المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وينادون أهل الجنة مستغيثين بهم: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ - تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ط الأوقاف السعودية

[عبد الرحمن السعدي]

الفصل: وينادون أهل الجنة مستغيثين بهم: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ

وينادون أهل الجنة مستغيثين بهم: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50] فيقول لهم أهل الجنة: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] وينادون ربهم فيقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ - رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 106 - 107] فيجيبهم الله: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] فحينئذ ييأسون من كل خير، ومن كل فرج وراحة، ويتيقنون أنه الخلود الدائم والعذاب الأبدي والشقاء المستمر. . فنسأل الله الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ به من النار، وما قرب إليها من قول وعمل.

‌فصل

14 -

{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19 - 20]

الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان، ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة، وقد وصفهم الله بأكمل الصفات، وأنهم في غاية القوة على عبادة الله والرغبة العظيمة فيها، وأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يستكبرون عن عبادته، بل يرونها من أعظم نعمه عليهم، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.

ففي هذا بيان كمال محبتهم لربهم، وقوة إنابتهم إليه، ونشاطهم التام في طاعته، وأنهم لا يعصونه طرفة عين، وهم الوسائط بينه وبين رسله، وخصوصا جبريل أفضلهم وأعظمهم وأقواهم وأرفعهم عند الله منزلة؛ فإنه ذو:{قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 20 - 21]

ص: 45

{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 192 - 194]

وكما أنهم الوسائط بينه وبين عباده في تبليغ الوحي والشرائع إلى الأنبياء، فهم الوسائط في التدبيرات القدرية؛ فإن الله وصفهم بأنهم المدبرات أمرا، فكل طائفة منهم قد وكله على عمل هو قائم به بإذن الله، فمنهم: الموكلون بالغيث والنبات، والموكلون بحفظ العباد مما يضرهم، وبحفظ أعمالهم وكتابتها؛ والموكلون بقبض الأرواح، وبتصوير الأجنة في الأرحام، وكتابة ما يجري عليها في الحال والمآل، والموكلون على الجنة والنار، ومنهم حملة العرش ومن حوله من الملائكة المقربين، إلى غير ذلك مما وصفوا به في الكتاب والسنة.

فيجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، وكثير من سور القرآن فيها ذكر الملائكة والخبر عنهم، فعلينا أن نؤمن بذلك كله، ولا تكاد تجد أحدا ينكر وجود الملائكة إلا الزنادقة المنكرين لوجود ربهم، ومن تستر بالإسلام منهم فإنه ينكر الملائكة حقيقة، وينكر خبر الله ورسوله عنهم، ويفسر الملائكة تفسيرا وتحريفا خبيثا، فيزعم أن الملائكة هي القوى الخيرية والصفات الحسنة الموجودة في الإنسان، وأن الشياطين هي القوى الشريرة فيه، وغرضهم من هذا التحريف دفع الشنعة عنهم، وقد ازدادوا بهذا التحريف شرا إلى شرهم، وراج هذا التحريف الخبيث على بعض الذين يحسنون الظن بهؤلاء الزنادقة، وليس عندهم بصيرة في أديان الرسل وإن أظهروا تعظيمهم، فإن زنادقة الفلاسفة أعظم في قلوبهم من الرسل، وكفى بالعبد ضلالا وغيا أن يصل إلى هذه الحال، ونعوذ بالله من مضلات الفتن.

ص: 46

ولم تزل بهم هذه الجرأة والخضوع لأقوال جهلة الزنادقة حتى فسروا الملائكة بذلك التحريف، وحتى زعم بعضهم أن سجود الملائكة لآدم ليس حقيقة، وإنما ذلك تسخير الله للآدميين جميع ما في الأرض من القوى والمعادن وغيرها، فأنكر ما هو معلوم بالضرورة بخبر الله الصريح في كتابه وخبر رسوله، وقال هذه المقالة التي فيها - مع تكذيب الله ورسوله - تسوية كفار الآدميين وفجرتهم وأولهم وآخرهم بآدم، ومضمون ذلك بل صريح قولهم: إن الملائكة سجدت لجميع الآدميين برهم وفاجرهم؛ فأين قول الناس في موقف القيامة: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته. .؟

ولولا أن مثل هذه التحريفات والتكذيب لله ورسوله موجود في كتب من يشار إليهم بالعلم لم يكن بنا حاجة إلى دفع هذا القول الجريء، الذي يعلم كل مسلم لم تغيره العقائد الباطلة بطلانه.

ولنقتصر على هذا المقدار من الإشارة إلى العقائد المتعلقة بالتوحيد والرسالة واليوم الآخر والجزاء - وإن كان القرآن معظمه في تقرير هذه الأصول العظيمة - لشدة الحاجة والضرورة إليها في كل وقت وحال، ولكن حصل - ولله الحمد - التنبيه الذي يحصل به المقصود، ويعين على غيره، والله أعلم.

فصل

في ذكر الفوائد والثمرات

المترتبة على التحقق بهذه العقائد الجليلة اعلم أن خير الدنيا والآخرة من ثمرات الإيمان الصحيح، وبه يحيا العبد حياة طيبة في الدارين، وبه ينجو من المكاره والشرور، وبه تخف الشدائد،

ص: 47

وتدرك جميع المطالب، ولنشر إلى هذه الثمرات على وجه التفصيل، فإن معرفة فوائد الإيمان وثمراته من أكبر الدواعي إلى التزود منه.

فمن ثمرات الإيمان: أنه سبب رضا الله الذي هو أكبر شيء، فما نال أحد رضا الله في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان وثمراته، بل صرح الله به في كتابه في مواضع كثيرة، وإذا رضي الله عن العبد قبل اليسير من عمله ونماه، وغفر الكثير من زلَلِه ومحاه.

ومنها: أن ثواب الآخرة ودخول الجنة والتنعم بنعيمها، والنجاة من النار وعقابها، إنما يكون بالإيمان، فأهل الإيمان هم أهل الثواب المطلق، وهم الناجون من جميع الشرور.

ومنها: أن الله يدفع ويدافع عن الذين آمنوا شرور الدنيا والآخرة، فيدفع عنهم كيد شياطين الإنس والجن، ولهذا قال تعالى:{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]

ولما ذكر إنجاءه ذا النون قال: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] أي: من الشدائد والمكاره إذا وقعوا فيها، والإيمان بنفسه وطبيعته يدفع الإقدام على المعاصي، وإذا وقعت من العبد دفع عقوباتها بالمبادرة إلى التوبة، كما قال صلى الله عليه وسلم:«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» . .) إلى آخر الحديث.

