانَ مَنْطُوقُ الْآيَةِ: أَنْفِقُوا مِنَ الْحَلَالِ وَلَا تَتَحَرَّوْا جَعْلَ صَدَقَاتِكُمْ مِنَ الْحَرَامِ وَحْدَهُ، وَمَفْهُومُهَا جَوَازُ التَّصَدُّقِ بِالْحَرَامِ أَيْضًا، وَهَذَا مَا يَأْبَاهُ النَّظْمُ الْكَرِيمُ وَالشَّرْعُ الْقَوِيمُ، ثُمَّ إِنَّ مَا اخْتَرْنَاهُ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [3: 92] وَيُوصَفُ الرِّزْقُ بِالْحَلَالِ وَالطَّيِّبِ مَعًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [5: 5] وَقَوْلِهِ: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [7: 157] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ. فَهَلْ تَقُولُ: إِنَّ الْمَعْنَى يُحِلُّ لَهُمُ الْحَلَالَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْحَرَامَ وَهُوَ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَبِيثَ الَّذِي حُرِّمَ أَخَصُّ مِنَ الْخَبِيثِ الَّذِي يُنْهَى عَنْ تَحَرِّي النَّفَقَةِ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ مَا كَانَتْ رَدَاءَتُهُ ضَارَّةً كَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يُنْفِقُ الْخَبِيثَ فِي سَبِيلِ اللهِ، تُشْعِرُ بِالتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ ; أَيْ كَيْفَ تَقْصِدُونَ الْخَبِيثَ مِنْهُ تَتَصَدَّقُونَ وَلَسْتُمْ تَرْضَوْنَ بِمِثْلِهِ لِأَنْفُسِكُمْ إِلَّا أَنْ تَتَسَاهَلُوا فِيهِ تَسَاهُلَ مَنْ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ عَنْهُ فَلَمْ يَرَ الْعَيْبَ فِيهِ، وَلَنْ يَرْضَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَغْبُونٌ مَغْمُوطٌ الْحَقُّ، وَقَدْ صَوَّرُوهُ فِيمَنْ لَهُ حَقٌّ عِنْدَ امْرِئٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ بَدَلًا عَنْهُ مِمَّا هُوَ دُونَهُ جَوْدَةً وَهُوَ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْحُقُوقِ أَيْضًا، فَالرَّدِيءُ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلَّا بِإِغْمَاضٍ فِيهِ وَتَسَاهُلٍ مَعَ الْمُهْدِي ; لِأَنَّ إِهْدَاءَ الرَّدِيءِ يُشْعِرُ بِقِلَّةِ احْتِرَامِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَمَا يُبْذَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ هُوَ كَالْمُعْطَى لَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ أَجْوَدِ مَا عِنْدَهُ وَأَحْسَنِهِ لِيَكُونَ جَدِيرًا بِالْقَبُولِ، فَإِنَّ الَّذِي يَقْبَلُ الرَّدِيءَ مُغْمَضٌ فِيهِ إِنَّمَا يَقْبَلُهُ لِحَاجَتِهِ إِلَى قَبُولِهِ، وَاللهُ - تَعَالَى - لَا يَحْتَاجُ فَيُغْمِضُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِمَا لَا يَقْبَلُهُ لِرَدَاءَتِهِ إِلَّا فَقِيرُ الْيَدِ أَوْ فَقِيرُ النَّفْسِ الَّذِي لَا يُبَالِي يَرْضَى بِمَا يُنَافِي الْحَمْدَ كَقَبُولِ الرَّدِيءِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ، وَأَمَّا نَوْعُ مَا يُنْفِقُ فَهُوَ بَعْضُ مَا يَجْنِيهِ الْمَرْءُ بِعَمَلِهِ كَكَسْبِ الْفَعَلَةِ وَالتُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ، وَبَعْضُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ غَلَّاتِ الْحُبُوبِ وَثَمَرَاتِ الشَّجَرِ وَالْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ، وَهُوَ مَا كَانَ دُفِنَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَسْنَدَ إِلَيْهِ - تَعَالَى - مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِيهِ كَسْبًا ; لِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ فَضْلُ اللهِ - تَعَالَى - لَا مُجَرَّدَ حَرْثِ
الْإِنْسَانِ وَبَزْرِهِ، عَلَى أَنَّ مِنْهُ مَا لَيْسَ لِلنَّاسِ فِيهِ عَمَلٌ مَا، أَوْ مَا لَهُمْ فِيهِ إِلَّا عَمَلٌ قَلِيلٌ لَا يَكَادُ يُذْكَرُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ تَقْدِيمَ الْكَسْبِ عَلَى مَا يُخْرِجُ اللهُ مِنَ الْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِنْفَاقِ
هُنَا ; فَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. وَقِيلَ: خَاصٌّ بِالتَّطَوُّعِ ; وَقِيلَ: يَعُمُّهُمَا وَهُوَ الصَّوَابُ. إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْآيَةَ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا يُخْرِجُهُ اللهُ لِلنَّاسِ مِنَ الْأَرْضِ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَمْ يُخَصُّ بِبَعْضِ ذَلِكَ؟ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّخْصِيصِ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ خَاصٌّ بِمَا يُقْتَاتُ بِهِ دُونَ نَحْوِ الْفَاكِهَةِ وَالْبُقُولِ ; وَقَالَ بَعْضُهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَالْآيَةُ فِي نَفْسِهَا جَلِيَّةٌ وَاضِحَةٌ لَا مَثَارَ لِلْخِلَافِ فِيهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْخِلَافُ فِي مَنْ حَمَلَهَا عَلَى زَكَاةِ الْفَرِيضَةِ مَعَ إِضَافَةِ مَا وَرَدَ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْقَوْلِيَّةِ فِي زَكَاةِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ إِلَيْهَا. وَمَنْ جَرَّدَهَا عَنِ الْآرَاءِ وَالرِّوَايَاتِ فَهِمَ مِنْهَا أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَأْمُرُنَا بِأَنْ نُنْفِقَ مِنْ كُلِّ مَا يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الرِّزْقِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبُهُ كَسْبَ أَيْدِينَا أَوْ مَا يُخْرِجُهُ لَنَا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَمَعَادِنِهَا، كُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْهُ يَجِبُ شُكْرُهُ لَهُ بِنَفَقَةِ بَعْضِ الْجَيِّدِ مِنْهُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ. وَالْآيَةُ لَمْ تُخَصِّصْ وَلَمْ تُعَيِّنْ مِقْدَارَ مَا يُنْفَقُ، بَلْ وَكَلَتْهُ إِلَى رَغْبَةِ الْمُؤْمِنِ فِي شُكْرِ اللهِ - تَعَالَى -، فَإِنْ وَرَدَ دَلِيلٌ آخَرُ يُعَيِّنُ بَعْضَ النَّفَقَاتِ فَلَهُ حُكْمُهُ.
أَقُولُ: لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالتَّعْلِيمِ الْكَامِلِ وَالتَّأْدِيبِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ بِهَذَا الْهُدَى أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِحَسَبِ سَعَتِهِ وَحَالِهِ وَأَنْ يَكُونَ فِي بَذْلِهِ مُخْلِصًا مُتَحَرِّيًا مَوَاقِعَ الْفَائِدَةِ، مُبْتَعِدًا بَعْدَ الْبَذْلِ عَمَّا يَذْهَبُ بِثَمَرَتِهِ مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى، وَلَكِنَّكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ اللَّابِسِينَ لِبَاسَ الْإِيمَانِ يَتَقَلَّبُونَ فِي النِّعَمِ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ لَهَا كُفْرًا ; إِذْ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ إِمْسَاكًا وَبُخْلًا، وَقَدْ يُعَدُّ هَذَا مِنْ مُوَاطِنِ الْعَجَبِ، وَلَكِنَّ الْكِتَابَ الْحَكِيمَ قَدْ جَاءَنَا بِمَا لَهُ مِنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ، وَأَرْشَدَنَا إِلَى طَرِيقِ التَّفَصِّي مِنْهُ وَالْهَرَبِ فَقَالَ:
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً
مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُخَيِّلُ إِلَيْكُمْ بِوَسْوَسَتِهِ أَنَّ الْإِنْفَاقَ يَذْهَبُ بِالْمَالِ وَيُفْضِي إِلَى سُوءِ الْحَالِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِمْسَاكِهِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ اسْتِعْدَادًا لِمَا يُوَلِّدُهُ الزَّمَنُ مِنَ الْحَاجَاتِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ فَإِنَّ الْأَمْرَ هُنَا عِبَارَةٌ عَمَّا تُوَلِّدُهُ الْوَسْوَسَةُ مِنَ الْإِغْرَاءِ، وَالْفَحْشَاءُ الْبُخْلُ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ كُلُّ مَا فَحُشَ ; أَيِ اشْتَدَّ قُبْحُهُ، وَكَانَ الْبُخْلُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ أَفْحَشِ الْفُحْشِ، قَالَ طَرَفَةُ:
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي
…
عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
وَاللهُ يَعِدُكُمْ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْوَحْيِ وَبِمَا أَوْدَعَهُ فِي النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ مِنَ الْإِلْهَامِ الصَّحِيحِ، وَالْعَقْلِ الرَّجِيحِ، وَفِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الْبِرِّ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِنْفَاقَ كَفَّارَةً لِكَثِيرٍ مِنَ الْخَطَايَا وَسَبَبًا يَفْضُلُ بِهِ الْمَرْءُ قَوْمَهُ وَيَسُودُهُمْ أَوْ يَسُودُ فِيهِمْ بِمَا يَجْذِبُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبِ مَنْ يَكُونُ سَبَبًا فِي رِزْقِهِمْ، وَهَذَا الْفَضْلُ مِنَ الْجَاهِ بِالْحَقِّ - هَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - وَالْمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ الْفَضْلَ هُوَ مَا يُخْلِفُهُ اللهُ - تَعَالَى - عَلَى الْمُنْفِقِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [34: 39] وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ الْعِبَادُ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا أَيْ تَلَفًا لِمَالِهِ، بِأَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ لَا يُفِيدُهُ. وَمَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ عِنْدِي: أَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ أَنْ يُخْلِفَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِمَا يُسَهِّلُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ وَيَرْفَعُ مِنْ شَأْنِهِ فِي الْقُلُوبِ، وَأَنْ يُحْرَمَ الْبَخِيلُ مِنْ مَثَلِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَعْدُ اللهِ - تَعَالَى - بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِخَيْرِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَغْفِرَةُ، وَالثَّانِي لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ
الْخُلْفُ الَّذِي يُعْطِيهِ، وَأَقُولُ: إِنَّ مِنْ هَذَا الْخُلْفِ الرِّزْقَ الْمَعْنَوِيَّ وَهُوَ الْجَاهُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُلْكِ الْقُلُوبِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ فَهُوَ إِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ لِسَعَةِ فَضْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَعْلَمُ أَيْنَ يَضَعُ مَغْفِرَتَهُ وَفَضْلَهُ، بِمِثْلِ هَذَا يُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. وَأَقُولُ: إِنَّ اسْمَ عَلِيمٌ يُفِيدُ هُنَا أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - يَعْلَمُ غَيْبَ الْعَبْدِ وَمُسْتَقْبَلَهُ وَالشَّيْطَانُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَوَعْدُهُ تَغْرِيرٌ لَا يَعْبَأُ بِهِ الْعَاقِلُ النِّحْرِيرُ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ: اسْتِعْمَالُ الْوَعْدِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَهُوَ شَائِعٌ لُغَةً، ثُمَّ جَرَى عُرْفُ النَّاسِ أَنْ يَخُصُّوا الْوَعْدَ بِالْخَيْرِ وَالْإِيعَادَ بِالشَّرِّ، فَإِذَا ذَكَرُوا الْوَعْدَ مَعَ الشَّرِّ أَرَادُوا بِهِ التَّهَكُّمَ، عَلَى أَنَّ مَا يَعِدُ بِهِ الشَّيْطَانُ مِنَ الْفَقْرِ هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِنْفَاقِ، وَيَلْزَمُهُ الْوَعْدُ بِالْغِنَى مَعَ الْبُخْلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ فَيُبَيِّنُ لَنَا بَعْدَ ذِكْرِ مَا يَعِدُ هُوَ - جَلَّ شَأْنُهُ - بِهِ وَمَا يَعِدُ بِهِ الشَّيْطَانُ مَا نَحْنُ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مَعَ الْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ وَالْوَسْوَاسِ الشَّيْطَانِيِّ، وَتِلْكَ هِيَ الْحِكْمَةُ.
فَسَّرَ الْأُسْتَاذُ الْحِكْمَةَ هُنَا بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ يَكُونُ صِفَةً مُحْكَمَةً فِي النَّفْسِ حَاكِمَةً
عَلَى الْإِرَادَةِ تُوَجِّهُهَا إِلَى الْعَمَلِ، وَمَتَى كَانَ الْعَمَلُ صَادِرًا عَنِ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ كَانَ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ النَّافِعُ الْمُؤَدِّي إِلَى السَّعَادَةِ. وَكَمْ مِنْ مُحَصِّلٍ لِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ خَازِنٍ لَهَا فِي دِمَاغِهِ لِيَعْرِضَهَا فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ لَا تُفِيدُهُ هَذِهِ الصُّوَرُ الَّتِي تُسَمَّى عِلْمًا فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ وَالْأَوْهَامِ، وَلَا فِي التَّزْيِيلِ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَكَّنْ فِي النَّفْسِ تَمَكُّنًا يَجْعَلُ لَهَا سُلْطَانًا عَلَى الْإِرَادَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَصَوُّرَاتٌ وَخَيَالَاتٌ تَغِيبُ عِنْدَ الْعَمَلِ، وَتَحْضُرُ عِنْدَ الْمِرَاءِ وَالْجَدَلِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: وَالْمُرَادُ بِإِيتَائِهِ الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ - إِعْطَاؤُهُ آلَتُهَا الْعَقْلُ كَامِلَةً مَعَ تَوْفِيقِهِ لِحُسْنِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْآلَةِ فِي تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الصَّحِيحَةِ ; فَالْعَقْلُ هُوَ الْمِيزَانُ الْقِسْطُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْخَوَاطِرُ وَالْمُدْرَكَاتُ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ أَنْوَاعِ التَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ، فَمَتَى رَجَحَتْ فِيهِ كِفَّةُ الْحَقَائِقِ طَاشَتْ كِفَّةُ الْأَوْهَامِ، وَسَهُلَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ.
أَقُولُ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَّفِقُ مَعَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ " أَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ " أَيْ مَعْرِفَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى، وَالْأَحْكَامِ بِعِلَلِهَا وَحِكَمِهَا; لِأَنَّ هَذَا الْفِقْهَ هُوَ أَجَلُّ الْحَقَائِقِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي النَّفْسِ الْمَاحِيَةِ لِمَا يَعْرِضُ لَهَا مِنَ الْوَسَاوِسِ حَتَّى لَا تَكُونَ مَانِعَةً مِنَ الْعَمَلِ
الصَّالِحِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ فَقِهَ مَا وَرَدَ فِي الْإِنْفَاقِ وَفَوَائِدِهِ وَآدَابِهِ مِنَ الْآيَاتِ لَا يَكُونُ وَعْدُ الشَّيْطَانِ لَهُ بِالْفَقْرِ وَأَمْرُهُ إِيَّاهُ بِالْبُخْلِ مَانِعًا لَهُ مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْفِقْهَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَمَالِ الْعَقْلِ وَحُسْنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْفَهْمِ وَالْبَحْثِ عَنْ فَوَائِدِ الْأَحْكَامِ وَعِلَلِهَا وَدَلَائِلِ الْمَسَائِلِ وَبَرَاهِينِهَا، فَالْخَبَرُ: فَسَّرَ الْحِكْمَةَ بِالْأَخَصِّ، رِعَايَةً لِلْمَقَامِ. وَالْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فَسَّرَهَا بِالْأَعَمِّ بَيَانًا لِشُمُولِ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ، فَالْآيَةُ بِإِطْلَاقِهَا رَافِعَةٌ لِشَأْنِ الْحِكْمَةِ بِأَوْسَعِ مَعَانِيهَا هَادِيَةً إِلَى اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ فِي أَشْرَفِ مَا خُلِقَ لَهُ. وَمَنْ رُزِئَ بِالتَّقْلِيدِ كَانَ مَحْرُومًا مِنْ ثَمْرَةِ الْعَقْلِ وَهِيَ الْحِكْمَةُ، مَحْرُومًا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللهُ لِصَاحِبِ الْحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا فَيَكُونُ كَالْكُرَةِ تَتَقَاذَفُهُ وَسْوَسَةُ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَجَهَالَةُ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَغْنِي بِعُقُولِ النَّاسِ عَنْ عَقْلِهِ، وَبِفِقْهِ النَّاسِ عَنْ فِقْهِ الْقُرْآنِ، بِدَعْوَى أَنَّهُ جَمَعَ كَلَّ مَا أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ مَعَ زِيَادَةٍ فِي الْبَيَانِ، وَقَدْ يَجِدُ فِي فِقْهِ النَّاسِ أَنَّ اللهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ غَيْرَ الزَّكَاةِ الَّتِي لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ وَهُوَ مَالِكٌ لِلنِّصَابِ، وَأَنَّهُ إِذَا هُوَ وَهَبَ امْرَأَتَهُ مَالَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهَا إِيَّاهُ بَعْدَ دُخُولِ الْحَوْلِ الْجَدِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَيُمْكِنْ عَلَى هَذَا أَنْ يَمْلِكَ أُلُوفًا مِنَ الدَّنَانِيرِ وَتَمُرَّ عَلَيْهِ السُّنُونَ وَالْأَحْوَالُ لَا يُنْفِقُ مِنْهَا شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللهِ وَيَكُونُ مُؤْمِنًا عَامِلًا بِفِقْهِ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى الْقُرْآنِ وَفَقِهَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ وَلَا غُرُورٍ بِعَظَمَةِ شُهْرَةِ الْمُحْتَالِينَ الْمُحَرِّفِينَ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكُونُ بِهَذَا الْمَنْعِ عَدُوًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلِكِتَابِهِ، مَحْرُومًا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي أَتَاهُ اللهُ - تَعَالَى - لِأَهْلِهِ.
قَرَأْنَا وَاطَّلَعْنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ الْمُقَلِّدِينَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، فَلَمْ نَرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عُشْرَ مِعْشَارِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَبَيَانِ فَوَائِدِهِ وَمَنَافِعِهِ وَكَوْنِهِ مِنْ أَكْبَرِ آيَاتِ الْإِيمَانِ وَالتَّنْفِيرِ مِنَ الْإِمْسَاكِ وَالْبُخْلِ وَبَيَانِ كَوْنِهِ مِنْ آيَاتِ الْكُفْرِ، وَلَكِنَّهَا تُطِيلُ فِيمَا لَمْ يُعْنَ بِهِ كِتَابُ اللهِ مِنْ بَيَانِ النِّصَابِ فِي كُلِّ مَا تَجِبُ بِهِ الزَّكَاةُ وَالْحَوْلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَسْتَقْصِي كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مَا يَنْفُذُ إِلَى الْقَلْبِ فَيَجْذِبُهُ إِلَى الرَّبِّ بَعْدَ أَنْ يُنْقِذَهُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ، وَيَزُجُّ بِهِ فِي وِجْدَانِ الدِّينِ، وَهَذَا مَا عَابَهُ الْإِمَامُ
الْغَزَالِيُّ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي سَمَّوْهُ فِقْهًا. وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِقْهِ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ، فَهَلْ يَصِحُّ مَعَ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَفِقْهِ حُكْمِهِ وَأَسْرَارِهِ؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ أَوْسَعَ النَّاسِ مَعْرِفَةً بِهِ هُمْ فِي الْغَالِبِ أَشَدُّهُمْ بُخْلًا وَحِرْصًا، حَتَّى لَا تَكَادَ تَرَى أَحَدًا مِنْهُمْ مُشْتَرِكًا فِي جَمْعِيَّةٍ خَيْرِيَّةٍ أَوْ مُنْفِقًا فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ، بَلْ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَحْتَالُونَ وَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْحِيَلَ لِمَنْعِ الزَّكَاةِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَصِفُ الْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةَ بِالْبِدْعَةِ وَيَلْمِزُ أَهْلَهَا فِي عَمَلِهِمْ، يَعْتَذِرُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ مُسَاعَدَتِهِمْ إِلَّا تَمَسُّكًا بِالشَّرْعِ وَمُحَافَظَةً عَلَى أَحْكَامِهِ، فَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُونَ فَلِمَ لَا تُنْشِئُونَ جَمْعِيَّاتٍ خَيْرِيَّةً لِخِدْمَةِ الْأُمَّةِ وَإِعْلَاءِ شَأْنِ الْمِلَّةِ؟ شَكَوْا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا لَأَسْرَعَ الْجَمَاهِيرُ إِلَى تَلْبِيَتِهِمْ ; لَأَنَّ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَزَالُ يَعْتَقِدُ بِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُحَافِظُونَ عَلَى الدِّينِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ لَا يَعْمَلُ الْخَيْرَ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، بَلْ يَصُدُّ عَنْهُ يَكُونُ قَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيمَنْ أُوتِيهَا إِنَّهُ: أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا أَوْ يَكُونُ قَدْ أَوُتِيَ فِقْهَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْحِكْمَةُ؟ لَا نَعْنِي بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِلْمَ الْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَ بِالْفِقْهِ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ بِالْمَرَّةِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ حَتَّى فِي الْأَحْكَامِ.
ثُمَّ أَقُولُ إِيضَاحًا لِلْمَقَامِ: إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ مَعَ الْحِكْمَةِ فِي قَرْنٍ، فَهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ كَمَا لَا يَفْتَرِقُ الْمَعْلُولُ عَنْ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ، فَالْحِكْمَةُ: هِيَ الْعِلْمُ الصَّحِيحُ الْمُحَرِّكُ لِلْإِرَادَةِ إِلَى الْعَمَلِ النَّافِعِ الَّذِي هُوَ الْخَيْرُ. وَآلَةُ الْحِكْمَةِ هِيَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ الْمُسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ، فَهُوَ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ، فَمَتَّى حَكَمَ جَزَمَ فَأَمْضَى وَأَبْرَمَ، فَكُلُّ حَكِيمٍ عَلِيمٍ عَامِلٍ مَصْدَرٌ لِلْخَيْرِ الْكَثِيرِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ أَيْ وَقَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ - تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَا يَتَّعِظُ بِالْعِلْمِ وَيَتَأَثَّرُ بِهِ تَأَثُّرًا يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ إِلَّا أَصْحَابُ الْعُقُولِ الْخَالِصَةِ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَالْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ مِنَ الْمَعَايِبِ، وَهُوَ تَذْيِيلٌ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ، فَنَسْأَلُهُ - تَعَالَى - أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْحِكْمَةِ وَفَصْلِ الْخِطَابِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
أَرْشَدَنَا عز وجل فِي الْآيَةِ إِلَى أَنَّهُ يُجَازِي عَلَى كُلِّ صَدَقَةٍ وَكُلِّ الْتِزَامٍ لِصَدَقَةٍ وَبِرٍّ ; لِأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ عَمَلٍ وَكُلِّ قَصْدٍ، لِنَتَذَكَّرَ ذَلِكَ فَتَخْتَارَ لِأَنْفُسِنَا أَفْضَلَ مَا نُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَهُ عَنَّا فَقَوْلُهُ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ يَشْتَمِلُ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا مَا كَانَ مِنْهَا فِي حَقٍّ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي شَرٍّ، وَمَا كَانَ عَنْ إِخْلَاصٍ وَمَا كَانَ رِئَاءَ النَّاسِ مَا أُتْبِعَ مِنْهَا بِالْمَنِّ وَالْأَذَى وَمَا لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ يَأْتِي فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَيَشْمَلُ مَا كَانَ نَذْرَ قُرْبَةٍ وَتَبَرُّرٍ وَنَذْرَ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ، فَالْأَوَّلُ مَا قُصِدَ بِهِ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ قُرْبَةً لِلَّهِ - تَعَالَى - بِلَا شَرْطٍ وَلَا قَيْدٍ لِئَلَّا يَتَهَاوَنَ فِيهَا كَأَنْ يَنْذُرَ نَفَقَةً مُعَيَّنَةً أَوْ صَلَاةَ نَافِلَةٍ أَوْ بِشَرْطِ حُصُولِ نِعْمَةٍ أَوْ رَفْعٍ نِقْمَةٍ. كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللهُ فُلَانًا فَعَلَيَّ - أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ - أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا أَوْ أَقِفَ عَلَى الْجَمْعِيَّةِ الْخَيْرِيَّةِ كَذَا، وَالثَّانِي مَا يُقْصَدُ بِهِ حَثُّ النَّفْسِ عَلَى شَيْءٍ أَوْ مَنْعُهَا عَنْهُ. كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ كَذَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْأَوَّلِ، وَفِي الثَّانِي أَقُولُ: مِنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِشَرْطِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَلَا مَحَلَّ هُنَا لِتَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِيمَا وَرَدَ وَمَا قِيلَ فِي النَّذْرِ. وَإِنَّمَا نَقُولُ: إِنَّهُ الْتِزَامُ فِعْلِ الشَّيْءِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِ النَّاذِرِ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا - أَوْ عَلَيَّ لِلَّهِ كَذَا، أَوْ نَذَرْتُ لِلَّهِ كَذَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي طَاعَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ - تَعَالَى - إِلَّا بِالطَّاعَةِ، فَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ مَعْصِيَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهَا، وَإِنْ نَذَرَ مُبَاحًا فَعَلَهُ لِأَنَّ فَسْخَ الْعَزَائِمِ مِنَ النَّقْصِ; وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ نَذَرَتْ أَنْ تَضْرِبَ بِالدُّفِّ وَتُغَنِّيَ يَوْمَ قُدُومِهِ بِالْوَفَاءِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ لَا مُبَاحٌ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ جَوَابُ الشَّرْطِ ; أَيْ فَإِنَّهُ - تَعَالَى - يَعْلَمُ مَا ذُكِرَ مِنَ النَّفَقَةِ أَوِ النَّذْرِ، وَيُجَازِي عَلَيْهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَالْجُمْلَةُ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ وَتَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ، ثُمَّ أَكَّدَ مَا فِيهَا مِنَ الْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
يَنْصُرُونَهُمْ يَوْمَ الْجَزَاءِ فَيَدْفَعُونَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بِجَاهِهِمْ أَوْ يَفْتَدُونَهُمْ مِنْهُ بِمَالِهِمْ كَقَوْلِهِ: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [40: 18] أَقُولُ: وَالظَّالِمُونَ فِي مَقَامِ الْإِنْفَاقِ: هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ; إِذَ لَمْ يُزَكُّوهَا وَيُطَهِّرُوهَا مِنْ هَذِهِ الْفَحْشَاءِ الْبُخْلِ، أَوْ مِنْ رَذَائِلِ الرِّيَاءِ وَالْمَنِّ وَالْأَذَى وَظَلَمُوا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ بِمَنْعِ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ لَهُمْ، وَظَلَمُوا الْمِلَّةَ وَالْأُمَّةَ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَبِمَا كَانُوا قُدْوَةً سَيِّئَةً لِغَيْرِهِمْ، فَظُلْمُهُمْ عَامٌّ شَامِلٌ. فَهَلْ يَعْتَبِرُ بِهَذَا أَغْنِيَاءُ الْمُسْلِمِينَ
وَهُمْ يَرَوْنَ أُمَّتَهُمْ قَدْ صَارَتْ بِبُخْلِهِمْ أَبْعَدَ
الْأُمَمِ عَنِ الْخَيْرِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؟ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَجْهَلُونَ أَنَّ الْمَالَ هُوَ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَصَالِحِ الْأُمَمِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ شَاءُوا لَانْتَشَلُوا هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ وَهْدَتِهَا، وَعَادُوا بِهَا إِلَى عِزَّتِهَا، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ ظَالِمُونَ، قُسَاةٌ لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَتَذَكَّرُونَ.
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
هَذَا حُكْمٌ آخَرُ مِنْ أَحْكَامِ الصَّدَقَاتِ يَشْعُرُ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ الْمُخْلِصُونَ الَّذِينَ يَتَحَامَوْنَ الرِّيَاءَ وَالْفَخْرَ فِي الْإِنْفَاقِ، وَمَا كُلُّ مُظْهِرٍ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ مُرَائِيًا بِهِ وَلَكِنْ كُلُّ مُخْفٍ لَهُ بَعِيدٌ عَنِ الرِّيَاءِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أَيْ فَنِعْمَ شَيْئًا إِبْدَاؤُهَا، وَأَصْلُهَا نِعْمَ مَا هِيَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَوَرْشٌ وَحَفْصٌ نِعِمَّا بِكَسْرِ النُّونِ وَالْعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَقَالُونُ وَأَبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَإِخْفَاءِ حَرَكَةِ الْعَيْنِ (اخْتِلَاسِهَا) فِي رِوَايَةٍ وَإِسْكَانِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأُولَى أَقِيسُ، وَحُكِيَتِ الثَّانِيَةُ لُغَةً. قَالَ: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ إِنَّ إِعْطَاءَهَا لِلْفُقَرَاءِ فِي الْخُفْيَةِ وَالسِّرِّ أَفْضَلُ مِنَ الْإِبْدَاءِ لِمَا فِي الْإِخْفَاءِ مِنَ الْبُعْدِ عَنْ شُبْهَةِ الرِّيَاءِ وَمَثَارِهِ، وَمِنْ إِكْرَامِ الْفَقِيرِ وَتَحَامِي إِظْهَارِ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ، وَقِيلَ: خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْخُيُورِ وَلَيْسَ بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ زِيَادَةُ الْجَزَاءِ بِقَوْلِهِ: وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ أَيْ وَيَمْحُو عَنْكُمْ بَعْضَ سَيِّئَاتِكُمْ. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ وَيُكَفِّرْ بِالْيَاءِ: أَيِ اللهُ - تَعَالَى -، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَيَّاشٍ وَيَعْقُوبَ (وَنُكَفِّرُ) بِالنُّونِ مَرْفُوعًا: أَيْ وَنَحْنُ نُكَفِّرُ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (وَنُكَفِّرْ) بِالنُّونِ مَجْزُومًا بِالْعَطْفِ عَلَى مَحَلِّ الْفَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أَيْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ نِيَّاتُكُمْ فِي الْإِبْدَاءِ وَالْإِخْفَاءِ - فَإِنَّ الْخَبِيرَ هُوَ الْعَالِمُ بِدَقَائِقِ الْأُمُورِ.
بَقِيَ فِي الْآيَةِ مَبْحَثَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ: إِنَّ الصَّدَقَاتِ فِي الْآيَةِ عَامَّةٌ تَشْمَلُ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَالتَّطَوُّعَ، فَإِخْفَاءُ كُلِّ فَرِيضَةٍ خَيْرٌ مِنْ إِبْدَائِهَا. وَقَالَ
الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهَا خَاصَّةٌ بِالتَّطَوُّعِ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَهِيَ شَعَائِرُ لَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهَا، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ. قَالَ: إِنَّ إِبْدَاءَ الْفَرِيضَةِ إِشْهَارٌ لِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ لَوْ أُخْفِيَتْ لَتُوُهِّمَ مَنْعُهَا،
وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي الْمُتَوَهِّمِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ لِمَا لِلْقُدْرَةِ وَحَالِ الْبِيئَةِ مِنَ التَّأْثِيرِ، وَلَا مَحَلَّ لِلرِّيَاءِ فِي الْفَرَائِضِ وَالشَّعَائِرِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً وَلِأَنَّ الْمُرَائِيَ بِهَا لَا يَكُونُ مُصَدِّقًا بِفَرْضِيَّتِهَا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ. أَقُولُ: فَإِذَا انْقَلَبَتِ الْحَالُ فَصَارَ الْمُؤَدِّي لِلْفَرِيضَةِ نَادِرًا لَا يَكَادُ يُعْرَفُ فَإِذَا عُرِفَ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ فَهَلْ يَصِيرُ الْأَفْضَلَ لَهُ إِخْفَاؤُهَا؟ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِظْهَارَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ آكَدًا ; لِأَنَّ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَقُوَّتَهُ بِإِظْهَارِ شَعَائِرِهِ وَفَرَائِضِهِ وَلِمَكَانِ الْقُدْوَةِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْإِظْهَارَ أَفْضَلُ لِمَنْ يَرْجُو اقْتِدَاءَ النَّاسِ بِهِ فِي صَدَقَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا ; لِأَنَّ نَفْعَهَا حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ النَّفْعِ الْقَاصِرِ بِلَا نِزَاعٍ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْخَيْرِيَّةُ فِي الْآيَةِ خَاصَّةً بِصَدَقَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي الْفَائِدَةِ: إِحْدَاهُمَا خَفِيَّةٌ وَالْأُخْرَى جَلِيَّةٌ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَفِيَّةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ الْخَيْرِيَّةَ فِيهَا عَامَّةٌ إِلَّا أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ - كَمَا يَقُولُونَ - أَيْ إِنَّ كُلَّ صَدَقَةٍ خَفِيَّةٍ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ صَدَقَةٍ جَلِيَّةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ سَتْرٌ لِحَالِ الْفَقِيرِ وَتَكْرِيمٌ لَهُ وَمَجْنَبَةٌ لِنَزَعَاتِ الرِّيَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ خَيْرًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الْجَلِيَّةِ فَائِدَةٌ لَيْسَتْ فِي الْخَفِيَّةِ كَالِاقْتِدَاءِ تَكُونُ خَيْرًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَوِ الْحَيْثِيَّةِ، وَلَكَ أَنْ تُوَازِنَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيِ الْجِهَةِ أَيَّتُهُمَا أَرْجَحُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى وَالْقُدْوَةِ. فَرُبَّ مُعْطٍ لَا يَقْتَدِي بِهِ أَحَدٌ وَمُعْطٍ يَقْتَدِي بِهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ، وَمُعْطٍ يَتْبَعُهُ الْجَمَاهِيرُ، وَرُبَّ مُعْطَى يَرَى مِنَ الْعَارِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَيُفَضِّلَ أَنْ يُعْطِيَهُ زَيْدٌ وَحْدَهُ فِي السِّرِّ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ فِي السِّرِّ، وَإِنَّ مِنَ الْمُنْفِقِينَ مَنْ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الرِّيَاءَ إِذَا هُوَ تَصَدَّقَ فِي الْمَلَأِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهَا الرِّيَاءَ وَلَوْ أَنْفَقَ فِي الْخَلْوَةِ إِلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ فِي ضَبْطِ نَفْسِهِ لِتُوَاظِبَ عَلَى الْكِتْمَانِ، عَلَى أَنَّ الْمُخْلِصَ لَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ الَّذِي يَسْلَمُ بِهِ مِنْ مُنَازَعَةِ الرِّيَاءِ وَبَيْنَ إِبْدَائِهَا الَّذِي يَكُونُ مَدْعَاةً لِلْأُسْوَةِ وَالِاقْتِدَاءِ، وَيَسْهُلُ هَذَا الْجَمْعُ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَأَنْ يُرْسِلَ
الْمُتَصَدِّقُ وَرَقَةً مَالِيَّةً لِجَمْعِيَّةٍ خَيْرِيَّةٍ، وَلَا يَذْكُرُ لَهَا اسْمَهُ أَوْ يَذْكُرُهُ لِمَنْ يَبْذُلُ لَهُ الْمَالَ كَرَئِيسِهَا أَوْ أَمِينِهَا فَقَطْ، وَمِنْ دَأْبِ الْجَمْعِيَّاتِ أَنْ تُشِيدَ بِمِثْلِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بِأَلْسِنَةِ أَعْضَائِهَا وَبِأَلْسِنَةِ الْجَرَائِدِ الَّتِي هِيَ أَوْسَعُ طَرْقِ الشُّهْرَةِ فِي عَصْرِنَا وَأَبْعَدُهَا مَدًى.
وَلَا يَبْعُدُ عَنْ هَدْيِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِنْفَاقَ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَإِنْشَاءِ الْمَدَارِسِ لِلتَّرْبِيَةِ الْمِلِّيَّةِ وَالتَّعْلِيمِ النَّافِعِ، وَإِنْشَاءِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُشْبِهُ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ، فَلَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ وَإِنْ أَخْفَى الْمُنْفِقُ اسْمَهُ، وَإِنَّ تَفْضِيلَ الْإِخْفَاءِ خَاصٌّ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ إِلَخْ. وَلَمْ يَقُلْ: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتَجْعَلُوهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْفَقِيرِ سَدٌّ لِخَلَّتِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الْمُبَارَاةِ فِي الِاسْتِكْثَارِ كَمَا يُحْتَاجُ فِي إِقَامَةِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، ثُمَّ إِنَّ فِيهَا مِنْ سَتْرِ حَالِهِ وَحِفْظِ كَرَامَتِهِ مَا لَا يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْمَصَالِحِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ: " مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ إِخْفَاءَ كُلِّ أَعْمَالِ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهَا، وَأَنَّهُ خَيْرٌ لِلْإِنْسَانِ أَنَّ يَكُونَ مَخْمُولًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ، فَأَيْنَ مِنْ هَذَا الظَّنِّ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [28: 5] وَقَوْلُهُ عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [32: 24] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ فِي بَيَانِ دُعَاءِ عِبَادِهِ: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [25: 74] فَهَلْ يَكُونُ الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ فِي الْخَيْرِ مَخْمُولًا مَجْهُولًا؟ .
(الْمَبْحَثُ الثَّانِي) : إِنْ أَطْلَقَ فِي الْآيَةِ لَفْظَ الْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَقُلْ فُقَرَاءَكُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَحَبُّ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ - وَإِنْ كَانَ كَافِرًا - فَكَمَا وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ الْكَافِرَ فَلَمْ يَحْرِمْهُ لِكُفْرِهِ مِنَ الرِّزْقِ بِسَعْيِهِ، كَذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ الَّذِي يَكْفِيهِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ. أَوْرَدَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وَحَكَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَالْفُقَهَاءُ لَمْ يَمْنَعُوا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ عَنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِ. وَإِنَّمَا قَالُوا: إِنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي هِيَ إِحْدَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ عَنْ مُسْلِمٍ
وَلَا كَافِرٍ، وَلَا بَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ، بَلْ قَالُوا: إِذَا اضْطُرَّ الذِّمِّيُّ أَوِ الْمُعَاهِدُ إِلَى الْقُوتِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَدُّ رَمَقِهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ سَدُّ رَمَقِ الْمُسْلِمِ الْمُضْطَرِّ إِلَّا مَنْ أَهْدَرَ الشَّرْعُ دَمَهُ، وَعُمُومُ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ كَتَبَ الرَّحْمَةَ وَالْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِمَا: فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ يَعْنِي فِي جَمِيعِ الْأَحْيَاءِ.
