المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

3 - ‌ ‌(الْمَفْعُول بِهِ) أنْشد فِيهِ وَهُوَ وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: (فواعديه - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي - جـ ٢

[عبد القادر البغدادي]

الفصل: 3 - ‌ ‌(الْمَفْعُول بِهِ) أنْشد فِيهِ وَهُوَ وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: (فواعديه

3 -

(الْمَفْعُول بِهِ)

أنْشد فِيهِ وَهُوَ وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:

(فواعديه سرحتي مَالك أَو الرِّبَا بَينهمَا أسهلا)

على أَن أسهل مفعول لفعل مَحْذُوف وَهُوَ صفة وموصوفه مَحْذُوف أَيْضا أَي: قولي: ائْتِ مَكَانا أسهل.

هَذَا الْبَيْت لعمر بن أبي ربيعَة. وَيفهم من تَقْدِير الشَّارِح: أَن عشيقته أرْسلت إِلَيْهِ امْرَأَة تعين لَهُ مَوضِع الملاقاة وأمرتها أَن تواعده أحد هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن خلف: الْمَعْنى أَنَّهَا قَالَت لأمتها: واعديه اللَّيْلَة أَن يقْصد السرحتين ويلتمس مَكَانا سهلاً يقرب من ذَلِك الْموضع أَنَّهُمَا إِذا علوا الرِّبَا عرف مكانهما وشنع أَمرهمَا. لَكِن الْمَفْهُوم من كَلَام الأعلم: أَنه هُوَ الَّذِي أرسل إِلَيْهَا امْرَأَة فَإِنَّهُ قَالَ: نصب أسهل بإضمار فعل دلّ عَلَيْهِ مَا قبله لِأَنَّهُ لما قَالَ فواعديه سرحتي مَالك أَو الرِّبَا بَينهمَا علم أَنه مزعج لَهَا داعٍ إِلَى إتْيَان أَحدهمَا. فَكَأَنَّهُ قَالَ: ائتي أسهل الْأَمريْنِ عَلَيْك.

وَكَذَلِكَ نقل النّحاس عَن الْمبرد أَن التَّقْدِير: وَأتي أسهل الْمَوَاضِع لِأَنَّهُ لما قَالَ: فواعديه أزعجها فَكَأَنَّهُ قَالَ: اقصدي بِهِ أسهل الْمَوَاضِع.

وَالصَّوَاب الأول كَمَا يعلم من الْبَيْت الَّذِي بعده وَيَأْتِي قَرِيبا وَقدر الْمَحْذُوف بَعضهم من لفظ الْمَذْكُور أَي: واعديه مَكَانا أسهل. وَالْمعْنَى قريب.

ص: 120

وأسهل: أفعل تَفْضِيل من السهولة ضد الحزونة وَقد سهل بِالضَّمِّ. وَتَقْدِير الشَّارِح كَابْن خلف أسهل من بَاب حذف الْمفضل عَلَيْهِ أَي: أسهل مِنْهُمَا أصوب من تَقْدِير غَيره الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي:)

أسهل الْأَمريْنِ أَو أسهل الْمَوَاضِع. قَالَ ابْن

خلف: وَيجوز أسهل أَن يعْنى بِهِ سهلا كَمَا يُقَال: رجل أوجل ووجل وأحمق وحمق إِن أَرَادَ أَن يكون وَصفا من السهولة فمجيء أفعل بِمَعْنى فعل وَصفا بَابه السماع وَلم يسمع وَإِن أَرَادَ أَنه من السهل نقيض الْجَبَل فَلم يسمع إِلَّا مَكَان سهل وَأَرْض سهلة. ثمَّ قَالَ: وَقد قيل إِنَّه يجوز أَن يكون أسهل اسْما لموْضِع بِعَيْنِه.

أَقُول: قد فتشت كتب اللُّغَة وَكتب أَسمَاء الْأَمَاكِن ك مُعْجم مَا استعجم ومعجم الْبلدَانِ فَلم أجد لَهُ ذكرا فِيهَا.

والمواعدة: مفاعلة من الطَّرفَيْنِ ووعد يتَعَدَّى بِنَفسِهِ إِلَى وَاحِد وَإِلَى ثَان بِالْبَاء وَقد تحذف فينصب بِنَزْع الْخَافِض وَالْفِعْل إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا إِلَى وَاحِد فبنقله إِلَى بَاب المفاعلة يتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ فَالضَّمِير فِي واعديه مفعول أول وسرحتي مَالك الْمَفْعُول الثَّانِي بِتَقْدِير مُضَاف أَي: مَكَان سرحتي مَالك. وَلَيْسَ سرحتي مَالك اسْم مَكَان بل هما شجرتان لمَالِك. والسرحة: وَاحِد السَّرْح وَهُوَ كل شجر عَظِيم لَا شوك لَهُ. والربا: جمع ربوة بِتَثْلِيث الرَّاء وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع عَمَّا حوله وَكَانَت الرِّبَا بَين السرحتين.

وروى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني الْبَيْت هَكَذَا:

(سلمى عديه سرحتي مالكٍ

أَو الرِّبَا دونهمَا منزلا

ص: 121

)

فَعَلَيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ ومنزلاً إِمَّا بدل من الرِّبَا أَو حَال مِنْهُ وسلمى منادى. وَبعد هَذَا الْبَيْت: إِن جَاءَ فليأت على بغلةٍ إِنِّي أَخَاف الْمهْر أَن يصهلا وترجمة عمر ابْن أبي ربيعَة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الْمِائَة كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم

على أَن الْقَصْد فِي الْأَمر خلاف الْقُصُور والإفراط فَإِنَّهُ يُقَال: قصد فِي الْأَمر قصدا: توَسط وَطلب الأشد وَلم يُجَاوز الْحَد. فالقصد فِي الْأُمُور لَهُ طرفان: أَحدهمَا: الْقصر وَالتَّقْصِير وهما بِمَعْنى التواني فِيهِ حَتَّى يضيع ويفوت وَكَذَلِكَ الفرط والتفريط فَإِنَّهُ يُقَال: فرط فِي الْأَمر فرطا من بَاب نصر وفرط تفريطاً وَأما الْقُصُور فَهُوَ مصدر والطرف الآخر: الإفراط وَهُوَ مصدر أفرط فِي الْأَمر: إِذا أسرف وَجَاوَزَ فِيهِ الْحَد. فَكَانَ يَنْبَغِي للشَّارِح أَن يَقُول: خلاف الْقصر أَو التَّقْصِير والإفراط أَو يَقُول: خلاف الفرط أَو التَّفْرِيط والإفراط. والذميم بِالْمُعْجَمَةِ: المذموم.

وَهَذَا الصراع عجز بَيت وَقَبله:

(عَلَيْك بأوساط الْأُمُور فَإِنَّهَا

طريقٌ إِلَى نهج الصَّوَاب قويم)

ص: 122

(وَلَا تَكُ فِيهَا مفرطاً أَو مفرطاً

كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم)

وَهَذَا نظم للْحَدِيث وَهُوَ: الْجَاهِل إِمَّا مفرط أَو مفرط.

وَلَا أعلم قَائِل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَلَا رأيتهما إِلَّا فِي كتاب الْعباب فِي شرح أَبْيَات الْآدَاب. وَكتاب الْآدَاب: تأليف ابْن سنا الْملك بن شمس الْخلَافَة وَهُوَ من كتب الْأَدَب وَقد اشْتَمَل على أَبْيَات ومصاريع كَثِيرَة لغالب الشُّعَرَاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين تنيف على ألفي بَيت. وَقد نسب كل بَيت ومصراع فِيهِ إِلَى قَائِله مَعَ تَتِمَّة الشّعْر حسن بن صَالح الْعَدوي اليمني وسمى تأليفه: الْعباب فِي شرح أَبْيَات الْآدَاب وَكَانَ المصراع الشَّاهِد فِي الأَصْل وكمله بالمصاريع الثَّلَاثَة صَاحب الْعباب.

وَقد ضمنه أَيْضا الإِمَام الْخطابِيّ فِي نتفة لَهُ وَهِي:

(فسامح وَلَا تسوف حَقك كُله

وأبق فَلم يستقص قطّ كريم)

والخطابي: هُوَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان حمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخطاب

من ولد زيد بن الْخطاب أخي عمر بن الْخطاب صَاحب كتاب معالم السّنَن وَشرح البُخَارِيّ وَغير ذَلِك. وَكَانَ صديق أبي مَنْصُور الثعالبي وَأوردهُ فِي كتاب يتيمة الدَّهْر وَأنْشد لَهُ نتفاً جَيِّدَة. وَولد فِي سنة تسع عشرَة وثلاثمائة وَمَات فِي مَدِينَة بست فِي رِبَاط على شاطئ هندمند يَوْم السبت السَّادِس

ص: 123

عشر من ربيع الآخر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَأنْشد لَهُ الثعالبي فِي الْيَتِيمَة:)

(وَمَا غربَة الْإِنْسَان فِي شقة النَّوَى

وَلكنهَا وَالله فِي عدم الشكل)

(وَإِنِّي غَرِيب بَين بست وَأَهْلهَا

وَإِن كَانَ فِيهَا أسرتي وَبهَا أَهلِي)

وَأنْشد لَهُ أَيْضا:

(وَلَيْسَ اغترابي فِي سجستان أنني

عدمت بهَا الإخوان وَالدَّار والأهلا)

(ولكنني مَا لي بهَا من مشاكلٍ

وَإِن الْغَرِيب الْفَرد من يعْدم الشكلا)

وَأنْشد أَيْضا:

(شَرّ السبَاع العوادي دونه وزر

وَالنَّاس شرهم مَا دونه وزر)

(كم معشر سلمُوا لم يؤذهم سبعٌ

وَمَا نرى بشرا لم يؤذه بشر)

وَأنْشد أَيْضا:

(من يدر دارى وَمن لم يدر سَوف يرى

عَمَّا قليلٍ نديماً للندامات)

وللثعالبي فِيهِ:

(أَبَا سُلَيْمَان سر فِي الأَرْض أَو فأقم

فَأَنت عِنْدِي دنا مثواك أَو شطنا)

(مَا أَنْت غَيْرِي فأخشى أَن يفارقني

قربت روحك بل روحي فَأَنت أَنا)

ص: 124

قَالَ السلَفِي: أَنْشدني أَبُو مَنْصُور الثعالبي بنيسابور للخطابي يَقُوله فِي الثعالبي:

(قلبِي رهينٌ بنيسابور عِنْد أخٍ

مَا مثله حِين تستقرى الْبِلَاد أَخ)

(لَهُ صَحَائِف أخلاقٍ مهذبةٍ

مِنْهَا التقى والنهى والحلم تنتسخ)

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(جاري لَا تستنكري عذيري

سيري وإشفاقي على بَعِيري)

على أَن العذير هُنَا بِمَعْنى الْحَال الَّتِي يحاولها الْمَرْء يعْذر عَلَيْهَا وَقد بَين بقوله: سيري وإشفاقي الْحَال الَّتِي يَنْبَغِي أَن يعْذر فِيهَا وَلَا يلام عَلَيْهَا.

وَمثله لِابْنِ الشجري فِي أَمَالِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ: العذير: الْأَمر الَّذِي يحاوله الْإِنْسَان فيعذر فِيهِ. أَي: لَا تستنكري مَا أحاوله مَعْذُورًا فِيهِ. وَقد فسره بِالْبَيْتِ الثَّانِي. وَعَلِيهِ فعذيري مفعول تستنكري وسيري: عطف بَيَان لَهُ أَو بدل مِنْهُ أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ سيري

وَيجوز أَن يكون عذيري مُبْتَدأ خَبره سيري كَمَا قَالَ بن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح وعَلى هَذَا فمفعول تستنكري مَحْذُوف.

ص: 125

قَالَ الزّجاج: العذير: الْحَال. وَذَلِكَ أَن العجاج كَانَ يصلح حلساً لجمله فأنكرته وهزئت مِنْهُ فَقَالَ لَهَا هَذَا. قَالَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش: العذير: الصَّوْت. كَأَنَّهُ كَانَ يرجز فِي عمله بحلسه فأنكرت عَلَيْهِ ذَلِك أَي: لَا تستنكري

صوتي وَرَفعه بِالْحَدِيثِ لِأَنِّي قد كَبرت. والحلس للبعير وَهُوَ كسَاء رَقِيق يكون تَحت البرذعة وَهُوَ بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام.

وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ الْبَيْت الأول على أَن جاري منادى مرخم. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ حذف حرف النداء ضَرُورَة من قَوْله جاري وَهُوَ اسْم منكور قبل النداء لَا يتعرف إِلَّا بِحرف النداء.

وَإِنَّمَا يطرد الْحَذف فِي المعارف.

ورد الْمبرد على سِيبَوَيْهٍ جعله الْجَارِيَة نكرَة وَهُوَ يُشِير إِلَى جَارِيَة بِعَينهَا فقد صَارَت معرفَة بِالْإِشَارَةِ. وَلم يذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى مَا تَأَوَّلَه الْمبرد عَلَيْهِ: من أَنه نكرَة بعد النداء وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه اسْم شَائِع فِي الْجِنْس قبل النداء وَهُوَ نكرَة. وَكَيف يتَأَوَّل عَلَيْهِ الْغَلَط فِي مثل هَذَا وسيبويه قد فرق بَين مَا كَانَ مَقْصُودا بالنداء من أَسمَاء الْأَجْنَاس وَبَين مَا لم يقْصد قَصده وَهَذَا من التعسف الشَّديد والاعتراض الْقَبِيح.

وَقَوله سيري هُوَ مصدر سَار يسير يكون بِاللَّيْلِ وبالنهار وَيسْتَعْمل لَازِما ومتعدياً يُقَال سَار الْبَعِير وسرته وَيفهم من كَلَام أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي أَمْثَاله وَمن كَلَام الأعلم أَنه من فعل أَمر وَصرح بِهِ غَيره فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَمعنى الشّعْر: يَا جَارِيَة سيري وَلَا تستنكري عذيري)

وإشفاقي.

وَيَردهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِي سعيي وإشفاقي كَمَا نقلهَا الصَّاغَانِي وَغَيره. والإشفاق:

ص: 126

مصدر أشفقت عَلَيْهِ: إِذا حنوت وعطفت عَلَيْهِ وأشفقت من كَذَا: حذرت مِنْهُ. وَقَوله على بَعِيري مُتَعَلق بِأحد المصدرين على التَّنَازُع.

وَهَذَانِ البيتان من رجز للعجاج وَبعده: وَكَثْرَة الحَدِيث عَن شقوري مَعَ الجلا ولائح القتير فِي الصِّحَاح: الشقور الْحَاجة وَعَن الْأَصْمَعِي بِفَتْح الشين قَالَ أَبُو عبيد: الأول أصلح لِأَن الشقور بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْأُمُور اللاصقة بِالْقَلْبِ المهمة لَهُ

الْوَاحِد شقر. وَفِي أَمْثَال أبي عبيد أفضيت إِلَيْهِ بشقوري أَي: أخْبرته بأَمْري وأطلعته على مَا أسره من غَيره: وَقَالَ الزبيدِيّ فِي لحن الْعَامَّة: الشقور: مَذْهَب الرجل وباطن أمره. والجلا: بِفَتْح الْجِيم وَالْقصر: انحسار الشّعْر من مقدم الرَّأْس يكون خلقَة وَيكون من كبر. القتير بِفَتْح الْقَاف: الشيب.

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: لَا تستنكري حَالي من الْهَرم ياجارية وَلَا كَثْرَة مَا أحدث بِهِ من الْأَسْرَار. وَذَلِكَ من أَحْوَال الشُّيُوخ المسان وتهاتر الهرمى.

وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد الثَّالِث بعد الْمِائَة

ص: 127

(وَإِن تعتذر بِالْمحل من ذِي ضروعها

إِلَى الضَّيْف يجرح فِي عراقيبها نصلي)

على أَنه حذف مفعول يجرح لتَضَمّنه معنى يُؤثر بِالْجرْحِ.

وَكَذَلِكَ جعله ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب من بَاب التَّضْمِين قَالَ: فَإِنَّهُ ضمن معنى يعث أَو يفْسد فَإِن العيث لَازم يتَعَدَّى بفي يُقَال عاث الذِّئْب فِي الْغنم أَي: أفسد وَكَذَلِكَ الْإِفْسَاد قَالَ الله تَعَالَى: لَا تفسدوا فِي الأَرْض.

وأنشده صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: لأزينن لَهُم على أَن أزينن مُتَعَدٍّ نزل منزلَة اللَّازِم

قَالَ الطيي: أَي: يعث الْجرْح فِي عراقيبها نصلي جعل لَازِما ثمَّ عدي كَمَا يعدى اللَّازِم مُبَالغَة.

وَهَذَا الْبَيْت من أَوَاخِر قصيدة لذِي الرمة عدَّة أبياتها سِتَّة وَثَلَاثُونَ بَيْتا شَبَّبَ فِيهَا بمي وَوصف فِيهَا القفار وناقته.

إِلَى أَن قَالَ:

(أعاذل عوجي من لسَانك عَن عذلي

فَمَا كل من يهوى رشادي على شكلي)

(فَمَا لَام يَوْمًا من أخٍ وَهُوَ صادقٌ

إخاي وَلَا اعتلت على ضيفها إبلي)

(إِذا كَانَ فِيهَا الرُّسُل لم تأت دونه

فصالي وَلَو كَانَت عِجَافًا وَلَا أَهلِي)

وَإِن تعتذر بِالْمحل من ذِي ضروعها

...

...

...

. . الْبَيْت وَبعده أَرْبَعَة أَبْيَات وَهِي آخر القصيدة.

فَقَوله: أعاذل الْهمزَة للنداء وعاذل منادى مرخم عاذلة. قَالَ الْأَصْمَعِي

ص: 128

فِي شرح ديوانه: عوجي من لسَانك أَي: كفي وَلَفظ عوجي على الْحَقِيقَة اعطفي. والشكل: الضَّرْب يَقُول مَا كل من يهوى ذَلِك مني على طريقتي وعَلى مذهبي.

وَقَوله: فَمَا لَام يَوْمًا من أخٍ من زَائِدَة وَأَخ فَاعل لَام والإخاء بِكَسْر الْهمزَة: الْأُخوة. قَالَ الْأَصْمَعِي: اعتلت أطلق اللَّفْظ على الْإِبِل وَالْمعْنَى على أَصْحَابهَا يَقُول لم أبخل فأعتذر إِلَى وَقَوله: إِذا كَانَ فِيهَا الرُّسُل ضمير فِيهَا لِلْإِبِلِ وَضمير دونه للرسل قَالَ الْأَصْمَعِي: الرُّسُل: اللَّبن حلوه وحامضه وخاثره ورقيقه يَقُول: لَا أَسْقِي فصالي وأدعو ضَيْفِي وَلَو كَانَت عِجَافًا مهازيل. يُقَال: عجف الدَّابَّة وأعجفه صَاحبه وعجفت نَفسِي عَن كَذَا: إِذا صرفتها. وَقَوله: وَإِن تعتذر بِالْمحل قَالَ الْأَصْمَعِي: اعتذارها للضيف: أَن لَا يرى فِيهَا محتلباً من شدَّة الجدب)

وَالزَّمَان فَإِذا كَانَت كَذَلِك عقرتها.

وَالْمحل: انْقِطَاع الْمَطَر ويبس الأَرْض من الْكلأ وَهُوَ مصدر مَحل الْبَلَد من بَاب تَعب. وَالْمرَاد بِذِي ضرْعهَا: اللَّبن كَمَا يُقَال ذُو بطونها وَالْمرَاد: الْوَلَد. قَالَ الطيي: الْمَعْنى إِذا اعتذرت بقلة اللَّبن بِسَبَب الْقَحْط إِلَى الضَّيْف أعقرها لتَكون هِيَ عوض اللَّبن. والعقر: ضرب الْبَعِير بِالسَّيْفِ على قوائمه لَا يُطلق الْعقر فِي غير القوائم وَرُبمَا قيل عقره: إِذا نَحره. والعراقيب: جمع عرقوب فِي الصِّحَاح: عرقوب الدَّابَّة فِي رجلهَا بِمَنْزِلَة الرّكْبَة فِي يَدهَا قَالَ الْأَصْمَعِي: كل ذِي أَربع عرقوباه فِي رجلَيْهِ وَركبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ. وعرقبت الدَّابَّة قطعت عرقوبها. والعرقوب من الْإِنْسَان: العصب الغليظ الموتر فَوق الْعقب. والنصل: حَدِيدَة السَّيْف والسكين والمنصل كقنفذ: نَفسه.

ص: 129

وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن.

أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: يابؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام على أَن الْمبرد أجَاز أَن ينصب عَامل المنادى الْحَال نَحْو: يَا زيد قَائِما إِذا ناديته فِي حَال قِيَامه. قَالَ: وَمِنْه يَا بؤس للْجَهْل. . وَالظَّاهِر أَن عَامله بؤس الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الشدَّة وَهُوَ مُضَاف إِلَى صَاحب الْحَال أَعنِي الْجَهْل تَقْديرا لزِيَادَة اللَّام.

أَقُول: من جعل عَامل الْحَال النداء جعل الْحَال من الْمُضَاف وَفِيه مُنَاسبَة جَيِّدَة فَإِن الْجَهْل ضار وبؤسه ضرار وَمن جعل ضِرَارًا حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ جعل الْعَامِل الْمُضَاف. وَمِمَّنْ جعله من الْمُضَاف إِلَيْهِ الأعلم قَالَ: وَنصب ضِرَارًا على الْحَال من الْجَهْل. وَإِنَّمَا كَانَ يرد هَذَا الِاسْتِظْهَار على الْمبرد لَو جعل ضِرَارًا حَالا من الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَقد أجَاز ابْن جني فِي قَوْله بقرى من قَول الحماسي:

ألهفى بقرى سحبلٍ حِين أجلبت

ص: 130

الْوَجْهَيْنِ قَالَ: يجوز أَن تجْعَل بقرى حَالا من لهفي وَذَلِكَ أَنَّهَا يَاء ضمير الْمُتَكَلّم فأبدلت ألفا تَخْفِيفًا فَيكون معنى هَذَا: تلهفت وَأَنا بقرى أَي: كَائِنا هُنَاكَ كَمَا أَن معنى الأول لَو أنثته: يالهفتي كائنة فِي ذَلِك الْموضع. فَيكون بقرى فِي هَذَا الْأَخير حَالا من المنادى الْمُضَاف كَقَوْلِه:)

يَا بؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام أَي: يَا بؤس الْجَهْل أَي: أَدْعُوهُ ضِرَارًا. وَإِذا جعلته حَالا من الْيَاء المنقلبة ألفا كَانَ الْعَامِل نفس اللهف كَقَوْلِك يَا قيامي ضَاحِكا تَدْعُو الْقيام أَي: هَذَا من أوقاتك.

وَقد قرر ابْن الْأَنْبَارِي مَذْهَب الْمبرد فِي الْإِنْصَاف فَقَالَ: حكى ابْن السراج عَن الْمبرد أَنه قَالَ: قلت للمازني: مَا أنْكرت من الْحَال للمدعو قَالَ: لم أنكر مِنْهُ شَيْئا إِلَّا أَن الْعَرَب لم تدع على شريطة فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ يَا زيد رَاكِبًا أَي ندعوك فِي هَذِه الْحَالة ونمسك على دعائك مَاشِيا لِأَنَّهُ إِذا قَالَ يَا زيد فقد وَقع الدُّعَاء على كل حَال. قلت: فَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ رَاكِبًا وَلم يحْتَج إِلَيْهِ فِي غير هَذِه الْحَالة فَقَالَ: أَلَسْت تَقوله يازيد دُعَاء حَقًا فَقلت: بلَى فَقَالَ: علام تحمل الْمصدر قلت: لِأَن قولي يازيد كَقَوْلي أَدْعُو زيدا فَكَأَنِّي قلت: أَدْعُو دُعَاء حَقًا. فَقَالَ: لَا أرى بَأْسا بِأَن تَقول على هَذَا يَا زيد رَاكِبًا فَالْزَمْ الْقيَاس. قَالَ الْمبرد: وَوجدت أَنا تَصْدِيقًا لهَذَا قَول النَّابِغَة:

ص: 131

يَا بؤس للْجَهْل ضِرَارًا لأقوام.

وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَيَا بؤس منادى مُضَاف مَعْنَاهُ التَّعَجُّب أَي: مَا أبأس الْجَهْل وَمَا أضره للنَّاس وضراراً حَال من الْجَهْل أَو نصب على الْقطع على مَذْهَب الْكُوفِيّين وَنَظِيره عِنْدهم: وَالْهَدْي معكوفاً وَاللَّام فِي لأقوام زَائِدَة قَالَ الْمبرد: هَذِه اللَّام تزاد فِي الْمَفْعُول على معنى زيادتها فِي الْإِضَافَة يَقُولُونَ: هَذَا ضاربٌ زيدا وَهَذَا ضَارب لزيد لِأَنَّهَا لَا تغير معنى الْإِضَافَة.

وَأورد سِيبَوَيْهٍ هَذَا المصراع لكَون اللَّام مقحمة بَين المتضايفين وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسبْعين.

وَهُوَ عجز وصدره: قَالَت بَنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ خالوا: تاركوا يُقَال خَالِي يخالي مخلاة وخلاء كَمَا يُقَال تَارِك يتارك وَيُقَال للْمَرْأَة الْمُطلقَة خلية من هَذَا وخليت النبت: إِذا قطعته.

وَهَذَا الْبَيْت مطلع أَبْيَات عدتهَا ثَلَاثَة عشر بَيْتا للنابغة الذبياني قَالَهَا لزرعة بن عَمْرو العامري: حِين بعث بَنو عَامر إِلَى حصن بن حُذَيْفَة بن بدر وَإِلَى عُيَيْنَة بن حصن الذبياني: أَن اقْطَعُوا مَا)

بَيْنكُم وَبَين بني أَسد من الْحلف وألحقوهم بكنانة بن خُزَيْمَة بن عمهم ونحالفكم فَنحْن بَنو أبيكم.

ص: 132

فَلَمَّا هم عُيَيْنَة بذلك قَالَت لَهُم بَنو ذبيان: أخرجُوا من فِيكُم من الحلفاء وَنخرج من فِينَا فَأَبُو من ذَلِك.

فَحكى النَّابِغَة قَول بني عَامر. يَقُول: إِن الْجَهْل يضر الأقوام ويدعوهم إِلَى سفاهة الأحلام أَي: إِن بني عَامر جهال يأمروننا بترك هَؤُلَاءِ الَّذين قد أَحْسنُوا عَنَّا الدفاع وَكثر بهم الِانْتِفَاع.

وَبعد هَذَا الْبَيْت:

(يَأْبَى الْبلَاء فَلَا نبغي بهم بَدَلا

وَلَا نُرِيد خلاء بعد إحكام)

(فصالحونا جَمِيعًا إِن بدا لكم

وَلَا تَقولُوا: لنا أَمْثَالهَا عَام)

(إِنِّي لأخشى عَلَيْكُم أَن يكون لكم

من أجل بغضائهم يومٌ كأيام)

(تبدو كواكبه وَالشَّمْس طالعةٌ

لَا النُّور نورٌ وَلَا الإظلام إظلام)

وعام منادى مرخم عَامر. وقافية الْبَيْت الْخَامِس مَرْفُوعَة وَمَا عَداهَا مجرور وَهُوَ عيب يُسمى إقواء.

روى المرزباني فِي الموشح بِسَنَدِهِ عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: لم يقو أحد من الطَّبَقَة الأولى وَلَا من أشباههم إِلَّا النَّابِغَة فِي بَيْتَيْنِ: قَوْله:

(أَمن آل مية رائح أَو مغتدي

عجلَان ذَا زادٍ وَغير مزود)

وَقَوله:

(سقط النصيف وَلم ترد إِسْقَاطه

فتناولته واتقتنا بِالْيَدِ)

(بمخضبٍ رخصٍ كَأَن بنانه

عنمٌ يكَاد من اللطافة يعْقد)

ص: 133

. العنم: نبت أَحْمَر يصْبغ بِهِ فَقدم الْمَدِينَة فعيب ذَلِك عَلَيْهِ فَلم يأبه لَهُ حَتَّى أسمعوه إِيَّاه فِي غناء وَأهل الْقرى ألطف نظرا من أهل البدو وَكَانُوا يَكْتُبُونَ جواريهم عِنْد أهل الْكتاب فَقيل لِلْجَارِيَةِ: إِذا صرت إِلَى قَوْله: يعْقد وَالْأسود فرتلي. فَلَمَّا قَالَت: الغداف الْأسود ويعقد بِالْيَدِ علم فانتبه وَلم يعد فِيهِ. وَقَالَ: قدمت الْحجاز وَفِي شعري ضَيْعَة ورحلت عَنْهَا وَأَنا أشعر النَّاس. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى

أَنه أصلح الأول بقوله: وبذاك تنعاب الغداف الْأسود.

وَيُزَاد عَلَيْهِ مَا ذَكرْنَاهُ هُنَا فَيكون قد أقوى فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

وَقَوله: يَأْتِي الْبلَاء فَمَا نبغي يَقُول: يَأْبَى علينا أَن نخاليهم مَا بلونا من نصحهمْ وَلَا نُرِيد خلاء)

أَي: متاركة بهم: ببني اسد بعد إحكام الْأَمر بَينهم.

وَقَوله: تبدو كواكبه وَالشَّمْس طالعة رَأَيْت فِي ديوانه المصراع الثَّانِي كَذَا: نورا بِنور وإظلاماً بإظلام قَالَ شَارِحه: روى الْأَصْمَعِي: يَقُول: هُوَ يَوْم شَدِيد تظلم الشَّمْس من شدته فتبدو كواكبه. وَقَوله: لَا النُّور نور: لَا كنوره نورٌ إِن ظفر وَلَا كظلمته إِن ظفر بِهِ. وَقَوله: نورا بِنور كَأَنَّهُ قَالَ: نور مَعَ نور يُرِيد بريق الْبيض وَالسُّيُوف وَنور الشَّمْس

ص: 134

إِذا أَصَابَت الْبيض صَار نورا مَعَ نور.

وَقَالَ بن نصر: قَوْله: لَا النُّور نور يُرِيد أَن نور هَذَا الْيَوْم لَيْسَ من نور الشَّمْس إِنَّمَا هُوَ من نور السِّلَاح وبريقه وَلَا إظلام هَذَا الْيَوْم من ظلمَة اللَّيْل إِنَّمَا ظلمته من كَثْرَة الْغُبَار. وَقَالَ: أَرَادَ بقوله: تبدو كواكبه شبه بريق الْبيض وَمَا ظهر من السِّلَاح بالكواكب. وعَلى هَذَا فَلَا إقواء.

والنابغة اسْمه زِيَاد بن مُعَاوِيَة. وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى سعد بن ذبيان بن بغيض وكنيته أَبُو أُمَامَة وَأَبُو عقرب بابنتين كَانَتَا لَهُ.

وَهُوَ أحد شعراء الْجَاهِلِيَّة وَأحد فحولهم عده الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الأولى بعد امْرِئ الْقَيْس.

وَسمي النَّابِغَة لقَوْله:

فقد نبغت لنا مِنْهُم شؤون وَقيل: لِأَنَّهُ لم يقل الشّعْر حَتَّى صَار رجلا. وَقيل: هُوَ مُشْتَقّ من نبغت الْحَمَامَة: إِذا تغنت.

وَحكى ابْن ولاد أَنه يُقَال: نبغ المَاء ونبغ بالشعر. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن لَهُ مَادَّة من الشّعْر لَا تَنْقَطِع كمادة المَاء النابغ.

قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء: ونبغ بالشعر بعد مَا احتنك وَهلك قبل أَن يهتر. وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف الَّذين تمحض الشّعْر مِنْهُم وَهُوَ أحْسنهم ديباجة شعر وَأَكْثَرهم رونق كَلَام وأجزلهم بَيْتا. كَأَن شعره كلامٌ لَيْسَ فِيهِ تكلّف.

قَالَ الْأَصْمَعِي: سَأَلت بشاراً عَن أشعر النَّاس فَقَالَ: أجمع أهل الْبَصْرَة على امْرِئ الْقَيْس وطرفة وَأهل الْكُوفَة على بشر بن أبي خازم والأعشى وَأهل الْحجاز

ص: 135

على النَّابِغَة وَزُهَيْر وَأهل الشَّام على جرير والفرزدق والأخطل. وَمَات النَّابِغَة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي زمن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ قبل أَن يبْعَث.)

والأبيات التالية من قصيدة وصف بهَا المتجردة امْرَأَة النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَكَانَ النَّابِغَة من خواصه وندمائه وَأهل أنسه فَرَأى زَوجته المتجردة يَوْمًا وغشيها أمرٌ سقط نصيفها واستترت بِيَدِهَا وذراعها. وَذكر فِي هَذِه القصيدة أموراً عَجِيبَة مِنْهَا فِي صفة فرجهَا. ثمَّ أنشدها النَّابِغَة مرّة بن سعيد القريعي فأنشدها مرّة النُّعْمَان فَامْتَلَأَ غَضبا وأوعده النَّابِغَة وتهدده. فهرب مِنْهُ إِلَى مُلُوك غَسَّان بِالشَّام.

وَقيل: إِن الَّذِي من أَجله هرب النَّابِغَة: أَنه كَانَ هُوَ والمنخل البشكري نديمين للنعمان وَكَانَ النُّعْمَان دميماً قَبِيح المنظر وَكَانَ المنخل من أجمل الْعَرَب وَكَانَ يرْمى بالمتجردة وتكلمت الْعَرَب أَن ابْني النُّعْمَان مِنْهَا كَانَا مِنْهُ فَقَالَ النُّعْمَان للنابغة: يَا أَبَا أُمَامَة صف المتجردة فِي شعرك. فَقَالَ تِلْكَ القصيدة ووصفها فِيهَا وَوصف بَطنهَا وفرجها وأردافها. فلحقت المنخل من ذَلِك غيرَة فَقَالَ للنعمان: مَا يَسْتَطِيع

أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان. فَبلغ النَّابِغَة فخافه فهرب إِلَى مُلُوك غَسَّان وَنزل بِعَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر فمدحه ومدح أَخَاهُ وَلم يزل مُقيما مَعَ عَمْرو حَتَّى مَاتَ وَملك أَخُوهُ النُّعْمَان فَصَارَ مَعَه إِلَى أَن استعطف النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَعَاد إِلَيْهِ.

وَمِمَّا قَالَه فِي مُلُوك غَسَّان مَا أنْشدهُ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: دخلت على عبد الْملك وَعِنْده رجل لَا أعرفهُ فَالْتَفت إِلَيْهِ عبد الْملك فَقَالَ: من أشعر النَّاس قَالَ: أَنا فأظلم مَا بيني وَبَينه فَقلت:

ص: 136

من هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فتعجب عبد الْملك من عجلتي فَقَالَ: هَذَا الأخطل قلت: أشعر مِنْهُ الَّذِي يَقُول:

(هَذَا غلامٌ حسنٌ وَجهه

مُسْتَقْبل الْخَيْر سريع التَّمام)

(لِلْحَارِثِ الْأَكْبَر والْحَارث

الْأَصْغَر والأعرج خير الْأَنَام)

(ثمَّ لهندٍ ولهندٍ وَقد

ينجع فِي الروضات مَاء الْغَمَام)

(سِتَّة آباءٍ هم مَا هم

هم خير من يشرب صفو المدام)

فَقَالَ الأخطل: صدق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّابِغَة أشعر مني. فَقَالَ لي عبد الْملك: مَا تَقول فِي النَّابِغَة قلت: قد فَضله عمر بن الْخطاب على الشُّعَرَاء غير مرّة خرج وبابه وَفد غطفان فَقَالَ: أَي شعرائكم الَّذِي يَقُول:

(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة

وَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مطلب)

)

قَالُوا: النَّابِغَة. قَالَ: فَأَي شعرائكم الَّذِي يَقُول:

(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي

وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع)

قَالُوا: النَّابِغَة. قَالَ: هَذَا أشعر شعرائكم وَله القصائد: الاعتذاريات الْمَشْهُورَة إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر لم يقل أحد مثلهَا. مِنْهَا قَوْله:

(نبئت أَن أَبَا قَابُوس أوعدني

وَلَا قَرَار على زأرٍ من الْأسد)

ص: 137

وتمثل بِهِ الْحجَّاج بن يُوسُف حِين سخط عَلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان.

وَمِمَّا يتَمَثَّل بِهِ من شعره:

(فَلَو كفي الْيَمين بغتك خوناً

لأفردت الْيَمين من الشمَال)

أَخذه المثقب الْعَبْدي فَقَالَ:

(فَلَو أَنِّي تخالفني شمَالي

خِلافك مَا وصلت بهَا يَمِيني)

(فحملتني ذَنْب امرئٍ وَتركته

كذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع)

أَخذه الْكُمَيْت فَقَالَ:

(وَلَا أكوي الصِّحَاح براتعاتٍ

بِهن العر قبلي مَا كوينا)

تَتِمَّة ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: من يُقَال لَهُ النَّابِغَة ثمانيةٌ: أَوَّلهمْ هَذَا

وَالثَّانِي: النَّابِغَة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ. وَالثَّالِث: نَابِغَة بن الديَّان الْحَارِثِيّ. وَالرَّابِع: النَّابِغَة الشَّيْبَانِيّ. وَالْخَامِس: النَّابِغَة الغنوي. وَالسَّادِس: النَّابِغَة العدواني. وَالسَّابِع: النَّابِغَة الذبياني أَيْضا وَهُوَ نَابِغَة بني قتال بن يَرْبُوع. وَالثَّامِن: النَّابِغَة التغلبي واسْمه الْحَارِث.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس بعد الْمِائَة:

ص: 138

(يَا أبجر بن أبجر يَا أنتا

أَنْت الَّذِي طلقت عَام جعتا)

على أَن الْمُضمر لَو وَقع منادى جَازَ نظرا إِلَى الْمظهر فَإِن الْمظهر بِصُورَة الرّفْع وَالضَّمِير ضمير رفع.

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف نقلا عَن الْبَصرِيين بِأَن الْمُفْرد الْمعرفَة إِنَّمَا بني لِأَنَّهُ أشبه كَاف الْخطاب وكاف الْخطاب مَبْنِيَّة فَكَذَلِك مَا أشبههَا وَوجه الشّبَه بَينهمَا من ثَلَاثَة أوجه: الْخطاب)

والتعريف والإفراد. وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا بني لِأَنَّهُ وَقع موقع اسْم الْخطاب لِأَن الأَصْل فِي قَوْلك يَا زيد: أَن تَقول: يَا إياك أَو يَا أَنْت لِأَن المنادى لما كَانَ مُخَاطبا كَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَغْنى عَن اسْمه وَيُؤْتى باسم الْخطاب فَيُقَال: يَا إياك وَيَا أَنْت كَمَا قَالَ: يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا

فَلَمَّا وَقع الِاسْم المنادى موقع اسْم الْخطاب وَجب أَن يكون مَبْنِيا كَمَا أَن اسْم الْخطاب مَبْنِيّ.

وَظَاهر كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق أَن نِدَاء الضَّمِير مطرد وَأَنه لَا فرق بَين نِدَاء الضَّمِير الْمَرْفُوع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب.

قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: نِدَاء الْمُضمر شَاذ. وَقد قيل إِنَّه على تَقْدِير: يَا هَذَا أَنْت وَيَا هَذَا إياك أَعنِي.

ص: 139

وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: وَأما يَا أنتا فشاذ لِأَن الْموضع مَوضِع نصب وَأَنت ضمير رفع فحقه أَن لَا يجوز كَمَا لَا يجوز فِي إياك لَكِن بعض الْعَرَب قد جعل بعض الضمائر نَائِبا عَن غَيره كَقَوْلِهِم: رَأَيْتُك أَنْت بِمَعْنى رَأَيْتُك إياك فناب ضمير الرّفْع عَن ضمير النصب وَكَذَلِكَ قَالُوا: يَا أنتا وَالْأَصْل يَا إياك. وَقد يُقَال: إِن يَا فِي يَا أَنْت حرف تَنْبِيه وَأَنت مُبْتَدأ وَأَنت الثَّانِيَة تَأْكِيد وَقَالَ ابْن عُصْفُور: وَلَا يُنَادى الْمُضمر إِلَّا نَادرا والأسماء كلهَا تنادى إِلَّا الْمُضْمرَات أما ضمير الْغَيْبَة وَضمير الْمُتَكَلّم فهما مناقضان لحرف النداء لِأَن حرف النداء يَقْتَضِي الْخطاب وَلم يجمع بَين حرف النداء وَالضَّمِير الْمُخَاطب لِأَن أَحدهمَا يُغني عَن الآخر فَلم يجمع بَينهمَا إِلَّا فِي الشّعْر مثل قَوْله:

(يَا أَقرع بن حابسٍ يَا أنتا

أَنْت الَّذِي

...

... . الْبَيْت)

فَمنهمْ من جعل يَا تَنْبِيها وَجعل أَنْت: مُبْتَدأ وَأَنت الثَّانِي إِمَّا تاكيداً أَو مُبْتَدأ أَو فصلا أَو بَدَلا. وَدلّ كَلَامه على أَن الْعَرَب لَا تنادي ضمير الْمُتَكَلّم فَلَا تَقول: يَا أَنا وَلَا ضمير الْغَائِب فَلَا تَقول: يَا إِيَّاه وَلَا يَا هُوَ فَكَلَام جهلة الصُّوفِيَّة فِي نِدَاء الله تَعَالَى: يَا هُوَ لَيْسَ جَارِيا على كَلَام الْعَرَب. كَلَام أبي حَيَّان.

وَهَذَانِ البيتان من أرجوزة لسالم بن دارة وَقد حرف الْبَيْت الأول على أوجهٍ كَمَا رَأَيْت.

وَصَوَابه: يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا)

وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ كَرِوَايَة الشَّارِح وَزعم أَن قَائِله الْأَحْوَص. وَهُوَ وهم إِنَّمَا

ص: 140

قَوْله نثر لَا نظم: وَهُوَ أَنه لما وَفد مَعَ أَبِيه على مُعَاوِيَة خطب فَوَثَبَ أَبوهُ ليخطب فكفه وَقَالَ: يَا إياك قد كفيتك.

ومنشأ الْوَهم: أَن النَّحْوِيين قد ذكرُوا هَذَا الْبَيْت عقب قَول الْأَحْوَص مَعَ قَوْلهم وَكَقَوْلِه فَظن أَن الضَّمِير للأحوص.

وَقد صحفه أَبُو عبد الله بن الْأَعرَابِي أَيْضا فِي نوادره وَرَوَاهُ: يَا قر يَا ابْن واقعٍ يَا أنتا نبه على تصحيفه أَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِيمَا كتبه على نوادره وَسَماهُ ضَالَّة الأديب فَقَالَ: صحف أَبُو عبد الله فِي اسْم من قيل فِيهِ هَذَا الرجز فَقَالَ: يَا قر وَإِنَّمَا هُوَ يَا مر وَهُوَ مرّة بن وَاقع أحد بني عبد منَاف بن فَزَارَة.

وَقَوله: أَنْت الَّذِي طلقت كَانَ الْقيَاس طلق ليعود إِلَى الْمَوْصُول ضمير الْغَائِب.

قَالَ ابْن جني: هَذَا كَلَام الْعَرَب الفصيح وَقد جَاءَ أَيْضا الْحمل على الْمَعْنى دون اللَّفْظ كَهَذا الْبَيْت.

وَكَانَ من قصَّة سَالم بن دارة وَمرَّة بن وَاقع الْفَزارِيّ: أَن قرفة أحد بني عبد منَاف نثل حسياً بزهمان فاستعان بسالم وبمرة وَاسم الحسى مُعَلّق فرجز سَالم وَهُوَ يخرج عَن مرّة المسناة:

(أنزلني قرفة فِي مُعَلّق

أترك حبلي مرّة وأرتقي)

عَن مرّة بن واقعٍ واستقي

ص: 141

وَلَا يزَال قَائِل: ابْن ابْن دلوك عَن حد الضروس وَاللَّبن فَغَضب مرّة من ذَلِك وَكَانَ عِنْده مرّة امرأةٌ من بني بدر بن عَمْرو فأسنت مرّة فَطلقهَا وَأهل الْبَادِيَة أفعل شَيْء لذَلِك فَلَمَّا أَحْيَا أَرَادَ رَجعتهَا فَأَبت وَكَانَ مرّة يحْسب أَن لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَة وَأَنه إِنَّمَا فاكهها فاحتملت إِلَى أَهلهَا ثمَّ إِن مرّة حج فِي أركوب من بني فَزَارَة حجاج وَخرج سَالم فِي أركوب من بني عبد الله بن غطفان حجاج فاصطحبوا فَنزل مرّة يَسُوق بالقوم فَقَالَ يرتجز:

(لَو أَن بنت الأكرم البدري

رَأَتْ شحوبي وَرَأَتْ بذريي)

(وَهن خوصٌ شبه القسي

يلفها لف حَصى الأتي)

أروع سقاءٌ على الطوي)

ثمَّ نزل سالمٌ يَسُوق بالقوم وَقد كُنَّا تضاغنا فرجز:

(يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا

أَنْت الَّذِي طلقت عَام جعتا)

(فَضمهَا البدري إِذْ طلقتا

حَتَّى إِذا اصطبحت واغتبقتا)

(أَصبَحت مُرْتَدا لما تركتا

أردْت أَن ترجعها كذبتا)

(أودى بَنو بدرٍ بهَا وأنتا

تقسم وسط الْقَوْم: مَا فارقتا)

ص: 142

انْتهى مَا أوردهُ الْأسود الْأَعرَابِي.

وَقَوله: نثل حسياً بزهمان يُقَال: نثلت الْبِئْر نثلاً وانتثلتها: إِذا استخرجت ترابها وَهُوَ النثيلة بالنُّون والثاء الْمُثَلَّثَة. والحسي بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين

الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَا تنشفه الأَرْض من الرمل فَإِذا صَار إِلَى صلابة أمسكته فتحفر عته الرمل فتستخرجه وَجمعه الأحساء. وزهمان بِضَم الرَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء: وادٍ لبني فَزَارَة مُتَّصِل بِالرَّقْمِ بِفَتْح الرَّاء وَالْقَاف وَهُوَ مَوضِع بالحجاز قريب من وَادي الْقرى كَانَت فِيهِ وقْعَة لغطفان على عَامر. كَذَا فِي مُعْجم مَا استعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ.

وَقَوله: أبن أبن هُوَ فعل أَمر من الْإِبَانَة وَهُوَ الإبعاد. والضروس قَالَ فِي الصِّحَاح: بِضَم الضَّاد: الْحِجَارَة الَّتِي طويت بهَا الْبِئْر. وَأنْشد هَذَا الشّعْر وبئر مضروسة وضريس أَي: مطوية بِالْحِجَارَةِ.

وَقَوله فأسنت مرّة أَي: أَصَابَهُ السّنة وَهِي الْقَحْط والجدب. وَقَوله: فَلَمَّا أَحْيَا فِي الصِّحَاح: قَالَ أَبُو عَمْرو: أَحْيَا الْقَوْم: إِذا حسنت حَال مَوَاشِيهمْ. فَإِن أردْت أنفسهم قلت: حيوا. ثمَّ قَالَ: وَأَحْيَا الْقَوْم أَي: صَارُوا فِي الحيا وَهُوَ الخصب والحيا مَقْصُور: الْمَطَر وَالْخصب. وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا يَاء آخر الْحُرُوف. وَقَوله فاكهها أَي: مازحها والمفاكهة: الممازحة.

وَقَوله: البدري مَنْسُوب إِلَى بني بدر بن عَمْرو. وَلَو: لِلتَّمَنِّي لَا جَوَاب لَهَا. والشحوب: مصدر شحب جِسْمه بِالْفَتْح يشحب بِالضَّمِّ: إِذا تغير. وَقَوله:

ص: 143

بذريي أَي إبلي المفرقة وَيُقَال: تَفَرَّقت إبِله شذر بذر بِفَتْح الشين وَالْبَاء وكسرهما وَمَا بعدهمَا مَفْتُوح: إِذا تَفَرَّقت فِي كل وَجه.

وَقَوله: وَهن خوصٌ أَي: غائرات الْعُيُون جمع أخوص وخوصاء وَالْفِعْل خوص بِالْكَسْرِ أَي: غارت عينه. ويلفها: يضمها ويجمعها. والأتي بِفَتْح الْهَمْز وَكسر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة قَالَ فِي الصِّحَاح: وأتيت للْمَاء تأتية وتأتياً أَي: سهلت سَبيله ليخرج إِلَى مَوضِع والأتي: الْجَدْوَل يؤتيه الرجل إِلَى)

أرضه وَهُوَ فعيل يُقَال: جَاءَنَا سيل أُتِي وأتاوي: إِذا جَاءَك وَلم يصبك مطره.

وَقَوله: أروع هُوَ فَاعل يلفها وَمَعْنَاهُ: السَّيِّد الَّذِي يروعك بجماله وجلاله. وسقاء: مُبَالغَة ساقٍ والطوي: الْبِئْر المطوية أَي: المبنية بِالْحِجَارَةِ.

وَقَوله: أَصبَحت مُرْتَدا. أَي: رَاجعا والارتداد: الرُّجُوع. وأودى بهَا: ذهب بهَا. وَقَوله: فأد رزقها أَي: أعْط صَدَاقهَا الَّذِي تغلبت عَلَيْهِ وأكلته.

وَسَالم بن دارة: هُوَ سَالم بن مسافع بن عقبَة بن يَرْبُوع بن كَعْب بن عدي ابْن جشم بن عَوْف بن بهثة بن عبد الله بن غطفان.

ودارة: لقب أمة وَاسْمهَا سيقاء كَانَت أخيذة: أَصَابَهَا زيد الْخَيل من بعض غطفان وَهِي حُبْلَى وَهِي من بني أَسد فَوَهَبَهَا زيد الْخَيل لزهير بن أبي سلمى. فَرُبمَا نسب سَالم بن دارة إِلَى زيد الْخَيل. كَذَا فِي كتاب أَسمَاء الشُّعَرَاء المنسوبين إِلَى أمهاتهم تأليف أَحْمد بن أبي سهل بن عَاصِم الْحلْوانِي وَمن خطه نقلت.

وَقَالَ التبريزي فِي شرح الحماسة: ودارة هُوَ يَرْبُوع وَإِنَّمَا سمي دارة

ص: 144

لِأَن رجلا من بني الصَّادِر بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان يُقَال لَهُ: كَعْب قتل ابْن عَم ليربوع بن كَعْب يُقَال لَهُ: درص فَقتل يَرْبُوع كَعْبًا بِابْن عَمه وَأخذ ابْنة كَعْب ثمَّ أرسلها فَأَتَت قَومهَا فنعت أَبَاهَا كَعْبًا فَقَالُوا: من قَتله قَالَت: غُلَام كَأَن وَجهه دارة الْقَمَر من بني جشم بن عَوْف بن بهثة. فَسُمي بذلك وَنسب إِلَيْهِ سَالم.

وَمثله فِي الأغاني. وَالصَّحِيح الأول وَيدل لَهُ قَول سَالم:

(أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسبي

وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار)

وَسَالم: شَاعِر مخضرم: قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَكَانَ رجلا هجاء وبسببه قتل.

قَالَ التبريزي نقلا عَن أبي رياش. وَكَانَ الَّذِي هاج قَتله: أَنه كَانَ مرّة بن وَاقع من وُجُوه بني فَزَارَة وَكَانَت عِنْده امْرَأَة من أَشْرَاف بني فَزَارَة ففاكهته امْرَأَته ذَات لَيْلَة فَطلقهَا الْبَتَّةَ واحتملت إِلَى أَهلهَا وَمرَّة يظنّ أَنه قَادر على ردهَا إِن شَاءَ حَتَّى أَتَى لذَلِك عامٌ وهما كَذَلِك. ثمَّ خطبهَا حمل بن القليب الْفَزارِيّ وَرجل آخر

من بني فَزَارَة يُقَال لَهُ: عَليّ وخطبها ابْن دارة.

فَبلغ ذَلِك مرّة فَأَرَادَ أَن يُرَاجِعهَا فَأَبت عَلَيْهِ واختارت عليا. فَركب مرّة بن وَاقع إِلَى مُعَاوِيَة وَقيل إِلَى عُثْمَان فَقَالَ: إِن الْأَعْرَاب أهل جفَاء وَإِنِّي قد قلت كلمة بيني وَبَين امْرَأَتي لم أرد مَا)

تبلغ فَتزوّجت رجلا وَإِنَّمَا أَتَيْتُك مبادراً قبل أَن يَبْنِي بهَا فامنع لي امْرَأَتي. فَقَالَ مُعَاوِيَة: لقد ذكرت أمرا صَغِيرا فِي أَمر عَظِيم لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا.

ص: 145

فَفرق بَينهمَا مُعَاوِيَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ على الشَّام عَاملا لعُثْمَان فَقَالَ سَالم فِي ذَلِك قبل أَن يقدم مرّة عِنْد مُعَاوِيَة وَالْقَوْم ينتظرونه:

(يَا لَيْت مرّة يَأْتِيهَا فيجعلها

خير الْبناء وَيجْزِي مِنْهُمَا الجازي)

فجَاء مرّة وَقد ابتنى بهَا عَليّ: فَغَضب على سَالم وَجعل يشتمه حَتَّى قَالَ: أَيهَا العَبْد من محولة مَا أَنْت وَذكر نسائنا ومحولة بَنو عبد الله بن غطفان وَكَانَ يُقَال لَهُم بَنو عبد الْعُزَّى فوفدوا على النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فَقَالَ: من أَنْتُم فَقَالُوا: نَحن بَنو عبد الْعُزَّى فَقَالَ صلى الله عليه وسلم َ: بل أَنْتُم بَنو عبد الله فسمتهم الْعَرَب محولة فَقَالَ سَالم بن دارة: مهلا يَا مرّة فَإِنِّي لم أفعل تأبيداً كَأَنَّهُ أَرَادَ لم آتٍ بآبدة وَمَا بِي بَأْس وَلَا ذَنْب لي وَإِنَّمَا مزحت. فَأبى مرّة إِلَّا شَتمه. فَقَالَ سَالم: وَقد غضب: أوقع يَا على المنادى الْمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مرّة أَنْت. وَقد ادّعى قوم أَن أَنْت يجوز نداؤها. وَلَا يَنْبَغِي أَن يعدل عَن الْوَجْه الأول

ثمَّ ذكر الأبيات السَّابِقَة وَقَالَ: ثمَّ تواعدا أَن يلتقيا وَعظم فِي صُدُور بني فَزَارَة قَول سَالم فأغمضوا على ذَلِك. ثمَّ تواقف ابْن وَاقع وَسَالم على رهان وَفِيهِمْ يَوْمئِذٍ ابْن بيشة. أحد بني عبد منَاف بن عقيل فَقَالَ سَالم لجَمِيع بني فَزَارَة: إِنِّي أَحْمد الله كعهدكم وبعدكم واستعهدكم من مرّة. فَقَالَ مرّة: وَالله لَا أَزَال أهجوك مَا بل ريقي لساني.

وَجَاءَت بَنو فَزَارَة بامرأةٍ من بني غراب ترجز يُقَال لَهَا: غاضرة. فَلَمَّا رَآهَا سَالم نهق كَمَا ينهق الْحمار ثمَّ قَالَ:

ص: 146

(قد سبني بَنو الْغُرَاب الْأَحْمَر

جبنا وجهلاً وتمنوا منكري)

(كل عَجُوز مِنْهُم ومعصر

غاضر أُدي رشوتي لَا تغدري)

(وَأَبْشِرِي بعزبٍ مصدر

شراب ألبان الخلايا مقفر)

(يحمل عرداً كالوظيف الأعجر

وفيشةً مَتى تريها تشفري)

(حَمْرَاء كالنورج فَوق الأندر

تقلب أَحْيَانًا حماليق الْحر)

(معقدٍ مشْعر مسير

كَأَنَّمَا أحس جَيش الْمُنْذر)

(إِن تمنعي قعوك أمنع محوري

لقعو أُخْرَى كعشبٍ مدور))

النورج: شَيْء يدق بِهِ أهل الشَّام حبهم: فَلَمَّا قَالَهَا سَالم ألهاها الِاسْتِمَاع الرَّد عَلَيْهِ ثمَّ لوى درعها فكشف عَنْهَا فحجز النَّاس بَينهمَا وافترقوا وَلابْن دارة الظفر. وَعم بني فَزَارَة بالهجاء لما أعانت عَلَيْهِ بَنو غراب وَقَالَ يهجو مرّة بن وَاقع الْفَزارِيّ:

(حدبدبا بدبدبا مِنْك الْآن

اسْتَمعُوا أنْشدكُمْ يَا ولدان)

(إِن بني فَزَارَة بن زبيان

قد طرقت ناقتهم بِإِنْسَان)

(مشيإ أعجب بِخلق الرَّحْمَن

غلبتم النَّاس بِأَكْل الجردان)

(كل متل كالعمود جوفان

وسرق الْجَار ونيك البعران)

ص: 147

حدبدبا: كلمة جَاءَ بهَا فِي معنى التَّعَجُّب مِمَّا هُوَ فِيهِ. وَأَصلهَا لعبة يلْعَب بهَا الصّبيان وَيخْتَلف فِي لَفظهَا فبعضهم يَقُول: حدبدبا ببائين وَبَعْضهمْ يَقُول: حدندبا وَمِنْهُم من يَقُول: حديدبا يَقُول: اجْتَمعُوا يَا صبية لتلعبوا هَذِه اللعبة. وَإِنَّمَا غَرَضه أَن يعجب النَّاس مِمَّا هُوَ فِيهِ وَيُعلمهُم أَنه فِي أَمر كلعب الصّبيان.

وَقَالَ قصيدة طَوِيلَة فِي هجوهم مِنْهَا:

(بلغ فَزَارَة أَنِّي لن أسالمها

حَتَّى ينيك زميلٌ أم دِينَار)

هِيَ أم زميل وَكَانَت تكنى أم دِينَار فَحلف زميلبن أبير أحد بني عبد الله ابْن عبد منَاف: أَن لَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يغسل رَأسه وَلَا يَأْتِي امْرَأَة حَتَّى يقْتله. فَالتقى زميل وَابْن دارة منحدرٌ إِلَى الْكُوفَة وزميل يُرِيد الْبَادِيَة: فَقَالَ لَهُ سَالم: لَا أَبَا لَك ألم يَأن لَك أَن تحل يَمِينك فَقَالَ لَهُ زميل: إِنِّي أعْتَذر إِلَيْك وَالله مَا فِي الْقَوْم حَدِيدَة إِلَّا أَن يكون مخيطاً. فَافْتَرقَا.

وَسَار سَالم حَتَّى قدم على أَخِيه فِي الْكُوفَة فَمَكثَ غير بعيد ثمَّ لحق بقَوْمه بالبادية ثمَّ ورد الْمَدِينَة ثمَّ خرج مِنْهَا فلقي زميلاً عشَاء وزميل دَاخل الْمَدِينَة فَكَلمهُ وناداه وَقَالَ. . أَلا تحل يَمِينك ثمَّ انْطلق وَاتبعهُ زميل وغشيه بِالسَّيْفِ فَدفع الرَّاحِلَة وأدركه زميل فَضَربهُ فَأصَاب مؤخرة الرحل وحذا عضده ذُبَاب السَّيْف حذْيَة أوضحت وَرجع إِلَى الْمَدِينَة يتداوى بهَا.

فزعموا أَن بسرة بنت عُيَيْنَة بن أَسمَاء وَيُقَال إِنَّهَا بنت مَنْظُور بن زبان وَكَانَت تَحت عُثْمَان بن عَفَّان دست إِلَى الطَّبِيب سما فِي دوائه فَمَاتَ وَقَالَ قبل مَوته:

(أبلغ أَبَا سالمٍ عني مغلغلةً

فَلَا تكونن أدنى الْقَوْم للعار)

(لَا تأخذن مائَة مِنْهُم مُجَللَة

وَاضْرِبْ بسيفك مَنْظُور بن سيار)

ص: 148

)

وَقَالَ النَّاس لما قتل: قد محوا عَن أنفسهم. وَفِي ذَلِك يَقُول الْكُمَيْت بن مَعْرُوف:

(فَلَا تكثروا فِيهَا الضجاج فَإِنَّهُ

محا السَّيْف مَا قَالَ ابْن دارة أجمعا)

انْتهى مَا أوردهُ التبريزي.

وَقَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب المغتالين من الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام: إِن سَالم بن دارة هجا زميل بن أبير وَهُوَ ابْن أم دِينَار فَقَالَ فِي قصيدة لَهُ طَوِيلَة:

(آلى ابْن دارة جهداً لَا يصالحكم

حَتَّى ينيك زميل أم دِينَار)

وَحكى الْحِكَايَة كَمَا ذكرت. إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ إِن زميلاً قدم الْمَدِينَة فَقضى حَوَائِجه حَتَّى إِذا صدر عَن الشقرة سمع رجلا يتَغَنَّى بِشعر فَعرف زميل صَوت سَالم فَأقبل إِلَيْهِ فَضَربهُ ضربتين وعقر بعيره. فَحمل سَالم إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان فَدفعهُ إِلَى طَبِيب نَصْرَانِيّ حَتَّى إِذا برأَ والتأمت كلومه دخل النَّصْرَانِي وَإِذا سَالم يشامع امْرَأَته فاحتنقها عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِي: إِنِّي لأرى عظما ناتئاً فَهَل لَك أَن أجعَل عَلَيْهِ دَوَاء حَتَّى يسْقط قَالَ: نعم فافعل. فسمه فَمَاتَ. وَيُقَال: إِن أم الْبَنِينَ بنت عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ وَكَانَت عِنْد عُثْمَان بن عَفَّان جعلت للطبيب جعلا حَتَّى سمه فَمَاتَ.

ص: 149

وافتخر زميل بقتْله وَقَالَ:

(أَنا زميل قَاتل ابْن دارة

وغاسل المخزاة عَن فَزَارَة)

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد السَّادِس بعد الْمِائَة

(سَلام الله يَا مطر عَلَيْهَا

وَلَيْسَ عَلَيْك يَا مطر السَّلَام)

على أَنه إِذا اضْطر إِلَى تَنْوِين المنادى المضموم اقْتصر على الْقدر الْمُضْطَر إِلَيْهِ من التَّنْوِين.

وَالْقدر الْمُضْطَر إِلَيْهِ هُوَ النُّون الساكنة فألحقت وأبقيت حَرَكَة مَا قبلهَا على حَالهَا إِذْ لَا ضَرُورَة إِلَى تغيرها فَإِنَّهَا تنْدَفع بِزِيَادَة النُّون.

وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ والخليل والمازني. قَالَ النّحاس والأخفش الْمُجَاشِعِي فِي المعاياة: وحجتهم أَنه بِمَنْزِلَة مَرْفُوع مَا لَا ينْصَرف فَلحقه التَّنْوِين على لَفظه.

وَاخْتَارَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ هَذَا الْمَذْهَب لكنه رد هَذِه الْحجَّة فَقَالَ: الِاسْم الْعلم المنادى الْمُفْرد مَبْنِيّ على الضَّم لمضارعته عِنْد الْخَلِيل وَأَصْحَابه للأصوات وَعند غَيره لوُقُوعه موقع الضَّمِير فَإِذا لحقه فِي ضَرُورَة الشّعْر فالعلة الَّتِي من أجلهَا بني قائمةٌ بعد فِيهِ فينون على لَفظه لأَنا قد رَأينَا من المبنيات مَا هُوَ منون نَحْو إيهٍ وغاقٍ وَمَا أشبه ذَلِك. وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة مَا لَا ينْصَرف لِأَن مَا لَا ينْصَرف أَصله الصّرْف وَكثير من الْعَرَب من لَا يمْتَنع من صرف شَيْء فِي ضَرُورَة وَلَا غَيرهَا إِلَّا أفعل مِنْك فَإِذا

ص: 150

نون فَإِنَّمَا يرد إِلَى أَصله والمفرد المنادى الْعلم لم ينْطق بِهِ مَنْصُوبًا منوناً قطّ فِي

غير ضَرُورَة شعر. فَهَذَا بَين وَاضح.

وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ فِي أَبْيَات الْجمل وَنقل هَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه.

قَالَ النّحاس: وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن عِيسَى بن عمر يَا مَطَرا بِالنّصب وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَخْفَش فِي المعاياة وَقَالَ: نصب مَطَرا لِأَنَّهُ نكرَة. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. قَالَ الْمبرد: أما أَبُو عمر وَعِيسَى وَيُونُس والجرمي فيختارون النصب وحجتهم أَنهم ردُّوهُ إِلَى الأَصْل لِأَن أصل النداء النصب كَمَا ترده الْإِضَافَة إِلَى النصب قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي أحسن لرده التَّنْوِين إِلَى أَصله كَمَا فِي النكرَة.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ وَبعده:

(فَلَا غفر الْإِلَه لمنكحيها

ذنوبهم وَإِن صلوا وصاموا)

(كَأَن المالكين نِكَاح سلمى

غَدَاة نِكَاحهَا مطرٌ نيام)

(فَلَو لم ينكحوا إِلَّا كفيئاً

لَكَانَ كفيئها الْملك الْهمام)

(فَإِن يكن النِّكَاح أحل شيءٍ

فَإِن نِكَاحهَا مَطَرا حرَام)

(فَطلقهَا فلست لَهَا بكفءٍ

وَإِلَّا يعل مفرقك الحسام))

فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن خَلاد الْأنْصَارِيّ قَالَ: قدم الْأَحْوَص الْبَصْرَة فَخَطب إِلَى رجل من بني تَمِيم ابْنَته وَذكر لَهُ نسبه فَقَالَ:

هَات لي شَاهدا يشْهد أَنَّك ابْن حمي الدبر وأزوجك. فَجَاءَهُ بِمن شهد لَهُ على ذَلِك. فَزَوجهُ إِيَّاهَا وشرطت عَلَيْهِ أَن لَا يمْنَعهَا من أحد من أَهلهَا. فَخرج بهَا إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَت أُخْتهَا عِنْد رجل من بني تَمِيم قَرِيبا من طريقهم فَقَالَت لَهُ: اعْدِلْ بِي إِلَى أُخْتِي. فَفعل فذبحت لَهُم وأكرمتهم

ص: 151

وَكَانَت من أحسن النَّاس وَكَانَ زَوجهَا فِي إبِله فَقَالَت زَوْجَة الْأَحْوَص لَهُ أقِم حَتَّى يَأْتِي. فَلَمَّا أَمْسوا رَاجع إبِله ورعاة غنمه فراح من ذَلِك شَيْء كثير وَكَانَ يُسمى مَطَرا. فَلَمَّا رَآهُ الْأَحْوَص ازدراه واقتحمته عينه وَكَانَ شَيخا دميماً فَقَالَت لَهُ زَوجته: قُم إِلَى سلفك فَسلم عَلَيْهِ.

فَقَالَ الْأَحْوَص وَأَشَارَ إِلَى أُخْت زَوجته بإصبعه: سَلام الله يَا مطر عَلَيْهَا

...

. الأبيات وَأَشَارَ إِلَى مطر بإصبعه فَوَثَبَ إِلَيْهِ مطر وَبَنوهُ وَكَاد الْأَمر يَتَفَاقَم حَتَّى حجز بَينهم. انْتهى.

وَقَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ: كَانَ الْأَحْوَص يهوى أُخْت امْرَأَته ويكتم ذَلِك وينسب فِيهَا وَلَا يفصح فَتَزَوجهَا مطر فغلبه الْأَمر وَقَالَ هَذَا الشّعْر.

وَبَعْضهمْ لما لم يقف على منشأ الشّعْر قَالَ: مطر اسْم رجل وَكَانَ دميماً أقبح النَّاس وَكَانَت امْرَأَته من أجمل النِّسَاء وأحسنهن وَكَانَت تُرِيدُ فِرَاقه وَلَا يرضى مطر بذلك فَأَنْشد الْأَحْوَص هَذِه القصيدة يصف فِيهَا أحوالهما. هَذَا كَلَامه.

وَقَوله غَدَاة نِكَاحهَا الْغَدَاة الضحوة وَأَرَادَ مُطلق الْوَقْت. ونكاحها: مصدر مُضَاف لمفعوله ومطر: فَاعل الْمصدر وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى التَّزَوُّج وَالْعقد فِي الْمَوْضِعَيْنِ ونيام: خبر كَأَن وروى

ص: 152

غَدَاة يعرهم مطرٌ نيام مضارع عرهم من بَاب قتل عرة بِالضَّمِّ وَهُوَ الفضيحة والقذر والجرب يُقَال: فلَان عرة كَمَا يُقَال: قذر للْمُبَالَغَة.

وَقَوله: فَلَو لم ينكحوا: هُوَ مضارع أنكحت الرجل الْمَرْأَة فَهُوَ مُتَعَدٍّ لمفعولين بِالْهَمْزَةِ وَالْمَفْعُول الأول ضمير سلمى مَحْذُوف والكفيء على وزن فعيل بِمَعْنى الْكُفْء والمماثل وَيُقَال: الكفوء أَيْضا على وزن فعول.

وَقَوله: أحل شَيْء هُوَ مَنْصُوب خبر يكن وَهُوَ أفعل تَفْضِيل من الْحَلَال ضد الْحَرَام وروى)

الزجاجي أحل شَيْئا بِنصب شَيْء فَيكون أحل فعلا مَاضِيا وَقَوله: فَإِن نِكَاحهَا مَطَرا يرْوى بِرَفْع مطر ونصبه وجره: فالرفع على أَنه فَاعل الْمصدر وَهُوَ نِكَاحهَا فَيكون مُضَافا إِلَى مَفْعُوله وَالنّصب على أَنه مفعول الْمصدر فَيكون مُضَافا إِلَى فَاعله والجر على أَنه مُضَاف إِلَيْهِ وَوَقع الْفَصْل بَين المتضايفين بضمير الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول. وَقد أورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي شرح الألفية شَاهدا لهَذَا.

وَقَوله: وَإِلَّا يعل مفرقك أَي: وَإِن لم تطلقها. وَهَذَا الْبَيْت شَاهد للنحاة فِي اطراد حذف الشَّرْط فِي مثله. والمفرق بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء: الْموضع الَّذِي ينفرق فِيهِ الشّعْر من الرَّأْس وَأَرَادَ وترجمة الْأَحْوَص تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين.

ص: 153

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع بعد الْمِائَة يَا للكهول وللشبان للعجب على أَن لَام المستغاث إِن عطفت بِغَيْر يَا كسرت فلام للشبان مَكْسُورَة

وَالْقِيَاس فتحهَا وَجَاز الْكسر لعدم اللّبْس.

وَهَذَا عجز وصدره: يبكيك ناءٍ بعيد الدَّار مغترب يُقَال بكيته: بِمَعْنى بَكت عَلَيْهِ. وَالنَّسَائِيّ: أَرَادَ بِهِ بعيد النّسَب. وبعيد الدَّار وصف ناءٍ وَلَا تضر الْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة لِأَنَّهَا فِي نِيَّة الِانْفِصَال لِأَن الدَّار فَاعله فِي الْمَعْنى.

يَقُول: يبكي عَلَيْك الْغَرِيب وَيسر بموتك الْقَرِيب وَهُوَ أحد الْأَعَاجِيب.

والكهول: جمع كهل. والشبان: جمع شَاب وَقَالَ ابْن حبيب: زمَان الغلومية سبع عشرَة سنة مُنْذُ يُولد إِلَى أَن يستكملها ثمَّ زمَان الشبابية سبع عشرَة سنة إِلَى أَن يستكمل أَرْبعا وَثَلَاثِينَ ثمَّ هُوَ كهل سبع عشرَة سنة إِلَى أَن يستكمل إِحْدَى وَخمسين سنة ثمَّ هُوَ شيخ إِلَى أَن يَمُوت.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد الثَّامِن بعد الْمِائَة وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: يَا لعطافنا وَيَا لرياح على أَن اللَّام فِي الْمَعْطُوف فتحت كَلَام الْمَعْطُوف عَلَيْهِ لإعادة يَا. وَبعده:

ص: 154

وَأبي الحشرج الْفَتى النفاح فأبي الحشرج مَعْطُوف على يَا لعطفنا. وعطاف ورياح وَأَبُو الحشرج: أَعْلَام رجال. والنفاح: الْكثير النفح أَي: الْعَطِيَّة.

وَقَبله:

(يَا لقومي من للعلا والمساعي

يَا لقومي من للندى والسماح)

المساعي: جمع مسعاة فِي الْكَرم والجود.

رثى هَذَا الشَّاعِر رجلا من قومه وَقَالَ: لم يبْقى للعلا والمساعي من يقوم بهَا بعدهمْ.

وَهَذَا من الشواهد الْخمسين الَّتِي لم يعرف لَهَا قَائِل.

وَأنْشد بعده وَهُوَ فيا لله من ألم الْفِرَاق على أَن المستغاث لَهُ قد يجر بِمن كَمَا يجر بِاللَّامِ.

قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل: وَاعْلَم أَن قَوْلنَا المستغاث من أَجله أَعم من أَن يُرَاد الْمُسْتَنْصر لَهُ والمستنصر عَلَيْهِ إِذْ كل مِنْهُمَا وَقعت الاستغاثة بِهِ لأَجله أَي: بِسَبَبِهِ فَإِذا كَانَ المستغاث من أَجله من النَّوْع الأول لَا يجوز جَرّه بِمن الْبَتَّةَ بل يجر بِاللَّامِ وَإِذا كَانَ من النَّوْع الثَّانِي جَازَ الْوَجْهَانِ فَإِن جر بِمن وَجب تَعْلِيقهَا بِفعل التخليص أَو الْإِنْصَاف وَإِن جر بِاللَّامِ فَهِيَ للتَّعْلِيل وتتعلق بِالْفِعْلِ أَو الِاسْم.

وَهَذَا المصراع من شعر لِعبيد الله بن الْحر الْجعْفِيّ رثى بِهِ الْحُسَيْن بن عَليّ رضي الله عنهما.

وأوله:

ص: 155

(يَا لَك حسرةً مَا دمت حَيا

تردد بَين حلقي والتراقي)

(حُسَيْنًا حِين يطْلب بذل نصري

على أهل الْعَدَاوَة والشقاق)

(وَلَو أَنِّي أواسيه بنفسي

لَنِلْت كَرَامَة يَوْم التلاقي))

(مَعَ ابْن الْمُصْطَفى نَفسِي فدَاه

فيا لله من ألم الْفِرَاق)

(غَدَاة يَقُول لي بِالْقصرِ قولا:

أتتركنا وتزمع بانطلاق)

(فقد فَازَ الألى نصروا حُسَيْنًا

وخاب الْآخرُونَ أولو النِّفَاق)

قَوْله: يالك حسرة هَذَا مخروم والخرم: إِسْقَاط أول الوتد. لَك بِكَسْر الْكَاف: ضمير مُفَسّر لقَوْله حسرةً. وتردد: مضارع مَحْذُوف من أَوله

التَّاء. وحُسَيْنًا مَنْصُوب باذكر محذوفاً.

وَقَوله: فيا لله من ألم الْفِرَاق روى بدله: فولى ثمَّ ودع بالفراق وَعَلِيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ.

قَالَ أَبُو سعيد السكرِي فِي كتاب اللُّصُوص بِسَنَدِهِ إِلَى أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الْأَزْدِيّ قَالَ: كَانَ من حَدِيث عبيد الله بن الْحر: أَنه كَانَ شهد الْقَادِسِيَّة مَعَ خاليه: زُهَيْر ومرثد: ابْني قيس بن مشجعَة. وَكَانَ شجاعاً لَا يُعْطي الْأُمَرَاء طَاعَة ثمَّ صَار مَعَ مُعَاوِيَة فَكَانَ يُكرمهُ وَكَانَ ينتاب عبيد الله أَصْحَاب لَهُ فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فَبعث إِلَيْهِ فَدَعَاهُ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ: يَا ابْن الْحر مَا هَذِه

ص: 156

الْجَمَاعَة الَّتِي بَلغنِي أَنَّهَا ببابك قَالَ: أُولَئِكَ بطانتي أقيهم وأتقي بهم إِن نَاب جور أَمِير. فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَعَلَّك يَا ابْن الْحر قد تطلعت نَفسك نَحْو بلادك وَنَحْو عَليّ بن أبي طَالب قَالَ عبيد الله: إِن زعمت أَن نَفسِي تطلع إِلَى بلادي وَإِلَى عَليّ إِنِّي لجدير بِذَاكَ وَإنَّهُ لقبيح بِي الْإِقَامَة مَعَك وتركي بلادي. فَأَما مَا ذكرت من عَليّ فَإنَّك تعلم أَنَّك على الْبَاطِل.

فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ: كذبت يَا ابْن الْحر وأثمت فَقَالَ عبيد الله: بل أَنْت أكذب مني ثمَّ خرج عبيد الله مغضباً وارتحل إِلَى الْكُوفَة فِي خمسين فَارِسًا وَسَار يَوْمه ذَلِك حَتَّى إِذا أَمْسَى بلغ مسالح مُعَاوِيَة فَمنع من السّير فَشد عَلَيْهِم وَقتل مِنْهُم نَفرا وهرب الْبَاقُونَ وَأخذ دوابهم وَمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَمضى لَا يمر بقرية من قرى الشَّام إِلَّا أغار عَلَيْهَا حَتَّى قدم الْكُوفَة وَكَانَت لَهُ امْرَأَة بِالْكُوفَةِ وَكَانَ

أَخذهَا أَهلهَا فزوجوها من عِكْرِمَة فَولدت لَهُ جَارِيَة فَقدم عبيد الله فخاصمهم إِلَى عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن الْحر أَنْت الممالئ علينا عدونا. فَقَالَ ابْن الْحر: أما إِن)

ذَلِك لَو كَانَ لَكَانَ أثري مَعَه بَينا وَمَا كَانَ ذَلِك مِمَّا يخَاف من عدلك. وقاضى الرجل إِلَى عَليّ فَقضى لَهُ بِالْمَرْأَةِ. فَأَقَامَ عبيد الله مَعهَا منقبضاً عَن كل أَمر فِي يَدي عَليّ حَتَّى قتل عَليّ رضي الله عنه وَحَتَّى ولي عبيد الله بن زِيَاد وَهلك مُعَاوِيَة وَولي يزِيد وَكَانَ من أَمر الْحُسَيْن مَا كَانَ.

قَالَ أَبُو مخنف: لما أقبل الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِمَا فَأتى قصر بني مقَاتل فَلَمَّا قتل عبيد الله بن زِيَاد مُسلم بن عقيل بن أبي طَالب وتحدث أهل الْكُوفَة: أَن الْحُسَيْن يُرِيد الْكُوفَة خرج عبيد الله بن الْحر مِنْهَا متحرجاً من دم الْحُسَيْن وَمن مَعَه من أهل بَيته حَتَّى نزل قصر بني مقَاتل وَمَعَهُ خيل مضمرة وَمَعَهُ نَاس من أَصْحَابه. فَلَمَّا قدم الْحُسَيْن

ص: 157

رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قصر بني مقَاتل وَنزل رأى فسطاطاً مَضْرُوبا فَقَالَ: لمن هَذَا الْفسْطَاط فَقيل: لِعبيد الله بن الْحر الْجعْفِيّ وَمَعَ الْحُسَيْن يَوْمئِذٍ الْحجَّاج بن مَسْرُوق وَزيد بن معقل الجعفيان. فَبعث إِلَيْهِ الْحُسَيْن الْحجَّاج بن مَسْرُوق فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ: يَا ابْن الْحر أجب الْحُسَيْن بن عَليّ. فَقَالَ لَهُ ابْن الْحر: أبلغ الْحُسَيْن: أَنه إِنَّمَا دَعَاني إِلَى الْخُرُوج من الْكُوفَة حِين بَلغنِي أَنَّك تريدها فرارٌ من دمك وَدِمَاء أهل بَيْتك وَلِئَلَّا أعين عَلَيْك وَقلت إِن قَاتلته كَانَ عَليّ كَبِيرا وَعند الله عَظِيما وَإِن قَاتَلت مَعَه وَلم أقتل بَين يَدَيْهِ كنت قد ضيعت قَتله وَأَنا رجل أحمى أنفًا من أَن أمكن عدوي فَيَقْتُلنِي ضَيْعَة وَالْحُسَيْن لَيْسَ لَهُ نَاصِر بِالْكُوفَةِ وَلَا شيعةٌ يُقَاتل بهم. فأبلغ الْحجَّاج الْحُسَيْن قَول عبيد الله فَعظم عَلَيْهِ فَدَعَاهُ بنعليه ثمَّ أقبل يمشي حَتَّى دخل على عبيد الله بن الْحر الْفسْطَاط فأوسع لَهُ عَن صدر مَجْلِسه وَقَامَ إِلَيْهِ حَتَّى أجلسه.

فَلَمَّا جلس قَالَ يزِيد بن مرّة: فَحَدثني عبيد الله بن الْحر قَالَ: دخل عَليّ الْحُسَيْن رضي الله عنه ولحيته كَأَنَّهَا جنَاح غراب وَمَا رَأَيْت أحدا قطّ أحسن وَلَا أملأ للعين من الْحُسَيْن وَلَا رققت على أحد قطّ رقتي عَلَيْهِ حِين رَأَيْته يمشي وَالصبيان حوله فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: مَا يمنعك يَا ابْن الْحر أَن تخرج معي قَالَ ابْن الْحر: لَو كنت كَائِنا من أحد الْفَرِيقَيْنِ لَكُنْت مَعَك ثمَّ كنت من أَشد أَصْحَابك على عَدوك

فَأَنا أحب أَن تعفيني من الْخُرُوج مَعَك وَلَكِن هَذِه خيل لي معدة وأدلاء من أَصْحَابِي وَهَذِه فرسي المحلقة فاركبها فو الله مَا طلبت عَلَيْهَا شَيْئا قطّ إِلَّا أَدْرَكته وَلَا طلبني أحدٌ إِلَّا فته فاركبها حَتَّى تلْحق بمأمنك وَأَنا لَك بالعيالات حَتَّى أؤديهم إِلَيْك أَو أَمُوت وأصحابي عَن آخِرهم وَأَنا كَمَا تعلم إِذا دخلت فِي أَمر لم يضمني فِيهِ أحد. قَالَ الْحُسَيْن: أفهذه نصيحة لنا مِنْك يَا ابْن الْحر قَالَ: نعم وَالله الَّذِي لَا فَوْقه

ص: 158

شَيْء فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: إِنِّي سأنصح)

لَك كَمَا نصحت لي إِن اسْتَطَعْت أَن لَا تسمع صراخنا وَلَا تشهد وقعتنا فافعل فو الله لَا يسمع داعيتنا أحدٌ لَا ينصرنا إِلَّا أكبه الله فِي نَار جَهَنَّم ثمَّ خرج الْحُسَيْن من عِنْده وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وكساءٌ وقلنسوة موردة قَالَ: ثمَّ أعدت النّظر إِلَى لحيته فَقلت: أسوادٌ مَا أرى أم خضاب قَالَ: يَا ابْن الْحر عجل على الشيب. فَعرفت أَنه خضاب وَخرج عبيد الله بن الْحر حَتَّى أَتَى منزله على شاطئ الْفُرَات فنزله. وَخرج الْحُسَيْن رضي الله عنه فأصيب بكربلاء وَمن مَعَه وَأَقْبل ابْن الْحر بعد ذَلِك فَمر بهم فَلَمَّا وقف عَلَيْهِم بَكَى.

ثمَّ أقبل حَتَّى دخل الْكُوفَة فَدخل على عبيد الله بن زِيَاد بعد ثالثةٍ وَكَانَ أَشْرَاف النَّاس يدْخلُونَ عَلَيْهِ ويتفقدهم فَلَمَّا رأى ابْن الْحر قَالَ لَهُ: أَيْن كنت قَالَ كنت مَرِيضا. قَالَ: مَرِيض الْقلب أم مَرِيض الْجَسَد قَالَ: أما قلبِي فَلم يمرض قطّ وَأما جَسَدِي فقد من الله تَعَالَى عَليّ بالعافية. قَالَ: قد أبطلت وَلَكِنَّك كنت مَعَ عدونا. قَالَ: لَو كنت مَعَ عَدوك لم يخف مَكَاني.

قَالَ: أما مَعنا فَلم تكن قَالَ: لقد كَانَ ذَاك. ثمَّ استغفل ابْن زِيَاد وَالنَّاس عِنْده فانسل مِنْهُ ثمَّ خرج فَنزل الْمَدَائِن وَقَالَ: لَئِن اسْتَطَعْت أَن لَا أرى لَهُ وَجها لَأَفْعَلَنَّ ورثى الْحُسَيْن وَأَصْحَابه الَّذين قتلوا مَعَه بالشعر الْمُتَقَدّم وَبِقَوْلِهِ:

(يَقُول أميرٌ غادرٌ حق غادرٍ:

أَلا كنت قَاتَلت الشَّهِيد ابْن فَاطِمَة)

ص: 159

(وَنَفْسِي على خذلانه واعتزاله

وبيعة هَذَا الناكث الْعَهْد لائمة)

(فواندمي أَن لَا أكون نصرته

أَلا كل نفسٍ لَا تسدد نادمه)

(وَإِنِّي لِأَنِّي لم أكن من حماته

لذُو حسرة مَا إِن تفارق لَازمه)

(سقى الله أَرْوَاح الَّذين تآزرو

على نَصره سقيا من الْغَيْث دائمه)

(وقفت على أجداثهم ومجالهم

فكاد الحشا ينْقض وَالْعين ساجمه)

(لعمري لقد كَانُوا مصاليت فِي الوغى

سرَاعًا إِلَى الهيجا حماةً ضبارمه)

(تآسوا على نصر ابْن بنت نَبِيّهم

بِأَسْيَافِهِمْ آساد غيل ضراغمه)

(وَمَا إِن رأى الراؤون أَصْبِر مِنْهُم

لَدَى الْمَوْت ساداتٍ وزهراً قماقمة)

(أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا

فدع خطةً لَيست لنا بملائمه)

(لعمري لقد راغمتمونا بِقَتْلِهِم

فكم ناقمٍ منا عَلَيْكُم وناقمه))

(أهم مرَارًا أَن أَسِير بجحفلٍ

إِلَى فئةٍ زاغت عَن الْحق ظالمه)

(فكفوا وَإِلَّا زرتكم فِي كتائب

أَشد عَلَيْكُم من زحوف الديالمه)

ثمَّ إِن ابْن الْحر لم يزل يشغب بِابْن زِيَاد وبالمختار وبمصعب بن الزبير. وَجَرت بَينه وَبَين مُصعب محاربات عديدة. ثمَّ سَار إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان

ص: 160

وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَتَيْتُك لتوجه معي جنداً لقِتَال مُصعب بن الزبير. فَأكْرمه عبد الْملك وَأَعْطَاهُ أَمْوَالًا

وَقَالَ لَهُ: سر فَإِنِّي أقطع الْبعُوث وأمدك بِمِائَة ألف. فَسَار ابْن الْحر حَتَّى نزل بِجَانِب الأنبار واستأذنه أَصْحَابه فِي دُخُول الْكُوفَة. وَبلغ ذَلِك عبيد الله بن الْعَبَّاس السّلمِيّ فاغتنم الفرصة فَسَأَلَ الْحَارِث بن عبد الله. وَكَانَ خَليفَة مُصعب على الْكُوفَة وَأخْبرهُ بتفرق أَصْحَابه عَنهُ.