فبين أن الإيمان يدفع وقوع الفواحش، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]

ومنها: أن الله وعد المؤمنين القائمين بالإيمان حقيقة بالنصر، وأحقه على نفسه، فمن قام بالإيمان ولوازمه ومتمماته فله النصر في الدنيا والآخرة، وإنما ينتصر أعداء المؤمنين عليهم إذا ضيعوا الإيمان، وضيعوا حقوقه

ص: 48

وواجباته المتنوعة.

ومنها: أن الهداية من الله للعلم والعمل ولمعرفة الحق وسلوكه هي بحسب الإيمان والقيام بحقوقه، قال تعالى:{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16]

ومعلوم أن اتباع رضوان الله - الذي هو حقيقة الإخلاص - هو روح الإيمان وساقه الذي يقوم عليه، وقال تعالى:{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] فهذه هداية عملية، هداية توفيق وإعانة على القيام بوظيفة الصبر عند حلول المصائب إذا علم أنها من عند الله فرضي وسلم وانقاد.

ومنها: أن الإيمان يدعو إلى الزيادة من علومه وأعماله الظاهرة والباطنة؛ فالمؤمن بحسب إيمانه لا يزال يطلب الزيادة من العلوم النافعة، ومن الأعمال النافعة ظاهرا وباطنا، وبحسب قوة إيمانه يزيد إيمانه ورغبته وعمله؛ كما قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124]

ومنها: أن المؤمنين بالله وبكماله وعظمته وكبريائه ومجده أعظم الناس يقينا وطمأنينة وتوكلا على الله، وثقة بوعده الصادق، ورجاء لرحمته، وخوفا من عقابه، وأعظمهم إجلالا لله ومراقبة، وأعظمهم إخلاصا وصدقا، وهذا هو صلاح القلوب، لا سبيل إليه إلا بالإيمان.

ومنها: أنه لا يمكن للعبد أن يقوم بالإخلاص لله ولعباد الله ونصيحتهم

ص: 49

على وجه الكمال إلا بالإيمان، فإن المؤمن تحمله عبودية الله، وطلب التقرب إلى الله، ورجاء ثوابه، والخشية من عقابه على القيام بالواجبات التي لله، والتي لعباد الله.

ومنها: أن المعاملات بين الخلق لا تتم وتقوم إلا على الصدق والنصح وعدم الغش بوجه من الوجوه، وهل يقوم بها على الحقيقة إلا المؤمنون؟

ومنها: أن الإيمان أكبر عون على تحمل المشقات، والقيام بأعباء الطاعات، وترك الفواحش التي في النفوس داع قوي إلى فعلها، فلا تتم هذه الأمور إلا بقوة الإيمان.

ومنها: أن العبد لا بد أن يصاب بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وهو بين أمرين: إما أن يجزع ويضعف صبره، فيفوته الخير والثواب، ويستحق على ذلك العقاب، ومصيبته لم تقلع ولم تخف، بل الجزع يزيدها. وإما أن يصبر فيحظى بثوابها، والصبر لا يقوم إلا على الإيمان؛ وأما الصبر الذي لا يقوم على الإيمان كالتجلد ونحوه فما أقل فائدته، وما أسرع ما يعقبه الجزع، فالمؤمنون أعظم الناس صبرا ويقينا وثباتا في مواضع الشدة.

ومنها: أن الإيمان يوجب للعبد قوة التوكل على الله، لعلمه وإيمانه أن الأمور كلها راجعة إلى الله ومندرجة في قضائه وقدره، وأن من اعتمد عليه كفاه، ومن توكل على الله فقد توكل على القوي العزيز القهار، ومع أنه يوجب قوة التوكل فإنه يوجب السعي والجد في كل سبب نافع، لأن الأسباب النافعة نوعان: دينية ودنيوية، فالأسباب الدينية: هي إيمان، وهي من لوازم الإيمان.

والأسباب الدنيوية قسمان:

ص: 50

سبب: معين على الدين، ويحتاج إليه الدين، فهو أيضا من الدين كالسعي في القوة المعنوية والمادية التي فيها قوة المؤمنين.

وسبب: لم يوضع في الأصل معينا على الدين، ولكن المؤمن لقوة إيمانه ورغبته فيما عند الله من الخير يسلك إلى ربه، وينفذ إليه مع كل سبب وطريق، فيستخرج من المباحات بنيته وصدق معرفته ولطف علمه بابا يكون به معينا على الخير، مجما للنفس، مساعدا لها على القيام بحقوق الله وحقوق عباده الواجبة والمستحبة، فيكون هذا المباح حسنا في حقه، عبادة لله، لما صحبه من النية الصادقة، حتى أن بعض المؤمنين الصادقين في إيمانهم ومعرفتهم ربما نوى في نومه وراحاته ولذاته التقوي على الخير، وتربية البدن لفعل العبادات، وتقويته على الخير، وكذلك في أدويته وعلاجاته التي يحتاجها؛ وربما نوى في اشتغاله في المباحات أو بعضها الاشتغال عن الشر، وربما نوى بذلك جذب من خالطه وعاشره بمثل الأمور على فعل خير أو انكفاف عن شر.

وربما نوى بمعاشرته الحسنة إدخال السرور والانبساط على قلوب المؤمنين، ولا ريب أن ذلك كله من الإيمان ولوازمه، ولما كان الإيمان بهذا الوصف قال تعالى في عدة آيات من كتابه:{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]

ومنها: أن الإيمان يشجع العبد، ويزيد الشجاع شجاعة، فإنه لاعتماده على الله العزيز الحكيم ولقوة رجائه وطمعه فيما عنده تهون عليه المشقات، ويقدم على المخاوف واثقا بربه، راجيا له، راهبا من نزوله من عينه لخوفه من المخلوقين؛ ومن الأسباب لقوة الشجاعة أن المؤمن يعرف ربه حقا، ويعرف الخلق حقا، فيعرف أن الله هو النافع الضار، المعطي المانع، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، وأنه الغني من جميع الوجوه، وأنه أرحم

ص: 51

بعباده من الوالدة بولدها، وألطف به من كل أحد، وأن الخلق بخلاف ذلك كله؛ ولا ريب أن هذا داع قوي عظيم يدعو إلى قوة الشجاعة، وقصر خوف العبد ورجائه على ربه، وأن ينتزع من قلبه خوف الخلق ورجاءهم وهيبتهم.

