المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الجزء الثاني: الأحكام الشرعية - جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد - جـ ١

[عبد الفتاح مصيلحي]

الفصل: ‌الجزء الثاني: الأحكام الشرعية

‌الجزء الثاني: الأحكام الشرعية

ويشتمل على أربعة فصول:

• الفصل الأول: تعريف الأحكام الشرعية.

• الفصل الثاني: الحاكم.

• الفصل الثالث: الأحكام التكليفية.

• الفصل الرابع: الأحكام الوضعية.

ص: 199

‌الفصل الأول

تعريف الأحكام الشرعية

‌تعريف الحكم:

الحكم لغة: القضاء أو المنع.

فالحكم بمعنى القضاء، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه:«لقد حكمت فيهم بحكم الله»

(1)

، وحكمت بين الناس: أي قضيت بينهم وفصلت.

ويأتي الحكم بمعنى المنع، ومنه الحَكَمة؛ لأنها تمنع صاحبها عن أخلاق الأراذل والفساد، ومنه حكمة اللجام وسميت حكمة؛ لأنها تمنع الفرس من الجري

(2)

.

ومنه قول جرير لبنى حنيفة:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم

إني أخاف عليكم أن أغضبا

(1)

أخرجه البخاري (3043)، ومسلم (1768) من حديث أبي سعيد مرفوعًا.

(2)

المصباح المنير للفيومي (1/ 145) المكتبة العلمية.

ص: 201

أبني حنيفة إنني إن أهجكم

أدع اليمامة لا تواري أرنبا

(1)

فأحكموا سفهاءكم: بمعنى امنعوا سفهاءكم.

أما الحكم في الاصطلاح العام: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه

(2)

.

وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام

(3)

:

الأول: حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقل النسبة إيجابًا أو سلبًا، نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا، والجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.

الثاني: حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة، مثل: كون حرارة الجسم دليلًا على المرض، وتعاطي الدواء مزيلًا لها.

الثالث: حكم شرعي، وهو المقصود هنا: وهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا

(4)

.

فائدة: الألفاظ المستعملة في الحدود تعتبر فيها الحيثية، وإن لم يصرح بها

(5)

.

(1)

الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد الهروي (2/ 477) مكتبة نزار الباز.

(2)

مذكرة الشنقيطي (1/ 10) مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.

(3)

هامش روضة الناظر للزحيلي (1/ 97) دار الريان.

(4)

مذكرة الشنقيطي (1/ 9).

(5)

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي للإيجي (2/ 110) دار الكتب العلمية.

ص: 202

*‌

‌ شرح التعريف:

خطاب الشارع: هو خطاب الله تعالى المباشر كالوحي بالقرآن والسنة، أو المبني على خطابه المباشر كالإجماع والقياس

(1)

.

المتعلق: أي المرتبط، والمراد به: الذي من شأنه أن يتعلق، من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه.

والمقصود: أنه يشترط في خطاب الله تعالى أن يكون مرتبطًا بفعل من أفعال المكلف على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوبًا فعله كالصلاة، والزكاة، ووجوب الغرامات على المتلف، ونحو ذلك، أو كونه مطلوبًا تركه كالزنا والسرقة ونحو ذلك، وأشير بالتعلق إلى أن حاصل الحكم مجرد التعلق من غير أن يكون له تأثيرٌ في ذات الحاكم أو المحكوم عليه أو فيه

(2)

.

بأفعال: الفعل لغة: ما يقابل القول والاعتقاد والنية، ولكنه في العرف يطلق على كل ما صدر عن المكلف، وتتعلق به قدرته من قول، أو فعل، أو نية، أو الفعل الذى بمعنى الترك، فالترك فعل، قال تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا

(1)

تيسير علم أصول الفقه للجديع (1) مؤسسة الرسالة.

(2)

البحر المحيط للزركشي (1/ 156) دار الكتبي.

ص: 203

يَصْنَعُونَ (63)} [المائدة: 63]، وما صنعوه هو عدم النهى عن قول الإثم وأكل السحت، فترك النهي سماه الله تعالى صنعًا وعملًا فقال سبحانه:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} ، وهو المراد هنا.

بأفعال المكلفين: أخرج الأحكام العقائدية؛ لأن المعرف إنما هو الحكم الشرعي العملي، وليس المعرف مطلق الحكم الشرعي، وأخرج الخطابات الواردة من الله التي لا تتعلق بفعل المكلف، وهي:

1 -

الخطاب المتعلق بذاته سبحانه، كقوله تعالى:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18].

2 -

الخطاب المتعلق بصفته سبحانه، كقوله:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255].

3 -

الخطاب المتعلق بفعله سبحانه، كقوله:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16].

4 -

الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله:{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47].

5 -

الخطاب المتعلق بالحيوانات، كقوله:{يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10].

ص: 204

6 -

الخطاب المتعلق بذات المكلفين، كقوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11].

فهذه خطابات، ولكنها لا تتعلق بفعل المكلف

(1)

.

7 -

الخطاب المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، كقوله تعالى:{يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)} [الانفطار: 12]، فإنه خطاب من الله متعلق بفعل المكلف من حيث إن الحفظة يعلمونه لا من حيث إنه مكلف به

(2)

.

المكلفين: جمع مكلف، وهو الإنسان البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة، وإن طرأ عليه عارض بنفي كالإكراه والنسيان، ولفظ المكلفين جمع، والمراد منه المفرد، وهو من إطلاق العام وإرادة الخاص أي المكلف الواحد، ويكثر استعماله في اللغة، مثل قولهم: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، ويخدمه العبيد، أي جنس الخيل والبرود والعبيد، مع أنه يركب فرسًا واحدًا، ويلبس بردًا واحدًا، وقد يخدمه عبد واحد، ويؤكد ذلك القاعدة الأصولية القائلة: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا. مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ

(1)

مختصر التحرير شرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 335) مكتبة العبيكان.

(2)

مذكرة الشنقيطي (1/ 10).

ص: 205

أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23].

ويدخل في التعريف الأحكام الخاصة بمكلف واحد، مثل خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم، وخصوصية أحد الصحابة كخزيمة وأبي بردة

(1)

.

اقتضاءً: الاقتضاء هو الطلب، والطلب قسمان: طلب فعل، وطلب ترك. وكل واحد منهما ينقسم إلى قسمين: جازم، وغير جازم.

أو تخييرًا: معناه استواء الطرفين، أي: لا يوجد فيه طلب فعل، ولا طلب ترك.

وضعًا: ما جعله الشارع سببًا لشيءٍ، كدلوك الشمس لوجوب الصلاة، أو شرطًا لشيءٍ، كالوضوء لصحة الصلاة، أو مانعًا من شيءٍ، كالقتل مانعًا من الإرث، أو حكم الشارع بصحة شيءٍ أو فساده أو بطلانه.

*‌

‌ مسألة: الفرق بين الحكم عند الأصوليين، والحكم عند الفقهاء:

الحكم عند الأصوليين: هو الخطاب، أي خطاب الشارع. أما الحكم عند الفقهاء: فهو ما اقتضاه خطاب الشارع.

(1)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (290).

ص: 206

ففي قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]، الحكم عند الفقهاء أن الصلاة واجبة، أما الحكم عند الأصوليين هو قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]، فنفس الخطاب هو الحكم عند الأصوليين، أما المترتب على هذا الخطاب هو الحكم عند الفقهاء.

والسبب في اختلاف التعريفين: أن علماء الأصول نظروا إليه من ناحية مصدره، وهو الله تعالى، فالحكم صفة له، فقالوا: إن الحكم خطابٌ، والفقهاء نظروا إليه من ناحية متعلقه، وهو فعل المكلف، فقالوا: إن الحكم مدلول الخطاب وأثره

(1)

.

*‌

‌ أنواع الحكم الشرعي:

وبناء على التعريف المتقدم؛ يتنوع الحكم الشرعي إلى نوعين: حكم تكليفي، وحكم وضعي.

•‌

‌ النوع الأول: الحكم التكليفي:

وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.

(1)

هامش مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (1/ 333).

ص: 207

فالأحكام التكليفية خمسة:

1 -

الإيجاب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43].

2 -

الندب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا غير جازم، نحو قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33].

فالأمر بمكاتبة العبد حتى يعتق ليست واجبة، وإنما هي مندوبة حث عليها الإسلام تحقيقًا للحرية التي أرادها الإسلام للجميع، فالمالك حر التصرف فيما يملك، فالأمر هنا على سبيل الندب.

3 -

التحريم: وهو الخطاب الدال على طلب الكف طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33].

4 -

الكراهة: وهي الخطاب الدال على طلب الكف عن الفعل طلبًا غير جازم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»

(1)

. فالجلوس بدون صلاة مكروه على قول.

(1)

أخرجه مسلم (714) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.

ص: 208

5 -

الإباحة: وهي الخطاب الدال على تخيير المكلف بين الفعل والترك

(1)

، نحو قوله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: 187].

وجه هذه القسمة:

أن خطاب الشرع إما أن يراد به اقتضاء الفعل، أو الترك، أو التخيير بينهما.

فالذي يرد باقتضاء الفعل أمر، فإن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا، والذي يرد باقتضاء الترك نهي، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة، وإلا فحظر وإن ورد بالتخيير فهو مباحٌ

(2)

.

تنبيه: أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية سبعة: الفرض، والإيجاب، والندب، والإباحة، والحرام، والكراهة التحريمية، والكراهة التنزيهية.

وسبب تفريقهم بين الفرض والإيجاب؛ أنهم يقسمون طلب الفعل على سبيل الجزم إلى قسمين:

الأول: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا

(1)

هامش روضة الناظر للزحيلي (1/ 101).

(2)

روضة الناظر لابن قدامة (1/ 97)، المستصفى للغزالي (53).

ص: 209

يسمونه فرضًا.

الثاني: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه الواجب.

وسبب تفريقهم بين الحرام، والكراهة التحريمية: أنهم يقسمون طلب الترك على سبيل الجزم إلى قسمين:

الأول: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا يسمونه حرامًا.

الثاني: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه كراهة تحريم

(1)

.

الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية:

لقد تنوعت الأحكام التكليفية لحكم كثيرة، ومنها:

الحكمة الأولى: رفع الحرج والمشقة عن المكلفين.

وبيان ذلك: أن الأحكام التكليفية وضعت لمصلحة العباد، فلو قصرت تلك التكاليف على الوجوب والتحريم فقط؛ للزم من ذلك الحرج والتضييق عليهم، فبعض العباد قد لا يستطيع امتثال جميع

(1)

المهذب للدكتور عبد الكريم النملة (1/ 142) مكتبة الرشد.

ص: 210

الأوامر والنواهي، ففتح الله عز وجل باب المباحات، والمندوبات، والمكروهات، تخفيفًا عليهم، وذلك لعلمه سبحانه أن العبد فيه ضعف من فعل الواجبات، وترك المحرمات.

الحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان من الله تعالى للمكلفين.

وبيان ذلك: أن امتثال الواجبات، واجتناب المحرمات أقرب إلى النفس الضعيفة التي تخاف العقاب، دون رغبة في زيادة الثواب؛ لكن إذا قوي إيمان العبد، وعرف أن هذه الأحكام التكليفية جميعها إنما شرعت لمصلحته، وهي السبيل لسعادته في الدنيا والآخرة؛ فإنه لا يرضى أن يقف عند حدود الواجب، بل يتعداه إلى فعل المندوبات والفضائل؛ ليتقرب إلى الله تعالى بذلك، كما ورد في الحديث القدسي:«وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»

(1)

، وكذلك لا يرضى هذا العبد أن يقتصر على اجتناب المحرمات، بل يتعدى ذلك فيجتنب المكروهات

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

المهذب في أصول الفقه المقارن للدكتور عبد الكريم النملة (1/ 141).

ص: 211

•‌

‌ النوع الثاني: الحكم الوضعي:

وهو خطاب الله تعالى الذي اقتضى جعل أمر علامة لحكم تكليفي، وجعله مرتبطًا به بكونه سببًا له، مثل قوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، فالدلوك سبب لإيجاب الصلاة، أو شرطًا له، مثل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، فالوضوء شرط لصحة الصلاة، أو مانعًا له كقوله صلى الله عليه وسلم:«ليس للقاتل ميراث»

(1)

، فالقتل يمنع الإرث، والأبوة تمنع القصاص من الابن، أو صحة أو فسادًا، وهذا يرجع للأسباب والشروط والموانع كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

(1)

أخرجه الترمذي (2109)، وابن ماجه (2645) من حديث أبي هريرة وسنده ضعيف جدًّا، وله شاهد من حديث علي كما عند الدارمي (3125) وسنده ضعيف، وله شاهد من حديث عمر كما عند الدارقطني في العلل (146) وسنده منقطع، وله شاهد عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما عند ابن أبي شيبة (31398)، وضعفه الترمذي ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم، ورواه البيهقي في الكبرى (12243) وضعفه، ثم قال وشواهده تقويه، والله أعلم.

ص: 212

‌الفصل الثاني

الحاكم

الحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها.

فالحاكم هو الله تبارك وتعالى، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من الله تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف في ذلك أحد منهم يؤمن بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن دستورًا، وبالإسلام دينًا.

فمصدر الأحكام كلها حقيقة هو الله عز وجل، سواء أظهر هذا الحكم بالنص الذي أوحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم، أم فيما يتوصل إليه المجتهد بالقياس والدلائل والأمارات التي شرعها الله لاستنباط أحكامه، وليست السنة والإجماع والقياس وبقية المصادر إلا مبينة وكاشفة عن حكم الله تعالى، ولا تعتبر حجة ولا دليلًا إلا لثبوت حجيتها من قبل الله تعالى، فهي سبل ومناهج لمعرفة حكم الله الواحد

ص: 213

الأحد

(1)

.

فالله هو المشرع للأحكام، وهو الموجب لها باتفاق، ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة "لا حكم إلا لله"

(2)

، واتفقوا على تعريف الحكم -كما سبق- بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فالحاكم هو الله تعالى الذي يصدر عنه الخطاب، وترجع إليه الأحكام.

* واستدل العلماء على ذلك بأدلة كثيرة أهمها:

قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]، فالآية الكريمة حصرت الحاكمية لله تعالى، واستعمل القرآن الكريم أداة الحصر لتأكيد هذا المعنى.

قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49]، فالآية الكريمة بينت أن الحكم الواجب على المؤمنين هو ما أنزله الله تعالى، وليس ما تميل إليه الأهواء والنفوس والعقول البشرية.

(1)

أصول الفقه لخلاف ص (108).

(2)

إرشاد الفحول للشوكاني (1/ 28)، حاشية العطار على جمع الجوامع (1/ 78).

ص: 214

3 -

قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)} [المائدة: 45]، وقال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)} [المائدة: 47]، فالآيات الثلاث نددت بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى، واعتبرت ذلك كفرًا أو ظلمًا أو فسوقًا.

4 -

بين القرآن وجوب الرجوع إلى أحكام الله تعالى في القرآن والسنة عند التنازع وعلق الإيمان عليه، فقال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59].

5 -

نفى القرآن الكريم الإيمان عن الناس حتى يحتكموا إلى أحكام الله تعالى، ويرضوا بذلك، وتستسلم نفوسهم لها، فقال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].

ومما سبق يتبين أن الحاكم هو الله في قرآنه، أو ما أمر به كالذي يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، أو ما يشهد له القرآن والسنة كالإجماع والقياس، وغيرها مما يطلق عليه في الأصول أدلة الأحكام، وهو ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في بابه.

ص: 215

* مسألة التحسين والتقبيح العقليين:

والنظر في مسألة التحسين والتقبيح العقليين لبيان هل يصلح التحسين والتقبيح العقلي أن يكون حاكمًا يُحلَّل ويُحرَّم به كما يقول البعض أم لا؟.

والكلام في هذه المسألة يمكن ضبطه في النقاط التالية:

*‌

‌ أولًا: المراد بالحسن والقبح:

يطلق الحسن والقبح بثلاثة اعتبارات

(1)

:

الاعتبار الأول: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، فما لاءم الطبع فهو حسن؛ كإنقاذ الغريق، وما نافر الطبع فهو قبيح؛ كاتهام البريء.

الاعتبار الثاني: بمعنى الكمال والنقص، فالحسن: ما أشعر بالكمال كصفة العلم، والقبيح: ما أشعر بالنقص؛ كصفة الجهل.

والحسن والقبح بهذين الاعتبارين: لا خلاف أنهما عقليان، بمعنى أن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.

والاعتبار الثالث: بمعنى المدح والثواب، والذم والعقاب.

(1)

مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/ 347)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم (2/ 44)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 300، 301).

ص: 216

والحسن والقبح بهذا الاعتبار: محل نزاع بين الطوائف، وذلك على النحو الآتي:

*‌

‌ ثانيًا: الأقوال في المسألة:

القول الأول: إثبات الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل يدرك الحسن والقبح، فهو يحسن ويقبح، وهذا مذهب المعتزلة

(1)

.

القول الثاني: نفي الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل لا يدرك الحسن والقبح، فالعقل لا يحسن ولا يقبح، وهذا مذهب الأشاعرة

(2)

.

القول الثالث: مذهب أهل السنة، وهم وسط بين الطرفين، وقبل تفصيل مذهبهم في هذه المسألة لا بد من ذكر أصولٍ لهم يحتاج إلى بيانها في هذا المقام، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في النقطة الثالثة:

*‌

‌ ثالثًا: أصول مهمة عند أهل السنة:

الأصل الأول: أنهم يثبتون الحكمة والتعليل في أفعال الله سبحانه وتعالى وأحكامه، فجميع الأوامر والنواهي مشتملة على مصالح

(1)

المعتمد لأبي الحسين البصري (2/ 315).

(2)

الإحكام للآمدي (1/ 79)، والمواقف للإيجي (323).

ص: 217

العباد

(1)

.

قال ابن القيم: كيف والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجود الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة.

فتارة يذكر لام التعليل الصريحة، وتارة يذكر المفعول لأجله، الذي هو المقصود بالفعل، وتارة يذكر "من أجل" الصريحة في التعليل، وتارة يذكر أداة "كي"، وتارة يذكر "الفاء" و"إن"، وتارة يذكر أداة "لعل" المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارة ينبه على السبب بذكره صريحًا، وتارة يخبر بكمال حكمته وعلمه المقتضي أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين مختلفين، وأنه ينزل الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها

(2)

.

الأصل الثاني: أن أفعال الله سبحانه كلها حسنةٌ جميلة، لا يقبح منها

(1)

مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/ 434، 17/ 300)، وشفاء العليل لابن القيم (190).

(2)

مفتاح دار السعادة لابن القيم (2/ 22، 23) بتصرف. وانظر الأمثلة على ما تقدم (ص 199 - 201) من هذا الكتاب.

ص: 218

شيء، قال تعالى:{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال»

(1)

، فأفعال الله إذن مباينة لأفعال المخلوقين تمامًا

(2)

.

الأصل الثالث: أنهم يصفون الله سبحانه بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي ما أثبته الله لنفسه من الصفات، ولا أن تمثل صفاته بصفات المخلوقين، ولا أفعاله سبحانه بأفعال المخلوقين

(3)

.

الأصل الرابع: أنهم لا يوجبون على الله شيئًا إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلا منه وتكرمًا، كما قال تعالى:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} [الأنبياء: 23].

قال ابن تيمية: وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم

(1)

رواه مسلم (91) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.

(2)

مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/ 351، 353).

(3)

مجموع الفتاوى (8/ 432).

ص: 219

يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا

(1)

.

الأصل الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله وكتبه

(2)

، قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15]، وقال تعالى:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].

وقال صلى الله عليه وسلم: «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين»

(3)

.

الأصل السادس: أن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول -ومن ذلك تحسين الحسن والأمر به، وتقبيح القبيح والنهي عنه- فلا تعارض بين الشرع والعقل، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك: 14].

قال ابن القيم: وأنه [أي الشرع] لم يجئ بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به،

(1)

اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (2/ 776).

(2)

مجموع الفتاوى (8/ 435)، وطريق الهجرتين لابن القيم (411 - 414).

(3)

رواه البخاري بهذا اللفظ: (13/ 399) برقم (7416)، ومسلم (17/ 78) وانظر (ص 342)، وما بعدها من هذا الكتاب فيما يتعلق بهذا الأصل.

ص: 220

فالشرائع جاءت بمحارات

(1)

العقول لا محالاتها، وفرق بين ما لا تدرك العقول حسنه، وبين ما تشهد بقبحه، فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني

(2)

.

الأصل السابع: أن العقل لا مدخل له في إثبات الأحكام الشرعية، ولا في تعلق المدح والذم بالأفعال عاجلًا أو تعلق الثواب والعقاب بها آجلًا، وإنما طريق ذلك السمع المجرد

(3)

.

*‌

‌ رابعًا: تفصيل مذهب أهل السنة:

يمكن إيضاح مذهب أهل السنة في هذه المسألة وأدلتهم عليه في ثلاث نقاط

(4)

:

1 -

أن الحسن والقبح صفات ثابتة للأفعال، وهذا الثبوت قد يكون بطريق العقل، وقد يكون بطريق الفطرة، وقد يكون بطريق الشرع، فالعقل والفطرة يحسنان ويقبحان، ولا يمكن أن يأتي الشرع على

(1)

في الأصل: "بمجازات" وهو محتمل.

(2)

مفتاح دار السعادة لابن القيم (2/ 59).

(3)

المصدر السابق (2/ 44). وانظر (ص 355)، وما بعدها من هذا الكتاب فيما يتعلق بهذا الأصل.

(4)

مجموع الفتاوى (8/ 90، 428، 431)، ومفتاح دار السعادة (2/ 7، 12، 43، 57، 59).

ص: 221

خلاف ذلك، والشرع أيضًا يحسن ويقبح فكل ما أمر به الشرع فهو حسن، وكل ما نهى عنه فهو قبيح؛ فثبت إذن أن الحسن والقبح قد يعرفان بالعقل، وقد يعرفان بالفطرة، وقد يعرفان بالشرع.

2 -

أن ما أدرك العقل أو الفطرة حسنه أو قبحه فحكمته معلومة لدينا ولا شك، أما ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقد تغيب حكمته وعلته عن عقولنا القاصرة، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن جميع ما حسنه الشرع أو قبحه له علة وحكمة يعلمها الله - والواجب التسليم لشرع الله - فإن من صفاته العلم والحكمة، وهذا يقتضي أيضًا أنه لا يجوز عليه سبحانه أن يأمر بالظلم وينهى عن العدل، لكمال حكمته سبحانه.

3 -

أن ما عرف حسنه وقبحه بطريق العقل والفطرة لا يترتب عليه مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب ما لم تأت به الرسل؛ لأن الدليل الشرعي إنما أثبت المدح والذم، والثواب والعقاب على من قامت عليهم الحجة بالرسل والكتب، فالمدح والذم، والثواب والعقاب إنما يترتب على ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقط.

ص: 222

وبهذا التفصيل يتبين لنا أن مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين، وبيان ذلك كالآتي:

*‌

‌ خامسًا: مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين

(1)

:

ذلك أن المعتزلة الذين أثبتوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما قالوا: إن العقل يحسن ويقبح:

المحذور الأول: أنهم مجدوا العقل وجعلوا ما أدركته عقولهم أصلًا قاطعًا، فالحسن ما حسنته عقولهم والقبيح ما قبحته عقولهم، والشرع عندهم إنما هو كاشف عن حكم العقل.

والمحذور الثاني: أنهم رتبوا على تحسين العقل وتقبيحه أن أوجبوا على الله فعل الأصلح، وهو الأمر بما حسنته عقولهم والنهي عما قبحته.

والمحذور الثالث: أنهم رتبوا على تحسين العقل: المدح والثواب، وعلى تقبيحه: الذم والعقاب، ومعلوم أن المدح والذم والثواب والعقاب مما لا يدرك إلا بالسمع المجرد.

والمحذور الرابع: أنهم شبهوا الله سبحانه وتعالى بخلقه، وذلك أنهم قالوا: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من

(1)

مجموع الفتاوى (8/ 431)، ومفتاح دار السعادة (2/ 7، 57، 59).

ص: 223

المخلوق قبح من الخالق، ومن المعلوم أنه سبحانه لكمال حكمته لا يقبح منه شيء أبدًا، ولا يجوز أيضًا تشبيه الله بخلقه، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

ومن جهة أخرى نجد أن الأشاعرة الذين نفوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما صاروا إلى ذلك:

المحذور الأول: أنهم خالفوا بداهة العقل والفطرة السليمة، ذلك أنهم قالوا باستواء الأفعال حسنها وقبيحها، فلا فرق عندهم بين الظلم والفواحش وبين العدل والإحسان، بل قالوا: إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك وينهى عن التوحيد، ومعلوم أن الشرع موافق للفطرة والعقل، ولا يمكن أن يستقر في العقول والفطر ما يناقض الشرع، فالعقل يدرك حسن عبادة الله وحده وقبح عبادة ما سواه.

والمحذور الثاني: أنهم نفوا عن الله الحكمة والتعليل في أفعاله، إذ قالوا: إن الله يأمر وينهى لا لحكمة، ولا يخلق الله شيئًا لحكمة لكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع، فهم لا يثبتون إلا محض الإرادة، وهذا مما علم بطلانه بأدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ومخالف أيضًا للمعقول الصريح

(1)

، فإن الله وصف نفسه بالحكمة في

(1)

مجموع الفتاوى (8/ 434).

ص: 224

غير موضع، ونزه نفسه عن الفحشاء، فقال:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28]، ونزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر، فقال تعالى:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)} [القلم: 35]، وقال:{أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)} [ص: 28].

والمحذور الثالث: أنهم جعلوا انتفاء العذاب قبل بعثه الرسل دليلًا على انتفاء التحسين والتقبيح العقليين واستواء الأفعال في أنفسها، ومعلوم أنه لا يلزم من إثبات التحسين والتقبيح العقليين إثبات الثواب والعقاب؛ لأن الثواب والعقاب من الأمور التي لا تثبت إلا بالسمع المجرد.

أما أهل السنة فقد توسطوا بين الطرفين ولم يرتكبوا شيئًا من المحاذير التي وقع فيها الفريقان، فإنهم: أثبتوا ما أثبته الله لنفسه من الحكمة والتعليل، ونزهوا الله سبحانه وتعالى عن أن يأمر بالقبائح والنقائص لكمال حكمته وعلمه وعدله، ولذلك لا يمكن أن يجيء الشرع عندهم بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقل عن فهمه وإدراكه، ولذلك أيضًا أثبت أهل السنة تحسين العقل وتقبيحه، لكن لا يترتب عندهم على ذلك مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب؛ لأن ترتيب ذلك مما لا يثبت بالعقل، وإنما يستقل السمع المجرد في إثباته.

ص: 225

*‌

‌ سادسًا: تنبيهات:

1 -

بني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة: شكر المنعم، هل هو واجب سمعًا أم عقلًا؟

فمن قال: إن العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب عقلًا، وهؤلاء هم المعتزلة.

ومن نفى كون العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب سمعًا لا عقلًا وهؤلاء هم الأشاعرة.

أما أهل السنة فعندهم أن شكر المنعم واجب بالسمع والعقل والفطرة

(1)

.

2 -

كثر الخلط بين مذهب أهل السنة ومذهب الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وكذلك في مسألة شكر المنعم، بل جعل البعض المذهبين مذهبًا واحدًا، فقال: إن أهل السنة والأشاعرة متفقون على أن العقل لا يحسن ولا يقبح.

وهذا خلط عظيم

(2)

، سببه: اتفاق الفريقين في بعض الجوانب؛ إذ

(1)

مفتاح دار السعادة (2/ 8).

(2)

انظر في هذا الخلط على سبيل المثال: مختصر ابن اللحام (55، 56)، والمسودة (473). وانظر للاعتذار لهم ما سيأتي في فقرة رقم (5) من هذه التنبيهات.

ص: 226

الكل متفق على إثبات أن الشرع يحسن ويقبح، ويوجب ويحرم، وأن الثواب والعقاب والمدح والذم لا يعرف بالعقل، وإنما يعرف ذلك بالشرع وحده، وفي حقيقة الأمر نجد أن هناك جوانب أخرى في المسألة اختلفوا فيها، فأهل السنة يثبتون للعقل دورًا في التحسين والتقبيح بينما ينكر الأشاعرة دور العقل تمامًا، وأهل السنة أيضًا يثبتون لله الحكمة والتعليل في أفعاله، بينما ينفي الأشاعرة ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي سبق بيانها في النقاط السابقة.

وبذلك يتبين تباعد الفريقين وافتراق المذهبين.

3 -

يمكن إرجاع الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ إذا فسر الحسن بكون الفعل نافعًا للفاعل ملائمًا له، والقبح بكون الفعل ضارًّا للفاعل منافرًا له، أو فسر الحسن بمعنى الكمال، والقبح بمعنى النقص، وذلك بأن يُعطَى هذا المعنى حقه وتُلتَزَم لوازمه.

إذ الجميع متفق على أن الحسن والقبح بهذين المعنيين عقليان، بمعنى أن العقل يمكنه معرفة ما يلائم الطبع وما ينافره، وما هو صفة كمال أو نقص، إذ يلزم من الملاءمة والمنافرة الكمال والنقص، ولا شك أن المدح والذم مرتب على الحب والبغض المستلزم للكمال

ص: 227

والنقص

(1)

.

قال ابن القيم: قال هؤلاء: فيطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة، وهو عقلي، وبمعنى الكمال والنقصان، وهو عقلي، وبمعنى استلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع، وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد المسألة اتفاقية، وأن كون الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثبات تعلق الملاءمة والمنافرة، لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له، ولا معنى للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض، والله سبحانه يحب كل ما أمر به، ويبغض كل ما نهى عنه، فأما المدح والذم فترتبه على النقصان والكمال المتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به أمر عقلي فطري، وإنكاره يزاحم المكابرة

(2)

.

4 -

بني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع.

5 -

إثبات تحسين العقل وتقبيحه، وأن العقل يحسن ويقبح، أو نفي ذلك يحتاج إلى تفصيل؛ إذ إن ذلك من الألفاظ المجملة التي لا

(1)

مجموع الفتاوى (8/ 90)، ومفتاح دار السعادة (2/ 44).

(2)

مفتاح دار السعادة بتصرف (2/ 44).

ص: 228

يجوز إطلاقها دون تقييد أو بيان، والتفصيل في ذلك أن يقال:

إن أريد بإثبات تحسين العقل وتقبيحه ترتيب الثواب والعقاب عليه فالصواب نفيه، وإن أريد بإثباته أن العقل يدرك حسن الحسن وقبح القبيح من غير ترتيب ثوابٍ ولا عقاب على ذلك فالصواب إثباته.

ولعل هذا التفصيل هو مراد بعض من نفى أو أثبت التحسين والتقبيح العقليين مطلقًا دون تفصيل أو تقييد.

ص: 229

‌الفصل الثالث

الأحكام التكليفية

*‌

‌ تعريف الأحكام التكليفية:

التكليف لغة: هو إلزام ما فيه كلفة أي مشقة

(1)

.

ومنه قول الخنساء:

يكلفه القوم ما نابهم

وإن كان أصغرهم مولدًا

(2)

واصطلاحًا: إلزام مقتضى خطاب الشرع.

والمراد بمقتضى خطاب الشرع الأمر والنهي والإباحة

(3)

.

*‌

‌ هل تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؟

الجواب:

أنكر بعض العلماء أن تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؛ إذ إن

(1)

التوقيف علي مهمات التعاريف لعبد الرءوف المناوي ص (107).

(2)

مذكرة الشنقيطي (1/ 11) مكتبة العلوم والحكم.

(3)

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (1/ 336).

ص: 230

التكليف والمشقة وإن كان موجودًا، لكنه ليس مقصودًا أصالة بل بالتبع.

قال تقي الدين ابن تيمية: نفس الإيمان بالله، وعبادته، ومحبته، وإجلاله هو غذاء الإنسان، وقوته، وصلاحه، وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم إن عبادته تكليف ومشقة، وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم، فإنه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ} الآية [التوبة: 120]، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة:«أجرك على قدر نصبك» ، فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعي، وإنما وقع ضمنًا وتبعًا لأسباب.

ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي كقوله:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84]، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]، أي وإن وقع في الأمر تكليف فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمى جميع الشريعة

ص: 231

تكليفًا، مع أن غالبها قرة العيون، وسرور القلوب، ولذات الأرواح، وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله، والإنابة إليه وذكره، وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدًا قال الله تعالى:{فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)} [مريم: 65]

(1)

.

وأجاز البعض: صحة التسمية؛ وذلك من جهة أن التسمية جاءت من قولهم: كَلِفت بالأمر، إذا أحببته، وتكاليف الشرع محبوبة للمؤمن، أو من جهة أن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، ولكنها مشقة معتادة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:«حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات»

(2)

، وتكون المشقة المنفية هي المشقة الخارجة عن المعتاد المؤدية إلى اختلال الحياة أو المعاش.

ومما يدل على صحة تسمية أوامر الشرع تكليفًا قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286]، فالآية تدل على امتناع التكليف بما خرج عن الوسع والطاقة، وتدل على صحة التكليف بما يدخل تحت الوسع والقدرة بطريق المفهوم

(3)

.

(1)

مجموع الفتاوى (1/ 25، 26).

(2)

أخرجه مسلم (2822) من حديث أنس مرفوعا.

(3)

أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي (1/ 68، 69).

ص: 232

والخلاف في المسألة لفظي، فالمنع إنما يتجه لوصف جميع الأحكام الشرعية بأن فيها مشقة، وأن ذلك شرط لكي يصح نسبتها للشرع.

والإثبات إنما يتجه لكون بعض الأحكام الشرعية فيها نوع مشقة، وهي المشقة العادية كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، ورجم الزناة، ونحو ذلك.

وقد اتفق الفريقان على خروج المشقة العظيمة التي تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كالتي تؤدي إلى هلاك أحد الضرورات الخمس، فنحو هذه المشقات إنما هي مرفوعة عن الأمة، ولم يكلفنا الله بها، بل هي موجبة للرخصة والتخفيف كنحو إباحة التيمم للخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد، ووجوب الفطر، لكن خاف على نفسه التضرر بالصوم، ونحو ذلك مما هو معروف في محله

(1)

.

(1)

الشرح الكبير لمختصر الأصول لمحمود بن محمد المنياوي (1/ 92، 93).

ص: 233

‌الأحكام التكليفية

*‌

‌ أولًا: الواجب

تنبيه: الفرق بين الإيجاب، والواجب.

الإيجاب هو نفس خطاب الشارع، أما الوجوب فهو الأثر المترتب على ذلك الخطاب، والواجب هو وصف لفعل المكلف الذي طلبه الشارع.

مثال قوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} هذا خطاب من الله تعالى بإيجاب الصلاة على المكلف، وأثر هذا الخطاب أو ما ينتج عنه هو وجوب الصلاة على المكلف، وأما إقامة الصلاة فهي الواجب.

*‌

‌ تعريف الواجب:

الواجب لغة: من وجب بمعنى ثبت أو سقط، يقال: وجب البيع والحق: ثبت ولزم، ووجب الحائط سقط، ومنه قوله تعالى:{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36]: أى سقطت

(1)

.

(1)

المصباح المنير للفيومي (2/ 648)، القاموس المحيط للفيروز آبادي (1/ 141).

ص: 234

حيث إنا نتخيل الحكم أو الشيء الواجب جزمًا سقط، أي: وقع على المكلف من الله تعالى

(1)

.

الواجب اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا جازمًا

(2)

.

*‌

‌ شرح التعريف:

1 -

ما: بمعنى الذي، وهي صفة الفعل؛ لأن الإيجاب إذا تعلق بفعل المكلف فيكون الفعل واجبًا، والفعل يشمل الأحكام الخمسة.

2 -

طلب الشارع فعله: أي القيام به وأداؤه، فيدخل في التعريفات الواجب والمندوب؛ لأن الشارع طلب فعلهما، ويخرج من التعريف المباح؛ لأن الشارع لم يطلب فعله ولا تركه، ويخرج المكروه والمحرم؛ لأن الشارع لم يطلب فعلهما بل طلب تركهما.

3 -

طلبًا جازما: أي طلبًا لازمًا؛ بحيث لا يسوغ تركه، فيخرج المندوب؛ لأن الشارع طلبه بدون حتم.

(1)

المهذب للدكتور عبد الكريم نملة (1/ 147).

(2)

الإبهاج شرح المنهاج للسبكي (2/ 141).

ص: 235

* تعريفات أخرى للواجب منها:

1 -

تعريفه بالثمرة: هو ما يثاب فاعله امتثالًا، وتاركه متوعد بالعقاب مطلقًا.

ومنه قول صاحب «نظم الورقات» :

فالواجب المحكوم بالثواب

في فعله والترك بالعقاب

امتثالًا: أي أن الذي يفعل الواجب يثاب بشرط أن يفعله امتثالًا، فلو ترك أحد الأكل لمرض أو علة من الفجر إلى غروب الشمس لا يعد صائمًا؛ لأنه لم يصم امتثالًا.

تاركه: تارك الواجب متوعد بالعقاب، فهو متوعد بالعقاب ولا يقال: معاقب. لأن الله تعالى قد يتوب عليه ويغفر له، فالله تعالي لا يخلف وعده بالثواب، لكنه قد يعفو عن من توعده بالعقاب؛ لأن رحمته سبقت غضبه.

وقوله: "مطلقًا" فيه تقديران:

أحدهما: أن "مطلقًا" عائدٌ إلى الترك، والتقدير تركًا مطلقًا، ليدخل الواجب الموسع، والمخير، والكفائي، وبيان ذلك أن:

- الواجب الموسع: كالصلاة التي يجوز تركها في أول الوقت مع فعلها في أثنائه، فلولا زيادة لفظ مطلقًا لقيل إن الواجب الموسع في أول

ص: 236

الوقت ليس بواجب؛ لأنه لا يذم تاركه.

- الواجب المخير: مثل وجوب التكفير عن اليمين الحانثة بواحد من ثلاثة: العتق، والإطعام، والكسوة. فكل واحد من هذه الثلاثة بخصوصه يجوز تركه من غير ذم لكن بشرط أن يفعل غيره، فلولا زيادة وصف الترك بالإطلاق لقيل الواجب المخير ليس داخلا.

- الواجب الكفائي: مثل غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فهذا واجب على عموم المسلمين العالمين بموت ذلك المسلم، ولكن لو تركه بعضهم وفعله آخرون لم يأثم التارك ولم يذم، فلو لم نصف الترك بقولنا مطلقًا، للزم خروج الواجب الكفائي لأن تاركه لا يذم، ولما زدنا هذا الوصف دخل الواجب الكفائي؛ لأن تركه ليس مطلقًا، بل من بعض المكلفين دون بعض

(1)

.

والتقدير الثاني: أن "مطلقًا" عائدٌ إلى الذم والتقدير ذمًّا مطلقًا.

وبيان ذلك أن الذم على الواجب الموسع وعلى المخير وعلى الكفاية من وجهٍ دون وجهٍ، والذم على الواجب المضيق والمحتم والمعين من كل وجهٍ؛ فلذلك قال: مطلقًا. ليشمل ذلك كله بشرطه، ولو لم يذكر ذلك لورد عليه من ترك شيئًا من ذلك.

(1)

مختصر التحرير لابن النجار (1/ 349) مكتبة العبيكان.

ص: 237

2 -

تعريفه بالضد: الواجب ضد الحرام، ومنه قول صاحب «نظم الورقات»:

وضابط المكروه عكس ما ندب

كذلك الحرام عكس ما يجب.

فعرَّف الحرام بأنه عكس الواجب، فعلم بالضرورة منه أن الواجب عكس الحرام.

3 -

تعريفه بالمثال: الواجب مثل الصلاة، والتعريف بالمثال استخدمه العلماء في هذا العلم وغيره من العلوم، ومنه قول صاحب «المنظومة البيقونية»:

معنعنٌ كعن سعيدٍ عن كرم ...............

فقد عرف المعنعن بالمثال.

*‌

‌ مرادفات الواجب:

المرادفات هي أسماء وأوصاف متعددة لذات واحدة.

ومن مرادفات الواجب: الفرض، والأمر، والحتم، والمكتوب، وغير ذلك

(1)

.

1 -

الفرض: ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله فرض عليكم الحج

(1)

شرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 354)، البحر المحيط للزركشي (1/ 240).

ص: 238

فحجوا»

(1)

.

2 -

الأمر: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].

3 -

الحتم: ومنه قول علىٍّ رضي الله عنه: الوتر ليس بحتم

(2)

.

4 -

المكتوب: ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، وغير ذلك.

*‌

‌ صيغ الوجوب:

الصيغ الدالة على إفادة الوجوب في نصوص الكتاب والسنة كثيرةٌ، أهمها:

1 -

صيغة الأمر بلفظ الإنشاء، بفعل الأمر «افعل» كقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [الأنعام: 72]، أو المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى:{فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)} [النساء: 9]، أو اسم فعل الأمر كقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، أو المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله

(1)

أخرجه مسلم (1337) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

إسناده حسن: أخرجه أحمد (652)، والترمذي (454)، وغيرهما من طريق عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب قوله، وعاصم صدوق حسن الحديث.

ص: 239

تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4].

2 -

صيغة «أمر» وما يتصرف عنها، كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90]، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة»

(1)

.

3 -

صيغة «كَتَبَ» و «كُتِبَ» ، كقوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته»

(2)

.

4 -

صيغة «فرض» وما يتصرف عنها، كقوله تعالى:{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1]: أي أوجبنا العمل بها.

وعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا

(1)

إسناده صحيح: أخرجه أحمد (17170)، والترمذي (2863)، وأبو يعلى (1571)، وابن خزيمة (483)، وغيرهم من طرق عن زيد بن سلام عن ممطور الحبشي عن الحارث الأشعري مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (1955) من حديث شداد بن أوس مرفوعًا.

ص: 240

إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قومٍ أهل كتابٍ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلواتٍ في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم»

(1)

.

5 -

صيغة الخبر التي فيها تنزيل المطلوب منزلة التام الحاصل تأكيدًا للأمر به، كقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].

6 -

ما ورد فيه ترتيب المؤاخذة على ترك الامتثال، كقوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من لا يَرحم لا يُرحم»

(2)

.

7 -

وصف ترك الامتثال بالمخالفة، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:«شر الطعام طعام الوليمة، يُدعَى لها الأغنياء ويُترَك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله»

(3)

، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ

(1)

أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (5997)، ومسلم (2318) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (5177)، ومسلم (1432) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 241

فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)} [الحجرات: 11].

8 -

ما رتب على تركه عدم الاعتداد بالعمل، كقوله صلى الله عليه وسلم:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«لا نكاح إلا بوليٍّ»

(2)

.

* مسألة مهمة:

الفعل النبوي إذا جاء تفسيرًا لواجبٍ مجملٍ، كقوله صلى الله عليه وسلم:«صلوا كما رأيتموني أصلي»

(3)

، وقد صلى بفعله، وقوله صلى الله عليه وسلم:«خذوا عني مناسككم»

(4)

، وقد حج بفعله، هل يكون ذلك الفعل واجبًا؟

التحقيق الذي عليه أكثر أهل العلم أن البيان بالفعل واقعٌ على ما هو واجبٌ كالركوع والسجود في الصلاة، وعلى ما هو مندوبٌ كرفع اليدين وصف القدمين ووضع اليمنى على اليسرى، فمجرد الفعل النبوي لم يجعل المندوب منها واجبًا، وذلك لو صح فإنه يعني أن

(1)

أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (1101)، وأبو داود (2085)، وغيرهما من طرق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعًا، وهذا الحديث قد اختلف فيه على أبي إسحاق في وصله وإرساله، ولكن صحح الرفع عدد من الأئمة منهم ابن المديني والبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي والترمذي.

(3)

أخرجه البخاري (631)، ومسلم (674) من حديث مالك بن الحويرث مرفوعًا.

(4)

أخرجه مسلم (1297) من حديث جابر مرفوعًا.

ص: 242

المندوبات في حقه صلى الله عليه وسلم انقلبت واجباتٍ بفعله في حق أمته، وهذا معنى لا يتصور، فالتكليف في حقه صلى الله عليه وسلم مقطوعٌ بأنه آكدٌ منه في حق أمته.

فلا يصلح إذًا إطلاق أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانًا لواجبٍ فكل أجزاء ذلك الفعل واجبةٌ على أمته، وإنما يستفاد وجوبها من غير ذات الفعل، وتبقى مشروعية المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم واجبةً في الواجب، ومندوبةً في المندوب

(1)

.

وقيل: إن الأصل في بيان الواجب بالفعل أنه للوجوب إلا ما خرج للندب بصارف، ووضعوا لذلك قاعدة" إن الفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير لقول سابق فله حكمه"

(2)

.

*‌

‌ قواعد الواجب:

•‌

‌ قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ)

(3)

:

ما يتوقف عليه الإتيان بالواجب، وهو مقدمته التي ينبني عليها تحصيله، يرجع إلى ثلاثة أقسامٍ:

(1)

تيسير علم أصول الفقه للجديع (1/ 22).

(2)

التأسيس في أصول الفقه للشيخ مصظفى سلامة (36).

(3)

شرح الكوكب المنير (1/ 357)، الإحكام للآمدي (1/ 110).

ص: 243

الأول: ما لا يدخل تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب صلاة الظهر، فهذه مقدمةٌ لا تتم صلاة الظهر إلا بها لكنها ليست تحت قدرة المكلف.

فهذا القسم لا يندرج تحت القاعدة المذكورة.

الثاني: ما يدخل تحت قدرة المكلف لكنه غير مأمورٍ بتحصيله، كبلوغ النصاب لوجوب الزكاة، والاستطاعة لوجوب الحج، فإنه تحت قدرته أن يجمع النصاب، وأن يكتسب ليحقق الاستطاعة للحج، لكن ذلك لا يجب عليه.

فهذا لا يدخل أيضًا تحت القاعدة المذكورة.

الثالث: ما يدخل أيضًا تحت قدرة المكلف وهو مأمورٌ بتحصيله، فهذا يجب عليه الإتيان به، وهو المقصود بالقاعدة

(1)

.

والمعنى: أن الواجب قد يتعلق بأمر، ولا يتم فعل هذا الواجب إلا بفعل ذاك الأمر، فيصبح فعل هذا الأمر واجبًا.

مثال: غسل بعض الشعر من الرأس مع الوجه غير واجب، ولكن لا يتم التأكد من غسل الوجه إلا بغسل بعض الشعر، فيصبح غسل بعض الشعر مع الرأس واجبًا.

(1)

مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (17)، تيسير علم أصول الفقه للجديع (23).

ص: 244

ومنه لو أن أحدًا لا يستطيع القيام لصلاة الفجر إلا بالنوم مبكرًا أو بضبط المنبه، فالقيام لصلاة الفجر واجب، فإن لم يتم هذا الواجب إلا بتلك الصورة أصبحت هذه الصورة واجبة له أجر القيام بها، ومتوعد بالعقاب إن لم يأت بها فعليه عقاب ترك الواجب.

ومنه في الوضوء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، فغسل اليد حده إلى المرفق، ولا يتيقن غسل اليد إلى المرفق إلا إذا أدخلت المرفق في الغسل من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وغير ذلك.

•‌

‌ قاعدة تزاحم الواجبات

(1)

:

التزاحم من حيث هو يأتي على صور ثلاث:

الأولى: تزاحم حسنة مع حسنة، فيقدم الأعلى من الحسنتين، ومثاله: اجتماع واجب ومستحب، كدين مطلوب في الذمة، ونفقة مستحبة كالصدقة، فالمقدم قضاء الدين؛ لأنه واجب.

الثانية: اجتماع سيئة وسيئة، كمحرم وآخر أخف منه، أو محظور

(1)

المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (1/ 339)، الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (47).

ص: 245

ومكروه، ومثاله: ما يقع الإنسان فيه بين شيئين من المحاذير المعروفة، فإنه يرتكب الأدنى ليتقي به الأعلى، ومثل لها بعض فقهاء الشافعية برجل صلى في ثوب لا يستر تمام عورته الواجبة، فإنه حينئذ يلزمه أن يجلس ويصلي جالسًا، فالصلاة جالسًا مع القدرة محظور، فارتكب الأدنى ليتقي الأعلى من المحظورين.

الثالثة: اجتماع حسنة وسيئة، قال شيخ الإسلام: ينظر في الراجح منهما فيعمل به، فقد تترجح الحسنة على السيئة فتعمل، وهذا كله إذا كان يلزم من فعل الحسنة الوقوع في السيئة، أو يلزم من ترك السيئة ترك الحسنة

(1)

.