فَبَعثه فِي مائَة فَارس من قيس واستمد خَمْسمِائَة فَارس مِنْهُم أَيْضا وَسَار حَتَّى لقوه وَهُوَ فِي عشرَة من أَصْحَابه. فأشاروا عَلَيْهِ بالذهاب فَأبى وَقَاتلهمْ حَتَّى فَشَتْ فِي أَصْحَابه الْجِرَاحَات فَأذن لَهُم فِي الذّهاب وَقَاتلهمْ على الجسر فَقتل مِنْهُم رجَالًا كَثِيرَة حَتَّى انْتهى إِلَى الْمعبر فدخله. فَقَالُوا: لنبطي: هَذَا الرجل بغية أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن فاتكم قتلناكم. فَوَثَبَ إِلَيْهِ نبطي قوي فَقبض على عضدي ابْن الْحر وجراحاته تشخب وضربه الْآخرُونَ بالمجاذيف. فَلَمَّا رأى ابْن الْحر أَن الْمعبر قد قرب إِلَى القيسية قبض على الَّذِي قبض عَلَيْهِ فعالجه حَتَّى سقطا فِي المَاء لَا يُفَارِقهُ حَتَّى غرقا جَمِيعًا وَسمع شيخ يُنَادي وينتف لحيته وَيَقُول: يَا بختيار يَا بختيار فَقيل لَهُ: مَالك ياشيخ قَالَ: كَانَ ابْني بختيار يقتل الْأسد وَكَانَ يخرج هَذَا الْمعبر من المَاء فيقره ثمَّ يُعِيدهُ وَحده حَتَّى ابْتُلِيَ بِهَذَا الشَّيْطَان الَّذِي دخل السَّفِينَة فَلم يملكهُ من أمره شَيْئا حَتَّى قذف بِهِ فِي المَاء فغرقا جَمِيعًا فَجعلُوا يسكنونه وَهُوَ يَقُول: مَا كَانَ ليغرق ابْني إِلَّا شَيْطَان فَلَمَّا انْتهى الْخَبَر إِلَى عبد الْملك جزع عَلَيْهِ جزعاً شَدِيدا وَنَدم على بَعثه إِيَّاه. وَتمنى أَن يكون بعث مَعَه الجيوش.

وَقد فصل السكرِي وقائعه وحروبه وَجمع أشعاره فِي كتاب اللُّصُوص بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ.

ص: 161

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد الْعَاشِر بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(يَا لبكرٍ أنشروا لي كليباً

يَا لبكرٍ أَيْن أَيْن الْفِرَار)

وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الْجيد ومأخذه من هَذَا الْبَيْت وَاضح لَا خَفَاء بِهِ وَلَا معنى للاستغاثة فِيهِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِح.

وَفِيه مُخَالفَة لسيبويه فِي جعلهَا للاستغاثة.

وَحملهَا النّحاس على الِاسْتِهْزَاء فَقَالَ: إِنَّمَا يَدعُوهُم ليهزأ بهم أَلا ترَاهُ قَالَ: أنشروا لي كليباً.

وَقَالَ الأعلم: والمستغاث من أَجله فِي الْبَيْت هُوَ المستغاث بِهِ وَالْمعْنَى: يَا لبكر أدعوكم لأنفسكم مطالباً لكم فِي إنشار كُلَيْب وإحيائه وَهَذَا مِنْهُ استطالة ووعيد وَكَانُوا قد قتلوا كليباً أَخَاهُ فِي أَمر البسوس.

وَكَأن الشَّارِح انتزع مَا قَالَه من هُنَا. وَالله أعلم.

وَهَذَا الْبَيْت لمهلهل: أخي كُلَيْب أول أَبْيَات ثَلَاثَة قَالَهَا بعد أَن أَخذ بثأر أَخِيه كُلَيْب ثَانِيهمَا:

ص: 162

(تِلْكَ شيبانٌ تَقول لبكرٍ:

صرح الشَّرّ وباح الشرار)

(وَبَنُو عجلٍ تَقول لقيسٍ

ولتيم الله: سِيرُوا. فَسَارُوا)

وَقَوله: أنشروا بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الشين يُقَال: أنشر الله الْمَيِّت: إِذا أَحْيَاهُ وَيَتَعَدَّى بِدُونِ الْهمزَة أَيْضا فَإِن نشر من بَاب قعد جَاءَ لَازِما نَحْو: نشر الْمَوْتَى: أَي: حيوا ومتعدياً نَحْو نشرهم الله. وصرح الشَّيْء بِالضَّمِّ صَرَاحَة وصروحة: خلص من تعلقات غَيره. وباح الشَّيْء يبوح من بَاب قَالَ: ظهر. والشرار: مَا تطاير من النَّار الْوَاحِدَة شرارة.

ص: 163

ومهلهل قَالَ الْآمِدِيّ: اسْمه امْرُؤ الْقَيْس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن زُهَيْر ابْن جشم بن بكر بن حبيب بن عَمْرو بن غنم بن تغلب وَهُوَ مهلهل الشَّاعِر الْمَشْهُور. وَيُقَال اسْمه عدي.

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: مهلهل بن ربيعَة هُوَ عدي بن ربيعَة. وَسمي مهلهلاً لِأَنَّهُ هلهل الشّعْر أَي: أرقه وَيُقَال: إِنَّه أول من قصد القصيد قَالَ الفرزدق:

ومهلهل الشُّعَرَاء ذَاك الأول وَهُوَ خَال امْرِئ الْقَيْس بن حجر صَاحب الْمُعَلقَة. انْتهى.)

وَالصَّحِيح هَذَا. وَيدل لَهُ أَنه ذكر اسْمه فِي شعره. فَقَالَ:

ص: 164

ضربت صدرها إِلَيّ وَقَالَت: يَا عدي لقد وقتك الأواقي وَلم يقل أحدٌ قبله عشرَة أَبْيَات. وَقَالَ الْغَزل وعني بالنسيب فِي شعره. وَيُقَال سمي مهلهلاً بقوله: هلهلت أثأر مَالِكًا أَو صنبلا قَالَ ابْن سَلام: زعمت الْعَرَب أَنه كَانَ يتكثر وَيَدعِي فِي قَوْله بِأَكْثَرَ من فعله. وَكَانَ شعراء الْجَاهِلِيَّة فِي ربيعَة أَوَّلهمْ المهلهل والمرقشان وَسعد بن مَالك.

والمهلهل: أَخُو كُلَيْب الَّذِي هاج بمقتله حَرْب البسوس وَهِي

حَرْب بكر وتغلب ابْني وَائِل.

وَكَانَ من خَبَرهَا مَا حَكَاهُ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد والأصبهاني فِي الأغاني. وَقد تدَاخل كَلَام كل مِنْهُمَا فِي كَلَام الآخر.

قَالَ أَبُو الْمُنْذر هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب: مَا اجْتمعت معد كلهَا إِلَّا على ثَلَاثَة رَهْط من رُؤَسَاء الْعَرَب وَهُوَ عَامر وَرَبِيعَة وكليب. فَالْأول عَامر بن الظرب ابْن عَمْرو بن بكر بن يشْكر بن الْحَارِث. وَهُوَ قَائِد معد يَوْم

ص: 165

الْبَيْدَاء حِين تمذجحت مذجح وسارت إِلَى تهَامَة وَهِي أول وقْعَة كَانَت بَين تهَامَة واليمن.

وَالثَّانِي: ربيعَة بن الْحَارِث بن مرّة بن زُهَيْر بن جشم بن بكر بن حبيب بن كَعْب وَهُوَ قَائِد معد يَوْم السلان وَهُوَ يَوْم كَانَ بَين أهل تهَامَة واليمن.

وَالثَّالِث: كُلَيْب بن ربيعَة وَهُوَ الَّذِي يُقَال فِيهِ: أعز من كُلَيْب وَائِل وقاد معداً كلهَا يَوْم خزاز ففض جموع الْيمن وَهَزَمَهُمْ فاجتمعت عَلَيْهِ معد كلهَا وَجعلُوا لَهُ قسم الْملك وتاجه وتحيته وطاعته فغبر بذلك حينا من دهره ثمَّ دخله زهوٌ شديدٌ وبغى على قومه حَتَّى بلغ من بغيه أَنه كَانَ يحمي مواقع السَّحَاب فَلَا يرْعَى حماه وَكَانَ يحمي من المرعى مدى صَوت كلب فَيخْتَص بِهِ ويشاركهم فِي غَيره وَيُجِير على الدَّهْر فَلَا تخفر ذمَّته وَيَقُول: وَحش أَرض كَذَا فِي جواري فَلَا يهاج وَلَا يُورد مَعَ إبِله أحد وَلَا توقد نَار مَعَ ناره حَتَّى قَالَت الْعَرَب: أعز من كُلَيْب وَائِل.

وَكَانَت بَنو جشم وَبَنُو شَيبَان فِي دارٍ وَاحِدَة بتهامة وَكَانَ كُلَيْب قد تزوج جليلة بنت مرّة بن ذهل بن شَيبَان وأخوها جساس بن مرّة وَكَانَت لجساس خَالَة تسمى البسوس بنت منقذ التميمية جَاوَرت ابْن أُخْتهَا

ص: 166

جساساً وَكَانَ لَهَا نَاقَة يُقَال لَهَا: سراب وَلَهُمَا تَقول الْعَرَب:)

أشأم من سراب وأشأم من البسوس فَمر إبل كُلَيْب بسراب وَهِي معقولة بِفنَاء البسوس فَلَمَّا رَأَتْ سراب الْإِبِل خلخلت عقالها وتبعت إبل كُلَيْب فاختلطت بهَا حَتَّى انْتَهَت إِلَى كُلَيْب وَهُوَ على الْحَوْض مَعَه قوسٌ وكنانة فَلَمَّا رَآهَا أنكرها فَرَمَاهَا بِسَهْم فِي ضرْعهَا فنفرت سراب وَوَلَّتْ حَتَّى بَركت بِفنَاء صاحبتها وضرعها يشخب دَمًا ولبناً فبرزت البسوس صارخةً يَدهَا على رَأسهَا تصيح: واذلاه وأنشأت تَقول:

(لعمري لَو أَصبَحت فِي دَار منقذ

لما ضيم سعدٌ وَهُوَ جارٌ لأبياتي)

(ولكنني أَصبَحت فِي دَار غربةٍ

مَتى يعد فِيهَا الذِّئْب يعد على شاتي)

(فيا سعد لَا تغرر بِنَفْسِك وارتحل

فَإنَّك فِي قومٍ عَن الْجَار أموات)

فَلَمَّا سمع جساس صَوتهَا سكنها وَقَالَ: وَالله ليقْتلن غَدا جملٌ عظيمٌ أعظم عقراً من نَاقَتك.

فَبلغ كليباً فَظن أَنه أَرَادَ قتل عليان وَهُوَ فَحل كريم لَهُ فَقَالَ: هَيْهَات دون عليان خرط القتاد ثمَّ انتجع الْحَيّ فَمروا على نهر يُقَال لَهُ: شبيب فنهاهم كُلَيْب عَنهُ ثمَّ على آخر يُقَال لَهُ: الأحص فنهاهم عَنهُ حَتَّى نزلُوا على الذنائب فَمر جساس بكليب وَهُوَ على غَدِير

ص: 167

الذنائب مُنْفَردا فَقَالَ:

أطردت أهلنا عَن الْمِيَاه حَتَّى كدت تقتلهم عطشاً فَقَالَ كُلَيْب: مَا منعناهم من مَاء إِلَّا وَنحن لَهُ شاغلون. فَقَالَ جساس: هَذَا كفعلك بِنَاقَة خَالَتِي قَالَ: أَو قد ذكرتها أما إِنِّي لَو وَجدتهَا فِي غير إبل مرّة لاستحللت تِلْكَ الْإِبِل. فعطف عَلَيْهِ جساس فطعنه فأرداه وَوجد الْمَوْت فَقَالَ: يَا جساس اسْقِنِي فَقَالَ: هَيْهَات تجاوزت شبيثاً والأحص وروى أَن البسوس لما صرخت وأحمت جساساً ركب فرسا لَهُ وَتَبعهُ عَمْرو بن الْحَارِث بن ذهل بن شَيبَان وَمَعَهُ رمحه حَتَّى دخلا على كُلَيْب الْحمى فَضَربهُ جساس فقصم صلبه وطعنه عَمْرو بن الْحَارِث من خَلفه فَقطع قطنه فَوَقع كُلَيْب يفحص بِرجلِهِ فَلَمَّا فرغ من قَتله جَاءَ إِلَى أَهله وَأخْبرهمْ بِأَنَّهُ قتل كليباً ثمَّ هرب.

وَكَانَ همام بن مرّة أَخا جساس وَكَانَ ينادم المهلهل أَخا كُلَيْب وَكَانَ قد صادقه وواخاه وعاهده أَن لَا يكتم عَنهُ شَيْئا. فَجَاءَت أمه إِلَيْهِ فأسرت إِلَيْهِ قتل جساس كليباً فَقَالَ لَهُ مهلهل: مَا قَالَت لَك فَلم يُخبرهُ. فَذكره الْعَهْد فَقَالَ: أخْبرت أَن أخي قتل أَخَاك. فَقَالَ: است أَخِيك أضيق من ذَلِك فَسكت وأقبلا على شرابهما فَجعل مهلهل يشرب شرب الآمن وَهَمَّام يشرب شرب الْخَائِف فَلم تلبث الْخمر أَن صرعت مهلهلاً فانسل همام فَأتى قومه بني شَيبَان وَقد)

قوضوا الْخيام وجمعوا الْخَيل وَالنعَم ورحلوا حَتَّى نزلُوا بِمَاء يُقَال لَهُ النهى.

ص: 168

وَلما ظهر قتل كُلَيْب وأفاق مهلهل اجْتمعت إِلَيْهِ وُجُوه قومه فاستعد لِحَرْب بكر وَترك النِّسَاء والغزل وَحرم الْقمَار وَالشرَاب وَأرْسل إِلَى بني شَيبَان وَهُوَ فِي نَادِي قومه.

فَقَالَت الرُّسُل: إِنَّكُم أتيتم عَظِيما بقتلكم كليباً بناب من الْإِبِل فقطعتم الرَّحِم وانتهكتم الْحُرْمَة وَإِنَّا كرهنا العجلة عَلَيْكُم دون الْإِعْذَار إِلَيْكُم وَنحن نعرض عَلَيْكُم إِحْدَى خلال أَربع لكم فِيهَا مخرج وَلنَا مقنع فَقَالَ مرّة: مَا هِيَ

قَالُوا: تحيي لنا كليباً أَو تدفع إِلَيْنَا جساساً قَاتله نَقْتُلهُ بِهِ أَو هماماً فَإِنَّهُ كُفْء لَهُ أَو تمكننا من نَفسك فَإِن فِيك وَفَاء من دَمه. فَقَالَ: أما إحيائي كليباً فَهَذَا مَا لَا يكون وَأما جساس فَإِنَّهُ غُلَام طعن طعنةً على عجل ثمَّ ركب فرسه فَلَا أَدْرِي أَي الْبِلَاد احتوت عَلَيْهِ وَأما همام فَإِنَّهُ أَبُو عشرَة وأخو عشرَة وَعم عشرَة كلهم فرسَان قومه فَلَنْ يسلموه إِلَيّ فأدفعه إِلَيْكُم ليقْتل بجريرة غَيره وَأما أَنا فَهَل هُوَ إِلَّا أَن تجول الْخَيل جَوْلَة فَأَكُون أول قَتِيل فِيهَا فَمَا أتعجل الْمَوْت وَلَكِن لكم عِنْدِي إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ: أما إِحْدَاهمَا فَهَؤُلَاءِ بني الْبَاقُونَ فعلقوا فِي عنق من شِئْتُم نسعة وَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى رحالكُمْ فاذبحوه ذبح الخروف وَإِلَّا فألف ناقةٍ سَوْدَاء الْمقل أقوم لكم بهَا كَفِيلا من بكر بن وَائِل. فَغَضب الْقَوْم وَقَالُوا: لقد أَسَأْت فِي الْجَواب وسمتنا اللَّبن من دم كُلَيْب. وَوَقعت الْحَرْب بَينهم وَلَحِقت زَوْجَة كُلَيْب بأبيها وقومها. ودعت تغلب النمر بن قاسط فانضمت إِلَيْهَا وصاروا يدا مَعَهم على بكر وَلَحِقت بهم غفيلة بن

ص: 169

قاسط واعتزلت قبائل بكر بن وَائِل وكرهوا مجامعة بني شَيبَان ومساعدتهم على قتال إِخْوَتهم وأعظموا قتل جساس كليباً بناب من الْإِبِل فظعنت لجيم عَنْهُم وكفت يشْكر عَن نصرتهم وانقبض الْحَارِث بن عباد فِي أهل بَيته وَهُوَ أَبُو بجير وَفَارِس النعامة.

قَالَ أَبُو الْمُنْذر: أَخْبرنِي خرَاش: أَن أول وقْعَة على ماءٍ كَانَت بَنو شَيبَان نازلة عَلَيْهِ وَرَئِيس تغلب المهلهل وَرَئِيس شَيبَان الْحَارِث بن مرّة فَكَانَت الدائرة

لتغلب وَكَانَت الشَّوْكَة فِي شَيبَان واستحر الْقَتْل فيهم إِلَّا أَنه لم يقتل فِي ذَلِك الْيَوْم أحد من بني مرّة.

ثمَّ الْتَقَوْا بالذنائب وَهُوَ أعظم وقْعَة كَانَت لَهُم فظفرت بَنو تغلب وَقتلت بكر مقتلة عَظِيمَة وفيهَا قتل شرَاحِيل بن مرّة بن همام بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان وَهُوَ جد الحوفزان وَهُوَ جد معن بن زَائِدَة. والحوفزان هُوَ الْحَارِث بن شريك بن عَمْرو ابْن قيس بن شرَاحِيل قَتله عتاب بن)

قيس بن زُهَيْر بن جشم وَقتل الْحَارِث بن مرّة ابْن ذهل بن شَيبَان قَتله كَعْب بن زُهَيْر بن جشم وَقتل من بني ذهل بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو ابْن مندوس بن شَيبَان بن ذهل بن ثَعْلَبَة وَقتل من بني تيم الله جميل بن مَالك بن تيم الله وَعبد الله بن مَالك بن تيم الله وَقتل من بني قيس بن ثَعْلَبَة سعد بن ضبيعة ابْن قيس وَتَمِيم بن قيس بن ثَعْلَبَة وَهُوَ أحد الخرفين وَكَانَ شَيخا كَبِيرا. فَهَؤُلَاءِ من أُصِيب من رُؤَسَاء بكر يَوْم الذنائب.

ص: 170

ثمَّ الْتَقَوْا بواردات وعَلى النَّاس رؤساؤهم الَّذين سمينا فظفرت بَنو تغلب واستحر الْقَتْل فِي بني بكر فَيَوْمئِذٍ قتل شعثم وَعبد شمس ابْنا مُعَاوِيَة بن عَامر بن ذهل ابْن ثَعْلَبَة وسيار بن حَارِث بن سيار وَفِيه قتل همام بن مرّة أَخُو جساس فَمر بِهِ مهلهل مقتولاً فَقَالَ لَهُ: وَالله مَا قتل بعد كُلَيْب قَتِيل أعز عَليّ فقداً مِنْك وَقَتله نَاشِرَة وَكَانَ همام رباه وكفله كَمَا كَانَ ربى حديقة بن بدر قرواشاً فَقتله يَوْم الهباءة.

ثمَّ الْتَقَوْا بعنيزة فظفرت بَنو تغلب ثمَّ كَانَت بَينهم معاودة ووقائع كَثِيرَة كل ذَلِك كَانَت الدائرة فِيهَا لبني تغلب على بني بكر.

وَقَالَ مهلهل يصف الْأَيَّام وينعاها على بكر فِي قصيدة طَوِيلَة أَولهَا:

(أليلتنا بِذِي حسمٍ أنيري

إِذا أَنْت انقضيت فَلَا تحوري)

وَقَالَ مهلهل لما أسرف فِي الْقَتْل:

(آلَيْت بِاللَّه لَا أرْضى بِقَتْلِهِم

حَتَّى أبهرج بكرا أَيْنَمَا وجدوا)

قَالَ أَبُو حَاتِم: أبهرج: أدعهم بهرجا لَا يقتل فيهم قَتِيل وَلَا يُؤْخَذ لَهُم دِيَة وَيُقَال: المبهرج من الدَّرَاهِم من هَذَا. وَقَالَ أَيْضا: يَا لبكر أنشروا لي كليباً. . الأبيات الثَّلَاثَة.

وَله أشعار كَثِيرَة فِي رثاء أَخِيه كُلَيْب.

ثمَّ إِن المهلهل أسرف فِي الْقَتْل وَلم يبال بِأَيّ قَبيلَة من قبائل بكر أوقع وَكَانَت أَكثر بكر قعدت عَن نصْرَة بني شَيبَان لقتلهم كليباً وَكَانَ الْحَارِث

ص: 171

بن عباد قد اعتزل تِلْكَ الحروب وَقَالَ: لَا ناقةٌ لي فِي هَذَا وَلَا جمل فَذَهَبت مثلا. فَاجْتمع قبائل بكر إِلَيْهِ فَقَالَت: قد فني قَوْمك فَأرْسل بجبيراً بن أَخِيه إِلَى مهلهل وَقَالَ لَهُ: قل لَهُ: إِنِّي قد اعتزلت قومِي لأَنهم ظلموك وخليتك وإياهم.

وَقد أدْركْت ثأرك وَقتلت قَوْمك. فَأتى بجبير إِلَيْهِ فَقتله مهلهل كَمَا تقدم شَرحه عِنْد الْكَلَام)

على قَوْله:

(من صد عَن نيرانها

فَأَنا ابْن قيس لَا براح)

وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ فَبعد ذَلِك نَهَضَ الْحَارِث للحرب فقاتل تغلب حَتَّى هرب المهلهل وَتَفَرَّقَتْ قبائل تغلب وَكَانَ أول يَوْم شهده الْحَارِث بن عباد يَوْم فضَّة وَهُوَ يَوْم تحلاق اللمم وَفِيه أسر الْحَارِث بن عباد مهلهلاً وَهُوَ لَا يعرفهُ

واسْمه عدي بن ربيعَة فَقَالَ لَهُ: دلَّنِي على عدي وأخلي عَنْك فَقَالَ لَهُ: عَلَيْك الْعَهْد بذلك إِن دللتك عَلَيْهِ قَالَ: نعم قَالَ: فَأَنا عدي فجز ناصيته وَتَركه. وَقَالَ فِيهِ:

(لهف نَفسِي على عدي وَلم أع

رف عديا إِذْ أمكنتني اليدان)

وَفِيه قتل عَمْرو وعامر التغلبيان قَتلهمَا جحدر بن ضبيعة.

ثمَّ إِن مهلهلاً فَارق قومه وَلم يزل مُقيما فِي أَخْوَاله بني يشْكر ضجراً من الْحَرْب وَأرْسل الْحَارِث بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْكِنْدِيّ وَهُوَ جد امْرِئ الْقَيْس بن حجر فِي الصُّلْح بَينهم وَالتَّمْلِيك عَلَيْهِم وَقد كَانُوا قَالُوا: إِن سفهاءنا غلبوا علينا وَأكل الْقوي منا الضَّعِيف فَالرَّأْي أَن نملك علينا ملكا نُعْطِيه الْبَعِير وَالشَّاة فَيَأْخُذ منا الْقوي وَيرد الظَّالِم وَلَا يكون من بعض قبائلنا فيأباه

ص: 172

الْآخرُونَ فَلَا تَنْقَطِع الحروب فَأصْلح بَينهم وشغلهم بِحَرب اللخميين من بني غَسَّان مُلُوك الشَّام وَبَقِي مهلهل وحيداً عِنْد أَخْوَاله إِلَى أَن مَاتَ. قيل وجد مَيتا بَين رجْلي جمل هاج عَلَيْهِ. وَقيل بل مَاتَ أَسِيرًا وَذَلِكَ أَنه لما نزل الْيمن فِي بني جنب وجنب من مذْحج فخطبوا إِلَيْهِ ابْنَته فَقَالَ لَهُم: إِنِّي طريدٌ بَيْنكُم فَمَتَى أنكحتكم قَالُوا: اقتسروه. فأجبروه على تَزْوِيجهَا وَسَاقُوا إِلَيْهِ فِي صَدَاقهَا أدماً فَقَالَ: فِي أَبْيَات. . ثمَّ انحدر فَلَقِيَهُ عَوْف بن مَالك أَبُو أَسمَاء صَاحِبَة المرقش الْأَكْبَر فَأسرهُ فَمَاتَ فِي أسره.

قَالَ السكرِي فِي أشعار تغلب: أسر مهلهلاً عَوْف بن مَالك أحد بني قيس بن ثَعْلَبَة وَإِن شباناً من شُبَّان بني قيس بن ثَعْلَبَة أَتَوا عَوْف بن مَالك أحد بني قيس

فَقَالُوا: أرسل مَعنا مهلهلاً فَأرْسلهُ مَعَهم فَشرب فَلَمَّا رَجَعَ جعل يتَغَنَّى بِهِجَاء بكر بن وَائِل فَسَمعهُ عَوْف بن مَالك فَغَاظَهُ فَقَالَ: لَا جرم إِن لله عَليّ نذرا إِن شرب عِنْدِي قَطْرَة مَاء وَلَا خمر حَتَّى يُورد الخضير بمعجمتين مُصَغرًا وَهُوَ بعير لعوف لَا يرد المَاء إِلَّا سبعا فَقَالَ لَهُ أنَاس من قومه: بئس مَا حَلَفت فبعثوا)

الْخُيُول فِي طلب الْبَعِير فَأتوا بِهِ بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَمَات مهلهل عطشاً. وَقيل بل قتل. وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله: أَنه أسن وخرف وَكَانَ لَهُ عَبْدَانِ يخدمانه فملاه وَخرج بهما إِلَى سفر فَبَيْنَمَا هُوَ فِي بعض

ص: 173

الفلوات عزما على قَتله فَلَمَّا عرف ذَلِك كتب على قتب رَحْله وَقيل أوصاهما:

(من مبلغ الْحَيَّيْنِ أَن مهلهلاً

لله دركما ودر أبيكما)

ثمَّ قتلاه ورجعا إِلَى قومه فَقَالَا: مَاتَ: وأنشداهم قَوْله. فَقَالَ بعض وَلَده قيل هِيَ ابْنَته إِن مهلهلاً لَا يَقُول مثل هَذَا الشّعْر وَإِنَّمَا أَرَادَ:

(من مبلغ الْحَيَّيْنِ أَن مهلهلاً

أَمْسَى قَتِيلا فِي الفلاة مجدلاً)

فَضربُوا الْعَبْدَيْنِ حَتَّى أقرا بقتْله.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(أيا شَاعِرًا لَا شَاعِر الْيَوْم مثله

جريرٌ وَلَكِن فِي كليبٍ تواضع)

على أَن المنادى من قبيل الشبيه بالمضاف إِذا كَانَ مَوْصُوفا بجملة فَإِن جملَة لَا شَاعِر الْيَوْم مثله من اسْم لَا وخبرها وَهُوَ مثله صفة للمنادى وَالْوَصْف مُتَقَدم على النداء. وَبِه يسْقط مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أَن الْوَصْف بعد النداء وتكلف حَتَّى جعل المنادى فِي مثله محذوفاً وَجعل شَاعِرًا مَنْصُوبًا بِفعل مَحْذُوف.

قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ على مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه نصب شَاعِرًا بإضمار

ص: 174

فعل على معنى الِاخْتِصَاص والتعجب والمنادى مَحْذُوف وَالْمعْنَى: يَا هَؤُلَاءِ أَو ياقوم عَلَيْكُم شَاعِرًا أَو حسبكم بِهِ شَاعِرًا.

وَقَالَ النّحاس: كَأَنَّهُ قَالَ: يَا قَائِل الشّعْر عَلَيْك شَاعِرًا وَإِنَّمَا امْتنع عِنْده أَن يكون منادى لِأَنَّهُ نكرَة يدْخل فِي كل شَاعِر بالحضرة وَهُوَ إِنَّمَا قصد شَاعِرًا بِعَيْنِه وَهُوَ جرير وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يبنيه وَقَالَ أَحْمد بن يحيى: يَا شَاعِرًا نصب بالنداء وَفِيه معنى التَّعَجُّب وَالْعرب تنادي بالمدح والذم وتنصب بالنداء: فَيَقُولُونَ: يَا رجلا لم أر مثله وَكَذَا يَا طيبك من لَيْلَة وَكَذَا يَا شَاعِرًا.

وَمثله قَول التبريزي أَيْضا عِنْد قَول الحماسي:)

أيا طعنة مَا شيخٍ كبيرٍ يفنٍ بالي المنادى مَحْذُوف.

وَيجوز أَن يكون غَيره فَكَأَنَّهُ قَالَ لمن بِحَضْرَتِهِ: يَا هَذَا حَسبك بِهِ شَاعِرًا على الْمَدْح والتعجب مِنْهُ ثمَّ بَين أَنه جرير وَيُشبه هَذَا الْإِضْمَار بقَوْلهمْ: نعم رجلا زيد. وَيجوز أَن يكون حَسبك بِهِ على شريطة التَّفْسِير وَبِه فِي مَوضِع اسْم مَرْفُوع لَا بُد مِنْهُ. وَيجوز أَن تكون الْهَاء للشاعر الَّذِي جرى ذكره ثمَّ وكده بقوله جرير أَي: هُوَ جرير.

وَتَقْدِير الْخَلِيل وَيُونُس يَا قَائِل الشّعْر: على أَن قَائِل الشّعْر غير الشَّاعِر الْمَذْكُور كَأَنَّهُ قَالَ يَا شعراء عَلَيْكُم شَاعِرًا لَا شَاعِر الْيَوْم مثله: أَي حسبكم بِهِ شَاعِرًا فَهَذَا

ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ.

وَيجوز أَن يكون يَا قَائِل الشّعْر الْمَحْذُوف هُوَ الشَّاعِر

ص: 175

الْمَذْكُور وينتصب شَاعِرًا على الْحَال وَلَا شَاعِر الْيَوْم فِي مَوضِع النَّعْت وَاحْتَاجَ إِلَى إِضْمَار قَائِل الشّعْر وَنَحْوه حَتَّى يكون المنادى معرفَة وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للصلتان الْعَبْدي عدَّة أبياتها ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ بَيْتا أوردهَا الْمبرد فِي كتاب الاعتنان والقالي فِي أَمَالِيهِ وَابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء إِلَّا أَنه حذف مِنْهَا أبياتاً والاعتنان مَعْنَاهُ الْمُعَارضَة والمناظرة فِي الْخُصُومَة يُقَال عَن لَهُ: إِذا جادله وعارضه. والمعن بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْعين: الْمعَارض: ومضمون كتاب الاعتنان: بَيَان الْأَسْبَاب الَّتِي اقْتَضَت التهاجي بَين جرير والفرزدق فَادّعى أَنَّهُمَا حكماه بَينهمَا فَقضى بشرف الفرزدق على جرير وَبني مجاشع على بني كُلَيْب وَقضى لجرير بِأَنَّهُ أشعرهما. وكليب رَهْط جرير ومجاشع رَهْط الفرزدق.

وَالْقَصِيدَة هَذِه:

(أَنا الصلتان وَالَّذِي قد علمْتُم

مني مَا يحكم فَهُوَ بالحكم صادع)

(أَتَتْنِي تميممٌ حِين هابت قضاتها

وَإِنِّي لبالفصل الْمُبين قَاطع)

(كَمَا أنفذ الْأَعْشَى قَضِيَّة عامرٍ

وَمَا لتميمٍ من قضائي رواجع)

(وَلم يرجع الْأَعْشَى قَضِيَّة جَعْفَر

وَلَيْسَ لحكمي آخر الدَّهْر رَاجع)

(سأقضي قَضَاء بَينهم غير جَائِر

فَهَل أَنْت للْحكم الْمُبين سامع)

(قَضَاء امرئٍ لَا يَتَّقِي الشتم مِنْهُم

وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَمد مِنْهُم مَنَافِع)

(قَضَاء امرئٍ لَا يرتشي فِي حُكُومَة

إِذا مَال بِالْقَاضِي الرشا والمطامع)

ص: 176

.

(فَإِن تجزعا أَو ترضيا لَا أقلكما

وللحق بَين النَّاس راضٍ وجازع))

(فأقسم لَا آلو عَن الْحق بَينهم

فَإِن أَنا لم أعدل فَقل أَنْت ضالع)

(فَإِن يَك بَحر الحنظليين وَاحِدًا

فَمَا يَسْتَوِي حيتانه والضفادع)

(وَمَا يَسْتَوِي صدر الْقَنَاة وزجها

وَمَا يَسْتَوِي شم الذرا والأجارع)

(وَلَيْسَ الذنابى كالقدامى وريشه

وَمَا تستوي فِي الْكَفّ مِنْك الْأَصَابِع)

(أَلا إِنَّمَا تحظى كُلَيْب بشعرها

وبالمجد تحظى دارمٌ والأقارع)

(وَمِنْهُم رُؤُوس يَهْتَدِي بصدورها

والأذناب قدماً للرؤوس تَوَابِع)

(أرى الخطفى بذ الفرزدق شعره

وَلَكِن خيرا من كُلَيْب مجاشع)

(فيا شَاعِرًا لَا شَاعِر الْيَوْم مثله

جريرٌ وَلَكِن فِي كُلَيْب تواضع)

(جريرٌ أَشد الشاعرين شكيمةً

وَلَكِن علته الباذخات الفوارع)

(وَيرْفَع من شعر الفرزدق أَنه

لَهُ باذخ لذِي الخسيسة رَافع)

(وَقد يحمد السَّيْف الددان بجفنه

وتلقاه رثا غمده وَهُوَ قَاطع)

(يناشدني النَّصْر الفرزدق بَعْدَمَا

ألحت عَلَيْهِ من جريرٍ صواقع)

(فَقلت لَهُ: إِنِّي ونصرك كَالَّذي

يثبت أنفًا كشمته الجوادع)

قَالَ الْمبرد: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: فَأَما الفرزدق فَرضِي حِين شرفه عَلَيْهِ وَقَومه

ص: 177

على قومه وَقَالَ: إِنَّمَا الشّعْر مُرُوءَة من لَا مُرُوءَة لَهُ وَهُوَ أخس حَظّ الشريف وَأما جرير فَغَضب من الْمنزلَة الَّتِي أنزلهُ إِيَّاهَا فَقَالَ يهجوه وَهُوَ أحد بني هجرس:

(أَقُول وَلم أملك سوابق عِبْرَة:

مَتى كَانَ حكم فِي بيُوت الهجارس)

(فَلَو كنت من رَهْط الْمُعَلَّى وطارقٍ

قضيت قَضَاء وَاضحا غير لابس)

قَالَ: والمعلى أَبُو الْجَارُود أَو جده وطارق: ابْن النُّعْمَان من بني الْحَارِث بن جذيمة وَأم الْمُنْذر بن الْجَارُود بنت النُّعْمَان. وَقَالَ جرير أَيْضا:

(أَقُول لعَيْنِي قد تحدر مَاؤُهَا

مَتى كَانَ حكم الله فِي كرب النّخل)

فَلم يجبهُ الصلتان فَسقط.

أَقُول: قد أَجَابَهُ الصلتان بقوله:

(تعيرنا بِالنَّخْلِ وَالنَّخْل مالنا

وود أَبوك الْكَلْب لَو كَانَ ذَا نخل)

(وَأي نَبِي كَانَ من غير قريةٍ

وَهل كَانَ حكم الله إِلَّا مَعَ الرُّسُل))

وَقيل: هما لخليد عينين. أحد بني عبد الله بن دارم وَكَانَ ينزل فِي قَرْيَة بِالْبَحْرَيْنِ يُقَال لَهَا عينين كَذَا فِي شرح أمالي القالي لأبي عبيد الْبكْرِيّ.

أَنا الصلتاني الَّذِي قد علمْتُم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصلتان وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة: النشيط الْحَدِيد من الْخَيل وَالْحمار الشَّديد.

ص: 178

وَقَوله: كَمَا أنفذ الْأَعْشَى قَضِيَّة عَامر أَشَارَ إِلَى مَا حكم بِهِ أعشى قيس بَين عَامر بن الطُّفَيْل لعنة الله عَلَيْهِ وَبَين ابْن عَمه عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ رضي الله عنه وَغلب الْأَعْشَى عَامِرًا على عَلْقَمَة بِالْبَاطِلِ وَزعم أَنَّهُمَا حكماه وَهُوَ كذب وَقد تقدم بَيَانه فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين. والرواجع: جمع رَاجِعَة من رجعه بِمَعْنى رده وَأَرَادَ بتميم الْقَبِيلَة.

وَقَوله: فاصمتا: أَمر من صمت من بَاب دخل: إِذا سكت وروى الْمبرد فأنصتا من أنصت بِمَعْنى سكت واستمع الحَدِيث فالياء من حكمتماني مَفْتُوحَة على الرِّوَايَة الأولى سَاكِنة على الرِّوَايَة الثَّانِيَة.

وَقَوله: لَا أقلكما: من الْإِقَالَة وَهِي رفع العقد فَإِنَّهُ عقد لَهُ فِي الحكم عَلَيْهِمَا كَمَا زعم وَهُوَ مجزوم فِي جَوَاب الشَّرْط.

وَقَوله: فأقسم لَا آلو: أَي: لَا أقصر من الألو وَهُوَ التَّقْصِير وروى الْمبرد لَا ألوي: بِمَعْنى لَا أعرض وَلَا أحيد.

وَقَوله: فَقل أَنْت ضالع: هُوَ من ضلع من بَاب نفع: مَال عَن الْحق يُقَال ضلعك مَعَ فلَان أَي: ميلك وروى الْمبرد ظالع بالظاء المشالة من ظلع الْبَعِير وَالرجل من بَاب نفع أَيْضا: إِذا غمز فِي مَشْيه وَهُوَ شَبيه بالعرج.

والحنظليين بالتثنية لِأَن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة قوم جرير وَمَالك بن حَنْظَلَة قوم الفرزدق. والزج بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة: الحديدة الَّتِي فِي أَسْفَل الرمْح وَصدر الْقَنَاة من السنان إِلَى ثلثهَا. وشم الذرا: أَي: جبال شم الذرا يُقَال: جبل أَشمّ أَي: طَوِيل والذرا: جمع ذرْوَة وَهُوَ أَعلَى الشَّيْء. والأجارع: جمع أجرع وَهُوَ رَملَة مستوية لَا تنْبت شَيْئا ومؤنثه الجرعاء.

ص: 179

وروى ابْن قُتَيْبَة والمبرد: والأكارع جمع أكرع جمع كرَاع وَهُوَ فِي الْغنم وَالْبَقر بِمَنْزِلَة الوظيف فِي الْفرس وَالْبَعِير وَهُوَ مستدق السَّاق. فَالْمُرَاد: بالذرا: جمع ذرْوَة بِمَعْنى أَعلَى السنام.)

وَقَوله: وَلَيْسَ الذنابى كالقدامى الذنابى بِضَم الذَّال وَالْقصر: ذَنْب الطَّائِر وَهُوَ أَكثر من الذَّنب والقدامى بِضَم الْقَاف وَالْقصر: إِحْدَى قوادم الطَّائِر وَهِي مقاديم ريشه وَهِي عشرٌ فِي كل جنَاح وَيُقَال قادمة أَيْضا وَجَمعهَا قوادم. وتحظى: من الحظوة بالظاء الْمُعْجَمَة بِمَعْنى الصلف والافتخار. ودارم هُوَ دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَاسم دارم بَحر وَذَلِكَ أَن أَبَاهُ أَتَاهُ قوم فِي حمالَة أَي: فِي طلب دِيَة فَقَالَ لَهُ: يَا بَحر ائْتِنِي بخريطة وَكَانَ فِيهَا مَال فجَاء يحملهَا وَهُوَ يدرم تحتهَا من ثقلهَا فَسُمي دارماً يُقَال درم فلَان: إِذا قَارب الخطا. والأقارع أَرَادَ بِهِ الأقرعين وهما الْأَقْرَع بن حَابِس وَأَخُوهُ مرْثَد التميميان.

وَقَوله: أرى الخطفى بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والطاء وَالْفَاء وَالْقصر: اسْم وَالِد جرير سَمَّاهُ باسم أَبِيه. وبذه: غَلبه. وشعره: فَاعله. والتواضع: الانحطاط من الذل والوضيع: الدنيء من النَّاس. والشكيمة: الشدَّة يُقَال فلَان ذُو شكيمة: إِذا كَانَ لَا ينقاد وَفُلَان شَدِيد الشكيمة: إِذا كَانَ شَدِيد النَّفس أَبَيَا. الباذخات: أَي: الْمَرَاتِب العاليات يُقَال شرف باذخ أَي: عَال وَكَذَلِكَ الفوارع: يُقَال فرعت قومِي: أَي: علوتهم بالشرف أَو بالجمال.

وَقَوله: وَيرْفَع من شعر الفرزدق يُقَال: رفعت من خسيسته:

ص: 180

إِذا فعلت بِهِ فعلا تكون فِيهِ رفعته. يُرِيد أَن الفرزدق لَهُ شرف باذخ وَلَكِن شعره دنيء. فَالْقَوْل يرْتَفع برفعة الْقَائِل. وروى الْمبرد:

ينوء ببيتٍ للخسيسة رَافع أَي: ينْهض وَيقوم بِالْبَيْتِ الرَّدِيء من الشّعْر فيرفعه.

جرير أَشد الشاعرين شكيمةً والرث: الْبَالِي. والجفن: قرَاب السَّيْف وَهُوَ الغمد أَيْضا. وَهَذَا المصراع نَاظر إِلَى قَوْله: وَيرْفَع من شعر الفرزدق أَنه. . الْبَيْت والصواقع: جمع صَاعِقَة لُغَة فِي الصاعقة. وَقَوله: كشمته الجوادع قَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: كشم أَنفه. إِذا قطعه. والجوادع: جمع جادعة وَهِي الَّتِي تقطع الْأنف. وروى الْمبرد: هشمته الجوادع.)

قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف: هُوَ شَاعِر مَشْهُور خَبِيث. وشاعران آخرَانِ يُقَال لَهما: الصلتان.

أَحدهمَا الصلتان الضَّبِّيّ قَالَ الْآمِدِيّ وَلست أعرفهُ فِي شعراء بني

ص: 181

ضبة وَأَظنهُ مُتَأَخِّرًا. قَالَ أَبُو عَمْرو بنْدَار فِي كتاب مَعَاني الشُّعَرَاء قَالَ أَبُو زيد

أَحْسبهُ أنشدنيه فِي صفة نَاقَته:

(كَأَن يَدي عنسي إِذا هِيَ هجرت

هراوة حبى تنفض الْغُصْن اللدنا)

حبى: امْرَأَته.

وَالثَّانِي: الصلتان الفهمي قَالَ الْآمِدِيّ: لست أعرفهُ فِي شعرائهم وَأَظنهُ مُتَأَخِّرًا. أنْشد لَهُ الجاحظ فِي الْبَيَان والتبين:

(العَبْد يقرع بالعصا

وَالْحر تكفيه الْإِشَارَة)

وَذكره ابْن المعتز فِي سرقات الشُّعَرَاء وَحَكَاهُ أَيْضا عَن الجاحظ.

وَمن مَشْهُور شعر الصلتان الْعَبْدي مَا أنْشدهُ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء قَوْله:

(أشاب الصَّغِير وأفنى الكب

ير كرّ الْغَدَاة وَمر الْعشي)

(إِذا هرمت ليلةٌ يَوْمهَا

أَتَى بعد ذَلِك يومٌ فتي)

(نروح ونغدو لحاجاتنا

وحاجة من عَاشر لَا تَنْقَضِي)

(تَمُوت مَعَ الْمَرْء حاجاته

وَتبقى لَهُ حاجةٌ مَا بَقِي)

ص: 182

(إِذا قلت يَوْمًا لمن قد ترى:

أروني السّري أروك الْغَنِيّ)

(ألم تَرَ لُقْمَان أوصى بنيه

وأوصيت عمرا وَنعم الْوَصِيّ)

بني بدا خب نجوى الرِّجَال فَكُن عِنْد سرك خب النجي

(وسرك مَا كَانَ عِنْد امرئٍ

وسر الثَّلَاثَة غير الْخَفي)

وَزَاد عَلَيْهِ أَبُو تَمام فِي الحماسة:

(ودع النَّفس اتِّبَاع الْهوى

فَمَا للفتى كل مَا يَشْتَهِي)

ومطلع هَذِه الأبيات من شَوَاهِد تَلْخِيص الْمِفْتَاح للقزويني.

وَأنْشد بعده وَهُوَ)

الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(أعبداً حل فِي شعبى غَرِيبا

ألؤماً لَا أَبَا لَك واغترابا)

على أَن جملَة حل صفة للمنادى قبل النداء وَهُوَ من قبيل الشبيه

ص: 183

بالمضاف وَعند سِيبَوَيْهٍ مَا تقدم ذكره قبل هَذَا.

قَالَ ابْن خلف تبعا للنحاس: وَقَوله أعبداً أجَاز س أَن يكون منادى منكوراً وَأَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ: أتفخر فِي حَال عبودية وَلَا يَلِيق الْفَخر بالعبودية.

وعَلى هَذَا فالهمزة للاستفهام وعبداً وَجُمْلَة حل وغريباً أَحْوَال من ضمير

تَفْخَر وعَلى الأول فجملة حل صفة للمنادى وغريباً حَال من ضمير حل وَقيل صفة أُخْرَى للمنادى.

وَقد نقل ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل الْوَجْهَيْنِ: النداء والاستفهام عَن سِيبَوَيْهٍ.

وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت على أَن لؤماً واغتراباً منصوبان بِفعل مَحْذُوف على طَرِيق الانكار التوبيخي كَأَنَّهُ قَالَ: أتلؤم لؤماً وتغترب اغتراباً وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: أتجمع لؤماً واغتراباً فتنصبهما بِفعل وَاحِد مُضْمر. وَهَذَا أحسن لِأَن الْمُنكر إِنَّمَا هُوَ جمع اللؤم والغربة واللؤم بِالْهَمْز: ضد الْكَرم وَهُوَ فعل الْأُمُور الخسيسة الدنيئة وَفعله من بَاب كرم.

وَقَوله: لَا أَبَا لَك جملَة مُعْتَرضَة وَهَذَا يكون للمدح: بِأَن يُرَاد نفي نَظِير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَيكون للذم: بِأَن يُرَاد أَنه مَجْهُول النّسَب وَهَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا. وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: هِيَ كلمة تسْتَعْمل عِنْد

ص: 184

الغلطة فِي الْخطاب وَأَصله أَن ينْسب الْمُخَاطب إِلَى غير أَب مَعْلُوم شتماً لَهُ واحتقاراً ثمَّ كثر فِي الِاسْتِعْمَال حَتَّى صَار يُقَال فِي كل خطاب يغلط فِيهِ على الْمُخَاطب. وَحكى أَبُو الْحسن ابْن الْأَخْضَر: كَانَ الْعَرَب تستحسن لَا أَبَا لَك وتستقبح لَا أم لَك لِأَن الْأُم مشفقة حنينة.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَقد يذكر فِي معرض التَّعَجُّب دفعا للعين كَقَوْلِهِم: لله دَرك وَقد يسْتَعْمل بِمَعْنى جد فِي أَمرك وشمر لِأَن من لَهُ أَب يتكل عَلَيْهِ فِي بعض شَأْنه.

قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: اللَّام فِي لَك مقحمة وَالْكَاف فِي مَحل

خفض بهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْخَفْض بِالْإِضَافَة أدّى إِلَى تَعْلِيق حرف الْجَرّ فالجر بِاللَّامِ وَإِن كَانَت مقحمة كالجر بِالْبَاء وَهِي زَائِدَة وَإِنَّمَا أقحمت مُرَاعَاة لعمل لَا لِأَنَّهَا لَا تعْمل إِلَّا فِي النكرات وَثبتت الْألف مُرَاعَاة)

للإضافة فَاجْتمع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة شَيْئَانِ متضادان: اتِّصَال وانفصال: فثبات الْألف دَلِيل على الِاتِّصَال من جِهَة الْإِضَافَة فِي الْمَعْنى وثبات اللَّام دَلِيل على الِانْفِصَال فِي اللَّفْظ مُرَاعَاة لعمل لَا.

فَهَذِهِ مَسْأَلَة قد روعيت لفظا وَمعنى. وَخبر لَا التبرئة مَحْذُوف أَي: لَا أَبَا لَك بالحضرة

ص: 185

وشعبى بِضَم الشين وَالْقصر وَالْألف للتأنيث. قَالَ السكرِي فِي أشعار تغلب: هِيَ جبال منيعة متدانية بَين أيسر الشمَال وَبَين مغيب الشَّمْس من ضرية على قريب من ثَمَانِيَة أَمْيَال. وَقيل جبل أسود وَله شعاب فِيهَا أوشال تحبس المَاء من سنة إِلَى سنة. وَفِي مُعْجم مَا استعجم للبكري: قَالَ يَعْقُوب: شعبى جبيلات متشعبة وَلذَلِك قيل شعبى وَقَالَ عمَارَة: هِيَ هضبة بحمى ضرية. وَمن أَصْحَاب شعبى الْعَبَّاس بن يزِيد الْكِنْدِيّ وَكَانَ هُنَاكَ نازلاً فِي غير قومه قَالَ جرير يَعْنِي الْعَبَّاس: أعبداً حل فِي شعبى غَرِيبا

. الْبَيْت انْتهى.

وَمثله لِابْنِ السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل.

قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَإِنَّمَا عير جرير الْعَبَّاس بن يزِيد بحلوله فِي شعبى لِأَنَّهُ كَانَ حليفاً لبني فَزَارَة وشعبى من بِلَادهمْ وَهُوَ كندي وَالْحلف عِنْدهم عَار.

قَالَ: وَكَانَ السَّبَب فِي قَول جرير هَذَا الشّعْر: أَنه لما هجا الرَّاعِي النميري بقوله من قصيدة: عَارضه الْعَبَّاس بن يزِيد الْكِنْدِيّ وَكَانَ مُقيما بشعبى فَقَالَ:

(أَلا أرغمت أنوف بني تَمِيم

فساة التَّمْر إِن كَانُوا غضابا)

(لقد غضِبت عَليّ بَنو تَمِيم

فَمَا نكأت بغضبتها ذبابا)

(لَو اطلع الْغُرَاب على تَمِيم

وَمَا فِيهَا من السوءات شَابًّا)

فَقَالَ جرير يهجوه:

(إِذا جهل الشقي وَلم يقدر

لبَعض الْأَمر أوشك أَن يصاب)

ص: 186

.

(ستطلع من ذرا شعبى قوافٍ

على الْكِنْدِيّ تلتهب التهابا)

أعبداً حل فِي شعبى غَرِيبا

...

...

. . الْبَيْت

(فَمَا تخفى هضيبة حِين تمشي

وَلَا إطْعَام سخلتها الكلابا)

(تخرق بالمشاقص حالبيها

وَقد حلت مشيمتها الثيابا)

انْتهى. وَمثله فِي الأغاني حِكَايَة عَن جرير مَعَ الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ قَالَ: هجاني الْعَبَّاس بن)

يزِيد الْكِنْدِيّ بقوله: أَلا أرغمت أنوف بني تَمِيم

الأبيات.

فتركته خمس سِنِين لَا أهجوه ثمَّ قدمت الْكُوفَة فَأتيت مجْلِس كِنْدَة فطلبت إِلَيْهِم أَن يكفوه عني فَقَالُوا: مَا نكفه وَإنَّهُ لشاعر وأوعدوني بِهِ فَمَكثت قَلِيلا ثمَّ بعثوا إِلَيّ رَاكِبًا فَأَخْبرُونِي بمثالبه وجواره فِي طَيئ حَيْثُ جاور غفار وأحبل أُخْته هضيبة. فَقلت: إِذا جهل الشقي وَلم يقدر

...

...

... . الْبَيْت

ص: 187

أعبداً حل فِي شعبي غَرِيبا

...

...

. الْبَيْت فَمَا تخفى هضيبة حَيْثُ تمشي

...

... الْبَيْت تخرق بالمشاقص حالبيها

...

...

. الْبَيْت

(فقد حملت ثَمَانِيَة وأوفت

بتاسعها وتحسبها كعابا)

انْتهى. أَرَادَ بسخلتها: وَلَدهَا الَّذِي وَلدته لزنية ورمته للكلاب فأكلته. والمشاقص: جمع مشقص وَهُوَ النصل العريض يكون فِي السهْم. والحالبان: عرقان مكتنفان بالسرة. ومشيمتها: مَا يخرج بعد الْوَلَد يَعْنِي أَنَّهَا لما حبلت شقَّتْ حالبيها بمشقص لترمي الْوَلَد. والكعاب بِالْفَتْح وَهِي الكاعب وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي نهد ثديها.

وَقَالَ اللَّخْمِيّ: هَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يهجو بهَا البعيث واسْمه خِدَاش بن بشر الْمُجَاشِعِي. ثمَّ أنْشد هَذِه الأبيات. وَقَالَ: أَرَادَ بِالْعَبدِ البعيث.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ من قصيدة لجرير يهجو بهَا خَالِد بن يزِيد الْكِنْدِيّ وأولها:

(أخالد كَانَ أهلك لي صديقا

فقد أَمْسوا بحبكم حرابا)

ص: 188

(بنفسي من أَزور فَلَا أرَاهُ

وَيضْرب دونه الخدم الحجابا)

أخالد لَو سَأَلت علمت أَنِّي لقِيت بحبك الْعجب العجابا ستطلع من ذرا شعبى قوافٍ

...

...

. . الْبَيْت أعبداً حل فِي شعبى غَرِيبا

...

...

... الْبَيْت

(وَيَوْما فِي فَزَارَة مستجيراً

وَيَوْما نَاشِدًا حلفا كلابا)

إِذا جهل اللَّئِيم وَلم يقدر

...

...

الْبَيْت وَالظَّاهِر أَن هَذِه الأبيات لَيست منتظمة فِي نسق وَاحِد. وَالله أعلم.)

فَائِدَة قد جَاءَ على فعلى تسع كَلِمَات: إِحْدَاهَا: شعبى وَقد شرحت. وَثَانِيها: أدْمى بِالدَّال وَالْمِيم وَهُوَ مَوضِع وَقيل حِجَارَة حمر فِي أَرض قُشَيْر. ثَالِثهَا: أربى بالراء الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة وَهِي الداهية. رَابِعهَا: أرنى بالراء وَالنُّون: حب يَجْعَل فِي اللَّبن فيثخنه. خَامِسهَا: حلكى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام وَالْكَاف لضرب من العظاء وَقيل دَابَّة تغوص فِي الرمل. سادسها: جنفى بِالْجِيم وَالنُّون وَالْفَاء وَهُوَ اسْم مَوضِع. سابعها: حنفى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْفَاء وَهُوَ اسْم جبل.

ثامنها: جعبى بِالْجِيم وَالْعين الْمُوَحدَة للعظام من النَّمْل. تاسعها: جمدى بِالْجِيم وَالْمِيم وَالدَّال وَهُوَ اسْم مَوضِع.

وترجمة جرير قد تقدّمت فِي أَوَائِل الْكتاب فِي الشَّاهِد الرَّابِع.

ص: 189

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(أداراً بحزوى هجت للعين عِبْرَة

فماء الْهوى يرفض أَو يترقرق)

على أَن المنادى من قبيل الشبيه بالمضاف وَالْجَار وَالْمَجْرُور صفته قبل النداء.

وَلِهَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب دَارا لِأَنَّهُ منادى منكور فِي اللَّفْظ لاتصاله بالمجرور بعده ووقوعه موقع صفته كَأَنَّهُ قَالَ: أداراً مُسْتَقِرَّة بحزوى فَجرى لَفظه على التنكير وَإِن كَانَ مَقْصُودا بالنداء معرفَة فِي التَّحْصِيل. وَنَظِيره مِمَّا ينْتَصب وَهُوَ معرفَة لِأَن مَا بعده من صلته فضارع الْمُضَاف قَوْلهم: يَا خيرا

من زيد وَكَذَلِكَ مَا نقل إِلَى النداء مَوْصُوفا بِمَا تُوصَف بِهِ النكرَة جرى عَلَيْهِ لفظ المنادى المنكور وَإِن كَانَ فِي الْمَعْنى معرفَة. وحزوى بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي الْمُعْجَمَة قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ مَوضِع فِي ديار بني تَمِيم وَقَالَ الْأَحول: حزوى وخفان: موضعان قريبان من السوَاد والخورنق من الْكُوفَة. وهجت جَوَاب النداء وَيُقَال لَهُ: الْمَقْصُود بالنداء. وَقَالَ ابْن السَّيِّد: جملَة هجت صفة ثَانِيَة للمنادى أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَنْت هجت.

ص: 190

وَفِيه نظر. وهاج هُنَا مُتَعَدٍّ يُقَال: هجت الشَّيْء وهيجته: إِذا أثرته وَيَأْتِي لَازِما يُقَال هاج الشَّيْء: إِذا ثار. وعِبْرَة مَفْعُوله)

بِفَتْح الْعين بِمَعْنى الدمعة وللعين كَانَ فِي الأَصْل صفة لعبرة فَلَمَّا قدم صَار حَالا مِنْهَا. وَالْعبْرَة تكون جَارِيَة ومتحيرة وساكنة وقاطرة. وَمَاء الْهوى هُوَ الدمع وأضافه إِلَى الْهوى أَي: الْعِشْق لِأَنَّهُ هُوَ الْبَاعِث لجريانه. ويرفض بِالْفَاءِ وَالضَّاد: يسيل بعضه فِي إِثْر بعض وكل متناثر مرفض. ويترقرق: يبْقى فِي الْعين متحيراً يَجِيء وَيذْهب ورقراق السراب من ذَلِك. وَحكى بَعضهم أَن يترقرق هُنَا بِمَعْنى يترقق.

وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة طَوِيلَة لذِي الرمة عدَّة أبياتها سَبْعَة وَخَمْسُونَ بَيْتا كلهَا غزل وتشبيب بمي. وَقد أَخذه من زُهَيْر بن جناب وَهُوَ شَاعِر جاهلي من قصيدة فِيهَا:

(وَذي دَار سلمى قد عرفت رسومها

فعجت إِلَيْهَا والدموع ترقرق)

(وكادت تبين القَوْل لما سَأَلتهَا

وتخبرني لَو كَانَت الدَّار تنطق)

وأَو فِي الْبَيْتَيْنِ بِمَعْنى الْوَاو. وَقد أَخذ مِنْهُ بَيْتا آخر وَهُوَ:

(وقفنا فسلمنا فَكَادَتْ بمسرفٍ

لعرفان صوتي دمنة الدَّار تنطق)

ومُسْرِف بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ اسْم مَوضِع.

وَمن قصيدة ذِي الرمة:

ص: 191

(وإنسان عَيْني يحسر المَاء تَارَة

فيبدو وتاراتٍ يجم فيغرق)

وَهُوَ من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب. وحسر المَاء من بَاب ضرب: نضب عَن مَوْضِعه وغار. ويجم بِضَم الْجِيم وَكسرهَا: مضارع جم المَاء جموماً أَي: كثر وارتفع. ويغرق بِفَتْح الرَّاء: مضارع غرق بِكَسْرِهَا. وَفِي إِفْرَاد تَارَة أَولا وَجَمعهَا ثَانِيًا إشارةٌ إِلَى أَن غَلَبَة الْبكاء عَلَيْهِ هِيَ غَالب أَحْوَاله.

وَجُمْلَة يحسر المَاء وَقعت خَبرا عَن قَوْله إِنْسَان عَيْني وَهِي خَالِيَة عَن رابط مَحْذُوف أَي: يحسر المَاء عَنهُ وَقيل: هُوَ آل فِي المَاء لنيابتها عَن الضَّمِير وَالْأَصْل مَاؤُهُ وَقيل هُوَ على تَقْدِير أَدَاة الشَّرْط وَقدره شَارِح ديوَان ذِي الرمة مُحَمَّد بن حبيب: إِذا وَقدره غَيره: إِن وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهَا أم الْبَاب فَلَمَّا حذفت ارْتَفع الْفِعْل وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة إِذا وَقعت خَبرا لم يشْتَرط كَون الروابط فِي الشَّرْط بل فِي أَيهمَا من الشَّرْط وَالْجَزَاء وجد كفى.

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي تبعا لأبي حَيَّان: الْفَاء السَّبَبِيَّة نزلت الجملتين منزلَة جملَة وَاحِدَة فاكتفي مِنْهُمَا بضمير وَاحِد فَالْخَبَر مجموعهما.)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة

(أَلا يَا نَخْلَة من ذَات عرقٍ

عَلَيْك وَرَحْمَة الله السَّلَام)

على أَن الْجَار وَالْمَجْرُور صفة لنخلة قبل النداء والمنادى من قبل الشبيه بالمضاف. وَقَوله: عَلَيْك وَرَحْمَة الله السَّلَام مَذْهَب أبي الْحسن الْأَخْفَش:

ص: 192

أَنه أَرَادَ عَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله فَقدم الْمَعْطُوف ضَرُورَة لِأَن السَّلَام عِنْده مَرْفُوع بالاستقرار الْمُقدر فِي الظّرْف. وَلَا يلْزم هَذَا على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ لِأَن السَّلَام عِنْده مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَعَلَيْك خبر مقدم وَرَحْمَة الله مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي عَلَيْك. غير أَنه من عطف ظَاهر على مُضْمر من غير تَأْكِيد وَذَلِكَ جَائِز فِي الشّعْر وَقد أجَازه قوم فِي سَعَة الْكَلَام كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل لِابْنِ السَّيِّد وَاللَّخْمِيّ.

وروى ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ المصراع الثَّانِي هَكَذَا: برود الظل شاعكم السَّلَام شاعكم: تبعكم. انْتهى. وذَات عرق: مَوضِع بالحجاز وَفِي المرصع لِابْنِ الْأَثِير: ذَات عرق: مِيقَات أهل الْعرَاق للاحرام بِالْحَجِّ.

وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة نسبت للأحوص أوردهَا الدَّمِيرِيّ وَابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير. والبيتان الْآخرَانِ هما:

(سَأَلت النَّاس عَنْك فخبروني

هُنَا من ذَاك تكرههُ الْكِرَام)

(وَلَيْسَ بِمَا أحل الله بأسٌ

إِذا هُوَ لم يخالطه الْحَرَام)

قَالَ ابْن أبي الإصبع: وَمن مليح الْكِنَايَة: النَّخْلَة فَإِن هَذَا الشَّاعِر كنى عَن الْمَرْأَة بالنخلة وبالهناة عَن الرَّفَث فَأَما الهناة فَمن عَادَة الْعَرَب الْكِنَايَة بهَا عَن مثل ذَلِك وَأما الْكِنَايَة بالنخلة عَن الْمَرْأَة فَمن ظريف الْكِنَايَة وغريبها انْتهى.

وأصل ذَلِك: أَن عمر بن الْخطاب كَانَ نهى الشُّعَرَاء عَن ذكر النِّسَاء فِي أشعارهم لما فِي ذَلِك من الفضيحة وَكَانَ الشُّعَرَاء يكنون عَن النِّسَاء بِالشَّجَرِ وَغَيره وَلذَلِك

قَالَ حميد بن ثَوْر الْهِلَالِي:

ص: 193

(وَهل أَنا إِن عللت نَفسِي بسرحةٍ

من السَّرْح مسدودٌ عَليّ طَرِيق)

(أَبى الله إِلَّا أَن سرحة مالكٍ

على كل أفنان العضاه تروق))

وَعلم بِهَذَا سُقُوط قَول اللَّخْمِيّ: سلم على النَّخْلَة لِأَنَّهَا معهد أحبابه أَو ملعبه مَعَ أترابه لِأَن

(وكمثل الأحباب لَو يعلم العا

ذل عِنْدِي منَازِل الأحباب)

وَيحْتَمل لِأَن يكون كنى عَن محبوبته بالنخلة لِئَلَّا يشهرها وخوفاً من أَهلهَا وقرابتها. انْتهى.

وترجمة الْأَحْوَص تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن

نداماي من نَجْرَان أَن لَا تلاقيا)

على أَن المنادى هُنَا عِنْد الْكسَائي والقراء إِمَّا معرفَة بِالْقَصْدِ وَإِمَّا أَصله يَا رجلا رَاكِبًا لِأَنَّهُمَا لَا يجيزان نِدَاء النكرَة مُفْردَة بل يوجبان الصّفة. وَالصَّحِيح جَوَاز نِدَاء النكرَة غير الْمَقْصُودَة.

وأنشده سِيبَوَيْهٍ لما قُلْنَا. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب رَاكب لِأَنَّهُ

ص: 194

منادى منكور إِذْ لم يقْصد بِهِ رَاكب بِعَيْنِه إِنَّمَا التمس رَاكِبًا من الركْبَان يبلغ قومه خَبره وتحيته وَلَو أَرَادَ رَاكِبًا بِعَيْنِه لبناه على الضَّم وَلم يجز لَهُ تنوينه ونصبه. انْتهى.

وَأغْرب أَبُو عُبَيْدَة حَيْثُ قَالَ: أَرَادَ يَا راكباه للندبة فَحذف الْهَاء كَقَوْلِه تَعَالَى: يَا أسفا على يُوسُف مَعَ أَن الثِّقَات رَوَوْهُ بِالنّصب والتنوين إِلَّا الْأَصْمَعِي فَإِنَّهُ كَانَ ينشده بِلَا تَنْوِين. كَذَا نَقله ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة عدتهَا عشرُون بَيْتا لعبد يَغُوث الْحَارِثِيّ اليمني. قَالَهَا بعد أَن أسر فِي يَوْم الْكلاب الثَّانِي: كلاب تيم واليمن وَقتل أَسِيرًا.

ولمالك بن الريب قصيدة على هَذَا الْوَزْن والروي فِيهَا بَيت يشبه الْبَيْت الشَّاهِد وَهُوَ:

(فيا صَاحِبي إِمَّا عرضت فبلغن

بني مازنٍ والريب أَن لَا تلاقيا)

وَهَذَا غير ذَاك قطعا. فَقَوْل شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَيْت الشَّاهِد: إِنَّه لعبد يَغُوث ويروى لمَالِك بن الريب غير جيد. و

. . بن جهم أحد بني الْحَارِث بن سعد بن بني أَسد وَهُوَ:

(أيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن

بني عمنَا من عبد شمسٍ وهَاشِم))

ص: 195

(أَمن عمل الجراف أمس وظلمه

وعدوانه اعتبتمونا براسم)

عرضت هُنَا بِمَعْنى تعرضت. والجراف: اسْم رجل وراسم كَذَلِك: وَكَانَ الجراف ولي صدقَات هَؤُلَاءِ الْقَوْم فظلمهم فشكوا فعزل وَولي راسم مَكَانَهُ فظلم أَكثر من الجراف.

والإعتاب: الإرضاء وَإِزَالَة الشكوى وروى أعنتمونا: من الإعنات وَهُوَ الْإِيقَاع فِي الْعَنَت وقصيدة عبد يَغُوث مسطورة فِي المفضليات وَفِي ذيل أمالي القالي وَقد شرحنا يَوْم الْكلاب الثَّانِي فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ.

وَكَانَ الَّذِي أسر عبد يَغُوث فَتى من بني عبد شمس أهوج فَقَالَت أمه: من هَذَا فَقَالَ عبد يَغُوث: أَنا سيد الْقَوْم فَضَحكت وَقَالَت: قبحك الله من سيد قوم حِين أسرك هَذَا الأهوج. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بقوله: وتضحك مني شيخة عبشمية. . الْبَيْت فَقَالَ: أيتها الْحرَّة هَل لَك إِلَى خير قَالَت: وَمَا ذَاك قَالَ: أَعْطِنِي ابْنك مائَة من الْإِبِل وينطلق بِي إِلَى الْأَهْتَم فَإِنِّي أَخَاف أَن تنتزعني سعدٌ والرباب مِنْهُ فضمن لَهَا مائَة من الْإِبِل وَأرْسل إِلَى بني الْحَارِث فوجهوا بهَا إِلَيْهِ فقبضها العبشمي وَانْطَلق بِهِ إِلَى الْأَهْتَم فَقَالَ عبد يَغُوث:

ص: 196

(أأهتم يَا خير الْبَريَّة والداً

ورهطاً إِذا مَا النَّاس عدوا المساعيا)

(تدارك أَسِيرًا عانياً فِي حبالكم

وَلَا تثقفني التيم ألق الدواهيا)

فمشت سعد والرباب إِلَى الْأَهْتَم فِيهِ فَقَالَت الربَاب: يَا بني سعد قتل فارسنا وَهُوَ النُّعْمَان بن جساس وَلم يقتل لكم فَارس فَدفعهُ إِلَيْهِم فَأَخذه عصمَة بن أبير التَّيْمِيّ فَانْطَلق بِهِ إِلَى منزله فَقَالَ عبد يَغُوث: يَا بني تيم اقتلوني قتلة كَرِيمَة فَقَالَ عصمَة: وَمَا تِلْكَ القتلة قَالَ: اسقوني الْخمر ودعوني أنوح على نَفسِي فَجَاءَهُ عصمَة بِالشرابِ فَسَقَاهُ ثمَّ قطع عرقه الأكحل وَتَركه ينزف وَمضى وَجعل مَعَه رجلَيْنِ فَقَالَا لعبد يَغُوث: جمعت أهل الْيمن ثمَّ جِئْت لتصطلمنا كَيفَ رَأَيْت صنع الله بك فَقَالَ هَذِه القصيدة: أَلا لَا تلوماني كفى اللوم مَا بيا فَمَا لَكمَا فِي اللوم خيرٌ وَلَا ليا فالخطاب لاثْنَيْنِ حَقِيقَة. واللوم مفعول مقدم ومَا فَاعل مُؤخر. أَي: كفى اللوم مَا أَنا فِيهِ فَلَا تحتاجون إِلَى لومي مَعَ مَا ترَوْنَ من إساري وجهدي.

(ألم تعلما أَن الْمَلَامَة نَفعهَا

قليلٌ وَمَا لومي أخي من شماليا))

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات شرح الشافية للشَّارِح نقل فِيهِ عَن أبي الْخطاب: أَن شمالاً يَأْتِي مُفردا وجمعاً وَفِي هَذَا الْبَيْت جمع أَي: من شمائلي.

(فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن

نداماي من نَجْرَان أَن لَا تلاقيا)

الرَّاكِب: رَاكب الْإِبِل وَلَا تسمي الْعَرَب رَاكِبًا على الْإِطْلَاق إِلَّا رَاكب الْبَعِير والناقة وَالْجمع ركبان والركب: اسْم للْجمع عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَعند غَيره جمع رَاكب كتاجر وتجر. وَيُقَال لعابر المَاء فِي زورق وَنَحْوه رَاكب وَيجمع على ركاب بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد وَلَا يُقَال ركاب إِلَّا لركاب

ص: 197

وإِمَّا مركبة من إِن الشّرطِيَّة وَمَا المزيدة وعرضت: قَالَ فِي الصِّحَاح: عرض الرجل: إِذا أَتَى الْعرُوض وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَمَا حولهما وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.

وَقَالَ شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ والجمل: عرضت: بِمَعْنى تعرضت وَظَهَرت. وَقيل مَعْنَاهُ بلغت الْعرض وَهِي جبال نجد تعرف بذلك. والندامى: جمع ندمان بِالْفَتْح بِمَعْنى نديم وَهُوَ المشارب وَإِنَّمَا قيل لَهُ ندمان من الندامة لِأَنَّهُ إِذا سكر تكلم بِمَا ينْدَم عَلَيْهِ وَقيل: المنادمة مَقْلُوبَة من المدامنة وَذَلِكَ إدمان الشَّرَاب وَيكون الندمان والنديم أَيْضا الْمجَالِس والمصاحب على غير الشَّرَاب. ونجران بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: مَدِينَة بالحجاز من شقّ الْيمن سميت بِنَجْرَان بن زيد بن يشجب بن يعرب وَهُوَ أول من نزلها. وَأطيب الْبِلَاد نَجْرَان من الْحجاز وَصَنْعَاء من الْيمن ودمشق من الشَّام والري من خُرَاسَان انْتهى.

وَبِهَذَا عرف حسن تَفْسِير الصِّحَاح لعرضت.

وَأَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة لِأَن التَّبْلِيغ فِيهِ معنى الْعلم وَاسْمهَا ضمير شَأْن مَحْذُوف وَالْجُمْلَة من اسْم لَا التبرئة وخبرها الْمَحْذُوف أَي: لنا خَبَرهَا وَجُمْلَة أَن لَا تلاقيا فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي للتبليغ وَجوز اللَّخْمِيّ أَن تكون تفسيرية.

(أَبَا بكربٍ والأيهمين كليهمَا

وقيساً بِأَعْلَى حَضرمَوْت اليمانيا)

هَؤُلَاءِ كَانُوا نداماه هُنَاكَ فَذكرهمْ عِنْد مَوته وحن إِلَيْهِم وَهُوَ بدل من نداماي. وَأَبُو كرب والأيهمان من الْيمن وَقيس هُوَ ابْن معد يكرب أَبُو الْأَشْعَث ابْن قيس الْكِنْدِيّ قَالَ صَاحب الأغاني وَكَذَا اللَّخْمِيّ:

ص: 198

يرْوى أَن قيسا هَذَا لما بلغه هَذَا الْبَيْت قَالَ: لبيْك وَإِن كنت قد)

أخرتني.

(جزى الله قومِي بالكلاب ملامةً

صريحهم والآخرين المواليا)

الصَّرِيح: الْخَالِص والمحض. والمواليا: الحلفاء المنضمين إِلَيْهِم والْكلاب: بِضَم الْكَاف: اسْم مَوضِع الْوَقْعَة.

(وَلَو شِئْت نجتني من الْخَيل نهدةٌ

ترى خلفهَا الحو الْجِيَاد تواليا)

النهدة: المرتفعة وكل مَا ارْتَفع يُقَال لَهُ نهد. والحو من الْخَيل: الَّتِي تضرب إِلَى خضرَة والحوة: الخضرة قَالَ الْأَصْمَعِي: وَإِنَّمَا خص الحو لِأَنَّهُ

يُقَال: إِنَّهَا أَصْبِر الْخَيل وأخفها عظاماً إِذا عرقت لِكَثْرَة الجري. وتواليا: جمع تالية أَي: إِن فرسي لخفتها تسبق الحو فَهِيَ تتلو فرسي.

(ولكنني أحمي ذمار أبيكم

وَكَانَ الرماح يختطفن المحاميا)

الذمار: مَا يجب على الرجل حفظه: من مَنعه جاراً أَو طلبه ثأراً. وَقَوله: وَكَانَ الرماح

(أَقُول وَقد شدوا لساني بنسعةٍ:

أمعشر تيمٍ أطْلقُوا عَن لسانيا)

النسعة بِكَسْر النُّون: سير منسوج. وَفِيه قَولَانِ: الأول أَن هَذَا مثل وَذهب إِلَيْهِ شرَّاح أَبْيَات الشُّعَرَاء والقالي فِي أَمَالِيهِ وَحَكَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات وَقَالَ: لِأَن اللِّسَان لَا يشد بنسعة وَإِنَّمَا أَرَادَ: افعلوا بِي خيرا لينطلق لساني بشكركم وَإِنَّكُمْ مَا لم تَفعلُوا فلساني مشدود لَا أقدر على مدحكم.

وَالثَّانِي أَنهم شدوه بنسعة حَقِيقِيَّة وَإِلَيْهِ ذهب الجاحظ فِي الْبَيَان

ص: 199

والتبين والأصفهاني فِي الأغاني وَحَكَاهُ أَيْضا ابْن الْأَنْبَارِي: بِأَنَّهُم ربطوه بنسعة مَخَافَة أَن يهجوهم وَكَانُوا سَمِعُوهُ ينشد شعرًا فَقَالَ: أطْلقُوا لي عَن لساني أَذمّ أَصْحَابِي وأنوح على نَفسِي فَقَالُوا: إِنَّك شَاعِر ونحذر أَن تهجونا. فعاهدهم أَن لَا يهجوهم فأطلقوا لَهُ عَن لِسَانه.

قَالَ الجاحظ: وَبلغ من خوفهم من الهجاء أَن يبْقى ذكره فِي الأعقاب ويسب بِهِ الْأَحْيَاء والأموات أَنهم إِذا أَسرُّوا الشَّاعِر أخذُوا عَلَيْهِ المواثيق وَرُبمَا شدوا لِسَانه بنسعة كَمَا صَنَعُوا بِعَبْد يَغُوث بن وَقاص الْحَارِثِيّ حِين أسرته تيمٌ يَوْم الْكلاب.

(أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوا

فَإِن أَخَاكُم لم يكن من بوائيا)

أسجحوا بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة بِمَعْنى سهلوا ويسروا. والبواء:

السوَاء أَي: لم

(فَإِن تقتلوني تقتلُوا بِي سيداً

وَإِن تطلقوني تحربوني بماليا))

(أحقاً عباد الله أَن لست سَامِعًا

نشيد الرعاء المعزبين المتاليا)

الرعاء: جمع رَاع. والمعزب: المتنحي بإبله وَهُوَ اسْم فَاعل من أعزب بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة. والمتالي: الَّتِي نتج بَعْضهَا وَبَقِي بعض جمع متلية وَهُوَ اسْم فَاعل.

ص: 200

(وتضحك مني شيخةٌ عبشميةٌ

كَأَن لم تري قبلي أَسِيرًا يَمَانِيا)

هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مُغنِي اللبيب قَالَ القالي فِي ذيل الأمالي: قَالَ الْأَخْفَش: رِوَايَة أهل الْكُوفَة كَأَن لم ترى بِالْألف وَهَذَا عندنَا خطأ وَالصَّوَاب ترى بِحَذْف النُّون عَلامَة للجزم.

وَقَالَ ابْن السَّيِّد: قَوْله: كَأَن لم تري رُجُوع من الْإِخْبَار إِلَى الْخطاب ويروى على الْإِخْبَار: وَفِي إِثْبَات الْألف وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يكون ضَرُورَة وَالثَّانِي أَن يكون على لُغَة من قَالَ رَاء. مقلوب رأى فَجزم فَصَارَ ترأ ثمَّ خفف الْهمزَة فقلبها ألفا لانفتاح مَا قبلهَا وَهَذِه لُغَة مَشْهُورَة وكَأَن مُخَفّفَة وَاسْمهَا مُضْمر فِيهَا تَقْدِيره على الْوَجْه الأول: كَأَنَّك لم تري وعَلى الْوَجْه الثَّانِي كَأَنَّهَا لم ترأ.

(وظل نسَاء الْحَيّ حَولي ركداً

يراودن مني مَا تُرِيدُ نسائيا)

هَذَا من شَوَاهِد س وَأوردهُ الشَّارِح فِي شرح الشافية وَقد وَقع فِي روايتهما معدياً عَلَيْهِ وعاديا فَقَالَ: هَذَا شَاذ وَالْقِيَاس معدواً عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من الْعدوان لكنه بناه على عدي عَلَيْهِ.

(وَقد كنت نحار الْجَزُور ومعمل ال

مطي وأمضي حَيْثُ لَا حَيّ مَاضِيا)

(وأنحر للشُّرْب الْكِرَام مطيتي

وأصدع بَين القينتين ردائيا)

الشّرْب: جمع شَارِب كصحب جمع صَاحب. وأصدع: أشق. والْقَيْنَة: الْأمة مغنيةً كَانَت كَمَا هُنَا أم لَا.

(وَكنت إِذا مَا الْخَيل شمصها القنا

لبيقاً بتصريف الْقَنَاة بنانيا)

ص: 201

ويروى: شمسها بِالسِّين وَهِي أَجود. ويروى: نفرها. واللبيق: فعيل من اللباقة.

(وعاديةٍ سوم الْجَرَاد وزعتها

بكفي وَقد أنحوا إِلَيّ العواليا)

العادية: الْقَوْم يعدون من الْعَدو وَهُوَ الركض وسوم الْجَرَاد أَي: كسومه وَهُوَ انتشاره. وزعتها: كففتها والوازع: الْكَاف وَالْمَانِع. وأنحوا الرماح: أمالوها وقصدوا بهَا من النَّحْو وَهُوَ الْقَصْد. والعالية من الرمْح: أَعْلَاهُ وَيُقَال: مادون السنان بذارع.)

(كَأَنِّي لم أركب جواداً وَلم أقل

لخيلي كري نَفسِي عَن رجاليا)

(وَلم أسبأ الزق الروي وَلم أقل

لأيسار صدقٍ أعظموا ضوء ناريا)

نَفسِي: وسعي وروى: قاتلي والسباء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ: اشْتِرَاء الْخمر للشُّرْب لَا للْبيع. والأيسار: الَّذين يضْربُونَ القداح جمع يَاسر وَفعله من بَاب ضرب وَهَذَانِ البيتان مأخوذان من قَول امْرِئ الْقَيْس:

(كَأَنِّي لم أركب جواداً للذةٍ

وَلم أتبطن كاعباً ذَات خلخال)

(وَلم أسبأ الزق الروي وَلم أقل

لخيلي كري كرة بعد إجفال)

وَلم يرد على عبد يَغُوث مَا ورد على امْرِئ الْقَيْس. وعبد يَغُوث هُوَ ابْن الْحَارِث بن وَقاص الْحَارِثِيّ القحطاني.

كَانَ شَاعِرًا من شعراء الْجَاهِلِيَّة فَارِسًا سيد قومه من بني الْحَارِث بن كَعْب وَهُوَ الَّذِي كَانَ قائدهم يَوْم الْكلاب الثَّانِي فأسرته تيم وقتلته كَمَا ذكرنَا. وَهُوَ من أهل بَيت شعر معرق فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مِنْهُم اللَّجْلَاج الْحَارِثِيّ وَهُوَ طفيل بن زيد بن عبد يَغُوث وَأَخُوهُ مسْهر فَارس

ص: 202

شَاعِر وَهُوَ الَّذِي طعن عَامر بن الطُّفَيْل فِي عينه يَوْم فيف الرّيح. وَمِنْهُم مِمَّن أدْرك الْإِسْلَام جَعْفَر بن علبة بن ربيعَة بن الْحَارِث ابْن عبد يَغُوث وَكَانَ شَاعِرًا صعلوكاً أَخذ فِي دم فحبس بِالْمَدِينَةِ ثمَّ قتل صبرا وَسَتَأْتِي تَرْجَمته فِي بَاب إِن الْمُشَدّدَة فِي أَوَاخِر الْكتاب.

قَالَ الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين: لَيْسَ فِي الأَرْض أعجب من طرفَة بن العَبْد وَعبد يَغُوث فَإِن قسنا جودة أشعارهما فِي وَقت إحاطة الْمَوْت بهما فَلم تكن دون سَائِر أشعارهما فِي حَال الْأَمْن والرفاهية.

وَأما قصيدة مَالك بن الريب فَهِيَ ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ بَيْتا وَهِي هَذِه:

(أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة

بِجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا)

(فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه

وليت الغضى ماشى الركاب لياليا)

(لقد كَانَ فِي أهل الغضى لَو دنا الغضى

مزارٌ وَلَكِن الغضى لَيْسَ دانيا)

(ألم ترني بِعْت الضَّلَالَة بِالْهدى

وأصبحت فِي جَيش ابْن عَفَّان غازيا)

(وأصبحت فِي أَرض الأعادي بعيد مَا

أَرَانِي عَن أَرض الأعادي قاصيا)

(دَعَاني الْهوى من أهل أودٍ وصحبتي

بِذِي الطبسين فَالْتَفت ورائيا))

(أجبْت الْهوى لما دَعَاني بزفرةٍ

تقنعت مِنْهَا أَن ألام ردائيا)

(أَقُول وَقد حَالَتْ قرى الكرد دُوننَا:

جزى الله عمرا خير مَا كَانَ جازيا)

(إِن الله يرجعني من الْغَزْو لَا أرى

وَإِن قل مَالِي طَالبا مَا ورائيا)

(تَقول ابْنَتي لما رَأَتْ طول رحلتي

سفارك هَذَا تاركي لَا أَبَا لي)

ص: 203

.

(لعمري لَئِن غالت خُرَاسَان هامتي

لقد كنت عَن بَابي خُرَاسَان نَائِيا)

(فَللَّه دري يَوْم أترك طَائِعا

بني بِأَعْلَى الرقمتين وماليا)

(ودر الظباء السانحات عَشِيَّة

يخبرن أَنِّي هالكٌ من ورائيا)

(ودر كبيري اللَّذين كِلَاهُمَا

عَليّ شفيقٌ ناصحٌ لَو نهانيا)

(ودر الرِّجَال الشَّاهِدين تفتكي

بأَمْري أَلا يقصروا من وثاقيا)

(ودر الْهوى من حَيْثُ يَدْعُو صحابه

ودر لجاجاتي ودر انتهائيا)

(تذكرت من يبكي عَليّ فَلم أجد

سوى السَّيْف وَالرمْح الرديني باكيا)

(وأشقر محبوكٍ يجر لجامه

إِلَى المَاء لم يتْرك لَهُ الْمَوْت ساقيا)

(وَلَكِن بِأَكْنَافِ السمينة نسوةٌ

عزيزٌ عَلَيْهِنَّ العشية مَا بيا)

(صريعٌ على أَيدي الرِّجَال بقفرة

يسوون لحدي حَيْثُ حم قضائيا)

(وَلما تراءت عِنْد مرو منيتي

وخل بهَا جسمي وحانت وفاتيا)

(أَقُول لِأَصْحَابِي: ارفعوني فَإِنَّهُ

يقر بعيني أَن سهيلٌ بدا ليا)

(فيا صَاحِبي رحلي دنا الْمَوْت فانزلا

برابيةٍ إِنِّي مقيمٌ لياليا)

(أقيما عَليّ الْيَوْم أَو بعض ليلةٍ

وَلَا تعجلاني قد تبين شانيا)

(وقوما إِذا مَا استل روحي فهيئا

لي السدر والأكفان عِنْد فنائيا)

ص: 204

.

(وَلَا تحسداني بَارك الله فيكما

من الأَرْض ذَات الْعرض أَن توسعاليا)

(خذاني فجراني ببردي إلَيْكُمَا

فقد كَانَ قبل الْيَوْم صعباً قياديا)

(وَقد كنت عطافاً إِذا الْخَيل أَدْبَرت

سَرِيعا إِلَى الهيجا إِلَى من دعانيا)

(وَقد كنت صباراً على الْقرن فِي الوغى

وَعَن شتمي ابْن الْعم وَالْجَار وانيا)

(فطوراً تراني فِي ظلالٍ ونعمةٍ

وَيَوْما تراني وَالْعتاق ركابيا)

(وَيَوْما تراني فِي رحى مستديرة

تخرق أَطْرَاف الرماح ثيابيا)

)

(وقوماً على بِئْر السمينة أسمعا

بهَا الغر وَالْبيض الحسان الروانيا)

(بأنكما خلفتماني بقفرةٍ

تهيل عَليّ الرّيح فِيهَا السوافيا)

(وَلَا تنسيا عهدي خليلي بَعْدَمَا

تقطع أوصالي وتبلى عظاميا)

(وَلنْ يعْدم الوالون بثاً يصيبهم

وَلنْ يعْدم الْمِيرَاث مني المواليا)

(يَقُولُونَ: لَا تبعد وهم يدفنونني

وَأَيْنَ مَكَان الْبعد إِلَّا مكانيا)

غَدَاة غدٍ يَا لهف نَفسِي على غدٍ إِذا أدلجوا عني وأصبحت ثاويا

(وَأصْبح مَالِي من طريفٍ وتالد

لغيري وَكَانَ المَال بالْأَمْس ماليا)

(فيا لَيْت شعري هَل تَغَيَّرت الرَّحَى

رحى الْمثل أَو أمست بفلج كَمَا هيا)

ص: 205

.