ومنها: أن الإيمان هو السبب الأعظم لتعلق القلب بالله في جميع مطالبه الدينية والدنيوية؛ والإيمان القوي يدعو إلى هذا المطلب الذي هو أعلى الأمور على الإطلاق، وهو غاية سعادة العبد؛ وفي مقابلة هذا يدعو إلى التحرر من رق القلب للمخلوقين، ومن التعلق بهم؛ ومن تعلق بالخالق دون المخلوق في كل أحواله حصلت له الحياة الطيبة، والراحة الحاضرة، والتوحيد الكامل، كما أن من عكس القضية نقص إيمانه وتوحيده، وانفتحت عليه الهموم والغموم والحسرات.

ولا ريب أن هذين الأمرين تبع لقوة الإيمان وضعفه، وصدقه وكذبه، وتحققه حقيقة أو دعواه والقلب خال منه.

ومنها: أن الإيمان يدعو إلى حسن الخلق مع جميع طبقات الناس، كما فال النبي صلى الله عليه وسلم:«أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» ، وجماع حسن الخلق: أن يتحمل العبد الأذى منهم، ويبذل إليهم ما استطاع من المعروف القولي والبدني والمالي، وأن يخالقهم بحسب أحوالهم بما يحبون إذا لم يكن في ذلك محذور شرعي، وأن يدفع السيئة بالتي هي أحسن، ولا يقوم بهذا الأمر إلا المؤمنون الكمل؛ قال تعالى:{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35]

وإذا ضعف الإيمان أو نقص أو انحرف أثر ذلك في أخلاق العبد انحرافا بحسب بعده عن الإيمان.

ص: 52

ومنها: أن الإيمان الكامل يمنع من دخول النار بالكلية، كما منع صاحبه في الدنيا من عمل المعاصي، ومن الإصرار على ما وقع منه منها، والإيمان الناقص يمنع الخلود في النار وإن دخلها كما تواترت بذلك النصوص بأنه يخرج من النار من كان معه مثقال حبة خردل من إيمان.

ومنها: أن الإيمان يوجب لصاحبه أن يكون معتبرا عند الخلق أمينا، ويوجب للعبد العفة عن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم؛ وفي الحديث «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» ؛ وأي شرف دنيوي أبلغ من هذا الشرف الذي يبلغ بصاحبه أن يكون من الطبقة العالية من الناس، لقوة إيمانه، وتمام أمانته، ويكون محل الثقة عندهم، وإليه المرجع في أمورهم، وهذا من ثمرات الإيمان الجليلة الحاضرة.

ومنها: أن قوي الإيمان يجد في قلبه من ذوق حلاوته ولذة طعمه واستحلاء آثاره، والتلذذ بخدمة ربه، وأداء حقوقه وحقوق عباده - التي هي موجب الإيمان وأثره - ما يزري بلذات الدنيا كلها بأسرها، فإنه مسرور وقت قيامه بواجبات الإيمان ومستحباته، ومسرور بما يرجوه ويؤمله من ربه من ثوابه وجزائه العاجل والآجل، ومسرور بأنه ربح وقته الذي هو زهرة عمره وأصل مكسبه، ومحشو قلبه أيضا من لذة معرفته بربه ومعرفته بكماله وكمال بره، وسعة جوده وإحسانه ولذة محبته والإنابة إليه الناشئة عن معرفته بأوصافه، وعن مشاهدة إحسانه ومننه.

فالمؤمن يتقلب في لذات الإيمان وحلاوته المتنوعة، ولهذا كان الإيمان مسليا عن المصيبات مهونا للطاعات، ومانعا من وقوع المخالفات، جاعلا إرادة العبد وهواه تبعا لما يحبه الله ويرضاه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن

ص: 53

أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».

ومنها: أن الإيمان هو السبب الوحيد للقيام بذروة سنام الدين، وهو: الجهاد البدني والمالي والقولي، جهاد الكفار بالسيف والسنان، وجهاد الكفار والمنافقين والمنحرفين في أصول الدين وفروعه بالحكمة والحجة والبرهان، فكلما قوي إيمان العبد علما ومعرفة وإرادة وعزيمة قوي جهاده، وقام بكل ما يقدر عليه بحسب حاله ومرتبته، فنال الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة، وإذا ضعف الإيمان ترك العبد مقدوره من الجهاد القولي بالعلم والحجة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضعف جهاده البدني لعدم الحامل له على ذلك، ولهذا قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]

فصادق الإيمان يحمله صدقه على القيام بهذه المرتبة التي هي مرتبة الطبقتين العاليتين بعد النبيين: طبقة الصديقين المجاهدين بالعلم والحجة والتعليم والنصيحة، وطبقة الشهداء الذين قاتلوا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا من دون قتل؛ وهذا كله من ثمرات الإيمان ومن تمامه وكماله؛ وبالجملة فخير الدنيا والآخرة كله فرع عن الإيمان ومترتب عليه، والهلاك والنقص إنما يكون بفقد الإيمان ونقصه؛ والله المستعان.

‌فصل

في ذكر بعض الآيات

الحاثة على القيام بحقوق الله وحقوق الخلق

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

ص: 54

وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36]

والآيات التي في سورة الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] إلى قوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39]

هذه الآيات الكريمة فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والدخول تحت رق عبوديته التي هي غاية شرف العبد، والانقياد لأوامره واجتناب نواهيه محبة له وذلا له، وإخلاصا لله وإنابة له في جميع الحالات وفي جميع العبادات الظاهرة والباطنة، وفيها النهي عن الشرك به شيئا، سواء كان شركا أكبر: بأن يصرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله، أو شركا أصغر: مثل وسائل الشرك كالحلف بغير الله والرياء، ونحو ذلك مما يتذرع به إلى الشرك، بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والتدبير الكامل الشامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد.

ثم بعدما أمر بالقيام بحق الله المقدم على كل حق أمر بالقيام بحقوق ذوي الحقوق من الخلق: الأهم فالأهم، فقال:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، وبالفعل: بالقيام بطاعتهما، واجتناب معصيتهما، والحذر من عقوقهما، والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلق بهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من جهتهما.

ص: 55

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]

{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] والأمر بالإحسان إلى الوالدين وإطلاقه يدخل فيه كل ما عده الناس إحسانا، وذلك يختلف باختلاف الأوقات والأحوال والأشخاص.