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَصَّدَّقُوا إِلَّا عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ - تَعَالَى -: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُنَا أَلَّا نَتَصَدَّقَ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " كَانَ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَهُمْ أَنْسِبَاءُ وَقَرَابَةٌ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ أَنَّ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ وَيُرِيدُونَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا فَنَزَلَتْ " وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْوَقَائِعَ تَقَدَّمَتْ نُزُولَهَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ كَانَتْ فَصْلًا فِيهَا وَإِلَّا فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَمَا قَبْلَهَا نَزَلَ فِي الْفُقَرَاءِ عَامَّةً.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الْآيَةَ السَّابِقَةَ قَدْ أَطْلَقَتْ إِيتَاءَ الْفُقَرَاءِ وَجَعَلَتْهُ عَلَى عُمُومِهِ الشَّامِلِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى عَدَمِ التَّحَرُّجِ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَهْدِيِّينَ ; فَإِنَّ الرَّحْمَةَ بِالْفَقِيرِ وَسَدِّ خَلَّتِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَقَّفَ عَلَى إِيمَانِهِ، بَلْ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ خَيْرُهُ عَامًّا، وَأَنْ يَكُونَ سَابِقًا لِسَائِرِ النَّاسِ بِالْكَرَمِ وَالْفَضْلِ.
أَقُولُ: وَالْخِطَابُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِنَهْيِهِ عَنِ الْإِنْفَاقِ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّوْجِيهُ عَامٌّ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً وَإِنْ جَاءَ بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ الْمُفْرِدِ، وَيُؤَيِّدُهُ كَوْنُهُ فِي سَائِرِ الْآيَةِ بِضَمَائِرِ جَمْعِ الْمُخَاطَبِينَ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُكَلَّفْ هِدَايَةَ الْكَافِرِينَ بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْبَلَاغَ فَقَطْ، وَأُعْلِمَ أَنَّ أَمْرَ النَّاسِ فِي الِاهْتِدَاءِ مُفَوَّضٌ إِلَى رَبِّهِمْ، وَمَا وَضَعَهُ لِسَيْرِ عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ مِنَ السُّنَنِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِأَلَا يُكَلَّفَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِذًا أَنْ نَمْنَعَ الْخَيْرَ عَنِ الْكَافِرِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ جَذْبًا لَهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَاضْطِرَارًا لَهُ إِلَى الْهِدَايَةِ، فَإِنَّ الْهِدَايَةَ لَيْسَتْ عَلَيْنَا وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِتَوْفِيقِهِ إِلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ الْمُؤَدِّي إِلَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ الَّذِي يُثْمِرُ الْعَمَلَ. وَأَمَّا الْبَاعِثُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أَرْشَدَنَا إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - فِي قَوْلِهِ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ إِلَخْ. قَالُوا: مَعْنَى هَذَا أَنَّ نَفْعَ الْإِنْفَاقِ فِي الْآخِرَةِ خَاصٌّ بِكُمْ، هَكَذَا صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَقْيِيدِ النَّفْعِ بِالْآخِرَةِ: وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا: أَيْ لِأَنَّ نَفْعَهُ عَائِدٌ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَجْعَلُهُ خَاصًّا بِالدُّنْيَا، وَمَعْنَى كَوْنِهِ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ يَكُفُّ شَرَّ الْفُقَرَاءِ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ أَذَاهُمْ فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ إِذَا ضَاقَ بِهِمُ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّتْ بِهِمُ الْحَاجَةُ يَنْدَفِعُونَ إِلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى أَهْلِ الثَّرْوَةِ بِالسَّرِقَةِ وَالنَّهْبِ وَالْإِيذَاءِ بِحَسْبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ، ثُمَّ يَسْرِي شَرُّهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَرُبَّمَا صَارَ فَسَادًا عَامًّا بِسُوءِ الْقُدْوَةِ، فَيَذْهَبُ بِالْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ مِنَ الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْكَلَامِ نَظِيرٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. (قَالَ) وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا عَلَى ظَاهِرِهِ، أَيْ لَا تُنْفِقُونَ لِأَجْلِ جَاهٍ أَوْ مَكَانَةٍ عِنْدَ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تُنْفِقُونَ لِوَجْهِ اللهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُعْطٍ وَمُعْطَى إِلَّا إِذَا كَانَ الْفَقِيرُ مُسْتَحِقًّا يَتَقَرَّبُ بِإِزَالَةِ ضَرُورَتِهِ إِلَى الرَّزَّاقِ
الرَّحِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْرِمْ أَحَدًا مِنْ رِزْقِهِ لِاعْتِقَادِهِ. أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكِ مَحْظُورًا [17: 20] قَالَ: وَفِي كَوْنِ الْإِنْفَاقِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِوَجْهِ اللهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْكَافِرِينَ إِذَا كَانَ إِعَانَةً لَهُمْ عَلَى إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ جَائِزًا ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرْضِيًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَهُ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا تُنْفِقُوا إِلَّا لِوَجْهِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ عز وجل.
ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوفَّ إِلَيْكُمْ أَيْ فِي الْآخِرَةِ لَا يُنْقِصُكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَدَ أَوَّلًا بِأَنَّ خَيْرَ الْإِنْفَاقِ عَائِدٌ عَلَى الْمُنْفِقِينَ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ: فَلِأَنْفُسِكُمْ ثُمَّ وَعَدَ بِالْجَزَاءِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ مُوَفًّى تَامًّا، وَقَالَ: وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ أَيْ لَا تُنْقَصُونَ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَوْ نَقِيرًا أَوْ فَتِيلًا. أَقُولُ: وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّهُ جَعَلَ هُنَا قَوْلَهُ - تَعَالَى -: فِلِأَنْفُسِكُمْ خَاصًّا بِالدُّنْيَا، وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُ عَامٌّ قَدْ قَالَهُ فِي الدَّرْسِ، فَهَلْ كَانَ سَبْقَ لِسَانٍ أَمْ رَجَعَ عَنْهُ عِنْدَ تَمَامِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَكَيْفَ فَاتَنَا أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ هَذَا مَا وَجَدْتُهُ فِي مُذَكِّرَتِي لَا أَذْكُرُ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ.
أَقُولُ: وَالَّذِي كَانَ تَبَادَرَ إِلَى فَهْمِي مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [2: 265] أَيْ إِنَّ أَيَّ نَفَقَةٍ مِنَ الْخَيْرِ أَنْفَقْتُمْ فَهِيَ تُفِيدُكُمْ فِي تَثْبِيتِ أَنْفُسِكُمْ فِي مَقَامَاتِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْحَالُ أَنَّكُمْ مَا تُنْفِقُونَ ذَلِكَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَإِرَادَةَ رِضْوَانِهِ، وَمَتَى كَانَ الْإِنْفَاقُ كَذَلِكَ كَانَ مُزَكِّيًا وَمُثَبِّتًا لِلنَّفْسِ مُعِدًّا لَهَا، وَمُؤَهِّلًا لِرِضْوَانِ اللهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا ; إِذِ الْإِنْفَاقُ لَيْسَ لِأَجْلِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَابْتِغَاءِ الْأَجْرِ مِنْهُ، وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْفَائِدَةَ الذَّاتِيَّةَ لِلْإِنْفَاقِ فِي نَفْسِ الْمُنْفِقِ ذَكَرَ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ إِلَخْ. أَيْ وَإِنَّكُمْ عَلَى اسْتِفَادَتِكُمْ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي أَنْفُسِكُمْ بِتَرْقِيَتِهَا وَجَعْلِهَا مُسْتَحِقَّةً لِقُرْبِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ، لَا يُضِيعُ عَلَيْكُمْ مَا تُنْفِقُونَهُ، بَلْ تُوَفَّوْنَهُ لَا تُظْلَمُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَجْرُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَشَدُّ الْتِئَامًا وَأَحْسَنُ نِظَامًا، فَالْجُمْلَتَانِ الشَّرْطِيَّتَانِ فِيهِ مُتَعَاطِفَتَانِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ قَيْدٌ فِي الشُّرْطِيَّةِ الْأُولَى ; وَلِلْإِنْفَاقِ عَلَى هَذَا فَائِدَتَانِ:
أُولَاهُمَا: وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ: تَثْبِيتُ نَفْسِ الْمُنْفِقِ وَتَرْقِيَتُهَا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ.
وَالْأُخْرَى: الثَّوَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهِيَ دُونَ الْأُولَى عِنْدَ الْعَارِفِينَ.
وَابْتِغَاءُ وَجْهِ اللهِ بِالْعَمَلِ هُوَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ دُونَ سِوَاهُ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ وَإِرْضَاءً لَهُ لِذَاتِهِ لَا لِلتَّشَوُّفِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، كَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ عَرْضُهُ عَلَيْهِ وَمُقَابَلَتُهُ بِهِ فَقَطْ، وَلَا يَفْهَمُ هَذَا حَقَّ فَهْمِهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَرَاتِبَ النَّاسِ وَمَقَاصِدَهُمْ فِي خِدْمَةِ الْمُلُوكِ، ذَلِكَ
أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ لِلْمَلِكِ
خَوْفًا مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِ مَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ قَانُونُهُ أَوِ التَّقْصِيرِ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ لِأَجْلِ اقْتِضَاءِ الْأَجْرِ الَّذِي فُرِضَ لِلْعَمَلِ فَهُوَ لَا يُفَكِّرُ فِي غَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ فَيُجِيدُ الْعَمَلَ لِأَجْلِ الِارْتِقَاءِ مِنْ جَزَاءٍ إِلَى أَكْبَرَ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ - وَهُوَ أَعْلَاهُمْ مَرْتَبَةً - مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الْحَسَنَ الْمُرْضِي لِلْمَلِكِ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ فِي نَظَرِهِ مُحْسِنًا عَارِفًا قِيمَةَ الْعَمَلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَمَا وَرَاءَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي كَانَتْ عِلَّةَ الْأَمْرِ فَمِثْلُ هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ مُبْتَغٍ وَجْهَ الْمَلِكِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يَرَاهُ فِيهَا مُحْسِنًا، فَإِنَّ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِأَنَّ يُرَى فَإِنَّمَا يَأْتِي مِنْ تِلْقَاءِ الْوَجْهِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لَا يَبْتَغِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُوَاجِهَ النَّاسَ - لَا الْمُلُوكَ خَاصَّةً - بِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ كَمَالٌ لَا يَبْتَغِي غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، فَأَرْشَدَ اللهُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلِهِ الصَّالِحِ مَعَ اللهِ - تَعَالَى - كَذَلِكَ، أَيْ أَنْ يُكْمِلَ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ وَيَبْتَغِيَ أَنْ يَرَاهُ اللهُ - تَعَالَى - كَامِلًا يَعْمَلُ الْعَمَلَ لِأَنَّهُ حَسَنٌ، تَتَحَقَّقُ بِهِ حِكْمَتُهُ - تَعَالَى -، وَتَقُومُ بِهِ سُنَنُهُ فِي صَلَاحِ الْبَشَرِ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ مَعْنَى ابْتِغَاءِ وَجْهِ اللهِ - تَعَالَى - هُوَ طَلَبُ إِقْبَالِهِ وَمَحَبَّتِهِ لِلْعَامِلِ، قَالَ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [12: 9] فَمَعْنَى خُلُوِّ وَجْهِهِ لَهُمْ أَلَّا يُشَارِكَهُمْ فِي إِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ وَمَحَبَّتِهِ لَهُمْ مُشَارِكٌ، وَلِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مَنْزَعٌ دَقِيقٌ فِي مَعْنَى وَجْهِ اللهِ، وَهُوَ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهَيْنِ:
وَجْهًا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ الْحَادِثِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا بَقَاءَ لَهُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُحْدَثَاتِ عُرْضَةٌ لِلزَّوَالِ.
وَوَجْهًا إِلَى الدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ وَهُوَ وَجْهُ اللهِ - تَعَالَى -، فَمَعْنَى وَجْهُ اللهِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى هَذَا الْمَنْزَعِ، أَنْ يَقْصِدَ بِهِ ثَمَرَتَهُ الدَّائِمَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَهِيَ إِنَّمَا تَكُونُ بِارْتِقَاءِ النَّفْسِ فِي الْكَمَالِ الَّذِي يُؤَهِّلُهَا لِلْبَقَاءِ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
إِذَا فَهِمَتْ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا إِلَى إِيرَادِ طَرِيقَتَيِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ وَآيَاتِ الصِّفَاتِ، كَأَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْوَجْهَ صِفَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَوْ إِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الذَّاتِ، حَتَّى يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ صِفَةِ اللهِ الَّتِي سَمَّاهَا وَجْهًا، وَآمِنًا بِهَا مَعَ تَنْزِيهِهِ - تَعَالَى - عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ، وَعَلَى الثَّانِي وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ ذَاتِ اللهِ - تَعَالَى -. هَذَا مَا لَا يَظْهَرُ مَعَهُ لِلْآيَةِ مَعْنًى، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِهَا أَظْهَرُ مِنْهُ وَأَجْلَى، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْأُسْتَاذَ اكْتَفَى - كَالْمُفَسِّرِينَ - بِجَعْلِهِ مَعْنَى مَرْضَاةِ اللهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ صَحِيحٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الْآيَةَ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: بَعْدَ مَا أَمَرَ اللهُ - تَعَالَى - بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ وَبِإِيتَاءِ الْفُقَرَاءِ عَامَّةً نَبَّهَ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ التَّحَرُّجِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَا بَيَّنَتْهُ الْآيَةُ السَّابِقَةُ، وَثَانِيهُمَا: بَيَانُ أَحَقِّ النَّاسِ بِالصَّدَقَةِ وَهُمُ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ ذُكِرَتْ صِفَاتُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ خَمْسُ صِفَاتٍ مَنْ أَفْضَلِ الصِّفَاتِ
وَأَعْلَاهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ أَرْصَدُوا أَنْفُسَهُمْ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَالْخُرُوجِ مَعَ السَّرَايَا، وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ كَغَيْرِهِ هُوَ أَكْثَرُ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ عَدَدُهُمْ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مُتَوَسِّطَ عَدَدِهِمْ كَانَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَالَّذِينَ عُرِفَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مِنْهُمْ لَا يَبْلُغُونَ مِائَةً وَهُمْ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، لَمْ يَكُنْ لِأَكْثَرِهِمْ مَأْوًى ; لِذَلِكَ كَانُوا يُقِيمُونَ فِي صُفَّةِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ مَوْضِعٌ مُظَلَّلٌ مِنْهُ، فَالصُّفَّةِ - بِالضَّمِّ - كَالظُّلَّةِ لَفْظًا وَمَعْنًى (قَالَ) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمِ الْآيَةُ كَانُوا مِنَ الَّذِينَ هَاجَرُوا بِدِينِهِمْ وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ فَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، فَهُمْ مُحْصَرُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِهَذِهِ الْهِجْرَةِ، وَمُحْصَرُونَ بِحَبْسِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ كَانَ حِفْظُهُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّهُ حِفْظٌ لِلدِّينِ كُلِّهِ وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَحْفَظُونَهُ لِأَجْلِ تِلَاوَتِهِ أَمَامَ الْجَنَائِزِ، وَلَا فِي الْأَعْرَاسِ وَالْمَآتِمِ، وَلَا لِاسْتِجْدَاءِ النَّاسِ بِهِ، وَلَا لِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ بِتِلَاوَةِ أَلْفَاظِهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَحْفَظُونَهُ لِلْفَهْمِ وَالِاهْتِدَاءِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَلِحِفْظِ أَصْلِ الدِّينِ بِحِفْظِهِ، وَكَانُوا أَيْضًا يَحْفَظُونَ مَا يُبَيِّنُهُ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ سُنَّتِهِ.
(قَالَ) وَيَحْتَجُّ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مِنْ أَهْلِ التَّكَايَا الَّذِينَ يَنْقَطِعُونَ إِلَيْهَا تَارِكِينَ لِلْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ، فَلَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ وَلَا يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَيْسَ فِيهِمْ صِفَةٌ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي وَصَفَ اللهُ بِهَا أَهْلَ الصُّفَّةِ، وَإِنَّمَا قُصَارَى أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِدِينِهِمْ، يَأْكُلُونَ الصَّدَقَاتِ وَالْأَوْقَافِ لِأَجْلِ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ خَاصَّةً، فَهِيَ لَهُمْ كَالْأَدْيَارِ لِلنَّصَارَى وَهُمْ فِيهَا كَالرُّهْبَانِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَزَوَّجُ - وَقَدْ يَخْرُجُ الَّذِي يَتَزَوَّجُ مِنَ التَّكِيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ شُرُوطِ الْمُقِيمِ فِيهَا أَلَّا يَتَزَوَّجَ - وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَلْتَزِمُ الْإِقَامَةَ فِي التَّكِيَّةِ وَإِنَّمَا يَجْمَعُهُ بِأَصْحَابِهَا اسْمُ الطَّرِيقَةِ، كَأَصْحَابِ السَّيَّارَاتِ الَّذِينَ يَنْزِلُ شَيْخُ الطَّرِيقَةِ مِنْهُمْ بِزِعْنِفَةٍ مِنْ جَمَاعَتِهِ
بَلَدًا بَعْدَ آخَرَ، فَيُكَلِّفُونَ مَنْ يَسْتَضِيفُونَهُ الذَّبَائِحَ وَالطَّعَامَ الْكَثِيرَ، ثُمَّ لَا يَخْرُجُونَ إِلَّا مُثْقَلِينَ، يُسْأَلُونَ فَيُلْحِفُونَ، بَلْ يَسْلُبُونَ وَيَنْهَبُونَ، فَإِذَا مُنِعُوا مَا أَرَادُوا انْتَقَمُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِقَامِ، أَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ يَحْفَظُونَ عَنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ ضُرُوبِ الْإِيذَاءِ، وَمِنْهُ مَا يُبْرِزُونَهُ فِي مَعْرِضِ الْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ، حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ مِنَ الْفَلَّاحِينَ مِنْ قَصَّرَ فِي إِجَابَةِ مَطَالِبِ بَعْضِ الشُّيُوخِ عِنْدَمَا نَزَلَ وَزِعْنِفَتُهُ بِهِ فَأَحْرَقُوا لَهُ جُرْنَ (بَيْدَرَ) الْحِنْطَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ أَحْرَقَهُ بِغَيْرِ فِعْلِ فَاعِلٍ كَرَامَةً لِشَيْخِهِمْ، وَحُدِّثْتُ أَنَّ بَعْضَهُمُ اتَّخَذَ فِي رَأْسِ الْعَلَمِ الَّذِي يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ عَدَسَةً مِنَ الزُّجَاجِ كَانَ يُوَجِّهُهَا مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمْسِ إِلَى الْجُرْنِ الَّذِي يُرِيدُ إِحْرَاقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ الْفَلَّاحُونَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُرِيدُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، فَيَقَعُ الْحَرِيقُ فِيهِ وَلَمْ يَدْنُ أَحَدٌ مِنْهُ، فَلَا يَشُكُّ الْفَلَّاحُونَ الْجَاهِلُونَ فِي أَنَّ الْحَرِيقَ كَانَ كَرَامَةً لِلشَّيْخِ الَّذِي لَا حِرْفَةَ لَهُ إِلَّا أَكَلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْكَذِبِ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - وَادِّعَاءِ الْوِلَايَةِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، وَهَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ الضَّالُّونَ
هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لِأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ أَصْلًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَحَاشَ لِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مِنْ ذَلِكَ.
مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَصَابَتْهُمُ الْجِرَاحَاتُ فِي سَبِيلِ اللهِ - تَعَالَى - فَصَارُوا زَمْنَى، فَجَعَلَ لَهُمْ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ حَقًّا، وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْفُقَرَاءِ كَانَ لَهُ حُكْمُ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِمُ الْآيَةُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الصَّدَقَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْمُفَسِّرِينَ أَوْجَزُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَبْسُطَ الْقَوْلَ فِيهَا فَأَقُولُ:
(الصِّفَةُ الْأُولَى) الْإِحْصَارُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِالْإِحْصَارِ الْمَانِعُ مِنَ الْكَسْبِ فِيهِ بِسَبَبٍ اضْطِرَارِيٍّ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ حَبْسَ النَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَيْ فِي الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْمَصَالِحُ كَالْجِهَادِ وَالْعِلْمِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الْإِنْسَانَ عَنِ الْكَسْبِ الَّذِي يَسْتَطِيعُهُ لِلْقِيَامِ بِأَوَدِهِ بَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِي أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ مِنَ
الْعَمَلِ الَّذِي بِهِ قِوَامُ مَعِيشَتِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الْكَسْبَ مُخْتَارًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، أَمَّا السَّبَبُ الِاضْطِرَارِيُّ لِلْإِحْصَارِ عَنِ الْكَسْبِ فَمِنْهُ مَا هُوَ طَبِيعِيٌّ كَالْعَجْزِ وَمَا هُوَ شَرْعِيٌّ كَالْعِلْمِ بِتَعْطِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي أُحْصِرَ فِيهَا إِذَا هُوَ تَرَكَهَا لِأَجْلِ الْكَسْبِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ النَّاسُ لِذَلِكَ بِأَنْ كَانَ غَيْرُهُمْ يَعْجَزُ عَنِ الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ وَكَانَ جَمْعُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَسْبِ مُتَعَذِّرًا وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْكَسْبِ وَحَبْسُ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَانُوا بِذَلِكَ مُحْصَرِينَ بِالِاضْطِرَارِ الشَّرْعِيِّ، وَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَعَلَى أَغْنِيَاءِ الْأُمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لِذَلِكَ أُنَاسٌ مَخْصُوصُونَ كَانَ الْأَمْرُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنْهُ الْإِحْصَارُ لِتَعَلُّمِ الْفُنُونِ الْعَسْكَرِيَّةِ.
(الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ أَيْ إِنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنِ الْكَسْبِ، وَالضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ هُوَ السَّفَرُ لِنَحْوِ التِّجَارَةِ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا، وَهُنَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ آنِفًا مِنِ اشْتِرَاطِ الِاضْطِرَارِ فِيمَا يُحْصَرُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَا يُحْصَرُ فِيهِ اخْتِيَارِيًّا ; وَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ وَلَوْ بِالسَّفَرِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ الصَّدَقَةَ.
(الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أَيْ إِذَا رَآهُمُ الْجَاهِلُ بِحَقِيقَةِ حَالِهِمْ يَظُنُّهُمْ أَغْنِيَاءَ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّعَفُّفِ، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنَزُّهِ عَنِ الطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَكُلِّ مَا لَا يَلِيقُ كَالْقَبِيحِ وَالْمُحَرَّمِ، وَقَدْ فَسَّرَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّعَفُّفَ: بِالْعِفَّةِ وَبِالصَّبْرِ وَالنَّزَاهَةِ عَنِ الشَّيْءِ، وَجَعَلَهُ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا لِلتَّكَلُّفِ، وَلَكِنْ صِيغَةُ " تَفَعَّلٍ " تَأْتِي لِتَكَلُّفِ الشَّيْءِ، وَلِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ هُنَا، لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّفُ الْعِفَّةَ قَلَّمَا يَخْفَى حَالُهُ عَلَى رَائِيهِ،
وَأَمَّا الْمُبَالِغُ فِي الْعِفَّةِ فَهُوَ الَّذِي لَا يَكَادُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَثَرُ الْحَاجَةِ، فَهُوَ الْمُتَبَادَرُ هُنَا، وَالْمَقَامُ مَقَامُ الْمَدْحِ وَالْمُبَالِغُ فِي الْفَضِيلَةِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مُتَكَلِّفِهَا.
(الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ - تَعَالَى -: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ أَيْ بِعَلَامَاتِهِمِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ، قِيلَ: هِيَ الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ، وَقِيلَ: هِيَ الرَّثَاثَةُ فِي الثِّيَابِ أَوِ الْحَالِ، وَلَيْسَا بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: بِآثَارِ الْجُوعِ وَالْحَاجَةِ فِي الْوَجْهِ، وَهَذَا قَرِيبٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ السِّيمَا لَا تَتَعَيَّنُ بِهَيْأَةٍ خَاصَّةٍ لِاخْتِلَافِهَا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا تُتْرَكُ إِلَى فِرَاسَةِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَتَحَرَّى بِالْإِنْفَاقِ أَهْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، فَصَاحِبُ الْحَاجَةِ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَفَرِّسِ مَهْمَا تَسَتَّرَ وَتَعَفَّفَ، فَكَمْ مِنْ سَائِلٍ يَأْتِيكَ رَثَّ الثِّيَابِ خَاشِعَ الطَّرَفِ وَالصَّوْتِ تَعْرِفُ مِنْ سِيمَاهُ
أَنَّهُ يَسْأَلُ تَكَثُّرًا وَهُوَ غَنِيٌّ، وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ يُقَابِلُكَ بِطَلَاقَةِ وَجْهٍ وَحُسْنِ بِزَّةٍ فَتَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ فِي لَحْنِ قَوْلِهِ، وَمَعَارِفِ وَجْهِهِ أَنَّهُ مِسْكِينٌ عَزِيزُ النَّفْسِ.
(الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ) قَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا أَيْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئًا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ سُؤَالَ إِلْحَاحٍ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الشَّحَّاذِينَ، وَأَهْلِ الْكُدْيَةِ الْمَعْرُوفِينَ، فَالْإِلْحَافُ: هُوَ الْإِلْحَاحُ فِي السُّؤَالِ، وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ نَفْيُ سُؤَالِ الْإِلْحَافِ لَا مُطْلَقُ السُّؤَالِ، وَأَمَّا ظَاهِرُ السِّيَاقِ فَهُوَ أَنَّ الْقَيْدَ لِبَيَانِ حَالِ السَّائِلِينَ فِي الْعَادَةِ، وَأَنَّ النَّفْيَ لِلسُّؤَالِ مُطْلَقًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ أَحَدًا شَيْئًا لَا سُؤَالَ إِلْحَافٍ وَلَا سُؤَالَ رِفْقٍ وَاسْتِعْطَافٍ، وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَرْنَاهُ هُوَ مَا تُؤَيِّدُهُ الْأَخْبَارُ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَفِي لَفْظٍ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ.
وَالسُّؤَالُ مُحَرَّمٌ فِي الْإِسْلَامِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ فَالْفَقْرُ الْمُدْقِعُ: هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يُلْصِقُ صَاحِبَهُ بِالدَّقْعَاءِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَالْغُرْمُ - بِالضَّمِّ - مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ تَكَلُّفًا لَا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، وَمِنْهُ مَا يَحْمِلُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ النَّفَقَةِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَلِنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، كَدَفْعِ مَظْلَمَةٍ وَحِفْظِ مَصْلَحَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ مُسَاعَدَتَهُ عَلَى مَا يَحْمِلُهُ مِنَ الْمَغَارِمِ. وَقَدِ اشْتَرَطَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ الْغُرْمُ الَّذِي تَسْأَلُ الْإِعَانَةَ عَلَيْهِ مُفْظِعًا أَيْ شَدِيدًا فَظِيعًا، فَإِذَا تَحَمَّلَ غُرْمًا خَفِيفًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ لِأَجْلِهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُتَحَمِّلِينَ، وَأَمَّا ذُو الدَّمِ الْمُوجِعِ فَهُوَ الَّذِي يَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ عَنِ الْجَانِي مِنْ قَرِيبٍ أَوْ حَمِيمٍ أَوْ نَسِيبٍ لِئَلَّا يُقْتَلَ فَيَتَوَجَّعَ لِقَتْلِهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ
مَاجَهْ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِهِمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِبَعْضِهِمْ مَقَالٌ فِي بَعْضِ رِجَالِهِ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ " أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ وَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ " قَالَ أَحْمَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: هُوَ أَجْوَدُهَا إِسْنَادًا، قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَجْوَدَهُ مِنْ حَدِيثٍ. وَالْمِرَّةُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - الْقُوَّةُ وَالسَّوِيُّ الْخَلْقِ: السَّلِيمُ الْأَعْضَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ وَقَدِ احْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لِأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُودُ: لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُ كُلُّهَا مَرَاسِيلُ، وَفِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ لِيَعْلَى بْنِ أَبِي يَحْيَى، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ مَجْهُولٌ، وَقَدْ حَمَلُوهُ عَلَى تَحْسِينِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا لِحَاجَةٍ تُبِيحُ لَهُ السُّؤَالَ الْمُحَرَّمَ. قَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ: فِيهِ، أَيِ الْحَدِيثِ الْآمِرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ الَّذِي امْتَهَنَ نَفْسَهُ بِذُلِّ السُّؤَالِ فَلَا يُقَابِلُهُ بِسُوءِ الظَّنِّ وَاحْتِقَارِهِ، بَلْ يُكْرِمُهُ بِإِظْهَارِ السُّرُورِ لَهُ، وَيُقَدِّرُ أَنَّ الْفَرَسَ الَّتِي تَحْتَهُ عَارِيَةٌ، أَوْ أَنَّهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَخَذُ الزكاة مع الغنى كمن تحمل حمالة أو غرم غرما لإصلاح البين، وما قالوه في الحديث يقال في تفسير السائلين في الآية 177 من هذه السورة، وتفسير (51: 19 وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) وآية (70: 24 والذين في أموالهم حق
معلوم 25 للسائل والمحروم)
أي إن السائل المؤمن يحمل على الصدق في أنه لم يسأل إلا لحاجة تبيح له السؤال الْمُحَرَّمِ، كَتَحَمُّلٍ غُرْمٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ عَارِضَةٍ فَمَا كَلُّ سَائِلٍ لِفَقْرِهِ هُوَ، فَالْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - كَانَ يَسْأَلُ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ الْمُوسِرِينَ، أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْمَالَ لِلْجَمْعِيَّةِ الْخَيْرِيَّةِ وَلِغَيْرِهَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَمَا كُلُّ مَنْ يَسْأَلُ تَكَثُّرًا وَيَجْعَلُ السُّؤَالُ حِرْفَةً، وَالْأَصْلُ فِي الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ عَزِيزَ النَّفْسِ مُتَنَزِّهًا عَنِ الْحَرَامِ فَلَا يَسْأَلُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ تُبِيحُ لَهُ السُّؤَالَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْغَنِيُّ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْ مَالِهِ الَّذِي يُعِدُّهُ لِلصَّدَقَاتِ لِمَا يَعْرِضُ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْحَاجَاتِ أَوِ الضَّرُورَاتِ، وَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْأَلُ لِنَفْسِهِ تَكَثُّرًا كَالشَّحَّاذِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا السُّؤَالَ حِرْفَةً
وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ فَلَا يُعْطَوْنَ إِذْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْمَالِ كَمَا عُلِمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَقَدْ رَأَى عُمَرُ رضي الله عنه سَائِلًا يَحْمِلُ جِرَابًا فَأَمَرَ أَنْ يُنْظَرَ مَا فِيهِ فَإِذَا هُوَ خُبْزٌ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَيُلْقَى إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى - بَعْدَ بَيَانِ النَّاسِ بِالصَّدَقَةِ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حُسْنُ النِّيَّةِ فِيهِ وَتَحَرِّي النَّفْعِ بِهِ وَوَضْعِهِ فِي مَوْضِعِهِ وَإِيتَائِهِ أَحَقَّ النَّاسِ فَأَحَقَّهُمْ بِهِ، فَهُوَ يُجَازِي عَلَيْهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، فَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُرَغِّبٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سِيقَتِ الْهِدَايَةُ إِلَيْهِ.
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ فِي الْإِنْفَاقِ كَانَ فِي التَّرْغِيبِ فِيهِ وَبَيَانِ فَوَائِدِهَا فِي أَنْفُسِ الْمُنْفِقِينَ وَفِي الْمُنْفَقِ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْأُمَّةِ الَّتِي يَكْفُلُ أَقْوِيَاؤُهَا ضُعَفَاءَهَا، وَأَغْنِيَاؤُهَا فُقَرَاءَهَا، وَيَقُومُ فِيهَا الْقَادِرُونَ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَفِي آدَابِ النَّفَقَةِ، وَفِي الْمُسْتَحِقِّ لَهَا وَأَحَقِّ النَّاسِ بِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ. فَقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ - تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَفِيهِ بَيَانُ عُمُومِ الْأَوْقَاتِ مَعَ عُمُومِ الْأَحْوَالِ مِنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِخْفَاءِ، وَفِي تَقْدِيمِ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ وَالسِّرِّ عَلَى الْعَلَانِيَةِ إِيذَانٌ بِتَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ، وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةَ يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَوْضِعًا
تَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَتُفَضِّلُهُ الْمَصْلَحَةُ لَا يَحِلُّ غَيْرُهُ مَحَلَّهُ، وَتَقَدَّمَ وَجْهُ كُلٍّ فِي تَفْسِيرِ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ [2:271] وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكُلِّ حَالٍ لَا يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ مَهْمَا لَاحَ لَهُمْ طَرِيقٌ لِلْإِنْفَاقِ هُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا نِهَايَةَ الْكَمَالِ فِي الْجُودِ وَالسَّخَاءِ وَطَلَبِ مَرْضَاةِ اللهِ - تَعَالَى -، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ - عَلَيْهِ الرِّضْوَانُ - إِذْ أَنْفَقَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. قِيلَ: اتَّفَقَ أَنْ كَانَ عَشَرَةٌ مِنْهَا بِاللَّيْلِ، وَعَشَرَةٌ بِالنَّهَارِ، وَعَشَرَةٌ بِالسِّرِّ، وَعَشَرَةٌ بِالْعَلَانِيَةِ، وَنَقَلَ الْأَلُوسِيُّ عَنِ السُّيُوطِيِّ أَنَّ خَبَرَ تَصَدُّقِهِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّازِقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فَأَنْفَقَ بِاللَّيْلِ دِرْهَمًا، وَبِالنَّهَارِ دِرْهَمًا، وَسِرًّا دِرْهَمًا، وَعَلَانِيَةً دِرْهَمًا. وَفِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: حَمَلَنِي أَنْ أَسْتَوْجِبَ عَلَى اللهِ الَّذِي وَعَدَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا إِنَّ ذَلِكَ لَكَ وَالْعِبَارَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِذْ أَنْفَقَا فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبَى حَاتِمٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ، وَفِي إِسْنَادِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَجْهُولَانِ فَلَمْ يَصِحَّ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا شَيْءٌ. وَمَعْنَاهَا عَامٌّ: أَيِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكُلِّ حَالٍ، لَا يَحْصُرُونَ الصَّدَقَةَ فِي الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ أَوْ رُءُوسِ الْأَعْوَامِ وَلَا يَمْتَنِعُونَ عَنِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ إِذَا اقْتَضَتِ الْحَالُ الْعَلَانِيَةَ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُونَ لِكُلِّ وَقْتٍ حِكْمَةً وَلِكُلِّ حَالٍ حُكْمَهَا ; إِذِ الْأَوْقَاتُ وَالْأَحْوَالُ لَا تُقْصَدُ لِذَاتِهَا، وَقَوْلُهُ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُشْعِرُ أَنَّ هَذَا الْأَجْرَ عَظِيمٌ، وَفِي إِضَافَتِهِمْ إِلَى الرَّبِّ مَا فِيهَا مِنَ التَّكْرِيمِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ يَخَافُ الْبُخَلَاءُ الْمُمْسِكُونَ مِنْ تَبِعَةِ بُخْلِهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا الْوَعْدِ الْكَرِيمِ.
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَأْتِيهِ الْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ، وَهِيَ مِنْ آخَرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا كَمَا سَيَأْتِي. وَذُكِرَتْ فِي النَّظْمِ بَعْدَ آيَاتِ الصَّدَقَةِ الَّتِي كَانَ آخِرُهَا آيَةَ الْكَامِلِينَ فِي السَّخَاءِ وَالْجُودِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّنَاسُبِ بِالتَّضَادِّ، فَالْمُتَصَدِّقُ يُعْطِي الْمَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ يُقَابِلُهُ، وَالْمُرَابِي يَأْخُذُ الْمَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ يُقَابِلُهُ وَإِنَّنَا نَذْكُرُ تَفْسِيرَ الْآيَاتِ ثُمَّ نُفِيضُ الْكَلَامَ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا وَحِكْمَةِ تَحْرِيمِهِ ; لِأَنَّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَأْنًا كَبِيرًا فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَيَزْعُمُ بَعْضُ الْمُتَفَرْنِجِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا هُوَ الْعَقَبَةُ الْكَئُودُ فِي طَرِيقِ مُجَارَاةِ الْمُسْلِمِينَ لِلْأُمَمِ الْغَرْبِيَّةِ فِي الثَّرْوَةِ
الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْعِزَّةِ وَالْقُوَّةِ.
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ تَنْفِيرٌ مِنَ الرِّبَا وَتَبْشِيعٌ لِحَالِ آكِلِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْأَكْلِ: الْأَخْذُ لِأَجْلِ التَّصَرُّفِ، وَأَكْثَرُ مَكَاسِبِ النَّاسِ تُنْفَقُ فِي الْأَكْلِ، وَمَنْ تَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ يُقَالُ أَكَلَهُ وَهَضَمَهُ، أَيْ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ تَمَامَ التَّصَرُّفِ حَتَّى لَا مَطْمَعَ فِي رَدِّهِ. وَالرِّبَا فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، يُقَالُ: رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا زَادَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الرَّابِيَةُ، وَالرَّبْوَةُ لِمَا عَلَا مِنَ الْأَرْضِ فَزَادَ عَلَى مَا حَوْلَهُ. وَتَعْرِيفُ الرِّبَا لِلْعَهْدِ، أَيْ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا الَّذِي عَهِدْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَتَفْسِيرِ آيَةِ آلِ عِمْرَانَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ قَالَ: وَكَانَ أَكْلُهُمْ ذَلِكَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مَالٌ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ طَلَبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيَقُولُ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ: أَخِّرْ عَنِّي دِينَكَ وَأَزِيدُكُ عَلَى مَالِكَ فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ هُوَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فَنَهَاهُمُ اللهُ عز وجل فِي إِسْلَامِهِمْ عَنْهُ، اهـ. وَذَكَرَ وَقَائِعَ لِلْجَاهِلِيَّةِ فِي ذَلِكَ سَنَنْقُلُهَا عَنْهُ فِي مَوْضِعِهَا.
