المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من - الأمثال في القرآن - من اعلام الموقعين

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌الماء الذي به الحياة

- ‌فصل: ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ

- ‌فصل:

- ‌ فصل:

- ‌فصل: ومنها قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ

- ‌(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً

الفصل: قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من

قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل)(68) فلذلك أقول جف القلم على علم الله فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة فمن أراد هدايته جعل له نورا وجوديا يحيى به قلبه وروحه كما يحيى بدنه بالروح التي ينفخها فيه فهي (69) حياتان حياة البدن بالروح وحياة الروح والقلب بالنور ولهذا سمى الله الوحي روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه كما قال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (70) وقال: (يلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)(71) وقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)(72) فجعل وحيه روحا ونورا فمن لم يحيه بهذا الروح فهو ميت ومن لم يجعل له نورا منه فهو في الظلمات ماله من نور) (73)

‌ فصل:

ومنها قوله تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)(74) فشبه أكثر الناس بالأنعام

والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق (75) فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا والأكثرون يدعونهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا

(68) المسند 2 / 176 وسنن الترمذي 38 باب 18 ومستدرك الحاكم وضعفه السيوطي.

(69)

في م، ع (فهما) .

(70)

النحل: 2.

(71)

غافر: 15.

(72)

الشورى: 52.

(73)

انظر الامثال 26: 27، الجمان 177 - 180، تفسير الطبري 18 / 148 وابن كثير 2 / 296.

(74)

الفرقان: 44.

(75)

راجع تفسير الكشاف ح 3 / 94.

ص: 19

يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها (76) وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل له (77) أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه.

فصل: ومنها قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(78) وهذا دليل قياسي احتج

الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها (79) من نفوسهم ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندهم (80) معلوم لها فقال (هَلْ لكم من ما ملكت أيمانكم من)(81) عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون (82) أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه وقال ابن عباس (83) :(تخافون أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا) والمعنى هل

(76) في ع (تتكلم بها) .

(77)

في ع، م (إليه) .

(78)

الروم: 28.

(79)

راجع الكشاف 3 / 221.

(80)

في م (عندها) .

(81)

الروم: 28 وفى الاصل وردت محرفة (من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء) .

(82)

في م (تخافون) انظر الطبري 21 / 39 والبغوى 5 / 207.

(83)

انظر الطبري 21 / 39 والخازن والبغوى 5 / 207.

(*)

ص: 20

هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم (84) وعقولكم مع أنه جائز عليكم ممكن في حقكم إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة وإنما هم إخوانكم

جعلهم الله تحت أيديكم وأنتم وهم عبادي (85)(فكيف)(86) تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول (86) .

فصل: ومنها قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (88) .

هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس وهو نفى الحكم لنفي علته وموجبه، فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي اثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان فالله سبحانه هو المالك لكل شئ ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا ليلا ونهارا يمينه ملأى لا تغضيها إلا نفقة سحاء الليل والنهار والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شئ فكيف تجعلونها شركاء لي وتعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين هذا قول مجاهد وغيره (89) ، وقال ابن

(84) خاطركم.

(85)

في م (عبيد لى) .

(86)

زيادة من م.

(87)

انظر تفسير ابن كثير، 21 / 38 والطبري 38 والامثال:28.

(88)

النحل: 75، 76 انظر الزمخشري 2 / 420 - 421.

(89)

انظر تفسير الطبري 14 / 149 - 150 وابن كثير 2 / 578.

(*)

ص: 21

عباس (90) وهو مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا والكفار بمنزلة عبد مملوك (عاجز)(91) لا يقدر على شئ لأنه لا خير عنده فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟، والقول الأول أشبه بالمراد فأنه أظهر في بطلان الشرك وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة وأقرب نسبا (92) بقوله: (ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السموات وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ.

فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (93) ثم قال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ) ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شئ فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه فذكره ابن عباس منبها على إرادته لأن (94) الآية اختصت به فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس (95) وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن الظان أن ذلك معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله (96) .

فصل: وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه الله سبحانه لنفسه ولما يعبدون (97) من دونه أيضا، فالصنم الذي يعبدون من دونه (98) بنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي

(90) انظر زاد المسير 4 / 474 وابن كثير 2 / 578 والطبري 14 / 149.

(91)

مزيدة من م، ع.

(92)

من م (منها) .

(93)

النحل: 73، 74.

(94)

في م، ع (لا أن الاية) .

(95)

لقب بالحبر والبحر ابن عم رسول الله ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ولقد كان ذلك.

(96)

الطبري 14 / 148 - 151.

(97)

في م (يعبد) .

(98)

في م (دون الله) وفى ع (من دون الله) .