ومثال ذلك: لو أسلمت المرأة في دار الكفر وليس لها محرم، فسفرها بغير محرم سيئة ومحظور، والهجرة واجبة وهي حسنة، فترجح فعل الحسنة على السيئة من البقاء في دار الكفر، فشرع لها الشارع الهجرة.

ومن هنا يتبين أن تلازم الأحكام وتزاحمها يحتاج إلى أمرين لكي يبت في ذلك:

الأول: معرفة واقع الواقعة.

(1)

مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية لصالح آل عمير (1/ 46).

ص: 246

الثاني: العلم بمراتب الحسنات والسيئات ومقاصد الشريعة.

يقول ابن تيمية رحمه الله: والشرع دائمًا يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما

(1)

.

بعض صور التزاحم:

مثل: إعادة الكعبة إلى البناء القديم الأصلي حسنة ومصلحة، بل قيل بوجوبه، والحفاظ على جماعة المسلمين وعدم تفريقهم حسنة ومصلحة وهو واجب، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المصلحة الأعلى، وهي الحفاظ على جماعة المسلمين، ولم يُعِد الكعبة على قواعد إبراهيم.

وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، فبلغت به أساس إبراهيم»

(2)

.

وهناك واجبات عامة في الشريعة تقدم دائمًا، فالحفاظ على جماعة المسلمين وعدم إشاعة الفتنة بينهم وعدم تفريقهم واجب لا يكاد يعادله واجب في الشريعة، فلا تكاد تجد واجبًا يقدم على هذا الواجب.

ومن ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين، فمع عظيم خطرهم لما

(1)

مجموع الفتاوى لابن تيمية (23/ 182).

(2)

أخرجه البخاري (1586)، ومسلم (1333)، من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 247

عرض على النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم أبى، وقال:«حتى لا يقال إن محمدًا يقتل أصحابه»

(1)

.

وكذلك من أعظم وأعلى هذه الواجبات في الشريعة هو واجب العمل لله والدعوة إليه، فلو تزاحم مع أي واجب آخر يقدم هو على غيره، وهذا الذى فهمه الغلام في قصة أصحاب الأخدود حين أرسلهم الملك ليقتلوه، فنجا فصار بين واجبين: إما أن ينجو بنفسه ويحافظ عليها من الهلاك، وإما أن يقدم واجب الدعوة إلى الله ويذهب مرة أخرى ليدعو الملك وأتباعه؛ فقدم الواجب الأعلى، وهو الدعوة إلى الله، بل لما رأى أن هذه الدعوة لم تؤت ثمارها، ووجد أنه لا بد أن يضحي بحياته كي ينشر هذا الدين، فقدم واجب نشر الدين على واجب الحفاظ على حياته.

ومن ذلك أيضًا: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي جندل حينما فر من المشركين، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فارًّا بدينه، وكان النبي عاقدًا لصلح الحديبية، فرده النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو جندل:«أُرَد إلى الكفار يفتنونني في ديني»

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584) من حديث جابر مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (2731) من حديث المسور بن مخرمة مرفوعًا بنحوه، واللفظ المذكور لفظ البيهقي في الكبرى.

ص: 248

ومن المعلوم أن الحفاظ على المسلم من الابتلاء والفتنة أمر واجب، ولكن يوجد واجب أعلى، وهو الحفاظ على مقام النبوة، وعدم نقض العهد؛ لذلك قدم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الواجب، ورده مع أنه يرد إلى ابتلاء وفتنة.

• مسألة: الثواب ثوابان:

ثواب العمل: وهو الذي يناله العبد على ما عمل من الأعمال.

ثواب الفضل: وهو الثواب الذى يؤخذ بغير عمل؛ لأنه منع منه مانع.

وبيان هذه المسألة ليعلم أن ترك الواجب الأدنى لا إثم فيه، بل له فيه الأجر؛ وذلك لأن الثواب ثوابان، فثواب العمل وهو الثواب الذى يأخذه العبد على عمل عمله، وثواب الفضل وهو ثواب يأخذه العبد على عمل لم يعمله فضلًا من الله تعالى، وذلك بشرط أن يمنعه العذر مع كونه صادق النية في إرادته للقيام بهذا العمل، وهذا مفهوم حديث النبي صلى الله عليه وسلم:«من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة»

(1)

، فلما وُجِد المانع من الخارج وحال بينه وبين العمل بهذه الحسنة وهو يريد فعلها، بل وهم بها؛ كتبها الله له عنده حسنة كاملة،

(1)

أخرجه البخاري (6491)، ومسلم (130) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 249

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شركوكم الأجر» ، قيل: وهم بالمدينة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «حبسهم العذر»

(1)

، فلما حبسهم العذر وكانوا صادقين حقًّا؛ أعطاهم الله تعالى الثواب بفضله، قال تعالى:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)} [التوبة: 92]، فلما حبسهم العذر أخذوا ثواب الفضل، أما السيئة فهي على العكس من ذلك فلكي يترتب على تركها ثواب لا بد أن يكون المانع الذى حال بين العبد وبينها من عند نفسه، كما حدث مع صاحب الغار لما قالت له:«اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه قام عنها وتركها»

(2)

، يعنى كان المانع من عند نفسه وهو تقوى الله تعالى، فكان هذا العمل من أعظم حسناته، وصالح أعماله.

• الفرق بين التزاحم والتداخل:

التزاحم: هو توارد الحقوق وازدحامها على محل واحد

(3)

.

أما التداخل: فهو اجتماع مخصوص، لحكمين شرعيين

(1)

أخرجه البخاري (4423) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (2272)، ومسلم (2743) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(3)

المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (1/ 284) وزارة الأوقاف الكويتية.

ص: 250

مخصوصين، والاكتفاء بواحد منهما، علي سبيل التخيير غالبًا، مع حصول ثوابهما معًا، أو ثواب واحد منهما

(1)

.

*‌

‌ أوجه الاتفاق والافتراق بين التداخل والتزاحم:

•‌

‌ أولًا: أوجه الاتفاق:

يشترك كل من التداخل والتزاحم في أمور:

الأمر الأول: أن كلًّا من التداخل والتزاحم إنما يحصلان عند وجود جمع من الأمور، كما لو قام بالإنسان حدث أصغر وأكبر، وكما لو وجبت عليه حدود من جنس واحد، وكما لو أوصى لأكثر من جهة، أو تعدد غرماؤه وماله لا يفي بالجميع، فالملحوظ في هذه المسائل؛ أن كل صورة تشتمل على أكثر من أمر.

وعلى هذا فلا يتصور وقوع التداخل والتزاحم في حال التفرد وعدم الجمع، بل إن كلًّا من لفظتي التداخل والتزاحم في مدلولهما اللغوي يدلان على حصول التداخل والتزاحم بين أكثر من واحد، كما تقتضيه صيغة تفاعل مما هو مقرر عند أهل اللغة.

الأمر الثاني: أن كلًّا من التداخل والتزاحم إنما يحصلان إذا كانت الأمور المجتمعة مجتمعة في محل واحد، كالحدود المتماثلة إذا كانت

(1)

التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي لخالد الخشلان (ص 78).

ص: 251

على شخص واحد، وكالديون إذا كانت على مفلس، أو الوصايا إذا كانت من شخص واحد.

•‌

‌ ثانيًا: أوجه الافتراق:

يفترق كلٌّ من التداخل والتزاحم عن الآخر في بعض الأمور:

الأمر الأول: في حالة التداخل تندرج الأشياء المتداخلة بعضها في بعض، مثل اندراج الوضوء في الغسل، واندراج تحية المسجد في الفريضة، ونحو ذلك.

أما في حالة التزاحم فلا تندرج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، بل قد تقع المحاصة بينها، كما لو تزاحم الغرماء في مال المفلس، والدين محيط بجميع المال وزيادة، فإن الغرماء يتحاصون ماله على نسبة ديونهم.

الأمر الثاني: في حالة التداخل، وبعد اندراج الأمور المتداخلة بعضها في بعض، يكتفي حينئذ بفعل واحد، كما لو زنى عدة مرات فإن الزنيات يندرج بعضها في بعض، فتكون كالزنية الواحدة، ويترتب عليها حينئذ حد واحد.

أما في حالة التزاحم، فقد لا يكتفى بواحد من هذه الأشياء التي وقع بينها التزاحم كما في تزاحم الغرماء، بل يقسم المال على قدر ديونهم،

ص: 252

وإذا حصل الاكتفاء بواحد في بعض مسائل التزاحم، فقدم بعض الحقوق على بعض، فإنما حصل ذلك التقديم لوجود مرجح من المرجحات التي ذكرها أهل العلم، كالسبق أو القرعة أو القوة، وليس هذا الاكتفاء ناشئًا من اندراج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، وذلك كما لو أوصى إنسان بحج، ولم يكن قد حج حجة الإسلام، وأوصى بصدقة للفقراء ولا يفي ما وراءه بجميع وصاياه، فإنه يقدم الحج على صدقة التطوع، وكما لو قتل شخص جماعة مرتبًا، فإنه يحصل حينئذ تزاحم في الحقوق بين أولياء المقتولين، لكنه يقتل بالأول وللباقين الدية.

الأمر الثالث: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة جنسًا، كالتداخل بين الحدود والأحداث، ونحو ذلك مما هو متحد جنسًا، وليس هذا الشرط بلازم في التزاحم، فقد يقع التزاحم بين حقوق متحدة جنسًا كتزاحم الغرماء في مال المفلس، وقد يقع التزاحم بين حقوق مختلفة، كالتزاحم بين حقوق الله وحقوق العباد في تركة الميت مثلًا إذا لم تف التركة بالجميع.

الأمر الرابع: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة في المقصود، كالتداخل بين الطهارتين الصغرى والكبرى، فإنهما متحدتان قصدًا من حيث كون المقصود منها رفع

ص: 253

الحدث، أو استباحة فعل العبادة التي تشترط لها الطهارة، ونحو ذلك.

أما التزاحم فلا يشترط له اتحاد المقصود من الحقوق المتزاحمة، كما لو حصل التزاحم في تركة الميت بين حقوق مختلفة قصدًا، كالزكاة والكفارات وحقوق الآدميين؛ إذ كل واحد من هذه الحقوق مقصود بنفسه.

الأمر الخامس: التداخل يقع مع إمكان فعل الأمور المتداخلة جميعًا، وذلك في عامة مسائل التداخل، كالتداخل بين الطهارة الصغرى والكبرى، والتداخل بين الحدود والكفارات، ونحو ذلك.

وقد يقع التداخل أحيانًا مع تعذر الجمع -بين الأمور المتداخلة- واقعًا، كما لو كرر محصن الزنا، فإن بكل مرة يثبت حد الرجم، فتتداخل الحدود الواجبة عليه حكمًا وضرورة، لعدم إمكان الجمع بينها تطبيقًا وواقعًا.

أما التزاحم فإنه لا يتصور وقوعه إلا عند تعذر الجمع حقيقة بين الحقوق المتزاحمة؛ إذ لو أمكن الجمع حقيقة بينها لارتفع التزاحم

(1)

.

(1)

التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي لخالد الخشلان (59 - 63).

ص: 254

3 -

قاعدة تزاحم الواجب مع السنة

(1)

:

إذا تزاحم الواجب مع السنة في وقت واحد في حق شخص واحد يجب عليه أن يختار الواجب، ولا يجوز له أن يختار السنة، فلو اختارها بقي عليه إثم ترك الواجب.

يقول ابن تيمية: ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا

(2)

أي المستحبات.

وسئل ابن تيمية رحمه الله عن طلب القرآن أفضل أم العلم؟ فأجاب: العلم الذى يجب على الإنسان عينًا مقدم على حفظ القرآن، فطلب العلم واجب، وحفظ القرآن مستحب، والواجب مقدم على المستحب

(3)

.

ومن ذلك: تقبيل الحجر الأسود فهو سنة، وقد يتسبب فعله في فعل محرم كأذية المسلمين، فيكفي في الزحام الإشارة له، فيحصل أجر السنة، وأجر القيام بالواجب، وهو عدم أذية المسلمين.

(1)

المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (2/ 265)، الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف ص (50).

(2)

مجموع الفتاوى (22/ 407).

(3)

مجموع الفتاوى (23/ 54).

ص: 255

• قاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه:

ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه ينقسم إلى الأقسام التالية

(1)

.

الأول: ما كان من أجزائه كالزنى، فإن النهي عنه نهيٌ عن أجزائه، وهي الإيلاجات والإخراجات، ولا فرق بين أن يقول: لا تزن، وبين أن يقول: لا تولج ولا تخرج.

والثاني: ما كان من شروطه وأسبابه:

كمقدمات الوطء من المفاخذة، والقبلة، وسائر الدواعي بعد ذلك، ومنه العقد على الأم، فإنه لما كان سبب الوطء، وهو منهيٌّ عنه كان العقد الذي هو سببٌ إليه منهيًّا عنه.

الثالث: ما كان من ضروراته:

وهذا القسم هو المعني بقاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب:

والمعنى أنه قد يوجد محرم متعلقٌ بمباح - والمحرم تركه

واجب-، ولا يمكن ترك هذا المحرم إلا بترك هذا المباح فيصبح ترك هذا المباح واجبًا وفعله يكون محرمًا.

(1)

البحر المحيط (1/ 339)، مذكرة الشنقيطي (18).

ص: 256

مثال: رجل يريد الزواج، ولديه أخت من الرضاعة في قرية لكنه لا يعلمها، فالزواج من نساء هذه القرية مباح، والزواج من أخته محرم، ولكنه لا يستطيع أن يبتعد عن هذا المحرم يقينًا إلا إذا ترك الزواج من نساء هذه القرية كلها فيكون هذا الترك واجبًا فى حقه.

مسألة: حكم الزيادة على الواجب:

لها حالتان:

«الأولى» : أن تكون الزيادة على الواجب متميزة عنه كصلاة النافلة بالنسبة إلى الصلوات الخمس، وهذه الزيادة غير واجبة كما هو واضح.

«الثانية» : أن تكون الزيادة غير متميزة عن الواجب، كالزائد على قدر الفرض من الطمأنينة في الركوع والسجود، ونحو ذلك.

فقال قوم: الزيادة هنا واجبة لأن الجميع امتثال للأمر الواجب، ولم يتميز فيه واجب عن غيره، فالكل واجب لأنه امتثال للواجب.

والحق: أن الزائد غير واجب، والدليل على ذلك جواز تركه، والاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط من الطمأنينة من غير شرط ولا بدل

(1)

.

(1)

مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص (19).

ص: 257

فائدة: ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب.

بيان ذلك من حيث إن حقيقة الواجب تخالف حقيقة ما ليس بواجب.

فالآتي بإحدى الحقيقتين مكان الأخرى كمن لم يأت بشيء أصلًا، ولهذا نقول: إن صلاة ركعة الوتر لا تجزئ عن ركعة من صلاة الصبح، وألف دينار صدقةً لا تجزئ عن شاة وجبت عليه، وأمثال هذا، وكل ما جاء على هذا الحساب فقد جاء على الأصل، وما جاء على غير هذا فهو على غير الأصل

(1)

.

* تقسيمات الواجب

(2)

:

الواجب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات مختلفة:

• التقسيم الأول: الواجب باعتبار ذاته -أي بحسب الفعل المكلف به- ينقسم إلى قسمين

(3)

:

القسم الأول: الواجب المعين.

(1)

ترتيب الفروق و اختصارها للبقوري (1/ 133).

(2)

روضة الناظر لابن قدامة (1/ 105)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للرجراجي (2/ 571)، شرح العضد على مختصر المنتهى (2/ 152).

(3)

مختصر التحرير لابن النجار (1/ 379).

ص: 258

القسم الثاني: الواجب المخير.

الواجب المعين:

في اللغة: مأخوذ من التعيين، وهو: التخصيص، فيكون الواجب المخصص.

وفي الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا بعينه، دون تخيير بينه وبين غيره.

أي: أنه الذي تعين المطلوب به بشيء واحد لا خيار للمكلف في نوعه، فلا يمكن أن تبرأ ذمته، وهو المطالب به إلا إذا فعله بعينه.

ومن أمثلته: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة، والحج، وأداء الديون، والوفاء بالعهد، أو نذر عتق هذا العبد، ونحو ذلك.

الواجب المُخيَّر:

في اللغة: من التخيير، وهو: التفويض. يقال: خيرته بين الشيئين إذا فوضت إليه الاختيار.

و هو في الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا لا بعينه، بل خير في فعله بين أفراده المحصورة المعينة.

أي: أنه الذي لم يتعين المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له

ص: 259

أفراد، وخير المكلف فيه بأن يأتي بما شاء منها.

مثاله: كفارة اليمين الواردة في قوله تعالى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة 89] حيث إن الشرع قد طلب من المكلف أن يكفر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق.

ومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].

والمكلف إذا فعل واحدًا من الأفراد المُخيَّر بينها، فإن ذمته تبرأ، فإن تركها جميعًا أثم بذلك، ويسميه بعضهم ب «الواجب المبهم» .

•‌

‌ ثالثًا: شروط الواجب المُخيَّر:

الشرط الأول: أن تكون الأشياء المُخيَّر بينها معلومة للمخاطب، ومحصورة ومعينة حتى يحيط بها المكلف، ويوازن بينها، ويرى ما هو الأصلح، فيختاره ويقوم به.

الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المُخيَّر بينها في الرتبة. أي: تكون متساوية في الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فلا يجوز التخيير بين واجب ومندوب، ولا بين واجب ومباح، ونحو ذلك؛ فإن التخيير

ص: 260

بين الوجوب وتركه يرفع الوجوب.

ولهذا لما استدل داود الظاهري على وجوب النكاح بقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] رده العلماء؛ لأن قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] فيه تخيير بين النكاح وملك اليمين، ومعروف أن ملك اليمين لا يجب إجماعًا.

الشرط الثالث: أن تكون الأشياء المخير بينها متميزة للمكلف، أي: أن يتميز بعض الأشياء عن بعض، فلا يجوز التخيير بين متساويين من جميع الوجوه لا يتميز أحدها عن الآخر بوصف، كما لو خُيِّر بين أن يصلي أربع ركعات، وأن يصلي أربع ركعات مع تساويهما في جميع الصفات.

الشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وشيء لا يستطيعه

(1)

.

‌مسألة: هل يجوز الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها؟

الأمور المعينة المحصورة المُخيَّر بينها قد يحرم على المكلف الجمع بينها، وقد يباح الجمع بينها، وقد يندب الجمع بينها.

(1)

العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (1/ 302)، البحر المحيط للزركشي (1/ 261)، الوجيز للزحيلي (1/ 328)، وما بعدها.

ص: 261

فمثال الأول -وهو ما يحرم فيه الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها-: تزويج المرأة من كفأين متساويين معًا، وكذا مبايعة إمامين للأمة.

ومثال الثاني -وهو ما يباح فيه الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها-: ستر العورة بثوب بعد سترها بثوب آخر، فستر العورة واجب، والمكلف مُخيَّر بسترها بأي ثوب شاء متى تعددت عنده الثياب، ويباح له سترها بأكثر من ثوب واحد، فيكون الجمع بين الأثواب في الستر مباحًا.

ومثال الثالث -وهو ما يندب فيه الجمع بين الأمور المخير بينها-: خصال كفارة اليمين، فإننا نعلم أن الخطاب قد تعلق بها على سبيل التخيير بينها، والواجب يسقط بفعل واحد منها، ولكن قد يندب له الجمع بين الإطعام، والكسوة، والعتق زيادة له في الثواب

(1)

، ولبعضهم بعض الاعتراضات على ما ذكر من أمثلة.

‌فائدةٌ: معظم العبادات على التخيير:

معظم العبادات في الشرع على التخيير، إلا ما شذ وندر. ألا ترى أنه يتوضأ بأي ماءٍ شاء، ويصلي في أي مكان مع أيٍ لبوسٍ شاء، ومن لزمه عتقٌ فهو مُخيَّرٌ من أي الرقاب المجزئة، ومن لزمته الصدقة فهو

(1)

المهذب للنملة (1/ 175).

ص: 262

مُخيَّرٌ بين أعيان الدراهم

(1)

.

• التقسيم الثاني: الواجب باعتبار فاعله، أي: باعتبار المخاطبين به ينقسم إلى قسمين

(2)

:

القسم الأول: الواجب العيني.

القسم الثاني: الواجب الكفائي.

فالواجب العيني: هو ما يتحتم أداؤه على مكلف بعينه.

أو هو: ما طلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين.

والمعنى: لا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه، ويأثم بالترك، ولا يغني عنه فعل غيره، ولذلك سمي بفرض العين.

مثل: التوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والوفاء بالعقود، واجتناب الشرك، والخمر، والميسر.

والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين من غير نظر إلى فاعله؛ لأن مقصود الشارع حصول الفعل فقط، فإذا فعله البعض الكافي سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعل

(1)

البحر المحيط للزركشي (1/ 267).

(2)

مذكرة في أصول الفقه (ص 15).

ص: 263

نهائيًّا أثم الجميع، لتعلق الطلب بالكل.

فالطلب هنا منصب على إيجاد الفعل في حد ذاته لا إلى الفاعل.

ومن أمثلته: الجهاد، والقضاء، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد الصناعات والحرف المختلفة، والعلوم التي تحتاج إليها الأمة، وإعداد القوة بأنواعها، ونحو ذلك مما يحقق مصلحة الأمة.

مسألة: لا خلاف بين الأصوليين في أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين، وعلى أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يستوجب تأثيم الجميع؛ لأنهم فوَّتوا ما قُصِد من الفعل، وكذلك لو قام به عدد أقل ممن يسد بهم الحاجة، فالفاعلون مثابون، وغيرهم آثمون.

لكنهم مختلفون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين، ويسقط بفعل البعض، أو هو موجه إلى بعض غير معين؟

فالجمهور على أنه متعلق بجميع المكلفين، بمعنى أن القادر على الفعل عليه أن يقوم بنفسه، وغير القادر يحث غيره على القيام به.

ص: 264

واستدلوا بأدلة منها:

1 -

أن الواجبات الكفائية الواردة في القرآن والسنة جاءت بصيغة العموم كالواجبات العينية، فقوله تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة 216]، كقوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة 183]، مع أن الأول كفائي، والثاني عيني.

2 -

أن الإثم يلحق الجميع إذا تركوا، ولو لم يكونوا مخاطبين به ما أثموا.

وذهب بعض الأصوليين إلى أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة؛ لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل.

واستدل القائلون بأنه موجه إلى بعض مبهم بدليلين:

1 -

قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [التوبة 122]. فالخطاب هنا موجه إلى بعض مبهم، وهو متعلق بواجب كفائي.

2 -

أنه يسقط بفعل بعض المكلفين، ولو خوطب به الجميع لما سقط إلا بفعل الجميع كسائر الواجبات العينية.

وتظهر ثمرة هذا الخلاف: فيمن علم بشيء من فروض الكفايات، كتغسيل ميت وتكفينه، والصلاة عليه، وشك هل هناك من قام بهذا

ص: 265

الواجب أم لا؟ فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر؛ لأن الأمر متعلق به على سبيل الوجوب المحقق، ولا يسقط بالشك.

أما على الرأي الثاني فلا يلزمه ذلك؛ لأن الخطاب لم يتوجه إليه

(1)

.

•‌

‌ مسألة: فرض الكفاية قد يصبح فرض عين

(2)

:

قد يصير الواجب الكفائي واجبًا عينيًا، إذا انحصر الفعل المطلوب في شخص معين أو فئة معينة، فإنه يصبح فرض عين على كل قادر عليه، إذا لم يحصل بعدد محدد.

- إذا تعين في حق شخص معين للقيام به، كأن يختار الإمام شخصًا معينًا يصلي مكانه.

- الشروع في بعض الأعمال كالجهاد.

- كذلك الفقيه الذى يريد أن يجتهد في المسائل، فيتحول تعلم علم أصول الفقه في حقه من فرض كفاية إلى فرض عين؛ لأنه لن يستطيع أن يجتهد أو أن يستنبط إلا بتعلمه، وهكذا.

- ومنه إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكرًا، فعليه إنكاره بقدر

(1)

هامش روضة الناظر للزحيلي (1/ 123).

(2)

البحر المحيط (1/ 330)، الإعلام للمؤلف ص (58).

ص: 266

استطاعته، ومثله الطبيب في مكان ناء عن المدن، ولم يوجد غيره أصبح إسعاف المريض بالنسبة له فرض عين.

• لطيفة:

من الأمثلة التي تجمع فرض الكفاية مع فرض العين قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتموه فصوموا»

(1)

، ففرض الكفاية في قوله عليه الصلاة والسلام:«إذا رأيتموه» ، وفرض العين في قوله:«فصوموا» .

•‌

‌ مسألة: أيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟

للعلماء في هذه المسألة رأيان:

الرأي الأول: أن فرض العين أفضل؛ لشدة اعتناء الشرع به، ولذلك طلب فعله من كل مكلف، ولذلك يكره ترك فرض العين لأداء فرض الكفاية، فلا يحسن ترك الطواف المفروض لصلاة الجنازة؛ لأن الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية، وهذا هو رأي الشافعية وغيرهم.

الرأي الثاني: أن فرض الكفاية أفضل؛ لأن فاعل الكفاية ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، أما فرض العين فإنه يصان به الإثم عن الفاعل فقط، ولا شك أن ما يتعلق بالأمة كلها أهم وأولى مما يتعلق بالبعض، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق الاسفراييني، وإمام الحرمين

(1)

أخرجه البخاري (1900)، ومسلم (1080) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

ص: 267

ووالده

(1)

.

•‌

‌ أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي:

1 -

أن الواجب العيني مطلوب من كل واحد من المكلفين بعينه، وأما الواجب الكفائي فلا يطلب من واحد بعينه.

2 -

أن الواجب العيني مصلحته ترجع إلى فاعله، أما الواجب الكفائي فمصلحته عامة.

3 -

الواجب العيني: ما تكررت مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس وغيرها، فإن مصلحتها الخضوع لله، وتعظيمه، ومناجاته، والتذلل والمثول بين يديه، وهذه الآداب تكثر كلما كررت الصلاة.

وأما الواجب الكفائي: قد لا تتكرر مصلحته بتكرره: كإنجاء الغريق، وغسل الميت، ودفنه، ونحوها.

4 -

الواجب الكفائي ينوب فيه البعض عن الكل، وأما الواجب العيني فلا يكفي فعل بعض المكلفين عن بعضهم الآخر.

5 -

الأمر في الواجب العيني موجه لجميع المكلفين، أي لكل واحد منهم.

(1)

هامش مختصر الروضة (1/ 124)، التمهيد للإسنوي ص 77).

ص: 268

أما الأمر في الواجب الكفائي اختلف فيه:

فقيل: إنه موجه للجميع لكن يسقط بفعل البعض.

وقيل: موجه إلى بعض غير معين.

وقيل: متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع

(1)

.

تنبيه: إن فرض الكفاية لو نظرت له نظرة عامة لوجدته متعلقًا بكل الأمة، فإن القادر يجب عليه أن يقوم به، وغير القادر يجب عليه أن يقيمه.

قال الشاطبي: لكن قد يصح أن يقال: إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز؛ لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلًا لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرًا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر، وإجباره على القيام بها، فالقادر إذن مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر؛ إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب

(1)

الفروق للقرافي (1/ 127)، أصول الفقه لعياض السلمي (38).

ص: 269

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

(1)

.

• التقسيم الثالث: الواجب باعتبار تحديد الشارع للمكلف فيه وعدم تحديده

(2)

:

ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الواجب المحدد.

القسم الثاني: الواجب غير المحدد.

أما الواجب المحدد: فهو مأخوذ من الحد، وهو الفصل والمنع، يقال: حد بين الشيئين أي فصل بينهما.

الواجب المحدد هو: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا، وقد حدده وقدره بمقدار معين، وفصله عن غيره، كالصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، وكزكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر إذا كان محددًا، وغسل الرجلين واليدين، وزكاة كل مال واجبة فيه الزكاة مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدى بمقدارها في مصرفها، ونحو ذلك.

وأما الواجب غير المحدد: فهو الذي لم يعين له الشارع مقدارًا

(1)

الموافقات للشاطبي (1/ 284) دار ابن عفان.

(2)

علم أصول الفقه لخلاف (109).

ص: 270

معينًا، بل طلبه بغير تحديد، كالطمأنينة في الركوع والسجود. والإنفاق في سبيل الله، والتعاون على البر، والتصدق على الفقراء إذا وجب بالنذر، وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف، وغير ذلك من الواجبات التي لم يحددها الشارع، لأن المقصود بها سد الحاجة، ومقدار ما تسد به الحاجة يختلف باختلاف الحاجات والمحتاجين والأحوال.

• التقسيم الرابع: الواجب باعتبار وقته وزمن أدائه ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الواجب المؤقت.

القسم الثاني: الواجب غير المؤقت، وهو الواجب المطلق.

أولًا: الواجب المؤقت: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا في وقت معين، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج.

فالوقت جزء من الواجب، ولا يلتزم المكلف بالواجب إلا بعد دخول الوقت، ولا يصح أداؤه غالبًا إلا في وقته المحدد له، بدون تقديم ولا تأخير، فإن قدمه عن الوقت فإنه باطل، وإن أخره عن وقته بدون عذر أثم؛ ولذا قال العلماء: الواجب في الصلاة واجبان، وللمؤدي أجران، واجب الأداء وواجب الوقت، لقوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} [النساء: 103]، وكذا الصيام، فمن

ص: 271

صام في رمضان فله أجران: أجر الصيام وأجر فضيلة الشهر المبارك، ومن فعل الواجب في غير وقته؛ فقد قام بأحد الواجبين، وترك الواجب الآخر، وله أجر في الأول، ويستحق الإثم على ترك الثاني.

ثانيًا: الواجب المطلق عن الوقت: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا مطلقًا عن الوقت، مثل الكفارة الواجبة، والنذور المطلقة، فمن حلف يمينًا وحنث، أو نذر، ولم يقيد نذره بوقت، فليس لفعله وقت معين، فإن شاء كفَّر عن يمينه، وأدى نذره فورًا، وإن شاء أخره إلى الوقت الذي يريده، وكذا الحج في العمر عند الشافعية، وقضاء رمضان عند الحنفية.

ويطلق الفقهاء على الواجب المطلق اصطلاح: واجب على التراخي، فيجوز للمكلف أن يفعله في أي وقت شاء، دون أن يترتب عليه إثم في التأخير، ولا يسمى فعله أداء ولا قضاء، والفائدة من هذا التقسيم: أن الأول يثبت في الذمة، فإذا انقضى الوقت ولم يقم المكلف به ثبت في ذمته، وصارت الذمة مشغولة به حتى يقضى، أما الثاني فلا يثبت في الذمة؛ لأنه لم يمض وقته لأنه غير مؤقت.

* تقسيم الواجب المؤقت:

ينقسم الواجب المؤقت بحسب ارتباطه بالوقت إلى ثلاثة أنواع: واجب مضيق، وواجب موسع، وواجب ذي شبهين.

ص: 272

‌أولًا: الواجب المؤقت بوقت مضيق:

هو الواجب المؤقت الذي يستغرق فعله جميع الوقت المحدد له، والوقت معيار له، فلا يسع واجبًا آخر معه من جنسه، مثل الصيام في شهر رمضان، فالصيام يستغرق جميع الشهر، ولا يستطيع المكلف أن يصوم في شهر رمضان تطوعًا أو نذرًا أو قضاءًا؛ لأن الوقت بقدر الواجب، فلا يزيد عنه، ولا ينقص، ووقته سبب لوجوبه، لقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

‌ثانيًا: الواجب المؤقت بوقت موسع:

وهو الواجب المؤقت الذي يتسع وقته لأدائه، ولأداء غيره من جنسه، فالوقت أوسع من الواجب، مثل الصلوات الواجبة المؤقتة بأوقات معينة، فإن وقت كل منها يتسع لأداء الفرض، وأداء غيره من الصلوات الأخرى، ويستطيع المكلف أن يصلي في وقت الظهر فرض الظهر، وسننه، ونوافله، وما يرغب من التطوع، وأن يقضي فرضًا آخر عليه.

واتفق العلماء في الواجب الموسع على أن وقته سبب لوجوبه، فوقت دلوك الشمس سبب لوجوب الظهر، ولا تجب الصلاة قبل دخول وقته؛ لقوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)} [الإسراء: 78].

ص: 273

وذهب جمهور الأصوليين إلى أن جميع وقت الظهر وقت لأدائه، والمكلف مخير في الأداء في أي جزء منه، وأن الشرع وسعه على المكلف.

فائدة: كما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير، كخصال كفارة اليمين إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق؛ كذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة، فإن الصلاة في أول الوقت كالصلاة في وسطه، والصلاة في آخره، ولا فرق بينها في سقوط الفرض وحصول المصلحة

(1)

.

• مسألة مهمة

متى ينقلب الواجب الموسع إلى واجب مضيق؟

وذلك إذا غلب على ظن المكلف العجز عن أداء الواجب طوال وقته.

مثال: شخص ظن الموت بالقصاص أو نحوه بعد فترة من دخول الوقت، وأنه لن يعيش إلى آخر الوقت الموسع، فيصبح الموسع مضيقًا عليه، ويجب أداؤه على الفور.

ومثال ذلك أيصًا: إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد دخول

(1)

الجامع لمسائل أصول الفقه للدكتور عبد الكريم النملة (29، 30).

ص: 274

الوقت بفترة تستطيع فيها الصلاة، فيجب عليها الأداء فورًا، وإن أخرت فهي آثمة.

فإن لم يصل المكلف في مثل هذه الحالة ولم يقتل، أو لم يأت الحيض، ثم أدى الواجب، فاختلف العلماء فيه، فقال أكثرهم: يعتبر فعله أداءً لبيان خطأ ظنه. وقال بعضهم: يعتبر فعله قضاء؛ لأن الوقت صار مضيقًا، فإن أخر فهو قضاء. لكنهم اتفقوا على أنه آثم في التأخير؛ لغلبة الظن بضيق الوقت

(1)

.

‌ثالثًا: الواجب المؤقت ذو الشبهين:

وهو الواجب الذي لا يسع غيره من جنسه، ولكن لا يستغرق فعله كل الوقت المحدد له، مثل الحج، فإن أشهر الحج تسع فريضة الحج، ولا تسع حجًّا آخر في نفس العام، ولكن أعمال الحج لا تستغرق جميع أشهر الحج، فيمكن أداء أعمال الحج عدة مرات وقت الحج، ولكن لا يحسبها الشارع إلا حجًّا واحدًا، فيمكن الوقوف في عرفة عدة مرات في يوم عرفة، ويمكن للحاج أن يطوف أكثر من مرة، وأن يسعى مرارًا، وأن يرمي الجمار، وغير ذلك من أعمال الحج، فالوقت يسع الواجب

(1)

شرح مختصر الروضة للطوفي (1/ 312)، المستصفى للغزالي (55)، علم أصول الفقه لخلاف (105)، الوجيز للزحيلي (1/ 314)، وما بعدها.

ص: 275

وزيادة من جهة، ولا يسع غيره من جنسه من جهة أخرى، ولذا سمي ذا الشبهين.

ويرى بعض العلماء أن الحج واجب غير مؤقت فهو واجب مطلق، لأنه يجب على المكلف على التراخي طوال العمر، ولكن إذا أراد المكلف أداءه في سنة معينة فهو محدد بأشهر معينة، ومن هنا فالحج واجب ذو شبهين، فهو يشبه الواجب المقيد من جهة، ويشبه الواجب المطلق من جهة أخرى.

• تنبيهات:

التنبيه الأول: للقضاء درجةٌ متوسطةٌ بين الصلاة والحج، وهي قضاء رمضان هو بالنسبة للمعصية كالصلاة، وبالنسبة لعدم الفوات كالحج.

وقد قال بعض العلماء: لو مات بين الرمضانين لم يعص لكن يطعم عنه. وقال البعض: لا يجب عليه شيءٌ لا الإطعام ولا الصيام؛ لأن القضاء محدودٌ بما بين الرمضانين، فإذا مات في أثنائه لم يلزمه، كما لو مات في أثناء وقت الصلاة بخلاف الحج؛ لأن ابتداءه معلومٌ، ولا حد لانتهائه.

ص: 276

التنبيه الثاني: التوسيع كما يكون في الواجب يكون في السنة، كالأضحية

(1)

.

التنبيه الثالث: من دخل في فرضٍ مُوَسَّعٍ حرم عليه قطعه، والفرض المضيق من باب أولي.

• التقسيم الخامس: باعتبار الموجب، وهو نوعان:

النوع الأول: واجب بالشرع، كالصلاة.

النوع الثاني: واجب بالشرط، كالنذر.

• التقسيم السادس: باعتبار المواظبة، وهو نوعان:

النوع الأول: راتب، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج.

النوع الثاني: عارض، كصلاة الاستسقاء، والكسوف، والجنازة.

مسألة: التفريق بين الفرض والواجب:

الوجوب في اللغة: السقوط. والفرض: التأثير. وإلى معناه يرجع أكثر فروع مادته.

قال الجوهري: الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: هو الحز الذي يقع فيه الوتر، وإذا ثبت ذلك، فالفرض أخص من السقوط، إذ لا

(1)

البحر المحيط (1/ 296).

ص: 277

يلزم مثلًا من سقوط الحجر ونحوه على الأرض أن يحز ويؤثر فيها، ويلزم من حزه وتأثيره في الأرض أن يكون قد سقط، واستقر عليها، وإذا كان كذلك وجب اختصاص الفرض بقوةٍ في الحكم، كما اختص بقوةٍ في اللغة، حملًا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ إذ الأصل عدم التغيير

(1)

.

معاني الفرض:

1 -

التقدير، ومنه قوله سبحانه وتعالى:{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237]: أي قدَّرتم، وقوله سبحانه:{لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118)} [النساء: 118]: أي معلومًا.

2 -

التأثير، قال الجوهري: الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: الحز الذي يقع به الوتر.

3 -

الإلزام، ومنه قوله سبحانه وتعالى:{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1]: أي أوجبنا العمل بها.

4 -

العطية، يقال: فرضت له كذا وافترضته أي أعطيته، وفرضت له في الديوان

(2)

.

(1)

شرح مختصر الروضة للطوفي (1/ 276) مؤسسة الرسالة.

(2)

الصحاح للجوهري (3/ 1097) دار العلم للملايين.

ص: 278

5 -

الإنزال، ومنه قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} [القصص: 85]: أي أنزل عليك القرآن

(1)

، قال البغوي: هو قول أكثر المفسرين.

6 -

الإباحة، ومنه قوله تعالى:{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الأحزاب: 38]: أي أباح الله له

(2)

.

وقبل مناقشة مسألة التفريق بين الفرض والواجب، لا بد من النظر لبعض المقدمات، وهى:

المقدمة الأولى: لا يلزم من الاختلاف في المعنى الاختلاف في المسمى، بل قد يكون الاختلاف في الاسم فقط.

والمسمى هو الذات، والاسم هو اللفظ الموضوع على الذات لتمييزها، فلا يلزم من تغير الاسم تغير الذات، فالنبي عليه الصلاة والسلام اسمه محمد، واسمه أحمد أيضًا، واسمه الحاشر، وغير ذلك، فكل اسم له معنى، ولكن ليس اختلاف معانى الأسماء يعنى اختلاف الذات والمسمى، فالذات واحدة، وهى ذات النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

المقدمة الثانية: زيادة الرواة الذين ينقلون الخبر تزيد في التصديق،

(1)

تفسير البغوي (6/ 226) دار طيبة.

(2)

مختصر التحرير (1/ 351) مكتبة العبيكان.

ص: 279

لا في الأجر والثواب.

فلو روى الحديث ثقة لا بد من تصديقه، ولكن لو كانوا اثنين فأكثر فالتصديق سيزداد، وإن كان الأول مُصَدَّقًا، ولكن ليس معنى ذلك أنه كل ما ازداد الرواة ازداد أجر العمل، أو ازداد عقاب العمل، فالأجر والثواب والإثم والعقاب متوقف على ذات العمل وقيمته، وليس متوقفًا على عدد الرواة، فقد يكون العمل عظيمًا ويرويه واحد أو اثنان، وقد يكون العمل قليلًا ويرويه عدد من الرواة، فحديث النية:«إنما الأعمال بالنيات»

(1)

، رواه عمر رضي الله عنه، وهو حديث آحاد، وهو من الأحاديث التي بني عليها الدين.

المقدمة الثالثة: الأحكام بين الصحابة وبين سائر الأمة أحكام واحدة.

وذلك لأننا أمة واحدة، فلا يصح أن يكون العمل بالنسبة للصحابة فرضًا، وبالنسبة لغيرهم واجبًا على الاختلاف المذكور عند الحنفية؛ حيث قالوا: منكر الفرض كافر، ومنكر الواجب لا يكفر، وفاعل الفرض ثوابه أكبر من ثواب فاعل الواجب، وتارك الفرض وزره وعقابه أكبر من وزر تارك الواجب. هكذا فرق الحنفية بين الفرض

(1)

أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 280

والواجب في الأحكام المترتبة عليهما، فالصحابة سمعوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وثبت لديهم هذا الحديث قطعي الثبوت لا ظن فيه، فالحديث في حقهم فرض، فلو نَقَل الحديث لنا واحدٌ أو اثنان مثلًا يكون الحديث في حقنا على مذهب الحنفية واجبًا، وهذا يعنى أن الأحكام بيننا وبين الصحابة ستختلف فيكون العمل في حق الصحابة فرضًا قطعي الثبوت، ويكون نفس العمل في حقنا واجبًا ظني الثبوت.

مثال: قراءة الفاتحة في الصلاة مثلًا تعتبر فرضًا بالنسبة إلى رسول الله، وإلى الصحابي الذي سمع الحديث منه، فإن تركها بطلت صلاته، بينما تعتبر قراءة الفاتحة واجبًا بالنسبة إلى بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تبطل الصلاة بتركها لثبوتها بخبر الآحاد

(1)

.

المقدمة الرابعة: فهم الصحابة لمسائل الدين هو الفهم الصحيح.

لأنهم هم الذين عاصروا الوحي، ففهمهم للمسائل هو الفهم الصحيح، وهم لم يفرقوا بين الفرض والواجب، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

المقدمة الخامسة: كل تقسيم ينبني عليه عمل لا بد عليه من دليل.

فتقسيم الحنفية وتفريقهم بين الفرض والواجب، هذا أمر ينبني

(1)

أصول الفقه للخضري.

ص: 281

عليه عمل؛ إذن لا بد من دليل على هذا التقسيم، ولا دليل، بل إن الدليل يثبت عكس ذلك.

والخلاصة أن الحنفية قالوا بالتفريق بينهما واستدلوا بدليلين:

الأول: من ناحية اللغة.

الثاني: من ناحية درجة الثبوت.

الدليل الأول: قالوا الواجب في اللغة: هو الساقط اللازم، أما الفرض هو: الحز أو التأثير.

وجه استدلالهم: أن الفرض له معنى، والواجب له معنى، فإذا ثبت الفرق في اللغة ثبت الفرق في الشرع.

وهذا قول غير صواب؛ لأن الشرع هو الحاكم على اللغة لا العكس، فقد يثبت الفرق في اللغة، لكن الشرع يبين أن المعنى واحد شرعًا.

الدليل الثاني: قالوا الفرض: هو ما ثبت بدليل قطعي، أي في القرآن أو في السنة المتواترة، أما الواجب: هو ما ثبت بدليل ظني، مثل أحاديث الآحاد.

ص: 282

وبالنظر للأدلة الشرعية يتبين أنه لا فرق بينهما، ومن هذه الأدلة:

1 -

الحديث القدسي: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»

(1)

.

وجه الاستدلال: الانتقال من الفرض إلى النافلة مباشرة، ولو كان هناك شيء بينهما كما قال الحنفية لذكره الله لنا، بل سيكون ذكر الشيء الذى بينهما وهو الواجب على قول الحنفية أولى من ذكر النافلة، وخاصة أنه على تقسيم الحنفية سيكون الواجب أكثر بكثير في الشريعة من الفرض؛ لأن الأحاديث المتواترة قليلة.

2 -

الحديث النبوي: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«خمس صلوات في اليوم والليلة» ، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع»

(2)

، فانتقل النبي صلى الله عليه وسلم من الفرض إلى النفل بدون ذكر واسطة؛ فدل ذلك على أن الفرض هو الواجب.

وقال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا» فقال

(1)

أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (46)، ومسلم (11) من حديث طلحة مرفوعًا.

ص: 283

رجل: يا رسول الله أكل عام؟ فسكت، فقال:«لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم»

(1)

.

ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج فرضًا، وسماه واجبًا، ولا يمكن أن يجتمعا عند الحنفية؛ لأن الفرض ثبت بدليل قطعي والواجب ثبت بدليل ظني، ولكن لما جمع بينهما النبي في شيء واحد؛ دل ذلك على أنه لا فرق بينهما.

3 -

فهم الصحابة: فعن ابن محيريز أن رجلًا من بنى كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فقلت: إن أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال عبادة: كذب «أي أخطأ» أبو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«خمس صلوات كتبهن الله على العباد»

(2)

، كتبهن أي فرضهن وهذا المعنى عند الجميع من يفرق ومن لم يفرق، والمعنى: فلو كان الوتر واجبًا لم تكن الفروض خمسة.

(1)

أخرجه مسلم (1337) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أحمد (22704)، وأبو داود (425) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا، وصححه الألباني وغيره.

ص: 284

4 -

بيان نوع الخلاف:

إن الخلاف في هذه المسألة قد اختلف العلماء فيه على قولين:

القول الأول: إن الخلاف معنوي له ثمرة، فقد رتب أصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- على الحكم بفرضية الشيء كفر جاحده، وعدم إمكان جبره، أما الحكم بوجوب الشيء فلا يكفر جاحده، ويمكن جبره، ولذلك قالوا: إن قراءة القرآن في الصلاة فرض، لثبوته بدليل قطعي، وهو قوله تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]، أما قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبة؛ لثبوت ذلك بالدليل الظني، وهو خبر الواحد الذي رواه عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

(1)

.

القول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأنه لا نزاع بين أصحاب المذهبين في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف إلى قطعي وظني، ولا نزاع بينهم أيضًا على تسمية الظني واجبًا، ولكن النزاع حصل في القطعي، فأصحاب المذهب الثاني يسمونه فرضًا، وواجبًا بطريق الترادف.

وأصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- يسمونه باسم

(1)

أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.

ص: 285

الفرض، وذلك مما لا يضر أصحاب المذهب الثاني، فليسم كل فريق بما شاء وهو مجرد اصطلاح.

والراجح: التفصيل، فإن نظر إلى الأمر وأنه حقيقة للوجوب بمعنى الطلب الجازم بقطع النظر عن كون الدليل قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن الخلاف يكون لفظيًّا.

وإن نظر إلى أحكام كل منهما وما يفيده، فإن الخلاف يكون معنويًّا؛ فإن أصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- قد ذكروا أحكامًا شرعية وفرقوا بينها وبين الأحكام الأخرى، وكان سبب هذا التفريق هو تفريقهم بين الفرض والواجب

(1)

.

* المسألة الخامسة: التفاضل بين الواجبات:

إذا قلنا: إنه لا فرق بين الفرض والواجب، فهل كل الواجبات على درجة واحدة؟

التفاضل بين الواجبات أمر حاصل؛ إذ بعض الواجبات آكد من البعض الآخر.

قال ابن تيمية مقررًا لذلك وممثلًا: وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله، وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به

(1)

العدة للقاضي أبي يعلى (2/ 376، 384)، المهذب للنملة (154).

ص: 286

الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين، فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت

(1)

.

ولا شك أن التفاضل في الواجبات يتضمن تفاضلها في الثواب، ويكون التفاضل أيضًا في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وفي الخبر والإنشاء، فليس الخبر المتضمن للحمد لله، والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أعدائه كفرعون وإبليس

(2)

، وإذا عرف أن بين الأعمال تفاضلًا وتفاوتًا، وأنها على درجات ومراتب؛ كان طلب الأفضل أكمل من طلب المفضول، والطالب إذا كان حكيمًا يكون طلبه للأفضل آكد، ومعلوم أن التفاضل يختلف حسب الأحوال والأشخاص والأوقات.

قال ابن القيم: فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته

(1)

مجموع الفتاوى (7/ 513، 17/ 60).

(2)

مجموع الفتاوى (17/ 58).

ص: 287

ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق

(1)

.

وقد مثل ابن القيم لذلك بأمثلة كثيرة، فمن ذلك قوله: فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلًا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل

(2)

.

(1)

مدارج السالكين لابن القيم (1/ 111).

(2)

مدارج السالكين (1/ 109).

ص: 288

‌ثانيًا: المندوب

الندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل، قال الجوهري: ندبه للأمر، فانتدب له، أي: دعاه له، فأجاب

(1)

.