وفيه النهي عن ضد الإحسان إليهما، وهو أمران: الإساءة والعقوق الذي هو إيصال الأذى القولي والفعلي إليهما، وترك القيام ببعض حقوقهما الواجبة، والأمر الثاني: ترك الإحسان وترك الإساءة، فإن ذلك داخل في العقوق، فلا يسع الولد أن يقول إذا قمت بواجب والدي وتركت معصيتهما فقد قمت بحقهما، فيقال: بل عليك أن تبذل لهما من الإحسان الذي تقدر عليه ما يجعلك في مرتبة الأبرار البارين بوالديهم.

وقوله: {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] بيان لبعض الأسباب الموجبة للبر، وأن الوالدين اشتركا في تربية بدنك وروحك بالتغذية والكسوة والحضانة والقيام بكل المؤن، وبالتعليم والإرشاد والإلزام بطاعة الله والآداب والأخلاق الجميلة، وفي هذا دليل على أن كل من له عليك حق تربية - بقيام بمؤنة نفقة وكسوة وغيرها - أن له حقا عليك بالإحسان والبر والدعاء؛ وأعلى من ذلك من له حق عليك بتربية عقلك وروحك تربية علمية تهذيبية أن له الحق الأكبر عليك؛ وهذا من جملة فضائل أهل العلم المعلمين العاملين، ومن حقوقهم على الناس، فإنهم ربما فاقوا في هذه التربية تربية الوالدين بأضعاف مضاعفة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ص: 56

وقوله: {وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36] أي: أحسنوا إلى أقاربكم القريب منهم والبعيد بالقول والفعل، وأوصلوا لهم من الهدايا والصدقات والبر والإحسان المتنوع ما يشرح صدورهم، وتتيسر به أمورهم، وتكونوا بذلك واصلين، وللأجر من الله حائزين.

{وَالْيَتَامَى} [النساء: 36] هم الذين فقدت آباؤهم وهم صغار، فمن رحمة أرحم الراحمين أمر الناس برحمتهم والحنو عليهم والإحسان إليهم، وكفالتهم وجبر خواطرهم وتأديبهم، وأن يربوهم أحسن تربية كما يربون أولادهم، سواء كان اليتيم ذكرا أو أنثى، قريبا أو غير قريب.

{وَالْمَسَاكِينِ} [النساء: 36] وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر فلم يحصلوا على كفايتهم ولا كفاية من يمونون، فأمر تعالى بسد خلتهم، ودفع فاقتهم، والحض على ذلك، وقيام العبد بما أمكنه من ذلك من غير ضرر عليه.

{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36] أي: الجار القريب الذي له حق الجوار وحق القرابة.

{وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] الذي ليس بقريب، فعلى العبد القيام بحق جاره مطلقا، مسلما كان أو كافرا، قريبا أو بعيدا، بكف أذاه عنه، وتحمل أذاه، وبذل ما يهون عليه ويستطيعه من الإحسان، وتمكينه من الانتفاع بجداره، أو طريق ماء على وجه لا يضر الجار، وتقديم الإحسان إليه على الإحسان على من ليس بجار، وكلما كان الجار أقرب بابا كان آكد لحقه، فينبغي للجار أن يتعاهد جاره: بالصدقة والهدية والدعوة واللطافة بالأقوال والأفعال؛ تقربا إلى الله وإحسانا إلى أخيه صاحب الحق.

{وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36] قيل: هو الرفيق في السفر، وقيل: هو الزوجة،

ص: 57

وقيل: هو الرفيق مطلقا في الحضر والسفر، وهذا أشمل، فإنه يشمل القولين الأولين، فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على مجرد إسلامه من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له والوفاء معه في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه؛ وكلما زادت الصحبة تأكد الحق وزاد.

{وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36] وهو الغريب في غير بلده، سواء كان محتاجا أو غير محتاج، فحث الله على الإحسان إلى الغرباء، لكونهم في مظنة الوحشة والحاجة، وتعذر ما يتمكنون عليه في أوطانهم، فيتصدق على محتاجهم، ويجبر خاطر غير المحتاج بالإكرام والهدية والدعوة والمعاونة على سفره.

{وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] أي: من الرقيق والبهائم بالقيام بكفايتهم، وأن لا يحملوا ما لا يطيقون، وأن يعاونوا على مهماتهم، وأن يقام بتقويمهم وتأديبهم النافع؛ فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لربه المتواضع لعباد الله المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل؛ ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، عات على الله، متكبر على عباد الله، معجب بنفسه، فخور بأقواله على وجه الكبر والعجب واحتقار الخلق، وهو في الحقيقة السافل المحتقر.

ولهذا قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36] فهؤلاء ما بهم من الأوصاف القبيحة تحملهم على البخل بالحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بأقوالهم وأفعالهم بالبخل، {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 37] أي: من العلم الذي يهتدي به الضالون، ويسترشد به الجاهلون، فيكتمونه عنهم، ويظهرون لهم من الباطل ما يحول بينهم وبين

ص: 58

الحق؛ فهؤلاء جمعوا بين البخل بالمال والبخل بالعلم، وبين السعي في خسارة أنفسهم والسعي في خسارة غيرهم، وهذه هي صفات الكافرين، ولهذا قال:{وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37] أي: كما استهانوا بالحق، وتكبروا على الخلق، واستهانوا بالقيام بالحقوق، أهانهم الله بالعذاب الأليم والخزي الدائم.

وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] أي: احذر هذين الخلقين الرذيلين: البخل بالواجبات وفي بذل المال فيما ينبغي بذله فيه، والتبذير بالنفقة فيما لا ينبغي أو زيادة على ما ينبغي، {فَتَقْعُدَ} [الإسراء: 29] إن فعلت ذلك {مَلُومًا} [الإسراء: 29] أي: تلام على ما فعلت من الإسراف، لأن كل عاقل يعرف أن الإسراف مناف للعقل الصحيح؛ كما أنه مناف للشرع، فإن الله جعل الأموال قياما لمصالح الخلق؛ فكما أن منعها وإمساكها عن وضعها فيما جعلت له مذموم فكذلك بذلها في الأمور الضارة، أو الزيادة غير اللائقة في الأمور العادية وغيرها مذموم، لأنه إتلاف للمال بغير مصلحة، وانحراف في حسن التصرف والتدبير، وضعف التدبير وعدم انتظامه مذموم في كل شيء، كما أن حسن التدبير محمود ونافع لفاعله وغيره.

{مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] أي: فارغ اليد، فلا بقي ما في يدك من المال، ولا خلفه مدح وثناء.

وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى وغيرهم مع القدرة، فأما مع العدم أو تعذر النفقة الحاضرة فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا، فقال:{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء: 28] أي: تعرضن

ص: 59

عن إعطائهم حاضرا، ولكنك ترجو فيما بعد ذلك تيسير الأمر من الله، {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء: 28] أي: لطيفا برفق ووعد بالجميل عند الوجود، واعتذار بعدم الإمكان في الوقت الحاضر، لينقلبوا عنك مطمئنة قلوبهم، عاذرين راجين كما قال تعالى:{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: 263]

وهذا من لطف الله بالعباد، أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه؛ لأن انتظار ذلك عبادة، وسبب لحصوله، فإن الله عند ظن عبده به، وكذلك وعدهم أن يعطوهم إذا وجدوا عبادة حاضرة لمن وعدوا، لأن الهم بفعل الخير والحسنة خير، ولهذا ينبغي للعبد أن يفعل ما يقدر عليه من الخير، وينوي فعل ما لم يقدر عليه إذا قدر، ليثاب على ذلك، ولعل الله ييسره له.

وفي قوله: {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} [الإسراء: 28] فيه: الحث على تعليق القلب والرجاء والطمع بالله، وصرف التعلق بالمخلوقين، فالموفق: في حال الوجود والغنى قلبه متعلق بحمد الله وشكره والثناء عليه، لا ينسى ولا يبطر النعمة، وفي حال الفقد والفقر صابر راض راج من الله فضله وخيره ورحمته، وهذا من أجل عبادات القلوب المقربة إلى علام الغيوب.

{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31] وذلك أن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فنهى الوالدين عن هذا الخلق الذي هو من أرذل الأخلاق وأسقطها: قتل أولادهم خشية من الفقر والإملاق، ففيه عدة جنايات: قتل النفس الذي هو من أعظم الفساد، وأشنع من ذلك قتل الأولاد الذين هم فلذ الأكباد، وسوء الظن برب العالمين، وجهلهم وضلالهم البليغ، إذ ظنوا أن وجودهم يضيق عليهم الأرزاق، فتكفل لهم بقيامه برزق الجميع.

ص: 60

فأين هذا الخلق الشنيع من أخلاق خواص المؤمنين الذين كلما كثرت أولادهم وعوائلهم قوي ظنهم بالله، ورجوا زيادة فضله وقاموا بمؤنتهم مطمئنة نفوسهم، حامدين ربهم أن جعل رزقهم على أيديهم، ومثنين على ربهم إذ أقدرهم على ذلك، وراجين ثواب ذلك عنده، ومشاهدين لمنة الله عليهم بذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم:«هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم ورغبتهم إلى الله» .

{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] والنهي عن قربان الزنا يشمل النهي عنه وعن جميع دواعيه ومقدماته، كالنظر المحرم، والخلوة بالأجنبية، وخطاب من يخشى الفتنة بخطابه ونحو ذلك؛ ووصف الزنا بأقبح الأوصاف: بأنه فاحشة، أي: جريمة عظيمة تستفحش شرعا وعقلا، لأن فيها انتهاك حرمة الشرع والتهاون به، وفيه إفساد المرأة، وإفساد الأنساب، واختلاط المياه، وفيه إضرار بأهلها وبزوجها وبكل من يتصل بها، وفيه من المفاسد شيء كثير.

وأمر تعالى بإيفاء المكاييل والموازين والمعاملات كلها بالقسط من غير بخس ولا نقص ولا غش ولا كتمان، وفي ضمن ذلك الأمر بالصدق والنصح في جميع المعاملات، فإنه بذلك يصلح الدين والدنيا، ولذلك قال:{ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الإسراء: 35] أي: هو خير في الحاضر، وأحسن عاقبة في الآجل، يسلم به العبد من التبعات، وتحل البركة في هذه المعاملة.

وقوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فإن التثبت في الأمور كلها دليل على حسن الرأي وقوة العقل، وبه تتوضح الأمور، ويعرف بعد ذلك

ص: 61

هل الإقدام خير أم الإحجام؟ لأن المتثبت لا بد أن يعمل فكره ويشاور في الأمور التي عليه أن يتثبت فيها؛ والفكر والمشاورة اكبر الأسباب لإصابة الصواب والسلامة من التبعة، ومن الندم الصادر من العجلة، ومن عدم استدراك الفارط، ولهذا قال:

{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] أي: لا بد أن تسأل عن حركة هذه الجوارح، وهل هي حركات نافعة بأن وضعت فيما يقرب إلى الله، أم ضارة بأن وجهت إلى معصية الله؟ فليتعاهد العبد بحفظها عن الأمور الضارة ليعد لهذا السؤال جوابا، فمن استعملها بطاعة الله فقد زكاها ونماها، وأثمرت له النعيم المقيم، ومن استعملها في ضد ذلك فقد دساها وأسقطها وأوصلته إلى العذاب الأليم.

وقوله: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء: 37] أي: لا تتكبر على الحق، ولا على الخلق، فإن التكبر من أرذل الأخلاق، والمتكبر المعجب بنفسه لن يبلغ ما يظنه وتطمح له نفسه من الخيالات الفاسدة أنه في مقام رفيع على الخلق، بل هو ممقوت عند الله وعند خلقه، مبغوض محتقر قد نزل بخلقه هذا إلى أسفل سافلين، ففاته مطلوبه من كبره وعجبه، وحصل على نقيضه، ومن مضار الكبر أنه صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه:«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر» ، والنار مثوى المتكبرين، والكبر هو بطر الحق، وغمط الناس، أي: احتقارهم وازدراؤهم، وهذه الأوامر الحسنة والإرشادات في هذه الآيات من الحكمة العالية التي أوحاها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهي من أعظم محاسن الدين، فالدين هو دين الحكمة التي هي معرفة الصواب والعمل بالصواب، ومعرفة الحق والعمل بالحق في كل شيء.

ص: 62

{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]

العبودية لله نوعان: عبودية لربوبية الله وملكه، فهذه يشترك فيها سائر الخلق مسلمهم وكافرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون، وعبودية لألوهيته ورحمته، وهي عبودية أنبيائه وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه (الرَّحْمَنِ) تنبيها على أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال برحمته بهم ولطفه وإحسانه، فذكر صفاتهم، أكمل الصفات، وبالاتصاف بها يكون العبد متحققا بعبوديته الخاصة النافعة المثمرة للسعادة الأبدية، فوصفهم بأنهم {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] أي: ساكنين متواضعين لله وللخلق، فهذا وصف لهم بالوقار والسكينة والتواضع لله ولعباده، {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ} [الفرقان: 63] أي: خطاب جهل، فإنه أضاف الخطاب لهذا الوصف، {قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم، ولا يقابلون الجاهل بجهله، وهذا ثناء عليهم بالرزانة والحلم العظيم والعفو عن الجاهل ومقابلة المسيء بالإحسان.