(وَعين وَقد كَانَ الظلام يجنها

يسفن الخزامى مرّة والأقاحيا)

(وَهل أترك العيس العبالي بالضحى

بركبانها تعلو المتان الديافيا)

(إِذا عصب الركْبَان بَين عنيزة

وبولان عاجوا المبقيات النواجيا)

(فيا لَيْت شعري هَل بَكت أم مالكٍ

كَمَا كنت لَو عالوا بنعيك باكيا)

(إِذا مت فاعتادي الْقُبُور فسلمي

على الرمس أسقيت السَّحَاب الغواديا)

(على جدث قد جرت الرّيح فَوْقه

تُرَابا كسحق المرنباني هابيا)

(رهينة أحجارٍ وترب تَضَمَّنت

قراراتها مني الْعِظَام البواليا)

(فيا صَاحِبي إِمَّا عرضت فبلغن

بني مازنٍ والريب أَن لَا تلاقيا)

(وعطل قلوصي فِي الركاب فَإِنَّهَا

ستفلق أكباداً وتبكي بواكيا)

ص: 206

.

(وأبصرت نَار المازنيات موهناً

بعلياء يثنى دونهَا الطّرف وانيا)

(بعودي النجوج أَضَاء وقودها

مهاً فِي ظلال السدر حوراً جوازيا)

(بعيدٌ غَرِيب الدَّار ثاوٍ بقفرةٍ

يَد الدَّهْر مَعْرُوفا بِأَن لَا تدانيا)

(أقلب طرفِي حول رحلي فَلَا أرى

بِهِ من عُيُون المؤنسات مراعيا)

(وبالرمل منا نسوةٌ لَو شهدنني

بكين وفدين الطَّبِيب المداويا)

(فمنهن أُمِّي وابنتاها وخالتي

وباكيةٌ أُخْرَى تهيج البواكيا)

وَهَذَا تَفْسِير مَا فِيهَا على الْإِجْمَال: الغضى: شجر ينْبت فِي الرمل وَلَا يكون غضى إِلَّا فِي رمل. وأزجي: أسوق يُقَال)

أزجاه إزجاء وزجاه تزجية. والنواجي: السراع. وَقَوله: فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه: أَي: ليته طَال عَلَيْهِم الاسترواح إِلَيْهِ والشوق. والركاب: الْإِبِل جمع رَاحِلَة من غير لَفظه. وَقَوله: وليت الغضى ماشى الركاب أَي لَيْت الغضى طاولهم. وَقَوله: لقد كَانَ فِي أهل الغضى يَعْنِي بِعْت مَا كنت فِيهِ من الفتك فِي الضَّلَالَة بِأَن صرت فِي جَيش سعيد بن

ص: 207

عُثْمَان بن عَفَّان. وَقَوله: دَعَاني الْهوى أود بِضَم الْهمزَة قَالَ الْبكْرِيّ: مَوضِع بِبِلَاد مَازِن. .

وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: الطبسان: كورتان

بخراسان. يَقُول: دَعَاني هواي وتشوقي من ذَلِك الْموضع وأصحابي بالموضع الآخر.

وَقَوله: أجبْت الْهوى يَقُول: لما ذكرت ذَلِك الْموضع استعبرت فَاسْتَحْيَيْت فَتَقَنَّعت بردائي لكَي لَا يرى ذَلِك مني. . قَالَ الشَّاعِر:

(فكائن ترى فِي الْقَوْم من متقنع

على عِبْرَة كَادَت بهَا الْعين تسفح)

وَقَوله: لَا أَبَا ليا قَالَ القالي: روى أَبَا بِالتَّنْوِينِ وَبِغير تَنْوِين. وَقَوله: لَئِن غالت خُرَاسَان هامتي يُرِيد. أهلكت هامتي. وَقَوله: فَللَّه دري تعجب من نَفسه كَيفَ تغرب عَن وَلَده وَمَاله. قَالَ ابْن أَحْمَر:

(بَان الشَّبَاب وأفنى ضعفه الْعُمر

لله دري فَأَي الْعَيْش أنْتَظر)

تعجب من نَفسه أَي عَيْش ينْتَظر. وَيُرِيد بالسانحات: الظباء سنحت لَهُ فتطير مِنْهَا. ووراء بِمَعْنى قُدَّام. قَوْله: تفتكي يرْوى تفنكي بالنُّون يُقَال: فنك فِي الشَّيْء: إِذا تَمَادى فِيهِ قَالَ الشَّاعِر:

(ودع لميس وداع الصارم اللاحي

إِذْ فَنكتَ فِي فسادٍ بعد إصْلَاح)

وَقَوله: تذكرت من يبكي عَليّ يَقُول: كنت أسْتَعْمل السَّيْف وَالرمْح فهما لي خليلان وَأَنا هُنَا غَرِيب فَلَيْسَ أحد يبكي عَليّ غَيرهمَا. والمحبوك: الْفرس الْقوي. وَقَوله: وَلَكِن بِأَكْنَافِ السمينة بِلَفْظ مصغر السمنة وَهُوَ مَوضِع قريب من أود الْمَذْكُور. ومرو: مَدِينَة بخراسان.

ص: 208

وَقَوله: وخل بهَا جسمي: أَي: اخْتَلَّ واضطرب. وَقَوله: يقر بعيني أَن سُهَيْل بدا ليا يُرِيد أَن سهيلاً لَا يرى بِنَاحِيَة خُرَاسَان فَيَقُول: ارفعوني لعَلي أرَاهُ فتقر عَيْني لِأَنَّهُ يرى فِي بَلَده.

وَقَوله: خطا: أَي: احفرا بِالرِّمَاحِ. وَقَوله: فِي رحى مستديرة الرَّحَى: مَوضِع الْحَرْب)

ومستديرة: حَيْثُ يستدير الْقَوْم لِلْقِتَالِ. وَقَوله: الْبيض الحسان الروانيا: أَي: النواظر جمع رانية والرنو: النّظر الدَّائِم. والغر: الْبيض.

والوالون: جمع وَال. والموالي: بَنو الْعم وَالْأَقْرَبُونَ. والبث: أَشد الْحزن. وَقَوله: رحى الْمثل هُوَ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة: مَوضِع بفلج يُقَال لَهُ: رحى الْمثل وفلج: مَوضِع فِي بِلَاد بني مَازِن وَهُوَ فِي طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة.

وَقَوله: حلوها: نزلُوا بهَا. وَأَرَادَ بالبقر النِّسَاء ويروى: جم الْقُرُون أَي: لَيست لَهَا قُرُون شبهها بالبقر. وسواجي: سواكن. والْعين: بقر الْوَحْش والأعين: ثوره. والخزامى بِالْقصرِ خيري الْبر زهره أطيب الأزهار نفحة. والأقاحي: جمع أقحاء وَهُوَ جمع. والعيس: الْإِبِل الَّتِي تضرب إِلَى الْبيَاض. والعبالى: جمع عبلى وَهِي الضخمة. والمتان: جمع متن وَهُوَ مَا صلب من الأَرْض. وعنيزة: قارة سَوْدَاء فِي وَادي بطن فلج. والمبقيات: الَّتِي تبقي سَيرهَا. والنواجي: الَّتِي تنجو سَيرهَا أَي: تسرع. والمرنباني: كسَاء من خَز وَيُقَال: مطرف من وبر الْإِبِل. وهابياً: من هبا هبوا.

وَقَوله: رهينة أَحْجَار أَي: فِي الْقَبْر على الترب وَالْحِجَارَة. والقرارة بطن الْوَادي حَيْثُ يسْتَقرّ المَاء وصيره مثلا للقبر وبطنه. وَقَوله:

ص: 209

يَد الدَّهْر يُقَال: يَد الدَّهْر ومدى الدَّهْر وأبد الدَّهْر وَكله وَاحِد. ومَالك بن الريب بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة هُوَ من مَازِن تَمِيم وَكَانَ لصاً يقطع الطَّرِيق مَعَ شظاظ الضَّبِّيّ الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال: ألص من شظاظ.

قَالَ القالي فِي ذيل أَمَالِيهِ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لما ولى مُعَاوِيَة سعيد بن عُثْمَان بن

عَفَّان خُرَاسَان سَار فِيمَن مَعَه فَأخذ طَرِيق فَارس فَلَقِيَهُ بهَا مَالك بن الريب بن حوط بن قرط بن حسل بن ربيعَة بن كابية بن حرقوص بن مَازِن بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم وَأمه شهلة بنت سنيح بن الْحر بن ربيعَة بن كابية بن حرقوص بن مَازِن قَالَ: وَكَانَ مَالك بن الريب فِيمَا ذكر من أجمل الْعَرَب جمالاً وأبينهم بَيَانا. فَلَمَّا رَآهُ سعيد أعجبه وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي: بل كَانَ مر بِهِ سعيد بن عُثْمَان بالبادية وَهُوَ منحدر من الْمَدِينَة يُرِيد الْبَصْرَة حِين ولاه مُعَاوِيَة خُرَاسَان وَمَالك فِي نفر من أَصْحَابه. فَقَالَ لَهُ: وَيحك يَا مَالك مَا الَّذِي يَدْعُوك إِلَى مَا يبلغنِي عَنْك من العداء وَقطع الطَّرِيق قَالَ: أصلح الله الْأَمِير الْعَجز عَن مُكَافَأَة الإخوان. قَالَ: فَإِن أغنيتك واستصحبتك أتكف عَمَّا تفعل وتتبعني قَالَ: نعم أصلح الله الأميرّ أكف كفا مَا كف أحدٌ أحسن مِنْهُ.)

فاستصحبه وأجرى عَلَيْهِ خَمْسمِائَة دِينَار فِي كل شهر وَكَانَ مَعَه حَتَّى قتل

ص: 210

بخراسان. قَالَ: وَمكث مَالك بخراسان فَمَاتَ هُنَاكَ فَقَالَ يذكر مَرضه وغربته.

وَقَالَ بَعضهم بل مَاتَ فِي غَزْو سعيد طعن فَسقط وَهُوَ بآخر رَمق وَقَالَ آخَرُونَ: بل مَاتَ فِي خَان فرثته الْجِنّ لما رَأَتْ من غربته ووحدته وَوضعت الْجِنّ الصَّحِيفَة الَّتِي فِيهَا القصيدة تَحت رَأسه. وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ.

قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَمن شعره يهجو الْحجَّاج:

(فَإِن تنصفوا يَا آل مَرْوَان نقترب

إِلَيْكُم وَإِلَّا فأذنوا ببعاد)

(فَإِن لنا عَنْكُم مزاحا ونزحةً

بعيسٍ إِلَى ريح الفلاة صوادي)

(فَمَاذَا عَسى الْحجَّاج يبلغ جهده

إِذا نَحن جاوزنا حفير زِيَاد)

(فَلَولَا بَنو مَرْوَان كَانَ ابْن يوسفٍ كَمَا كانعبداً من عبيد إياد

زمَان هُوَ العَبْد الْمقر بذلةٍ)

وَلَيْسَ لَهُ عقب. وَمِمَّا سبق إِلَيْهِ فَأخذ عَنهُ قَوْله:

(العَبْد يقرع بالعصا

وَالْحر يَكْفِيهِ الْوَعيد)

ص: 211

وَقَالَ آخر:

(العَبْد يقرع بالعصا

وَالْحر تكفيه الْمَلَامَة)

وَقَالَ آخر: العَبْد يقرع بالعصا وَالْحر تكفيه الْإِشَارَة

أنْشد فِيهِ وهوالشاهد السَّادِس عشر بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(يَاذَا المخوفنا بمقتل شَيْخه

حجرٍ تمني صَاحب الأحلام)

على أَن المخوفنا نعت لاسم الْإِشَارَة الْوَاقِع الْمَبْنِيّ على ضمة وَهُوَ مُضَاف إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر إِضَافَة لفظية. قَالَ ابْن الشجري: هَذَا سَهْو فَإِن الضَّمِير فِي المخوفنا مَنْصُوب لَا مجرور. وَيَأْتِي بَيَانه فِي الشَّاهِد الْعشْرين. وأل مَوْصُولَة بِمَعْنى الَّذِي. وبمقتل مُتَعَلق بالمخوف وَهُوَ مصدر

ص: 212

مُضَاف إِلَى مَفْعُوله وَالْفَاعِل مَحْذُوف. أَي: يَا من يخوفنا بِسَبَب قتلنَا شَيْخه وَأَرَادَ بشيخه: أَبَاهُ. وحجر: بدل من شَيْخه أَو عطف بَيَان لَهُ وَهُوَ بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْجِيم: اسْم وَالِد امْرِئ الْقَيْس.

وَقَوله: تمني صَاحب الأحلام مَنْصُوب على أَنه مصدر عَامله مَحْذُوف أَي: تمنيت تمني صَاحب الأحلام فَإنَّك لَا تقدر على الانتقام. والأحلام: جمع حلم بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ الرُّؤْيَا.

وَهَذَا الْبَيْت لِعبيد بن الأبرص الْأَسدي يُخَاطب بِهِ امْرأ الْقَيْس صَاحب الْمُعَلقَة الْمَشْهُورَة.

(لَا تبكنا سفهاً وَلَا سَادَاتنَا

وَاجعَل بكاءك لِابْنِ أم قطام)

وَسبب قَول عبيد هَذَا الشّعْر: أَن قوم عبيد بني أَسد قتلوا أَبَا امْرِئ الْقَيْس حجرا وَهُوَ ابْن أم قطام كَمَا تقدم بَيَانه فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ فتوعدهم امْرُؤ الْقَيْس بقوله:

(وَالله لَا يذهب شَيْخي بَاطِلا

حَتَّى أبيد مَالِكًا وكاهلا)

وهما حَيَّان من بني أَسد. فَقَالَ لَهُ عبيد ذَلِك وَجعل وعيده كَاذِبًا وَمَا تمناه فيهم غير وَاقع كأضغاث أَحْلَام وَقَالَ عبيد أَيْضا:

(يَا ذَا المخوفنا بقت

ل أَبِيه إذلالاً وحينا)

(أزعمت أَنَّك قد قتل

ت سراتنا كذبا ومينا)

(هلا على حجر بن أم

قطام تبْكي لَا علينا)

(إِنَّا إِذا عض الثقا

ف بِرَأْس صعدتنا لوينا)

(نحمي حقيقتنا وبع

ض الْقَوْم يسْقط بَين بَينا)

ص: 213

.

(هلا سَأَلت جموع كن

دة يَوْم ولوا: أَيْن أَيّنَا)

(أَيَّام نضرب هامهم

ببواترٍ حَتَّى انحنينا))

(وجموع غَسَّان الملو

ك أتينهم وَقد انطوينا)

(وَاعْلَم بِأَن جيادنا

آلين لَا يقضين دينا)

(وَلَقَد أبحنا مَا حمي

ت وَلَا مُبِيح لما حمينا)

وَهَذَا نصف القصيدة.

وَقَوله: إذلالاً مفعول ثَان للتخويف وَهُوَ مصدر أذله الله متعدي ذل الرجل: إِذا ضعف وَهَان. والْحِين بِالْفَتْح الْهَلَاك مصدر حَان. والسراة بِفَتْح السِّين: الْأَشْرَاف جمع سري وَأَصله سروي على وزن فعول من السرو وَهُوَ كرمٌ فِي مُرُوءَة. والمين: مرادف للكذب. والثقاف بِكَسْر الْمُثَلَّثَة: مَا يسوى بِهِ الرماح. والصعدة بِالْفَتْح قَالَ فِي الصِّحَاح: هِيَ الْقَنَاة المستوية تنْبت كَذَلِك لَا تحْتَاج إِلَى تثقيف وَقيل: الرمْح الْقصير ولوى الرجل رَأسه وألوى بِرَأْسِهِ: أماله وَأعْرض. والحقيقة مَا يحِق على الرجل أَن يحميه كالأهل وَالْولد وَالْجَار.

وَقَالَ فِي الصِّحَاح: هَذَا الشَّيْء بَين بَين أَي: بَين الْجيد والرديء. ثمَّ أنْشد هَذَا لبيت وَقَالَ: أَي: يتساقط ضَعِيفا غير مُتَعَدٍّ بِهِ. وَألف بَين

ص: 214

الثَّانِي إشباع وبنيا لتضمنهما لواو الْعَطف. والبواتر: جمع باتر وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع وَكَأَنَّهُ لحظ فِي السَّيْف معنى الحديدة أَو آلَة الْقطع فَجَمعه هَذَا الْجمع يدلك عَلَيْهِ انحنين بضمير الْإِنَاث الْعَائِد إِلَى البواتر وَأَنه غلب عَلَيْهِ الاسمية.

والألى بِمَعْنى الَّذين اسْم مَوْصُول وحذفت الصِّلَة لادعاء شهرتها أَي: نَحن الَّذين عرفُوا بالشجاعة. والْجِيَاد: جمع جواد وصفٌ من جاد الْفرس: أَي: صَار رائعاً يجود جودة بِالضَّمِّ فَهُوَ جواد للذّكر وَالْأُنْثَى. وآلين: أَي: حلفن من الألية بِمَعْنى الْيَمين. وَعبيد هُوَ بِفَتْح الْعين وَكسر الْمُوَحدَة ابْن الأبرص بن عَوْف بن جشم ابْن عَامر بن مَالك بن زُهَيْر بن مَالك بن الْحَارِث بن سعد بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد ابْن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر الْأَسدي الشَّاعِر من فحول شعراء الْجَاهِلِيَّة. جعله ابْن سَلام الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة من فحول الْجَاهِلِيَّة وَقرن بِهِ طرفَة وعلقمة بن عَبدة.

قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: عَاشَ عبيد هَذَا أَكثر من ثلثمِائة سنة.

وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين: عَاشَ عبيد مِائَتي سنة وَعشْرين سنة. وَيُقَال: بل ثلثمِائة سنة وَقَالَ فِي ذَلِك:

(ولتأتين بعدِي قُرُون جمةٌ

ترعى مخارم أيكةٍ ولدودا))

(فالشمس طالعةٌ وليلٌ كاسفٌ

والنجم يجْرِي أنحساً وسعودا)

ص: 215

(حَتَّى يُقَال لمن تعرق دهره:

يَا ذَا الزمانة هَل رَأَيْت عبيدا)

(مِائَتي زمانٍ كاملٍ ونصيةً

عشْرين عِشْت معمرا مَحْمُودًا)

(أدْركْت أول ملك نصرٍ ناشئاً

وَبِنَاء شدادٍ وَكَانَ أبيدا)

(مَا تبتغي من بعد هَذَا عيشة

إِلَّا الخلودا وَلنْ تنَال خلودا)

(وليفنين هَذَا وَذَاكَ كِلَاهُمَا

إِلَّا الْإِلَه وَوَجهه المعبودا)

وَقَالَ أَيْضا:

(فنيت وأفناني الزَّمَان وأصبحت

لداتي بَنو نعشٍ وزهر الفراقد)

وَمن شعره:

(تذكرت أهل الْخَيْر والباع والندى

وَأهل عتاق الْخَيل وَالْخمر وَالطّيب)

(فَأصْبح مني كل ذَلِك قد خلا

وَأي فَتى فِي النَّاس لَيْسَ بمكذوب)

(ترى الْمَرْء يصبو للحياة وطيبها

وَفِي طول عَيْش الْمَرْء برحٌ بتعذيب)

ومضمون الْبَيْت الْأَخير مِمَّا تداوله النَّاس قَدِيما وحديثاً قَالَ بعض شعراء

الْجَاهِلِيَّة:

(كَانَت قناتي لَا تلين لغامزٍ

فألانها الإصباح والإمساء)

ص: 216

وَقَالَ النمر بن تولب الصَّحَابِيّ رضي الله عنه:

(يود الْفَتى طول السَّلامَة والبقا

فَكيف ترى طول السَّلامَة يفعل)

وَتَبعهُ حميد بن ثَوْر الْهِلَالِي الصَّحَابِيّ أَيْضا رضي الله عنه:

(أرى بَصرِي قد رَابَنِي بعد صحةٍ

وحسبك داءٌ أَن تصح وتسلما)

(ودعوت رَبِّي بالسلامة جاهداً

ليصحني فَإِذا السَّلامَة دَاء)

وَفِي مَعْنَاهُ قَول الخيمي من الْمُتَأَخِّرين: إِذا كَانَ موت الْمَرْء إفناء عمره فَفِي مَوته من يَوْم يُولد يشرع وَأحسن من هَذَا كُله قَوْله صلى الله عليه وسلم َ: كفى بالسلامة دَاء فَإِنَّهُ أبلغ وأوجز وأسلس وأرشق مِمَّا ذكر.

قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب من قتل من الشُّعَرَاء: وَمِنْهُم عبيد بن البرص الْأَسدي وَكَانَ الْمُنْذر بن امْرِئ الْقَيْس اللَّخْمِيّ بن مَاء السَّمَاء وَهُوَ الَّذِي يُسمى ذَا

القرنين وَهُوَ جد النُّعْمَان بن)

الْمُنْذر لَهُ يَوْم بؤس وَيَوْم نعيم

ص: 217

وَكَانَ يقتل أول من رأى فِي يَوْم بؤسه فَخرج الْمُنْذر فِي يَوْم بؤسه فلقي عبيد بن الأبرص فَقَالَ لَهُ: هلا كَانَ الْمَذْبُوح غَيْرك يَا عبيد فَقَالَ: أتتك بحائن رِجْلَاهُ وأرسله مثلا فَقَالَ لَهُ: أنشدنا يَا عبيد فَقَالَ: حَال الجريض دون القريض وَبلغ الحزام الطبيين وأرسلهما مثلا فَقَالَ لَهُ أَنْشدني فَقَالَ: المنايا على الحوايا وأرسله مثلا فَقَالَ بعض الْقَوْم: أنْشد الْملك هبلتك أمك فَقَالَ: وَمَا قَول قَائِل مقتول وأرسله مثلا وَقَالَ آخر: مَا أَشد جزعك بِالْمَوْتِ فَقَالَ: لَا يرحلن رحلك من لَيْسَ مَعَك وأرسله مثلا فَقَالَ الْملك: قد أمللتني فأرحني قبل أَن آمُر بك فَقَالَ عبيد: من عز بز وأرسله مثلا فَقَالَ الْملك: أنشدنا قَوْلك:

فأنشده: أقفر من أَهله عبيد فاليوم لَا يُبْدِي وَلَا يُعِيد وَأنْشد هَذَا الْبَيْت صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: قل جَاءَ الْحق وَمَا يبدئ الْبَاطِل وَمَا يُعِيد على أَن هَذِه الْكَلِمَة قد صَارَت مثلا فِي الْهَلَاك من غير نظر إِلَى مفرداتها وَهُوَ فِي الأَصْل كِنَايَة لِأَن الْهَالِك لم يبْق لَهُ إبداء وَلَا إِعَادَة كَمَا يُقَال: لَا يَأْكُل وَلَا يشرب أَي: مَاتَ. فَقَالَ لَهُ الْملك: وَيحك يَا عبيد أَنْشدني قبل أَن أذبحك فَقَالَ عبيد: وَالله إِن مت مَا ضرني فَقَالَ لَهُ: لابد من الْمَوْت فاختر: إِن شِئْت من الأكحل وَإِن شِئْت من الأبجل وَإِن شِئْت من الوريد: فَقَالَ عبيد:

ص: 218

ثَلَاث خصالٍ كسحابات عَاد واردها شَرّ وراد وحاديها شَرّ حاد ومعادها شَرّ معاد وَلَا خير فِيهَا لمرتاد فَإِن كنت لابد قاتلي فاسقني الْخمر حَتَّى إِذا ذهلت مِنْهَا ذواهلي وَمَاتَتْ لَهَا مفاصلي فشأنك وَمَا تُرِيدُ. فَفعل بِهِ مَا أَرَادَ فَلَمَّا طابت نَفسه ودعا بِهِ ليَقْتُلهُ أنشأ يَقُول:

(وخيرني ذُو الْبُؤْس يَوْم بؤسه

خِصَالًا أرى فِي كلهَا الْمَوْت قد برق)

(كَمَا خيرت عادٌ من الدَّهْر مرّة

سحائب مَا فِيهَا لذِي خيرة أنق)

(سحائب ريح لم توكل ببلدة

فتتركها إِلَّا كَمَا لَيْلَة الطلق)

الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(إِنِّي وأسطارٍ سطرن سطراً

لقائلٌ: يَا نصر نصرٌ نصرا)

على أَن التوكيد اللَّفْظِيّ فِي النداء حكمه فِي الْأَغْلَب حكم الأول وَقد يجوز إعرابه رفعا ونصباً فنصر الثَّانِي رفع إتباعاً للفظ الأول وَالثَّالِث نصب إتباعاً لمحل الأول.

ص: 219

وَضعف الشَّارِح الْمُحَقق الْبَدَل وَالْبَيَان فِي مثله وَقَالَ: لِأَنَّهُمَا يفيدان مَالا يفِيدهُ الأول من غير معنى التَّأْكِيد وَالثَّانِي فِيمَا نَحن فِيهِ لَا يُفِيد إِلَّا التَّأْكِيد.

وَمنع أَبُو حَيَّان كَونه من التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ أَو الْبَدَل وحصره فِي الْبَيَان فَقَالَ: لَا يجوز أَن يكون نصر الثَّانِي توكيداً لفظياً. قيل: لتنوينه وَالْأول لَيْسَ كَذَلِك ورد بِأَن هَذَا الْقدر من الِاخْتِلَاف مغتفر فِي التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ. وَقيل: للِاخْتِلَاف فِي التَّعْرِيف: فيا نصر عرف بالإقبال عَلَيْهِ لَا بالعلمية وَالثَّانِي معرف بالعلمية فَكَمَا لَا يجوز جعل الثَّانِي فِي: جَاءَ الْغُلَام غُلَام زيد تَأْكِيدًا لفظياً لاختلافهما فِي التَّعْرِيف فَكَذَلِك هَذَا. وَلَا يجوز أَن يكون بَدَلا لِأَنَّهُ منون وَلَا نعتاً لِأَنَّهُ علم.

ثمَّ قَالَ أَبُو حَيَّان: وَلَا يجوز ان يكون مَرْفُوعا على أَن خبر مُبْتَدأ مُضْمر وَلَا نَصبه على إِضْمَار فعل لِأَن هَذَا النَّوْع من الْقطع إِنَّمَا تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب إِذا قصدت الْبَيَان أَو الْمَدْح أَو الذَّم أَو الترحم وَنصر لَا يفهم مِنْهُ شَيْء من ذَلِك.

وَفِيه أَنه يَصح نَصبه على الْمَدْح بِدَلِيل مَا بعده وَهُوَ:

(بلغك الله فَبلغ نصرا

نصر بن سيارٍ يثبني وفرا)

فَإِنَّهُ رُوِيَ أَن نصرا فِي الْبَيْت الأول وَهُوَ صَاحب نصر بن سيار مَنعه من الدُّخُول إِلَى نصر بن سيار وَهُوَ أَمِير خُرَاسَان فِي الدولة الأموية فتلطف بِهِ وَأقسم لَهُ بِأَنَّهُ يَدْعُو لَهُ وَطلب مِنْهُ المعونة.

وَقَول خضر الْموصِلِي شَارِح شَوَاهِد التفسيرين: بِأَنَّهُ يجوز نَصبه

ص: 220

على الذَّم لِأَن الْحَاجِب مَنعه من الدُّخُول إِلَى الْأَمِير غفلةٌ عَن الْبَيْت الثَّانِي.

وَرُوِيَ نَصبه أَيْضا: إِمَّا لما ذكرنَا وَإِمَّا للإتباع على مَحل الأول وَإِمَّا لِأَنَّهُ مصدر بدل من فعل الْأَمر أَي: انصرني وَقَالَ بدر الدَّين فِي شرح الْخُلَاصَة: يجوز كَونه مصدرا دعائياً كسقياً)

ورعياً فَيكون نصر الثَّالِث تَأْكِيدًا على الْوُجُوه الثَّلَاثَة.

وروى الْجرْمِي عَن أبي عُبَيْدَة أَن النَّصْر: الْعَطِيَّة يُرِيد: يَا نصر عَطِيَّة عَطِيَّة. وَيَردهُ رِوَايَة وَزعم أَبُو عُبَيْدَة أَيْضا: أَن نصرا الثَّانِي هُوَ حَاجِب نصر بن سيار وَالْأول هُوَ ابْن سيار فنصبه على الإغراء أَي: يَا نصر عَلَيْك نصرا. وَيَردهُ شَيْئَانِ: رِوَايَة الرّفْع وَالدُّعَاء وَفِيه أَيْضا غَفلَة عَن الْبَيْت الثَّانِي.

وروى فِي نصر الثَّانِي أَيْضا ضمه بِلَا تَنْوِين كَالْأولِ على أَنه توكيد لَفْظِي لَهُ تبعه فِي الْبناء.

وروى صَاحب اللّبَاب فِيهِ وَجها رَابِعا: وَهُوَ جَرّه مَعَ نصب الأول قَالَ شَارِحه الفالي: فَيكون الْمُضَاف إِلَيْهِ على هَذَا جِنْسا كَمَا تَقول: طَلْحَة الْخَيْر وحاتم الْجُود. والتنكير للتفخيم.

وَمُلَخَّص مَا ذكرنَا: أَن نصرا الأول رُوِيَ فِيهِ وَجْهَان: ضمه ونصبه وَالثَّانِي رُوِيَ فِيهِ أَرْبَعَة أوجه: ضمه وَرَفعه ونصبه وجره وَالثَّالِث رُوِيَ فِيهِ وَجه وَاحِد وَهُوَ النصب.

ص: 221

وَاعْلَم أَن الصَّاغَانِي قَالَ فِي الْعباب وَتَبعهُ صَاحب الْقَامُوس: أَن اسْم الْحَاجِب إِنَّمَا هُوَ نضر بالضاد الْمُعْجَمَة وَأَن الثَّلَاثَة فِي الْبَيْت الأول بالإعجام وإهمال الصَّاد تَصْحِيف وَأما نصر فِي الْبَيْت الثَّانِي فَهُوَ بالإهمال لَا غير. وَكَذَا قَالَ ابْن يسعون: رَأَيْت فِي عرض كتاب أبي إِسْحَاق الزّجاج بِخَط يَده وَهُوَ أَصله الَّذِي قَرَأَ فِيهِ على أبي الْعَبَّاس: نضر الَّذِي هُوَ الْحَاجِب بالضاد مُعْجمَة.

وأنشده سِيبَوَيْهٍ بِنصب نصر الثَّانِي قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نَصبه نصرا نصرا حملا على قَالَ النّحاس: وَقد خُولِفَ فِي هَذَا: فَقَالَ الْأَصْمَعِي: النَّصْر: المعونة فَهُوَ على هَذَا مَنْصُوب على الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: عوناً عونا.

وَقَوله: لقَائِل خبر إِن. وَجُمْلَة الْقسم أَعنِي قَوْله: واسطار. . اعْتِرَاض بَين اسْم إِن وخبرها وَالْوَاو للقسم أَي: وَحقّ أسطار الْمُصحف وَهُوَ جمع سطر جمع قلَّة كأسطر وَفِي الْكَثْرَة: سطار وسطور وَيجمع أسطار على أساطير.

وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بِهَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين على أَن أساطير جمع أسطار بِفَتْح الْهمزَة جمع سطر. وَقَوله: يَا نصر إِلَى قَوْله بلغك الله مقول القَوْل.

وَبلغ بِالتَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين ثَانِيهمَا مَحْذُوف أَي: مرادك وثلاثيه مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِد يُقَال

ص: 222

بلغت الْمنزل: إِذا وصلته. وبلغ: فعل أَمر ومفعوله الأول مَحْذُوف: أَي: أرجوزتي ومديحي)

وَنَحْوهمَا. ونصر الثَّانِي عطف بَيَان للْأولِ. ويثبني مجزوم فِي جَوَاب بلغ يُقَال: أثابه الله أَي: جزاه وَأَعْطَاهُ. والوفر المَال الْكثير.

وترجمة رؤبة تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس. وَالْعجب من الصَّاغَانِي حَيْثُ رد على سِيبَوَيْهٍ فِي أَن هَذَا الشَّاهِد لَيْسَ لرؤبة وَلم يبين قَائِله.

وَأما نصر بن سيار فقد كَانَ أَمِير خُرَاسَان فِي الدولة الأموية وَكَانَ أول

من ولاه هِشَام بن عبد الْملك. وَكَانَت إِقَامَته فِي مرو إِلَى أَن جَاءَ أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي إِلَى مرو وَأرْسل إِلَى نصر يَدعُوهُ إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله والرِّضَا من آل مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم َ. فَلَمَّا رأى نصرٌ مَا مَعَ أبي مُسلم من اليمانية والربعية والعجم وَأَنه لَا طَاقَة لَهُ بهم أظهر قبُول مَا أَتَاهُ بِهِ وَأَنه يَأْتِيهِ ويبايعه واستمهلهم ثمَّ هرب نصر إِلَى سرخس وَاجْتمعَ عَلَيْهِ ثَلَاثَة آلَاف رجل ثمَّ سَار نصر فَنزل جوَار الرّيّ وَكَاتب ابْن هُبَيْرَة يستمده وَهُوَ بواسط وَقَالَ لَهُ: أمدني بِعشْرَة آلَاف قبل أَن تمدني بِمِائَة ألف ثمَّ لَا تغني شَيْئا. فحبس ابْن هُبَيْرَة رسله وتباطأ فَأرْسل نصر إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد يُعلمهُ مَا فعل ابْن هُبَيْرَة. فَكتب مَرْوَان إِلَى ابْن هُبَيْرَة يَأْمُرهُ أَن يمده. فَجهز ابْن هُبَيْرَة جَيْشًا كثيفاً أَمر عَلَيْهِم ابْن عطيف إِلَى نصر. وَلما قدم نصرٌ إِلَى الرّيّ أَقَامَ بهَا يَوْمَيْنِ ثمَّ مرض فَحمل إِلَى ساوة فَمَاتَ بهَا لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة مَضَت من ربيع الأول من سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وعمره خمس وَثَمَانُونَ سنة.

ص: 223

وَهَذِه نسبته من الجمهرة: نصر بن سيار بن رَافع بن حري بِفَتْح الْحَاء وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن ربيعَة بن عَامر بن هِلَال بن عَوْف بن جندع بن لَيْث وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى مدركة بن إلْيَاس بن مُضر.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

(علا زيدنا يَوْم النقا رَأس زيدكم

بأبيض ماضي الشفرتين يمَان)

على أَن الْعلم إِذا وَقع فِيهِ اشْتِرَاك لَفْظِي جَازَ إِضَافَته للتعيين.

والعليمة قد ذهبت بِالْإِضَافَة كَمَا يَأْتِي بَيَانه بعد هَذَا.

أوردهُ ابْن عقيل فِي شرح الألفية على أَن الْإِضَافَة من قبيل إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الْقَائِم مقَام الْوَصْف أَي: علا زيد صاحبنا رَأس زيد صَاحبكُم فَحذف الصفتان وَجعل الْمَوْصُوف خلفا عَنْهُمَا فِي الْإِضَافَة.)

وَرَوَاهُ الْمبرد فِي الْكَامِل بِتَغَيُّر بعض أَلْفَاظه مَعَ بَيت آخر وَأوردهُ فِي أول الثُّلُث الثَّالِث مِنْهُ فِي بَاب هَذِه تَرْجَمته: بابٌ يجمع فِيهِ طرائف من

ص: 224

حسن الْكَلَام وجيد الشّعْر وَسَائِر الْأَمْثَال ومأثور الْأَخْبَار ثمَّ قَالَ: وَقَالَ رجل من طَيئ وكانرجل مِنْهُم يُقَال لَهُ زيد من ولد عُرْوَة بن زيد الْخَيل قتل رجلا من بني أَسد يُقَال لَهُ زيد ثمَّ أقيد بِهِ بعد:

(علا زيدنا يَوْم الْحمى رَأس زيدكم

بأبيض مشحوذ الغرار يمَان)

وَمثله فِي أَوَاخِر زهر الْآدَاب للحصري قَالَ: قَالَ رجل من طَيئ وَكَانَ رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ زيد من ولد عُرْوَة بن زيد الْخَيل قتل رجلا اسْمه زيد فأقاد مِنْهُ السُّلْطَان فَقَالَ يفتخر على الأسديين وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ كَرِوَايَة الْمبرد. . وَلم أر من رَوَاهُ: يَوْم النقا وَظهر بِهَذَا أَنه شعر إسلامي. فَإِن زيد الْخَيل من الصَّحَابَة رضي الله عنهم. والمشحوذ: مفعول من شحذت السَّيْف أشحذه شحذاً من بَاب منع أَي: حددته والمشحذة بِالْكَسْرِ: المسن والتشحيذ: جعل الشَّيْء حاداً. والغرار

بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة قَالَ فِي الصِّحَاح: والغراران. شفرتا السَّيْف وكل شَيْء لَهُ حد فحده غراره. وَقَوله: أقادكم السُّلْطَان أَي: مكنكم من قَتله قوادا وَيُقَال: أقاد السُّلْطَان الْقَاتِل بالقتيل: قَتله بِهِ قوداً.

وَأنْشد بعده وهوالشاهد التَّاسِع عشر بعد الْمِائَة)

ص: 225

(رَأَيْت الْوَلِيد بن اليزيد مُبَارَكًا

شَدِيدا بأحناء الْخلَافَة كَاهِله)

على أَن الْعلم إِذا وَقع فِيهِ اشْتِرَاك اتفاقي جَازَ تَعْرِيفه بِاللَّامِ. يَعْنِي: وَيَزُول تَعْرِيف العلمية بِأَن يُنكر ثمَّ يعرف بِاللَّامِ.

قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَمن خطه نقلت: وَاعْلَم أَن قَوْلك: جَاءَنِي الزيدان لَيْسَ تَثْنِيَة زيد هَذَا الْعلم الْمَعْرُوف وَذَلِكَ ان الْمعرفَة لَا يَصح تثنيتها فَلَا تصح إِلَّا فِي النكرات فَلم تثن زيدا حَتَّى سلبته تَعْرِيفه فَجرى مجْرى رجل وَفرس وَحِينَئِذٍ لم يستنكر دُخُول لَام الْمعرفَة.

وَقد جَاءَ فِي الشّعْر مِنْهُ قَالَ ابْن ميادة: وجدنَا الْوَلِيد بن اليزيد يُرِيد: يزِيد. وَمِمَّا يُؤَكد جَوَاز خلع التَّعْرِيف قَوْله: علا زيدنا يَوْم النقا رَأس زيدكم فإضافة الإسم تدل على أَنه قد كَانَ خلع عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ من تعرفة وكساه التَّعْرِيف بإضافته إِيَّاه إِلَى الضَّمِير فَجرى فِي تَعْرِيفه مجْرى أَخِيك وَصَاحِبك وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة زيد إِذا أردْت الْعلم وعَلى هَذَا: لَو سَأَلت عَن زيد عَمْرو فِي قَوْله من قَالَ:

رَأَيْت زيد عمرٍ ولما جَازَت الْحِكَايَة ولكان بِالرَّفْع لَا غير ا. هـ مُلَخصا. واللَّام فِي الْوَلِيد للمح الأَصْل قَالَ بَعضهم: نُكْتَة إدخالها فِي اليزيد الإتباع للوليد. وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام فِي شرح الألفية على أَن مَا لَا ينْصَرف إِذا دَخلته أل وَلَو كَانَت زَائِدَة صرف كَمَا فِي اليزيد. فَجَعلهَا زَائِدَة لَا معرفَة. ورَأَيْت هُنَا علمية. ومُبَارَكًا هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. وشَدِيدا من تعدد الْمَفْعُول الثَّانِي لِأَن جزأي بَاب علم أَصلهمَا الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَالْخَبَر قد

ص: 226

يَتَعَدَّد. . وَإِن كَانَت بصرية فمباركاً حَال من مفعولها وشديداً تعدد من تعدد الْحَال أَو من ضمير مُبَارَكًا فَهِيَ حَال متداخلة وَالْوَجْه الأول وَيُؤَيِّدهُ: أَنه رُوِيَ: وجدت بدل رَأَيْت. والْوَلِيد هُوَ ابْن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْأمَوِي. وشَدِيدا صفة مشبهة يعْمل عمل فعله: وكَاهِله فَاعله. وَزعم السُّيُوطِيّ أَن فعيلا أعمل لاعتماده على ذِي خبر وَفِيه الْفَصْل بَينه وَبَين مرفوعه بالجار وَالْمَجْرُور. انْتهى فَتَأمل. والأحناء: جمع حنو بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْجَانِب والجهة وَقيل: هُوَ هُنَا بِمَعْنى السرج والقتب كني بِهِ عَن أُمُور الْخلَافَة الشاقة. والْكَاهِل مَا بَين الْكَتِفَيْنِ. وَرُوِيَ بأعباء الْخلَافَة جمع عبء)

وَهُوَ كالحمل لفظا وَمعنى.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: شبهه بالجمل الْمحمل وَشبه الْخلَافَة بالقتب: وَأَرَادَ كَأَنَّهُ يحمل شَدَائِد أُمُور الْخلَافَة.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لاميةٍ لِابْنِ ميادة يمدح بهَا الْوَلِيد الْمَذْكُور وَلَيْسَ هُوَ أول القصيدة كَمَا زعم الْعَيْنِيّ بل هُوَ أول المديح وَقَبله:

(هَمَمْت بقولٍ صادقٍ أَن أقوله

وَإِنِّي على رغم الْعَدو لقائله)

وَبعده:

وَهَذَا كَقَوْل الشَّاعِر:

(فِي المهد ينْطق عَن سَعَادَة جده

أثر السِّيَادَة سَاطِع الْبُرْهَان)

وَأول القصيدة:

(أَلا تسْأَل الرّبع الَّذِي لَيْسَ ناطقاً

وَإِنِّي على أَن لَا يبين لسائله)

أَي: إِنِّي مَعَ عدم إبانته لسائله.

ص: 227

وترجمة ابْن ميادة تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع عشر. والْوَلِيد بن يزِيد بُويِعَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة بعد موت عَمه هِشَام بن عبد الْملك. وَقتل الْوَلِيد فِي سنة سِتّ وَعشْرين لِأَنَّهُ رمي بالْكفْر وغشيان أُمَّهَات أَوْلَاد أَبِيه. وَكَانَ منهمكاً فِي اللَّهْو وَشرب الْخمر وَسَمَاع الْغناء. وَمِمَّا اشْتهر عَنهُ: أَنه استفتح الْمُصحف الْكَرِيم فَخرج لَهُ قَوْله تَعَالَى: واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيد فَأَلْقَاهُ ونصبه غَرضا ورماه بِالسِّهَامِ وَقَالَ:

(تهددني بجبارٍ عنيد

فها أَنا ذَاك جبارٌ عنيد)

(إِذا مَا جِئْت رَبك يَوْم حشرٍ

فَقل يَا رب مزقني الْوَلِيد)

فَلم يلبث بعد ذَلِك إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قتل كَذَا فِي تَارِيخ النويري وَغَيره. وَقطع رَأس الْوَلِيد وَنصب على رمحٍ وطيف بِهِ دمشق ثمَّ دفع إِلَى أَخِيه سُلَيْمَان بن يزِيد فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ سُلَيْمَان قَالَ: بعدا لَهُ أشهد أَنه كَانَ شروباً للخمر مَاجِنًا فَاسِقًا وَلَقَد أرداني على نَفسِي وَكَانَ سُلَيْمَان هَذَا مِمَّن سعى فِي خلعه وَكَانَ عمر الْوَلِيد حِينَئِذٍ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين سنة وَقيل ثَمَانِي وَثَلَاثِينَ وَقيل غير هَذَا. وَكَانَت مُدَّة سلطنته سنة وشهرين واثنين وَعشْرين يَوْمًا.

ص: 228

وَأنْشد بعده وَهُوَ) الشَّاهِد الْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س: يَا صَاح يَا ذَا الضامر العنس على أَن الضامر العنس والمخوفنا تركيبان إضافيان قد وَقعا صفتين للمنادى الَّذِي هُوَ اسْم إِشَارَة وَصفَة المنادى إِذا كَانَت مُضَافَة وَجب نصبها فَكيف رفعت إتباعاً للمنادى الْمُفْرد وَهَذَا إشكاله ظَاهر

وَنقل الشَّارِح لِحلِّهِ جوابين من الْإِيضَاح لِابْنِ الْحَاجِب: أَحدهمَا: أَن أل فِي الضامر وَفِي المخوفنا مَوْصُولَة وَهُوَ الْوَاقِع صفة: أَي: الَّذِي ضمرت عنسه وَالَّذِي خوفنا وَالْإِعْرَاب فِي الْحَقِيقَة للموصول لَكِن لما كَانَ على صُورَة الْحَرْف نقل إعرابه إِلَى صلته عَارِية.

ثَانِيهمَا: أَن الضامر العنس والمخوفنا صفتان لصفة اسْم الْإِشَارَة أَي: يَا ذَا الرجل الضامر العنس وَيَا ذَا الرجل المخوفنا وَإِنَّمَا قدر هَذَا: لِأَن صفة اسْم الْإِشَارَة لَا تكون إِلَّا مُفْردَة وإعراب الرجل رفع فَيجب رفع وَصفه بالتبعية لَهُ. .

وَهَذَا مُحَصل كَلَامه وَيفهم من هذَيْن الجوابين: أَنه لم يجز نَصبه وَهُوَ مُخَالف لما نَقله الفالي فِي شرح اللّبَاب قَالَ: جوزوا فِي نَحْو:

ص: 229

يَا صَاح يَا ذَا الضامر العنس نصب الضامر وَرَفعه كَمَا لَو قلت: يَا ذَا الضامر رفعا ونصباً. وَكَون الْوَصْف فِي المخوفنا مُضَافا إِلَى الضَّمِير كإضافة الضامر إِلَى العنس وَقع مثله للسيرافي قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: الثَّانِي صَحِيح لِأَن الضامر غير مُتَعَدٍّ وَالِاسْم الَّذِي بعده فِيهِ أل. وَكَون الْمخوف مثله سهوٌ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَلَيْسَ بعده اسْم فِيهِ أل وَأَنت لَا تَقول الْمخوف زيدٍ فَالضَّمِير فِي المخوفنا مَنْصُوب لَا مجرور.

وَهَذِه الْمَسْأَلَة غير مُتَّفق عَلَيْهَا فَإِن الرماني والمبرد فِي أحد قوليه والزمخشري قد ذَهَبُوا لما قَالَه السيرافي. كَمَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْإِضَافَة فَلَا يَنْبَغِي الحكم بالسهو على مثل الإِمَام السيرافي.

وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا المصراع بِرَفْع الضامر على أَن ذَا اسْم إِشَارَة. . وَأورد عَلَيْهِ أَنه لَا يَسْتَقِيم لِأَن مَا بعده:)

والرحل والأقتاب والحلس فَإِن الثَّلَاثَة معطوفة على العنس وَهِي لَا تُوصَف بالضمور. فَالصَّوَاب إنشاده بِالْجَرِّ على ان ذَا بِمَعْنى صَاحب كَمَا أنْشدهُ الْكُوفِيُّونَ.

قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: أنْشدهُ س وَشبهه بِقَوْلِك: يَا ذَا الْحسن الْوَجْه. قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وَهَذَا غلط عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين: وَذَلِكَ أَن الرِّوَايَة بِالْجَرِّ يدلك أَن بعده: والرحل والأقتاب والحلس

ص: 230

وَبِه يتَبَيَّن أَن ذَا بِمَعْنى صَاحب وَكَأَنَّهُ لم يبلغهُ مَا بعده. قَالَ أَبُو جَعْفَر: سَمِعت أَبَا الْحسن الْأَخْفَش يَقُول: بَلغنِي أَن رجلا صَاح بسيبويه من منزله وَقَالَ: كَيفَ تنشد هَذَا الْبَيْت فأنشده إِيَّاه مَرْفُوعا فَقَالَ الرجل: وَإِن بعده: والرحل والأقتاب والحلس فَتَركه سِيبَوَيْهٍ وَصعد إِلَى منزله. فَقَالَ لَهُ: أبن لي علام عطف فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَلم صعدت الغرفة إِنِّي فَرَرْت من ذَلِك.

وَكَذَا حكى ثَعْلَب هَذِه الْحِكَايَة فِي أَمَالِيهِ فِي موضِعين وَقَالَ: الصَّوَاب جر الضامر. وَكَذَا حكى أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل البصرية وَابْن جني فِي الخصائص وَقد صححوا كَلَام سِيبَوَيْهٍ أَحدهَا: قَالَ السيرافي: هَذَا من بَاب:

علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا وَقَوله:

(ياليت زَوجك قد غَدا

مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)

على أَن يَجْعَل الثَّانِي على مَا يَلِيق بِهِ وَلَا يخرج عَن مقصد الأول: فَيكون معنى الضامر: الْمُتَغَيّر والرحل مَحْمُول عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْمُتَغَيّر العنس والرحل.

وَتَبعهُ على هَذَا شرَّاح أَبْيَات الْكتاب وَأَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل القصرية بِالْقَافِ.

ثَانِيهَا: قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر وَتَبعهُ ابْن جني فِي الخصائص:

ص: 231

القَوْل فِي جر الرحل: أَنه مَعْطُوف على مَا دلّ عَلَيْهِ مَا تقدم لِأَن قَوْله: يَا ذَا الضامر العنس يدل على أَنه صَاحب ضامر فَحمل الرحل على مَا دلّ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَام من الصاحب.

ثَالِثهَا: قَالَ بعض النَّحْوِيين: إِن أَصله وَيَا صَاحب الرحل فَحذف صَاحب لدلَالَة قَوْله: يَا صَاح عَلَيْهِ وَبَقِي الْجَرّ على حَاله.

قَالَ أَبُو عَليّ: يرد عَلَيْهِ أَن كَونه صاحباً للمنادى لَا يدل على أَنه صَاحب رَحل كَمَا يدل قَوْله:)

يَا ذَا الضامر العنس على أَن لَهُ عنساً.

رَابِعهَا: قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: إِن سِيبَوَيْهٍ اسْتدلَّ بإنشاد هَذَا المصراع بِانْفِرَادِهِ على مَا رَوَاهُ الثِّقَات مِمَّن لم يعلم تتمته. وَهَذَا مصادمٌ لما نَقله ثعلبٌ والنحاس وَغَيرهمَا من تِلْكَ الْحِكَايَة.

وصَاح: مرخم صَاحب. والضامر: من ضمر الْحَيَوَان وَغَيره من بَاب قعد: دق وَقل لَحْمه. والعنس بِفَتْح الْعين وَسُكُون النُّون: النَّاقة الصلبة الشَّدِيدَة. والرحل قَالَ فِي الْمِصْبَاح: كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن. وَجمعه أرحل ورحال. والأقتاب: جمع قتب بِالتَّحْرِيكِ قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ رَحل صَغِير على قدر السنام. وروى ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ بدله: والأقتاد وَقَالَ: هُوَ جمع قتد وَهُوَ خشب الرحل. والحلس بِكَسْر الْمُهْملَة: كسَاء يَجْعَل على ظهر الْبَعِير تَحت رَحْله وَالْجمع أحلاس.

وَهَذَا الْبَيْت نسبه بعض شرَّاح أَبْيَات الْكتاب والزمخشري فِي مفصله لخزز بن لوذان السدُوسِي. قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني فِي تَرْجَمَة علية بنت الْمهْدي العباسي: خزز: شَاعِر يُقَال: إِنَّه قبل امْرِئ الْقَيْس.

ص: 232

وخزز بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الزَّاي الأولى وَهُوَ فِي الأَصْل ذكر الأرنب. ولوذان بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا ذال مُعْجمَة.

وَنسبه الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني لخَالِد بن المُهَاجر وَزَاد بعده بَيْتا وَرَوَاهُ هَكَذَا:

(سير النَّهَار وَلست تَاركه

وتجد سيراً كلما تمسي)

فعلى هَذَا فالرحل هُنَا بِمَعْنى برذعة الْبَعِير والأنساع: جمع نسعة بِكَسْر النُّون. قَالَ فِي الصِّحَاح: وَهِي الَّتِي تنسج عريضاً للتصدير. والسّير يكون بِالنَّهَارِ وبالليل وَيكون لَازِما كَمَا هُنَا ومتعدياً يُقَال: سرت الْبَعِير وَهُوَ

مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة وَكَذَا النَّهَار. وتَجِد: من الْجد فِي الْأَمر بِمَعْنى الإجتهاد فِيهِ يُقَال جد يجد من بَاب ضرب وَقتل وَالِاسْم الْجد بِالْكَسْرِ. وتمسي: مضارع أَمْسَى الرجل: إِذا دخل فِي الْمسَاء والمساء: خلاف الصَّباح قَالَ ابْن الْقُوطِيَّة: هُوَ مَا بَين الظّهْر إِلَى الْمغرب.

وروى صَاحب الأغاني أَيْضا:

(أما النَّهَار فَلَا تقصره

دركاً يزيدك كلما تمسي)

وروى أَيْضا:)

ص: 233

(أما النَّهَار فَأَنت تقطعه

رتكاً وتصبح مثل مَا تمسي)

والدَّرك بِالتَّحْرِيكِ: التبعة يُقَال: مَا لحقك من دَرك فعلي خلاصه قَالَ رؤبة: مَا بَعدنَا من طلب وَلَا دَرك وتسكن راؤه أَيْضا. والرتك بِفَتْح الرَّاء وَالتَّاء تفتح وتسكن: ضرب من سير الْإِبِل فِيهِ اهتزاز وخَالِد قَالَ الْأَصْفَهَانِي: هُوَ ابْن المُهَاجر بن خَالِد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم. وَكَانَ المُهَاجر وَالِد خَالِد مَعَ عَليّ عليه السلام بصفين وَكَانَ خَالِد على رَأْي أَبِيه هاشمي الْمَذْهَب وَدخل مَعَ بني هَاشم الشّعب فاضطغن ذَلِك ابْن الزبير عَلَيْهِ فَألْقى عَلَيْهِ زق خمر وصب بعضه على رَأسه وشنع عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وجده ثملاً من الْخمر فَضَربهُ الْحَد. وَكَانَ عَمه عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد مَعَ مُعَاوِيَة فِي صفّين وَلِهَذَا كَانَ بن المُهَاجر أَسْوَأ النَّاس رَأيا فِي عَمه. ثمَّ إِن مُعَاوِيَة لما أَرَادَ أَن يظْهر الْعَهْد ليزِيد قَالَ لأهل الشَّام: إِنِّي قد كَبرت سني ورق جلدي ودق عظمي واقترب أَجلي وَأُرِيد أَن أستخلف عَلَيْكُم فَمن ترَوْنَ فَقَالُوا: عبد الرَّحْمَن بن خَالِد. فَسكت وأضمرها ودس إِلَى ابْن أَثَال الطَّبِيب

فَسَقَاهُ سما فَمَاتَ وَبلغ ابْن أَخِيه خَالِد ابْن المُهَاجر خَبره وَهُوَ بِمَكَّة فَقَالَ لَهُ عُرْوَة ابْن الزبير: أتدع ابْن أَثَال يفني أوصال

ص: 234

عمك بِالشَّام وَأَنت بِمَكَّة مسبلٌ إزارك. تجره وتخطر فِيهِ متخايلاً فحمي خَالِد ودعا مولى لَهُ يدعى نَافِعًا فَأعلمهُ الْخَبَر وَقَالَ لَهُ: لابد من قتل ابْن أَثَال فَخَرَجَا حَتَّى قدما دمشق وَكَانَ ابْن أَثَال يُمْسِي عِنْد مُعَاوِيَة فَجَلَسَ لَهُ فِي مَسْجِد دمشق إِلَى أسطوانة وَجلسَ غُلَامه إِلَى أُخْرَى فَلَمَّا حاذاه وثب إِلَيْهِ خَالِد فَقتله وثار إِلَيْهِ من كَانَ مَعَه فحملا عَلَيْهِم فَتَفَرَّقُوا حَتَّى دخل خَالِد وَنَافِع زقاقاً ضيقا ففاتا الْقَوْم.

وَبلغ مُعَاوِيَة الْخَبَر فَقَالَ: هَذَا خَالِد بن المُهَاجر اقلبوا الزقاق الَّذِي دخل فِيهِ فَأتي بِهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَا جَزَاك الله من زائرٍ خيرا قتلت طبيبي فَقَالَ خَالِد: قتلت الْمَأْمُور وَبَقِي الْآمِر فَقَالَ: عَلَيْك لعنة الله وَالله لَو كَانَ تشهد مرّة وَاحِدَة لقتلتك بِهِ أَمَعَك نَافِع قَالَ: لَا. قَالَ: بلَى وَالله مَا اجترأت إِلَّا بِهِ. ثمَّ أَمر بِطَلَبِهِ فَأتى بِهِ فَضَربهُ مائَة سَوط وَحبس خَالِدا وألزم بني مَخْزُوم دِيَة ابْن أَثَال اثْنَي عشر ألف دِرْهَم. وَقَالَ خَالِد فِي الْحَبْس:

(إِمَّا خطاي تقاربت

مشي الْمُقَيد فِي الْحصار)

(فبمَا أَمْشِي فِي الأبا

طح يقتفي أثري إزَارِي))

(دع ذَا وَلَكِن هَل ترى

نَارا تشب بِذِي مرار)

(مَا إِن تشب لقرةٍ

للمصطلين وَلَا قتار)

ص: 235

(مَا بَال ليلك لَيْسَ ين

قصّ طوله طول النَّهَار)

(لتقاصر الْأَزْمَان أم

غَرَض الْأَسير من الإسار)

وَلما بلغت مُعَاوِيَة هَذِه الأبيات رق لَهُ وَأطْلقهُ. فَرجع إِلَى مَكَّة وَلما لَقِي عُرْوَة

ابْن الزبير قَالَ: أما ابْن أَثَال فقد قتلته وَذَاكَ ابْن جرموز ينعي أوصال الزبير بِالْبَصْرَةِ فاقتله إِن كنت ثائراً.

وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: جاريةٌ من قيسٍ ابْن ثَعْلَبَة على أَن تَنْوِين قيسٍ شَاذ لِأَن ابْن وَقع بَين علمين مستجمع الشُّرُوط فَكَانَ الْقيَاس حذف تَنْوِين قيس إِلَّا أَنه نونه لضَرُورَة الشّعْر.

قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: من نونه لزمَه إِثْبَات الْألف فِي ابْن خطا.

وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: وَزعم قوم أَن ابْن ثَعْلَبَة بدلٌ وقصده أَن يُخرجهُ عَن الشذوذ وَهُوَ بعيد لِأَن الْمَعْنى على الْوَصْف وَأَيْضًا: فَإِن خرج عَن الشذوذ بِاعْتِبَار التَّنْوِين لم يخرج بِاعْتِبَار اسْتِعْمَال ابْن بَدَلا.

ص: 236

وَمن أُولَئِكَ الْقَوْم ابْن جني قَالَ فِي سر الصِّنَاعَة: إِلَى هَذَا رَأَيْت جَمِيع أَصْحَابنَا يذهبون.

وَالَّذِي أرى أَن الشَّاعِر لم يرد أَن يجْرِي ابْنا وَصفا على مَا قبله وَلَو أَرَادَ لحذف التَّنْوِين وَلَكِن أَرَادَ أَن يجْرِي ابْنا بَدَلا مِمَّا قبله وحينئذٍ لم يَجْعَل مَعَه كالشيء الْوَاحِد فَوَجَبَ أَن يَنْوِي انْفِصَال ابْن مِمَّا قبله وَوَجَب أَن يبتدأ فَاحْتَاجَ

إِذا إِلَى الْألف لِئَلَّا يلْزم الِابْتِدَاء بالساكن.

وعَلى ذَلِك تَقول: كلمت زيدا ابْن بكر كَأَنَّك قلت: كلمت ابْن بكر فكأنك قلت: كلمت زيدا كلمت ابْن بكر لِأَن ذَلِك شَرط الْبَدَل إِذْ الْمُبدل فِي التَّقْدِير من جملَة ثَانِيَة.

(كريمةٌ أخوالها والعصبة

قبَاء ذَات سرةٍ مقعبة)

(كَأَنَّهَا حقة مسكٍ مذهبَة

ممكورة الْأَعْلَى رداح الحجبة)

(كَأَنَّهَا حلية سيفٍ مذهبَة

أَهْوى لَهَا شيخٌ شَدِيد الْعصبَة)

(خاظي البضيع أيره كالخشبة

فَضربت بالود فَوق الأرنبة))

(ثمَّ انْثَنَتْ بِهِ فويق الرَّقَبَة

فأعلنت بصوتها: أَن يَا أبه)

كل فتاةٍ بأبيها معجبة وَأَرَادَ بِجَارِيَة: امْرَأَة من الْعَرَب اسْمهَا كلبة كَانَ بَينهمَا مهاجاة وَمن قَوْلهَا فِيهِ:

(ناك أَبُو كلبة أم الْأَغْلَب

فَهِيَ على جردانه توثب)

توثب الْكَلْب لحس الأرنب

وجَارِيَة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذِه جَارِيَة. ومن قيس صفة لَهَا. وَقيس بن ثَعْلَبَة: قَبيلَة.

ص: 237

وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد مغي اللبيب أَيْضا وَلم يُورِدهُ السُّيُوطِيّ فِي شرحها. والقباء: الضامرة الْبَطن مؤنث الأقب. من القبب وَهُوَ دقة الخصر. والمقعبة: السُّرَّة الَّتِي دخلت فِي الْبَطن وَعلا مَا حولهَا حَتَّى صَار كالقعب وَهُوَ الْقدح المقعر من الْخشب. وَضمير كَأَنَّهَا للسرة. والممكورة: المطوية الْخلق. وَأَرَادَ بالأعلى: الْبَطن والخصر. والرداح بِفَتْح الرَّاء: الْمَرْأَة الثَّقِيلَة الْأَوْرَاك. والحجبة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم: رَأس الورك. وَضمير كَأَنَّهَا لِلْجَارِيَةِ. وحلية السَّيْف: زينته. ومذهبَة صفة حلية وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: كَأَنَّهَا خلة سيفٍ مذهبَة بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام قَالَ فِي الصِّحَاح: الْخلَّة بِالْكَسْرِ: وَاحِدَة خلل السيوف وَهِي بطائن كَانَت تغشى بهَا أجفان السيوف منقوشة بِالذَّهَب وَغَيره. وأهوى بالشَّيْء: إِذا أَوْمَأ إِلَيْهِ وأهوى إِلَى الشَّيْء بِيَدِهِ: مدها ليأخذه إِذا كَانَ عَن قرب فَإِن كَانَ عَن بعد قيل: هوى إِلَيْهِ بِلَا ألفٍ. والخاظي بمعجمتين: المكتنز والمتداخل. والبضيع: اللَّحْم. والأير: آلَة الرجل وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى عرده كالخشبة والعرد بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الشَّيْء الصلب وَأَرَادَ بِهِ الأير. والود: الوتد. والأرنبة: طرف الْأنف. وَأَن مفسرة وروى الزَّمَخْشَرِيّ: وصرخت مِنْهُ وَقَالَت يَا أبه وَقَوله: كل فتاة. . هُوَ من إرْسَال الْمثل وَلَيْسَ من كَلَامهَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ مثل يضْرب

ص: 238

والْأَغْلَب الْعجلِيّ قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ الْأَغْلَب

ابْن عَمْرو بن عُبَيْدَة)

(الْحلم بعد الْجَهْل قد يثوب

وَفِي الزَّمَان عجبٌ عَجِيب)

(وعبرةٌ لَو ينفع التجريب

واللب لَا يشقى بِهِ اللبيب)

(والمرء محصىً سَعْيه مرقوب

يهرم أَو تعتاقه شعوب)

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ الْأَغْلَب جاهلياً إسلامياً وَقتل بنهاوند. وَهُوَ أول من أَطَالَ الرجز وَكَانَ الرجل قبله يَقُول الْبَيْت والبيتين إِذا فاخر أَو شاتم. وَقد ذكره العجاج بقوله: إِنِّي أَنا الْأَغْلَب أضحى قد نشر. .

وعده ابْن الْأَثِير فِي أَسد الغابة من الصَّحَابَة.

قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أدْرك الْإِسْلَام فَأسلم وَهَاجَر ثمَّ كَانَ مِمَّن سَار إِلَى الْعرَاق مَعَ سعد فَنزل الْكُوفَة وَاسْتشْهدَ فِي وقْعَة نهاوند. وَقد استدركه ابْن الْأَثِير. قلت: لَيْسَ فِي قَوْله: وَهَاجَر مَا يدل على أَنه هَاجر إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ: فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ: هَاجر إِلَى الْمَدِينَة بعد مَوته صلى الله عليه وسلم َ. وَلِهَذَا لم يذكرهُ أحد من الصَّحَابَة.

ص: 239

وَقد قَالَ المرزباني فِي مُعْجَمه: هُوَ مخضرم.

وَلم يذكر ابْن قُتَيْبَة هجرته كَمَا نقلنا وَلَعَلَّه نَقله من كتاب آخر. وَالله أعلم.

وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح نَوَادِر القالي: الْأَغْلَب الْعجلِيّ آخر من عمر فِي الْجَاهِلِيَّة عمرا طَويلا وَأدْركَ الْإِسْلَام فَحسن إِسْلَامه وَهَاجَر وَاسْتشْهدَ فِي وقْعَة نهاوند.

قَالَ الْآمِدِيّ: من يُقَال لَهُ الْأَغْلَب من الشُّعَرَاء ثَلَاثَة: أحدهم هَذَا.

وَالثَّانِي: الْأَغْلَب الْكَلْبِيّ وَلم أجد لَهُ فِي أشعار كلب شعرًا وأظن شعره درس فَلم يدْرك وَالثَّالِث: الْأَغْلَب بن نباتة الْأَزْدِيّ ثمَّ الدوسي أنْشد لَهُ بنْدَار شعرًا فِي مَعَاني الشّعْر وَلم أر لَهُ ذكرا فِي أشعار الأزد وَأَظنهُ إسلامياً مُتَأَخِّرًا.

وَأنْشد بعده وهوالشاهد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم على أَن فَاعل الْمصدر وَإِن كَانَ مجروراً بِإِضَافَة الْمصدر إِلَيْهِ مَحَله الرّفْع فالمعقب فَاعل وَهَذَا عجز وصدره: حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجها

ص: 240

وَهُوَ من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ. وصف بِهِ مَعَ أَبْيَات حمارا وأتانه شبه بِهِ نَاقَته.

وَقَبله:

(لَوْلَا تسليك اللبانة حرةٌ

حرجٌ كأحناء الغبيط عقيم)

لَوْلَا هُنَا تخصصية. والتسلية: إِزَالَة الْهم وَضَمنَهُ معنى النسْيَان. واللبانة: الْحَاجة. والْحَرج بِفَتْح الْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالثَّالِث جِيم: النَّاقة الضامرة. والغبيط بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: الرحل وَهُوَ للنِّسَاء يشد عَلَيْهِ الهودج. وأحناؤه: عيدانه فِي الصِّحَاح: الحنو بِالْكَسْرِ: وَاحِد أحناء السرج والقتب. وحنو كل شَيْء أَيْضا: اعوجاجه. والْعَقِيم: الَّتِي لَا تَلد يُرِيد: أَنَّهَا قَوِيَّة صلبة لم يصبهَا مَا يوهنها من فقد أَوْلَادهَا وَغير ذَلِك.

(حرفٌ أضرّ بهَا السفار كَأَنَّهَا

بعد الكلال مسدمٌ محجوم)

الْحَرْف: النَّاقة الشَّدِيدَة. وأضرّ بالضاد الْمُعْجَمَة بِمَعْنى لصق ودنا دنواً شَدِيدا يُقَال أضرّ بفلان كَذَا: أَي: لصق بِهِ ودنا مِنْهُ. والسفار: فَاعل أضرّ وَهُوَ مصدر سَافر يُسَافر مسافرة وسفاراً. والكلال: مصدر كل من الْمَشْي: إِذا أعيا. والمسدم: اسْم مفعول يُقَال: فَحل مسدم. إِذا جعل على فَمه الكعام بِالْكَسْرِ وَهُوَ شَيْء يَجْعَل فِي فَم الْبَعِير يُقَال: كعمت الْبَعِير: إِذا شددت بِهِ فَمه فِي هياجه فَهُوَ مكعوم. والسدم بِكَسْر الدَّال: الْفَحْل الهائج المشتهي الضراب. والمحجوم: من حجمت الْبَعِير أحجمه: إِذا جعلت على فَمه حجاماً وَذَلِكَ إِذا هاج للضراب والحجام بِتَقْدِيم الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة على الْجِيم: شَيْء يَجْعَل فِي مقدم أنف الْبَعِير كي لَا يعَض عِنْد هيجانه.

(أَو مسحلٌ شنجٌ عضادة سمحجٍ

بسراته ندبٌ لَهَا وكلوم)

المسحل بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الْحمار الوحشي

ص: 241

وصف نَاقَته بأبلغ مَا يُمكن من النشاط وَالْقُوَّة على السّير وَذَلِكَ أَنه شبهها بعد أَن كلت وأعيت بالفحل الهائج أَو)

بالحمار الوحشي وهما مَا هما فِي الْقُوَّة وَالْجَلد فَمَا ظَنك بِهَذِهِ النَّاقة قبل الإعياء وشنج بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون من الشنج وَهُوَ فِي الأَصْل التقبض وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الملازم. والعضادة بِالْكَسْرِ: الْجنب. والسمحج بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْمِيم وَآخره جِيم قبلهَا مُهْملَة: الأتان الطَّوِيلَة على الأَرْض. والسراة بِفَتْح الْمُهْملَة: الظّهْر. والنّدب بِفَتْح النُّون وَالدَّال أثر الْجرْح. والكلوم: الْجِرَاحَات جمع كلم بِالْفَتْح وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: أوردهُ على عضادة مَنْصُوب بشنج نصب الْمَفْعُول بِهِ يَقُول: إِنَّه ملازم لأتانه ولشدته وصلابته قد لازمها وَقبض النَّاحِيَة الَّتِي بَينهَا وَبَينه وَلم يحجزه عَن ذَلِك رمحها وعضها اللَّذَان بظهره مِنْهَا ندب وكلوم.

ثمَّ أَخذ يصفه مَعَ أتانه: بِأَنَّهُمَا كَانَا فِي خصب زَمَانا حَتَّى إِذا هاج النَّبَات ونضب المَاء أسْرع مَعهَا إِلَى كل نجدٍ يُريدَان أطيب الْكلأ وأهنأ المرعى إِلَى أَن قَالَ:

(يُوفي ويرتقب النجاد كَأَنَّهُ

ذُو إربةٍ كل المرام يروم)

(حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجها

طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم)

(قرباً يشج بهَا الحزون عَشِيَّة

ربذٌ كمقلاء الْوَلِيد شتيم)

يُوفي: يشرف وفاعله ضمير مسحل. والنجاد: جمع نجد وَهُوَ الْمُرْتَفع من الأَرْض أَي: يشرف على الْأَمَاكِن المرتفعة كالرقيب وَهُوَ الرجل الَّذِي

ص: 242

يكون ربيئة الْقَوْم يرْتَفع على مَكَان عالٍ متجسساً. والإربة بِالْكَسْرِ: الْحَاجة. وكل مفعول مقدم ليروم. والتهجر: السّير فِي الهاجرة وَهِي نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر. وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَى. والرواح: اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل وَهُوَ نقيض الغدو لَا الصَّباح خلافًا للجوهري. وهاجها: أزعجها. وطلب: مصدر تشبيهي أَي: هاج هَذَا المسحل أنثاه لطلب المَاء طلبا حثيثاً كَطَلَب المعقب وَهُوَ اسْم فَاعل من التعقيب وَهُوَ الَّذِي يطْلب حَقه مرّة وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا معقب لحكمه على أَن المعقب: الْمُقْتَضِي الَّذِي يطْلب الدَّين من الْغَرِيم يُقَال: عقب فِي الْأَمر: إِذا تردد فِي طلبه مجداً. والْقرب محركة: سير اللَّيْل لورد الْغَد وَهُوَ مَنْصُوب بيشج: أَي: يقطع يُقَال: شججت الْمَفَازَة: إِذا قطعتها وَالْبَاء بِمَعْنى مَعَ. والحزون: جمع حزن بِالْفَتْح وَهُوَ مَا غلظ من الأَرْض. وربذ: أَي: هُوَ ربذ بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْمُوَحدَة وبالذال الْمُعْجَمَة وَهُوَ السَّرِيع الْخَفِيف القوائم فِي)

الْمَشْي. والمقلاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ كمفعال والْقلَّة بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف: هما عودان يلْعَب بهما الصّبيان وَالْأول يضْرب بِهِ وَالثَّانِي ينصب ليضْرب يُقَال: قلوت الْقلَّة بالمقلاء أقلو

قلواً. أَي: أَنه يَسُوقهَا كَمَا أَن المقلاء يَسُوق الْقلَّة. والشتيم: الكريه الْوَجْه يشْتم لعنفه وغلظته وَهُوَ صفة ربذ.

وَقَوله: طلب المعقب حَقه يجوز أَن يكون حَقه مفعول الْمصدر

ص: 243

وَهُوَ الطّلب وَيكون مفعول المعقب محذوفاً وَأَن يكون مفعول المعقب لِأَنَّهُ بِمَعْنى الطَّالِب والمقتضي وَيكون مفعول الْمصدر محذوفاً: على التَّنَازُع. وَإِلَى هَذَا جنح الْفَارِسِي وَقَالَ: فَلَو قدم الْمَظْلُوم على حَقه لم يجز لِأَنَّك لَا تصف الْمَوْصُول وَهُوَ أل هُنَا حَتَّى يتم بصلته وصلته لم تتمّ بعد لِأَن حَقه من صلَة المعقب وَمن تَمَامه.

وتوجيه هَذَا الشَّاهِد على مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ الْمَشْهُور والمتداول بَين النَّاس وَهُوَ ليعقوب بن السّكيت. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: أنْشدهُ الْفراء وَهِشَام. وهاجه بتذكير الضَّمِير على أَنه عَائِد على الْحمار وَقَالَ: الطّلب عِنْدهمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة مَرْفُوع. وَفِي الْبَيْت تخاريج أخر. ثَانِيهمَا لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: الْمَظْلُوم جَار على الضَّمِير الَّذِي فِي المعقب: يُرِيد أَنه بدل كل من الضَّمِير لتساويهما فِي الْمَعْنى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ بدل اشْتِمَال من الضَّمِير. وَفِيه أَن بدل الاشتمال لابد لَهُ من ضمير. ثالثهما لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل البصرية والقصرية: وَهُوَ أَن يكون الْمَظْلُوم فَاعل الْمصدر وَيكون الْمصدر مُضَافا لمفعوله والمعقب حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ الماطل يُقَال عقبني حَقي أَي: مطلني.

وعَلى هَذَا فحقه مفعول المعقب لَا غير وَحِينَئِذٍ لَا يجوز تَقْدِيم الْمَظْلُوم عَلَيْهِ لما تقدم. وَكَأَنَّهُ قَالَ: طلب الْمَظْلُوم الماطل حَقه فَتكون الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْمَظْلُوم على نَحْو: ضرب غُلَامه زيدٌ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بالمفعول أَي: طلب الْمَدِين الماطل حَقه أَي: حق الْمَدِين فَإِن الْحق لَهُ لَا للمستدين.

وَقد يجوز أَن تكون رَاجِعَة للمستدين يُرِيد حَقه أَي: الَّذِي يجب عَلَيْهِ الْخُرُوج مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: وليلبسوا عَلَيْهِم

ص: 244

دينهم فأضاف الدَّين إِلَيْهِم لما كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِم الْأَخْذ بِهِ وَإِن لم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: زينا لكل أمةٍ عَمَلهم أَي: الْعَمَل الَّذِي أمروا بِهِ وندبوا إِلَيْهِ وَشرع لَهُم. .

قَالَ: وعَلى هَذَا يحْتَمل أَن تكون رَاجِعَة إِلَى المعقب بأسره

وَأَن تكون رَاجِعَة إِلَى أل على قَول)

أبي بكر وَأَن تكون رَاجِعَة إِلَى الَّذِي دلّت عَلَيْهِ أل على قَول أبي عُثْمَان. . وَنسب أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته قَول الْفَارِسِي إِلَى جمَاعَة من قدماء اللغويين وَقَالَ: تلخيصه: وهاج الْحمار الأتان هيجاناً مثل طلب المعقب حَقه. وَقَالُوا: مَوضِع المعقب نصبٌ بِالطَّلَبِ وناصب الْحق المعقب وفاعل الطّلب الْمَظْلُوم. وَتَفْسِير يعقب حَقه يَطْلُبهُ مرّة بعد أُخْرَى.

وَلَا يخفى أَن هَذَا تَخْلِيط بَين الْقَوْلَيْنِ. رَابِعهَا لِابْنِ جني فِي الْمُحْتَسب: أَن الْمَظْلُوم فَاعل حَقه. قَالَ فِي سُورَة النَّحْل فِي تَوْجِيه قِرَاءَة ابْن سِيرِين: وَإِن عقبتم فعقبوا. أَي: إِن تتبعتم فتتبعوا بِقدر الْحق الَّذِي لكم وَلَا تَزِيدُوا عَلَيْهِ قَالَ لبيد:

(حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجه

طلب المعقب

...

. . الخ)

أَي: هاجه طلبا مثل طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم أَي: عازه وَمنعه الْمَظْلُوم فحقه على هَذَا فعل حَقه يحقه أَي: لواه حَقه. وَيجوز طلب المعقب حَقه فتنصب حَقه بِنَفس الطّلب مَعَ نصب طلب كَمَا تنصبه مَعَ رَفعه والمظلوم صفة المعقب على مَعْنَاهُ دون لَفظه أَي: أَن طلب

ص: 245

هَذَا كَلَامه. وَعَلِيهِ فَينْظر: مَا فَاعل حَقه مَعَ نصب طلب وَأما مَعَ رَفعه فَهُوَ فَاعل هاجه.

وَينظر أَيْضا: مَا مَوضِع جملَة حَقه الْمَظْلُوم من الْإِعْرَاب. على أَن حَقه بِمَعْنى لواه حَقه لم أَجِدهُ فِي كتب اللُّغَة.

وَقَوله: كَمَا تنصبه أَي: تنصب الْحق. وَقَوله: مَعَ رَفعه أَي: مَعَ رفع الطّلب. وَقَوله: فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا أَي: فِي نصب الطّلب وَرَفعه وَبِالْجُمْلَةِ كَلَامه هُنَا خلاف كَلَام النَّاس وَفِيه تعقيد لَا يظْهر مَعَه المُرَاد. فَلْيتَأَمَّل.

وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لأبي عَليّ. قَوْله: وهاجه أَي: أثاره يَعْنِي العير وَالْفَاعِل التهجر أَو الطّلب وَالتَّقْدِير: هاجه مثل طلب المعقب فَحذف الْمُضَاف ويروى: هاجها أَي: هاج العير الأتان وطلب مَنْصُوب على الْمصدر بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى أَي: طلب المَاء كَطَلَب المعقب وَإِن شِئْت

جعلته مَفْعُولا من أَجله أَي: هاجها للطلب وحَقه مفعول بِالْمَصْدَرِ والمعقب فَاعل أضيف إِلَيْهِ الْمصدر وَهُوَ الَّذِي يتبع عقب الْإِنْسَان فِي طلب حق أَو نَحوه والمظلوم نعت للمعقب على الْموضع. وَقَالَ يَعْقُوب: المعقب: الماطل عقبني حَقي أَي: مطلني. فعلى هَذَا يكون المعقب مَفْعُولا والمظلوم فَاعِلا. وَقيل: الْمَظْلُوم بدل من الضَّمِير فِي)

الصَّحَابِيّ رضي الله عنه. قدم على النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ سنة وَفد قومه بَنو جَعْفَر بن كلاب فَأسلم وَحسن إِسْلَامه. وَكَانَ لبيد وعلقمة بن علاثة العامريان من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَهُوَ مَعْدُود فِي فحول الشُّعَرَاء المجودين كَذَا فِي بَاب الِاسْتِيعَاب.

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كنيته أَبُو عقيل. وَكَانَ من شعراء

ص: 246

الْجَاهِلِيَّة وفرسانهم.

وَكَانَ الْحَارِث بن أبي شمر الغساني وَهُوَ الْأَعْرَج وَجه إِلَى الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء مائَة فارسٍ وَأمره عَلَيْهِم فَسَارُوا إِلَى معسكر الْمُنْذر وأظهروا أَنهم أَتَوْهُ داخلين عَلَيْهِ فِي طَاعَته فَلَمَّا تمكنوا مِنْهُ قَتَلُوهُ وركبوا خيلهم فَقتل أَكْثَرهم وَنَجَا لبيد فَأتى ملك غَسَّان فَأخْبرهُ فَحمل الغسانيون على عَسْكَر الْمُنْذر فهزموهم فَهُوَ يَوْم حليمة.

وحليمة: بنت ملك غَسَّان وَكَانَت طيبت هَؤُلَاءِ الفتيان وألبستهم الأكفان.

وَلما أسلم مَعَ قومه رَجَعَ قومه إِلَى بِلَادهمْ وَقدم هُوَ الْكُوفَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ فَدفن فِي صحراء بني جَعْفَر بن كلاب. وَيُقَال: إِن وَفَاته كَانَت فِي أول مُدَّة مُعَاوِيَة رضي الله عنه وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَسبع وَخمسين سنة. انْتهى.

وَقَالَ فِي الِاسْتِيعَاب: قد قيل: إِنَّه مَاتَ بِالْكُوفَةِ أَيَّام الْوَلِيد بن عقبَة فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أصح. فَبعث الْوَلِيد إِلَى منزله عشْرين جزوراً فنحرت عَنهُ.

ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلم يقل شعرًا فِي الْإِسْلَام إِلَّا بَيْتا وَاحِدًا قَالَ أَبُو الْيَقظَان وَهُوَ قَوْله: وَقَالَ غَيره: بل هُوَ قَوْله: (الْكَامِل)

(مَا عَاتب الْمَرْء الْكَرِيم كنفسه

والمرء يصلحه الجليس الصَّالح)

وَكتب عمر بن الْخطاب إِلَى عَامله الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْكُوفَةِ: أَن استنشد من عنْدك من شعراء مصرك مَا قَالُوهُ فِي الْإِسْلَام. فَأرْسل إِلَى الْأَغْلَب الْعجلِيّ أَن أَنْشدني فَقَالَ:

(لقد طلبت هيناً مَوْجُودا

أرجزاً تُرِيدُ أم قصيدا)

ص: 247

ثمَّ أرسل إِلَى لبيد: أَن أَنْشدني فَقَالَ: إِن شِئْت مَا عُفيَ عَنهُ يَعْنِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ: لَا مَا قلت فِي الْإِسْلَام. فَانْطَلق إِلَى بَيته فَكتب سُورَة الْبَقَرَة فِي صحيفَة ثمَّ أَتَى بهَا فَقَالَ: أبدلني الله هَذِه فِي الْإِسْلَام مَكَان الشّعْر. فَكتب بذلك الْمُغيرَة إِلَى عمر فنقص من عَطاء الْأَغْلَب خَمْسمِائَة وزادها فِي عَطاء لبيد فَكَانَ عطاؤه أَلفَيْنِ

وَخَمْسمِائة. فَكتب الْأَغْلَب إِلَى عمر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تنقص عطائي أَن أطعتك فَرد عَلَيْهِ خَمْسمِائَة وَأقر لبيداً على الْأَلفَيْنِ والخمسمائة فَلَمَّا كَانَ زمن)

مُعَاوِيَة رضي الله عنه وَأَرَادَ أَن يَجْعَل عطايا النَّاس أَلفَيْنِ قَالَ لَهُ: هَذَانِ الفودان فَمَا هَذِه العلاوة فَقَالَ لَهُ لبيد: أَمُوت وَيبقى لَك الفودان والعلاوة وَإِنَّمَا أَنا هَامة الْيَوْم أَو غَد فرق لَهُ وَترك عطاءه على حَاله. فَمَاتَ بعد ذَلِك بِيَسِير وَلم يقبضهَا.

وَفِي الِاسْتِيعَاب: ذكر الْمبرد وَغَيره: أَن لبيداً كَانَ شريفاً فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَكَانَ نذر أَن لَا تهب الصِّبَا إِلَّا نحر وَأطْعم وَأَن الصِّبَا هبت يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ مقتر مملق فَعلم بذلك الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط وَكَانَ أَمِيرا عليهالعثمان فَخَطب النَّاس فَقَالَ: إِنَّكُم قد عَرَفْتُمْ نذر أبي عقيل وَمَا وكد على نَفسه فأعينوا أَخَاكُم. ثمَّ نزل فَبعث إِلَيْهِ بِمِائَة نَاقَة وَبعث النَّاس إِلَيْهِ فَقضى نَذره وَفِي خبر غير الْمبرد. فاجتمعت عِنْده ألف رَاحِلَة وَكتب إِلَيْهِ الْوَلِيد:

(أرى الجزار يشحذ شفرتيه

إِذا هبت ريَاح أبي عقيل)

(أغر الْوَجْه أَبيض عامريٌ

طَوِيل الباع كالسيف الصيقل)

ص: 248

.

(وَفِي ابْن الْجَعْفَرِي بحلفتيه

على العلات وَالْمَال الْقَلِيل)

(بنحر الكوم إِذْ سحبت عَلَيْهِ

ذيول صبا تجاوب الْأَصِيل)

فَقَالَ لبيد لابنته: أجيبيه فقد رَأَيْتنِي وَمَا أعيا بِجَوَاب شَاعِر فأنشأت تَقول:

(إِذا هبت ريَاح أبي عقيلٍ

دَعونَا عِنْد هبتها الوليدا)

(أَشمّ الْأنف أصيد عبشمياً

أعَان على مروءته لبيدا)

(بأمثال الهضاب كَأَن ركباً

عَلَيْهَا من بني حامٍ قعُودا)

(أَبَا وهبٍ جَزَاك الله خيرا

نحرناها وأطعمنا الثريدا)

(فعد إِن الْكَرِيم لَهُ معادٌ

وظني بِابْن أروى أَن يعودا)

فَقَالَ لَهَا لبيد: قد أَحْسَنت لَوْلَا أَنَّك استزدته فَقَالَت: وَالله مَا استزدته إِلَّا لِأَنَّهُ ملك وَلَو كَانَ سوقة لم أفعل.

وَقَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: رحم الله لبيداً حَيْثُ يَقُول:

(ذهب الَّذين يعاش فِي أَكْنَافهم

وَبقيت فِي خلفٍ كَجلْد الأجرب)

(لَا ينفعون وَلَا يُرْجَى خَيرهمْ

ويعاب قَائِلهمْ وَإِن لم يشغب)

قَالَت: فَكيف لَو أدْرك زَمَاننَا انْتهى. . وَالْخلف بِسُكُون اللَّام:

ص: 249

النَّسْل الطالح وبفتح اللَّام: النَّسْل الصَّالح. والشغب: تهييج الشَّرّ والفتنة.)

ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وملاعب الأسنة عَم لبيد. وَهُوَ عَامر بن مَالك. وَسمي ملاعب الأسنة بقول أَوْس بن حجر:

(ولاعب أَطْرَاف الأسنة عامرٌ

فراح لَهُ حَظّ الكتيبة أجمع)

وَكَانَ ملاعب الأسنة أَخذ أَرْبَعِينَ مرباعاً فِي الْجَاهِلِيَّة. وأَرْبَد بن قيس الَّذِي أَتَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ غادراً مَعَ عَامر بن الطُّفَيْل هُوَ أَخُو لبيد لأمه فَدَعَا الله عَلَيْهِمَا فَمَاتَ عَامر بالطاعون وَنزلت صَاعِقَة على أَرْبَد فَأَحْرَقتهُ.

وَيُقَال: فِيهِ نزلت: وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب

بهَا من يَشَاء. ورثاه لبيد بأشعار كَثِيرَة. انْتهى.

وروى أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ: أرسل إِلَيّ عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ شاكٍ فَدخلت عَلَيْهِ فَقلت: كَيفَ أَصبَحت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: أَصبَحت كَمَا قَالَ ابْن قميئة الشَّاعِر:

(كَأَنِّي وَقد جَاوَزت تسعين حجَّة

خلعت بهَا عني عذار لجامي)

(رمتني بَنَات الدَّهْر من حَيْثُ لَا أرى

فَكيف بِمن يرْمى وَلَيْسَ برام)

(فَلَو أَنَّهَا نبلٌ إِذا لاتقيتها

ولكنني أرمى بِغَيْر سِهَام)

(إِذا مَا رَآنِي النَّاس قَالُوا: ألم تكن

جليداً شَدِيد الْبَطْش غير كهام)

(فنيت وَلم يفن من الدَّهْر لَيْلَة

وَلم يغن مَا أفنيت سلك نظام)

ص: 250

(على الراحتين مرّة وعَلى الْعَصَا

أنوء ثَلَاثًا بعدهن قيامي)

فَقلت: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنَّك كَمَا قَالَ لبيد بن ربيعَة:

(نَفسِي تشكى إِلَيّ الْمَوْت مجهشةً

وَقد حَملتك سبعا بعد سبعينا)

(فَإِن تزادي ثَلَاثًا تحدثي أملاً

وَفِي الثَّلَاث وفاءٌ للثمانينا)

فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ تسعين حجَّة فَقَالَ:

(كَأَنِّي وَقد جَاوَزت تسعين حجَّة

خلعت بهَا عَن مَنْكِبي ردائيا)

(أَلَيْسَ فِي مائَة قد عاشها رجلٌ

وَفِي تَكَامل عشرٍ بعْدهَا عمر)

فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ عشْرين سنة وَمِائَة فَقَالَ فِي ذَلِك:

(وغنيت سبتاً بعد مجْرى داحسٍ

لَو كَانَ للنَّفس اللجوج خُلُود)

فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ أَرْبَعِينَ وَمِائَة سنة فَقَالَ فِي ذَلِك:)

(وَلَقَد سئمت من الْحَيَاة وطولها

وسؤال هَذَا النَّاس: كَيفَ لبيد)

فَقَالَ عبد الْملك: وَالله مَا بِي بَأْس اقعد حَدثنِي مَا بَيْنك وَبَين اللَّيْل. فَقَعَدت فَحَدَّثته حَتَّى أمسيت ثمَّ فارقته فَمَاتَ فِي ليلته.

ص: 251

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(فَإِن لم تَجِد من دون عدنان والداً

وَدون معد فلتزعك العواذل)

على أَن دون بِالنّصب مَعْطُوف على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور أَعنِي من دون. وَكَذَلِكَ أوردهُ سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِن لم تَجِد دون عدنان والداً وَدون معد.

قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: شَرط الْعَطف على الْمحل إِمْكَان ظُهُور ذَلِك الْمحل فِي الفصيح نَحْو: لَيْسَ زيد بقائم وَلَا قَاعِدا فَإِنَّهُ يجوز أَن تسْقط الْبَاء وتنصب وَلَا يخْتَص مُرَاعَاة الْموضع بِأَن يكون الْعَامِل فِي اللَّفْظ زَائِدا كَمَا فِي مثل بِدَلِيل: فَإِن لم تَجِد من دون عدنان والداً

...

... . . الْبَيْت وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة أَزِيد من خمسين بَيْتا للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ رَضِي الله

عَنهُ رثى بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة. . وأولها:

(أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول

أنحبٌ فَيقْضى أم ضلالٌ وباطل)

(حبائله مبثوثةٌ فِي سَبيله

ويفنى إِذا مَا أخطأته الحبائل)

(إِذا الْمَرْء أسرى لَيْلَة خَال أَنه

قضى عملا والمرء مَا عَاشَ عَامل)

(فقولا لَهُ إِن كَانَ يقسم أمره:

ألما يعظك الدَّهْر أمك هابل)

(فتعلم أَن لَا أَنْت مدرك مَا مضى

وَلَا أَنْت مِمَّا تحذر النَّفس وَائِل)

(فَإِن أَنْت لم تصدقك نَفسك فانتسب

لَعَلَّك تهديك الْقُرُون الْأَوَائِل)

ص: 252

(فَإِن لم تَجِد من دون عدنان بَاقِيا

وَدون معدٍ فلتزعك العواذل)

(أرى النَّاس لَا يَدْرُونَ مَا قدر أَمرهم

بلَى كل ذِي رَأْي إِلَى الله واسل)

(وكل أناسٍ سَوف تدخل بَينهم

دويهيةٌ تصفر مِنْهُ الأنامل)

(وكل امرئٍ يَوْمًا سَيعْلَمُ سَعْيه

إِذا كشفت عِنْد الْإِلَه الحصائل))

قَوْله: أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء. . الْبَيْت يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَاذَا.

وَقَوله: حبائله مبثوثة. . الْبَيْت الحبائل: جمع حبالة وَهِي الشّرك وَالضَّمِير للْمَوْت وَأَرَادَ بحبائله: الْأَحْدَاث الَّتِي هِيَ سَبَب الْمَوْت ومبثوثةٌ: منصوبةٌ على طرقه. والْهَاء فِي سَبيله عَائِدَة على الْمَرْء. ويفنى: يهرم.

وسرى وَأسرى بِمَعْنى. يَقُول: إِذا سهر الْمَرْء لَيْلَة فِي عمل ظن أَنه قد فرغ مِنْهُ وَهُوَ مَا عَاشَ يعرض لَهُ مثل ذَلِك وَهُوَ أبدا مَا دَامَ حَيا لَا يَنْقَطِع عمله وَلَا حَوَائِجه. وَقَوله: فقولا لَهُ إِن كَانَ. . الخ أقسم بِمَعْنى قدر يَعْنِي قولا لَهُ إِن كَانَ يدبر أمره وَينظر فِيهِ: ألم يعظك من مضى قبلك فِي سالف الدَّهْر هَل رَأَيْته بَقِي عَلَيْهِ أحد ثمَّ دَعَا عَلَيْهِ فَقَالَ: أمك هابل يُقَال: هبلته أمه أَي: ثكلته.

وَقَوله: فتعلم بِالنّصب جَوَاب ألما. وَأَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. ووَائِل: من وألت النَّفس بِمَعْنى نجت والموئل: المنجى.

وَقَوله: فَإِن أَنْت لم تصدقك. . الخ يَقُول: إِن لم تصدقك نَفسك عَن هَذِه الْأَخْبَار بل كذبتك فانتسب: أَي: قل أَيْن فلَان ابْن فلَان فَإنَّك

ص: 253

لَا ترى أحدا بقى لَعَلَّك تهديك هَذِه الْقُرُون وترشدك. وَرُوِيَ: فَإِن أَنْت لم ينفعك علمك فانتسب.

قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: أَنْت مُرْتَفع بِفعل فِي معنى هَذَا الظَّاهِر أَي: فَإِن لم تَنْفَع. وَلَو حمل أَنْت على هَذَا الْفِعْل الظَّاهِر الَّذِي هُوَ ينفعك لوَجَبَ أَن يكون مَوضِع أَنْت إياك لِأَن الْكَاف الَّذِي سَببه مفعولة مَنْصُوبَة. وَهَذَا أولى من تَقْدِير ابْن قَاسم فِي شرح الألفية: أَن أَصله فَإِن ضللت لم ينفعك. وَزَاد الْفَارِسِي على الْوَجْه الثَّانِي: أَن فِيهِ إنابة الضَّمِير الْمَرْفُوع عَن الْمَنْصُوب. والْقُرُون: جمع قرن وَهُوَ أهل زمَان وَاحِد.

وَقَوله: فَإِن لم تَجِد تزعك: تكفك قَالَ أَبُو الْحسن الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد: وزعه يزعه بِالْفَتْح ويزعه بِالْكَسْرِ وزعاً ووزوعاً: إِذا كَفه. وعدنان جده الْأَعْلَى لِأَن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. يَقُول: لم يبْق لَك أبٌ حَيّ إِلَى عدنان فَكف عَن الطمع فِي الْحَيَاة. . وَمعنى الْبَيْتَيْنِ: أَن غَايَة الْإِنْسَان الْمَوْت فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يتعظ: بِأَن ينْسب نَفسه إِلَى عدنان فَإِن لم يجد من بَينه وَبَينه من الْآبَاء بَاقِيا فَليعلم أَنه يصير إِلَى مصيرهم فَيَنْبَغِي لَهُ أَن ينْزع عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ. والعواذل هُنَا حوادث الدَّهْر وزواجره وَإسْنَاد العذل إِلَيْهَا مجَاز. وَقَالَ الطوسي: العواذل:)

النِّسَاء.

وَقَوله: أرى النَّاس. . الخ الواسل: الطَّالِب الَّذِي يطْلب من قَوْلك. أَنْت وسيلتي إِلَى فلَان.

وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف على أَن الْوَسِيلَة فِي قَوْله تَعَالَى: وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة مَا يتوسل بِهِ إِلَى الله تَعَالَى من فعل الْخيرَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي. والواسل: هُوَ الرَّاغِب إِلَى الله بِمَعْنى ذُو

ص: 254

وَسِيلَة أَو هُوَ كتامرٍ ولابنٍ. وَرُوِيَ: اللب وَهُوَ الْعقل بدل الرَّأْي. وَالْمعْنَى: أرى النَّاس لَا يعْرفُونَ مَا هم فِيهِ من خطر الدُّنْيَا وَسُرْعَة زَوَالهَا فالعاقل اللبيب من يتوسل إِلَى الله تَعَالَى بِالطَّاعَةِ وَالْعَمَل الصَّالح.

وَقَوله: أَلا كل شَيْء وَقد وَقع فِي بعض الرِّوَايَات هَذَا الْبَيْت أول القصيدة فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ قَالَ: أصدق كلمة قَالَهَا شَاعِر كلمة لبيد: أَلا كل شيءٍ مَا خلا الله بَاطِل وَفِي رِوَايَة لَهما: أشعر كلمة تَكَلَّمت بهَا الْعَرَب كلمة لبيد. وَقد رُوِيَ أَيْضا بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة مِنْهَا: إِن أصدق كلمة وَمِنْهَا: إِن أصدق بَيت قَالَهَا الشَّاعِر وَمِنْهَا: أصدق بَيت قالته الشُّعَرَاء وَكلهَا فِي الصَّحِيح وَمِنْهَا. أشعر كلمة قالتها الْعَرَب.

قَالَ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل: وَكلهَا من وصف الْمعَانِي بِمَا يُوصف بِهِ الْأَعْيَان كَقَوْلِهِم: وروى ابْن إِسْحَاق فِي مغازيه: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون رضي الله عنه مر بِمَجْلِس من قُرَيْش فِي صدر الْإِسْلَام ولبيد بن ربيعَة رضي الله عنه ينشدهم: أَلا كل شيءٍ مَا خلا الله بَاطِل فَقَالَ عُثْمَان رضي الله عنه: صدقت. فَقَالَ لبيد:

وكل نعيمٍ لَا محَالة زائل فَقَالَ عُثْمَان: كذبت نعيم الْجنَّة لَا يَزُول أبدا فَقَالَ لبيد: يَا معشر قُرَيْش وَالله مَا كَانَ يُؤْذى جليسكم فَمَتَى حدث هَذَا فِيكُم فَقَالَ رجل:

ص: 255

إِن هَذَا سَيْفه من سفهائنا قد فَارق ديننَا فَلَا تجدن فِي نَفسك من قَوْله. فَرد عَلَيْهِ عُثْمَان فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِك الرجل فلطم عينه فخضرها فَقَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة لعُثْمَان: إِن كَانَت عَيْنك لغنيةً عَمَّا أَصَابَهَا لم رددت جواري فَقَالَ عُثْمَان: بل وَالله إِن عَيْني الصَّحِيحَة لفقيرةٌ لمثل مَا أصَاب أُخْتهَا فِي الله لَا حَاجَة لي فِي جوارك)

وروى أَحْمد بن حَنْبَل فِي زَوَائِد الزّهْد: أَن لبيداً قدم على أبي بكر الصّديق رضي الله عنه فَقَالَ: أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل فَقَالَ: صدقت. قَالَ: فَقَالَ: كذبت عِنْد الله نعيمٌ لَا يَزُول فَلَمَّا ولى قَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه رُبمَا قَالَ الشَّاعِر الْكَلِمَة من الْحِكْمَة وَأخرج السلَفِي فِي المشيخة البغدادية من طَرِيق هَاشم عَن يعلى عَن ابْن جَراد قَالَ: أنْشد لبيدٌ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ قَوْله: أَلا كل شيءٍ مَا خلا الله بَاطِل فَقَالَ لَهُ: صدقت فَقَالَ:

ص: 256

وكل نعيمٍ لَا محَالة زائل فَقَالَ لَهُ: كذبت نعيم الْآخِرَة لَا يَزُول وَأجَاب الْعَيْنِيّ عَن ذَلِك من وَجْهَيْن:

الأول: أَن لبيداً إِنَّمَا قَالَ ذَلِك قبل أَن يسلم فَيمكن أَن يكون فِي اعْتِقَاده فِي ذَلِك الْوَقْت أَن الْجنَّة لَا وجود لَهَا أَو كَانَ يعْتَقد وجودهَا وَلَكِن لَا يعْتَقد دوامها كَمَا ذهبت إِلَيْهِ طَائِفَة من أهل الْأَهْوَاء والضلال.

وَالثَّانِي: أَنه يُمكن أَن يكون أَرَادَ بِهِ مَا سوى الْجنَّة من نعيم الدُّنْيَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي صدد ذمّ الدُّنْيَا وَبَيَان سرعَة زَوَالهَا. وَأما تَكْذِيب عُثْمَان إِيَّاه فلكونه حمل الْكَلَام على الْعُمُوم. انْتهى.

وَقَالَ ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ فِي بَاب الشّعْر: التَّعْبِير بِوَصْف كل شَيْء بِالْبُطْلَانِ تندرج فِيهِ الْعِبَادَات والطاعات وَهِي حقٌ لَا محَالة وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مَا عدا الله وَمَا عدا صِفَاته الذاتية والفعلية من رَحْمَة وَعَذَاب أَو المُرَاد بِالْبُطْلَانِ الفناء لَا الْفساد وكل شَيْء سوى الله تَعَالَى جائزٌ عَلَيْهِ الفناء لذاته حَتَّى الْجنَّة وَالنَّار وَإِنَّمَا يبقيان بإبقاء الله تَعَالَى لَهما وَخلق الدَّوَام لأهلهما. وَالْحق على الْحَقِيقَة من لَا يجوز عَلَيْهِ الزَّوَال لذاته. انْتهى.

وَمثله للسيوطي فِي البدور السافرة عِنْد ذكر قَوْله تَعَالَى: كل شيءٍ هالكٌ إِلَّا وَجهه. أَي: قَابل للهلاك وكل مُحدث قَابل لذَلِك وَإِن لم يهْلك بِخِلَاف الْقَدِيم الأزلي. وَيُؤَيّد ذَلِك أَن الْعَرْش لم)

يرد خبرٌ أَنه يهْلك. فلتكن الْجنَّة مثله.

وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من ذَلِك الْكتاب: وَفِي بَحر الْكَلَام: قَالَ أهل السّنة: سبعةٌ لَا تفنى: الْعَرْش والكرسي واللوح والقلم وَالْجنَّة وَالنَّار بأهلهما والأرواح. وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم شرح مُسلم وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من

ص: 257

الْمُحدثين: إِن هَذِه السَّبْعَة يَقع لَهَا هَلَاك نسبي وَهُوَ غشيان يمْنَع الإحساس وفناءٌ مَا من الْأَوْقَات. قلت: وَالظَّاهِر وُقُوع ذَلِك على تَقْدِير صِحَّته بَين النفختين عِنْد قَوْله عز وجل: لمن الْملك

الْيَوْم فَلَا يجِيبه أحد كَمَا وَردت بِهِ الرِّوَايَات. انْتهى.

وَالْبَاطِل هُنَا الذَّاهِب الزائل وَمَعْنَاهُ: الْهَالِك الفاني أَي: الْقَابِل للهلاك والفناء. وَقَالَ بَعضهم: الْبَاطِل فِي الأَصْل ضد الْحق وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الْهَالِك. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْبَاطِل ضد الْحق وَفِي عرف الْمُتَكَلِّمين: الْبَاطِل الْخَارِج عَن الِانْتِفَاع وَالْفَاسِد يقرب مِنْهُ وَالصَّحِيح: ضِدّه وَمُقَابِله. وَفِي عرف الشَّرْع: الْبَاطِل من الْأَعْيَان: مَا فَاتَ مَعْنَاهُ الْمَقْصُود الْمَخْلُوق لَهُ من كل وَجه بِحَيْثُ لم يبْقى إِلَّا صورته وَلِهَذَا يذكر فِي مُقَابِله الْحق الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْكَائِن الثَّابِت وَفِي الشَّرْع يُرَاد بِهِ مَا هُوَ الْمَفْهُوم مِنْهُ لُغَة وَهُوَ مَا كَانَ فَائت الْمَعْنى من كل وَجه مَعَ وجود الصُّورَة إِمَّا لِانْعِدَامِ محلية التَّصَرُّف كَبيع الْميتَة وَالدَّم أَو لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّة الْمُتَصَرف كَبيع الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل. فَإِن قلت: مَا مَعْنَاهُ هُنَا قلت: الْمَعْنى: كل شَيْء سوى الله تَعَالَى زائلٌ فَائت مضمحل لَيْسَ لَهُ دوَام. انْتهى. والمحالة بِفَتْح الْمِيم: الْحِيلَة قَالَ الْجَوْهَرِي: قَوْلهم لَا محَالة أَي: لابد.

وَقَوله: وكل أنَاس سَوف تدخل بَينهم يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَاذَا.

وَقَوله: وكل امْرِئ يَوْمًا سَعْيه: عمله. والحصائل: الْحَسَنَات والسيئات الَّتِي بقيت لَهُ عِنْد الله تَعَالَى وَهُوَ بِالْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ.

ص: 258

ثمَّ شرع بعد هَذَا فِي تقلب الدَّهْر بأَهْله وَبَدَأَ بِذكر النُّعْمَان وَمَا كَانَ فِيهِ من سَعَة الْملك ونعيم الدُّنْيَا ثمَّ ذكر مُلُوك الشَّام آل غَسَّان وَمَا فعل الدَّهْر بهم فبادوا كَأَن لم يَكُونُوا فَقَالَ: الشّرْب: جمع شَارِب يُرِيد أَصْحَابه الَّذين كَانَ يشاربهم. والْقنية: الْخَادِم. والمختبطات الْفرق: السائلات الْمَعْرُوف. والسعالي: الغيلان شبه السائلات بهَا فِي سوء حالهن وقبحهن. والأرامل: المحاويج الجياع من أرمل

الْقَوْم: إِذا نفذ زادهم وجاعوا. وَقَالَ فِي آخر القصيدة:)

(فأمسى كأحلام النيام نعيمهم

وَأي نعيمٍ خلته لَا يزايل)

فَظهر بِهَذَا أَن هَذِه القصيدة لَيست فِي مدح النُّعْمَان كَمَا زعم من تكلم على هَذِه الأبيات بل هِيَ بالرثاء أشبه لاسيما أَوَائِل القصيدة فَإِنَّهَا تناسب مَا قُلْنَا. وَالله أعلم.

وترجمة لبيد تقدّمت فِي الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا الْبَيْت.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

ص: 259

فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا على أَن قَوْله: الحديدا مَعْطُوف على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ قَوْله: بالجبال وَهُوَ خبر لَيْسَ وَهُوَ عجزٌ وصدره: معاوي إننا بشرٌ فَأَسْجِحْ ومعاوي: منادى مرخم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. وأسجح بِقطع الْهمزَة وَتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة وَمَعْنَاهُ ارْفُقْ وَسَهل. وخد أسجح أَي: طَوِيل سهل.

وَقد رد الْمبرد على سِيبَوَيْهٍ رِوَايَته لهَذَا الْبَيْت بِالنّصب وَتَبعهُ جماعةٌ مِنْهُم العسكري صَاحب التَّصْحِيف قَالَ: وَمِمَّا غلط فِيهِ النحويون من الشّعْر وَرَوَوْهُ مُوَافقا لما أرادوه مَا رُوِيَ عَن سِيبَوَيْهٍ عِنْدَمَا احْتج بِهِ فِي نسق الِاسْم الْمَنْصُوب على المخفوض. وَقد غلط على الشَّاعِر لِأَن هَذِه القصيدة مَشْهُورَة وَهِي مخفوضةٌ كلهَا. وَهَذَا الْبَيْت أَولهَا. وَبعده:

(فهبنا أمة ذهبت ضيَاعًا

يزِيد أميرها وَأَبُو يزِيد)

(أكلْتُم أَرْضنَا فجردتموها

فَهَل من قائمٍ أَو من حصيد)

(أتطمع فِي الخلود إِذا هلكنا

وَلَيْسَ لنا وَلَا لَك من خُلُود)

(ذَروا خون الْخلَافَة واستقيموا

وتأمير الأراذل وَالْعَبِيد)

(وأعطونا السوية لَا تزركم

جنودٌ مردفاتٌ بالجنود)

وَهَذَا الشّعْر لعقيبة بن هُبَيْرَة الْأَسدي شاعرٌ جاهليٌ إسلامي. وَفد على مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان فَدفع إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا هَذِه الأبيات فَدَعَاهُ مُعَاوِيَة

ص: 260

فَقَالَ لَهُ: مَا جرأك عَليّ قَالَ: نَصَحْتُك إِذْ غشوك وصدقتك إِذْ كَذبُوك فَقَالَ: مَا أَظُنك إِلَّا صَادِقا فَقضى حَوَائِجه.)

ويروى أَن أَبَا بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ جَاءَ إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عقيبة أَخا بني أَسد هجاني فَقَالَ: وَمَا قَالَ لَك قَالَ: قَالَ لي: فَمَا أَنا من حداث أمك بالضحى فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَيْسَ من حداثها قَالَ: وَقَالَ لي: وَلَا من يزكيها بِظهْر مغيب فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَكِن الله وَرَسُوله والمهاجرين وَالْأَنْصَار يزكونها وَكَانَت تخْدم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ. قَالَ: وَقَالَ لي:

وَأَنت امرؤٌ فِي الأشعرين مُقَابل فَقَالَ: صدق. قَالَ: وَقَالَ لي: وَفِي الْبَيْت والبطحاء حق غَرِيب فَقَالَ: صدق لَيْسَ لَك فِي الْبَيْت وَلَا فِي الْبَطْحَاء حق قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فندعه على هَذَا قَالَ: مَا قَالَ لي أَشد مِمَّا قَالَ لَك. . وَقَرَأَ لَهُ الأبيات فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا تصنع بِهِ قَالَ: وعقيبة بِالْقَافِ يحْتَمل أَن يكون مصغر عقبَة كظلمة وَهِي بَقِيَّة

ص: 261

المرق وَنَحْو ذَلِك ترد فِي الْقدر المستعارة أَو مصغر الْعقبَة بِمَعْنى النّوبَة يُقَال: تمت عقبتك. وهما يتعاقبان أَي: يتناوبان.

وَقَوله: فجردتموها أَي: قشرتموها كَمَا يجرد اللَّحْم من الْعظم وَقَوله: فَهَل من قَائِم يَعْنِي: الْقرى الَّتِي أهلكت مِنْهَا قَائِم قد بقيت حيطانه وَمِنْهَا حصيد قد أمحى أَثَره والخون بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الْوَاو: مصدر كالخيانة. والتأمير: تفعيل من الْإِمَارَة. والسوية: الْمُسَاوَاة: والنصفة.

وَلم أر لعقيبة هَذَا ذكرا فِي كتب الصَّحَابَة وَلم يذكرهُ ابْن حجر أَيْضا فِي الْإِصَابَة من المخضرمين. وَالظَّاهِر أَنه من المخضرمين.

وَأجَاب الزَّمَخْشَرِيّ تبعا لما قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف بِأَن هَذَا الْبَيْت رُوِيَ مَعَ أَبْيَات مَنْصُوبَة وَمَعَ أَبْيَات مجرورة فَمن رَوَاهُ بِالْجَرِّ روى مَعَه الأبيات الْمُتَقَدّمَة وَمن رَوَاهُ بِالنّصب روى مَعَه:

(أديروها بني حربٍ عَلَيْكُم

وَلَا ترموا بهَا الْغَرَض البعيدا))

يَقُول: ضمُّوا الْخلَافَة وَالْولَايَة إِلَيْكُم وَلَا ترموا بهَا أقْصَى المرامي أَي: لَا

تطرحوا النّظر فِي أمرنَا وَهَذَا الشّعْر لعبد الله بن الزبير الْأَسدي. قَالُوا: وَلَيْسَ يُنكر أَن يكون بيتٌ من شعرين مَعًا لِأَن الشُّعَرَاء قد يستعير بَعضهم من كَلَام بعض وَرُبمَا أَخذ الْبَيْت بِعَيْنِه وَلم يُغَيِّرهُ كَقَوْل الفرزدق:

ص: 262

(ترى النَّاس مَا سرنا يَسِيرُونَ خلفنا

وَإِن نَحن أومأنا إِلَى النَّاس وقفُوا)

فَإِن هَذَا الْبَيْت لجميل بن عبد الله انتحله الفرزدق.

وَأورد ابْن خلف نَظِير هَذَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب مَا يزِيد على مائَة بَيت. وَمثل مَا نَحن فِيهِ قَول الْأَخْنَس بن شهَاب الْيَشْكُرِي:

(إِذا قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَا

خطانا إِلَى أَعْدَائِنَا فنضارب)

وَالْقَصِيدَة مَرْفُوعَة القوافي وَأَخذه قيس بن الخطيم وَجعله فِي قصيدة مجرورة القوافي وَسَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الظروف.

وَزعم السيرافي: أَن شعر عقيبة الْأَسدي يجوز فِي إنشاد قوافيه الْجَرّ وَالنّصب. قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَهَذَا وهم لِأَن فِيهَا مَا يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ عِنْد الْبَصرِيين وَمِنْهَا مَا لَا يجوز فِيهِ عِنْدهم إِلَّا وجهٌ وَاحِد وَلَا يجوز أَن ينشد بعض القصيدة مَنْصُوبًا وَبَعضهَا مَرْفُوعا على طَرِيق الإقواء لِأَن الإقواء فِي الْغَالِب إِنَّمَا يكون بَين الْمَرْفُوع وَالْمَجْرُور لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة فَأَما مايصح فِيهِ الْوَجْهَانِ فالبيت الأول وَالثَّالِث وَالْخَامِس وَالنّصب فِيهِ عطف على خون الْخلَافَة وَيجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على تأمير الأراذل على حذف مُضَاف فَأَما البيتان الباقيان فَلَا يَصح فيهمَا النصب

على مَذْهَب الْبَصرِيين وَيجوز على مَذْهَب الْكُوفِيّين لأَنهم يجيزون ترك صرف مَا ينْصَرف فِي الشّعْر ضَرُورَة.

وَلَا يخفى أَن الْكُوفِيّين إِنَّمَا يجيزون ترك صرف المنصرف إِذا كَانَ علما يكتفون بِشَرْط الْعلَّة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور وَقدمنَا فِي أول بَاب مَا لَا ينْصَرف مَا يُغني عَن إِعَادَته هُنَا.

ص: 263

وَقيل: إِنَّه من شعر آخر لعبد الله بن الزبير وَهُوَ:

(رمى الْحدثَان نسْوَة آل حربٍ

بِمِقْدَار سمدن لَهُ سمودا)

(فَرد شعورهن السود بيضًا

ورد وجوههن الْبيض سُودًا)

(فَإنَّك لَو سَمِعت بكاء هندٍ

ورملة إِذْ تصكان الخدودا)

(سَمِعت بكاء باكيةٍ حزينٍ

أبان الدَّهْر وَاحِدهَا الفقيدا))

معاوي إننا بشرٌ فاسجح

...

...

. . الْبَيْت وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَيْت أَجْنَبِي من هَذِه الأبيات وَيدل عَلَيْهِ: أَن أَبَا تَمام أنْشد هَذِه الأبيات لمن ذكرنَا فِي بَاب المراثي من الحماسة بون الْبَيْت الْأَخير وَلم يذكرهُ أحد من شراحه. والْحدثَان بِالتَّحْرِيكِ: الْحَادِثَة ونائبة الدَّهْر. والْمِقْدَار: مَا قدره الله تَعَالَى. وَفِيه قلبٌ وابْن الزبير هُوَ عبد الله بن الزبير بن الأشيم بن الْأَعْشَى بن بجرة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالْجِيم وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة. وَالزُّبَيْر بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمُوَحدَة.

وَعبد الله شَاعِر كُوفِي المنشأ والمنزل. وَهُوَ من شعراء الدولة الأموية وَمن شيعتهم والمتعصب لَهُم فَلَمَّا غلب مُصعب بن الزبير على الْكُوفَة أُتِي بِهِ أَسِيرًا فَمن عَلَيْهِ وَوَصله وَأحسن إِلَيْهِ فمدحه وَأكْثر من مدحه وَانْقطع إِلَيْهِ

ص: 264

فَلم يزل مَعَه حَتَّى قتل وَعمي بعد ذَلِك وملت فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان. وَكَانَ الْحجَّاج أرْسلهُ فِي بعثٍ إِلَى الرّيّ فَمَاتَ بهَا. وَكَانَ أحد الهجائين يخَاف النَّاس شَره وَله حكايات مسطورة فِي الأغاني.

وَمن شعره يمدح عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان وَكَانَ رَآهُ عَمْرو فِي ثِيَاب رثَّة فاقترض ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم بِاثْنَيْ عشر ألفا وأرسلها إِلَيْهِ مَعَ رزمة ثِيَاب فَقَالَ: وَهُوَ من أَبْيَات تَلْخِيص الْمِفْتَاح:

(سأشكر عمرا إِن تراخت منيتي

أيادي لم تمنن وَإِن هِيَ جلت)

(فَتى غير مَحْجُوب الْغنى عَن صديقه

وَلَا مظهرٍ الشكوى إِذا النَّعْل زلت)

(رأى خلتي من حَيْثُ يخفى مَكَانهَا

فَكَانَت قذى عَيْنَيْهِ حَتَّى تجلت)

ومدح أَسمَاء بن خَارِجَة الْفَزارِيّ بقصيدة مِنْهَا:

(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللاً

كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله)

فأثابه أَسمَاء ثَوابًا لم يرضه فَغَضب وَقَالَ يهجوه:

(بنت لكم هندٌ بتلذيع بظرها

دكاكين من جصٍّ عَلَيْهَا الْمجَالِس)

فو الله لَوْلَا رهز هندٍ ببظرها لعد أَبوهَا فِي اللئام العوابس فَبلغ ذَلِك أَسمَاء فَركب إِلَيْهِ وَاعْتذر إِلَيْهِ من ضيق يَده وأرضاه وَجعل لَهُ على نَفسه وَظِيفَة فِي كل سنة. فَكَانَ بعد ذَلِك يمدحه ويفضله. وَكَانَ أَسمَاء

ص: 265

يَقُول لِبَنِيهِ: وَالله مَا رَأَيْت قطّ جصاً فِي بِنَاء إِلَّا ذكرت بظر أمكُم هِنْد فخجلت.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الْبَيْت الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة:)

يسْمعهَا لاهه الْكِبَار على أَنه قيل إِنَّمَا جَازَ يَا الله للُزُوم اللَّام للكلمة فَلَا يُقَال: لاهٌ إِلَّا نَادرا كَمَا فِي هَذَا الشّعْر.

وَإِنَّمَا عبر بقيل لِأَن أَبَا عَليّ الْفَارِسِي قَالَ: أل عوضٌ من الْهمزَة إِذْ أَصله إِلَه وَيدل على ذَلِك: استجازتهم لقطع الْهمزَة فِي الْقسم والنداء فَلَو كَانَت غير عوض لم تثبت كَمَا لم تثبت فِي غير هَذَا الِاسْم. وَلَا يجوز أَن يكون للُزُوم الْحَرْف لِأَن ذَلِك يُوجب أَن تقطع همزَة الَّذِي وَالَّتِي. وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون لِأَنَّهَا همزَة مَفْتُوحَة وَإِن كَانَت مَوْصُولَة كَمَا لم يجز فِي ايم الله وايمن الله. وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون ذَلِك لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال لِأَن ذَلِك يُوجب أَن تقطع الْهمزَة أَيْضا فِي غير هَذَا مِمَّا يكثر استعمالهم لَهُ. فَعلمنَا أَن ذَلِك لِمَعْنى اخْتصّت بِهِ لَيْسَ فِي غَيرهَا. وَلَا شَيْء أولى بذلك الْمَعْنى من أَن يكون للعوض من الْحَرْف الْمَحْذُوف الَّذِي هُوَ الْفَاء.

وَكَون لفظ الْجَلالَة أَصله لاه هُوَ أحد قولي سِيبَوَيْهٍ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ الْمبرد قَالَ: أَصله لاه على فعل مثل ضرب ثمَّ دخلت أل عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لله

ص: 266

عَزَّ وَجَلَّ وإبانة لَهُ عَن كل مَخْلُوق فَهُوَ اسْم وَإِن كَانَ فِيهِ معنى فعل. وأصل لاه: لوه أَو ليه. قَالَ: وَلَو كَانَ كَمَا ذكر سِيبَوَيْهٍ: أَن أَصله إلاه لَكَانَ قد حذف فَاء الْفِعْل وعينه لِأَنَّهُ يحذف همزَة إِلَه وَهِي فَاء الْفِعْل ثمَّ تذْهب الْعين إِذا دخل الْألف وَاللَّام وَلم نر شَيْئا يحذف فاؤه وعينه.

قَالَ السخاوي فِي سفر السَّعَادَة: ولَيْسَ كَمَا يُقَال فَإِن عينه بَاقِيَة لم تحذف.

وَالْعجب من السخاوي حَيْثُ نقل عَن الْمبرد بِأَن قَول ابْن عَبَّاس: الله هُوَ الله ذُو الألوهية يأله الْخلق وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: ويذرك وإلهتك أَي: وعبادتك لأَنهم كَانُوا يعْبدُونَ فِرْعَوْن. يُؤَيّد القَوْل بِكَوْن أَصله لاه وَلم يتعقبه بِشَيْء مَعَ أَنه يُؤَيّد من قَالَ: إِن أَصله إِلَه. فَتَأمل.

وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ س: من أَن أصل هَذَا الِاسْم إِلَه قَول يُونُس والأخفش وَالْكسَائِيّ وَالْفراء وقطرب. وَقَالَ بعد وَفَاته لهَؤُلَاء: وجائزٌ أَن يكون أَصله لاه وأصل لاه ليه على وزن فعل ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ أل. وَاسْتدلَّ بقول بعض الْعَرَب: لهي أَبوك يُرِيدُونَ وَأنْشد. . لاهه الْكِبَار وَقَوله: لاه ابْن عمك. . الْبَيْت. ا. هـ كَلَام سِيبَوَيْهٍ.

وَأَقُول: لاه على هَذَا تَامّ على وزن جبل وَمن قَالَ لهي أَبوك فَهُوَ مقلوب من لاه قدمت لامه الَّتِي هِيَ الْهَاء على عينه الَّتِي هِيَ الْيَاء فوزنه فلع وَكَانَ أَصله بعد تَقْدِيم لامه على عينه للهي فحذفوا لَام الْجَرّ ثمَّ لَام التَّعْرِيف

ص: 267

وضمنوه معنى لَام التَّعْرِيف فبنوه كَمَا ضمنُوا مَعْنَاهَا أمس)

فَوَجَبَ بِنَاؤُه. وحركوا الْيَاء لسكون الْهَاء قبلهَا وَكَانَت فَتْحة لخفتها ا. هـ كَلَام ابْن الشجري.

أَقُول: البيتان اللَّذَان أوردهما ليسَا فِي كتاب س وَلَيْسَ فِي الشّعْر دليلٌ على أَن الله أَصله لاه لجَوَاز أَن يكون لاه مخفف إِلَه حذفت الْهمزَة لضَرُورَة الشّعْر بِدَلِيل

الْجمع على آلِهَة دون ألوهة أَو أليهة.

وَقَالَ خضر الْموصِلِي: اسْتشْهد بِهِ على أَن أصل الله لاه لِأَن الضَّرُورَة ترد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا. وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يكون لاه لفظا مُسْتقِلّا بِرَأْسِهِ بِمَعْنى إِلَه.

قَالَ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور: فَإِن قيل: قد قَالَ الشَّاعِر: لاهه الْكِبَار لقد أخرج الْألف وَاللَّام من الِاسْم وأضافه. قيل: إِن الشَّاعِر لما رأى الْألف وَاللَّام فِيهِ على حد مَا يكون فِي الصِّفَات الَّتِي تغلب وَرَأى أَن هَذِه الصِّفَات إِذا غلبت صَارَت كالأعلام فَلَا تحْتَاج إِلَى حرف التَّعْرِيف فِيهَا كَمَا لم يحْتَج إِلَيْهَا فِي الْأَعْلَام.

ونابغة الْجَعْدِي بالرمل بَيته حَيْثُ غلب الْوَصْف فَصَارَ يعرف بِهِ كَمَا بعرف بِالْعلمِ فَكَذَلِك الِاسْم. وَمَعَ هَذَا فَكَأَنَّهُ رد الِاسْم للضَّرُورَة إِلَى الأَصْل المرفوض الِاسْتِعْمَال. وَهَذَا لَا يجوز اسْتِعْمَاله سائغاً مطرداً.

والأزهري أورد هَذَا الشّعْر على غير هَذِه الرِّوَايَة قَالَ فِي التَّهْذِيب: وَقد كثر اللَّهُمَّ فِي الْكَلَام حَتَّى خففت ميمها فِي بعض اللُّغَات وأنشدني بَعضهم:

ص: 268

(كحلفةٍ من أبي ريَاح

يسْمعهَا اللَّهُمَّ الْكِبَار)

وإنشاد الْعَامَّة: يسْمعهَا لاهه الْكِبَار.

وَأوردهُ جمَاعَة من النَّحْوِيين مِنْهُم الْمرَادِي فِي شرح الألفية: يسْمعهَا لاهم الْكِبَار

على أَن فِيهِ شذوذين: أَحدهمَا اسْتِعْمَاله فِي غير النداء لِأَنَّهُ فَاعل يسْمعهَا وَالثَّانِي تَخْفيف ميمه وَأَصلهَا التَّشْدِيد.

وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: روى الْأَصْمَعِي: يسْمعهَا الْوَاحِد الْكِبَار وَرِوَايَة غَيره لاهه.

قَالَ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور: وَأما قَول من قَالَ لاهم الْكِبَار فَالْقَوْل فِيهِ: أَنه بنى من الِاسْم وَالصَّوْت اسْما كَمَا بنى التهليل من هلل وبأبأ من بأبى ثمَّ صَار اسْما كَمَا صَارَت هَذِه)

الْأَشْيَاء اسْما وَأَصله الصَّوْت.

والكبار وَصفه. قَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل: وَمذهب سِيبَوَيْهٍ والخليل أَن اللَّهُمَّ فِي النداء لَا يُوصف لكَونه مَعَ الْمِيم كالصوت. وَأما لاهم الْكِبَار فَقيل فِيهِ: لما كَانَ غير منادى وصف وَقيل رفع على الْقطع. وأَبُو ريَاح رجل من بني ضبيعة. وَهُوَ حصن بن عَمْرو بن بدر. وَكَانَ قتل رجلا من بني سعد بن ثَعْلَبَة فَسَأَلُوهُ أَن يحلف أَو يُعْطي الدِّيَة فَحلف ثمَّ قتل بعد حلفته. فضربته الْعَرَب مثلا لما لَا يُغني من الْحلف قَالَه ابْن دُرَيْد فِي شرح ديوَان الْأَعْشَى. وَهُوَ بمثناة تحتية لَا بموحدة كَمَا زعم شرَّاح الشواهد.

ص: 269

قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: زعم بعض المصحفين: أَن الْإِنْسَان إِذا صحف فِي مثل هَذَا لم يكن ملوماً. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَهل الْعَيْب واللوم إِلَّا على تَصْحِيف الْأَسْمَاء وَلَيْسَ يعرف فِي أَسمَاء الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة رَبَاح بباء تحتهَا نقطة وَاحِدَة إِلَّا فِي أَسمَاء عبيدها إِلَّا فِي اسْم رجلَيْنِ: أَحدهمَا رَبَاح بن المغترف بغين مُعْجمَة وَآخر. وَأما قَول الْأَعْشَى: كحلفة من أبي ريَاح فَهُوَ بياء تحتهَا نقطتان من بني تيم بن ضبيعة. والْكِبَار بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة: صِيغَة مُبَالغَة الْكَبِير بِمَعْنى الْعَظِيم وَهُوَ صفة لاهه. والحلفة بِالْفَتْح: الْمرة من الْحلف بِمَعْنى الْقسم.

وَقَوله: من أبي ريَاح صفة لحلفة أَي: كحلفةٍ صادرةٍ مِنْهُ. وروى بدل يسْمعهَا: يشهدها وَالضَّمِير للحلفة وَالْجُمْلَة صفة ثَانِيَة لحلفة. وَقَبله:

(أقسمتم حلفا جهاراً:

إِن نَحن مَا عندنَا عرار)

وحلفا: جمع حَالف. وإِن: مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. وعرار بِكَسْر الْمُهْملَة: اسْم رجل.

والبيتان من قصيدة للأعشى مَيْمُون ذكر فِيهَا من أهلكه الدَّهْر من الْجَبَابِرَة. ومطلعها:

(ألم تروا إرماً وعاداً

أفناهم اللَّيْل وَالنَّهَار)

(وقبلهم غالت المنايا

طمساً فَلم ينجها الحذار)

(وَحل بالحي من جديسٍ

يومٌ من الشَّرّ مستطار)

ص: 270

(وَأهل جوٍّ أَتَت عَلَيْهِم

فأفسدت عيشهم فباروا)

(فصبحتهم من الدَّوَاهِي

جائحةٌ عَقبهَا الدمار))

(وَمر دهرٌ على وبارٍ

فَهَلَكت جهرةً وبار)

الرُّؤْيَة علمية وَجُمْلَة أفناهم هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي لَا أَنَّهَا بصرية خلافًا للعيني. وروى: أودى بهَا اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ بِمَعْنى أفناهم. وإرم بِكَسْر الْهمزَة قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ أَبُو عوص بالصَّاد وَفتح الْعين وعَاد: ابْن عوص وإرم: هُوَ ابْن سَام بن نوح عليه السلام قَالَ الْهَمدَانِي: نزل جيرون بن سعد بن عادٍ دمشق وَبنى مدينتها فسميت باسمه جيرون. . قَالَ: وَهِي إرم ذَات الْعِمَاد يُقَال: إِن بهَا أَرْبَعمِائَة ألف عَمُود من حِجَارَة. .

قَالَ: وإرم ذَات الْعِمَاد الْمَعْرُوفَة بتيه أبين وبجانب هَذَا التيه منهل أهل عدن وبتيه أبين مسكن إرم بن سَام بن نوح فَلذَلِك يُقَال: إِن إرم ذَات الْعِمَاد فِيهِ.

وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي معنى إرم فَقَالَ بَعضهم: إرم: بَلْدَة وَقيل: إِنَّهَا دمشق وَقيل هِيَ الْإسْكَنْدَريَّة وَقَالَ مُجَاهِد رحمه الله: إرم: أمة وَقَالَ غَيره:

من عَاد. وَمعنى ذَات الْعِمَاد على هَذَا ذَات الطول. وطسم وجديس: قبيلتان من عَاد كَانُوا فِي الدَّهْر الأول فانقرضوا. . وَبَيَان انقراضهم كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب المغتالين: أَن ملك

ص: 271

طسم عمليق ابْن لاوذ بن إرم بن سَام بن نوح تعدى فِي الظُّلم والتجبر.

وأتته يَوْمًا امْرَأَة من جديس اسْمهَا هزيلة وَكَانَ زَوجهَا طَلقهَا وَأَرَادَ أَخذ وَلَدهَا مِنْهَا فَقَالَت: أَيهَا الْملك إِنِّي حَملته تسعا وَوَضَعته دفعا وأرضعته شفعاً حَتَّى إِذا تمت أوصاله ودنا فصاله أَرَادَ أَن يَأْخُذهُ كرها وَأَن يتركني من بعده ورهاً فَقَالَ لزَوجهَا: مَا حجتك قَالَ: أَيهَا الْملك إِنَّهَا قد أَعْطَيْت الْمهْر كَامِلا وَلم أصب مِنْهَا طائلاً إِلَّا وليداً خاملاً فافعل مَا كنت فَاعِلا.

فَأمر بالغلام أَن ينْزع مِنْهُمَا جَمِيعًا وَيجْعَل فِي غلمانه وَقَالَ لهزيلة: أبغيه ولدا وَلَا تنكحي أحدا أَو اجزيه صفدا. فَقَالَت هزيلة: أما النِّكَاح فَإِنَّمَا يكون بِالْمهْرِ وَأما السفاح فَإِنَّمَا يكون بالقهر وَمَالِي فيهمَا من أَمر فَلَمَّا سمع عمليقٌ كَلَامهَا أَمر أَن تبَاع مَعَ زَوجهَا فَيعْطى زَوجهَا خمس ثمنهَا وتعطى هزيلة عشر ثمن زَوجهَا ويسترقا.

فأنشأت تَقول:

(أَتَيْنَا أَخا طسمٍ ليحكم بَيْننَا

فأنفذ حكما فِي هزيلة ظَالِما)

(لعمري لقد حكمت لَا متورعاً

وَلَا كنت فِيمَا يبرم الحكم عَالما))

فَلَمَّا سمع عمليق كَلَامهَا أَمر أَن لَا تزوج بكر من جديس فتهدى إِلَى زَوجهَا إِلَّا يفترعها هُوَ قبل زَوجهَا فَلَقوا من ذَلِك جهداً وذلاً. فَلم يزل على

ص: 272

هَذَا أَرْبَعِينَ

سنة حَتَّى زوجت الشموس عميرَة بنت غفار الجديسية أُخْت الْأسود الَّذِي وَقع إِلَى جبلي طَيئ وَسَكنُوا الجبلين بعده فَلَمَّا أَرَادوا أَن يهدوها إِلَى زَوجهَا. انْطَلقُوا بهَا إِلَى عمليقٍ لينالها قبله وَمَعَهَا الفتيات يغنين وَيَقُلْنَ.

(ابدي بعمليقٍ وقومي واركبي

وبادري الصُّبْح لأمرٍ معجب)

فَلَمَّا أدخلت عَلَيْهِ افترعها وخلى سَبِيلهَا. فَخرجت إِلَى قَومهَا فِي دمائها شاقة درعها عَن قبلهَا ودبرها وَهِي تَقول: لَا أحد أذلّ من جديس أهكذا يفعل بالعروس يرضى بِهَذَا يَا لقومي. حر أهْدى وَقد أعْطى وسيق الْمهْر

(لأَخذه الْمَوْت كَذَا لنَفسِهِ

خيرٌ من أَن يفعل ذَا بعرسه)

وَقَالَت تحرض قَومهَا:

(أيصلح مَا يُؤْتى إِلَى فَتَيَاتكُم

وَأَنْتُم رجالٌ فِيكُم عدد النَّمْل)

(وتصبح تمشي فِي الدِّمَاء صبيحةٌ

شميسةٌ زفت فِي النِّسَاء إِلَى البعل)

ص: 273

(فَإِن أَنْتُم لم تغضبوا بعد هَذِه

فكونوا نسَاء لَا تغب عَن الْكحل)

(ودونكم طيب الْعَرُوس فَإِنَّمَا

خلقْتُمْ لأثواب الْعَرُوس وللغسل)

(فَلَو أننا كُنَّا رجَالًا وَأَنْتُم

نساءٌ لَكنا لَا نُقِيم على الذل)

(فبعداً وَسُحْقًا للَّذي لَيْسَ دافعاً

ويختال يمشي بَيْننَا مشْيَة الْفَحْل)

(فموتوا كراماً أَو أميتوا عَدوكُمْ

ودنوا لنار الْحَرْب بالحطب الجزل)

فَلَمَّا سمع قَوْلهَا أَخُوهَا الْأسود وَكَانَ سيداً مطواعاً قَالَ لِقَوْمِهِ: يَا معشر جديس إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَيْسُوا بِأَعَز مِنْكُم فِي داركم إِلَّا بِمَا كَانَ من ملك صَاحبهمْ

علينا وَعَلَيْهِم وَأَنْتُم أذلّ من النيب فأطيعوني يكن لكم عز الدَّهْر وَذَهَاب ذل الْعُمر. فَقَالُوا: نطيعك وَلَكِن الْقَوْم أَكثر منا وَأقوى. قَالَ: فَإِنِّي أصنع للْملك طَعَاما ثمَّ أدعوهم إِلَيْهِ فَإِذا جاؤوا يرفلون فِي حللهم مشينا إِلَيْهِم بِالسُّيُوفِ فقتلناهم وَأَنا أنفرد بعمليق وينفرد كل وَاحِد مِنْكُم بجليسه فَاتخذ الْأسود طَعَاما كثيرا وَأمر الْقَوْم فاخترطوا سيوفهم وَدَفَنُوهَا فِي الرمل ودعا الْقَوْم فجاؤوا حَتَّى إِذا أخذُوا مجَالِسهمْ ومدوا أَيْديهم إِلَى الطَّعَام أخذُوا سيوفهم من تَحت أَقْدَامهم فَشد الْأسود على

ص: 274

عمليق)

وكل رجل على جليسه. فَلَمَّا فرغوا من قتل الْأَشْرَاف شدوا على السفلة فأفنوهم وَنَجَا بعض طسم فاستغاث بِحسان بن تبع فغزا حسان جديساً فَقَتلهَا وأخرب دِيَارهمْ وتفانى الْحَيَّانِ فَلم يبْق مِنْهُم أحد. وجو بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو وَهِي منَازِل طسم وجديس وَكَانَ هَذَا الِاسْم فِي الْجَاهِلِيَّة حَتَّى سَمَّاهَا الْحِمْيَرِي لما قتل الْمَرْأَة الَّتِي تسمى الْيَمَامَة باسمها وَقَالَ الْملك الْحِمْيَرِي:

(وَقُلْنَا وسموها الْيَمَامَة باسمها

وسرنا وَقُلْنَا لَا نُرِيد إِقَامَة)

والْعقب بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: الْعَاقِبَة. والدمار: الْهَلَاك. وَقَوله: وَمر دهر على وبار. . الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النَّحْوِيين وَأول من اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ: على أَن وبار وَأوردهُ شرَّاح الألفية شَاهدا على وُرُود وبار على اللغتين: إِحْدَاهمَا الْبناء على الْكسر وَالثَّانيَِة إعرابها إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف. وَزعم أَبُو حَيَّان: أَنه يحْتَمل أَن يكون وبار الثَّانِي فعلا مَاضِيا مُسْندًا إِلَى الْوَاو. قَالَ الأعلم: وبار: اسْم أمة قديمَة من الْعَرَب العاربة هَلَكت وانقطعت كهلاك عَاد وَثَمُود.

وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: قَالَ أَبُو عَمْرو: وبار بالدهناء بِلَاد بهَا إبل حوشية وَبهَا نخلٌ كثيرٌ لَا يأبره أحدٌ وَلَا يجده وَزعم أَن رجلا وَقع

إِلَى تِلْكَ الأَرْض فَإِذا تِلْكَ الْإِبِل ترد عينا وتأكل من ذَلِك التَّمْر فَركب فحلاً مِنْهَا وَوَجهه قبل أَهله فاتبعته تِلْكَ الْإِبِل الحوشية فَذهب إِلَى أَهله.

وَقَالَ الْخَلِيل: وبار كَانَت محلّة عَاد وَهِي بَين الْيمن ورمال يبرين

ص: 275

فَلَمَّا أهلك الله عاداً ورث محلتهم الْجِنّ فَلَا يتقاربها أحدٌ من النَّاس وَهِي الأَرْض الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي قَوْله: وَاتَّقوا الَّذِي أمدكم بِمَا تعلمُونَ. أمدكم بأنعامٍ وبنين وجناتٍ وعيون.

وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي: كَانَ من شَأْن دعيميص الرمل الْعَبْدي الَّذِي يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال: أهْدى من دعيميص الرمل إِنَّه لم يكن أحدٌ دخل أَرض وبار غَيره فَوقف بِالْمَوْسِمِ بعد انْصِرَافه من وبار وَجعل ينشد: فَلم يجبهُ أحدٌ من أهل الْمَوْسِم إِلَّا رجل من مهرَة فَإِنَّهُ أعطَاهُ مَا سَأَلَ وَتحمل مَعَه فِي جمَاعَة من قومه بأهلهم وَأَمْوَالهمْ فَلَمَّا توسطوا الرمل طمست الْجِنّ بصر دعيميص واعترته الصرفة فَهَلَك هُوَ وَمن مَعَه جَمِيعًا.)

وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

ص: 276

(معَاذ الْإِلَه أَن تكون كظبيةٍ

وَلَا دميةٍ وَلَا عقيلة ربرب)

على أَن أل فِي الله بدل من همزَة إِلَه فَلَا يجمع بَينهمَا إِلَّا قَلِيلا: كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات عشرَة للبعيث بن حُرَيْث أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة. وأولها:

(خيالٌ لأم السلسبيل ودونها

مسيرَة شهرٍ للبريد المذبب)

(فَقلت لَهُ أَهلا وسهلاً ومرحباً

فَرد بتأهيلٍ وسهلٍ ومرحب)

معَاذ الْإِلَه أَن تكون كظبيةٍ

...

...

...

الْبَيْت

(وَلكنهَا زَادَت على الْحسن كُله

كمالاً وَمن طيبٍ على كل طيب)

خيال: مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: خيالها أَتَانِي وبيني وَبَينهَا مسيرَة شهر للبريد المسرع والخيال يذكر وَيُؤَنث ونكره لِأَنَّهُ رَآهُ على هيئات مُخْتَلفَة فَاعْتقد أَنه عدَّة خيالات قصد إِلَى وَاحِد مِنْهَا. وأم السلسبيل: امْرَأَة وَلَو كَانَ فِي شعر مولد لجَاز أَن يعْنى بالسلسبيل الرِّيق على وَجه التَّشْبِيه. والْبَرِيد: الدَّابَّة المركوبة مُعرب دم بريده أَي: محذوفة الذَّنب فَإِن الرُّسُل كَانَت تركب البغال المحذوفة الذَّنب وَيُطلق على الرَّسُول أَيْضا لركوبه إِيَّاهَا. والمذبب: اسْم فَاعل من ذبب فِي سيره أَي: جد وأسرع بذال مُعْجمَة وَالْبَاء الأولى مُشَدّدَة. وَرُوِيَ: المدئب من دأب يدأب بِالْهَمْزَةِ: إِذا وجد التَّعَب. وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ للآمدي فِي المؤتلف والمختلف.

وروى شرَّاح الحماسة: المذبذب قَالَ التبريزي: هُوَ الَّذِي لَا يسْتَقرّ وَقَالَ الطبرسي: المذبذب والمذبب الأَصْل فيهمَا يرجع إِلَى الطَّرْد والاستعجال والمسرع المستعجل يتذبذب أَي: يضطرب.

ص: 277

وَقَوله: فَقلت لَهُ وَرُوِيَ لَهَا أَي: للخيال فيهمَا. وأَهلا مَنْصُوب بِفعل مُضْمر أَي: أتيت أَهلا لَا غرباء. والتأهيل: مصدر أهلته: إِذا قلت لَهُ

أَهلا. وَقَوله: معَاذ الْإِلَه مَنْصُوب على الْمصدر أَي: أعوذ بِاللَّه معَاذًا. وَكَأَنَّهُ أنف وتبرأ من أَن تكون هَذِه الْمَرْأَة فِي الْحسن بِحَيْثُ تشبه بالظبية أَو الصُّورَة المنقوشة أَو بكريمة من بقر الْوَحْش. والدمية بِالضَّمِّ: الصُّورَة من العاج وَنَحْوه قَالَ أَبُو الْعَلَاء: سميت دمية لِأَنَّهَا كَانَت أَولا تصور بالحمرة فَكَأَنَّهَا أخذت من الدَّم.)

والعطف من قبيل: أَبى الله أَن أسمو بِأم وَلَا أَب لما اشْتَمَل الْمُتَقَدّم على معنى النَّفْي كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أشبههَا بظبية وَلَا دمية تعوذ بِاللَّه من تَشْبِيه خليلته بِأحد هَذِه الثَّلَاثَة كَمَا يشبه الشُّعَرَاء بهَا. وعقيلة كل شَيْء: أكْرمه. والربرب: القطيع من بقر الْوَحْش.

وَقَوله: وَلكنهَا زَادَت. . إِلَخ بَين بِهِ لم أنكر تشبيهها بغَيْرهَا. وكمالاً: تَمْيِيز أَي: يزِيد حسنها على كل حسن كمالاً لِأَنَّهُ لَا حسن إِلَّا وَفِيه نقص سوى حسنها وَكَذَلِكَ كل طيب يتخلله حطيطة إِلَّا طيبها. وَقَوله: من طيب قَالَ التبريزي: أَي: وزادت من طيبها على كل طيب طيبا. وَقَالَ الطبرسي: وَلما كَانَ كمالاً تمييزاً دخله معنى من فَحسن أَن يَقُول: وَمن طيب.

وَرَأَيْت فِي بعض شُرُوح الحماسة: أَرَادَ: زَادَت بحسنها كمالاً على كل حسن فَحذف للْعلم بِهِ لِأَنَّك لَا تَقول لِلْحسنِ: هُوَ أكمل من الْحسن لاخْتِلَاف الْجِنْس لِأَن الْحسن عرض وَالْحسن جسم. والبعيث قَالَ الْآمِدِيّ: هُوَ البعيث من حُرَيْث بن جَابر بن سري

ص: 278

بن مسلمة بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع بن ثَعْلَبَة بن الدول بن حنيفَة بن لجيم. . شَاعِر محسن وَهُوَ قَائِل: خيالٌ لأم السلسبيل ودونها. . الْبَيْت.

وَهِي أَبْيَات جِيَاد مختارة ا. هـ. والبعيث بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة قَالَ ابْن جني: هُوَ اسْم مرتجل للعلمية وَيُمكن أَن يكون صفة منقولة فَيكون فعيل فِي معنى مفعول. وَقَالَ أَبُو رياش: ابْن حُرَيْث هَذَا لَيْسَ بِصَاحِب الْقبَّة بصفين. وحريث بِالتَّصْغِيرِ

وسري وَعبيد كَذَلِك. والدول بِضَم الدَّال وَسُكُون الْوَاو. ولجيم قَالَ أَبُو الْعَلَاء: يجوز أَن يكون تَصْغِير ترخيم لملجم أَو لجام أَو تَصْغِير لجم بِضَم فَفتح واللجم: دويبة يتشاءم بهَا وتوصف بالعطاس قَالَ الراجز:

(أغدو فَلَا أحاذر الشكيسا

وَلَا أَخَاف اللجم العطوسا)

وَذكر الْآمِدِيّ شاعرين آخَرين يُقَال لَهما البعيث أَحدهمَا الْمُجَاشِعِي واسْمه خِدَاش وَهَذَا شَاعِر مَشْهُور دخل بَين جرير وغسان السليطي وَأعَاد غَسَّان فنشب الهجاء بَينه وَبَين جرير والفرزدق وَسقط البعيث.

وَالثَّانِي: البعيث التغلبي بمثناة فمعجمة وَهُوَ بعيث بن رزام وَكَانَ يهاجي زرْعَة بن عبد الرَّحْمَن. وَقَالَ الْقطَامِي:

(إِن رزاماً غرها قرزامها

قلف على أزبابها كمامها))

ص: 279

الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

إِن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا

على أَن اجْتِمَاع أل والهمزة فِي الأناس لَا يكون إِلَّا فِي الشّعْر وَالْقِيَاس النَّاس فَإِن أَصله أنَاس فحذفت الْهمزَة وَعوض عَنْهَا أل إِلَّا أَنَّهَا لَيست لَازِمَة إِذْ يُقَال فِي السعَة نَاس.

أَقُول: هَذَا يدل على أَن أل فِي الْبَيْت لَيست عوضا من الْهمزَة إِذْ لَو كَانَت عوضا لم يجز أَن يُقَال نَاس: من غير همزَة وَلَا أل إِذْ لَا يجوز الْخُلُو عَن الْعِوَض والمعوض عَنهُ. وَمَا ذكره من كَونه عوضا من الْهمزَة هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَتَبعهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَالْقَاضِي وَغَيرهمَا.

وَذهب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الأغفال: وَهُوَ كتاب ذكر فِيهِ مَا أغفله شَيْخه أَبُو إِسْحَاق الزّجاج. أَن أل لَيست عوضا من همزَة أنَاس.

وَقد عزا إِلَيْهِ السَّيِّد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف خلاف هَذَا فَقَالَ: وتوهم أَبُو عَليّ فِي الأغفال أَن اللَّام فِي النَّاس أَيْضا عوض إِذْ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الأناس إِلَّا ضَرُورَة. ورد بِكَثْرَة اسْتِعْمَال نَاس مُنْكرا دون إِلَه وبامتناع يَا النَّاس دون يَا الله. انْتهى.

ص: 280

فقد انعكس النَّقْل عَلَيْهِ من هَذَا الْكتاب مَعَ أَنه قد رد عَلَيْهِ ابْن خالويه فِيمَا كتبه على الأغفال وَتعقبه أَبُو عَليّ فِيمَا كتبه ثَانِيًا وَهُوَ رد على ابْن خالويه وَسَماهُ نقض الهاذور وَبسط الْكَلَام فِيهِ كل الْبسط. وَأَنا أوردهُ مُخْتَصرا لتقف على حَقِيقَة الْحَال. وَهَذِه عِبَارَته: ثمَّ ذكر هذراً لَيْسَ من حكمه أَن نتشاغل بِهِ وَإِن كَانَ جَمِيع مَا هذر بِهِ غير خَارج من هَذَا الحكم. . ثمَّ حكى قَوْلنَا وَهُوَ: فَإِن قَالَ قَائِل: أَو لَيْسَ قد حذفت الْهمزَة من النَّاس كَمَا حذفت من هَذَا الِاسْم حذفا فَهَل تَقول: إِنَّهَا عوض مِنْهَا كَمَا أَن اللَّام عوض من الْهمزَة المحزوفة فِي اسْم الله. . إِلَى آخر الْفَصْل.

فَقَالَ الْمُعْتَرض: أما ادعاؤه أَن أل لَيست عوضا من الْهمزَة فِي أنَاس كَمَا كَانَت فِي هَذَا الِاسْم فَلَيْسَ على مَا ذكر. . فَلم يزدْ على الْإِنْكَار والادعاء لتركنا طَريقَة سِيبَوَيْهٍ وَحمل كَلَامه الْمُطلق على الْمُقَيد الْمَخْصُوص وتظني المتعرض أَن الْهمزَة سَقَطت مِنْهُمَا على حد وَاحِد وَأَن أل فِي النَّاس عوض من حذف الْهمزَة كَمَا كَانَ ذَلِك فِي اسْم الله تظن على عكس مَا الْأَمر عَلَيْهِ:)

وَذَلِكَ أَن قَول سِيبَوَيْهٍ: وَمثل ذَلِك

أنَاس فَإِذا أدخلت الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ قلت النَّاس لَيْسَ يدل قَوْله: وَمثل ذَلِك أنَاس أَن التَّمَاثُل بَينهمَا يَقع على جَمِيع مَا الاسمان عَلَيْهِ إِنَّمَا يدل على أَن الْمُمَاثلَة تقع على شَيْء وَاحِد. أَلا ترى أَن مثلا إِذا أضيفت إِلَى معرفَة جَازَ أَن يُوصف بِهِ النكرَة لِأَن مَا يتشابهان بِهِ كثير وَإِنَّمَا يتشابهان فِي شَيْء من أَشْيَاء. وَمن ثمَّ كَانَ نكرَة وَكَانَ هَذَا الْأَغْلَب.

وَلَو كَانَ التشابه يَقع بَينهمَا فِي كل مَا يُمكن أَن يتشابها بِهِ لَكَانَ مَخْصُوصًا غير مُبْهَم ومحصوراً غير شَائِع. وَفِي أَن الْأَمر بِخِلَاف هَذَا دلَالَة على أَن الظَّاهِر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ لَيْسَ على مَا قدره هَذَا الْمُعْتَرض يدل على ذَلِك مَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْعلم فِي قَوْله تَعَالَى: فجزاءٌ

ص: 281

مثل مَا قتل من النعم فَقَالَ قَائِلُونَ: جَزَاء مثل مَا قتل فِي الْقيمَة وَقَالَ قَائِلُونَ: جزاءٌ مثله فِي الصُّورَة وَلم يذهب أحد فِيمَا علمناه إِلَى أَن الْمَعْنى جزاءٌ مثل مَا قتل فِي الْقيمَة وَالصُّورَة جَمِيعًا.

فَكَذَلِك قَول سِيبَوَيْهٍ: وَمثل ذَلِك أنَاس إِنَّمَا يُرِيد مثله فِي حذف الْفَاء فِي ظَاهر الْأَمر لَو لم تدل دلَالَة على أَن قَوْلهم النَّاس لَيْسَ كاسم الله: فِي كَون الْألف وَاللَّام عوضا من الْهمزَة المحذوفة.

فَكيف وَقد قَامَت الْأَدِلَّة على أَن قَوْلهم النَّاس: قد فَارق مَا عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فِي بَاب الْعِوَض على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله وَإِذا كَانَ الْأَمر فِي إِضَافَة مثل مَا قُلْنَا تبين أَن هَذَا الْمُعْتَرض لم يعرف قَول سِيبَوَيْهٍ. وَلَيْسَ فِي لفظ سِيبَوَيْهٍ شَيْء يدل على أَن الْهمزَة فِي أنَاس مثل الْهمزَة فِي الِاسْم الآخر: فِي أَنه عوض مِنْهَا شَيْء كَمَا عوض هُنَاكَ. وَيبين ذَلِك: أَنه حَيْثُ أَرَادَ أَن يرى النَّظَائِر فِي الْعِوَض أفرد ذكر الِاسْم فَقَالَ: وَهِي فِي إِلَه بِمَنْزِلَة شَيْء غير مُنْفَصِل من الْكَلِمَة كَمَا كَانَت الْمِيم فِي اللَّهُمَّ غير مُنْفَصِلَة وكما كَانَت التَّاء فِي الجحاجحة وَالْألف فِي يمَان وأختيها بَدَلا من الْيَاء. فَأَما الدّلَالَة على أَن حرف التَّعْرِيف لَيْسَ بعوض فَهِيَ أَن الْألف وَاللَّام تدخل مَعَ

(إِن المنايا يطلع

ن على الأناس الآمنينا)

وَأَن الأناس وأناس فِي الْمَعْنى وَاحِد إِلَّا فِيمَا أحدث حرف التَّعْرِيف من التَّعْرِيف. وَقد جَاءَ فِي كَلَامهم ناسٌ وأناس. فَمن يَقُول أنَاس يَقُول الأناس وَمن

يَقُول نَاس يَقُول النَّاس. وَأنْشد مُحَمَّد بن يزِيد:

(وناسٌ من سراة بني سليمٍ

وناسٌ من بني سعد بن بكر)

ص: 282

وَمِمَّا يغلب أَن هَذِه الْهمزَة لَا يلْزم أَن يكون مِنْهَا عوض أَن من يرد الْأُصُول المحذوفة فِي التحقير وَمن لَا يرد اتَّفقُوا عندنَا جَمِيعًا على أَن حقروا أُنَاسًا: نويسا. فَدلَّ ترك رد الأَصْل فِي التحقير)

مِمَّن يرد على أَن هَذَا الْحَذف قد صَار عِنْدهم كالحذف اللَّازِم فِي أَكثر الْأَمر نَحْو: حاش لله وَنَحْو لَا أدر. وَمَا كَانَ من الْحَذف عِنْدهم هَكَذَا يبعد أَن يعوض مِنْهُ وَقد كَانَ أولى من التعويض رد مَا هُوَ مِنْهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا لم يَقُولُوا أنيس عِنْد سِيبَوَيْهٍ فِي تحقير نَاس وَلَا عِنْد يُونُس وَأبي عُثْمَان كَانَ أَن لَا يعوض مِنْهُ أولى.

وَمِمَّا يبين حسن الْحَذف مِنْهُ وسهولته: أَنه جمع والجموع قد تخفف بِمَا لَا يُخَفف الْآحَاد بِهِ أَلا ترى أَنهم قَالُوا: عصي ودلي فَأَجْمعُوا على الْقلب فِي هَذَا النَّحْو وَكَذَلِكَ نَحْو بيضٍ فَكَمَا خففوا هَذَا النَّحْو من الْجمع كَذَلِك قَوْلهم أنَاس بالحذف مِنْهُ. . ويدلك على أَنه جمع: أَنهم قَالُوا فِي الْإِضَافَة إِلَى أنَاس: إنساني كَمَا قَالُوا فِي الْإِضَافَة إِلَى الْجَمِيع: جمعي. فَعلمت أَن أُنَاسًا فِي جمع إِنْسَان كتؤام فِي جمع توأم وبراء فِي جمع بَرِيء ورخال وظؤار وثناء وَنَحْو ذَلِك. فَكَمَا أجروه مجْرى الْجمع فِي هَذَا كَذَلِك أجروه مجْرَاه فِي الْحَذف مِنْهُ كَمَا خففوا مَا ذكرنَا بِالْقَلْبِ فِيهِ.

وَمِمَّا يغلب أَن قَوْلنَا النَّاس على الْحذاء الَّذِي ذكرنَا من التَّخْفِيف بالحذف أَن مَا فِي التَّنْزِيل من هَذَا النَّحْو عَلَيْهِ نَحْو: الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم وَنَحْو: أعوذ بِرَبّ النَّاس.

ملك النَّاس

ص: 283

فَهَذَا إِنَّمَا أدغم لَام الْمَعْنى فِي النُّون على حد مَا أدغم فِي: النشر والنشز والنعمان لَا على حد تَقْدِير الْهمزَة فِيهِ وتخفيفها.

أَلا ترى أَنه لَو كَانَ على تَقْدِير أنَاس لم يدغم لِأَن الحرفين ليسَا مثلين كَمَا كَانَا

مثلين فِي الِاسْم الآخر إِنَّمَا هما متقاربان وَالْأَكْثَر فِي المتقاربين إِذا تحرّك الأول مِنْهُمَا فالأقيس أَن لَا يدغم الأول فِي الثَّانِي كَمَا يدغم المثلان.

وَذَلِكَ: أَن مباينة الحرفين فِي الْمخْرج إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِمَا الْحَرَكَة قَوِيا على منع الْإِدْغَام فَامْتنعَ كَمَا يمْتَنع لحجز الْحَرْف بَينهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك المثلان إِذا حجزت بَينهمَا الْحَرَكَة لِأَن الْحَرَكَة أقل وأيسر فِي الصَّوْت من الْحَرْف فَلم يبلغ من قوتها أَن تحجز بَين المثلين وَيمْنَع الْإِدْغَام كَمَا يمْنَع مِنْهُ فِي أَكثر الْأَمر إِذا انْضَمَّ إِلَى الْحَرَكَة الِاخْتِلَاف فِي مخرجي الْحَرْف.

وَأما قَول صَاحب الهاذور: وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك وَأَن هَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ عِنْده عوضا فِي هَذَا الْموضع أَيْضا: أَنه تعاطى الْفرق بَينهمَا. . فتعاطيه الْفرق بَينهمَا لَا يدل أَن كَانَ تعاطى على اتِّفَاقهمَا عِنْده وَلَيْسَ لنسخه كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي جملَة الهذر فَائِدَة وَلَا معنى لاحتجاج من احْتج بِشَيْء لَا يعرفهُ وَلَا يفهمهُ وَإِنَّمَا وكده فِي غَالب رَأينَا بتسويد الْوَرق)

وإفساده.

وَأما تَفْسِير الْمُعْتَرض لقولنا إنَّهُمَا لَو كَانَتَا هَهُنَا عوضا كَمَا هما فِي هَذَا الِاسْم لفعل بهما مَا فعل بِالْهَمْزَةِ فِي اسْم الله. فَإِن عني بِهِ أَنَّهُمَا كَانَتَا تلزمان ثمَّ كَانَت الْألف تَنْقَطِع فِي النداء فَلَيْسَ على مَا قدر وَلَكِن المُرَاد

ص: 284

بِهِ: أَن الْألف وَاللَّام فِي الاسمين لَو كَانَا على حد وَاحِد لَكَانَ النَّاس إِذا سقط مِنْهُ حرف التَّعْرِيف لَا يدل على مَا كَانَ يدل عَلَيْهِ والحرف لاحقٌ بِهِ كَمَا أَنه فِي اسْم الله إِذا خرج مِنْهُ لَا يدل على مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ فِيهِ.

وَأما قَوْله: حاكياً لكلامنا: فَأَما استدلاله على أَنَّهُمَا فِي النَّاس غير عوض بقول الشَّاعِر: على الأناس الآمنينا وَأَنه لَو كَانَ عوضا لم يكن ليجتمع مَعَ المعوض مِنْهُ فَهَذَا يلْزمه بِعَيْنِه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ فِي اسْم الله. وَذَلِكَ أَنه يُقَال لَهُ: أَلَسْت تَقول الْإِلَه فَتدخل الْألف وَاللَّام على إِلَه وَلَا تحذف الْهمزَة مَعَ دُخُولهَا. . إِلَى آخر الهذر.

أَقُول: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تظناه هَذَا الْعَاميّ الْمَرِيض لما ذكر سعيد عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: هَل تعلم لَهُ سميا: لَا سمي لله وَلَا عدل لَهُ كل خلقه مقرّ لَهُ

ومعترف لَهُ أَنه خالقه.

ثمَّ يقْرَأ: وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله فالاسم الَّذِي لَا سمي للقديم سبحانه وتعالى فِيهِ لَا يخلوا من أَن يكون الله أَو الرَّحْمَن فَلَا يجوز أَن يكون الرَّحْمَن لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ اسْما من أَسمَاء الله فقد تسمي بِهِ وَقد قَالُوا لمُسَيْلمَة: رحمان وَقَالُوا أَيْضا فِيهِ: رحمان الْيَمَامَة وَذكر بعض الروَاة: أَنهم لما سمعُوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ يذكر الرَّحْمَن قَالَت قُرَيْش: أَتَدْرُونَ مَا الرَّحْمَن هُوَ كَاهِن الْيَمَامَة فَهَذَا يدل على أَنهم كَانُوا لَا يحظرون التَّسْمِيَة بِهِ. فَإِذا كَانَ قد سمي بِهِ ثَبت أَن الِاسْم الَّذِي لَا سمي لَهُ فِيهِ هُوَ الله وَهَذَا الِاسْم إِنَّمَا يكون بِهَذَا الْوَصْف إِذا لزمَه الْألف وَاللَّام فَأَما إِذا أخرجَا مِنْهُ وَألْحق الْهمزَة فَقيل: إِلَه والإله فَلَيْسَ على حد قَوْلهم: الله فِي الِاسْتِعْمَال

ص: 285

وَلَا فِي الْمَعْنى أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ إِلَه صَار مُشْتَركا غير مَخْصُوص وَجَاز فِيهِ الْجمع وَأما فِي الْمَعْنى: فَإِنَّهُ يعْمل على الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه الظّرْف يتَعَلَّق بِمَا فِي إِلَه من معنى الْفِعْل وَإِذا دَخلته الْألف وَاللَّام لم يعْمل هَذَا الْحَد لِخُرُوجِهِ عَن حد المصادر.

فَإِن قلت: وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم فَإِن الظّرْف لَا يتَعَلَّق بِالِاسْمِ على حد مَا تعلق بإله إِلَّا على حد مَا أذكرهُ لَك: وَهُوَ أَن الِاسْم لما عرف مِنْهُ معنى التَّدْبِير للأشياء وَالْحِفْظ لَهَا وتصورها فِي نَحْو: إِن الله يمسك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا صَار إِذا)

ذكر كَأَنَّهُ قد ذكر الْمُدبر والحافظ الْمُثبت فَيجوز أَن يتَعَلَّق الظّرْف بِهَذَا الْمَعْنى الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الِاسْم بعد أَن صَار مَخْصُوصًا وَفِي أَحْكَام الْأَسْمَاء الْأَعْلَام الَّتِي لَا معنى فعلٍ فِيهَا فَبِهَذَا يتَعَلَّق الظّرْف.

وعَلى هَذَا تَقول: هُوَ حاتمٌ جواداً وزهيرٌ شَاعِرًا فَتعلق الْحَال بِمَا دخل فِي هَذِه الْأَسْمَاء من معنى الْفِعْل لاشتهارها بِهَذِهِ الْمعَانِي وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز. فَإِذا كَانَ كَذَلِك علمت أَن هَذَا الِاسْم إِذا أخرجت مِنْهُ الْألف وَاللَّام فَقلت إِلَه لم يكن على

حد قَوْلنَا الله وَلَيْسَ كَذَلِك النَّاس والأناس لِأَن الْمَعْنى فِي كلا الْحَالين فِيهِ وَاحِد أَلا ترى أَنه اسْم الْعين لَا مُنَاسبَة بَينه وَبَين الْفِعْل وَهَذَا الَّذِي عناه سِيبَوَيْهٍ عندنَا بقوله: وَذَلِكَ أَنه من قبل أَنه اسْم يلْزمه الْألف وَاللَّام لَا يفارقانه فَصَارَ كَأَن الْألف وَاللَّام فِيهِ بِمَنْزِلَة اللف وَاللَّام اللَّتَيْنِ من نفس الْحَرْف.

وَلَيْسَ فِي النَّاس والأناس كَذَلِك أَلا ترى أَنَّك إِذا أخرجتهما من الِاسْم دلّ على أَن الْأَعْيَان الَّتِي يدل عَلَيْهَا حَسْبَمَا

ص: 286

يدل عَلَيْهِ وهما فِيهِ وَلَيْسَ فِي اسْم الله كَذَلِك فَإِذا كَانَ الْأَمر فِيهِ على مَا ذكرنَا وضح الْفَصْل بَين الاسمين إِذا أخرج مِنْهُمَا الْألف وَاللَّام. مِمَّا وَصفنَا لم يكن إِخْرَاج الْألف وَاللَّام من اسْم الله سُبْحَانَهُ كإخراجه من النَّاس حَذْو القذة بالقذة. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقد وَاعْلَم أَنهم اخْتلفُوا فِي نَاس فَقَالَ الْجُمْهُور: أَصله أنَاس فَقيل: جمع إِنْسَان وَقيل اسْم جمع لَهُ.

وَقَالَ الْكسَائي: هُوَ اسْم تَامّ وعينه وَاو من نَاس ينوس إِذا تحرّك. وعَلى هَذَا فإطلاقه على الْجِنّ وَاضح قَالَ فِي الْقَامُوس: وَالنَّاس يكون من الْإِنْس وَالْجِنّ إِلَّا أَن قَوْله أَصله أنَاس مَعَ جعله من مَادَّة نوس غير صَحِيح وَصرح بِهِ جمَاعَة من أهل اللُّغَة فَإِن الْعَرَب تَقول: ناسٌ من الْجِنّ وَفِي الحَدِيث: جَاءَ قومٌ فوقفوا. فَقيل من أَنْتُم قَالُوا: نَاس من الْجِنّ وَلذَا جوز بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى: من الْجنَّة وَالنَّاس أَن يكون بَيَانا للنَّاس. وَقيل أَصله نسيٌ من النسْيَان فَقدمت اللَّام على الْعين وقلبت ألفا فَصَارَ نَاسا.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لذِي جدن الْحِمْيَرِي الْملك كَمَا فِي كتاب المعمرين لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: عَاشَ ثلثمِائة سنة وَقَالَ فِي ذَلِك:

(لكل جنبٍ اجتنى مُضْطَجع

وَالْمَوْت لَا ينفع مِنْهُ الْجزع)

(الْيَوْم تُجْزونَ بأعمالكم

كل امرئٍ يحصد مِمَّا زرع)

ص: 287

(لَو كَانَ شيءٌ مفلتاً حتفه

أفلت مِنْهُ فِي الْجبَال الصدع))

وَقَالَ أَيْضا:

(يَا اجتني مهلا ذرينا

أَفِي سفاءٍ تعذلينا)

(يومٌ يُغير ذَا النعي

م وَتارَة يشفي الحزينا)

(إِن المنايا يطلع

ن على الأناس الآمنينا)

(فيدعنهم شَتَّى وَقد

كَانُوا جَمِيعًا ففرينا)

فَقَوله: اجتنى اسْم امْرَأَة مَنْقُول من الْفِعْل الْمَاضِي من اجتنى الثَّمَرَة وَهُوَ منادى بِحرف النداء الْمَحْذُوف. ومفلتا: اسْم فَاعل من أفلته: إِذا أطلقهُ. والصدع بِفَتْح الصَّاد وَالدَّال: الوعل. والسفاء بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: مصدر سافاه مسافاة وسفاء: إِذا سافهه. واستعتب: طلب الإعتاب والإعتاب: مصدر أعتبه: إِذا أَزَال عتابه وشكواه فالهمزة للسلب. وعتب عَلَيْهِ من بَاب ضرب وَقتل: إِذا لامه فِي تسخط. والعتاب: مصدر عاتبه.

وَقَوله: تعتبينا هُوَ جَوَاب الْقسم بِتَقْدِير لَا النافية كَقَوْلِه تَعَالَى: تا لله تفتؤ تذكر يُوسُف وَهَذَا بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول.

وَقَوله: يومٌ أَي: للدهر يومٌ يُغير صَاحب النَّعيم نعيمه. ويشفى بِالْفَاءِ. والمنايا: جمع منية وَهُوَ الْمَوْت. ويطلعن: يشرفن ويقربن. والْآمنينَ: جمع آمن. بِمَعْنى مطمئن يُقَال: أَمن الْبَلَد: إِذا

ص: 288

اطْمَأَن.

وَقَوله: فيدعنهم رُوِيَ بدله: فيذرنهم. وشتى: مُتَفَرّقين وَهُوَ جمع شتيت. ووافرين: جمع وَزعم بَعضهم فِيمَا كتبه على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ: أَن بَيت الشَّاهِد من قصيدة

لِعبيد بن الأبرص قَالَ: وأولها كَمَا فِي الحماسة البصرية:

(نَحن الألى فاجمع جمو

عك ثمَّ وجههم إِلَيْنَا)

وَفِيه نظر من وجهيين: الأول أَن هَذَا الْبَيْت لم يذكرهُ صَاحب الحماسة فِي تِلْكَ القصيدة وَالثَّانِي: أَن أول القصيدة إِنَّمَا هُوَ: يَا ذَا المخوفنا بقتل أَبِيه إذلالاً وحينا وَالْبَيْت الَّذِي أوردهُ من أواخرها كَمَا تقدم. وذُو جدن بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال: اسْم مرتجل وَهُوَ من أذواء الْيمن. والأذواء بَعضهم مُلُوك وَبَعْضهمْ أقيال والقيل دون الْملك قَالَ فِي الصِّحَاح: والقيل: ملك من مُلُوك حمير دون الْملك)

الْأَعْظَم وَالْمَرْأَة قيلة. وَأَصله قيل بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهُ الَّذِي لَهُ قَول أَي: ينفذ قَوْله وَالْجمع أَقْوَال وأقيال أَيْضا وَمن جمعه على أقيال لم يَجْعَل الْوَاحِد مِنْهُ مشدداً. وَالْمقول بِالْكَسْرِ: القيل أَيْضا بلغَة أهل الْيمن وَالْجمع المقاول.

ص: 289

وَمن الأذواء الْأَوَائِل أَبْرَهَة ذُو الْمنَار والمنار مفعل من النُّور وَابْنه عَمْرو ذُو الأذعار بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة زَعَمُوا أَنه حمل مَعَه إِلَى الْيمن نسناساً فذعر النَّاس مِنْهُ.

وصحفه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ بِالدَّال الْمُهْملَة فَقَالَ: والأدعار جمع دعر أَي: بِفَتْح فَكسر وَهُوَ الْعود الْكثير الدُّخان. وَأنكر عَلَيْهِ

فِي بَغْدَاد فأصر عَلَيْهِ. . وَبعد ذِي الأذعار بدهر ذُو معاهر واسْمه حسان. ومعاهر من العهر وَهُوَ الْفُجُور. وَبعده ذُو رعين الْأَكْبَر واسْمه يريم ورعين: اسْم حصن كَانَ لَهُ وَهُوَ فِي الأَصْل تَصْغِير رعن وَهُوَ أنف الْجَبَل. ويريم: من قَوْلك رام من مَكَانَهُ أَي: برح وانفصل مِنْهُ. وذُو رعين الْأَصْغَر واسْمه عبد كلال بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف اللامين. وَبعده بدهر ذُو شناتر واسْمه ينوف من ناف الشَّيْء ينوف: إِذا طَال وارتفع. والشناتر بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالنُّون: الْأَصَابِع فِي لُغَة الْيمن.

وَمِنْهُم ذُو القرنين واسْمه الصعب. وَذُو غيمان وَهُوَ من الْغَيْم الَّذِي هُوَ الْعَطش وحرارة الْجوف بالغين الْمُعْجَمَة. وذُو أصبح بِفَتْح الْهمزَة وَإِلَيْهِ نسبت السِّيَاط الأصبحية. وذُو سحر بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وذُو شعْبَان. . وذُو فائش واسْمه سَلامَة: وفائش: من الفياش وَهُوَ الْمُفَاخَرَة وذُو حمام وَالْحمام بِضَم الْمُهْملَة: حمى الْإِبِل.

ص: 290

وذُو ترخم بِضَم الْمُثَنَّاة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَسُكُون الرَّاء: من قَوْلهم: مَا أَدْرِي أَي ترخم هُوَ: أَي: أَي النَّاس. وترخم قَبيلَة بِالْيمن أَيْضا. وذُو يحصب من قَوْلهم حصبة يحصبه: إِذا رَمَاه بالحصباء وَهِي الْحَصَى الصغار. وذُو عسيم بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ من العسم بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ يبس فِي الْمرْفق أَو من العسم بِالسُّكُونِ وَهُوَ الطمع. وذُو قثاث بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف المثلثتين من قَوْلهم قث يقث: إِذا جمع. وذُو حوال بِالضَّمِّ واسْمه عَامر. وحوال من المحاولة وَهِي الطّلب. وذُو مهدم وَهُوَ مفعل بِالْكَسْرِ من هدمت الْبَيْت. وَذُو الْجنَاح واسْمه شمر. . وذُو أنس والأنس بِفتْحَتَيْنِ: الْجَمَاعَة من النَّاس.)