ومنه قول الشاعر الحماسي:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانًا

(2)

وقال الآمدي: الندب في اللغة، هو الدعاء إلى أمرٍ مهمٍ، وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب، وعليه يحمل عموم كلام غيره

(3)

.

ومنه الحديث: «انتدب الله لمن يخرج في سبيله»

(4)

: أي أجاب له طلب مغفرة ذنوبه

(5)

.

(1)

الصحاح للجوهري (1/ 223) دار العلم للملايين.

(2)

الإحكام للآمدي (1/ 119).

(3)

شرح مختصر الروضة للطوفي (1/ 351) ط الرسالة.

(4)

أخرجه البخاري (36)، ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(5)

مختصر التحرير لابن النجار (1/ 402) العبيكان.

ص: 289

اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازمٍ

(1)

.

ما طلب الشارع فعله: يدخل فيه الواجب والمندوب، وخرج المحرم والمكروه؛ لأنهما طلب الشارع تركهما، والمباح؛ لأنه لا طلب فيه.

طلبًا غير جازمٍ: خرج الواجب؛ لأنه أمر جازم.

التعريف بالثمرة: هو ما يثاب فاعله امتثالًا، وتاركه غير معاقب.

ومنه قول صاحب نظم الورقات:

والندب ما في فعله الثواب

ولم يكن في تركه عقاب

التعريف بالضد: هو ضد المكروه.

التعريف بالمثال: مثل صلاة الضحى، وصلاة الوتر، وأذكار الصباح والمساء، وصوم عرفة، وغير ذلك.

تنبيه: المندوب قد يكون بأصل وضعه، أو بعد صرفه بدليل.

المعنى: أن المندوب قد يكون بأصل وضعه مندوبًا، كصلاة الضحى لم يأت أمر بها إِذَنْ فهي بأصلها مندوبة.

وقد يكون مندوبًا بعد صرفه بدليل: أي يأتي بلفظ الأمر، ومعلوم أن

(1)

الإبهاج شرح المنهاج للسبكي (1/ 52).

ص: 290

الأمر يقتضي الوجوب في أصله، فيأتي دليل ليصرفه إلى الندب، مثل قول الله تعالى:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، ثم جاء الصارف: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا ولم يشهد

(1)

.

وجه الاستدلال: أنه صلى الله عليه وسلم لما ترك الأمر؛ علمنا أن الأمر الأول لم يكن للوجوب، بل صرف إلى الندب.

ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب، لمن شاء»

(2)

.

•‌

‌ قواعد الصرف:

1 -

الصرف بيان: حيث إنه جاء ليبين حقيقة الأمر الأول، وأنه على الندب وليس على الوجوب، ويجب أن يعلم أنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.

2 -

الصارف والمصروف كأنهما دليل واحد؛ لأن الشيء لا يستغني عن مبينه.

3 -

معنى الصرف: أن الأمر لما نزل كان مندوبًا، والذى أعلمنا بذلك هو الصارف نفسه، وليس المعنى أن الأمر كان واجبًا شرعًا، ثم انتقل إلى الندب، فهذا باب النسخ وليس الصرف.

(1)

إسناده صحيح: أخرجه أحمد (21883)، وأبو داود (3607).

(2)

أخرجه البخاري (1183) من حديث عبد الله المزني مرفوعًا.

ص: 291

4 -

الصرف يعمل في الأزمنة المتزاحمة، بخلاف النسخ فإنه يعمل في الأزمنة المتلاحقة.

تنبيه: إذا لم يعلم التاريخ تعتبر الأزمنة متزاحمة.

5 -

الأمر يصرف إلى المندوب بالقول والفعل: فالقول مثل حديث سنة المغرب القبلية، والفعل كصرف الأمر بالإشهاد الوارد في الآية بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ترك الإشهاد.

6 -

اللفظ المصروف لا بد أن يحتمل معنى الندب، وإلا لما صح الصرف؛ ولذا اختلفوا في كلمة "واجب" هل تصرف أم لا؟

قال بعضهم: إن لفظ "واجب" لا يصرف؛ لأن كلمة "واجب" في اللغة لا تأتي بمعنى الندب، فكلمة "واجب" عندهم لا يراد بها إلا الوجوب، ولا تستخدم في اللغة أو الشرع بمعنى الندب، وأيد ذلك العلامة أحمد شاكر رحمه الله وناقشه في تحقيقه لكتاب «الرسالة» للشافعي.

وقال بعضهم: إن لفظ "واجب" يصرف إلى الندب لاحتمال اللفظ لمعنى الندب لغة ووروده شرعًا.

ملحوظة: اعلم- رحمك الله - أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يفرقون في فعلهم بين الواجب والمستحب، وفي تركهم بين الحرام

ص: 292

والمكروه، فكانوا مقبلين على الآخرة، وإن كانوا يفرقون من الناحية النظرية.

•‌

‌ مرادفات المندوب:

يسمى سنةً، ومستحبًّا، وتطوعًا، وطاعةً، ونفلًا، وقربةً، ومرغبًا فيه، وإحسانًا

(1)

.

فائدة:

سمي المندوب بالمندوب؛ لأن الشرع ندب ودعا إليه، وسمي بالمستحب؛ لأن الشارع يحبه، وسمي بالنفل؛ لأنه زائد على الفرض، ويزيد في الثواب، وسمي بالتطوع؛ لأن فاعله يأتي به تبرعًا، وسمي فضيلة؛ لأن فعله يفضل تركه

(2)

.

•‌

‌ الأساليب التي تفيد الندب:

الأساليب التي تدل على الندب كثيرة، وأهمها:

1 -

التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، ونحوها.

2 -

الطلب غير الجازم، وذلك بأسلوب الأمر السابق المقترن بقرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وقد تكون القرينة

(1)

أصول الفقه لعياض السلمي (1/ 45)، دار التدمرية بالرياض.

(2)

مغني المحتاج لمحمد الخطيب الشربيني (1/ 449).

ص: 293

قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 283]، فلفظ «اكتبوه» أمر يقتضي الوجوب، وصرف من الوجوب إلى الندب بقرينة لاحقة في الآية بقوله تعالى:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]، فكتابة الدين مندوبة؛ لأن الدائن إن وثق بمدينه فلا حاجة لكتابة الدين عليه، ومثل قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، فلفظ «كاتبوهم» أمر بمكاتبة العبد ليصبح حرًّا فيما بعد، ولكن هذا الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} ، فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة: أن المالك له حرية التصرف في ملكه. وأول الآية نصت على ثبوت الملك له: {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب.

3 -

عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كإتيان الرخص، فلم يرتب الشرع عقوبة على ترك الرخصة، مع طلبه لفعلها.

4 -

مواظبة الرسول صلى الله عليه وسلم على الفعل في معظم الأحيان، أوتركه في حالة أو في بعض الأحيان، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو

ص: 294

بعدها.

5 -

الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:«من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»

(1)

، ومثل قوله:«إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»

(2)

، وقوله:«إن الله جميل يحب الجمال»

(3)

.

فهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب، وبيان الفضل، والترغيب في الفعل

(4)

.

(1)

حسن لشواهده: أخرجه أبو داود (354)، والترمذي (497)، وغيرهما من طريق الحسن عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة كما قال النسائي، ورواه ابن ماجه (1091)، وعبد الرزاق (5312)، وغيرهما من طريق يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا، ويزيد ضعيف، ورواه عبد الرزاق (5313) من طريق أبي نضرة عن جابر لكن الطريق إليه به رجل مبهم، ولكنه يحسن بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (4063)، والترمذي (2006) من حديث مالك بن نضلة مرفوعًا، وأخرجه أحمد (6708)، والترمذي (2819) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه أحمد (19934)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (3037) من حديث عمران بن حصين.

(3)

أخرجه مسلم (91) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.

(4)

مباحث الحكم، مدكور:(93)، الوجيز للزحيلي (1/ 336)، وما بعدها.

ص: 295

*‌

‌ قواعد ومسائل:

•‌

‌ أولًا: ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب

(1)

.

والمعنى: أن الفعل المندوب قد يتعلق بفعل مباح، ولا يتم فعل المندوب إلا بفعل هذا المباح، فيصبح هذا المباح مندوبًا.

ومثاله: وضع الطيب مندوب، وشراؤه مباح، فإن لم يتم وضع الطيب إلا بالشراء يصبح شراء الطيب مندوبًا.

ومثل استخدام السواك مندوب، وشراؤه مباح، فإن لم يتم استخدام السواك إلا بالشراء يصبح الشراء مندوبًا.

ومثل ضبط المنبه لقيام الليل يصبح مندوبًا إن لم يقم الليل إلا به، ومعنى أن يصبح المباح مندوبًا أي يؤجر عليه أجر المندوب.

•‌

‌ ثانيًا: أقسام المندوب:

المندوب ينقسم عند البعض إلى ثلاثة أقسامٍ:

أحدها: ما يعظم أجره، فيسمي سنةً.

الثاني: ما يقل أجره، فيسمى نافلةً.

الثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين فيسمى فضيلةً ورغيبةً

(2)

.

(1)

القواعد الفقهية لنادين العامري (ص 89).

(2)

مختصر التحرير (1/ 404).

ص: 296

• وينقسم المندوب من جهة الندب إليه إلى ثلاثة أقسام:

‌أولًا: السنة المؤكدة:

والضابط لهذا القسم: أنه ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه إلا نادرًا ليبين جواز الترك، وأنه ليس واجبًا، ويسمى سنة الهدي، مثل السنن المكتوبة قبل الفرائض أو بعدها، كركعتي الصبح، وسنة الظهر، وسنة المغرب البعدية، وكذلك سنة العشاء، ومثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء عند من قال بسنيتهما.

وحكم السنن المؤكدة: أن صاحبها يستحق الثواب والأجر من الله تعالى، وأن تاركها لا يعاقب، ولكنه يعاتب ويلام؛ لأن تركها إهمال وإغفال لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ما يتعلق من هذا القسم بالشعائر الدينية كالأذان والجماعة إذا اتفق أهل بلد على تركه وجب قتالهم لاستهانتهم بالسنة.

‌ثانيًا: السنة غير المؤكدة:

والضابط لهذا القسم: أنه ما لم يواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان، ويسمى هذا القسم مستحبًا، كما يسمى نافلة.

ص: 297

مثل الصدقة غير المكتوبة، وصلاة الضحى، وسنة العصر قبل الفرض لمن صحح حديثها، وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع.

وحكم السنة غير المؤكدة: أن فاعلها يستحق الثواب، وتاركها لا يستحق اللوم والعتاب أو العقاب.

‌ثالثًا: فضيلةٌ وأدبٌ:

وتسمى كذلك بسنة الزوائد، وسنة العادة، وهي الأفعال النبوية في غير أمر التعبد

(1)

.

والضابط لهذا القسم: أنه يشمل أفعال الرسول عليه الصلاة السلام الجبلية التي يفعلها بحكم صفته البشرية مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية، أو العادية التي يفعلها بحكم العادة، وذلك مثل النوم، والمشي، ولبس البياض من الثياب، والاختضاب بالحناء.

وحكم هذا القسم: قيل لا يثاب فاعله، بل لا يشرع له المتابعة؛ إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله بنية التشريع حتى يُتَّبَع فيه، والمشروع التأسي والاتباع فيه هو ما جاء على سبيل التشريع دون غيره.

وقيل: يثاب فاعله إن نوى بها متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأسي به، ولا

(1)

كشف الأسرار عن أصول البزدوي للبخاري الحنفي (2/ 308)، تيسير علم أصول الفقه للجديع (31)، علم أصول الفقه لخلاف (107).

ص: 298

شيء على تاركها مطلقًا، فهذا القسم لا يعتبر من الحكم التكليفي إلا بنية متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم التي تدل على شدة التعلق والاقتداء به عند بعض العلماء.

والفرق بين السنة غير المؤكدة والسنة الزائدة: أن الأولى يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، والثانية لا يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، ولا بد من نية الاقتداء والتأسي، وقيل: لا يثاب عليها؛ إذ إنها لم تفعل من النبي بقصد التشريع، بل قد لا يستحب فعلها أصلًا.

•‌

‌ ثالثًا: أهمية المندوب:

1 -

يُذَكِّر بالواجب، مثل: الصيام يذكر الصيام الواجب.

2 -

يُهَيِّئ للواجب، مثل: السنة القبلية فهي مقدمة للفريضة.

3 -

جبر للواجب، مثل: السنة البعدية وغيرها «نوافل كل فريضة» .

4 -

حماية من ترك الواجب

(1)

.

قال الإمام أحمد رحمه الله: من ترك المندوب أوشك أن يترك الواجب، وقال: تارك الوتر رجل سوء

(2)

.

(1)

الموافقات للشاطبي (1/ 239).

(2)

مسائل أحمد رواية ابنه صالح (159).

ص: 299

•‌

‌ رابعًا: حكم من ترك المندوب بالكلية:

بالنسبة للفرد لا إثم عليه، لكنه قد يضره؛ حيث إنه يضره في عدم جبر الفريضة، أو يضره في أنه يوصله لترك الواجب، أو يجعله يقوم بالواجب بخلل، أو قد ينسى الواجب لتجاهل المندوب.

أما في حق الأمة، فلا تترك الأمة مندوبًا أبدًا، فلو اجتمعت على ترك شيء دل على أنه ليس من الدين؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تجتمع أمتى على ضلالة»

(1)

.

•‌

‌ خامسًا: هل المندوب مأمور به؟

بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة مهمة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟

اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين:

القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة أي مطلوب، وهو رأي الجمهور من الشافعية، والحنابلة، وقول عند المالكية، والمحققين من

(1)

أسانيده ضعيفة، وصح عن أبي مسعود موقوفاً: كما عند ابن أبي شيبة (37874)، وابن أبي عاصم في السنة (85)، والله أعلم.

ص: 300

الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 -

أن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر الله تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به.

واعترض على هذا الدليل فقيل: الطاعة تكون في الأمر، وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به.

2 -

إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين: أمر إيجاب، وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به.

واعترض على هذا الاستدلال أيضًا بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد، وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة.

3 -

المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به.

القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي، والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 -

لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة؛ لكان تركه معصية،

ص: 301

والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب، ولا يذم -كما سبق في حكمه-، فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط.

ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه؛ لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، والله تعالى يقضي لعباده ما فيه صلاحهم، ويقضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا.

2 -

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»

(1)

، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أمر به لكان واجبًا.

واعترض عليه: بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: أن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به

(1)

أخرجه البخاري (887)، ومسلم (252) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 302

حقيقة.

3 -

الأمر حقيقة في لفظ افعل، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب.

واعلم أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا يترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية

(1)

.

والصحيح: أن المندوب مأمور به، كما أن الواجب مأمور به؛ لأن الأمر قسمان: مطلق الأمر، والأمر المطلق.

فمطلق الأمر ينقسم إلى أقسام: منه المندوب، ومنه الواجب.

أما الأمر المطلق هو الأمر الأعلى أي الواجب، وعليه فالمندوب مأمور به بالنظر لمطلق الأمر، أما بالنظر للأمر المطلق ليس مأمورًا به.

قال ابن القيم: إنك إذا قلت الأمر المطلق، فقد أدخلت اللام على الأمر، وهي تفيد العموم والشمول، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق، بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة وغيرهما، فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا شأنها، وأما مطلق الأمر

(1)

الوجيز للزحيلي (338 - 340).

ص: 303

فالإضافة فيه ليست للعموم، بل للتمييز، فهو قدر مشترك مطلق لا عام، فيصدق بفرد من أفراده، وعلى هذا فمطلق البيع جائز، والبيع المطلق ينقسم إلى جائز وغيره

(1)

، والأمر المطلق للوجوب، ومطلق الأمر ينقسم إلى الواجب والمندوب، والماء المطلق طهور، ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره، والملك المطلق هو الذي يثبت للحر، ومطلق الملك يثبت للعبد.

فإذا قيل: هل يملك العبد أم لا يملك؟ كان الصواب إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق.

وإذا قيل: هل الفاسق مؤمن أم غير مؤمن؟ فهو على هذا التفصيل، والله تعالى أعلم.

فبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ وفي مسألة الفاسق هل هو مؤمن أم لا؟

(2)

.

(1)

هكذا في بدائع الفوائد، والظاهر العكس بدليل ما بعده، والله أعلم.

(2)

بدائع الفوائد لابن القيم (4/ 18)، الإحكام للآمدي (1 - 119)، المستصفى للغزالي (60).

ص: 304

•‌

‌ سادسًا: حكم الشروع في المندوب:

سبق في التعريف أن المندوب ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه لا يستحق العقاب، أي: أن المسلم مخير بين الفعل لكسب الثواب، وبين الترك وعدم الأجر، أو أن المكلف إذا أراد الثواب والأجر فعل المندوب، وإلا تركه بدون عقاب، أما إذا شرع بالمندوب، فهل يبقى له الخيار في استكمال الفعل أو تركه، وإن تركه فلا شيء عليه، أم يجبر على الاستمرار؟ وبتعبير آخر، هل يبقى المندوب بعد الشروع به على حاله السابقة قبل الشروع أم ينقلب إلى واجب؟

اختلف علماء الأصول في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أن المندوب يبقى على حاله بعد الشروع فيه، ولا يجب إتمامه، وإن تركه الفاعل فلا إثم عليه، ولا يجب عليه قضاؤه

(1)

، وهو مذهب الشافعية.

القول الثاني: أن المندوب ينقلب إلى واجب، ويصبح لازمًا بالشروع، وأن المكلف إذا شرع بالمندوب وجب عليه إكماله، لكن يجوز تركه استثناء بلا إثم للنص عليه، وإن تركه وجب عليه قضاؤه، وهو مذهب الحنفية.

وفصل الإمام مالك وأبو ثور، فقالا: يلزم الإتمام، فإن خرج بلا

(1)

شرح التلويح علي التوضيح للتفتازاني (2/ 250)، الوجيز للزحيلي (1/ 43).

ص: 305

عذر لزمه القضاء، وإن خرج بعذر فلا قضاء

(1)

، وهو ما نقله النووي في المجموع.

• أدلة الفريقين:

أولًا: استدل الحنفية على رأيهم بالأدلة التالية:

1 -

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)} [محمد: 33]، فالمندوب بعد الشروع به صار عملًا يستحق صاحبه الثواب، فإن تركه فقد أبطل عمله وثوابه، والقرآن الكريم ينهى عن إبطال العمل، فكان إتمامه واجبًا.

2 -

قياس الشروع في المندوب على النذر بطريق الأولى، وذلك أن النذر التزام قولي، والناذر قبل النذر مخير بين الالتزام وعدمه، وبعد الكلام أصبح النذر واجبًا، وكذا المندوب، فالمكلف قبل الشروع مخير بين الفعل وعدمه، وبعد الشروع ينقلب إلى واجب بالأولى؛ لأن الفعل أقوى من القول.

ويعترض على الاستدلال بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الناذر التزم الوجوب قولًا، وألزم نفسه به لولايته عليها، وأما الشروع فليس بالتزام، بل هو أداء بعض المندوب بنية النفل، وليس بنية الوجوب أو الالتزام به.

(1)

المجموع للنووي (6/ 394) دار الفكر بيروت.

ص: 306

3 -

إن الشروع بالمندوب يجعله حقًّا لله، وحقوق الله تعالى يجب صيانتها والحفاظ عليها، وطريق صيانة المندوب هو بإلزام المكلف بالباقي أو بقضائه بعد ذلك احتياطًا في العبادات.

ثانيًا: استدل الشافعية على رأيهم بما يلي:

1 -

إن المندوب يجوز للمكلف أن يتركه في البدء، فكذلك بعد الشروع به يجوز له تركه، والمكلف مخير بين الاستمرار في الفعل وبين تركه، فالمندوب لا يتغير بالشروع، لأن حقيقة الشيء لا تتغير بالشروع، وأن المندوب يبقى بعد الشروع مندوبًا بدليل أنه يتأدى بنية النفل، وأن إتمام المندوب لا يعتبر إسقاطًا لواجب بل هو أداء لنفل.

2 -

قياس الصلاة والصيام على الصدقة، وذلك أن الانسان إذا أخرج عشرة دراهم للتصدق بها، فتصدق بدرهم فقط، فهو بالخيار في الباقي، ولا يجب عليه التصدق بالعشرة، وكذا الصلاة والصوم نفلًا، إذا شرع بهما المكلف فلا ينقلب الباقي إلى واجب.

3 -

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر»

(1)

، وهو نص صريح في حكم المندوب بعد الشروع به، وأن إتمامه عائد إلى المكلف إن شاء استمر، وإن شاء ترك، ولا شيء

(1)

إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (26893)، والترمذي (732) من حديث أم هانيء مرفوعًا، وفيه جعدة من ولد أم هانيء مجهول، وضعف هذا الحديث البخاري والترمذي وابن عدي والعقيلي، وغيرهم، وحكم عليه النسائي بالاضطراب.

ص: 307

عليه.

ويظهر من الأدلة ترجيح قول الشافعية لقوة استدلالهم، وموافقة قولهم للأصول، ويرد استدلال الحنفية بالآية {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)} [محمد: 33]، أنها عامة وتنصرف للأعمال الواجبة جمعًا بين الأدلة، ويتأكد بقاء حكم المندوب على حاله بسبب ورود الحديث، فقد جاء فيه عن أم هانئ رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الصائم المتطوع أمير نفسه» ، وفي رواية:«أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر»

(1)

.

وروى أبو داود، والترمذي حديثًا آخر، وفيه:«ثم ناوله أم هانئ، فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرت، وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئًا؟ فقالت: لا، قال: «فلا يضرك إن كان تطوعًا»

(2)

(3)

.

(1)

انظر ما قبله.

(2)

مضطرب: أخرجه أبو داود (2456) وغيره من حديث أم هانيء، وحدث فيه اختلاف كبير على سماك بن حرب بينه الدارقطني في العلل (4069)، وحكم عليه بالاضطراب، وكذلك النسائي رحمهما الله.

(3)

شرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 407) الوجيز للزحيلي (343 - 346) بتصرف.

ص: 308

•‌

‌ سابعًا: كل تنوع دخل في الوجوب فهو داخل في المندوب، ومن هنا ينقسم المندوب بعدة اعتبارات منها:

أقسام المندوب باعتبار الوقت ينقسم إلى قسمين:

‌أولًا: مندوب مضيق، وهو ما لا يسع وقته غيره من جنسه.

كصيام يوم عرفة، فصيامه لا يمكن أن يأتي بصيام مندوب آخر معه في نفس وقته.

‌ثانيًا: مندوب موسع، وهو الذى يسع وقته غيره من جنسه، وهو قسمان:

1 -

مندوب موسع بين وقتين: وهو ما له وقت بداية، وله وقت نهاية، كصيام الست من شوال، أو كقيام الليل، أو السنن البعدية للصلاة.

2 -

مندوب موسع مطلقًا: وهو له وقت بداية، وليس له وقت نهاية كالعمرة عند من قال بندبها.

•‌

‌ ثامنًا: أقسام المندوب باعتبار الفاعل ينقسم إلي قسمين:

فكما ينقسم الواجب إلى عيني وكفائي، فكذلك المندوب ينقسم إلى مندوب عيني ومندوب كفائي.

المندوب العيني: وهو الذي إذا فعله البعض لا يزال موجودًا في حق

ص: 309

الباقين، مثل: الوتر، وصيام الأيام الفاضلة.

المندوب الكفائي: هو أن يقع الامتثال لأمر الاستحباب بفعل البعض، وينقطع دلالة النص على الاستحباب فيما زاد على ذلك، ولا يبقى مستحبًّا، بل داخلًا في حيز المباح أو غيره، مثل: الأذان، والإقامة، والتسليم، والتشميت، وكذا الأضحية والتسمية عند الأكل -عند بعض العلماء - وكذا ما يفعل بالميت مما يندب إليه

(1)

.

•‌

‌ تاسعًا: المندوب خادم الواجب:

قال الشاطبي: المندوب خادم للواجب؛ لأنه إما مقدمة له، أو تكميلًا له، أو تذكارًا به، سواء كان من جنس الواجب أو لا، فالذي من جنسه كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام والصدقة والحج، والذي من غير جنسه كطهارة الخبث في الجسد والثوب والمُصَلَّى «هذه الأحكام على مذهب الإمام مالك الذي يجعل الطهارة في الصلاة مندوبًا وسنة، وقال الأئمة الثلاثة: ومالك في قول ثان: إنها شرط صحة الصلاة» ، والسواك وأخذ الزينة وغير ذلك مع الصلاة، وكتعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وكف اللسان عما لا يعني مع الصيام، فإن كان ذلك فهو لاحق بقسم الواجب بالكل، وقلما يشذ عنه مندوب

(1)

البحر المحيط (1/ 388).

ص: 310

يكون مندوبًا بالكل والجزء

(1)

.

•‌

‌ عاشرًا: المندوب واجب بالكل:

إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل، كالأذان في المساجد والجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة «عند من قال بسنيتها» ، وصلاة العيدين، وصدقة التطوع، والنكاح، والوتر، والعمرة «عند من قال بسنية ما سبق» ، وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء، ولو فرض تركها جملة لجُرِح التارك لها، ويستحق أهل المصر القتال إذا تركوا الأذان، وقد توعد الرسول من داوم على ترك الجماعة منهم أن يحرق عليهم بيوتهم، والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع من تكثير النسل، وبقاء النوع الإنساني، وما أشبه ذلك، فالترك لها جملة، مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائمًا، أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له، فلا محظور في الترك

(2)

.

(1)

الموافقات (1/ 239).

(2)

الموافقات بتصرف يسير (1/ 212).

ص: 311

• مسألة: الفرق بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب، وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب:

المندوب الذي لا يقدم على الواجب هو ما لم تعرض ضرورةٌ لا تندفع إلا بتقديمه عليه، فيقدم الواجب حينئذٍ عليه جريًا على القاعدة الأغلبية من تقديمه عليه؛ لأنه أفضل منه، ففي مسلمٍ وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال:«قال الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»

(1)

، فقد صرح بأن الواجب أفضل من غيره.

والمندوب الذي يقدم على الواجب هو ما دعت الضرورة التي لا تندفع إلا بتقديمه على الواجب إلى تقديمه عليه على خلاف القاعدة المذكورة، وله مثلٌ منها: الجمع للمسافر، وكذا للمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت، فهو متعينٌ لرفع الضرر، ومنها الظهر والعصر عند الزوال يوم عرفة فإنه مندوبٌ قدم على واجبين أحدهما تأخير الصلاة لوقتها، وهي العصر ترك لأن الجمع لضرورة الحجاج في ذلك اليوم للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة، وهو يومٌ لا يكاد يحصل في العمر إلا مرةً بعد ضنك الأسفار، وقطع البراري والقفار، وإنفاق الأموال من الأقطار البعيدة والأوطان النائية ناسب أن

(1)

أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 312

يقدم على مصلحة وقت العصر؛ لأن فوات الزمان هنا للضرورة المذكورة أعظم من فوات الزمان بجمع التقديم بين الصلاتين للمسافر لضرورة السفر؛ لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقةٌ موافقون على النزول في أوقات الصلوات، فهو ضررٌ يمكن التحرز منه من حيث الجملة، بخلاف ضرورة مصالح الحج فإنها أمرٌ لازمٌ للعبد لا خروج له عنها، ولا يمكنه العدول عنها إلى غيرها.

وثانيها: ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة؛ لأنها وإن كانت أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان كما قال أبو يوسف للإمام مالك لما اجتمع به في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام حجه مع هارون الرشيد، إلا أن مالكًا قال له إن ذلك خلاف السنة، فقال له أبو يوسف: من أين لك ذلك، وأنه خلاف السنة، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ركعتين قبلهما خطبة، وهذه هي صلاة الجمعة، فقال له مالك: جهر فيهما، أو أسر؟! فسكت أبو يوسف، وظهرت الحجة لمالك -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- بسبب الإسرار؛ لأن الجمعة جهرية، فلما صلى عليه الصلاة والسلام ركعتين سرًّا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة

(1)

.

(1)

الفروق للقرافي (2/ 147) دار عالم الكتب.

ص: 313

• مسألةٌ: لا يُترَك المندوب إذا صار شعارًا للمبتدعة:

ولا يترك لكونه صار شعارًا للمبتدعة خلافًا لابن أبي هريرة، ولهذا ترك الترجيع في الأذان، والجهر بالبسملة، والتختم في اليمين، وتسطيح القبور محتجًا بأنه صلى الله عليه وسلم ترك القيام للجنازة لما أخبر أن اليهود تفعله.

وأجيب بأن له ذلك؛ لأنه مشرعٌ بخلاف غيره لا يترك سنةً صحت عنه.

وفصل الغزالي بين السنن المستقلة وبين الهيئات التابعة، فقال: لا يترك القنوت إذا صار شعارًا للمبتدعة بخلاف التسطيح، والتختم في اليمين ونحوهما فإنها هيئاتٌ تابعةٌ، فحصل ثلاثة أوجهٍ، والصحيح: المنع مطلقًا

(1)

.

• مسألةٌ: لا يترك المندوب لخوف اعتقاد العامة وجوبه:

ولا يترك المندوب لخوف اعتقاد العامة وجوبه خلافًا لمالكٍ، ووافقه أبو إسحاق المروزي فيما حكاه الدارمي في «الاستذكار» أنه قال: لا أحب أن يداوم الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعةٍ بالجمعة ونحوه؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه

(2)

.

(1)

البحر المحيط (1/ 387).

(2)

البحر المحيط (1/ 387).

ص: 314

‌ثالثًا: المباح

تعريفه لغة: مشتقٌّ من الإباحة، وهي الإظهار والإعلان، ومنه يقال: باح بسره: إذا أظهره.

وقد يرد أيضًا بمعنى الإطلاق والإذن، ومنه يقال: أبحته كذا، أي: أطلقته فيه وأذنت له

(1)

.

وقيل: من باحة الدار وهي ساحتها، وفيه معنى السعة وانتفاء العائق؛ لأن الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتفٍ فيها

(2)

.

واصطلاحًا: هو ما أذن الله تعالى للمكلفين في فعله وتركه مطلقًا من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته

(3)

.

(1)

الإحكام للآمدي (1/ 123).

(2)

شرح مختصر الروضة (1/ 386).

(3)

البحر المحيط (1/ 364)، الجامع لمسائل أصول الفقه للنملة (1/ 41).

ص: 315

•‌

‌ شرح التعريف، وبيان محترزاته:

قولنا: ما للجنس، ويقصد بها الفعل، أو الشيء، ويدخل في ذلك الأحكام التكليفية كلها الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.

قولنا: أذن الله تعالى أي: صدر هذا من الله وهو الشارع الحكيم.

قولنا: للمكلفين جمع مكلف، والمكلف هو: البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي.

وخرج بهذا: الصبي والمجنون، والساهي، والنائم، والبهيمة، فأفعال هؤلاء ليست مباحة؛ لعدم التكليف في حقهم.

قولنا: في فعله وتركه مطلقًا أي: من غير بدل.

وخرج بهذا: الواجب الموسع، والواجب المخير؛ حيث إن المكلف مخير بين أن يفعل هذه الخصلة، أو تلك من غير ذم ولا مدح في تركها؛ فالمكلف مخير بين أن يفعل الصلاة في أول وقتها، أو يفعلها في وسط وقتها، أو يفعلها في آخر وقتها، لكن هذا مشروط بأن لا يترك الصلاة في أول وقتها، إلا إذا كان عازمًا على فعلها في وسط أو آخر وقتها.

وكذلك في الواجب المخير: لا يترك خصلة إلا إذا كان عازمًا على

ص: 316

فعل الخصلة الأخرى، من خصال كفارة اليمين مثلًا.

فذكرنا في التعريف مطلقًا؛ لإخراج ذلك، أي: أن الترك في المباح يكون مطلقًا غير مشروط.

قولنا: من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه: أي أن التارك لا يذم، ولا يمدح، والفاعل لا يذم ولا يمدح، فالفعل والترك وهما الطرفان متساويان عند الشارع.

• وهذا القيد أخرج الأحكام التكليفية الأربعة وهي:

1 -

الواجب؛ لأنه يتعلق بفعله مدح، وبتركه ذم.

2 -

المندوب؛ لأنه يتعلق بفعله مدح، ولا ذم في تركه.

3 -

الحرام؛ لأنه يتعلق بتركه مدح، وبفعله ذم.

4 -

المكروه؛ لأنه يتعلق بتركه مدح، ولا يتعلق بفعله ذم.

قولنا: لذاته أي: تارك المباح وفاعله لا يذم، ولا يمدح لذات المباح من غير اعتبارات أخرى.

فخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجبًا، وأخرج المباح الذي يستعين به على واجب

(1)

.

(1)

المهذب للنملة (1/ 258 - 259).

ص: 317

التعريف بالثمرة: ما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب لذاته.

التعريف بالضد: ليس له ضد؛ لأنه وسط.

التعريف بالمثال: كالنوم، والأكل والشرب، والبيع والشراء.

سبب وضع المباح في الأحكام التكليفية مع أنه ليس فيه طلب:

قال بعض العلماء: إنه وضع مسامحة، ولتتمة القسمة.

وقال بعض العلماء: إن هذا الحكم مباح، فيجب اعتقاد أن هذا الأمر مباح، لكن يعترض عليه أنه بهذا الاعتقاد خرج من باب المباح وصار واجبًا.

وقيل: إنه ليس لذاته، ولكن لتعلقه أحيانًا بأمور خارجية تغير حكمه إلى واجب أو مندوب أو محرم أو مكروه، فليس التكليف في المباح، وإنما فيما يتعلق به.

وقيل: لأن الحكم بالإباحة متوقف على حكم الشارع.

وقيل: إن المباح وضع في الأحكام التكليفية؛ لأن المخاطب به هو المكلف، فالفعل لا يسمى مباحًا إلا إذا كان يخاطب به المكلفون، ففعل المجنون لا يسمى مباحًا، كما أن الواجب لا يسمى في حقه واجبًا، وكذلك الحرام لا يسمى في حقه حرامًا، فكذلك المباح لا يسمى في حقه مباحًا؛ لأنه مرفوع عنه التكليف، فحينما يخاطب الله

ص: 318

الناس بالمباح يخاطب المكلف، وهذا القول هو الأقرب، والله أعلم.

تنبيه:

الإباحة منصبةٌ على الجزئيات لا على الكليات فالأكل مباح لكن تركه كليةً حرام.

•‌

‌ الأساليب التي تفيد الإباحة:

1 -

الصيغة الصريحة في الحل، كقوله تعالى:{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر حين سألوه عنه:«هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»

(1)

.

2 -

رفع الحرج أو الإثم أو الجناح أو ما في معنى ذلك، كقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور: 61]، وقوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، وقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} [النور: 29]، وعن أبي المنهال عبد الرحمن بن

(1)

حديث صحيح: أخرجه مالك (45)، وأبو داود (83)، والترمذي (69)، وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وصححه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والألباني، وغيرهم.

ص: 319

مطعمٍ قال: سألت البراء بن عازبٍ وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف؟ فقال:«إن كان يدًا بيدٍ فلا بأس، وإن كان نساءً فلا يصلح»

(1)

.

3 -

صيغة الأمر الواردة بعد الحظر لما كان مباحًا في الأصل، كقوله تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، فهذا أمرٌ جاء بعد حظر البيع عند سماع نداء الجمعة وإيجاب السعي إليها، فلما انتهى الغرض من ذلك عاد الأمر إلى الإباحة السابقة بصيغة طلبٍ أريد بها رفع الجناح العارض لأجل الجمعة.

ومنها: صيغة الأمر الواردة لإفادة نسخ الحظر والعودة بحكم الشيء إلى الإباحة كما لو لم يرد الحظر، كقوله صلى الله عليه وسلم:«نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا»

(2)

، فهذه أوامر جاءت لإزالة الحظر الذي ورد لسببٍ، وقد كانت الأشياء المذكورة قبل الحظر مباحةً، فعادت بهذا الأمر إلى

(1)

أخرجه البخاري (2060)، ومسلم (1589) من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (977) من حديث بريدة مرفوعًا.

ص: 320

ما كانت عليه.

4 -

استصحاب الإباحة الأصلية، وهذا الذي يقال فيه:«الأصل في الأشياء الإباحة» ، فكل شيءٍ مباحٌ ما لم يرد دليلٌ ينقله من تلك الإباحة إلى غيرها من الأحكام التكليفية، فلا يدعى وجوبٌ أو استحبابٌ أو تحريمٌ أو كراهةٌ إلا بدليلٍ ناقلٍ إليها من الإباحة

(1)

.

•‌

‌ أقسام المباح:

ينقسم المباح من حيث تعلقه بالنفع والضرر إلى ثلاثة أقسام:

1 -

قسم لا ضرر على المكلف في فعله وتركه، كالأكل والشرب، واللباس، والصيد، وصبغ الثياب، والتنزه في الهواء الطلق، وغير ذلك.

2 -

وقسم لا ضرر على المكلف في فعله مع فساده وثبوت ضرره وتحريم أصله، وهو ما أباح الشارع فعله من المحرمات للضرورة أو للإكراه، وما أباح الشارع تركه من الواجبات في حالات خاصة، أو لا ضرر على المكلف بتركه مع وجوب أصله، كالإفطار للحامل المرضع والمسافر، وترك القيام في الصلاة للعاجز، وما أباح الشارع فعله بعد تحريمه لسبب طارئ مثل دم المرتد يباح، ولا ضرر على إراقته، وقد كان دمه حرامًا، فلما ارتد زالت حرمة دمه، بل ينقلب إلى وجوب قتله

(1)

البحر المحيط (1/ 367)، تيسير علم أصول الفقه (47 - 48).

ص: 321

على الحاكم، وكذلك أخذ جزء من مهر المرأة، فإنه حرام لقوله تعالى:{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)} [النساء: 20]، أما إذا استمر الشقاق بين الزوجين فيباح للرجل أن يأخذ من مال زوجته ما تفتدي به نفسها في الخلع كما سبق، لقوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229].

3 -

قسم ثبت فساده وضرره، ولكن الله تعالى عفا عن صاحبه، فصار فعله مباحًا، فلا يذم على تركه، ولا يثاب على فعله، ويعرف عند الفقهاء بمرتبة العفو.

والأمثلة على ذلك كثيرة، كارتكاب المحرمات قبل الإسلام، مثل الزواج من المحارم، والزواج من زوجة الآباء، والجمع بين الأختين، ثم جاء الشرع السماوي فحرم هذه الأفعال، ونص على العفو عنها فيما سبق، فقال تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)} [النساء: 22]، وأكد هذا العفو رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:«الإسلام يجب ما قبله»

(1)

،

(1)

أخرجه مسلم (121)، وأحمد (17827) من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا، وهذا لفظ أحمد، ولفظ مسلم "أن الإسلام يهدم ما قبله".

ص: 322

ومثله ما كان شائعًا في أول الإسلام ولم يحرم، واستمر المسلمون على فعله، ثم نص الشرع على تحريمه، كالخمر، وتعدد الزوجات فوق الأربع، وبعض بيوع الجاهلية، وغيرها مما حرمته الشريعة، فكانت قبل التحريم مباحة لا يعاقب فاعلها.

وهذا القسم يعتبر من المباح تبعًا لا أصالة.

واعتبر بعض الفقهاء هذا القسم مرتبة مستقلة عن الأحكام الخمسة، وأنها مرتبة بين الحلال والحرام؛ لأن المباح هو ما تساوى طرفاه في النفع والضرر، وهذا القسم ثبت ضرره أكثر من نفعه قطعًا لتحريم الشارع له، ولكن الله تعالى عفا عنه، ولم يعذب صاحبه كشارب الخمر مثلًا، واستدل الفقهاء على قولهم بما ورد من النصوص التي تدل على هذه المرتبة المستقلة مثل قوله تعالى:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، وقوله تعالى:{عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95]، وما ثبت من العفو عن الخطأ والنسيان والاستكراه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على البراءة الأصلية، والأمثلة كثيرة على الأمور المعفو عنها، كالرخص أيضًا، والترجيح بين الدليلين عن التعارض وعدم إمكان الجمع، وما سكت الشارع عنه.

ويمكن أن تدخل هذه الأمور تحت حكم المباح الذي لا يؤاخذ

ص: 323

الله سبحانه وتعالى فاعله، ويعفو عنه، لما ورد فيها من العفو وعدم المؤاخذة، وأن الفاعل لا يثاب ولا يعاقب على الفعل، وإن كان ضرره أكثر من نفعه، ولكن قد تحيط به ظروف وقرائن وحالات تجعل الضرر متساويًا مع النفع، أو تجعل النفع أكثر من الضرر كأكل لحم الميتة في المخمصة، وشرب الخمر عند خوف الهلاك

(1)

.

•‌

‌ مسألة: أنواع الإباحة باعتبار مصدرها:

1 -

إباحة شرعية: وهى الثابتة بدليل شرعي، مثل قوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [البقرة: 187]، وهذه الصور غالبًا تكون في باب النسخ أي أن الشرع يحرم شيئًا، ثم بعد ذلك يبيحه ويحله، فليلة الصيام كان الرفث فيها غير مباح، ثم جاء قوله تعالى في الآية السابقة فأحل ليلة الصيام وأباحها بنسخ الحكم الأول.

2 -

إباحة عقلية: وهى التي كانت مباحة من جهة العقل وبالنظر إلى البراءة الأصلية، مثل الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة؛ لقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، والمقام مقام امتنان، والله تعالى لا يمتن إلا بمباح وطاهر.

(1)

الوجيز للزحيلي (380 - 383).

ص: 324

•‌

‌ الفرق بين الإباحة العقلية والشرعية:

الإباحة العقيلة تباح من قبل العقل، أو من جهة البراءة الأصلية؛ حيث إن الأصل براءة الذمة، فهذه هي البراءة الأصلية، وهي الإباحة العقلية.

ومنه ما كان يعمل به الناس قبل نزول الشرع، ففي الربا مثلًا قال تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، فهم كانوا يتعاملون بالربا واكتسبوا أموالًا من الربا، لكن قبل ورود التحريم كان حلالًا من جهة العقل والبراءة الأصلية؛ لذلك عفا الله عنهم.

وقال تعالى أيضًا: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]، فالذي جمع بين الأختين فعل شيئًا مباحًا عقلًا قبل ورود الشرع، وقبل العلم بالتحريم.

•‌

‌ ثمرة التفريق بين الإباحة العقلية والشرعية:

أن رفع الإباحة الشرعية يسمي نسخا، مثل قوله تعالي {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184].

كرفع إباحة الفطر في نهار رمضان لمن لزمه الصيام، وجعل الإطعام

ص: 325

بدلًا عنه هذه إباحة شرعية.

وقد دل قوله تعالي «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» على نسخ هذ الإباحة وإيجاب الصيام على من شهد الشهر.

أما رفع الإباحة العقلية فلا يسمى نسخًا: مثل تحريم الربا، والخمر، والجمع بين الأختين

(1)

.

•‌

‌ المباح من حيث الجزء والكل:

وقد قسم الشاطبي المباح بحسب الكلية والجزئية إلى أربعة أقسام، وهي:

أولًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل من جهة الوجوب، كالتمتع بالطيبات من المأكل والمشرب والمركب والملبس، فإن هذه الأمور مباحة بالجزء، ويكون المكلف بالخيار في فعلها أو تركها في بعض الأوقات أو الأحوال، أو إذا قام بها غيره من الناس، أما من حيث الجملة، فإن الأكل والشرب يجب فعلهما، وإن ترك المكلف الأكل والشرب بشكل كلي حتى أصابه الهلاك والموت أو المرض فهو آثم، ويكون تركه حرامًا، فيجب عليه الأكل والشرب، ومثله البيع والشراء، ووطء الزوجات، وممارسة وسائل الاكتساب.

(1)

مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص (21).

ص: 326

ثانيًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل على جهة الندب، كالتمتع بالأكل والشرب بما فوق الحاجة، فهذه الأشياء مباحة بالجزء، ويخير المكلف بين فعلها وتركها في بعض الأحوال أو الأزمان، لكنها مندوبة بالكل بحيث لو تركها المكلف لكان تركه مكروهًا لمخالفة طلب الشارع لها طلبًا غير جازم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده»

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله جميل يحب الجمال»

(2)

، وقوله تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32].

ثالثًا: المباح بالجزء المحرم بالكل، كالمباحات التي تقدح المداومة عليها في العدالة، كالتمتع باللذائذ، والمجازفة في الكلام، واعتياد الحلف، وشتم الأولاد، فإنها مباحة في الأصل، ولكن الإكثار منها والاعتياد عليها يصبح حرامًا، ومثله الأكل فوق الشبع مما يؤدي إلى التخمة والمرض.

(1)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (4063)، والترمذي (2006) من حديث مالك ابن نضلة مرفوعًا، وأخرجه أحمد (6708)، والترمذي (2819) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه أحمد (19934)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (3037) من حديث عمران بن حصين.

(2)

أخرجه مسلم (91) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.

ص: 327

رابعًا: المباح بالجزء المكروه بالكل، كالتنزه في البساتين، وسماع تغريد الحمام واللعب به، فإنها مباحة بالجزء في أصلها إذا فعلها المكلف مرة أو مرتين في يوم ما، ولكن الاستمرار عليها، وقضاء الأوقات فيها، وجعلها عادة للمرء يترتب عليها بعض الضرر بمخالفة محاسن العادات، فتصبح مكروهة

(1)

.

قال الشاطبي: إن المباح بحسب الكلية والجزئية يتجاذبها الأحكام البواقي، فالمباح يكون مباحًا بالجزء مطلوبًا بالكل على جهة الندب أو الوجوب، ومباحًا بالجزء منهيًّا عنه بالكل على جهة الكراهة أو المنع

(2)

.

• مسألة: ما هو الجائز؟

الجائز لغةً: العابر.

واصطلاحًا: يطلق على ما لا يمتنع شرعًا، فيعم غير الحرام، مباحًا كان أو واجبًا، أو مندوبًا أو مكروهًا.

ويطلق الجائز أيضًا على ما استوى فيه الأمران شرعًا كمباحٍ، وعلى ما استوى فيه الأمران عقلًا، كفعل صغيرٍ، ويطلق الجائز أيضًا على

(1)

الموافقات (1/ 100).

(2)

الموافقات (1/ 100).

ص: 328

مشكوكٍ فيه فيهما أي في الشرع والعقل بالاعتبارين

(1)

.

تتمة:

يطلق المباح شرعًا فيعم: الواجب، والمندوب، والمكروه.

ويطلق الحلال فيعم: الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح.

ودليل ذلك قوله تعالى {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس 59].

لكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل بمعنى أن لفظ المباح في الأصل في استعمال الأصوليين والفقهاء أنه ما استوى طرفاه، واعلم أن التداخل هذا للتوسع فقط، أما في تحرير المسائل فيراعى ما استقرت عليه المصطلحات عند الأصوليين.

فائدة: المباحات تنقلب عبادات بالنيات الصالحات، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك»

(2)

.

(1)

مختصر التحرير (1/ 430) مكتبة العبيكان.

(2)

أخرجه البخاري (56)، ومسلم (1628).

ص: 329

قال النووي «ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله فإنه يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا»

(1)

.

مثل: الأكل والشرب، والنوم، والجماع، والنفقة علي النفس والأهل، والتنزه المباح، والمزاح المباح، وبهذا تحول حياتك كلها عبادة لله تعالى.

(1)

شرح مسلم للنووي (11/ 78).

ص: 330

‌رابعًا: الحرام

•‌

‌ تعريف الحرام:

الحرام لغةً: المنع، قال الله تعالى:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص: 12] أي: حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن؛ إذ لم يكن حينئذٍ مكلفًا، وقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)} [الأعراف: 50]

(1)

.

واصطلاحًا: ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام

(2)

.

•‌

‌ شرح التعريف، وبيان محترزاته:

ما: اسم موصول، صفة لفعل المكلف.

طلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع.

(1)

البحر المحيط (1/ 336).

(2)

تقريب الوصول إلي علم الأصول لابن جزى الكلبي (169).

ص: 331

على وجه الحتم والإلزام: فيخرج المكروه، ويبقى الحرام.

التعريف بالثمرة: هو ما يثاب تاركه امتثالًا، وفاعله متوعد بالعقاب.

يثاب تاركه امتثالًا: لأن وجود الثواب وعدمه في ترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية «الامتثال» ، إذا وجدت النية حينئذ ترتب الثواب، وان انتفت صح ترك المحرم، ولكن لا ثواب.

متوعد بالعقاب: لأن التوعد بالعقاب لا يلزم منه وجود العقاب، فقد يستحق الشيء ولا يأخذه، ولم نجزم بالعقاب؛ لأن فاعل المحرم قد لا يعاقب، فقد يغفر الله له قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 117].