وَأَمَّا قِيَامُ آكِلِي الرِّبَا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: الْمُرَادُ: تَشْبِيهُ الْمُرَابِي فِي الدُّنْيَا بِالْمُتَخَبِّطِ الْمَصْرُوعِ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُصْرَعُ بِحَرَكَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدْ جُنَّ. أَقُولُ: وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَلَكِنْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى خِلَافِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ: الْقِيَامُ مِنَ الْقَبْرِ عِنْدَ الْبَعْثِ، وَأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - جَعَلَ مِنْ عَلَامَةِ الْمُرَابِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ كَالْمَصْرُوعِينَ. وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، بَلْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا:" إِيَّاكَ وَالذُّنُوبَ الَّتِي لَا تُغْفَرُ: الْغُلُولُ فَمَنْ غَلَّ شَيْئًا أَتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالرِّبَا فَمَنْ أَكَلَ الرِّبَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطُ " أَقُولُ: وَالْمُتَبَادَرُ إِلَى جَمِيعِ الْأَفْهَامِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ; لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الْقِيَامَ انْصَرَفَ إِلَى النُّهُوضِ الْمَعْهُودِ
فِي الْأَعْمَالِ، وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَعْثُ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ قَوْلٍ فِي سَنَدِهِ وَهِيَ لَمْ تَنْزِلْ مَعَ الْقُرْآنِ وَلَا جَاءَ الْمَرْفُوعُ مِنْهَا مُفَسِّرًا لِلْآيَةِ، وَلَوْلَاهَا لَمَا قَالَ أَحَدٌ بِغَيْرِ الْمُتَبَادَرِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إِلَّا مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ صِحَّتُهُ فِي الْوَاقِعِ. وَكَانَ الْوَضَّاعُونَ الَّذِينَ يَخْتَلِقُونَ الرِّوَايَاتِ يَتَحَرَّوْنَ
فِي بَعْضِهَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ ظَاهِرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَضَعُونَ لَهُ رِوَايَةً يُفَسِّرُونَهُ بِهَا وَقَلَّمَا يَصِحُّ فِي التَّفْسِيرِ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
أَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ظَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الْمَالُ وَاسْتَعْبَدَهُمْ حَتَّى ضَرِيَتْ نُفُوسُهُمْ بِجَمْعِهِ وَجَعَلُوهُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ وَتَرَكُوا لِأَجْلِ الْكَسْبِ بِهِ، جَمِيعَ مَوَارِدِ الْكَسْبِ الطَّبِيعِيِّ، تَخْرُجُ نُفُوسُهُمْ عَنِ الِاعْتِدَالِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَرَكَاتِهِمْ وَتَقَلُّبِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا تَرَاهُ فِي حَرَكَاتِ الْمُولَعِينَ بِأَعْمَالِ الْبُورْصَةِ وَالْمُغْرَمِينَ بِالْقِمَارِ يَزِيدُ فِيهِمُ النَّشَاطُ وَالِانْهِمَاكُ فِي أَعْمَالِهِمْ، حَتَّى يَكُونَ خِفَّةً تَعْقُبُهَا حَرَكَاتٌ غَيْرُ مُنْتَظِمَةٍ، وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ حَرَكَاتِهِمْ وَبَيْنَ تَخَبُّطِ الْمَمْسُوسِ، فَإِنَّ التَّخَبُّطَ مِنَ الْخَبْطِ وَهُوَ ضَرْبٌ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وَكَخَبْطِ الْعَشْوَاءِ، وَبِهَذَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَا شَنَّعَ بِهِ عَلَى الْمُرَابِينَ مِنْ خُرُوجِ حَرَكَاتِهِمْ عَنِ النِّظَامِ الْمَأْلُوفِ هُوَ أَثَرُ اضْطِرَابِ نُفُوسِهِمْ وَتَغَيُّرِ أَخْلَاقِهِمْ كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يُبْعَثُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ، وَهُنَاكَ تَظْهَرُ النَّفْسُ الْخَسِيسَةُ فِي أَقْبَحِ مَظَاهِرِهَا، كَمَا تَتَجَلَّى صِفَاتُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ فِي أَبْهَى مَجَالِيهَا.
ثُمَّ إِنَّ التَّشْبِيهَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَصْرُوعَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَمْسُوسِ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ، أَيْ أَنَّهُ يُصْرَعُ بِمَسِّ الشَّيْطَانِ لَهُ وَهُوَ مَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَرَبِ وَجَارِيًا فِي كَلَامِهِمْ مَجْرَى الْمَثَلِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي التَّشْبِيهِ: " وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَخْبِطُ الْإِنْسَانَ فَيُصْرَعُ، وَالْخَبْطُ: ضَرْبٌ عَلَى غَيْرِ اتِّسَاقٍ كَخَبْطِ الْعَشْوَاءِ ". اهـ. وَتَبِعَهُ أَبُو السُّعُودِ كَعَادَتِهِ، فَذَكَرَ عِبَارَتَهُ بِنَصِّهَا، فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا لَا تُثْبِتُ أَنَّ الصَّرْعَ الْمَعْرُوفَ يَحْصُلُ بِفِعْلِ الشَّيْطَانِ حَقِيقَةً وَلَا نَنْفِي ذَلِكَ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ، أَنْكَرَ الْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ فِي الْإِنْسَانِ غَيْرُ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْوَسْوَسَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سَبَبَ الصَّرْعِ مَسُّ الشَّيْطَانِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ التَّشْبِيهِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِيهِ - وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ أَطِبَّاءِ هَذَا الْعَصْرِ أَنَّ الصَّرْعَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْعَصَبِيَّةِ الَّتِي تُعَالَجُ كَأَمْثَالِهَا بِالْعَقَاقِيرِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُرُقِ الْعِلَاجِ الْحَدِيثَةِ، وَقَدْ يُعَالَجُ بَعْضُهَا بِالْأَوْهَامِ، وَهَذَا لَيْسَ بُرْهَانًا قَطْعِيًّا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الْخَفِيَّةَ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْجِنِّ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا نَوْعُ اتِّصَالٍ بِالنَّاسِ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلصَّرْعِ، فَتَكُونُ مِنْ أَسْبَابِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ،
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْجِنَّ أَجْسَامٌ حَيَّةٌ خَفِيَّةٌ لَا تُرَى، وَقَدْ قُلْنَا فِي (الْمَنَارِ) غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَجْسَامَ الْحَيَّةَ الْخَفِيَّةَ الَّتِي عُرِفَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِوَاسِطَةِ
النَّظَّارَاتِ الْمُكَبِّرَةِ، وَتُسَمَّى بِالْمَيِكْرُوبَاتِ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ نَوْعًا مِنَ الْجِنِّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا عِلَلٌ لِأَكْثَرِ الْأَمْرَاضِ. قُلْنَا ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ، عَلَى أَنَّنَا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ لَسْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى النِّزَاعِ فِيمَا أَثْبَتَهُ الْعِلْمُ وَقَرَّرَهُ الْأَطِبَّاءُ أَوْ إِضَافَةِ شَيْءٍ إِلَيْهِ مِمَّا لَا دَلِيلَ فِي الْعِلْمِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ تَصْحِيحِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْأُحَادِيَّةِ، فَنَحْمَدُ اللهَ - تَعَالَى - عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يُعَارِضَهُ الْعِلْمُ.
قَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا أَيْ ذَلِكَ الْأَكْلُ لِلرِّبَا مُسَبَّبٌ عَنِ اسْتِحْلَالِهِمْ لَهُ وَجَعْلِهِ كَالْبَيْعِ وَمَا هُوَ كَالْبَيْعِ ; فَإِنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَأَمَّا الرِّبَا الَّذِي كَانُوا يَأْكُلُونَهُ فَهُوَ زِيَادَةٌ عَنْ دِينِهِمْ يَزِيدُونَهَا عِنْدَ تَأْخِيرِ الْأَجَلِ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ، وَمَا يُؤْخَذُ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ فَهُوَ مِنَ الْبَاطِلِ ; لِذَلِكَ حَرَّمَ اللهُ الرِّبَا دُونَ الْبَيْعِ فَقَالَ: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَلَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ لَمَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا عِنْدَ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، فَكُلُّ مَا فِيهِ مُعَاوَضَةٌ صَحِيحَةٌ خَالِيَةٌ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ فَهِيَ بَيْعٌ حَلَالٌ، وَإِنَّمَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا صَاحِبُ الْمَالِ لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ فِي الْأَجَلِ، وَهِيَ لَا مُعَاوَضَةَ فِيهَا وَلَا مُقَابِلَ لَهَا فَهِيَ ظُلْمٌ، وَسَيَأْتِي فِي آيَةٍ أُخْرَى تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ الرِّبَا بِكَوْنِهِ ظُلْمًا. هَذَا مَا يَظْهَرُ لَنَا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَتَرَى مُفَسِّرِينَا قَدْ بَنَوْا كَلَامَهُمْ فِيهَا عَلَى تَسْلِيمِ كَوْنِ الْبَيْعِ مِثْلَ الرِّبَا إِذْ جَعَلُوا تَحْرِيمَ الرِّبَا بِمَعْنَى الْأَمْرِ التَّعَبُّدِيِّ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَحَلَّ هَذَا وَحَرَّمَ هَذَا، فَيَجِبُ أَنْ يُطَاعَ.
وَيَظْهَرُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهِمْ عَلَى ظَاهِرِهِ، قَالَ: " هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُصِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبْحِ حَالِهِمْ، وَوَحْشَةِ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَسُوءِ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَكْذِبُونَ وَيَفْتَرُونَ، وَيَقُولُونَ إِنَّمَا الْبَيْعُ الَّذِي أَحَلَّهُ اللهُ لِعِبَادِهِ مِثْلُ الرِّبَا، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَأْكُلُونَ الرِّبَا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ إِذَا حَلَّ مَالُ أَحَدِهِمْ عَلَى غَرِيمِهِ، يَقُولُ الْغَرِيمُ الْحَقُّ: زِدْنِي فِي الْأَجَلِ وَأَزِيدُكَ فِي مَالِكَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا إِذَا فَعَلَا ذَلِكَ: هَذَا رِبًا لَا يَحِلُّ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ قَالَا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا زِدْنَا فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ أَوْ عِنْدَ مَحَلِّ الْمَالِ، فَكَذَّبَهُمُ اللهُ - تَعَالَى - فِي قِيلِهِمْ فَقَالَ: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ -
ثُمَّ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا مَا نَصَّهُ - يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ -: وَأَحَلَّ اللهُ الْأَرْبَاحَ فِي التِّجَارَةِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَحَرَّمَ الرِّبَا، يَعْنِي الزِّيَادَةَ الَّتِي يُزَادُ رَبُّ الْمَالِ بِسَبَبِ زِيَادَتِهِ غَرِيمَهُ فِي الْأَجَلِ وَتَأْخِيرِهِ دِينَهُ عَلَيْهِ. يَقُولُ عز وجل: وَلَيْسَتِ الزِّيَادَتَانِ اللَّتَانِ إِحْدَاهُمَا مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ وَالْأُخْرَى مِنْ وَجْهِ تَأْخِيرِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْأَجَلِ سَوَاءٌ ; وَذَلِكَ أَنِّي حَرَّمْتُ إِحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهِ تَأْخِيرِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ، وَأَحْلَلْتُ الْأُخْرَى مِنْهُمَا وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْهِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ الَّتِي يَبِيعُهَا فَيَسْتَفْضِلُ فَضْلَهَا، فَقَالَ اللهُ
-
عَزَّ وَجَلَّ -: لَيْسَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهِ الْبَيْعِ نَظِيرَ الزِّيَادَةِ مِنْ وَجْهِ الرِّبَا ; لِأَنِّي أَحْلَلْتُ الْبَيْعَ وَحَرَّمْتُ الرِّبَا، وَالْأَمْرُ أَمْرِي، وَالْخَلْقُ خَلْقِي، أَقْضِي فِيهِمْ مَا أَشَاءُ، وَأَسْتَعْبِدُهُمْ بِمَا أُرِيدُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَرِضَ فِي حُكْمِي ". اهـ.
أَقُولُ: أَمَّا مَا قَالَهُ فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الزِّيَادَتَيْنِ فَهُوَ الصَّوَابُ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي مَعْنَى الرِّبَا هُوَ الَّذِي كَانَ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ رِبَا النَّسِيئَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَأَمَّا قَوْلُهُ:
إِنَّهُمْ كَانَ يُقَالُ لَهُمْ: هَذَا رِبًا مُحَرَّمٌ، وَكَانُوا يُجِيبُونَ بِمَا حَكَى الله عَنْهُمْ فَلَيْسَتِ الْآيَةُ نَصًّا فِيهِ، إِذِ الْحِكَايَةُ عَنِ الْأَحْوَالِ بِالْأَقْوَالِ مِنَ الْأَسَالِيبِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَيَتَوَقَّفُ جَعْلُ الْقَوْلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى إِثْبَاتِ اعْتِقَادِ الْعَرَبِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا، أَوْ عَلَى جَعْلِ الْآيَةِ خَاصَّةً بِالْيَهُودِ ; فَإِنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ الْخَلْقِ مُرَابَاةً وَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَ أَكْلَ أَمْوَالِ الْعَرَبِ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [3: 75] وَإِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْنَا أَكْلُ أَمْوَالِ إِخْوَتِنَا الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ، بَلِ الْآيَاتُ نَزَلَتْ فِي وَقَائِعَ لِغَيْرِهِمْ - كَمَا سَيَأْتِي - ثُمَّ إِنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ كَوْنَ إِحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ لَيْسَتْ كَالْأُخْرَى وَهُوَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا، يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسُ الْأَمْرِ كَمَا بَيَّنَ هُوَ، وَلَا فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ كَمَا سَنُبَيِّنُ ; وَلِذَلِكَ حَرَّمَهَا اللهُ - تَعَالَى -، فَمَا حَرَّمَ اللهُ - تَعَالَى - شَيْئًا إِلَّا لِأَنَّهُ ضَارٌّ فِي نَفْسِهِ، وَلَا أَحَلَّ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ نَافِعٌ فِي نَفْسِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى الْوَعْظِ، وَكَوْنِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مَقْرُونَةً بِالْمَوَاعِظِ فِي تَفْسِيرِ (آيَةِ 232) أَيْ فَمَنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ اللهِ - تَعَالَى - لِلرِّبَا وَنَهْيُهُ عَنْهُ فَتَرَكَ الرِّبَا فَوْرًا بِلَا تَرَاخٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، انْتِهَاءً
عَمَّا نَهَى الله عَنْهُ فَلَهُ مَا كَانَ أَخَذَهُ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الرِّبَا لَا يُكَلَّفُ رَدَّهُ إِلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، بَلْ يَكْتَفِي مِنْهُ بِأَلَّا يُضَاعِفَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبَلَاغِ شَيْئًا وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ يَحْكُمُ فِيهِ بِعَدْلِهِ، وَمِنَ الْعَدْلِ أَلَّا يُؤَاخَذَ بِمَا أَكَلَ مِنَ الرِّبَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَبُلُوغِهِ الْمَوْعِظَةُ مِنْ رَبِّهِ، وَلَكِنَّ الْعِبَارَةَ تُشْعِرُ بِأَنَّ إِبَاحَةَ أَكْلِ مَا سَلَفَ رُخْصَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَتَوْمِئُ إِلَى أَنَّ رَدَّ مَا أَخَذَ مِنْ قَبْلِ النَّهْيِ إِلَى أَرْبَابِهِ الَّذِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ مِنْ أَفْضَلِ الْعَزَائِمِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ إِبَاحَةِ مَا سَلَفَ بِاللَّامِ، وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ كَفَّارَةِ صَيْدِ الْمُحْرِمِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ [5: 95] وَأَنَّهُ عَقَّبَ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ بِإِبْهَامِ الْجَزَاءِ وَجَعَلَهُ إِلَى اللهِ، وَالْمَعْهُودُ فِي أُسْلُوبِهِ أَنْ يَصِلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا قَالَ فِي آخِرِ آيَةِ مُحَرَّمَاتِ النِّسَاءِ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [4: 23] أَبَاحَ أَكْلَ مَا سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَأَبْهَمَ جَزَاءَ آكِلِهِ، لَعَلَّهُ يَغَصُّ بِأَكْلِ مَا فِي يَدِهِ مِنْهُ فَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَكِنَّهُ صَرَّحَ بِأَشَدِّ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ أَكَلَ شَيْئًا بَعْدَ النَّهْيِ فَقَالَ: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أَيْ وَمَنْ عَادَ إِلَى مَا كَانَ يَأْكُلُ مِنَ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ بَعْدَ
تَحْرِيمِهِ فَأُولَئِكَ الْبُعَدَاءُ عَنِ الِاتِّعَاظِ بِمَوْعِظَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي لَا يَنْهَاهُمْ إِلَّا عَمَّا يَضُرُّ بِهِمْ فِي أَفْرَادِهِمْ أَوْ جَمِيعِهِمْ هُمْ أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ يُلَازِمُونَهَا كَمَا يُلَازِمُ الصَّاحِبُ صَاحِبَهُ فَيَكُونُونَ خَالِدِينَ فِيهَا. وَقَدْ أَوَّلَ الْخُلُودَ الْمُفَسِّرُونَ لِتَتَّفِقَ الْآيَةُ مَعَ الْمُقَرَّرِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْفِقْهِ مَنْ كَوْنِ الْمَعَاصِي لَا تُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ وَمَنْ عَادَ إِلَى تَحْلِيلِ الرِّبَا وَاسْتِبَاحَتِهِ اعْتِقَادًا، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَكْلِ الرِّبَا وَمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ جَعْلِهِ كَالْبَيْعِ هُوَ بَيَانٌ لِرَأْيِهِمْ فِيهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَهُوَ لَيْسَ بِمَعْنَى اسْتِبَاحَةِ الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا كَانَ الْوَعِيدُ قَاصِرًا عَلَى الِاعْتِقَادِ بِحِلِّهِ لَا يَكُونُ هُنَاكَ وَعِيدٌ عَلَى أَكْلِهِ بِالْفِعْلِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْقُرْآنَ فَوْقَ مَا كَتَبَ الْمُتَكَلِّمُونَ وَالْفُقَهَاءُ يَجِبُ إِرْجَاعُ كُلِّ قَوْلٍ فِي الدِّينِ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْوِيلُ شَيْءٍ مِنْهُ لِيُوَافِقَ كَلَامَ النَّاسِ، وَمَا الْوَعِيدُ بِالْخُلُودِ هُنَا إِلَّا كَالْوَعِيدِ بِالْخُلُودِ فِي آيَةِ قَتْلِ الْعَمْدِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شُبْهَةً فِي اللَّفْظِ عَلَى إِرَادَةِ الِاسْتِحْلَالِ، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنْ يَجْعَلَ الرَّازِّيُّ الْآيَةَ هُنَا حُجَّةً عَلَى الْقَائِلِينَ بِخُلُودِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي النَّارِ انْتِصَارًا لِأَصْحَابِهِ الْأَشَاعِرَةِ، وَخَيْرٌ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ تَأْوِيلُ بَعْضِهِمْ لِلْخُلُودِ بِطُولِ
الْمُكْثِ، أَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: مَا كُلُّ مَا يُسَمَّى إِيمَانًا يَعْصِمُ صَاحِبَهُ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ ; الْإِيمَانُ إِيمَانَانِ: إِيمَانٌ لَا يَعْدُو التَّسْلِيمَ الْإِجْمَالِيَّ بِالدِّينِ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ الْمَرْءُ أَوْ نُسِبَ إِلَيْهِ، وَمُجَارَاةَ أَهْلِهِ وَلَوْ بِعَدَمِ مُعَارَضَتِهِمْ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَإِيمَانٌ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةٍ صَحِيحَةٍ بِالدِّينِ عَنْ يَقِينٍ بِالْإِيمَانِ، مُتَمَكِّنَةٍ فِي الْعَقْلِ بِالْبُرْهَانِ، مُؤَثِّرَةٍ فِي النَّفْسِ بِمُقْتَضَى الْإِذْعَانِ، حَاكِمَةٍ عَلَى الْإِرَادَةِ الْمُصَرِّفَةِ لِلْجَوَارِحِ فِي الْأَعْمَالِ، بِحَيْثُ يَكُونُ صَاحِبُهَا خَاضِعًا لِسُلْطَانِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، إِلَّا مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ الْإِنْسَانُ مِنْ غَلَبَةِ جَهَالَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَلَيْسَ الرِّبَا مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي تُنْسَى أَوْ تَغْلِبُ النَّفْسَ عَلَيْهَا خِفَّةُ الْجَهَالَةِ وَالطَّيْشِ، كَالْحِدَّةِ وَثَوْرَةِ الشَّهْوَةِ، أَوْ يَقَعُ صَاحِبُهَا مِنْهَا فِي غَمْرَةِ النِّسْيَانِ كَالْغَيْبَةِ وَالنَّظْرَةِ، فَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي يَعْصِمُ صَاحِبَهُ بِإِذْنِ اللهِ مِنَ الْخُلُودِ فِي سُخْطِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْإِقْدَامِ عَلَى كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ عَمْدًا ; إِيثَارًا لِحُبِّ الْمَالِ وَاللَّذَّةِ عَلَى دِينِ اللهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ الْأَوَّلُ فَهُوَ صُورِيٌّ فَقَطْ، فَلَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهُ - تَعَالَى - لَا يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ وَالْأَقْوَالِ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ وَالْأَعْمَالِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. وَالشَّوَاهِدُ عَلَى هَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - كَثِيرَةٌ جِدًّا وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِنْ جَهِلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ حَتَّى جَرَّءُوا النَّاسَ عَلَى هَدْمِ الدِّينِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَدَارَ السَّعَادَةِ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِالدِّينِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، حَتَّى صَارَ النَّاسُ يَتَبَجَّحُونَ بِارْتِكَابِ الْمُوبِقَاتِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهَا مِنْ كَبَائِرِ مَا حُرِّمَ كَمَا بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ كُبَرَائِنَا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّنِي لَا أُنْكِرُ أَنَّنِي آكُلُ الرِّبَا وَلَكِنَّنِي مُسْلِمٌ، أَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَقَدْ فَاتَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَعِيدِ وَبِأَنَّهُ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَظَالِمًا لِنَفْسِهِ وَلِلنَّاسِ كَمَا سَيَأْتِي فِي آيَةٍ أُخْرَى، فَهَلْ يَعْتَرِفُ بِالْمَلْزُومِ أَمْ يُنْكِرُ الْوَعِيدَ الْمَنْصُوصَ فَيُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَيَكْفُرُ بِبَعْضٍ؟ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخِذْلَانِ.
ثُمَّ يُبَيِّنُ اللهُ - تَعَالَى - الْفَرْقَ بَيْنَ الرِّبَا وَالصَّدَقَةِ، إِذْ جَاءَ الْكَلَامُ عَنْهُ بَعْدَ الْكَلَامِ عَنْهَا بِبَيَانِ أَثَرِهِمَا فَقَالَ: يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ فَسَّرُوا مَحْقَ اللهِ الرِّبَا بِإِذْهَابِ بَرَكَتِهِ وَإِهْلَاكِهِ أَوْ إِهْلَاكِ الْمَالِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا حَتَّى عَرَفَهُ الْعَامَّةُ فَهُمْ يَذْكُرُونَ دَائِمًا مَا يَحْفَظُونَ مِنْ أَخْبَارِ آكِلِي الرِّبَا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَخَرِبَتْ
بُيُوتُهُمْ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ " إِنِ الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَعَاقِبَتُهُ تَصِيرُ إِلَى قَلٍّ " وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ هَذَا الْمَحْقَ فِي الْآخِرَةِ بِأَنْ يُبْطِلَ مَا يَكُونُ مِنْهُ مِمَّا يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ، فَلَا يَبْقَى لِأَهْلِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْمَحْقِ مَحْقَ الزِّيَادَةِ فِي الْمَالِ ; فَإِنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْمُشَاهَدَةِ وَالِاخْتِبَارِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَا يُلَاقِي الْمُرَابِي مِنْ عَدَاوَةِ النَّاسِ وَمَا يُصَابُ بِهِ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوَسَاوِسِ وَغَيْرِهَا، أَمَّا عَدَاوَةُ النَّاسِ فَمِنْ حَيْثُ هُوَ عَدُوُّ الْمُحْتَاجِينَ وَبَغِيضُ الْمَعُوزِينَ، وَقَدْ تُفْضِي الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ إِلَى مَفَاسِدَ وَمَضَرَّاتٍ، وَاعْتِدَاءٍ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ فِي الْأُمَمِ الَّتِي فَشَا فِيهَا الرِّبَا إِذْ قَامَ الْفُقَرَاءُ فِيهَا يُعَادُونَ الْأَغْنِيَاءَ وَيَتَأَلَّبُ الْعُمَّالُ عَلَيْهِمْ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَعْقَدَ الْمَسَائِلِ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا مَا يُصَابُ بِهِ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوَسَاوِسِ وَالْأَوْهَامِ فَهُوَ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ رَاقَبَ هَؤُلَاءِ الْعَابِدِينَ وَتَلَا أَخْبَارَهُمْ. وَلَا أَذْكُرُ عَنْهُ مِثَالًا عَلَى ذَلِكَ، وَمَا الْأَمْثَالُ فِيهِ بِقَلِيلَةٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْغَلُهُ الْمَالُ عَنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يُقَصِّرَ فِي حُقِّ نَفْسِهِ وَحُقُوقِهِمْ تَقْصِيرًا يُفْضِي إِلَى الْخُسْرِ أَوِ الْمَهَانَةِ وَالذُّلِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْكَبُ لِذَلِكَ الصَّعْبِ وَيَقْتَحِمُ الْخَطَرَ حَتَّى يَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ.
وَأَقُولُ: الْمَحْقُ فِي اللُّغَةِ: مَحْوُ الشَّيْءِ وَالذَّهَابُ بِهِ، كَمُحَاقِ الْقَمَرِ، وَكُلُّ مَا لَا يُحْسِنُ الْمَرْءُ عَمَلَهُ فَقَدْ مَحَقَهُ - كَمَا فِي الْأَسَاسِ - فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَحْقِ الرِّبَا مَحْوُ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ بِزِيَادَةِ الْمَالِ مِنَ اللَّذَّةِ وَبَسْطَةِ الْعَيْشِ وَالْجَاهِ وَالْمَكَانَةِ، وَزِيَادَةُ الرِّبَا تَذْهَبُ بِذَلِكَ لِاشْتِغَالِ الْمُرَابِي غَالِبًا عَنِ اللَّذَّةِ وَخَفْضِ الْمَعِيشَةِ بِوَلَهِهِ فِي مَالِهِ وَلِمَقْتِ النَّاسِ إِيَّاهُ وَكَرَاهَتِهِمْ لَهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَهُوَ لَمْ يُحْسِنِ التَّصَرُّفَ فِي التَّوَصُّلِ إِلَى ثَمْرَةِ الْمَالِ، وَأَمَّا إِرْبَاءُ الصَّدَقَاتِ فَهُوَ زِيَادَةُ فَائِدَتِهَا وَثَمَرَتِهَا فِي الدُّنْيَا وَأَجْرِهَا فِي الْآخِرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ الصَّدَقَةِ وَمُضَاعَفَةِ اللهِ إِيَّاهَا، فَمَعْنَى يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ أَنَّ سُنَّتَهُ قَضَتْ فِي عَابِدِ الْمَالِ الَّذِي لَا يَرْحَمُ مَعُوزًا وَلَا يُنْظِرُ مُعْسِرًا إِلَّا بِمَالٍ يَأْخُذُهُ رِبًا بِدُونِ مُقَابِلٍ أَنْ يَكُونَ مَحْرُومًا مِنَ الثَّمَرَةِ الشَّرِيفَةِ لِلثَّرْوَةِ، وَهِيَ كَوْنُ صَاحِبِهَا نَاعِمًا عَزِيزًا شَرِيفًا عِنْدَ النَّاسِ. لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لِخَيْرِهِمْ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى زَمَنِهِمْ، كَمَا يَكُونُ مَحْرُومًا فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابِ الْمَالِ، فَهُوَ فِي عَدَمِ انْتِفَاعِهِ بِمَالِهِ هَذَا
الضَّرْبَ مِنَ الِانْتِفَاعِ كَمَنْ مُحِقَ مَالُهُ وَهَلَكَ، وَقَضَتْ سُنَّتُهُ فِي الْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاعُهُ بِمَالِهِ أَكْبَرَ مِنْ مَالِهِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فَلَا نُعِيدُهُ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ
أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ ثَمَرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا طَيِّبًا - فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ وَالْحَدِيثُ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ تَعَالَى: وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ قَالُوا: لَا يُحِبُّ لَا يَرْضَى، وَالْكُفَّارُ: الْمُسْتَحِلُّ لِلرِّبَا، وَالْأَثِيمُ: الْمُقِيمُ عَلَى الْإِثْمِ. وَأَقُولُ: إِنَّ حُبَّ اللهِ لِلْعَبْدِ شَأْنٌ مِنْ شُئُونِهِ يُعْرَفُ بِاسْتِعْمَالِ الْعَبْدِ إِتْمَامَ حُكْمِ اللهِ فِي صَلَاحِ عِبَادِهِ، وَنَفْيُ هَذَا الْحُبِّ يُعْرَفُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَالْكُفَّارُ هُنَا: هُوَ الْمُتَمَادِي عَلَى كُفْرِ إِنْعَامِ اللهِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ إِذْ لَا يُنْفِقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِهِ وَلَا يُوَاسِي بِهِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْأَثِيمُ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَالَ آلَةً لِجَذْبِ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ إِلَى يَدِهِ فَافْتَرَصَ إِعْسَارَهُمْ لِاسْتِغْلَالِ اضْطِرَارِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ صَدَّقُوا تَصْدِيقَ إِذْعَانٍ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَغَيْرِهَا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَيِ الْأَعْمَالَ الَّتِي تَصْلُحُ بِهَا نُفُوسُهُمْ وَشَأْنُ مَنْ يَعِيشُ مَعَهُمْ، وَمِنْهَا مُوَاسَاةُ الْمُحْتَاجِينَ، وَالرَّحْمَةُ بِالْبَائِسِينَ، وَإِنْظَارُ الْمُعْسِرِينَ، وَمِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ أَنْ يُقْرِنَ الْإِيمَانَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي مَقَامِ الْوَعْدِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ الْمَقْرُونَ بِالْإِذْعَانِ يَتْبَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ حَتْمًا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ، وَهَذَا بُرْهَانٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ.
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ الَّتِي تُذَكِّرُ الْمُؤْمِنَ بِاللهِ - تَعَالَى - فَتَزِيدُ فِي إِيمَانِهِ وَحُبِّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ لَهُ حَتَّى تَسْهُلَ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ تَرْكُ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالرِّبَا أَسْهَلُ.
وَذِكْرُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَشْمَلُهُمَا ; لِأَنَّهُمَا أَعْظَمَ أَرْكَانِ الْعِبَادَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، فَمَنْ أَتَى بِهِمَا كَامِلَتَيْنِ سَهُلَ عَلَيْهِ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا الْجَزَاءِ قَرِيبًا فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَةِ التَّذْكِيرِ بِمَعْنَاهُ. وَجُمْلَةُ الْآيَةِ تَعْرِيضٌ بِآكِلِ الرِّبَا - كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَخْ؛ لَكَفَّ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ كَفَّارٌ أَثِيمٌ - وَتَمْهِيدٌ لِمَا بَعْدَهَا وَهُوَ:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَذَكَّرَهُمْ بِالتَّقْوَى، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْأَمْرِ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا لِمَنْ كَانُوا يُرَابُونَ مِنْهُمْ عِنْدَ غُرَمَائِهِمْ، ثُمَّ وَصَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَيْ إِنْ كَانَ إِيمَانُكُمْ تَامًّا شَامِلًا لِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَحْكَامِ فَذَرُوا بَقَايَا الرِّبَا، وَقَدْ عُهِدَ فِي الْأُسْلُوبِ الْعَرَبِيِّ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُتَّصِفًا بِهَذَا الشَّيْءِ فَافْعَلْ كَذَا، وَيَذْكُرُ أَمْرًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِذَلِكَ الْوَصْفِ. أَقُولُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا بَعْدَ نَهْيِ اللهِ - تَعَالَى - عَنْهُ وَتَوَعُّدِهِ عَلَيْهِ فَلَا يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْإِيمَانِ التَّامِّ الشَّامِلِ الَّذِي لَهُ السُّلْطَانُ الْأَعْلَى
عَلَى إِرَادَةِ الْعَامِلِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ خُلُودِ مَنْ عَادَ إِلَى الرِّبَا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ فِي النَّارِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْكِتَابِ إِيمَانًا يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ، وَيَكْفُرُ بِبَعْضٍ فَلَا يُذْعِنُ لَهُ وَيَعْمَلُ بِهِ، فَهُوَ يَجْحَدُهُ بِفِعْلِهِ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَعْتَدُّ اللهُ بِإِيمَانِهِ إِلَّا إِذَا صَدَّقَ قَلْبُهُ وَعَمَلُهُ لِسَانَهُ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ أَيْ فَإِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مَا بَقِيَ لَكُمْ مِنَ الرِّبَا كَمَا أُمِرْتُمْ فَاعْلَمُوا وَاسْتَيْقِنُوا بِأَنَّكُمْ عَلَى حَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِذْ نَبَذْتُمْ مَا جَاءَكُمْ بِهِ رَسُولُهُ عَنْهُ. فَقَوْلُهُ: فَأْذَنُوا كَقَوْلِهِ: " فَاعْلَمُوا " وَزْنًا وَمَعْنًى وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَيَّاشٍ (فَآذِنُوا) بِمَدِّ الْأَلْفِ مِنَ الْإِيذَانِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، أَيْ فَأَعْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ - أَيْ لِيُعْلِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا - أَوِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّكُمْ مُحَارِبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الشَّرِيعَةِ وَعَدَمِ الْخُضُوعِ لِلْحُكْمِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ عَدَمَ الْخُضُوعِ لِلْأَمْرِ خُرُوجٌ عَنِ الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ إِعْلَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّكُمْ خَارِجُونَ عَنْ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ مُحَارِبُونَ لَهُمَا.
فَسَّرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ حَرْبَ اللهِ لَهُمْ بِغَضَبِهِ وَانْتِقَامِهِ. قَالَ: وَنَحْنُ إِنْ لَمْ نَرَ أَثَرَ هَذَا فِي الْمَاضِينَ فَإِنَّنَا نَرَاهُ فِي الْحَاضِرِينَ مِمَّنْ أَصْبَحُوا بَعْدَ الْغِنَى يَتَكَفَّفُونَ، وَمَنْ بَاتُوا وَالْمَسْأَلَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ (مُنَاصَبَةُ الْعُمَّالِ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ) تُهَدِّدُهُمْ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ. وَأَمَّا الْحَرْبُ مِنْ رَسُولِهِ لَهُمْ فَهِيَ مُقَاوَمَتُهُمْ بِالْفِعْلِ فِي زَمَنِهِ، وَاعْتِبَارُهُمْ أَعْدَاءً لَهُ فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي لَا يَخْلُفُهُ فِيهِ أَحَدٌ يُقِيمُ شَرْعَهُ وَإِنْ تُبْتُمْ وَرَجَعْتُمْ عَنِ الرِّبَا امْتِثَالًا وَخُضُوعًا فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ غُرَمَاءَكُمْ بِأَخْذِ الزِّيَادَةِ وَلَا تُظْلَمُونَ بِنَقْصِ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، بَلْ تَأْخُذُونَهُ كَامِلًا.
رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَمِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرَجُلٍ مَنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَسْلَفَا فِي الرِّبَا إِلَى أُنَاسٍ مِنْ ثَقِيفٍ مَنْ بَنِي عَمْرٍو، وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَجَاءُ الْإِسْلَامُ وَلَهُمَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ فِي الرِّبَا ; فَأَنْزَلَ اللهُ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ فَضْلٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الرِّبَا. وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: " كَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صَالَحَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّ مَا لَهُمْ مِنْ رِبًا عَلَى النَّاسِ وَمَا كَانَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ اسْتَعْمَلَ عِتَابَ بْنَ أُسَيْدٍ عَلَى مَكَّةَ وَكَانَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ يَأْخُذُونَ الرِّبَا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ، وَكَانَتْ بَنُو الْمُغِيرَةِ يُرْبُونَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مَالٌ كَثِيرٌ، فَأَتَاهُمْ بَنُو عَمْرٍو يَطْلُبُونَ رِبَاهُمْ، فَأَبِي بَنُو الْمُغِيرَةِ أَنْ يُعْطُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَرَفَعُوا ذَلِكَ إِلَى عِتَابِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَكَتَبَ عِتَابُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتِ الْآيَتَانِ فَكَتَبَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عِتَابٍ، وَقَالَ:
إِنْ رَضُوا وَإِلَّا فَآذِنْهُمْ بِحَرْبٍ ". وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
وَفِي الْآيَةِ أَنَّ الرِّبَا حُرِّمَ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ، وَلَكِنْ بَعْضُ مَا يَعُدُّهُ الْفُقَهَاءُ مِنْهُ لَا ظُلْمَ فِيهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ لِلْآخِذِ وَالْمُعْطِي.