ص: 291

وَسمي بذلك لضفرتين كَانَتَا تنوسان على عَاتِقه وَكَانَ غُلَاما حسنا من أَبنَاء الْمُلُوك أَرَادَهُ على نَفسه ذُو الشناتر فوجأه بخنجر كَانَ قد أعده لَهُ فَقتله ورضيته حمير لنَفسهَا لما أراحها من ذِي الشناتر.

وَذُو نواس هُوَ صَاحب الْأُخْدُود الَّذِي ذكره الله عز وجل وَكَانَ يَهُودِيّا فَخدَّ الْأُخْدُود لقومٍ من أهل نَجْرَان تنصرُوا على يَد رجل من قبل آل جَفْنَة دعاهم إِلَى الْيَهُودِيَّة فَأَبَوا فحرقهم ثمَّ ظَهرت الْحَبَشَة على الْيمن فحاربوا ذَا نواس أَشد حَرْب فَلَمَّا أَيقَن بِالْهَلَاكِ اعْترض الْبَحْر بفرسه فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.

وَمِنْهُم ذُو الكلاع الْأَكْبَر وذُو الكلاع الْأَصْغَر وَأدْركَ الْأَصْغَر الْإِسْلَام كتب إِلَيْهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ مَعَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ فَأسلم وَأعْتق يَوْم أسلم أَرْبَعَة آلَاف عبد وَهَاجَر بقَوْمه فِي أَيَّام أبي بكر رضي الله عنه إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ سكنوا حمص.

واشتقاق الكلاع بِضَم الْكَاف وَفتحهَا من الكلع بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ شقاقٌ ووسخ يكون فِي الْقدَم يُقَال: مِنْهُ كلعت رجله.

وَمِنْهُم ذُو عثكلان بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَهُوَ اسْم مرتجل. وذُو ثعلبان بِالضَّمِّ وَهُوَ ذكر الثعالب. وذُو زهران وذُو مكارب أَي: ذُو مفاصل شَدَّاد جمع مكرب كمكرم. وذُو مناخ بِالضَّمِّ وَكَانَ نزل ببعلبك.

ص: 292

وذُو ظليم واسْمه حَوْشَب وَهُوَ الْعَظِيم الْبَطن. والظليم: ذكر النعام. وَشهد ذُو ظليم صفّين مَعَ مُعَاوِيَة رضي الله عنه.

وَمِنْهُم ذُو يزن ملك الْيمن بعد ذِي نواس فهزمته الْحَبَش واقتحم الْبَحْر فَهَلَك. ويزن: اسْم مرتجل وَهُوَ غير منصرف لِأَن أَصله يزأن على وزن يسْأَل فخففوا همزته فَصَارَ وَزنه يفل وَمِنْهُم من رد عينه فِي النّسَب فَقَالَ رمح يزأني: وَقيل إِن أَصله من وزن يزن فحذفت الْوَاو ثمَّ)

أبدلت الكسرة فَتْحة.

وَاسم ذِي يزن: عَامر بن أسلم بن زيد بن غوث الْحِمْيَرِي وَالله أعلم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:

(من أَجلك يَا الَّتِي تيمت قلبِي

وَأَنت بخيلةٌ بالوصل عني)

على أَنه شَاذ: لِأَن فِي لَام الَّتِي اللُّزُوم فَقَط وَلَيْسَ فِيهَا العوضية أَيْضا.

قَالَ بعض شرَّاح الْمفصل: وَلَو قلت: تَقْدِيره: من أَجلك يَا حبيبتي الَّتِي تيمت قلبِي لم يبْق إِشْكَال لِأَن الَّتِي لم تكن منادى على هَذَا التَّقْدِير. انْتهى.

وَرُوِيَ فديتك يَا الَّتِي الخ. وَمعنى تيمت: ذللت واستعبدت وَمِنْه تيم اللات أَي: عبد ومن اجلك يقْرَأ بِنَقْل فَتْحة ألف أَجلك إِلَى نون من.

وَقَوله: من اجلك علةٌ معلولها مَحْذُوف أَي: من أَجلك قاسيت مَا قاسيت أَو خبر

ص: 293

مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: من أَجلك مقاساتي. وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول تيمت بتاء

التَّأْنِيث على الْغَيْبَة لَكِن جَاءَ على نَحْو قَوْله: أَنا الَّذِي سمتن أُمِّي حيدرة وَالْقِيَاس سمته. وَجُمْلَة أَنْت بخيلة حَال عاملها تيمت.

وَهَذَا من الأبيات الْخمسين الَّتِي لم يعرف لَهَا قَائِل وَلَا ضميمة.

وَأنْشد بعده وهوالشاهد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)

(فيا الغلامان اللَّذَان فرا

إياكما أَن تكسبانا شرا)

على أَنه أشذ مِمَّا قبله: إِذْ لَيْسَ فِي أل الَّتِي فِي الغلامين لُزُوم وَلَا عوض.

وخرجه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف على حذف المنادى وَإِقَامَة صفته مقَامه قَالَ: التَّقْدِير فِيهِ وَفِي الَّذِي قبله فيا أَيهَا الغلامان وَيَا حبيبتي الَّتِي وَهَذَا قَلِيل بَابه الشّعْر. وإياكما: تحذير. وأَن تكسبانا: أَي: من أَن تكسبانا وماضيه كسب يتَعَدَّى إِلَى مفعولين يُقَال: كسبت زيدا مَالا وعلماً أَي: أنلته.

قَالَ ثَعْلَب: كلهم يَقُول: كسبك فلانٌ خيرا إِلَّا ابْن الْأَعرَابِي فَإِنَّهُ يَقُول: أكسبك بِالْألف كَذَا فِي الْمِصْبَاح.

وَهَذَا الْبَيْت شائعٌ فِي كتب النَّحْو وَلم يعرف لَهُ قَائِل وَلَا ضميمة.

ص: 294

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة:

(إِنِّي إِذا مَا حدثٌ ألما

أَقُول: يَا اللَّهُمَّ يَا اللهما)

على أَن اجْتِمَاع يَا وَالْمِيم الْمُشَدّدَة شَاذ.

وَالْحَدَث محركة: مَا يحدث من أُمُور الدَّهْر. وروى أَبُو زيد فِي نوادره: إِنِّي إِذا مَا لممٌ ألما هُوَ بِفتْحَتَيْنِ مقارفة الذَّنب وَقيل هُوَ الصَّغَائِر. وألم الشَّيْء: قرب. وَأَقُول: خبر إِن وَإِذا: ظرف لَهُ.

وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا من الأبيات المتداولة فِي كتب الْعَرَبيَّة وَلَا يعرف قَائِله وَلَا بَقِيَّته. وَزعم الْعَيْنِيّ أَنه لأبي خرَاش الْهُذلِيّ. قَالَ: وَقَبله: وَهَذَا خطأ فَإِن هَذَا الْبَيْت الَّذِي زعم أَنه قبله بيتٌ مُفْرد لَا قرين لَهُ وَلَيْسَ هُوَ لأبي خرَاش وَإِنَّمَا هُوَ لأمية بن أبي الصَّلْت قَالَه عِنْد مَوته وَقد أَخذه أَبُو

خرَاش وضمه إِلَى بَيت آخر وَكَانَ يقولهما وَهُوَ يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة وهما:

(لاهم هَذَا خامسٌ إِن تما

أتمه الله وَقد أتما)

إِن تغْفر اللَّهُمَّ تغْفر جما

...

... . الخ وَقد تمثل بِهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ وَصَارَ من جملَة الْأَحَادِيث أوردهُ السُّيُوطِيّ

ص: 295

فِي جَامعه)

الصَّغِير وَرَوَاهُ عَن التِّرْمِذِيّ فِي تَفْسِيره وَعَن الْحَاكِم فِي الْإِيمَان وَالتَّوْبَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما.

قَالَ الْمَنَاوِيّ فِي شَرحه الْكَبِير: يجوز إنشاد الشّعْر للنَّبِي صلى الله عليه وسلم َ وَإِنَّمَا الْمحرم إنشاؤه.

وَمَعْنَاهُ إِن تغْفر ذنُوب عِبَادك فقد غفرت ذنوباً كَثِيرَة فَإِن جَمِيع عِبَادك خطاؤون. وَقَوله: لَا ألما أَي: لم يلم بِمَعْصِيَة.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)

(وَمَا عَلَيْك أَن تقولي كلما

سبحت أَو صليت: يَا اللَّهُمَّ مَا)

أردد علينا شَيخنَا مُسلما على أَن مَا تزاد قَلِيلا بعد يَا اللَّهُمَّ.

هَذَا الرجز أَيْضا مِمَّا لَا يعرف قَائِله. وَزَاد بعد هَذَا الْكُوفِيُّونَ:

(من حَيْثُمَا وكيفما وأينما

فإننا من خَيره لن نعدما)

فَقَوله: وَمَا عَلَيْك. . الخ مَا استفهامية وَالْمعْنَى على الْأَمر. والتَّسْبِيح: تَنْزِيه الله وتعظيمه وتقديسه. وصليت بِمَعْنى دَعَوْت أَو الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة. وروى بدله: هللت أَي: قلت لَا إِلَه إِلَّا الله كَمَا أَن سبحت: قلت سُبْحَانَ الله. والشَّيْخ هُنَا: الْأَب أَو الزَّوْج. ومُسلما: اسْم مفعول من السَّلامَة. وَقَوله: من حَيْثُمَا أَي: من حَيْثُمَا يُوجد. . الخ.

وَقَوله: فإننا من خَيره الْخَيْر هُنَا: الرزق والنفع. ولن نعدما بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.

أَمر بنيته أَو زَوجته بِالدُّعَاءِ لَهُ إِذا سَافر وَغَابَ فِي أَوْقَات الدَّعْوَات وَفِي مظان الْقبُول: كَمَا فعلت بنت الْأَعْشَى مَيْمُون:

(تَقول بِنْتي وَقد قربت مرتحلا

يَا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا)

(عَلَيْك مثل الَّذِي صليت فاغتمضي

نوماً فَإِن لجنب الْمَرْء مُضْطَجعا)

تَقول ابْنَتي حِين جد الرحيل أرانا سَوَاء وَمن قد يتم

(أَبَانَا فَلَا رمت من عندنَا

فَإنَّا بخيرٍ إِذا لم ترم)

(وَيَا أبتا لَا تزل عندنَا

فَإنَّا نَخَاف بِأَن نحترم)

(أرانا إِذا أضمرتك البلا

د نجفى وَيقطع منا الرَّحِم))

فَقَوله: قربت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول والمرتحل الْجمل الَّذِي وضع عَلَيْهِ الرحل وَهَذَا كِنَايَة عَن الرحيل. والأوصاب: جمع وصب وَهُوَ الْمَرَض. وصليت: دَعَوْت. ويتم ييتم من بَاب تَعب وَقرب: إِذا صَار يَتِيما. ورام يريم بِمَعْنى برح يبرح. ولَا تزل من زَالَ يَزُول وَالْأَفْعَال الثَّلَاثَة بعده بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول

ص: 296

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

ص: 297

(يَا تيم تيم عدي لَا أَبَا لكم

لَا يلقينكم فِي سوءةٍ عمر)

على أَن تيماً الأول يجوز فِيهِ الضَّم وَالنّصب وَفِي الثَّانِي النصب لَا غير وَبَينه الشَّارِح قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وأضاف تيماً إِلَى عدي للتخصيص. وَاحْترز بِهِ عَن تيم مرّة فِي قُرَيْش وهم بَنو الأدرم وَعَن تيم غَالب بن فهر فِي قُرَيْش أَيْضا وَعَن تيم قيس بن ثَعْلَبَة وَعَن تيم شَيبَان وَعَن تيم ضبة. وعدي الْمَذْكُور هُوَ أَخُو تيم فَإِنَّهُمَا ابْنا عبد مَنَاة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر.

وَمعنى لَا أَبَا لكم الغلظة فِي الْخطاب وَأَصله أَن ينْسب الْمُخَاطب إِلَى غير أَب مَعْلُوم شتماً لَهُ واحتقاراً ثمَّ كثر فِي الِاسْتِعْمَال حَتَّى جعلت فِي كل خطاب يغلظ فِيهِ على الْمُخَاطب. وَحكى أَبُو الْحسن بن الْأَخْضَر: أَن الْعَرَب كَانَت تستحسن لَا أَبَا لَك وتستقبح لَا أم لَك لِأَن الْأُم مشفقة حنينة وَالْأَب جَائِر مَالك. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة.

وَقَوله: لَا يلقينكم بِالْقَافِ من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي قَالَ ابْن سَيّده: من رَوَاهُ بِالْفَاءِ فقد صحف وحرف. وَرُوِيَ: لَا يوقعنكم وَالنَّهْي وَاقع فِي اللَّفْظ على عمر وَهُوَ فِي الْمَعْنى وَاقع عَلَيْهِم. والسوءة بِالْفَتْح: الفعلة

ص: 298

القبيحة أَي: لَا يوقعنكم عمر فِي بلية ومكروه لأجل تعرضه لي أَي: امنعوه من هجائي حَتَّى

تأمنوا أَن ألقيكم فِي بلية فَإِنَّكُم قادرون على كَفه فَإِذا تركْتُم نَهْيه فكأنكم رَضِيتُمْ بهجوه إيَّايَ.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يهجو بهَا عمر بن لَجأ التَّيْمِيّ ولجأ بِفَتْح اللَّام وَالْجِيم وَآخره همزَة

(تعرضت تيم لي عمدا لأهجوها

كَمَا تعرض لاست الخارئ الْحجر)

(أَنْت ابْن بَرزَة منسوبٌ إِلَى لجإٍ

عِنْد العصارة والعيدان تعتصر))

خل الطَّرِيق لمن يَبْنِي الْمنَار بِهِ وابرز ببرزة حَيْثُ اضطرك الْقدر

(أحين صرت سماماً يَا بني لجأٍ

وخاطرت بِي عَن أحسابها مُضر)

وَهِي قصيدة طَوِيلَة أفحش فِيهَا. فَلَمَّا توعدهم فِيهَا أَتَوْهُ بِهِ موثقًا وحكموه فِيهِ فَأَعْرض عَن هجوهم.

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: لما بلغ ذَلِك تيماً أَتَوا عمر وَقَالُوا: عرضتنا لجرير وسألوه الْكَفّ فَأبى وَقَالَ: أكف بعد ذكره أُمِّي وبَرزَة هِيَ أم عمر بن لَجأ. يُقَال: فلَان عصارة فلَان أَي: وَلَده. وَهُوَ سبّ. وَقَوله: خل الطَّرِيق. . الخ هَذَا من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن فِيهِ إِظْهَار الْفِعْل قبل الطَّرِيق وَالتَّصْرِيح بِهِ وَلَو أضمره لَكَانَ حسنا على مَا بَينه.

ص: 299

يَقُول: خل طَرِيق الْمَعَالِي والشرف والمفاخرة واتركه لمن يفعل أفعالاً مَشْهُورَة كَأَنَّهَا الْأَعْلَام الَّتِي تنصب على الطَّرِيق وتبنى من حِجَارَة ليهتدى بهَا وعيره بِأَنَّهُ يَقُول: ابرز بهَا عَن النَّاس وصر إِلَى مَوضِع يمكنك أَن تكون فِيهِ لما قضي عَلَيْك. وَقيل: مَعْنَاهُ: دع سَبِيل الرشاد لطالبيه وأبرز

والسمام بِالْكَسْرِ: جمع سم وَهُوَ الشَّيْء الْقَاتِل. وخاطره على كَذَا أَي: راهنه من الْخطر وَهُوَ السَّبق بتحريكهما وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يتراهن عَلَيْهِ. وَرُوِيَ بدله: وحاضرت بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة يُقَال: حاضرته عِنْد السُّلْطَان وَهُوَ كالمغالبة والمكابرة.

وأجابه عمر بن لَجأ بقصيدة مِنْهَا:

(لقد كذبت وَشر القَوْل أكذبه

مَا خاطرت بك عَن أحسابها مُضر)

(بل أَنْت نزوة خوار على أمةٍ

لن يسْبق الحلبات اللؤم والخور)

(مَا قلت من هَذِه إِنِّي سأنقضها

يَا ابْن الأتان بمثلي تنقض المرو)

والنزوة: مصدر نزا الذّكر على الْأُنْثَى وَهَذَا يُقَال: فِي الْحَافِر والظلف وَالسِّبَاع. والخوار: من الخور وَهُوَ ضعف الْقلب وَالْعقل. والحلبات بِالْحَاء الْمُهْملَة.

وَكَانَ سَبَب التهاجي بَين جرير وَعمر بن لَجأ هُوَ مَا حَكَاهُ الْمبرد فِي كتاب الاعتنان عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ

ص: 300

سَأَلَ جَرِيرًا عَن سَبَب التهاجي بَينه وَبَين شعراء عصره فَبين لَهُ جرير سَبَب كل وَاحِد. إِلَى أَن قَالَ الْحجَّاج: ثمَّ من قَالَ: ثمَّ التَّيْمِيّ عمر بن لَجأ. قَالَ: وَمَا لَك وَله قَالَ: حسدني فعاب عَليّ بَيْتا كنت قلته فحرفه:)

(لقومي أحمى للْحَقِيقَة مِنْكُم

وأضرب للجبار وَالنَّقْع سَاطِع)

فَقَالَ لي: إِنَّمَا قلت:

وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّة فصيرت نِسَاءَك قد أردفن عدوة ولحقتهن عَشِيَّة وَقد فضحن وَلم أَقَله كَمَا حكى. قَالَ الْحجَّاج: فَمَا قلت لَهُ قَالَ: قلت: لَهُ أحذره وَأحذر قومه: يَا تيم تيم عدي لَا أَبَا لكم

الْبَيْت قَالَ: فنقض عَليّ بأشد مِمَّا قلت لَهُ فَقَالَ: لقد كذبت وَشر القَوْل أكذبه

الْبَيْت قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَأما كردين المسمعي فَأَخْبرنِي قَالَ: كَانَ بَدْء الشَّرّ بَين ابْن لَجأ وَجَرِير: أَن لُقْمَان الْخُزَاعِيّ قدم على صدقَات الربَاب فحضرته وُجُوه الربَاب وَفِيهِمْ عمر بن لَجأ فأنشده:

(تأوبني ذكرٌ لزولة كالخبل

وَمَا حَيْثُ تلقى بالكثيب وَلَا السهل)

(تريدين أَن أرْضى وَأَنت بخيلةٌ

وَمن ذَا الَّذِي يُرْضِي الأخلاء بالبخل)

ص: 301

حَتَّى فرغ مِنْهَا. فَقَالَ لَهُ لُقْمَان: مَا زلنا نسْمع بِالشَّام أَن هَذِه لجرير فَقَالَ عمر بن لَجأ: إِنِّي لأكذب شيخ فِي الأَرْض إِن ادعيت شعر جرير. ثمَّ أنشدته على رُؤُوس النَّاس وجماعات الربَاب فأبلغ لُقْمَان جَرِيرًا مقَالَة عمر قَالَ: فَزعم عمر أَنَّك سرقتها مِنْهُ فَقَالَ جرير: وَأَنا أحتاج إِلَى أَن أسرق شعر عمر وَهُوَ الْقَائِل فِي إبِله ووصفها حَتَّى جعلهَا كالجبال ثمَّ جعل فَحلهَا كالظرب وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير فِي الغلظ من الأَرْض فَقَالَ: كالظرب الْأسود من وَرَائِهَا ثمَّ قَالَ: جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَالله مَا شعره من نمط وَاحِد وَإنَّهُ لمختلف الْعُيُون فأبلغ لُقْمَان عمر قَول جرير وَمَا عَابَ من قَوْله فَقَالَ عمر: أيعيب جرير قولي:

جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَإِنَّمَا أردْت لينه وَلم أرد أَثَره وَقد قَالَ هُوَ أقبح من هَذَا حِين يَقُول: وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّة)

فلحقهن بعد مَا نكحن وفضحن فَقَالَ جرير: حرف قولي إِنَّمَا قلت: عِنْد المرهفات عَشِيَّة.

فَوَقع الشَّرّ بَينهمَا. انْتهى.

وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س:

ص: 302

(يَا زيد زيد اليعملات الذبل

تطاول اللَّيْل عَلَيْك فَانْزِل)

لما ذكر فِي الْبَيْت قبله. وَهُوَ ظَاهر. واليعملات. بِفَتْح الْيَاء وَالْمِيم: الْإِبِل القوية على الْعَمَل. والذبل: جمع ذابل أَي: ضامرة من طول السّفر. وأضاف زيدا إِلَيْهَا لحسن قِيَامه عَلَيْهَا ومعرفته بحدائها. وَقَوله: تطاول اللَّيْل عَلَيْك. . الخ رُوِيَ: هديت بدل عَلَيْك وَهُوَ الْمُنَاسب. أَي: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن اللَّيْل قد طَال وَحدث لِلْإِبِلِ الكلال فنشطها بالحداء وأزل عَنْهَا الإعياء.

وَهَذَا الْبَيْت لعبد الله بن رَوَاحَة الصَّحَابِيّ رضي الله عنه لَا لبَعض ولد جرير خلافًا لشراح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ بيتان لَا ثَالِث لَهما قالهما فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي

بِأَدْنَى البلقاء من أَرض الشَّام وَكَانَت فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان من الْهِجْرَة.

قَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب: ذكر ابْن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يَتِيما فِي حجر عبد الله بن رَوَاحَة فَخرج بِهِ مَعَه إِلَى مُؤْتَة يحملهُ على حقيبة رَحْله فَسَمعهُ زيد بن أَرقم من اللَّيْل وَهُوَ يتَمَثَّل أبياته الَّتِي يَقُول فِيهَا:

(إِذا أديتني وحملت رحلي

مسيرَة أربعٍ بعد الحساء)

(وَجَاء الْمُؤْمِنُونَ وغادروني

بِأَرْض الشَّام مُنْتَهى الثواء)

فَبكى زيد بن أَرقم فخفقه عبد الله بن رَوَاحَة بِالدرةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْك

ص: 303

يَا لكع أَن يَرْزُقنِي الله الشَّهَادَة وَترجع بَين شُعْبَتَيْ الرحل. . ولزيد بن أَرقم يَقُول عبد الله بن رَوَاحَة: يَا زيد زيد اليعملات الذبل تطاول اللَّيْل هديت فَانْزِل وَقيل: بل قَالَ ذَلِك فِي غزرة مُؤْتَة لزيد بن حَارِثَة انْتهى.

وَهَذَا الثَّانِي بعيد فَإِنَّهُ يستبعد أَن يُقَال لأمير الْجَيْش: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن زيد بن حَارِثَة كَانَ أَمِير الْجَيْش فِي غَزْوَة مُؤْتَة كَمَا سَيَأْتِي.)

وَقَوله: وخلاك ذمّ أَي: تجاوزك الذَّم دُعَاء لَهَا. وَقَوله: وَلَا أرجع مجزوم بِالدُّعَاءِ وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ لَا أرجع انْتهى. وعبد الله بن رَوَاحَة أَنْصَارِي خزرجي. وَهُوَ أحد النُّقَبَاء. شهد الْعقبَة وبدراً وأحداً وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة وَعمرَة الْقَضَاء والمشاهد كلهَا إِلَّا الْفَتْح وَمَات بعده لِأَنَّهُ قتل يَوْم مُؤْتَة شَهِيدا. وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَأحد الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ الَّذين كَانُوا يردون الْأَذَى عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ. وَفِيه وَفِي صَاحِبيهِ حسان وَكَعب بن مَالك نزلت: إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا الْآيَة.

ص: 304

وَسبب غَزْوَة مُؤْتَة: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ بعث الْحَارِث بن عُمَيْر الْأَزْدِيّ بكتابه إِلَى الشَّام إِلَى ملك الرّوم وَقيل إِلَى ملك بصرى فَعرض لَهُ شُرَحْبِيل ابْن عَمْرو الغساني فأوثقه رِبَاطًا وَضرب عُنُقه صبرا وَلم يقتل لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ رسولٌ غَيره فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ حِين بلغه الْخَبَر فَبعث بَعثه صلى الله عليه وسلم َ إِلَى مُؤْتَة وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ: إِن أُصِيب زيدٌ فجعفر ابْن أبي طَالب فَإِن أُصِيب فعبد الله بن رَوَاحَة. فتجهز ثَلَاثَة آلَاف رجل ثمَّ مضوا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هِرقل وَالْعرب فِي مشارف من قرى البلقاء وانحاز الْمُسلمُونَ إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة وَكَانَ الرّوم مائَة ألف. وانضم إِلَيْهِم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائَة ألف أُخْرَى ثمَّ الْتَقَوْا فَاقْتَتلُوا. فقاتل زيد بن حَارِثَة براية رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ حَتَّى قتل شَهِيدا فَأَخذهَا جَعْفَر ثمَّ قتل ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فَقتل فَأخذ الرَّايَة خَالِد بن الْوَلِيد ودافع النَّاس ثمَّ انحاز وانحيز عَنهُ حَتَّى انْصَرف بِالنَّاسِ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ.

وَأما زيد بن أَرقم فَهُوَ أَنْصَارِي خزرجي من بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج. وَزيد ابْن أَرقم هُوَ الَّذِي رفع إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ عَن عبد الله بن أبي ابْن سلول قَوْله: لَئِن رَجعْنَا)

إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فأكذبه عبد الله بن أبي وَحلف فَأنْزل الله تَصْدِيق زيد بن أَرقم فبشره أَبُو بكر بِتَصْدِيق الله إِيَّاه. وَجَاء إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فَأخذ بأذن زيد وَقَالَ: وفت أُذُنك يَا غُلَام. وَشهد مَعَ عَليّ وقْعَة صفّين وَهُوَ مَعْدُود فِي خَاصَّة أَصْحَابه.

ص: 305

وَنزل الْكُوفَة وسكنها وابتنى بهَا دَارا وَبهَا كَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ.

وَأما زيد بن حَارِثَة فَهُوَ مولى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ كَانَ أَصَابَهُ سباء فِي الْجَاهِلِيَّة فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة بنت خويلد فَوَهَبته خَدِيجَة لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ فَتَبَنَّاهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ بِمَكَّة قبل النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. ثمَّ إِن نَاسا من كلب حجُّوا فَرَأَوْا زيدا فعرفهم وعرفوه فَقَالَ لَهُم: أبلغوا أَهلِي هَذِه الأبيات فَإِنِّي أعلم أَنهم قد جزعوا عَليّ فَقَالَ:

(أحن إِلَى قومِي وَإِن كنت نَائِيا

فَإِنِّي قعيد الْبَيْت عِنْد المشاعر)

(فَإِنِّي بِحَمْد الله فِي خير أسرةٍ

كرامٍ معد كَابِرًا بعد كَابر)

فَانْطَلق الكلبيون فأعلموا أَبَاهُ فَقَالَ: ابْني وَرب الْكَعْبَة ووصفوا لَهُ مَوْضِعه وَعند من هُوَ.

فَخرج حَارِثَة وَكَعب أَخُوهُ لفدائه وقدما مَكَّة فدخلا على النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فِي الْمَسْجِد فَقَالَا: يَا ابْن عبد الْمطلب يَا ابْن هَاشم يَا ابْن سيد قومه أَنْتُم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطلقون الْأَسير جئْنَاك فِي ابننا عَبدك فَامْنُنْ علينا وَأحسن إِلَيْنَا فِي فدائه. قَالَ: من هُوَ قَالَا: زيد بن

حَارِثَة. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم َ: ادعوهُ فأخيره فَإِن اختاركم فَهُوَ لكم وَإِن اختارني فوَاللَّه مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار على من اختارني أحدا. قَالَا: قد زدتنا على النّصْف وأحسنت.

فَدَعَاهُ فَقَالَ: هَل تعرف هَؤُلَاءِ قَالَ: نعم هَذَا أبي وَهَذَا عمي قَالَ: فَأَنا من قد علمت وَرَأَيْت صحبتي لَك فاخترني أَو اخترهما. قَالَ زيد: مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْك أحدا أَنْت مني

ص: 306

مَكَان الْأَب وَالْعم فَقَالَا: وَيحك يَا زيد أتختار الْعُبُودِيَّة على الْحُرِّيَّة قَالَ: نعم قد رَأَيْت من هَذَا الرجل شَيْئا مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْهِ أحدا فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ ذَلِك أخرجه إِلَى الْحجر فَقَالَ: يَا من حضر اشْهَدُوا أَن زيدا ابْني يَرِثنِي وَأَرِثهُ. فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبوهُ وَعَمه طابت نفوسهما فانصرفا. ودعي زيد بن مُحَمَّد حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ فَنزلت: ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ فدعي يومئذٍ زيد بن حَارِثَة وَكَانَ)

يُقَال: لَهُ زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ وَشهد بَدْرًا وزوجه مولاته أم أَيمن فَولدت لَهُ أُسَامَة.

وَقتل زيد بمؤتة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وَهُوَ كَانَ الْأَمِير على تِلْكَ الْغَزْوَة. رُوِيَ عَنهُ صلى الله عليه وسلم َ أَنه قَالَ: أحب النَّاس إِلَيّ من أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ يَعْنِي زيد بن حَارِثَة.

أنعم الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وأنعم عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم َ بِالْعِتْقِ.

ولخصت التراجم من الِاسْتِيعَاب والغزوة من سيرة ابْن سيد النَّاس.

وَاعْلَم أَنِّي رَأَيْت فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي أرجوزة عدتهَا اثْنَان وَعِشْرُونَ بَيْتا مطْلعهَا: يَا زيد زيد اليعملات الذبل قَالَ: أَنْشدني بكير بن عبيد الربعِي. وَلَا أعلم من هُوَ: أهوَ سَابق على عبد الله بن رَوَاحَة أم لَاحق لَهُ. وَالظَّاهِر أَنه بعده فَإِن الرجز فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ لَا يتَجَاوَز الأبيات الثَّلَاثَة والربعة وَإِنَّمَا قَصده وأطاله الْأَغْلَب الْعجلِيّ كَمَا تقدم بَيَانه

فِي تَرْجَمته. وَالله أعلم.

ص: 307

وَأنْشد بعده وَهُوَ

(فَلَا وَالله لَا يلفى لما بِي

وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء)

على أَن اللَّام الثَّانِيَة فِي قَوْله: للما مُؤَكدَة للام الأولى.

وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي بَاب التوكيد وَفِي الْبَاء وَالْكَاف أَيْضا من حُرُوف الْجَرّ.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لمُسلم بن معبد الْوَالِبِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب: كَانَ السَّبَب فِي هَذِه القصيدة: أَن مُسلما كَانَ غَائِبا فَكتبت إبِله للمصدق أَي: لعامل الصَّدَقَة وَهِي الزَّكَاة وَكَانَ رقيع وَهُوَ عمَارَة بن عبيد الْوَالِبِي عريفاً فَظن مُسلم أَن رقيعاً أغراه وَكَانَ مُسلم ابْن أُخْت رقيع وَابْن عَمه فَقَالَ:

(بَكت إبلي وَحقّ لَهَا الْبكاء

وفرقها الْمَظَالِم والعداء)

(إِذا ذكرت عرافة آل بشرٍ

وعيشاً مَا لأوله انثناء)

(ودهراً قد مضى وَرِجَال صدقٍ

سعوا قد كَانَ بعدهمْ الشَّقَاء)

(إِذا ذكر العريف لَهَا اقشعرت

وَمَسّ جلودها مِنْهُ انزواء)

(فظلت وَهِي ضامرةٌ تفادى

من الجرات جاهدها الْبلَاء)

(وكدن بِذِي الرِّبَا يدعونَ باسمي

وَلَا أرضٌ لدي وَلَا سَمَاء))

ص: 308

(تؤمل رَجْعَة مني وفيهَا

كتابٌ مثل مَا لزق الغراء)

(فَلَيْسَ على ملامتناك لومٌ

وَلَيْسَ على الَّذِي نلقى بَقَاء)

(ألما أَن رَأَيْت النَّاس آبت

كلابهم عَليّ لَهَا عواء)

(ثنيت ركاب رحلك مَعَ عدوي

لمختتلٍ وَقد برح الخفاء)

(ولاخيت الرِّجَال بِذَات بيني

وَبَيْنك حِين أمكنك اللخاء)

(وَأي أخٍ لسلمك بعد حَرْبِيّ

إِذا قوم الْعَدو دعوا فجاؤوا)

(فَقَامَ الشَّرّ مِنْك وَقمت مِنْهُ

على رجلٍ وشال بك الْجَزَاء)

(هُنَالك لَا يقوم مقَام مثلي

من الْقَوْم الظنون وَلَا النِّسَاء)

(وَقد عيرتني وجفوت عني

فَمَا أَنا ويب غَيْرك والجفاء)

(وَقد يُغني الحبيب وَلَا تراخي

مودته الْمَغَانِم والحباء)

(ويوصل ذُو الْقَرَابَة وَهُوَ ناءٍ

وَيبقى الدَّين مَا بَقِي الْحيَاء)

(جزى الله الصَّحَابَة عَنْك شرا

وكل صحابة لَهُم جَزَاء)

(بفعلهم فَإِن خيرا فخيراً

وَإِن شرا: كَمَا مثل الْحذاء)

(وإياهم جزى عني وَأدّى

إِلَى كل بِمَا بلغ الْأَدَاء)

(وَقد أنصفتهم وَالنّصف يرضى

بِهِ الْإِسْلَام وَالرحم البواء)

ص: 309

.

(وَكنت لَهُم كداء الْبَطن يُؤْذِي

وَرَاء صَحِيحه مرضٌ عياء)

(جُوَيْن من الْعَدَاوَة قد وراهم

نشيش الغيظ وَالْمَرَض الضناء)

(إِذا مولى رهبت الله فِيهِ

وأرحاماً لَهَا قبلي رعاء)

(رأى مَا قد فعلت بِهِ موالٍ

فقد غمرت صُدُورهمْ وداؤوا)

(فَكيف بهم فَإِن أَحْسَنت قَالُوا

أَسَأْت وَإِن غفرت لَهُم أساؤوا)

(فَلَا وَأَبِيك لَا يلفى لما بِي

وَلَا للما بهم ابداً شِفَاء)

وَبَقِي من القصيدة اثْنَا عشر بَيْتا وصف إبِله فِيهَا.

قَوْله: الْمَظَالِم والعداء هُوَ جمع مظْلمَة بِكَسْر اللَّام وَهُوَ مَا أَخذه الظَّالِم وَكَذَلِكَ الظلامة والظليمة. والعداء بِالْفَتْح: الظُّلم وَتجَاوز الْحَد وَهُوَ مصدر عدا عَلَيْهِ.

وَقَوله: إِذا ذكرت ظرف لقَوْله بَكت إبلي وفاعل ذكرت ضمير الْإِبِل. وانثناء: انكفاف)

يُقَال ثناه: إِذا كَفه. وَقَوله: وَرِجَال صدق سعوا بِالنّصب مَعْطُوف على عرافة وسعوا أَي: تعاطوا أَخذ الزَّكَاة والساعي: من ولي شَيْئا على قوم وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي وُلَاة الصَّدَقَة. والانزواء: التقبض. وتفادى من كَذَا: إِذا تحاماه وانزوى عَنهُ. وَقَوله: عذرت النَّاس غَيْرك خطاب لرقيع ابْن عَمه وخلوت بهَا بِالْخِطَابِ أَي: سخرت بهَا يُقَال خلوت بِهِ: إِذا سخرت وَقَوله: ملامتناك أَي: لَو متْنا إياك. وَقَوله: ألما الْهمزَة اسْتِفْهَام توبيخي وَلما بِمَعْنى حِين مُتَعَلقَة بقوله ثنيت. وآبت: رجعت. وبرح: زَالَ. ولاخيت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: مالأت وساعدت. والظنون بِالْفَتْح: الرجل السَّيئ الظَّن وَهُوَ فَاعل يقوم. وويب بِمَعْنى ويل.

وَقَوله: يغنى الحبيب أَي: يصير غَنِيا وَلَا تراخي الْمَغَانِم وَالعطَاء مودته.

ص: 310

والصَّحَابَة الْأَصْحَاب. والْحذاء بِالْكَسْرِ: النَّعْل واحتذى: انتعل أَرَادَ: كَمَا صنع مثل الْحذاء مطابقاً لَهُ. وأنصفت الرجل إنصافاً: عاملته بِالْعَدْلِ وَالِاسْم النصفة بِالتَّحْرِيكِ والنّصْف بِفَتْح فَسُكُون. والبواء بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالْمدّ: السوَاء.

وَقَوله: لددتهم النَّصِيحَة اللدود بِالْفَتْح: مَا يصب من الْأَدْوِيَة فِي أحد شقي الْفَم ولددته لداً: صببت فِي فِيهِ صبا. ومجه: رَمَاه. وثنوا: عطفوا ومالوا. وَقَالَهُ: وقاؤوا بِالْقَافِ من الْقَيْء وصحفه الْعَيْنِيّ تصحيفاً فَاحِشا فَقَالَ: قَوْله: وفاؤوا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: وهم فاؤوا وَالْجُمْلَة حَالية ا. هـ وَهَذَا مِمَّا لَا يقْضى مِنْهُ الْعجب.

وَقَوله: وَكنت لَهُم كداء الْبَطن. . الخ دَاء الْبَطن: الإسهال ويوذي من الأذية وَالْوَاو مسهلة من همزَة وَالْجُمْلَة حَال من الدَّاء وَرَاء بِمَعْنى خلف وَبعد وَضمير صَحِيحه لداء الْبَطن وَالْمَرَض العياء بِالْفَتْح هُوَ الْمَرَض الَّذِي تعيا عَنهُ الْأَطِبَّاء وَالْجُمْلَة الاسمية حَال أَيْضا من الْبَطن.

يُرِيد أَن مَا أضمروه من بغضي قَاتلهم لَا محَالة لِأَنِّي كنت عِنْدهم بِمَنْزِلَة دَاء الْبَطن المؤذي نَشأ من أهونه مَا عجز عَنهُ الْأَطِبَّاء كالزحير والسل. وَقَوله: جُوَيْن من الْعَدَاوَة الخ هَذَا بَيَان لما قبله وجُوَيْن مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي: أَرَاهُم جُوَيْن وَهُوَ جمع جوٍ: صفة مشبهة من الجوى كعمٍ من الْعَمى جمع على طَريقَة جمع الْمُذكر السَّالِم والجوى: الحرقة وَشدَّة الوجد من عشق أَو حزن ووراهم من ورى الْقَيْح جَوْفه وريا: إِذا أكله ونشيش: فَاعل وراهم والنشيش: صَوت المَاء وَنَحْوه إِذا غلي على النَّار. والضناء بِالْفَتْح وَالْمدّ: اسْم مصدر ضني ضنىً من بَاب تَعب: مرض مَرضا ملازماً حَتَّى أشرف على الْمَوْت. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.)

وَقَوله: إِذا مولى رهبت

ص: 311

الله فِيهِ الْمولى هُنَا ابْن الْعم ورهبت الله فِيهِ أَي: خفت الله فِي جَانِبه. وَقَوله: قبلي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمُوَحدَة. والرعاء: جمع رَاع من الرِّعَايَة وَهِي تفقد الشَّيْء وَتَحفظه.

وَقَوله: رأى مَا قد فعلت بِهِ. . الخ مَا: مَوْصُولَة أَو نكرَة مَوْصُوفَة مفعول أول لرأي وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف أَي: سوأ وَنَحْوه وموَالٍ: فَاعل رأى وَهُوَ جمع مولى وغمرت: من الغمربالكسر وَهُوَ الحقد والغل يُقَال: غمر صَدره عَليّ بِالْكَسْرِ يغمر بِالْفَتْح غمراً بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا مَعَ فتح الأول

فيهمَا. وداؤوا أَي: مرضوا وَهُوَ فعل مَاض من الدَّاء يُقَال: دَاء وَقَوله: فَلَا وَأَبِيك. . الخ جملَة لَا يلفى جَوَاب الْقسم أَي: لَا يُوجد شفاءٌ لما بِي من الكدر وَلَا للما بهم: من دَاء الْحَسَد والللام الثَّانِيَة مُؤَكدَة للأولى. وروى صَاحب مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب.

(فَلَا وَالله لَا يلفى لما بِي

وَمَا بهم من الْبلوى. . الخ)

وَعَلِيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ. ومُسلم شَاعِر إسلامي فِي الدولة الأموية. وَهُوَ ابْن معبد بن طواف بتَشْديد الْوَاو ابْن وحوح بحاءينمهملتين ابْن عُوَيْمِر مصغر عَامر الْوَالِبِي نِسْبَة إِلَى والبة بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة.

وَأنْشد بعده وهوالشاهد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من أَبْيَات س: وصالياتٍ ككما يؤثفين على أَنه يُمكن أَن تكون الْكَاف الثَّانِيَة مُؤَكدَة للأولى قِيَاسا على اللامين فِي

الْبَيْت الَّذِي قبله وَهُوَ من قصيدة لخطام الْمُجَاشِعِي. وَهِي من بَحر السَّرِيع وَرُبمَا حسب من لَا يحسن الْعرُوض أَنه من الرجز كَمَا توهمه بَعضهم لِأَن الرجز لَا يكون فِيهِ معولات فَيرد إِلَى فعولات. وَمثله: قد عرضت أروى بقولٍ إفناد وَهُوَ مستفعلن مستفعلن فعولات. وأولها:

(حَيّ ديار الْحَيّ بَين الشهبين

وَطَلْحَة الدوم وَقد تعفين)

(لم يبْق من آي بهَا يحلين

غير حطامٍ ورمادٍ كنفين)

(وَغير نؤيٍ وحجاجي نؤيين

وَغير ود جاذلٍ أَو وَدين)

وصاليات ككما يؤثفين

ص: 313

وَمِنْهَا:

(ومهمهين قذفين مرَّتَيْنِ

ظهراهما مثل ظُهُور الترسين)

(جبتهما بالنعت لَا بالنعتين

على مطار الْقلب سامي الْعَينَيْنِ)

فَقَوله: حَيّ فعل أَمر من التَّحِيَّة. والْحَيّ: الْقَبِيلَة. والسهبان: مَوضِع وَكَذَا طَلْحَة الدوم وَلم يذكرهما الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم. وَالنُّون فِي تعفين: ضمير ديار الْحَيّ وتعفى بِمَعْنى عَفا اللَّازِم يُقَال: عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفواً وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ: درس. وَيَتَعَدَّى أَيْضا فَإِنَّهُ يُقَال: غفته الرّيح. والْآي: جمع آيَة بِمَعْنى الْعَلامَة. وَضمير تحلين لديار الْحَيّ والتحلية: الْوَصْف يُقَال: حليت الرجل تحلية: إِذا وَصفته.

يَقُول: لم يبْق من عَلَامَات حلولهم فِي دِيَارهمْ تحليها وتصفها غير مَا ذكر. وَمن زَائِدَة. وآي: فَاعل لم يبْق. وغير مَنْصُوب على الِاسْتِثْنَاء. وَجُمْلَة يحلين صفة لآي. وَبهَا مُتَعَلق بِهِ. والحطام بِضَم الْمُهْملَة: مَا تكسر من الْحَطب وَالْمرَاد بِهِ: دق الشّجر الَّذِي قطعوه فظللوا بِهِ الْخيام. ورماد مُضَاف إِلَى كنفين أَي: رماد من جَانِبي الْموضع وَلَو رُوِيَ بِالتَّنْوِينِ لم يكن خطأ.)

ص: 314

وَرُوِيَ أَيْضا: وماثلات أَي: منتصبات. والأثافي: جمع أثفية وَهِي الْأَحْجَار الثَّلَاثَة الَّتِي ينصب عَلَيْهَا الْقدر. ومَا فِي قَوْله: ككما قَالَ: الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة القصرية: يجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة كَأَنَّهُ قَالَ: مثل الإثفاء

وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة بِمَنْزِلَة الَّذِي كَقَوْلِه: فَإِن الَّذِي حانت بفلج دِمَاؤُهُمْ ا. هـ وَالْكَاف الأولى جَارة وَالثَّانيَِة مُؤَكدَة لَهَا كَمَا قَالَ الشَّارِح. وَهَذَا مَأْخُوذ من الْكَشَّاف قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَيْسَ كمثله شيءٌ: لَك أَن تزْعم أَن كلمة التَّشْبِيه كررت للتَّأْكِيد كَمَا كررها من قَالَ: وصاليات ككما يؤثفين وَإِذا كَانَ من بَاب التوكيد جَازَ أَن يكون الكافان اسْمَيْنِ أَو حرفين فَلَا يكون دَلِيل على اسمية الثَّانِيَة فَقَط.

وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أدب الْكَاتِب: أجْرى الْكَاف الجارة مجْرى مثل فَأدْخل عَلَيْهَا كافاً ثَانِيَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَمثل مَا يؤثفين. وَمَا مَعَ الْفِعْل بِتَقْدِير الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: كَمثل إثفائها أَي: إِنَّهَا على حَالهَا حِين أثفيت.

والكافان لَا يتعلقان بِشَيْء فَإِن الأولى زَائِدَة وَالثَّانيَِة قد

ص: 315

أجريت مجْرى الْأَسْمَاء لدُخُول الْجَار عَلَيْهَا وَلَو سَقَطت الأولى وَجب أَن تكون الثَّانِيَة مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف صفة لمصدر مُقَدّر مَحْمُول)

على معنى الصاليات لِأَنَّهَا نابت مناب مثفيات فَكَأَنَّهُ قَالَ: ومثفيات إثفاءً مثل إثفائها حِين نصبت للقدر. وَلَا بُد من هَذَا التَّقْدِير ليَصِح اللَّفْظ وَالْمعْنَى.

وَأما قَوْله: يؤثفين فقد اخْتلف النحويون فِي وَزنه: فَقَالَ قوم: وَزنه يؤفعلن

والهمزة زَائِدَة والثاء فِيهِ ثاء الْفِعْل فَكَانَ يجب أَن يَقُول يثفين لكنه جَاءَ على الأَصْل ضَرُورَة كَمَا قَالَ الْأُخَر: فَإِنَّهُ أهلٌ لِأَن يؤكرما وعَلى هَذَا فأثفية أفعولة. فأصلها أثفوية قلبت الْوَاو يَاء وأدغمت فِي الْيَاء وَكسرت الْفَاء لتبقى الْيَاء على حَالهَا وَاسْتَدَلُّوا على زِيَادَة الْهمزَة بقول الْعَرَب: ثفيت الْقدر إِذا جَعلتهَا على الأثافي. . وَقَالَ قوم: وَزنه يفعلين فالهمزة أصل وَوزن أثفية على هَذَا فعلية وَاسْتَدَلُّوا بقول النَّابِغَة:

(لَا تقذفني بركنٍ لَا كفاء لَهُ

وَإِن تأثفك الْأَعْدَاء بالرفد)

فَقَوله: تأثفك وَزنه تفعلك لَا يَصح فِيهِ غَيره وَلَو كَانَ من ثفيت الْقدر لقَالَ تثفاك. وَمَعْنَاهُ صَار أعدائي حولك كالأثافي تظافراً.

قَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني: ويفعلين أولى من يؤفعلن لنه لَا ضَرُورَة فِيهِ.

وَقَوله: ومهمهين قذفين

الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النُّحَاة أنْشدهُ

الزّجاج فِي بَاب مَا جَاءَ من الْمثنى بِلَفْظ الْجمع. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى

ص: 316

فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الْخَمْسمِائَةِ فِي بَاب الْمثنى. والمهمة: القفر الْمخوف قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل: واشتقاقه من قَوْلك مهمهت بِالرجلِ: إِذا زجرته فَقلت لَهُ: مَه مَه. أَرَادَ: أَن سالكه يخفي صَوته وحركته من خَوفه فَإِن رفع صَاحبه صَوته قَالَ لَهُ: مَه مَه. وَنَظِير هَذَا مَا ذكره اللغويون فِي قَول أبي ذُؤَيْب: على أطرقا باليات الْخيام فَإِنَّهُم ذكرُوا: أَن أطرقا مَوضِع وَأَنه سمي بذلك لِأَن ثَلَاثَة أنفس مروا بِهِ فَتكلم أحدهم مَعَ صَاحبه فَقَالَ لَهما الثَّالِث. أطرقا. والْقَذْف بِفَتْح الْقَاف والذال الْمُعْجَمَة: الْبعيد من الأَرْض. والمرت بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة: الأَرْض الَّتِي لَا مَاء بهَا وَلَا نَبَات. والظّهْر: مَا ارْتَفع من الأَرْض شبهه بِظهْر ترس: فِي ارتفاعه وتعريه من النبت كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: وَقَوله: جبتهما بالنعت. . الخ أَي: نعتا لي مرّة وَاحِدَة فَلم أحتج إِلَى أَن ينعتا لي مرّة ثَانِيَة)

وصف نَفسه بالحذق والمهارة. وَهَذَا يشبه مَا أنْشدهُ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة:

(ومهمهٍ أَعور إِحْدَى الْعَينَيْنِ

بَصِير الْأُخْرَى وأصم الْأُذُنَيْنِ)

قطعته بالسمت لَا بالسمتين

قَوْله: أَعور الخ قَالَ أَبُو عَليّ: كَانَت فِي هَذَا الْموضع بئران فعورت

ص: 317

إِحْدَاهمَا وَبقيت الْأُخْرَى فَلذَلِك قَالَ: أَعور إِحْدَى الْعَينَيْنِ. وَقَوله: وأصم الْأُذُنَيْنِ يَعْنِي: أَنه لَيْسَ بِهِ جبلٌ فَيسمع صَوت الصدى مِنْهُ. وَقَوله: بالسمت. . الخ أَي: قيل لي مرّة وَاحِدَة فاكتفيت. وواو ومهمهين وَاو رب وجوابها جبتهما. خطام الْمُجَاشِعِي بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ الزِّمَام. قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ خطام الرّيح الْمُجَاشِعِي الراجز وَهُوَ خطام بن نصر بن عِيَاض بن يَرْبُوع من بني الْأَبْيَض بن مجاشع بن دارم. وَهُوَ الْقَائِل: وماثلاتٍ ككما يؤثفين ا. هـ وَذكر الصَّاغَانِي فِي الْعباب: أَن اسْمه بشر بِكَسْر الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة.

وَقَالَ الْآمِدِيّ: وَمِنْهُم من يُقَال لَهُ: خطام الْكَلْب واسْمه بجير بِضَم الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم ابْن

(وَالله مَا أشبهني عِصَام

لَا خلقٌ مِنْهُ وَلَا قوام)

نمت وعرق الْخَال لَا ينَام وَأنْشد بعده وهوالشاهد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:

ص: 318

بَين ذراعي وجبهة الْأسد هَذَا عجزٌ وصدره: يَا من رأى عارضاً أسر بِهِ على أَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مَحْذُوف بِقَرِينَة الْمُضَاف إِلَيْهِ الثَّانِي أَي بَين ذراعي الْأسد وجبهته.

تقدم الْكَلَام على مثل هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين وَمن: منادى وَقيل: مَحْذُوف المنادى أَي: يَا قوم وَمن استفهامية. والرؤية بصرية. والْعَارِض: السَّحَاب الَّذِي يعْتَرض الْأُفق.

وَجُمْلَة أسر بِهِ صفةٌ لعَارض. والذراعان والجبهة: من منَازِل الْقَمَر الثَّمَانِية وَالْعِشْرين فالذراعان أَرْبَعَة كواكب كل كوكبين مِنْهُمَا ذِرَاع.

قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فِي كتاب الأنواء. ذِرَاع الْأسد المقبوضة وهما كوكبان نيران بَينهمَا كواكب صغَار يُقَال لَهَا: الْأَظْفَار كَأَنَّهَا فِي مَوَاضِع مخالب الْأسد فَلذَلِك قيل لَهَا الْأَظْفَار.

وَإِنَّمَا قيل لَهَا الذِّرَاع الْأُخْرَى وَهِي مَقْبُوضَة عَنْهَا ونوءها يكون لليلتين تمضيان من كانون الثَّانِي يسْقط الذِّرَاع فِي الْمغرب غدْوَة وتطلع الْبَلدة والنسر الطَّائِر فِي الْمشرق غدْوَة. وَفِيه يجمد المَاء ويشتد الْبرد.

والجبهة: أَرْبَعَة كواكب فِيهَا عوج أَحدهمَا براق وَهُوَ الْيَمَانِيّ مِنْهَا وَإِنَّمَا سميت الْجَبْهَة لِأَنَّهَا كجبهة الْأسد. ونوءها يكون لعشر تمْضِي من شباط تسْقط الْجَبْهَة فِي الْمغرب غدْوَة ويطلع سعد السُّعُود من الْمشرق غدْوَة. وَفِيه تقع الْجَمْرَة الثَّالِثَة ويتحرك أول

ص: 319

العشب ويصوت الطير ويورق الشّجر وَيكون مطرٌ جود. وَيُسمى نوء الْأسد لِأَنَّهُ يتَّصل بهَا كواكب فِي جبهة الْأسد. . وَخص هَاتين المنزلتين لِأَن السَّحَاب الَّذِي ينشأ بِنَوْء من منَازِل الْأسد يكون مطره غزيراً فَلذَلِك يسر بِهِ.

والنوء: غيبوبة الْكَوْكَب فِي الْمغرب غدْوَة وطلوع رقيبه فِي الْمشرق غدْوَة وَسمي النوء لِأَنَّهُ ناء أَي: نَهَضَ للغيوب.

قَالَ الزّجاج: وَالَّذِي أخْتَار مَذْهَب الْخَلِيل: وَهُوَ أَن النوء اسْم الْمَطَر الَّذِي يكون مَعَ سُقُوط النَّجْم فاسم مطر الْكَوْكَب السَّاقِط النوء ا. هـ.

وَكَانَت الْعَرَب تزْعم أَنه يحدث عِنْد نوء كل منزل مطرٌ أَو ريح أَو حر أَو برد وَهَذَا الَّذِي)

رُوِيَ فِي الحَدِيث. أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ قَالَ: ثَلَاث من أَمر الْجَاهِلِيَّة: الطعْن فِي النساب والنياحة وَالِاسْتِسْقَاء بالأنواء وَهُوَ أَن تضيف الْمَطَر إِلَى الْكَوْكَب الَّذِي ينوء.

قَالَ الأعلم: وصف عَارض سحابٍ اعْترض بَين نوء الذِّرَاع ونوء الْجَبْهَة وهما من أنواء الْأسد وأنواؤه أَحْمد الأنواء. وَذكر الذراعين والنوء إِنَّمَا هُوَ لِلذِّرَاعِ المقبوضة مِنْهُمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي أَعْضَاء السد. وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى: يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان يُرِيد من الْبَحْرين الْملح والعذب وَإِنَّمَا يخرج اللُّؤْلُؤ والمرجان من الْملح لَا مِنْهُمَا.

وَهَذَا الْبَيْت للفرزدق. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.

ص: 320

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب هَذَا صدر وعجزه قد أنْشدهُ فِي بَاب النَّعْت.

على أَن أُمَيْمَة جَاءَ بِفَتْح التَّاء وَالْقِيَاس ضمهَا.

وَاخْتلفُوا فِي التَّوْجِيه. فَقَالَ الْجُمْهُور. إِنَّه مرخم وَالْأَصْل يَا أميم ثمَّ أدخلت الْهَاء غير مُعْتَد بهَا وَفتحت لِأَنَّهَا وَقعت موقع مَا يسْتَحق الْفَتْح وَهُوَ مَا قبل هَاء التَّأْنِيث.

لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن الْهَاء زَائِدَة وَفتحت إتباعاً لحركة الْمِيم. وَالثَّانِي أَنَّهَا أدخلت بَين الْمِيم وفتحتها. فالفتحة الَّتِي فِي أَولهَا هِيَ فَتْحة الْمِيم ثمَّ فتحت الْمِيم إتباعاً لحركة الْهَاء. . وَقيل: جَاءَ هَذَا على أصل المنادى وَلم ينون لِأَنَّهُ غير منصرف. وَقيل: هُوَ مَبْنِيّ على الْفَتْح لِأَن مِنْهُم من يَبْنِي المنادى الْمُفْرد على الْفَتْح لِأَنَّهَا حَرَكَة تشابه حَرَكَة إعرابه فَهُوَ نَظِير: لَا رجل فِي الدَّار.

وَقَوله: كليني أمرٌ من وكلت الْأَمر إِلَيْهِ وكلا من بَاب وعد ووكولاً: إِذا فوضته إِلَيْهِ واكتفيت بِهِ. وأُمَيْمَة تَصْغِير ترخيم أُمَامَة وَهِي بنته. وناصب بِمَعْنى منصب: من النصب وَهُوَ التَّعَب فجَاء بِهِ

ص: 321

على طرح الزَّائِد وَحمله سِيبَوَيْهٍ على النّسَب أَي: ذِي نصب كَمَا يُقَال: طَرِيق خَائِف أَي: ذُو خوف. وأقاسيه: أكابده. يَقُول: دعيني لهَذَا الْهم المتعب ومقاساة اللَّيْل البطيء الْكَوَاكِب بالسهر وَلَا تزيديني لوماً وعذلاً وَجعل بطء الْكَوَاكِب دَلِيلا على طول اللَّيْل)

كَأَنَّهَا لَا تغرب فينقضي اللَّيْل. وَمَا أحسن قَول بَعضهم:

(ليلِي كَمَا شَاءَت فَإِن لم تجئ

طَال وَإِن جَاءَت فليلي قصير)

وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للنابغة الذبياني مدح بهَا عَمْرو بن الْحَارِث الْأَعْرَج ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر بن أبي شمر بِفَتْح وَكسر وَيُقَال: شمر بِكَسْر فَسُكُون حِين هرب إِلَى الشَّام لما بلغه سعي بن ربيعَة بن قزيع بِهِ إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وخافه. وَهَذَا عَن أبي عبيد. وَقَالَ غَيره: هُوَ ابْن الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث الْأَكْبَر بن أبي شمر. وَبعده:

(تطاول حَتَّى قلت لَيْسَ بمنقضٍ

وَلَيْسَ الَّذِي يرْعَى النُّجُوم بآيب)

(وصدرٍ أراح اللَّيْل عَازِب همه

تضَاعف فِيهِ الْحزن من كل جَانب)

ص: 322

(عَليّ لعمرٍ ونعمةٌ بعد نعمةٍ

لوالده لَيست بِذَات عقارب)

وَمِنْهَا:

(وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم

بِهن فلولٌ من قراع الْكَتَائِب)

وَسَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمُسْتَثْنى.

قَوْله: وَصدر مَعْطُوف على قَوْله: لَهُم فِي أول الْبَيْت. وأراح بمهملتين: متعدي راحت الْإِبِل بالْعَشي على أَهلهَا أَي: رجعت من المرعى إِلَيْهِم. والعازب بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: الْغَائِب من عزب الشَّيْء عزوباً من بَاب قعد: بعد وعزب من بَابي قتل وَضرب: وَقَوله: لَيست. . الخ الْجُمْلَة صفة إِمَّا لنعمةٌ المرفوعة أَو لنعمةٍ المجرورة أَي: نعْمَة غير مشوبة بنقمة كنعمة النُّعْمَان بن الْمُنْذر. وَعَمْرو هَذَا هُوَ الغساني من مُلُوك الشَّام.

قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: أول من ولي الشَّام من غَسَّان الْحَارِث بن عَمْرو

محرق. سمي بذلك لِأَنَّهُ أول من حرق الْعَرَب فِي ديارها وَهُوَ الْحَارِث الْأَكْبَر يكنى أَبَا شمر. . ثمَّ ابْنه الْحَارِث بن أبي شمر وَهُوَ الْحَارِث الْأَعْرَج وَأمه مَارِيَة ذَات القرطين وَهِي مَارِيَة بنت ظَالِم بن وهب بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة الْكِنْدِيّ وَأُخْتهَا هِنْد الهنود امْرَأَة حجر كل المرار الْكِنْدِيّ. وَإِلَى الْحَارِث الْأَعْرَج زحف الْمُنْذر الْأَكْبَر فَانْهَزَمَ جَيْشه

ص: 323

وَقتل هُوَ. . ثمَّ الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث. . وَهُوَ ولد الْحَارِث الْأَعْرَج ثمَّ عَمْرو بن الْحَارِث وَكَانَ يُقَال لَهُ أَبُو شمر الْأَصْغَر. وَله يَقُول نَابِغَة بني ذبيان:

(عَليّ لعمرٍ نعمةٌ بعد نعمةٍ

لوالده لَيست بِذَات عقارب))

وَمن ولد الْأَعْرَج أَيْضا: الْمُنْذر والأيهم أَبُو جبلة. وجبلة آخر مُلُوك غَسَّان وَكَانَ طوله اثْنَي وَكَانَ أصل هَؤُلَاءِ من الْيمن وَكَانُوا من غَسَّان وَقيل من قضاعة. وَأول مُلُوكهمْ النُّعْمَان بن عَمْرو بن مَالك. ثمَّ من بعده ابْنه مَالك. ثمَّ من بعد مَالك ابْنه عَمْرو. . إِلَى خُرُوج مزيقيا وَهُوَ عَمْرو بن عَامر من الْيمن فِي قومه من الأزد وَسمي مزيقيا لِأَنَّهُ كَانَ يمزق كل يَوْم حلَّة لَا يعود إِلَى لبسهَا ثمَّ يَهَبهَا.

وَسمي عامرٌ مَاء السَّمَاء لِأَنَّهُ كَانَ يَجِيء فِي الْمحل فينوب عَن الْغَيْث بالرفد وَالعطَاء. ومزيقيا: ابْن حَارِثَة الغطريف بن ثَعْلَبَة البهلول بن امْرِئ

ص: 324

الْقَيْس البطريق بن

مَازِن قَاتل الْجُوع ابْن الأزد لما خرج مزيقيا من الْيمن كَانَ مَعَه رجل اسْمه جذع بن سِنَان فنزلوا بِلَاد عك فَقتل جذعٌ ملك بِلَاد عك وافترقت الأزد وَالْملك فيهم حِينَئِذٍ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بت عَامر فَانْصَرف عَامله فحارب جرهم فأجلاهم عَن مَكَّة واستولوا عَلَيْهَا زَمَانا ثمَّ أَحْدَثُوا الْأَحْدَاث. وَجَاء قصي بن كلاب فَجمع معداً وَبِذَلِك سمي مجمعا واستعان ملك الرّوم فأعانه وَحَارب الأزد فَغَلَبَهُمْ وَاسْتولى على مَكَّة. فَلَمَّا رَأَتْ الأزد ضيق الْعَيْش بِمَكَّة ارتحلت وانخزعت خُزَاعَة لولاية الْبَيْت وَبِذَلِك سميت فَصَارَ بعض الأزد إِلَى السوَاد فملكوا عَلَيْهِم مَالك بن فهم أَبَا جذيمة الأبرش وَصَارَ قوم إِلَى يثرب فهم الْأَوْس والخزرج وَصَارَ قوم إِلَى عمان وَصَارَ قوم إِلَى الشَّام وَفِيهِمْ جذع بن سِنَان وَأَتَاهُ عَامل الْملك فِي خرج وَجب عَلَيْهِ فَدفع إِلَيْهِ سَيْفه رهنا فَقَالَ لَهُ الرُّومِي: أدخلهُ فِي حر أمك فَغَضب جذع وقنعه بِهِ فَقتله فَقيل: خُذ من جذعٍ مَا أَعْطَاك وَصَارَت مثلا. ثمَّ استولوا على الشَّام كَمَا تقدم ذكره. وَالله أعلم.

تَتِمَّة روى المرزباني فِي الموشح عَن الصولي بِسَنَدِهِ: أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك تشاجر مَعَ أَخِيه مسلة فِي شعر امْرِئ الْقَيْس والنابغة الذبياني فِي وصف طول اللَّيْل أَيهمَا أَجود فرضيا بالشعبي فأحضر فأنشده الْوَلِيد: كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب. . الأبيات الثَّلَاثَة.)

وَأنْشد مسلمة قَول امْرِئ الْقَيْس:

ص: 325

(وليلٍ كموج الْبَحْر أرْخى سدوله

عَليّ بأنواع الهموم ليبتلي)

السدول: الستور. ويَبْتَلِي: ينظر مَا عِنْدِي من صَبر أَو جزع.

(فَقلت لَهُ لما تمطى بصلبه

وَأَرْدَفَ اعجازاً وناء بكلكل)

تمطى: امْتَدَّ. وصلبه: وَسطه. وأرْدف: أتبع. وأعجازه: مآخيره. وناء: نَهَضَ. والكلكل: الصَّدْر.

(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلي

بصبحٍ وَمَا الإصباح مِنْك بأمثل)

(فيالك من ليلٍ كَأَن نجومه

بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل)

المغار: الْحَبل الْمُحكم الفتل. ويذبل: جبل.

(كَأَن الثريا علقت فِي مصامها

بأمراس كتانٍ إِلَى صم جندل)

فِي مصامها: فِي مقَامهَا. والأمراس: الحبال. والجندل: الْحِجَارَة. والصم: الصلاب.

قَالَ: فَضرب الْوَلِيد بِرجلِهِ طَربا فَقَالَ الشّعبِيّ: بَانَتْ الْقَضِيَّة قَالَ الصولي: فَأَما قَول النَّابِغَة: وصدرٍ أراح اللَّيْل عَازِب همه فَإِنَّهُ جعل صَدره مألفاً للهموم وَجعلهَا كالنعم العازبة بِالنَّهَارِ عَنهُ الرَّائِحَة مَعَ اللَّيْل إِلَيْهِ كَمَا تريح الرُّعَاة السَّائِمَة بِاللَّيْلِ إِلَى مَكَانهَا.

وَهُوَ أول من وصف أَن الهموم متزايدة بِاللَّيْلِ وَتَبعهُ النَّاس فَقَالَ الْمَجْنُون:

ص: 326

(يضم إِلَيّ اللَّيْل أَطْفَال حبها

كَمَا ضم أزرار الْقَمِيص البنائق)

وَهَذَا من المقلوب: أَرَادَ: كَمَا ضم أزرار الْقَمِيص البنائق وَمثل هَذَا كثير فَجعل الْمَجْنُون مَا يَأْتِيهِ فِي ليله مِمَّا عزب عَنهُ فِي نَهَاره كالأطفال الناشئة. وَقَالَ ابْن الدمينة يتبع النَّابِغَة:

(أظل نهاري فِيكُم متعللاً

ويجمعني والهم بِاللَّيْلِ جَامع)

أَقْْضِي نهاري بِالْحَدِيثِ وبالمنى فالشعراء على هَذَا متفقون وَلم يشذ عَنهُ وَيُخَالِفهُ مِنْهُم إِلَّا أحذقهم بالشعر. والمبتدئ بِالْإِحْسَانِ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس: فَإِنَّهُ بحذقه وَحسن طبعه وجودة قريحته كره أَن يَقُول: إِن الْهم فِي حبه يخف عَنهُ فِي نَهَاره وَيزِيد فِي ليله فَجعل اللَّيْل وَالنَّهَار سَوَاء عَلَيْهِ فِي قلقه وهمه وجزعه)

وغمه فَقَالَ: أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل. . الْبَيْت وَقد أحسن فِي هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذهب إِلَيْهِ وَإِن كَانَت الْعَادة غَيره وَالصُّورَة لَا توجبه. وَقد صب الله على امْرِئ الْقَيْس بعده شَاعِرًا أرَاهُ اسْتِحَالَة مَعْنَاهُ فِي الْمَعْقُول وَأَن الصُّورَة تَدْفَعهُ وَالْقِيَاس لَا يُوجِبهُ وَالْعَادَة غير جَارِيَة بِهِ حَتَّى لَو كَانَ الرَّاد عَلَيْهِ من حذاق الْمُتَكَلِّمين مَا بلغ فِي كثير نثره مَا أَتَى بِهِ فِي قَلِيل نظمه وَهُوَ أَبُو نفر الطرماح بن حَكِيم الطَّائِي: فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ قصيدةً فَقَالَ:

(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا اصبح

ببم وَمَا الإصباح فِيك بأروح)

فَأتى بِلَفْظ امْرِئ الْقَيْس وَمَعْنَاهُ ثمَّ عطف محتجاً مستدركاً فَقَالَ:

ص: 327

(بلَى إِن للعينين فِي الصُّبْح رَاحَة

لطرحهما طرفيهما كل مطرح)

وَإِنَّمَا أجمع الشُّعَرَاء على ذَلِك. من تضَاعف بلائهم بِاللَّيْلِ وَشدَّة كلفهم لقلَّة المساعد وفقد الحبيب وَتَقْيِيد اللحظ عَن أقْصَى مرامي النّظر الَّذِي لابد أَن يُؤَدِّي إِلَى الْقلب بتأمله شَيْئا يُخَفف عَنهُ أَو يغلب عَلَيْهِ فينسى مَا سواهُ.

وأبيات امْرِئ الْقَيْس فِي وصف اللَّيْل اشْتَمَل الْإِحْسَان عَلَيْهَا ولاح الحذق فِيهَا وَبَان الطَّبْع بهَا فَمَا فِيهَا معابٌ إِلَّا من جِهَة وَاحِدَة عِنْد أُمَرَاء الْكَلَام والحذاق بِنَقْد الشّعْر وتمييزه وَهُوَ قَوْله: فَقلت لَهُ لما تمطى. . الْبَيْت لم يشْرَح فَقلت لَهُ إِلَّا فِي بَيت بعده. وَهَذَا عيب لِأَن خير الشّعْر مَا لم يحْتَج بَيت مِنْهُ إِلَى بَيت آخر. وَقد تبع النَّاس امْرأ الْقَيْس وَصَدقُوا قَوْله وَجعلُوا نهارهم كليلهم فَقَالَ البحتري فِي غضب الْفَتْح عَلَيْهِ:

(وألبستني سخط امْرِئ بت موهناً

أرى سخطه لَيْلًا مَعَ اللَّيْل مظلما)

وَكَأَنَّهُ من قَول أبي عُيَيْنَة فِي التَّذَكُّر لوطنه:

(طَال من ذكره بجرجان ليلِي

ونهاري عَليّ كالليل داجي)

وترجمة النَّابِغَة الذبياني قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.

3 -

(التَّرْخِيم)

الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

ص: 328

(خُذُوا حظكم يَا آل عكرم واذْكُرُوا

أواصرنا وَالرحم بِالْغَيْبِ تذكر)

على أَن الْكُوفِيّين أَجَازُوا ترخيم الْمُضَاف وَيَقَع الْحَذف فِي آخر الِاسْم الثَّانِي كَمَا فِي الْبَيْت وَفِي أَبْيَات أخر كَثِيرَة وَالْأَصْل يَا آل عِكْرِمَة. وَقَالُوا: الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة الشَّيْء الْوَاحِد فَجَاز ترخيمه كالمفرد. وَمنع البصريون هَذَا التَّرْخِيم وَقَالُوا: لَا حجَّة فِي هَذَا الْبَيْت وَأَمْثَاله لِأَنَّهُ مَحْمُول على الضَّرُورَة. والترخيم ضَرُورَة جَائِز فِي غير النداء أَيْضا كَقَوْلِه:

(أودى ابْن جلهم عبادٌ بصرمته

إِن ابْن جلهم أَمْسَى حَيَّة الْوَادي)

أَرَادَ جلهمة.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات تِسْعَة لزهير بن أبي سلمى. قَالَهَا لبني سليم وبلغه أَنهم يُرِيدُونَ الإغارة على غطفان. وَهِي هَذِه:

(رَأَيْت بني آل امْرِئ الْقَيْس أصفقوا

علينا وَقَالُوا: إننا نَحن أَكثر)

(سليم بن منصورٍ وأفناء عامرٍ

وَسعد بن بكرٍ والنصور وأعصر)

بَنو آل امْرِئ الْقَيْس: هوزان وسليم بِالتَّصْغِيرِ. وَقَوله: أصفقوا علينا أَي: اجْتَمعُوا يُقَال: أصفق الْقَوْم على كَذَا: إِذا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ. وَقَوله: سليم بن مَنْصُور أَي: مِنْهُم سليم. وأفناء عَامر: قبائلها. وَسعد بن بكر من هوزان وهم الَّذين كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ مس ترضعاً فيهم. والنصور: بَنو نصر وهم من هوزان أَيْضا سمي كل وَاحِد مِنْهُم باسم أَبِيه ثمَّ جمع. وأعصر أَبُو غَنِي وباهلة. وكل هَؤُلَاءِ من ولد عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضر.

ص: 329

(خُذُوا حظكم يَا آل عكرم واذْكُرُوا

أواصرنا وَالرحم بِالْغَيْبِ تذكر)

(خُذُوا حظكم من ودنا إِن قربنا

إِذا ضرستنا الْحَرْب نارٌ تسعر)

الْحَظ النَّصِيب. يَقُول: صونوا حظكم من صلَة الْقَرَابَة وَلَا تفسدوا مَا بَيْننَا وَبَيْنكُم فَإِن ذَلِك مِمَّا يعود مكروهه عَلَيْكُم. وآل عِكْرِمَة هم بَنو عِكْرِمَة ابْن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر ورخم عِكْرِمَة ضَرُورَة. والأواصر: جمع آصرة وَهِي مَا عطفك على رجلٍ. من رحم أَو قرَابَة أَو صهر أَو مَعْرُوف. والرَّحِم: مَوضِع تكوين الْوَلَد وتخفف بِسُكُون الْحَاء مَعَ فتح الرَّاء)

وَمَعَ كسرهَا أَيْضا فِي لُغَة بني كلاب ثمَّ سميت الْقَرَابَة والوصلة من جِهَة الْوَلَاء رحما فالرحم خلاف الْأَجْنَبِيّ وَهُوَ مؤنث فِي الْمَعْنيين. وَالرحم الَّتِي بَين قوم زُهَيْر وَبينهمْ: أَن مزينة من ولد أد بن طابخة بن الياس بن مُضر وَهَؤُلَاء من ولد قيس بن عيلان بن مُضر.

وَقَوله: إِذا ضرستنا الْحَرْب أَي: عضتنا بأضراسها وَهَذَا مثل للشدة. يَقُول: إِذا اشتدت الْحَرْب فالقرب منا مَكْرُوه وجانبنا شَدِيد. وَضرب النَّار مثلا لذَلِك. وَمعنى تسعر وَأَصله تتسعر تتقد.

(وَإِنَّا وَإِيَّاكُم إِلَى مَا نسومكم

لمثلان أَو أَنْتُم إِلَى الصُّلْح أفقر)

يَقُول: نَحن وَأَنْتُم مثلان فِي الِاحْتِجَاج إِلَى الصُّلْح وَترك الْغَزْو بل أَنْتُم إِلَى ذَلِك أحْوج وَأَشد افتقاراً إِلَيْهِ. وَمعنى نسومكم: نعرض عَلَيْكُم وندعوكم يُقَال: سمته الْخَسْف أَي: طلبت مِنْهُ غير الْحق وَحَمَلته على الذل والهوان.

(إِذا مَا سمعنَا صَارِخًا معجت بِنَا

إِلَى صَوته ورق المراكل ضمر)

الصَّارِخ هُنَا المستغيث. ومعجت بِنَا أَي: مرت مرا سَرِيعا فِي سهولة. وَقَوله: ورق المراكل ضمر هُوَ جمع أَوْرَق وَهُوَ الْأسود فِي غبرة والمركل

ص: 330

كجعفر: مَوضِع عقب الْفَارِس من جنب الْفرس. أَي: قد تحات الشّعْر وتساقط عَن مراكلها فاسود مَوْضِعه لِكَثْرَة الرّكُوب فِي الْحَرْب.

(وَإِن شل ريعان الْجَمِيع مَخَافَة

نقُول جهاراً وَيْلكُمْ لَا تنفرُوا)

(على رسلكُمْ إِنَّا سنعدي وراءكم

فتمنعكم أرماحنا أَو ستعذر)

يَقُول: إِن أحسن الْقَوْم بالعدو فطردوا أَوَائِل إبلهم وصرفوها عَن المرعى أمرناهم بِأَن لَا يَفْعَلُوا وَقُلْنَا لَهُم مجاهرةً: وَيْلكُمْ لَا تنفرُوا وَلَا تطردوها فَنحْن نمنعها من الْعَدو ونقاتل دونهَا. وشل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: طرد. وريعان كل شَيْء: أَوله. وَقَوله: على رسلكُمْ بِالْكَسْرِ أَي: على مهلكم ورفقكم وَالْمعْنَى: أمهلوا قَلِيلا. وَقَوله: سنعدي وراءكم أَي: سنعدي الْخَيل وراءكم يُقَال: عدا الْفرس وأعداه فارسه.

وَقَوله: ستعذر أَي: سنأتي بالعذر فِي الذب عَنْكُم يُقَال: أعذر الرجل فِي الْأَمر: إِذا اجْتهد وَبلغ الْعذر. وَقَوله: وَإِلَّا فَإنَّا. . الخ يَقُول: وَإِن لم يكن قتال فَإنَّا بالشربة أَي: بمنازلها الَّتِي تعلمُونَ نَحن فِيهَا آمنون نضرب بقداح الميسر وننحر النوق الْكَرِيمَة.)

وَرُوِيَ:

ص: 331

وَإِن شدّ رعيان الْجَمِيع مَخَافَة وشدّ بِمَعْنى فر. ورعيان: جمع رَاع. ووراءكم: أمامكم. وستعذر رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالضَّمِير للرماح. والشربة بِفَتْح الشين وَالرَّاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة: مَوضِع بِبِلَاد غطفان.

وَكَذَلِكَ اللوى. وزُهَيْر هُوَ زُهَيْر بن أبي سلمى. وَاسم أبي سلمى ربيعَة بن ريَاح الْمُزنِيّ من مزينة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر وَكَانَت محلتهم فِي بِلَاد غطفان. فيظن النَّاس أَنه من غطفان أَعنِي زهيراً وَهُوَ غلط. كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر. وَكَأن هَذَا ردٌ لما قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء فَإِنَّهُ قَالَ: زُهَيْر هُوَ ابْن ربيعَة بن قرط. وَالنَّاس ينسبونه إِلَى مزينة وَإِنَّمَا نسبه إِلَى غطفان ا. هـ.

وسلمى بِضَم السِّين قَالَ فِي الصِّحَاح: لَيْسَ فِي الْعَرَب سلمى بِالضَّمِّ غَيره ورياح بِكَسْر الرَّاء وَبعدهَا مثناة تحتية.

وَزُهَيْر أحد الشُّعَرَاء الثَّلَاثَة الفحول الْمُتَقَدِّمين على سَائِر الشُّعَرَاء بالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَقْدِيم أحدهم على الآخر وهم: امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة الذبياني. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: إِنَّه لم يتَّصل الشّعْر فِي ولد أحد من الفحول فِي الْجَاهِلِيَّة مَا اتَّصل فِي ولد زُهَيْر وَفِي الْإِسْلَام مَا اتَّصل فِي ولد جرير. وَكَانَ زُهَيْر راوية أَوْس بن حجر.

وَعَن عِكْرِمَة بن جرير قَالَ: قلت لأبي: من أشعر النَّاس قَالَ: أجاهلية أم إسلامية قلت: جَاهِلِيَّة. قَالَ: زُهَيْر.

ص: 332

قلت: فالإسلام قَالَ: الفرزدق. قلت: فالأخطل. قَالَ: الأخطل يجيد نعت الْمُلُوك ويصيب صفة الْخمر. قلت لَهُ: فَأَنت قَالَ: أَنا نحرت الشّعْر نحراً.

وَقَالَ ثَعْلَب وَهُوَ مِمَّن قدم زهيراً: كَانَ أحْسنهم شعرًا وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير فِي الْمَعْنى فِي قَلِيل من الْمنطق وأشدهم مُبَالغَة فِي الْمَدْح وَأَكْثَرهم أَمْثَالًا فِي شعره. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لزهير فِي الشّعْر مَا لم يكن لغيره: كَانَ أَبوهُ شَاعِرًا وخاله شَاعِرًا وَأُخْته سلمى)

شاعرة وَأُخْته الخنساء شاعرة وابناه كَعْب

وبحير شاعرين وَابْن ابْنه المضرب بن كَعْب شَاعِرًا وَهُوَ الَّذِي يَقُول:

(إِنِّي لأحبس نَفسِي وَهِي صابرةٌ

عَن مصعبٍ وَلَقَد بَانَتْ لي الطّرق)

(رعوى عَلَيْهِ كَمَا أرعى على هرمٍ

جدي زهيرٌ وَفينَا ذَلِك الْخلق)

(مدح الْمُلُوك وسعيٌ فِي مسرتهم

ثمَّ الْغنى وَيَد الممدوح تَنْطَلِق)

وَكَعب هُوَ ناظم: بَانَتْ سعاد فقلبي الْيَوْم متبول وَسَتَأْتِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَفعَال الْقُلُوب.

قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ زُهَيْر يتأله ويتعفف فِي شعره وَيدل شعره على إيمَانه بِالْبَعْثِ وَذَلِكَ قَوْله:

ص: 333

وَشبه زُهَيْر امْرَأَة بِثَلَاثَة أَوْصَاف فِي بَيت وَاحِد فَقَالَ:

(تنازعها المها شبها ودر ال

بحور وشاكهت فِيهَا الظباء)

ففسر ثمَّ قَالَ:

(فَأَما مَا فويق العقد مِنْهَا

فَمن أدماء مرتعها الْخَلَاء)

(وَأما المقلتان فَمن مهاةٍ

وللدر الملاحة والصفاء)

وَقَالَ بعض الروَاة: لَو أَن زهيراً نظر إِلَى رِسَالَة عمر بن الْخطاب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَا زَاد على مَا قَالَ: فَإِن الْحق مقطعه ثلاثٌ يمينٌ أَو نفارٌ أَو جلاء يَعْنِي يَمِينا أَو منافرة إِلَى حَاكم يقطع بِالْبَيِّنَاتِ أَو جلاء وَهُوَ بَيَان وبرهان يجلو بِهِ الْحق وتتضح الدَّعْوَى.

وديوان شعر زُهَيْر كَبِير وَعَلِيهِ شرحان وهما عِنْدِي وَالْحَمْد لله والْمنَّة أَحدهمَا بِخَط مهلهل الشهير الخطاط صَاحب الْخط الْمَنْسُوب.

وغالب شعره مدحٌ فِي هرم بن سِنَان أحد الأجواد الْمَشْهُورين وَمن شعره فِيهِ قَوْله: صَحا الْقلب عَن سلمى وَقد كَاد لَا يسلو قَالَ صَاحب الأغاني: هَذِه القصيدة أول قصيدة مدح بهَا زُهَيْر هرماً ثمَّ تتَابع بعده. وَكَانَ هرمٌ حلف أَن لَا يمدحه زهيرٌ إِلَّا أعطَاهُ

ص: 334

وَلَا يسْأَله إِلَّا أعطَاهُ: عبدا أَو وليدةً أَو فرسا.)

فاستحيا زُهَيْر مِنْهُ فَكَانَ زُهَيْر إِذا رَآهُ فِي مَلأ قَالَ: أنعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت. . وَقَالَ عمر بن الْخطاب لبَعض ولد هرم: أَنْشدني بعض مدح زُهَيْر أَبَاك فأنشده فَقَالَ عمر: إِن كَانَ ليحسن فِيكُم الْمَدْح. قَالَ: وَنحن وَالله إِن كُنَّا لنحسن لَهُ الْعَطِيَّة. قَالَ: قد ذهب مَا أعطيتموه وَبَقِي مَا أَعْطَاكُم.

وَفِي رِوَايَة عمر بن شبة: قَالَ عمر لِابْنِ زُهَيْر: مَا فعلت الْحلَل الَّتِي كساها هرمٌ أَبَاك قَالَ: أبلاها الدَّهْر. قَالَ: لَكِن الْحلَل الَّتِي كساها أَبوك هرماً لم يبلها الدَّهْر ويستجاد قَوْله فِي هرم:

(قد جعل المبتغون الْخَيْر فِي هرمٍ

والسائلون إِلَى أبوابه طرقا)

(من يلق يَوْمًا على علاته هرماً

يلق السماحة فِيهِ والندى خلقا)

وَرُوِيَ أَن زهيراً كَانَ ينظم القصيدة فِي شهر وينقحها ويهذبها فِي سنة وَكَانَت تسمى قصائده حوليات زُهَيْر. وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا الْبَهَاء زُهَيْر فِي قَوْله من قصيدة:

(هَذَا زهيرك لَا زُهَيْر مزينةٍ

وافاك لَا هرماً على علاته)

وَكَانَ رأى زهيرٌ فِي مَنَامه فِي أَوَاخِر عمره: أَن آتِيَا أَتَاهُ فَحَمله إِلَى السَّمَاء حَتَّى كَاد يَمَسهَا بِيَدِهِ ثمَّ تَركه فهوى إِلَى الأَرْض. فَلَمَّا احْتضرَ قصّ رُؤْيَاهُ على وَلَده كَعْب ثمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَشك أَنه كَائِن من خبر السَّمَاء بعدِي فَإِن كَانَ

ص: 335

فَتمسكُوا بِهِ وسارعوا إِلَيْهِ. ثمَّ توفّي قبل المبعث بِسنة.

فَلَمَّا بعث صلى الله عليه وسلم َ خرج إِلَيْهِ وَلَده كعبٌ بقصيدته بَانَتْ سعاد وَأسلم كَمَا يَأْتِي بَيَانهَا فِي أَفعَال الْقُلُوب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَرُوِيَ أَيْضا: أَن زهيراً رأى فِي مَنَامه أَن سَببا تدلى من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وَكَانَ النَّاس يمسكونه وَكلما أَرَادَ أَن يمسِكهُ تقلص عَنهُ. فأوله بِنَبِي آخر الزَّمَان فَإِنَّهُ وَاسِطَة بَين الله وَبَين النَّاس وَأَن مدَّته لَا تصل إِلَى زمن مبعثه وَأوصى بنيه أَن يُؤمنُوا بِهِ عِنْد ظُهُوره.

وَأنْشد بعده وهوالشاهد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)

(أَبَا عرو لَا تبعد فَكل ابْن حرةٍ

سيدعوه دَاعِي مَوته فيجيب)

لما تقدم فِي الْبَيْت قبله: فَإِن أَبَا عرو منادى بِحرف النداء الْمَحْذُوف وَأَبا منادى مُضَاف لما بعده وعرو: مرخم عُرْوَة: وَالْكَلَام عَلَيْهِ كَمَا تقدم فِي الْبَيْت قبله. قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَمِمَّا يدل على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَلم يكن فِيهِ مَا تَأَوَّلَه أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فِي بَيت زُهَيْر فَزعم أَنه أَرَادَ يَا آل عكرمٍ بِالْجَرِّ والتنوين قَول الشَّاعِر: أَبَا عرو لَا تبعد

الْبَيْت

ص: 336

أَلا ترى أَنه لَا يُمكن أَبَا الْعَبَّاس أَن يَقُول: إِن عُرْوَة قَبيلَة كَمَا قَالَ ذَلِك فِي عِكْرِمَة وَلَا يُمكنهُ أَن يَقُول: أَرَادَ أَبَا عرو بِالْجَرِّ والتنوين. فَمَنعه من ذَلِك أَن عُرْوَة لَا ينْصَرف للتأنيث فِي التَّعْرِيف انْتهى.