{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] أي: يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها لربهم متذللين له كما قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16]{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ} [الفرقان: 65] أي: ادفعه عنا بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع منا مما هو مقتض للعذاب، {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65] أي: ملازما لأهلها ملازمة الغريم لغريمه، {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66] وهذا منهم على وجه التضرع لربهم، وبيان

ص: 63

شدة حاجتهم إليه، وأنه ليس في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة الله عليهم، فإن صرف الشدة يعظم وقعه بحسب شدتها وفظاعتها.

{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] أي: النفقات الواجبة والمستحبة، {لَمْ يُسْرِفُوا} [الفرقان: 67] أي: يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير وإهمال الحقوق الواجبة، {وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] فيدخلوا في باب الشح والبخل، وكان إنفاقهم بين الإسراف والتقتير {قَوَامًا} [الفرقان: 67] تقوم به الأحوال؛ فإنهم يبذلون في الواجبات من الزكوات والكفارات والنفقات الواجبة، وفيما ينبغي من الأمور النافعة على المحتاجين، وفي المشاريع الخيرية، وفي الأمور الضرورية والكمالية الدينية والدنيوية من غير ضرر ولا إضرار، وهذا من اقتصادهم وعقلهم وحسن تدبيرهم.

{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68] لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة، بل يعبدونه وحده مخلصين له الدين حنفاء، مقبلين عليه معرضين عما سواه، {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} [الفرقان: 68] وهي نفس المسلم والكافر المعاهد، {إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] كقتل النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة، {وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [الفرقان: 68] المذكور من الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله والزنا، {يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ} [الفرقان: 68 - 69] أي: العذاب، {مُهَانًا} [الفرقان: 69]

فالوعيد بالخلود لمن فعلها كلها ثابت في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، كذلك لمن أشرك بالله، وكذلك الوعيد بالعذاب الشديد على كل واحد من هذه الثلاثة؛ لكونها كلها من أكبر الكبائر، وأما خلود القاتل بغير حق والزاني،

ص: 64

فقد دلت النصوص القرآنية وتواترت الأحاديث النبوية أن جميع المؤمنين وإن دخلوا النار فسيخرجون منها، ولا يخلد فيها مؤمن، فإن الإيمان الكامل يمنع من دخولها، ومطلق الإيمان ولو مثقال ذرة يمنع من الخلود فيها كما تقدم.

ونص الله على ثلاثة هذه الأشياء لأنها أكبر الكبائر، وفسادها كبير، فالشرك فيه فساد الأديان بالكلية، والقتل فيه فساد الأبدان، والزنا فيه فساد الأعراض {إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان: 70] عن هذه المعاصي وغيرها بأن أقلع عنها في الحال، وندم على فعلها، وعزم عزما جازما أن لا يعود، {وَآمَنَ} [الفرقان: 70] بالله إيمانا صحيحا يقتضي فعل الواجبات، وترك المحرمات، {وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان: 70] فيدخل فيه جميع الصالحات من واجب ومستحب.

{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] بأن يوفقهم للخير، فتبدل أقوالهم وأفعالهم التي كانت مستعدة لفعل السيئات تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيمانا، ومعصيتهم طاعة، وتتبدل نفس السيئات التي عملوها، ثم أحدثوا عن كل ذنب منها توبة وندما وإنابة وطاعة، تبدل حسنات كما هو ظاهر الآية، وورد فيه حديث الرجل الذي حاسبه الله ببعض ذنوبه، فعددها عليه؛ ثم أبدل مكان كل سيئة حسنة إلى آخر الحديث.

{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} [الفرقان: 70] لمن تاب، يغفر ذنوبه كلها، {رَحِيمًا} [الفرقان: 70] بعباده إذ دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته بالعظائم؛ ثم وفقهم لها ثم قبلها منهم، {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 71] أي: فليعلم أن توبته في غاية الكمال؛ لأنها رجوع إلى الطريق الموصل إلى الله،

ص: 65

الذي هو عين سعادة العبد وفلاحه، فليخلص فيها، وليخلصها من شوائب الأغراض الفاسدة.

والمقصود من هذا الحث على تكميل التوبة، وأن تكون على أكمل الوجوه وأجلها؛ لتحصل له ثمراتها الجليلة.

{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] أي: لا يحضرون الزور، أي: القول المحرم والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على كل قول وفعل محرم، كالخوض في آيات الله بالباطل، والجدل الباطل، والغيبة والنميمة، والسب والقذف، والاستهزاء وشرب الخمر، والغناء المحرم، وفرش الحرير والصور، ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فإنهم من باب أولى لا يفعلونه ولا يقولونه؛ وشهادة الزور داخلة في قول الزور.

{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} [الفرقان: 72] وهو الكلام الذي لا فائدة فيه، دينية ولا دنيوية، ككلام السفهاء ونحوهم، {مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوه سفها منافيا لمكارم الأخلاق.

وفي قوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} [الفرقان: 72] إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره، ولا سماعه، ولكن يحصل ذلك بغير قصد، فيكرمون أنفسهم عنه.

{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} [الفرقان: 73] التي أمروا بالاستماع لها والاهتداء بها {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] أي: لم يقابلوها بالإعراض عنها، والصمم عن سماعها، وصرف القلب عنها كما يفعله من لم يؤمن بها ويصدق، وإنما حال هؤلاء الأخيار عند سماعها كما قال تعالى:{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15]

ص: 66

يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها؛ وتجد عندهم آذانا سامعة، وقلوبا واعية، فيزداد بها إيمانهم، ويتم بها يقينهم، وتحدث لهم فرحا ونشاطا واغتباطا، لما يعلمون أنها أفضل المنن الواصلة إليهم من ربهم.

{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا} [الفرقان: 74] أي: قرنائنا من أصحاب وأخلاء وأقران وزوجات، {وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74] أي: تقر بهم أعيننا، وإذا استقرأنا حالهم وصفاتهم عرفنا من علو هممهم ومراتبهم أن مقصودهم بهذا الدعاء لذرياتهم أن يطلبوا منه صلاحهم؛ فإن صلاح الذرية عائد إليهم وإلى والديهم؛ لأن النفع يعود على الجميع، بل صلاحهم يعود إلى نفع المسلمين عموما؛ لأن بصلاح المذكورين صلاحا لكل من له تعلق بهم، ثم يتسلسل الصلاح والخير.