•‌

‌ مسألة: هل كل من ترك الحرام يثاب؟

الجواب: فيه تفصيل لأن ترك الحرام له عدة صور وهي:

1 -

ترك الحرام الذي لم يخطر بباله فهذا لا يستحق تاركه ثوابًا ولا عقابًا.

2 -

ترك الحرام الذي هم بفعله خوفًا من الله فهذا يثاب على تركه.

3 -

ترك الحرام لمانع منعه من الفعل مع همه وعزمه على فعله، فهذا تاركه متوعد بالعقاب.

ص: 332

التعريف بالضد: هو ضد الواجب.

التعريف بالمثال: كشرب الخمر، والزنا، والسرقة، والربا.

• مرادفات الحرام

(1)

:

من مرادفات الحرام: المحظور، والمعصية، والذنب، والممنوع، والقبيح، والسيئة، والفاحشة، والإثم، والمزجور عنه، والمتوعد عليه.

• الأساليب التي تفيد التحريم

(2)

:

‌الأساليب التي تفيد التحريم

في الكتاب الكريم والسنة الشريفة كثيرة، أهمها:

1 -

أن يرد الخطاب صريحًا بلفظ التحريم، وما يشتق منه.

مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، وقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وقوله تعالى:{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم:«كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»

(3)

.

(1)

شرح الكوكب المنير (1/ 386).

(2)

أصول الفقه للخضري (52)، أصول الفقه لأبي زهرة (41)، الوجيز للزحيلي (1/ 351).

(3)

أخرجه مسلم (2564) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 333

2 -

نفي الحل، كقوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ»

(1)

.

3 -

صيغة النهي، وهي أنواعٌ تعود جملتها إلى:

[1]

لفظ النهي الصريح، كقوله تعالى:{وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90].

[2]

صيغة الزجر، كحديث أبي الزبير قال: سألت جابرًا -يعني ابن عبد الله- عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك

(2)

.

[3]

صيغة الأمر بالانتهاء، كقوله تعالى للنصارى:{وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته»

(3)

.

[4]

صيغة الفعل المضارع المقترن ب «لا» الناهية، كقوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبع بعضكم على بيع

(1)

أخرجه البخاري (6065)، ومسلم (2559) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (1569) من حديث جابر مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (3276)، ومسلم (134) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 334

بعضٍ»

(1)

.

[5]

صيغة «لا ينبغي» ، كقوله صلى الله عليه وسلم في الحرير:«لا ينبغي هذا للمتقين»

(2)

.

[6]

صيغة الأمر بالترك بغير صيغة النهي الصريحة، كقوله تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، وقوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وماهن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات،

»

(3)

.

4 -

ما رتب على فعله عقوبةٌ، أو وعيدٌ دنيويٌّ، أو أخرويٌّ، فهو دليلٌ على تحريمه، فمن صوره:

[1]

عقوبة الحدود، كقوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وقوله:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2].

(1)

أخرجه البخاري (2139)، ومسلم (1412) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (375)، ومسلم (2075) من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 335

[2]

التهديد بالعقاب، كقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278 - 279]، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: 10]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين»

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«لكل غادرٍ لواءٌ يعرف به يوم القيامة»

(2)

.

[3]

ترتيب اللعنة على الفعل، وهي نوعٌ من العقوبة، وفيه نصوصٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنة.

5 -

وصف الفعل بأنه من الذنوب، أو وصفه بأنه كبيرةٌ، ونحو ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم:«ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي، وقطيعة الرحم»

(3)

، وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر؟ قال:

(1)

أخرجه مسلم (865) من حديث أبي هريرة، وابن عمر مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (3186)، ومسلم (1736) من حديث أنس مرفوعًا.

(3)

إسناده حسن: أخرجه أبو داود (4902)، والترمذي (2511) من حديث أبي بكرة مرفوعًا، وصححه الترمذي، والألباني.

ص: 336

«الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور»

(1)

.

6 -

وصف الفعل بالعدوان، أو الظلم، أو الإساءة، أو الفسق، أو نحو ذلك، كحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:«هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم»

(2)

، وقوله تعالى:{وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282].

7 -

تشبيه الفاعل بالبهائم، أو الشياطين، أو الكفرة، أو الخاسرين، أو نحوهم، كقوله صلى الله عليه وسلم:«ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه»

(3)

، وقوله تعالى:{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27]، وقوله تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في

(1)

أخرجه البخاري (2653)، ومسلم (88) من حديث أنس مرفوعًا.

(2)

إسناده حسن: أخرجه أبو داود (135)، والنسائي (140) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وصححه ابن الملقن، والألباني، وقال الزيلعي حديث صحيح لمن يصحح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

(3)

أخرجه البخاري (2622)، ومسلم (1622) من حديث ابن عباس مرفوعًا، واللفظ للبخاري.

ص: 337

الآخرة»

(1)

.

8 -

تسمية الفعل باسم شيءٍ آخر محرمٍ معلوم الحرمة، كوصف الفعل بأنه زنا أو سرقة أو شركٌ، أو غير ذلك، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق»

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق صلاته» قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق صلاته؟ قال:«لا يتم ركوعها ولا سجودها»

(3)

.

•‌

‌ أقسام الحرام

(4)

:

التحريم لم يأت في شريعة الإسلام إلا لشيءٍ كانت مفسدته خالصةً أو غالبةً، وجميع المحرمات لا تخلو من أن تكون على واحدٍ من الوصفين، وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ في الفقه لإدراك ما يمكن أن يلحق بالحرام بحسب رجحان جانب المفسدة، أو فقدان المصلحة.

والمفسدة في المحرم تكون في ذات الشيء المحرم، أو يكون المحرم سببًا فيها، وعليه فالمحرمات قسمان:

(1)

أخرجه البخاري (5835)، ومسلم (2069) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (6243)، ومسلم (2657) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(3)

صحيح بمجموع طرقه وشواهده.

(4)

علم أصول الفقه لخلاف (108)، تيسير علم أصول الفقه (35/ 41).

ص: 338

‌1 - محرمٌ لذاته «محرم في أصله» :

وهو ما حرمه الشارع ابتداء وأصالة، مثل أكل الميتة والدم والخنزير، ولعب الميسر، وشرب الخمر، والزنا، وقتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل، وزواج المحارم.

ويكون المحرم لذاته غير مشروع أصلًا؛ لأن منشأ الحرمة فيه عين المحل أو ذات الفعل، فهذه حرمت لذواتها، ومفاسدها خالصةٌ أو راجحةٌ، ويترتب على فعلها الإثم والعقاب، وبطلان كونها أسبابًا شرعيةً لثبوت شيءٍ من الأحكام، فالزنا مثلًا لا يثبت به النسب، ولا يأخذ أحكام الزواج الصحيح، والسرقة لا تثبت الملكية للمال المسروق، وهكذا.

‌2 - محرمٌ لغيره «محرم بوصفه» :

وهو مباحٌ في الأصل، أو مشروعٌ لخلوه من المفسدة، أو رجحان مصلحته، لكنه في ظرف معينٍ كان سببًا لمفسدةٍ راجحةٍ، فتعتريه الحرمة في تلك الحال.

مثل: البيع والشراء، فإنه مباحٌ مشروعٌ، إلا أنه يحرم عند سماع النداء الأول للجمعة، لما يقع بمزوالته حينئذٍ من تفويت الجمعة، والرجل يخطب امرأةً أجنبيةً ليتزوجها حلالٌ مباحٌ، لكنه يحرم إذا علم

ص: 339

أن مسلمًا غيره قد تقدم لخطبتها حتى ينصرف عنها أو تنصرف عنه، وإنما كانت الحرمة العارضة لما يسبب ذلك من العداوة بين المسلمين بسبب ما يقع من الإيذاء، ومثله أن يبيع على بيع أخيه، وكذلك الصلاة مشروعةٌ في كل وقتٍ إلا في ساعاتٍ منعت الشريعة من الصلاة فيها دفعًا لمشابهة الكفار؛ حيث يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها.

وينظر العلماء إلى المحرم لغيره من جهتين:

فمن جهة أصله فهو مشروع لعدم وجود المفسدة والمضرة فيه، ومن جهة ما اقترن به فهو حرام لما يترتب عليه من مفسدة ومضرة، وهو أمر خارجي عن المحل أو الفعل، ولذا فقد اختلفت آراء الأئمة في حكم كل مسألة من المسائل السابقة، وانقسموا في تكييف المحرم لغيره إلى قسمين كل منهما يرجح أحد الجانبين على الآخر، وظهر قولان:

القول الأول: أن التعاقد على المحرم لغيره يكون فاسدًا لا باطلًا، وهو رأي الحنفية، الذين يفرقون بين البطلان والفساد، وأن الفساد مرتبة بين البطلان والصحة، وأن العقد الفاسد منعقد، ولكنه غير صحيح، وأنه يجب فسخه، فإن نفذ ترتبت آثاره عليه، ويكون المال خبيثًا.

القول الثاني: أن العقد على المحرم لغيره باطل كالعقد على المحرم

ص: 340

لذاته، وأنه لا فرق بين الفساد والبطلان، وهما مرتبة واحدة، وهو رأي جمهور الأئمة، قال الآمدي: مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله، أي: أن التحريم للوصف كالتحريم للأصل تمامًا.

ونتيجة للاختلاف السابق اختلفت الأنظار في حكم كل مسألة محرمة لغيرها، ففرق الحنفية بين الصفة الجوهرية التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون العقد فاسدًا كالربا، وبين الصفة العارضة التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون حكمها الكراهة فقط، أي: التحريمية، كالبيع وقت أذان الجمعة.

وفرق الشافعية بين المحرم لغيره لوصف فيه كالصلاة بدون طهارة، وحكمها البطلان، وبين التحريم لأمر خارج عن المحل، وحكمه الصحة مثل الطلاق في زمن الحيض، فهو صحيح لصرف التحريم إلى أمر خارج عن الطلاق، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، وكذا الصلاة في الأوقات والأماكن المنهي عنها.

وهذا الاختلاف يرجع إلى مقتضى النهي، وهو ما سنبينه -إن شاء الله- في المجلد الثالث، الفصل الثاني: النهي.

وينتج عن تقسيم الحرام إلى حرام لذاته وحرام لغيره، جواز استباحة المحرم في بعض الحالات، فالمحرم لذاته يباح بهدف الحفاظ على الضروريات، وهي حفظ الدين، والمال، والنفس، والعقل،

ص: 341

والعرض، فيباح الخمر للحفاظ على الحياة عند التهلكة، ويرخص بالكفر ظاهرًا للحفاظ على النفس عند الإكراه بالقتل، وهكذا.

أما المحرم لغيره، فإنه يباح من أجل الحفاظ على الضروريات السابقة، ومن أجل الحفاظ على الحاجيات، وهي التي يؤدي تركها إلى مشقة بالغة على المكلف، مثل كشف العورة، فتباح للحفاظ على الحياة أحيانًا، وتباح للطبيب من أجل الاستشفاء من الأمراض، وتخفيف الألم عن المريض

(1)

.

• أقسام المحرم باعتبار التعيين والتخيير.

المحرم ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: محرم معين، وهو غالب المحرمات التي نهى عنها الشارع، ورتب على فاعلها العقوبة، كالعبودية لغير الله، وتحريم قتل النفس، وعقوق الوالدين.

القسم الثاني: محرم مخير، وهو أن يحرم الشارع أحد الأمرين فقط، فإذا فعل أحدهما أصبح الآخر محرمًا، وأن المكلف له أن يفعل عدة أشياء إلا واحدًا منها، وهذا القسم محصور وقليل جدًّا، وله عدة أمثلة:

1 -

أن يقول رجل لزوجاته: إحداكن طالق. فتحرم واحدة منهن،

(1)

الوجيز للزحيلي (355 - 356).

ص: 342

فإذا عاشر الزوج ثلاثًا فالرابعة محرمة، كما يجوز أن يعين إحداهن للطلاق أيضًا.

2 -

النهي عن الجمع بين الأختين في وقت واحد، فالشريعة أجازت الزواج بكل منهما، لكن إذا تزوج إحدى الأختين حرمت عليه الأخرى، ما لم يطلق الأولى أو تموت، وكذلك الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها.

3 -

نص القرآن الكريم والسنة الشريفة على التخيير في التحريم بين الأم وبنتها، فكل منهما يجوز الزواج منها، ولكن إذا تزوج من إحداهما حرمت عليه الأخرى.

4 -

كان العرب يعددون الزوجات بدون حد، وجاء الإسلام وبعضهم عنده عشر زوجات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه:«أمسك أربعًا وطلق سائرهن»

(1)

، فتعدد الزوجات زيادة على الأربع زوجات حرام، ولكن لم يعين الشارع المحرمة منهن، وترك الخيار للزوج

(2)

.

(1)

مرسل: أخرجه مالك (1717)، والترمذي (1128)، وابن ماجه (1953)، وغيرهم من طريق الزهري، واختلف عليه اختلافاً شديدًا في وصله وإرساله، ورجح الإرسال الترمذي، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم.

(2)

شرح مختصر الروضة (1/ 360)، الوجيز للزحيلي (357).

ص: 343

•‌

‌ مسألة: هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ أو هل يكون الفعل واجبًا وحرامًا معًا؟

الجواب: إن الواجب والحرام ضدان، والضدان لا يجتمعان في الأمر الواحد باتفاق العقلاء، ولكن اختلفوا في المقصود من الواحد الذي يعتبر محلًّا للواجب والحرام، ويتعلق به الإيجاب والتحريم، ويتفرع الكلام حسب الحالات الأربع التالية:

الحالة الأولى: إذا كان الفعل واحدًا بالجنس فيجوز أن يتعلق به الواجب والحرام، أو ينقسم إلى واجب وحرام، وتكون القسمة بحسب الأوصاف والإضافات، كالسجود لله تعالى، والسجود للصنم، فالسجود الأول واجب، والسجود الثاني حرام، ولا تناقض بينهما في تعلق الإيجاب والتحريم في السجود، كقوله تعالى:{لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37]، فلا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من وجوب الثاني وجوب الأول، للتغاير بالشخصية بين السجود لله، والسجود للصنم.

الحالة الثانية: إذا كان الواحد متعلقًا بشخص واحد، وليس له إلا جهة واحدة فلا يجوز وجوب الفعل وحرمته في آن واحد؛ لأنه مستحيل، لأن الطلب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض طلب الترك، فيكون تكليفًا بالمحال، ومعنى هذا أن الفعل يجوز تركه، ولا يجوز

ص: 344

تركه في آن واحد كوجوب الصلاة على زيد المكلف الصحيح، وحرمة الصلاة عليه في وقت واحد.

الحالة الثالثة: إذا تعددت الجهة التي يتعلق بها الخطاب، وكانت الجهتان متلازمتين؛ فلا يجتمع الفعل وطلب الترك، لأن الجهتين المتلازمتين ترجعان إلى جهة واحدة، كصوم يوم النحر نذرًا، ففيه مطلق الصوم، والصوم في ذلك اليوم، والمطلق في ضمن المقيد، ومثل الصلاة في الوقت المكروه مكروهة، فلا يثاب عليها، وبالتالي فالصوم باطل، والصلاة باطلة عند بعض العلماء، وقال الحنفية: الصلاة والصوم فاسدان؛ لأن التحريم ورد لأمر عارض، بينما الصلاة والصوم مشروعان بأصلهما، فالصلاة والصوم منعقدان عندهم مع الفساد، وقال بعض الشافعية بصحة الصلاة والصوم لصرف النهي فيهما عن الصلاة والصوم إلى أمر خارج منهما.

الحالة الرابعة: إذا تعددت الجهة، وكانت الجهتان غير متلازمتين، كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهنا اختلف العلماء في اجتماع الوجوب والحرمة في هذا الفعل على قولين:

القول الأول: جواز تعلق الطلب مع تعلق النهي في فعل المكلف، ويصح التكليف به، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في قول؛ لأن النهي لأمر خارج عن ذات الفعل، فلا

ص: 345

يقتضي الفساد، فالصلاة والغصب جهتان منفكتان ولا تلازم بينهما، لإمكان وجود أحدهما دون الآخر، ولتغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف الجهتين من الغصب والصلاة، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة واجبة بالنظر إلى جهة الصلاة، ومحرمة بالنظر إلى جهة الغصب، ويقيسون ذلك على الأمر لشخص بالخياطة وعدم السفر، فإذا خاط وسافر فهو مطيع في الخياطة عاص في السفر قطعًا، ولأن التغاير بين الشيئين إما أن يكون بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وإما بتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو، وإما أن يكون باختلاف الصفات في الموضوع الواحد كهذا المثال.

واحتجوا أيضًا بإجماع السلف على عدم أمر الظالمين عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، وعدم نهي الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة.

القول الثاني: عدم تعلق الطلب والنهي في أمر واحد ولو تعددت جهته، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين والظاهرية.

وقالوا: إن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة، ولا يسقط الواجب عندها؛ لأن الصلاة استمرار ومكث في الأرض المغصوبة، وهذا منهي عنه، والمنهي عنه يستحيل أن يكون واجبًا، وإن إقامة الصلاة في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة، وإن

ص: 346

الفعل الصادر من المكلف واحد، فلا يكون مثابًا عليه ومعاقبًا عليه في آن واحد

(1)

.

•‌

‌ مسألة: تزاحم المحرمات

(2)

:

معنى تزاحم المحرمات: أنه قد يتزاحم محرمان في حق شخص واحد في وقت واحد، ولا بد من فعل واحد منها، فيلزمه أن يفعل الأدنى.

مثال: حديث الأعرابى لما بال في المسجد وقام الصحابة وزجروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تزرموه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء»

(3)

، ففعل الأعرابي حرام تعارض مع محرمات أخرى منها إيذاء المسلم؛ لأنه إن قطع بوله قد يتضرر بحبسه، ومنها زيادة الحرام لأنه كان لا يعلم أن البول في المسجد حرام فزَجْرُهم إياه قد يؤدى إلى نفوره، فيؤدى ذلك إلى زيادة النجاسة في المسجد، وذلك زيادة في الحرام، فالنبي صلى الله عليه وسلم أذن في فعل المحرم الأدنى تجنبًا لمحرمات أكبر.

وهذه القاعدة أصل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

(1)

الإحكام للآمدي (1/ 115)، شرح مختصر الروضة للطوفي (1/ 361)، الوجيز للزحيلي (1/ 366).

(2)

الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف.

(3)

أخرجه البخاري (220) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 347

فلو أدى النهي عن المنكر لمفسدة أعظم يحرم النهي عن المنكر حينها.

مثال آخر: امرأة أسلمت في دار الكفر، ولا ضرورة لها في البقاء، ولزمها أن تهاجر إلى بلاد الإسلام، فإنها تسافر ولو بغير محرم، فبقاؤها في بلاد الكفر حرام، والسفر بغير محرم حرام، فتقدم الأدنى، وتسافر بلا محرم.

ومن أمثلة ذلك: فعل موسى عليه السلام والخضر، فخرق الخضر للسفينة إتلاف للمال، وهو محرم، ولكنه رأى أن هناك محرمًا أكبر وهو ضياع السفينة يقينًا لقوله تعالى:{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]، وكلمة "كل" من صيغ العموم، والتقدير أنه يأخذ كل سفينة سليمة غصبًا، وهذا أمر يقيني، فأتلف الخضر بعض المال من باب تزاحم المحرمات كي لا يضيع المال كله.

وقد يدخل في ذلك مسألة الختان: فإنه يفعل مع أن فيه إيلامًا للجسد، وهو محرم فدل ذلك على وجود محرم أعلى منه ترك هذا من أجل ذاك، ففي الرجل قد يكون الختان للحفاظ عليه من الضرر المترتب على بقاء بعض البول في مجرى البول، كذلك طهارة البدن، وفي الأنثى قد يكون لتعديل الشهوة؛ إذ زيادتها يؤدي إلى انتشار

ص: 348

الفواحش في المجتمع، ففعل المحرم لا يكون إلا من أجل ترك محرم أعلى منه.

*‌

‌ مسألةٌ: هل يقال: هذا أحرم من هذا؟

يصح ذلك باعتبار كثرة الثواب، أو كثرة الزواجر، لا بالنسبة إلى نفس الطلب.

وقد اتفق العلماء على أن الزنى بالأم أشد من الزنى بالأجنبية،

وكذلك الزنى في المسجد آثم من الزنى في الكنيسة.

وقد رد بعض المحققين شدة التحريم فيه إلى أنه فعل حرامين، والكلام لم يقع إلا في محلٍّ واحدٍ

(1)

.

•‌

‌ مسألة: ترك الواجب أعظم من فعل الحرام في الجملة:

قيل: ترك الواجب في الشريعة بل وفي العقل أعظم من فعل الحرام لوجوهٍ:

الأول: أن أداء الواجب مقصودٌ لنفسه، وترك المحرم مقصودٌ لغيره؛ ولهذا قال تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45]، فبين أن ما في الصلاة

(1)

البحر المحيط (1/ 362).

ص: 349

من ذكر الله أكبر مما فيها من النهي عن الفحشاء.

الثاني: أن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله وهو أداء واجبٍ، وترك هذا الواجب كفرٌ

(1)

.

(1)

البحر المحيط (1/ 362).

ص: 350

‌خامسًا: المكروه

المكروه: اسم مفعول من كره بمعنى أبغض، ومنه قوله تعالى:{وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} : يعني أبغضهم، فهو إذن في اللغة: المبغض سواء كان عينًا أو وصفًا أو عملًا، فأي شيء تبغضه فهو مكروه عندك

(1)

.

واصطلاحًا: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم

(2)

.

‌شرح التعريف، وبيان محترزاته:

- ما: اسم موصول صفة لفعل المكلف.

- طلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع.

(1)

تاج العروس للزبيدي (36/ 485)، الأصول من علم الأصول لابن عثيمين (12).

(2)

شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 217).

ص: 351

- طلبًا غير جازم: فيخرج الحرام، ويبقى المكروه.

التعريف بالثمرة: ما يثاب تاركه امثالًا وفاعله غير معاقب.

التعريف بالضد: هو ضد المندوب، قال صاحب نظم الورقات:

وضابط المكروه عكس ما ندب

كذلك الحرام عكس ما يجب

التعريف بالمثال: كالأكل متكئًا.

فائدة: المكروه يكون مكروهًا بأصل الوضع، أو بعد صرفه بدليل.

بأصل الوضع أي لم يأت بلفظ النهي كالأخذ بالشمال والإعطاء بها لكن فهمت الكراهة من السياق، أو بعد صرفه بدليل أي يأتي بلفظ النهي، ولفظ النهي يفيد التحريم، فلو أريد به المكروه فلابد معه من صارف كالشرب قائمًا - عند من قال بكراهيته - نُهِي عنه، ثم ورد فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم.

*‌

‌ قواعد الصرف في المكروه:

1 -

الصرف بيان.

2 -

معنى الصرف: أن النهى أول ما نزل كان مكروهًا علمنا ذلك بالصارف، أما إذا كان محرمًا ثم انتقل إلى المكروه كان ذلك نسخًا.

3 -

الصرف يعمل في الأزمنة المتزاحمة بخلاف النسخ الذي يعمل في الأزمنة المتلاحقة، وعمله في الأزمنة المتزاحمة كي لا

ص: 352

يتأخر عن وقت الحاجة للبيان.

ملحوظة:

المكروه قد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته راجحةٌ، وإن لم يكن منهيًّا عنه كترك المندوبات، وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، كالصلاة في الأوقات والأماكن المخصوصة، وقد يراد به ما في القلب منه حزازةٌ، وإن كان غالب الظن حله كأكل لحم الضبع.

وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام.

ومن نظر إلى الاعتبار الثاني حده بترك الأولى.

ومن نظر إلى الاعتبار الثالث حده بالمنهي الذي لا ذم على فعله.

ومن نظر إلى الاعتبار الرابع حده بأنه الذي فيه شبهةٌ وترددٌ

(1)

.

*‌

‌ الأساليب التي تدل على الكراهة:

تعرف الكراهة في الأحكام الشرعية باستعمالاتٍ تدل عليها، ترجع إلى ثلاثة أنواعٍ:

1 -

لفظ الكراهة، كما في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال

(1)

الإحكام للآمدي (1/ 122).

ص: 353

النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»

(1)

.

ومنها: حديث المهاجر بن قنفذٍ رضي الله عنه: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال:«إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهرٍ أو قال: على طهارةٍ»

(2)

، مع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يذكر الله على كل أحيانه

(3)

.

2 -

صيغة النهي التي قام برهانٌ على صرفها عن التحريم، وذلك كحديث عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الشفاء في ثلاثةٍ: في شرطة محجمٍ، أو شربة عسلٍ، أو كيَّةٍ بنارٍ، وأنا أنهى عن الكي»

(4)

، فهذا النهي للكراهة لا للتحريم، ومما دل عليه: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن كان في شيءٍ من أدويتكم خيرٌ ففي شربة عسلٍ، أو شرطة محجمٍ، أو لذعةٍ من نارٍ، وما

(1)

أخرجه البخاري (2408)، ومسلم (593) من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (17)، والنسائي (38)، وغيرهم من حديث المهاجر بن قنفذ مرفوعًا، وسنده صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والألباني.

(3)

أخرجه مسلمٌ (373) من حديث عائشة مرفوعًا، ورواه البخاري (1/ 129) عنها تعليقاً.

(4)

أخرجه البخاري (5680) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 354

أحب أن أكتوي»

(1)

، فهذا إذنٌ لهم في التداوي بالثلاث المذكورات، مع كراهة الكي.

ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل الثوم

(2)

، وهذا النهي ليس للتحريم بأدلةٍ عديدةٍ منها:

حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعامٍ أكل منه وبعث بفضله إليَّ، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلةٍ لم يأكل منها؛ لأن فيها ثومًا، فسألته: أحرامٌ هو؟ قال: «لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه»

(3)

قال: فإني أكره ما كرهت، وفي روايةٍ: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى، والمقصود أنه كان يأتيه الملك.

1 -

التروك النبوية التي قصد بها التشريع لا التي جرت بمقتضى الطبع البشري، وهذا يقابل ما يفيده الفعل النبوي من الاستحباب، فكذلك يفيد الترك الكراهة

(4)

، وذلك كتركه للأذان في صلاة العيدين مع أمره بالأذان في شبيهها كالجمعة.

(1)

أخرجه البخاري (5702)، ومسلم (2205) من حديث جابر مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (4215) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(3)

أخرجه مسلم (2053) من حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا.

(4)

تيسير علم أصول الفقه (44 - 45).

ص: 355

*‌

‌ مسألة: هل تتفاوت الكراهة؟

نعم تتفاوت مراتب الكراهة فهي ترتقي بارتقاء المفسدة حتي تكون أعلى مراتب المكروه بأدني مراتب التحريم.

قال القرافي: اعلم أن الأوامر تتبع المصالح كما أن النواهي تتبع المفاسد، والمصلحة إن كانت في أدنى الرتب كان المرتب عليها الندب، وإن كانت في أعلى الرتب كان المرتب عليها الوجوب، ثم إن المصلحة تترقى، ويرتقي الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب، وكذلك نقول في المفسدة التقسيم بجملته، وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة حتى يكون أعلى مراتب المكروه يلي أدنى مراتب التحريم.

* مسائل مهمة:

1 -

الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يفرقون بين الواجب والمندوب، والمحرم والمكروه من ناحية العمل، ولكنهم كانوا يفرقون من الناحية النظرية والاعتقادية فقط، وذلك لشدة عزيمتهم، فقد لا تجد في كلامهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب هذا، وندب هذا، أو حرم هذا، وكره هذا، ولكن تجد في كلامهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2 -

المكروه في الغالب كان إذا أطلق في الشرع أي في الكتاب

ص: 356

والسنة، وفى لسان السلف كان يراد به الحرام.

يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: وقد غلط كثيرٌ من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرفاتهم؛ فحصل بسببه غلطٌ عظيمٌ على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول هو حرامٌ، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان.

وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة، ومذهبه أنه لا يجوز، وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة، وكل شيءٍ ذبح لغير الله، قال الله عز وجل:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3].

فتأمل كيف قال: لا يعجبني. فيما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه، وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروهٍ فهو حرامٌ، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًّا لم يطلق عليه

ص: 357

لفظ الحرام؛ وروى محمدٌ أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب؛ وقد قال في «الجامع الكبير» : يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم؛ وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ: يكره النوم على فرش الحرير والتوسد على وسائده، ومرادهما التحريم.

وقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير، وقد صرح الأصحاب أنه حرامٌ، وقالوا: إن التحريم لما ثبت في حق الذكور، وتحريم اللبس يحرم الإلباس، كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها، وقالوا: يكره بيع العذرة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا أضر بهم وضيق عليهم، ومرادهم التحريم، وقالوا: يكره بيع السلاح في أيام الفتنة، ومرادهم التحريم.

وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومراده التحريم عندهم؛ قالوا: ويكره اللعب بالشطرنج، وهو حرامٌ عندهم؛ قالوا: ويكره أن يجعل الرجل في عنق عبده أو غيره طوق الحديد الذي يمنعه من التحرك، وهو الغل، وهو حرامٌ؛ وهذا كثيرٌ في كلامهم جدًّا.

وأما أصحاب مالكٍ فالمكروه عندهم مرتبةٌ بين الحرام والمباح، ولا يطلقون عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي نابٍ من

ص: 358

السباع مكروهٌ غير مباحٍ؛ وقد قال مالكٌ في كثيرٍ من أجوبته: أكره كذا، وهو حرامٌ، فمنها أن مالكًا نص على كراهة الشطرنج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم.

وقال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهوٌ شبه الباطل، أكرهه ولا يتبين لي تحريمه، فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه؛ فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائزٌ وأنه مباحٌ، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه، والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟!

وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] إلى قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] إلى قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31] إلى قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] إلى قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33] إلى قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} [الإسراء: 34] إلى قوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] إلى آخر الآيات؛ ثم قال: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38)} [الإسراء: 38] وفي الصحيح: «إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة

ص: 359

المال»

(1)

.

فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرمٍ، وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك، وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعًا وقدرًا وفي المستحيل الممتنع، كقوله تعالى:{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)} [مريم: 92]، وقوله:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]، وقوله:{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ} [الشعراء: 210 - 211]، وقوله على لسان نبيه:«كذبني ابن آدم وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له»

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام»

(3)

، وقوله صلى الله عليه وسلم في لباس الحرير:«لا ينبغي هذا للمتقين»

(4)

، وأمثال ذلك

(5)

.

(1)

أخرجه البخاري (2408)، ومسلم (593) من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (4974) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(3)

أخرجه مسلم (179) من حديث أبي موسى مرفوعًا.

(4)

أخرجه البخاري (375)، ومسلم (2075) من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا.

(5)

إعلام الموقعين لابن القيم (1/ 32 - 35).

ص: 360

• ملحوظة:

بعد استقرار المصطلحات لا يجوز استخدام لفظ المكروه بمعنى المحرم؛ لأن هذا سيحدث لبسًا.

3 -

اختلف العلماء في المكروه، هل هو منهيٌّ عنه أم لا؟ كما اختلفوا في المندوب هل هو مأمور به أم لا؟

والجمهور على أن المكروه منهي عنه حقيقة، خلافًا للحنفية، كما أن المندوب مأمور به، والأدلة واحدة، والخلاف واحد، وقد سبق الكلام عنه في المندوب.

4 -

إن الحنفية يقسمون المكروه إلى قسمين: مكروه تحريمي، ومكروه تنزيهي.

والمكروه التحريمي: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني، مثل لبس الحرير والذهب على الرجال الثابت بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هذان حرام على رجال أمتي حلٌّ لإناثهم»

(1)

، والبيع على بيع

(1)

صحيح لشواهده: أخرجه ابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب وفيه ضعف، وأخرجه ابن ماجه (3597) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً وفيه ضعف، والبزار (4836) من حديث ابن عباس مرفوعاً وفيه ضعف، وأخرجه ابن أبي شيبة (24645) من حديث أبي موسى وفيه اختلاف شديد، لكنه يصح بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.

ص: 361

الآخر، والخطبة على خطبة غيره

(1)

، وحكمه أنه إلى الحرام أقرب، وهو قسم من الحرام عند الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف، وإن أطلق عليه لفظ المكروه، ويأخذ أحكام الحرام تقريبًا من تحريم الفعل وطلب الترك واستحقاق العقاب على الفعل، ولكن لا يكفر جاحده.

والمكروه التنزيهي: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، وحكمه مثل حكم المكروه المذكور عند الجمهور سابقًا، وأن فاعله يخالف الأولى، مثل الوضوء من سؤر سباع الطير.

5 -

قسم بعض الشافعية المكروه إلى قسمين، بحسب الدليل في النهي، فإن كان النهي غير الجازم مخصوصًا بأمر معين فهو مكروه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»

(2)

، وإن كان النهي غير الجازم غير مخصوص بأمر معين فيكون فعله خلاف الأولى، كالنهي عن ترك المندوبات، وإفطار المسافر في رمضان

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (2140)، ومسلم (1515) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.

(2)

أخرجه البخاري (444)، ومسلم (714) من حديث أبي قتادة السلمي مرفوعاً.

(3)

الوجيز للزحيلي بتصرف (1/ 371).

ص: 362

•‌

‌ خاتمة الحكم التكليفي:

وإلى هنا ننتهي من الحكم التكليفي، وأنه يقسم عند الجمهور إلى خمسة أقسام وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، والمكروه، وزاد الحنفية قسمين: وهما: الفرض، والمكروه تحريمًا، فصار المجموع عندهم سبعة أقسام.

وهذه الأحكام التكليفية تتعلق بأفعال المكلف، فقد يكون الفعل واجبًا كالصلاة، وقد يكون مندوبًا كالنوافل، وقد يكون مباحًا كالبيع والأكل، وقد يكون مكروهًا مثل كثرة الكلام، وقد يكون محرمًا كالسرقة والقتل.

وقد تتعلق هذه الأحكام بفعل واحد، وتعتريه الأحكام الخمسة كلها أو بعضها بحسب الظروف والأحوال التي تحيط به، كالزواج يكون واجبًا على المكلف إذا استطاع تكاليف الزواج وتأكد من نفسه الوقوع في الحرام، إذا لم يتزوج، ويكون مندوبًا في الأحوال العادية مع القدرة على الباءة، ويكون محرمًا إذا تأكد من نفسه ظلم زوجته وعدم قيامه بحقوقها، ويكون مكروهًا إذا خاف أو ظن ذلك، ويكون مباحًا إذا تساوت المحاسن والمفاسد، مثل الزواج، فكثير من أفعال المكلفين تعتريها الأحكام الخمسة أو بعضها بحسب القرائن المحيطة بها، كما أن الأحكام تختلف من حيث الجزئية والكلية، وسبق بيان ذلك في المندوب والمباح.

ص: 363

‌الأهلية وعوارضها

•‌

‌ تعريف الأهلية:

لغةً: الصلاحية، تقول: فلانٌ أهلٌ لكذا. أي صالحٌ ومستوجبٌ له، وتقول: أهلته لكذا. إذا جعلته صالحًا له.

واصطلاحًا: نوعان

(1)

:

1 -

أهلية وجوبٍ:

وهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له الحقوق، وتجب عليه الواجبات.

ويعبر عن هذه الأهلية بالذمة، فكل إنسانٍ له ذمةٌ تتعلق بها حقوقٌ وواجباتٌ.

وتثبت هذه الأهلية للإنسان بمجرد الحياة، فكل إنسانٍ حيٍّ له أهلية وجوبٍ.

(1)

فصول البدائع في أصول الشرائع للفناري (1/ 313)، كشف الأسرار عن أصول البزدوي (4/ 237)، شرح التلويح علي التوضيح للتفتازاني (2/ 321)، علم أصول الفقه لخلاف (135)، الوجيز للزحيلي (1/ 482).

ص: 364

قيل: أصل هذه الأهلية مستفادٌ من العهد الأول الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، كما قال عز وجل:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172]، ذلك أن الذمة هي العهد، والعهد الثابت للإنسان بمجرد إنسانيته هو هذا العهد.

أما تسميتها ذمة فقيل: لأن نقض العهد يوجب الذم، فسمي العهد بما يؤول إليه نقضه.

2 -

أهلية أداءٍ:

وهي صلاحية الإنسان للمطالبة بالأداء بأن تكون تصرفاته معتدًّا بها، وهذه الأهلية تثبت للإنسان ببلوغه سن التمييز.

• الأهلية كاملة وناقصة:

أهلية الإنسان تختلف كمالًا ونقصًا بحسب كماله أو نقصه في الحياة والعقل، ويمكن إدراكها من خلال أدوار الإنسان، وهي كالتالي:

1 -

الجنين: هو موصوفٌ بالحياة، وهو نفسٌ، وإن لم يستقل بعد عن أمه، يدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هذيلٍ اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ، فأصاب بطنها وهي حاملٌ، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى أن دية ما في بطنها غرةٌ عبدٌ أو أمةٌ، فقال ولي المرأة التي

ص: 365

غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما هذا من إخوان الكهان»

(1)

.

فهذا الحديث فيه اعتبار حياة الجنين شرعًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل ديته دية المولود، بل نقصت عن ذلك، وذلك لأجل عدم انفصاله واستقلاله.

لهذا فأهليته أهلية وجوبٍ ناقصةٌ يجب له لا عليه، ومن فروع هذه الأهلية: استحقاقه الميراث والوصية.

2 -

الطفل غير المميز: ليس للتمييز سنٌّ محددٌ في الشرع، إنما هو أمرٌ تقديريٌّ يعود إلى ما غلب عليه من التفريق بين المنافع والمضار وإدراك الخطأ والصواب، ويمكن أن يجعل له ضابطٌ بفهم الطفل للاستئذان قبل الدخول في الساعات الثلاث التي قال الله تعالى فيها:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور: 58]، وكذلك بتمييز الطفل بين ما هو عورةٌ، وما ليس بعورةٍ، فإن الله تعالى ذكر فيمن استثناهم فيمن تبدي

(1)

أخرجه البخاري (5758)، ومسلم (1681) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 366

المرأة بحضرتهم زينتها الأطفال الذين لم يميزوا بقوله: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31].

والأهلية الثابتة للطفل الذي لم يميز أهلية وجوبٍ كاملةٌ، تجب له الحقوق وعليه، أما وجوب الحقوق فإذا صحت للجنين فله أولى، فتثبت حقوقه في الميراث، والوصية، وغير ذلك، وأما الوجوب عليه فليس على معنى أنه مطالبٌ بها، فإنه ليس عليه أهلية أداءٍ، وإنما تجب عليه حقوقٌ يؤديها عنه وليه، كوجوب الزكاة في ماله، فإن على وليه أن يخرج من ماله الزكاة، ولو أتلف شيئًا وجب الضمان في ماله يؤديه عنه وليه، لكنه لا يؤاخذ في نفسه ولا يوصف بالتقصير لفقدانه شرط التكليف.

عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: رفعت امرأةٌ صبيًّا لها فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: ««نعم، ولك أجرٌ»

(1)

، فهذا فيه صحة حج الصبي، وجمهور العلماء على أن ذلك في حقه تطوعٌ، لا يسقط به فرضه لعدم التكليف، ووجه اعتبار حجه لما يعانيه وليه من حمله وأداء المناسك به.

(1)

أخرجه مسلم (1336) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 367

3 -

الطفل المميز الذي لم يبلغ: تثبت له أهلية وجوبٍ كاملةٍ، فهو أولى بهذا الحكم من غير المميز، وتقدم أنها ثابتةٌ له.

وكذلك تثبت له أهلية أداءٍ ناقصةٍ بسبب نقصان عقله، يصح منه الإيمان وجميع العبادات، ولا يجب عليه ذلك، فهو غير مؤاخذٍ بالإخلال لكنه مأجورٌ على الامتثال، كما تقدم في حديث الحج، وأمر الأولاد بالصلاة ونحوها من العبادات من جهة الأولياء قبل أن يبلغوا الحلم ليس لوجوب ذلك عليهم، إنما لتأديبهم وتمرينهم، فقد تقدم الحديث الصحيح في رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم

(1)

.

وأما تصرفاته المالية فهي على ثلاثة أنواعٍ:

[1]

ما فيه منفعةٌ خالصةٌ للطفل، كالهبة والصدقة له، فلو قبلها فقبوله صحيحٌ معتبرٌ، بناءًا على الأصل في مراعاة منفعته.

[2]

ما فيه ضررٌ خالصٌ له، فتصرفه فيه غير معتبرٍ، كأن يهب من ماله، فهو ليس أهلًا للتصرف في المال لقصور العقل، وقد قال الله تعالى لولي مال اليتيم:{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6].

(1)

إسناده حسن: أخرجه النسائي (3442)، وأبو داود (4398) من حديث عائشة مرفوعًا، وسنده حسن، وأخرجه أبو داود (4402)، والترمذي (1423) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا، وسئل البخاري عن حديث علي فقال حديث حسن كما عند الترمذي في العلل الكبير (405).

ص: 368

[3]

ما تردد بين المنفعة والضرر، كمزاولة البيع والشراء من قبل الطفل، فاحتمال الربح والخسارة واردٌ فيها، فهذا النوع من العقود صحيحٌ منه إذا أذن الولي، فإذنه يجبر النقص في أهلية الأداء عند الصبي.

4 -

البالغ العاقل: هذا سن الاكتمال الذي تثبت فيه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء كاملتين، فهو صالحٌ لجميع التكاليف الشرعية، ومسؤولٌ عن جميع تصرفاته.

عوارض الأهلية

(1)

:

الأهلية الكاملة قد يعتريها ما يزيلها أو ينقصها أو يؤثر فيها بتغيير بعض الأحكام.

وتسمى تلك المؤثرات بعوارض الأهلية.

وتنقسم إلى قسمين:

*‌

‌ القسم الأول: عوارض كونية:

وهي المؤثرات في الأهلية الخارجة عن إرادة الإنسان وتصرفه، ويندرج تحتها:

(1)

فصول البدائع في أصول الشرائع للفناري (1/ 322)، التقرير والتحبير لابن أمير حاج (2/ 172)، تيسير علم أصول الفقه للجديع (1/ 89).

ص: 369

‌1 - الجنون:

وهو اختلال العقل بحيث يمنع من صدور الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا.

لا يمنع أهلية الوجوب، لأنها تثبت بمجرد الحياة، فله أهلية وجوبٍ كاملةٌ، لكن ليس له أهلية أداءٍ، فهي منعدمةٌ في حقه لزوال العقل.

وتقدم فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ»

(1)

.

‌2 - العته:

وهو اختلالٌ في العقل يصير به صاحبه مختلطًا، يشبه حاله أحيانًا حال العقلاء، وأحيانًا حال المجانين.

فهذا له حالان: الإلحاق بالمجنون حين تغلب عليه أوصافه، وبالعاقل حين تغلب عليه أوصافه، لكنه لا يكون له منزلة العاقل البالغ من أجل ما يعتريه من وصف المجانين، فلذا: تثبت له أهلية وجوبٍ كاملةٌ، وتنعدم في حقه أهلية الأداء عندما يلحق بالمجنون، وتثبت له أهلية أداءٍ ناقصةٌ حين يلحق بالعقلاء.

(1)

إسناده حسن: أخرجه النسائي (3442)، وأبو داود (4398) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 370

وفيه قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في رفع القلم: «وعن المعتوه حتى يعقل»

(1)

.

*‌

‌ أثر الجنون في العبادات البدنية:

- في الوضوء والتيمم:

- أجمع الفقهاء على أن الجنون قليلًا كان أو كثيرًا ناقضٌ للوضوء

(2)

.

كما صرحوا بأن كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم أيضًا

(3)

.

- أثر الجنون في سقوط الصلاة:

لا خلاف بين الفقهاء في أن المجنون غير مكلفٍ بأداء الصلاة في حال جنونه، فلا تجب الصلاة على مجنونٍ لا يفيق؛ لأن أهلية الأداء تفوت بزوال العقل

(4)

، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا:

(1)

انظر ما قبله.

(2)

القوانين الفقهية لابن جزى (29)، وروضة الطالبين (1/ 74)، والمغني لابن قدامة (1/ 172).

(3)

حاشية الدسوقي (1/ 158)، وروضة الطالبين للنووي (1/ 115)، والمغني (1/ 272).

(4)

كشف الأسرار (4/ 264)، والاختيار لمجد الدين الحنفي (1/ 135)، والقوانين الفقهية ص (49)، وروضة الطالبين (1/ 186) وما بعدها، والمغني (1/ 400).

ص: 371

«رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» .

أثر الجنون في الصوم:

- اتفق الأئمة على أن الجنون مسقطٌ للصوم إذا كان مطبقًا، وذلك بأن يمتد إلى أن يستغرق شهر رمضان؛ لأنه لم يشهد الشهر، وهو السبب لوجوب الصوم، ولذا فلا يجب الصوم على المجنون.

أثر الجنون في الحج:

الجنون كما سبق من عوارض الأهلية، فالمجنون لا يتأتى منه أداء أفعال الحج، وكذلك لو وقف بعرفة وهو مجنونٌ ولم يفق حتى خرج منها لم يجزئه.

- أثر الجنون في الزكاة:

ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه تجب الزكاة في مال المجنون ويخرجها الولي من ماله، فإن لم يخرج، أخرج المجنون بعد الإفاقة زكاة ما مضى، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من ولي يتيمًا له مالٌ، فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» ، وروي موقوفًا على عمر رضي الله عنه، وإنما تأكله الصدقة بإخراجها، وإنما يجوز للولي إخراجها

ص: 372

إذا كانت واجبةً؛ لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم؛ ولأن الشارع جعل ملك النصاب سببًا في الزكاة، والنصاب موجودٌ، والخطاب بإخراجها يتعلق بالولي، والمجنون والصبي سواءٌ في هذا الحكم.

- أثر الجنون في التصرفات القولية:

أجمع الفقهاء على أن الجنون كالإغماء والنوم، بل هو أشد منهما في فوات الاختيار، وتبطل عبارات المغمى عليه والنائم في التصرفات القولية، كالطلاق، والإسلام، والردة، والبيع والشراء، وغيرها من التصرفات القولية، فبطلانها بالجنون أولى؛ لأن المجنون عديم العقل والتمييز والأهلية، واستدلوا لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل

(1)

، ومثل ذلك كل تصرفٍ قوليٍّ لما فيه من الضرر

(2)

.

- أثر الجنون في عقود المعاوضة:

لا خلاف بين الفقهاء في أن كل تصرفٍ قوليٍّ يصدر في حال الجنون فهو باطلٌ، فالمجنون لا تصح عقوده لرجحان جانب الضرر

(1)

القوانين الفقهية ص (232، 250، 369)، والمغني (7/ 113، 114).

(2)

الاختيار (2/ 95).

ص: 373

نظرًا إلى سفهه، وقلة مبالاته، وعدم قصده المصالح

(1)

.

- أثر الجنون في التبرعات:

- سبق بيان أن التصرفات القولية لا تصح من المجنون؛ لأنه بالجنون تسلب الولايات، واعتبار الأقوال، فلا تصح هبته ولا صدقته، ولا وقفه، ولا وصيته، وما إلى ذلك؛ لأن التصرفات يشترط فيها كمال العقل، والمجنون مسلوب العقل أو مختله، وعديم التمييز والأهلية، وهذا بإجماع الفقهاء.

- أثر الجنون في الولاية:

لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أن الجنون يزيل الولاية؛ لعدم تمييزه؛ ولأن الولاية إنما ثبتت نظرًا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، وأيضًا المجنون لا يلي نفسه، فلا يلي غيره بالأولى.

‌3 - النسيان:

والنسيان لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، لبقاء تمام العقل ولكنه عذرٌ في إسقاط الإثم والمؤاخذة الأخروية لما وقع

(1)

الاختيار (2/ 95)، والقوانين الفقهية ص (250)، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة لمحمد بن عبد الرحمن الدمشقي ص (128).

ص: 374

بسببه من الأفعال أو التصرفات، أما المطالبة بالأداء فثابتةٌ عليه لا تسقط بالنسيان إلا فيما استثناه الشرع من ذلك.

وهذه ثلاثة أمثلةٍ:

[1]

رجلٌ نسي صلاةً، فلا يعذر بتركها بعد التذكر، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من نسي صلاةً فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك»

(1)

.

[2]

رجلٌ استودع أمانةً فتركها في موضعٍ نسيانًا فذهبت عليه، وجب عليه الضمان، فإن الله تعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، وهذا من حقوق العباد، وحقوق العباد لهم، وهم أصحاب الحق فيها مطالبةً وإسقاطًا.

[3]

رجلٌ نسي فأكل أو شرب وهو صائمٌ، فليتم صومه فأكله وشربه صدقةٌ من ربه تبارك وتعالى عليه، وهذا حقه سبحانه، فأسقط المطالبة به عند النسيان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه»

(2)

.