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ أَيْ وَإِنْ وُجِدَ غَرِيمٌ مُعْسِرٌ مِنْ غُرَمَائِكُمْ فَأَنْظِرُوهُ وَأَمْهِلُوهُ إِلَى وَقْتٍ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْأَدَاءِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَنَافِعٌ (مُيْسَرَةٍ) - بِضَمِّ السِّينِ - وَهِيَ لُغَةٌ كَالْفَتْحِ الَّذِي قَرَأَ بِهِ الْبَاقُونَ. رُوِيَ أَنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ قَالُوا لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ فِي الْقِصَّةِ السَّابِقَةِ: نَحْنُ الْيَوْمَ أَهْلُ عُسْرَةٍ فَأَخِّرُونَا إِلَى أَنْ تُدْرَكَ الثَّمْرَةُ فَأَبَوْا ; فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي قِصَّتِهِمْ كَالْآيَتَيْنِ قَبْلَهَا وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ أَصْلُ تَصَدَّقُوا تَتَصَدَّقُوا قَرَأَ عَاصِمٌ - بِتَخْفِيفِ الصَّادِ - بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا لِلْإِدْغَامِ ; أَيْ: وَتَصَدُّقُكُمْ عَلَى الْمُعْسِرِ بِوَضْعِ الدَّيْنِ عَنْهُ وَإِبْرَائِهِ مِنْهُ - خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْظَارِهِ، فَهُوَ نَدْبٌ إِلَى الصَّدَقَةِ وَالسَّمَاحِ لِلْمَدِينِ الْمُعْسِرِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَاطُفِ وَالتَّرَاحُمِ بَيْنَ النَّاسِ وَبِرِّ
بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ هَنَاءِ الْمَعِيشَةِ وَحُسْنِ حَالِ الْأُمَّةِ ; وَلِذَلِكَ نَبَّهَ إِلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ وَجْهَ الْخَيْرِيَّةِ فِي شَيْءٍ؛ لَا يَعْمَلُهُ، وَمَنْ عَلِمَ حَتْمًا ; أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ عَمِلْتُمْ بِهِ وَعَامَلْتُمْ إِخْوَانَكُمْ بِالْمُسَامَحَةِ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَهْدِيكُمْ إِلَى خَيْرِ الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُ بَعْضَكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَجْعَلُكُمْ مُتَحَابِّينَ مُتَوَادِّينَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي دَيْنِ الرِّبَا خَاصَّةً. وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الْوَاجِبَ يَفْضُلُهُ شَيْءٌ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الْإِبْرَاءُ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى الْمُعْسِرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ اتِّفَاقًا. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّصَدُّقِ هُنَا الْإِنْظَارُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَهَذَا الْإِنْظَارُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ خَيْرٌ لَكُمْ وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ.
ثُمَّ خَتَمَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - آيَاتِ الرِّبَا بِهَذِهِ الْمَوْعِظَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تُسَهِّلُ عَلَى الْمُؤْمِنِ إِذَا وَعَاهَا السَّمَاحَ بِالْمَالِ، بَلْ وَبِالنَّفْسِ رَجَاءَ أَنْ يَلْقَى اللهَ - تَعَالَى - عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ مِنَ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ فَقَالَ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: (تَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مَنْ رَجَعَ. وَالْبَاقُونَ: تُرْجَعُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مِنْ أَرْجَعَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ; أَيْ وَاحْذَرُوا يَوْمًا عَظِيمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ مِنْ غَفَلَاتِكُمْ وَشَوَاغِلِ الْحَيَاةِ الْجَسَدِيَّةِ الَّتِي تَشْغَلُكُمْ عَنْ مُرَاقَبَةِ اللهِ فَتَصِيرُونَ إِلَى اللهِ، أَيْ إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْعِلْمِ وَالشُّعُورِ بِأَنَّهُ لَا سُلْطَانَ إِلَّا سُلْطَانُهُ وَلَا مُلْكَ إِلَّا لَهُ، ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ مَبْسُوطًا: أَمَّا حَقِيقَةُ الرُّجُوعِ
فَلَا تَصِحُّ هُنَا لِأَنَّنَا مَا غِبْنَا عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَغِيبَ عَنْهُ فَنَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ فِي غَفْلَتِهِ وَشُغُلِهِ بِشُئُونِهِ الْحَيَوَانِيَّةِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ اسْتِقْلَالًا تَامًّا بِنَفْسِهِ وَأَنَّ لَهُ رُؤَسَاءَ وَأُمَرَاءَ يَخَافُهُمْ وَيَرْجُوهُمْ، وَيَرَى أَنَّهُ تَعْرِضُ لَهُ حَاجَاتٌ وَضَرُورَاتٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِدَّ لَهَا بِتَكْثِيرِ الْمَالِ وَجَمْعِهِ مِنْ حَرَامٍ وَحَلَالٍ. فَأَمْثَالُ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ تَكُونُ لَهُ شُغُلًا شَاغِلًا رُبَّمَا يَسْتَغْرِقُ وَقْتَهُ فَيَصْرِفُهُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي مَنَافِعِ التَّسَامُحِ فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْهُمْ، فَكَانَ أَنْفَعَ دَوَاءٍ لِمَرَضِ انْصِرَافِ النَّفْسِ
عَنِ التَّفَكُّرِ فِي سُلْطَانِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِمَا فِيهِ تَمَامُ حِكْمَتِهِ - التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي تَبْطُلُ فِيهِ هَذِهِ الشَّوَاغِلُ، وَتَتَلَاشَى هَذِهِ الصَّوَارِفُ ; حَتَّى لَا يَشْغَلَ الْإِنْسَانَ فِيهِ شَيْءٌ مَا عَنِ اللهِ - تَعَالَى - وَمَا أَعَدَّهُ مِنَ الْجَزَاءِ لِلْعِبَادِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ ; وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ أَيْ تُجَازَى عَلَى مَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءً وَافِيًا وَهَمْ لَا يُظْلَمُونَ أَيْ لَا يُنْقَصُونَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، بَلْ قَدْ يُزَادُ الْمُحْسِنُونَ مِنْهُمْ فَيُعْطَوْنَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ كَمَا ثَبَتَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى.
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ. قَالَ فِي الْإِتْقَانِ: وَالْمُرَادُ بِهَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ: " مِنْ آخَرِ مَا نَزَلَ آيَةُ الرِّبَا " وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ فَقَالَ: " إِنَّ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنَ نُزُولًا آيَةُ الرِّبَا " وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ وَالضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ الْآيَةَ. وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِهَا وَبَيْنَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا. ثُمَّ ذُكِرَ فِي الْإِتْقَانِ مِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ تِسْعَ لَيَالٍ، وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ: آخِرُ الْقُرْآنِ عَهْدًا بِالْعَرْشِ آيَةُ الرِّبَا وَآيَةُ الدَّيْنِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ فِي آيَةِ الدَّيْنِ فَقَطْ. قَالَ السُّيُوطِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَا مُنَافَاةَ عِنْدِي بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ وَاتَّقُوا يَوْمًا وَآيَةِ الدَّيْنِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً كَتَرْتِيبِهَا فِي الْمُصْحَفِ، وَلِأَنَّهَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ عَنْ بَعْضِ مَا نَزَلَ بِأَنَّهُ آخِرُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ. اهـ. أَيْ إِنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقٍ يَقْتَضِيهِ. وَقِيلَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَفِي مُدَّةِ بَقَائِهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ
نُزُولِ وَاتَّقُوا يَوْمًا الْآيَةَ. وَوَرَدَ أَنَّهُ قَالَ: اجْعَلُوهَا
بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: اجْعَلُوهَا عَلَى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُهُ صلى الله عليه وسلم فِي تَرْتِيبِ الْآيَاتِ.
(فَصْلٌ فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ مَا مِثَالُهُ: يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا وَتَرَبَّوْا تَرْبِيَةً عَصْرِيَّةً وَأَخَذُوا الشَّهَادَاتِ مِنَ الْمَدَارِسِ، بَلْ وَمَنْ هُمْ أَكْبَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ مُنُوا بِالْفَقْرِ، وَذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمْ إِلَى أَيْدِي الْأَجَانِبِ وَفَقَدُوا الثَّرْوَةَ وَالْقُوَّةَ بِسَبَبِ تَحْرِيمِ الرِّبَا، فَإِنَّهُمْ لِاحْتِيَاجِهِمْ لِلْأَمْوَالِ يَأْخُذُونَهَا بِالرِّبَا مِنَ الْأَجَانِبِ، وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا مِنْهُمْ لَا يُعْطِي بِالرِّبَا. فَمَالُ الْفَقِيرِ يَذْهَبُ وَمَالُ الْغَنِيِّ لَا يَنْمُو، وَيَجْعَلُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَهَمَّ الْمَسَائِلِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْعُمْرَانِيَّةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، يَعْنُونَ أَنَّهُ مَا جَنَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا دِينُهُمْ. (قَالَ) وَهَذِهِ أَوْهَامٌ لَمْ تُقَلْ عَنِ اخْتِبَارٍ ; فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَا يُحَكِّمُونَ الدِّينَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ وَلَوْ حَكَّمُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمَا اسْتَدَانُوا بِالرِّبَا وَجَعَلُوا أَمْوَالَهُمْ غَنَائِمَ لِغَيْرِهِمْ، فَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُمْ تَرَكُوا أَكْلَ الرِّبَا لِأَجْلِ الدِّينِ فَهَلْ يَقُولُ الْمُشْتَبِهُونَ: إِنَّهُمْ تَرَكُوا الصِّنَاعَةَ وَالتِّجَارَةَ وَالزِّرَاعَةَ لِأَجْلِ الدِّينِ؟ أَلَمْ تَسْبِقْنَا جَمِيعُ الْأُمَمِ إِلَى إِتْقَانِ ذَلِكَ؟ فَلِمَاذَا لَمْ نُتْقِنْ سَائِرَ أَعْمَالِ الْكَسْبِ لِنُعَوِّضَ مِنْهَا عَلَى أَنْفُسِنَا مَا فَاتَنَا مِنْ كَسْبِ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ عَلَيْنَا؟ وَدِينُنَا يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَسْبِقَ الْأُمَمَ فِي إِتْقَانِ كُلِّ شَيْءٍ.
الْحُقُّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَغْلَبِ قَدْ نَبَذُوا الدِّينَ ظِهْرِيًّا، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا تَقَالِيدُ وَعَادَاتٌ أَخَذُوهَا بِالْوِرَاثَةِ عَنْ آبَائِهِمْ وَمُعَاشِرِيهِمْ، فَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ الدِّينَ عَائِقٌ لَهُمْ عَنِ التَّرَقِّي فَقَدْ عَكَسَ الْقَضِيَّةَ وَأَضَافَ إِلَى جَهَالَاتِهِمْ جَهَالَةً شَرًّا مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا مِنْ عَدَمِ الْبَصِيرَةِ وَالتَّأَمُّلِ فِي حَالَةِ الْأُمَّةِ مِنْ بِدَايَتِهَا إِلَى مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ، وَلَوْ عَرَفَتِ الْأُمَّةُ نَفْسَهَا لَعَرَفَتْ مَاضِيَهَا كَمَا تَعْرِفُ حَاضِرَهَا، وَلَكِنَّ جَهْلَهَا بِنَفْسِهَا وَعَدَمَ قِرَاءَةِ مَاضِيهَا هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهَا فِيمَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ. فَهِيَ لَا تَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَتْ وَلَا كَيْفَ سَقَطَتْ بَعْدَ مَا ارْتَفَعَتْ. أَقُولُ: يَعْنِي أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ بِالدِّينِ وَسَقَطَتْ بِتَرْكِهِ مَعَ الْجَهْلِ بِالسَّبَبِ، وَأَفْضَى بِهَا الْجَهْلُ إِلَى أَنْ صَارَتْ تَجْعَلُ عِلَّةَ الرُّقِيِّ وَالِارْتِفَاعِ، هِيَ عَيْنُ الْعِلَّةِ لِلسُّقُوطِ وَالِانْحِطَاطِ، وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِدَانَةُ أَفْرَادِنَا وَحُكُومَاتِنَا مِنَ الْأَجَانِبِ بِالرِّبَا ; فَإِنَّهَا أَضَاعَتْ ثَرْوَتَنَا وَمُلْكَنَا، وَكَانَ الدِّينُ -
لَوِ اتَّبَعْنَاهُ - عَاصِمًا مِنْهَا، فَنَحْنُ نَنْسَى مِثْلَ هَذِهِ الْفَائِدَةِ الْكُبْرَى لِلدِّينِ فِي الْمَوْضُوعِ نَفْسَهُ، وَنَذْكُرُ مِنْ سَيِّئَاتِ الدِّينِ أَنَّهُ حَرَّمَ الرِّبَا وَلَوْ لَمْ يُحَرِّمْهُ لَجَازَ أَنْ يَكْسَبَ بَعْضُ أَغْنِيَائِنَا أَكْثَرَ مِمَّا يَكْسِبُونَ الْآنَ. وَقَدْ أَشَارَ الْأُسْتَاذُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: إِنَّ أَثَرَ الرِّبَا فِينَا لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُزِيلَهُ بِمِئَاتٍ مِنَ السِّنِينَ، وَلَوْ أَنَّنَا حَافَظْنَا عَلَى أَمْرِ الدِّينِ فِيهِ لَكُنَّا بَقَيْنَا لِأَنْفُسِنَا، فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ:(بَقَيْنَا لِأَنْفُسِنَا) .
وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا إِلَخْ مَا مِثَالُهُ: مَسْأَلَةُ الرِّبَا مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ اتَّفَقَتْ فِيهَا الْأَدْيَانُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْأُمَمُ: فَالْيَهُودُ كَانُوا يُرَابُونَ مَعَ غَيْرِهِمْ. وَالنَّصَارَى يُرَابِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُرَابُونَ سَائِرَ النَّاسِ. وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حَفِظُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ زَمَنًا طَوِيلًا. ثُمَّ قَلَّدُوا غَيْرَهُمْ. وَمُنْذُ نِصْفِ قَرْنٍ فَشَتِ الْمُرَابَاةُ بَيْنَهُمْ فِي أَكْثَرِ الْأَقْطَارِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا بِالْحِيلَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا شَرْعِيَّةً، وَقَدْ أَبَاحَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِثْمَارِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَطَالِبِ الْعِلْمِ الْمُنْقَطِعِ، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ السُّبْحَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ أَنْ يَتَّفِقَ الدَّائِنُ مَعَ الْمَدِينِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِائَةً إِلَى سَنَةٍ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ مَثَلًا فَيُعْطِيهِ الْمِائَةَ نَقْدًا وَيَبِيعُهُ سُبْحَةً بِعَشَرَةٍ فِي الذِّمَّةِ، فَيَشْتَرِيهَا ثُمَّ يَهْدِيهَا إِلَيْهِ. عَلَى أَنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَزَالُونَ قَلِيلِينَ جِدًّا، وَلَكِنِ الَّذِينَ يُؤَكِّلُونَهُ غَيْرَهُمْ كَثِيرُونَ جِدًّا، حَتَّى لَا تَكَادَ تَجِدُ مُتَمَوِّلًا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ سَالِمًا مِنَ الِاسْتِدَانَةِ بِالرِّبَا إِلَّا قَلِيلًا، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ تَقْلِيدُ حُكَّامِهِمْ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ. بَلْ كَثِيرًا مَا كَانَ حُكَّامُ هَذِهِ الْبِلَادِ يُلْزِمُونَ الرَّعِيَّةَ بِهَا إِلْزَامًا لِأَدَاءِ مَا يَفْرِضُونَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّرَائِبِ وَالْمُصَادَرَاتِ، وَمِنْ هُنَا نَرَى أَنَّ الْأَدْيَانَ لَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُقَاوِمَ مَيْلَ جَمَاهِيرِ النَّاسِ إِلَى أَكْلِ الرِّبَا. حَتَّى كَأَنَّهُ ضَرُورَةٌ يَضْطَرُّونَ إِلَيْهَا، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَيْعَ مِثْلُ الرِّبَا، فَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ السِّلْعَةَ الَّتِي ثَمَنُهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ نَقْدًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا نَسِيئَةً يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْتَاجَ الْعَشَرَةَ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ بَعْدَ سَنَةٍ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ; لِأَنَّ السَّبَبَ فِي كُلٍّ مِنَ الزِّيَادَتَيْنِ الْأَجَلُ. هَكَذَا يَحْتَجُّ النَّاسُ فِي أَنْفُسِهِمْ كَمَا تَحْتَجُّ الْحُكُومَاتُ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَأْخُذِ الْمَالَ بِالرِّبَا لَاضْطَرَّتْ إِلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحِهَا أَوْ خَرَابِ أَرْضِهَا.
وَاللهُ - تَعَالَى - قَدْ أَجَابَ عَنْ دَعْوَى مُمَاثَلَةِ الْبَيْعِ لِلرِّبَا بِجَوَابٍ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَةِ أَجْوِبَةِ الْخُطَبَاءِ الْمُؤَثِّرِينَ، وَلَا عَلَى طَرِيقَةِ أَقْيِسَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَنْطِقِيِّينَ، وَلَكِنَّهُ عَلَى سُنَّةِ هِدَايَةِ
الدِّينِ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. وَقَدْ جَعَلَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ قَبِيلِ إِبْطَالِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ، أَيْ إِنَّكُمْ تَقِيسُونَ فِي الدِّينِ وَاللهُ - تَعَالَى - لَا يُجِيزُ هَذَا الْقِيَاسَ، وَلَكِنَّ الْمَعْهُودَ فِي الْقُرْآنِ مُقَارَعَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ يَفْهَمُونَ مَعْنَى الْحُجَّةِ فِي رَدِّ الْقُرْآنِ لِذَلِكَ الْقَوْلِ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُسَلَّمَةِ مَا هُوَ أَصْلٌ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسَائِلِ لَا يَفْهَمُونَ الْآيَاتِ إِلَّا بِهِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا إِلَّا لِتَحْوِيلِهَا إِلَيْهِ وَتَطْبِيقِهَا عَلَى آرَائِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ فِيهِ، وَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ أَنَّ زَعْمَهُمْ مُسَاوَاةَ الرِّبَا لِلْبَيْعِ فِي مَصْلَحَةِ التَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أُبِيحَ لِلنَّاسِ أَنْ يَكُونُوا فِي تَعَامُلِهِمْ كَالذِّئَابِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَنْتَظِرُ الْفُرْصَةَ الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنِ افْتِرَاسِ الْآخَرِ وَأَكْلِهِ، وَلَكِنْ هَاهُنَا إِلَهٌ رَحِيمٌ يَضَعُ لِعِبَادِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُرَبِّيهِمْ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ، وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَوْنًا لِلْآخَرِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ; وَلِذَلِكَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الرِّبَا الَّذِي هُوَ اسْتِغْلَالُ ضَرُورَةِ إِخْوَانِهِمْ، وَأَحَلَّ الْبَيْعَ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ الرِّبْحُ فِيهِ بِأَكْلِ
الْغَنِيِّ الْوَاجِدِ الْفَقِيرَ الْفَاقِدَ. فَهَذَا وَجْهٌ لِلتَّبَايُنِ بَيْنَ الرِّبَا وَالْبَيْعِ يَقْتَضِي فَسَادَ الْقِيَاسِ.
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - جَعَلَ طَرِيقَ تَعَامُلِ النَّاسِ فِي مَعَايِشِهِمْ أَنْ يَكُونَ اسْتِفَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِ بِعَمَلٍ وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ حَقًّا عَلَى آخَرَ بِغَيْرِ عَمَلٍ ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا مُقَابِلَ لَهُ، وَبِهَذِهِ السُّنَّةِ أَحَلَّ الْبَيْعَ لِأَنَّ فِيهِ عِوَضًا يُقَابِلُ عِوَضًا، وَحَرَّمَ الرِّبَا لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَا مُقَابِلَ لَهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ قِيَاسَكُمْ فَاسِدٌ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ مِنَ الْفَائِدَةِ مَا يَقْتَضِي حِلَّهُ، وَفِي الرِّبَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ يُلَاحَظُ فِيهِ دَائِمًا انْتِفَاعُ الْمُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ انْتِفَاعًا حَقِيقِيًّا لِأَنَّ مَنْ يَشْتَرِي قَمْحًا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِيَأْكُلَهُ أَوْ لِيَبْذُرَهُ أَوْ لِيَبِيعَهُ وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِهِ انْتِفَاعًا حَقِيقِيًّا (وَأَقُولُ: وَالثَّمَنُ فِي هَذَا مُقَابِلٌ لِلْمَبِيعِ مُقَابَلَةً مُرْضِيَةً لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِاخْتِيَارِهِمَا) وَأَمَّا الرِّبَا وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِعْطَاءِ الدَّرَاهِمِ وَالْمِثْلِيَّاتِ وَأَخْذِهَا مُضَاعَفَةً فِي وَقْتٍ آخَرَ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ زِيَادَةُ رَأْسِ الْمَالِ لَا مُقَابِلَ لَهُ مِنْ عَيْنٍ وَلَا عَمَلٍ (أَقُولُ: وَهِيَ لَا تُعْطَى بِالرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ، بَلْ بِالْكُرْهِ وَالِاضْطِرَارِ) .
وَثَمَّ وَجْهٌ ثَالِثٌ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا مِنْ دُونِ الْبَيْعِ وَهُوَ أَنَّ النَّقْدَيْنِ إِنَّمَا وُضِعَا
لِيَكُونَا مِيزَانًا لِتَقْدِيرِ قِيَمِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ فِي مَعَايِشِهِمْ. فَإِذَا تَحَوَّلَ هَذَا وَصَارَ النَّقْدُ مَقْصُودًا بِالِاسْتِغْلَالِ فَإِنَّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى انْتِزَاعِ الثَّرْوَةِ مِنْ أَيْدِي أَكْثَرِ النَّاسِ وَحَصْرِهَا فِي أَيْدِي الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أَعْمَالَهُمْ قَاصِرَةً عَلَى اسْتِغْلَالِ الْمَالِ بِالْمَالِ، فَيَنْمُو الْمَالُ وَيَرْبُو عِنْدَهُمْ وَيُخَزَّنُ فِي الصَّنَادِيقِ وَالْبُيُوتِ الْمَالِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْبُنُوكِ، وَيُبْخَسُ الْعَامِلُونَ قِيَمَ أَعْمَالِهِمْ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ مُعْظَمُهُ مِنَ الْمَالِ نَفْسِهِ وَبِذَلِكَ يَهْلَكُ الْفُقَرَاءُ. وَلَوْ وَقَفَ النَّاسُ فِي اسْتِغْلَالِ الْمَالِ عِنْدَ حَدِّ الضَّرُورَةِ لَمَا كَانَ فِيهِ مِثْلُ هَذِهِ الْمَضَرَّاتِ، وَلَكِنَّ أَهْوَاءَ النَّاسِ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ تَقِفُ عِنْدَهُ بِنَفْسِهَا (أَيْ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الْوَازِعِ الَّذِي يُوقِفُهَا بِالْإِقْنَاعِ أَوِ الْإِلْزَامِ) لِذَلِكَ حَرَّمَ اللهُ الرِّبَا، وَهُوَ لَا يُشَرِّعُ لِلنَّاسِ الْأَحْكَامَ بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ كَأَصْحَابِ الْقَوَانِينِ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْعَامَّةِ الشَّامِلَةِ، وَأَمَّا وَاضِعُو الْقَوَانِينِ فَإِنَّهُمْ يَضَعُونَ لِلنَّاسِ الْأَحْكَامَ بِحَسَبِ حَالِهِمُ الْحَاضِرَةِ الَّتِي يَرَوْنَهَا مُوَافِقَةً لِمَا يُسَمُّونَهُ الرَّأْيَ الْعَامَّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي عَوَاقِبِهَا، وَلَا فِي أَثَرِهَا فِي تَرْبِيَةِ الْفَضَائِلِ وَالْبُعْدِ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَإِنَّنَا نَرَى الْبِلَادَ الَّتِي أَحَلَّتْ قَوَانِينُهَا الرِّبَا قَدْ عَفَتْ فِيهَا رُسُومُ الدِّينِ، وَقَلَّ فِيهَا التَّعَاطُفُ وَالتَّرَاحُمُ، وَحَلَّتِ الْقَسْوَةُ مَحَلَّ الرَّحْمَةِ حَتَّى إِنِ الْفَقِيرَ فِيهَا يَمُوتُ جُوعًا وَلَا يَجِدُ مَنْ يَجُودُ عَلَيْهِ بِمَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، فَمُنِيَتْ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ بِمَصَائِبَ أَعْظَمُهَا مَا يُسَمُّونَهُ الْمَسْأَلَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تُأَلِّبُ الْفَعَلَةَ وَالْعُمَّالَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ وَاعْتِصَابِهِمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لِتَرْكِ الْعَمَلِ وَتَعْطِيلِ الْمَعَامِلِ وَالْمَصَانِعِ، لِأَنَّ أَصْحَابَهَا لَا يُقَدِّرُونَ عَمَلَهُمْ قَدْرَهُ، بَلْ يُعْطُونَهُمْ أَقَلَّ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَهُمْ يَتَوَقَّعُونَ مِنْ عَاقِبَةِ ذَلِكَ انْقِلَابًا كَبِيرًا فِي الْعَالَمِ ; وَلِذَلِكَ
قَامَ كَثِيرٌ مِنْ فَلَاسِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ يَكْتُبُونَ الرَّسَائِلَ وَالْأَسْفَارَ فِي تَلَافِي شَرِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا عِلَاجَ لِهَذَا الدَّاءِ إِلَّا رُجُوعُ النَّاسِ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ الدِّينُ، وَقَدْ أَلَّفَ تُولِسْتُويِ الْفَيْلَسُوفُ الرُّوسِيُّ كِتَابًا سَمَّاهُ (مَا الْعَمَلُ؟) وَفِيهِ أُمُورٌ يَضْطَرِبُ لِفَظَاعَتِهَا الْقَارِئُ، وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِهِ: إِنَّ أُورُبَّا نَجَحَتْ فِي تَحْرِيرِ النَّاسِ مِنَ الرِّقِّ وَلَكِنَّهَا غَفَلَتْ عَنْ رَفْعِ نَيْرِ الدِّينَارِ (الْجُنَيْهِ) عَنْ أَعْنَاقِ النَّاسِ الَّذِينَ رُبَّمَا اسْتَعْبَدَهُمُ الْمَالُ يَوْمًا مَا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ رحمه الله تَعَالَى -: وَهَذِهِ بِلَادُنَا قَدْ ضَعُفَ فِيهَا التَّعَاطُفُ وَالتَّرَاحُمُ وَقَلَّ
الْإِسْعَادُ وَالتَّعَاوُنُ مُذْ فَشَا فِيهَا الرِّبَا، وَإِنَّنِي لَأَعِي وَأُدْرِكُ مَا مَرَّ بِي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، كُنْتُ أَرَى رَجُلًا يَطْلُبُ مِنَ الْآخَرِ قَرْضًا فَيَأْخُذُهُ صَاحِبُ الْمَالِ إِلَى بَيْتِهِ وَيُوصِدُ الْبَابَ عَلَيْهِ مَعَهُ، وَيُعْطِيهِ مَا طَلَبَ بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنْهُ بِالْيَمِينِ أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَنَّهُ اقْتَرَضَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِي أَنْ يَكُونَ فِي نَظَرِهِمْ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ (قَالَ) : رَأَيْتُ هَذَا مِنْ كَثِيرِينَ فِي بِلَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَرَأَيْتُ مِنْ وَفَاءِ مَنْ يَقْتَرِضُ أَنَّهُ يُغْنِي الْمُقْرِضَ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، بَلِ الْمُحَاكَمَةِ. ثُمَّ بَعْدَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً رَأَيْتُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْمُحْسِنِينَ لَا يُعْطِي وَلَدَهُ قَرْضًا طَلَبَهُ إِلَّا بِسَنَدٍ وَشُهُودٍ. فَسَأَلَتْهُ: أَمَا أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ تُعْطِي الْغُرَبَاءَ مَا يَطْلُبُونَ وَالْبَابُ مُقْفَلٌ، وَتُقْسِمُ عَلَيْهِمْ أَوْ تُحَلِّفُهُمْ أَلَّا يَذْكُرُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَمَا بَالُكَ تَسْتَوْثِقُ مِنْ وَلَدِكَ وَلَا تَأْمَنُهُ عَلَى مَالِكَ إِلَّا بِسَنَدٍ وَشُهُودٍ وَمَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ سَبَبَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّنِي لَا أَجِدُ الثِّقَةَ الَّتِي كُنْتُ أَعْرِفُهَا فِي نَفْسِي. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّ هَذَا الَّذِي سَأَلَ مِنْهُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَالِدُهُ - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -. هَذَا مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَمَا قَالَهُ فِي مَضَرَّةِ اسْتِغْلَالِ النَّقْدِ - مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامٍ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ وَمُطَبَّقٌ عَلَى حَالِ الْعَصْرِ. وَإِنَّنِي أُورِدُ عِبَارَةَ الْغَزَالِيِّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ الشُّكْرِ مِنَ (الْإِحْيَاءِ) لِمَا فِيهَا مِنَ الْحُسْنِ وَالْفَوَائِدِ، قَالَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:
" مِنْ نِعَمِ اللهِ - تَعَالَى - خَلْقُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَبِهِمَا قِوَامُ الدُّنْيَا، وَهُمَا حَجَرَانِ لَا مَنْفَعَةَ فِي أَعْيَانِهِمَا. وَلَكِنْ يَضْطَرُّ الْخَلْقُ إِلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مُحْتَاجٌ إِلَى أَعْيَانٍ كَثِيرَةٍ فِي مَطْعَمِهِ وَمَلْبَسِهِ وَسَائِرِ حَاجَاتِهِ، وَقَدْ يَعْجَزُ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَيَمْلِكُ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، كَمَنْ يَمْلِكُ الزَّعْفَرَانَ مَثَلًا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى جَمَلٍ يَرْكَبُهُ وَمَنْ يَمْلِكُ الْجَمَلَ رُبَّمَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ وَيَحْتَاجُ إِلَى الزَّعْفَرَانِ، فَلَا بُدَّ بَيْنَهُمَا مِنْ مُعَاوَضَةٍ، وَلَا بُدَّ فِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ مِنْ تَقْدِيرٍ، إِذْ لَا يَبْذُلُ صَاحِبُ الْجَمَلِ جَمَلَهُ بِكُلِّ مِقْدَارٍ مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَالْجَمَلِ حَتَّى يُقَالَ: يُعْطَى مِنْهُ مِثْلَهُ فِي الْوَزْنِ أَوِ الصُّورَةِ، وَكَذَا مَنْ يَشْتَرِي دَارًا بِثِيَابٍ أَوْ عَبْدًا بِخُفٍّ أَوْ دَقِيقًا بِحِمَارٍ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تَنَاسُبَ فِيهَا، فَلَا يُدْرَى أَنَّ الْجَمَلَ كَمْ يُسَاوِي بِالزَّعْفَرَانِ فَتَتَعَذَّرُ الْمُعَامَلَاتُ جِدًّا. فَافْتَقَرَتْ هَذِهِ الْأَعْيَانُ الْمُتَنَافِرَةُ إِلَى مُتَوَسِّطٍ بَيْنَهُمَا يَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمٍ عَدْلٍ فَيَعْرِفُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُتْبَتَهُ
وَمَنْزِلَتَهُ حَتَّى إِذَا تَقَرَّرَتِ الْمَنَازِلُ وَتَرَتَّبَتِ الرُّتَبُ،
عُلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُسَاوِي مِنْ غَيْرِ الْمُسَاوِي، فَخَلَقَ اللهُ - تَعَالَى - الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ حَاكِمَيْنِ وَمُتَوَسِّطَيْنِ بَيْنَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ حَتَّى تُقَدَّرَ الْأَمْوَالُ بِهِمَا، فَيُقَالُ: هَذَا الْجَمَلُ يُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ يُسَاوِي مِائَةً، فَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ إِذًا مُتَسَاوِيَانِ، وَإِنَّمَا أَمْكَنَ التَّعْدِيلُ بِالنَّقْدَيْنِ إِذْ لَا غَرَضَ فِي أَعْيَانِهِمَا، وَلَوْ كَانَ فِي أَعْيَانِهِمَا غَرَضٌ رُبَّمَا اقْتَضَى خُصُوصَ ذَلِكَ الْغَرَضِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْغَرَضِ تَرْجِيحًا وَلَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا غَرَضَ لَهُ فَلَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ، فَإِذًا خَلَقَهُمَا اللهُ - تَعَالَى - لِتَتَدَاوَلَهُمَا الْأَيْدِي وَيَكُونَا حَاكِمَيْنِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ بِالْعَدْلِ، وَلِحِكْمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ التَّوَسُّلُ بِهِمَا إِلَى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُمَا عَزِيزَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا، وَلَا غَرَضَ فِي أَعْيَانِهِمَا، وَنِسْبَتُهُمَا إِلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ مَلَكَهُمَا فَكَأَنَّهُ مَلَكَ كُلَّ شَيْءٍ لَا كَمَنْ مَلَكَ ثَوْبًا فَإِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا الثَّوْبَ، فَلَوِ احْتَاجَ إِلَى طَعَامٍ رُبَّمَا لَمْ يَرْغَبْ صَاحِبُ الطَّعَامِ فِي الثَّوْبِ لِأَنَّ غَرَضَهُ فِي دَابَّةٍ مَثَلًا، فَاحْتِيجَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي صُورَتِهِ كَأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ، كَأَنَّهُ كُلُّ الْأَشْيَاءِ، وَالشَّيْءُ إِنَّمَا تَسْتَوِي نِسْبَتُهُ إِلَى الْمُخْتَلِفَاتِ، إِذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صُورَةٌ خَاصَّةٌ يُفِيدُهَا بِخُصُوصِهَا كَالْمِرْآةِ لَا لَوْنَ لَهَا وَتَحْكِي كُلَّ لَوْنٍ. فَكَذَلِكَ النَّقْدُ لَا غَرَضَ فِيهِ وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى غَرَضٍ، وَكَالْحَرْفِ لَا مَعْنَى لَهُ فِي نَفْسِهِ وَتَظْهَرُ بِهِ الْمَعَانِي فِي غَيْرِهِ، فَهَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ الثَّانِيَةُ. وَفِيهِمَا أَيْضًا حِكَمٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ فِيهِمَا عَمَلًا لَا يَلِيقُ بِالْحُكْمِ بَلْ يُخَالِفُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ بِالْحُكْمِ فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ اللهِ - تَعَالَى - فِيهِمَا، فَإِذَا كَنَزَهُمَا فَقَدْ ظَلَمَهُمَا وَأَبْطَلَ الْحِكْمَةَ فِيهِمَا، وَكَانَ كَمَنْ حَبَسَ حَاكِمَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَجْنٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِسَبَبِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَنَزَ فَقَدْ ضَيَّعَ الْحُكْمَ وَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ بِهِ، وَمَا خُلِقَتِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لِزَيْدٍ خَاصَّةً وَلَا لِعَمْرٍو خَاصَّةً، إِذْ لَا غَرَضَ لِلْآحَادِ فِي أَعْيَانِهِمَا فَإِنَّهُمَا حَجَرَانِ، وَإِنَّمَا خُلِقَا لِتَتَدَاوَلَهُمَا الْأَيْدِي فَيَكُونَا حَاكِمَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ وَعَلَامَةَ مَعْرِفَةِ الْمَقَادِيرِ مُقَوِّمَةً لِلْمَرَاتِبِ، فَأَخْبَرَ اللهُ - تَعَالَى - الَّذِينَ يَعْجَزُونَ عَنْ قِرَاءَةِ الْأَسْطُرِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى صَفَحَاتِ الْمَوْجُودَاتِ بِخَطٍّ إِلَهِيٍّ لَا حَرْفَ فِيهِ وَلَا صَوْتَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِعَيْنِ الْبَصَرَ بَلْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، أَخْبَرَ هَؤُلَاءِ الْعَاجِزِينَ بِكَلَامٍ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ - الْمَعْنَى الَّذِي عَجَزُوا عَنْ إِدْرَاكِهِ فَقَالَ تَعَالَى:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [9:34] وَكُلُّ مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ آنِيَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةً فَقَدْ كَفَرَ النِّعْمَةَ، وَكَانَ أَسْوَأَ حَالًا مِمَّنْ كَنَزَ ; لِأَنَّ مِثَالَ هَذَا مِثَالُ مَنِ اسْتَسْخَرَ حَاكِمَ الْبَلَدِ فِي الْحِيَاكَةِ وَالْمُكْسِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا أَخِسَّاءُ النَّاسِ وَالْحَبْسُ أَهْوَنُ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنِ الْخَزَفَ وَالْحَدِيدَ وَالرَّصَاصَ وَالنُّحَاسَ تَنُوبُ مَنَابَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي حِفْظِ الْمَائِعَاتِ عَنْ أَنْ تَتَبَدَّدَ وَإِنَّمَا الْأَوَانِي لِحِفْظِ الْمَائِعَاتِ، وَلَا يَكْفِي الْخَزَفُ وَالْحَدِيدُ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ النُّقُودُ، فَمَنْ لَمْ يَنْكَشِفْ
لَهُ هَذَا انْكَشَفَ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَقِيلَ لَهُ: مَنْ شَرِبَ فِي آنِيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَكَأَنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ.
وَكُلُّ مَنْ عَامَلَ مُعَامَلَةَ الرِّبَا عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَقَدْ كَفَرَ النِّعْمَةَ وَظَلَمَ ; لِأَنَّهُمَا خُلِقَا لِغَيْرِهِمَا لَا لِنَفْسِهِمَا، إِذْ لَا غَرَضَ فِي عَيْنِهِمَا فَإِذَا اتَّجَرَ فِي عَيْنِهِمَا فَقَدِ اتَّخَذَهُمَا مَقْصُودًا عَلَى خِلَافِ وَضْعِ الْحِكْمَةِ ; إِذْ طَلَبُ النَّقْدِ لِغَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ ظُلْمٌ، وَمَنْ مَعَهُ ثَوْبٌ وَلَا نَقْدَ مَعَهُ فَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا وَدَابَّةً، إِذْ لَا يُبَاعُ الطَّعَامُ وَالدَّابَّةُ بِالثَّوْبِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي بَيْعِهِ بِنَقْدٍ آخَرَ لِيَحْصُلَ النَّقْدُ فَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَقْصُودِهِ فَإِنَّهُمَا وَسِيلَتَانِ إِلَى الْغَيْرِ لَا غَرَضَ فِي أَعْيَانِهِمَا، وَمَوْقِعُهُمَا فِي الْأَمْوَالِ كَمَوْقِعِ الْحَرْفِ مِنَ الْكَلَامِ، كَمَا قَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّ الْحَرْفَ هُوَ الَّذِي جَاءَ لِمَعْنَى فِي غَيْرِهِ، وَكَمَوْقِعِ الْمِرْآةِ مِنَ الْأَلْوَانِ، فَأَمَّا مَنْ مَعَهُ نَقْدٌ فَلَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّقْدِ فَيَتَّخِذَ التَّعَامُلَ عَلَى النَّقْدِ غَايَةَ عَمَلِهِ لَبَقِيَ النَّقْدُ مُتَقَيِّدًا عِنْدَهُ وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ الْمَكْنُوزُ. وَتَقْيِيدُ الْحَاكِمِ وَالْبَرِيدِ الْمُوصِلِ إِلَى الْغَيْرِ ظُلْمٌ، كَمَا أَنَّ حَبْسَهُ ظُلْمٌ، فَلَا مَعْنَى لِبَيْعِ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ إِلَّا اتِّخَاذُ النَّقْدِ مَقْصُودًا لِلِادِّخَارِ وَهُوَ ظُلْمٌ " انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَيَلِيهِ حُكْمُ تَحْرِيمِ أَنْوَاعِ الرِّبَا كُلِّهَا.
