المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ وليست الأذنان من الوجه فيغسلان - تنزيه الإمام الشافعي عن مطاعن الكوثري - ضمن «آثار المعلمي» - جـ ١٥

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

الفصل: ‌ وليست الأذنان من الوجه فيغسلان

الإشلاء بمعنى الإغراء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، فأما الإغراء فإنما يقال: آسدته". وصحح غيرُه استعمال "أشليته" بمعنى أغريته وبمعنى دعوته.

أقول: وقد يكون أصله بمعنى الدعاء فيشمل ما إذا دَعَوتَه إليك وكان نائمًا مثلًا، وما إذا دَعَوتَه ليحمل على الصيد، فالأول هو الدعاء والثاني يتضمّن الإغراء والثالث يتضمّن الزجر، والقرينة تبيّن المراد. والذي في كلام الشافعي الإغراء كما في قول الشاعر:

قَصَدْنا أبا عمرو فأشلى كلابَه

علينا فكِدْنا بين بيتيه نؤكل

(1)

قال

(2)

الأستاذ: "وقوله في (مختصر المزني):‌

‌ وليست الأذنان من الوجه فيغسلان

. والصواب: فيغسلا".

أقول: عليه في هذا أمور:

الأول: أن النصب في مثل هذا إما ممتنع وإما مرجوح، وفي "الهمع" (2/ 12):"وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قادم فيحدثنا، فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب؛ لأن الاسمية لا تدل على المصدر. وذهب طائفة إلى جوازه، وقال أبو حيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور .... ".

(1)

البيت لزياد الأعجم. انظر "مقاييس اللغة": (3/ 210)، و"الصحاح":(6/ 2395).

(2)

من هنا إلى قوله "

يجزمون بها" كتبه المؤلف في ورقة مفردة لتلحق في مكانها، لكنها ضلَّت طريقها فوضعت في آخر النسخة، وجُلد المخطوط فاستقرت الورقة في المكان الخطأ!

ص: 292

فإن قيل: بأنّ "ليس" فعل. قلتُ: هي فعل جامد فلا دلالة فيها على المصدر، فأما دلالتها على النفي فهي كدلالة حرف النفي، بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء مطلقًا ليس بواجب.

وقال الرضي في "شرح الكافية"(2/ 245): "وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلًا، كقوله تعالى:{وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36]. وقوله

(1)

:

* ألم تسأل الرَّبْعَ القواء فينطق *

وقوله

(2)

:

* لم تَدْرِ ما جزعٌ عليك فتجزعُ *

جاء جميع هذا على الأصل، ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لو نصب .... جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادًا على ظهور المعنى

".

ومع هذا فقد جاء إهمال "أن" مضمرة وظاهرة، وعدّ ابنُ هشام

(3)

من الأوّل قول الله عز وجل: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64]، وقوله:

(1)

صدر بيت عجزه:

* وهل تُخبرَنْك اليومَ بيداءُ سَلْمق *

انظر "اللسان": (1/ 300)، و"خزانة الأدب":(8/ 527).

(2)

عجز بيت صدره:

* فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً *

من قصيدة لمويلك المزموم. انظر "الحماسة": (1/ 439) لأبي تمام.

(3)

في "مغني اللبيب": (2/ 839 و 1/ 46).

ص: 293

{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} [الروم: 24]. ومن الثاني قراءة ابن محيصن: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233].

وفي "الهمع"(2/ 3): "قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون بـ"أنْ" وأخواتها الفعلَ، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها".

[ص 4] الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول "المختصر"

(1)

: "اختصرت هذا الكتاب مِنْ عِلْم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ومن معنى قوله؛ لأقرّبه على من أراده". وربما صرح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتب الشافعي المطبوعة في "الأم" فإذا قابلنا العبارتين وجدناهما مختلفتين. فقول المعترض: "وقوله

" يعني الشافعي جهل أو مجازفة.

الثالث: أن النساخ لم يزالوا من قديم الزمان يخطئون ويزيدون وينقصون؛ فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقّف على وجودها في النسخة التي بخطه

(2)

.

الرابع: قول المعترض: "يغسلا" لحن عند النحويين، والصواب "تغسلا"؛ لأن الأذن أنثى، وقد قالوا في قول الشاعر

(3)

:

(1)

(ص 1).

(2)

زاد في التنكيل: "أو على نص ثقة سمع منه أنه قالها".

(3)

هو عامر بن جُوين الطائي. وصدره:

* فلا مزنة ودَقَت وَدْقها *

والبيت في "الكامل" للمبرد: (2/ 841)، وانظر هامشه.

ص: 294

* ولا أرضَ أبْقَلَ إبقالَها *

وقول الآخر

(1)

:

إن السماحة والشجاعة ضُمِّنا

قبرًا بمرو على الطريق الواضح

إنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجود والبأس مثلًا، [ص 5] ولا ضرورة في النثر، ولا يسوغ التأويل بعد النص على التأنيث في قوله:"ليست" وكذلك مع التصريح بالتأنيث لا يتّجه الحمل على مذهب الكوفيين من جواز نحو: الشمسُ غَرَب.