وروى ابْن الشجري هَذَا الْبَيْت كَرِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق وأنشده ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَكَذَا ابْن هِشَام فِي شرح الألفية: سيدعوه دَاعِي ميتةٍ بِكَسْر الْمِيم. والْميتَة: الْحَالة الَّتِي يَمُوت عَلَيْهَا الْإِنْسَان. وَزَاد ابْن السّكيت فِي كتاب الْمُذكر والمؤنث رِوَايَة: ستدعوه بمثناة فوقية لَا تحتية على أَن قَوْله: دَاعِي اكْتسب التَّأْنِيث من إِضَافَته إِلَى الْمُؤَنَّث.

وَكَذَلِكَ أوردهُ الْفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حبةٍ من خَرْدَل قَالَ: فَإِن قلت: إِن المثقال ذكر فَكيف قَالَ: تَكُ قلت: لِأَن المثقال أضيف إِلَى الْحبَّة وفيهَا الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَوله: لَا تبعد أَي: لَا تهْلك وَهُوَ دُعَاء خرج بِلَفْظ النَّهْي كَمَا يخرج الدُّعَاء بِلَفْظ الْأَمر وَإِن كَانَ لَيْسَ بِأَمْر نَحْو: اللَّهُمَّ اغْفِر لنا. يُقَال: بعد الرجل يبعد بعدا من بَاب فَرح إِذا هلك وَإِذا أردْت ضد الْقرب قلت: بعد يبعد بِضَم الْعين فيهمَا والمصدر على وزن ضِدّه وَهُوَ الْقرب وَرُبمَا استعملوا هَذَا فِي معنى الْهَلَاك لتداخل معنييهما. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: لَا تبعد وَهُوَ قد هلك أُجِيب بِأَن الْعَرَب قد جرت عَادَتهم بِاسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة فِي الدُّعَاء للْمَيت

ص: 337

وَلَهُم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا أَنهم يُرِيدُونَ بذلك استعظام موت الرجل الْجَلِيل وَكَأَنَّهُم لَا يصدقون بِمَوْتِهِ. وَقد بَين هَذَا الْمَعْنى النَّابِغَة الذبياني بقوله:)

(يَقُولُونَ: حصنٌ ثمَّ تابى نُفُوسهم

وَكَيف بحصنٍ وَالْجِبَال جنوح)

(وَلم تلفظ الْمَوْتَى الْقُبُور وَلم تزل

نُجُوم السَّمَاء والأديم صَحِيح)

أَرَادَ أَنهم يَقُولُونَ: مَاتَ حصن ثمَّ يستعظمون أَن ينطقوا بذلك وَيَقُولُونَ: كَيفَ يجوز أَن يَمُوت وَالْجِبَال لم تنسف والنجوم لم تنكدر والقبور لم تخرج موتاها وجرم الْعَالم صَحِيح لم يحدث فِيهِ حَادث.

وَهَكَذَا تستعمله الْعَرَب فِيمَن هلك فسَاء هَلَاكه وشق على من يفقده. قَالَ الْفِرَار السّلمِيّ:

(مَا كَانَ يَنْفَعنِي مقَال نِسَائِهِم

وَقتلت دون رِجَالهمْ: لَا تبعد)

(يَقُولُونَ: لَا تبعد وهم يدفنونني

وَأَيْنَ مَكَان الْبعد إِلَّا مكانيا)

وَالْغَرَض الثَّانِي: أَنهم يُرِيدُونَ الدُّعَاء لَهُ بِأَن يبْقى ذكره وَلَا ينسى لِأَن بَقَاء ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته بِمَنْزِلَة حَيَاته كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

(فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكم

بأفعالنا إِن الثَّنَاء هُوَ الْخلد)

وَقَالَ آخر:

(فَإِن تَكُ أفنته اللَّيَالِي فأوشكت

فَإِن لَهُ ذكرا سيفني اللياليا)

ص: 338

. وَقَالَ المتنبي وَأحسن:

(ذكر الْفَتى عمره الثَّانِي وَحَاجته

مَا فَاتَهُ وفضول الْعَيْش أشغال)

وَقد بَين الْفِرَار السّلمِيّ وَمَالك بن الريب مَا فِي هَذَا من الْمحَال فِي الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين.

وَقَوله: فَكل ابْن حرَّة الْفَاء للتَّعْلِيل. يَقُول: لَا أنسى الله ذكرك بالثناء الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا فَإِن الْإِنْسَان لابد لَهُ من الْمَوْت فَإِن ذكر بالجميل فَكَأَنَّهُ لم يمت. وَذكر الْحرَّة وَأَرَادَ الْمَرْأَة أَو تَقول: أَبنَاء الْحَرَائِر إِذا كَانَ لابد لَهُم من الْمَوْت فموت أَبنَاء الْإِمَاء من بَاب أولى. . وَالسِّين فِي قَوْله: ستدعوه للتَّأْكِيد لَا للتسويف. وَقَوله: فيجيب مَعْطُوف على ستدعوه.

وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا

وَلَا يرى مثلهَا عجمٌ وَلَا عرب)

على أَن التَّرْخِيم فِي غير النداء ضَرُورَة إِذْ مي مرخم مية وَهُوَ غير منادى.

وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت فِي كِتَابه فِي موضِعين: أَحدهمَا هَذَا وَأما قَول ذِي الرمة:)

ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا. . الْبَيْت فَزعم يُونُس أَنه كَانَ يسميها مرّة ميا وَمرَّة مية. انْتهى.

وَكَذَا فِي الصِّحَاح قَالَ: مية اسْم امْرَأَة ومي أَيْضا. وعَلى هَذَا يكون مَا فِي الْبَيْت على أحد الْوَجْهَيْنِ فَلَا ترخيم وَلَا ضَرُورَة فَيكون مي مصروفاً كَمَا يصرف دعد لِأَنَّهُ ثلاثي سَاكن الْوسط.

قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَمنع الْمبرد من التَّرْخِيم فِي غير النداء على لُغَة من قَالَ يَا حَار بِالْكَسْرِ إِلَى أَن قَالَ: وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي قَول ذِي الرمة:

ص: 339

ديار مية إِذْ مي تساعفنا

الْبَيْت أَنه كَانَ مرّة يسميها ميا وَمرَّة يسميها مية. قَالَ: وَيجوز أَن يكون أجراه فِي غير النداء على يَا حَار بِالضَّمِّ ثمَّ صرفه لما احْتَاجَ إِلَى صرفه. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْه عِنْدِي لِأَن الروَاة كلهم ينشدون: والموضع الثَّانِي من كتاب سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن ديار مية مَنْصُوب بإضمار فعل كَأَنَّهُ قَالَ: أذكر ديار مية وَلَا يذكر هَذَا الْعَامِل لكثرته فِي كَلَامهم وَلما كَانَ فِيهِ من ذكر الديار قبل ذَلِك. وَنَصّ كِتَابه: وَمِمَّا الْتزم فِيهِ الْإِضْمَار قَول الشُّعَرَاء:

ديار فُلَانَة قَالَ: ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا. . الْبَيْت

ص: 340

كَأَنَّهُ قَالَ: أذكر. وَلكنه حذف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال ثمَّ قَالَ: وَمن الْعَرَب من يرفع الديار كَأَنَّهُ يَقُول تِلْكَ ديار فُلَانَة. انْتهى.

وَيجوز أَن يكون مجروراً على أَنه بدلٌ من دارٍ فِي بَيت قبله بِثَلَاثَة أَبْيَات وَهُوَ:

(لَا بل هُوَ الشوق من دارٍ تخونها

مرا سحابٌ وَمَرا بارحٌ ترب)

وهما من قصيدة طَوِيلَة جدا فِي النسيب بمية ووصفها وَهِي أحسن شعره حَتَّى قَالَ جرير: مَا أَحْبَبْت أَن ينْسب إِلَيّ من شعر ذِي الرمة إِلَّا هَذِه القصيدة فَإِن شَيْطَانه كَانَ فِيهَا ناصحاً وَلَو خرس بعْدهَا لَكَانَ أشعر النَّاس.

وروى الْأَصْمَعِي فِي شرح ديوانه عَن أبي جهمة الْعَدوي قَالَ: سَمِعت ذَا الرمة يَقُول: من شعري مَا ساعدني فِيهِ القَوْل وَمِنْه مَا أجهدت فِيهِ نَفسِي وَمِنْه مَا جننت فِيهِ جنونا. فَأَما الَّذِي جننت فِيهِ فَقولِي:

وَأما مَا طاوعني فِيهِ القَوْل فَقولِي:)

خليلي عوجا من صُدُور الرَّوَاحِل وَأما مَا أجهدت فِيهِ نَفسِي فَقولِي: أأن ترسمت من خرقاء منزلَة ا.

ص: 341

هـ وَمن أول القصيدة إِلَى بَيت الشَّاهِد عشرَة أَبْيَات لَا بَأْس بإيرادها وَهِي هَذِه:

(مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب

كَأَنَّهُ من كلى مفريةٍ سرب)

الكلى: جمع كُلية وَهِي الرقعة تكون فِي أصل عرقة المزادة. والمفرية: المقطوعة المخروزة يُقَال: فريت الْأَدِيم: إِذا شققته وخرزته وأفريته: إِذا شققته. ففرى بِلَا ألف: شقٌ مَعَه إصْلَاح وأفرى مَعَ ألف: شقّ فِي فَسَاد. وسرب رَوَاهُ أَبُو عَمْرو بِكَسْر الرَّاء بِمَعْنى السَّائِل وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي بِفَتْحِهَا قَالَ: السرب المَاء نَفسه الَّذِي يصب فِي المزادة الجديدة لكَي تبتل مَوَاضِع الخرز والسيور سرب قربتك: أَي: صب فِيهَا المَاء حَتَّى تستحكم مَوَاضِع الخرز.

(وفراء غرفيةٍ أثأى خوارزها

مشلشلٍ ضيعته بَينهَا الْكتب)

وفراء أَي: ضخمة صفة مفرية أَي: مزادة وفراء. وغرفية: منسوبة إِلَى الغرف وَهُوَ دباغ بِالْبَحْرَيْنِ وَقيل: شجر يدبغ بِهِ وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ الأرطى مَعَ التَّمْر وَالْملح يدبغ بِهِ. وأثأى: أفسد ومفعوله مَحْذُوف أَي: الخرز يُقَال: أثأيت الخرز: إِذا خرمته. والخوارز فَاعل أثأى وَهُوَ جمع خارزة وَهِي الَّتِي تخيط المزادة. المشلشل: نعت سرب وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَّصل تقاطره وَلَا يَنْقَطِع. والْكتب بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة: الْخَزّ جمع كتبة وكل شَيْء ضممته فقد كتبته.

(أستحدث الركب عَن أشياعهم خَبرا

أم رَاجع الْقلب من أطرابه طرب)

ص: 342

الركب: أَصْحَاب الْإِبِل جمع رَاكب كصحب جمع صَاحب. والأشياع: الْأَصْحَاب. وأستحدث بِفَتْح الْهمزَة: اسْتِفْهَام. يَقُول: بكاؤك وحزنك ألخبر حدث أم رَاجع قَلْبك طرب والطَّرب: استخفاف الْقلب فِي فَرح كَانَ أَو حزن.

وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد شرح الشافية للشَّارِح الْمُحَقق:

(من دمنة نسفت عَنْهَا الصِّبَا سفعاً

كَمَا تنشر بعد الطية الْكتب)

(سيلاً من الدعص أغشته معالمها

نكباء تسحب أَعْلَاهُ فينسحب)

كَأَنَّهُ قَالَ: رَاجع الْقلب طربٌ من دمنة أَي: من أجل دمنة. وَرُوِيَ: أم دمنة كَأَنَّهُ قَالَ: أم دمنة هَاجَتْ حزنك والدمنة: آثَار النَّاس وَمَا لطخو وسودوا. والسفع: قَالَ الْأَصْمَعِي:)

هِيَ طرائق النَّمْل سود وحمر. وَنصب سفعاً بنسفت وأتبع السَّيْل سفعاً وَذَلِكَ السفع سيل من الدعص. يُرِيد رملاً سَالَ من دعص جعله كالنعت للسيل فَكَأَنَّهُ قَالَ: كشفت الصِّبَا عَن يَقُول: فظهرت الأَرْض كَمَا تنشر الْكتب بعد أَن كَانَت مطوية. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: السفع جمع سفعة وَهُوَ سَواد تدخله حمرَة تكون فِي الأثافي. وَنصب سفعاً على الْحَال وَنصب سيلاً بنسفت: وخفض أَبُو عَمْرو سفع اتبعهُ الدمنة. والطية بِالْكَسْرِ: الْحَالة الَّتِي يكون عَلَيْهَا الْإِنْسَان والمفتوح مِنْهُ فعلة وَاحِدَة وَقَوله: سيلاً من الدعص الخ يَقُول: سيلاً أغشته إِيَّاهَا النكباء. والدعص: رمل مُنْفَرد متلبد لَيْسَ بعظيم. والنكباء: كل ريح انحرفت بَين ريحين.

وَقَوله: أَعْلَاهُ يَعْنِي أَعلَى هَذَا

ص: 343

السَّيْل الَّذِي سَالَ من الدعص وَلَيْسَ سيل مطر إِنَّمَا هُوَ رملٌ انهال إِلَى هَذِه الدمنة فغشى آثارها والنكباء الَّتِي أغشت المعالم سيلاً من الدعص فغطته فَجَاءَت بعده فنسفته. وتسحبه: تجره وَتذهب بِهِ وينسحب أَي: فينجر هُوَ أَيْضا.

(لَا بل هُوَ الشوق من دارٍ تخونها

مرا سحابٌ وَمَرا بارحٌ ترب)

يَقُول: لَيْسَ هَذَا الْحزن من أثر دمنة وَلَا من خبر الركب إِنَّمَا هُوَ شوقٌ هيج الْحزن من أجل دارٍ ذكرت من كَانَ يحلهَا. وتخونها: تعهدها وتنقصها يُقَال: فلَان تخونه الحمي أَي: تعهده. والبارح: الرّيح الشَّدِيدَة الهبوب فِي الصَّيف. والترب: الَّتِي تَأتي بِالتُّرَابِ.

(يَبْدُو لعينيك مِنْهَا وَهِي مزمنةٌ

نؤيٌ ومستوقدٌ بالٍ ومحتطب)

يَبْدُو: يظْهر. ومزمنة: الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا زمَان. والنؤي حاجز يحْفر حول الْبناء ليرد السَّيْل. والمستوقد: مَوضِع الْوقُود. والْبَالِي: الدارس. والمحتطب: مَوضِع الْحَطب.

(إِلَى لوائح من أطلال أحويةٍ

كَأَنَّهَا خللٌ موشيةٌ قشب)

أَي: مَعَ لوائح. يَقُول: يَبْدُو لَك هَذَا مَعَ ذَاك. واللوائح: مَا لَاحَ لَك من الأطلال. والأحوية: جمَاعَة بيُوت الْحَيّ الْوَاحِد حَوَّاء. والْخلَل: أغماد السَّيْف جمع خلة بِالْكَسْرِ. والقشب تكون الجدد والأخلاق. شبه آثَار الدَّار بأغماد السيوف الموشاة المخلقة. والقشب هُنَا الجدد. وموشية: موشاة.

(بِجَانِب الزرق لم تطمس معالمها

دوارج المور والأمطار والحقب)

ص: 344

يَقُول: هَذَا النؤي مَعَ هَذِه الأطلال بِهَذَا الْمَكَان. والزرق بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْمُهْملَة: أنقاء)

بِأَسْفَل الدهناء لبني تَمِيم. والدوارج: الرِّيَاح الَّتِي تدرج:

تذْهب وتجيء. والمور بِالضَّمِّ: التُّرَاب الدَّقِيق. والأمطار بِالرَّفْع. والحقب بِكَسْر فَفتح: السنون الْوَاحِد حقبة. لم تطمس: لم تمح. وَيُقَال: دوارج الرِّيَاح: أذيالها ومآخيرها.

ديار مية إِذْ ميٌ تساعفنا

الْبَيْت تساعفنا: تدايننا وتواتينا. وعجم بِالضَّمِّ: لُغَة فِي الْعَجم بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ فَاعل يرى وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

(لله مَا فعل الصوارم والقنا

فِي عَمْرو حاب وضبة الأغنام)

لما تقدم فِي الْبَيْت قبله فَإِن قَوْله: حاب مرخم حَابِس فِي غير النداء وَهُوَ ضَرُورَة وَهُوَ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ أبعد. وَأبقى كسرة الْبَاء من حَابِس بعد التَّرْخِيم على حَالهَا. وَأَصله عَمْرو بن حَابِس فَحذف ابْنا وأضاف عمرا إِلَى حَابِس.

وَقَالَ ابْن سَيّده صَاحب الْمُحكم فِي شرح ديوَان المتنبي: أَرَادَ عَمْرو حابسٍ فرخم الْمُضَاف إِلَيْهِ اضطراراً كَقَوْلِه أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ:

(أودى ابْن جلهم عباد بصرمته

إِن ابْن جلهم أَمْسَى حَيَّة الْوَادي)

ص: 345

قَالَ: أَرَادَ ابْن جلهمة. وَالْعرب يسمون الرجل جلهمة وَالْمَرْأَة جلهم كل هَذَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ.

وهذاالبيت من قصيدة لأبي الطّيب المتنبي. قَالَهَا فِي صباه عِنْدَمَا اجتاز بِرَأْس عين فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة وَقد أوقع سيف الدولة بِعَمْرو بن حَابِس من بني أَسد وَبني ضبة

(ذكر الصِّبَا ومراتع الآرام

جلبت حمامي قبل وَقت حمامي)

إِلَى أَن قَالَ فِي مدح سيف الدولة:

(وَإِذا امتحنت تكشفت عزماته

عَن أوحدي النَّقْض والإبرام)

(وَإِذا سَأَلت بنانه عَن نيله

لم يرض بالدنيا قَضَاء ذمام)

(مهلا أَلا لله مَا صنع القنا

فِي عَمْرو حاب وضبة الأغنام)

جعل هَؤُلَاءِ أغناماً لأَنهم كَانُوا جاهلين حِين عصوه حَتَّى فعل بهم مَا فعل. وَهُوَ بالنُّون لَا بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة إِذْ هُوَ غير مُنَاسِب إِذْ الأغتم: الْأَعْجَم الَّذِي لَا يفصح شَيْئا وَالْجمع الغتم.)

وَزعم ابْن سَيّده فِي شَرحه: أَن هَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا قَالَ: والأغتام: جمع أغتم كسر أفعل على أَفعَال وَهُوَ قَلِيل وَنَظِيره أعزل وأعزال بإهمال الأول وَهُوَ الَّذِي لَا سلَاح مَعَه وأغرل وأغرال بإهمال الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي لم يختن.

وَبعده:

(لما تحكمت الأسنة فيهم

جارت وَهن يجرن فِي الْأَحْكَام)

ص: 346

(فتركتهم خلل الْبيُوت كَأَنَّمَا

غضِبت رؤوسهم على الْأَجْسَام)

أَي: غزوتهم فِي عقر دَارهم حَتَّى تَركتهم خلال بُيُوتهم أجساماً بِلَا رُؤُوس وَهَذِه تَرْجَمَة المتنبي نقلتها من كتاب إِيضَاح الْمُشكل لشعر المتنبي من تصانيف أبي الْقَاسِم عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأَصْفَهَانِي وَهَذَا الْإِيضَاح قاصرٌ على شرح ابْن جني لديوان المتنبي يُوضح مَا اخطأ فِيهِ من شَرحه. وَهُوَ مِمَّن عاصر ابْن جني وَألف الْإِيضَاح لبهاء الدولة بن بويه.

قَالَ: وَقد بدأت بِذكر المتنبي ومنشئه ومغتربه وَمَا دلّ عَلَيْهِ شعره من معتقده إِلَى مختتم أمره ومقدمه على الْملك نضر الله وَجهه بشيراز وانصرافه عَنهُ إِلَى أَن وَقعت مقتلته بَين دير قنة والنعمانية واقتسام عقائله وصفاياه. .

حَدثنِي ابْن النجار بِبَغْدَاد: أَن مولد المتنبي كَانَ بِالْكُوفَةِ فِي محلةٍ تعرف بكندة بهَا ثَلَاثَة آلَاف بَيت من بَين رواء ونساج. وَاخْتلف إِلَى كتاب فِيهِ أَوْلَاد أَشْرَاف الْكُوفَة فَكَانَ يتَعَلَّم دروس العلوية شعرًا ولغةً وإعراباً فَنَشَأَ فِي خير حَاضِرَة. وَقَالَ الشّعْر صَبيا. ثمَّ وَقع إِلَى خير بادية بادية اللاذقية وَحصل فِي بيُوت الْعَرَب فَادّعى الفضول الَّذِي نبذ بِهِ فنمى خَيره إِلَى أَمِير بعض أطرافها فأشخص إِلَيْهِ من قَيده وَسَار بِهِ إِلَى محبسه فَبَقيَ يعْتَذر إِلَيْهِ ويتبرأ مِمَّا وسم بِهِ فِي كَلمته الَّتِي يَقُول فِيهَا:

(فَمَا لَك تقبل زور الْكَلَام

وَقدر الشَّهَادَة قدر الشُّهُود)

(وَفِي جود كفك مَا جدت لي

بنفسي وَلَو كنت أَشْقَى ثَمُود)

ص: 347

(الزم مقَال الشّعْر تحظ بقربةٍ

وَعَن النُّبُوَّة لَا أَبَا لَك فانتزح)

(تربح دَمًا قد كنت توجب سفكه

إِن الممتع بِالْحَيَاةِ لمن ربح)

فَأَجَابَهُ المتنبي:

(أَمْرِي إِلَيّ فَإِن سمحت بمهجةٍ

كرمت عَليّ فَإِن مثلي من سمح)

)

وهجاه غَيره فَقَالَ:

(أطللت يَا أَيهَا الشقي دمك

بالهذيان الَّذِي مَلَأت فمك)

(أَقْسَمت لَو أقسم الْأَمِير على

قَتلك قبل الْعشَاء مَا ظلمك)

فَأَجَابَهُ المتنبي:

(همك فِي أمردٍ تقلب فِي

عين دواةٍ من صلبه قلمك)

(وهمتي فِي انتضاء ذِي شطبٍ

أقد يَوْمًا بحده أدمك)

(فاخس كليباً واقعد على ذنبٍ

واطل بِمَا بَين أليتيك فمك)

وَهُوَ فِي الْجُمْلَة خَبِيث الإعتقاد. وَكَانَ فِي صغره وَقع إِلَى واحدٍ يكنى أَبَا الْفضل بِالْكُوفَةِ من المتفلسفة فهوسه وأضله كَمَا ضل.

وَأما مَا يدل عَلَيْهِ شعره فمتلون. وَقَوله:

ص: 348

مَذْهَب السوفسطائية. وَقَوله:

(تمتّع من سهادٍ أَو رقادٍ

وَلَا تَأمل كرى تَحت الرجام)

(فَإِن لثالث الْحَالين معنى

سوى معنى انتباهك والمنام)

مَذْهَب التناسخ. وَقَوله:

(نَحن بَنو الدُّنْيَا فَمَا بالنا

نعاف مَا لابد من شربه)

(فَهَذِهِ الْأَرْوَاح من جوه

وَهَذِه الْأَجْسَام من تربه)

مَذْهَب الفضائية. وَقَوله فِي أبي الْفضل بن العميد:

(فَإِن يكن الْمهْدي من قد بَان هَدْيه

فَهَذَا وَإِلَّا فالهدي ذَا فَمَا الْمهْدي)

مَذْهَب الشِّيعَة. وَقَوله:

(تخَالف النَّاس حَتَّى لَا اتِّفَاق لَهُم

إِلَّا على شجبٍ وَالْخلف فِي الشجب)

(فَقيل: تخلد نفس الْمَرْء بَاقِيَة

وَقيل: تشرك جسم الْمَرْء فِي العطب)

فَهَذَا من يَقُول بِالنَّفسِ الناطقة ويتشعب بعضه إِلَى قَول الحشيشية. وَالْإِنْسَان إِذا خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه وأسلمه الله عز وجل إِلَى حوله وقوته وجد فِي الضلالات مجالاً وَاسِعًا وَفِي الْبدع والجهالات مناديح وفسحاً.

ثمَّ جِئْنَا إِلَى حَدِيثه وانتجاعه ومفارقته الْكُوفَة أصلا وتطوافه فِي أَطْرَاف الشَّام واستقرائه)

بِلَاد الْعَرَب ومقاساته للضر وَسُوء الْحَال ونزارة كَسبه وحقارة مَا يُوصل بِهِ حَتَّى انه أَخْبرنِي أَبُو الْحسن الطرائفي بِبَغْدَاد وَكَانَ لَقِي المتنبي دفعات فِي حَال عسره ويسره: أَن المتنبي قد مدح بِدُونِ الْعشْرَة والخمسة من الدَّرَاهِم. وَأنْشد فِي قَوْله مصداقاً لحكايته:

(انصر بجودك ألفاظاً تركت بهَا

فِي الشرق والغرب من عاداك مكبوتا)

(فقد نظرتك حَتَّى حَان مرتحلٌ

وَذَا الْوَدَاع فَكُن أَهلا لما شيتا)

وَأَخْبرنِي أَبُو الْحسن الطرائفي

ص: 349

قَالَ: سَمِعت المتنبي يَقُول: أول شعر قلته وابيضت أيامي بعده قولي:

(أيا لائمي إِن كنت وَقت اللوائم

علمت بِمَا بِي بَين تِلْكَ المعالم)

فَإِنِّي أَعْطَيْت بهَا بِدِمَشْق مائَة دِينَار. . ثمَّ اتَّصل بِأبي العشائر فَأَقَامَ مَا أَقَامَ ثمَّ أهداه إِلَى سيف الدولة فَاشْترط أَنه لَا ينشد إِلَّا قَاعِدا وعَلى الْوحدَة فاستحملوه وأجابوه إِلَيْهِ. فَلَمَّا سمع سيف الدولة شعره حكم لَهُ بِالْفَضْلِ وعد مَا طلبه استحقاقاً.

وَأَخْبرنِي أَبُو الْفَتْح عُثْمَان ابْن جني: أَن المتنبي أسقط من شعره الْكثير وَبَقِي مَا تداوله النَّاس. . وَأَخْبرنِي الْحلَبِي أَنه قيل للمتنبي: معنى بَيْتك هَذَا أَخَذته من قَول

الطَّائِي. فَأجَاب المتنبي: وَكَانَ المتنبي يحفظ ديواني الطائيين ويستصحبهما فِي أَسْفَاره ويجحدهما فَلَمَّا قتل توزعت دفاتره فَوَقع ديوَان البحتري إِلَى بعض من درس عَليّ وَذكر أَنه رأى خطّ المتنبي وتصحيحه فِيهِ.

وَسمعت من قَالَ: إِن كافوراً لما سمع قَوْله:

ص: 350

(إِذا لم تنط بِي ضَيْعَة أَو ولَايَة

فجودك يكسوني وشغلك يسلب)

يلْتَمس ولَايَة صيداء. فَأَجَابَهُ: لست أجسر على توليتك صيداء لِأَنَّك على مَا أَنْت عَلَيْهِ: تحدث نَفسك بِمَا تحدث فَإِن وليتك صيداء فَمن يطيقك وَسمعت انه قيل للمتنبي: قَوْلك لكافور:

(فارم بِي حَيْثُمَا أردْت فَإِنِّي

أَسد الْقلب آدَمِيّ الرواء)

(وفؤادي من الْمُلُوك وَإِن كَا

ن لساني يرى من الشُّعَرَاء)

لَيْسَ قَول ممتدح وَلَا منتجع إِنَّمَا هُوَ قَول مضاد فَأجَاب المتنبي إِلَى أَن قَالَ: هَذِه الْقُلُوب كَمَا سَمِعت أَحدهَا يَقُول:)

(يقر بعيني أَن أرى قصد القنا

وصرعى رجالٍ فِي وغى أَنا حاضره)

وأحدها يَقُول: ثمَّ أَقَامَ المتنبي عِنْد سيف الدولة على التكرمة البليغة: فِي إسناء الْجَائِزَة وَرفع الْمنزلَة. وَدخل مَعَ سيف الدولة بِلَاد الرّوم وتأصل حَالا فِي جنبته بعد أَن كَانَ حويلة. وَكَانَ سيف الدولة يسْتَحبّ الاستكثار من شعره والمتنبي يستقله وَكَانَ ملقى من هَذِه الْحَال يشكوها ابداً وَبهَا فَارقه حَيْثُ أنْشدهُ:

(وَمَا انْتِفَاع أخي الدُّنْيَا بناظره

إِذا اسْتَوَت عِنْده الْأَنْوَار وَالظُّلم)

وَآخِرهَا:

ص: 351

(بِأَيّ لفظٍ يَقُول الشّعْر زعنفةٌ

يجوز عنْدك لَا عربٌ وَلَا عجم)

وَقَالَ فِي أُخْرَى:

(إِذا شَاءَ أَن يهزا بلحية أحمقٍ

أرَاهُ غباري ثمَّ قَالَ لَهُ الْحق)

فَلَمَّا انْتَهَت مدَّته عِنْد سيف الدولة استأذنه فِي الْمسير إِلَى إقطاعه فأدن لَهُ وامتد باسطاً عنانه إِلَى دمشق إِلَى أَن قصد مصر فألم بكافور فأنزله وَأقَام مَا أَقَامَ. إِلَّا أَن أول شعره فِيهِ دليلٌ على ندمه لفراق سيف الدولة وَهُوَ:

(كفى بك داءٌ أَن ترى الْمَوْت شافيا

وَحسب المنايا أَن يكن أمانيا)

حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله: وَأَخْبرنِي بعض المولدين بِبَغْدَاد وخاله أَبُو الْفَتْح يتوزر لسيف الدولة: أَن سيف الدولة رسم لي التوقيع إِلَى ديوَان الْبر بِإِخْرَاج الْحَال فِيمَا وصل بِهِ المتنبي فَخرجت بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار فِي مُدَّة أَربع سِنِين.

ثمَّ لما أنْشد الثَّانِيَة كافوراً خرجت موجهة يشتاق سيف الدولة. وأولها:

(فراقٌ وَمن فَارَقت غير مذممٍ

وأمٌ وَمن يممت خير ميمم)

وَأقَام على كره بِمصْر إِلَى أَن ورد فاتك غُلَام الإخشيدي من الفيوم

ص: 352

وَهِي وبيئة فنبت بِهِ واجتواها وقادوا بَين يَدَيْهِ فِي مدخله إِلَى مصر أَرْبَعَة آلَاف جنيه منعلة بِالذَّهَب فَسَماهُ أهل مصر بفاتك الْمَجْنُون. فَلَقِيَهُ المتنبي فِي الميدان على رَقَبَة من كافور فَقَالَ:

(لَا خيل عنْدك تهدينا وَلَا مَال

فليسعد النُّطْق إِن لم يسْعد الْحَال))

فوصل إِلَيْهِ من أَنْوَاع صلَاته وأصناف جوائزه مَا تبلغ قِيمَته عشْرين ألف دِينَار. ثمَّ مضى فاتك لسبيله فرثاه المتنبي وذم كافوراً:

(أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ

ويعيش حاسده الْخصي الأوكع)

فاحتال بعده فِي الْخَلَاص من كافور فانتهز الفرصة فِي الْعِيد وَكَانَ رسم السُّلْطَان أَن يسْتَقْبل الْعِيد بِيَوْم وتعد فِيهِ الْخلْع والحملانات وأنواع المبار لرابطة جنده وراتبة جَيْشه وصبيحة الْعِيد تفرق وَثَانِي الْيَوْم يذكر لَهُ من قبل وَمن رد واستزاد فاهتبل المتنبي غَفلَة كافور وَدفن رماحه برا وَسَار ليلته وَحمل بغاله وجماله وَهُوَ لَا يألو سيراً وسرى هَذِه اللَّيْلَة مَسَافَة أَيَّام حَتَّى وَقع فِي تيه بني اسرائيل إِلَى أَن جازه على الْحلَل والأحياء والمفاوز المجاهيل والمناهل الأواجن.

وَنزل الْكُوفَة وَقَالَ يقص حَاله:

(أَلا كل مَاشِيَة الخيزلي

فدا كل مَاشِيَة الهيدبى)

وفيهَا يَقُول:

(ضربت بهَا التيه ضرب القما

ر: إِمَّا لهَذَا وَإِمَّا لذا)

ص: 353

ثمَّ مدح بِالْكُوفَةِ دلير بن لشكورز وأنشده فِي الميدان فَحَمله على فرس بمركب ذهب.

وَكَانَ السَّبَب فِي قَصده أَبَا الْفضل بن العميد على مَا أَخْبرنِي أَبُو عَليّ بن شبيب القاشاني وَكَانَ أحد تلامذتي ودرس عَليّ بقاشان سنة ثلثمِائة وَسبعين وتوزر

للأصبهبد بِالْجَبَلِ وَأَبوهُ أَبُو الْقَاسِم توزر لوشمكير بجرجان عَن الْعلوِي العباسي نديم أَبُو الْفضل بن العميد الَّذِي يَقُول فِيهِ:

(أبلغ رسَالَاتي الشريف وَقل لَهُ:

قدك اتئد أربيت فِي الغلواء)

أَن الْمَعْرُوف المطوق الشَّاشِي كَانَ بِمصْر وَقت المتنبي فَعمد إِلَى قصيدته فِي كافور: وَجعل مَكَان أَبَا الْمسك أَبَا الْفضل وَسَار إِلَى خُرَاسَان وَحمل القصيدة أَعنِي قصيدة المتنبي إِلَى أبي الْفضل وَزعم أَنه رَسُوله. فوصله أَبُو الْفضل بألفي دِرْهَم واتصل هَذَا الْخَبَر بالمتنبي بِبَغْدَاد فَقَالَ: رجلٌ يُعْطي لحامل شعري هَذَا فَمَا تكون صلته لي وَكَانَ ابْن العميد يخرج فِي السّنة من الرّيّ خرجتين إِلَى أرجان يجبي بهَا أَربع عشرَة مرّة ألف ألف دِرْهَم فنمى حَدِيثه إِلَى المتنبي

ص: 354

بحصوله بأرجان فَلَمَّا حصل المتنبي بِبَغْدَاد نزل ربض حميد فَركب إِلَى المهلبي فَأذن لَهُ فَدخل وَجلسَ إِلَى جنبه وصاعدٌ خَلِيفَته دونه وَأَبُو فرج الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب كتاب الأغاني. فأنشدوا)

هَذَا الْبَيْت:

(سقى الله أمواهاً عرفت مَكَانهَا

جراماً وملكوماً وبذر فالغمرا)

وَقَالَ المتنبي: هُوَ جراباً وَهَذِه أمكنة قتلتها علما وَإِنَّمَا الْخَطَأ وَقع فِي النقلَة فَأنكرهُ أَبُو الْفرج.

قَالَ الشَّيْخ: هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش صَاحب سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه جراماً بِالْمِيم وَهُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ عُلَمَاء اللُّغَة وتفرق الْمجْلس عَن هَذِه الْجُمْلَة.

ثمَّ عاوده الْيَوْم الثَّانِي وانتظر المهلبي إنشاده فَلم يفعل وَإِنَّمَا صده مَا سَمعه من تماديه فِي السخف واستهتاره بِالْهَزْلِ واستيلاء أهل الخلاعة والسخافة عَلَيْهِ وَكَانَ المتنبي مر النَّفس صَعب الشكيمة حاداً مجداً فَخرج فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث أغروا بِهِ ابْن الْحجَّاج حَتَّى علق لجام

(يَا شيخ أهل الْعلم فِينَا وَمن

يلْزم أهل الْعلم توقيره)

فَصَبر عَلَيْهِ المتنبي سَاكِنا ساكتاً إِلَى أَن نجزها ثمَّ خلى عنان دَابَّته

ص: 355

وَانْصَرف المتنبي إِلَى منزله وَقد تَيَقّن اسْتِقْرَار أبي الْفضل بن العميد بأرجان وانتظاره لَهُ فاستعد للمسير.

وَحدثنَا أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني عَن عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ قَالَ: كنت مَعَ المتنبي لما ورد أرجان فَلَمَّا أشرف عَلَيْهَا وجدهَا ضيقَة الْبقْعَة والدور والمساكن فَضرب بِيَدِهِ على صَدره وَقَالَ: تركت مُلُوك الأَرْض وهم يتعبدون بِي وقصدت رب هَذِه المدرة فَمَا يكون مِنْهُ ثمَّ وقف بِظَاهِر الْمَدِينَة أرسل غُلَاما على رَاحِلَته إِلَى ابْن العميد فَدخل عَلَيْهِ وَقَالَ: مولَايَ أَبُو الطّيب المتنبي خَارج الْبَلَد وَكَانَ وَقت القيلولة وَهُوَ مضطجعٌ فِي دسته فثار من مضجعه واستثبته ثمَّ أَمر حَاجِبه باستقباله فَركب واستركب من لقِيه فِي الطَّرِيق ففصل عَن الْبَلَد بِجمع كثير. فتلقوه وقضوا حَقه وأدخلوه الْبَلَد. فَدخل على أبي الْفضل فَقَامَ لَهُ من الدست قيَاما مستوياً وَطرح لَهُ كرسيٌ عَلَيْهِ مخدة ديباج وَقَالَ أَبُو الْفضل: كنت مشتاقاً إِلَيْك يَا أَبَا الطّيب.

ثمَّ أَفَاضَ المتنبي فِي حَدِيث سَفَره وَأَن غُلَاما لَهُ احْتمل سَيْفا وشذ عَنهُ. وَأخرج من كمه عقيب هَذِه الْمُفَاوضَة درجاً فِيهِ قصيدته: بادٍ هَوَاك صبرت أم لم تصبرا

فوحى أَبُو الْفضل إِلَى حَاجِبه بقرطاس فِيهِ مِائَتَا دِينَار وسيفٍ غشاؤه فضَّة وَقَالَ: هَذَا عوض عَن السَّيْف الْمَأْخُوذ وأفرد لَهُ دَارا نزلها فَلَمَّا استراح من تَعب السّفر كَانَ يغشى أَبَا الْفضل كل يَوْم وَيَقُول: مَا أزورك إكباباً إِلَّا لشَهْوَة النّظر إِلَيْك ويؤاكله. وَكَانَ أَبُو الْفضل يقْرَأ عَلَيْهِ ديوَان)

ص: 356

اللُّغَة الَّذِي جمعه ويتعجب من حفظه وغزارة علمه. فأظلهم النيروز فَأرْسل أَبُو الْفضل بعض ندمائه إِلَى المتنبي: كَانَ يبلغنِي شعرك بِالشَّام وَالْمغْرب وَمَا سمعته دونه فَلم يحر جَوَابا إِلَى أَن حَضَره النيروز وأنشده مهنئاً ومعتذراً فَقَالَ:

(هَل لعذري إِلَى الْهمام أبي الفض

ل قبُول سَواد عَيْني مداده)

(مَا كفاني تَقْصِير مَا قلت فِيهِ

عَن علاهُ حَتَّى ثناه انتقاده)

(إِنَّنِي أصيد البزاة وَلَك

ن أجل النُّجُوم لَا أصطاده)

(مَا تعودت أَن أرى كَأبي الفض

ل وَهَذَا الَّذِي أَتَاهُ اعتياده)

فَأَخْبرنِي البديهي سنة ثلثمِائة وَسبعين: أَن المتنبي قَالَ بأرجان: الْمُلُوك قرود يشبه بَعضهم بَعْضًا على الْجَوْدَة يُعْطون. وَكَانَ حمل إِلَيْهِ أَبُو الْفضل خمسين ألف دِينَار سوى توابعها وَهُوَ من أجاود زمَان الديلم.

وَكَذَلِكَ أَبُو الْمطرف وَزِير مرداويج قَصده شَاعِر من قزوين فأنشده وأمله مَادَّة نفقةٍ يرجع بهَا

(أأقلامٌ بكفك أم رماح

وعزمٌ ذَاك أم أجلٌ متاح)

فَقَالَ أَبُو الْمطرف: أَعْطوهُ ألف دِينَار.

وَكَذَلِكَ أَبُو الْفضل البلعمي وَزِير بُخَارى أعْطى المطراني الشَّاعِر على قصيدته الَّتِي أَولهَا: لَا شرب إِلَّا بسير الناي وَالْعود

ص: 357

خَمْسَة عشر ألف دِينَار.

وَكَذَلِكَ خلفٌ صَاحب سجستان أعْطى أَبَا بكر الْحَنْبَلِيّ خَمْسَة آلَاف دِينَار على كلمة فِيهِ.

وَكَانَ سيف الدولة لَا يملك نَفسه وَكَانَ يَأْتِيهِ علوي من بعض جبال خُرَاسَان كل سنة فيعطيه رسماً لَهُ جَارِيا على التأييد فَأَتَاهُ وَهُوَ فِي بعض الثغور فَقَالَ للخازن: أطلق لَهُ مَا فِي الخزانة فَبلغ أَرْبَعِينَ ألف دِينَار. فشاطر الخازن وَقبض عشْرين ألف دِينَار إشفاقاً من خلل يَقع على عسكره فِي الْحَرْب.

وَأَخْبرنِي بعض أهل الْأَدَب أَنه تعرض سَائل لسيف الدولة وَهُوَ رَاكب فأنشده فِي طَرِيقه:

(أَنْت عليٌ وَهَذِه حلب

قد فني الزَّاد وانْتهى الطّلب)

فَأطلق لَهُ الف دِينَار.

وَتعرض سَائل لأبي عَليّ بن الياس وَهُوَ فِي موكبه فَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار فَجَاءَهُ الخازن)

بالدواة وَالْبَيَاض. فَوَقع بألفي دِينَار. فَلَمَّا أبصره الخازن رَاجعه فِيهَا. فَقَالَ أَبُو عَليّ: الْكَلَام ريح والخط شَهَادَة وَلَا يجوز أَن يشْهد عَليّ بِدُونِ هَذَا.

ثمَّ إِن أَبَا الطّيب المتنبي لما ودع أَبَا الْفضل بن العميد ورد كتاب عضد الدولة يستدعيه فَعرفهُ ابْن العميد فَقَالَ المتنبي: مَا لي وللديلم فَقَالَ أَبُو الْفضل: عضد الدولة أفضل مني ويصلك بأضعاف مَا وصلتك بِهِ. فَأجَاب بِأَنِّي ملقى من هَؤُلَاءِ الْمُلُوك: أقصد الْوَاحِد بعد الْوَاحِد وأملكهم شَيْئا يبْقى بِبَقَاء النيربين ويعطوني عرضا فانياً ولي ضجرات واختيارات

ص: 358

فيعوقونني عَن مرادي فأحتاج إِلَى مفارقتهم على أقبح الْوُجُوه فكاتب ابْن العميد عضد الدولة بِهَذَا الحَدِيث.

فورد الْجَواب بِأَنَّهُ مملك مُرَاده فِي الْمقَام والظعن. فَسَار المتنبي من أرجان فَلَمَّا كَانَ على أَرْبَعَة فراسخ من شيراز استقبله عضد الدولة بِأبي عمر الصّباغ أخي أبي مُحَمَّد الْأَبْهَرِيّ صَاحب كتاب حدائق الْآدَاب. فَلَمَّا تلاقيا وتسايرا استنشده. فَقَالَ: المتنبي: النَّاس يتناشدون فاسمعه.

فَأخْبر أَبُو عمر أَنه رسم لَهُ ذَلِك عَن الْمجْلس العالي. فَبَدَأَ بقصيدته الَّتِي فَارق مصر بهَا:

(أَلا كل مَاشِيَة الخيزلي

فدى كل مَاشِيَة الهيدبى)

ثمَّ دخل الْبَلَد فَأنْزل دَارا مفروشة وَرجع أَبُو عمر الصّباغ إِلَى عضد الدولة فَأخْبرهُ بِمَا جرى

(فَلَمَّا أنخنا ركزنا الرما

ح حول مكارمنا والعلا)

(وبتنا نقبل أسيافنا

ونمسحها من دِمَاء العدا)

(لتعلم مصر وَمن بالعراق

وَمن بالعواصم أَنِّي الْفَتى)

(وَأَنِّي وفيت وَأَنِّي أَبيت

وَأَنِّي عتوت على من عتا)

فَقَالَ عضد الدولة: هُوَ ذَا يتهددنا المتنبي ثمَّ لما نفض غُبَار السّفر واستراح ركب إِلَى عضد الدولة فَلَمَّا توَسط الدَّار انْتهى إِلَى قرب السرير مصادمة فَقبل الأَرْض واستوى قَائِما وَقَالَ: شكرت مَطِيَّة حَملتنِي إِلَيْك واملاً وقف بِي عَلَيْك ثمَّ سَأَلَهُ عضد الدولة عَن مسيره من مصر وَعَن عَليّ بن حمدَان فَذكره وَانْصَرف وَمَا أنْشدهُ فَبعد أيامٍ حضر السماط وَقَامَ بِيَدِهِ درج فأجلسه عضد الدولة وأنشده:

ص: 359

مغاني الشّعب طيبا فِي المغاني فَلَمَّا أنشدها وفرغوا من السماط حمل إِلَيْهِ عضد الدولة من أَنْوَاع الطّيب فِي الأردية الأمنان)

من بَين الكافور والعنبر والمسك وَالْعود وقاد فرسه الملقب بالمجروح وَكَانَ اشْترى لَهُ بِخَمْسِينَ ألف شَاة وبدرةً دراهمها عدلية ورداءً حشوه ديباج رومي مفصل وعمامة قومت بِخَمْسِمِائَة دِينَار ونصلاً هندياً مرصع النجاد والجفن بِالذَّهَب. وَبعد ذَلِك كَانَ ينشده فِي كل حدث يحدث قصيدة إِلَى أَن حدث يَوْم نثر الْورْد فَدخل عَلَيْهِ وَالْملك على السرير فِي قبَّة يحسر الْبَصَر فِي ملاحظتها والأتراك ينثرون الْورْد فَمثل المتنبي بَين يَدَيْهِ وَقَالَ: مَا خدمت عَيْني قلبِي كَالْيَوْمِ وَأَنْشَأَ يَقُول:

(قد صدق الْورْد فِي الَّذِي زعما

أَنَّك صبرت نشره ديما)

(كَأَنَّمَا مائح الْهَوَاء بِهِ

بحرٌ حوى مثل مَائه عنما)

فَحمل على فرس بمركب وألبس خلعة ملكية وبدرة بَين يَدَيْهِ مَحْمُولَة. وَكَانَ

أَبُو جَعْفَر وَزِير بهاء الدولة مَأْمُورا بالاختلاف إِلَيْهِ وَحفظ الْمنَازل والمناهل من مصر إِلَى الْكُوفَة وتعرفها مِنْهُ فَقَالَ: كنت حاضره وَقَامَ ابْنه يلْتَمس أُجْرَة الغسال فأحد المتنبي إِلَيْهِ النّظر بتحديق فَقَالَ: مَا للصعلوك والغسال يحْتَاج الصعلوك إِلَى أَن يعْمل بيدَيْهِ ثَلَاثَة أَشْيَاء: يطْبخ قدره وينعل فرسه وَيغسل ثِيَابه ثمَّ مَلأ يَده قطيعات بلغت دِرْهَمَيْنِ أَو ثَلَاثَة.

وَورد كتاب أبي الْفَتْح ذِي الكفايتين بن أبي الْفضل وَكَانَ من أجاود

ص: 360

زمَان الديلم فرق فِي يَوْم وَاحِد بشبديز قرميسين أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة قِطْعَة إبريسم ومضمونه كتاب الشوق إِلَى لِقَاء المتنبي وتشوفه إِلَى نظرته.

فَأَجَابَهُ المتنبي:

(إِذا سمع النَّاس أَلْفَاظه

خُلِقْنَ لَهُ فِي الْقُلُوب الْحَسَد)

(فَقلت وَقد فرس الناظرين

كَذَا يفعل الْأسد ابْن الْأسد)

فَلَمَّا عَاد الْجَواب إِلَى أبي الْفَتْح جعل الأبيات سُورَة يدرسها وَيحكم للمتنبي بِالْفَضْلِ على أهل زَمَانه. . فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي الثَّبَات الْبَغْدَادِيّ:

(لوارد شعرٍ كذوب الْبرد

أَتَانَا بِهِ خاطرٌ قد جمد)

(فَأقبل بمضغه بَعْضنَا

وهم السنانير أكل الغدد)

(وَقَالُوا: جوادٌ يفوق الْجِيَاد

ويسبق من عَفوه المقتصد)

(وَلَو ولي النَّقْد أَمْثَاله

لظلت خفافيشنا تنتقد))

فاستخف أَبُو الْفَتْح بِهِ وجره بِرجلِهِ. ففارقهم وَهَاجَر إِلَى أذربيجان والأمير أَبُو سَالم ديسم بن شادكويه على الإمرة فاتصل بِهِ وحظي عِنْده على غَايَة الْإِكْرَام.

ص: 361

وَقَالَ عضد الدولة: إِن المتنبي كَانَ جيد شعره بالعرب. فَأخْبر المتنبي بِهِ فَقَالَ: الشّعْر على قدر الْبِقَاع.

وَكَانَ عضد الدولة جَالِسا فِي الْبُسْتَان الزَّاهِر يَوْم زينته وأكابر حَوَاشِيه وقوفٌ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن يُوسُف الحكاري: مَا يعوز مجْلِس مَوْلَانَا سوى أحد الطائيين. فَقَالَ عضد الدولة: لَو حضر المتنبي لناب عَنْهُمَا. فَلَمَّا أَقَامَ مُدَّة مقَامه وَسمع ديوَان شعره ارتحل وَسَار بمراكبه وَأخْبرنَا أَبُو الْحسن السُّوسِي فِي دَار الْوَقْف بَين السورين قَالَ: كنت أتولى الأهواز من قبل المهلبي وَورد علينا المتنبي وَنزل عَن فرسه ومقوده بِيَدِهِ وَفتح عيابه وصناديقه لبلبل مَسهَا فِي الطَّرِيق وَصَارَت الأَرْض كَأَنَّهَا مطارف منشورة فحضرته أَنا وَقلت: قد أَقمت للشَّيْخ نزلا.

فَقَالَ المتنبي: إِن كَانَ تمّ فآتيه.

ثمَّ جَاءَهُ فاتك الْأَسدي بِجمع وَقَالَ: قدم الشَّيْخ فِي هَذِه الديار وشرفها بِشعرِهِ وَالطَّرِيق بَينه وَبَين دير قنة خشنٌ قد احتوشته الصعالكة وَبَنُو أَسد يَسِيرُونَ فِي خدمته إِلَى أَن يقطع هَذِه الْمسَافَة ويبر كل وَاحِد مِنْهُم بِثَوْب بَيَاض. فَقَالَ المتنبي: مَا أبقى الله بيَدي هَذَا الأدهم وذباب الجراز الَّذِي أَنا متقلده فَإِنِّي لَا أفكر فِي مَخْلُوق فَقَامَ فاتك ونفض ثَوْبه وَجمع من رتوت الأعاريب الَّذين يشربون دِمَاء الحجيج حسواً سبعين رجلا ورصد لَهُ فَلَمَّا توَسط المتنبي الطَّرِيق خَرجُوا عَلَيْهِ فَقتلُوا كل من كَانَ فِي صحبته وَحمل فاتك على المتنبي وطعنه فِي يسَاره

ص: 362

ونكسه عَن فرسه. وَكَانَ ابْنه أفلت إِلَّا أَنه رَجَعَ يطْلب دفاتر أَبِيه فقنع خَلفه الْفرس أحدهم وجز رَأسه وَصبُّوا أَمْوَاله يتقاسمونها بطرطورة.

وَقَالَ بعض من شَاهده: إِنَّه لم تكن فِيهِ فروسية وَإِنَّمَا كَانَ سيف الدولة سلمه إِلَى النخاسين والرواض بحلب فاستجرأ على الركض والحضر فَأَما اسْتِعْمَال السِّلَاح فَلم يكن من عمله.

وَجُمْلَة القَوْل فِيهِ: أَنه من حفاظ اللُّغَة ورواة الشّعْر وكل مَا فِي كَلَامه من الْغَرِيب المُصَنّف سوى حرف وَاحِد هُوَ فِي كتاب الجمهرة وَهُوَ قَوْله: يطوي المجلحة العقد

وَأما الحكم عَلَيْهِ وعَلى شعره: فَهُوَ سريع الهجوم على الْمعَانِي ونعت الْخَيل وَالْحَرب من خَصَائِصه وَمَا كَانَ يُرَاد طبعه فِي شَيْء مِمَّا يسمح بِهِ يقبل السَّاقِط الرَّدِيء كَمَا يقبل النَّادِر)

الْبدع. وَفِي متن شعره وَهِي وَفِي أَلْفَاظه تعقيد وتعويض ا. هـ كَلَامه مَعَ بعض اخْتِصَار.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(أَلا أضحت حبالكم رماما

وأضحت مِنْك شاسعةً أماما)

على أَن ترخيم غير المنادى فِي الضَّرُورَة جَائِز سَوَاء كَانَ على تَقْدِير

ص: 363

الِاسْتِقْلَال وَهُوَ لُغَة من لَا ينْتَظر أَو على نِيَّة الْمَحْذُوف وَهُوَ لُغَة من ينْتَظر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.

فَإِن أماما أَصله أُمَامَة فَلَمَّا حذف الْهَاء أبقى الْمِيم على حَالهَا وَالْألف للإطلاق فَلَو كَانَ على تَقْدِير الِاسْتِقْلَال بِجعْل مَا قبل الآخر فِي حكم الآخر لضم الْمِيم رفعا لِأَنَّهُ اسْم أضحى. وشاسعة أَي: بعيدَة خَبَرهَا.

قَالَ الأعلم الشنتمري: وَكَانَ الْمبرد يرد هَذَا وَيَزْعُم أَن الرِّوَايَة فِيهِ: وَمَا عهدي كعهدك يَا أماما

وَأَن عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير أنْشدهُ هَكَذَا. وسيبويه أوثق من أَن يتهم فِيمَا رَوَاهُ انْتهى.

وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد الْأنْصَارِيّ: الْعَرَب فِي التَّرْخِيم على لغتين: فَمنهمْ من يَقُول إِذا رخم حارثاً وَنَحْوه: يَا حَار بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ الْأَكْثَر فالثاء على هَذِه اللُّغَة فِي النِّيَّة فَمن فعل هَذَا لم يجز مثله فِي غير النداء إِلَّا فِي الضَّرُورَة وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لجرير: أَلا أضحت حبالكم رماما. . الْبَيْت فأجراه فِي غير النداء لما اضْطر كَمَا أجراه فِي النداء وَهَذَا من أقبح الضرورات. . وأنشدنا الْمبرد هَذَا الْبَيْت عَن عمَارَة: وَمَا عهدي كعهدك يَا أماما على غير ضَرُورَة. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لعبد الرَّحْمَن بن حسان:

ص: 364

فَحذف الْفَاء لما اضْطر.

وَأخْبرنَا الْمبرد عَن الْمَازِني عَن الْأَصْمَعِي: أَنه أنشدهم: من يفعل الْخَيْر فالرحمن يشكره)

قَالَ: فَسَأَلته عَن الرِّوَايَة الأولى فَذكر أَن النَّحْوِيين صنعوها. وَلِهَذَا نَظَائِر لَيْسَ هَذَا مَوضِع شرحها.

وَمِنْهُم من يَقُول: يَا حَار بِضَم الرَّاء فَلَا يعْتد بِمَا حذف ويجريه مجْرى زيد فَحكم هَذَا فِي غير النداء كحكمه فِي النداء وعَلى هَذَا أجْرى قَول ذِي الرمة: ديار مية إِذْ مي تساعفنا

وَهَذَا كثير. وكل مَا جَاءَك مِمَّا حذف فقسه على مَا ذكرت لَك ا. هـ وَفِيه نظر فَتَأمل. والرمام قَالَ الأعلم: جمع رَمِيم وَهُوَ الْخلق الْبَالِي يُرِيد: أَن حبال الْوَصْل بَينه وَبَين أُمَامَة قد تقطعت للفراق الْحَادِث بَينهمَا. وَالصَّوَاب مَا قَالَه النّحاس: أَن الرمام جمع رمة بِالضَّمِّ وَهِي الْقطعَة البالية من الْحَبل.

وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لجرير بن الخطفى وَبعده:

(يشق بهَا العساقل موجداتٌ

وكل عرندسٍ يَنْفِي اللغاما)

والعساقل جمع عسقلة أَو عسقول وَهُوَ السراب واضطرابه. يُرِيد سَيرهَا فِي الفلوات رَاجِعَة إِلَى محضرها بعد انْقِضَاء زمن الانتجاع. وَوهم الْعَيْنِيّ فَقَالَ: العساقل: ضربٌ من الكمأة.

وروى النّحاس عَن أبي

ص: 365

الْحسن الْأَخْفَش يشق بهَا الأماعز قَالَ: يشق: يَعْلُو. وَضمير بهَا لأمامة. والأماعز جمع أمعز ومعزاء بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْموضع الصلب يخلطه طين وحصى صغَار قَالَ زُهَيْر:

(يشج بهَا الأماعز وَهِي تهوي

هوي الدَّلْو أسلمها الرشاء)

والموجدة بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم: النَّاقة القوية المحكمة قَالَ فِي الصِّحَاح: نَاقَة أجد بِضَمَّتَيْنِ: إِذا كَانَت قَوِيَّة موثقة الْخلق وَلَا يُقَال للبعير أجد وآجدها الله فَهِيَ موجدة الْقرى أَي: موثقة الظّهْر وبناءٌ موجد وَالْحَمْد لله الَّذِي آجدني بعد ضعف أَي: قواني. والعرندس كسفرجل: الْجمل الشَّديد. واللغام بِضَم اللَّام وَبعدهَا غين مُعْجمَة: مَا يطرحه الْبَعِير من الزّبد لنشاطه.

وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده:

(كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب

وليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب))

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

ص: 366

(قفي قبل التَّفَرُّق يَا ضباعا

وَلَا يَك موقفٌ مِنْك الوداعا)

على أَن مرخم ضباعة فحذفت الْهَاء للترخيم وَألف التَّرْخِيم تغني عَنْهَا. قَالَ الْعلم وَغَيره: الْوَقْف مَا فِيهِ الْهَاء ثمَّ لما وقفُوا عَلَيْهِ ردوا الْهَاء عَلَيْهَا عوضا من الْهَاء لأَنهم إِنَّمَا رخموا للْوَقْف فَلَمَّا لم يُمكنهُم رد الْهَاء هَهُنَا جعل الْألف عوضا مِنْهَا على مَا بَينه سِيبَوَيْهٍ.

قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل: قد يُقَال: لَا نسلم أَن هَذِه الْألف عوض عَن التَّاء المحذوفة بل هِيَ ألف الْإِطْلَاق. وَهَذِه الْمَسْأَلَة لَا يسْتَدلّ عَلَيْهَا بالشعر فَإِن ثَبت فِي النثر مثل ذَلِك تمت الدَّعْوَى وَإِلَّا فَلَا.

قَوْله: وَلَا يَك موقف. . الخ يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يكون على الطّلب وَالرَّغْبَة كَأَنَّهُ قَالَ: لَا جعل الله موقفك هَذَا آخر الْوَدَاع. كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل للخمي. فَفِيهِ حذف مُضَاف من الْوَدَاع وَقدره بَعضهم: موقف وداع وَهَذَا أحسن. وروى أَبُو الْحسن الْأَخْفَش وَهُوَ سعيد وَلَا يَك موقفا مِنْك الوداعا وَقَالَ: نصب موقفا لِأَنَّهُ أَرَادَ: قفي موقفا وَهُوَ أبينها ا. هـ.

وَعَلِيهِ فاسم يَك ضمير الْمصدر الْمَفْهُوم من قفي كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يكن موقفك موقف الْوَدَاع.

وَقَوله: وَرفع بَعضهم موقفا. . الخ هُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة لَكِن فِيهِ الْإِخْبَار بالمعرفة عَن النكرَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْأَفْعَال النَّاقِصَة.

ص: 367

وضباعة بنت زفر بن الْحَارِث الْآتِي ذكره.

قَالَ اللَّخْمِيّ: وَفِيه عطف المعرب على الْمَبْنِيّ لِأَنَّهُ عطف وَلَا يَك وَهُوَ مُعرب على قفي وَهُوَ مَبْنِيّ وَإِنَّمَا سوغ ذَلِك وجود الْعَامِل وَهِي لَا كَقَوْلِه تَعَالَى: وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا اتبعُوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وَلَو قلت: اقصدني وأكرمك بِالْجَزْمِ على اللَّفْظ لم يجز على مَذْهَب الْبَصرِيين لِأَن اقصدني فعل مَبْنِيّ لَا جازم لَهُ فَلَا يعْطف على لَفظه كَمَا لَا يجوز: هَذِه حذام وَأُخْتهَا بِالْجَرِّ على لفظ حذام. فَإِن قلت: اقصدني فلأحدثك فأدخلت لَام الْأَمر جَازَت الْمَسْأَلَة كَمَا تقدم فِي الْآيَة. .)

أَقُول: هَذَا مَا يتعجب مِنْهُ فَإِن الْعَطف فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من عطف جملَة على جملَة لَا من عطف مُعرب على مَبْنِيّ وَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل من غير طائل. . قَالَ: وَفِيه حذف النُّون من يكن

وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للقطامي مدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي. وَكَانَ بَنو أَسد أحاطوا بِهِ فِي نواحي الجزيرة وأسروه يَوْم الخابور وَأَرَادُوا قَتله فحال زفر بَينه وَبينهمْ وحماه وَمنعه وَحمله وكساه وَأَعْطَاهُ مائَة نَاقَة. فمدحه بِهَذِهِ القصيدة وَغَيرهَا وحض قيسا وتغلب على السّلم. وَبعد هَذَا الْبَيْت:

(قفي فادي أسيرك إِن قومِي

وقومك لَا أرى لَهُم اجتماعا)

(وَكَيف تجامعٌ مَعَ مَا استحلا

من الْحرم الْكِبَار وَمَا أضاعا)

(ألم يحزنك أَن حبال قيسٍ

وتغلب قد تباينت انْقِطَاعًا)

ص: 368

(يطيعون الغواة وَكَانَ شرا

لمؤتمر الغواية أَن يطاعا)

(ألم يحزنك أَن ابْني نزارٍ

أسالا من دمائهما التلاعا)

إِلَى أَن قَالَ:

(أمورٌ لَو تلافاها حليمٌ

إِذا لنهى وهبب مَا استطاعا)

(وَلَكِن الْأَدِيم إِذا تفرى

بلَى وتعيناً غلب الصناعا)

(ومعصية الشفيق عَلَيْك مِمَّا

يزيدك مرّة مِنْهُ استماعا)

(وَخير الْأَمر مَا اسْتقْبلت مِنْهُ

وَلَيْسَ بِأَن تتبعه اتبَاعا)

(تراهم يغمزون من استركوا

ويجتنبون من صدق المصاعا)

وَقَوله: قفي فادي أسيرك خطاب لضباعة بنت زفر الممدوح لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد والدها أَسِيرًا. والمفاداة: أَخذ الْفِدْيَة من الْأَسير وإطلاقه. والحبال: المواصلة والعهود الَّتِي كَانَت بَين قيس وتغلب. وتباينت: تَفَرَّقت. رُوِيَ أَن ضباعة لما سَمِعت قَوْله: ألم يحزنك الخ قَالَت: بلَى وَالله قد حزنني. وأحزنني وحزنني لُغَتَانِ. والمؤتمر: الَّذِي يرى الغواية رَأيا وَيَأْمُر بهَا نَفسه.

يَقُول هُوَ: شرٌ للغاوي أَن يطاع فِي غيه.

وابنا نزار: ربيعَة وَمُضر. والتلعة: مسيل من الِارْتفَاع إِلَى بطن الْوَادي. وتلافاها: تداركها. وهبب بِالْقَتْلِ بموحدتين أَي: أَمر بِهِ. وتفرى:

تشقق. وَتعين السقاء والمزادة: إِذا رقت مِنْهُمَا مَوَاضِع وتهيأت للخرق. والصناع بِالْفَتْح: الحاذقة بِعَمَل الْيَدَيْنِ.)

وَقَوله:

ص: 369

ومعصية الشفيق. . الخ يَقُول: إِذا عصيت الشفيق عَلَيْك الْحَرِيص على رشدك تبينت فِي عواقب أَمرك الزلل. فزادك ذَلِك حرصاً على أَن تقبل نصحه.

وَقَوله: وَخير الْأَمر مَا اسْتقْبلت أَي: خير الْأَمر مَا قد تدبرت أَوله فَعرفت إلام تؤول عاقبته وشره مَا ترك النّظر فِي أَوله وتتبعت أواخره بِالنّظرِ. وَاسْتشْهدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: فتقبلها رَبهَا بقبولٍ حسن على أَن تقبل بِمَعْنى اسْتقْبل كتعجله وتقصاه بِمَعْنى استعجله وَقَوله: كَذَاك وَمَا رَأَيْت النَّاس. . الخ وَرُوِيَ: إِلَى مَا ضرّ جاهلهم سرَاعًا أَي: يُسَارع الْجَاهِل إِلَى مَا يضرّهُ. وَقَوله: تراهم يغمزون. . الخ استركوا: استضعفوا والركيك: الضَّعِيف. والمصاع بِالْكَسْرِ: المجالدة بِالسَّيْفِ. يَقُول: يستضعفون الضَّعِيف فيطعنون فِيهِ. والغمز هُنَا: الْإِشَارَة بِالْعينِ وَالرَّأْس. والْقطَامِي اسْمه عُمَيْر بن شييم التغلبي: تغلب بني وَائِل. وَعُمَيْر مصغر عمرٍ ووَكَذَلِكَ شييم مصغر أَشْيَم وَهُوَ الَّذِي بِهِ شامة. وَيُقَال: شييم بِكَسْر الشين أَيْضا وَضَبطه عِيسَى بن إِبْرَاهِيم شَارِح أَبْيَات الْجمل: شييم بسين مُهْملَة مَضْمُومَة. وَله لقبان أَحدهمَا الْقطَامِي مَنْقُول من الصَّقْر لِأَن الصَّقْر يُقَال لَهُ: قطامي بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَهُوَ مُشْتَقّ من القطم بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ شَهْوَة اللَّحْم وشهوة النِّكَاح يُقَال فَحل قطمٌ: إِذا هاج للضراب.

ص: 370

وَهُوَ لقبٌ غلب عَلَيْهِ لقَوْله:

(يصكهن جانباً فجانبا

صك الْقطَامِي القطا القواربا)

واللقب الآخر: صريع الغواني. قَالَ النطاح: أول من سمي صريع الغواني الْقطَامِي بقوله:

(صريع غوانٍ راقهن ورقنه

لدن شب حَتَّى شَاب سود الذوائب)

أَي: صرعه حبهن حَتَّى لَا حراك بِهِ. والغواني: الشواب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ذَوَات الْأزْوَاج غنين بأزواجهن.

وصريع الغواني لقب مُسلم بن الْوَلِيد أَيْضا لقبه هَارُون الرشيد بقوله:

(هَل الْعَيْش إِلَّا أَن تروح مَعَ الصِّبَا

وتغدو صريع الكأس والأعين النجل)

والقطامي كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم. وَهُوَ ابْن أُخْت الأخطل النَّصْرَانِي الْمَشْهُور. وعده الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من شعراء الْإِسْلَام. قَالَ بعض عُلَمَاء الشّعْر: أحسن النَّاس ابتداعاً فِي الْجَاهِلِيَّة)

امْرُؤ الْقَيْس حَيْثُ يَقُول:

(أَلا عَم صباحاً أَيهَا الطل الْبَالِي

وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي)

وَفِي الْإِسْلَام الْقطَامِي حَيْثُ يَقُول: إِنَّا محيوك فَاسْلَمْ أَيهَا الطل وَمن المولدين بشار حَيْثُ يَقُول:

(أَبى طلٌ بالجزع أَن يتكلما

وماذا عَلَيْهِ لَو أجَاب متيما)

وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من يُقَال لَهُ الْقطَامِي ثَلَاثَة: أَوَّلهمْ هَذَا وَالثَّانِي: الْقطَامِي الضبعِي ضبيعة بن ربيعَة بن نزار أحد ولد

ص: 371

الساهري وَصَاحب شراب وَمن شعره:

وَكَانَ أَبوهُ من أَصْحَاب خَالِد الْقَسرِي. وَالثَّالِث الْقطَامِي الْكَلْبِيّ واسْمه الْحصين وَهُوَ أَبُو الشَّرْقِي بن الْقطَامِي. شَاعِر محسن وَهُوَ الْقَائِل لما بلغه خبر يزِيد بن الْمُهلب:

(لَعَلَّ عَيْني أَن ترى يزيدا

يَقُود جَيْشًا جحفلاً رشيدا)

ترى ذَوي التَّاج لَهُ سجودا وَأما زفر بن الْحَارِث فَهُوَ أَبُو الْهُذيْل زفر بن الْحَارِث بن عبد عَمْرو بن معَاذ بن يزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق بن خُلَيْد بن نفَيْل بن عَمْرو بن كلاب الْكلابِي.

كَانَ كَبِير قيس فِي زَمَانه وَفِي الطَّبَقَة الأولى من التَّابِعين من أهل الجزيرة. وَكَانَ من الْأُمَرَاء.

سمع عَائِشَة وَمُعَاوِيَة. وَشهد وقْعَة صفّين مَعَ مُعَاوِيَة أَمِيرا على أهل قنسرين وَشهد وقْعَة مرج راهط مَعَ الضَّحَّاك بن قيس فَلَمَّا قتل الضَّحَّاك هرب إِلَى قرقيسا وَلم يزل متحصناً فِيهَا حَتَّى مَاتَ فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان فِي بضع وَسبعين.

ص: 372

وَكَانَ الضَّحَّاك بن قيس وَمَعَهُ النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ يَدْعُو فِي الشَّام لعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم مَعَ بني أُميَّة يَدْعُو لنَفسِهِ فَالتقى الْفَرِيقَانِ فِي مرج راهط وَكَانَ مَعَ الضَّحَّاك سِتُّونَ ألف فَارس وَمَعَ مَرْوَان ثَلَاثَة عشر ألفا.

فَقَالَ عبيد الله بن زِيَاد لمروان: إِن فرسَان قيس مَعَ الضَّحَّاك فَلَا ننال مِنْهُ إِلَّا بكيد فَأرْسل مَرْوَان إِلَى الضَّحَّاك يسْأَله الْمُوَادَعَة حَتَّى نَنْظُر فِي الْمُبَايعَة لِابْنِ الزبير فَأَجَابَهُ الضَّحَّاك وَوضع أَصْحَابه سِلَاحهمْ فَقَالَ ابْن زِيَاد: دُونك فَشد مَرْوَان على الضَّحَّاك فَقتل الضَّحَّاك والنعمان وَرِجَال قيس. وَلما هرب زفر جَاءَتْهُ خيل مَرْوَان ففاتها وتحصن وَقَالَ فِي ذَلِك:)

(أريني سلاحي لَا أَبَا لَك إِنَّنِي

أرى الْحَرْب لَا تزداد إِلَّا تماديا)

(أَتَانِي عَن مَرْوَان بِالْغَيْبِ أَنه

مقيدٌ دمي أَو قاطعٌ من لسانيا)

(وَفِي العيس مناجاةٌ وَفِي الأَرْض مهربٌ

إِذا نَحن رفعنَا لَهُنَّ المثانيا)

(فَلَا تحبسوني إِن تغيبت غافلاً

وَلَا تفرحوا إِن جِئتُكُمْ بلقائيا)

(فقد ينْبت المرعى على دمن الثرى

لَهُ ورقٌ من تَحْتَهُ الشَّرّ باديا)

(ويمضي وَلَا يبْقى على الأَرْض دمنة

وَتبقى حزازات النُّفُوس كَمَا هيا)

(وَيذْهب يومٌ واحدٌ إِن أسأته

بِصَالح أيامي وَحسن بلائيا)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

ص: 373

أطرق كرا

(أطرق كرا أطرق كرا

إِن النعام فِي الْقرى)

على أَن الكرا ذكر الكروان وَلَيْسَ مرخماً مِنْهُ.

وَهَذَا بَيت من الرجز وَهُوَ مثل. وَقد اخْتلف فِي قدره وَفِي معنى الكرا والكروان وَفِي معنى الْبَيْت: أما الأول فقد أوردهُ ابْن الْأَنْبَارِي وَابْن ولاد وَأَبُو عَليّ القالي والجوهري فِي الصِّحَاح والصاغاني فِي الْعباب كَمَا ذكرنَا وَأوردهُ الْمبرد فِي الْكَامِل والزمخشري فِي مستقصى الْأَمْثَال وَالشَّارِح أَيْضا فِي آخر بحث التَّرْخِيم هَكَذَا: أطرق كرا إِن النعام فِي الْقرى بِنَاء على انه نثر لَا نظم وَصَوَابه أطرق كرا مرَّتَيْنِ كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن السَّيِّد البطليوسي فِيمَا كتبه على الْكَامِل. وَزَاد الشَّارِح هُنَاكَ مَا إِن أرى هُنَا كرا وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة لغيره.

وَأما الثَّانِي: فَالْمَشْهُور أَن الكروان طَائِر طَوِيل الْعُنُق وَالرّجلَيْنِ أغبر لَهُ صَوت حسن وَهُوَ أكبر من الْحَمَامَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب الطير: الكروان القبج أَي: الحجل. وَقيل: هُوَ الْحُبَارَى.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ ذكر الْحُبَارَى. وَقيل: هُوَ الكركي. والكرا يكْتب بِالْألف. قَالَ الْمبرد: وَهُوَ مرخم الكروان وَتَبعهُ من جَاءَ بعده. قَالَ القالي:

ص: 374

الكرا: الكروان. وَهُوَ عِنْد أهل النّظر وَالتَّحْقِيق من أهل الْعَرَبيَّة ترخيم كروان. وَإِنَّمَا أراد الراجز: أطرق يَا كروان فرخم.

وَمَا قَالَه الشَّارِح من أَن الكرا ذكر الكروان ذكره صَاحب الْقَامُوس أَيْضا

وَنسبه ابْن عقيل فِي)

(لنا يومٌ وللكروان يومٌ

تطير البائسات وَلَا نطير)

فَجعله جمَاعَة الكرا أَلا ترى أَنه قَالَ: البائسات وَكَذَلِكَ تنشده الْعَرَب وَلم ترهم رخموا ثمَّ جمعُوا على التَّرْخِيم. وجمعوه على الكروان بِالْكَسْرِ وَلم يَقُولُوا: الكراوين والكروانات انْتهى.

وعَلى هَذَا يسْقط مِنْهُ شذوذان: التَّرْخِيم وتغييره وَيبقى شذوذ وَاحِد وَهُوَ حذف حرف النداء مَعَ اسْم الْجِنْس. وَيدل على الترادف وعَلى أَنه ذكره وُرُود الكرا فِي غير النداء.

أنْشد ابْن ولاد والزمخشري للفرزدق قَوْله:

ص: 375

(أألآن لما عض نابي بمسحلي

وأطرق إطراق الكرا من أحاربه)

(إِذا رَآنِي كل بكري بَكَى

أطرق فِي الْبَيْت كإطراق الكرا)

وَأما مَعْنَاهُ فقد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي والقالي: معنى الْبَيْت: أَغضّ فَإِن الأعزاء فِي الْقرى والكروان طَائِر ذليل يَقُول: مَا دَامَ عزيزٌ مَوْجُودا فإياك أَيهَا الذَّلِيل أَن تنطق. ضربه مثلا.

وَقَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي آخر بحث النداء: هُوَ رقية يصيدون بهَا الكرا فيسكن ويطرق حَتَّى يصاد. وَهُوَ فِي هَذَا تَابع للزمخشري فَإِنَّهُ قَالَ: يُقَال للكروان ذَلِك إِذا أُرِيد اصطياده. أَي: تطأطأ واخفض عُنُقك للصَّيْد فَإِن أكبر مِنْك وأطول أعناقاً وَهِي النعام قد صيدت وحملت من الدو إِلَى الْقرى. يضْرب لمن تكبر وَقد تواضع من هُوَ أشرف مِنْهُ. وَمثله لصَاحب الْقَامُوس فَإِنَّهُ قَالَ: وأطرق كرا يضْرب لمن يخدع بِكَلَام يلطف لَهُ وَيُرَاد بِهِ الغائلة.

وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: واطرق كرا مثلٌ لمن يتَكَلَّم وبحضرته أولى مِنْهُ بذلك: كَأَن أَصله خطابٌ للكروان بالإطراق لوُجُود النعام وَلذَلِك يُقَال إِن تَمَامه:

(

. أطرق كرا

إِن النعام فِي الْقرى)

وَيُقَال: إِن الكروان يخَاف من النعام.)

وَمثله فِي الْعباب للصاغاني فَإِنَّهُ قَالَ: وأطرق: أرْخى عينه ينظر إِلَى الأَرْض وَفِي الْمثل: أطرق كرا. . الْبَيْت. يضْرب للمعجب بِنَفسِهِ وللذي لَيْسَ عِنْده غناء وَيتَكَلَّم فَيُقَال: اسْكُتْ وتوق انتشار مَا تلفظ بِهِ كَرَاهِيَة مَا يتعقبه.

ص: 376

وَقَوْلهمْ: إِن النعام فِي الْقرى أَي: تَأْتِيك فتدوسك بمناسمها. وَيُقَال أَيْضا: أطرق كرا يجلب لَك يضْرب للأحمق فِي تمنيه الْبَاطِل فَيصدق.

وَقَالَ الأعلم الشنتمري فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: يضْرب لرجل يظنّ أَنَّك مُحْتَاج إِلَيْهِ فَتَقول لَهُ: اسكن فقد أمكنني من هُوَ أنبل مِنْك وَأَرْفَع. والنعام إِنَّمَا يكون فِي القفار فَإِذا كَانَ بالقرى فقد أمكن. انْتهى.

تَتِمَّة: كروان يجمع على كراوين كورشان يجمع على وراشين وَقَالُوا يجمع أَيْضا على غير قِيَاس على كروان بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الرَّاء كَمَا يجمع ورشان على ورشان وَهُوَ جمع بِحَذْف الزَّوَائِد.

كَأَنَّهُمْ جمعُوا كراً مثل أخٍ وإخوان.

قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: وَذَلِكَ أَنَّك لما حذفت أَلفه ونونه بَقِي مَعَك

كرو فقلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا طرفا فَصَارَت كرا ثمَّ كسرت كرا على كروان كشبث وشبثان وَخرب وخربان. وَعَلِيهِ قَوْلهم فِي الْمثل: أطرق كرا إِنَّمَا هُوَ عندنَا ترخيم كروان على قَوْلهم يَا حَار بِالضَّمِّ. قَالُوا: وَالْألف فِي كروان إِنَّمَا هِيَ بدل من الْألف المبدلة من وَاو كروان. انْتهى.

وَزعم الرياشي أَن الكروان والكروان للْوَاحِد وَكَذَلِكَ ورشان وورشان. وَيَردهُ قَول ذِي

(من ال أبي مُوسَى ترى النَّاس حوله

كَأَنَّهُمْ الكروان أبصرن بازيا)

وَأنْشد بعده وهوالشاهد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

ص: 377

(فَقَالُوا تعال يَا يزي بن مخرم

فَقلت لَهُم: إِنِّي حَلِيف صداء)

على أَن المرخم يجوز وَصفه إِلَّا عِنْد الْفراء وَابْن السراج أَرَادَ الشَّاعِر: يَا يزِيد ابْن مخرم.

وَعند سِيبَوَيْهٍ حذفت الدَّال للترخيم. وَالْيَاء لالتقاء الساكنين. وَقَالَ الْفراء: كِلَاهُمَا حذف للترخيم. فَإِن مذْهبه حذف السَّاكِن مَعَ الآخر فِي التَّرْخِيم فَيَقُول: فِيمَن اسْمه قمطر ياقم كَذَا فِي الْإِيضَاح لِابْنِ الْحَاجِب.

قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: شَرط الْمُؤَنَّث بِالتَّاءِ المرخم أَن لايكون مَوْصُوفا لِأَن التَّرْخِيم حذف آخر الِاسْم للْعلم بِهِ وَالصّفة بَيَان الْمَوْصُوف لعدم الْعلم بِهِ فهما متدافعان.

وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله: إِنَّك يَا معاو يَا ابْن الْأَفْضَل إِنَّه ترخيم بعد ترخيم. وَقد نَص على هَذَا الروماني وَتَبعهُ ابْن خروف وَقَالَ فِي الْبَيْت: لَا يصلح فِيهِ النَّعْت لِأَنَّهُ منادى مرخم فَهُوَ فِي نِهَايَة التَّعْرِيف فنعته بعيد. فعلى هَذَا يكون قَول يزِيد بن مخرم وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: فقلتم تعال يَا يزي بن مخرم. . الْبَيْت شاذاً. وَيجْرِي مجْرى النَّعْت على هَذَا التَّقْدِير التوابع كلهَا: من الْعَطف الْبَيَانِي والتوكيد إِلَّا الْبَدَل فَفِيهِ بحث وَإِلَّا الْعَطف النسقي فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا أَعنِي من الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ مُسْتَقل بالعامل من جِهَة الْمَعْنى. وَفِيه نظر أَيْضا. انْتهى

ص: 378

ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الشَّرْط منازعٌ فِيهِ. وَأجَاب الشلوبين بِأَنَّهُ قد يتَوَجَّه الْعلم الْمُشْتَرط فِي التَّرْخِيم على الِاسْم وَعدم الْعلم على الْمُسَمّى فَلَا يتدافعان. وَأما بَيت سِيبَوَيْهٍ فَلَعَلَّهُ إغرابٌ من سِيبَوَيْهٍ إِذْ كَانَ الْوَجْه الآخر لَا غرابة فِيهِ أَو لَعَلَّه اخْتِيَار مِنْهُ لذَلِك الْوَجْه لِأَنَّهُ مَوضِع مدح فتكرير النداء فِيهِ أفخم من الْإِتْيَان بِهِ وَصفا. هَذَا مَا قَالَ ويقويه أَن سِيبَوَيْهٍ أنْشد: فقلتم تعال يَا يزي بن مخرم على أَنه لَيْسَ من الشاذ بل على أَنه من الْجَائِز بِإِطْلَاق وَهُوَ مَعَ ترخيم الْهَاء أَجود وَمثله قَول امْرِئ الْقَيْس:)

وَهَذَا الشَّاهِد دَال على جَوَاز ترخيم الْمَوْصُوف من بَاب الأولى لِأَنَّهُ من الْمَوْصُوف بِابْن وتقرر فِي الْكَلَام صيرورة ابْن مَعَ الْمَوْصُوف فِي حكم الْمركب بِدَلِيل حذف التَّنْوِين. فَإِن كَانَ هَذَا يجوز ترخيمه فَمن بَاب أولى جَوَاز ترخيم نَحْو: يَا طَلْحَة الْفَاضِل وَيَا حَارِث الْفَاضِل فَتَقول: يَا طلح الْفَاضِل وَيَا حَار الْفَاضِل. وَكَذَلِكَ الْمَعْطُوف والمؤكد والمبدل مِنْهُ. انْتهى.

ومخرم بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة. ويزِيد بن المخرم من أَشْرَاف بني الْحَارِث من أهل الْيمن. والمخرم هُوَ ابْن شُرَيْح بن المخرم بن حزن بن زِيَاد بن الْحَارِث بن مَالك بن ربيعَة بن كَعْب بن الْحَارِث.

وَكَانَ يزِيد بن المخرم مِمَّن جَاءَ مَعَ عبد يَغُوث الْحَارِثِيّ فِي يَوْم الْكلاب

ص: 379

الثَّانِي وَقد مضى شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ وَقتل يزِيد بن المخرم فِي ذَلِك الْيَوْم مَعَ يزِيد بن عبد المدان وَيزِيد بن الهوبر. وَأسر عبد يَغُوث كَمَا تقدم شَرحه. وَلما وَقعت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم جعل رجلٌ من بني تَمِيم يَقُول:

(يَا قوم لَا يفلتكم اليزيدان

يزِيد حزنٍ وَيزِيد الديَّان)

ويروى: مخرماً أَعنِي بِهِ وَالديَّان وصداء بِضَم الصَّاد وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد: حيٌ من الْيمن مِنْهُم زِيَاد ابْن الْحَارِث الصدائي الصَّحَابِيّ رضي الله عنه. والحلبف: المحالف والمعاهد. وَرُوِيَ الْبَيْت هَكَذَا:

(فقلتم تعال يَا يزي بن مخرم

فَقلت لكم: إِنِّي حَلِيف صداء)

وَهُوَ من أَبْيَات ليزِيد بن المخرم الْمَذْكُور آنِفا.

وَأنْشد بعده: كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب وَتقدم شَرحه قبل هَذَا بِثمَانِيَة شَوَاهِد.

ص: 380

وَأنْشد بعده وهوالشاهد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(عجبت لمولود وَلَيْسَ لَهُ أبٌ

وَذي ولدٍ لم يلده أَبَوَانِ)

على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتشْهد بِهِ فِي ترخيم أسحار فِي أَنَّك تحركه بأقرب الحركات إِلَيْهِ وَكَذَا تَقول: انْطلق إِلَيْهِ فِي الْأَمر: تسكن اللَّام فَتبقى سَاكِنة وَالْقَاف سَاكِنة فَتحَرك الْقَاف بأقرب الحركات قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: فَإِن قيل: فقد جِئْت بحركة مَوضِع حَرَكَة فَمَا الْفَائِدَة فِي ذَلِك فَالْجَوَاب: أَن الْحَرَكَة المحذوفة كسرة انْتهى.

أَي: فالفتحة أخف مِنْهَا. فَأصل يلده بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الدَّال للجزم فسكن المكسور تَخْفِيفًا فحركت الدَّال دفعا لالتقاء الساكنين بحركة وَهِي أقرب الحركات إِلَيْهَا وَهِي الفتحة لِأَن السَّاكِن غير حاجز حُصَيْن. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: كل مكسور أَو مضموم إِذا لم يكن من حركات الْإِعْرَاب يجوز فِيهِ التسكين. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: لَا يجوز ذَلِك فِي المفتوح لخفة الفتحة. انْتهى.

وَوَقع هَذَا الْبَيْت فِي رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ:

أَلا رب مولودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَب وَكَذَا أوردهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب شَاهدا على أَن رب تَأتي بقلة لإنشاء

ص: 381

التقليل كَهَذا الْبَيْت وَفِي الْأَكْثَر أَنَّهَا لإنشاء التكثير. وَكَذَا أوردهُ غَيره. وَلَا تلْتَفت إِلَى قَول ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ مَعَ رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ: الصَّوَاب عجبت لمولود. لِأَن الرِّوَايَتَانِ صحيحتان ثابتتان.