مَنْ تَدَبَّرَ مَا قَالَهُ الْإِمَامَانِ عَلِمَ أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ الْمُوَافِقُ لِمَصْلَحَةِ الْبَشَرِ الْمُنْطَبِقُ عَلَى قَوَاعِدِ الْفَلْسَفَةِ، وَأَنَّ إِبَاحَتَهُ مَفْسَدَةٌ مِنْ أَكْبَرِ الْمَفَاسِدِ لِلْأَخْلَاقِ وَشُئُونِ الِاجْتِمَاعِ، زَادَتْ فِي أَطْمَاعِ النَّاسِ وَجَعَلَتْهُمْ مَادِّيِّينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إِلَّا الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الْمَالِ وَكَادَتْ تُحْصَرُ ثَرْوَةُ الْبَشَرِ فِي أَفْرَادٍ مِنْهُمْ وَتَجْعَلُ بَقِيَّةَ النَّاسِ
عَالَةً عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ الْمَفْتُونُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْمَدَنِيَّةِ يُنْكِرُونَ مِنْ دِينِهِمْ تَحْرِيمَ الرِّبَا بِغَيْرِ فَهْمٍ وَلَا عَقْلٍ فَسَيَجِيءُ يَوْمٌ يُقِرُّ فِيهِ الْمَفْتُونُونَ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ هُوَ النِّظَامُ الَّذِي لَا تَتِمُّ سَعَادَةُ الْبَشَرِ فِي دُنْيَاهُمْ - فَضْلًا عَنْ آخِرَتِهِمْ - إِلَّا بِهِ، يَوْمَ يَفُوزُ الِاشْتِرَاكِيُّونَ فِي الْمَمَالِكِ الْأُورُبِّيَّةِ وَيَهْدِمُونَ أَكْثَرَ دَعَائِمِ هَذِهِ الْأَثَرَةِ الْمَادِّيَّةِ، وَيُرْغِمُونَ أُنُوفَ الْمُحْتَكِرِينَ لِلْأَمْوَالِ وَيُلْزِمُونَهُمْ بِرِعَايَةِ حُقُوقِ الْمَسَاكِينِ وَالْعُمَّالِ.
(الرِّبَا الْمُحَرَّمُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالرِّبَا الْمُحَرَّمُ بِأَحَادِيثِ الْآحَادِ وَالْقِيَاسِ) التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَمَا ثَبَتَ بِرِوَايَاتِ الْآحَادِ وَأَقْيِسَةِ الْفُقَهَاءِ ضَرُورِيَّةٌ، فَإِنَّ مَنْ يَجْحَدْ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ، وَمَنْ يَجْحَدْ غَيْرَهُ يُنْظَرْ فِي عُذْرِهِ، فَمَا مِنْ إِمَامٍ مُجْتَهِدٍ إِلَّا وَقَدْ قَالَ أَقْوَالًا مُخَالِفَةً لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لِأَسْبَابٍ يُعْذَرُ بِهَا وَتَبِعَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يُعِدُّ أَحَدٌ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خُرُوجًا عَنِ الدِّينِ، حَتَّى مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّقْلِيدِ، فَمَا بَالُكَ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي الْأَقْوَالِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيهَا أَقْيِسَتُهُمْ.
وَقَدْ فَشَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْلُ الرِّبَا مَعَ ذَلِكَ الْوَعِيدِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَأَكْثَرُهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لَفْظَ الرِّبَا فِيهِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا قَالَ فُقَهَاءُ مَذَاهِبِهِمْ أَنَّهُ مِنْهُ حَتَّى بَيْعَ الْحُلِيِّ مِنَ الذَّهَبِ بِجُنَيْهَاتٍ يَزِيدُ وَزْنُهَا عَلَى وَزْنِهِ لِمَكَانِ الصَّنْعَةِ فِي الْحُلِيِّ. وَبَعْضُ الْعُقُودِ الَّتِي يَعُدُّهَا الْفُقَهَاءُ فَاسِدَةً أَوْ بَاطِلَةً، وَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي عَشَرَاتِ الْأُلُوفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ وَاحِدٌ يَتَحَامَى كُلَّ مَا عَدَّهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الرِّبَا، وَلَعَلَّهُ يَنْدُرُ فِي الْفُقَهَاءِ أَنْفُسِهِمْ مَنْ يُطَبِّقُ شِرَاءَ الْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ الْفِقْهِ، كَأَنْ يَشْتَرِي مَا كَانَ مِنَ الذَّهَبِ بِفَضَّةٍ، وَمَا كَانَ مِنَ الْفِضَّةِ بِذَهَبٍ يَدًا بِيَدٍ فِيهِمَا، أَوْ يَتَّخِذُ لِذَلِكَ حِيلَةً فِقْهِيَّةً فَالنَّاسُ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الرِّبَا الْقَطْعِيِّ الْمُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ أَوْ كَانَ وَعِيدُهُ دُونَ وَعِيدِهِ ; لِأَنَّ ضَرَرَهُ دُونَ ضَرَرِهِ وَإِلَيْكَ الْبَيَانُ:
قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَقَائِعَ كَانَتْ لِلْمُرَابِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَالْمُرَادُ بِالرِّبَا فِيهَا مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، أَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمَالِ لِأَجْلِ الْإِنْسَاءِ، أَيِ التَّأْخِيرِ فِي أَجَلِ الدِّينِ. فَكَانَ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يَخْتَلِفُ سَبَبُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا اشْتَرَاهُ مِنْهُ
أَوْ قَرْضًا اقْتَرَضَهُ، فَإِذَا جَاءَ الْأَجَلُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَدِينِ مَالٌ يَفِي بِهِ؛ طَلَبَ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يُنْسِئَ لَهُ فِي الْأَجَلِ وَيَزِيدَ فِي الْمَالِ، وَكَانَ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فَهَذَا مَا وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ لَمْ يُحَرَّمْ فِيهِ سِوَاهُ، وَقَدْ وَصَفَهُ فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ الَّتِي جَاءَتْ دُونَ غَيْرِهَا بِصِيغَةِ النَّهْيِ وَهِيَ قَوْلُهُ عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [3:130] وَهَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فَهُوَ تَحْرِيمٌ لِرِبًا مَخْصُوصٍ بِهَذَا الْقَيْدِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ.
فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا الْآيَاتِ، يُحْمَلُ الرِّبَا فِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي النَّهْيِ الْأَوَّلِ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ إِعَادَةِ الْمَعْرِفَةِ وَوِفَاقًا لِقَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَدْعَمُ ذَلِكَ مُقَابَلَتُهُ بِالصَّدَقَةِ حَيْثُ ذُكِرَ وَتَسْمِيَتُهُ ظُلْمًا، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ - وَهُوَ إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَعْلَمُهُمْ بِالرِّوَايَةِ - رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً فِي ذَلِكَ أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الرِّبَا هُوَ أَشَدُّهُمْ ضَرَرًا وَهُوَ مَذْمُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ فِي قَوَانِينِ الْأُمَمِ الَّتِي تُبِيحُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ) الرِّبَا نَوْعَانِ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ، فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ، لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْجَلِيِّ، فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلِ قَصْدًا وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةٌ، فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَرِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. مِثْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ دِينَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَالِ. وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَالِ حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً، وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُعْدَمٌ مُحْتَاجٌ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ،
تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ، وَيُدَافَعُ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ فَيَرْبُو الْمَالُ عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ، وَيَزِيدُ مَالُ الْمُرَابِي مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ عَلَيْهِ لِأَخِيهِ. فَيَأْكُلُ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ وَيَحْصُلُ أَخُوهُ عَلَى غَايَةِ الضَّرَرِ، فَمِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى خَلْقِهِ أَنْ حَرَّمَ الرِّبَا وَلَعَنَ آكِلَهُ وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَآذَنَ مَنْ لَمْ يَدَعْهُ بِحَرْبِ اللهِ وَحَرْبِ رَسُولِهِ. وَلَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ فِي كَبِيرَةٍ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا كَانَ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الرِّبَا الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ فَيَقُولَ
لَهُ: أَتَقْتَضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ زَادَهُ فِي الْمَالِ وَزَادَهُ هَذَا فِي الْأَجَلِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سبحانه وتعالى الرِّبَا ضِدَّ الصَّدَقَةِ، فَالْمُرَابِي ضِدُّ الْمُتَصَدِّقِ قَالَ اللهُ - تَعَالَى -: يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَقَالَ: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [30:39] وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [3:130، 131] ثُمَّ ذَكَرَ الْجَنَّةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [3:134] وَهَؤُلَاءِ ضِدُّ الْمُرَابِينَ. فَنَهَى - سُبْحَانَهُ - عَنِ الرِّبَا الَّذِي هُوَ ظُلْمُ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي هِيَ إِحْسَانٌ إِلَيْهِمْ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ وَمِثْلُ هَذَا يُرَادُ بِهِ حَصْرُ الْكَمَالِ، وَأَنَّ الرِّبَا إِنَّمَا هُوَ النَّسِيئَةُ كَمَا قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [8:2] إِلَى قَوْلِهِ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [8:4] وَكَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " وَإِنَّمَا الْعَالِمُ الَّذِي يَخْشَى اللهَ " انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي الرِّبَا الْجَلِيِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. وَأَوْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصْلًا فِي رِبَا الْفَضْلِ - الَّذِي حُرِّمَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ - وَهُوَ: أَنْ يَبِيعَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَذَكَرَ خِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِيهِ.
أَقُولُ: فَهَذَا الرِّبَا الَّذِي سَمَّاهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقِيَمِ بِالرِّبَا الْجَلِيِّ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِنَّهُ الرِّبَا الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ، الْمُحَرَّمُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهُ: هُوَ هُوَ رِبَا النَّسِيئَةِ الَّذِي كَانُوا يُضَاعِفُونَهُ عَلَى الْفَقِيرِ الَّذِي لَا يَجِدُ وَفَاءً بِتَوَالِي الْأَيَّامِ وَالسِّنِينَ، هُوَ هُوَ مُخَرِّبُ الْبُيُوتِ، وَمُزِيلُ الرَّحْمَةِ مِنَ الْقُلُوبِ، وَمُوَلِّدُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَمَا مَعْنَى حَصْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الرِّبَا فِيهِ إِلَّا بَيَانُ مَا أَرَادَ اللهُ - تَعَالَى - مِنَ الرِّبَا الَّذِي تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِأَشَدِّ الْوَعِيدِ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ عَلَى الْكُفْرِ، فَهَلْ يَسْمَحُ لِعَاقِلٍ عَقْلُهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ تَحْرِيمَ هَذَا الرِّبَا ضَارٌّ بِالنَّاسِ أَوْ عَائِقٌ لَهُمْ عَنْ إِنْمَاءِ ثَرْوَتِهِمْ؟ إِذَا كَانَتِ الثَّرْوَةُ لَا تَنْمُو إِلَّا بِتَخْرِيبِ بُيُوتِ الْمَعُوزِينَ لِإِرْضَاءِ نُهْمَةِ الطَّامِعِينَ فَلَا كَانَ بَشَرٌ يَسْتَحْسِنُ إِنْمَاءَ هَذِهِ الثَّرْوَةِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الرِّبَا الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ - كَمَا قَالَ الْإِمَامُ
أَحْمَدُ - شِرَاءُ أَسْوِرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ بِجُنَيْهَاتٍ تَزِيدُ عَلَيْهَا وَزْنًا، لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي مُقَابَلَةِ صَنْعَةِ الصَّانِعِ وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الصَّنْعَةِ أَعْظَمَ مِنْ قِيمَةِ مَادَّةِ الْمَصْنُوعِ. فَإِنَّهُ لَا نَسِيئَةَ فِي هَذَا الْبَيْعِ، بَلْ وَلَا رِبًا لَا مُقَابِلَ لَهُ لِيَكُونَ بَاطِلًا، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا ظُلْمَ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَنْ يُعْطِي آخَرَ مَالًا يَسْتَغِلُّهُ وَيَجْعَلُ لَهُ مِنْ كَسْبِهِ حَظًّا مُعَيَّنًا ; لِأَنَّ مُخَالَفَةَ قَوَاعِدِ الْفُقَهَاءِ فِي جَعْلِ الْحَظِّ مُعَيَّنًا - قَلَّ الرِّبْحُ أَوْ كَثُرَ - لَا يُدْخِلُ ذَلِكَ فِي الرِّبَا الْجَلِيِّ الْمُرَكَّبِ الْمُخَرِّبِ لِلْبُيُوتِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ نَافِعَةٌ لِلْعَامِلِ وَلِصَاحِبِ الْمَالِ مَعًا، وَذَلِكَ الرِّبَا ضَارٌّ بِوَاحِدٍ بِلَا ذَنْبٍ غَيْرَ الِاضْطِرَارِ، وَنَافِعٌ لِآخَرَ بِلَا عَمَلٍ سِوَى الْقَسْوَةِ وَالطَّمَعِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا فِي عَدْلِ اللهِ وَاحِدًا، بَلْ لَا يَقُولُ عَادِلٌ وَلَا عَاقِلٌ مِنَ الْبَشَرِ: إِنَّ النَّافِعَ يُقَاسُ عَلَى الضَّارِّ وَيَكُونُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا. إِنْ كَانَ شِرَاءُ ذَلِكَ الْحُلِيِّ وَهَذَا التَّعَامُلُ مِنَ الرِّبَا الْخَفِيِّ الَّذِي يُمْكِنُ إِدْخَالُهُ فِي عُمُومِ رِوَايَاتِ الْآحَادِ فِي بَيْعِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ مُحَرَّمٌ لِسَدِّ الذَّرَائِعِ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ لَا لِذَاتِهِ، وَهُوَ مِنَ الرِّبَا الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُكَفِّرَ مُنْكِرَ حُرْمَتِهِ وَنَحْكُمَ بِفَسْخِ نِكَاحِهِ وَنُحَرِّمَ دَفْنَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِيَتَأَمَّلِ الَّذِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ فِي الْقُرْآنِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِقْدَارَ الْحَرَجِ إِذَا حَكَمُوا بِأَنَّ كُلَّ مَنِ اشْتَرَى حِلْيَةً مِنَ الذَّهَبِ بِنَقْدٍ مِنْهُ وَحِلْيَةً مِنَ الْفِضَّةِ بِنَقْدٍ مِنْهَا، وَكَانَ النَّقْدُ غَيْرَ مُسَاوٍ لِلْحُلِيِّ فِي الْوَزْنِ أَوْ أَجْمَلَ شَيْئًا مِنْ ثَمَنِهِ فَهُوَ كَافِرٌ إِنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، وَمُرْتَكِبٌ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ إِنْ كَانَ فَعَلَهُ مَعَ اعْتِقَادِ حُرْمَتِهِ.
وَلَوْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْصُوصِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ لَمَا وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الرِّبَا. وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْحِلْيَةِ فَقَدْ أَوْضَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْحُجَّةَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا بِجِنْسِهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْوَزْنِ. وَمِمَّا قَالَ فِي ذَلِكَ: إِنَّ رِبَا الْفَضْلِ إِنَّمَا حَرَّمَهُ اللهُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ لَا لِذَاتِهِ وَمَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ (رَاجِعْ ص 203 مِنَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ) .
وَمِمَّنْ جَوَّزُوا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ رِبَا الْفَضْلِ مُطْلَقًا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَلَكِنْ رَوَوْا
عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَاخْتُلِفَ فِي رُجُوعِهِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَوْ كَانَ رِبَا الْفَضْلِ كَرِبَا النَّسِيئَةِ لَمْ يَقَعْ هَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ.
وَالْغَرَضُ مِمَّا تَقَدَّمَ كُلِّهِ أَنْ نَفْهَمَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مَا حَرَّمَ الْقُرْآنُ مِنَ الرِّبَا وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِأَشَدِّ الْوَعِيدِ وَأَنْ نَفْهَمَ حِكْمَتَهُ وَانْطِبَاقَهُ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبَشَرِ وَمُوَافَقَتَهُ لِرَحْمَةِ اللهِ - تَعَالَى - بِهِمْ،
وَكَوْنَهُ لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي رِوَايَاتِ الْآحَادِ وَمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَلَيْسَ التَّفْسِيرُ بِمَوْضِعٍ لِبَيَانِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ وَكَلَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقِيَمِ نُتَفٌ تُشْعِرُ بِحِكْمَةِ بَعْضِهِ وَلْيُطْلَبْ تَعْلِيلُ بَاقِيهِ مِنْ كَلَامِ الْأَخِيرَيْنِ مَنْ شَاءَ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا
فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رحمه الله تَعَالَى - فِي وُجُوهِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَمَا قَبْلَهُمَا صَفْوَةَ مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مُوَضِّحًا وَنَذْكُرُ صَفْوَةَ مَا قَالَهُ كَذَلِكَ: الْكَلَامُ فِي الْأَمْوَالِ بَدَأَ بِالتَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَاتِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَذَلِكَ مَحْضُ الرَّحْمَةِ، وَثَنَّى بِالنَّهْيِ عَنِ الرِّبَا الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْقَسَاوَةِ ثُمَّ جَاءَ بِأَحْكَامِ الدِّينِ وَالتِّجَارَةِ وَالرَّهْنِ أَقُولُ: وَهِيَ مَحْضُ الْعَدَالَةِ فَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِبَذْلِ الْمَالِ حَيْثُ يَنْبَغِي الْبَذْلُ وَهُوَ الصَّدَقَةُ وَالْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِهِ، وَبِتَرْكِهِ حَيْثُ يَنْبَغِي التَّرْكُ وَهُوَ الرِّبَا، وَبِتَأْخِيرِهِ حَيْثُ يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ وَهُوَ إِنْظَارُ الْمُعْسِرِ، وَبِحِفْظِهِ حَيْثُ يَنْبَغِي الْحِفْظُ وَهُوَ كِتَابَةُ الدَّيْنِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ وَأَخْذِ الرَّهْنِ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرِ الِاسْتِيثَاقُ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ، ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ يَضِيعُ مَالُهُ بِإِهْمَالِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مَحْمُودًا عِنْدَ النَّاسِ وَلَا مَأْجُورًا عِنْدَ اللهِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ عَلَيْهِ الرِّضْوَانَ فِي الْمَغْبُونِ بِالْبَيْعِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَلَمَّا كَانَتْ سُلْطَةُ صَاحِبِ الرِّبَا قَدْ زَالَتْ بِتَحْرِيمِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا رَأْسُ الْمَالِ وَقَدْ أُمِرَ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ فِيهِ، وَكَانَ لَا بُدَّ لِحِفْظِهِ مِنْ كِتَابَتِهِ إِذْ رُبَّمَا يَخْشَى ضَيَاعَهُ بِالْإِنْظَارِ إِلَى الْأَجَلِ، جَاءَ بَعْدَ أَحْكَامِ الرِّبَا بِأَحْكَامِ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ، وَيَقُولُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ - وَلَهُ الْحَقُّ -: إِنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْآيَاتِ طَلَبُ الْإِنْفَاقِ وَالتَّصَدُّقِ ثُمَّ حُكْمُ الرِّبَا الَّذِي يُنَاقِضُ الصَّدَقَةَ ثُمَّ جَاءَ هُنَا بِمَا يَحْفَظُ الْمَالَ الْحَلَالَ، لِأَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ وَالصَّدَقَةِ، وَبِتَرْكِ الرِّبَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَسْبٍ يُنَمِّي مَالَهُ وَيَحْفَظُهُ مِنَ الضَّيَاعِ لِيَتَسَنَّى لَهُ الْقِيَامُ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا يُضْطَرُّ بِالْفَاقَةِ إِلَى الْوُقُوعِ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَالَ لَيْسَ مَذْمُومًا لِذَاتِهِ فِي دِينِ اللهِ، وَلَا مُبْغَضًا عِنْدَهُ - تَعَالَى - عَلَى الْإِطْلَاقِ ; كَيْفَ وَقَدْ شَرَعَ لَنَا الْكَسْبَ الْحَلَالَ، وَهَدَانَا إِلَى حِفْظِ الْمَالِ وَعَدَمِ تَضْيِيعِهِ، وَإِلَى اخْتِيَارِ الطُّرُقِ النَّافِعَةِ فِي إِنْفَاقِهِ بِأَنْ نَسْتَعْمِلَ عُقُولَنَا فِي تَعَرُّفِهَا، وَنُوَجِّهَ إِرَادَتَنَا إِلَى الْعَمَلِ بِخَيْرِ مَا نَعْرِفُهُ مِنْهَا، فَفِي آيَةِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ - احْتِرَاسٌ أَوِ اسْتِدْرَاكٌ مُزِيلٌ
مَا عَسَاهُ يُتَوَهَّمُ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالتَّشْدِيدِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الْمَالِ وَحِفْظَهُ مَذْمُومٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِ بَعْضِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّا لَا نَأْمُرُكُمْ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَإِهْمَالِهِ، وَلَا بِتَرْكِ اسْتِثْمَارِهِ وَاسْتِغْلَالِهِ، إِنَّمَا نَأْمُرُكُمْ بِأَنْ تَكْسِبُوهُ مِنْ طُرُقِ الْحِلِّ، وَتُنْفِقُوا مِنْهُ فِي طُرُقِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ، أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا [8:4] ، أَيْ تَقُومُ وَتَثْبُتُ بِهَا مَنَافِعُكُمْ وَمَصَالِحُكُمْ. وَحَدِيثُ نِعِمَّا الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا الْمَذْمُومُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَبْدًا لِلْمَالِ، يَبْخَلُ بِهِ وَيَجْمَعُهُ مِنَ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ الْحَدِيثَ، وَلَوْلَا أَنَّ إِزَالَةَ هَذَا الْوَهْمِ مَقْصُودَةٌ لَمَا جَاءَتْ آيَةُ الدَّيْنِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ
وَالتَّأْكِيدِ فِي كِتَابَةِ الدَّيْنِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ مَعَ مَا يُعْهَدُ فِي أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ مِنَ الْإِيجَازِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ، وَقَدْ عَدَّ الْقَفَّالُ هَذِهِ التَّأْكِيدَاتِ فِي الْآيَةِ فَبَلَغَتْ تِسْعَةً. أَقُولُ: وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَمْرًا وَنَهْيًا.
وَذَكَرَ الرَّازِيُّ وَجْهًا آخَرَ لِلِاتِّصَالِ فِي النَّظْمِ عَزَاهُ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ " قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُدَايَنَةِ السَّلَمُ، فَاللهُ سبحانه وتعالى لَمَّا مَنَعَ الرِّبَا فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَذِنَ فِي السَّلَمِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَنَافِعِ الْمَطْلُوبَةِ مِنَ الرِّبَا حَاصِلَةٌ فِي السَّلَمِ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا لَذَّةَ وَلَا مَنْفَعَةَ يُوصَلُ إِلَيْهَا بِالطَّرِيقِ الْحَرَامِ إِلَّا وَضَعَ اللهُ سبحانه وتعالى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ تِلْكَ اللَّذَّةِ طَرِيقًا حَلَالًا وَسَبِيلًا مَشْرُوعًا ". اهـ. وَأَقُولُ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرِّبَا الْقَطْعِيِّ الْمُحَرَّمِ فِي الْقُرْآنِ وَبَيْنَ السَّلَمِ أَنَّ الرِّبْحَ فِي السَّلَمِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً كَرِبَا النَّسِيئَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا مَعَ إِبَاحَةِ السَّلَمِ فَائِدَةٌ، إِذْ لَيْسَ فِي أُمُورِ الْمَكَاسِبِ وَالْمَعَايِشِ تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ، وَإِذْ قَدْ فَهِمْتَ وَجْهَ اتِّصَالِ الْآيَتَيْنِ بِمَا قَبْلَهُمَا فَهَاكَ تَفْسِيرَهُمَا وَفِيهِمَا عِدَّةُ أَحْكَامٍ:
[1]
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ تَدَايَنْتُمْ: دَايَنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَهُوَ يَأْتِي بِمَعْنَى تَعَامَلْتُمْ بِالدَّيْنِ وَبِمَعْنَى تَجَازَيْتُمْ، وَلَمَّا قَالَ بِدَيْنٍ؛
تَعَيَّنَ الْمَعْنَى بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ: الْمَالُ الَّذِي يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ، لَا الْمَصْدَرُ. وَقَدْ حَمَلَ الْمُدَايَنَةَ بَعْضُهُمْ عَلَى السَّلَفِ (السَّلَمِ) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:" أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَنَّ اللهَ قَدْ أَحَلَّهُ " وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْقَرْضِ وَضَعَّفَهُ الرَّازِيُّ بِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ الْأَجَلُ، وَمَا فِي الْآيَةِ قَدِ اشْتُرِطَ فِيهِ الْأَجَلُ. وَقَوْلُهُ هَذَا هُوَ الضَّعِيفُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ الدَّيْنَ عَامٌّ يَشْمَلُ الْقَرْضَ وَالسَّلَمَ وَبَيْعَ الْأَعْيَانِ إِلَى أَجَلٍ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْأَجَلُ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ لِإِنْهَاءِ شَيْءٍ وَالْمُسَمَّى الْمُعَيَّنُ بِالتَّسْمِيَةِ كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ مَثَلًا. بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ إِجْمَالًا بَيَّنَ كَيْفِيَّتَهَا وَمَنْ يَتَوَلَّاهَا فَقَالَ:
[2]
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ أَيْ لِيَكُنْ فِيكُمْ كَاتِبٌ لِلدُّيُونِ عَادِلٌ فِي كِتَابَتِهِ يُسَاوِي بَيْنَ الْمُتَعَامِلَيْنِ لَا يَمِيلُ إِلَى أَحَدِهِمَا فَيَجْعَلُ لَهُ مِنَ الْحَقِّ مَا لَيْسَ لَهُ وَلَا يَمِيلُ عَنِ الْآخَرِ فَيَبْخَسُهُ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: فَاكْتُبُوهُ أَمْرٌ عَامٌّ لِلْمُتَعَامِلِينَ، وَفِيهِمُ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَا يَكْتُبُ وَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ; وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْعَدْلَ فِي الْكَاتِبِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِشُرُوطِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَحْفَظُ الْحُقُوقَ ; لِأَنَّ الْكَاتِبَ الْجَاهِلَ قَدْ يَتْرُكُ بَعْضَ الشُّرُوطِ أَوْ يَزِيدُ فِيهَا أَوْ يُبْهِمُ فِي الْكِتَابَةِ بِجَهْلِهِ فَيَلْتَبِسُ بِذَلِكَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَيَضِيعُ حَقُّ أَحَدِ الْمُتَعَامِلِينَ، كَمَا يَضِيعُ بِتَعَمُّدِ التَّرْكِ أَوِ الزِّيَادَةِ أَوِ الْإِبْهَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَادِلًا، وَافَقَهُمُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ. أَقُولُ: وَقَدْ يُغْنِي عَنْ أَخْذِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ - قَوْلُهُ:
-[3] وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَإِنَّ تَعْلِيمَ اللهِ إِيَّاهُ لَيْسَ خَاصًّا بِصِنَاعَةِ الْكِتَابَةِ، بَلْ هُوَ يَعُمُّ مَا وَفَّقَهُ لَهُ مِنْ عِلْمِ الْأَحْكَامِ وَالْفِقَهِ فِيهَا فَالْكِتَابَةُ لَا تَكُونُ ضَمَانًا تَامًّا إِلَّا إِذَا كَانَ الْكَاتِبُ عَالِمًا بِمَا يَجِبُ عِلْمُهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالشُّرُوطِ الْمَرْعِيَّةِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْعُرْفِيَّةِ، وَكَانَ عَادِلًا مُسْتَقِيمًا لَا غَرَضَ لَهُ إِلَّا بَيَانُ الْحَقِّ، كَمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ وَلَا مُرَاعَاةٍ. وَإِنَّمَا قَدَّمَ صِفَةَ الْعَدَالَةِ عَلَى صِفَةِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ عَدْلًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَنْبَغِي لِكِتَابَةِ الْوَثَائِقِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تَهْدِيهِ إِلَى ذَلِكَ. وَمَنْ كَانَ عَالِمًا غَيْرَ عَدْلٍ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ لَا يَهْدِيهِ إِلَى الْعَدَالَةِ. قَلَّمَا يَقَعُ فَسَادٌ مِنْ عَدْلٍ نَاقِصِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا أَكْثَرُ الْفَسَادِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْفَاقِدِينَ لِمَلِكَةِ الْعَدَالَةِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ كَاتِبَ الْعُقُودِ وَالْوَثَائِقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْكَمَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَخُطُّ بِالْقَلَمِ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَاضِيَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ. وَقَالَ: إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي وَصْفِ الْكَاتِبِ إِرْشَادٌ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - لِتِلْكَ الْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ إِلَى نِظَامٍ مَعْرُوفٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَاتِبُ الدُّيُونِ عَادِلًا عَارِفًا بِالْحُقُوقِ وَالْأَحْكَامِ فِيهَا حَتَّى لَا يَقَعَ التَّنَازُعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَكْتُبُهُ، وَإِرْشَادٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ يَكُونَ فِيهِمْ هَذَا الصِّنْفُ مِنَ الْكُتَّابِ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِإِيجَادِ الْمُقْتَدِرِينَ عَلَى كِتَابَةِ الْعُقُودِ، وَهُوَ مَا يُسَمُّونَهُ الْيَوْمَ: الْعُقُودَ الرَّسْمِيَّةَ، وَيَتَحَتَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَاجِبَةٌ. قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْكَاتِبَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَإِنْ كَانَا يُحْسِنَانِ الْكِتَابَةَ - لِئَلَّا يُغَالِطَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ يَغُشَّهُ وَكَأَنَّ هَذَا أَمْرٌ حَتْمٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْآنَ، فَإِنَّ لِلْعُقُودِ الرَّسْمِيَّةِ كُتَّابًا يَخْتَصُّونَ بِهَا. أَقُولُ: وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ إِلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ النَّاسِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا دُعِيَ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْإِبَاءِ عَنِ الْكِتَابَةِ، بَلْ أَمَرَ بِهَا أَمْرًا صَرِيحًا فَقَالَ: فَلْيَكْتُبْ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مَنْ أَهْلِ الْأُصُولُ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِضِدِّهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ غَرِيبٌ فِي نَظَرِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ أَوَّلًا.
[4]
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، أَيْ وَلْيُلْقِ عَلَى الْكَاتِبِ مَا يَكْتُبُهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنَ الْمُتَعَامِلَيْنِ، لِيَكُونَ إِمْلَالُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ تُبَيِّنُهَا الْكِتَابَةُ وَتَحْفَظُهَا. وَالْإِمْلَالُ وَالْإِمْلَاءُ وَاحِدٌ، يُقَالُ: أَمَلَّ عَلَى الْكَاتِبِ وَأَمْلَى عَلَيْهِ إِذَا أَلْقَى عَلَيْهِ مَا يَكْتُبُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ اللَّامُ. وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ فِي إِمْلَالِهِ بِأَنْ يُبَيِّنَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ كَامِلًا وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا، أَيْ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا مَا، وَإِنْ قَلَّ. أَمَرَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَقْوَى اللهِ فِي إِمْلَالِهِ عَلَى الْكَاتِبِ وَذَكَّرَهُ بِأَنَّ اللهَ رَبَّهُ الَّذِي غَذَّاهُ بِنِعَمِهِ وَسَخَّرَ لَهُ قَلْبَ الدَّائِنِ فَبَذَلَ لَهُ مَالَهُ لِيَحْمِلَهُ بِالتَّذْكِيرِ بِجَلَالِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّرْهِيبِ، وَبِجَمَالِ نِعَمِ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّرْغِيبِ عَلَى شُكْرِ اللهِ
بِالِاسْتِقَامَةِ،
وَشُكْرِ الدَّائِنِ بِالِاعْتِرَافِ بِحَقِّهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ نَهَاهُ بَعْدَ هَذَا الْأَمْرِ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ يَبْخَسَ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ عُرْضَهٌ لِلطَّمَعِ فَرُبَّمَا يَسْتَخِفُّهُ طَمَعُهُ إِلَى نَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ أَوِ الْإِبْهَامِ فِي الْإِقْرَارِ الَّذِي يُمْلِي عَلَى الْكَاتِبِ تَمْهِيدًا لِلْمُحَاوَلَةِ وَالْمُمَاطَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا التَّأْكِيدُ بِالنَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ لِمُقَاوَمَةِ هَذَا الْأَمْرِ.
[5]
فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ذِكْرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مُظْهَرًا فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِزِيَادَةِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ كَمَا قَالُوا، وَفَسَّرَ السَّفِيهَ بِضَعِيفِ الرَّأْيِ، أَيْ مَنْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ لِضَعْفِ عَقْلِهِ وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَاجِزُ الْأَحْمَقُ. وَقِيلَ: الْجَاهِلُ بِالْإِمْلَالِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: هُوَ الْمُبَذِّرُ لِمَالِهِ الْمُفْسِدُ لِدِينِهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَالضَّعِيفُ: الصَّبِيُّ وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ. وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِمْلَالَ: هُوَ الْجَاهِلُ وَالْأَلْكَنُ وَالْأَخْرَسُ. وَوَلِيُّ الْإِنْسَانِ مَنْ يَتَوَلَّى أُمُورَهُ وَيَقُومُ بِهَا عَنْهُ، وَقَدِ اكْتَفَى فِي أَمْرِ الْوَلِيِّ بِالْعَدْلِ كَالْكَاتِبِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ وَلَيُّهُ بِمِثْلِ مَا أُمِرَ وَنُهِيَ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ مَنْ يَبِيعُ دِينَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَبِيعُ دِينَهُ بِدُنْيَا نَفْسِهِ.
[6]
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ أَيِ اطْلُبُوا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلَانِ مِمَّنْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنْكُمْ أَوْ أَشْهِدُوهَا عَلَى ذَلِكَ، فَالشَّهِيدُ مَنْ شَهِدَ الشَّيْءَ وَحَضَرَهُ بِإِمْعَانٍ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَاسْتَشْهَدَهُ سَأَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ ; أَيْ أَنْ تَكُونَ شَاهِدًا بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَيُطْلَقُ الشَّهِيدُ عَلَى الْأَمِينِ فِي الشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَلَعَلَّ الْوَصْفَ مُنْتَزَعٌ مِنْ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَلَكِنْ حَمَلَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى الشَّهِيدِ اسْمًا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ مَعَ الصِّيغَةِ عَلَى أَنَّ وَصْفَ الْكَمَالِ مُعْتَبَرٌ فِيمَنْ يُسْتَشْهَدُ، كَمَا اعْتُبِرَ مِثْلُهُ فِي الْكَاتِبِ وَالْوَلِيِّ، وَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَعْنَى الشَّهِيدِ يَرُدُّ قَوْلَ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهِيدَيْنِ مَنْ سَيَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ بِذَلِكَ الْحَقِّ مِنْ بَابِ مَجَازِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ رِجَالِكُمْ وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَشْهِدُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ، وَكَوْنُ اسْتِشْهَادِ غَيْرِهِمْ لَيْسَ مَشْرُوعًا لَهُمْ أَوْ لَيْسَ جَائِزًا عَمَلًا
بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ لَا يُعَدُّ نَصًّا عَلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ إِذَا هُوَ شَهِدَ لَا تَصِحُّ أَوْ لَا تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ، وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى شُرُوطٍ فِي الشَّهَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْهَا: الْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ ; لِهَذِهِ الْآيَةِ وَلِقَوْلِهِ: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [65:2] وَجَعَلُوا قَوْلَهُ - تَعَالَى - فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ: اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [5:106] خَاصًّا بِمِثْلِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، وَلَا أَحْفَظُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ شَيْئًا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ حَقَّقَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الشَّرْعِ أَعَمُّ مِنَ الشَّهَادَةِ، فَكُلُّ مَا تَبَيَّنَ بِهِ الْحَقُّ بَيَّنَهُ، كَالْقَرَائِنِ الْقَطْعِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ شَهَادَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْبَيِّنَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاللُّغَةِ إِذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ بِهَا الْحَقُّ.