فإن زعم أنها كذلك في "مختصر المزني": "فيغسلان" وأن المعترض لم يخف عليه ما ذكرنا لكنه سامَحَ في ذلك لاحتمال أن يكون التصحيف من النسّاخ.

قلنا: فكذلك إثبات النون على فرض أنه لحن.

ثم قال الأستاذ: "ولفظ الشافعي إثبات النون، وحَذْفها من تصرّف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته

".

أقول: قوله: "ولفظ الشافعي" مجازفة كما مرّ. وقوله: "وحذفها من تصرف الطابع" مجازفة من وجهين:

الأول: أن الأستاذ لم يراجع الأصول القَلَمية المطبوع عنها وإلا لصرّح بذلك، وهبه راجعها فقد يكون إسقاط النون من تصرّف ناسخ المسودة ولم

(1)

هو زياد الأعجم من قصيدة في رثاء المغيرة بن المهلب. انظر "الأغاني": (15/ 371) و"الشعر والشعراء": (1/ 431).

ص: 295

يتضح ذلك عند المقابلة على الأصول، كما يقع مثل ذلك كثيرًا.

الوجه الثاني: أن الذي في خاتمة طبع "الأم" أن القائم بالتصحيح مصححو دار الطباعة: نصر

(1)

بن محمد العادلي، ومحمد البلبيسي، ومحمود حسن زناتي. ولعل مع هؤلاء غيرهم. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا كله فلم يزل المصححون للكتب ــ والأستاذ منهم ــ يصلحون ما يتبيّن لهم أنه خطأ في الإعراب، حملًا على أن ذلك من النسّاخ كما عُرِف من عادتهم حتى في كتاب الله عز وجل.

وجرت عادة المصحّحين في مصر على مثل ذلك الإصلاح بدون تنبيه في الحواشي على ما كان في الأصل أو بعض الأصول، ولو تُتُبِّعتْ [ص 6] الأصولُ القَلَمية التي طُبِعت عنها الكتب التي صَحّحها الأستاذ لوُجِد فيها من ذلك شيء كثير إن لم يوجد فيها ما يثبت المحذور حقًّا.

وأول ما نقله في "التأنيب" عن "تاريخ الخطيب" قوله ص 15: "رأى أبو حنيفة أنس بن مالك

". وكلمة "أبو حنيفة" ليست في التاريخ. ونقل ص 37 عبارة عن التاريخ حذف منها كلمة "بن محمد" وزاد كلمة "قال". ونقل ص 38 عن التاريخ عبارة فحذف منها كلمة "مؤمن". وليس مقصودي الاعتراض في هذه الأمثلة على الأستاذ؛ فإن هذه الأمور وأمثالها لا يسلم منها الإنسان، ولعله قد وقع لي أمثالها أو أشدّ منها!

على أنه قد وقع للأستاذ ما يمسّ الأمانة مسًّا واضحًا، ومرّ أمثلة من

(1)

في "التنكيل": "نصري".

ص: 296

ذلك في "الطليعة"

(1)

، ومع ذلك كابر في "الترحيب"

(2)

مكابرةً مكشوفة، كما ترى ذلك في مواضعه من هذا الكتاب

(3)

.

واغتياظ الأستاذ من السيد الحسيني لطبعه بعض كتب الشافعية يُنبئ عن هوًى مُطْبق وغلوٍّ مفرط.

وقد وقفتُ على "مُنية الألمعي" للعلامة قاسم بن قُطلوبغا الحنفي ومقدمة الأستاذ عليها، وتصفّحت ما فصَّله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي كانت في نسخة الزيلعي، ومع ذلك أصلحها أحباب الكوثري في الطبع بدون تنبيه، فاعتذر الأستاذ في المقدمة بقوله:"وفي عداد تعقبات العلامة الحافظ قاسم أمور قد ينتبه إليها الفَطِن بنفسه لظهور أنها من قبيل سَبْق القلم، فيوجد بعض ما هو من هذا القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة؛ لأن الانتباه إلى الصواب مِن فضل الله سبحانه؛ وفضل الله لا يكون وقفًا على أحد".

فترى الأستاذ يناقش طابع كتاب الشافعي في حرف واحد، ويعدّ فعله خيانة، أما تصرّف أحباب الكوثري الكثير

(4)

في كتاب الزيلعي بدون تنبيه فيعدّه من فضل الله عليهم. ولا ريب أن الأستاذ يرى فضل الله عز وجل عليه أعظم من فضله على أولئك المتقدمين بدرجات كثيرة، فكم نراه يتصرّف في الكتب التي يطبعها مستندًا إلى أن ذلك من فضل الله عز وجل عليه!

(1)

انظر (ص 5 - وما بعدها).

(2)

(ص 318 وما بعدها - مع التأنيب).

(3)

يعني "التنكيل" وذلك باعتبار هذه الرسالة كانت جزءًا من التنكيل ثم أفردها المؤلف.

(4)

كلمة غير واضحة.

ص: 297