{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] أي: أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدي بأقوالهم وأفعالهم، ويطمأن إليها لثقة المتقين بعلمهم ودينهم، ويهتدي المهتدون بهم، ومن المعلوم أن الدعاء بحصول شيء دعاء به، وبما لا يتم إلا به، وهذه الدرجة درجة الإمامة في الدين التي لا تتم إلا بالصبر واليقين.

كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] فهذا الدعاء يستلزم من حصول الأعمال الصالحة، والصبر على طاعة الله، وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة، ومن العلم النافع التام الراسخ الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين خيرا كثيرا وعطاء جزيلا.

ولما كانت هممهم وأعمالهم عالية كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم من

ص: 67

جنس عملهم فقال: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} [الفرقان: 75] أي: المنازل العالية الرفيعة الجامعة لكل نعيم روحي وبدني بسبب صبرهم على القيام بهذه الأعمال الجليلة، {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان: 75] من ربهم، ومن الملائكة الكرام، ومن بعضهم على بعض، ويسلمون من جميع المنغضات والمكدرات.

والحاصل أن الله وصفهم بالوقار والسكينة، والتواضع له ولعباده، وحسن الأدب، والحلم وسعة الخلق، والعفو عن الجاهلين والإعراض عنهم، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، وقيام الليل والإخلاص فيه، والخوف من النار، والتضرع لربهم أن ينجيهم منها، وأنهم يخرجون الواجبات والمستحبات في النفقات على وجه الاقتصاد، وإذا كانوا مقتصدين في النفقات التي جرت عادة أكثر الخلق بالتفريط فيها أو الإفراط، فاقتصادهم وتوسطهم في غيرها من باب أولى، ووصفهم بالسلامة من كبائر الذنوب وفواحشها، وبالتوبة مما يصدر منهم منها.

ومنها الإخلاص لله في عبادته؛ وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر والفسوق القولية والفعلية، ولا يفعلونها؛ وأنهم يتنزهون عن اللغو والأقوال الرديئة التي لا خير فيها ولا نفع، وذلك يستلزم كمال إنسانيتهم ومروءتهم، وكمالهم ورفعة نفوسهم عن كل أمر رذيل، وأنهم يقابلون آيات الله بالقبول لها، والتفهم لمعانيها، والعمل بها، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها، وأنهم يدعون ربهم بأكمل دعاء ينتفعون به، وينتفع به من يتعلق بهم، وينتفع به المسلمون من صلاح أزواجهم وذريتهم، ومن لوازم ذلك سعيهم في تعليمهم، ووعظهم ونصحهم، لأن من حرص على شيء ودعا الله في حصوله لا بد أن يكون مجتهدا في تحصيله بكل طريق؛ مستعينا بربه في تسهيل ذلك، وأنهم دعوا الله في حصول أعلى الدرجات الممكنة لهم، وهي درجة الإمامة والصديقية.

ص: 68

فلله ما أعلى هذه الصفات، وأرفع هذه الهمم، وأجل هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس، ولله فضل الله عليهم، ولطفه بهم الذي أوصلهم إلى هذه المقامات والمنازل، ولله الحمد من جميع عباده؛ إذ بين لهم أوصافهم وحثهم عليها، وأعان السالكين ويسر الطريق لمن سلك رضوانه، والله الموفق المعين.

{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}

[الأعراف: 199] هذه الآية الكريمة جامعة لمعاني حسن الخلق مع الناس، وما ينبغي للعبد سلوكه في معاملتهم ومعاشرتهم، فأمر تعالى بأخذ {الْعَفْوَ} [الأعراف: 199] وهو ما سمحت به أنفسهم، وسهلت به أخلاقهم من الأعمال والأخلاق، بل يقبل ما سهل، ولا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، ولا ما لا يطيقونه، بل عليه أن يشكر من كل أحد ما قابله به من قول وعمل وخلق جميل، وما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم، وعما أتوا به وعاملوه به من النقص، ولا يتكبر على صغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف، وما تقتضيه الحال الحاضرة، وبما تنشرح له صدورهم، ويوقر الكبير، ويحنو على الصغير، ويجامل النظير.

{وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] وهو كل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك: إما تعليم علم ديني أو دنيوي، أو نصيحة أو حث لهم على خير من عبادة الله، وصلة رحم، وبر الوالدين، وإصلاح بين الناس، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى مصلحة دينية أو دنيوية، أو تحذير من ضد ذلك.

ولما كان لا بد للعبد من أذية الجاهلين له بالقول أو بالفعل أمر الله بالإعراض عنهم، وعدم مقابلة الجاهلين بجهلهم، فمن آذاك بقوله أو فعله فلا تؤذه،

ص: 69

ومن حرمك فلا تحرمه، ومن قطعك فصله، ومن ظلمك فاعدل فيه، فبذلك يحصل لك من الثواب من الله، ومن راحة القلب وسكونه، ومن السلامة من الجاهلين، ومن انقلاب العدو صديقا، ومن التبوء من مكارم الأخلاق أعلاها، أكبر حظ وأوفر نصيب، قال تعالى:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34 - 35]

ولنقتصر في هذا الموضوع على هذه الآيات، ففيها الهدى والشفاء والخير كله.

‌فصل

في أحكام الشرع الفروعية المتنوعة في الصلاة والزكاة

مع ما ينضم إليهما من المعاني الأخرى

قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا - وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 78 - 79]

هذا الأمر من الله لعباده بالصلاة التي أمر بها في آيات متعددة، ويأتي الأمر بها في القرآن بلفظ الإقامة كهذه الآية، ومثل:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] ونحوها، وهو أبلغ من قوله:(افعلوها)، فإن هذا أمر بفعلها، وبتكميل أركانها وشروطها ومكملاتها ظاهرا وباطنا، وبجعلها شريعة ظاهرة قائمة من أعظم شعائر الدين.