وَنسبه شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ لرجل من أَزْد السراة. وَبعده:

(وَذي شامةٍ سَوْدَاء فِي حر وَجهه

مخلدةٍ لَا تَنْقَضِي لِأَوَانِ)

وعَلى هَذِه الرِّوَايَة لَا وصف لمجرور رب لِأَنَّهُ لَا يلْزم وَصفه عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه. فجملة وَلَيْسَ لَهُ أَب حَال من مَوْلُود وَالْعَامِل مَحْذُوف وَهُوَ جَوَاب رب تَقْدِيره: يُوجد وَنَحْوه. وَالْتزم الْمبرد وتابعوه وصف مجرورها فَتكون الْجُمْلَة صفة لَهُ وَالْوَاو هِيَ الْوَاو الَّتِي سَمَّاهَا الزَّمَخْشَرِيّ وَاو اللصوق أَي: لصوق الصّفة بالموصوف وَجعل من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتابٌ مَعْلُوم. وذِي ولد مَعْطُوف على مَوْلُود. وَأَرَادَ بِالْأولِ عِيسَى ابْن مَرْيَم وَبِالثَّانِي آدم أَبَا الْبشر)

عليهما السلام قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: إِن عمرا الْجَنبي سَأَلَ امْرأ الْقَيْس عَن مُرَاد الشَّاعِر فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْجَواب وجنب بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون: قَبيلَة فِي الْيمن وَعَمْرو هَذَا مَنْسُوب إِلَيْهَا وَقيل: أَرَادَ بِذِي الْوَلَد الْبَيْضَة وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْقوس وَوَلدهَا السهْم لم يلده أَبَوَانِ لِأَنَّهُ لَا تتَّخذ الْقوس إِلَّا من شَجَرَة وَاحِدَة مَخْصُوصَة. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ من الخرافات فَإِن الْبَيْضَة مُتَوَلّدَة من أُنْثَى وَذكر والقوس لَا تتصف بِالْولادَةِ حَقِيقَة وَإِن أَرَادَ بهَا التولد وَهُوَ حُصُول شَيْء من شَيْء فَلَيْسَتْ مِمَّا ينْسب إِلَيْهِ الْوَالِدَان.

ص: 382

وَأَرَادَ بِذِي شامة: الْقَمَر فَإِنَّهُ ذُو شامة. وَهِي المسحة الَّتِي فِيهِ يُقَال: إِنَّهَا من أثر جنَاح جِبْرِيل عليه السلام لما مَسحه والشامة: عَلامَة مُخَالفَة لسَائِر الْبدن وَالْخَال هِيَ النُّكْتَة السَّوْدَاء فِيهِ.

وَأَرَادَ بِكَمَال شبابه فِي خمس وتسع صَيْرُورَته بَدْرًا

فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة عشرَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ فِي غَايَة الْبَهَاء والضياء كَمَا أَن الشَّاب فِي غَايَة قوته محسن منظره فِي عنفوان شبابه. وَأَرَادَ بهرمه ذهَاب نوره ونقصان ذَاته فِي اللَّيْلَة التَّاسِعَة وَالْعِشْرين فَإِن السَّبْعَة وَالثَّمَانِيَة وَهِي خَمْسَة عشر إِذا انضمت مَعَ الْخَمْسَة والتسعة الْمُتَقَدّمَة وَهِي أَرْبَعَة عشر صَارَت تِسْعَة وَعشْرين. وَهَذَا الضَّم اسْتُفِيدَ من قَوْله: مَعًا. وَرُوِيَ: مَضَت بدل مَعًا.

وروى بَعضهم: وَذي شامة غراء أَي: بَيْضَاء وَهَذَا غير مُنَاسِب. وحر الشَّيْء: خالصه وحر الْوَجْه: مَا بدا من الوجنة أَو مَا أقبل عَلَيْك مِنْهُ أَو أعتق مَوضِع فِيهِ. ومخلدة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال أَي: بَاقِيَة وَهُوَ بِالْجَرِّ صفة لشامة وَبِالنَّصبِ حَال مِنْهَا للمسوغ. وروى بَعضهم: مُجَللَة اسْم فَاعل من التجليل بجيم ولامين وَهُوَ التغطية. وَهَذَا أَيْضا غير مُنَاسِب.

وفسرها بَعضهم بِذَات الْعِزّ والجلال.

وروى أَيْضا: مجلحة بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة وَفَسرهُ بمنكسفة وَهَذَا كُله من ضيق العطن: لَا الرِّوَايَة لَهَا أصل وَلَا هَذَا التَّفْسِير ثَابت فِي اللُّغَة. وَاللَّام فِي قَوْله: لِأَوَانِ بِمَعْنى فِي كَقَوْلِه تَعَالَى: وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة وَقَوْلهمْ: مضى لسبيله أَو بِمَعْنى عِنْد كَقَوْلِهِم: كتبته لخمسٍ خلون أَو بِمَعْنى بعد كَقَوْلِه تَعَالَى: أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: لَا يجليها لوَقْتهَا إِلَّا هُوَ لَا يظْهر أمرهَا فِي وَقتهَا. وَالْمعْنَى:

ص: 383

أَن الخفاء بهَا اسْتمرّ على غَيره إِلَى وَقت وُقُوعهَا. وَاللَّام للتأقيت كاللام فِي قَوْله تَعَالَى: لدلوك الشَّمْس.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هِيَ للْوَقْت. وَلَا يُقَال: هَذَا إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لِأَن الْمَعْنى لوقتٍ وَقت لِأَن)

التغاير فِي اللَّفْظ كافٍ فِي دفع ذَلِك. انْتهى. فَتَأمل.

وَرُوِيَ: لَا تنجلي لزمان. وَذكر الْعدَد فِي الْجَمِيع لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار اللَّيَالِي. وَجُمْلَة يكمل من الْفِعْل وضميره الْمُسْتَتر مَعْطُوف على جملَة لَا تَنْقَضِي. وَلَا يضر تخالفهما نفيا وإثباتاً.

وأَزْد السراة: حَيّ من الْيمن. والأزد اسْمه درءٌ بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالهمز. والأسد لُغَة فِي الأزد بل قيل: السِّين أفْصح من الزَّاي. والأزد: ابْن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابْن يعرب بن قحطان. والغوث بِفَتْح الْعين الْمُعْجَمَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَنبت: بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْمُوَحدَة وبالتاء الْمُثَنَّاة. وأدد: بِضَم الْهمزَة وَفتح الدَّال الأولى. وسبأ: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمُوَحدَة وبالهمز. ويشجب: بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْجِيم وبالباء الْمُوَحدَة. ويعرب بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْجِيم وبالباء الْمُوَحدَة. ويعرب بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة. كَذَا فِي جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير وَغَيره من كتب الْأَنْسَاب. والسراة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة هُوَ أعظم جبال الْعَرَب. روى أَبُو عبيد

ص: 384

الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم بِسَنَدِهِ إِلَى سعيد بن الْمسيب: أَنه قَالَ: لما خلق الله عز وجل الأَرْض مادت بِأَهْلِهَا فضربها بِهَذَا الْجَبَل يَعْنِي السراة فاطمأنت.

قَالَ أَبُو عبيد: وَطول السراة: مَا بَين ذَات عرق إِلَى حد نَجْرَان الْيمن. وَبَيت الْمُقَدّس فِي غربي طولهَا. وعرضها مَا بَين الْبَحْر إِلَى الشرق. فَصَارَ مَا خلف هَذَا الْجَبَل فِي غربيه إِلَى أسياف الْبَحْر من بِلَاد الْأَشْعَرِيين وعك وكنانة إِلَى ذَات عرق والجحفة وَمَا والاها وصاقبها وغار من أرْضهَا الْغَوْر: غور تهَامَة وتهامة تجمع ذَلِك كُله. وغور الشَّام لَا يدْخل فِي ذَلِك. وَصَارَ مَا دون ذَلِك فِي شرقيه من الصحارى إِلَى أَطْرَاف الْعرَاق والسماوة وَمَا يَليهَا نجداً ونجد يجمع ذَلِك كُله. وَصَارَ الْجَبَل نَفسه سراته وَهُوَ الْحجاز. وَمَا احتجز بِهِ فِي شرقيه من الْجبَال وانحاز إِلَى نَاحيَة فيد والجبلين إِلَى الْمَدِينَة وَمن بِلَاد مذْحج تثليث. وَمَا دونهَا إِلَى نَاحيَة فيد فَذَلِك كُله حجاز.

وَصَارَت بِلَاد الْيَمَامَة والبحرين وَمَا والاهما: الْعرُوض وفيهَا نجد وغور لقربها من الْبَحْر وانخفاض مَوَاضِع مِنْهَا ومسايل أَوديَة فِيهَا وَالْعرُوض بِجمع ذَلِك كُله. وَصَارَ مَا خلف تثليث وَمَا قاربها إِلَى صنعاء وَمَا والاها من الْبِلَاد إِلَى حَضرمَوْت والشحر وعمان وَمَا بَينهمَا الْيمن)

وَفِيهِمَا التهائم والنجود واليمن يجمع ذَلِك كُله. وَذَات عرق فصلٌ مَا بَين تهَامَة ونجد والحجاز.

وَقيل لأهل ذَات عرق: أمتهمون أَنْتُم أم منجدون قَالُوا: لَا متهمون وَلَا منجدون. انْتهى. كَلَام أبي عبيد.

وَقَالَ ابْن مكرم فِي لِسَان الْعَرَب: السراة جبل بِنَاحِيَة الطَّائِف. قَالَ

ص: 385

ابْن السّكيت: الطود: الْجَبَل المشرف على عَرَفَة ينقاد إِلَى صنعاء يُقَال لَهَا: السراة فأوله سراة ثَقِيف ثمَّ سراة فهم وعدوان ثمَّ الأزد انْتهى.

قَالَ ابْن عبد الْبر فِي مُقَدّمَة الِاسْتِيعَاب: الأزد جرثومة من جراثيم قحطان وافترقت فِيمَا ذكر أَبُو عُبَيْدَة وَغَيره من عُلَمَاء النّسَب على نَحْو سبع وَعشْرين قَبيلَة. . ثمَّ ذكرهَا. . وَيُقَال: لبَعض مِنْهُم: أَزْد السراة وَهُوَ من أَقَامَ مِنْهُم عِنْد جبل السراة.

ولبعض آخر: أَزْد عمان بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَهُوَ بلد على شاطئ الْبَحْر بَين الْبَصْرَة وعدن أضيفوا إِلَيْهِ لسكناهم فِيهِ. ولبعض آخر: أَزْد غَسَّان بِفَتْح الْعين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ اسْم مَاء بَين زبيد ورمع وهما واديان للأشعريين فَمن شرب مِنْهُ مِنْهُم سمي أَزْد غَسَّان وهم أَربع قبائل وَمن لم يشرب مِنْهُ لَا يُقَال لَهُ ذَلِك قَالَ حسان بن ثَابت رضي الله عنه: وَمِنْهُم من يُقَال لَهُ: أَزْد شنُوءَة على وزن فعولة وَهُوَ اسْم أَبِيهِم سمي بِهِ

لشنآن وَقع بَينهم.

واسْمه الْحَارِث وَقيل: عبد الله بن كَعْب بن مَالك بن نصر ابْن الأزد. قَالَ فِي الصِّحَاح: أَزْد أَبُو حَيّ من الْيمن يُقَال أَزْد شنُوءَة وأزد عمان وأزد السراة. قَالَ النَّجَاشِيّ:

(وَكنت كذي رجلَيْنِ رجلٌ صحيحةٌ

ورجلٍ بهَا ريب من الْحدثَان)

ص: 386

(فَأَما الَّتِي صحت فأزد شنُوءَة

وَأما الَّتِي شلت فأزد عمان)

وَرَأَيْت فِي الملحقات الَّتِي ألحقها صَاحب الْمُخْتَصر الَّذِي اخْتَصَرَهُ من جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ الْكَلْبِيّ بعد أَن نقل كَلَام الصِّحَاح مَا نَصه: لم أجد فِي الجمهرة. لِابْنِ دُرَيْد لذَلِك ذكرا بل رَأَيْت فِي العجالة فِي النّسَب أَن شنُوءَة اسْمه الْحَارِث وَقيل عبد الله. فَقَوله: إِنَّه الْحَارِث أقرب إِلَى الصَّوَاب. فالحارث هُوَ الَّذِي ولد هَذِه الْبُطُون والقبائل من دوس وَنصر وغامد وماسخة وَغَيرهم. وَأهل عمان الْآن يَقُولُونَ: إِنَّهُم شنُوءَة وهم من دوس ثمَّ من مَالك بن فهم بن غنم بن دوس.)

وَهَذَا الَّذِي ظهر من صِحَة ذَلِك يبطل تَقْسِيم الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت وَقَوله: إِن أَزْد عمان غير أَزْد شنُوءَة وَقَول الْجَوْهَرِي: يُقَال أَزْد شنُوءَة وأزد عمان وأزد السراة إِن أَرَادَ بهم التَّقْسِيم على ثَلَاث قبائل ففاسد وَذَلِكَ: أَن أَزْد السراة أَيْضا من أَزْد شنُوءَة فيهم من يذكر وهم ثمالة تحل بَلَدا بالسراة اسْمه قوسى ودوس مِنْهُم منْهب بن دوس بالسراة. وَالْأَقْرَب أَن يُقَال: إِن هَذَا كَقَوْلِهِم غَسَّان وَالْأَنْصَار وخزاعة وَكلهمْ غَسَّان وَإِنَّمَا تجدّد للْأَنْصَار وخزاعة هَذَانِ الوصفان فَبَقيت تَسْمِيَة غَسَّان للشاميين ا. هـ.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

(يَا مرحباه بِحِمَار ناجيه)

ص: 387

على أَن هَاء السكت الْوَاقِعَة بعد الْألف يضمها بعض الْعَرَب ويفتحها فِي حَالَة الْوَصْل فِي الشّعْر.

قَالَ ابْن جني فِي بَاب الحكم يقف بَين الْحكمَيْنِ من الخصائص: وَمن ذَلِك بَيت الْكتاب: لَهُ زجلٌ كَأَنَّهُ صَوت حادٍ فَحذف الْوَاو من كَأَنَّهُ لَا على حد الْوَقْف وَلَا على حد الْوَصْل أما الْوَقْف فَيَقْتَضِي بِالسُّكُونِ: كَأَنَّهُ وَأما الْوَصْل فَيَقْتَضِي بالمطل وتمكين الْوَاو: كأنهو فَقَوله إِذن: كَأَنَّهُ منزلَة بَين الْوَصْل وَالْوَقْف.

(يَا مرحباه بِحِمَار ناجيه

إِذا أَتَى قربته للسانيه)

فثبات الْهَاء فِي مرحباه لَيْسَ على حد الْوَقْف وَلَا على حد الْوَصْل أما الْوَقْف فَيُؤذن بِأَنَّهَا سَاكِنة وَأما الْوَصْل فَيُؤذن بحذفها أصلا فثباتها فِي الْوَصْل متحركة منزلةٌ بَين المنزلتين ا. هـ.

وَقَوله: يَا مرحباه: المنادى مَحْذُوف ومرحبا مصدر مَنْصُوب بعامل مَحْذُوف أَي: صَادف رحباً وسعة. حذف تنوينه لنِيَّة الْوَقْف ثمَّ بعد أَن وصل بِهِ هَاء السكت عَن لَهُ الْوَصْل فوصل. والْحمار مُذَكّر وَالْأُنْثَى أتان وحمارة بِالْهَاءِ نَادِر وَهُوَ مُضَاف إِلَى نَاجِية. ونَاجِية: بالنُّون وَالْجِيم: اسْم

ص: 388

شخص وَبَنُو نَاجِية قوم من الْعَرَب وَنَاجِيَة: مَاء لبني أَسد وَمَوْضِع بِالْبَصْرَةِ والناجية: النَّاقة السريعة وَلَيْسَت بمرادٍ هُنَا. وَالْبَاء مُتَعَلقَة بقوله مرْحَبًا.

والسانية: الدَّلْو الْعَظِيمَة وأداتها. والناقة الَّتِي يسنى عَلَيْهَا أَي: يستقى عَلَيْهَا من الْبِئْر.)

وَفِي الْمثل: سير السواني سفر لَا يَنْقَطِع. يُقَال: سنت النَّاقة تسنو سناوة وسناية: إِذا سقت الأَرْض والسحابة تسنو الأَرْض وَالْقَوْم يسنون لأَنْفُسِهِمْ: إِذا استقوا وَالْأَرْض مسنوة ومسنية بِالْوَاو وَالْيَاء. وَأَرَادَ بتقريب الْحمار للسانية: أَن يستقى عَلَيْهِ من الْبِئْر بالدلو الْعَظِيمَة.

وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: فِي لجةٍ أمسك فلَانا عَن فل على أَن فَلَا مِمَّا يخْتَص بالنداء وَقد اسْتَعْملهُ الشَّاعِر فِي الضَّرُورَة غير منادى.

قَالَ صَاحب اللّبَاب: ووزنه فعل تَقْديرا والذاهب مِنْهُ الْوَاو فَيكون أَصله فَلَو كفسق فَذَهَبت الْوَاو تَخْفِيفًا. وَذَلِكَ لِأَن الِاسْم المتمكن لَا يكون على حرفين فَلَا بُد من تَقْدِير حرف ثَالِث وحرف الْعلَّة أولى لِكَثْرَة دوره وَالْوَاو أولى لِأَن بَنَات الْوَاو أَكثر.

ص: 389

وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة طَوِيلَة لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وصف فِيهَا أَشْيَاء كَثِيرَة أَولهَا:

(الْحَمد لله الْعلي الأجلل

الْوَاسِع الْفضل الوهوب المجزل)

(أعْطى فَلم يبخل وَلم يبخل

كوم الذرى من خول المخول)

(تبقلت من أول التبقل

بَين رماحي مالكٍ ونهشل)

يدْفع عَنْهَا الْعِزّ جهل الْجَهْل إِلَى أَن قَالَ:

(وَقد جعلنَا فِي وضين الأحبل

جوز خفافٍ قلبه مثقل)

(أخزم لَا قوقٍ وَلَا حزنبل

موثق الْأَعْلَى أَمِين الْأَسْفَل)

إِلَى أَن قَالَ:

(وصدرت بعد أصيل الْموصل

تمشي من الرِّدَّة مشي الحفل)

مشي الروايا بالمزاد الأثقل إِلَى أَن قَالَ:

(تثير أيديها عجاج القسطل

إِذْ عصبت بالعطن المغربل)

(تدافع الشيب وَلم تقتل

فِي لجةٍ أمسك فلَانا عَن فل)

ص: 390

وَمِنْهَا فِي صفة الرَّاعِي:)

(تفلي لَهُ الرّيح وَلما يفتل

لمة قفرٍ كشعاع السنبل)

(يَأْتِي لَهَا من أيمنٍ وأشمل

وبدلت والدهر ذُو تبدل)

هيفاً دبوراً بالصبا والشمأل وَهِي طَوِيلَة جدا.

قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: ورد أَبُو النَّجْم على هِشَام بن عبد الْملك فِي الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُم هِشَام: صفوا لي إبِلا فقطروها وأوردوها وأصدروها حَتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا. فأنشدوه. .

وَأنْشد أَبُو النَّجْم هَذِه الأرجوزة بديهة.

وَكَانَ أسْرع النَّاس بديهة. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَخْبرنِي عمي قَالَ أَخْبرنِي ابْن بنت أبي النَّجْم قَالَ: قَالَ جدي أَبُو النَّجْم: نظمت هَذِه الأرجوزة فِي قدر مَا يمشي الْإِنْسَان من مَسْجِد الْأَشْيَاخ إِلَى مَسْجِد حَاتِم الجزار وَمِقْدَار مَا بَينهمَا غلوة سهم أَي مِقْدَار رمية.

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: أنْشد أَبُو النَّجْم هَذِه الأرجوزة هِشَام بن عبد الْملك وَهِي أَجود أرجوزة للْعَرَب وَهِشَام يصفق بيدَيْهِ اسْتِحْسَانًا لَهَا حَتَّى إِذا بلغ قَوْله فِي صفة الشَّمْس:

ص: 391

(حَتَّى إِذا الشَّمْس جلاها المجتلي

بَين سماطي شفقٍ مرعبل)

(صغواء قد كَادَت وَلما تفعل

فَهِيَ على الْأُفق كعين الْأَحول)

أَمر بوجء رقبته وإخراجه. وَكَانَ هِشَام أَحول ا. هـ.

وَقَوله: الْحَمد لله الْعلي الأجلل أوردهُ عُلَمَاء البلاغة على أَن الأجلل

بفك الْإِدْغَام مِمَّا يخل بالفصاحة والفصيح الْأَجَل وَهُوَ الْقيَاس.

وَأوردهُ ابْن هِشَام أَيْضا فِي آخر الأوضح على أَن فك الْإِدْغَام فِيهِ للضَّرُورَة مَعَ أَن الْإِدْغَام وَاجِب فِي مثله. وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ: الْحَمد لله الوهوب المجزل وأنشده على أَن حذف الْيَاء الْمُتَّصِلَة بِحرف الروي جَائِز على ضعف تَشْبِيها لَهَا فِي الْحَذف بياء الْوَصْل الزَّائِدَة للترنم كَمَا فِي قَوْله المجزل وَنَحْوه. . وَكَأن هَذِه الرِّوَايَة مركبة من بَيْتَيْنِ. والمجزل: من أجزل لَهُ فِي الْعَطاء: إِذا أوسعه. وَالْبخل عِنْد الْعَرَب: منع السَّائِل مِمَّا يفضل عِنْده وَفعله من بَاب تَعب وَقرب. وبخله بِالتَّشْدِيدِ: إِذا نسبه إِلَى الْبُخْل وَأما أبخله بِالْهَمْز فَمَعْنَاه وجده بَخِيلًا. وكوم الذرى: مفعول أعْطى وَهُوَ جمع كوماء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَهِي النَّاقة الْعَظِيمَة السنام. وذرى الشَّيْء بِالضَّمِّ أعاليه جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم أَيْضا وَهِي أَعلَى السنام أَيْضا. والخول بِفتْحَتَيْنِ: الْعَطِيَّة. والمخول)

اسْم فَاعل: الْمُعْطِي. فِي الْعباب: الخول: الْعَطِيَّة وَقَوله تَعَالَى: وتركتم مَا خولناكم أَي: أعطيناكم وملكناكم. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.

وَقَوله: تبقلت. . الخ البقل: كل نَبَات اخضرت لَهُ الأَرْض. وتبقلت النَّاقة مثلا وابتقلت: رعت

ص: 392

البقل. وَمَالك هُوَ ابْن ضبيعة بن قيس من هوزان. ونهشل هُوَ أَبُو دارم قَبيلَة من ربيعَة.

قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي الأغاني: وَكَانَ سَبَب ذكر هَاتين القبيلتين أَعنِي بني مَالك ونهشل: أَن دِمَاء كَانَت بَين بني دارم وَبني نهشل وحروباً فِي بِلَادهمْ فتجافى جَمِيعهم الرَّعْي فِيمَا بَين فلج والصمان مَخَافَة الشَّرّ حَتَّى عَفا كلؤه وَطَالَ. فَذكر: أَن بني عجل جَاءَت لعزها إِلَى ذَلِك الْموضع فرعته وَلم تخف رماح هذَيْن الْحَيَّيْنِ. ففخر بِهِ أَبُو النَّجْم ا. هـ. وفلج بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون اللَّام وَآخره جِيم. والصمان بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: فلج: مَوضِع فِي بِلَاد

مَازِن وَهُوَ فِي طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة وَفِيه منَازِل للحجاج. وَقَالَ الزّجاج: فلج بَين الرحيل إِلَى المجازة وَهُوَ ماءٌ لَهُم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لما قتل عمرَان بن خُنَيْس السَّعْدِيّ رجلَيْنِ من بني نهشل بن دارم اتهاماً بأَخيه الْمَقْتُول فِي بغاء إبِله نشأت بَين بني سعد بن مَالك وَبَين بني نهشل حربٌ تحامى النَّاس من أجلهَا مَا بَين فلج والصمان وَهُوَ على وزن فعلان: جبل يخرج من الْبَصْرَة على طَرِيق الْمُنْكَدر لمن أَرَادَ مَكَّة.

وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره: كَانَ رجل من عنزة دَعَا رؤبة بن العجاج فأطعمه وسقاه فَأَنْشد فخره على ربيعَة فسَاء ذَلِك الْعَنزي

ص: 393

فَقَالَ لغلامه سرا: اركب فرسي وجئني بِأبي النَّجْم.

فجَاء بِهِ وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وَبت فِي غير سَرَاوِيل. فَدخل واكل وَشرب. ثمَّ قَالَ الْعَنزي: أنشدنا يَا أَبَا النَّجْم ورؤبة لَا يعرفهُ فانتحى فِي قَوْله: الْحَمد لله الوهوب المجزل ينشدها حَتَّى بلغ:

(تبقلت من أول التبقل

بَين رماحي مالكٍ ونهشل)

فَقَالَ لَهُ رؤبة: إِن نَهْشَلَا من مَالك يَرْحَمك الله فَقَالَ: يَا ابْن أخي الكمر أشباه الكمر إِنَّه لَيْسَ مَالك بن حَنْظَلَة إِنَّه مَالك بن ضبيعة فخزي رؤبة وحيي من غَلَبَة أبي النَّجْم لَهُ. . ثمَّ وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بقوله:)

بَين رماحي مالكٍ ونهشل عِنْد قَوْله تَعَالَى: اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً على جمع الأسباط مَعَ أَن مُمَيّز مَا عدا الْعشْرَة لَا يكون إِلَّا مُفردا. لِأَن المُرَاد بالأسباط الْقَبِيلَة وَلَو قيل: سبطاً

لأوهم أَن الْمَجْمُوع قَبيلَة وَاحِدَة فَوضع أسباطاً مَوضِع قَبيلَة كَمَا وضع أَبُو النَّجْم رماحاً وَهُوَ جمع مَوضِع جماعتين من الرماح وَثني على تَأْوِيل: رماح هَذِه الْقَبِيلَة ورماح هَذِه الْقَبِيلَة. فَالْمُرَاد: لكل فَرد من أَفْرَاد هَذِه التَّثْنِيَة جمَاعَة كَمَا أَن لكل فَرد من أَفْرَاد هَذَا الْجمع وَهُوَ أَسْبَاط قَبيلَة. . وفاعل تبقلت ضمير كوم الذرى.

زعم بعض شرَّاح شَوَاهِد التَّفْسِير: أَن هَذَا الْبَيْت

ص: 394

فِي وصف رمكة مرتاضة اعتادت ممارسة الحروب حَتَّى تحسب أَرض الْحَرْب رَوْضَة تتبقل فِيهَا. وَلَا يخفى أَن هَذَا كَلَام من لم يقف على سِيَاق هَذَا الْبَيْت وَلَا سباقه. مَعَ أَن هَذَا الزاعم أورد غَالب الأرجوزة وَلم يتفهم الْمَعْنى.

وَقَوله: يدْفع عَنْهَا الْعِزّ. . الخ الْعِزّ: فَاعل يدْفع وَهُوَ بِمَعْنى الْقُوَّة والمنعة وَجَهل الْجَهْل: مَفْعُوله أَي: سفاهة السُّفَهَاء وَضمير عَنْهَا رَاجع إِلَى كوم الذرى.

وَقَوله: وَقد جعلنَا فِي وضين. . الخ هَذَا فِي وصف بعير السانية والْوَضِين: نسعٌ عريض كالحزام يعْمل من أَدَم قَالَ الْجَوْهَرِي: الْوَضِين للهودج بِمَنْزِلَة البطان للقتب والتصدير للرحل والحزام للسرج وهما كالنسع إِلَّا أَنَّهُمَا من السيور إِذا نسج بعضه على بعض. . تَقول: وضنت النسع أضنه وضناً: إِذا نسجته. والأحبل: جمع حَبل. والْجَوْز بِفَتْح الْجِيم وَآخره زَاي مُعْجمَة. مفعول جعلنَا وَجوز كل شَيْء: وَسطه. والْخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الفاءين بِمَعْنى خَفِيف وَهُوَ منون وَقَلبه فَاعل خفاف وَهُوَ صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: بعير خفاف. والمثقل: الثقيل صفة ثَانِيَة. يُرِيد: شددنا الْوَضِين فِي وسط بعير خَفِيف الْقلب ذكي من ثقل بدنه وضخامته. والأحزم: خلاف الأهضم وَهُوَ أَن يكون مَوضِع حزامه عَظِيما وَهُوَ صفة ثَالِثَة. والقوق بِضَم الْقَاف الأولى: الْفَاحِش الطول وَهُوَ صفة رَابِعَة. والحزنبل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُوَحدَة: الْقصير.

وَقَوله: موثق الْأَعْلَى. . الخ بِالْجَرِّ صفة خَامِسَة وَأَرَادَ بالأعلى ظَهره

وبالأسفل بَطْنه وأَمِين بِمَعْنى مَأْمُون صفة سادسة. وَقَوله: أقب. . الخ

ص: 395

مجرور بالفتحة صفة سابعة و)

وَمن عَليّ يكْتب بِالْيَاءِ وَلَيْسَت الكسرة فِي اللَّام كسرة إِعْرَاب أَلا ترى أَنه معرفَة وَلَيْسَ بنكرة.

أَلا ترى أَن مَعْنَاهُ وكويته فَوق نواظره أَو النواظر مِنْهُ فَهُوَ إِذن معرفَة لِأَنَّهُ يُرِيد بِهِ شَيْئا مَخْصُوصًا فَهُوَ إِذن كَقَوْل أَوْس:

(فَملك بالليط الَّذِي تَحت قشره

كغرقئ بيضٍ كنه القيض من عل)

أَي: من أَعْلَاهُ وَقَالَ الشنفرى:

(إِذا وَردت أصدرتها ثمَّ إِنَّهَا

تثوب فتأتي من تحيت وَمن عل)

وَإِنَّمَا تعرب عل إِذا كَانَت نكرَة كَقَوْلِهِم فِي النكرَة: من فوقٍ وَمن علٍ إِذا لم

ترد أمرا مَعْلُوما.

فَقَوله: فَوق النواظر من علٍ علٍ مِنْهُ كشج وعمٍ ووزنه فعل وَالْيَاء فِيهِ لَام الْفِعْل والكسرة فِي اللَّام قبلهَا ككسرة الضَّاد من قَاض. فاعرف ذَلِك. وَفِيه عشر لُغَات: أَتَيْته من علٍ وَمن عل وَمن عَليّ وَمن علا وَمن علو وَمن علو وَمن علو وَمن علوٍ وَمن عالٍ وَمن معالٍ.

وَمثله سَوَاء قَول الْعجلِيّ:

ص: 396

أقب من تَحت عريضٍ من عَليّ أَرَادَ من أَعْلَاهُ. أَلا ترَاهُ قرنه بالمعرفة المبنية وَهِي تَحت فعلي إِذن معرفَة فَهُوَ كشج وكسرة لامه ككسرة زَاي غاز والكلمة مَبْنِيَّة على الضَّم وَفِي الْيَاء تَقْدِير ضمة الْبناء. فبيت ربيعَة كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من عل قَالَ ابْن جني: عل فِيهِ نكرَة أَلا ترى أَنه لَا يُرِيد من أَعلَى شَيْء

مَخْصُوص فالكسرة إِذن فِي لَام علٍ كسرة إِعْرَاب ككسرة دَال يدٍ وَمِيم دم ا. هـ. كَلَام ابْن جني مُخْتَصرا.

وَقد قرر ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي: أَن عل مَتى أُرِيد بِهِ الْمعرفَة كَانَ مَبْنِيا على الضَّم تَشْبِيها بالغايات كَمَا فِي قَوْله: أرمض من تَحت وأضحى من عِلّة وَالْهَاء للسكت قَالَ: إِذْ المُرَاد فوقية مُعينَة لَا فوقية مُطلقَة. وَالْمعْنَى: أَنه تصيبه الرمضاء من تَحْتَهُ وحر الشَّمْس من فَوْقه. وَمثله قَول الآخر يصف فرسا: أقب من تَحت عريض من عل ا. هـ)

وَقد أَشَارَ بقوله: وَمثله يصف فرسا إِلَى أَن ضمة الْبناء فِي عل إِمَّا ملفوظة كَمَا فِي قَوْله: وأضحى من عله وَإِمَّا مقدرَة كَمَا فِي قَول أبي النَّجْم:

ص: 397

عريض من عل فَلَا يرد الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أنْشدهُ بِالْبِنَاءِ على الضَّم والقوافي كلهَا مجرورة. لَكِن يبْقى عَلَيْهِ أَن الْبَيْت فِي وصف بعير السانية لَا فِي وصف فرس. فَتَأمل وأنصف.

قَوْله: معاود كرة. . الخ معاود: اسْم مفعول وَهُوَ بِالْجَرِّ صفة تاسعة أَي: يُعَاد عَلَيْهِ مرَارًا قَول أقبل على الْبِئْر إِذا تفرعت الدَّلْو أدبر عَنْهَا إِذا امْتَلَأت. وكرة: بِالرَّفْع نَائِب فَاعل معاود وَهُوَ مُضَاف لما بعده.

وَقَوله: تمشى من الرِّدَّة فِي الصِّحَاح: وَالرِّدَّة بِالْكَسْرِ: امتلاء الضَّرع من اللَّبن قبل النِّتَاج عَن الْأَصْمَعِي. وَأنْشد لأبي النَّجْم تمشي من الرِّدَّة. . الْبَيْت ا. هـ.

وَيجوز أَن تكون مصدر قَوْلك رده يردهُ ردا وردة وَالرِّدَّة الِاسْم من الارتداد.

وَقَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق: يصف إبِلا قد أكثرت من شرب المَاء فأثقلها الرّيّ وَالرِّدَّة ترَاد فِي أجوافها يُقَال: أردْت فَهِيَ مرد. إِذا انتفخت من المَاء أَو انتفخ ضرْعهَا من غير لبن. يَقُول: تمشي من كَثْرَة شرب المَاء كمشي الَّتِي أثقلها كَثْرَة مَا فِي ضرْعهَا. والحافل: الَّتِي اجْتمع فِي ضرْعهَا اللَّبن ا. هـ. ومشي: مصدر مَنْصُوب أَي: مشياً كمشي الحفل وَهُوَ جمع حافل من حفل اللَّبن فِي الضَّرع: إِذا اجْتمع. والروايا: جمع رِوَايَة من روى الْبَعِير المَاء: حمله فَهُوَ راويةٌ الْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة ثمَّ أطلقت الرِّوَايَة على كل دَابَّة يستقى المَاء عَلَيْهَا. والمزاد: جمع مزادة وَهِي الراوية الَّتِي تعْمل من جُلُود.

وَقَوله: تثير أيديها. . الخ الضَّمِير إِلَى كوم الذرى. والقسطل بِالْقَافِ الْغُبَار والعجاج: مَا ارْتَفع مِنْهُ. وعصبت بِالْعينِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ فِي الصِّحَاح: وعصبت الْإِبِل بِالْمَاءِ: إِذا دارت بِهِ. قَالَ الْفراء: عصبت الْإِبِل وعصبت بِالْكَسْرِ: إِذا اجْتمعت. والعطن بِفتْحَتَيْنِ: مبرك الْإِبِل عِنْد المَاء لتشرب عللاً بعد نهل فَإِذا

ص: 398

استوفت ردَّتْ إِلَى المرعى. والمغربل: المنخول أَي: أَن تُرَاب العطن كَأَنَّهُ منخول لِكَثْرَة مَا انسحق مِنْهُ لشدَّة الْحَرَكَة.

وَقَوله: تدافع الشيب مصدر تشبيهي وعامله مَحْذُوف وَهُوَ مَعْطُوف على عصبت أَي: اجْتمعت وتدافعت تدافعاً كتدافع الشُّيُوخ والشيب بِالْكَسْرِ جمع أشيب وَهُوَ الشَّيْخ. وَقَوله:)

وَقَوله: أمسك فلَانا. الخ هُوَ على إِضْمَار القَوْل أَي: فِي لجة يُقَال فِيهَا: أمسك. . الخ. قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل تبعا لِابْنِ السَّيِّد: شبه تزاحمها ومدافعة بَعْضهَا بَعْضًا بقومٍ شُيُوخ فِي لجة وَشر يدْفع بَعضهم بَعْضًا فَيُقَال:

أمسك فلَانا عَن فلَان أَي: احجز بَينهم. وَخص الشُّيُوخ لِأَن الشَّبَاب فيهم التسرع إِلَى الْقِتَال. فَلذَلِك قَالَ: تدافع الشيب. . الخ. أَي: هِيَ فِي تزاحم وَلَا تقَاتل كالشيوخ. وَقد غفل عَن هَذَا الْمَعْنى الأعلم الشنتمري فِي شرح أَبْيَات س فَقَالَ: إِن مَعْنَاهُ خُذ هَذَا بِدَم هَذَا وَأسر هَذَا بِهَذَا هَذَا كَلَامه وَكَأَنَّهُ لم ينظر إِلَى مَا قبله من الأبيان. وأعجب مِنْهُ قَول ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على هَذَا الْكتاب فِي شرح بَيت الشَّاهِد: إِن مَعْنَاهُ: قد كثر أصوات الرُّعَاة يَقُول بَعضهم لبَعض: أمسك الْبَعِير الْفُلَانِيّ عَن الْبَعِير الْفُلَانِيّ لِئَلَّا يضرّهُ.

ص: 399

هَذَا كَلَامه مَعَ أَنه سطر مَا قبله من الأبيات وَشَرحهَا من شرح اللّبَاب للفالي.

وَقَوله: تفلى لَهُ الرّيح. . الخ الفلي: مصدر فليت رَأسه من بَاب رمى. إِذا نقيته من الْقمل وافتلى هُوَ: إِذا نقاه ويفتل: مجزوم بلما مَحْذُوف الْيَاء من آخِره يُرِيد: أَن الرّيح تهب على رَأسه فَتفرق شعره كَأَنَّهَا تفليه وَهُوَ لم يفتل شعره لشعثه وَقلة تعهده نَفسه. واللمة بِكَسْر اللَّام: الشّعْر الَّذِي يلم بالمنكب أَي: يقرب مِنْهُ وَهُوَ مفعول تفلي على التَّنَازُع. والقفر بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْفَاء وَأَصله بِالْكَسْرِ: وصفٌ من قفر زيدٌ من بَاب فَرح: إِذا قل لَحْمه. وشعاع السنبل بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة: سفاه وَقد أشع الزَّرْع: أخرج شعاعه وأسفى الزَّرْع: إِذا خشن أَطْرَاف سنبله. والسنبل هُنَا سنبل الْحِنْطَة وَالشعِير وَنَحْوهمَا شبه شعره المنتفش بشوك سنبل الزَّرْع.

وَقَوله: يَأْتِي لَهَا. . الخ فَاعل يَأْتِي ضمير الرَّاعِي وَضمير لَهَا لكوم الذرى قَالَ صَاحب الصِّحَاح: أَي: يعرض لَهَا من نَاحيَة الْيَمين وناحية الشمَال. وَذهب إِلَى معنى أَيمن الْإِبِل وأشملها فَجمع لذَلِك ا. هـ.

وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ على أَن الشَّاعِر لما جر أيمناً وأشملاً بِمن أخرجهُمَا عَن الظَّرْفِيَّة. وَزعم الأعلم)

الشنتمري أَن هَذَا الْبَيْت فِي وصف ظليم ونعامة قَالَ: يَعْنِي:

كلما أسرعت إِلَى أدحيها وَهُوَ مبيضها عرض لَهَا يَمِينا وَشمَالًا مزعجاً لَهَا وَهَذَا كَمَا ترى لَا أصل لَهُ. وَقَوله: وبدلت والدهر ذُو تبدل. . الخ نَائِب الْفَاعِل ضمير الرّيح والهيف بِفَتْح الْهَاء مثل الهوف بضَمهَا: ريح حارة تَأتي من الْيمن وَهِي النكباء الَّتِي تجْرِي بَين الْجنُوب وَالدبور من تَحت مجْرى سُهَيْل. وَالصبَا: ريح ومهبها المستوي أَي تهب من مَوضِع مطلع

ص: 400

الشَّمْس إِذا اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار. والدبور: الرّيح الَّتِي تقَابل الصِّبَا. والشمَال بِسُكُون الْمِيم وَفتح الْهمزَة بعْدهَا: الرّيح الَّتِي تقَابل الْجنُوب.

فَكَانَ الْوَاجِب أَن يُقَابل الشمَال بالجنوب. لكنه لضَرُورَة النّظم أَقَامَ الهيف مقَام الْجنُوب لقربها من الْجنُوب. وَفِيه لف وَنشر غير مُرَتّب أَي: بدلت الرّيح فَجَاءَت الدبور بدل الصِّبَا وَجَاءَت الهيف أَي: الْجنُوب بدل الشمَال. فَفِيهِ دُخُول الْبَاء على الْمَتْرُوك وَهُوَ الْمَشْهُور وَسمع خِلَافه أَيْضا. وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن جملَة: والدهر ذُو تبدل مُعْتَرضَة بَين الْفِعْل ومفعوله للتَّأْكِيد والتسديد.

وَقَوله: بَين سماطي شفق مرعبل السماط بِالْكَسْرِ: الصَّفّ والجانب والسماطان من النَّاس وَالنَّخْل: الجانبان يُقَال: مَشى بَين السماطين وَأنْشد القصيدة بَين السماطين. والمرعبل: المقطع.

وَرُوِيَ بدله مهول. وصغواء بالغين الْمُعْجَمَة من صغت النُّجُوم إِذا مَالَتْ للغروب. وَقَوله: قد كَادَت أَي: قاربت الشَّمْس أَن تغيب وَلم تغب بِالْفِعْلِ.

روى صَاحب الأغاني: أَن أَبَا النَّجْم لما بلغ ذكر الشَّمْس فَقَالَ: وَهِي على الْأُفق كعين. . وَأَرَادَ أَن يَقُول: الْأَحول فَذكر حول هِشَام فَلم يتم الْبَيْت وأرتج عَلَيْهِ. فَقَالَ هِشَام: أجز. فَقَالَ: كعين الْأَحول. فَأمر هِشَام بِإِخْرَاجِهِ من الرصافة وَيُقَال: لَهَا رصافة هِشَام وَهِي مَدِينَة فِي غربي

ص: 401

الرقة بَينهمَا أَرْبَعَة

فراسخ على طرف الْبَريَّة بناها هِشَام لما وَقع الطَّاعُون بِالشَّام وَكَانَ يسكنهَا فِي الصَّيف وَكَانَت قبل من بِنَاء الْمُلُوك الغسانيين ثمَّ قَالَ لصَاحب شرطته: إياك وَأَن أرى هَذَا فَكلم وُجُوه النَّاس صَاحب الشرطة أَن يقره. فَفعل. فَكَانَ يُصِيب من فضول أَطْعِمَة النَّاس ويأوي بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِد. .

قَالَ أَبُو النَّجْم: وَلم يكن فِي الرصافة أحدٌ يضيف إِلَّا سليم بن كيسَان الْكَلْبِيّ وَعَمْرو بن بسطَام الثَّعْلَبِيّ فَكنت أتغدى عِنْد سليم وأتعشى عِنْد عَمْرو وَآتِي الْمَسْجِد فأبيت فِيهِ. فأغتم هشامٌ لَيْلَة وَأَرَادَ مُحدثا يحدثه فَقَالَ لخادمٍ لَهُ: أبغني مُحدثا أَعْرَابِيًا أهوج شَاعِرًا يروي الشّعْر. فَخرج)

الْحَاجِب إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بِأبي النَّجْم فَضَربهُ بِرجلِهِ وَقَالَ لَهُ: قُم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أَنا أَعْرَابِي غَرِيب. قَالَ: إياك أبغي فها تروي الشّعْر قَالَ: نعم وأقوله.

فَأقبل بِهِ حَتَّى أدخلهُ الْقصر وأغلق الْبَاب فأيقن بِالشَّرِّ ثمَّ مضى فَأدْخلهُ على هِشَام فِي بَيت صَغِير بَينه وَبَين أَهله ستر رَقِيق والشمع بَين يَدَيْهِ يزهر. قَالَ: فَلَمَّا دخلت قَالَ لي: أَبُو النَّجْم قلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ طريدك. قَالَ: اجْلِسْ. فَسَأَلَنِي وَقَالَ: أَيْن كنت تأوي فَأَخْبَرته الْخَبَر. قَالَ: وَمَالك من الْوَلَد وَالْمَال قلت: أما المَال فَلَا مَال لي وَأما الْوَلَد فلي ثَلَاث بَنَات وَبني يُقَال لَهُ: شيان بِفَتْح الشين وَتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قَالَ: هَل أخرجت من بناتك قلت: نعم زوجت اثْنَتَيْنِ وَبقيت وَاحِدَة تجمز

ص: 402

فِي أَبْيَاتنَا كَأَنَّهَا نعَامَة قَالَ: وَمَا وصيت بِهِ الأولى وَكَانَت تسمى برة قَالَ:

(أوصيت من برة قلباً حرا

بالكلب خيرا والحماة شرا)

(لَا تسأمي ضربا لَهَا وجراً

حَتَّى ترى حُلْو الْحَيَاة مرا)

(وَإِن كستك ذَهَبا ودرا

والحي عميهم بشر طرا)

فَضَحِك هِشَام وَقَالَ: فَمَا قلت فِي الْأُخْرَى قَالَ: قلت:

(سبي الحماة وابهتي عَلَيْهَا

وَإِن دنت فازلفي إِلَيْهَا)

(وقعدي كفيك فِي صدغيها

لَا تُخْبِرِي الدَّهْر بِذَاكَ ابنيها)

فَضَحِك هِشَام حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَسقط على قَفاهُ وَقَالَ: وَيحك مَا هَذِه وَصِيَّة يَعْقُوب لوَلَده قَالَ: وَلَا أَنا كيعقوب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: فَمَا قلت فِي الثَّالِثَة قَالَ: قلت:

(أوصيك يَا بِنْتي فَإِنِّي ذَاهِب

أوصيك أَن يحمدك الْأَقَارِب)

(وَالْجَار والضيف الْكَرِيم الساغب

وَيرجع الْمِسْكِين وَهُوَ خائب)

(وَلَا تني أظفارك السلاهب

لَهُنَّ فِي وَجه الحماة كَاتب)

وَالزَّوْج إِن الزَّوْج بئس الصاحب قَالَ: فَأَي شَيْء قلت فِي تَأْخِير تَزْوِيجهَا قَالَ: قلت:

ص: 403

(كَأَن ظلامة أُخْت شيان

يتيمةٌ ووالدها حَيَّان)

(الْجيد مِنْهَا عطلٌ والآذان

وَلَيْسَ للرجلين إِلَّا خيطان)

(وقصةٌ قد شيطتها النيرَان

تِلْكَ الَّتِي يضْحك مِنْهَا الشَّيْطَان))

فَضَحِك هِشَام وضحكت النِّسَاء لضحكه وَقَالَ للخصي: كم بَقِي من نَفَقَتك قَالَ: ثلثمِائة دِينَار. قَالَ: أعْطه إِيَّاهَا يَجْعَلهَا فِي رجْلي ظلامة مَكَان الْخَيْطَيْنِ.

وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة أبي النَّجْم فِي الشَّاهِد السَّابِع فِي أَوَائِل الْكتاب. الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)

(أَطُوف مَا أَطُوف ثمَّ آوي

إِلَى بَيت قعيدته لكاع)

على أَن لكاع مِمَّا يخْتَص بالنداء وَقد اسْتعْمل فِي غير النداء ضَرُورَة.

قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: يُقَال فِي النداء للئيم يَا لكع وللأنثى يَا لكاع لِأَنَّهُ مَوضِع معرفَة. فَإِن لم ترد أَن تعدله عَن جِهَته قلت للرجل: يَا ألكع وللأنثى يَا لكعاء. وَهَذَا مَوضِع لَا تقع فِي النكرَة.

وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث:

ص: 404

لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يَلِي أُمُور النَّاس لكع بن لكع. فَهَذَا كِنَايَة عَن اللَّئِيم ابْن اللَّئِيم. وَهَذَا بِمَنْزِلَة عمر ينْصَرف فِي النكرَة وَلَا ينْصَرف فِي الْمعرفَة. ولكاع مَبْنِيّ على الْكسر. وَقد اضْطر الحطيئة فَذكر لكاع فِي غير النداء فَقَالَ يهجو امْرَأَته: أَطُوف مَا أَطُوف. ثمَّ آوي. . الْبَيْت وقعيدة الْبَيْت: ربة الْبَيْت وصاحبته. وَإِنَّمَا قيل: قعيدة لقعودها وملازمتها.

قَالَ الْمَدَائِنِي فِي كتاب النِّسَاء الفوارك إِن امْرَأَة الحطيئة نشزت عَلَيْهِ وَسَأَلته الْفرْقَة فَقَالَ: أجول مَا أجول ثمَّ آوي. . الْبَيْت قَالَ المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب: هَذَا الْبناء يُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة. وَمعنى لكاع:

المتناهية فِي اللؤم. وَالْفِعْل مِنْهُ لكعت لكعاً ولكاعا وَهِي لكعاء وملكعانة. وَالْأَصْل فِي اللكع: الْوَسخ. ومَا مَعَ مَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل الْمصدر الَّذِي يُرَاد بِهِ الزَّمَان وَالتَّقْدِير: أَطُوف مُدَّة تطويفي.

وَأورد ابْن عقيل فِي شرح الألفية هَذَا الْبَيْت شَاهدا على وصل المصدرية بالمضارع الْمُثبت وَهُوَ قَلِيل وَالْكثير وَصلهَا بالمضارع الْمَنْفِيّ أَو الْمَاضِي.

وَمعنى الْبَيْت: أَطُوف نهاري كُله فِي طلب الرزق فَإِذا أويت عِنْد اللَّيْل فَإِنَّمَا آوي إِلَى بيتٍ قِيمَته الْقَاعِدَة فِيهِ لئيمة.

والمصراع الأول مَأْخُوذ من قَول قيس بن زُهَيْر بن جذيمة:

ص: 405

(وأطوف مَا أَطُوف ثمَّ آوي

إِلَى جارٍ كجار أبي دواد)

وَأَبُو دواد هُوَ أَبُو دواد الْإِيَادِي الشَّاعِر الْمَشْهُور. وجاره: كَعْب بن مامة الْإِيَادِي الْجواد)

الْمَشْهُور. وَقيل بل هُوَ الْحَارِث بن همام بن مرّة وَكَانَ أسر أَبَا دوادٍ وناساً من قومه فَأَطْلَقَهُمْ وَأكْرم أَبَا دواد وَأَجَارَهُ فمدحه أَبُو دواد وَأَعْطَاهُ وَحلف أَن لَا يذهب لَهُ شَيْء إِلَّا أخلفه لَهُ.

وَيُقَال: إِن ولد أبي دواد لعب مَعَ صبيان فِي غَدِير فغمسوه فَمَاتَ فَقَالَ الْحَارِث: لَا يبْقى صبيٌ فِي الْحَيّ إِلَّا غرق فودى ابْنه بديات كَثِيرَة. وآوي: مضارع آوى إِلَى منزله من بَاب ضرب أوياً: إِذا أَقَامَ بِهِ وانضم ولجأ إِلَيْهِ. وَمعنى وَهَذَا بَيت مفردٌ هجا بِهِ امْرَأَته كَمَا ذكرنَا.

والحطيئة اسْمه: جَرْوَل بن أَوْس بن مَالك بن جؤية بن مَخْزُوم بن مَالك ابْن غَالب بن قطيعة بِالتَّصْغِيرِ بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد ابْن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان وكنيته أَبُو مليكَة بِالتَّصْغِيرِ. وَاخْتلف فِي تلقيبه بالحطيئة بِضَم الْحَاء وَفتح الطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَبعدهَا همزَة فَقيل: لقب بذلك لقصره وقربه من الأَرْض فِي الصِّحَاح: والحطيئة: الرجل الْقصير قَالَ ثَعْلَب: وَسمي الحطيئة لدمامته. وَقيل: لِأَنَّهُ ضرط بَين قوم فَقيل لَهُ: هَذَا فَقَالَ حطيئة يُقَال حطأ: إِذا ضرط. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ محطوء الرجل وَالرجل المحطوءة: الَّتِي لَا أَخْمص لَهَا.

ص: 406

وَهُوَ أحد فحول الشُّعَرَاء متصرف فِي فنون الشّعْر: من المديح والهجاء وَالْفَخْر والنسيب.

وَكَانَ سَفِيها شريراً. ينتسب إِلَى الْقَبَائِل وَكَانَ إِذا غضب على قَبيلَة انْتَمَى إِلَى أُخْرَى.

قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: كَانَ الحطيئة مغموز النّسَب وَكَانَ من أَوْلَاد الزِّنَى الَّذين شرفوا. وَكَانَ أَوْس بن مَالك الْعَبْسِي تزوج بنت رَبَاح بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ وَكَانَت لَهَا أمة يُقَال لَهَا: الصراء فأعقلها أَوْس. وَكَانَ لبِنْت رَبَاح أخٌ يُقَال لَهُ: الأفقم فَلَمَّا ولدت الصراء جَاءَت بِهِ شَبِيها بالأفقم. فَقَالَت مولاتها: من أَيْن لَك هَذَا الصَّبِي قَالَت: من أَخِيك وهابت أَن تَقول: من زَوجك ثمَّ مَاتَ الأفقم وَترك ابْنَيْنِ من حرَّة وَتزَوج الصراء رجلٌ من عبس فَولدت لَهُ ابْنَيْنِ فَكَانَا أخوي الحطيئة من أمه. وأعتقت بنت رَبَاح الحطيئة وربته فَكَانَ كَأَنَّهُ أحدهم ثمَّ اعْترفت أمه بِأَنَّهُ من أَوْس.

وَترك الأفقم نخيلاً بِالْيَمَامَةِ فَأتى الحطيئة أَخَوَيْهِ من أَوْس فَقَالَ لَهُم: أفردوا لي من مالكم قِطْعَة.

فَقَالَا: لَا وَلَكِن أقِم مَعنا نواسك. فهجاهما. وَسَأَلَ أمه: من أَبوهُ فخلطت عَلَيْهِ فَغَضب عَلَيْهَا وهجاها وَلحق

بإخوته. من بني الأفقم وَنزل عَلَيْهِم فِي الْقرْيَة وَقَالَ يمدحهم:

(إِن الْقرْيَة خير ساكنها

أهل الْقرْيَة من بني ذهل))

ص: 407

(الضامنون لمَال جارهم

حَتَّى يتم نواهض البقل)

(قومٌ إِذا انتسبوا ففرعهم

فرعي وَأثبت أصلهم أُصَلِّي)

وسألهم مِيرَاثه من الأفقم فَأَعْطوهُ نخيلات فَلم تقنعه. فَسَأَلَهُمْ مِيرَاثه كَامِلا فَلم يعطوه شَيْئا.

فَغَضب عَلَيْهِم وهجاهم ثمَّ عَاد إِلَى بني عبس وانتسب إِلَى أَوْس بن مَالك.

قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ الحطيئة راوية زُهَيْر. وَكَانَ جاهلياً إسلامياً. وَلَا أرَاهُ أسلم إِلَّا بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ لِأَنِّي لم أجد لَهُ ذكرا فِيمَن وَفد عَلَيْهِ من وُفُود الْعَرَب غير أَنِّي وجدته فِي خلَافَة أبي بكر رضي الله عنه يَقُول:

(أَطعْنَا رَسُول الله إِذْ كَانَ حَاضرا

فيا لهفتي مَا بَال دين أبي بكر)

وَقَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: كَانَ أسلم فِي عهد النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ أسر وَعَاد إِلَى الْإِسْلَام.

وروى ابْن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ: كَانَ الحطيئة جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النَّفس كثير الشَّرّ بَخِيلًا قَبِيح المنظر رث الْهَيْئَة مغموز النّسَب فَاسد الدَّين وَمَا تشَاء أَن تَقول فِي شعر شَاعِر عَيْبا إِلَّا وجدته وقلما تَجِد ذَلِك فِي شعره.

ص: 408

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: التمس الحطيئة ذَات يَوْم إنْسَانا يهجوه فَلم يجده وضاق ذَلِك

عَلَيْهِ فَجعل يَقُول:

(أَبَت شفتاي الْيَوْم إِلَّا تكلما

بسوءٍ فَمَا ادري لمن أَنا قَائِله)

وَجعل يهدر بذا الْبَيْت فِي أشداقه وَلَا يرى إنْسَانا إِذْ اطلع فِي حَوْض فَرَأى وَجهه فَقَالَ:

(أرى لي وَجها شوه الله وَجهه

فقبح من وجهٍ وقبح حامله)

وَكَانَ الْكَلْب بن كنيس تزوج الصراء أم الحطيئة فهجاه وهجا أمه فَقَالَ:

(وَلَقَد رَأَيْتُك فِي النِّسَاء فسؤتني

وَأَبا بنيك فساءني فِي الْمجْلس)

فِي أَبْيَات.

وَقَالَ يهجو أمه:

(فقد ملكت أَمر بنيك حَتَّى

تَركتهم أدق من الطحين)

(لسَانك مبردٌ لَا عيب فِيهِ

ودرك در جاذبةٍ دَهِين)

وَقَالَ يهجوها أَيْضا:)

(تنحي فاجلسي مني بَعيدا

أراح الله مِنْك العالمينا)

(أغربالاً إِذا اسْتوْدعت سرا

وكانوناً على المتحدثينا)

(حياتك مَا علمت حَيَاة سوءٍ

وموتك قد يسر الصالحينا)

ص: 409

. وَقَالَ فِي هجاء أَبِيه وَعَمه وخاله:

(لحاك الله ثمَّ لحاك حَقًا

أَبَا ولحاك من عَم وخال)

(فَنعم الشَّيْخ أَنْت لَدَى المخازي

وَبئسَ الشَّيْخ أَنْت لَدَى الْمَعَالِي)

(جمعت اللؤم لَا حياك رَبِّي

وأبواب السفاهة والضلال)

قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَدخل الحطيئة على عتيبة بن النهاس الْعجلِيّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا أَنا فِي عمل فأعطيك من غدده وَمَا فِي مَالِي فضلٌ عَن قومِي. فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ رجل من قومه: أتعرفه قَالَ: لَا قَالَ: هَذَا الحطيئة فَأمر برده فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: إِنَّك لم تسلم تَسْلِيم الْإِسْلَام وَلَا استأنست استئناس الْجَار وَلَا رَحبَتْ ترحيب ابْن الْعم. قَالَ: هُوَ ذَلِك. قَالَ: اجْلِسْ فلك

(وَمن يَجْعَل الْمَعْرُوف من دون عرضه

يفره وَمن لايتق الشتم يشْتم)

قَالَ: ثمَّ من قَالَ: أَنا فَقَالَ عتيبة لغلامه: اذْهَبْ بِهِ إِلَى السُّوق فَلَا يشيرن إِلَى شَيْء إِلَّا اشْتَرَيْته لَهُ. فَانْطَلق بِهِ الْغُلَام فَجعل يعرض عَلَيْهِ الْحبرَة واليمنة وَبَيَاض مصر وَهُوَ يُشِير إِلَى الكرابيس والأكسية الْغِلَاظ. فَاشْترى لَهُ بِمِائَتي دِرْهَم وأوقر رَاحِلَته برا وَتَمْرًا فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: هَل من حاجةٍ غير هَذَا قَالَ: لَا حسبي قَالَ: إِنَّه قد أَمرنِي أَن لَا أجعَل لَك عِلّة

ص: 410

فِيمَا تُرِيدُ.

قَالَ: لَا حَاجَة بِي أَن يكون لهَذَا يدٌ على قومِي أَكثر من هَذِه. . ثمَّ ذهب فَقَالَ:

(سُئِلت فَلم تبخل وَلم تعط طائلاً

فسيان لَا ذمٌ عَلَيْك وَلَا حمد)

(وَأَنت امرؤٌ لَا الْجُود مِنْك سجيةٌ

فنعطي وَقد يعدي على النائل الوجد)

وأتى الحطيئة كَعْب بن زُهَيْر فَقَالَ لَهُ: قد علمت روايتي لكم وانقطاعي إِلَيْكُم وَقد ذهب الفحول غَيْرِي وَغَيْرك فَلَو قلت شعرًا تبدأ فِيهِ بِنَفْسِك ثمَّ تثني بِي فَإِن النَّاس لأشعاركم أروى.

فَقَالَ كَعْب:

(فَمن للقوافي شانها من يحوكها

إِذا مَا ثوى كعبٌ وَفَوْز جَرْوَل)

(نقُول وَلَا نعيا بِشَيْء نقُوله

وَمن قائليها من يسيء وَيعْمل))

وَفِي الأغاني عَن جمَاعَة: أَن الحطيئة لما حَضرته الْوَفَاة اجْتمع إِلَيْهِ قومه فَقَالُوا: أوص يَا أَبَا مليكَة. قَالَ: ويلٌ للشعر من راوية السوء قَالُوا: أوص يَرْحَمك الله قَالَ: من الَّذِي يَقُول:

(إِذا نبض الرامون عَنْهَا ترنمت

ترنم ثَكْلَى أوجعتها الْجَنَائِز)

قَالُوا: الشماخ. قَالَ: أبلغوا غطفان أَنه أشعر الْعَرَب قَالُوا: وَيحك أهذه وَصِيَّة أوص بِمَا ينفعك قَالَ: أبلغوا أهل ضابئ أَنه شَاعِر حَيْثُ يَقُول:

(لكل جديدٍ لذةٌ غير أنني

وجدت جَدِيد الْمَوْت غير لذيذ)

ص: 411

قَالُوا: أوص وَيحك بِغَيْر ذَا. قَالَ: أبلغوا أهل امْرِئ الْقَيْس أَنه أشعر

الْعَرَب حَيْثُ يَقُول:

(فيا لَك من ليلٍ كَأَن نجومه

بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل)

قَالُوا: اتَّقِ الله ودع عَنْك هَذَا قَالَ: أبلغوا الْأَنْصَار أَن صَاحبهمْ أشعر الْعَرَب حَيْثُ يَقُول:

(يغشون حَتَّى مَا تهر كلابهم

لَا يسْأَلُون عَن السوَاد الْمقبل)

قَالُوا: إِن هَذَا لَا يُغني عَنْك شَيْئا فَقل غير مَا أَنْت فِيهِ. فَقَالَ:

(الشّعْر صعبٌ وطويلٌ سلمه

إِذا ارْتقى فِيهِ الَّذِي لَا يُعلمهُ)

(زلت بِهِ إِلَى الحضيض قدمه

يُرِيد أَن يعربه فيعجمه)

قَالُوا: هَذَا مثل الَّذِي أَنْت فِيهِ. فَقَالَ: فوردت نَفسِي وَمَا كَادَت ترد

قَالُوا: يَا أَبَا مليكَة أَلَك حَاجَة قَالَ: لَا وَالله وَلَكِن أجزع على المديح الْجيد يمدح بِهِ من لَيْسَ لَهُ أَهلا. قَالُوا: فَمن أشعر النَّاس فَأَوْمأ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: هَذَا اللِّسَان إِذا طمع فِي خير. واستعبر باكياً. قَالُوا لَهُ: قل: لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ:

ص: 412

(قَالَت وفيهَا حيدةٌ وذعر

عوذٌ بربي مِنْكُم وَحجر)

فَقيل لَهُ: مَا تَقول فِي عبيدك فَقَالَ: هم عبيد قنٌ مَا عاقب اللَّيْل النَّهَار. قَالُوا: فأوص للْفُقَرَاء بِشَيْء. قَالَ: أوصيهم بالإلحاح فِي الْمَسْأَلَة فَإِنَّهَا تجارةٌ لن تبور واست المسؤول أضيق قَالُوا: فَمَا تَقول فِي مَالك قَالَ: للْأُنْثَى من وَلَدي مثلا حَظّ الذّكر. قَالُوا: لَيْسَ هَكَذَا قضى الله. قَالَ: لكني هَكَذَا قضيت. قَالُوا: فَمَا توصي لِلْيَتَامَى قَالَ: كلوا أَمْوَالهم ونيكوا أمهاتهم. قَالُوا: فَهَل شيءٌ تعهد فِيهِ غير هَذَا قَالَ: نعم تحملوني على أتان وتتركوني راكبها حَتَّى أَمُوت فَإِن الْكَرِيم لَا يَمُوت على فرَاشه والأتان مركبٌ لم يمت عَلَيْهِ كريمٌ قطّ. فَحَمَلُوهُ على أتان وَجعلُوا)

يذهبون بِهِ ويجيئون عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ.

وَفِي الْإِصَابَة لِابْنِ حجر: أَنه عَاشَ إِلَى زمن مُعَاوِيَة رضي الله عنه.

أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(بِنَا تميماً يكْشف الضباب)

على أَن الْمَنْصُوب على الِاخْتِصَاص رُبمَا كَانَ علما.

أَقُول: تَمِيم هُوَ تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر. وَهَذَا لَيْسَ مُرَاد الشَّاعِر وَإِنَّمَا مُرَاده الْقَبِيلَة. والضباب: جمع ضَبَابَة وَهُوَ

ص: 413

ندى كالغبار يغشى الأَرْض بالغدوات وأضب يَوْمنَا بِالْهَمْزَةِ: إِذا صَار ذَا ضباب. فَضرب الضباب مثلا لغمة الْأَمر وشدته أَي: بِنَا تكشف الشدائد فِي الحروب وَغَيرهَا.

وأنشده س على أَن تميماً مَنْصُوب بإضمار فعل على معنى الِاخْتِصَاص وَالْفَخْر. وبِنَا مُتَعَلق بقوله: يكْشف. وَقدم للحصر.

وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة لرؤبة بن العجاج وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أَوَائِل الْكتاب. الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة:)

(إِنَّا بني ضبة لَا نفر)

على أَن بني ضبة مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص تَقْدِيره: أخص بني ضبة الْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها وَهُوَ جملَة لَا نفر جِيءَ بهَا لبَيَان الافتخار. وضبة هُوَ ابْن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر وَأَبْنَاء ضبة ثَلَاثَة: سعد

وَسَعِيد بِالتَّصْغِيرِ وباسل وَهُوَ أَبُو الديلم.

قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: خرج باسل بن ضبة مغاضباً لِأَبِيهِ فَوَقع بِأَرْض الديلم فَتزَوج امْرَأَة من الْعَجم فَولدت لَهُ ديلماً. فَهُوَ أَبُو الديلم.

ص: 414

وَأنْشد بعده وهوالشاهد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة)

(لنا يومٌ وللكروان يومٌ

تطير البائسات وَلَا نطير)

على أَن البائسات مَنْصُوب على الترحم.

وَهَذَا الْبَيْت لقصيدة لطرفة بن العَبْد هجا بهَا عَمْرو بن الْمُنْذر امْرِئ الْقَيْس وأخاه قَابُوس بن

(فليت لنا مَكَان الْملك عمرٍ و

رغوثا حول قبتنا تخور)

(من الزمرات أسبل قادماها

وضرتها مركنةٌ درور)

(يشاركنا لنا رخلان فِيهَا

وتعلوها الكباش وَمَا تنور)

(لعمرك إِن قَابُوس بن هندٍ

ليخلط ملكه نوك كثير)

(قسمت الدَّهْر فِي زمنٍ رخي

كَذَاك الحكم يقْصد أَو يجور)

لنا يومٌ وللكروان يومٌ

...

...

... الْبَيْت

(فَأَما يومهن فَيوم سوءٍ

تطاردهن بالحدب الصقور)

(وَأما يَوْمنَا فنظل ركباً

وقوفاً مَا نحل وَلَا نسير)

وَكَانَ السَّبَب فِي هَذِه القصيدة على مَا حكى الْمفضل بن سَلمَة فِي كِتَابه الفاخر أَن عَمْرو بن الْمُنْذر كَانَ يرشح أَخَاهُ قَابُوس بن الْمُنْذر ليملك بعده فَقدم عَلَيْهِ المتلمس وطرفة فجعلهما فِي صحابة قَابُوس وَأَمرهمَا بلزومه. . وَكَانَ قَابُوس شَابًّا يُعجبهُ اللَّهْو وَكَانَ يركب يَوْمًا فِي الصَّيْد فيركض يتصيد وهما مَعَه يركضان حَتَّى يرجعا عَشِيَّة وَقد تعبا فَيكون قَابُوس من الْغَد

ص: 415

فِي الشَّرَاب فيقفان بِبَاب سرادقة إِلَى الْعشي. فَكَانَ قَابُوس يَوْمًا على الشَّرَاب فوقفا بِبَابِهِ النَّهَار كُله وَلم يصلا إِلَيْهِ فضجر طرفَة فَقَالَ هَذِه القصيدة.

وَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت والأعلم الشنتمري فِي شرحهما لديوان طرفَة: إِن عَمْرو بن هِنْد الْمَذْكُور كَانَ شريراً وَكَانَ لَهُ يَوْم بؤس وَيَوْم نعْمَة فيومٌ يركب فِي صَيْده يقتل أول من يلقى ويومٌ يقف النَّاس بِبَابِهِ فَإِن اشْتهى حَدِيث رجل أذن لَهُ فَكَانَ هَذَا دهره كُله. فهجاه طرفَة وَذكر ذَلِك بقوله: فليت لنا مَكَان. . الخ الْملك بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَأَصلهَا الْكسر: وصفٌ من ملك على النَّاس أَمرهم: إِذا تولى السلطنة. وَلنَا: خبر لَيْت مقدم ورغوثاً: اسْمهَا مُؤخر وَمَكَان الْملك: ظرف وَكَانَ فِي الأَصْل صفة لرغوث فَلَمَّا قدم صَار حَالا. والرغوث بِفَتْح الرَّاء وَضم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَآخره ثاء مُثَلّثَة: النعجة الْمُرْضع يُقَال: رغث الْغُلَام أمه: إِذا رضعها.)

وتخور: تصوت وأصل الخوار للبقر. فَجعله طرفَة للنعجة.

وَقَوله: من الزمرات. . الخ بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم أَي: القليلات الصُّوف وخصها لِأَنَّهَا أغزر ألباناً يُقَال: رجل زمر الْمُرُوءَة: إِذا كَانَ قليلها. والقادمان: الخلفان وأصل القادمين للناقة لِأَن لَهَا أَرْبَعَة أخلاف: قادمين وَآخَرين فاستعار القادمين للشاة. وأسبل: طَال وكمل والضرة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. لحم الضَّرع. والمركنة: الَّتِي لَهَا أَرْكَان أَي: جَوَانِب وأصل وَقيل: هِيَ المجتمعة. والدرور بِفَتْح الدَّال: الْكَثِيرَة الدّرّ.

وَقَوله: يشاركنا. . الخ الرخل بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الضَّأْن. وَلنَا: حَال من رخلان وَكَانَ قبل التَّقْدِيم صفة

ص: 416

أَي: يشاركنا فِي لَبنهَا رخلان لنا. وتنور بالنُّون: تنفر والنوار: النفور. يصف غزارة درها وَكَثْرَة

أَوْلَادهَا وَأَنَّهَا قد ألفت الذُّكُور فَمَا تنفر مِنْهَا.

وَقَوله: نوك كثير النوك بالنُّون: الحماقة وَكثير: يرْوى بِالْمُثَلثَةِ وبالموحدة. وَكَانَ قَابُوس يحمق ويزن فِي نَفسه.

وَقَوله: قسمت الدَّهْر. . الخ هُوَ بِالْخِطَابِ على طَريقَة الِالْتِفَات: إِمَّا من قَابُوس على قَول الْمفضل بن سَلمَة وَإِمَّا من عَمْرو على القَوْل الآخر يخاطبه وَيذكر مَا كَانَ من يَوْم صَيْده وَيَوْم وقُوف النَّاس بِبَابِهِ. وَقد بَينه فِي الأبيات الَّتِي بعده. والرخي: السهل اللين. وكذاك الحكم جملَة اسمية على حذف مُضَاف أَي: ذُو الحكم. أرسلها مثلا. وَقَوله: يقْصد. . الخ بَيَان لجِهَة التَّشْبِيه. ويقصد: من قصد فِي الْأَمر قصدا من بَاب ضرب: إِذا توَسط وَطلب الْأسد وَلم يُجَاوز الْحَد. وَقَوله: لنا يَوْم. . الخ مُبْتَدأ وَخبر وَرُوِيَ فِي أَكثر الرِّوَايَات: لنا يَوْمًا وللكروان يَوْمًا بِنصب يَوْمًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ على أَنه بدل كل من الدَّهْر. والكروان بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الرَّاء قَالَ الأعلم: هُوَ جمع كروان وَهُوَ طَائِر وَنَظِيره شقذان وشقذان وورشان وورشان وحمار وَلم يذكر فِي أَمْثَاله أَبُو فيد مؤرج بن عَمْرو السدُوسِي إِلَّا الْوَجْه الثَّانِي كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة قَالَ: قَالُوا: كراً وكروان مثل فَتى وفتيان. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.

ص: 417

وَزعم ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على هَذَا الْكتاب: أَن الكروان هُنَا مُفْرد بِفَتْح الْكَاف وَالرَّاء وَأَن التَّأْنِيث بِاعْتِبَار قصد الْأَفْرَاد من الْجِنْس. انْتهى.)

والبائسات مَنْصُوب على الترحم كَمَا يُقَال: مَرَرْت بِهِ الْمِسْكِين. وفاعل تطير ضمير الكروان.

وَرُوِيَ بِالرَّفْع أَيْضا قَالَ ابْن السّكيت: وَهُوَ الْأَكْثَر وَقَالَ

الأعلم: وَالرَّفْع على الْقطع وَقد يكون على الْبَدَل من الْمُضمر فِي تطير. وَهُوَ جمع بائسة من الْبُؤْس بِالضَّمِّ وَسُكُون الْهمزَة وَهُوَ الضّر يُقَال: بئس بِالْكَسْرِ: إِذا نزل بِهِ الضّر فَهُوَ بائس. وَقَوله: لَا نطير بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر.

وَقَوله: فَأَما يومهن. . الخ السوء بِفَتْح السِّين قَالَ الْأَزْهَرِي فِي تهذيبه: وَتقول فِي النكرَة: هَذَا رجل سوءٍ وَإِذا عرفت قلت: هَذَا الرجل السوء وَلم تضف. وَتقول: هَذَا عمل سوءٍ وَلَا تقل عمل السوء لِأَن السوء يكون نعتاً للرجل وَلَا يكون السوء نعتاً للْعَمَل لِأَن الْفِعْل من الرِّجَال وَلَيْسَ الْفِعْل من السوء. كَمَا تَقول: قَول صدقٍ وَقَول الصدْق وَرجل صدقٍ وَلَا تَقول رجل الصدْق لِأَن الرجل لَيْسَ من الصدْق انْتهى. وَرُوِيَ بدله نحسٍ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. والحدب بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَا ارْتَفع من الأَرْض وَغلظ. يَقُول: يَوْم الكروان يَوْم نحسٍ لمطاردة الصقور لَهُنَّ.

وَقَوله: مَا نحل وَلَا نسير أَي: نَحن قيام على بَابه نَنْتَظِر الْإِذْن فَلَا هُوَ يَأْذَن فنحل عِنْده وَلَا هُوَ يَأْمُرنَا بِالرُّجُوعِ فنسير عَنهُ. وَنحل مضارع حل يحل حلولاً من بَاب قعد: إِذا نزل.

ص: 418

وطرفَة هُوَ طرفَة بن العَبْد بن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. الشَّاعِر الْمَشْهُور.

وطرفة بِالتَّحْرِيكِ فِي الأَصْل: وَاحِد الطرفاء وَهُوَ الأثل قَالَ فِي الْقَامُوس: الطرفة محركة: وَاحِدَة الطرفاء وَبهَا لقب طرفَة بن العَبْد واسْمه عَمْرو ولقب بِبَيْت قَالَه.

وَهُوَ أشعر الشُّعَرَاء بعد امْرِئ الْقَيْس. ومرتبته ثَانِي مرتبَة وَلِهَذَا ثني بمعلقته. وَقَالَ الشّعْر صَغِيرا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ أَجود الشُّعَرَاء قصيدةً. وَله بعد الْمُعَلقَة شعرٌ حسن. وَلَيْسَ عِنْد الروَاة من شعره وَشعر عبيدٍ إِلَّا الْقَلِيل. وَقتل وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة.

وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله: أَنه وَفد مَعَ خَاله المتلمس على عَمْرو بن هِنْد فأكرمهما

وبقيا عِنْده مُدَّة قَالَ الْمفضل بن سَلمَة: وَكَانَ لطرفة ابْن عَم عِنْد عَمْرو بن هِنْد واسْمه عبد عمرٍ وبن بشر بن عَمْرو بن مرْثَد بن سعد بن مَالك بن ضبيعة وَكَانَ طرفَة عدوا لِابْنِ عَمه عبد عَمْرو وَكَانَ سميناً بادناً فَدخل على عَمْرو بن هِنْد الْحمام فَلَمَّا تجرد قَالَ لَهُ عَمْرو بن هِنْد: لقد كَانَ بن عمك طرفَة رآك حِين مَا قَالَ وَكَانَ طرفَة هجا عبد عَمْرو فَقَالَ فِيهِ من جملَة أَبْيَات:

(وَلَا خير فِيهِ غير أَن لَهُ غنى

وَأَن لَهُ كشحاً إِذا قَامَ أهضما)

ص: 419

فَلَمَّا أنْشد الأبيات لعبد عَمْرو قَالَ لَهُ عبد عَمْرو: مَا قَالَ لَك شرٌ مِمَّا قَالَ لي ثمَّ أنْشدهُ:)

فليت لنا مَكَان الْملك عَمْرو. . الأبيات الْمُتَقَدّمَة فَصدقهُ عَمْرو بن هِنْد وَقَالَ لَهُ: مَا أصدقك عَلَيْهِ مَخَافَة أَن تُدْرِكهُ الرَّحِم وينذره فَمَكثَ غير كثير ثمَّ دَعَا المتلمس وطرفة وَقَالَ: لعلكما قد اشتقتما إِلَى أهلكما وسركما أَن تنصرفا قَالَا: نعم فَكتب لَهما إِلَى عَامله على هجر أَن يقتلهما. وأخبرهما أَنه قد كتب لَهما بحباء وَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُمَا شَيْئا فَخَرَجَا وَكَانَ المتلمس قد أسن فمرا بنهر الْحيرَة على غلْمَان يَلْعَبُونَ فَقَالَ المتلمس: هَل لَك أَن نَنْظُر فِي كتابينا فَإِن كَانَ فيهمَا خيرٌ مضينا لَهُ وَإِن كَانَ شرا ألقيناهما فَأبى عَلَيْهِ طرفَة. فَأعْطى المتلمس كِتَابه بعض الغلمان فقرأه عَلَيْهِ فَإِذا فِيهِ السوء. فَألْقى كِتَابه فِي المَاء وَقَالَ لطرفة: أطعني والق كتابك فَأبى طرفَة وَمضى بكتابه إِلَى الْعَامِل فَقتله. وَمضى المتلمس حَتَّى لحق بملوك بني جَفْنَة بِالشَّام ا. هـ.

وروى يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوانه الْقِصَّة بأبسط من هَذَا قَالَ: إِن طرفَة لما هجا عَمْرو بن هِنْد بالأبيات الْمُتَقَدّمَة لم يسْمعهَا عَمْرو بن هِنْد. حَتَّى خرج يَوْمًا إِلَى الصَّيْد فأمعن فِي الطّلب فَانْقَطع فِي نفر من أَصْحَابه حَتَّى أصَاب طريدته فَنزل وَقَالَ لأَصْحَابه: اجْمَعُوا حطباً وَفِيهِمْ ابْن عَم طرفَة فَقَالَ لَهُم: أوقدوا. فأوقدوا نَارا وشوى. فَبَيْنَمَا عَمْرو يَأْكُل من شوائه وَعبد عَمْرو يقدم إِلَيْهِ

إِذْ نظر إِلَى خصر قَمِيصه منخرقاً فأبصر كشحه وَكَانَ من أحسن أهل زَمَانه جسماً وَقد كَانَ بَينه وَبَين طرفَة أمرٌ وَقع بَينهمَا مِنْهُ شَرّ فهجاه طرفَة بِأَبْيَات فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ

ص: 420

سمع تِلْكَ الأبيات يَا عبد عَمْرو لقد أبْصر طرفَة حسن كشحك ثمَّ تمثل فَقَالَ:

(وَلَا خير فِيهِ غير أَن لَهُ غنى

وَأَن لَهُ كشحاً إِذا قَامَ أهضما)

فَغَضب عبد عَمْرو مِمَّا قَالَه وأنف فَقَالَ: لقد قَالَ للْملك أقبح من هَذَا قَالَ عَمْرو: وَمَا الَّذِي قَالَ فندم عبد عَمْرو وأبى أَن يسمعهُ. فَقَالَ: أسمعنيه وطرفة آمن. فأسمعه القصيدة الَّتِي هجاه بهَا وشرحنا مِنْهَا ثَمَانِيَة أَبْيَات تقدّمت فَسكت عَمْرو بن هِنْد على مَا وقر فِي نَفسه وَكره أَن يعجل عَلَيْهِ لمَكَان قومه فَأَضْرب عَنهُ وَبلغ ذَلِك طرفَة وَطلب غرته والاستمكان مِنْهُ حَتَّى أَمن طرفَة وَلم يخفه على نَفسه فَظن أَنه قد رَضِي عَنهُ. وَقد كَانَ المتلمس وَهُوَ جرير بن عبد الْمَسِيح هجا عَمْرو بن هِنْد. وَكَانَ قد غضب عَلَيْهِ فَقدم المتلمس وطرفة على عَمْرو بن هِنْد يتعرضان لفضله. فَكتب لَهما إِلَى عَامله على الْبَحْرين وهجر. وَكَانَ عَامله فيهمَا فِيمَا)

يَزْعمُونَ ربيعَة بن الْحَارِث الْعَبْدي وَهُوَ الَّذِي كتب إِلَيْهِ فِي شَأْن طرفَة والمتلمس وَقَالَ لَهما: انْطَلقَا إِلَيْهِ فاقبضا جوائزكما. فَخَرَجَا.

فزعموا أَنَّهُمَا لما هبطا النجف قَالَ المتلمس: يَا طرفَة إِنَّك غلامٌ غر حَدِيث السن وَالْملك من قد عرفت حقده وغدره وكلانا قد هجاه فلست آمنا أَن يكون قد أَمر فِينَا بشر فَهَلُمَّ نَنْظُر فِي كتابينا فَإِن يكن أَمر لنا بخيرٍ مضينا فِيهِ وَإِن يكن قد أَمر فِينَا بِغَيْر ذَلِك لم نهلك أَنْفُسنَا فَأبى طرفَة أَن يفك خَاتم الْملك وحرص المتلمس على طرفَة فَأبى. وَعدل المتلمس إِلَى غُلَام من غلْمَان الْحيرَة عبَادي فَأعْطَاهُ الصَّحِيفَة فقرأها فَلم يصل إِلَى مَا أَمر بِهِ فِي المتلمس حَتَّى جَاءَ غُلَام بعده فَأَشْرَف فِي الصَّحِيفَة

ص: 421

لَا يدْرِي لمن هِيَ فقرأها فَقَالَ: ثكلت المتلمس أمه فَانْتزع المتلمس الصَّحِيفَة من يَد الْغُلَام وَاكْتفى بذلك من قَوْله وَاتبع طرفَة فَلم يُدْرِكهُ وَألقى

الصَّحِيفَة فِي نهر الْحيرَة ثمَّ خرج هَارِبا.

وَقد كَانَ المتلمس فِيمَا يُقَال قَالَ لطرفة حِين قَرَأَ كِتَابه: تعلم أَن فِي صحيفتك لمثل الَّذِي فِي صحيفتي فَقَالَ طرفَة: إِن كَانَ اجترأ عَلَيْك فَمَا كَانَ ليجترأ عَليّ وَلَا ليغرني وَلَا ليقدم عَليّ فَلَمَّا غَلبه سَار المتلمس إِلَى الشَّام وَسَار طرفَة حَتَّى قدم على عَامل الْبَحْرين وَهُوَ بهجر.

فَدفع إِلَيْهِ كتاب عَمْرو بن هِنْد فقرأه فَقَالَ: هَل تعلم مَا أمرت بِهِ فِيك قَالَ: نعم أمرت أَن تجزيني وتحسن إِلَيّ. فَقَالَ لطرفة: إِن بيني وَبَيْنك لخؤولةً أَنا لَهَا راعٍ فاهرب من ليلتك هَذِه فَإِنِّي قد أمرت بقتلك فَاخْرُج قبل أَن تصبح وَيعلم بك النَّاس فَقَالَ لَهُ طرفَة: اشتدت عَلَيْك جائرتي وأحببت أَن أهرب وَأَجْعَل لعَمْرو بن هِنْد عَليّ سَبِيلا كَأَنِّي أذنبت ذَنبا وَالله لَا أفعل ذَلِك أبدا فَلَمَّا أصبح أَمر بحبسه.

وَجَاءَت بكر بن وَائِل فَقَالَت: قدم طرفَة فَدَعَا بِهِ صَاحب الْبَحْرين فَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب الْملك ثمَّ أَمر بطرفة وَحبس وتكرم عَن قَتله وَكتب إِلَى عَمْرو بن هِنْد: أَن ابْعَثْ إِلَى عَمَلك فَإِنِّي غير قَاتل الرجل. فَبعث إِلَيْهِ رجلا من بني تغلب يُقَال لَهُ عبد هِنْد بن جرذ وَاسْتَعْملهُ على الْبَحْرين وَكَانَ رجلا شجاعاً وَأمره بقتل طرفَة

ص: 422

وَقتل ربيعَة بن الْحَارِث الْعَبْدي فقدمهما عبد هِنْد فَقَرَأَ عَهده على أهل الْبَحْرين ولبث أَيَّامًا. وَاجْتمعت بكر بن وَائِل فهمت بِهِ وَكَانَ طرفَة يحضضهم. وانتدب لَهُ رجل من عبد الْقَيْس ثمَّ من الحواثر يُقَال لَهُ: أَبُو ريشة فَقتله. فقبره الْيَوْم مَعْرُوف بهجر.)

وَزَعَمُوا أَن الحواثر ودته إِلَى أَبِيه وَقَومه.

وَقَالَت أُخْت طرفَة تهجو عبد عَمْرو لما كَانَ من إنشاده الشّعْر للْملك:

(أَلا ثكلتك أمك عبد عمرٍ و

أبالخربات آخيت الملوكا)

(هم دحوك للوركين دحاً

وَلَو سَأَلُوا لأعطيت البروكا)

ورثت طرفَة أُخْته بقولِهَا:

(فجعنا بِهِ لما رجونا إيابه

على خير حالٍ: لَا وليداً وَلَا قحما)

ا. هـ. وَمثله فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة قَالَ: وَكَانَ طرفَة فِي حسبٍ من قومه جريئاً على هجائهم وهجاء غَيرهم. وَكَانَت أُخْته عِنْد عبد عَمْرو بن بشر ابْن مرْثَد وَكَانَ عبد عَمْرو سيد أهل زَمَانه فشكت أُخْت طرفَة شَيْئا من أَمر زَوجهَا إِلَيْهِ فَقَالَ: وَلَا عيب فِيهِ غير أَن لَهُ غنى

...

...

. الْبَيْت

(وَإِن نسَاء الْحَيّ يعكفن حوله

يقلن عسيب من سرارة ملهما)

وأهضم: منقبض. وسرارة بِالْفَتْح: خِيَار. وملهم بِالْفَتْح: مَوضِع

ص: 423

كثير النّخل فَخرج عَمْرو بن هِنْد يتصيد وَمَعَهُ عبد عَمْرو فَأصَاب حمارا فعقره فَقَالَ لعبد عَمْرو: انْزِلْ إِلَيْهِ فَنزل غليه فأعياه فَضَحِك عَمْرو بن هِنْد وَقَالَ: لقد أبصرك طرفَة حِين قَالَ: وَلَا عيب فِيهِ غير أَن لَهُ غنى

...

...

. . الْبَيْت وَقَالَ فِي آخرهَا: وَيُقَال: إِن الَّذِي قَتله الْمُعَلَّى بن حَنش الْعَبْدي وَالَّذِي تولى قَتله بِيَدِهِ مُعَاوِيَة بن مرّة الأيفلي حيٌ من طسم وجديس.