[7، 8] فَإِنْ لَمْ يَكُونَا أَيْ مَنْ تَسْتَشْهِدُونَهُمَا رَجُلَيْنِ وَجَعَلَ الْمُفَسِّرُونَ الضَّمِيرَ لِلشَّاهِدَيْنِ بِحَسَبِ الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يَسْتَشْهِدَانِ أَوْ فَلْيَسْتَشْهِدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَتَقْدِيرُنَا أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ الْجُمْهُورِ الْإِشْهَادَ، وَإِنَّمَا وَافَقُوا اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ وَاتَّبَعْنَا نَظْمَ الْقُرْآنِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ قَالُوا: أَيْ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُمْ وَعَدَالَتَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ الرَّجُلُ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ بِهَذَا الْوَصْفِ لِضَعْفِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَقِلَّةِ ثِقَةِ النَّاسِ بِهَا ; وَلِذَلِكَ وَكَّلَ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى رِضَا الْمُسْتَشْهِدِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ جَعْلِ الْمَرْأَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ بِقَوْلِهِ عز وجل: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى أَيْ حَذَّرَ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا أَيْ تُخْطِئُ لِعَدَمِ ضَبْطِهَا وَقِلَّةِ عِنَايَتِهَا فَتُذَكِّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْأُخْرَى بِمَا كَانَ، فَتَكُونُ شَهَادَتُهَا مُتَمِّمَةً لِشَهَادَتِهَا ; أَيْ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ وَالضَّلَالِ، أَيِ الضَّيَاعِ وَعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ إِلَى مَا كَانَ وَقَعَ بِالضَّبْطِ فَاحْتِيجَ إِلَى إِقَامَةِ الثِّنَتَيْنِ مَقَامَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُمَا بِتَذْكِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْأُخْرَى تَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ، وَلِهَذَا أَعَادَ لَفْظَ (إِحْدَاهُمَا) مُظْهَرًا وَلَيْسَ الْمَعْنَى لِئَلَّا تَنْسَى وَاحِدَةً فَتُذِكِّرَهَا الثَّانِيَةُ، كَمَا فَهِمَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَغْرِبِيُّ) مَعْنَاهُ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ عَنْ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ فَتُذَكِّرَهَا بِهَا الْمَرْأَةُ الْأُخْرَى، فَجَعَلَ إِحْدَى الْأُولَى لِلشَّهَادَةِ وَالثَّانِيَةَ لِلْمَرْأَةِ، وَأَيَّدَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأَنَّ نِسْيَانَ الشَّهَادَةِ لَا يُسَمَّى ضَلَالًا؛ لِأَنَّ الضَّلَالَ مَعْنَاهُ الضَّيَاعُ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَضِيعُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الضَّلَالِ وَالنِّسْيَانِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ضَلُّوا عَنَّا
[40: 74] وَمِثْلُهُ: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [20: 52] وَكَأَنَّ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ أَقَرَّهُ عِنْدَ مَا ذَكَرَهُ. وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِمَا فِي مَنِ التَّفْكِيكِ، وَبِأَنَّ تَفْسِيرَ الضَّلَالِ بِالنِّسْيَانِ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ لُغَةً. أَقُولُ: وَمَا ذَكَرْتُهُ يُغْنِي عَنْ هَذَا. وَذَكَرَ الْأَلُوسِيُّ فِي وَجْهِ الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ: (فَتُذَكِّرَهَا) إِلَى قَوْلِهِ: فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى أَنَّهُ رَأَى فِي طِرَازِ الْمَجَالِسِ أَنَّ الْخَفَاجِيَّ سَأَلَ قَاضِيَ للْقُضَاةِ شِهَابَ الدِّينِ الْغَزْنَوِيَّ عَنْ سِرِّ تَكْرَارِ (إِحْدَى) مُعَرِّضًا بِمَا ذَكَرَهُ الْمَغْرِبِيُّ فَقَالَ:
يَا رَأْسَ أَهْلِ الْعُلُومِ السَّادَةِ الْبَرَرَهْ
…
وَمَنْ نَدَاهُ عَلَى كُلِّ الْوَرَى نَشَرَهْ
مَا سِرُّ تَكْرَارِ (إِحْدَى) دُونَ (تُذَكِّرَهَا)
…
فِي آيَةٍ لَذَوِي الْإِشْهَادِ فِي الْبَقَرَهْ
وَظَاهِرُ الْحَالِ إِيجَازُ الضَّمِيرِ عَلَى
…
تَكْرَارِ (إِحْدَاهُمَا) لَوْ أَنَّهُ ذَكَرَهْ
وَحَمْلُ الِاحْدَى عَلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ فِي
…
أُولَاهُمَا لَيْسَ مَرْضِيًّا لَدَى الْمَهَرَهْ
فَغُصْ بِفِكْرِكَ لِاسْتِخْرَاجِ جَوْهَرَةٍ
…
مِنْ بَحْرِ عِلْمِكَ ثُمَّ ابْعَثْ لَنَا دُرَرَهْ
فَأَجَابَ الْقَاضِي
يَا مَنْ فَوَائِدُهُ بِالْعِلْمِ مُنْتَشِرَهْ
…
وَمَنْ فَضَائِلُهُ بِالْكَوْنِ مُشْتَهِرَهْ
يَا مَنْ تَفَرَّدَ فِي كَشْفِ الْعُلُومِ
…
لَقَدْ وَافَى سُؤَالُكَ وَالْأَسْرَارُ مُسْتَتِرَهْ
"
تَضِلُّ إِحْدَاهُمَا " فَالْقَوْلُ مُحْتَمِلٌ
…
كِلَيْهِمَا فَهْيَ لِلْإِظْهَارِ مُفْتَقِرَهْ
وَلَوْ أَتَى بِضَمِيرٍ كَانَ مُقْتَضِيًا
…
تَعْيِينَ وَاحِدَةٍ لِلْحُكْمِ مُعْتَبَرَهْ
وَمَنْ رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ الْحَلَّ فَهْوَ كَمَا أَشَرْتُمُ
…
لَيْسَ مَرْضِيًّا لِمَنْ سَبَرَهْ
هَذَا الَّذِي سَمَحَ الذِّهْنُ الْكَلِيلُ بِهِ
…
وَاللهُ أَعْلَمُ فِي الْفَحْوَى بِمَا ذَكَرَهْ
وَقَدْ عَلَّلَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ النِّسَاءِ عُرْضَةً لِلضَّلَالِ أَوِ النِّسْيَانِ بِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِكَثْرَةِ الرُّطُوبَةِ فِي أَمْزِجَتِهِنَّ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: تَكَلَّمَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا وَجَعَلُوا سَبَبَهُ الْمِزَاجَ، فَقَالُوا: إِنَّ مِزَاجَ الْمَرْأَةِ يَعْتَرِيهِ الْبَرْدُ فَيَتْبَعُهُ النِّسْيَانُ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٌ، وَالسَّبَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا الِاشْتِغَالُ بِالْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ، فَلِذَلِكَ تَكُونُ ذَاكِرَتُهَا فِيهَا ضَعِيفَةً وَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْمَنْزِلِيَّةِ الَّتِي هِيَ شُغْلُهَا، فَإِنَّهَا فِيهَا أَقْوَى ذَاكِرَةً مِنَ الرَّجُلِ، يَعْنِي أَنَّ مِنْ طَبْعِ الْبَشَرِ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا أَنْ يَقْوَى تَذْكُّرُهُمْ لِلْأُمُورِ الَّتِي
تَهُمُّهُمْ وَيَكْثُرُ اشْتِغَالُهُمْ بِهَا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ اشْتِغَالُ بَعْضِ نِسَاءِ الْأَجَانِبِ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِالْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ فَإِنَّهُ قَلِيلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْأَحْكَامُ الْعَامَّةُ إِنَّمَا تُنَاطُ بِالْأَكْثَرِ فِي الْأَشْيَاءِ وَبِالْأَصْلِ فِيهَا.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - جَعَلَ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ شَهَادَةً وَاحِدَةً، فَإِذَا تَرَكَتْ إِحْدَاهُمَا شَيْئًا مِنَ الشَّهَادَةِ، كَأَنْ نَسِيَتْهُ أَوْ ضَلَّ عَنْهَا تُذَكِّرُهَا الْأُخْرَى وَتُتِمُّ شَهَادَتَهَا، وَلِلْقَاضِي بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ إِحْدَاهُمَا بِحُضُورِ الْأُخْرَى وَيَعْتَدَّ بِجُزْءِ الشَّهَادَةِ مِنْ إِحْدَاهُمَا وَبِبَاقِيهَا مِنَ الْأُخْرَى، قَالَ: هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ وَإِنْ كَانَ الْقُضَاةُ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ جَهْلًا مِنْهُمْ، وَأَمَّا الرِّجَالُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَامِلَهُمْ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ قَصَّرَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ نَسِيَ فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُذَكِّرَهُ، وَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةً، يَعْنِي إِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا يُبَيِّنُ الْحَقَّ فَكَانَتْ شَهَادَتُهُ وَحْدَهُ غَيْرَ كَافِيَةٍ لِبَيَانِهِ فَإِنَّهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا وَلَا بِشَهَادَةِ الْآخَرِ وَحْدَهَا وَإِنْ بَيَّنَتْ.
[9]
وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا إِلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْبَيْعِ أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْقَوْمِ الْكَثِيرِ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الشَّهَادَةِ فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، فَالشُّهَدَاءُ عَلَى هَذَا مَجَازٌ وَرُبَّمَا قَوَّاهُ مَا يَأْتِي مِنَ النَّهْيِ عَنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ أَوْ إِلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالْإِطْلَاقِ الشَّامِلِ لِلتَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، وَعَزَاهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ إِلَى الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ، وَظَاهِرُ النَّهْيِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً مُحَرَّمٌ، وَأَنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ يَقُومُ بِهِ.
[10]
وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ أَيْ لَا تَمَلُّوا أَوْ تَضْجَرُوا أَوْ لَا تَكْسَلُوا مِنْ كِتَابَةِ الدَّيْنِ أَوِ الْحَقِّ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا مُبَيَّنًا ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلِهِ الْمُسَمَّى. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ يُعْمَلُ بِهَا، وَأَنَّهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي
تُعْتَبَرُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ شَرْطِهَا، أَقُولُ: وَهُوَ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ ذِكْرُ الصَّغِيرِ الَّذِي يَتَهَاوَنُ فِيهِ النَّاسُ لِعَدَمِ مُبَالَاتِهِمْ بِضَيَاعِهِ، وَمَنْ لَا يَحْرِصُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْقَلِيلِ أَنْ يَضِيعَ فَقَلَّمَا يُتْقِنُ حِفْظَ الْكَبِيرِ وَالْكَثِيرِ، فَفِي الْآيَةِ إِرْشَادٌ إِلَى عَدَمِ التَّهَاوُنِ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُقُوقِ أَنْ يَذْهَبَ
سُدًى، وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الِاقْتِصَادِ، وَالْعَمَلُ بِهَا آيَةُ الْكِيَاسَةِ وَالْعَقْلِ، وَكَمْ مِنْ حَرِيصٍ عَلَى الدِّرْهَمِ وَالدَّانَقِ يَجُودُ بِالدَّنَانِيرِ وَالْبَدْرِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْإِشَارَةُ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَحْكَامِ لَا الْوَاحِدِ مِنْهَا وَتِلْكَ سُنَّةُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ حِكْمَةِ الْحُكْمِ، وَعِلَّةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَعْدَ ذِكْرِهِمَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْإِشَارَةَ لِلْإِشْهَادِ وَقِيلَ: لِلْكِتَابِ ; أَيِ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ فِي الذِّكْرِ، وَعَزَاهُ الْأُسْتَاذُ إِلَى الْجُمْهُورِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ الْعَمَلِ بِالْكِتَابَةِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَقْسَطَ عِنْدَ اللهِ أَنَّهُ أَعْدَلُ فِي حُكْمِهِ، أَيْ أَحْرَى بِإِقَامَةِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْعَامِلِينَ. وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَقْوَمَ لِلشَّهَادَةِ أَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى إِقَامَتِهَا عَلَى وَجْهِهَا، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَطْلُبَ وَثِيقَةَ الْعَقْدِ الْمَكْتُوبِ لِيَتَذَكَّرَ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ كَوْنَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَقُومَ لِلشَّهَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكِتَابَةُ الَّتِي تُعِينُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَتَكُونُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْكِتَابَةِ حَتْمًا وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّهَادَةِ مِمَّا يُعِينُ عَلَى إِقَامَتِهَا عَلَى وَجْهِهَا أَيْضًا، وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمْلَاءِ، فَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا مَعْنَاهُ وَأَقْرَبُ إِلَى انْتِفَاءِ ارْتِيَابِ بَعْضِكُمْ بِبَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِيَاطَ فِي كِتَابَةِ الْحُقُوقِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا وَتَقْوَى اللهِ وَالْعَدْلِ مِنَ الْمُتَعَامِلِينَ وَالْكُتَّابِ وَالشُّهَدَاءِ يَمْنَعُ كُلَّ رِيبَةٍ وَكُلَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِارْتِيَابِ مِنَ الْمَفَاسِدِ وَالْعَدَاوَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْمُرَادُ انْتِفَاءُ الرَّيْبِ فِي الشَّهَادَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي جِنْسِ الدَّيْنِ وَقَدْرِهِ وَأَجَلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مَا تَبَادَرَ إِلَى فَهْمِنَا، وَلَعَلَّهُ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللهُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَذِهِ مَزِيَّةٌ ثَالِثَةٌ لِلْكِتَابَةِ تُؤَكِّدُ الْقَوْلَ بِالْأَخْذِ بِهَا وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا وَجَعْلِهَا مُذَكِّرَةً لِلشُّهُودِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهَا إِذَا اسْتَوْفَيَتْ شُرُوطَهَا.
[11]
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا قَرَأَ عَاصِمٌ تِجَارَةً بِالنَّصْبِ وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَالْإِعْرَابُ ظَاهِرٌ عَلَى الْحَالَيْنِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْكِتَابَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ: الْإِشْهَادُ، وَقِيلَ هُمَا. وَالْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ وَاجِبٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ تِجَارَةً حَاضِرَةً، أَوْ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ تِجَارَةٌ
حَاضِرَةٌ تُدَارُ بَيْنَ الْمُتَعَامِلِينَ بِالتَّعَاطِي بِأَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوِ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، فَلَا حَرَجَ فِي تَرْكِ كِتَابَتِهَا وَلَا إِثْمَ ; إِذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الِارْتِيَابِ الَّذِي يَجُرُّ إِلَى التَّنَازُعِ وَالتَّخَاصُمِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ
أَقُولُ: وَفِي نَفْيِ الْجُنَاحِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كِتَابَةَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَهُوَ إِرْشَادٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ ضَبْطِ الْإِنْسَانِ لِمَالِهِ وَإِحْصَائِهِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِنَ الْكَمَالِ الْمَدَنِيِّ وَمِنْ أَسْبَابِ ارْتِقَاءِ أُمُورِ الْكَسْبِ وَلَمْ يَجْعَلْ هَذَا حَتْمًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَقِينَ فِي الْمَدَنِيَّةِ، وَالتَّرْخِيصُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ كِتَابَةِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
[12]
وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ قِيلَ: مَعْنَاهُ هَذَا التَّبَايُعُ الْمَذْكُورُ هُنَا وَهُوَ التِّجَارَةُ الْحَاضِرَةُ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا. وَاخْتَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ الْأَوَّلَ، قَالَ: لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْكَالِئِ يَسْتَلْزِمُ الدَّيْنَ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِكِتَابَتِهِ وَالِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَالْإِشْهَادُ لَازِمٌ لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الْمُجَاحِدِينَ فِي بَعْضِ الْعُقُودِ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ مِنَ التَّنَازُعِ وَالْخِلَافِ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ مِنْ شَأْنِ هَذِهِ الْمُجَاحَدَةِ أَنْ تَحْصُلَ عَنْ قَرِيبٍ، وَلِذَلِكَ اكْتَفَى بِالْإِشْهَادِ لِتَلَافِي مَا عَسَاهُ يَقَعُ مِنْهَا، وَأَمَّا الدُّيُونُ الْمُؤَجَّلَةُ فَرُبَّمَا يَقَعُ التَّنَازُعُ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يَطُولُ زَمَنُهَا لَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ الْأَجَلُ بَعِيدًا؛ فَلِهَذَا وَجَبَتْ كِتَابَتُهَا وَشُرِعَ الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهَا بِالْكِتَابَةِ.
[13]
وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ لَفْظُ " يُضَارَّ " يَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَدْ قَرَءُوا بِفَكِّ الْإِدْغَامِ. فَعُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى الثَّانِي. وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ تَفْسِيرًا لَا قِرَاءَةً، وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ نَهْيُ الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ أَنْ يَضُرَّا أَحَدَ الْمُتَعَامِلِينَ بِعَدَمِ الْإِجَابَةِ أَوْ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعْنَى الثَّانِي نَهْيُ الْمُتَعَامِلِينَ عَنْ ضَرِّ الْكَاتِبِ أَوِ الشَّهِيدِ بِأَنْ يُدْعَيَا إِلَى ذَلِكَ وَهُمَا مَشْغُولَانِ بِمُهِمٍّ لَهُمَا فَيُكَلَّفَانِ تَرْكَهُ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجِيءُ الْكَاتِبَ فَيَقُولُ:" اكْتُبْ لِي " فَيَعْتَذِرُ بِعُذْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُقَالُ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ أَنْ تَكْتُبَ فَيُلْزَمُ بِذَلِكَ وَيُضَارُّ فَنَزَلَتْ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَصْلُحُ سَبَبًا إِلَّا إِذَا كَانَ نُزُولُ هَذَا النَّهْيِ مُتَرَاخِيًا عَنْ نُزُولِ الْأَمْرِ بِالْكِتَابَةِ وَهُمَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ نَزَلَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً. وَأَقْوَى مِنْهَا فِي تَأْيِيدِهِ: مَا قَدِ اشْتَرَطَ فِي
الْكَاتِبِ وَالشُّهَدَاءِ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَضَارَّةِ، فَبَقِيَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُتَعَامِلُونَ بِعَدَمِ مَضَارَّةِ الْكُتَّابِ وَالشُّهَدَاءِ بِإِلْزَامِهِمْ بِتَرْكِ مَنَافِعِهِمْ لِأَجْلِ الْكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ بِتَحْمِيلِهِمُ الْمَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ بِلَا عِوَضٍ، فَالْمُتَبَادِرُ مِنَ النَّهْيِ أَنَّهُ عَنْ مَضَارَّةِ الْمُتَعَامِلِينَ لِلْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ. وَإِذَا قِيلَ بِأَنَّهَا تُرْشِدُ إِلَى إِعْطَائِهِمَا أُجْرَةً مَا يَحْمِلَانِ مِنَ الْكُلْفَةِ لَمْ يَكُنْ بِبَعِيدٍ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ وَاللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِـ " يُضَارَّ " الْبِنَاءُ لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ، وَاسْتُعْمِلَ " يُضَارَّ " الدَّالُّ عَلَى الْمُشَارَكَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ ضُرَّ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ ضُرٌّ لِنَفْسِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ وَإِنْ تَفْعَلُوا مَا نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنْ إِضْرَارِ الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، أَيْ فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ خُرُوجٌ بِكُمْ عَنْ حُدُودِ طَاعَةِ اللهِ
-
تَعَالَى - إِلَى مَعْصِيَتِهِ وَأُشِيرَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ) إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الْفِسْقُ لَا يَكَادُ يَقَعُ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِيمَانِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ.
ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِالْمَوْعِظَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تُعِينُ النَّفْسَ عَلَى الِامْتِثَالِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل: وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أَيِ اتَّقَوُا اللهَ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، وَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ مَا فِيهِ قِيَامُ مَصَالِحِكُمْ وَحِفْظُ أَمْوَالِكُمْ وَتَقْوِيَةُ رَابِطَتِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَوْلَا هِدَايَتُهُ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا شَرَعَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَشْرَعُهُ عَنْ عِلْمٍ مُحِيطٍ بِأَسْبَابِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ لِمَنِ اتَّبَعَ شَرْعَهُ، وَكُرِّرَ لَفْظُ الْجَلَالَةِ لِكَمَالِ التَّذْكِيرِ وَقُوَّةِ التَّأْثِيرِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: كُرِّرَ لَفْظُ اللهِ فِي الْجُمَلِ الثَّلَاثِ لِاسْتِقْلَالِهَا، فَإِنَّ الْأُولَى حَثٌّ عَلَى التَّقْوَى، وَالثَّانِيَةُ وَعْدٌ بِإِنْعَامِهِ، وَالثَّالِثَةُ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ وَلِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِي التَّعْظِيمِ مِنَ الْكِنَايَةِ. وَهَذَا مَبْنَيٌّ عَلَى أَنِ الثَّانِيَةَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَقِيلَ: هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: اشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ فِي مَعْنَى هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ أَنَّ التَّقْوَى تَكُونُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ سُلُوكَ طَرِيقَتِهِمْ وَمَا يَأْتُونَهُ فِيهَا مِنَ الرِّيَاضَةِ وَتِلَاوَةِ الْأَوْرَادِ وَالْأَحْزَابِ تُثْمِرُ لَهُمُ الْعُلُومَ الْآلِهِيَّةَ وَعِلْمَ النَّفْسِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ بِدُونِ تَعَلُّمٍ. وَهَذَا الزَّعْمُ فَتَحَ لِلْجَاهِلِينَ
الَّذِينَ يَلْبَسُونَ لِبَاسَ الصَّلَاحِ دَعْوَى الْعِلْمِ بِاللهِ وَفَهْمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَمَعْرِفَةِ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ تَعَلَّمُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَالْعَامَّةُ تُسَلِّمُ لَهُمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَتُصَدِّقُ قَوْلَهُمْ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى تَعْلِيمَهُمْ وَيُسَمُّونَ عِلْمَهُمْ هَذَا بِالْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ. وَيُرَدُّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ سِيبَوَيْهِ وَلَهُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَطْفَ يُعَلِّمُكُمْ عَلَى اتَّقُوا اللهَ يُنَافِي أَنْ يَكُونَ جَزَاءً لَهُ وَمُرَتَّبًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. وَلَوْ قَالَ " يُعَلِّمْكُمْ " بِالْجَزْمِ لَكَانَ مُفِيدًا لَمَا قَالُوهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ أَوِ اتَّصَلَ بِالْفِعْلِ لَامُ التَّعْلِيلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ الْمُسَبَّبِ سَبَبًا وَالْفَرْعِ أَصْلًا وَالنَّتِيجَةِ مُقَدِّمَةً، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ الْمَعْقُولَ أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الَّذِي يُثْمِرُ التَّقْوَى، فَلَا تَقْوَى بِلَا عِلْمٍ فَالْعِلْمُ هُوَ الْأَصْلُ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ الْمِعْوَلُ. وَبَعْدَ أَنْ أَطَالَ بَعْضَ الْإِطَالَةِ فِي بَيَانِ تَأْثِيرِ الْعِلْمِ فِي الْإِرَادَةِ بِتَوْجِيهِهَا إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَصَرْفِهَا عَنِ الْعَمَلِ الْقَبِيحِ - وَتِلْكَ هِيَ التَّقْوَى - قَالَ: إِنَّنَا لَا نُنْكِرُ الْعِلْمَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ لَدُنِّيًّا، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ غَايَةً لِذَلِكَ الطَّرِيقِ الْجَائِرِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الْجَهْلُ، وَنَقُولُ: إِنَّ الْعِلْمَ بِاللهِ - تَعَالَى - وَالْعِلْمَ بِالشَّرْعِ وَالْعَمَلَ بِهِ مَعَ الْإِخْلَاصِ قَدْ يَصْرِفُ الْعَالِمَ الْعَامِلَ الْمُخْلِصَ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - حَتَّى يَكُونَ كَالْمُنْفَصِلِ بِقَلْبِهِ وَرُوحِهِ عَنِ الْعَالَمِ الطَّبِيعِيِّ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ إِشْرَافٌ عَلَى مَا لَا يُشْرِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ يَعْنِي مِنْ أَسْرَارِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالتَّحَقُّقِ بِبَعْضِ الْمَعَارِفِ الْغَيْبِيَّةِ، فَيَعْلَمُ مِمَّا قَصَّهُ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِ الْآخِرَةِ وَالْمَلَائِكَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ كُلُّ نَاظِرٍ فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَسَالِيبِ فِي الْكِتَابِ، وَأَيْنَ هَذَا مِمَّا يَدَّعِيهِ أَعْوَانُ الْجَهْلِ وَأَعْدَاءُ الْعِلْمِ!
وَأَقُولُ: إِنَّهُمْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى زَعْمِهِمْ ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرَى تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهَا بِمَعْنَى مَا قَالُوهُ هُنَا وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [8: 29] الْآيَةَ وَهُوَ غَلَطٌ. فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَثَرِ الْفُرْقَانَ هُنَا بِالْمَخْرَجِ، فَالشَّرْطِيَّةُ عِنْدَهُ كَالشَّرْطِيَّةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [65: 2] وَبَعْضُهُمْ بِالنَّجَاةِ، وَبَعْضُهُمْ بِالنَّصْرِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَكُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَمُعْظَمُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ وَاقِعَةِ بَدْرٍ، وَكَانُوا فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ كَانَ الْخُرُوجَ مِنْهُ بِإِنْجَائِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَنَصْرِهِمْ عَلَيْهِ، وَمَا نُصِرُوا عَلَى
قِلَّتِهِمْ إِلَّا بِتَقْوَى اللهِ الَّتِي جَمَعَتْ كَلِمَتَهُمْ وَقَوَّتْ عَزِيمَتَهُمْ. وَالتَّقْوَى تَكُونُ سَبَبَ الْفُرْقَانِ وَالْمَخْرَجِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ اتِّقَاءِ أَسْبَابِ الضَّرَرِ وَالْخُذْلَانِ فِي النَّفْسِ وَفِي الْخَارِجِ ; وَلِذَلِكَ يُفَسَّرُ الْمَخْرَجُ فِي آيَةِ سُورَةِ الطَّلَاقِ - وَهِيَ فِي مَقَامِ الْإِنْفَاقِ عَلَى النِّسَاءِ - بِمَا لَا يُفَسَّرُ بِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَهِيَ فِي مَقَامِ الْمُدَافِعَةِ وَالْقِتَالِ لِحِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَأَهْلِهَا.
هَذَا وَإِنَّ الْفُرْقَانِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الصُّبْحُ الَّذِي يَفْرُقُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَيُسَمَّى الْقُرْآنُ فُرْقَانًا؛ لِأَنَّهُ كَالصُّبْحِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَتَقْوَى اللهِ - تَعَالَى - فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا تُعْطِي صَاحِبَهَا نُورًا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ دَقَائِقِ الشُّبَهَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَهِيَ تُفِيدُهُ عِلْمًا خَاصًّا لَمْ يَكُنْ لِيَهْتَدِيَ إِلَيْهِ لَوْلَاهَا. وَهَذَا الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْعِلْمِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّلْقِينِ كَالشَّرْعِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَهُوَ مَا لَا تَتَحَقَّقُ التَّقْوَى بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْعَمَلِ - فِعْلًا وَتَرْكًا - بِعِلْمٍ، فَالْعِلْمُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّقْوَى وَسَبَبُهَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّعَلُّمِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ " الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ".
وَالْعِلْمُ الَّذِي هُوَ فَرْعُهَا وَثَمَرَتُهَا هُوَ مَا تَفْطَنُ لَهُ النَّفْسُ بَعْدُ فَيُفِيدُهَا الرُّسُوخَ فِي الْعِلْمِ الْأَوَّلِ بِالْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَكُونُ فِي النَّفْسِ مُجْمَلًا مُبْهَمًا حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ، فَإِذَا عُمِلَ بِهِ صَارَ مُفَصَّلًا جَلِيًّا رَاسِخًا تَتَبَيَّنُ بِهِ الدَّقَائِقُ وَالْخَفَايَا. وَبِذَلِكَ تَفْطَنُ نَفْسُ الْعَامِلِ إِلَى مَسَائِلَ أُخْرَى تَطْلُبُهَا بِالتَّجْرِبَةِ وَالْبَحْثِ حَتَّى تَصِلَ إِلَيْهَا كَمَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاقِفٍ عَلَى تَرَقِّي الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَشْيَاءِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِحَدِيثِ:" وَمَنْ تَعَلَّمَ فَعَمِلَ عَلَّمَهُ اللهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ " رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ " مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَإِذَا عَلِمْتَ
أَنَّ التَّقْوَى عَمَلٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ
لَا بُدَّ أَنْ يُؤْخَذَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّلَقِّي، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَسْبَابِ الْمَزِيدِ فِيهِ وَخُرُوجِهِ مِنْ مَضِيقِ الْإِبْهَامِ وَالْإِجْمَالِ إِلَى فَضَاءِ الْجَلَاءِ وَالتَّفْصِيلِ، فَهِمْتَ الْمُرَادَ بِالْفُرْقَانِ عَلَى عُمُومِهِ، وَعَلِمْتَ أَنَّ أَدْعِيَاءَ التَّصَوُّفِ الْجَاهِلِينَ لَا حَظَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا مِنْ هَذِهِ التَّقْوَى الَّتِي هِيَ أَثَرُهُ وَلَا مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الْأَخِيرِ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى جَمِيعًا، فَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ مَرْحَلَتَانِ بَعِيدَتَانِ: الْعِلْمُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالتَّلَقِّي وَالتَّقْوَى بِالْعَمَلِ بِهِ.
[14]
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو " فَرُهُنٌ " كَسُقُفٍ - بِضَمَّتَيْنِ - وَالْبَاقُونَ " فَرِهَانٌ " كَحِبَالٍ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ رَهْنٍ بِمَعْنَى مَرْهُونٍ. وَلَيْسَ تَعْلِيقُ مَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الرَّهْنِ بِالسَّفَرِ وَعَدَمِ وُجُودِ كَاتِبٍ يَكْتُبُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِاشْتِرَاطِهِمَا مَعًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيَانُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْكِتَابَةِ لِعُذْرٍ، وَكَوْنِ الرَّهْنِ يَقُومُ مَقَامَ الْكِتَابَةِ فِي الِاسْتِيثَاقِ عِنْدَ تَيَسُّرِهَا كَمَا يَكُونُ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَإِلَّا فَقَدَ رَهَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دِرْعَهُ فِي الْمَدِينَةِ لِيَهُودِيٍّ. وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَدْ خَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي هَذَا مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ. وَأَقُولُ: إِنَّ فِي جَعْلِ عَدَمِ وُجْدَانِ الْكَاتِبِ مُقَيَّدًا بِحَالِ السَّفَرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ مَوَاطِنِ الْإِقَامَةِ أَنْ تَكُونَ خُلُوًّا مِنَ الْكُتَّابِ، وَالْكِتَابَةُ مَفْرُوضَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَالْإِيمَانُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْإِذْعَانِ وَالْعَمَلِ، وَنَاهِيكَ بِالْفَرِيضَةِ إِذَا أُكِّدَتْ كَالْكِتَابَةِ حِينَئِذٍ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتُوهَا، بَلْ لَا يُفْرَضُ أَنْ يُخَالِفُوهَا وَأَلَّا يُوجَدَ الْكُتَّابُ عِنْدَهُمْ إِلَّا حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا مَعْذُورِينَ كَمَا يَكُونُ فِي السَّفَرِ، وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنَ الْعِبَارَةِ بِالْإِشَارَةِ وَهُوَ مِنْ أَدَقِّ أَسَالِيبِ الْبَلَاغَةِ.
[15]
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ قَيَّدَ الضَّحَّاكُ جَوَازَ الِائْتِمَانِ بِالسَّفَرِ وَمَنَعَهُ فِي الْإِقَامَةِ حَيْثُ يَجِبُ الِاسْتِيثَاقُ بِالْكُتَّابِ وَالْإِشْهَادِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مِنَ الْأَمْرِ بِهِمَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. فَإِنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا مَعًا فِي أَحْكَامِ الْأَمْوَالِ فَلَا يُعْقَلُ نَسْخُ حُكْمٍ فِيهِمَا قَدْ أُكِّدَ بِأَشَدِّ الْمُؤَكِّدَاتِ بِحُكْمٍ آخَرَ ذُكِرَ مُعَلَّقًا بِأَدَاةِ الشَّرْطِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْوُقُوعَ وَهِيَ " إِنَّ " وَعِنْدِي أَنَّ الْمُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ هَاهُنَا عَامٌّ يَشْمَلُ الْوَدِيعَةَ وَغَيْرَهَا. فَالْمَعْنَى: إِنِ اتَّفَقَ أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمُ ائْتَمَنَ آخَرَ عَلَى شَيْءٍ فَعَلَى الْمُؤْتَمَنِ أَنْ
يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ، وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ فَلَا يَتَخَوَّنُ مِنَ الْأَمَانَةِ شَيْئًا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ بِهَا وَلَا شَهِيدَ ; فَإِنَّ اللهَ رَبَّهُ خَيْرُ الشَّاهِدِينَ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُتَّقَى وَيُطَاعَ.
[16]
وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ النَّهْيُ عَنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إِبَاءِ تَحَمُّلِهَا عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا تَأْكِيدٌ كَتَأْكِيدِ أَمْرِ الْكَاتِبِ بِأَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنِ الْإِبَاءِ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ الْكُتَّابَ وَالشُّهُودَ بِأَنْ يُعِينُوا النَّاسَ عَلَى حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَصِّرُوا فِي ذَلِكَ، كَمَا حَرَّمَ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ
أَنْ يُضَارُّوهُمْ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ مَصْلَحَةِ الْجَمِيعِ، وَلَمَّا كَانَ الَّذِي يُدْرِكُ الْوَقَائِعَ الَّتِي شَهِدَ بِهَا وَيَعِيهَا هُوَ الْقَلْبَ وَهُوَ لُبُّ الْإِنْسَانِ وَآلَةُ عَقْلِهِ وَشُعُورِهِ كَانَ كِتْمَانُ الشَّهَادَةِ عِبَارَةٌ عَنْ حَبْسِ ذَلِكَ فِيهِ وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ هُوَ الْآثِمَ أَيْ هُوَ مَوْضِعُ الْإِثْمِ فِي هَذَا الْكِتْمَانِ وَحْدَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مَصْدَرُ كُلِّ إِثْمٍ، وَهَذَا يَدْفَعُ مَا يَزْعُمُهُ الْجَاهِلُونَ مِنْ أَنَّ الْإِثْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمَلِ الْجَوَارِحِ وَحَرَكَاتِ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ. وَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [17: 36] إِلَّا؛ لِأَنَّ لِلْفُؤَادِ أَيِ الْقَلْبُ، أَوِ النَّفْسُ أَعْمَالًا خَاصَّةً بِهِ وَأَعْمَالًا يَزْعَجُ الْجَوَارِحُ إِلَيْهَا، فَأُضِيفَ إِلَيْهِ مَا هُوَ خَاصٌّ بِهِ وَأُسْنِدَ الْبَاقِي إِلَى مَظْهَرِهِ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَمِنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فِي نُصُوصٍ أُخْرَى. وَمِنْ آثَامِ الْقَلْبِ سُوءُ الْقَصْدِ وَفَسَادُ النِّيَّةِ وَهِيَ شَرُّ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤَاخَذُ عَلَى تَرْكِ الْمَعْرُوفِ كَمَا يُؤَاخَذُ عَلَى فِعْلِ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلٌ لِلنَّفْسِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْكَتْمِ وَالْكِتْمَانِ فِي مِثْلِ الشَّهَادَةِ، وَبِالْكَفِّ فِي غَيْرِهَا، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ فَكُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلًا وَعَمَلًا، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَفِي هَذَا مِنَ الْوَعِيدِ مَا مَرَّ بَيَانُ مِثْلِهِ.
هَذَا وَإِنَّ الْأَحْكَامَ فِي الْآيَتَيْنِ - عَلَى كَوْنِهَا أَظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ مَعْنًى وَعِلَّةً وَحِكْمَةً - قَدْ وَقَعَ فِيهِمَا خِلَافٌ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهِ، وَقَدْ بَسَطَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ الْقَوْلَ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ كِتَابَةِ الدَّيْنِ، وَلَمْ يَكَدْ يَزِيدُ عَلَى مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَاقِعِ الْخِلَافِ شَيْئًا، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا اخْتُلِفَ وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ فِيهِ عَلَى النَّسَقِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الدَّرْسِ مَعَ بَيَانِ رَأْيِهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِكِتَابَةِ الدَّيْنِ لِلنَّدْبِ، وَاسْتَدَلُّوا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ - تَعَالَى -: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ فَإِنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِشْهَادِ.
وَالثَّانِي: كَوْنُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَلْتَزِمُوا الْكِتَابَةَ وَالِاسْتِشْهَادَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ، بَلْ كَانُوا يَأْتُونَهُ تَارَةً وَيَتْرُكُونَهُ تَارَةً، وَلَوْ فَهِمُوا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَالْتَزَمُوهُ. أَقُولُ: وَجَعَلَ الرَّازِيُّ هَذَا التَّرْكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ إِجْمَاعًا وَمَا هُوَ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِي شَيْءٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي الْكِتَابَةِ حَرَجًا وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِالنَّصِّ.
وَذَهَبَ أَقْوَامٌ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَتَابَعَتِ الْأَوَامِرُ فِي الْآيَةِ وَتَأَكَّدَتْ حَتَّى فِي حَالِ السَّفَهِ وَالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ، فَقَدْ أُمِرَ وَلِيُّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِأَنْ يُمْلِيَ عَنْهُ لِلْكَاتِبِ وَلَمْ يُعْفِهِمْ مِنَ الْكِتَابَةِ. وَمِثْلُ هَذَا التَّأْكِيدِ لَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ وَيُؤَيِّدُهُ التَّعْلِيلُ بِكَوْنِ ذَلِكَ أَقْسَطَ
عِنْدَ اللهِ إِلَخْ. قَالُوا أَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِلَخْ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ كَالْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِيهَا كَاتِبٌ وَلَا شُهُودٌ. فَإِذَا احْتَاجَ امْرُؤٌ إِلَى الِاقْتِرَاضِ مِنْ أَخِيهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ قَضَاءَ حَاجَتِهِ وَسَدَّ خَلَّتِهِ إِذَا هُوَ ائْتَمَنَهُ.