الأحكام المترتبة على النسيان: يترتب على النسيان أحكامٌ في الدنيا

(1)

أخرجه البخاري (597)، ومسلم (684) من حديث أنس مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (1933)، ومسلم (1155) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 375

وفي الآخرة.

*‌

‌ أولًا: الحكم الأخروي:

- اتفق العلماء على أن النسيان مسقطٌ للإثم مطلقًا لقوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه

(1)

. ولأن النسيان من باب ترك الحقيقة بدلالة محل الكلام؛ لأن عين الخطأ وأخويه غير مرفوعٍ، فالمراد حكمها وهو نوعان: أخرويٌّ، وهو المأثم، ودنيويٌّ وهو الفساد، والحكمان مختلفان، فصار بعد كونه مجازًا مشتركًا لا يعم، فإذا ثبت الأخروي إجماعًا لم يثبت الآخر

(2)

.

*‌

‌ ثانيًا: الحكم الدنيوي:

- إن وقع النسيان في ترك مأمورٍ لم يسقط، بل يجب تداركه ولا يحصل الثواب المترتب عليه لعدم الائتمار. وإن وقع النسيان في فعلٍ منهيٍّ عنه ليس من باب الإتلاف فلا شيء فيه، أما إن وقع في فعلٍ منهيٍّ عنه فيه إتلافٌ لم يسقط الضمان، فإن وقع في فعلٍ منهيٍّ عنه يوجب

(1)

حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان .. " تقدم تخريجه.

(2)

الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (302 - 303)، والأشباه والنظائر للسيوطي ص (187)، والمنثور في القواعد للزركشي (3/ 272) - (273) وشرح الكوكب المنير (1/ 511)، وما بعدها، وشرح مختصر الروضة (1/ 188) وما بعدها.

ص: 376

عقوبةً كان النسيان شبهةً في إسقاطها

(1)

.

‌4 - النوم والإغماء:

النائم والمغمى عليه ساقطةٌ عنهما أهلية الأداء في حال النوم والإغماء، ومطالبان بها لما فاتهما بسبب تلك الحال بعد زوال هذا العارض بالانتباه والاستيقاظ، فالشريعة رفعت في الحقيقة الإثم واللوم في التفويت أو الخطأ يقعان في حال النوم والإغماء.

فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاةٌ حتى يدخل وقت الأخرى»

(2)

، وتقدم في حديث رفع القلم:«وعن النائم حتى يستيقظ»

(3)

.

أما المطالبة بالفائت، واحتمال نتيجة الخطأ بعد زوال هذ العذر فهي ثابتةٌ.

فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاةً

(1)

المراجع السابقة.

(2)

أخرجه مسلم (681) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.

(3)

إسناده حسن: أخرجه النسائي (3442)، وأبو داود (4398) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 377

أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»

(1)

، وفي روايةٍ:«إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)} [طه: 14]»

(2)

.

ولو فعل النائم أو المغمى عليه خطأً فيما هو من حقوق العباد، كأن انقلب على إنسانٍ فقتله، فإنه يحتمل نتيجة الخطأ لا نتيجة العمد، لعدم القصد يقينًا.

ومن الفقهاء من شبه «المغمى عليه» بالمجنون، فلم يلزمه بشيء بعد الإفاقة، ومنهم من فرق بين ما إذا كان الوقت طويلًا أو قصيرًا.

‌أثر الإغماء في الأهلية:

- الإغماء لا يؤثر في أهلية الوجوب لأن مناطها الإنسانية، أما أهلية الأداء فإنه ينافيها، لأن مدارها العقل، وهو مغلوبٌ على عقله.

• أثر الإغماء في العبادات البدنية:

- في الوضوء والتيمم:

أجمع الفقهاء على أن الإغماء ناقضٌ للوضوء قياسًا على النوم، بل

(1)

أخرجه البخاري (597)، ومسلم (684) من حديث أنس مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (597)، ومسلم (684) من حديث أنس مرفوعًا، واللفظ المذكور لفظ مسلم.

ص: 378

هو أولى، لأن النائم إذا أوقظ استيقظ بخلاف المغمى عليه.

ونص الفقهاء على أن كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم

(1)

.

- أثر الإغماء في سقوط الصلاة:

ذهب المالكية والشافعية، وهو قولٌ عند الحنابلة، إلى أن المغمى عليه لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزءٍ من وقتها.

وقد يشهد لهذا ما ورد عن عاصم قال: أغمي على أنس بن مالك، فلم يقض صلاته

(2)

.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن أغمي عليه خمس صلواتٍ قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار فأسقط القضاء كالجنون، وقال محمدٌ: يسقط القضاء إذا صارت الصلوات ستًّا ودخل في السابعة، لأن ذلك هو الذي يحصل به التكرار.

لكن أبا حنيفة وأبا يوسف أقاما الوقت مقام الصلوات تيسيرًا فتعتبر الزيادة بالساعات.

وقد يشهد لذلك ما رواه نافع: أن ابن عمر أغمي عليه؛ فذهب عقله، فلم يقض الصلاة، وفي رواية: أن ابن عمر أغمي عليه شهرًا، فلم

(1)

المغني (1/ 272)، وابن عابدين (1/ 169)، والدسوقي (1/ 158).

(2)

إسناده حسن: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (2333).

ص: 379

يقض ما فاته، وصلى يومه الذي أفاق فيه

(1)

.

وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى أن المغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه، مستدلين بما روي أن عمارًا غشي عليه أيامًا لا يصلي، ثم استفاق بعد ثلاثٍ، فقال «أي عمارٌ»: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت منذ ثلاثٍ، فقال: أعطوني وضوءًا فتوضأ ثم صلى تلك الليلة

(2)

. وروى أبو مجلزٍ أن سمرة بن جندبٍ قال: المغمى عليه يترك الصلاة يصلي مع كل صلاةٍ صلاةً مثلها قال: قال عمران: زعم، ولكن ليصلهن جميعًا

(3)

، وروى الأثرم هذين

(1)

إسناده صحيح: أخرجه مالك في الموطأ (24)، وعبد الرزاق (4153)، وابن أبي شيبة (6600).

(2)

إسناده ضعيف: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (2335) من طريق محمد بن الحسن وهو محمد بن الحسن بن أبي الحسن المخزومي وهو يسرق الحديث، والحارث الأنصاري وأم سعيد لم أجد لهما ترجمة، وأخرجه عبد الرزاق (4156)، والدارقطني (1859)، والبيهقي في المعرفة (2468) من طرق عن الثوري عن السدي عن يزيد مولى عمار عن عمار بلفظ " أن عمار بن ياسر رمي، فأغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء»، ويزيد مولى عمار مجهول.

(3)

منقطع: أخرجه ابن أبي شيبة (6585)، وابن المنذر (2336) من طرق عن سليمان التيمي عن أبي مجلز لاحق بن حميد عن سمرة وعمران، وأبو مجلز ثقة، لكنه لم يلق سمرة ولا عمران، ولا سمع منهما، كما قال ابن المديني، فالسند منقطع.

ص: 380

الحديثين في سننه وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا يعرف لهم مخالفٌ فكان إجماعًا. ولأن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم

(1)

، ولكن سبق بيان أن بعض الصحابة خالفوا هذا كأنس وابن عمر فالإجماع منتقض.

- أثر الإغماء في الصيام:

أجمع الفقهاء على أن الإغماء لا يسقط قضاء الصيام، فلو أغمي على شخصٍ جميع الشهر، ثم أفاق بعد مضيه يلزمه القضاء إن تحقق ذلك، وهو نادرٌ، والنادر لا حكم له، إلا عند الحسن البصري فإنه يقول: سبب وجوب الأداء لم يتحقق في حقه لزوال عقله بالإغماء، ووجوب القضاء يبتني على وجوب الأداء.

واستدل فقهاء المذاهب بأن الإغماء عذرٌ في تأخير الصوم إلى زواله لا في إسقاطه، لأن سقوطه يكون بزوال الأهلية أو بالحرج، ولا تزول الأهلية به ولا يتحقق الحرج به، لأن الحرج إنما يتحقق فيما يكثر وجوده، وامتداده في حق الصوم نادرٌ، لأنه مانعٌ من الأكل والشرب.

(1)

الدسوقي (1/ 182، 184، 185)، والمجموع (3/ 7)، وكشف الأسرار (4/ 289)، والمغني (1/ 400)، والإنصاف للمرداوي (1/ 390).

ص: 381

وحياة الإنسان شهرًا بدون الأكل والشرب لا يتحقق إلا نادرًا فلا يصلح لبناء الحكم عليه.

- ومن نوى الصوم من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس، فقد قال الشافعية والحنابلة: لا يصح صومه لأن الصوم هو الإمساك مع النية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي

(1)

فأضاف ترك الطعام والشراب إليه. فإذا كان مغمًى عليه فلا يضاف الإمساك إليه فلم يجزه.

وقال أبوحنيفة: يصح صومه لأن النية قد صحت وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم

(2)

.

ومن أغمي عليه بعد أن نوى الصيام وأفاق لحظةً في النهار أجزأه الصوم، أي لحظةٍ كانت، اكتفاءً بالنية مع الإفاقة في جزءٍ، لأن الإغماء في الاستيلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون. فلو قيل: إن المستغرق منه لا يضر لألحق الأقوى بالأضعف. ولو قيل: إن اللحظة منه تضر كالجنون لألحق الأضعف بالأقوى فتوسط بين الأمرين.

(1)

حديث: " يقول الله كل عمل ابن آدم له إلا الصوم

" أخرجه البخاري (الفتح (10/ 369) ط السلفية).

(2)

كشف الأسرار (4/ 281)، والمغني (3/ 98).

ص: 382

وقيل: إن الإفاقة في أي لحظةٍ كافيةٌ. وفي قولٍ ثانٍ للشافعية: إن الإغماء يضر مطلقًا قل أو كثر

(1)

.

د - أثره في الحج:

الإغماء كما تقدم من عوارض الأهلية. فالمغمى عليه لا يتأتى منه أداء أفعال الحج، ولكن هل يصح إحرام الغير عنه بدون إذنٍ منه؟ وهل إذا أناب أحدًا تقبل الإنابة؟

قال المالكية والشافعية والحنابلة: إن المغمى عليه لا يحرم عنه غيره، لأنه ليس بزائل العقل وبرؤه مرجوٌّ على القرب. ولو أيس من برئه بأن زاد إغماؤه على ثلاثة أيامٍ فعند الشافعية يحرم الولي عنه في المعتمد، وقاسوا ذلك على أنه ليس لأحدٍ أن يتصرف في ماله وإن لم يبرأ.

ومن يرجى برؤه ليس لأحدٍ أن ينوب عنه، وإن فعل لم يجزئه عند الشافعية والحنابلة، لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه إن وقعت، وفارق الميئوس من برئه، لأنه عاجزٌ على الإطلاق آيسٌ من القدرة على الأصل فأشبه الميت

(2)

.

(1)

حاشية الجمل على منهج الطلاب (2/ 333).

(2)

المغني (3/ 229)، وحاشية الجمل (2/ 377)، والدسوقي (2/ 48).

ص: 383

وعند أبي حنيفة أن من أغمي عليه فأهل عنه رفقاؤه جاز. وقال الصاحبان

(1)

: لا يجوز. ولو أمر إنسانًا بأن يحرم عنه إذا أغمي عليه، أو نام فأحرم المأمور عنه صح بإجماع الحنفية، حتى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج جاز.

استدل الصاحبان على الأول بأنه لم يحرم بنفسه ولا أذن لغيره به؛ وهذا لأنه لم يصرح بالإذن، والدلالة تقف على العلم وجواز الإذن به لا يعرفه كثيرٌ من الفقهاء فكيف يعرفه العوام؟ بخلاف ما لو أمر غيره بذلك صريحًا.

ولأبي حنيفة أنه لما عاقد رفقاءه عقد الرفقة فقد استعان بكل واحدٍ منهم فيما يعجز عن مباشرته بنفسه، والإحرام هو المقصود بهذا السفر، فكان الإذن به ثابتًا دلالةً، والعلم ثابتٌ نظرًا إلى الدليل، والحكم يدار عليه

(2)

.

وعند المالكية أنه لا يصح الإحرام عن المغمى عليه ولو خيف فوات الحج، لأنه مظنة عدم الطول ثم إن أفاق في زمنٍ يدرك الوقوف فيه أحرم وأدرك، ولا دم عليه في عدم إحرامه من الميقات.

(1)

يقصد بهما أبو يوسف ومحمد بن الحسن.

(2)

فتح القدير لابن الهمام (2/ 402، 403)، والمغني (3/ 416).

ص: 384

- أما بالنسبة للوقوف بعرفة، فالكل مجمعٌ على أنه لو أفاق المغمى عليه في زمن الوقوف ولو لحظةً أجزأه. وإن لم يفق من إغمائه إلا بعد الوقوف فمذهب المالكية والحنابلة إلى أنه فاته الحج في ذلك العام، ولا عبرة بإحرام أصحابه عنه ووقوفهم في عرفة، وللشافعية قولان في إجزاء وقوف المغمى عليه أو عدمه.

والحنفية يكتفون بالكينونة في محل الوقوف وزمنه مع سبق الإحرام، فوقوف المغمى عليه مجزئٌ.

أما أثر الإغماء على باقي أعمال الحج فيراجع في كتب الفرع.

أثر الإغماء على الزكاة:

المغمى عليه بالغٌ عاقلٌ فتجب في ماله الزكاة، فإذا أغمي عليه بعد وجوبها فلا يتأتى منه الأداء، وعليه إذا أفاق قضاؤها ولو امتد به الإغماء؛ إذ امتداده نادرٌ والنادر لا حكم له.

*‌

‌ أثر الإغماء في التصرفات القولية:

ذهب الفقهاء إلى أن الإغماء كالنوم بل أشد منه في فوت الاختيار، لأن النوم يمكن إزالته بالتنبيه بخلاف الإغماء. وتبطل عبادات النائم في الطلاق والإسلام والردة والبيع والشراء. فبطلانها بالإغماء أولى.

واستدلوا على عدم وقوع طلاق المغمى عليه بأحاديث، منها قوله

ص: 385

صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثةٍ، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل

(1)

، وقد أجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه لا طلاق له، والمغمى عليه أشد حالًا من النائم.

وقال الإمام أحمد في المغمى عليه إذا طلق فلما أفاق علم أنه كان مغمًى عليه وهو ذاكرٌ لذلك قال: إذا كان ذاكرًا لذلك فليس هو مغمًى عليه، يجوز طلاقه

(2)

، ومثل ما ذكر كل تصرفٍ قوليٍّ.

*‌

‌ أثر الإغماء في عقود المعاوضة:

كل تصرفٍ قوليٍّ يصدر في حال الإغماء فهو باطلٌ، لكن إذا تم التصرف في حال الصحة ثم طرأ الإغماء لا ينفسخ لتمامه في حالٍ تصح فيها

(3)

.

ولا تصح وصية المغمى عليه في حالة الإغماء المؤقت، ولا المغمى عليه الذي يئس من إفاقته

(4)

.

(1)

أخرجه الترمذي من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا، وقال: حديثُ عليٍّ حديث حسن غريب من هذا الوجه تحفة الأحوذي (4/ 685 - 686).

(2)

ابن عابدين (2/ 426)، والمغني (7/ 113، 114).

(3)

الموسوعة الفقهية الكويتية (5/ 270).

(4)

حاشيتا قليوبي وعميرة (3/ 157).

ص: 386

*‌

‌ أثر الإغماء في التبرعات:

- سبق بيان أن التصرفات القولية كلها لا تصح من المغمى عليه، فلا تصح هبته ولا صدقته ولا وقفه وما إلى ذلك، لأن المغمى عليه مغلوب العقل فلا يتوفر فيه شرط صحة التصرف، وهذا بإجماع الفقهاء، ولأن التصرفات يشترط فيها كمال العقل؛ والمغمى عليه ليس كذلك.

*‌

‌ أثر الإغماء في الجنايات:

- تقدم أن الإغماء عارضٌ وقتيٌّ تسقط فيه المؤاخذة وفهم الخطاب، فإن حالة المغمى عليه هي سترٌ للعقل ينشأ عنه فقدٌ للوعي وفقدٌ للاختيار، لذلك كان سببًا من أسباب عدم المؤاخذة بالنسبة لحقوق الله تعالى حسب البيان السابق.

أما بالنسبة لحقوق العباد فإنها لا تسقط. فإذا وقعت منه جرائم أخذ بها. فإذا انقلب النائم على غيره فمات فإنه يعامل معاملة المخطئ وتجب الدية، وإذا أتلف مال إنسانٍ وهو مغمًى عليه وجب عليه ضمان ما أتلف.

‌5 - الصغر:

وهو من عوارض الأهلية لقوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة

وعن الصبى حتى يحتلم "؛ وعلى ذلك فالصبى المميز غير مكلف؛ لأننا

ص: 387

لاندرى متى ميز، ومتى فهم الخطاب، ولما كان التمييز علامة غير منضبطة لم يعلق بها الشارع التكليف، وإنما علقه بالمنضبط وهو البلوغ، ورفع القلم يكون فى الترك للمأمورات، وفعل المنهيات، أما فعل المأمورات فهو مجزي بها فلو فعل مأمورًا به له فيه أجر، بدليل أن امرأة رفعت للنبى صلى الله عليه وسلم صبيًّا صغيرًا فى الحج، وقالت يارسول الله «ألهذا حج» قال " نعم ولك أجر "

(1)

.

ويعرف البلوغ بأحد أمور:

- الاحتلام وهو الأصل

(2)

.

- الحيض فى حق الأنثى

(3)

.

- وقيل قد يعرف البلوغ بالسن وهو عند الجمهور خمس عشرة

(1)

رواه مسلم فى كتاب الحج باب صحة حج الصبى.

(2)

دليل الاحتلام وإنزال المنى قوله تعالى {وإذا بلغ الأطفال

} [النور: 59] والدليل قوله تعالى (فليستأذنوا)، وهذا فعل مضارع مقرون بلام الأمر يدل على الأمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، والواجب يطالب به المكلف، والله لا يأمر إلا المكلف، ومنه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاث

وعن الصبى حتى يحتلم ".

(3)

واستدلوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، اختلف في وصله وإرساله والراجح الإرسال.

ص: 388

سنة

(1)

.

- الإنبات، وقال به جمع من العلماء

(2)

.

‌6 - المرض:

المريض ثابتةٌ في حقه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، لكن للمريض تأثيرٌ في بعض الأحكام يسببها هذا العارض، فلذا تسقط عنه المطالبة بما يعجز عنه من حقوق الله تعالى، كعجزه عن القيام في الصلاة، وجواز الفطر من رمضان، وغير ذلك.

أما عقوده وتصرفاته، فإنها صحيحةٌ جميعًا، فإن له تمام العقل وكمال الأهلية، فبيعه ونكاحه وطلاقه، وغير ذلك من عقوده صحيحٌ

(1)

ومن الأدلة على بلوغ من كان سنه خمس عشرة سنة هجرية حديث ابن عمر قال " عُرِضتُ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعُرِضتُ عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني "، وقالوا ذلك لأن النبي كان يأخذ من كانوا بالغين مكلفين للجهاد فى سبيل الله تعالى. أخرجه البحاري (2664)، ومسلم (1868).

(2)

واستدلوا على ذلك بما جاء عن عطية القرظي قال عن اليهود " أنهم عُرِضُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فمن كان محتلمًا أو نبتت عانته قتل، ومن لم يكن احتلم أو لم تنبت عانته ترك ". أخرجه أبو داود (4404)، والنسائي (3430)، والترمذي (1584) من طرق عن عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي موقوفًابإسناد صحيح.

ص: 389

نافذٌ.

لكن اختلف الفقهاء في نكاحه وطلاقه في مرض الموت، فأما النكاح فأبطله بعضهم، وصححه الجمهور، وعلة من أبطله أنه قصد به الإضرار بالورثة بإدخال وارثٍ جديدٍ عليهم، وقول الجمهور هو الموافق للأصل، وأما طلاقه إذا كان بائنًا فصحيحٌ ماضٍ عندهم، لكنهم اختلفوا في توريث المطلقة منه، فجمهورهم على أنها ترث منه، وطائفةٌ منهم الشافعي أنها لا ترث منه.

وصح أن عبد الرحمن بن عوفٍ طلق امرأته البتة وهو مريضٌ، فورثها عثمان رضي الله عنه بعد انقضاء عدتها

(1)

.

وليس في إبطال الحقوق بهذه التصرفات شيءٌ في الكتاب والسنة، وما دام المريض كامل الأهلية فتصرفه صحيحٌ معتبرٌ، وتصحيحه يعني تصحيح ما يترتب عليه.

(1)

صحيح بمجموع طرقه: أخرجه مالك (40) من طريق طلحة بن عبد الله بن عوف وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرزاق (12194) من طريق هشام بن عروة، ثلاثتهم عن عثمان بن عفان به.

ص: 390

‌7 - الحيض والنفاس:

هما من العوارض الكونية المختصة بالنساء، وهما لا ينافيان أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء، لكن يحولان بين المرأة وبين الصلاة، والصوم، والطواف بالبيت في وقت وقوعهما من المرأة، وتبقى المطالبة بقضاء الصوم والإتيان بطواف الإفاضة دون طواف الوداع، على تفصيلٍ يعرف في كتب الفقه، أما سائر العبادات فلا يحول بين المرأة وبينها عارض الحيض أو النفاس على التحقيق.

عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريةٌ أنت؟ قلت: لست بحروريةٍ، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة

(1)

.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال:«ما يبكيك؟» ، قلت: لوددت والله أني لم أحج العام، قال:«لعلك نفست» قلت: نعم، قال:«فإن ذلك شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (321)، ومسلم (235) من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (305)، ومسلم (1211) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 391

وعن عائشة أيضًا قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناوليني الخمرة من المسجد» ، قالت: فقلت إني حائضٌ، فقال:«إن حيضتك ليست في يدك»

(1)

.

‌8 - الموت:

الموت تنعدم فيه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء.

لكن هل يبقى شيءٌ يطالب به الميت يمكن أداؤه عنه؟

نعم، دل الكتاب والسنة على بقاء الدَّين حقًّا يطالب به الميت لا يبرأ منه إلا بأدائه عنه، ولذا لا يقسم ميراثه ويصير إلى ورثته إلا بعد استيفاء ديونه منه، كما قال تعالى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]، وكذا يصح تحمله عنه من قبل غيره فتسقط عنه به المؤاخذة، كما ثبت في السنة عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازةٍ ليصلي عليها، فقال:«هل عليه من دينٍ؟» قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازةٍ أخرى، فقال:«هل عليه من دينٍ؟» ، قالوا: نعم، قال:«صلوا على صاحبكم» ، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه

(2)

.

(1)

أخرجه مسلمٌ (298) من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (2295) من حديث سلمة بن الأكوع مرفوعًا.

ص: 392

واختلف الفقهاء في زكاة ماله لو وجبت عليه قبل موته، ولم يخرجها، فهل يلزم الورثة إخراجها أم لا، فذهب الحنفية إلى عدم إخراجها حيث كان هو المكلف بها، وماله من بعده بعد استيفاء حقوق الخلق التي كانت عليه يعود لورثته، وذهب الشافعية إلى وجوب إخراجها عنه من ماله؛ لأن وجوبها عندهم في نفس المال، ومذهب الحنفية أصح في هذا، فإنه كان المكلف بها، وهو إما أن يكون قصد عدم الإخراج، أو التأخير فتلك خطيئةٌ لا يحتمل أثرها عنه غيره، وإما أن يكون عجز عنها، أو لم يزل وقتها حين مات موسعًا، فليس عليه فيها مؤاخذةٌ، لكن لو أخرجها الورثة كانت صدقةً نافعةً، فقد صح عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»

(1)

.

(1)

أخرجه البخاري (138)، ومسلم (1004) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 393

*‌

‌ القسم الثاني: عوارض مكتسبة:

وهي المؤثرات في الأهلية التي للإنسان فيها كسبٌ واختيارٌ، ويندرج تحتها:

‌1 - الجهل:

الجهل في اللغة: نقيض العلم، ويطلق على السفه والخطأ، يقال جهل على غيره سفه وأخطأ.

والجهل اصطلاحًا: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه

(1)

.

والجهل يأتي على ثلاثة أضرب:

- الأول: هو خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل.

- والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.

- والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا، كمن يترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قوله تعالى:{قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)} [البقرة: 67]، فجعل فعل الهزو جهلًا، وقال عز وجل:{فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6].

(1)

لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني مادة (جهل).

ص: 394

والجاهل تارة يذكر على سبيل الذم، وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذم، نحو:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273]، أي: من لا يعرف حالهم، وليس يعني المتخصص بالجهل المذموم، والمجهل: الأمر والخصلة التي تحمل الإنسان على الاعتقاد بالشيء خلاف ما هو عليه، واستجهلت الريح الغصن: حركته، كأنها حملته على تعاطي الجهل، وذلك استعارة حسنة

(1)

.

فالجهل في عمومه من العوارض المكتسبة وذلك لأمرين:

1 -

كونه ثابتًا في حالٍ دون حالٍ كالصغر.

2 -

لأن إزالته باكتساب العلم في قدرة العبد فكان ترك تحصيل العلم منه اختيارًا بمنزلة اكتساب الجهل باختيار بقائه

(2)

.

• مسألة مهمة: هل يعفى عن المكلف بالجهل مع إمكان العلم أم يؤاخذ؟

الجواب: أنه يأثم بالتفريط في طلب العلم مع القدرة عليه، وذلك من حيث الجملة لا بخصوص جهله بحكمٍ معينٍ، قال الله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43].

ومن الأصوليين من فرق بين الجهل بالأحكام لمن يعيش في بلادٍ

(1)

مفردات الراغب (209).

(2)

كشف الأسرار (4/ 530).

ص: 395

إسلاميةٍ، ومن يعيش في بلادٍ غير إسلامية، وليس التفريق بظاهرٍ في الأدلة، فإن الجهل واردٌ على أي حالٍ، لكن الذي يقع في دار الإسلام، فالمعلوم من الدين بالضرورة لا يخفى، والحجة به قائمةٌ، فلو زنى رجلٌ من المسلمين وقد تربى في الإسلام وبين أهله وادعى أنه لا يعلم حرمة الزنا لما كان عذرًا يحول بينه وبين العقوبة، لأن الحجة ظاهرةٌ في مثل ذلك، وقوله محمولٌ على الكذب، إلا أن يكون في بيئةٍ ذهبت عنها معالم الدين، والأقرب في هذا أن يعود الأمر إلى أن يقدر كل ظرفٍ بما يناسبه، والعمدة فيه على بلوغ الحجة، أما الجهل ذاته فهو مانعٌ من التكليف

(1)

.

قال القرافي: وضابط ما يعفى عنه من الجهالات الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادةً، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه

(2)

.

ملحوظة: إعذار الجاهل من باب التخفيف لا من حيث جهله.

ولهذا قال الشافعي: لو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ

(1)

تيسير علم أصول الفقه للجديع (75).

(2)

الفروق للقرافي (2/ 150).

ص: 396

والتمكين

(1)

.

فالجاهل ثابتةٌ له الأهليتان: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، والجهل عارضٌ مطلوبٌ منه إزالته.

لكنه لو كان جاهلًا لم يكن مكلفًا، فلو جهل إنسانٌ كون الوضوء شرطًا لصحة الصلاة وكان يصلي زمانًا بغير وضوءٍ، ثم علم هذا الحكم، فإنه لا يطالب بقضاء ما صلاه بغير وضوءٍ إلا صلاةً لم يزل في وقتها.

ومن الدليل عليه الحديث المشهور عن الرجل الذي أساء في صلاته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال:«ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر

»

(2)

.

وموضع الشاهد منه: أن هذا الرجل كان يصلي صلاةً غير صحيحةٍ، وهو لا يعلم حتى علمه النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد شيئًا من الصلوات التي صلاها على تلك الصفة إلا الصلاة الباقي

(1)

المنثور للزركشي (2/ 15 - 17).

(2)

أخرجه البخاري (757)، ومسلم (397) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 397

وقتها.

• أقسام الجهل:

- قسم بعض العلماء الجهل إلى أنواعٍ هي:

الأول: الجهل الذي يكون من مكابرة العقل وترك البرهان القاطع وهو جهل الكافر، لا يكون عذرًا بحالٍ، بل يؤاخذ به في الدنيا والآخرة.

الثاني: الجهل الذي يكون عن مكابرة العقل وترك الحجة الجلية أيضًا، لكن المكابرة فيه أقل منها في الأول؛ لكون هذا الجهل ناشئًا عن شبهةٍ منسوبةٍ إلى الكتاب أو السنة. وهذا الجهل للفرق الضالة من أهل الأهواء، وهذا الجهل لا يكون عذرًا، ولا نتركهم على جهلهم، فإن لنا أن نأخذهم بالحجة لقبولهم التدين بالإسلام.

الثالث: جهلٌ نشأ عن اجتهادٍ ودليلٍ شرعيٍّ لكن فيما لا يجوز فيه الاجتهاد بأن يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع.

وحكمه: أنه وإن كان عذرًا في حق الإثم، لكن لا يكون عذرًا في الحكم حتى لا ينفذ القضاء به.

الرابع: جهلٌ نشأ عن اجتهادٍ فيه مساغٌ كالمجتهدات، وهو عذرٌ وينفذ القضاء على حسبه.

الخامس: جهلٌ نشأ عن شبهةٍ وخطأٍ كمن وطئ أجنبيةً يظن أنها

ص: 398

زوجته، وهذا عذرٌ يسقط الحد.

السادس: جهلٌ لزمه ضرورةً بعذرٍ، وهو أيضًا عذرٌ يسقط به الحد، كجهل المسلم في دار الحرب أحكام الإسلام، فلا يحد بالشرب

(1)

.

ملحوظة: المقصود هنا الجهل بالحكم لا بما يترتب عليه.

مثال: إنسان سرق ولم يعلم بحرمة السرقة لا تقطع يده، وليس عليه إثم، وآخر سرق ويعلم أن السرقة حرام، ولا يعلم أن السارق تقطع يده فهذا تقطع يده؛ لأنه علم الحكم أي التحريم، ولا يلزم أن يعلم المترتب.

ففي الحديث: جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: احكم بيننا بكتاب الله، قال: إن ابني كان عسيفًا عند هذا وزنا بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة، فسألت أهل العلم، فقالوا: إن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم. فهم لم يعلموا الحد بدليل فدية الرجل لابنه وسؤالهم أهل العلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذى نفسى بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، على ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى

(1)

فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (1/ 160 - 161)، وينظر الفروق للقرافي (2/ 148) الفرق الرابع والتسعون.

ص: 399

امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»

(1)

.

• مسألة: الجهل عذرٌ في المنهيات في حقوق الله تعالي:

- الجهل عذرٌ في حق الله تعالى في المنهيات دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنهي

(2)

. وحديث يعلى بن أمية: حيث أمر صلى الله عليه وسلم أعرابيًّا بنزع الجبة التي عليها أثر الخلوق وهو محرمٌ، ولم يأمره بالفدية لجهله

(3)

.

واحتج به الشافعي على أن من وطئ في الإحرام جاهلًا فلا فدية عليه. والفرق بينهما من جهة المعنى أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها. وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجورٌ عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع الجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه.

أما في حقوق الآدميين فقد لا يعذر، كما لو ضرب مريضًا جهل مرضه ضربًا يقتل المريض يجب القصاص في الأصح. بخلاف ما لو

(1)

أخرجه البخاري (2695)، ومسلم (1697) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (537) من حديث معاوية بن الحكم.

(3)

أخرجه البخاري (1789).

ص: 400

حبس من به جوعٌ وعطشٌ، ولم يعلم بحاله مدةً لا يموت فيها الشبعان عند الحبس فلا قصاص.

وكأن الفرق أن أمارات المرض لا تخفى بخلاف الجوع

(1)

.

‌2 - الخطأ:

وهو ما قابل التعمد، وهو عارضٌ لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، لكنه عذرٌ في إسقاط الإثم واللوم.

قال الله عز وجل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)} [الأحزاب: 5].

فما يقع من الخطأ في حق الله تعالى فهو معفوٌّ عنه مغفورٌ لصاحبه، ومن ذلك خطأ المفتي في فتواه باجتهاده، وخطأ المجتهد في القبلة.

أما في حقوق العباد فإن وقع التعدي خطأً، كما في القتل الخطأ مثلًا فإنه مع سقوط الإثم عنه، لكنه لا تسقط المطالبة جملةً، كما قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92].

أما إن أجرى شيئًا من العقود كالبيع والنكاح والطلاق، فالجمهور

(1)

المنثور للزركشي (2/ 19 - 21).

ص: 401

على إبطال تلك التصرفات لانتفاء القصد، وخالفهم الحنفية فصححوها، والأصل مع مذهب الجمهور.

‌3 - الهزل:

وهو أن لا يراد باللفظ معناه، وهو ضد الجد.

والهازل من يتكلم بالشيء، وهو يدرك معناه، لكنه لا يريد ذلك المعنى، ولا يختاره، ولا يرضاه.

إذن فالهزل لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، لكن هل يترتب عليه أثرٌ؟

• التصرفات القولية التي تقترن بالهزل ثلاثة أنواعٍ:

[1]

الإخبارات:

وهي الإقرارات كأن يقول: لفلانٍ علي كذا، أو هذا المال لي، أو أنا قتلت فلانًا، فهذه إقراراتٌ فاسدةٌ لا يترتب عليها شيءٌ؛ لأنها كذبٌ.

[2]

الاعتقادات:

وتقع على ما يتكلم به الهازل، ولا يقال لم يرد حقيقتها، مثالها: لو تكلم إنسانٌ بكلمة الكفر هازلًا، وقال: ما قصدت ولا أردت أخذ بها، وعدت ردةً عن الإسلام، لما في هزله من الاستخفاف بدين الإسلام.

قال الله عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ

ص: 402

قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66].

[3]

الإنشاءات:

وهي العقود، وهي نوعان:

النوع الأول: تنفذ مع الهزل، وتقع صحيحةً، وهي التي وردت في قوله صلى الله عليه وسلم:«ثلاثٌ جدهن جدٌّ، وهزلهن جدٌّ: الطلاق، والنكاح، والرجعة»

(1)

، ولعل المعنى في إمضاء هذه العقود حتى مع الهزل أنها لا تخلو من حق الله تعالى فيها، فيكون الهزل بها من اتخاذ آيات الله هزوًا، وقد قال تعالى في صدد بيان أحكام الطلاق:{وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231].

النوع الثاني: لا تنفذ مع الهزل ولا تقع، وهي سائر أنواع العقود كالبيع والإجارة، وغير ذلك، فلو قال إنسانٌ لآخر: بعتك كذا. هازلًا فلا يصح البيع لانتفاء التراضي بانتفاء قصد الهازل، وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ

(1)

ضعيف: أخرجه أبو داود (2194)، والترمذي (1184) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ومداره على عبد الرحمن بن حبيب وهو ضعيف، وضعفه ابن الملقن كما في البدر المنير (8/ 82)، وغيره.

ص: 403

تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29].

‌4 - السكر:

وهو زوال العقل بسبب تعاطي الخمرة ونحوها، بحيث لا يدري السكران ماذا يصدر منه من تصرفاتٍ حال سكره.

فالأصل أنه بزوال العقل يصبح غير مطالبٍ بالأداء في حال السكر، أي: تنعدم في حقه أهلية الأداء.

لكن الفقهاء اختلفوا في نتائج تصرفاته إذا سكر بطريقٍ محرمٍ لا خطأ، فشدَّد الجمهور عليه نظرًا لارتكابه الحرام بشربه الخمر، وذهب طائفةٌ من الفقهاء وهو قولٌ للحنابلة إلى عدم الاعتداد بأي تصرفٍ قوليٍّ له، فلا يصح منه بيعٌ ولا نكاحٌ ولا طلاقٌ ولا إقرارٌ، ولا شيءٌ؛ نظرًا لفقده شرط التكليف الذي هو العقل وانتفاء الاختيار.

وأما الحقوق المتعلقة بالبشر، فإنه لو أتلف شيئًا للغير ضمن.

ولكن لو قتل فهل يقتل؟ الجمهور قالوا: نعم، وذهبت طائفةٌ إلى عدم قتله منهم الظاهرية؛ لانتفاء وصف العمد، وإنما يجب القصاص في العمد.

وقول من قال: لا يعتد بتصرفاته هو المتوافق مع الأدلة والأصول الشرعية، ولا يصح أن يعاقب بغير حد الخمرة، فإذا تعدى على غيره

ص: 404

بغير القتل فإنه يحتمل حق الغير كما يحتمله المجنون في ماله، أما القصاص فقد تخلف ركنٌ فيه وهو العمد؛ فلا يصح.

وعليه: فلا ينبغي التفريق بين الآثار المترتبة على تصرف السكران بطريقٍ مباحٍ كمن شرب الخمر وهو لا يعلم، أو بطريقٍ محرمٍ، ولا يحل أن نزيد في عقوبته على ما جاءت به الشريعة. والله أعلم.

‌5 - الإكراه:

الإكراه لغة: مصدره أكره يكره، والكريهة: الشدة في الحرب، والكُره: خلاف المحبة والرضا، وأكرهته على كذا: حملته عليه كرهًا

(1)

.

وفي الاصطلاح: عرفه البزدوي بأنه: حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويفٍ يقدر الحامل على إيقاعه، ويصير الغير خائفًا به

(2)

.

وهو معدِمٌ للرضى لا للاختيار؛ لأن الفعل يصدر عن المكره باختياره، لكنه قد يفسد الاختيار بأن يجعله مستندًا إلى اختيارٍ آخر، وقد لا يفسده بأن يبقى الفاعل مستقلًّا في قصده.

(1)

انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (5/ 172)، والصحاح للجوهري (6/ 2247)(كره).

(2)

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام لعبد العزيز بن أحمد البخاري (4/ 538).

ص: 405

هذا، والإكراه سواءٌ أكان ملجئًا أم غير ملجئٍ كما قال الحنفية - أو إكراهًا بحقٍّ أو بغير حقٍّ - كما قال الشافعية - لا يؤثر في أهلية الوجوب لبقاء الذمة، ولا يؤثر في أهلية الأداء لبقاء العقل والبلوغ، إلا أنهم عدوه من العوارض؛ لأنه يفسد الاختيار، ويجعل المكرَه - بفتح الراء - في بعض صوره آلةً للمكرِه - بكسر الراء -.

‌شرائط الإكراه:

الشريطة الأولى:

-قدرة المكرِه «بالكسر» على إيقاع ما هدد به، لكونه متغلبًا ذا سطوةٍ وبطشٍ - وإن لم يكن سلطانًا ولا أميرًا - ذلك أن تهديد غير القادر لا اعتبار له

(1)

.

الشريطة الثانية:

- خوف المكرَه «بفتح الراء» من إيقاع ما هدد به، ولا خلاف بين الفقهاء في تحقق الإكراه إذا كان المخوف عاجلًا، فإن كان آجلًا، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والأذرعي من الشافعية إلى تحقق الإكراه مع التأجيل، وذهب جماهير الشافعية إلى أن الإكراه لا يتحقق

(1)

المبسوط للسرخسي (24/ 39)، ورد المحتار لابن عابدين (5/ 80)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (3/ 290)، والمغني لابن قدامة (8/ 261).

ص: 406

مع التأجيل، ولو إلى الغد.

والمقصود بخوف الإيقاع غلبة الظن، ذلك أن غلبة الظن معتبرةٌ عند عدم الأدلة، وتعذر التوصل إلى الحقيقة

(1)

.

الشريطة الثالثة:

- أن يكون ما هدد به قتلًا أو إتلاف عضوٍ، ولو بإذهاب قوته مع بقائه كإذهاب البصر، أو القدرة على البطش، أو المشي مع بقاء أعضائها، أو غيرهما مما يوجب غمًّا يعدم الرضا، ومنه تهديد المرأة بالزنا، والرجل باللواط.

أما التهديد بالإجاعة، فيتراوح بين هذا وذاك، فلا يصير ملجئًا إلا إذا بلغ الجوع بالمكرَه «بالفتح» حد خوف الهلاك

(2)

.

ثم الذي يوجب غمًّا يعدم الرضا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال: فليس الأشراف كالأراذل، ولا الضعاف كالأقوياء، ولا تفويت المال اليسير كتفويت المال الكثير، والنظر في ذلك مفوضٌ إلى

(1)

رد المحتار لابن عابدين (5/ 80، 88)، والمبسوط للسرخسي (24/ 49، 71، 78)، ومغني المحتاج (3/ 289، 290)، والمغني (8/ 261).

(2)

أشباه السيوطي ص (209).

ص: 407

الحاكم، يقدر لكل واقعةٍ قدرها

(1)

.

الشريطة الرابعة:

- أن يكون المكرَه ممتنعًا عن الفعل المكرَه عليه لولا الإكراه، إما لحق نفسه - كما في إكراهه على بيع ماله -، وإما لحق شخصٍ آخر، وإما لحق الشرع - كما في إكراهه ظلمًا على إتلاف مال شخصٍ آخر، أو نفس هذا الشخص، أو الدلالة عليه لذلك

(2)

.

أو على ارتكاب موجب حدٍّ في خالص حق الله، كالزنا وشرب الخمر

(3)

.

الشريطة الخامسة:

- أن يكون محل الفعل المكره عليه متعينًا. وهذا عند الشافعية

(1)

المبسوط (24/ 52)، والتلويح (2/ 198)، ورد المحتار (5/ 81)، والفروع (3/ 176).

(2)

وله - أو عليه - إذا حلفه الحامل، أن يحلف كاذبا، ويحنث، لأنه مخير بين اليمين والدلالة، كما هي القاعدة عند غير الحنفية والمالكية، فيما اعتمدوه. وقيل: لا تنعقد يمينه أصلًا، واختاره ابن رجب من الحنابلة (قواعده (37) ومقتضى قواعد الحنفية والمالكية أن هذا التخيير لا ينافي الإكراه، ولكن يمين المكرَه منعقدة وصحيحة في رأي الحنفية، وباطلة أو قابلة للإجازة عند المالكية.

(3)

رد المحتار (5/ 80)، ومغني المحتاج (3/ 239، 290).

ص: 408

وبعض الحنابلة على إطلاقه. وفي حكم المتعين عند الحنفية ومن وافقهم من الحنابلة - ما لو خير بين أمورٍ معينةٍ

(1)

.

فالإكراه على طلاق إحدى هاتين المرأتين، أو قتل أحد هذين الرجلين، فعند الحنفية والمالكية، ومعهم موافقون من الشافعية والحنابلة، يتحقق الإكراه برغم هذا التخيير.

وعند جماهير الشافعية، وقلةٍ من الحنابلة لا يتحقق؛ لأن له مندوحةً عن طلاق كلٍّ بطلاق الأخرى، وكذا في القتل، نتيجة عدم تعيين المحل

(2)

.

الشريطة السادسة:

ألا يكون للمكرَه مندوحةٌ عن الفعل المكرَه عليه، فإن كانت له مندوحةٌ عنه، ثم فعله لا يكون مكرَهًا عليه، وعلى هذا لو خير المكرَه بين أمرين فإن الحكم يختلف تبعًا لتساوي هذين الأمرين أو تفاوتهما من حيث الحرمة والحل، وتفصيل الكلام في ذلك كما يلي:

إن الأمرين المخير بينهما إما أن يكون كل واحدٍ منهما محرمًا لا يرخص فيه، ولا يباح أصلًا، كما لو وقع التخيير بين الزنا والقتل.

(1)

رد المحتار (5/ 88)، والمبسوط (24/ 61).

(2)

فتاوى ابن حجر (4/ 176)، وأشباه السيوطي ص (210).

ص: 409

أو يكون كل واحدٍ منهما محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين الكفر وإتلاف مال الغير.

أو يكون كل واحدٍ منهما محرمًا يباح عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين أكل الميتة وشرب الخمر.

أو يكون كل واحدٍ منهما مباحًا أصالةً أو للحاجة، كما لو وقع التخيير بين طلاق امرأته وبيع شيءٍ من ماله، أو بين جمع المسافر الصلاة في الحج وفطره في نهار رمضان.

ففي هذه الصور الأربع التي يكون الأمران المخير بينهما متساويين في الحرمة أو الحل، يترتب حكم الإكراه على فعل أي واحدٍ من الأمرين المخير بينهما، وقد خالف في هذا أكثر الشافعية وبعض الحنابلة، فنفوا حصول الإكراه في هذه الصور.

- وإن تفاوت الأمران المخير بينهما، فإن كان أحدهما محرمًا لا يرخص فيه ولا يباح بحالٍ كالزنا والقتل، فإنه لا يكون مندوحةً، ويكون الإكراه واقعًا على المقابل له، سواءٌ أكان هذا المقابل محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، كالكفر وإتلاف مال الغير، أم محرمًا يباح عند الضرورة، كأكل الميتة وشرب الخمر، أم مباحًا أصالةً أو للحاجة، كبيع شيءٍ معينٍ من مال المكره، والإفطار في نهار رمضان.

ص: 410

وتكون هذه الأفعال مندوحةً مع المحرم الذي لا يرخص فيه ولا يباح بحالٍ، أما هو فإنه لا تكون مندوحةً لواحدٍ منها، ففي الصور الثلاثة المذكورة آنفًا، وهي ما لو وقع التخيير بين الزنا أو القتل وبين الكفر أو إتلاف مال الغير، أو وقع التخيير بين الزنا أو القتل، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، أو وقع التخيير بين الزنا أو القتل وبين بيع شيءٍ معينٍ من المال، فإن الزنى أو القتل لا يكون مكرهًا عليه، فمن فعل واحدًا منهما كان فعله صادرًا عن طواعيةٍ لا إكراهٍ، فيترتب عليه أثره إذا كان الإكراه ملجئًا حتى يتحقق الإذن في فعل المندوحة، وكان الفاعل عالمًا بالإذن له في فعل المندوحة عند الإكراه.

- وإن كان أحد الأمرين المخير بينهما محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، والمقابل له محرمًا يباح عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو إتلاف مال الغير، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، فإنهما يكونان في حكم الأمرين المتساويين في الإباحة، فلا يكون أحدهما مندوحةً عن فعل الآخر، ويكون الإكراه واقعًا على فعل كل واحدٍ من الأمرين المخير بينهما، متى كان بأمرٍ متلفٍ للنفس أو لأحد الأعضاء.

- وإن كان أحد الأمرين محرمًا يرخص فيه أو يباح عند الضرورة، والمقابل له مباحًا أصالةً أو للحاجة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو شرب الخمر، وبين بيع شيءٍ من مال المكره أو الفطر في نهار رمضان،

ص: 411

فإن المباح في هذه الحالة يكون مندوحةً عن الفعل المحرم الذي يرخص فيه أو يباح عند الضرورة، وعلى هذا يظل على تحريمه، سواءٌ كان الإكراه بمتلفٍ للنفس أو العضو أو بغير متلفٍ لأحدهما، لأن الإكراه بغير المتلف لا يزيل الحظر عند الحنفية مطلقًا. والإكراه بمتلفٍ - وإن كان يزيل الحظر - إلا أن إزالته له بطريق الاضطرار، ولا اضطرار مع وجود المقابل المباح

(1)

.

*‌

‌ تقسيم الإكراه:

ينقسم الإكراه إلى: إكراهٍ بحقٍّ، وإكراهٍ بغير حقٍّ. والإكراه بغير حقٍّ ينقسم إلى إكراهٍ ملجئٍ، وإكراهٍ غير ملجئٍ.

•‌

‌ أولًا: الإكراه بحقٍّ:

تعريفه: هو الإكراه المشروع، أي الذي لا ظلم فيه ولا إثم

(2)

.

وهو ما توافر فيه أمران:

الأول: أن يحق للمكرِه التهديد بما هدد به.

الثاني: أن يكون المكرَه عليه مما يحق للمكرِه الإلزام به. وعلى هذا

(1)

المبسوط (24/ 135)، وما بعدها، وبدائع الصنائع للكاساني (9/ 4492، 4493، 4498).

(2)

جواهر الإكليل (2/ 3).

ص: 412

فإكراه المرتد على الإسلام إكراهٌ بحقٍّ، حيث توافر فيه الأمران، وكذلك إكراه المدين القادر على وفاء الدين، وإكراه المولي على الرجوع إلى زوجته أو طلاقها إذا مضت مدة الإيلاء

(1)

.

• أثر هذا الإكراه:

والعلماء عادةً يقولون: إن الإكراه بحقٍّ، لا ينافي الطوع الشرعي، وإلا لم تكن له فائدةٌ، ويجعلون من أمثلته إكراه العنين على الفرقة، ومن عليه النفقة على الإنفاق، والمدين والمحتكر على البيع، وكذلك من له أرضٌ بجوار المسجد أو المقبرة أو الطريق يحتاج إليها من أجل التوسيع، ومن معه طعامٌ يحتاجه مضطرٌ

(2)

.