وفي هذه الآية زيادة عن بقية الآيات، وهي الأمر بها لأوقاتها الخمسة أو الثلاثة، وهذه هي الفرائض، وإضافتها إلى أوقاتها من باب إضافة الشيء

ص: 70

إلى سببه الموجب له ف {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أي: زوالها واندفاعها من المشرق نحو المغرب، فيدخل في هذا صلاة الظهر وهو أول الدلوك، وصلاة العصر وهو آخر الدلوك {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] أي: ظلمته؛ فدخل في ذلك صلاة المغرب وهو ابتداء الغسق، وصلاة العشاء الآخرة، وبها يتم الغسق والظلمة، {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78] أي: صلاة الفجر، وسماها قرآنا لمشروعية إطالة القراءة فيها، ولفضل قراءتها لكونها مشهودة، يشهدها الله، وتشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

* ففي هذه الآية الكريمة فوائد:

منها: ذكر الأوقات الخمسة صريحا؛ ولم يصرح بها في القرآن في غير هذه الآية، وأتت ظاهرة في قوله:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] وفيها أن هذه المأمورات كلها فرائض، لأن الأمر بها مقيد في أوقاتها، وهذه هي الصلوات الخمس وقد تستتبع ما يتبعها من الرواتب ونحوها.

ومنها: أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وسبب لوجوبها؛ ويرجع في مقادير الأوقات إلى تقدير النبي صلى الله عليه وسلم، كما يرجع إليه في تقدير ركعات الصلاة وسجداتها وهيئاتها.

وفيها: أن العصر والظهر يجمعان للعذر، وكذلك المغرب والعشاء، لأن الله جمع وقتهما في وقت واحد للمعذور، ووقتان لغير المعذور.

وفيها: فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القرآن فيها، وأن القراءة فيها ركن، لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها دل ذلك على فضيلته وركنيته، وقد عبر الله عن الصلاة بالقراءة وبالركوع وبالسجود وبالقيام، وهذه كلها أركانها المهمة.

ص: 71

قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} [الإسراء: 79] أي: صل به في أوقاته {نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] أي: لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو المقامات ورفع الدرجات، بخلاف غيرك فإنها تكون كفارة لسيئاته.

ويحتمل أن يكون المعنى أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى المؤمنين، وأما صلاة الليل فإنها فرض عليك وحدك دون المؤمنين لكرامتك على الله، إذ جعل وظيفتك أكثر من غيرك، ومن عليك بالقيام بها؛ ليكثر ثوابك، ويرتفع مقامك، وتنال بذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون؛ مقام الشفاعة العظمى حين يستشفع الخلائق بأكابر الأنبياء، آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم؛ ليرحمهم الله من هم الموقف وكربه، ويفصل بينهم، فيشفعه الله، ويقيمه مقاما يغبطه به الأولون والآخرون، وتكون له اليد البيضاء على جميع الخلق، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، وأدخلنا في شفاعته، ومن علينا بالسعي في أسباب شفاعته التي أهمها إخلاص الأعمال لله، وتحقيق متابعته في هديه وقوله وعمله.

{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148] لما أمر الله تعالى رسوله خصوصا والمؤمنين عموما باستقبال بيته الحرام، أخبر أن كل أهل دين لهم وجهة يتوجهون إليها في عباداتهم، وليس الشأن في القبل والوجهات المعينة، فإنها من الشرائع التي تختلف باختلاف الأزمنة، ويدخلها النسخ والنقل من جهة إلى أخرى، ولكن الشأن كل الشأن في امتثال طاعة الله على الإطلاق، والتقرب إليه، وطلب الزلفى عنده.

ص: 72

فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية، وهو الذي إذا لم تتصف به النفوس حصلت لها الخسارة في الدنيا والآخرة، كما أنها إذا اتصفت به فهي الرابحة على الحقيقة، وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع، وهو الذي خلق الله له الخلق وأمرهم به.

والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعلها؛ فإن الاستباق إليها يتضمن: الأمر بفعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة، و {الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] تشمل جميع الفرائض والنوافل من صلاة وصيام وزكاة وصدقة وحج وعمرة وجهاد، ونفع متعد وقاصر.

فهذه الآية تحث على الإتيان بكل ما يكمل هذه العبادات من ركن وواجب وشرط ومستحب، ومكمل ومتمم ظاهرا وباطنا: كالمبادرة في أول الوقت، وفعل السنن المكملات، والمبادرة إلى إبراء الذمم من الواجبات، وفعل جميع الآداب المتعلقة بالعبادات. . . فلله ما أجمعها من آية وأنفعها.

ولما كان أقوى ما يحث النفوس إلى المسارعة إلى الخيرات ما رتب الله عليها من الثواب، وما يخشى بتفويتها من الحرمان والعقاب قال:{أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148]؛ فيجمع الله العباد يوم القيامة بقدرته، ويجازيهم بما أسلفوه من الأعمال خيرها وشرها.

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ - فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 238 - 239] إلى آخر الآية: يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات عموما، وعلى الصلاة الوسطى وهي صلاة

ص: 73

العصر خصوصا، لفضلها وشرفها وحضور ملائكة الليل والنهار فيها، ولكونها ختام النهار، والمحافظة على الصلوات عناية العبد بها من جميع الوجوه التي أمر الشارع بها وحث عليها من: مراعاة الوقت، وصلاة الجماعة، والقيام بكل ما به تكمل وتتم، وأن تكون صلاة كاملة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، ويزداد بها إيمانه، وذلك إذا حصل فيها حضور القلب وخشوعه الذي هو لبها وروحها، ولهذا قال:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] أي: مخلصين خاشعين لله، فإن القنوت هو دوام الطاعة مع الخشوع؛ ومن تمام ذلك سكون الأعضاء عن كل كلام لا تعلق له بالصلاة.

وفيها أن القيام في صلاة الفريضة ركن إن كان المراد بالقيام هنا الوقوف، فإن أريد به القيام بأفعال الصلاة عموما دل على الأمر بإقامتها كلها، وأن تكون قائمة تامة غير ناقصة.

{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] أي: فصلوا الصلاة رجالا، أي: ماشين على أرجلكم أو ساعين عليها، أو ركبانا على الإبل وغيرها من المركوبات، وحذف المتعلق ليعم الخوف من العدو والسبع، ومن فوات ما يتضرر بفواته أو تفويته، وفي هذه الحال لا يلزمه استقبال القبلة، بل قبلته حيثما كان وجهه.

ومثل ذلك إذا اشتبهت القبلة في السفر، ومثل ذلك صلاة النافلة في السفر على الراحلة، وكل هذا داخل في قوله:{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115] فهذه صلاة المعذور بالخوف، فإذا حصل الأمن صلى صلاة كاملة، ويدخل في قوله:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: 239] تكميل الصلوات؛ ويدخل فيه أيضا الإكثار من ذكر الله شكرا له على نعمة الأمن، وعلى نعمة التعليم.

ص: 74