(*)

ص: 22

واللساني ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شئ البتة ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة والله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد فإن أمره با لعدل وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به معلم له راض به آمر لعباده به محب لأهله لا يأمر بسواه بل ينزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل بل أمره وشرعه عدل كله وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه وهم المجاوروه (99) فيه عن يمينه على منابر من نور وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما كما في الحديث الصحيح: (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك)(100) فقضاؤه هو أمره الكوني فإنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون فلا يأمر بحق وعدل (101)، وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم فإن القضاء (102) غير المقضي والقدر غير المقدر ثم أخبر سبحانه (أنه عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهذا نظير قول شعيب (103) عليه الصلاة والسلام (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (104) فقوله:(ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها)) نظير قوله: (ناصيتي بيدك) وقوله: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) نظير قوله (عدل في قضاؤك) فالأول ملكه والثاني حمده

وهو سبحانه له الملك وله الحمد وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالعدل ويفعل إلا ما هو مصلحة وحكمة وعدل

(99) في ع (الجاورة له) .

(100)

مسند أحمد 1 / 391 / 452 وانظر الكشاف 2 / 276، 277.

(101)

في ع (بالحق والعدل) .

(102)

في م (فالقضاء) .

(103)

الصحيح إنه هود كما في م، ع وليس شعيبا.

(104)

هود: 56.

(*)

ص: 23

فهو على حق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد ما يكون ظالما له به ولا يأخذه بغير ذنبه وينقصه من حسناته شيئا ولا يحمل عليه من سيئات غير التي لم يعملها ولم يتسبب إليها (105) شيئا ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ولا يفعل قط مالا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله.

قال محمد بن جرير الطبري (106) وقوله: (إن رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقول إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسئ بإساءته لا يظلم أحدا منهم شيئا ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان (ثم حكى عن مجاهد (107) من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عنه: (إن ربي على صراط مستقيم) قال: الحق وكذلك رواه ابن جريج عنه (108) وقالت فرقة: هي مثل قوله (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)(109) وهذا اختلاف عبارة فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته، وقالت فرقة: في الكلام حذف تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه (110) ، وهؤلاء إن

أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما زعموا ولا دليل على هذا المقدر.

وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم وإن أرادوا أن حثه على الصراط المستقيم من جملة على صراط مستقيم فقد أصابوا، وقالت فرقة أخرى معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها

(105) في ع (يتسبب بها) .

(106)

تفسير: 12 / 60 وهو الامام الجليل صاحب التصانيف الكثيرة توفى سنة 310 هـ.

(107)

من أبرز أئمة التابعين.

(108)

هو الامام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الدوسى الاموى صاحب التصانيف توفى سنة 150 هـ انظر زاد المسير 4 / 118.

(109)

هم الاشاعرة انظر غرائب القرآن 12 / 39، زاد المسير 4 / 401 والرازي 17 / 13.

(110)

الخازن والبغوى 3 / 238.

(*)

ص: 24

إلى الله لا يفوته شئ (111) منها، وهؤلاء أن أرادوا أن هذا معني الآية فليس كذلك وإن أرادوا ان هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه فهو حق، وقالت فرقة أخرى: معناه كل شئ تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته (112) وهذا وإن كان حقا فليس هو معنى الآية وقد فرق شعيب (113) عليه الصلاة والسلام بين قوله: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) وبين قوله: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فهما معنيان مستقلان فالقول قول مجاهد (114) وهو قول أئمة التفسير ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه، قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز:(115)

أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوج الموارد مستقيم وقد قال تعالى: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(116) وإذا كان الله تعالى هو الذي جعل رسله عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو سبحانه أحق أن يكون على صراط مستقيم في قوله وفعله وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره فصراطه الذي هو سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله وبالله التوفيق.

فصل: وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء (117) أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر وقد تقدم ما في معنى (118) هذا القول والله الموفق

(111) في الاصل (شيئا) .

(112)

ابن كثير 2 / 450.

(113)

هود وليس شعيبا كما في ع.

(114)

الطبري 12 / 61.

(115)

ديوان جرير 1 / 218 يمدح هشام بن عبد الملك.

(116)

الانعام: 39.

(117)

في ع (سوى) .

(118)

كلمة (معنى) ساقطة من م، ع.

(*)

ص: 25

فصل: ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ.

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ.

فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (119) شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد والرماة ففرت منه، وهذا من بديع التمثيل (120) فإن القوم من جهلهم بما بعث الله سبحانه رسوله

صلى الله عليه وسلم كالحمر فهي لا تعقل شيئا فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور وهذا غاية الذم لهؤلاء فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها.

وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور فإن في الاستفعال (121) من الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه، ومن قرأها بفتح الفاء (122) فالمعنى: أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته (123) .

فصل: ومنها قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(124) فقاس سبحانه من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقرأه به (125) بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له (ولا)(126) تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا فحظه

(119) المدثر: 49 - 51.

(120)

في م (القياس والتمثيل) .

(121)

ع (الاستغفار) .

(122)

انظر معاني القرآن 3 / 206 وإملاء مامن به الرحمن 2 / 273 والكافي 186.

(123)

تفسير النسفى 4 / 312.

(124)

الجمعة: 5.

(125)

م، ع (فقراءته) .

(126)

مذيدة من م.

(*)

ص: 26