•‌

‌ ثانيًا: الإكراه بغير حقٍ:

تعريفه: هو الإكراه ظلمًا، أو الإكراه المحرم، لتحريم وسيلته، أو لتحريم المطلوب به. ومنه إكراه المفلس على بيع ما يترك له

(3)

.

•‌

‌ الإكراه الملجئ، والإكراه غير الملجئ:

- تقسيم الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ يتفرد به الحنفية.

(1)

فتاوى ابن حجر (4/ 173).

(2)

رد المحتار (5/ 80)، والخرشي (3/ 174، 365)، وجواهر الإكليل (2/ 3)، والمهذب (2/ 79).

(3)

الخرشي على مختصر خليل (3/ 365).

ص: 413

فالإكراه الملجئ عندهم هو الذي يكون بالتهديد بإتلاف النفس أو عضوٍ منها، أو بإتلاف جميع المال، أو بقتل من يهم الإنسان أمره.

وحكم هذا النوع أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار ولا يعدمه. أما إعدامه للرضا، فلأن الرضا هو الرغبة في الشيء والارتياح إليه، وهذا لا يكون مع أي إكراهٍ.

وأما إفساده للاختيار دون إعدامه، فلأن الاختيار هو: القصد إلى فعل الشيء أو تركه بترجيحٍ من الفاعل، وهذا المعنى لا يزول بالإكراه، فالمكرَه يوقع الفعل بقصده إليه، إلا أن هذا القصد تارةً يكون صحيحًا سليمًا، إذا كان منبعثًا عن رغبةٍ في العمل، وتارةً يكون فاسدًا، إذا كان ارتكابًا لأخف الضررين، وذلك كمن أُكرِه على أحد أمرين كلاهما شرٌّ، ففعل أقلهما ضررًا به، فإن اختياره لما فعله لا يكون اختيارًا صحيحًا، بل اختيارًا فاسدًا.

والإكراه غير الملجئ: هو الذي يكون بما لا يفوت النفس أو بعض الأعضاء، كالحبس لمدةٍ قصيرةٍ، والضرب الذي لا يخشى منه القتل أو تلف بعض الأعضاء.

وحكم هذا النوع أنه يعدم الرضا، ولكن لا يفسد الاختيار، وذلك لعدم اضطرار المكرَه إلى الإتيان بما أُكرِه عليه، لتمكنه من الصبر على

ص: 414

تحمل ما هدد به بخلاف النوع الأول

(1)

.

- أما غير الحنفية فلم يقسموا الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ كما فعل الحنفية، ولكنهم تكلموا عما يتحقق به الإكراه وما لا يتحقق، ومما قرروه في هذا الموضوع يؤخذ أنهم جميعًا يقولون بما سماه الحنفية إكراهًا ملجئًا، أما ما يسمى بالإكراه غير الملجئ فإنهم يختلفون فيه، فعلى إحدى الروايتين عن الشافعي وأحمد يعتبر إكراهًا، وعلى الرواية الأخرى لا يعتبر إكراهًا.

أما عند المالكية فإنه لا يعتبر إكراهًا بالنسبة لبعض المكرَه عليه، ويعتبر إكراهًا بالنسبة للبعض الآخر، فمن المكرَه عليه الذي لا يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهًا فيه: الكفر بالقول أو الفعل، والمعصية التي تعلق بها حقٌّ لمخلوقٍ، كالقتل أو القطع، والزنا بامرأةٍ مكرَهةٍ أو لها زوجٌ، وسب نبيٍّ أو ملكٍ أو صحابيٍّ، أو قذفٍ لمسلمٍ.

ومن المكرَه عليه الذي يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهًا فيه: شرب الخمر، وأكل الميتة، والطلاق والأيمان والبيع وسائر العقود والحلول

(1)

المبسوط (24/ 48)، وفتح القدير لابن الهمام (7/ 298)، والبدائع للكاساني (9/ 4479).

ص: 415

والآثار

(1)

.

• أثر الإكراه:

- هذا الأثر موضع خلافٍ بين الحنفية وغير الحنفية، على النحو الآتي:

‌أثر الإكراه

عند الحنفية:

- يختلف‌

‌ أثر الإكراه عند الحنفية

باختلاف القول أو الفعل الذي يقع الإكراه عليه، فإن كان المكرَه عليه من الإقرارات، كان أثر الإكراه إبطال الإقرار وإلغاءه، سواءٌ كان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئٍ. فمن أكره على الاعتراف بمالٍ أو زواجٍ أو طلاقٍ كان اعترافه باطلًا، ولا يعتد به شرعًا، لأن الإقرار إنما جعل حجةً في حق المقر باعتبار ترجح جانب الصدق فيه على جانب الكذب، ولا يتحقق هذا الترجيح مع الإكراه، إذ هو قرينةٌ قويةٌ على أن المقر لا يقصد بإقراره الصدق فيما أقر به، وإنما يقصد دفع الضرر الذي هدد به عن نفسه.

وإن كان المكرَه عليه من العقود والتصرفات الشرعية كالبيع والإجارة والرهن ونحوها كان أثر الإكراه فيها إفسادها لا إبطالها،

(1)

جواهر الإكليل (2/ 281)، والخرشي (3/ 175، 176)، وتحفة المحتاج (7/ 369)، الأشباه للسيوطي ص (209).

ص: 416

فيترتب عليها ما يترتب على العقد الفاسد، حسب ما هو مقررٌ في المذهب أنه ينقلب صحيحًا لازمًا بإجازة المكرَه، وكذلك لو قبض المكرَه الثمن، أو سلم المبيع طوعًا، يترتب عليه صحة البيع ولزومه

(1)

.

وحجتهم في ذلك أن الإكراه عندهم لا يعدم الاختيار الذي هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس، وإنما يعدم الرضا الذي هو الارتياح إلى الشيء والرغبة فيه، والرضا ليس ركنًا من أركان هذه التصرفات، ولا شرطًا من شروط انعقادها، وإنما هو شرطٌ من شروط صحتها، إذن فقد ترتب على فقدانه فساد العقد لا بطلانه. ولكنهم استثنوا من ذلك بعض التصرفات، فقالوا بصحتهما مع الإكراه، ولو كان ملجئًا، ومن هذه التصرفات: الزواج والطلاق ومراجعة الزوجة والنذر واليمين.

وعللوا هذا بأن الشارع اعتبر اللفظ في هذه التصرفات - عند القصد إليه - قائمًا مقام إرادة معناه، فإذا وجد اللفظ ترتب عليه أثره الشرعي، وإن لم يكن لقائله قصدٌ إلى معناه، كما في الهازل، فإن الشارع اعتبر هذه التصرفات صحيحةً إذا صدرت منه، مع انعدام قصده إليها، وعدم

(1)

ابن عابدين (4/ 4، 5/ 83)، وما بعدها.

ص: 417

رضاه بما يترتب عليها من الآثار.

وإن كان المكرَه عليه من الأفعال، كالإكراه على قتل من لا يحل قتله، أو إتلاف مالٍ لغيره أو شرب الخمر وما أشبه ذلك، فالحكم فيها يختلف باختلاف نوع الإكراه والفعل المكرَه عليه.

- فإن كان الإكراه غير ملجئٍ - وهو الذي يكون بما لا يفوت النفس، أو بعض الأعضاء كالحبس لمدةٍ قصيرةٍ، أو أخذ المال اليسير، ونحو ذلك - فلا يحل الإقدام على الفعل. وإذا أقدم المكرَه «بالفتح» على الفعل بناءًا على هذا الإكراه كانت المسئولية عليه وحده، لا على من أكرهه.

- وإن كان الإكراه ملجئًا - وهو الذي يكون بالقتل أو تفويت بعض الأعضاء أو العمل المهين لذي الجاه - فالأفعال بالنسبة إليه أربعة أنواعٍ:

أ - أفعالٌ أباحها الشارع أصالةً دون إكراهٍ كالأكل والشرب، فإنه إذا أكره على ارتكابها وجب على المكرَه «بالفتح» أن يرتكب أخف الضررين

(1)

.

ب - أفعالٌ أباح الشارع إتيانها عند الضرورة، كشرب الخمر وأكل

(1)

الحموي على الأشباه (1/ 123).

ص: 418

لحم الميتة أو الخنزير، وغير ذلك من كل ما حرم لحق الله لا لحق الآدمي،

(1)

فالعقل مع الشرع يوجبان ارتكاب أخف الضررين.

فهذه يباح للمكرَه فعلها، بل يجب عليه الإتيان بها، إذا ترتب على امتناعه قتل نفسه أو تلف عضوٍ من أعضائه، لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة بقوله عز من قائلٍ:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)} [البقرة].

ولا شك أن الإكراه الملجئ من الضرورة التي رفع الله الإثم فيها. فيباح الفعل عند تحققها، وتناول المباح دفعًا للهلاك عن النفس أو بعض أجزائها - واجبٌ، فلا يجوز تركه، ولو شرب الخمر مكرَهًا لم يحد، لأنه لا جناية حينئذٍ، والحد إنما شرع زجرًا عن الجنايات.

ج - أفعالٌ رخص الشارع في فعلها عند الضرورة، إلا أنه لو صبر المكرَه على تحمل الأذى، ولم يفعلها حتى مات، كان مثابًا من الله تعالى، وذلك كالكفر بالله تعالى أو الاستخفاف بالدين، فإذا أكره الإنسان على الإتيان بشيءٍ من ذلك جاز له الفعل متى كان قلبه مطمئنًا

(1)

التقرير والتحبير (2/ 147)، وفتح القدير (7/ 297)، والمبسوط (24/ 139).

ص: 419

بالإيمان، لقول الله عز وجل {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل].

ومن السنة: ما ورد أن عمار بن ياسرٍ أخذه المشركون، فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخيرٍ، فلما أتى النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخيرٍ، قال صلى الله عليه وسلم: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعد

(1)

. وقد ألحق علماء المذهب بهذا النوع الإكراه على إفساد صوم رمضان، أو ترك الصلاة المفروضة، أو إتلاف مال الغير، فإن المكرَه لو صبر وتحمل الأذى، ولم يفعل ما أُكرِه عليه كان مثابًا، وإن فعل شيئًا منها فلا إثم عليه، وكان الضمان في صورة الإتلاف على الحامل عليه لا على الفاعل، لأن فعل الإتلاف يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له، فيثبت الضمان عليه.

د - أفعالٌ لا يحل للمكرَه الإقدام عليها بحالٍ من الأحوال، كقتل نفس بغير حقٍّ، أو قطع عضوٍ من أعضائها، أو الضرب الذي يؤدي إلى الهلاك، فهذه الأفعال لا يجوز للمكرَه الإقدام عليها، ولو كان في امتناعه عنها ضياع نفسه، لأن نفس الغير معصومةٌ كنفس المكرَه، ولا

(1)

منقطع: أخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 233) عن أبي عبيدة بن محمد بن

عمار عن عمار بن ياسر وهو لم يدرك جده عمارًا.

ص: 420

يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بإيقاعه على غيره، فإن فعل كان آثمًا، ووجب عقاب الحامل له على هذا الفعل باتفاق علماء المذهب، والخلاف بينهم إنما هو في نوع هذا العقاب.

فأبو حنيفة ومحمدٌ يقولان: إنه القصاص، لأن القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له، والقصاص إنما يكون على القاتل لا على آلة القتل.

وأبو يوسف يقول: إنه الدية، لأن القصاص لا يثبت إلا بالجناية الكاملة، ولم توجد الجناية الكاملة بالنسبة لكلٍّ من الحامل والمكرَه.

وهذا القتل يقوم مانعًا من الإرث بالنسبة للمكرِه «بالكسر» إذا كان المكرَه «بالفتح» مكلفًا. أما إذا كان غير مكلفٍ كالصبي أو المجنون فلا يكون مانعًا. وهذا عند أبي حنيفة ومحمدٍ، أما أبو يوسف فلا يحرم ولو كان المكرَه مكلفًا.

أما بالنسبة للمكرَه «بالفتح» فلا يحرم باتفاق الحنفية

(1)

.

ومن هذا النوع أيضًا: الزنا، فإنه لا يرخص فيه مع الإكراه، كما لا يرخص فيه حالة الاختيار، لأن حرمة الزنا لا ترتفع بحالٍ من الأحوال، فإذا فعله إنسانٌ تحت تأثير الإكراه كان آثمًا، ولكن لا يجب عليه الحد،

(1)

البدائع للكاساني (9/ 4490)، ورد المحتار (5/ 85).

ص: 421

لأن الإكراه يعتبر شبهةً، والحدود تدرأ بالشبهات.

وقد أورد البابرتي من الحنفية ضابطًا لأثر الإكراه، نصه:

الإكراه الملجئ معتبرٌ شرعًا، سواءٌ أكان على القول أم الفعل. والإكراه غير الملجئ إن كان على فعلٍ فليس بمعتبرٍ، ويجعل كأن المكره فعل ذلك الفعل بغير إكراهٍ. وإن كان على قولٍ، فإن كان قولًا يستوي فيه الجد والهزل فكذلك، وإلا فهو معتبرٌ

(1)

.

‌أثر الإكراه عند المالكية:

- يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكرَه عليه:

أ - فإن كان المكرَه عليه عقدًا أو حلًّا أو إقرارًا أو يمينًا لم يلزم المكرَه شيءٌ، ويكون الإكراه في ذلك بالتخويف بقتلٍ أو ضربٍ مؤلمٍ أو سجنٍ أو قيدٍ أو صفعٍ لذي مروءةٍ على ملإٍ من الناس. وإن أجاز المكرَه «بالفتح» شيئًا مما أكره عليه - غير النكاح - طائعًا بعد زوال الإكراه لزم على الأحسن، وأما النكاح فلا تصح إجازته.

ب - وإن كان الإكراه على الكفر بأي صورةٍ من صوره، أو قذف المسلم بالزنا، أو الزنا بامرأةٍ طائعةٍ خليةٍ «غير متزوجةٍ» ، فلا يحل له الإقدام على شيءٍ من هذه الأشياء إلا في حالة التهديد بالقتل، لا فيما

(1)

العناية شرح الهداية (7/ 297)، وابن عابدين (5/ 85).

ص: 422

دونه من قطعٍ أو سجنٍ ونحوه، فإن فعل ذلك اعتبر مرتدًا، ويحد في قذف المسلم، وفي الزنا.

ج - وإن كان الإكراه على قتل مسلمٍ، أو قطع عضوٍ منه، أو على زنًا بمكرهةٍ، أو بامرأةٍ لها زوجٌ، فلا يجوز الإقدام على شيءٍ من ذلك ولو أُكرِه بالقتل. فإن قتل يقتص منه، ويعتبر القتل هنا مانعًا للقاتل من ميراث المقتول، لأنه شريكٌ في الفعل، وكذلك المكرِه «بالكسر» يقتص منه أيضًا ويمنع من الميراث. وإنما يجب القصاص عندهم على المكرِه والمكرَه، إذا كان المطلوب قتله شخصًا ثالثًا غيرهما.

فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه «بالكسر» كما لو قال للذي قتله: اقتلني وإلا قتلتك فقتله، فلا قصاص عندهم وتجب الدية، لمكان الشبهة من ناحيةٍ، وبناءً على أن الدية تثبت للوارث ابتداءً لا ميراثًا.

وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه «بالفتح» ، فالأصل أنه لا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا قصاص فيه ولا دية، إلا إذا كان التهديد بقتلٍ أشنع، كالإحراق بالنار، وبتر الأعضاء حتى الموت، فإن المكرَه «بالفتح» يختار أهون الميتتين، جزم به اللقاني

(1)

، وإن زنى

(1)

الشرح الصغير، وحاشية الصاوي (2/ 548 - 550)، والدسوقي على الشرح الكبير (2/ 239)، الخرشي (3/ 175، 176).

ص: 423

يحد

(1)

.

د - وأما لو أكره على فعل معصيةٍ - غير الكفر - لا حقَّ فيها لمخلوقٍ كشرب خمرٍ وأكله ميتةً، أو إبطال عبادةٍ كصلاةٍ وصومٍ، أو على تركها فيتحقق الإكراه بأية وسيلةٍ من قتلٍ أو غيره. ويترتب عليه في الصوم القضاء دون الكفارة. وفي الصلاة يكون الإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها، ولا يسقط وجوبها. وفي شرب الخمر لا يقام الحد.

وألحق سحنونٌ بهذا النوع الزنا بامرأةٍ طائعةٍ لا زوج لها، خلافًا للمذهب

(2)

.

ويضيف المالكية أن القطع في السرقة يسقط بالإكراه مطلقًا، ولو كان بضربٍ أو سجنٍ لأنه شبهةٌ تدرأ الحد

(3)

.

(1)

الشرح الصغير وحاشية الصاوي (2/ 549)، والدسوقي على الشرح الكبير (2/ 2)، والخرشي (3/ 175، 176)، و (5/ 464).

(2)

الشرح الصغير (1/ 259، 709).

(3)

الشرح الصغير (4/ 186).

ص: 424

‌أثر الإكراه عند الشافعية:

- يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكرَه عليه.

‌أ - الإكراه بالقول:

إذا كان المكرَه عليه عقدًا أو حلًّا أو أي تصرفٍ قوليٍ أو فعليٍ، فإنه لا يصح عملًا بعموم الحديث الصحيح" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "؛ إذ المقصود ليس رفع ما وقع لمكان الاستحالة، وإنما رفع حكمه، ما لم يدل دليلٌ على خلاف ذلك، فيخصص هذا العموم في موضع دلالته. وبمقتضى أدلة التخصيص يقرر الشافعية أنه لا أثر لقول المكرَه «بالفتح» إلا في الصلاة فتبطل به

(1)

، وعلى هذا فيباح للمكرَه «بالفتح» التلفظ بكلمة الكفر، ولا يجب، بل الأفضل الامتناع مصابرةً على الدين واقتداءً بالسلف.

والإكراه في شهادة الزور التي تفضي إلى القتل أو الزنا، وفي الإكراه بالحكم الباطل الذي يفضي إلى القتل أو الزنا، فلا يرتفع الإثم عن شاهد الزور، ولا عن الحاكم الباطل، وحكمهما في هذه الحالة من حيث الضمان حكم المكرِه «بالكسر»

(2)

.

(1)

حاشية القليوبي (2/ 156).

(2)

الأشباه والنظائر ص (180 - 181).

ص: 425

‌ب - الإكراه بالفعل:

لا أثر للإكراه بالفعل عند الشافعية إلا فيما يأتي:

(1)

الفعل المضمن كالقتل أو إتلاف المال أو الغصب، فعلى المكرَه (بالفتح) القصاص أو الضمان، وقرار الضمان على المكرِه (بالكسر)، وإن قيل: لا رجوع له على المكرِه (بالكسر) بما غرم في إتلاف المال، لأنه افتدى بالإتلاف نفسه عن الضرر. قال القليوبي في مسألة القتل: فيقتل هو - المكرَه - (بالفتح) ومن أكرهه.

(2)

الزنا وما إليه: يأثم المكرَه (بالفتح) بالزنا، ويسقط الحد للشبهة، ويترتب على وطء الشبهة حكمه.

(3)

الرضاع: فيترتب عليه التحريم المؤبد في المناكحات وما ألحق بها.

(4)

كل فعلٍ يترتب عليه بطلان الصلاة، كالتحول عن القبلة، والعمل الكثير، وترك قيام القادر في الفريضة، والحدث، فتبطل الصلاة بما تقدم برغم الإكراه عليه.

(5)

ذبح الحيوان: تحل ذبيحة المكرَه (بالفتح) الذي تحل ذبيحته، كالمسلم والكتابي ولو كان المكرِه (بالكسر) مجوسيًّا، أو محرمًا

ص: 426

والمذبوح صيدٌ

(1)

.

قال السيوطي: وقد رأيت الإكراه يساوي النسيان، فإن المواضع المذكورة، إما من باب ترك المأمور، فلا يسقط تداركه، ولا يحصل الثواب المرتب عليه، وإما من باب الإتلاف، فيسقط الحكم المرتب عليه، وتسقط العقوبة المتعلقة به، إلا القتل على الأظهر

(2)

.

‌أثر الإكراه عند الحنابلة:

- يختلف أثر الإكراه عند الحنابلة باختلاف المكرَه عليه:

أ - فالتصرفات القولية تقع باطلةً مع الإكراه إلا النكاح، فإنه يكون صحيحًا مع الإكراه، قياسًا للمكره على الهازل، وإنما لم يقع الطلاق مع الإكراه للحديث الشريف لا طلاق في إغلاقٍ

(3)

، والإكراه من الإغلاق

(4)

.

(1)

الأشباه والنظائر للسيوطي ص (182 - 187)، والغرر على البهجة (4/ 249)، وبجيرمي على المنهج (4/ 35)، والشرقاوي على التحرير (2/ 390، 391).

(2)

الأشباه والنظائر ص 178، 179).

(3)

أخرجه أحمد (26360)، وأبوداود (2193)، وابن ماجه (2046) وهو حديث معل ومستنكر أعله أبوحاتم في العلل، فيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، ومحمد بن عبيد بن أبي صالح وهو ضعيف.

(4)

الإنصاف للمرداوي (8/ 439)، والمغني (6/ 535)، والمقنع لابن قدامة (3/ 434).

ص: 427

ب - ومن أكره على الكفر لا يعتبر مرتدًا، ومتى زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه، والأفضل لمن أكره على الكفر أن يصبر

(1)

، وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا.

أما من يجوز إكراهه على الإسلام كالمرتد، فإنه إذا أكره فأسلم حكم بإسلامه ظاهرًا

(2)

.

ج - والإكراه يسقط الحدود عن المكرَه، لأنه شبهةٌ، والحدود تدرأ بالشبهات

(3)

.

د - وإذا أكرَه رجلٌ آخرَ على قتل شخصٍ فقتله، وجب القصاص على المكرِه والمكرَه جميعًا، وإن صار الأمر إلى الدية وجبت عليهما، وإن أحب ولي المقتول قتل أحدهما، وأخذ نصف الدية من الآخر أو العفو فله ذلك

(4)

. ويعتبر القتل هنا مانعًا من الميراث بالنسبة للمكرِه والمكرَه

(5)

.

(1)

المغني (8/ 145، 146).

(2)

المغني (8/ 144، 145).

(3)

المغني (8/ 217).

(4)

المغني (7/ 645).

(5)

المقنع لابن قدامة (2/ 460).

ص: 428

والقصاص عندهم لا يجب على المكرِه والمكرَه، إلا إذا كان المطلوب قتله شخصًا ثالثًا غيرهما.

فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه «بالكسر» فإنه يكون هدرًا، ولا قصاص ولا دية في المختار عندهم.

وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه «بالفتح» ، فلا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا دية ولا قصاص عند بعضهم

(1)

. إلا إذا كان التهديد بقتلٍ أشنع فعليه أن يختار أهون الميتتين في إحدى الروايتين

(2)

.

‌مسألة: أثر إكراه الصبي على قتل غيره:

- إذا كان المكرَه على القتل صبيًّا، فإنه يعتبر آلةً في يد المكرِه عند الحنفية، فلا قصاص ولا دية، وإنما القصاص على المكرِه «بالكسر»

(3)

.

وذهب المالكية إلى وجوب القصاص على المكرِه «بالكسر» ونصف الدية على عاقلة الصبي

(4)

.

(1)

الفروع لابن مفلح (3/ 386).

(2)

قواعد ابن رجب ص (112).

(3)

المبسوط للسرخسي (24/ 39).

(4)

الدسوقي (4/ 246).

ص: 429

وذهب الشافعية إلى التفرقة بين الصبي المميز، وغير المميز.

فإن كان غير مميزٍ، اعتبر آلةً عندهم، ولا شيء عليه، ويجب القصاص على المكرِه.

وإن كان مميزًا، فيجب نصف الدية على عاقلته، والقصاص على المكرِه «بالكسر»

(1)

.

وذهب الحنابلة إلى أن الصبي غير المميز إذا أُكرِه على قتل غيره فلا قصاص عليه، والقصاص على المكرِه «بالكسر». وفي قولٍ: لا يجب القصاص، لا عليه ولا على من أكرهه، لأن عمد الصبي خطأٌ، والمكرِه «بالكسر» شريك المخطئ، ولا قصاص على شريك مخطئٍ، أما إذا كان الصبي مميزًا فلا يجب القصاص على المكرِه «بالكسر» ولا يجب على الصبي المميز

(2)

.

(1)

المهذب (2/ 178)، ومغني المحتاج (4/ 10).

(2)

المقنع (3/ 341)، والمغني (7/ 757).

ص: 430

*‌

‌ أقسام فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الله تعالى:

وهو ينقسم إلى أربعة أقسام

(1)

:

•‌

‌ القسم الأول: الحق الخالص لله تعالى.

وهو فعل المكلف الذي هو حق خالص لله تعالى، وهذا القسم لا يحق للإنسان أن يتنازل عنه، أو يصالح عنه، ولا يحتاج في إثباته إلى دعوى، ولا يقبل العفو والإسقاط، ويسقط بالشبهة عند إثبات الحدود.

وحق الله هو ما يتعلق به النفع العام، وهو يشمل المصلحة العامة الدنيوية والمصلحة الأخروية، ولا يختص بأحد، ويكون فيه دفع الاعتداء عن المجتمع كالجهاد مثلًا، ونسب إلى الله تعالى للتعظيم والتشريف، لكثرة نفعه وعظيم خطره؛ لأنه تعالى تنزه عن الانتفاع بشيء، ومثل حرمة الزنا فإنه يتعلق به عموم النفع من سلامة النسب من الاشتباه، وصيانة الأولاد عن الضياع.

وهذا القسم ثمانية أنواع، وهي:

1 -

عبادات خالصة لا يشوبها معنى للمؤونة والعقوبة، كالإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد، وهذه العبادات يلزم فيها النية.

(1)

الوجيز للزحيلي (1/ 479).

ص: 431

2 -

عبادات فيها معنى المؤونة، كصدقة الفطر عند الحنفية، فإنها مشتملة على معنى العبادة لكونها صدقة، وأنها طهرة للصائم، ويشترط فيها النية، ويتعلق وجوبها بالوقت، وفيها معنى المؤونة لعدم اشتراط كمال الأهلية في وجوبها، فتجب على الصبي والمجنون، ومعنى المؤونة: الثقل والكلفة.

3 -

مؤونة فيها معنى العبادة، كالعشر ونصف العشر فيما تنبته الأرض، والمؤونة فيه أن سببه الأرض النامية، ومؤونة الشيء سبب بقائه، وبما أنه يصرف في مصارف الزكاة فيتحقق فيه معنى العبادة، وبما أن الأرض أصل، والنماء تابع، فكانت المؤونة أصلًا والعبادة تبعًا.

4 -

مؤونة فيها معنى العقوبة، كالخراج فباعتبار تعلقه بالأرض فهو مؤونة، وباعتبار الاشتغال بالزراعة من أهل الذمة والإعراض عن الجهاد فهو عقوبة.

5 -

عقوبة كاملة، كحد الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والتعزيرات، وحد البغاة، وقطع الطريق، وهذه العقوبات واجبة بطريق العقوبة، ويؤديها الإمام، وهي عقوبة كاملة؛ لأنها وجبت بجنايات كاملة.

6 -

عقوبة قاصرة، كحرمان القاتل من ميراث المقتول، فالحرمان من الميراث عقوبة مالية، ولكنها قاصرة بالنسبة للعقوبة البدنية.

ص: 432

7 -

حقوق دائرة بين الأمرين: العقوبة، والعبادة، كالكفارات ففي أدائها معنى العبادة؛ لأنها تؤدى بالصوم والتحرير والإطعام، ويؤديها المكلف طوعًا، وبما أنها لا تجب إلا بسبب فعل ممنوع شرعًا ارتكبه المكلف فهي عقوبة.

8 -

حق قائم بنفسه، من غير أن يتعلق بذمة المكلف شيء، ويؤديه بطريق الطاعة، مثل خمس الغنائم والمعادن والكنوز.

•‌

‌ القسم الثاني: الحق الخالص للعبد.

وهو فعل المكلف الذي يتعلق به الحق الخالص للعباد، وحق العبد ما تتعلق به مصلحة خاصة دنيوية، كحرمة ماله، ويستباح بإباحة صاحبه، ويشترط في خصومته وإثباته رفع الدعوى، ويجوز لصاحبه أن يتنازل عنه، وأن يصالح عنه، وأن يسقط حقه، وأن يعفو عن غريمه، ولا تؤثر فيه الشبهة.

والمقصود من الحق الخالص للعباد هو الحفاظ على مصالح العباد الخاصة، مثل بدل المتلفات، وملك المبيع والثمن، وحق الشفعة، وحبس العين المرهونة للمرتهن، وغير ذلك من الحقوق المالية.

ص: 433

•‌

‌ القسم الثالث: ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب فيه.

وهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق الله تعالى وحق العبد، ولكن حق الله غالب فيه، مثل حد القذف عند الحنفية، فقد شرعه الله تعالى لرفع عار الزنا عن المقذوف، وللزجر للقاذف، وهذا حق العبد، كما شرعه الله تعالى لصيانة أعراض الناس، وإبعاد الفساد عن المجتمع، وحفظ اللسان، والأخلاق الاجتماعية، وهذا حق الله تعالى.

ويرى الشافعية والحنابلة والمشهور عند المالكية: أن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف كالقصاص.

•‌

‌ القسم الرابع: ما اجتمع فيه الحقان، وحق العبد غالب.

وهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق الله تعالى وحق العبد، ولكن حق العبد فيه غالب، كالقصاص وعقوبات الدماء كلها، سواء كانت قصاصًا أم ديات، فإن فيها حق الله تعالى، في صيانة الدماء وحفظ المجتمع، وفيها حق العبد؛ لأن القصاص يحقق مصلحة أولياء القتيل، ويمنع الانتقام والحقد من قلوبهم، فكان حق العبد غالبًا.

ويرى بعض الأصوليين أن كل حكم شرعي يجمع بين حق الله وهو جهة التعبد، وحق العبد وهو جهة المصلحة المالية أو المنفعة الشخصية، ويرون أنه لا يوجد حق خالص لله تعالى، كما لا يوجد حق خالص للعبد، وكل حق يبدو أنه خالص لله تعالى، فإنه يحقق منافع

ص: 434

ظاهرة وملموسة للعبد من ناحية المصلحة له في الدنيا، والثواب والأجر والدرجات العليا في الآخرة، وكل حكم يبدو عليه أنه حق خالص للعبد، فإن الله تعالى له حق فيه، بأن تطبق أحكام الله تعالى فيه وتنفذ شريعته، ويلتزم المرء فيه حدود الله تعالى، ويرتع في حظيرته، ولأن حق العبد إنما يثبت كونه حقًّا له بإثبات الشرع له، وليس بكونه مستحقًّا لذلك بحكم الأصل

(1)

.

(1)

الوجيز للزحيلي (1/ 483).

ص: 435

‌الفصل الرابع

الأحكام الوضعية

الوضع لغة: الإسقاط، والترك، والافتراء، والولادة، وغير ذلك، يقال: وضع عنه دينه أي أسقطه، ووضعت الشيء بين يديه أي تركته هناك، ووضع الرجل الحديث أي افتراه وكذبه، ووضعت الحامل ولدها أي ولدته

(1)

.

واصطلاحًا: هو الأمارة الشرعية التي يثبت عندها الحكم أو ينتفي

(2)

.

*‌

‌ أقسام الأحكام الوضعية:

ينقسم الحكم الوضعي بحسب طبيعة ارتباط الحكم التكليفي به إلى خمسة أقسام، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح ويقابله الفاسد أو الباطل، والعزيمة ويقابلها الرخصة - عند من جعل الرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية-.

(1)

المصباح المنير (2/ 262).

(2)

التأسيس للشيخ مصطفى سلامة (1/ 58).

ص: 436

بيان ذلك: أن الشيء يقتضي أن يكون سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا، أو مسوغًا لرخصة بدل العزيمة، أو صحيحًا، أو غير صحيح، فكل منها حكم ثبت بخطاب الوضع.

واتفق العلماء على اعتبار السبب والشرط والمانع من أقسام الحكم الوضعي.

واختلفوا في الصحة والفساد أو البطلان، والرخصة والعزيمة.

وهذا الوصف إما أن يسبق الحكم التكليفي كالأنواع الثلاثة الأولى، وإما أن يكون لاحقًا وأثرًا للحكم التكليفي كالنوعين الأخيرين.

*‌

‌ الحكمة من خطاب الوضع:

وتتجلى الحكمة من وجود الحكم الوضعي مع مبدأ صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وذلك أنه يتعذر معرفة حكم الله تعالى في كل الأحوال، كما تتعذر معرفة حكم الله تعالى في كل الوقائع والمسائل بعد انقطاع الوحي، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يعرِّف الناس على أحكامه بربطها بأمور محسوسة تقتضي معرفة الأحكام الشرعية، كربط الحكم بالعلة، وربط الحكم بالسبب، وذلك حتى لا تتعطل الوقائع عن الأحكام.

ص: 437

ومن جهة ثانية فلا يشترط للحكم الوضعي التكليف والعلم والقدرة، فلا يشترط فيمن يتعلق به الحكم الوضعي أن يكون مكلَّفًا، كما لا يشترط فيه العلم به، والقدرة عليه، إلا في حالتين:

الأولى: سبب العقوبة كالقصاص والحدود، فيشترط لترتب العقوبة أن يكون الفاعل مكلَّفًا وعالمًا وقادرًا على الفعل، فلا تجب العقوبة على المخطئ والمكرَه والمجنون والصغير.

والثانية: نقل الملك كالبيع، والهبة، والوصية، فيشترط فيها العلم والقدرة، والحكمة من ذلك أن الشرع رتب العقوبة ونقل الملك بحسب قانون العدل بين الناس والرفق بهم، وعدم تكليفهم بالمشاق أو بما لا يطاق

(1)

.

*‌

‌ الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية:

1 -

الحكم التكليفي فيه طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بين الفعل والترك، أما الحكم الوضعي فليس فيه طلب أو تخيير، وإنما يفيد الارتباط بين أمرين ليكون أحدهما سببًا للآخر، أو مانعًا، أو شرطًا.

(1)

الإحكام للآمدي (1/ 128)، المستصفى للغزالي (74)، الوجيز للزحيلي (1/ 388).

ص: 438

2 -

الحكم التكليفي مقصود بذاته في الخطاب، ليقوم المكلف بالفعل أو الترك أو التخيير، أما الحكم الوضعي فلا يقصد من المكلف مباشرة، وإنما وضعه الشرع ليرتب عليه الأحكام التكليفية، مثل ملك النصاب سبب للزكاة، وحولان الحول شرط لها، والقتل مانع من الميراث.

3 -

إن الحكم التكليفي يتعلق بالمكلف، وهو البالغ العاقل الذي يتوجه إليه الخطاب، ويقع عليه التكليف، أما الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالإنسان سواء أكان مكلفًا أم لا، كالصبي والمجنون، فقال الفقهاء بصحة بيع الصبي عند الحنفية، وأنه يضمن ما يتلفه إذا كان سببًا بالاتفاق، وقد يكون الحكم متعلقًا بفعل المكلف كالطهارة للصلاة، وقد لا يتعلق بفعل المكلف، وإنما يتعلق بما ارتبط به فعل المكلف كالدلوك، وقد يتعلق بغير الإنسان.

4 -

الحكم التكليفي يكون في مقدور المكلف فعله أو تركه؛ لأن التكليف لا يصح أن يكون فيه حرج ومشقة، أو مما يستحيل على المكلف القيام به، مثل صيغ العقود والتصرفات والجرائم، فإذا باشر المكلف عقدًا أو تصرفًا ترتب عليه حكمه، أما الحكم الوضعي فقد يكون في مقدور المكلف مثل صيغة العقد وإحضار الشاهدين في النكاح، وقد يكون ليس في مقدور المكلف مثل دلوك الشمس وحولان

ص: 439

الحول وبلوغ الحلم

(1)

.

5 -

أن الحكم التكليفي توصف به الأفعال التي هي من كسب العبد، وما ليس من كسبه لا يكون مكلفًا به، فكل فعل يقع من غير كسب من العبد لا يقال: إنه حرام عليه ويستحق عليه العقوبة، ولا يقال: إنه واجب أو مندوب في حقه فلا ينال عليه ثوابًا، {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} [النجم: 39]، وهذا لا يتعارض مع حديث:«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا»

(2)

، وذلك لأن التسبب كسب، فما وقع نتيجة لفعله فله أجره وعليه وزره.

وأما الحكم الوضعي فلا يشترط أن يكون من كسب العبد، فقد يكون من كسبه ككثير من الشروط التي تشترط لصحة العبادة، وقد لا يكون من كسبه كالأسباب والشروط والموانع الخارجة عن كسبه، فلو أرضعت زوجته طفلة حرمت عليه مع أنه لم يفعل شيئًا؛ لأن الرضاع سبب لانتشار المحرمية مع أنه ليس من كسبه

(3)

.

(1)

ترتيب الفروق واختصارها لمحمد بن إبراهيم البقوري (1/ 120)، الوجيز للزحيلي (1/ 297).

(2)

أخرجه مسلم (1017) من حديث جرير البجلي مرفوعًا.

(3)

ترتيب الفروق واختصارها (1/ 122)، أصول الفقه لعياض السلمي (1/ 67).

ص: 440

•‌

‌ مسألة: في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب الوضع، وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف

فمن أمثلة اجتماعهما: الزنا، إذ له حكمان: حكم تكليفي باعتبار أنه حرام، وحكم وضعي باعتبار أنه سبب للحد.

وكذا السرقة من جهة أنها محرمة هي خطاب تكليف، ومن جهة أنها سبب للقطع هي خطاب وضع.

فكل ما وجد فيه أحد أحكام التكليف الخمسة، وكان من جهة أخرى ناشئًا عن سبب، أو متوقفًا على شرط، أو غير ذلك من متعلقات خطاب الوضع، فهو مما يجتمع فيه الأمران، فالإيمان واجب وهو سبب لعصمة الدم والمال، والإحرام واجب عند بعض العلماء وهو مانع من فعل المحظورات فيه.

ومن أمثلة انفراد خطاب الوضع: زوال الشمس، وحلول شهر رمضان، وحولان الحول في الزكاة، فهذه الأمور هي أوقات محددة لا قدرة للمكلف على تحصيلها، فإنها من خطاب الوضع، وليست من خطاب التكليف؛ إذ ليس فيها أمر، ولا نهي، ولا إذن، أما ما يترتب على هذه الأشياء من أداء الصلاة والصوم والزكاة، فإنه شيء آخر غيرها، ولا يتصور انفراد الحكم التكليفي؛ لأنه لا تكليف إلا وله سبب، أو شرط، أو مانع.

ص: 441

وبذلك يكون خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف، إذ لا يوجد تكليف إلا ومعه وضع، دون العكس، بينما قد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف، وذلك مثل الأمثلة السابقة، ولزوم قيمة المتلفات، وأروش الجنايات، والزكاة على الصبي والمجنون

(1)

.

(1)

ترتيب الفروق واختصارها (1/ 122)، المهذب للنملة (1/ 386).

ص: 442

‌أولًا: السبب

•‌

‌ تعريف السبب:

السبب في اللغة: عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الطريق سببًا، وسمي الحبل سببًا

(1)

.

وقيل للطريق: سببٌ؛ لأنه بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده؛ قال تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] أي: طريقاً، وأسباب السموات: أبوابها؛ قال تعالى مخبرًا عن فرعون: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} [غافر: 36 - 37].

وقد تطلق الأسباب على الحوادث؛ قال زهيرٌ:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو نال أسباب السماء بسلم

وقد يطلق السبب على العلم؛ قال سبحانه وتعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)} [الكهف: 84] أي علمًا.

(1)

المصباح المنير (1/ 262).

ص: 443

وفي الاصطلاح: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي

(1)

.

•‌

‌ شرح التعريف:

الوصف: هو المعنى.

الظاهر: المعلوم وهو ضد الخفي، مثل علوق النطفة بالرحم، فإنها وإن كانت وصفًا لكنه خفي، بخلاف إذا استهل المولود فصياحه عند الولادة علامة ظاهرة منضبطة علي استقرار حياته؛ فتصلح لأن تكون سببًا للميراث.

المنضبط: هو المحدد بأن لا يختلف باختلاف الأشخاص، أو الأحوال، بخلاف الحكمة فهي الباعث على شرع الأحكام لمصلحة العباد من جلب نفع أو دفع ضرر.

والدليل السمعي: هو ما كان في الكتاب والسنة، وكونه معرِّفًا لحكم شرعي أي علامة على الحكم الشرعي من غير تأثير فيه.

فالسبب: هو المعنى الظاهر المعلوم المحدَّد الذي ثبت بالكتاب والسنة أنه علامة على وجود الحكم، أو هو ما ارتبط به غيره وجودًا وعدمًا.

(1)

البحر المحيط (2/ 6)، شرح مختصر الروضة (1/ 433).

ص: 444

مثاله: جعل الزنا سببًا لوجوب الحد؛ لأن الزنا لا يوجب الحد بذاته، وإنما بجعل الشارع له، وزوال الشمس سبب في وجوب الظهر، وغروب الشمس سبب في وجوب المغرب، وطلوع الفجر سبب في وجوب الصبح.

ويعرف السبب بإضافة الحكم إليه كحد الزنا، فالحد حكم شرعي أضيف إلى الزنا، فعرفنا أن الزنا هو السبب، مثل صلاة المغرب، فالصلاة حكم شرعي أضيف إلى المغرب، فعرفنا أن الغروب هو السبب

(1)

.

•‌

‌ تعريف آخر للسبب:

هو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته

(2)

.

•‌

‌ شرح التعريف وبيان محترزاته:

قولنا: ما يلزم من وجوده الوجود: أخرج الشرط؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كالطهارة فإنها شرط لصحة الصلاة، ولكن قد توجد الطهارة ومع ذلك لا يلزم صحة الصلاة؛ لاحتمال عدم دخول الوقت.

(1)

الوجيز للزحيلي (392).

(2)

شرح تنقيح الفصول للقرافي (81)، شرح مختصر الروضة للطوفي (1/ 434).

ص: 445

وخرج بهذه العبارة أيضًا المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.

وخرج المانع أيضًا من قولنا: ويلزم من عدمه العدم؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، مثل الدين يلزم من وجوده عدم الزكاة، ولكن لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فلو لم يكن على المسلم دين فلا يلزم من ذلك وجوب الزكاة عليه؛ لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا يلزم عدم وجوب الزكاة؛ لاحتمال أن يكون عنده نصاب قد حال عليه الحول فتلزمه الزكاة.

وقولنا: لذاته: أي لذات السبب، وأخرجنا به ما لو قارن السبب فقدان شرط، أو وجود مانع مثل أن يملك النصاب، لكن لم يدر عليه الحول، فهنا لا تجب عليه الزكاة، لا لأن ذات السبب لم يتوفر؛ بل توفر ووجد، ولكن انتفى الشرط وهو حولان الحول، كذلك لو ملك النصاب، وحال عليه الحول، لكن عليه دين، فهذا لا تجب عليه الزكاة مع توفر السبب.

فهنا لا يلزم من وجود السبب وجود الحكم، ولكن لا لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط، أو وجود مانع

(1)

.

(1)

شرح مختصر الروضة (1/ 434)، مختصر التحرير (1/ 445).

ص: 446

*‌

‌ أنواع السبب:

• ينقسم السبب عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، أهمها:

‌أولًا: أنواع السبب من حيث موضوعه:

ينقسم السبب باعتبار موضوعه إلى قسمين

(1)

:

1 -

السبب الوقتي: وهو ما لا يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم، كالزوال سبب وقتي لوجوب الظهر؛ لقوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، فإن الوقت سبب محض وعلامة على وجوب الصلاة، ورؤية هلال رمضان سبب وقتي لوجوب الصيام؛ لقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

2 -

السبب المعنوي: وهو ما يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي، كالإسكار سبب معنوي لتحريم الخمر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«كل مسكر حرام»

(2)

، وملك النصاب سبب معنوي لوجوب الزكاة، وكذا السرقة، والزنا، وقطع الطريق، والقتل أسباب للعقوبات.

وتظهر فائدة التقسيم في جواز القياس في القسم الثاني، وعدم جوازه

(1)

شرح الكوكب المنير (1/ 450)، القواعد للحصني (1/ 195).

(2)

أخرجه البخاري (7172) من حديث أبي موسى مرفوعًا.

ص: 447

في القسم الأول.

•‌

‌ ثانيًا: أنواع السبب باعتبار علاقته بالمكلف

(1)

:

ينقسم السبب باعتبار قدرة المكلف على القيام به، وعدم قدرته إلى قسمين:

1 -

السبب الذي هو من فعل المكلف ومقدور له: كالبيع، فهو سبب لملك المبيع والثمن، والقتل العمد سبب لوجوب القصاص، وعقد الزواج سبب لإباحة الاستمتاع بين الزوجين، وعقد الإجارة سبب لحل الانتفاع بالعين، وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هي:

أ- سبب مأمور به شرعًا: ويجب على المكلف فعله، أو يندب له القيام به، كالنكاح، فهو سبب للتوارث، ومأمور به.

ب- سبب منهي عنه: كالسرقة سبب للحد، والسرقة منهي عنها.

ج- سبب مأذون به ومباح فعله للمكلف، كجعل الذبح سببًا لحل الحيوان المذبوح، والذبح مباح.

والسبب الذي يكون من فعل المكلف ويكون قادرًا عليه له صفتان:

«ا» صفة التكليف؛ لأنه مقدور عليه ومطلوب من الشارع فعله

(1)

علم أصول الفقه لخلاف (111).

ص: 448

لجلب المنافع ودفع المضار، ويدخل في الحكم التكليفي.

«ب» صفة الوضع؛ لأن الشارع رتب عليه أحكامًا أخرى، ويدخل في الحكم الوضعي، كالنكاح سبب للتوارث وحل الاستمتاع من جهة، ومندوب إليه من جهة أخرى، وذبح الحيوان سبب لحل الانتفاع، وهو مباح، والقتل سبب للقصاص، وهو حرام، والزنا سبب للحد، وهو حرام.

2 -

السبب الذي ليس من فعل المكلف، ولا يقدر عليه، كالزوال فهو سبب لوجوب صلاة الظهر، والقرابة سبب للإرث والولاية، والموت سبب لنقل ملكية التركة إلى الوارث، وهذه الأسباب ليست من فعل المكلف، ولا يقدر عليها.

وهذا النوع قد يكون سببًا لحكم تكليفي كالزوال، وقد يكون سببًا لحكم وضعي كالموت، فهو سبب لنقل الملك إلى الورثة.

وإن الشارع الذي وضع السبب قصد منه المسبب؛ لأن الأسباب ليست مقصودة لذاتها، وإنما شرعت لما ينشأ عنها من مسببات؛ ولأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، فتصبح الأحكام كذلك أسبابًا لهذه النتائج وهذه المسببات.

ص: 449

•‌

‌ ثالثًا: أنواع السبب باعتبار المشروعية

(1)

:

ينقسم السبب باعتبار المشروعية وعدمها إلى نوعين:

1 -

السبب المشروع: وهو كل ما أدى إلى مصلحة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مفسدة بحسب الظاهر، كالجهاد سبب لنشر الدعوة وحماية العقيدة وتبليغ الرسالة، وإن أدى إلى مفسدة كإتلاف المال، وتعريض الأنفس للقتل.

ملحوظة: إذا ظهر أحيانًا، أو نتج عن السبب المشروع بعض المفاسد فإنها ليست ناشئة عن السبب المشروع، وإنما تنتج عن أمر آخر مرافق له.

2 -

السبب غير المشروع: وهو ما يؤدي إلى المفسدة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مصلحة بحسب الظاهر كالنكاح الفاسد والتبني، فإنها أسباب غير مشروعة؛ لأنها تؤدي إلى مفاسد كثيرة تضر بالفرد والمجتمع، وإن لم تظهر فورًا، فإن العاقل المتبصر يدرك خطرها في المستقبل.

وإن ما يظهر للمرء أحيانًا من مصالح، أو ما ينتج من منافع عن السبب الفاسد، فلا يكون من ذات السبب الممنوع، وإنما هو من أمر

(1)

شرح المعتمد في أصول الفقه للزحيلي ص (86).

ص: 450

آخر.

يقول الشاطبي: والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابًا للمفاسد، والأسباب الممنوعة لا تكون أسبابًا للمصالح؛ إذ لا يصح ذلك بحال

(1)

.