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ الْآيَةَ فِي الْأَمَانَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِذَا دَخَلَ فِي عُمُومِهَا مَا ذُكِرَ مِنَ الِائْتِمَانِ عَلَى الثَّمَنِ عِنْدَ فَقْدِ الْكَاتِبِ فَلَا يُجْعَلُ دَلِيلًا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ - وَهُوَ الْكِتَابَةُ - فِي كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ الرُّخْصَةَ فِي إِقَامَةِ الرَّهْنِ مَقَامَ الْكِتَابَةِ عِنْدَ فَقْدِ الْكَاتِبِ: لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ إِلَخْ نَاسِخًا قَوْلَهُ: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ إِلَخْ. لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [4: 43] نَاسِخًا لِلْوُضُوءِ بِالْمَاءِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ: إِلَخْ قَالُوا: وَأَمَّا دَعْوَى تَعَامُلِ أَهْلِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ كِتَابَةٍ وَلَا إِشْهَادٍ فَهِيَ عَلَى إِطْلَاقِهَا بَاطِلَةٌ. فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِمُعَامَلَاتِهِمْ، وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ شَيْءٌ صَحِيحٌ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا اغْتَرَّ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِعَدَمِ
وُجُوبِ الْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ بِمُعَامَلَاتِ أَهْلِ عَصْرِهِمْ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَامًّا وَلَمْ يَرْوُوا عَنِ الصَّحَابَةِ فِيهِ شَيْئًا صَحِيحًا وَاقِعًا بِالْفِعْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ فِي ذَلِكَ ضِيقًا وَحَرَجًا فَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا الضِّيقَ وَالْحَرَجَ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ هُوَ عَيْنُ السُّهُولَةِ وَالسَّعَةِ وَالْيُسْرِ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ التَّعَامُلَ الَّذِي لَا يُكْتَبُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ عَمْدٍ إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُتَدَايِنَيْنِ ضَعِيفُ الْأَمَانَةِ فَيَدَّعِي بَعْدَ طُولِ الزَّمَنِ خِلَافَ الْوَاقِعِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ، فَإِذَا ارْتَابَ الْمُتَعَامِلَانِ وَاخْتَلَفَا وَلَا شَيْءَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي إِزَالَةِ الرِّيبَةِ وَرَفْعِ الْخِلَافِ مِنْ كِتَابَةٍ أَوْ شُهُودٍ أَسَاءَ كُلٌّ مِنْهُمَا الظَّنَّ بِالْآخَرِ، وَلَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ عَنِ اعْتِقَادِهِ إِلَى قَوْلِ خَصْمِهِ فَلَجَّ فِي خِصَامِهِ وَعَدَائِهِ، وَكَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ شُرُورِ الْمُنَازَعَاتِ مَا يُرْهِقُهُمَا عُسْرًا وَيَرْمِيهِمَا بِأَشَدِّ الْحَرَجِ، وَرُبَّمَا ارْتَكَبَا فِي ذَلِكَ مَحَارِمَ كَثِيرَةً.
هَكَذَا أَوْضَحَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَأَيَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ.
وَمِمَّا قَالَ فِي رَدِّ قَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا مِنَ الْحَرَجِ الْمَرْفُوعِ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا حَرَجًا وَهُوَ مِمَّا لَا يَقَعُ إِلَّا قَلِيلًا لِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ وَلَا يَكُونُ الْوُضُوءُ حَرَجًا وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ كُلَّ يَوْمٍ يُصَلِّي فِيهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا كَلُّ مَا يَتَكَرَّرُ يَكُونُ حَرَجًا ; يَعْنِي أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي هَذَا وَلَا ذَاكَ كَمَا سَيَأْتِي عَنْهُ. وَأَقُولُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَرَجِ وَالْعُسْرِ الْمَنْفِيَّيْنِ بِالنَّصِّ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ وَلَا كُلْفَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْهَا لِلْإِعْنَاتِ وَتَجْشِيمِ الْمَشَاقِّ وَالْإِيقَاعِ فِي الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْهَا فَائِدَةٌ أَوْ فَوَائِدُ تَرْفَعُ الْحَرَجَ وَالْعُسْرَ وَيَصْلُحُ بِهَا أَمْرُ
النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي شُئُونِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَرَفَ النَّاسُ فَوَائِدَهَا بِالضَّرُورَةِ أَوِ الِاخْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَهُمْ يَعْمَلُونَهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَشَقَّةٌ مَا طَلَبًا لِفَوَائِدِهَا الَّتِي هِيَ أَرْجَحُ وَأَجْدَرُ بِالْإِيثَارِ، ثُمَّ إِنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فِي كِتَابَةِ الدَّيْنِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ جَعْلُ الْمُسْلِمِينَ أُمَّةَ كِتَابٍ وَنِظَامٍ، وَالْإِسْلَامُ بَدَأَ بِالْعَرَبِ وَهِيَ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، وَقَدِ امْتَنَّ عَلَيْهَا بِالرَّسُولِ الَّذِي عَلَّمَهَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، فَفَرْضُ كِتَابَةِ الدَّيْنِ عَلَيْهِمْ هُوَ مِنْ وَسَائِلِ إِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْأُمِّيَّةِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَبُوا أَنَّ هَذِهِ الْأَوَامِرَ الْمُؤَكِّدَةَ لِلنَّدْبِ، فَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ
يَتْرُكَ الْمُسْلِمُونَ جُمْلَةَ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ كِتَابُ اللهِ بِحُجَّةِ أَنَّ فِيهِ حَرَجًا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُجَجِ، حَتَّى صَارَ مَنْ تَرَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُعْنَى بِكِتَابَةِ دُيُونِهِ، فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِضَعْفِ ثِقَتِهِ بِمَدِينِهِ، لَا عَمَلًا بِهِدَايَةِ دِينِهِ، أَلَا إِنَّ الْحَرَجَ فِي هَذَا كَالْحَرَجِ فِي تَحْرِيمِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُشْرِكًا بِنَوْعٍ مَا مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، لَا يَجُوزُ أَنْ تُفَرِّطَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ الَّذِي لَا مِرَاءَ فِيهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنَ الْحَرَجِ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنَّ الْبَلَدَ قَدْ يَكْفِيهِ كَاتِبٌ وَاحِدٌ لِلدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ، وَقَدْ رَخَّصَ اللهُ لَنَا فِي تَرْكِ كِتَابَةِ التِّجَارَةِ الْحَاضِرَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ وَأُسْلُوبَهَا وَطَرِيقَةَ تَأْدِيَتِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا لِلْوُجُوبِ وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ.
(قَالَ) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَ هَذَا بِالْعَمَلِ بِالْخَطِّ، وَنَحْمَدُ اللهَ أَنْ كَانَ الْمُفْتَى بِهِ هُوَ الْعَمَلَ بِالْخَطِّ ; إِذْ لَوْ كَانَ الْمُفْتَى بِهِ هُوَ خِلَافَ مَا أَمَرَ بِهِ الْقُرْآنُ لَكَانَ الْمَصَابُ عَظِيمًا، وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْعَمَلِ بِالْخَطِّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِيهِ التَّزْوِيرُ، وَزَعَمُوا أَنَّ فَائِدَةَ الْكِتَابَةِ التَّذْكَارُ فَقَطْ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِشْهَادِ لِأَجْلِ التَّذْكَارِ، وَمَنْشَأُ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي الْمَرْأَتَيْنِ: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَالصَّوَابُ: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِشْهَادِ قَدْ شُرِعَ لِلِاسْتِيثَاقِ بَيْنَ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ لَا لِأَجْلِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ النِّسْيَانِ، وَالْكِتَابَةُ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ عَوْنٌ لِلشَّهَادَةِ فَهِيَ آلَةُ الِاسْتِيثَاقِ لِلْمُتَعَامِلِينَ، فَالدَّائِنُ يَسْتَوْثِقُ بِمَالِهِ فَيَأْمَنُ مِنْ إِنْكَارِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَالْمَدِينُ يَسْتَوْثِقُ بِمَا عَلَيْهِ فَلَا يَخَافُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ، وَالشَّاهِدُ يَسْتَوْثِقُ بِشَهَادَتِهِ فَإِذَا شَكَّ أَوْ نَسِيَ رَجِعَ إِلَى الْكِتَابِ فَتَذَكَّرَ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا وَنَفْعُ الْكِتَابَةِ الْأَكْبَرُ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الشَّهِيدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ تَضِيعَ الْحُقُوقُ وَلَا حَافِظَ لَهَا حِينَئِذٍ إِلَّا الْكِتَابَةُ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فَيُعْمَلُ بِهَا.
قَالَ: وَاحْتِجَاجُهُمْ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِي إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ، وَأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ إِلَّا مُذَكِّرَةً بِهَا بِأَنَّ الْخَطَّ يُحْتَمَلُ فِيهِ التَّزْوِيرُ مَنْقُوضٌ بِأَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ التَّزْوِيرِ فِي الشَّهَادَةِ أَشَدُّ، بَلْ حُصُولُهُ فِيهَا بِالْفِعْلِ أَكْثَرُ، حَتَّى إِنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَهُمَا تَكَادُ تَكُونُ
كَنِسْبَةِ الْخَمْسَةِ إِلَى
الْأَلْفِ، ثُمَّ إِنَّ فِي الشَّهَادَةِ احْتِمَالَاتٍ أُخْرَى تُسْقِطُهَا عَنْ مَرْتَبَةِ الْكِتَابَةِ كَالنِّسْيَانِ وَالذُّهُولِ.
وَمِنْ مَحَاسِنَ الْأَجْوِبَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا وَقَعَ لِأَحَدِ الْقُضَاةِ فِي الْوَجْهِ الْقِبْلِيِّ (الصَّعِيدِ) إِذْ جَاءَهُ مُدَّعٍ يُطَالِبُ آخَرَ بِدَيْنٍ لَهُ كُتِبَ فِي صَكٍّ وَخُتِمَ بَخَاتَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي:
إِنَّ هَذَا الصَّكَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْخَتْمَ لَيْسَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا بُدَّ مِنَ الشُّهُودِ. قَالَ الْمُدَّعِي: مَنْ قَالَ بِهَذَا؟ قَالَ الْقَاضِي: الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ الْمُدَّعِي: هَلْ عِنْدَكَ شُهُودٌ سَمِعَتْ مِنْهُمْ ذَلِكَ؟ فَبُهِتَ الْقَاضِي.
قَالَ الْأُسْتَاذُ فَالْأَشْيَاءُ الْبَدِيهِيَّةُ يُلْهَمُ حُكْمَهَا كُلُّ النَّاسِ: أَقُولُ يَعْنِي بِالنَّاسِ أَصْحَابَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَلَا غَرْوَ فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْفِطْرَةِ وَلَا يُفْسِدُ الْفِطْرَةَ شَيْءٌ كَالتَّقْلِيدِ.
أَقُولُ: وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْآيَةِ شَهَادَةُ الْأَرِقَّاءِ، فَالظَّاهِرُ دُخُولُهُمْ فِي عُمُومِ رِجَالِكُمْ وَبِذَلِكَ قَالَ شُرَيْحٌ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ شَهَادَتِهِمْ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ وَلِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِلْمُتَعَامِلِينَ بِالْأَمْوَالِ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَرْبَابِهَا، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ ضَعِيفَانِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - اشْتَرَطَ فِي الشَّاهِدَيْنِ الْعَدَالَةَ لَا الْحُرِّيَّةَ، وَالرِّقُّ لَا يُنَافِي الْعَدَالَةَ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً، يَقُولُ: مَنْ يَتَدَايَنُ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِمْ كَذَا مِنَ الْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ، وَالْكُتَّابُ وَالشُّهَدَاءُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَوَجَبَ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْكَاتِبِ لِوَثِيقَةِ الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ: تَصِحُّ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ وَهُوَ تَحَكُّمٌ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ مَنْدُوبٌ؟ ظَاهِرُ الْأَمْرِ بِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعُمَرَ، وَبِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِمَا أُجِّلَ فِيهِ الثَّمَنُ.
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
جَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ بِمَثَابَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قَبْلُهُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مُتَمِّمَةً لَهَا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ أَنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، فَهَذَا كَالدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ أَيْ أَنَّهُ عَلِيمٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ وَهُوَ خَالِقُهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [67: 14] وَبِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ يَتَقَرَّرُ النَّهْيُ عَنْ كَتْمِ الشَّهَادَةِ وَكَوْنُهُ إِثْمًا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ لِدُخُولِ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ فِي عُمُومِ مَا فِي النَّفْسِ (قَالَ) وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُتَّصِلَةً بِآيَةِ الدَّيْنِ مِنْ أَوَّلِهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَّعَ لَنَا أَحْكَامًا تَتَعَلَّقُ بِالدَّيْنِ كَالْكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ تَسَاهَلْتُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَأَضَعْتُمُ الْحُقُوقَ فَتَظَاهَرْتُمْ بِالْأَمَانَةِ مَعَ انْطِوَاءِ النَّفْسِ عَلَى الْخِيَانَةِ وَغَالَطْتُمُ النَّاسَ وَأَكَلْتُمْ أَمْوَالَهُمْ بِذَلِكَ أَوْ أَضَعْتُمُوهَا بِكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ يُحَاسِبُكُمْ وَيُعَاقِبُكُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَمِنْهَا أَنْتُمْ وَأَعْمَالُكُمُ النَّفْسِيَّةُ أَوِ الْبَدَنِيَّةُ أَقُولُ: وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ مُتَعَلِّقَةً بِأَحْكَامِ السُّورَةِ كُلِّهَا.
(قَالَ) وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ الْأَشْيَاءُ الثَّابِتَةُ فِي أَنْفُسِكُمْ وَتَصْدُرُ عَنْهَا أَعْمَالُكُمْ كَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَأُلْفَةِ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا تَرْكُ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنِ النَّهْيِ أَمْرٌ كَبِيرٌ يَحِلُّ اللهُ عُقُوبَتَهُ فِي الْأُمَّةِ بِسَبَبِهِ وَلَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ اتِّفَاقِ السُّكُوتِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ فِي النَّفْسِ وَهُوَ أُلْفَةُ الْمُنْكِرِ وَالْأُنْسُ بِهِ وَلِلْإِنْسَانِ عَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ فِي نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يُحَاسَبُ عَلَيْهِ. نَعَمْ إِنَّ الْخَوَاطِرَ وَالْهَوَاجِسَ قَدْ تَأْتِي بِغَيْرِ إِرَادَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا تَعَمُّدٌ وَلَكِنَّهُ إِذَا مَضَى مَعَهَا وَاسْتَرْسَلَ تُحْسَبُ عَلَيْهِ عَمَلًا يُجَازَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَايَرَهَا مُخْتَارًا وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى مُطَارَدَتِهَا وَجِهَادِهَا. وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْخَوَاطِرُ وَالْهَوَاجِسُ صَادِرَةً عَنْ مَلَكَةٍ
فِي النَّفْسِ تُثِيرُهَا أَوْ عَنْ شَيْءٍ لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْمَلَكَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ الْحَسُودُ تَبْعَثُ مَلَكَةُ الْحَسَدِ فِي نَفْسِهِ خَوَاطِرَ الِانْتِقَامِ مِنَ الْمَحْسُودِ وَالسَّعْيِ فِي إِزَالَةِ نِعْمَتِهِ لِتَمَكُّنِهَا فِي نَفْسِهِ وَامْتِلَاكِهَا لِمَنَازِعِ فِكْرِهِ، وَهَذِهِ الْخَوَاطِرُ مِمَّا يُحَاسَبُ عَلَيْهَا أَبْدَاهَا أَوْ أَخْفَاهَا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَهَا وَيُدَافِعَهَا فَذَلِكَ مَا يُكَلَّفُهُ.
وَمِثَالُ الثَّانِي الْمَظْلُومُ يَذْكُرُ ظَالِمَهُ فَيَشْتَغِلُ فِكْرُهُ فِي دَفْعِ ظُلْمِهِ وَالْهَرَبِ مِنْ أَذَاهُ وَرُبَّمَا اسْتَرْسَلَ مَعَ خَوَاطِرِهِ إِلَى أَنْ تَجُرَّهُ إِلَى تَدْبِيرِ الْحِيَلِ لِلْإِيقَاعِ بِهِ وَمُقَابَلَةِ ظُلْمِهِ بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ فَيَكُونُ مُؤَاخَذًا عَلَيْهَا، أَبْدَاهَا أَوْ أَخْفَاهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [5: 78 و79] وَذَلِكَ أَنَّ فَظَاعَةَ الْمُنْكَرِ زَالَتْ مِنْ نُفُوسِهِمْ بِالْأُنْسِ بِهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ. وَهَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ أَعْمَالِ الْقَلْبِ الَّتِي أَمَرَنَا الشَّرْعُ بِمُجَاهَدَتِهَا وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا مَا يَمُرُّ فِي النَّفْسِ مِنَ الْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ كَمَا قِيلَ، بَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم شَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِالْآيَةِ وَشَكَوْا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْوَسْوَسَةَ ; فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَلَفْظُ الْآيَةِ يَدْفَعُ هَذَا؛ لِأَنَّهَا نَصٌّ فِيمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي النَّفْسِ وَمُتَمَكِّنٌ مِنْهَا كَالْأَخْلَاقِ وَالْمَلَكَاتِ وَالْعَزَائِمِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْعَمَلُ بِأَثَرِهَا فِيهَا إِذَا انْتَفَتِ الْمَوَانِعُ وَتُرِكَتِ الْمُجَاهَدَةُ. وَكَذَلِكَ يَدْفَعُهُ مَا كَانَ
عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ مِنْ عُلُوِّ الْهِمَّةِ وَالْأَخْذِ بِالْعَزَائِمِ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَفْهَمُونَ الْقُرْآنَ حَقَّ الْفَهْمِ وَيَتَأَدَّبُونَ بِهِ وَيُقِيمُونَهُ كَمَا يَجِبُ، وَمَا أَبْعَدَهُمْ عَنِ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ الْوَسَاوِسِ وَالْأَوْهَامِ.
هَذَا مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مُفَصَّلًا وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْآيَةِ، لَا شَكَّ أَنَّ مَا يُجَازَى عَلَيْهِ مِمَّا فِي النَّفْسِ يَعُمُّ الْمَلَكَاتِ الْفَاضِلَةَ وَالْمَقَاصِدَ الشَّرِيفَةَ، وَإِنَّمَا مُثِّلَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ لِمُنَاسَبَةِ السِّيَاقِ، وَلِهَذَا السِّيَاقِ خَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ. وَرَدَّ ذَلِكَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْكُفَّارِ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بِلَا مُخَصَّصٍ أَيْضًا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِمَا بَعْدَهَا. أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ فِي نَاسِخِهِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ اشْتَدَّ ذَلِكَ
عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَلَا نُطِيقُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللهُ فِي أَثَرِهَا آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [2: 285] الْآيَةَ. فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ - تَعَالَى - فَأَنْزَلَ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [2: 286] إِلَى آخِرِهَا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحْسَبُهُ ابْنَ عُمَرَ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ الْآيَةَ. قَالَ نَسَخَهَا مَا بَعْدَهَا، وَاحْتَجُّوا لِلنَّسْخِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ.
وَأَقُولُ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَرَّحَ بِأَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وَإِنَّمَا قُصَارَاهَا أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ فَهِمَ أَنَّهَا نُسِخَتْ، وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ وَالْقَوْلُ بِالنُّسَخِ مَمْنُوعٌ مِنْ وُجُوهٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ خَبَرٌ، وَالْأَخْبَارُ لَا تُنْسَخُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ.
(ثَانِيهَا) أَنَّ كَسْبَ الْقَلْبِ وَعَمَلَهُ مِمَّا دَلَّ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَالْجَزَاءِ عَلَيْهِ، ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْجَوَارِحِ أَمْ لَمْ يَظْهَرْ، وَهُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَالْقَوْلُ بِنَسْخِهَا إِبْطَالٌ لِلشَّرِيعَةِ وَنَسْخٌ لِلدِّينِ كُلِّهِ، أَوْ إِثْبَاتٌ لِكَوْنِهِ دِينًا جُثْمَانِيًّا مَادِّيًّا لَا حَظَّ لِلْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [2: 225] وَقَالَ: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [17: 36]
وَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [24: 19] وَالْحُبُّ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ الثَّابِتَةِ فِي النَّفْسِ. فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مَعْنَاهُ مَا ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَفْرُ وَالْأَخْلَاقُ الرَّاسِخَةُ وَالصِّفَاتُ الثَّابِتَةُ مِنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِي الْجَوْرِ وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ وَقَصْدِ السُّوءِ
أَوْ سُوءِ الْقَصْدِ وَفَسَادِ النِّيَّةِ وَخُبْثِ السَّرِيرَةِ، وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ وَالصِّفَاتُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الشَّقَاوَةِ وَعَلَيْهَا مَدَارُ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَلَوْلَا أَنَّ لِلْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ آثَارًا فِي النَّفْسِ تُزَكِّيهَا أَوْ تُدَسِّيهَا، لَمَا آخَذَ اللهُ - تَعَالَى - فِي الْآخِرَةِ أَحَدًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - لَا يُعَاقِبُ النَّاسَ حُبًّا فِي الِانْتِقَامِ وَلَا يَظْلِمُ نَفْسًا شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ سُنَّتَهُ فِي الْإِنْسَانِ أَنْ يَرْتَقِيَ أَوْ يَتَسَفَّلَ نَفْسًا وَعَقْلًا بِالْعَمَلِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْعَمَلُ مَجْزِيًّا عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ أَثَرَهُ فِي النَّفْسِ هُوَ مُتَعَلَّقُ الْجَزَاءِ.
(ثَالِثُهَا) أَنَّ الْخَوَاطِرَ السَّانِحَةَ وَالْوَسَاوِسَ الْعَارِضَةَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ الْقَصْدِ الثَّابِتِ وَالْعَزْمِ الرَّاسِخِ لَا يَدْخُلُ فِي مَفْهُومِ الْآيَةِ كَمَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَا مُسْتَقِرٌّ وَقَوْلُهُ: فِي أَنْفُسِكُمْ يُفِيدُ الثَّبَاتَ وَالِاسْتِقْرَارَ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا وَجْهًا لِإِبْطَالِ النَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا ذُكِرَ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْآيَةَ خَبَرٌ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا نَاسِخًا لَهُ ; وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ التَّجَاوُزِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ لَا يُنَافِي الْآيَةَ وَلَا يَصِحُّ دِعَامَةً لِلْقَوْلِ بِنَسْخِهَا.
(رَابِعُهَا) أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ يُنَافِي الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ الْبَالِغَةَ وَالرَّحْمَةَ الرَّبَّانِيَّةَ السَّابِغَةَ، فَهُوَ لَمْ يَقَعْ فَيُقَالُ: إِنَّ الْآيَةَ مِنْهُ، وَنُسِخَتْ بِمَا بَعْدَهُ.
(خَامِسُهَا) الْمَعْقُولُ فِي النَّسْخِ أَنْ يُشْرَعَ حُكْمٌ يُوَافِقُ مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِينَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَنٌ أَوْ تَطْرَأُ حَالٌ يَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ وَكَوْنُ مَا فِي النَّفْسِ يُحَاسَبُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ مَا ذَكَرْتَ، فَلِمَاذَا قَالَ الصَّحَابَةُ فِيهَا مَا قَالُوا؟ أَقُولُ: إِنَّ الصَّحَابَةَ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ قَدْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرُهُمْ رِجَالٌ قَدْ تَرَبَّوْا فِي حِجْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَانْطَبَعَتْ فِي نُفُوسِهِمْ قَبْلَهُ أَخْلَاقُهَا، وَأَثَّرَتْ فِي قُلُوبِهِمْ عَادَتُهَا فَكَانُوا يَتَزَكُّونَ مِنْهَا، وَيَتَطَهَّرُونَ مَنْ لَوَثِهَا تَدْرِيجًا بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، كُلَّمَا نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَبِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ، فِيمَا يَفْعَلُ وَيَقُولُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ خَافُوا أَنْ يُؤَاخَذُوا عَلَى مَا كَانَ لَا يَزَالُ بَاقِيًا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ أَثَرِ التَّرْبِيَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، وَنَاهِيكَ بِمَا
كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ عز وجل وَاعْتِقَادِ النَّقْصِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى بَعْدَ كَمَالِ التَّزْكِيَةِ وَتَمَامِ الطَّهَارَةِ حَتَّى كَانَ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ: " هَلْ يَجِدُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ ".
فَأَخْبَرَهُمُ اللهُ - تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلَا يُؤَاخِذُهَا إِلَّا عَلَى مَا كَلَّفَهَا، فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَمُجَاهَدَتِهَا بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ وَالطَّاقَةِ وَطَلَبِ الْعَفْوِ عَمَّا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَافَ أَنْ تَدْخُلَ الْوَسْوَسَةُ وَالشُّبْهَةُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ دَفْعِهَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ، فَكَانَ مَا بَعْدَهَا مُبَيِّنًا لِغَلَطِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ نَسْخًا فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالنَّسْخِ عَنِ الْبَيَانِ وَالْإِيضَاحِ تَجَوُّزًا. وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّسْخُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْإِزَالَةُ وَالتَّحْوِيلُ لَا الِاصْطِلَاحِيُّ ; أَيْ إِنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ كَانَتْ مُزِيلَةً لِمَا أَخَافَهُمْ مِنَ الْأُولَى أَوْ مُحَوِّلَةً لَهُ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ لَمْ يَنْطِقْ بِلَفْظِ النَّسْخِ، وَإِنَّمَا فَهِمَهُ الرَّاوِي مِنَ الْقِصَّةِ فَذَكَرَهُ، وَكَثِيرًا مَا يَرْوُونَ الْأَحَادِيثَ الْمَرْفُوعَةَ بِالْمَعْنَى عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّصِّ الْمَرْفُوعِ، وَرَأْيُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، لَا سِيَّمَا إِذَا خَالَفَ ظَاهِرُهُ الْكِتَابَ، وَإِنَّنِي لَا أَعْتَقِدُ صِحَّةَ سَنَدِ حَدِيثٍ وَلَا قَوْلِ عَالَمٍ صَحَابِيٍّ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ وَثَّقُوا رِجَالَهُ فَرُبَّ رَاوٍ يُوَثَّقُ لِلِاغْتِرَارِ بِظَاهِرِ حَالِهِ، وَهُوَ سَيِّئُ الْبَاطِنِ وَلَوِ انْتُقِدَتِ الرِّوَايَاتُ مِنْ جِهَةِ فَحْوَى مَتْنِهَا كَمَا تُنْتَقَدُ مِنْ جِهَةِ سَنَدِهَا لَقَضَتِ الْمُتُونُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَسَانِيدِ بِالنَّقْضِ. وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ مُخَالَفَتُهُ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَوِ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ أَوْ لِلْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ أَوْ لِلْحِسِّ وَالْعِيَانِ وَسَائِرِ الْيَقِينِيَّاتِ.
أَمَّا إِبْدَاءُ مَا فِي النَّفْسِ فَهُوَ إِظْهَارُهُ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا إِخْفَاؤُهُ فَهُوَ ضِدُّهُ وَالْإِبْدَاءُ وَالْإِخْفَاءُ سِيَّانِ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [40: 19] فَالْمَدَارُ فِي مَرْضَاتِهِ عَلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَطَهَارَةِ السَّرِيرَةِ لَا عَلَى لَوْكِ اللِّسَانِ وَحَرَكَاتِ الْأَبْدَانِ، وَأَمَّا الْمُحَاسَبَةُ فَهِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِنْ فَسَّرَهَا بَعْضٌ بِالْعِلْمِ، وَبَعْضٌ بِالْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ غِبُّهَا وَلَازِمُهَا، ذَلِكَ أَنَّ لِلنُّفُوسِ فِي اعْتِقَادَاتِهَا وَمَلَكَاتِهَا وَعَزَائِمِهَا وَإِرَادَتِهَا مَوَازِينَ يُعْرَفُ بِهَا يَوْمَ الدِّينِ رُجْحَانُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ أَوِ الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ هِيَ أَدَقُّ مِمَّا وَضَعَ الْبَشَرُ مِنْ مَوَازِينِ الْأَعْيَانِ وَمَوَازِينِ الْأَعْرَاضِ كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَنَضَعُ
الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [21: 47] وَسَيَأْتِي قَوْلُ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ.
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ أَيْ فَهُوَ بِمَا لَهُ مِنَ الْمُلْكِ الْمُطْلَقِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيُعَذِّبُ مَنْ شَاءَ عَذَابَهُ. وَقَرَأَ غَيْرُ ابْنِ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِجَزْمِ: (يَغْفِرْ وَيُعَذِّبْ) . بِالْعَطْفِ عَلَى يُحَاسِبْكُمْ وَإِنَّمَا يَشَاءُ مَا فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالْعَدْلُ وَالْحِكْمَةُ، وَالْأَصْلُ فِي الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ السَّيِّئُ عَلَى قَدْرِ الْإِسَاءَةِ وَتَأْثِيرِهَا فِي تَدْسِيَةِ نُفُوسِ الْمُسِيئِينَ، وَالْجَزَاءُ الْحَسَنُ عَلَى قَدْرِ الْإِحْسَانِ وَتَأْثِيرِهِ فِي أَرْوَاحِ الْمُحْسِنِينَ، وَلَكِنَّهُ - تَعَالَى - بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ يُضَاعِفُ جَزَاءَ الْحَسَنَةِ عَشَرَةَ أَضْعَافٍ وَيَزِيدُ مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُضَاعِفُ السَّيِّئَةَ، وَالْآيَاتُ الْمُفَصَّلَةُ فِي هَذَا
الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَبِهَا يُفَسَّرُ الْمُجْمَلُ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ بِإِيضَاحٍ، وَحَسْبُكَ هُنَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الذَّنْبَ الْمَغْفُورَ: هُوَ الَّذِي يُوَفِّقِ اللهُ صَاحِبَهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ يَغْلِبُ أَثَرُهُ فِي النَّفْسِ، وَالْجَاهِلُ بِهَدْيِ الْكِتَابِ يَحْسَبُ أَنَّ الْأَمْرَ فَوْضَى، وَالْكَيْلَ جُزَافٌ وَيُمَنِّي نَفْسَهُ بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى إِصْرَارِهِ وَإِقَامَتِهِ عَلَى أَوْزَارِهِ، أَلَمْ يَقْرَأْ فِي دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [40: 7 - 9] وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: شَأْنُ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْمُحَاسَبَةِ أَنْ يُذَكِّرَ الْإِنْسَانَ أَوْ يَسْأَلَهُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ فَبَعْدَ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ أَعْمَالَهُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ يَغْفِرُ أَوْ يُعَذِّبُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ تَصِلْ أَعْمَالُهُ الْمُنْكَرَةُ إِلَى أَنْ تَكُونَ مَلَكَاتٍ لَهُ فَاللهُ - سُبْحَانَهُ - يَغْفِرُهَا لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ مَلَكَاتٍ لَهُ فَهُوَ يُعَاقِبُهُ عَلَيْهَا وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ. وَقَدْ يَظُنُّ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ أَنَّ فِي هَذَا سَبِيلًا لِلْمُرُوقِ مِنَ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّعْذِيبِ مَوْكُولٌ لِلْمَشِيئَةِ، وَالرَّجَاءُ فِيهِ أَكْبَرُ وَهَذَا ضَلَالٌ عَنْ فَهْمِ الْكِتَابِ بِالْمَرَّةِ، فَالْآيَةُ إِنْذَارٌ وَتَخْوِيفٌ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعٌ لِلْقَطْعِ بِمَغْفِرَةِ ذَنْبٍ مَا وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، أَقُولُ: وَقَدْ ذَكَّرَنِي قَوْلُهُ بِكَلِمَةٍ لِأَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ.
قَالَ: " وَقَدْ أَبْهَمْتَ الْأَمْرَ عَلَيْنَا نَرْجُو وَنَخَافُ فَآمِنْ خَوْفَنَا وَلَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا " وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الدُّعَاءِ، وَقَدْ قَرَّرَ مَا ذُكِرَ مِنْ تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِالْمَشِيئَةِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَيْ فَهُوَ بِقُدْرَتِهِ يُنَفِّذُ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ، فَنَسْأَلُهُ الْعِنَايَةَ
وَالتَّوْفِيقَ وَالْهِدَايَةَ لِأَقْوَمِ طَرِيقٍ.
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
قِيلَ: إِنَّ الْآيَتَيْنِ مُتَعَلِّقَتَانِ بِمَا قَبْلَهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ كَمَالِ الْأُلُوهِيَّةِ الَّذِي يُقَابِلُهُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَالدُّعَاءِ مَا يُنَاسِبُهُ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْحِسَابِ وَالْعِلْمِ بِالْخَفَايَا الْمُقْتَضِي لِلْإِيمَانِ وَالدُّعَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِبَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَكَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَذِكْرِ صِفَاتِ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ وَأُصُولِ الْإِيمَانِ الَّتِي أَخَذُوا بِهَا وَخَبَرِ سَائِرِ النَّاسِ مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُرْتَابِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهَا كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ وَمُحَاجَّةِ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْأُمَمِ، نَاسَبَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ خَتْمُ السُّورَةِ بِالشَّهَادَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْإِيمَانِ وَهُمُ الْمُهْتَدُونَ تَمَامَ الِاهْتِدَاءِ، وَلَقَّنَهُمْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا سَتَعْلَمُ حِكْمَتَهُ وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ قَالَ تَعَالَى:
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْ صَدَّقَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى تَصْدِيقَ إِذْعَانٍ وَاطْمِئْنَانٍ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ - عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ وَقَدْ شَهِدَ لَهُمْ بِهَذَا الْإِيمَانِ أَثَرُهُ فِي نُفُوسِهِمِ الزَّكِيَّةِ وَهِمَمِهِمُ الْعَلِيَّةِ، وَأَعْمَالِهِمُ الْمَرْضِيَّةِ وَاللهُ أَكْبَرُ شَهَادَةً، وَقَدِ اعْتَرَفَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِفْرِنْجِ الْبَاحِثِينَ فِي شُئُونِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلُومِهِمْ وَسَائِرِ شُئُونِ أُمَمِ الشَّرْقِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ عَلَى اعْتِقَادٍ جَازِمٍ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ
وَمُوحًى إِلَيْهِ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى الْوَحْيَ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ لِنَشْرِ حِكْمَتِهِ وَالْإِقْنَاعِ بِفَلْسَفَتِهِ أَوْ لِنَيْلِ السُّلْطَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ بِهِ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ (وَكِتَابِهِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمْ آمَنَ بِوُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَتَنْزِيهِهِ وَكَمَالِ صِفَاتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَسُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ، وَبِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ السُّفَرَاءُ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ الرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ يَنْزِلُونَ بِالْوَحْيِ عَلَى قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ الْإِيمَانَ بِذَوَاتِهِمْ، بَلِ الْإِيمَانَ بِسِفَارَتِهِمْ فِي الْوَحْيِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ ; وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ بِحَقِّيَّةِ كُتُبِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ، لَكِنْ مَا يُفِيدُهُ التَّرْتِيبُ وَالنَّظْمُ مِنْ إِرَادَةِ الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ مِنْ حَيْثُ هُمْ حَمَلَةُ الْوَحْيِ إِلَى الرُّسُلِ لَا يُنَافِي مُلَاحَظَةَ الْإِيمَانِ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ بَلْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَأَمَّا الْبَحْثُ عَنْ ذَوَاتِهِمْ مَا هِيَ وَعَنْ صِفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ كَيْفَ هِيَ؟ فَهُوَ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ فِي دِينِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ جِنْسُهَا ; أَيْ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ إِيمَانًا إِجْمَالِيًّا فِيمَا أَجْمَلَهُ الْقُرْآنُ وَتَفْصِيلِيًّا فِيمَا فَصَّلَهُ لَا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا وَيَقُولُونَ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ قَرَأَ يَعْقُوبُ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ (لَا يُفَرِّقُ) وَهُوَ يَعُودُ عَلَى لَفْظِ " كَلٌّ " وَذِكْرُ الْمَقُولِ مَعَ حَذْفِ الْقَوْلِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ، وَلَهُ مَوَاضِعُ فِي الْكِتَابِ لَا يَقِفُ الْفَهْمُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُمْ فِي الرِّسَالَةِ وَالتَّشْرِيعِ سَوَاءٌ، كَثُرَ قَوْمُ الرَّسُولِ مِنْهُمْ أَمْ قَلُّوا، وَكَثُرَتِ الْأَحْكَامُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَيْهِ أَمْ قَلَّتْ،
وَتَقَدَّمَتِ الْبَعْثَةُ أَمْ تَأَخَّرَتْ. وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ - تَعَالَى -: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [2: 253] فَإِنَّ التَّفْضِيلَ لَيْسَ فِي أَصْلِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ. أَقُولُ: وَفِي هَذَا مَزِيَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ. وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْقِلُوا مَعْنَى الرِّسَالَةِ فِي نَفْسِهَا إِذْ لَوْ عَقَلُوهَا لَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ مَنْ أُوتُوهَا، وَقَدْ رَأَيْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَذْكِيَاءِ النَّصَارَى يُدْرِكُ هَذِهِ الْمَزِيَّةَ.
آمَنُوا بِمَا ذُكِرَ قَائِلِينَ بِعَدَمِ التَّفْرِيقِ: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا أَيْ بُلِّغْنَا فَسَمِعْنَا الْقَوْلَ سَمَاعَ وَعْيٍ وَفَهْمٍ، وَأَطَعْنَا مَا أُمِرْنَا بِهِ فِيهِ، إِطَاعَةَ إِذْعَانٍ وَانْقِيَادٍ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ: وَقَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ مِرَارًا أَنَّ فَرْقًا بَيْنَ إِيمَانِ الْإِذْعَانِ وَبَيْنَ مَا يُسَمِّيهِ
الْإِنْسَانُ إِيمَانًا وَاعْتِقَادًا؛ لِأَنَّهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَقَبِلَهُ بِالتَّقْلِيدِ وَلَمْ يَسْمَعْ لَهُ نَاقِضًا، فَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ اعْتِقَادًا حَقِيقِيًّا، وَقَلَّمَا يَنْشَأُ عَنْهُ عَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ تَقْلِيدٌ، بَقَاؤُهُ فِي الْغَفْلَةِ عَنْ نَاقِضِهِ، وَالْإِذْعَانُ يُنَبِّهُ النَّفْسَ دَائِمًا إِلَى مَا تُذْعِنُ لَهُ، وَيَبْعَثُهَا دَائِمًا إِلَى الْعَمَلِ بِهِ إِلَّا إِذَا عَرَضَ مَا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْمَرْءُ مِنَ الْمَوَانِعِ ; وَلِهَذَا عَطْفَ أَطَعْنَا عَلَى سَمِعْنَا. وَلَمَّا كَانَ الْعَامِلُ الْمُذْعِنُ الْمُخْلِصُ يُرَاقِبُ قَلْبَهُ وَيُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى التَّقْصِيرِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْعَوَارِضُ الطَّارِئَةُ وَيَلُومُهَا عَلَى مَا دُونَ الْكَمَالِ مِنَ الْأَعْمَالِ كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا مَعَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أَيْ يَسْأَلُونَهُ - تَعَالَى - أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ مَا عَسَاهُ يَطْرَأُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعُوقُهَا عَنِ الرُّقِيِّ فِي مَعَارِجِ الْكَمَالِ الَّذِي دَعَاهَا إِلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهَا، وَالْغُفْرَانُ كَالْمَغْفِرَةِ: السَّتْرُ، وَسَتْرُ الذَّنْبِ يَكُونُ بِعَدَمِ الْفَضِيحَةِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ هَذَا بِالتَّوْبَةِ وَإِتْبَاعِ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ مَعَ الدُّعَاءِ الَّذِي يَزِيدُ فِي الْإِيمَانِ وَبِذَلِكَ يُمْحَى أَثَرُ الذُّنُوبِ مِنَ النَّفْسِ فِي الدُّنْيَا فَيُرْجَى أَنْ تَصِيرَ إِلَيْهِ - تَعَالَى - فِي الْآخِرَةِ نَقِيَّةً زَكِيَّةً؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَصِيرَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ وَرَاءَهُ الْجَزَاءُ بِحَسَبِ دَرَجَاتِ النُّفُوسِ فِي مَعَارِجِ الْكَمَالِ.
لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَا يُحَاسِبُهَا إِلَّا عَلَى مَا كَلَّفَهَا، وَالتَّكْلِيفُ: هُوَ الْإِلْزَامُ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَالْوُسْعُ: مَا تَسَعُهُ قُدْرَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلَا عُسْرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَا دُونُ مَدَى طَاقَتِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ شَأْنَهُ - تَعَالَى - وَسُنَّتَهُ فِي شَرْعِ الدِّينِ أَلَّا يُكَلِّفَ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ. وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْكَلَامَ فِي شَأْنِهِ وَسُنَّتِهِ - تَعَالَى - فِي التَّكْلِيفِ، وَسَتَأْتِي تَتِمَّةُ هَذَا الْبَحْثِ قَرِيبًا. وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّكْلِيفُ لَمْ يَقَعْ كَمَا قَالُوا، امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِمَا قَبِلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [3: 102] كَمَا قِيلَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ وَجْهَانِ قِيلَ: هِيَ ابْتِدَاءُ خَبَرٍ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - كَأَنَّهُ بِشَارَةٌ بِغُفْرَانِ مَا طَلَبُوا غُفْرَانَهُ
مِنَ التَّقْصِيرِ وَتَيْسِيرِ مَا قَدْ يُشَمُّ مِنَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ مِنَ التَّعْسِيرِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُمْ بَعْدَ سُؤَالِ الْغُفْرَانِ قَدْ أُذِنُوا بِأَنْ يُصْغُوا لِلَّهِ - تَعَالَى - بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الرَّأْفَةِ بِعِبَادِهِ، وَالْحِكْمَةِ فِي سِيَاسَتِهِمْ.
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ قِيلَ: إِنَّ الْكَسْبَ وَالِاكْتِسَابَ وَاحِدٌ فِي اللُّغَةِ نُقِلَ عَنِ الْوَاحِدِيِّ. وَقِيلَ: إِنَّ الِاكْتِسَابَ أَخَصُّ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِهِ، وَاخْتَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا كَالْفَرْقِ بَيْنَ عَمِلَ وَاعْتَمَلَ، فَكُلُّ مَنِ اكْتَسَبَ وَاعْتَمَلَ يُفِيدُ الِاخْتِرَاعَ وَالتَّكَلُّفَ، فَالْآيَةُ تُشِيرُ أَوْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِطْرَةَ الْإِنْسَانِ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْخَيْرِ، وَأَنَّهُ يَتَعَوَّدُ الشَّرَّ بِالتَّكَلُّفِ وَالتَّأَسِّي. وَالْمَعْنَى: أَنَّ لَهَا ثَوَابَ مَا كَسَبَتْ مِنَ الْخَيْرِ وَعَلَيْهَا عِقَابُ مَا اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْإِنْسَانِ هَلْ هُوَ خَيْرٌ بِالطَّبْعِ أَوْ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ؟ وَإِلَى أَيِّ الْأَمْرَيْنِ أَمْيَلُ بِفِطْرَتِهِ مَعَ صَرْفِ النَّظَرِ عَمَّا يَتَّفِقُ لَهُ فِي تَرْبِيَّتِهِ، الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَا شَكَّ أَنَّ الْمَيْلَ إِلَى الْخَيْرِ مِمَّا أُودِعَ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ، وَالْخَيْرُ كُلُّ مَا فِيهِ نَفْعُ نَفْسِكَ وَنَفْعُ النَّاسِ. وَجُمَّاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تُحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَالْإِنْسَانُ يَفْعَلُ الْخَيْرَ بِطَبْعِهِ، وَتَكُونُ فِيهِ لَذَّتُهُ، وَيَمِيلُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ - تَعَالَى -؛ لِأَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ مَغْرُوسٌ فِي الطَّبْعِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ، وَأَقَلُّهُ الْبَشَاشَةُ وَالِارْتِيَاحُ لِلْمُنْعِمِ وَلَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَرْتَاحُ إِلَيْهِ وَيَرَاهُ بِعَيْنِ الرِّضَا، وَأَمَّا الْبَشَرُ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ بِأَسْبَابٍ لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِهَا وَلَا مُقْتَضَى فِطْرَتِهَا، وَمَهْمَا كَانَ الْإِنْسَانُ شِرِّيرًا فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ الشَّرَّ مَمْقُوتٌ فِي نَظَرِ النَّاسِ وَصَاحِبَهُ مَهِينٌ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ الطِّفْلَ يَنْشَأُ عَلَى الصِّدْقِ حَتَّى يَسْمَعَ الْكَذِبَ مِنَ النَّاسِ فَيَتَعَلَّمُهُ، وَإِذَا رَأَى إِعْجَابَ النَّاسِ بِكَلَامِ مَنْ يَصِفُ شَيْئًا يَزِيدُ فِيهِ وَيُبَالِغُ كَاذِبًا اسْتَحَبَّ الْكَذِبَ وَافْتَرَاهُ لِيَنَالَ الْحُظْوَةَ عِنْدَ النَّاسِ، وَيَحْظَى بِإِعْجَابِهِمْ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ يَشْعُرُ بِقُبْحِهِ حَتَّى إِذَا نُبِزَ أَمَامَهُ أَحَدٌ بِلَقَبِ الْكَاذِبِ أَوِ الْكَذَّابِ أَحَسَّ بِمَهَانَةِ نَفْسِهِ وَخِزْيِهَا، وَهَكَذَا شَأْنُ الْإِنْسَانِ عِنْدَ اقْتِرَافِ كُلِّ شَرٍّ يَشْعُرُ فِي نَفْسِهِ بِقُبْحِهِ وَيَجِدُ مِنْ أَعْمَاقِ سَرِيرَتِهِ هَاتِفًا يَقُولُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ وَيُحَاسِبُهُ بَعْدَ الْفِعْلِ وَيُوَبِّخُهُ إِلَّا فِي النَّادِرِ، وَمِنَ النَّادِرِ أَنْ يَصِيرَ الْإِنْسَانُ شَرًّا مَحْضًا - يُرِيدُ أَنَّهُ قَلَّمَا يَأْلَفُ أَحَدٌ الشَّرَّ وَيَنْطَبِعُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ طَبْعًا لَهُ لَا تَشْعُرُ نَفْسُهُ بِقُبْحِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَلَا فِي أَثْنَائِهِ وَلَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْمِلْيُونِ
مِنَ النَّاسِ شِرِّيرٌ وَاحِدٌ يَفْعَلُ الشَّرَّ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ شَرٌّ قَبِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ أَرَادُوا مِنَ الطَّبْعِ مَا يَرَوْنَ عَلَيْهِ غَالِبَ النَّاسِ وَلَمْ يُلَاحِظُوا فِيهِ مَعْنَى الْغَرِيزَةِ وَمَنَاشِئَ الْعَمَلِ مِنَ الْفِطْرَةِ، ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْشَأُ بَيْنَ مُنَازَعَاتِ الْكَوْنِ وَفَوَاعِلِ الطَّبِيعَةِ وَأَحْيَائِهَا
وَمُغَالَبَةِ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ عَلَى الْمَنَافِعِ وَالْمَرَافِقِ، وَقَدْ يَدْفَعُهُ هَذَا الْجِهَادُ إِلَى الْأَثَرَةِ وَتَوْفِيرِ الْخَيْرِ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً وَيُلْجِئُهُ الظُّلْمُ إِلَى الظُّلْمِ فَيَأْتِيهِ مُتَعَلِّمًا إِيَّاهُ تَعَلُّمًا مُتَكَلِّفًا لَهُ تَكَلُّفًا، وَفِي نَفْسِهِ ذَلِكَ الْهَاتِفُ الْفِطْرِيُّ يَقُولُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، وَهُوَ النِّبْرَاسُ الْإِلَهِيُّ الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ، فَإِذَا رَجَعَ الْإِنْسَانُ إِلَى أَصْلِ فِطْرَتِهِ لَا يَرَى إِلَّا الْخَيْرَ، وَلَا يَمِيلُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَإِذَا تَأَمَّلَ فِي الشَّرِّ الَّذِي يَعْرِضُ لَهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَصْلِ الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الطَّوَارِئِ الَّتِي تَعْرِضُ عَلَيْهَا لَا سِيَّمَا مَنْ يَنْشَأُ بَيْنَ قَوْمٍ فَسَدَتْ فِطْرَتُهُمْ، وَأَشَدُّ مَا يَضُرُّ الْإِنْسَانَ فِي ذَلِكَ نَظَرُهُ إِلَى حَالِ غَيْرِهِ ; وَلِذَلِكَ أُمِرْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنْ نَنْظُرَ فِي شُئُونِ الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَنَا وَهَذَا الْأَمْرُ خَاصٌّ بِالْأَفْرَادِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَإِنَّ نَظَرَ الْوَاحِدِ إِلَى مَنْ دُونَهُ يَجْعَلُهُ رَاضِيًا بِمَا أُوتِيهِ مِنَ النِّعَمِ بَعِيدًا عَنِ الْحَسَدِ الَّذِي هُوَ مَنْبَعُ الشُّرُورِ، وَأَمَّا الْأُمَمُ فَيَنْبَغِي أَنْ نَنْظُرَ فِي حَالِ مَنْ فَوْقِنَا مِنْهَا لِأَجْلِ مُبَارَاتِهَا وَمُسَامَاتِهَا.
هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِإِيضَاحٍ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي الْخَيْرِ: كَسَبَتْ وَفِي الشَّرِّ اكْتَسَبَتْ وَكَانَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - يَرَى أَنَّ أَحَقَّ مَا يُتَعَجَّبُ لَهُ مِنْ حَالِ الْإِنْسَانِ كَثْرَةُ عَمَلِ الشَّرِّ وَقِلَّةُ عَمَلِ الْخَيْرِ، وَيُعَلِّلُ ذَلِكَ بِأَنَّ عَمَلَ الْخَيْرِ سَهْلٌ وَعَاقِبَتُهُ حَمِيدَةٌ، وَعَمَلَ الشَّرِّ عَسِرٌ وَمَغَبَّتُهُ ذَمِيمَةٌ، وَلَا عَجَبَ فِي تَعَجُّبِهِ، فَقَدْ كَانَ مَجْبُولًا مِنْ طِينَةِ الْخَيْرِ، سَلِيمَ الْفِطْرَةِ مِنْ عَوَارِضِ الشَّرِّ، حَتَّى لَمْ تُؤَثِّرْ فِي نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ الشُّرُورُ الَّتِي كَانَتْ تُحِيطُ بِهِ مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِ إِلَى يَوْمِ وَفَاتِهِ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ فِي الْبَسْطِ لِكَثْرَةِ اشْتِبَاهِ النَّاسِ فِيهَا، وَلِشِّدَّةِ مَا عَارَضَنَا فِي تَقْرِيرِهَا الطُّلَّابُ فِي الدَّرْسِ، وَالْبَاحِثُونَ فِي الْمُحَاضَرَاتِ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَا هُوَ الشَّرُّ الْفِطْرِيُّ فِي الْبَشَرِ؟ لَيَقُولُنَّ: حُبُّ الشَّهَوَاتِ وَالْغَضَبُ وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَلَوْلَا هَاتَانِ الْغَرِيزَتَانِ لَمَا جَلَبَ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ نَفْعًا، وَلَمَا دَفَعَ ضَرًّا، وَلَمَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِ الْإِنْسَانِ مَا نَرَى مِنْ أَسْرَارِ الطَّبِيعَةِ وَمَحَاسِنِ الْخَلِيقَةِ، بَلْ لَوْلَاهُمَا لَبَادَتِ
الْأَفْرَادُ وَانْقَرَضَ النَّوْعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِي الْفِطْرَةِ وَالدِّينِ وَالْمُرْشِدِ إِلَى كَمَالِهَا مَا يَكْفِي لِإِقَامَةِ الْمِيزَانِ الْقِسْطِ فِيهِمَا غَالِبًا، حَتَّى لَا يَغْلِبَ فِي الْأُمَّةِ تَفْرِيطٌ وَلَا إِفْرَاطٌ، وَيَكُونُ الْخَيْرُ أَصْلًا عَامًّا، وَالشَّرُّ عَرَضًا مُفَارِقًا، وَالْأَصْلُ الَّذِي لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ جُبِلَ عَلَى أَلَّا يَعْمَلَ عَمَلًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ نَافِعٌ، وَأَنَّ فِعْلَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ، وَذَلِكَ شَأْنُهُ فِي التَّرْكِ أَيْضًا، وَأَنَّ هِدَايَاتِهِ الْأَرْبَعَ: الْحِسَّ وَالْوِجْدَانَ وَالْعَقْلَ وَالدِّينَ كَافِيَةٌ لِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ نَافِعٌ، وَكُلَّ شَرٍّ ضَارٌّ، فَإِذَا قَصَّرَ فِي الِاهْتِدَاءِ بِهَذِهِ الْهِدَايَاتِ فَوَقَعَ فِي الشَّرِّ كَانَ وُقُوعُهُ فِيهِ أَثَرًا لِتَنَكُّبِ طَرِيقِ الْفِطْرَةِ لَا لِلسَّيْرِ عَلَى جَادَّتِهَا، وَأَكْثَرُ أَعْمَالِ النَّاسِ نَافِعَةٌ لَهُمْ غَيْرُ ضَارَّةٍ بِغَيْرِهِمْ، وَمِنَ التَّفْصِيلِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي كَذِبِ الْأَطْفَالِ، وَمِنْهُ مَا سُئِلْنَا عَنْهُ فِي الدَّرْسِ وَمَجَالِسِ الْبَحْثِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الزِّنَا مَثَلًا، وَأَجَبْنَا بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمِيلُ بِفِطْرَتِهِ إِلَى الزِّنَا، وَإِنَّمَا يَمِيلُ إِلَى الْوِقَاعِ، وَهَذَا مِنَ الْخَيْرِ وَأَصُولِ الْكَمَالِ فِي الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا الزِّنَا وُضِعَ لَهُ فِي غَيْرِ
مَوْضِعِهِ، وَذَلِكَ مِنَ الْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ الَّتِي تَكْثُرُ بِتَرْكِ مُقَوِّمَاتِ الْفِطْرَةِ وَحَوَافِظِهَا مِنْ نُذُرِ الدِّينِ وَقَضَايَا الْعَقْلِ وَآدَابِ الِاجْتِمَاعِ، وَلَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ - لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ مِصْرَ - أَظُنُّ أَنَّ الزِّنَا لَا يَكَادُ يَقَعُ إِلَّا نَادِرًا مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْجَاهِلِينَ، وَهَذَا مَا يَعْتَقِدُهُ كُلُّ مَنْ يَنْشَأُ فِي بِيئَةٍ تَغْلُبُ فِيهَا الْعِفَّةُ، وَلَمْ يَعْرِفْ حَالَ غَيْرِهَا وَلَا أَخْبَارَ الشَّاذِّينَ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ فِطْرِيًّا لَشَعَرَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ نَفْسِهِ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ، كَمَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى زَوْجٍ يَتَّحِدُ بِهِ، وَلَعَلَّ مَا أَوْرَدْنَاهُ كَافٍ لِلْمُتَدَبِّرِ، وَلَا يَتَّسِعُ التَّفْسِيرُ لِأَكْثَرَ مِنْهُ.
بَيَّنَ اللهُ - تَعَالَى - لَنَا شَأْنَ الْمُؤْمِنِ فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ثُمَّ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لِمَا يُلِمُّ بِهِ أَوْ يَتَّهِمُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَفَضْلَهُ وَمِنَّتَهُ فِي عَدَمِ تَكْلِيفِ النَّفْسِ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهَا، ثُمَّ عَلَّمَنَا هَذَا الدُّعَاءَ لِنَدْعُوَهُ بِهِ وَهُوَ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا فَتَرَكْنَا مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ أَوْ فَعَلْنَا مَا يَجِبُ تَرْكُهُ، أَوْ جِئْنَا بِالشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ أَنْ يُؤَاخَذَ عَلَيْهِمَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْوَجْهِ فِيهِ. وَالْمُؤَاخَذَةُ: الْمُعَاقَبَةُ، وَهِيَ مِنَ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُرَادُ عِقَابُهُ يُؤْخَذُ بِيَدِ الْقَهْرِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ وَالْمُخْطِئَ لَا إِرَادَةَ لَهُمَا فِيمَا فَعَلَاهُ نِسْيَانًا أَوْ خَطَأً، وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ
وَالْكَلَامِ، وَيَتْبَعُهُ مِنَ الْمُنَاقَشَاتِ مَا يَبْعُدُ بِهِ عَنْ حُدُودِ الْأَفْهَامِ، وَإِذَا رَجَعَ الْإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ وَتَأَمَّلَ الْأَمْرَ فِي ذَاتِهِ عَلِمَ أَنَّ النَّاسِيَ يَصِحُّ أَنْ يُؤَاخَذَ فَيُقَالَ لَهُ لِمَ نَسِيتَ؟ فَإِنَّ النِّسْيَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ عَدَمِ الْعِنَايَةِ بِالشَّيْءِ وَتَرْكِ إِجَالَةِ الْفِكْرِ فِيهِ وَتَرْدِيدِهِ فِي النَّفْسِ لِيَسْتَقِرَّ فِي الذَّاكِرَةِ، فَتُبْرِزَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ; وَلِذَلِكَ يَنْسَى الْإِنْسَانُ مَا لَا يُهِمُّهُ وَيَحْفَظُ مَا يُهِمُّهُ، فَإِذَا كَانَ النِّسْيَانُ غَيْرَ اخْتِيَارِيٍّ فَسَبَبُهُ الَّذِي بَيَّنَاهُ آنِفًا اخْتِيَارِيٌّ، وَلِذَلِكَ يُؤَاخِذُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالنِّسْيَانِ لَا سِيَّمَا نِسْيَانُ الْأَدْنَى لِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ الْأَعْلَى، فَإِذَا عَهِدْتَ إِلَى مَنْ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ أَوْ فَضْلٌ بِأَنْ يَفْعَلَ كَذَا أَوْ يَجِيئَكَ فِي يَوْمِ كَذَا فَنَسِيَ وَلَمْ يَمْتَثِلْ فَإِنَّكَ تَسْأَلُهُ وَتُؤَاخِذُهُ بِمَا تَرْمِيهِ بِهِ مِنَ الْإِهْمَالِ وَعَدَمِ الْعِنَايَةِ بِأَمْرِكَ، وَقَدْ آخَذَ اللهُ آدَمَ عَلَى ذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ فِيهِ: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [20: 115] وَقَالَ فِي جَوَابِ مَنْ يَسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَبَّهُ لِمَ حَشَرَهُ أَعْمَى؟ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [20: 126] وَقَالَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [5: 13] وَفِي الْآيَةِ: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [5: 14] وَهُنَاكَ آيَةٌ أُخْرَى، وَقَدْ فُسِّرَ النِّسْيَانُ فِيهَا بِالتَّرْكِ الَّذِي هُوَ لَازِمُهُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّسْيَانِ هُنَا أَيْضًا لَازِمُهُ، وَهُوَ تَرْكُ الِامْتِثَالِ. وَكَذَلِكَ الْخَطَأُ يَنْشَأُ مِنَ التَّسَاهُلِ وَعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ وَالتَّرَوِّي، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَتِ الشَّرِيعَةُ الضَّمَانَ فِي إِتْلَافِ الْخَطَأِ وَالدِّيَةَ فِي جِنَايَتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ امْرُؤٌ أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا فَأَصَابَ إِنْسَانًا فَقَتَلَهُ كَانَ مُؤَاخَذًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَكَذَا فِي الْقَوَانِينِ
الْوَضْعِيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَجَرَى عَلَيْهِ عُرْفُ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ وَقَوَانِينِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنَ النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ مُقَصِّرًا لَمَا كَانَ هَذَا، وَكَمَا جَازَ ذَلِكَ وَحَسُنَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَاخِذَ اللهُ النَّاسَ فِي الْآخِرَةِ بِكُلِّ مَا يَأْتُونَهُ مِنَ الْمُنْكَرِ نَاسِينَ تَحْرِيمَهُ أَوْ وَاقِعِينَ فِيهِ خَطَأً، وَلَكِنَّهُ - تَعَالَى - عَلَّمَنَا أَنْ نَدْعُوَهُ بِأَلَّا يُؤَاخِذَنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، وَذَلِكَ مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْنَا وَإِحْسَانِهِ فِي هِدَايَتِنَا، فَإِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ يُذَكِّرُنَا بِمَا يَنْبَغِي مِنَ الْعِنَايَةِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّذَكُّرِ لَعَلَّنَا نَسْلَمُ مِنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ أَوْ يَقِلُّ وُقُوعُهُمَا مِنَّا فَيَكُونُ ذَنْبًا جَدِيرًا بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَهَذَا الدُّعَاءُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللهِ فِي النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ أَلَّا يُؤَاخِذَ عَلَيْهِمَا، بَلْ قُصَارَى مَا يُؤْخَذُ
مِنْهُ أَنَّهُمَا مِمَّا يُرْجَى الْعَفْوُ عَنْهُمَا إِذَا وَقَعَ الْعَبْدُ بَعْدَ بَذْلِ جُهْدِهِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالتَّحَرِّي وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّذَكُّرِ وَأَخْذِ الدِّينِ بِقُوَّةٍ وَشَعَرَ بِتَقْصِيرِهِ فَلَجَأَ إِلَى الدُّعَاءِ الَّذِي يُقَوِّي فِي النَّفْسِ خَشْيَةَ اللهِ - تَعَالَى - وَالرَّجَاءَ بِفَضْلِهِ، فَيَكُونُ هَذَا الْإِقْبَالُ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - نُورًا تَنْقَشِعُ بِهِ ظُلْمَةُ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ، وَلَعَلَّ إِيرَادَ الشَّرْطِ بِأَنَّ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ هَذَا خِلَافَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا قَلِيلًا. وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ مِمَّا زِدْتُهُ عَلَى كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَقَدْ يَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَرْفُوعُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي السُّنَنِ وَهُوَ: إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَسْلَمُ لَهُ إِسْنَادٌ، وَلَكِنَّهُ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُعَدُّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ (قَالَهُ فِي فَتْحِ الْبَيَانِ) وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ مُخَالَفَتَهُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى وَضْعِهِ لَا ضَعْفِهِ إِلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ أَنْفُسَهَا مِمَّا يُتَجَاوَزُ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمُهُ، فَإِنْ كَانَ صَلَاةً أُعِيدَتْ وَإِنْ كَانَ ذَنْبًا وَجَبَتِ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَالتَّضَرُّعُ إِلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ، وَإِلَّا أُوخِذَ النَّاسِي وَالْمُخْطِئُ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ دُونَهُمَا، وَقَدْ أَخْطَأَ الْقَرَافِيُّ فِي فُرُوقِهِ بِمَا كَتَبَ فِي هَذَا الْمَقَامِ خَطَأً نَدْعُو اللهَ أَنْ يَغْفِرَهُ لَهُ.
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا الْإِصْرُ: الْعِبْءُ الثَّقِيلُ، يَأْصِرُ صَاحِبَهُ أَيْ يَحْبِسُهُ مَكَانَهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ لِثِقَلِهِ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ وَنُزُولِ الْوَحْيِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا أَيْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا الرُّسُلُ كَبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ كَانَتِ التَّكَالِيفُ شَاقَّةً عَلَيْهِمْ جِدًّا، وَفِي تَعْلِيمِنَا هَذَا الدُّعَاءَ بِشَارَةٌ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - لَا يُكَلِّفُنَا مَا يَشُقُّ عَلَيْنَا. كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [5: 6] وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الِامْتِنَانَ عَلَيْنَا وَإِعْلَامَنَا بِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْنَا الْإِصْرَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا شُكْرُهُ لِذَلِكَ، وَحِكْمَةُ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ الْآنَ اسْتِشْعَارُ النِّعْمَةِ وَالشُّكْرُ عَلَيْهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْإِصْرَ هُوَ الْعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الِامْتِثَالِ وَعَدَمِ حَمْلِ الشَّرِيعَةِ عَلَى وَجْهِهَا،
فَطَلَبَ مِنَّا أَنْ نَدْعُوَهُ بِأَلَّا تَكُونَ عُقُوبَتُنَا عَلَى ذَلِكَ كَعُقُوبَةِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الَّذِينَ نَزَلَتْ بِهِمْ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ وَدَمَّرَتْهُمْ تَدْمِيرًا حَتَّى هَلَكُوا هَلَاكًا حِسِّيًّا. فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَوْ هَلَاكًا مَعْنَوِيًّا بِأَنْ
ضَاعَتْ أَوْ تَضَعْضَعَتْ شَرِيعَتُهُمْ وَنَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ حَتَّى عَادُوا إِلَى الْوَثَنِيَّةِ وَالْهَمَجِيَّةِ.
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ أَوْ مِنَ الْبَلَايَا وَالْفِتَنِ وَالْمِحَنِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّرَائِعُ وَالْأَحْكَامُ، وَجَعَلُوهُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَهُوَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مَسْأَلَةُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي نَعُوذُ بِاللهِ مِنْهُ وَالْخِلَافُ فِيهَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ مَا فِي الشَّرِيعَةِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ: هَلْ يَجُوزُ عَلَى اللهِ عَقْلًا أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَ أَمْ لَا؟ وَالْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ. وَمَا لَا يُطَاقُ هُوَ مَا لَا يَدْخُلُ فِي مَكِنَةِ الْإِنْسَانِ وَطَوْقِهِ، وَمَا يُطَاقُ: هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَهُ وَلَوْ مَعَ الْمَشَقَّةِ، وَقَدْ جَعَلُوا مَا لَا يُطَاقُ بِمَعْنَى الْمُتَعَذِّرِ الَّذِي يَعْلُو الْقُدْرَةَ كَالَّذِي يَسْتَحِيلُ فِعْلُهُ عَقْلًا أَوْ عَادَةً، وَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَفْهَمَ الْقُرْآنَ بِلُغَتِهِ الَّتِي أُنْزِلَ بِهَا، لَا بِعُرْفِ أَفْلَاطُونَ وَفَلْسَفَةِ أَرِسْطُو، وَقَدْ رَأَيْنَا الْعَرَبَ تُعَبِّرُ مِمَّا يُطَاقُ عَمَّا فِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَلَيْسَ يَبِينُ فَضْلُ الْمَرْءِ إِلَّا
…
إِذَا كَلَّفْتَهُ مَا لَا يُطِيقُ
أَقُولُ: يُرِيدُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّنَا إِذَا فَسَّرْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ بِالْأَحْكَامِ وَالتَّكَالِيفِ كَانَ مَعْنَاهُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا فَسَّرْنَا الْإِصْرَ بِالْعُقُوبَةِ تَفَادِيًا مِنَ التَّكْرَارِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ الْإِصْرُ: بِالتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، وَمَا لَا طَاقَةَ بِهِ: بِالْعُقُوبَةِ عَلَى التَّقْصِيرِ فِيهَا، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الدُّعَاءَ بِنَفْيِ سَبَبِ الْعُقُوبَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: رَبَّنَا لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا مَا يَشُقُّ عَلَيْنَا مِنَ الْأَحْكَامِ، بَلْ حَمِّلْنَا الْيَسِيرَ الَّذِي يَسْهُلُ عَلَيْنَا حَمْلُهُ، رَبَّنَا وَوَفِّقْنَا لِحَمْلِ مَا حَمَّلْتَنَا وَالنُّهُوضِ بِهِ كَمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، لِكَيْلَا نَسْتَحِقَّ بِمُقْتَضَى سُنَّتِكَ أَنْ تُحَمِّلَنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُفَرِّطِينَ فِي دَيْنِهِمْ، الْمُسْرِفِينَ فِي أَهْوَائِهِمْ. وَاعْفُ عَنَّا بِمَحْوِ أَثَرِ مَا عَسَانَا نُلِمُّ بِهِ مِنْ أَنْفُسِنَا وَعَدَمِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ وَاغْفِرْ لَنَا، أَيْ لَا تَفْضَحْنَا بِإِظْهَارِهِ بِذَاتِهِ وَلَا بِالْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ وَارْحَمْنَا فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا تُوَفِّقُنَا لَهُ مِنْ إِقَامَةِ دِينِكَ وَالسَّيْرِ عَلَى سُنَنِكَ الَّتِي جَعَلْتَهَا بِحِكْمَتِكَ طُرُقًا لِلسَّعَادَةِ.
أَنْتَ مَوْلَانَا الَّذِي مَنَحْتَنَا أَنْوَاعَ الْهِدَايَةِ، وَأَيَّدْتَنَا بِالتَّوْفِيقِ وَالْعِنَايَةِ، فَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَلَا نَسْتَعِينُ بِسِوَاكَ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِكَ أَوْلِيَاءَ، وَجَهِلُوا سُنَنَكَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، فَأَعْرَضُوا عَمَّا مَدَدْتَ لَهُمْ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْأَرْبَابِ، وَالَّذِينَ حَجَبَتْهُمْ سُنَنُكَ الْكَوْنِيَّةُ، عَنِ الْإِيمَانِ بِالْأُلُوهِيَّةِ
وَالرُّبُوبِيَّةِ، انْصُرْنَا عَلَى الْجَاحِدِينَ وَالْمُرْتَابِينَ مِنْهُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَعَلَى الْمُعْتَدِينَ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ حِمَايَةِ الْحَقِّ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ.
اسْتَحْسَنَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ تَفْسِيرَ الْجَلَالِ " النَّصْرَ " بِالْغَلَبَةِ بِالْحُجَّةِ وَبِالسَّيْفِ وَقَالَ: إِنَّ النَّصْرَ بِالْحُجَّةِ هُوَ أَعْلَى النَّصْرِ وَأَفْضَلُهُ؛ لِأَنَّهُ نَصْرٌ عَلَى الرُّوحِ وَالْعَقْلِ، وَالنَّصْرُ بِالسَّيْفِ إِنَّمَا هُوَ نَصْرٌ عَلَى الْجَسَدِ وَلَا نُؤْثِرُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجُمَلِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْآيَةِ شَيْئًا إِلَّا هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ فِي شَأْنِ هَذَا الدُّعَاءِ كُلِّهِ مَا مِثَالُهُ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - مَا عَلَّمَنَا هَذَا الدُّعَاءَ لِأَجْلِ أَنْ نَلُوكَهُ بِأَلْسِنَتِنَا وَنُحَرِّكَ بِهِ شِفَاهَنَا فَقَطْ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْأَوْرَادِ وَالْأَحْزَابِ، بَلْ عَلَّمَنَا إِيَّاهُ لِأَجْلِ أَنْ نَدْعُوَهُ بِهِ مُخْلِصِينَ لَهُ لَاجِئِينَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَخْذِ مَا أَنْزَلَهُ بِقُوَّةٍ وَالْعَمَلِ بِهِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَاسْتِعْمَالِ مَا يَصِلُ إِلَيْهِ كَسْبُنَا مِنَ الْوَسَائِلِ وَالذَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ وَسَائِلُ الِاسْتِجَابَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَمَنْ دَعَاهُ بِلِسَانِ مَقَالِهِ وَلِسَانِ حَالِهِ مَعًا فَإِنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُ بِلَا شَكٍّ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَّا حَرَكَةَ اللِّسَانِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَحْكَامِ وَتَنَكُّبِ السُّنَنِ فَهُوَ بِدُعَائِهِ كَالسَّاخِرِ مِنْ رَبِّهِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا مَقْتَهُ وَخُذْلَانَهُ، فَإِذَا كَانَ - سُبْحَانَهُ - قَدْ بَيَّنَ لَنَا سَبَبَ الْمَغْفِرَةِ وَالْعَفْوِ، وَهَدَانَا إِلَى طُرُقِ الْغَلَبَةِ وَالنَّصْرِ، فَأَعْرَضْنَا عَنْ هِدَايَتِهِ، وَتَنَكَّبْنَا سُنَنَهُ فِي خَلِيقَتِهِ، ثُمَّ طَلَبْنَا مِنْهُ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِنَا دُونَ قُلُوبِنَا وَجَوَارِحِنَا، أَفَلَا نَكُونُ نَحْنُ الْجَانِينَ عَلَى أَنْفُسِنَا؟ وَتَوَقُّفُ الدُّعَاءِ عَلَى الْعَمَلِ يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَهُ عَلَى الْعِلْمِ، فَلَا يَكُونُ الدَّاعِي دَاعِيًا حَقِيقَةً كَمَا يُحِبُّ اللهُ وَيَرْضَى إِلَّا إِذَا كَانَ قَدْ عَرَفَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَسُنَنِ الِاجْتِمَاعِ وَاتَّبَعْهُ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ. فَإِذَا اتَّخَذَتِ الْأُمَّةُ الْوَسَائِلَ الَّتِي أُمِرَتْ بِهَا وَدَعَتِ اللهَ - تَعَالَى - أَنْ يُثَبِّتَهَا وَيُتِمَّ لَهَا مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهَا مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَسْتَجِيبُ لَهَا حَتْمًا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تُغْلَبُ مِنْ قِلَّةٍ. فَنَسْأَلُهُ - تَعَالَى - التَّوْفِيقَ وَهِدَايَةَ أَقْوَمِ طَرِيقٍ.
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
(وَهِيَ السُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَآيَاتُهَا مِائَتَانِ) نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي الْمَدِينَةِ وَآيَاتُهَا مِائَتَانِ بِاتِّفَاقِ الْعَادِّينَ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعَ عَدَّهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، مِنْهَا (الم) أَوَّلُ السُّورَةِ عُدَّتْ فِي الْكُوفِيِّ آيَةً (وَالْإِنْجِيلَ) الْأُولَى لَمْ تَعُدَّ فِي الشَّامِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
الِاتِّصَالُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ وُجُوهٍ:
فَمِنْهَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بُدِئَ بِذِكْرِ الْكِتَابِ وَشَأْنِ النَّاسِ فِي الِاهْتِدَاءِ، فَفِي السُّورَةِ الْأُولَى ذَكَرَ أَصْنَافَ النَّاسِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَنْ لَا يُؤْمِنُ وَالْمُنَاسِبُ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيمُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ فِي أَصْلِ الدَّعْوَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ ذِكْرُ الزَّائِغِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَيَقُولُونَ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَالْمُنَاسِبُ فِيهِ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا وَقَعَ بَعْدَ انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ.
(وَمِنْهَا) أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ حَاجَّ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَكِنَّ الْأُولَى أَفَاضَتْ فِي مُحَاجَّةِ الْيَهُودِ وَاخْتَصَرَتْ فِي مُحَاجَّةِ النَّصَارَى، وَالثَّانِيَةَ بِالْعَكْسِ، وَالنَّصَارَى مُتَأَخِّرُونَ عَنِ الْيَهُودِ فِي الْوُجُودِ وَفِي الْخِطَابِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ. فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الْإِفَاضَةُ فِي مُحَاجَّتِهِمْ فِي السُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
(وَمِنْهَا) مَا فِي الْأُولَى مِنَ التَّذْكِيرِ بِخَلْقِ آدَمَ، وَفِي الثَّانِيَةِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِخَلْقِ عِيسَى، وَتَشْبِيهِ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فِي كَوْنِهِ جَاءَ بَدِيعًا عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ سَابِقَةٍ فِي الْخَلْقِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُذْكَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي السُّورَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا.
(وَمِنْهَا) أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامًا مُشْتَرَكَةً كَأَحْكَامِ الْقِتَالِ. وَمَنْ قَابَلَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ رَأَى أَنَّ مَا فِي الْأُولَى أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ وَمَا فِي الثَّانِيَةِ أَجْدَرُ بِالتَّأْخِيرِ.
(وَمِنْهَا) الدُّعَاءُ فِي آخِرِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَالدُّعَاءُ فِي الْأُولَى يُنَاسِبُ بَدْءَ الدِّينِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ وَطَلَبِ النَّصْرِ عَلَى جَاحِدِي الدَّعْوَةِ وَمُحَارِبِي أَهْلِهَا. وَفِي الثَّانِيَةِ يُنَاسِبُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْكَلَامَ فِي قَبُولِ الدَّعْوَةِ وَطَلَبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. (وَمِنْهَا) مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ خَتْمِ الثَّانِيَةِ بِمَا يُنَاسِبُ بَدْءَ الْأُولَى كَأَنَّهَا مُتَمِّمَةٌ لَهَا ; ذَلِكَ أَنَّهُ بَدَأَ الْأُولَى بِإِثْبَاتِ الْفَلَاحِ لِلْمُتَّقِينَ. وَخَتَمَ الثَّانِيَةَ بِقَوْلِهِ: وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[3: 130
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: (الم) هُوَ اسْمُ السُّورَةِ عَلَى الْمُخْتَارِ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - وَيُقَالُ: قَرَأْتُ (الم) الْبَقَرَةِ و (الم) آلِ عِمْرَانَ وَ (الم) السَّجْدَةِ. وَيُقْرَأُ بِأَسْمَاءِ الْحُرُوفِ لَا بِمُسَمَّيَاتِهَا، وَتُذْكَرُ سَاكِنَةً كَمَا تُذْكَرُ أَسْمَاءُ الْعَدَدِ. فَتَقُولُ: أَلِفْ لَامْ مِيمْ، كَمَا تَقَدَّمَ: وَاحِدْ اثْنَانْ ثَلَاثَةْ، وَتُمَدُّ اللَّامُ وَالْمِيمُ، وَإِذَا وَصَلْتَ بِهِ لَفْظَ الْجَلَالَةِ جَازَ لَكَ فِي الْمِيمِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ بِاتِّفَاقِ