ثمَّ قَالَ: وَكَانَ أَبُو طرفَة مَاتَ وطرفة صَغِير فَأبى أَعْمَامه أَن يقسموا مَاله فَقَالَ:

(مَا تنْظرُون بِمَال وردة فِيكُم

صغر البنون ورهط وردة غيب)

(وَالظُّلم فرق بَين حييّ وائلٍ

بكرٌ تساقيها المنايا تغلب)

(والصدق يألفه الْكَرِيم المرتجى

وَالْكذب يألفه الدنيء الأخيب)

وَيُقَال: إِن أول شعر قَالَه طرفَة أَنه خرج مَعَ عَمه فِي سفر فنصب فخاً فَلَمَّا أَرَادَ الرحيل قَالَ:

(يالك من قبرةٍ بِمَعْمَر

خلا لَك الجو فبيضي واصفري)

(ونقري إِن شِئْت أَن تنقري

قد رفع الفخ فَمَاذَا تحذري)

لَا بُد يَوْمًا أَن تصادي فاصبري ا. هـ)

ص: 424

وَعَمْرو بن هِنْد الْمَذْكُور هُوَ من مُلُوك الْحيرَة. كَانَ عاتياً جباراً وَيُسمى محرقاً أَيْضا لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم وَقيل: بل حرق نخل الْيَمَامَة. والنعمان بن الْمُنْذر صَاحب النَّابِغَة ابْن أخي عَمْرو بن هِنْد. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى نِسْبَة عَمْرو بن الْمُنْذر فِي نِسْبَة أَخِيه النُّعْمَان بن الْمُنْذر فِي الشَّاهِد الثَّالِث بعد هَذَا.

تَتِمَّة ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه طرفَة من الشُّعَرَاء أَرْبَعَة أَوَّلهمْ هَذَا.

والثَّانِي طرفَة بن ألاءة بن نَضْلَة بن الْمُنْذر بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم. والثَّالِث طرفَة الجذمي أحد بني جذيمة الْعَبْسِي. وَالرَّابِع أَخُو عَامر بن ربيعَة.

ص: 425

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(ويأوي إِلَى نسوةٍ عطلٍ

وشعثاً مراضيع مثل السعالي)

على أَن قَوْله: شعثاً مَنْصُوب على الترحم كَالَّذي قبله.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وشعثاً مَنْصُوب بإضمار فعل. قَالَ الأعلم: لِأَنَّهُ لما قَالَ: نسوةٍ عطل علم أَنَّهُنَّ شعثٌ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: وأذكرهن شعثاً. إِلَّا أَنه فعل لَا يظْهر لِأَن مَا قبله دلّ عَلَيْهِ فأغنى عَن ذكره.

وَقَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد أَنه نصب شعثاً كَأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ: إِلَى نسْوَة عطل صرن عِنْده مِمَّن علم أَنَّهُنَّ شعث وَلكنه ذكر ذَلِك تشنيعاً لَهُنَّ وتشويهاً. قَالَ الْخَلِيل: كَأَنَّهُ قَالَ: أذكرهن شعثاً إِلَّا أَن هَذَا فعلٌ لَا يسْتَعْمل إِظْهَاره لِأَن مَا قبله قد دلّ عَلَيْهِ فأغنى عَن ذكره على مَا يجْرِي الْبَاب عَلَيْهِ فِي الْمَدْح والذم.

وأنشده سِيبَوَيْهٍ فِي مَوضِع آخر أَيْضا قبل هَذَا يجر شعثٍ عطفا على عطل.

وَقَالَ: وَإِن شِئْت جررت على الصّفة. وَزعم يُونُس أَن ذَلِك أَكثر كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد أَخِيك وَصَاحِبك. ثمَّ قَالَ: وَلَو قَالَ: فشعث بِالْفَاءِ لقبح.

ص: 426

قَالَ النّحاس: وَمعنى قَوْله: لقبح: لَا يجوز. لِأَن عطلاً وشعثاً صفتان ثابتتان مَعًا فِي الْمَوْصُوف فعطفت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى بِالْوَاو لِأَن مَعْنَاهَا الِاجْتِمَاع وَلَو عطفت بِالْفَاءِ لم يجز لِأَنَّهُ لم يرد)

أَن الشعث حصل لَهُنَّ بعد العطل.

وَأورد هَذَا الْبَيْت صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَأولُوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ على أَن المنتصب على الْمَدْح كَمَا يَجِيء معرفَة يَجِيء نكرَة كَمَا فِي شعثاً فَإِنَّهُ مَنْصُوب على الترحم.

وَأوردهُ أَيْضا ابْن النَّاظِم وَابْن هِشَام فِي شرح الألفية على أَن قَوْله: شعثاً مَنْصُوب بِفعل مُضْمر على الِاخْتِصَاص ليبين أَن هَذَا الضَّرْب من النِّسَاء أَسْوَأ حَالا من الضَّرْب الأول الَّذِي هُوَ العطل مِنْهُنَّ. وَمثل هَذَا يُسمى نصبا على الترحم.

قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: لَا يجوز أَن يكون شعثاً مَنْصُوبًا مَفْعُولا مَعَه لِأَن شَرطه التَّشْرِيك مَعَ الْمَرْفُوع فِي نِسْبَة الْفِعْل. وَقد توهم من لَا عِبْرَة بِهِ جَوَاز: سرت والجبل وَهُوَ غير جَائِز إِذْ الْجَبَل لَا يسير وَلَو سلم جَوَازه فَلَا بُد من تَأْوِيله وَهُوَ أَن يَجْعَل كَأَن كل جزءٍ من الْجَبَل سَائِر لِأَنَّهُ إِذا سَار من مَوضِع من نواحي الْجَبَل فَذَاك مفارقٌ لَهُ.

وَالْبَيْت مُطلق الروي فَهُوَ بِكَسْر اللَّام من السعالي كَمَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ. قَالَ النّحاس: هَكَذَا أخذناه عَن أبي إِسْحَاق وَأبي الْحسن وَهُوَ الصَّوَاب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت العروضيون مِنْهُم الْأَخْفَش سعيد: مثل السعال بِإِسْكَان اللَّام. وَلَا يجوز إِلَّا ذَلِك على مَا رَوَوْهُ لأَنهم جَعَلُوهُ من المتقارب من الضَّرْب الثَّانِي من الْعرُوض الأولى.

ص: 427

وَقَوله: ويأوي. . الخ فَاعل يأوي ضمير الصياد: أَي: تَأتي مَأْوَاه ومنزله إِلَى نسْوَة. وعطل: جمع عاطل قَالَ فِي الصِّحَاح: والعطل بِالتَّحْرِيكِ: مصدر عطلت الْمَرْأَة: إِذا خلا جيدها من القلائد فَهِيَ عطل بِالضَّمِّ وعاطل ومعطال. وَقد يسْتَعْمل العطل فِي الْخُلُو من الشَّيْء وَإِن كَانَ أَصله فِي الْحلِيّ يُقَال: عطل الرجل من المَال وَالْأَدب فَهُوَ عطل بضمة وبضمتين. وَهَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا لِأَن الْمَعْنى: أَن هَذَا الصياد يغيب عَن نِسَائِهِ للصَّيْد ثمَّ يَأْتِي إلَيْهِنَّ فيجدهن فِي أَسْوَأ الْحَال. والشعث: جمع شعثاء من شعث الشّعْر شعثاً فَهُوَ شعث من بَاب تَعب: تغير وَتَلَبَّدَ لقلَّة تعهده بالدهن وَرجل أَشْعَث وَامْرَأَة شعثاء. والمراضيع: جمع مرضاع بِالْكَسْرِ وَهِي الَّتِي ترْضع كثيرا. والسعالي: بِفَتْح السِّين قَالَ أَبُو عَليّ القالي فِي كتاب الْمَقْصُور والممدود السعلي بِالْكَسْرِ وبالقصر: ذكر الغيلان وَالْأُنْثَى سعلاة: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: السعلاة: سَاحِرَة الْجِنّ. حَدثنَا أَبُو)

بكر بن دُرَيْد قَالَ: ذكر أَبُو عُبَيْدَة وأحسب الْأَصْمَعِي قد ذكره أَيْضا قَالَ: لقِيت السعلاة حسان بن ثَابت فِي بعض طرقات الْمَدِينَة وَهُوَ غُلَام قبل أَن يَقُول الشّعْر فبركت على صَدره وَقَالَت: أَنْت الَّذِي يَرْجُو قَوْمك أَن تكون شَاعِرهمْ قَالَ: نعم قَالَت: فأنشدني ثَلَاثَة أَبْيَات على رُوِيَ وَاحِد وَإِلَّا قتلتك فَقَالَ:

(إِذا مَا ترعرع فِينَا الْغُلَام

فَمَا إِن يُقَال لَهُ: من هوه)

(إِذا لم يسد قبل شدّ الْإِزَار

فَذَلِك فِينَا الَّذِي لَا هوه)

(ولي صاحبٌ من بني الشيصبان

فحيناً أَقُول وحيناً هوه)

ص: 428

فخلت سَبيله. ا. هـ. والشيصبان بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَبعدهَا يَاء مثناة تحتية وَبعدهَا صَاد مُهْملَة مَفْتُوحَة وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: هُوَ ابْن جني من الْجِنّ. . وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.

وروى أَبُو سعيد السكرِي هَذَا الْبَيْت فِي أشعار هُذَيْل كَذَا:

(لَهُ نسوةٌ عاطلات الصدو

رعوجٌ مراضيع مثل السعالي)

وَقَالَ: عوج: مهازيل مثل الغيلان فِي سوء الْحَال هُوَ جمع عوجاء. قَالَ فِي الصِّحَاح: وَهَذَا الْبَيْت لأمية بن أبي عَائِد الْهُذلِيّ من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا سِتَّة وَسَبْعُونَ بَيْتا على رِوَايَة أبي سعيد السكرِي فِي أشعار الهذليين وَهَذَا مطْلعهَا: إِلَّا يَا لقومٍ لطيف الخيال يؤرق من نازحٍ ذِي دلال الطيف هُنَا مصدر طَاف الخيال يطِيف طيفاً. ويؤرق: يسهد. وَقَوله: من نازح أَي: من حبيب بعيد.

وَهَذَا من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ شَاهدا على فتح اللَّام الأولى وَكسر

ص: 429

الثَّانِيَة فرقا بَين المستغاث بِهِ والمستغاث من أَجله.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ مَعْنَاهُ: من لطيف الخيال من نازحٍ ذِي دلالٍ يؤرقني. وَذكر

النازح لِأَنَّهُ أَرَادَ الشَّخْص. والدَّلال: الدّلَالَة بحسنٍ ومحبةٍ وَنَحْوهَا.

(أجَاز إِلَيْنَا على بعده

مهاوي خرقٍ مهابٍ مهال)

أجَاز الخيال: أَي: قطع إِلَيْنَا على بعده. مهاوي: مَوَاضِع يهوى وَيسْقط فِيهَا وَهُوَ مفعول اجاز. والْخرق بِالْفَتْح: الفلاة الواسعة تنخرق فِيهَا الرِّيَاح. ومهاب بِالْفَتْح: مَوضِع هَيْبَة.)

(صحارٍ تغول جنانها

وأحداب طودٍ رفيع الحبال)

صحارٍ: جمع صحراء. وتغول: تتلون كالغول. والْجنان بِالْكَسْرِ: جمع جَان وَهُوَ أَبُو الْجِنّ. وأحداب مَنْصُوب بالْعَطْف على مهاوي وَهُوَ جمع حدب بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض.

(خيالٌ لجعدة قد هاج لي

نكاساً من الْحبّ بعد اندمال)

أَي: ذَلِك الخيال خيال جعدة. يُقَال: عرض لي نكس ونكاس بضمهما. واندمل: أَفَاق بعض الْإِفَاقَة.

(تسدى مَعَ النّوم تمثالها

دنو الضباب بَطل زلال)

ص: 430

أَي: غشينا خيالها كَمَا تغشى الضباب الأَرْض. الْأَصْمَعِي: الضباب: الْغَيْم. والطل: الندى. والزلَال: الصافي.

(فباتت تسائلنا فِي الْمَنَام

وأحبب إِلَيّ بِذَاكَ السُّؤَال)

(تثني التَّحِيَّة بعد السَّلَام

ثمَّ تفدي بعم وخال)

(فقد هاجني ذكر أم الصَّبِي

من بعد سقمٍ طَوِيل المطال)

أَي: المطاولة.

(وَمر الْمنون بأمرٍ يغو

ل من رزء نفسٍ وَمن نقص مَال)

(إِلَى الله أَشْكُو الَّذِي قد أرى

من النائبات بعافٍ وعال)

أَي: تَأْخُذ بِالْعَفو والسهولة أَو تقهر فتعلو وتعظم يُقَال عاله الْأَمر: إِذا تفاقم بِهِ شكا إِلَى الله مَا أَصَابَهُ من دهره.

(وإظلال هَذَا الزَّمَان الَّذِي

يقلب بِالنَّاسِ حَالا لحَال)

مَعْطُوف على الَّذِي وَهُوَ مصدر أطل على الشَّيْء بِمَعْنى أشرف عَلَيْهِ.

(وَجهد بلاءٍ إِذا مَا أَتَى

تطاول أَيَّامه والليالي)

عطف على الَّذِي أَيْضا.

(فسل الهموم بعيرانةٍ

مواشكة الرجع بعد النقال)

أَي: سريعٌ رَجَعَ يَديهَا. والمناقلة: ضرب من السّير.)

ص: 431

ثمَّ أَخذ فِي وصف نَاقَته. . إِلَى أَن شبهها بِحِمَار الْوَحْش وَوَصفه بِشَيْء كثير إِلَى أَن ذكر أَنه أورد أتنه المَاء. . فَقَالَ:

(فَلَمَّا وردن صدرن النقيل

كأوب مرامي غويٌ مغالي)

النقيل: المناقلة فِي السّير وَأَصله إِذا وَقع فِي حجارةٍ ناقل وَهُوَ أَن ينْقل قوائمه يَضَعهَا بَين كل حجرين. والمغالي: المرامي الَّذِي يغالي فِي الرَّمْي غَيره ينْظرَانِ أَيهمَا أبعد سَهْما. يَقُول: آبت كأوب السِّهَام. وأوبها إِذا نزع النازع فِي الْقوس فَإِذا أرسل السهْم فقد آب من حَيْثُ نزع.

(فأسلكها مرْصدًا حَافِظًا

بِهِ ابْن الدجى لاصقاً كالطحال)

أَي: فأسلكها الْفَحْل وَهُوَ حمَار الْوَحْش مرْصدًا أَي: مَكَانا يرصد بِهِ الرَّامِي الْوَحْش.

وَقَوله: بِهِ أَي: بالمرصد. وابْن الدجى: الصياد وَهُوَ جمع دجية وَهِي بَيت الصَّائِد تكون حفيرةً يسْتَتر فِيهَا لِئَلَّا يرَاهُ الْوَحْش. وَقَوله: لاصقاً. . الخ يَقُول: قد لصق الصياد بِأَرْض حفيرته ليخفى عَن الصَّيْد كَمَا لصق الطحال بالجنب.

(مقيتاً معيداً لأكل القنيص

ذَا فاقةٍ ملحماً للعيال)

المقيت: المقتدر من أقات على الشَّيْء بِمَعْنى اقتدر عَلَيْهِ. والمعيد: الَّذِي قد اعْتَادَ صيد القنيص. والملحم: اسْم فَاعل من ألحم إِذا أطْعم اللَّحْم. ويأوي إِلَى نسوةٍ عطل

الْبَيْت

ص: 432

فَاعله ضمير ابْن الدجى وَهُوَ الصياد.

(تراح يَدَاهُ بمحشورةٍ

خواظي القداح عجاف النصال)

فِي الصِّحَاح: راحت يَده بِكَذَا: خفت لَهُ. والمحشورة: نبل قد ألطف قذذها وَهُوَ أسْرع لَهَا وَأبْعد. وخواظي القداح: جمع خاظية أَي: متينة مكتنزة. والقداح: جمع قدح بِالْكَسْرِ وَهُوَ عود السهْم. وعجاف النصال: أَي: قد أرهفت حَتَّى دقَّتْ.

ثمَّ وصف قوسه ونباله وَصدق رميه. . إِلَى أَن قَالَ:

(فعما قليلٍ سَقَاهَا مَعًا

بمزعف ذيفان قشبٍ ثمال)

المزعف: الْمَوْت السَّرِيع. والذيفان: السم. والقشب بِالْكَسْرِ: أَن يخلط بِشَيْء ليقْتل. وثمال بِالضَّمِّ: منقع. شبه السِّهَام بِهِ.)

(سوى العلج أخطأه رائغاً

بثجراء ذَات غرارٍ مسالٍ)

يَقُول: سَقَاهَا بمزعف سوى العلج أخطأه فَلم يصبهُ. والعلج بِالْكَسْرِ: الْحمار الغليظ. وثجراء: صقيلة عريضة. وغرارها: حَدهَا. ومسال: ممطول وَمِنْه خد أسيل وأسال.

(فجال عَلَيْهِنَّ فِي نفره

ليفتنهن لزول الزَّوَال)

ص: 433

جال عَلَيْهِنَّ: أقبل وَاعْتمد عَلَيْهِنَّ فِي نفره حَتَّى نفر. ليفتنهن: أَي: ليشتق بِهن أَي: ليزول بِهن عَن الرَّامِي.

(فَلَمَّا رآهن بالجلهتين

يكبون فِي مطحرات الإلال)

الجلهة: مَا اسْتقْبلت من الْوَادي. يكبون فِي مطحرات يَعْنِي سهاماً. والمطحر: الملزق.

و (رمى بالجراميز عرض الوجين

وارمد فِي الجري بعد انفتال)

رمى: أَي: الْحمار يُقَال: رمى بالجراميز أَي: بِنَفسِهِ. والوجين: مَا اعْترض لَك من غلظ. وارمد: أسْرع فِي الْعَدو بعد أَن كَانَ انْفَتَلَ انفتالةً فجال.

ثمَّ وصف الْحمار بِشدَّة عدوه حينما نفر من الصياد وَرَأى أتنه مصرعة. . إِلَى أَن قَالَ:

(أشبه رَاحِلَتي مَا ترى

جواداً ليسمع فِيهَا مقالي)

(وأنجو بهَا عَن ديار الهوا

ن غير انتحال الذَّلِيل الموَالِي)

بهَا: أَي: براحلتي. والموَالِي: الَّذِي يَقُول أَنا مَوْلَاك. يَقُول: لَيْسَ كَمَا ينتحل الذَّلِيل الموَالِي.

أَي: لَا أَقُول ذَلِك وَلَا أَفعلهُ أَي: انتحالاً.

(وأطلب الْحبّ بعد السلو

حَتَّى يُقَال: امرؤٌ غير سَالَ)

ص: 434

اشْتهى أَن يعاود الْحبّ والهوى بَعْدَمَا رأى النَّاس أَنه قد أقلع.

(أسلي الهموم بأمثالها

وأطوي الْبِلَاد وأقضي الكوالي)

أَي: وأقضي مَا تَأَخّر عَليّ من الْحُقُوق. يُقَال: دين كالئ: إِذا تَأَخّر. أَي: أَقْْضِي الدَّين بوفادةٍ على هَذِه الرَّاحِلَة إِلَى ملك أَو أضْرب فِي الأَرْض لمكسب.

(وَأَجْعَل فقرتها عدَّة

إِذا خفت بيُوت أمرٍ عضال)

وَهَذَا آخر القصيدة يُقَال: بعير ذُو فقرة: إِذا كَانَ قَوِيا على الرّكُوب. وبيُوت: هُوَ أَمر جَاءَ بياتاً. وعضال: شَدِيد. يَقُول: أجعلها عدَّة إِذا نزل بِي أَمر معضل هربت عَلَيْهَا. وأُميَّة هَذَا هُوَ أُميَّة بن أبي عَائِذ. بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْعمريّ. أحد بني عَمْرو بن الْحَارِث بن)

تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. . شَاعِر إسلامي مخضرم على مَا

فِي الْإِصَابَة عَن المرزباني.

وَفِي الأغاني: أَنه من شعراء الدولة الأموية وَأحد مداحهم. لَهُ فِي عبد الْملك بن مَرْوَان وَعبد الْعَزِيز قصائد. وَقد وَفد إِلَى عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بِمصْر وَأنْشد قصيدته الَّتِي أَولهَا:

ص: 435

(أَلا إِن قلبِي مَعَ الظاعنينا

حزينٌ فَمن ذَا يعزي الحزينا)

(وَسَار بمدحه عبد الْعزي

ز ركبان مَكَّة والمنجدونا)

(وَقد ذَهَبُوا كل أَوب بهَا

فَكل أناسٍ بهَا معجبونا)

(محبرة من صَحِيح الكلا

م لَيست كَمَا لفق المحدثونا)

وَطَالَ مقَامه بِمصْر عِنْده وَكَانَ يأنس بِهِ. وَوَصله بصلات سنية فتشوق إِلَى الْبَادِيَة وَإِلَى أَهله فَأذن لَهُ وَوَصله.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

(لحا الله جرما كلما ذَر شارقٌ

وُجُوه كلابٍ هارشت فازبأرت)

على أَن قَوْله: وُجُوه كلاب مَنْصُوب على الذَّم.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لعَمْرو بن معد يكرب. وَهِي:

(وَلما رَأَيْت الْخَيل زوراً كَأَنَّهَا

جداول زرعٍ أرْسلت فاسبطرت)

(فَجَاشَتْ إِلَيّ النَّفس أول مرةٍ

فَردَّتْ على مكروهها فاستقرت)

(علام تَقول الرمْح يثقل عَاتِقي

إِذا أَنا لم أطعن إِذا الْخَيل كرت)

(لحا الله جرما كلما ذَر شارقٌ

وُجُوه كلابٍ هارشت فازبأرت)

(فَلم تغن جرمٌ نهدها أَن تلاقيا

وَلَكِن جرما فِي اللِّقَاء ابذعرت)

ص: 436

.

(ظللت كَأَنِّي للرماح دريةٌ

أقَاتل عَن أَبنَاء جرمٍ وفرت)

(فَلَو أَن قومِي أنطقتني رماحهم

نطقت وَلَكِن الرماح أجرت)

هَذَا الْمِقْدَار أوردهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة. وَفِي ديوانه أَكثر من هَذَا.

وقصة هَذِه الأبيات: هُوَ مَا حَكَاهُ الْمفضل الطبرسي فِي شرح الحماسة: أَن جرما ونهداً وهما قبيلتان من قضاعة كَانَتَا من بني الْحَارِث بن كَعْب فقتلت جرمٌ رجلا من أَشْرَاف بني الْحَارِث فارتحلت عَنْهُم وتحولت فِي بني زبيد. فَخرجت بَنو الْحَارِث يطْلبُونَ بِدَم أخيهم فَالْتَقوا فعبأ عمرٌ وجرما لنهد وتعبأ هُوَ وَقَومه لبني الْحَارِث. ففرت جرم واعتلت بِأَنَّهَا كرهت دِمَاء نهد)

فهزمت يومئذٍ بَنو زبيد. فَقَالَ عمرٌ وهَذِه الأبيات يلومها. ثمَّ غزاهم بعد فانتصف مِنْهُم.

فَقَوله: زوراً هُوَ جمع أَزور وَهُوَ المعوج الزُّور بِالْفَتْح أَي: الصَّدْر. يَقُول: لما رَأَيْت الفرسان منحرفين لِلطَّعْنِ وَقد خلوا أَعِنَّة دوابهم وارسلوها علينا كَأَنَّهَا أَنهَار زرعٍ أرْسلت مياهها فاسبطرت أَي: امتدت. والتشبيه وَقع على جري المَاء فِي الْأَنْهَار لَا على الْأَنْهَار فَكَأَنَّهُ شبه امتداد الْخَيل فِي انحرافها عِنْد الطعْن

بامتداد المَاء فِي الْأَنْهَار وَهُوَ يطرد ملتوياً ومضطرباً. وَهَذَا تَشْبِيه بديع.

وَقَوله: فَجَاشَتْ. . الخ جَاشَتْ: ارْتَفَعت من فزع. وَهَذَا لَيْسَ لكَونه جَبَانًا بل هَذَا بَيَان حَال النَّفس. وَنَفس الجبان والشجاع سواءٌ فِيمَا يدهمها عِنْد الوهلة الأولى ثمَّ يَخْتَلِفَانِ: فالجبان يركب نفرته والشجاع يَدْفَعهَا

ص: 437

فَيثبت. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان: وجدت فرسَان الْعَرَب سِتَّة نفر: ثَلَاثَة مِنْهُم جزعوا من الْمَوْت عِنْد اللِّقَاء ثمَّ صَبَرُوا وَثَلَاثَة لم يجزعوا. قَالَ عَمْرو: فَجَاشَتْ إِلَيّ النَّفس أول مرةٍ

...

...

الْبَيْت وَقَالَ ابْن الإطنابة:

(وَقَوْلِي كلما جشأت وجاشت:

مَكَانك تحمدي أَو تستريحي)

(إِذْ يَتَّقُونَ بِي الأسنة لم أخم

عَنْهَا وَلَكِنِّي تضايق مقدمي)

فَأخْبر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَنهم هابوا ثمَّ أقدموا. وَقَالَ عَامر بن الطُّفَيْل:

(أَقُول لنفسٍ مَا أُرِيد بقاءها

أقلي المراح إِنَّنِي غير مُدبر)

وَقَالَ قيس بن الخطيم:

(وَإِنِّي فِي الْحَرْب الضروس موكلٌ

بإقدام نفيسٍ مَا أُرِيد بقاءها)

وَقَالَ الْعَبَّاس بن مرداس:

(أَشد على الكتيبة لَا أُبَالِي

أحتفي كَانَ فِيهَا أم سواهَا)

فَأخْبر هَؤُلَاءِ انهم لم يجزعوا.

ص: 438

الْفَاء زَائِدَة وجاشت: جَوَاب لما عِنْد الْكُوفِيّين والأخفش. وَعند الْبَصرِيين للْعَطْف وَالْجَوَاب مَحْذُوف يقدر بعد قَوْله: فاستقرت أَي: طاعنت أَو أبليت. والقرينة عَلَيْهِ قَوْله: علام تَقول الرمْح. . الْبَيْت كَذَا قَالَ شرَّاح الحماسة وَهَذَا تعسف نَشأ من أبي تَمام فَإِنَّهُ حذف بَيت الْجَواب اختصاراً كعادته. لَكِن كَانَ على الشَّارِح مُرَاجعَة الأَصْل. وَالْجَوَاب هُوَ الْبَيْت الثَّالِث)

الْمَحْذُوف وَهُوَ:

(هَتَفت فَجَاءَت من زبيد عصابةٌ

إِذا طردت فاءت قَرِيبا فَكرت)

وفاءت بِمَعْنى رجعت. وَأول مرّة: ظرف. وَقَوله: علام تَقول الرمْح. . الخ أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن على فِيهِ تعليلية. وَأوردهُ فِي شرح الألفية أَيْضا شَاهدا على إِعْمَال تَقول عمل ظن. وَمَا استفهامية وَلها حذف ألفها. وأثقله الشَّيْء: أجهده. والعاتق: مَا بَين الْمنْكب والعنق وَهُوَ مَوضِع الرِّدَاء.

قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: يرْوى الرمْح بِالنّصب وَالرَّفْع: فَأَما الرّفْع فعلى ظَاهر الْأَمر وَأما النصب فعلى اسْتِعْمَال القَوْل بِمَعْنى الظَّن وَذَلِكَ مَعَ اسْتِفْهَام الْمُخَاطب كَقَوْلِه:

أجهالاً تَقول بني لؤَي وعَلى قَوْله: فَمَتَى تَقول الدَّار تجمعنا

ص: 439

وروى لنا أَبُو عَليّ بَيت الحطيئة:

(إِذا قلت أَنِّي آيبٌ أهل بلدةٍ

حططت بهَا عَنهُ الولية بالهجر)

بِفَتْح الْهمزَة من أَنِّي قَالَ: وَمَعْنَاهَا إِذا قدرت وظننت أَنِّي آيب.

فَإِن قيل: فَلَيْسَ هُنَا اسْتِفْهَام فَكيف جَازَ اسْتِعْمَال القَوْل اسْتِعْمَال الظَّن قيل: لم يجز هَذَا للاستفهام وَحده بل لِأَن الْموضع من مَوَاضِع الظَّن. وَلَو كَانَ للاستفهام مُجَرّد من تقاضي الْموضع لَهُ وتلقيه إِيَّاه فِيهِ لجَاز أَيْضا أأقول زيدا مُنْطَلقًا وأيقول زيدا عمرا جَالِسا وَلما لم يجز ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يكَاد يَسْتَفْهِمهُ عَن ظن غَيره علمت بِهِ أَن جَوَازه إِنَّمَا هُوَ لِأَن الْموضع مُقْتَض لَهُ. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك جَازَ أَيْضا: إِذا قلت أَنِّي آيب بِفَتْح همزَة أَنِّي من حَيْثُ كَانَ الْموضع متقاضياً للظن. وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة لَطِيفَة. وَلَو كسرت هُنَا همزَة إِن لكَانَتْ كالرفع فِي قَوْلك: أَتَقول زيدٌ منطلق إِذا حكيت وَلم تعْمل.

وَأما إِذا وإِذا فِي الْبَيْت ففيهما نظر: وَذَلِكَ ان كل وَاحِدَة مِنْهُمَا محتاجة إِلَى ناصب هُوَ جوابهما وكل واحدةٍ مِنْهُمَا جوابها مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبلهَا. وَشرح ذَلِك أَن تَقول: إِن إِذا الأولى جوابها مَحْذُوف حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا أَنا لم أطعن وَجب طرحي الرمْح عَن عَاتِقي. فَدلَّ قَوْله: علام تَقول الرمْح يثقل عَاتِقي على مَا أَرَادَهُ من وجوب طرح الرمْح إِذا لم يطعن بِهِ)

كَقَوْلِك: أَنْت ظَالِم إِن فعلت أَي: إِن فعلت ظلمت ودلك أَنْت ظَالِم على ظلمت. وَهَذَا بابٌ وَاضح. . وَإِذا الأولى وَمَا نَاب عَن

ص: 440

جوابها فِي مَوضِع جَوَاب إِذا الثَّانِيَة أَي: نائبٌ عَنهُ ودال عَلَيْهِ وتلخيصه: أَنه كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا الْخَيل كرت وَجب إلقائي الرمْح مَعَ تركي الطعْن بِهِ. وَمثله من التَّرْكِيب: أزورك إِذا أكرمتني إِذا لم يَمْنعنِي من ذَلِك مَانع فاعرف صِحَة الْغَرَض فِي هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ طَرِيق ضيق وكل مجتازٍ فِيهِ قَلِيل التَّأَمُّل لمحصول حَدِيثه فَإِنَّمَا يأنس بِظَاهِر اللَّفْظ وَلَا يوليه والتبريزي جعل إِذا الأولى ظرفا لقَوْله: يثقل وَإِذا الثَّانِيَة ظرفا لقَوْله: لم أطعن بِضَم الْعين لِأَنَّهُ يُقَال: طعنه بِالرُّمْحِ من بَاب قتل.

وَقَوله: لحا الله جرما. . الخ أصل اللحو نزع قشر الْعود. يَدْعُو عَلَيْهِم بِالْهَلَاكِ: أَي: قشرهم الله غَدَاة كل يَوْم. والذرور فِي الشَّمْس بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة: أَصله الانتشار والتفريق وَيُقَال: ذرت الشَّمْس: طلعت. وشارق: الشَّمْس. وكلما مَنْصُوب على الظّرْف. ووجوه: مَنْصُوب على الذَّم والشتم وَيجوز أَن يكون بَدَلا من جرما. وهارشت فِي الصِّحَاح: الهراش: المهارشة بالكلاب وَهُوَ تحريش بَعْضهَا على بعض.

وَقَوله: فازبأرت أَي: انتفشت حَتَّى ظهر أصُول شعرهَا وتجمعت للوثب. وَهَذِه الْحَالة أشنع حالات الْكلاب. وَهَذَا تحقير للمشبه وتصوير لقباحة منظره. شبه وُجُوههم بِوُجُوه الْكلاب فِي هَذِه الْحَالة.

ص: 441

وَقَوله: فَلم تغن جرمٌ. . الخ أَي: لم تقاوم جرم نهداً بل فرت مِنْهَا. وَقَالَ الطبرسي: لم تغن أَي: لم تكف جرمٌ نهداً وَلكنهَا فرت. قَالَ الشَّاعِر: وأغن نَفسك عَنَّا أَيهَا الرجل وابذعرت: تَفَرَّقت. وَقَالَ الإِمَام المرزوقي وَالْمعْنَى: لم تنصر جرم نهداً وَقت الالتقاء وَلَكِن جرما انْهَزَمت وهامت على وَجههَا فمضت واصطلت نهدٌ بِنَار الْحَرْب ومست حَاجَتهَا إِلَى من ينصرها ويذب عَنْهَا الْأَعْدَاء. وأضاف نهدها إِلَى ضمير جرم أَن اعتمادهم كَانَ عَلَيْهَا واعتقادهم الِاكْتِفَاء بهَا ا. هـ.

وَهَذَا غَفلَة عَن سَبَب الأبيات. وَإِضَافَة نهد إِلَى ضمير جرم للملابسة فَإِن جرما أعدت لمقاتلة نهد كَمَا أَن زبيداً أعدت لمقاتلة بني الْحَارِث.

وَقَوله: ظللت كَأَن. . الخ أَي: بقيت نهاري منتصباً فِي وُجُوه الْأَعْدَاء والطعن يَأْتِي من)

جوانبي أذب عَن جرم وَقد هربت. فالدرية هِيَ الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم عَلَيْهَا الطعْن وَأما الدرأة بِالْهَمْز فَهِيَ الدَّابَّة الَّتِي يسْتَتر بهَا من الصَّيْد يُقَال: درأتها نَحْو الصَّيْد وَإِلَى الصَّيْد وللصيد: إِذا سقتها من الدرء وَهُوَ الدّفع. وَجُمْلَة كَأَنِّي خبر ظللت. وَجُمْلَة أقَاتل حَال وَيجوز الْعَكْس.

قَالَ يُوسُف بن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق: يَقُول: صرت لِكَثْرَة الطعْن فِي وَدخُول الرماح فِي جَسَدِي كالحلقة الَّتِي يتَعَلَّم عَلَيْهَا الطعْن. وحكايته: أَن جرما كَانَت مَعَ زبيد ونهداً مَعَ بني الْحَارِث بن كَعْب فَالْتَقوا فانهزمت جرم وَبَنُو زبيد وَكَاد عمرٌ ويُؤْخَذ وَقَاتل يَوْمئِذٍ قتالاً شَدِيدا.

ص: 442

وَقَوله: فَلَو أَن قومِي يَقُول: لَو صَبَرُوا وطعنوا برماحهم أعداءهم لأمكنني مدحهم وَلَكِن فرارهم صيرني كالمشقوق اللِّسَان لِأَنِّي إِن مدحتهم بِمَا لم يَفْعَلُوا كذبت ورد عَليّ. يُقَال: أجررت لِسَان الفصيل: إِذا شققت لِسَانه لِئَلَّا يرضع أمه. قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى أخبرنَا ابْن شقير قَالَ: حضرت الْمبرد وَقد سَأَلَهُ رجلٌ عَن معنى قَول الشَّاعِر: فَلَو أَن قومِي أنطقتني رماحهم

...

...

...

الْبَيْت

فَقَالَ: هَذَا كَقَوْل الآخر:

(وقافيةٍ قيلت فَلم أستطع لَهَا

دفاعاً إِذا لم تضربوا بالمناصل)

(فأدفع عَن حق بِحَق وَلم يكن

ليدفع عَنْكُم قالة الْحق باطلي)

قَالَ أَبُو الْقَاسِم: معنى هَذَا: أَن الفصيل إِذا لهج بِالرّضَاعِ جعلُوا فِي أَنفه خلالة محددة فَإِذا جَاءَ يرضع أمه نخستها تِلْكَ الخلالة فمنعته من الرَّضَاع فَإِن كف. . وَإِلَّا أجروه. والإجرار: أَن يشق لِسَان الفصيل أَو يقطع طرفه فَيمْتَنع حِينَئِذٍ من الرَّضَاع ضَرُورَة. فَقَالَ قَائِل الْبَيْت الأول: إِن قومِي لم يقاتلوا فَأَنا مجرٌ عَن مدحهم لِأَنِّي مَمْنُوع كَأَن رماحهم حِين قصروا عَن الْقِتَال بهَا أجرتني عَن مدحهم كَمَا يجر الفصيل. عَن الرَّضَاع. ففسره أَبُو الْعَبَّاس بالبيتين اللَّذين مضيا.

وللإجرار مَوضِع آخر وَهُوَ أَن يطعن الْفَارِس الْفَارِس فَيمكن الرمْح فِيهِ ثمَّ يتْركهُ مُنْهَزِمًا يجر الرمْح فَذَلِك قَاتل لَا محَالة. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

ص: 443

وَقَول الآخر: ونقي بِأَفْضَل مالنا أحسابنا ونجر فِي الهيجا الرماح وندعي ا. هـ قَوْله: وندعي أَي: ننتسب فِي الْحَرْب كَمَا ينتسب الشجاع فِي الْحَرْب فَيَقُول: أَنا فلَان ابْن فلَان.)

ومعدي اشتقاقه مثل اشتقاق معدان وَيزِيد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون من الْعدوان فقلبت الْوَاو يَاء لما بني على مفعل أَو يكون بني على مفعول فقلبت الْوَاو يَاء ثمَّ خففت الْيَاء لطول الِاسْم لِأَنَّهُ جعل مَعَ كرب كالاسم الْوَاحِد. وكرب يجوز أَن يكون من الكرب الَّذِي هُوَ أَشد الْغم أَو من كرب فِي معنى قَارب أَو من أكربت الدَّلْو: إِذا شددتها بالكرب وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد على الْعِرَاقِيّ قَالَ ابْن جني: فسره ثَعْلَب: أَنه عداهُ الكرب أَي: تجاوزه وَانْصَرف عَنهُ.

ص: 444

وعصم بِضَم الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. وزبيد مصغر زبدة أَو زبد والزبد: الْعَطاء يُقَال: زبده زبداً: إِذا أعطَاهُ. وَقَالَ شَارِح ديوانه: وَسمي زبيداً لِأَنَّهُ قَالَ: من يزبدني نَصره وَكَذَا رَأَيْت فِي جمهرة الْأَنْسَاب. إِنَّمَا سمي زبيداً لِأَنَّهُ قَالَ: من يزبدني نَصره لما كثر عمومته وَبَنُو عَمه فَأَجَابُوهُ كلهم. فسموا كلهم زبيداً مَا بَين زبيد الْأَصْغَر إِلَى مُنَبّه بن صَعب وَهُوَ زبيد الْأَكْبَر. وَأَخُوهُ زبيد الْأَصْغَر كلهم يدعى زبيداً ا. هـ.

وكنية عَمْرو أَبُو ثَوْر. وَهُوَ الْفَارِس الْمَشْهُور صَاحب الغارات والوقائع فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام.

قَالَ فِي الِاسْتِيعَاب: وَفد على النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فِي سنة تسع. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: فِي سنة عشر فِي وَفد زبيد فَأسلم ا. هـ.

وَأقَام مُدَّة فِي الْمَدِينَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه وَأقَام فيهم سَامِعًا مُطيعًا وَعَلَيْهِم فَرْوَة بن مسيك فَلَمَّا توفّي النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ ارْتَدَّ.

قَالَ النَّوَوِيّ فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات: ارْتَدَّ مَعَ الْأسود الْعَنسِي فَسَار إِلَيْهِ خَالِد بن سعيد فَقتله فَضَربهُ خَالِد على عَاتِقه فَانْهَزَمَ وَأخذ خالدٌ سَيْفه. فَلَمَّا

رأى عَمْرو الأمداد من أبي بكر رضي الله عنه أسلم وَدخل على المُهَاجر بن أبي أُميَّة بِغَيْر أَمَان فأوثقه وَبعث بِهِ إِلَى أبي بكر فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: أما تَسْتَحي كل يَوْم مهزوماً أَو مأسوراً لَو عززت هَذَا الدَّين لرفعك الله قَالَ: لَا جرم لأقبلن وَلَا أَعُود. فَأَطْلقهُ وَعَاد إِلَى قومه. ثمَّ عَاد إِلَى الْمَدِينَة فَبَعثه أَبُو بكر رضي الله عنه إِلَى الشَّام فَشهد اليرموك ا. هـ.)

وَله فِي يَوْم اليرموك بلاءٌ حسن وَقد ذهبت فِيهِ إِحْدَى عَيْنَيْهِ. ثمَّ بَعثه

ص: 445

عمر رضي الله عنه إِلَى الْعرَاق وَله فِي الْقَادِسِيَّة أَيْضا بلَاء حسن وَهُوَ الَّذِي ضرب خطم الْفِيل بِالسَّيْفِ فانهزمت الْأَعَاجِم وَكَانَ سَبَب الْفَتْح. وَمَات فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين من الْهِجْرَة.

وَفِي كَيْفيَّة مَوته خلاف. قيل: مَاتَ عطشاً يَوْم الْقَادِسِيَّة وَقيل: قتل فِيهِ وَقيل: بل مَاتَ فِي وقْعَة نهاوند بعد الْفَتْح وَقيل: غير ذَلِك. وعمره يَوْمئِذٍ مائَة وَعِشْرُونَ وَقيل: مائَة وَخَمْسُونَ.

وَلم يذكرهُ السجسْتانِي فِي المعمرين.

رُوِيَ أَن رجلا رَآهُ وَهُوَ على فرسه فَقَالَ: لأنظر مَا بَقِي من قُوَّة أبي ثَوْر. فَأدْخل يَده بَين سَاقه وجنب الْفرس فَفطن لَهَا عَمْرو فضم رجله وحرك الْفرس فَجعل الرجل يعدو مَعَ الْفرس وَلَا يقدر أَن ينْزع يَده حَتَّى إِذا بلغ مِنْهُ صَاح بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أخي: مَالك قَالَ: يَدي تَحت ساقك فخلى عَنهُ. وَقَالَ لَهُ: إِن فِي عمك بَقِيَّة.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة)

وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: لما تقدم فِي الْبَيْت قبله أَعنِي أَن نصب وُجُوه على الشتم.

قَالَ النّحاس: وَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ أَو على أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من أقارع عَوْف: تبدل النكرَة من الْمعرفَة مثل: لنسفعاً بالناصية. ناصيةٍ كاذبةٍ. وَنقل ابْن السَّيِّد البطليوسي عَن يُونُس بن حبيب فِي أَبْيَات الْمعَانِي أَنه

ص: 446

قَالَ: لَو شِئْت رفعت مَا نصبته على الِابْتِدَاء وتضمر فِي نَفسك شَيْئا لَو أظهرته لم يكن مَا بعده إِلَّا رفعا كَأَنَّك قلت: لَهُم وُجُوه قرودٍ ا. هـ.

وَهَذَا الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدةٍ يعْتَذر بهَا إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر مِمَّا وشت بِهِ بَنو قريع. وَقَبله:

(لعمري وَمَا عمري عَليّ بهينٍ

لقد نطقت بطلاً عَليّ الأقارع)

وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن جملَة وَمَا عمري عَليّ بهين مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه. . الْعُمر بِفَتْح الْعين هُوَ الْعُمر بضَمهَا لَكِن خص اسْتِعْمَال المفتوح بالقسم أَي: مَا قسمي بعمري هينٌ عَليّ حَتَّى يتهم متهمٌ بِأَنِّي أَحْلف بِهِ كَاذِبًا. والبطل بِالضَّمِّ هُوَ الْبَاطِل وَنصب على الْمصدر أَي: نطقت نطقاً بَاطِلا.)

وَقَوله: أقارع عَوْف بدلٌ من الأقارع. ولَا أحاول لَا أُرِيد. والمجادعة بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ أَن يَقُول كلٌ من شَخْصَيْنِ: جدعاً لَك أَي: قطع الله أَنْفك. وَهِي كلمة سبّ من الجدع وَهُوَ قطع الْأذن وَالْأنف. يَقُول: هم سُفَهَاء يطْلبُونَ من يشاتمهم. والأقارع: هم بَنو قريع بن عَوْف بن كَعْب بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الَّذين كَانُوا سعوا بِهِ إِلَى النُّعْمَان حَتَّى تغير لَهُ. وَسَمَّاهُمْ أقارع لِأَن قريعاً أباهم سمي بِهَذَا الِاسْم. وَهُوَ تَصْغِير أَقرع وَلِهَذَا جمعه على الأَصْل.

وَالْعرب إِذا نسبت الْأَبْنَاء إِلَى الْآبَاء فَرُبمَا سمتهم باسم الْأَب كَمَا قَالُوا: المهالبة والمسامعة فِي بني الْمُهلب وَبني مسمع. وَزعم

ص: 447

الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة

أَن الأقارع جمع أَقرع. ثمَّ نقل من الصِّحَاح أَن الأقرعين: الْأَقْرَع بن حَابِس وَأَخُوهُ مرْثَد. وَهَذَا كَمَا ترى لَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا.

وَالسَّبَب فِي غضب النُّعْمَان على النَّابِغَة هُوَ مَا حَكَاهُ شَارِح ديوانه وَغَيره عَن أبي عَمْرو وَابْن الْأَعرَابِي أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ النَّابِغَة مِمَّن يُجَالس النُّعْمَان ويسمر عِنْده ورجلٌ آخر من بني يشْكر يُقَال لَهُ: المنخل وَكَانَ جميلاً يتهم بالمتجردة امْرَأَة النُّعْمَان. وَكَانَ النُّعْمَان قَصِيرا دميماً قَبِيح الْوَجْه أبرش. وَكَانَت المتجردة ولدت للنعمان غلامين. وَكَانَ النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّهُمَا ابْنا المنخل. وَكَانَ النَّابِغَة رجلا حَلِيمًا عفيفاً وَله منزلَة يحْسد عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان يَوْمًا وَعِنْده المتجردة والمنخل صفها يَا نَابِغَة فِي شعرك. فَقَالَ قصيدته الدالية الَّتِي أَولهَا: أَمن آل مية رائحٌ أَو مغتدي وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْكتاب فوصف النَّابِغَة فِيهَا بَطنهَا وروادفها وفرجها وَلَذَّة مجامعتها. فَلَمَّا سمع المنخل هَذِه القصيدة لحقته غيرَة. فَقَالَ للنعمان: مَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من قد جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان.

ثمَّ أَتَى النُّعْمَان بعد ذَلِك رهطٌ من بني سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهم بَنو قريع فبلغوه أَن النَّابِغَة يصف المتجردة وَيذكر فِيهَا وان ذَلِك قد شاع بَين النَّاس. فَتغير النُّعْمَان عَلَيْهِ. وَكَانَ للنعمان بوابٌ يُقَال لَهُ عِصَام بن شهبر الْجرْمِي. فَأتى النَّابِغَة فَقَالَ لَهُ عِصَام: إِن النُّعْمَان واقعٌ بك فَانْطَلق. فهرب النَّابِغَة إِلَى غَسَّان مُلُوك الشَّام وَهُوَ آل جَفْنَة وَمكث

ص: 448

عِنْدهم ومدحهم بقصائد كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.

وَكَانَ سَبَب وُقُوع بني قريع فِي النَّابِغَة عِنْد النُّعْمَان: هُوَ مَا حَكَاهُ أَبُو عبيد والأصمعي قَالَا: كَانَ لمرة بن ربيعَة بن قريع بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم سيف جيد. فحسده)

النَّابِغَة فَدلَّ على السَّيْف النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَأَخذه من مرّة فحقد مرّة على النَّابِغَة وأرصد لَهُ بشر حَتَّى تمكن مِنْهُ فَوَقع فِيهِ عِنْد

النُّعْمَان فَبعد أَن هرب النَّابِغَة وَمكث عِنْد آل جَفْنَة أرسل إِلَى النُّعْمَان قصائد يعْتَذر إِلَيْهِ بهَا وَيحلف لَهُ: أَنه مَا فرط مِنْهُ ذَنْب.

وَاشْتَدَّ ذَلِك على النُّعْمَان وَعرف أَن الَّذِي بلغه كذب. فَبعث النُّعْمَان إِلَى النَّابِغَة: إِنَّك لم تعتذر من سخطةٍ إِن كَانَت بلغتك وَلَكنَّا تغيرنا لكمن شَيْء مِمَّا كُنَّا لَك عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ فِي قَوْمك ممنع وتحصين فتركته ثمَّ انْطَلَقت إِلَى قومٍ قتلوا جدي وبيني وَبينهمْ مَا قد علمت. وَكَانَ النُّعْمَان وَأَبوهُ وجده قد أكْرمُوا النَّابِغَة وشرفوه وَأَعْطوهُ مَالا عَظِيما حَتَّى كَانَ لَا يَأْكُل وَلَا يشرب إِلَّا فِي أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة. فَرضِي عَنهُ النُّعْمَان ووهب لَهُ مائَة بعير من عصافيره وَهِي إبل كَانَت للنعمان تسمى بهَا.

والنابغة قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.

والنعمان هَذَا آخر مُلُوك الْحيرَة. ثمَّ ولي بعده إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِي ثَمَانِيَة

ص: 449

أشهر واضطرب ملك فَارس وضعفوا وَكَانَت مُلُوك الْحيرَة من تَحت أَيْديهم وأتى الله عز وجل بِالْإِسْلَامِ فغزا أَهله النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ.

وَأول من ملك الْحيرَة مَالك بن فهم بن عَمْرو بن دوس بن الأزد. ملك الْعَرَب بالعراق عشْرين سنة. والحيرة هِيَ أَرض فِي الْعرَاق بَلْدَة قريبَة من الْكُوفَة. قَالَ الْهَمدَانِي فِي جَزِيرَة الْعَرَب: سَار تبع أَبُو كرب فِي غزوته الثَّانِيَة. فَلَمَّا أَتَى مَوضِع الْحيرَة خلف هُنَاكَ مَالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله. وتخلف مَعَه من ثقل من أَصْحَابه فِي نَحْو اثْنَي عشر ألفا.

وَقَالَ: تحيروا هَذَا الْموضع فَسُمي الْموضع الْحيرَة وَهُوَ من قَوْلهم: تحير المَاء.

إِذا اجْتمع وَزَاد وتحير الْمَكَان بِالْمَاءِ: إِذا امْتَلَأَ فمالكٌ أول مُلُوك الْحيرَة وأبوهم. وَكَانُوا يملكُونَ مابين الْحيرَة والأنبار وَكَانَ مَكَان الْحيرَة من أطيب الْبِلَاد وأرقه هَوَاء وأخفه مَاء وأعذاه تربة وأصفاه جواً قد تَعَالَى عَن عمق الأرياف واتضع عَن حزونة

ص: 450

الْغَائِط واتصل بالمزارع والجنان والمتاجر الْعِظَام لِأَنَّهَا كَانَت من ظهر الْبَريَّة على مرفأ سفن الْبَحْر من الْهِنْد والصين وَغَيرهمَا ا. هـ.

قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: وَملك بعد مَالك بن فهم ابْنه جذيمة بن مَالك وَهُوَ الأبرش والوضاح وَكَانَ ملكه سِتِّينَ سنة. ثمَّ عَمْرو بن عدي بن نر ابْن ربيعَة اللَّخْمِيّ وَعَمْرو هَذَا هُوَ ابْن أُخْت جذيمة الأبرش وَفِيه قيل: شب عمروٌ عَن الطوق ثمَّ امْرُؤ الْقَيْس بن عَمْرو بن عدي)

وَيُقَال: بل الْحَارِث بن عَمْرو وَأَنه هُوَ الَّذِي كَانَ يدعى محرقاً. ثمَّ النُّعْمَان ابْن امْرِئ الْقَيْس وَهُوَ النُّعْمَان الْأَكْبَر الَّذِي بنى الخورنق. ثمَّ الْمُنْذر بن امْرِئ الْقَيْس وَهُوَ الْمُنْذر الْأَكْبَر ابْن مَاء السَّمَاء أَخُو النُّعْمَان الْأَكْبَر. ثمَّ الْمُنْذر بن الْمُنْذر وَهُوَ الْأَصْغَر. ثمَّ أَخُوهُ عَمْرو بن الْمُنْذر وَهُوَ عَمْرو بن هِنْد وَسمي محرقاً أَيْضا. لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم وَقيل بل حرق نخل الْيَمَامَة. ثمَّ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن الْمُنْذر صَاحب النَّابِغَة وَهُوَ آخر مُلُوك لخم كَمَا ذكرنَا.

وَاعْلَم أَن هَذِه القصيدة غَالب أبياتها شَوَاهِد فِي كتب الْعَرَبيَّة وَهِي خَمْسَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا. فَلَا بَأْس بإيرادها مختصرةً تتميماً للفائدة. وَهِي على هَذَا التَّرْتِيب:

(عَفا ذُو حسىً من فرتنى فالفوارع

فجنبا أريكٍ فالتلاع الدوافع)

عَفا: درس وامحى. وذُو حسى: بلد فِي بِلَاد بني مرّة وَهُوَ بِضَم الْحَاء

ص: 451

وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْقصر. وفرتنى: أَي: من منَازِل فرتنى وَهُوَ بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا تَاء مَفْتُوحَة يَليهَا نون قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ مَقْصُور وَهُوَ اسْم امْرَأَة. وَالْعرب تسمي الْأمة فرتنى. والفوارع: جمع فارعة قَالَ فِي الصِّحَاح: وفارعة الْجَبَل: أَعْلَاهُ. وتلاع فوارع: مشرفات المسايل. وأريك بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ مَوضِع فِي ديار غَنِي بن يعصر.

وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أريك فِي بِلَاد ذبيان قَالَ: وهما أريكان: أريكٌ الْأسود وأريكٌ الْأَبْيَض. والأريك: الْجَبَل الصَّغِير. وَقَالَ الْأَخْفَش: إِنَّمَا سمي أريكاً لِأَنَّهُ جبل كثير الْأَرَاك. والتلاع بِالْكَسْرِ: مجاري المَاء إِلَى الأودية وَهِي مسايل عِظَام. والدوافع: تدفع المَاء إِلَى الميث والميث يدْفع المَاء إِلَى الْوَادي الْأَعْظَم. كَذَا فِي الشَّرْح.

(فمجتمع الأشراج عفى رسومها

مصايف مرت بَعدنَا ومرابع)

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مُجْتَمع الأشراج: مسايل فِي الأَرْض تصب إِلَى الأودية وَالْوَاحد شرج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَآخره جِيم. والرسوم: الْآثَار. وعفى: درس ومحا. والمصايف: جمع مصيف. ومرابع: جمع مربع.

ص: 452

أَرَادَ آيَات الدَّار. وَاللَّام بِمَعْنى بعد أَي: بعد سِتَّة أَعْوَام. وتوهمت: تفرست.

وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أنْشدهُ على أَن الْعَام صفة ذَا وسابع خبر اسْم الْإِشَارَة. وَأوردهُ ابْن هِشَام أَيْضا فِي شرح الألفية على أَن سابعاً اسْتعْمل مُفردا ليُفِيد)

الاتصاف بِمَعْنَاهُ مُجَردا وَهَذَا بِخِلَاف مَا يَسْتَعْمِلهُ الشَّخْص مَعَ أَصله ليُفِيد أَن الْمَوْصُوف بِهِ بعض الْعدَد الْمعِين نَحْو: سَابِع سَبْعَة وثامن ثَمَانِيَة وَنَحْوهمَا:

(رمادً ككحل الْعين مَا إِن تبينه

ونؤيٌ كجذم الْحَوْض أثلم خاشع)

أَي: من الْآيَات رماد ونؤيٌ. اسْتَأْنف وَفسّر بعض الْآيَات. زَعَمُوا: أَن الرماد يبْقى ألف سنة.

وروى: لأياً أبينه اللأي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة: البطء وَنصب على نزع الْخَافِض: أَي: أستبينه بعد بطء. والنؤي بِضَم النُّون وَسُكُون الْهمزَة حفيرة تحفر حول الخباء وَيجْعَل ترابها حاجزاً لِئَلَّا يدْخلهُ الْمَطَر. والجذم بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: الأَصْل وَالْبَاقِي.

وخاشع: لاطيء بِالْأَرْضِ قد اطْمَأَن وَذهب شخوصه.

(كَأَن مجر الرامسات ذيولها

عَلَيْهِ قضيمٌ نمقته الصوانع)

هَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية فِي بَاب الْمَنْسُوب على أَن فِيهِ حذف مُضَاف: أَي: كَأَن أثر مجر الرامسات. ومجر مصدر ميمي

ص: 453

لَا اسْم مَكَان فَإِن أَسمَاء الْمَكَان وَالزَّمَان والآلة لَا ترفع فضلا عَن أَن تنصب. وذيولها:

قد انتصب بمجر فمجر مصدر مُضَاف لفَاعِله وذيولها مَفْعُوله وَإِنَّمَا كَانَ بِتَقْدِير مُضَاف وَهُوَ أثر مجر أَو مَكَان مجر لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مصدرا فَلَا يَصح الْإِخْبَار بقوله قضيم وَإِن كَانَ اسْم مَكَان فَلَا يَصح نَصبه الْمَفْعُول. والرامسات: الرِّيَاح الشَّدِيدَة الهبوب من الرمس وَهُوَ الدّفن. وذيولها: مآخيرها: وَذَلِكَ أَن أوائلها تَجِيء بِشدَّة ثمَّ تسكن. وَرُوِيَ بجر ذيولها على أَنه بدل من الرامسات وَعَلِيهِ فالمجر اسْم مَكَان وَلَا حذف. والقضيم: حَصِير منسوج خيوطه سيور. كَذَا فِي الْقَامُوس وَكَذَا قَالَ شَارِح ديوانه: شبه آثَار هَذِه الرامسات فِي هَذَا الرَّسْم بحصير من جريد أَو أَدَم ترمله الصوانع أَي: تعمله وتخرزه.

وَمثله لذِي الرمة: ريحٌ لَهَا هباب الصَّيف تمنيم أَي: نمنمة كالوشي. وَقَالَ العجاج: سجاحة الأولى دروج الأذيال وَلَا يُنَاسِبه قَول الجاربردي فِي شرح الشافية: إِن القضيم جلدٌ أَبيض يكْتب فِيهِ فَإِن الصوانع جمع صانعة والمعهود فِي نسَاء الْعَرَب النسج وَمَا أشبهه لَا الْكِتَابَة. وَالْمعْنَى يَقْتَضِيهِ أَيْضا فَإِن)

الرمل الَّذِي تمر عَلَيْهِ الرّيح يشبه نسج الْحَصِير. والصنع: إجادة الْفِعْل وَلَيْسَ كل صنع فعلا وَلَا يجوز نسبته إِلَى الْحَيَوَانَات غير الْآدَمِيّين وَلَا إِلَى الجمادات وَإِن كَانَ

ص: 454

الْفِعْل ينْسب إِلَيْهِمَا. وَلَا يُقَال صنعٌ بِفتْحَتَيْنِ إِلَّا للرجل الحاذق الْمجِيد وَلَا صناع بِالْفَتْح إِلَّا لامْرَأَة تتقن مَا تعمله ضد الخرقاء.

وَفِي الْقَامُوس: رجل صنع الْيَدَيْنِ بِالْكَسْرِ والتحريك وصنيع الْيَدَيْنِ وصناعهما: حاذقٌ فِي الصَّنْعَة. وَامْرَأَة صناع الْيَدَيْنِ كسحاب: حاذقة ماهرة بِعَمَل

الْيَدَيْنِ وجمعهما صنع ككتب.

وَقَوله: نمقته: أَي: حسنته. قَالَ الشَّارِح: كل مَا ألزق بعضه إِلَى بعض وأقيم سطوره من نخل أَو كتاب فَهُوَ منمق:

(على ظهر مبناةٍ جديدٍ سيورها

يطوف بهَا وسط اللطيمة بَائِع)

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المبناة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: نطع يَقُول: هَذَا الْحَصِير على هَذَا النطع يطوف بِهِ بَائِع فِي الْمَوْسِم. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ من يَبِيع مَتَاعا يفرش نطعاً وَيَضَع عَلَيْهِ مَتَاعه والنطع يُسمى مبناة. فَيَقُول: نشر هَذَا التَّاجِر حَصِيرا على نطع. وَإِنَّمَا سميت مبناة لِأَنَّهَا كَانَت تتَّخذ قباباً والقبة وَالْبناء سَوَاء والأنطاع تبنى عَلَيْهَا القباب. والنطع بِكَسْر فَسُكُون وبفتحتين وكعنب: بِسَاط من الْأَدِيم. واللطيمة قَالَ أَبُو عَمْرو: سوقٌ فِيهَا بز وَطيب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اللطيمة: العير الَّتِي تحمل دق الْمَتَاع وأفضله وَتحمل إِلَى الْأَسْوَاق والمواسم وَلَا تسمى لطيمة إِلَّا وفيهَا طيب. وَقَوله: جَدِيد سيورها أَرَادَ الْأَدِيم وَأنْشد: وقدت من أديمهم سيوري

(فأسبل مني عبرةٌ فرددتها

على النَّحْر: مِنْهَا مستهلٌ ودامع)

مستهلٌ: سَائل منصب لَهُ وَقع وَمِنْه استهلت السَّمَاء بالمطر: إِذا رام مطرها. ودامع: قاطر

ص: 455

(على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا

فَقلت: ألما تصح والشيب وازع)

يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الظروف.

(وَقد حَال همٌ دون ذَلِك داخلٌ

دُخُول الشغاف تبتغيه الْأَصَابِع)

أَي: دون هَذَا الَّذِي أشبب بِهِ وأبكي عَلَيْهِ دون الصِّبَا. وَرُوِيَ: وَقد جال همٌ وَرُوِيَ أيضاُ:

(وَلَكِن هما دون ذَلِك داخلٌ

مَكَان الشغاف

...

. .))

أَي: غلاف الْقلب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الشغاف: دَاء يدْخل تَحت الشراسيف فِي الْبَطن فِي الشق الْأَيْمن إِذا التقى هُوَ وَالطحَال مَاتَ صَاحبه. يَقُول: هَذَا الْهم الَّذِي هُوَ لي هُوَ مضوع الشغاف الَّذِي يكون فِيهِ الْقلب.

ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشغاف فَقَالَ: تبتغيه الْأَصَابِع: أَي: تلتمسه أَصَابِع المتطببين ينظرُونَ أنزل من ذَلِك الْموضع أم لَا وَإِنَّمَا ينزل عِنْد الْبُرْء.

قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: هَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدَة. وَقيل مَعْنَاهُ: تلتمسه هَل انحدر نَحْو الطحال فيتوقع على صَاحبه الْمَوْت أم لم ينحدر فترجى لَهُ السَّلامَة.

وَقَالَ أَبُو عَليّ الْبَغْدَادِيّ يَعْنِي أَصَابِع الْأَطِبَّاء يلمسونني هَل وصل إِلَى الْقلب أم لَا لِأَنَّهُ إِذا اتَّصل بِالْقَلْبِ تلف صَاحبه. وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّابِغَة: أَنه من موجدة النُّعْمَان عَلَيْهِ بَين رَجَاء ويأس كَهَذا العليل الَّذِي يخْشَى عَلَيْهِ الْهَلَاك وَلَا يأس مَعَ ذَلِك من برئه. وَهَذَانِ التأويلان أشبه بغرض النَّابِغَة من التَّأْوِيل الأول:

(وَعِيد أبي قَابُوس فِي غير كنهه

أَتَانِي ودوني راكسٌ فالضواجع)

ص: 456

. أَبُو قَابُوس: كنية النُّعْمَان بن الْمُنْذر. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: جَاءَنِي وعيده فِي غير قدر الْوَعيد.

أَي: لم أكن بلغت مَا يغْضب عَليّ غفيه. وراكس: وَاد. والضواجع: جمع ضاجعة وَهُوَ منحنى الْوَادي.

(فَبت كَأَنِّي ساورتني ضئيلةٌ

من الرقش فِي أنيابها السم ناقع)

المساورة: المواثبة والأفعى لَا تلدغ إِلَّا وثباً. وضئيلة: هِيَ الْحَيَّة الدقيقة القليلة اللَّحْم.

وَالْعرب تَقول: سلط الله عَلَيْهِ أَفْعَى حارية. تحري. أَي: ترجع من غلظ إِلَى دقة ويقل دَمهَا ويشتد سمها. قَالَ:

(داهيةٌ قد صغرت من الْكبر

جَاءَ بهَا الطوفان أَيَّام زخر)

وَقَوله: ناقع. أَي: ثَابت يُقَال: نقع ينقع نقوعاً: إِذا ثَبت. والرقش من الْحَيَّات: المنقطة بسواد.

وَهِي من شِرَارهَا فَلِذَا خصها بِالذكر. وَقَالَ شَارِح ديوَان الحطيئة فِي شرح هَذَا الْبَيْت من شعره:

(كَأَنِّي ساورتني ذَات سم

نقيعٍ مَا يلائمها رقاها)

النقيع: المنقوع الْمَجْمُوع وَذَلِكَ: أَن الْحَيَّة تجمع سمها من أول الشَّهْر إِلَى النّصْف مِنْهُ فَإِن)

أَصَابَت شَيْئا لفظته فِيهِ وَإِن جَاءَ النّصْف وَلم تصب شَيْئا تنهشه لفظته من فِيهَا بِالْأَرْضِ ثمَّ استأنفت تجمع إِلَى رَأس الشَّهْر ثمَّ تفعل كفعلها الأول فَهَذَا دأبها الدَّهْر كُله ا. هـ.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن ناقعاً رفع على أَنه خبر عَن السم وَيجوز فِي غير الشّعْر ناقعاً على الحالية. وَقَوله: فِي أنيابها هُوَ الْخَبَر. وَأوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية وَكَذَلِكَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن بَعضهم قَالَ ناقع صفة للسم وَهُوَ

ص: 457

ابْن الطراوة فَإِنَّهُ قَالَ: يجوز وصف الْمعرفَة بالنكرة إِذا كَانَ الْوَصْف خَاصّا لَا يُوصف بِهِ إِلَّا ذَلِك الْمَوْصُوف. وَهَذَا لَا يُجِيزهُ أحد من الْبَصرِيين إِلَّا الْأَخْفَش. وَلَا حجَّة فِي هَذَا الْبَيْت قَالَ ابْن هِشَام: إِنَّه خبر للسم. والظرف مُتَعَلق بِهِ أَو خبر ثَان.

(يسهد فِي ليل التَّمام سليمها

لحلي النِّسَاء فِي يَدَيْهِ قعاقع)

ليل التَّمام بِكَسْر التَّاء: أطول لَيْلَة فِي السّنة. والسليم: اللديغ. قَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى: سمت الْعَرَب الملسوع سليما تفاؤلاً كَمَا سموا الْمهْلكَة مفازة من قَوْلهم فوز الرجل: إِذا مَاتَ كَأَنَّهُمَا لفظتان لِمَعْنى. وَكَانَ ينشد قَول الشَّاعِر:

(كَأَنِّي من تذكر آل ليلى

إِذا مَا أظلم اللَّيْل البهيم)

(سليمٌ بَان عَنهُ أقربوه

وأسلمه المداوي وَالْحَمِيم)

وَلَو كَانَ على مَا ذهب إِلَيْهِ فِي السَّلِيم لقيل لكل من بِهِ عِلّة صعبة: سليم مثل المبرسم وَالْمَجْنُون والمفلوج بل كَانَ يلْزم أَن يُقَال للْمَيت: سليم ا. هـ.

وَفِيه أَن الْمَنْقُول عَنهُ أَنه هُوَ وَابْن الْأَعرَابِي قَالَا: إِن بني أَسد تَقول: إِنَّمَا سمي السَّلِيم سليما لِأَنَّهُ أسلم لما بِهِ. على أَن الْعلَّة لَا يجب إطرادها: فَتَأمل.

وَقَوله: لحلي النِّسَاء الخ كَانَ الملدوغ يَجْعَل الْحلِيّ فِي يَدَيْهِ والجلاجل

حَتَّى لَا ينَام فيدب السم فِيهِ.

ص: 458

وَرُوِيَ أَيْضا: نناذرها الحاوون وَهُوَ جمع حاوٍ وَهُوَ الَّذِي يمسك الْحَيَّات. أَي: أنذر بَعضهم بَعْضًا بِأَنَّهَا لَا تجيب راقياً. وَرُوِيَ: من سوء سَمعهَا يَعْنِي أَنَّهَا حَيَّة صماء وَقَوله: تطلقه: تخف عَنهُ مرّة وتشتد عَلَيْهِ مرّة.

قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْدَمَا أنْشد هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة من قَوْله: وَعِيد أبي قَابُوس إِلَى هَذَا الْبَيْت وَمن التَّشْبِيه الصَّحِيح هَذِه الأبيات وَهَذِه صفة الْخَائِف المهموم وَمثل ذَلِك قَول الآخر:)

(تبيت الهموم الطارقات يعدنني

كَمَا تعتري الأوصاب رَأس الْمُطلق)

والْمُطلق: هُوَ الَّذِي ذكره النَّابِغَة فِي قَوْله: تطلقه طوراً. . الخ. وَذَلِكَ أَن المنهوش إِذا ألح الوجع بِهِ تَارَة وَأمْسك عَنهُ تَارَة فقد قَارب أَن يوأس من برئه. وَإِنَّمَا ذكر خَوفه من النُّعْمَان وَمَا يَعْتَرِيه من لوعة فِي أثر لوعة والفترة بَينهمَا. والخائف لَا ينَام إِلَّا غراراً فَلذَلِك شبه بالملدوغ المسهد. ا. هـ.

(أَتَانِي أَبيت اللَّعْن أَنَّك لمتني

وَتلك الَّتِي تستك مِنْهَا المسامع)

(مقَالَة أَن قد قلت: سَوف أناله

وَذَلِكَ من تِلْقَاء مثلك رائع)

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: قَوْله: أَبيت اللَّعْن: أَي: أَبيت أَن تَأتي من الْأَخْلَاق المذمومة مَا تلعن عَلَيْهِ. وَكَانَت هَذِه تَحِيَّة لخم وجذام وَكَانَت مَنَازِلهمْ الْحيرَة وَمَا يَليهَا. وتحية مُلُوك غَسَّان: يَا خير الفتيان وَكَانَت

ص: 459

مَنَازِلهمْ الشَّام. وَحكى ثَعْلَب عَن الْفراء أَن المشيخة كَانُوا يضيفونه على الْغَلَط لِأَنَّهُ إِذا أَضَافَهُ خرج دَمًا فَيَقُول: أَبيت اللَّعْن كَأَنَّهُمْ شبهوه بِالْإِضَافَة على الْغَلَط. وَقَالَ: أَرَادَ بَيت اللَّعْن أَي: يَا من هُوَ بَيت اللَّعْن. وَالْقَوْل هُوَ الأول ا. هـ. وتستك: تنسد وَلَا تسمع. ورائع مفزع ومخوف. وَقَوله: مقَالَة أَن قد قلت تَفْسِير لِأَنَّك رَوَاهُ الْأَصْمَعِي بِرَفْع مقَالَة على أَنه بدل من: أَنَّك لمتني. وَرُوِيَ بِفَتْح التَّاء أَيْضا.

قَالَ الْأَخْفَش فِي كتاب المعاياة: إِنَّه نصب ملامة على: أَنَّك لمتني فجَاء بِهِ من بعد مَا تمّ الِاسْم وَهُوَ من الصِّلَة وَهَذَا رَدِيء. ا. هـ. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ويحكى أَن ابْن الْأَخْضَر سُئِلَ بِحَضْرَة ابْن الأبرش عَن وَجه النصب كَذَا

فِي النّسخ وَصَوَابه عَن وَجه الْفَتْح فِي قَول النَّابِغَة: مقَالَة أَن قد قلت وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ: وَلَا تصْحَب الأردى فتردى مَعَ الردي فَقيل لَهُ: الْجَواب فَقَالَ ابْن الأبرش: قد أجَاب. يُرِيد أَنه لما أضيف إِلَى الْمَبْنِيّ اكْتسب مِنْهُ الْبناء فَهُوَ مَفْتُوح لَا مَنْصُوب. وَمحله الرّفْع بَدَلا

ص: 460

من: أَنَّك لمتني وَقد رُوِيَ بِالرَّفْع. وَهَذَا الْجَواب عِنْدِي غير جيد لعدم إِبْهَام الْمُضَاف. وَلَو صَحَّ لصَحَّ الْبناء فِي نَحْو: غلامك وفرسه وَنَحْو هَذَا مِمَّا لَا قَائِل بِهِ.

ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوب على إِسْقَاط الْبَاء أَو بإضمار أَعنِي أَو على المصدرية. وَفِي الْبَيْت إشكالٌ لَو سَأَلَ السَّائِل عَنهُ كَانَ أولى وَهُوَ إِضَافَة مقَال إِلَى أَن قد قلت فَإِنَّهُ فِي التَّقْدِير مقَالَة)

قَوْلك وَلَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى نَفسه. وَجَوَابه: أَن الأَصْل مقَالَة فَحذف التَّنْوِين للضَّرُورَة لَا للإضافة وَأَن وصلتها بدلٌ من مقَالَة أَو من أَنَّك لمتني أَو خبرٌ لمَحْذُوف.

وَقد يكون الشَّاعِر إِنَّمَا قَالَ: مقَالَة أَن بِإِثْبَات التَّنْوِين وَنقل حَرَكَة الْهمزَة فأنشده النَّاس بتحقيقها فاضطروا إِلَى حذف التَّنْوِين. ا. هـ.

وَلَا يخفى أَن هَذَا كُله تعسفٌ وَإِنَّمَا هُوَ من إِضَافَة الْأَعَمّ إِلَى الْأَخَص لِأَن مقَالَة أَعم من قَوْلك. وَهِي من الْإِضَافَة البيانية كشجر الْأَرَاك. أَي: مقَالَة هِيَ هَذَا القَوْل.

(أتوعد عبدا لم يخنك أَمَانَة

وتترك عبدا ظَالِما وَهُوَ ضالع)

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ظَالِم: جَائِر مُتَحَامِل. وضلع أَي: جَار. وَرُوِيَ: ظالع

أَي: مذنب وَأخذ من ظلع الْبَعِير وَهُوَ أَن يقي ويعرج.

(حملت عَليّ ذَنبه وَتركته

كذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع)

هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: العر بِالْفَتْح: الجرب نَفسه.

وَأنْشد:

ص: 461

والعر بِالضَّمِّ: قرح يَأْخُذ الْإِبِل فِي مشافرها وأطرافها شَبيه بالقرع وَرُبمَا تفرق فِي مشافرها مثل القوباء يسيل مِنْهُ مَاء أصفر.

قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه لأدب الْكَاتِب: فِي مَعْنَاهُ خَمْسَة أَقْوَال.

أَحدهمَا: أَن هَذَا أمرٌ كَانَ يَفْعَله جهال الْأَعْرَاب كَانُوا إِذا وَقع العر فِي إبل أحدهم اعْترضُوا بَعِيرًا صَحِيحا من تِلْكَ الْإِبِل فكووا مشفره وعضده وَفَخذه يرَوْنَ أَنهم إِذا فعلوا ذهب العر من إبلهم. كَمَا كَانُوا يعلقون على أنفسهم كعوب الأرانب خشيَة العطب ويفقؤون عين فَحل الْإِبِل لِئَلَّا تصيبها الْعين. وَهَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عَمْرو وَأكْثر اللغويين.

ثَانِيهَا: قَالَ يُونُس: سَأَلت رؤبة بن العجاج عَن هَذَا فَقَالَ: هَذَا وَقَول الآخر:

كالثور يضْرب لما عافت الْبَقر شيءٌ كَانَ قَدِيما ثمَّ تَركه النَّاس. وَيدل عَلَيْهِ قَول الراجز:

(وَكَانَ شكر الْقَوْم عِنْد المنن

كي الصحيحات وفقء الْأَعْين)

ثَالِثهَا: قيل: إِنَّمَا كَانُوا يكوون الصَّحِيح لِئَلَّا يتَعَلَّق بِهِ الدَّاء لَا ليبرأ السقيم حكى ذَلِك ابْن دُرَيْد.)

رَابِعهَا: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هَذَا أَمر لم يكن وَإِنَّمَا هُوَ مثل لَا حَقِيقَة.

ص: 462

أَي: أخذت البريء وَتركت المذنب فَكنت كمن كوى الْبَعِير الصَّحِيح وَترك السقيم لَو كَانَ هَذَا مِمَّا يكون. قَالَ: وَنَحْو من هَذَا قَوْلهم: يشرب عجلَان ويسكر ميسرَة. وَلم يَكُونَا شَخْصَيْنِ موجودين.

خَامِسهَا: قيل: أصل هَذَا: أَن الفصيل كَانَ إِذا أَصَابَهُ العر لفسادٍ فِي لبن أمه عَمدُوا إِلَى أمه فكووها فتبرأ: وَيبرأ فصيلها ببرئها لِأَن ذَلِك الدَّاء إِنَّمَا كَانَ سرى إِلَيْهِ فِي لَبنهَا. وَهَذَا أغرب الْأَقْوَال وأقربها إِلَى الْحَقِيقَة.

وَمن روى كذي العر بِفَتْح الْعين فقد غلط. لِأَن العر الجرب وَلم يَكُونُوا يكوون من الجرب وَإِنَّمَا كَانُوا يكوون من القروح الَّتِي تخرج فِي مشافر الْإِبِل وقوائمها خَاصَّة.

وَقَوله: كذي العر حَال من مفعول تركته أَو تَقْدِيره: تركا كَتَرْكِ ذِي العر وَجُمْلَة: يكوى غَيره تفسيرية وَجُمْلَة: هُوَ راتعٌ حَال من غير. وَهَذَا ضربه مثلا لنَفسِهِ. يَقُول: أَنا بَرِيء وغيري سقيم فحملتني ذَنْب السقيم وَتركته.

وَقد قَالَ الْكُمَيْت:

(وَلَا أكوي الصِّحَاح براتعاتٍ

بِهن العر قبلي مَا كوينا)

قَالَ ابْن أبي الإصبع: فِي التحبير أنْشد ابْن شرف القيرواني ابْن رَشِيق:

(غَيْرِي جنى وَأَنا المعاقب فِيكُم

فكأنني سبابة المتندم)

وَقَالَ لَهُ هَل سَمِعت هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: سمعته وأخذته أَنْت وأفسدته فَقَالَ مِمَّن فَقَالَ: من النَّابِغَة الذبياني حَيْثُ يَقُول:

ص: 463

وكلفتني ذَنْب امرئٍ وَتركته كذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع فَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي أَخَذته. وأما إفساده فلأنك قلت فِي صدر بَيْتك: إِنَّك عوقبت بِجِنَايَة غَيْرك وَلم يُعَاقب صَاحب الْجِنَايَة ثمَّ قلت فِي عجز بَيْتك: إِن صَاحب الْجِنَايَة قد شركك فِي الْعقُوبَة. فتناقض معناك: وَذَلِكَ أَنَّك شبهت نَفسك بسبابة المتندم وسبابة المتندم أول شَيْء يألم فِي المتندم ثمَّ يشركها المتندم فِي الْأَلَم فَإِنَّهُ مَتى تألم عُضْو من الْحَيَوَان تألم كُله لِأَن الْمدْرك من كل مدركٍ حَقِيقَته وَحَقِيقَته على الْمَذْهَب الصَّحِيح هِيَ جملَته الْمُشَاهدَة مِنْهُ والمكوي من الْإِبِل يألم وَمَا بِهِ عر وَصَاحب العر لَا يألم جملَة. فَمن هَهُنَا أخذت الْمَعْنى وأفسدته انْتهى.

وَهَذَا تدقيق فلسفي لَا مدْخل لَهُ فِي الشّعْر.)

(وَذَلِكَ أمرٌ لم أكن لأقوله

وَلَو كبلت فِي ساعدي الْجَوَامِع)

كبلت: جمعت من الكبل وَهُوَ الْقَيْد. والْجَوَامِع: الأغلال جمع جَامِعَة.

(أَتَاك بقولٍ لهله النسج كَاذِبًا

وَلم يَأْتِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ ناصع)

يُقَال: ثوب لهله النسج وهلهل النسج: إِذا كَانَ رَقِيقا وَكَذَلِكَ هلهال. وَلِهَذَا سمي الشَّاعِر لعمري وَمَا عمري عَليّ بهين

...

...

... . الْبَيْت أقارع عوفٍ لَا أحاول غَيرهَا

...

...

... . . الْبَيْت

ص: 464

تقدم شرحهما.

(أَتَاك امرؤٌ مستعلن لي بغضةً

لَهُ من عَدو مثل ذَلِك شَافِع)

(فَإِن كنت لَا ذَا الضغن عني منكلاً

وَلَا حلفي على الْبَرَاءَة نَافِع)

(وَلَا أَنا مَأْمُون بشيءٍ أقوله

وَأَنت بأمرٍ لَا محَالة وَاقع)

(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة

وَهل يأثمن ذُو إمةٍ وَهُوَ طائع)

الضغن بِالْكَسْرِ: الحقد. والإمة بِالْكَسْرِ وَالْقَصْد والاستقامة. يَقُول: هَل يَأْثَم من كَانَ على طريقةٍ حسنةٍ وَهُوَ طائع.

(بمصطحباتٍ من لصاف وثبرةٍ

يزرن ألالاً سيرهن تدافع)

الْبَاء مُتَعَلقَة بحلفت. وَأَرَادَ بالمصطحبات الْإِبِل الَّتِي يحجّ عَلَيْهَا من لصاف وثبرة. ولصاف بِفَتْح اللَّام وَكسر الْفَاء كحذام وَيجوز أَن يكون كسحابٍ وَهُوَ جبل

فِي بِلَاد بني يَرْبُوع. وثبرة فِي بِلَاد بني مَالك. وألال بِضَم الْهمزَة ولامين: جبل صَغِير عَن يَمِين الإِمَام بِعَرَفَة. وَقَوله: سيرهن تدافع: أَي: من الإعياء: أَي: يتحاملن تحاملاً من الْجهد والتعب.

قَالَ الشَّارِح: سمام بِالْفَتْح طير يشبه السماني سريع الطيران شبه الْإِبِل بهَا. تباري الشَّمْس يَعْنِي فِي ارتفاعها. ويروى: تباري الرّيح أَي: تعارضها لسرعتها. والخوص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: جمع خوصاء: أَي: غائرة عيونها ذَاهِبَة فِي الرَّأْس من الْجهد. والرذايا: المعييات أرذاهن السّفر فَلم تنبعث فَتركت

ص: 465

وَأخذ عَنْهَا رَحلهَا. وَقد أرذيت الشَّيْء: طرحته يُقَال: جمل رذي وناقة رذية. وَكَذَلِكَ المعيية والطليح والطلح والرجيع. وودائع: قد اسْتوْدعت الطَّرِيق.

(عَلَيْهِنَّ شعثٌ عامدون لبرهم

فهن كآرام الصريم خواضع))

ويروى: فهن كأطراف الحني وَهُوَ جمع حنية وَهِي الْقوس الَّتِي حنيت. يَقُول: قد ضمرت الْإِبِل ودقت من السّير. وخواضع: خواشع. والآرام: جمع ريم. والصريم: مَا انْفَرد من الرمل.

(إِلَى خير دينٍ نُسكه قد عَلمته

وميزانه فِي سُورَة الْمجد ماتع)

إِلَى: مُتَعَلقَة بقوله: عامدون. ومِيزَانه: سنَنه وشرائعه. والسُّورَة بِالضَّمِّ. الْمنزلَة. وماتع: مُرْتَفع يُقَال: متع النَّهَار: إِذا علا.

(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي

وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع)

قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: يحْتَمل أَن تكون إِن نَافِيَة كَأَنَّك قلت: مَا خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع لِأَنَّك كالليل المدركي أَيْنَمَا كنت. وَيجوز أَن تكون إِن للجزاء كَأَنَّهُ قَالَ: إِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع أدركتني وَلم أفتك كَمَا يدركني اللَّيْل. وَالْأول أشبه ا. هـ.

وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على النَّابِغَة فِي هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: تشبيهه الْإِدْرَاك بِاللَّيْلِ يُسَاوِيه إِدْرَاك النَّهَار فَلم خصّه دونه وَإِنَّمَا كَانَ سَبيله أَن يَأْتِي بِمَا لَيْسَ لَهُ قسيم حَتَّى يَأْتِي بِمَعْنى ينْفَرد بِهِ أَقُول: إِنَّمَا قَالَ: كالليل وَلم يقل:

ص: 466

كالصبح مثلا لِأَنَّهُ وَصفه فِي حَال سخطه فشبهه بِاللَّيْلِ وهوله. فَهِيَ كلمة جَامِعَة لمعانٍ كَثِيرَة. كَذَا فِي تَهْذِيب الطَّبْع.

وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد تَلْخِيص الْمِفْتَاح أوردهُ شَاهدا لمساواة اللَّفْظ للمعنى. وَمَا أحسن قَول ابْن هَانِئ الأندلسي فِي هَذَا الْمَعْنى:

(أَيْن المفر وَلَا مفر لهاربٍ

وَلَك البسيطان: الثرى وَالْمَاء)

(خطاطيف حجنٌ فِي حبالٍ متينةٍ

تمد بهَا إيد إِلَيْك نوازع)

الخطاطيف: جمع خطَّاف وَهِي الحديدة الَّتِي تخرج بهَا الدلاء وَغَيرهَا من الْبِئْر. وحجن: معوجة جمع أحجن وحجناء. يَقُول: أَنا فِي قبضتك تقدر عَليّ مَتى شِئْت لَا أَسْتَطِيع الْهَرَب مِنْك وَهُوَ مثل. ونوازع: جواذب يُقَال: نزعت من الْبِئْر دلواً أَو دلوين. وبئر نزوع: إِذا كَانَ

(سيبلغ عذرا أَو نجاحاً من امرئٍ

إِلَى ربه رب الْبَريَّة رَاكِع)

رَاكِع: فَاعل سيبلغ وَهُوَ بِمَعْنى الخاضع والذليل يَعْنِي بِهِ نَفسه.

(وَأَنت ربيعٌ ينعش النَّاس سيبه

وسيفٌ أعيرته الْمنية قَاطع)

أَي: أَنْت بِمَنْزِلَة الرّبيع. ينعش: يرفع وَيجْبر. وسيبه: عطاؤه. أَي: أَنْت سيب وَعَطَاء)

لوليك وَسيف لأعدائك.

(وتسقي إِذا مَا شِئْت غير مصردٍ

بزوراء فِي أكنافها الْمسك كارع)

غير مصرد: أَي: غير مَمْنُوع وَلَا مَقْطُوع. يُقَال: صرد عَليّ الشَّرَاب:

ص: 467

صَاحب الصِّحَاح هُوَ الْقدح. وكارع: أَي أَن الْمسك على شفَاه ذَلِك الْإِنَاء.

وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الزَّوْرَاء: دَار بِالْحيرَةِ وحَدثني من رَآهَا وَزعم أَن أَبَا جعفرٍ هدمها.

(أَبى الله: إِلَّا عدله ووفاءه

فَلَا النكر معروفٌ وَلَا الْعرف ضائع)

وَهَذَا آخر القصيدة أَي: مَا يُرِيد الله إِلَّا عدل النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَإِلَّا وفاءه فَلَا يَدعه أَن يجور وَلَا أَن يغدر فَلَا النكر يعرفهُ النُّعْمَان وَلَا الْجَمِيل يضيع عِنْده.

تمّ الْجُزْء الثَّانِي

ص: 468