•‌

‌ رابعًا: أنواع السبب باعتبار تأثيره في الحكم:

ينقسم السبب باعتبار تأثيره في الحكم وعدمه إلى نوعين

(2)

:

1 -

السبب المؤثر في الحكم: ويسمى علة، وهو ما يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، وحكمة باعثة لتشريعه، كالإسكار فهو سبب مؤثر في الحكم، وهو علة التحريم، والسفر سبب لجواز الإفطار، وهو علة الإفطار في رمضان، والعلة هي الوصف المنضبط الذي جُعِل مناطًا لحكم يناسبه.

2 -

السبب غير المؤثر في الحكم: وهو الذي لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة معلومة، مثل الوقت سبب لوجوب الصلاة، وهذا يتطلب منا بيان الصلة بين العلة والسبب.

(1)

الموافقات (1/ 163).

(2)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي ص (396) بتصرف.

ص: 451

‌العلاقة بين العلة والسبب

(1)

:

العلة أو السبب أمارة على وجود الحكم، كالإسكار في الخمر أمارة على التحريم، والسفر في رمضان أمارة على جواز الإفطار، ولذا قال بعض علماء الأصول: إنهما بمعنى واحد، وقال آخرون: إنهما متغايران، وخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة في الحكم.

وقال أكثر العلماء: إن السبب أعم من العلة مطلقًا، فكل علة سبب ولا عكس، وإن السبب يشمل الأسباب التي في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي تدرس في القياس، والفرق بينهما أن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، ولا تكون من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة، فتسمى باسم السبب، أما إذا أدرك العقل تأثير الوصف بالحكم فيسمى علة، ويسمى سببًا أيضًا، فالسبب يشمل القسمين، وهو أعم من العلة كما قدمنا.

وقيل: إن السبب لا يتخلف أبدًا والعلة قد تتخلف أحيانًا، فمثلًا القتل حكم تكليفي، وحكم وضعي، فهو حكم تكليفي حيث يحرم

(1)

هامش مختصر التحرير (438/ 1).

ص: 452

القتل، وهو حكم وضعي؛ لأنه علامة على القصاص، فيقولون القتل علة للقصاص فكل من قتل عمدًا عدوانًا فعليه القصاص، ولكن أحيانًا يتخلف الحكم كما في حق الوالد القاتل لولده، فالوالد لا يقتل في مقابل ولده، فكل قاتل في حقه القصاص، ولكن قد يتخلف القصاص أحيانًا، وعليه يكون القتل علة وليس سببًا.

•‌

‌ خامسًا: أنواع السبب باعتبار نوع المسبَّب

(1)

:

ينقسم السبب باعتبار نوع المسبَّب الذي يدل عليه، واختلاف أثره عليه إلى قسمين:

1 -

السبب لحكم تكليفي، كالوقت الذي جعله الشارع سببًا لإيجاب الصلاة في قوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، وظهور الهلال سبب لإيجاب الصوم في قوله صلى الله عليه وسلم:«صوموا لرؤيته .... »

(2)

.

2 -

سبب لإثبات ملك أو حل، أو إزالة الملك والحل، كالبيع سبب لإثبات الملك، والعتق سبب لإزالة الملك، وعقد الزواج سبب لحل المتعة بين الزوجين، والطلاق سبب لإزالة حل المتعة، وهكذا.

(1)

الوجيز للزحيلي (1/ 398).

(2)

أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 453

•‌

‌ سادسًا: أنواع السبب باعتبار مصدر العلاقة بينه وبين المسبَّب

(1)

:

ينقسم السبب باعتبار مصدر الرابطة والعلاقة بينه وبين المسبَّب إلى ثلاثة أنواع:

1 -

السبب الشرعي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم شرعي، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، فإنه سبب له بحكم الشرع.

2 -

السبب العقلي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم العقل، ولم تثبت عن طريق شرعي، كالنظر بالنسبة للعلم، فإنه سبب لاكتساب العلم، وهذا يعرفه العقل، ووجود النقيض سبب في انعدام نقيضه، فالعقل يدرك ذلك.

3 -

السبب العادي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم العادة والعرف، مثل حز الرقبة بالنسبة للقتل أو الذبح، والسفر للحج.

وهذا التقسيم لإخراج السبب العقلي والعادي من الحكم الوضعي، وأنه يقتصر على السبب الشرعي.

(1)

مختصر التحرير (1/ 359).

ص: 454

‌حكم السبب

(1)

:

تبين أن حقيقة السبب هي أنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدم الحكم، فإذا وجد السبب سواء قام به المكلف وكان من فعله، أو كان من غير فعله، وتوافرت الشروط الموضوعة للسبب والمسبب، وانتفت موانع الحكم، ترتب على السبب مسببه حتمًا، سواء أكان المسبب حكمًا تكليفيًّا، أو كان إثبات ملك أو حل أو إزالتهما، وسواء أقصد المكلف ترتب المسبب على فعله أم لم يرد، وسواء قصد إلى المسبب أم لم يقصد؛ لأن ترتب المسبب على السبب من وضع الشارع، ولا دخل للمكلف به، ولا عبرة بقصده؛ ولأن السبب لا يؤثر بنفسه في المسبب، كما سبق عند جمهور العلماء، بل يترتب المسبب على السبب، ولو قصد المكلف مثلًا عدم ترتبه عليه.

والأمثلة توضح ذلك:

فمن اشترى سلعة ثبت له الملك والانتفاع، سواء أقصد ذلك أم لم يقصد، والموت والقرابة سببان للميراث ولو لم يرض الوارث أو المتوفى ذلك، وتدخل التركة في ملك الوارث جبرًا عنه، ولا يحق له أن

(1)

هامش شرح مختصر التحرير (1/ 438).

ص: 455

يرفض التركة، أو أن يمتنع عن قبول الميراث، ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة الزوجة، ولو تزوجها على أن لا مهر عليه ولا نفقة، وهكذا.

ويعرج الشاطبي رحمه الله في حكم السبب لبيان صلته بالعقيدة وسلوك المسلم في الحياة، ويعرض بحثًا جميلًا وطويلًا نقتبس منه ما يلي:

إن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه إذا وكله إلى فاعله، وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، والتفويض والتوكل على الله تعالى، والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المحظورة، والشكر، وغير ذلك.

ثم يقول: إن تارك النظر في المسبب أعلى مرتبة، وأزكى عملًا، إذا كان عاملًا في العبادات، وأوفر أجرًا في العادات؛ لأنه عامل على إسقاط حظه، بخلاف من كان ملتفتًا إلى المسببات؛ فإنه عامل على الالتفات إلى الحظوظ، لأن نتائج الأعمال راجعة إلى العباد مع أنها خلق لله

(1)

.

وينتقل الإمام الشاطبي ليبين النتائج المترتبة على السبب في المعاملات والعقوبات مع بيان العدالة الإلهية فيها، فيقول: ومن ههنا إذا وقع خلل

(1)

الموافقات للشاطبي (1/ 346).

ص: 456

في المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب: هل كان على تمامه أم لا؟ فإن كان على تمامه؛ لم يقع على المتسبب لوم، وإن لم يكن على تمامه؛ رجع اللوم والمؤاخذة عليه، ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجَّام والطباخ وغيره من الصناع إذا ثبت التفريط من أحدهم؛ إما بكونه غر من نفسه وليس بصانع، وإما بتفريط، بخلاف ما إذا لم يفرط؛ فإنه لا ضمان عليه لأن الغلط في المسببات أو وقوعها على غير وزان التسبب قليل؛ فلا يؤاخذ، بخلاف ما إذا لم يبذل الجهد؛ فإن الغلط فيها كثير؛ فلا بد من المؤاخذة

(1)

.

والمثال على ذلك أيضًا: الضرب المفضي إلى الموت أو القطع، فإنه سبب للقصاص، فإن كان كاملًا كان الجزاء قصاصًا بالنفس، وإن كان ناقصًا كان الجزاء قصاصًا فيما دون النفس، أو دية أو حكومة عدل أو أرش.

وإن سبب السبب ينزل منزلة السبب، كالإعتاق في الكفارة، فإنها سبب لبراءة الذمة، والإعتاق يتوقف على اللفظ والصيغة، فالصيغة

(1)

الموافقات (1/ 266).

ص: 457

سبب الإعتاق، والإعتاق سبب لبراءة الذمة، فيكون سبب السبب كالسبب؛ لأن الحكم يتوقف عليه

(1)

.

•‌

‌ مسألة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء:

علم الأصول لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، وإذا كان كذلك، فالتوقع أن يكون الفقهاء تابعين للأصوليين في اعتبار حقيقة السبب، لكن الواقع من الفقهاء غير ذلك، فهم في كتب الفروع يطلقون لفظ السبب على عدة أمور قد تبدو مخالفة لما اصطلح عليه الأصوليون في مفهوم السبب، لذلك أتيت بهذه المسألة تنبيهًا على ذلك فأقول:

إن الفقهاء يطلقون لفظ السبب على أربعة إطلاقات، هي كما يلي:

الإطلاق الأول: أنهم يطلقونه في مقابل المباشرة، فأطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة.

قالوا: إذا اجتمع المتسبب والمباشر؛ غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم التسبب، فقالوا: لو حفر زيد بئرًا، ثم جاء عمرو ودفع محمدًا في البئر، فتردى فيها، فهلك محمد، فإن الحافر -وهو زيد- صاحب سبب، والمردِّي -وهو عمرو- صاحب

(1)

مختصر التحرير (1/ 461)، الوجيز للزحيلي (391 - 401).

ص: 458

علة؛ لأن الهلاك بالتردية لا بالحفر، ولكن وقع ذلك عند وجود البئر فسموا الحافر سببًا، والدافع مباشرًا، ومن أمثلته أيضًا: لو ألقاه من شاهقٍ فتلقاه آخر بسيفٍ فقده، فالضمان على المتلقي بالسيف.

ولو ألقاه في ماءٍ مغرقٍ فتلقاه حوتٌ فابتلعه، فالضمان على الملقي، لعدم قبول الحوت الضمان، وكذا لو ألقاه في زبية أسدٍ فقتله.

وكمن قدم طعام شخص إلى آخر فأكله، فالمقدم متسبب، والآكل مباشر.

والقاعدة عند الفقهاء: تقديم المباشر في الضمان، فإن تعذر تضمينه لموت، أو فلس ضمن المتسبب ولا يخلو تضمينه من خلاف

(1)

.

الإطلاق الثاني: أنهم يطلقونه على علة العلة؛ حيث سموا الرمي سببًا للقتل من جهة أنه سبب للعلة، فكان على التحقيق علة العلة؛ لأنه علة للإصابة، والإصابة علة لزهوق النفس، ولكن لما حصل الموت بالإصابة المتوسطة بين الرمي والزهوق لا بالرمي كان الرمي شبيهًا بالسبب في وضع اللسان وهو ما كان مفضيًا إلى الشيء، وطريقًا إليه فسموه سببًا لذلك.

وحكم هذا السبب حكم العلة من كل وجه، فيضاف أثر الفعل إليه؛

(1)

مذكرة الشنقيطي (1/ 51).

ص: 459

لأنه لما أضيفت العلة إليه كان بمنزلتها، ولهذا سمي علة العلة، ويسميه الحنفية السبب في معنى العلة.

الإطلاق الثالث: أنهم يطلقونه على العلة الشرعية بدون شرطها كملك النصاب دون حولان الحول، فإن ملك النصاب سبب في وجوب الزكاة، لكنه لا بد من حولان الحول في وجوبها، فيطلق السبب على ملك النصاب دون حولان الحول مع أنه لا بد منهما في الوجوب.

وكذا اليمين دون الحنث فإنها سبب في وجوب الكفارة، لكنه لابد من الحنث في وجوب الكفارة، فيطلق السبب على اليمين دون الحنث مع أنه لا بد منهما في الوجوب.

ويراد بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه كما يقال: نصاب الزكاة، وكفارة اليمين.

ويسميه الحنفية بالسبب المجازي.

الإطلاق الرابع: أطلقوه على العلة الشرعية الكاملة التي توجب الحكم، وهي المجموع المركب من مقتضي الحكم -وهو المعنى الطالب له- وشرطه، وانتفاء المانع، ووجود الأهل -وهو المخاطبة-، ووجود المحل -وهو ما يتعلق به الحكم- فالسبب -على هذا- بمعنى العلة يقال: سبب الحكم كذا. والمراد بذلك علته.

ص: 460

ووجه إطلاق السبب على العلة الشرعية الكاملة: أن العلة في معنى العلامة المظهرة للحكم؛ إذ إنها لا توجب الحكم لذاتها، بل بإيجاب الله تعالى لها؛ فأشبهت السبب من هذه الناحية.

والخلاصة: أن الإطلاق الأول المراد به إيجاد الشرط؛ لأن حفر البئر شرط لوقوع الهلاك، لكونه إزالة للمانع، إذ لولا الحفر لاستمسكت الأرض ولم يقع الهلاك، فيكون المراد بالمباشرة هنا إيجاد العلة، وبالتسبب إيجاد الشرط، وهكذا.

أما الإطلاقات الثلاثة الباقية فهي تنتظم في سلك العلة؛ فالرمي علة العلة؛ لكونه علة للإصابة، والإصابة علة للزهوق، والنصاب بدون الحول علة، ولكن تخلف شرطها، والإطلاق الرابع أطلقوه على العلة الكاملة

(1)

.

(1)

البحر المحيط (2/ 7)، المهذب للنملة (1/ 397)، وما بعدها.

ص: 461

‌ثانيًا: الشرط

الشرط لغة بفتحتين: العلامة، والجمع أشراط، والشرط بفتحة وسكون جمع شروط، قال الفيروز آبادي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه.

وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم

(1)

.

فالشرط وصف يتوقف عليه وجود الحكم، وحقيقته أن عدمه يستلزم عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولا يتحقق الحكم بشكل شرعي إلا بوجود الشرط الذي وضعه الشارع له، كالوضوء شرط للصلاة، فلا توجد الصلاة بشكل شرعي إلا إذا وجد الوضوء، والوضوء ليس جزءًا في الصلاة، وإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إذا وجد الوضوء فلا يلزم منه وجود الصلاة.

(1)

شرح مختصر الروضة (1/ 435)، الوجيز للزحيلي (1/ 403).

ص: 462

ومثل الحول شرط في وجوب الزكاة، فإذا عدم الحول لزم عدم وجوب الزكاة.

ومثل حضور الشاهدين في عقد الزواج، فالشهادة شرط في الزواج، ولا يصح الزواج إلا بالشهادة، والشهادة ليست جزءًا في الزواج، وإذا فقدت الشهادة فسد الزواج، ولكن لا يلزم من وجود الشاهدين وجود الزواج.

ومثل القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم.

تعريف آخر للشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.

•‌

‌ بيان محترزات التعريف:

قولنا: ما يلزم من عدمه العدم: أخرج المانع؛ لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع لوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب.

قولنا: ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم: أخرج السبب؛ لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.

ص: 463

قولنا: لذاته: احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا لذاته؛ بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع.

فمثلًا: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة؛ لاحتمال عدم بلوغ النصاب، ولا يلزم عدم وجوبها لاحتمال بلوغ المال النصاب.

أما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة، ولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب.

وإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب الزكاة، ولكن العدم ثبت نظرًا لقيام المانع، لا لذات الشرط.

وشرح التعريف وبيان حقيقته يقودنا لبيان العلاقة بين الركن والشرط، وبين الشرط والسبب.

•‌

‌ العلاقة بين الركن والشرط (شرط الصحة)

(1)

:

الركن هو ما يتوقف عليه وجود الحكم، ويكون جزءًا في ماهيته، أما الشرط فهو ما يتوقف

(1)

شرح مختصر الروضة (3/ 227).

ص: 464

عليه وجود الحكم، ويكون خارجًا عن حقيقته وماهيته، ويظهر من هذا أن الركن والشرط يتفقان بأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، وإذا نقص الركن أو الشرط بطل أو فسد الحكم.

ويختلفان بأن الركن جزء من الماهية، والشرط ليس جزءًا من الماهية، والمثال يوضح ذلك.

فالركوع ركن يتوقف عليه وجود الصلاة، وهو جزء منها، وكذا السجود وقراءة الفاتحة، والقيام، والصيغة في العقد ركن، وإذا اختل الركن بطلت الصلاة أو العقد.

أما الوضوء فشرط يتوقف عليه وجود الصلاة، ولكنه خارج عن الصلاة؛ لأنه يسبقها، وكذا طهارة الثوب والمكان والجسد، ومثله الشهود في عقد الزواج شرط فيه وخارج عن الزواج، وإذا فقد الشرط فقدت الصلاة وعقد الزواج.

وإذا حصل خلل في الركن كان الخلل في نفس التصرف أو العقد، ولا يتحقق وجود المسبب والماهية، وكان حكمه البطلان باتفاق العلماء، أما إذا حصل خلل في شرط من الشروط كان الخلل في وصف خارج عن الحقيقة، وتكون الحقيقة والماهية موجودة، ولكن لا يترتب عليها أثرها الشرعي لانتفاء الشرط فيها، وحكمها البطلان عند جمهور العلماء كالركن، خلافًا للحنفية الذين وصفوها بالفساد الذي يترتب عليه بعض الآثار.

ص: 465

ولكن الحنفية يفرقون في أثر الفساد بين العبادات والمعاملات، فالعبادات الفاسدة لا أثر لها عندهم، ولا تسقط عن المكلف، ولا تبرأ منها الذمة، كالباطلة، ويتفقون بذلك مع الجمهور فيها، أما المعاملات الفاسدة فإنها يترتب عليها بعض الآثار عندهم، بخلاف المعاملات الباطلة فإنها لا يترتب عليها أثر شرعي.

•‌

‌ العلاقة بين السبب والشرط:

إن الشروط الشرعية تكمل السبب، وتجعل أثره يترتب عليه، وهو المسبب، وإذا وجد السبب ولم يتوفر الشرط فلا يوجد المسبب، فالسبب يلزم منه وجود المسبب عند تحقق الشرط وانتفاء المانع، وإذا لم يتحقق الشرط فلا أثر له، مثل القتل سبب لإيجاب القصاص، إذا تحقق شرطه وهو العمد العدوان، وعقد الزواج سبب لحل الاستمتاع عند تحقق الشرط، وهو حضور الشاهدين، والنصاب سبب لوجوب الزكاة عند تحقق الشرط، وهو حولان الحول، وهكذا فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطًا فيه.

ويتفرع عن هذا الأصل خلاف فقهي بين المذاهب، وهو هل يوجد الحكم بوجود سببه مع عدم الشرط أو تأخره، أم لا؟، وذلك أن الحكم يتوقف على وجود السبب وتحقق الشرط، فإن وجد السبب فقط، فهل يصح أن يقع الحكم بدون الشرط أم لا يصح؟

ص: 466

ذهب بعض الفقهاء إلى مراعاة السبب ووقوع المسبب عليه دون توقفه على الشرط، وذهب آخرون إلى توقف الحكم على تحقق الشرط، مراعاة لأثر الشرط، وإن اختفاء الشرط مانع للسبب من تأثيره في وجود المسبب، وتطبيق القواعد يرجح القول الثاني، والقول الأول يعتمد على النصوص في الحديث، فجعلوا ذلك استثناء من القاعدة العامة، والأمثلة الفقهية توضح ذلك، مثل الاختلاف في جواز تعجيل الزكاة عند الحنفية والشافعية فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، والحول شرط له، فعلى القول الأول يجوز تعجيل الزكاة قبل تحقق الشرط، وعلى القول الثاني لا يجوز تعجيل الزكاة إلا بعد حولان الحول على النصاب، ومثل تعجيل الكفارة قبل الحنث عند الشافعية، كمن حلف يمينًا على إثم مثلًا، فاليمين سبب الكفارة، والحنث شرطها، فعلى القول الأول يجوز تقديم الكفارة ثم الحنث في اليمين، واستدلوا بما رواه مسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» ، وعلى القول الثاني: لا يجوز، ومثل العفو عن القاتل من القتيل؛ لأن الضرب المؤدي إلى الموت سبب في القصاص أو الدية، والزهوق شرط، ويجوز العفو من القتيل قبل زهوق روحه باتفاق، وتفصيل الأدلة والآراء في كتب الفقه.

ص: 467

ويتفق الشرط والسبب في حالة العدم، فإذا عدم السبب عدم المسبب، وإذا عدم الشرط عدم المشروط ويختلفان في حالة الوجود، فإذا وجد الشرط فلا يلزم منه وجود الحكم، كالوضوء لا يلزم من وجوده وجوب إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود النكاح.

أما السبب فيلزم من وجوده وجود الحكم، فإذا وجد الوقت وجبت الصلاة، ووجب الصيام.

•‌

‌ أنواع الشرط:

ينقسم الشرط عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وهي:

•‌

‌ أولًا: تقسيم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب

(1)

:

ينقسم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب إلى نوعين:

1 -

الشرط المكمل للسبب: وهو الذي يكمل السبب حتى ينتج أثره في الحكم وهو المسبب، مثل حولان الحول في وجوب الزكاة في النصاب، فالنصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يتحقق وجود النصاب الدال على الغنى إلا بشرط حولان الحول، فالحول شرط مكمل للنصاب، والعمد والعدوان شرطان في القتل الموجب للقصاص،

(1)

الوجيز للزحيلي (1/ 407).

ص: 468

فالقتل سبب، والقصاص مسبب، ولا يرتبط السبب والمسبب إلا إذا تحقق شرطا العمد والعدوان، والقدرة على تسليم المبيع شرط لصحة البيع الذي هو سبب ثبوت الملك، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم، وهكذا، وعدم هذه الشروط يفيد عدم الأسباب.

2 -

الشرط المكمل للمسبب: وهو الذي يكمل المسبب وهو الحكم، فالطهارة وستر العورة شرطان يكملان الصلاة؛ لأن عدم الشرط يستلزم عدم الحكم.

•‌

‌ ثانيًا: تقسيم الشرط باعتبار جهة اشتراطه

(1)

:

ينقسم الشرط من حيث جهة اشتراطه إلى قسمين:

1 -

الشرط الشرعي: وهو ما كان مصدر اشتراطه الشرع، مثل الشروط التي وردت في العبادات، والمعاملات، وإقامة الحدود.

أنواع الشرط الشرعي:

الشرط الشرعي أنواع: شرط وجوب، وشرط صحة، وشرط أداء، وشرط قبول.

أ- شرط الوجوب هو: ما يصير الإنسان به مكلفًا كالنقاء من الحيض والنفاس، فإنه شرط في وجوب الصلاة، وبلوغ الدعوة إلى

(1)

علم أصول الفقه لخلاف (119)، الوجيز للزحيلي (1/ 408).

ص: 469

شخص شرط في وجوب الإيمان عليه.

ب- شرط الصحة هو: ما جعل وجوده سببًا في حصول الاعتداد بالفعل وصحته، فهو الشرط الذي تتخلف الصحة بتخلفه، مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة للصلاة.

ج- شرط الأداء هو: حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع الفعل؛ فيخرج بذلك الغافل، والنائم، والساهي، ونحوهم، فإنهم غير مكلفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم.

د- شرط القبول: وهو الذى يكون سببًا في قبول الأعمال كالإسلام شرط لقبول الأعمال، وشرط القبول فقط هو الذى يعمل متقدمًا ومتأخرًا، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزامٍ:«أسلمت على ما سلف من خير»

(1)

.

2 -

الشرط الجعلي: وهو ما كان مصدر اشتراطه المكلف، كما لو اشترطت المرأة تقديم معجل المهر كله، وكما لو اشترط المشتري نقل المبيع أو استلامه في مكان معين، ولا بد أن يكون الشرط الجعلي موافقًا لحكم الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد أو التصرف، فإن كان منافيًا له بطل التصرف كما لو اشترطت المرأة في عقد الزواج عدم

(1)

أخرجه البخاري (1436)، ومسلم (123) من حديث حكيم بن حزام مرفوعًا.

ص: 470

المعاشرة، أو اشترط البائع تقييد ملكية المشتري، ولذا تتفاوت درجات الشرط الجعلي:

أ- إما أن يكون مكملًا لحكمة الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد، ومحققًا للغاية منه، كاشتراط الكفالة أو الرهن في الدين المؤجل، وهذا القسم متفق على صحته.

ب- وإما أن يكون الشرط الجعلي مخالفًا لمقتضى العقد، ومتعارضًا معه، وغير ملائم لمقصود المشروط فيه، ولا مكملًا لحكمته، كأن يشترط الزوج عدم الإنفاق على زوجته، أو أن يشترط البائع عدم انتفاع المشتري بالعين، وهذا القسم متفق على بطلانه وإلغائه.

ج- وإما أن يكون شرطًا زائدًا على مقتضى العقد، وهو الذي يقترن فيزيد من التزامات أحد الطرفين، أو يقوي هذه الالتزامات، وحكم هذا النوع مختلف فيه بين المذاهب اختلافًا واسعًا، فقد أجاز هذا الاشتراط وتوسع به المذهب الحنبلي والمالكي، وضيق فيه المذهب الحنفي والشافعي.

ص: 471

•‌

‌ ثالثًا: تقسيم الشرط باعتبار إدراك الرابطة مع المشروط

(1)

:

ينقسم الشرط من جهة إدراك الرابطة والعلاقة بينه وبين المشروط إلى أربعة أنواع:

1 -

الشرط الشرعي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم الشرع، كالوضوء للصلاة.

2 -

الشرط العقلي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم العقل، مثل ترك ضد الواجب لحصوله، كترك الأكل شرط لصحة الصلاة، ومثل اشتراط الحياة للعلم، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، ومثل الفهم في التكليف.

3 -

الشرط العادي: وهو ما تكون العلاقة بينه وبين مشروطه ناتجة عن حكم العادة والعرف، كغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، ومثل الغذاء للحيوان أي لحياته، وملاصقة النار للجسم في الإحراق، ومقابلة الرائي للمرئي.

4 -

الشرط اللغوي: وذلك في صيغ التعليق، مثل: إنها طالق إن خرجت من البيت، وهذا النوع له حكم السبب.

(1)

مختصر التحرير (1/ 455).

ص: 472

والشرط اللغوي يلزم منه وجود المشروط، وإذا عدم عدم المشروط.

تنبيه: إن أدى الاشتغال بالشرط إلى ضياع المشروط سقط الشرط ولا يكون الإنسان مكلفًا به، يقول ابن تيمية: الإجماع على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن وقتها، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهولا يجده إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير بالاتفاق

(1)

.

(1)

مجموع الفتاوى (22/ 57).

ص: 473

‌ثالثًا: المانع

المانع لغة هو: الحائل بين الشيئين، يقال: منعه الأمر، ومنعته منه، فهو ممنوع أي: محروم، والمانع: اسم فاعل من المنع ضد الإعطاء.

ثانيًا: المانع في الاصطلاح هو: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته

(1)

.

• شرح التعريف وبيان محترزاته:

قولنا: ما يلزم من وجوده العدم: أخرج السبب؛ لأن السبب يلزم من وجوده وجود الحكم، وأخرج الشرط؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم -كما سبق بيانه-.

وقولنا: ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم: أخرج الشرط أيضًا؛ لأن الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم.

وقولنا: لذاته: للاحتراز عن مقارنة عدم المانع لوجود سبب آخر،

(1)

التحبير شرح التحرير للمرداوي (1/ 1072).

ص: 474

فإنه يلزم الوجود، ولكن لا لعدم المانع، وإنما لوجود السبب الآخر، مثل: المرتد القاتل لولده، فإن هذا يقتل بالردة، وإن لم يقتل قصاصًا؛ لأن المانع إنما منع أحد السببين فقط وهو القصاص، وقد حصل القتل بسبب آخر، وهو الردة

(1)

.

وقيل في تعريفه: هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب

(2)

.

مثاله: اختلاف الدين والقتل في الميراث، فإذا وجدت الزوجية أو القرابة، وهما سببان للإرث، فلا يتم الميراث إلا إذا انتفى المانع، وهو اختلاف الدين أو القتل والأبوة مانع من القصاص، فإذا وجد القتل وهو سبب للقصاص، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، فلا ينفذ القصاص إلا إذا انتفى المانع، فإن وجد فلا قصاص.

•‌

‌ العلاقة بين السبب والشرط والمانع:

من التعريف والشرح تظهر العلاقة بين السبب والشرط من جهة وبين المانع من جهة أخرى.

فالمانع يوجد مع وجود السبب وتوفر الشرط، ويمنع ترتب

(1)

شرح مختصر الروضة (1/ 434).

(2)

الوجيز للزحيلي (1/ 415).

ص: 475

المسبب على سببه، فالشارع أخبرنا بوجوب الأحكام عند وجود السبب، والشرط، وانتفاء المانع، وعدم وجوب الأحكام أو عدم وجودها عند انتفاء السبب، والشرط، أو وجود المانع.

فالمانع عكس الشرط؛ لأنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع عكس السبب أيضًا، لأنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، أما المانع فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم

(1)

.

ملحوظة: قد يلتبس الشرط مع عدم المانع؛ لأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، ولذلك اعتبر بعض العلماء من شروط الصلاة: ترك المناهي من الكلام والطعام وغيرهما، ولكن الإمام النووي رحمه الله حقق ذلك، وقال: إنها ليست شروطًا للصلاة، وإنما سميت بذلك مجازًا، وإنما هي مبطلات؛ لأن الشرط وصف وجودي وعدم المانع وصف عدمي.

الفرق بينهما -على تقدير التغاير-: أن الشرط لا بد أن يكون وصفًا وجوديًّا. وأما عدم المانع فعدميٌّ، ويظهر أثر ذلك في التغاير: إن عدم

(1)

الوجيز للزحيلي (1/ 416).

ص: 476

المانع يكتفى فيه بالأصل، والشرط لا بد من تحققه، فإذا شك في شيءٍ يرجع لهذا الأصل.

ولذلك عدت الطهارة شرطًا؛ لأن الشك فيها مع تيقن ضدها المستصحب يمنع انعقاد الصلاة

(1)

.

•‌

‌ أنواع المانع

(2)

:

ينقسم المانع عدة أقسام باعتبارات مختلفة:

•‌

‌ أولًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره على الحكم والسبب:

ينقسم المانع في الأصول من حيث تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين:

1 -

مانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم:

كالأبوة في القصاص، فإنها منعت القصاص مع وجود السبب وهو القتل، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، ولكن وجد مانع الأبوة فيمنع القصاص، والحكمة أن الأب سبب وجود الابن، وهذا يقتضي ألا يصير الابن سببًا لموت الأب، ومثل ذلك القتل يمنع الإرث.

(1)

مختصر التحرير (460).

(2)

شرح العضد على مختصر المنتهى (2/ 225)، الوجيز للزحيلي (1/ 419).

ص: 477

وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ- المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، وهو الذي يزيل العقل كالنوم أو الجنون أو الإغماء، فإنها تمنع الخطاب التكليفي، وتكون مانعة للحكم.

ب- المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، لكن المانع يرفع التكليف مع إمكان اجتماعه، كالحيض والنفاس والجنابة مانعة للصلاة، كما أن الحيض والنفاس مانعان للصيام.

ج- المانع الذي يرفع اللزوم في التكليف، ويحوله من طلب حتمي إلى التخيير، كالمرض المانع من فريضة الجمعة، وإن صلى صحت صلاته، والأنوثة المانعة من صلاة الجمعة، وإن صلت صحت صلاتها.

2 -

المانع للسبب لحكمة تخل بحكمة السبب:

كالدين في الزكاة، فهو مانع أبطل سبب وجوب الزكاة، وهو ملك النصاب؛ لأن مال المدين أصبح كأنه ليس ملكه، لوجود حق الدائنين؛ ولأن دفع الدين وإبراء الذمة أولى من مساعدة الفقراء والمساكين، وهذا عند الحنفية والجمهور، خلافًا للشافعية في الجديد.

يقول الآمدي: والمانع منقسم إلى مانع الحكم ومانع السبب، أما

ص: 478

مانع الحكم: فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم المسبب، مع بقاء السبب، كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد والعدوان.

وأما مانع السبب: فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينًا، كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب

(1)

.

•‌

‌ ثانيًا: أنواع المانع باعتبار مصدره:

1 -

إما أن يكون سماويًّا: كالجنون والعته والنوم.

2 -

وإما أن يكون مكتسبًا: كالسكر فإنه مانع للتكليف، والقتل فإنه مانع من الإرث.

•‌

‌ ثالثًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره في الحكم:

ينقسم المانع باعتبار تأثيره في الحكم إلى ثلاثة أنواع:

1 -

ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره.

مثل: الحيض والنفاس يمنعان الابتداء في الصلاة والدوام فيها.

2 -

ما يمنع من الابتداء دون الدوام.

مثل: الإحرام للنكاح، فالإحرام يمنع من حدوث نكاح جديد،

(1)

الإحكام في أصول الأحكام (1/ 130)، الوجيز للزحيلي (1/ 418).

ص: 479

ولكن لا يمنع دوام النكاح القديم.

وكذلك الإسلام بالنسبة للسبي يمنع من الابتداء، ولكنه لا يمنع من الدوام فيه، فلو أسلم بعد أن صار مملوكًا فلا ينقطع عنه الرق.

3 -

ما يمنع من الدوام دون الابتداء.

مثل: الطلاق للنكاح، فالطلاق يمنع دوام النكاح القديم، ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح آخر

(1)

.

فائدة: الفرق بين الابتداء والدوام في الأحكام:

قال ابن القيم: وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام ينافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتها، والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام،

(1)

شرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 463)، الوجيز للزحيلي (1/ 419) بتصرف يسير.

ص: 480

وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداءً ولا ينافيه دوامًا.

وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطريان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يفرق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه، وأيضًا فهو مستصحبٌ بالأصل، وأيضًا فالدافع أسهل من الرافع، وأيضًا فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمستدام تابعٌ لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نصٌّ لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس

(1)

؟!

•‌

‌ رابعًا: أنواع المانع عند الحنفية:

قسم الحنفية المانع إلى خمسة أنواع وهي

(2)

:

1 -

ما يمنع انعقاد السبب، مثل انتفاء المحلية في البيع، فإنه مانع له كبيع الحر.

(1)

إعلام الموقعين (2/ 247) بتصرف.

(2)

كشف الأسرار عن أصول البزدوي (4/ 34).

ص: 481

2 -

ما يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالسبب وهو البيع قد تم في حق العاقد، ولا يستطيع إبطاله، ولم يتم العقد في حق المالك لعدم ولاية العاقد عليه، فهو بالخيار بين إجازته أو إبطاله.

3 -

ما يمنع ابتداء الحكم، كخيار الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقهما، ولكن الخيار منع ملكية المبيع للمشتري.

4 -

ما يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالملك ثبت بالعقد، ولكن لا يتم إلا بعد الرؤية، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته.

5 -

ما يمنع لزوم الحكم، كخيار العيب، فالملك ثابت وتام، وللمشتري ولاية التصرف في المبيع، ولكن العيب مانع من لزوم العقد، فالعقد غير لازم، وللمشتري طلب فسخ العقد

(1)

.

(1)

الوجيز للزحيلي (1/ 420).

ص: 482

‌رابعًا: الصحيح

الصحة لغة: خلاف السقم، وهي: عبارة عن السلامة وعدم الاختلال، فيقال: صح فلان من علته. أي: أصبح لا سقم فيه

(1)

.

والحكم الصحيح في الاصطلاح الأصولي:

ما ترتبت عليه آثاره الشرعية من براءة الذمة، وسقوط المطالبة في العبادات، ونفاذ العقد في العقود والتصرفات

(2)

.

هل الصحة والبطلان من الحكم الوضعي؟

انقسم العلماء في وصف الصحة والفساد والبطلان، وهل تدخل في الحكم الوضعي أم في الحكم التكليفي؟ على أربعة أقوال:

1 -

قال ابن الحاجب: إن الصحة والبطلان أو الحكم بهما أمر عقلي، فالفعل إما أن يكون مسقطًا للقضاء، أو يكون موافقًا أمر

(1)

لسان العرب لابن منظور (2/ 507).

(2)

تيسير علم أصول الفقه للجديع (61).

ص: 483

الشارع، فالفعل صحيح بحكم العقل، وإما أن لا يسقط القضاء، أو لا يوافق أمر الشرع فهو باطل وفاسد بحكم العقل

(1)

.

2 -

وقال بعض العلماء: إن الصحة أو الفساد صفة للفعل وليس للحكم، وتدخل في المحكوم فيه، وليس في الحكم، وإنها أوصاف ترد على الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو كانت وضعية.

3 -

قال جماعة: الصحة والفساد من الحكم التكليفي، فالصحيح هو المباح، والباطل والفاسد هو المحرم.

4 -

وقال أكثر العلماء: إنهما من خطاب الوضع، بمعنى أنه حكم بتعلق شيء بشيء تعلقًا زائدًا على التعلق الذي لا بد منه في كل حكم، فالشارع حكم بتعلق الصحة بهذا الفعل، وحكم بتعلق الفساد أو البطلان بذلك.

والراجح أن الصحة والفساد من خطاب الوضع، وأن الصحة والفساد في المعاملات من أحكام الوضع باتفاق؛ لأن المعاملات لا تستتبع ثمراتها المطلوبة إلا بتوقيف من الشارع، وأن ترتب المقصود من العقد يدل على أنه صحيح، وعدم ترتبه عليه يدل على الفساد، فالصحة موافقة الفعل لأمر الشارع على وجه، والفساد عدم موافقة

(1)

مختصر ابن الحاجب (1/ 405).

ص: 484

الفعل لأمر الشارع.

وينحصر الخلاف في الصحة والفساد المتعلقين بالعبادات لاختلاف الغاية منها، يقول الكمال بن الهمام: إن ترتب الأمر على الفعل حكم وضعي، ويعني معرفة كون العبادة مسقطة للقضاء أم لا

(1)

.

•‌

‌ مسألة: متى يكون الشيء صحيحًا؟

الجواب: يكون الشيء صحيحًا إذا تمت أركانه، وشروطه، وانتفت موانعه، فإن فقد ركن أو شرط من الشروط أو وجد مانع من الموانع امتنعت الصحة.

فإذا حصل السبب، وتوفر الشرط، وانتفى المانع، ترتبت الآثار الشرعية على الفعل، كما إذا أدى المكلف فعلًا من الأفعال، مستكملًا أركانه وشروطه ترتب الأثر الذي وضعه الشارع عليه، كسقوط الواجب وإبراء الذمة في العبادات، وترتب المسبب على السبب، وإقامة المشروط على الشرط، وتحقق الآثار في المعاملات والعقود.

(1)

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع لأبي زرعة العراقي (39)، الوجيز للزحيلي (1/ 424).

ص: 485

•‌

‌ مسألة: هل هناك تلازم بين الصحة والثواب؟

الجواب: لا تلازم بينهما، ولكن إذا كان الشيء صحيحًا تبرأ به الذمة.

فالصحيح من العبادات ما برئت به الذمة وسقط به الطلب.

وقد يكون العمل صحيحًا غير مقبول: مثال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العبد الآبق لا تقبل له صلاة»

(1)

، أو قوله عليه الصلاة والسلام:«من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة»

(2)

.

فمعنى أن تكون العبادة مقبولة أي تبرأ بها الذمة، ويثاب فاعلها عليها، ونفي القبول ينفي إبراء الذمة وينفي الثواب، ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل.

وهنا قوله عليه الصلاة والسلام: «العبد الآبق لا تقبل صلاته» ، فالأصل أن معنى «لا تقبل» أي لم تبرأ بها ذمته، ولا ثواب عليها، لكن المراد هنا نفي الأجر دون إبراء الذمة، قال ابن الصلاح: فصلاة العبد الآبق صحيحة غير مقبولة، فيظهر أثر عدم القبول في عدم الثواب، ويظهر أثر

(1)

أخرجه مسلم (70) من حديث جرير مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (2230) من حديث بعض أزواج النبي مرفوعًا.

ص: 486

الصحة في سقوط القضاء، ولا يعاقب عقوبة تارك الصلاة

(1)

.

وقوله: «من أتى عرافًا فسألة عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا» ، فمعنى «لم تقبل» أي لا ثواب عليها، ولكنها برئت بها ذمته، فالأصل أن نفي القبول هو نفي إبراء الذمة ونفي الثواب، ولكن أتى الإجماع على إبراء الذمة، ولا يلزمه القضاء.

قال الإمام النووي: وأما عدم قبول صلاته فمعناه: أنه لاثواب له فيها وإن كانت مجزئةً في سقوط الفرض عنه ولايحتاج معها إلى إعادةٍ، ونظير هذه الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لاثواب فيها كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتي بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرضٍ مغصوبة حصل الأول دون الثاني، ولابد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لايلزم من أتى العراف إعادة صلوات أربعين ليلةً فوجب تأويله، والله أعلم

(2)

.

(1)

شرح مسلم (2/ 58).

(2)

شرح مسلم (14/ 227).

ص: 487

ضابط المسألة: قال ابن العراقي: ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول، ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه- أنا ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصيةٌ - كحديث شارب الخمر ونحوه-؛ انتفى القبول أي الثواب؛ لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم تقارنه معصيةٌ، كحديث:«لا صلاة إلا بطهورٍ»

(1)

، ونحوه، فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم (224) من حديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ "لا تقبل صلاة بغير طهور".

(2)

شرح مختصر التحرير (1/ 470)، وما بعدها.

ص: 488

‌خامسًا: الباطل

الباطل لغة: من بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه، ويتعدى بالهمزة فيقال: أبطله، وبطل: ذهب ضياعًا وخسرانًا

(1)

.

الباطل في الاصطلاح: تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره، وآثاره في نظر الشرع

(2)

.

فالباطل: هو الذي لا يترتب على فعله الآثار الشرعية، فإن كان واجبًا فلا يسقط عنه، ولا تبرأ ذمته، وإن كان سببًا فلا يترتب حكمه، وإن كان شرطًا فلا يوجد المشروط.

•‌

‌ هل الفاسد والباطل مترادفان؟ اختلف في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أنهما مترادفان. ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، فوجب عدم التفريق بينهما في الشرع؛ حملًا للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛

(1)

القاموس المحيط للفيروز آبادي (966).

(2)

المدخل الفقهي للزرقا (1/ 625).

ص: 489

لأن الأصل عدم التغيير.

وعلى هذا: فتعريف الباطل هو نفس تعريف الفاسد السابق الذكر، فهما اسمان لمسمى واحد، ولفظان مترادفان، فكل فاسد باطل، وكل باطل فاسد.

المذهب الثاني: التفصيل، وهو ما ذهب إليه الحنفية.

أما في باب العبادات فإن الفاسد والباطل مترادفان.

وأما في باب المعاملات، فإنه يوجد عندهم فرق بين الباطل والفاسد.

فهم أثبتوا فرقًا بين الباطل والفاسد في المعاملات، حيث رتبوا على العقود الفاسدة بعض الآثار الشرعية، وجعلوا الفاسد مرتبة متوسطة بين الصحيح والباطل، فهو قسم ثالث مغاير عندهم للصحيح والباطل، فقالوا: الصحيح هو ما كان مشروعًا بأصله ووصفه جميعًا. أي: ما استجمع أركانه وشروطه، بحيث يكون معتبرًا شرعًا كالبيع الصحيح.

قالوا: والباطل هو ما لم يكن مشروعًا بأصله، ولا بوصفه. أي: ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، وذلك إما لانعدام معنى التصرف كبيع الدم والميتة، وإما لانعدام أهلية التصرف كما في بيع الصبي والمجنون.

ص: 490

قالوا: والفاسد ما كان مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه، كبيع الدرهم بالدرهمين، فإنه مشروع بأصله من حيث إنه بيع ولا خلل في ركنه، ولا في محله، ولكنه غير مشروع بوصفه، وهو الفضل؛ لأنه زيادة في غير مقابل، فكان فاسدًا، لا باطلًا، لملازمته للزيادة، وهي غير مشروعة، ولكن لو حذفت تلك الزيادة لصح البيع، ولم يحتج إلى عقد جديد.

دليل هذا المذهب:

العلة التي جعلت الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل في باب المعاملات خاصة هي: أنه لما كان المقصود من العبادات هو التعبد فقط، وهو لا يكون إلا بالامتثال والطاعة، فإن المخالفة فيها تكون مفوتة للمقصود، فلا يظهر وجه للتفرقة بين باطل وفاسد فيها، فذمة المكلف لا تبرأ بصلاة فاسدة، كما لا تبرأ بصلاة باطلة.

أما المعاملات فإنه لما كان المقصود منها هو مصالح العباد الدنيوية، فإن المجال مفتوح فيها، وتحققها في نفسها ممكن حتى مع وجود خلل في وصفها، فلا تنعدم بالكلية إلا إذا كان الخلل فيها راجعًا إلى الحقيقة والماهية.

فجعلوا الباطل فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أركان العقد، أو إلى العاقدين، أو إلى محل العقد، كما في بيع الملاقيح -وهي ما في

ص: 491

بطون الحوامل من الأجنة- وكما في بيع المضامين -وهي ما في أصلاب الفحول من الماء- فإن بيع الحمل وحده، أو الماء وهو في صلب الفحل غير مشروع البتة، وليس امتناعه لأمر عارض، فكان باطلًا لذلك.

وجعلوا الفاسد فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أوصاف العقد الخارجية، لا إلى أركانه وذلك كما في بيع الدرهم بالدرهمين.

حيث إن الدراهم في ذاتها قابلة للبيع، وإنما امتنع هذا البيع، نظرًا لاشتمال أحد الجانبين فيه بالزيادة، فهو مشروع من حيث إنه بيع، وممنوع من حيث انعقاد الربا، ولذلك قالوا: لو حذفنا تلك الزيادة وهي الدرهم لصح البيع.

الجواب عن التفريق بين الباطل والفاسد:

يجاب عن ذلك بجوابين:

الجواب الأول: أنا لا نسلم تفسير الحنفية للفاسد، وهو: ما كان مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه؛ لأن كل ممنوع بوصفه، فهو بلا شك ممنوع بأصله، حيث إنه لا يثمر، ولا يترتب عليه آثار.

فإذا كان الفاسد لا يثمر، والباطل لا يثمر أيضًا فهما متساويان ولا فرق بينهما.

ص: 492

الجواب الثاني: أن هذا التفريق بين الفاسد والباطل غير مسلم من جهة النقل، وبيان ذلك: أن مقتضى هذا التفريق هو أن يكون الفاسد هو الموجود على نوع من الخلل، والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه، وقد سمى الله تعالى الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا، حيث قال تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ، فسمى السموات والأرض فاسدة على تقدير الشريك ووجوده، ودليل التمانع يقتضي أن العالم على تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده لحصول التمانع، لا أنه يكون موجودًا على نوع من الخلل، فقد سمى الله تعالى هذا الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا.

فالذي لا تثبت حقيقته بوجه يطلق على الفاسد والباطل فلم يكن على هذا بينهما فرق

(1)

.

•‌

‌ أساس الاختلاف في الفساد والبطلان:

يرجع الاختلاف في الحكم غير الصحيح وتقسيمه إلى فاسد وباطل، وظهور مرتبة الفساد والبطلان عند الحنفية خلافًا للجمهور، لسببين رئيسيين:

الأول: مقتضى النهي. فقال الجمهور: الأصل أن النهي يقتضي

(1)

شرح مختصر الروضة (1/ 455)، المهذب للنملة (1/ 414 - 417).

ص: 493

البطلان والفساد، سواء ورد على ذات الأمر وحقيقته أو ورد على وصف فيه.

وقال الحنفية: إذا ورد نهي الشارع على ذات الشيء وحقيقته فهو باطل، وإن ورد النهي على وصف في الشيء مع مشروعية الأصل فالنهي يفيد الفساد؛ ولذا عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، فالربا بيع مع زيادة ومنفعة لأحد العاقدين، والبيع مشروع، والنهي ورد على الوصف الزائد، فكان البيع مع الربا فاسدًا لا باطلًا.

الثاني: الفرق بين الركن والشرط. وقد سبق الكلام عن الفرق بين الركن والشرط، وأن الركن والشرط يتوقف عليهما الشيء، ولكن الركن داخل في الماهية، والشرط خارج عن الماهية، فإذا اختل الركن فالعقد باطل باتفاق العلماء، وإن اختل الشرط فقال الجمهور: العقد باطل وفاسد بمعنى واحد. وقال الحنفية: العقد فاسد لكون الخلل في وصف خارج عن الشيء

(1)

.

ملحوظة: فرق بعض العلماء من غير الحنفية بين الباطل والفاسد في مسائل:

قال الزركشي: اعلم أن أصحابنا فرقوا بين الفاسد والباطل في

(1)

الوجيز للزحيلي (1/ 427).

ص: 494

مواضع:

أولها، وثانيها: الخلع والكتابة، فالباطل منهما ما كان على غير عوضٍ مقصودٍ كالميتة، أو رجع إلى خللٍ في العاقد كالصغر والسفه، والفاسد خلافه، وحكم الباطل أن لا يترتب عليه مالٌ، والفاسد يترتب عليه العتق والطلاق، ويرجع الزوج بالمهر، والسيد بالقيمة.

وثالثها: الحج يبطل بالردة ويفسد بالجماع. وحكم الباطل أنه لا يجب قضاؤه ولا يمضي بخلاف الفاسد.

ومنها: لو نكح بلا وليٍّ فهو فاسدٌ يوجب مهر المثل لا الحد، ولو نكح السفيه بلا إذنٍ فباطلٌ لا يترتب عليه شيءٌ.

وقال الإمام أبو الحسن السبكي: عندي أن أصحابنا لم يوافقوا الحنفية في هذا التفريق أصلًا؛ لأن الحنفية يثبتون بيعًا فاسدًا يترتب عليه مع القبض أحكامٌ شرعيةٌ، ونحن لا نقول ذلك، وإنما العقود لها صورٌ لغةً وعرفًا من عاقدٍ ومعقودٍ عليه وصيغةٍ، ولها شروطٌ شرعيةٌ فإن وجدت كلها فهو الصحيح، وإن فقد العاقد أو المعقود عليه أو الصيغة أو ما يقوم مقامها فلا عقد أصلًا، ولا يحنث به إذا حلف لا يبيع ونسميه بيعًا باطلًا مجازًا، وإن وجدت وقارنها مفسدٌ من عدم شرطٍ ونحوه، فهو فاسدٌ، وعندنا هو باطلٌ خلافًا لهم.

ص: 495

ووافقونا على البطلان إذا كان الفساد لصفة المعقود عليه كبيع الملاقيح. ونحن لا نرتب على الفاسد شيئًا من الأحكام الشرعية

(1)

.

تنبيه: قال أبو العباس ابن تيمية: لم يرد في لفظ الكتاب والسنة الصحة والفساد، بل الحق والباطل، وإنما الصحة اصطلاح الفقهاء. ثم علق الزركشي بقوله: وورد لفظ الإجزاء كثيرًا، وهو قريبٌ من الصحة، ثم إن الجمهور لم يسمحوا بإطلاق الفاسد، وإنما قالوا: هي صلاةٌ صحيحةٌ أو شبيهةٌ بها، كإمساك رمضان

(2)

.

(1)

البحر المحيط بتصرف (1/ 323).

(2)

البحر المحيط (2/ 20).

ص: 496

‌العزيمة

تعريف العزيمة لغة: مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى:{فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)} : أي قصدًا بليغًا متأكدًا في العصيان.

وعزائم الله: فرائضه التي أوجبها الله وأمرنا بها.

وأولو العزم من الرسل: هم الذين عزموا على إمضاء أمر الله فيما عهد إليهم، وسموا بذلك لتأكد قصدهم في طلب الحق

(1)

.

واصطلاحًا هو: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح

(2)

.

•‌

‌ شرح التعريف وبيان محترزاته:

قولنا: الحكم الثابت: أخرج الحكم غير الثابت كالمنسوخ، فلا يسمى عزيمة؛ حيث إنه لم يبق مشروعًا أصلًا.

(1)

شرح مختصر الروضة (ص 267).

(2)

شرح الكوكب المنير (1/ 476)، شرح مختصر الروضة (ص 457).

ص: 497

وهذه العبارة وهي: الحكم الثابت: عام وشامل لجميع الأحكام التكليفية؛ لأن كلًّا منها حكم ثابت.

قولنا: بدليل شرعي: أخرج ما ثبت بدليل عقلي، فإن ذلك لا يستعمل فيه العزيمة.

قولنا: خال عن معارض: أخرج ما ثبت بدليل شرعي، ولكنه معارض بدليل مساو، أو دليل راجح؛ لأنه إن كان المعارض مساويًا لزم الوقف، وحينئذ يجب طلب المرجح الخارجي.

وإن كان المعارض راجحًا، فإنه يجب العمل بمقتضاه، وتنتفي العزيمة.

قولنا: راجح: أخرج الرخصة؛ لأن الرخصة حكم ثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح وهو العذر، فمثلًا: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، فإذا وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم، وهو قوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)} ، وهو راجح على دليل التحريم، وهو قوله:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ، وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس، والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة، وما فيها من الخبث.

ص: 498

•‌

‌ مسألة: في أنواع العزيمة:

يدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية:

1 -

ما شرع ابتداءً من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام.

2 -

ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين لله سبحانه وتعالى، فحرم الله تعالى سب الأوثان والطواغيت؛ لأنه ذريعة إلى سب الله تعالى، قال تعالى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ} [الأنعام: 108]، ومثله منع استعمال لفظ «راعنا» لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول الله، فقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} ، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي صلى الله عليه وسلم، أخزاهم الله ولعنهم.

3 -

ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه

ص: 499

إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة:{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم:«كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة»

(1)

.

4 -

الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى:{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229]، فقد حرم الله تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق، وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات الله فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق يدها، وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم (977) من حديث بريدة مرفوعًا.

(2)

الموافقات (1/ 469)، الوجيز للزحيلي (433).

ص: 500

‌الرخصة

الرخصة لغة: مشتقة من الرخص، وهو: اليسر والسهولة، يقال: رخص لنا الشرع في كذا. إذا يسره وسهله علينا، وهو أيضًا مشتق من اللين والمسامحة

(1)

.

واصطلاحًا هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر

(2)

.

•‌

‌ شرح التعريف وبيان محترزاته:

قولنا: الحكم: جنس يشمل العزيمة والرخصة.

قولنا: الثابت: يوضح أنه لا بد من دليل على الرخصة، فإن لم تثبت الرخصة بدليل لم يجز الإقدام عليها والعمل بها، وإلا لزم ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، وهذا باطل.

قولنا: على خلاف الدليل: يشمل الدليل الخاص، وهو ما يقتضي

(1)

المصباح المنير للفيومي (1/ 223).

(2)

نهاية السول للإسنوي (1/ 33)، الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع للكوراني (1/ 287).

ص: 501

الحرمة والوجوب والندب، كما يشمل الدليل العام كدليل الأصل في نحو قولهم: الأصل كذا. والأصل من الأدلة الشرعية.

وهذه العبارة -على خلاف الدليل- أخرجت أمورًا هي:

الأول: العزيمة؛ لأنها على وفق الدليل، لا على خلافه.

الثاني: الأحكام الثابتة على وفق الدليل مثل إباحة الأكل والشرب والنوم، حيث إنه لم يوجد دليل على منع هذه الأشياء حتى تكون إباحتها ثابتة على خلافه، فلا تكون رخصة، وإن وجد فيها نوع من اليسر والسهولة.

الثالث: الحكم الثابت بدليل ناسخ لحكم ثبت بمنسوخ؛ لأن المنسوخ لا يسمى دليلًا مثل: إيجاب ثبات الواحد من المسلمين أمام اثنين من الكفار في الحرب، فإنه ثبت بقوله تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، وهذا الدليل ناسخ لوجوب ثبات الواحد أمام العشرة، فإيجاب ثبات الواحد أمام الاثنين لا يعتبر رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.

الرابع: الحكم الثابت بدليل راجح في مقابلة حكم ثبت بمرجوح، فإن المرجوح لا يسمى دليلًا، وحينئذ فالحكم الثابت بالدليل الراجح لا يسمى رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.

ص: 502

قولنا: لعذر: أي المشقة الشاملة للضرورة والحاجة، فالعذر يشمل الاضطرار من أكل الميتة ونحوها، ويشمل أحكام السفر والمرض ونحوه، وكذلك بعض أنواع العقود من السلم، والمساقاة، والإجارة، والقراض، والعرايا، ونحو ذلك مما يخالف القياس والقواعد المقررة

(1)

.

•‌

‌ مسألة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي أم الحكم الوضعي؟

اختلف العلماء في اعتبارهما داخلين في الحكم الوضعي أم لا على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الفعل المحكوم فيه، وهو رأي بعض العلماء كابن الحاجب، والرازي، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة.

القول الثاني: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي، وهو رأي بعض العلماء، كصدر الشريعة، وابن السبكي، والإسنوي، وابن عبد الشكور.

ونظروا إلى الرخصة والعزيمة كصفة للأحكام التكليفية،

(1)

المهذب للنملة (1/ 449).

ص: 503

فالواجب، أو المندوب، أو المكروه، أو الحرام، أو المباح، إما أن يكون عزيمة ومطلوبًا، وإما أن يكون رخصة ومُخيَّرًا فيه؛ ولذا كانت العزيمة والرخصة تابعة للحكم التكليفي.

القول الثالث: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي، وهو رأي الغزالي، والآمدي، والشاطبي، وذلك أن الأصل في جميع الأحكام أن تكون عزيمة، ولا تنتقل من العزيمة إلى الرخصة إلا لسبب، وهو الضرورة في إباحة المحظور، أو طروء العذر كسبب للتخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس كسبب صحيح في بعض عقود المعاملات بينهم، فارتبطت العزيمة بفقدان السبب الشرعي المبيح، وارتبطت الرخصة بوجود السبب المبيح لها، فالرخصة في الحقيقة عبارة عن وضع الشارع وصفًا من الأوصاف سببًا في التخفيف، والعزيمة عبارة عن اعتبار مجاري العادات سببًا للجري على الأحكام الأصلية، فكانت الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وهذا القول أخذ به كثير من العلماء

(1)

.

(1)

شرح الكوكب المنير (1/ 482)، الوجيز للزحيلي (1/ 430).

ص: 504

• بيان نوع الخلاف:

الخلاف في هذه المسألة لفظي يرجع إلى النظر إلى كل من الرخصة والعزيمة، فاختلف الفريقان بحسب هذا النظر.

فمن نظر إلى أن كلًّا من الرخصة والعزيمة متصفة بالوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وأنه يوجد في العزيمة معنى الاقتضاء، ويوجد في الرخصة معنى التخيير، فإنه عدهما من الأحكام التكليفية.

ومن نظر إلى أن الرخصة في الحقيقة هي وضع الشارع وصفًا معينًا سببًا في التخفيف، وأن العزيمة في الحقيقة هي جعل الشارع الأحوال العادية للمكلفين سببًا لبقاء الأحكام الأصلية واستمرارها في حقهم، فإنه عدهما من الأحكام الوضعية؛ لأنه اعتبر السبب، والسبب من الأحكام الوضعية.

فاختلفت أنظار كل من الفريقين لاختلاف المنظور إليه، فكان هذا الخلاف خلافًا لفظيًّا

(1)

.

(1)

المهذب للنملة (1/ 455).

ص: 505

•‌

‌ مسألة: أقسام الرخصة:

الرخصة تنقسم إلى عدة أقسام هي كما يلي:

القسم الأول: رخصة واجبة، أي: يجب الأخذ بالرخصة، فإن امتنع عن ذلك، ثم مات، أو لحقه ضرر، فإنه يأثم بذلك، ومن أمثلة ذلك:

1 -

أكل الميتة للمضطر، وقلنا ذلك؛ لأنه حكم ثابت على خلاف الدليل وهو قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} لعذر، وهو الاضطرار.

2 -

شرب الخمر لمن غص بلقمة، وخشي على نفسه الهلاك، ولم يجد ما يسيغها إلا به، وقلنا ذلك لقوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء].

وجه الدلالة: أنه لو لم يدفع هذه الغصة بجرعة من الخمر، ثم مات، لكان قاتلًا لنفسه، لذلك يجب عليه شرب الخمر لإساغة هذه اللقمة؛ إبقاء لحياته.

3 -

التيمم للمريض، أو الذي به جراحة مع القدرة على استعمال الماء، وقلنا ذلك لقوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وقوله:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ؛ حيث إن المريض، أو من به جراحة لو استعمل الماء لكان مؤديًا بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه يحتمل احتمالًا راجحًا أن المرض يتزايد، والجراحة تتسع باستعماله لهذا الماء، فلذلك أوجبنا

ص: 506

عليه التيمم إبقاء على نفسه.

القسم الثاني: رخصة مندوبة، أي: إن أخذ بتلك الرخصة فله أجر، وإن لم يفعل فلا وزر عليه.

ومن أمثلة ذلك:

1 -

قصر الصلاة الرباعية للمسافر عند البعض، لقوله صلى الله عليه وسلم:«صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»

(1)

.

2 -

الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، فإنه رخصة مندوبة وقلنا ذلك؛ لورود الأمر به مع ذكر العلة، وهي: أن شدة الحر من فيح جهنم، حيث قال صلى الله عليه وسلم:«أبردوا فإن شدة الحر من فيح جهنم»

(2)

.

القسم الثالث: رخصة مباحة، ومن أمثلة ذلك:

1 -

العرايا، وهي: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصًا فيما دون خمسة أوسق، فالقياس: عدم جواز مثل هذا البيع؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في العرايا

(3)

للحاجة إليها.

(1)

أخرجه مسلم (686) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (535)، ومسلم (616) من حديث أبي ذر مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (2190)، ومسلم (1541) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 507

2 -

السلم وهو: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلًا، وفي المثمن آجلًا، فالقياس: عدم جواز ذلك؛ لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم منهي عنه؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في السلم لحاجة الناس إليه.

3 -

الإجارة، وهي: تمليك المنافع بعوض، والأصل: عدم جواز الإجارة؛ لما فيها من الغرر والجهالة، ولكن رخص الشارع في الإجارة لحاجة الناس.

4 -

التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن هذا يعتبر من الرخص المباحة؛ حيث إن الدليل على وجوب الإيمان قائم، وحرمة التلفظ بالكفر قائمة، وإنما أبيح التلفظ بكلمة الكفر حالة الإكراه فقط مراعاة لحق نفسه؛ حيث يفوت ذلك الحق عند الامتناع صورة ومعنى بتخريب بدنه، وإزهاق روحه، ثم إن إجراء كلمة الكفر على اللسان لا يوجب خللًا في الإسلام؛ لأن بقاء الإسلام ببقاء العقيدة، وأنها لا تفوت بهذا.

لكن لو صبر وامتنع عن التلفظ بكلمة الكفر فإنه يكون آخذًا بالعزيمة، وهو أفضل؛ حيث إنه إذا صبر، وبذل نفسه في دين الله، وقُتِل وهو صابر محتسب فإن فعله هذا أفضل وأولى.

5 -

رؤية الطبيب لعورة الرجل أو المرأة عند الحاجة.

ص: 508

فالدليل قائم على تحريم النظر إلى عورة المرأة والرجل، ولكن إذا احتاج أي واحد منهما إلى طبيب لمعالجة، أو ولادة، فقد أبيح ذلك رخصة، رفعًا للضرر الذي يلحقهما إذا لم يتم معالجتهما.

6 -

الجمع بين الصلاتين في السفر، فهذا من الرخص المباحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعًا.

7 -

تعجيل الزكاة قبل تمام الحول؛ حيث رخص الرسول صلى الله عليه وسلم للعباس رضي الله عنه في تعجيل الزكاة قبل أن تحل.

8 -

النظر إلى المخطوبة؛ حيث ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة -لما علم أنه خطب امرأة-: «انظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما»

(1)

.

(1)

مختلف فيه: أخرجه أحمد (18137) والترمذي (1087) وابن ماجه (1865) من طرق عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا، وبكر بن عبد الله المزني ثقة ثبت جليل لكن مختلف في سماعه من المغيرة فقد نفاه الحاكم كما في سؤالات السجزي (156)، وأبو عوانة كما في المسند (4036)، وابن معين كما ذكر ذلك محققوا مسند أحمد، ولم أقف عليه، وأثبته الدارقطني في العلل (1260).

ص: 509

القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، أي: أن ترك الأخذ بالرخصة أولى وأفضل من فعلها، ومن أمثلة ذلك:

1 -

الإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا: إنه رخصة خلاف الأولى؛ لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ، ولما روي عن أنس، وعثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنهما أنهما قالا:«الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه»

(1)

.

2 -

التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره عليه قد سبق أن ذلك خلاف الأولى؛ لأن الأولى والأفضل عدم التلفظ بكلمة الكفر

(2)

.

•‌

‌ مسألة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟

لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن الأفضل الأخذ بالعزيمة وترجيحها.

أدلة أصحاب هذا المذهب:

الدليل الأول: أن العزيمة هي الأصل المقطوع به، الذي لا يختلف

(1)

ذكره ابن عبد البر في التمهيد (2/ 177) معلقاً، ولم أجده مسندًا عن أنس بن مالك، ورواه ابن أبي شيبة (8983) عن عثمان بن أبي العاص.

(2)

شرح الكوكب المنير (1/ 479)، التمهيد للإسنوي (71)، المهذب للنملة (1/ 654).

ص: 510

فيه، أما الرخصة فسببها ظني، وهو: المشقة؛ وحيث إن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال.

الدليل الثاني: أن العزيمة عامة وشاملة لجميع المكلفين، أما الرخصة فهي خاصة لبعض المكلفين؛ حيث إنها ترجع إلى حالة جزئية بحسب بعض المكلفين، ممن له عذر، أو بحسب بعض الأحوال والأوقات.

الدليل الثالث: أن الأخذ بالرخص قد يصبح ذريعة ووسيلة إلى انحلال العزائم في التعبد، بخلاف الأخذ بالعزائم، فإنه يعود على الثبات في التعبد والأخذ بالحزم في الأمور.

المذهب الثاني: أن الأفضل الأخذ بالرخصة.

أدلة أصحاب هذا المذهب:

الدليل الأول: أن الرخصة مقطوع بها، أما وجود الظن في سببها فلا يؤثر؛ لأن الشارع أوجب العمل بالظن كما أوجب العمل بالقطع.

الدليل الثاني: أن النصوص الدالة على رفع الحرج عن هذه الأمة قد بلغت درجة القطع، مثل قوله تعالى:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ، وقوله:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وثبت أن

ص: 511

النبي صلى الله عليه وسلم لم يخيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما

(1)

، فالشارع الحكيم قد قصد السهولة واليسر على المكلفين مما يدل على أن الأخذ بالرخصة مقدم على الأخذ بالعزيمة.

الدليل الثالث: أن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، والتنفير عن الدخول في العبادة وترك الدوام عليها؛ وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ترك الترخص في نصوص كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا»

(2)

، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، وعن الصيام في السفر.

هذه أهم أدلة الفريقين.

بيان القول الراجح:

والراجح -والله أعلم-: أنه لا تفضل الرخصة على العزيمة، ولا العزيمة على الرخصة؛ وذلك لأن سبب الرخصة وهو العذر -من مشقة وحاجة وضرورة- لا ضابط له معين واضح جلي يتساوى فيه جميع المكلفين، فالعذر من مشقة وحاجة وضرورة أمر إضافي نسبي،

(1)

أخرجه البخاري (6786)، ومسلم (2327) من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (5861)، ومسلم (782) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 512

لا أصلي، فكل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها ما لم يجد مانعًا شرعيًّا يمنعه عن الأخذ بها، وهو داخل تحت قاعدة: المشقة تجلب التيسير، فالمشقة والكلفة التي يجدها المكلف عن الإتيان بالحكم الشرعي الأصلي تكون سببًا شرعيًّا للتخفيف والتسهيل.

وهو أيضًا داخل في معنى قاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع.

قال ابن أبي هريرة: وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت. فالحركة القليلة في الصلاة لما اضطر إليها المكلف ويجد مشقة في تركها قد سومح فيها، والحركة الكثيرة فيها لما لم تكن به حاجة لم يسامح بها.

وقلنا: إن كل مكلف يعتبر فقيه نفسه، هذا من حيث الجملة، فالعذر من مشقة، أو ضرورة، أو حاجة تختلف بحسب الأزمان والأعمال، وقوة العزائم وضعفها، وليس كل الناس في تحمل المشاق على حد سواء، فمثلًا: لو أصاب زيدًا من المكلفين مرض قد يتحمله دون حاجته إلى الأخذ بالترخيص، بينما لو أصاب نفس المرض عمرًا فقد لا يتحمله، فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة لعمرو دون زيد، وكذلك من كان من المضطرين معتادًا على الصبر على الجوع، ولا تختل حالته بسببه، فإنه لا يرخص له في أكل الميتة، بخلاف الشخص الذي لا يستطيع الصبر على الجوع، فهذا يرخص له في أكل الميتة؛ لأنه يخشى

ص: 513

عليه من الهلاك، أو إلحاق ضرر به.

فعرفنا أن سبب الرخصة وهو العذر من مشقة وضرر وحاجة ليس له ضابط معين، بل هو أمر إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب، فهو راجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف وإلى اجتهاده في ذلك بحسب طاقته الخاصة.

ثم إنه ينبغي للمكلف أن يحتاط في اجتناب الرخص على حسب الإمكان، بحيث لا يفعل شيئاً مُرَخَّصًا فيه إلا بعد التأكد التام أنه محتاج إليها.

أما تتبع الرخص لغرض التخفيف والتهرب عن كامل التكاليف؛ فهذا غير جائز.

قال ابن حزم

(1)

: وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

(1)

الإحكام لابن حزم (5/ 68).

(2)

الموافقات (1/ 518)، المهذب للنملة (1/ 458).

ص: 514

إطلاقات الرخصة:

أطلق الأصوليون الرخصة مجازًا بثلاثة إطلاقات بالإضافة إلى معناها الحقيقي، وهي:

1 -

ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون توقف على عذر، وهو ما يقال له عند البعض إنه مشروع على خلاف القياس، كالسلم والإجارة والقرض والمساقاة والاستصناع، فالقياس عندهم يمنع ويحرم هذه العقود، وشرعت استحسانًا، ويطلق عليها العلماء أنها رخصة، لما تتضمن في مشروعيتها من تسهيل، وترخيص، وتيسير، ورفع للحرج عن الناس، ولما جاء في الحديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم

(1)

.

(1)

لا أصل له بهذا اللفظ: ذكره الزيلعي في نصب الراية (4/ 46) وقال: " غريب بهذا اللفظ، ولكن رأيت في شرح مسلم للقرطبي ما يدل على أنه عثر على هذا الحديث بهذا اللفظ، فقال: ومما يدل على اشتراط الأجل في السلم الحديث الذي قال فيه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك، ورخص في السلم، انتهى كلامه. والذي يظهر أن هذا حديث مركب، فحديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولا بيع ما ليس عندك"، انتهى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأما الرخصة في السلم، فأخرج الأئمة الستة في كتبهم عن أبي المنهال عن ابن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم والناس يستلفون في الثمر السنتين والثلاث، فقال: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: إن كنا لنسلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وسألت ابن أبي أبزى فقال مثل ذلك، انتهى.

ص: 515

2 -

نسخ الأحكام التكليفية الغليظة التي شدد الله بها على الأمم السابقة، كالقتل لصحة التوبة، والصلاة في مكان العبادة فقط، وقطع الثوب إذا أصابته نجاسة، وغير ذلك مما نسخ في شريعتنا، ودل على النسخ قوله تعالى:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286]، وقوله تعالى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

3 -

الأحكام التي جاءت توسعة على العباد، كالتمتع بالمباحات، والاستفادة من الملذات، وأكل الطيبات، فإنها رخصة مجازًا، لما يظهر فيها من معارضة قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132].

فهذه الأنواع تسمى رخصة تجاوزًا أو تسامحًا، ولا تدخل في معنى الرخصة الذي اصطلح عليه علماء الأصول، وتضاف إلى النوعين

ص: 516

اللذين نص عليهما علماء الحنفية، وقالوا: إنهما رخصة مجازًا، فجميع هذه الحالات لا تكون رخصة حقيقية

(1)

.

تنبيهات:

1 -

يقول بعض العلماء: إن العزيمة سميت عزيمة بالنسبة للرخصة ليس في ذاتها، فالمسألة كي تكون من باب الرخصة والعزيمة يجب أن يكون لها حكمان حكم مثقل، وحكم مخفف، فالمثقل يكون عزيمة، والمخفف يكون رخصة مثل الصيام، فصيام رمضان بالنسبة للمسافر الصحيح، فيه عزيمة ورخصة، فلو صام أخذ بالعزيمة، ولو أفطر أخذ برخصة الإفطار حال السفر.

2 -

قيل إن العزيمة والرخصةلا بد أن يكون في استطاعة المكلف فعل الحكمين، فلو فعل المثقل أخذ بالعزيمة، ولو فعل المخفف أخذ بالرخصة، أما لو لم يستطع أن يفعل إلا حكمًا واحدًا فقط، فهذا ليس من باب العزيمة والرخصة، بل هو باب الاضطرار.

ومن هنا يظهر الفرق بين الرخصة والاضطرار عند من يفرق بينهما: فالرخصة تفعل مع إمكان فعل العزيمة، وإن كان مع المشقة

(1)

تهذيب الفروق والقواعد السنية لمحمد بن علي بن حسين (2/ 139)، الوجيز للزحيلي (1/ 438).

ص: 517

كالصيام للمسافر، أما الضرورة فيفعل الحكم المخفف عند العجز عن فعل الحكم المثقل، كأكل الميتة عند العجز عن المذكاة.

•‌

‌ تقسيم الحكم باعتبار متعلقه:

وينقسم الحكم باعتبار متعلقه إلى: الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل:

فبعض العلماء جعل تلك الأمور تقسيمًا للحكم باعتبار متعلقه، وهو الفعل؛ لأن هذه الأمور أقسام للفعل الذي تعلق به الحكم.

وجعلها البعض متعلقة بالسبب حيث إن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وبطلان الفعل سبب للإعادة، والحاجة سبب لتعجيله.

إذا علمت ذلك فاعلم أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين أو لا.

أما العبادة التي لم يعين الشارع لها وقتًا، فإما أن يكون لها سبب أو لا.

فالعبادة التي لم يعين الشارع لها وقتًا، والتي لها سبب كسجود التلاوة سببها قراءة آية السجدة.

والتي لا سبب لها، كفعل بعض الأذكار المطلقة، فهذه العبادة لا توصف بأداء ولا بقضاء.

ص: 518

وأما العبادة التي عين الشارع لها وقتًا محددًا، فهي إما أن تقع قبل وقتها المقدر شرعًا، أو في وقتها، أو بعد وقتها.

فإن وقعت قبل وقتها المقدر شرعًا، حيث جوزه الشرع فهو التعجيل.

أما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعًا دون أن تسبق بأداء مختل فهو الأداء.

وأما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعًا، ولكن سبقت بأداء مختل فهو الإعادة.

وإن فعلت العبادة بعد وقتها المقدر شرعًا فهو القضاء.

* وإليك بيان حقيقة كل واحد من تلك الأقسام:

•‌

‌ أولًا: الأداء:

تعريفه لغة: الاسم من أدي يؤدي وهو بمعني الإيصال

(1)

.

وفي الاصطلاح: ما فعل أولًا في وقته المقدر له شرعًا

(2)

.

(1)

مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 72).

(2)

شرح الكوكب المنير (1/ 365).

ص: 519

شرح التعريف وبيان محترزاته:

قولنا: ما فعل: جنس يشملها كلها: الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل.

قولنا: أولًا: أخرج الإعادة؛ لأنها تفعل ثانيًا لخلل في الأول.

قولنا: في وقته المقدر له: أخرج أمورًا:

أولها: القضاء؛ حيث إنه يفعل بعد الوقت المقدر.

ثانيهما: ما لم يقدر له وقت كالنوافل المطلقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يوصف ذلك بأداء، ولا قضاء، ولا إعادة، ولا تعجيل.

ثالثها: أخرج التعجيل لأنه قبل الوقت.

قولنا: شرعًا: أي يجب أن يكون التعيين والتحديد صادرًا من الشارع، وخرج بهذا القيد ما فعل في وقته المقدر له عقلًا، كما لو قضى الدين عند المطالبة به، فإنه فعل في وقته المقدر له، وهو ما يتسع له، ولكن هذا التقدير ليس بالشرع، بل بالعقل، وكذلك الزكاة لو قدر الإمام شهرًا معينًا مثلًا لإخراجها فيه، فهو توقيت عقلي لا شرعي.

تعريف آخر للأداء: هو إيقاع العبادة في وقتها المقدر لها شرعًا مع كونها لم تسبق بأداء مختل.

ص: 520

فقولنا: في وقتها المقدر لها شرعًا: أخرج القضاء لأنه بعد الوقت، والتعجيل لأنه قبل الوقت.

وقولنا: مع كونها لم تسبق بأداء مختل: أخرج الإعادة فإنها تقع في الوقت إلا أنها سبقت بأداء مختل الإجزاء «كمن صلى بدون ركن» ، أو مختل في الكمال «كصلاة المنفرد» .

سؤال: هل يشترط وقوع جميع الفعل في وقته المحدد حتى يكون أداء؟

جوابه: لا يشترط هذا دائمًا، بل أحيانًا لو وقع بعضه في وقته المقدر شرعًا، كركعة من الصلاة مثلًا، فالصحيح أن الجميع أداء؛ لورود النص بذلك، ولأن الركعة من الصلاة مشتملة على معظم وغالب ما بعدها، فهو تكرار لها، فيكون تابعًا لها.

أما إذا أدرك أقل من الركعة، فالكل يكون قضاء عند الجمهور، كما ذكره النووي في «روضة الطالبين» .

وبعض العلماء يقول: إنه إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج الوقت، فإن الصلاة تكون أداء، وهذا رأي الحنفية، وبعض الحنابلة

(1)

.

(1)

البحر المحيط (1/ 41)، المهذب للنملة (1/ 420) بتصرف يسير وزيادة.

ص: 521

فائدة: هل الواجب المطلق وذو الشبهين يوصف بالأداء؟

العبادة إما أن يكون لها وقت معين أي: مضبوط بنفسه محدود الطرفين أم لا، فإن لم يكن لها وقت معين فلا توصف بالأداء ولا بالقضاء سواء كان لها سبب كالتحية وسجود التلاوة وإنكار المنكر وامتثال الأمر. إذا قلنا: إنه على الفور، أو لم يكن كالصلاة المطلقة والأذكار، وقد توصف بالإعادة كمن أتى بذات السبب على نوع من الخلل فتداركها

(1)

.

فائدة: الأداء لا يستقر في الذمة لتعينه بوقته بخلاف القضاء فإنه يستقر فيها لأنه غير معين بوقت.

•‌

‌ ثانيًا: الإعادة:

الإعادة لغة: الاسم من أعاد يعيد، والعود أصل لما يفعل ثانيا

(2)

.

واصطلاحًا: ما فعل ثانيًا في وقت الأداء لخلل في الأول

(3)

.

شرح التعريف وبيان محترزاته:

قولنا: ما فعل: جنس يشمل الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل.

(1)

نهاية السول للإسنوي (1/ 31).

(2)

مقاييس اللغة لابن فارس (4/ 181).

(3)

إجابة السائل شرح بغية الآمل للصنعاني (ص 45).

ص: 522

قولنا: ثانيًا: أخرج الأداء؛ لأنه يفعل أولًا.

قولنا: في وقت الأداء: أخرج القضاء؛ لأنه يفعل بعد خروج الوقت، والتعجبل لأنه يفعل قبل الوقت.

قولنا: لخلل في الأول: أخرج ما يفعل ثانيًا، لكن بدون خلل في الأول كالمنفرد إذا صلى مرة ثانية مع الجماعة، فإن صلاته الأولى ليس فيها خلل، فلا توصف الثانية بالإعادة شرعًا، بل هي أداء كالأولى.

وعلى هذا فالإعادة قسم من الأداء، وليست قسيمًا له؛ لأن الأداء في الحقيقة اسم لما يقع في الوقت المحدد شرعًا مطلقًا، سواء كان سابقًا أو مسبوقًا، أو منفردًا، فإن سبق بأداء مختل سمي إعادة، وعلى ذلك فكل إعادة أداء، دون العكس

(1)

.

•‌

‌ ثالثًا: القضاء:

القضاء لغة: الفصل في الحكم والأداء، وإتقان الشيء، وانقطاعه وإتمامه

(2)

(3)

.

(1)

شرح التلويح علي التوضيح للتفتازاني (1/ 309)، المهذب للنملة (1/ 421).

(2)

مقاييس اللغة (5/ 99).

(3)

فائدة: قال ابن الجوزي (نزهة الأعين النواظر في علم الاشباه والنظائرص 506) بتصرف:

قد ذكر أهل التفسير أن القضاء في القرآن على خمسة عشر وجهًا، منها:

الأمر: ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} .

والخبر: ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين} .

والموت: ومنه قوله تعالى في القصص: {فوكزه موسى فقضى عليه} .

والتمام: ومنه قوله تعالى في الأنعام في القصص: {أيما الأجلين قضيت} ، وفيها:{فلما قضى موسى الأجل} .

والحتم. ومنه قوله تعالى [في يوسف]: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ، وفي مريم:{وكان أمرا مقضيا} .

والحكم. ومنه قوله تعالى في سورة النساء: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} ، وغيرها.

ص: 523

القضاء اصطلاحًا: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعًا مطلقًا

(1)

.

شرح التعريف وبيان محترزاته:

قولنا: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعًا: أخرج الأداء، والإعادة؛ لأنهما يفعلان في وقتهما المحدد شرعًا كما سبق، والتعجيل لأنه قبل الوقت.

قولنا: مطلقًا: فيه بيان أن اسم القضاء مخصوص بفعل العبادة بعد فوات وقته المحدد له شرعًا مطلقًا، أي: سواء كان فوات الوقت لعذر، أو لغير عذر، فإنه لا فرق في تأخير الواجب عن وقت الأداء بين أن

(1)

نهاية السول (32)، المهذب للنملة (1/ 422).

ص: 524

يكون التأخير بعذر أو لغير عذر، وسواء كان التأخير مع التمكن من الفعل كالمسافر والمريض يستطيع الصوم مع السفر والمرض، أو كان مع عدم التمكن من فعله، إما لمانع شرعي كما في الحيض والنفاس، لعدم صحة الفعل شرعًا، أو لمانع عقلي كنوم، أو سهو، أو إغماء، فإنه لا يمكن عقلًا أداء الصلاة من النائم والساهي، والمغمى عليه؛ لأنها تفتقر إلى النية والقصد، وذلك محال مع وجود النوم والإغماء والسهو.

فائدة:

القضاء لفظ متسع يأتي في اللغة بمعني الأداء فيكون من معانيه الإتمام.

قال ابن عادل الحنبلي:

اعلم أن «قضى» إذا علق بفعل النفس، فالمراد منه الإتمام والفراغ؛ كقوله تعالى:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10]، وقوله عليه السلام:«وما فاتكم فاقضوا» ، ويقال للحاكم عند فصل الخصومة، قضى بينهما

(1)

.

قال الفيومي:

(1)

اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (3/ 431).

ص: 525

«ق ض ي» : قضيت بين الخصمين وعليهما حكمت، وقضيت وطري بلغته ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج والدين أديته قال تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] أي أديتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء كما في قوله تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 103] أي أديتموها، واستعمل العلماء القضاء في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداء إذا فعلت في الوقت المحدود، وهو مخالفٌ للوضع اللغوي لكنه اصطلاحٌ للتمييز بين الوقتين

(1)

.

قال شيخ الإسلام:

ونظير هذا لفظ " القضاء " فإنه في كلام الله وكلام الرسول المراد به إتمام العبادة، وإن كان ذلك في وقتها، كما قال تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ، وقوله:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} ثم اصطلح طائفةٌ من الفقهاء فجعلوا لفظ " القضاء " مختصًّا بفعلها في غير وقتها، ولفظ " الأداء " مختصًّا بما يفعل في الوقت، وهذا التفريق لا يعرف قط في كلام الرسول ثم يقولون قد يستعمل لفظ القضاء في الأداء، فيجعلون اللغة التي نزل القرآن بها

(1)

المصباح المنير للفيومي (2/ 507).

ص: 526

من النادر. ولهذا يتنازعون في مراد النبي صلى الله عليه وسلم "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا "، وفي لفظٍ:" فأتموا " فيظنون أن بين اللفظين خلافًا، وليس الأمر كذلك؛ بل قوله:" فاقضوا " كقوله: " فأتموا " لم يرد بأحدهما الفعل بعد الوقت، بل لا يوجد في كلام الشارع أمرٌ بالعبادة في غير وقتها لكن الوقت وقتان: وقتٌ عامٌّ ووقتٌ خاصٌّ لأهل الأعذار: كالنائم والناسي إذا صليا بعد الاستيقاظ والذكر فإنما صليا في الوقت الذي أمر الله به، فإن هذا ليس وقتًا في حق غيرهما. ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاحٍ حادثٍ، فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها

(1)

.

•‌

‌ مسألة: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فهل يسمى فعلهم هذا قضاء أو أداء

(2)

.

اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:

المذهب الأول: أنه يسمى قضاء، وذهب إلى هذا جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لأمرين:

(1)

مجموع الفتاوي (12/ 106).

(2)

مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (58)، المهذب للنملة (1/ 423)، وما بعدها.

ص: 527

أولهما: إجماع العلماء

(1)

على أنه إذا صام المسافر والمريض والحائض بعد زوال عذرهم، فإنه تجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء، وأي شيء وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء؛ لأنه لو كان أداء لما جاز أن ينووا القضاء؛ لأنهم -حينئذ- ينوون غير الواجب عليهم.

ثانيهما: أنه روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة

(2)

.

وجه الدلالة: أن عائشة سمت فعل الصوم -بعد انتهاء الشهر، وبعد زوال الحيض- قضاء، فلو كان أداءً لما سمته باسم القضاء، والآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا اشتهر بهذه التسمية فلا يمكن أن يطلق عليه بأنه أداء.

المذهب الثاني: أن الحائض إذا فاتها أيام من رمضان، فإنه يجب عليها أن تصومها بعد رمضان، وصيامها هذا لا يسمى قضاء، وإنما يسمى أداءً.

دليل هذا المذهب:

أنه لا يجب على الحائض صيام رمضان حال حيضها، بل إن

(1)

شرح المهذب (6/ 434)، المجموع للنووي (6/ 415)، عون المعبود لمحمد شمس الدين عظيم آبادي (7/ 26).

(2)

أخرجه مسلم (335) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 528

صومها وهي في تلك الحال حرام، ومعلوم أن فعل الحرام معصية، ولا يمكن أن تؤمر أن تفعل ما تعصي في فعله، ولو ماتت قبل أن تتمكن من صيام تلك الأيام التي تركتها لا تكون عاصية بالإجماع

(1)

.

فلما لم تتمكن الحائض من أن توقع الصيام في وقته المقدر شرعا للعذر -وهو الحيض- فإن فعلها فيما بعد هو نفس الأداء الذي لم تتمكن من فعله، وعلى هذا فلا يمكن أن يسمى قضاء.

ويجاب عنه بما ورد عن عائشة رضي الله عنها من أنها سمت فعل الصوم بعد انتهاء رمضان قضاء.

أما عدم وجوب الأداء أثناء الحيض فلأن التكليف تشريف، وعبادة لله سبحانه وتعالى، ويمتنع ذلك مع حالتها المستقذرة تلك، والشيء الذي لم يجب هو الأداء، أما جعل ذلك في الذمة، فهو واجب لاشك فيه.

أما عدم العصيان إذا تركت الصيام حال الحيض وماتت: فهذا مرجعه إلى كونها غير مكلفة بفعل الصيام أداء للعذر، وهو الحيض، فإذا زال رجع إليها التكليف، لكن تبقى ذمتها مشغولة حتى تفعل ما وجب عليها قضاء.

(1)

شرح المهذب (6/ 434)، المجموع (6/ 415).

ص: 529

المذهب الثالث: أن المسافر والمريض لا يلزمهما الصوم في شهر رمضان، وإذا كان الصيام في الشهر لا يلزمهما، ولا يجب عليهما حال السفر وحال المرض، ثم فعلا الصيام بعد رمضان سمي ذلك الفعل أداء، وليس بقضاء.

ومستند عدم وجوب الصيام على المسافر قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر» .

ومستند عدم وجوب الصيام على المريض: وجود المشقة التي تحصل له عند صومه، والمشقة تجلب التيسير.

وكذا أجمع العلماء

(1)

على أن من أخر رمضان لسفر أو لمرض من غير تفريط، ثم مات بعد ذلك، وقبل القضاء، فإنه لا يكون عاصيًا لتأخيره.

ويجاب عنه بأن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا صام المسافر والمريض بعد زوال عذرهما، فإنه تجب عليهما نية القضاء؛ لا نية الأداء، وما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء، ولو كان أداء كما يقول أصحاب هذا المذهب لما نووا القضاء؛ لأن حقيقة الأداء غير حقيقة القضاء، ولأنه يلزم من ذلك أنهم ينوون غير الواجب عليهم.

(1)

شرح المهذب (6/ 434)، عون المعبود (7/ 26).

ص: 530

أما عدم لزوم الصوم أثناء العذر وهو السفر والمرض، فقد ثبت نظرًا لحالتهما، فلا يطلب أداء الصوم وهما في حالتهما تلك، لكن تبقى ذمتهما مشغولة بالواجب فلا تبرأ إلا بالقضاء؛ لخروج وقت الأداء.

أما عدم العصيان لما تركا الصيام حال السفر والمرض، فهذا مرجعه إلى أنهما غير مكلفين بفعل الصيام أداءً؛ لعذر السفر والمرض، وهو من باب الرخص والتيسير ورفع الحرج عن الأمة، لكن تبقى ذمتهما مشغولة حتى يفعلا ما وجب عليهما قضاء.

بيان نوع الخلاف:

الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ حيث إن أصحاب المذاهب اتفقوا على أن الحائض والمريض والمسافر إذا أفطروا في نهار رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فإنه يجب عليهم صيام تلك الأيام التي تركوها بعد انتهاء شهر رمضان، ولكن اختلفوا في تسمية هذا الفعل، فالجمهور يسمونه قضاء؛ لانطباق حقيقة القضاء عليه، وأصحاب المذهبين الأخيرين يسمونه أداء، فصار الخلاف في التسمية والتعبير فقط.

ص: 531

•‌

‌ مسألة: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب

(1)

؟

اتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب، واختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على مذهبين:

المذهب الأول: أن القضاء يتعلق بالمندوب إذا كان له وقت معين، بخلاف المندوب المطلق، فلا يتعلق به القضاء.

وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح، وبناء عليه: فإنه إذا فات المندوب المؤقت فإنه يقضى مطلقًا، كما قال بعض العلماء: إن قضاء السنة سنة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة المقضي.

دليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه الناحية، ويشملهما حد القضاء.

المذهب الثاني: أن القضاء لا يتعلق بالمندوب.

ذهب إلى ذلك الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب فقط؛ تنزيلًا عن درجة الواجب بسبب أن طلبه غير جازم.

واستثنى بعض علماء الحنفية من هذه القاعدة: قضاء السنة إذا كانت شديدة التأكد بشروط، فقالوا في فروعهم: إذا فات المصلي سنة

(1)

حاشية العطار (1/ 152)، المهذب للنملة (1/ 390).

ص: 532

الصبح مع فرضها، فإنه يسن له قضاؤها، بخلاف ما إذا فاتته السنة دون الفرض فلا قضاء لها.

•‌

‌ مسألة: الدليل الموجب للقضاء

(1)

:

اختلف العلماء في الدليل الموجب للقضاء هل هو أمر جديد، ودليل مبتدأ، أو هو الأمر الأول الموجب للأداء ينسحب مع الواجب، ويلازمه في الوقت وبعده على مذهبين:

المذهب الأول: أن وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول، فالدليل الذي أوجب الأداء هو ما أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى نص جديد، واستدلوا بالأدلة التالية:

الدليل الأول: أن الأداء قد كان واجبًا مستحقًّا على المكلف في الوقت المحدد شرعاً، وقد علمنا من قواعد الشرع بالاستقراء أن الواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالأداء، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب، لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له، وهو أحد الأمور الثلاثة السابقة فقط.

(1)

الواضح لابن عقيل (3/ 66)، قواطع الأدلة للسمعاني (1/ 94)، المهذب للنملة (1/ 427).

ص: 533

الدليل الثاني: القياس على الدين، وبيان ذلك: أن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعين، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين، فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه، ويكون ذلك مستفادًا من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.

المذهب الثاني: أن وجوب القضاء ثابت بأمر جديد، ودليل مبتدأ.

أدلة هذا المذهب:

الدليل الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه ذلك الأمر، ولكان أداءً لا قضاء.

وأجيب عنه بأن ذلك ممنوع؛ لأنه إذا فات الوقت بقي الواجب مع نقص الواجب فيه، وهو الوقت المحدد، فكان إيقاعه بعد الوقت قضاء، لا أداءً.

الدليل الثاني: قياس الزمان على المكان، وبيانه: أن الأمر لو علق بمكان معين كالأمر بالحج علق بمكان معين، وهي المناسك المعروفة، فإذا تعذر فعله بهذا المكان وتلك المناسك، فلا يجوز فعله بمكان آخر.

كذلك الأمر إذا علق بوقت معين، وتعذر فعله بهذا الوقت فإنه

ص: 534

يسقط الأمر الأول، ويحتاج إلى أمر آخر.

وأجيب عنه: بأن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين تعلقه بمكان من وجهين:

أولهما: أن الزمان يتعلق بعضه ببعض؛ حيث إن الزمان الثاني تابع للأول، فالواجب الذي لم يفعل في الزمان الأول؛ فإنه ينسحب هذا الوجوب إلى الزمان الثاني، ثم الثالث وهكذا ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه، ولو في آخر العمر، بخلاف المكان، فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.

ثانيهما: أن المكان لا يفوت، فيمكن الفعل فيه، ولا يعدل إلى غيره، بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.

الدليل الثالث: قياس ما بعد الوقت على ما قبل الوقت. وبيانه: أنه كما أنه لا يجب الفعل قبل الوقت؛ لعدم تناول الأمر إياه، كذلك أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب فيه الفعل، ويحتاج إلى أمر جديد.

ويجاب عنه بأن هذا القياس قياس غير صحيح؛ لأن الكلام في الواجب، ولا وجوب قبل الوقت.

ص: 535

بيان نوع الخلاف:

الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة، وهي جواز الاستدلال بالأوامر في أداء العبادة على قضائها بناء على المذهب الأول، وعدم جواز ذلك بناء على المذهب الثاني.

ومن وجب عليه صوم يوم بعينه لأجل نذره فلم يصمه، أو أفسده هل يجب عليه القضاء أو لا؟

فبناء على المذهب الأول -وهو أن القضاء بالأمر الأول- فإنه يجب القضاء بذلك الأمر.

وبناء على المذهب الثاني -وهو أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد- فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يوجد أمر جديد.

وأيضا من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها بالأمر الأول.

واختلف أصحاب المذهب الثاني على قولين:

القول الأول: أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، ولا يوجد أمر.

القول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها، لورود

ص: 536

الأمر الجديد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:«فدين الله أحق أن يقضى»

(1)

.

وبعضهم قال: يجب عليه القضاء بأمر جديد وهو: القياس على النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما.

•‌

‌ رابعًا: التعجيل:

التعجيل لغة: استعجلت فلانًا: حثثته. وعجلته: سبقته. والعجالة: ما تعجل من شيءٍ

(2)

.

التعجيل اصطلاحا" ما فعل قبل وقته مرة واحدة لدليل شرعي

(3)

.

مثال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلوات جمع تقديم

(4)

.

وليس منه «لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الفطر»

(5)

؛ حيث إن التعجيل نوعان: تعجيل يراد به فعل العمل قبل وقته، وتعجيل يراد به فعل العمل في أول وقته كقوله عليه الصلاة والسلام:«لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الفطر» أي عجلوه عند أول وقته مباشرة، ومثال ذلك كان عليه الصلاة السلام إذا رأى الناس قد اجتمعوا لصلاة العشاء عجل بها أي

(1)

أخرجه البخاري (1953)، ومسلم (1148) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(2)

مقاييس اللغة (4/ 237).

(3)

مستفاد من كتاب التأسيس للشيخ مصطفى سلامة.

(4)

الجمع بين الصلاتين ثابت كما عند مسلم (705)، وغيره.

(5)

أخرجه البخاري (1957)، ومسلم (1098) من حديث سهل بن سعد مرفوعًا.

ص: 537

قام بها في أول وقتها، فالتعجيل قد يراد به أول الوقت، أو قبل الوقت لحكم شرعي كجمع التقديم.

ملحوظة: من العبادات ما يتحقق فيها الأداء والقضاء مثل صلاة الظهر، ويوجد أحكام بها الأداء فقط مثل ركعتي الجمعة، فلو فاتت تصلى ظهرًا.

وتوجد عبادات توصف بالقضاء فقط، مثل صيام الحائض.

وتوجد عبادات لا توصف بالأداء ولا بالقضاء، مثل النوافل المطلقة التي ليس لها وقت معين لا تدخل تحت الأداء ولا القضاء

(1)

.

(1)

شرح مختصر الروضة (1/ 447)، البحر المحيط (2/ 22)، مختصر التحرير (1/ 365)، المهذب للنملة (1/ 419)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (56).

ص: 538