المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (نونا التوكيد) ـ * الأفعال التي يجوز - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ١٠٤

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (نونا التوكيد) ـ * الأفعال التي يجوز

‌عناصر الدرس

* شرح الترجمة (نونا التوكيد) ـ

* الأفعال التي يجوز تأكيدها والتي لا يجوز تأكيدها

* حكم آخر المؤكد

* حكم تأكيد الأفعال المسندة إلى الضمائر

* أحكام تختص بنون التوكيد الخفيفة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعد:

قال الناظم - رحمه الله تعالى -: (نُونَا التَّوْكِيْدِ).

أي: هذا باب بيان الأحكام المتعلِّقة بِنُونَي التوكيد، وهذا الباب الأصل: أنَّه ليس من أبواب النحو، لأنَّه ليس فيه إلا:(وَآخِرَ المُؤَكَّدِ افْتَحْ) هذا الذي يتعلَّق بالنحو، وبقية الأبيات لا علاقة له بالنحو، لأن المسألة متعلِّقة (بالصرف) يعني: ما يُحْذَف وماذا إذا أُسْنِد إلى المعتل الآخر بالألف، وماذا إذا كان رافعاً لواو أو ياء وألف، كل الأحكام هذه ليست من مجال النحو.

(نُونَا التَّوْكِيْدِ)

أي: هذا باب بيان ما يَتعلَّق بنوني التوكيد، التوكيد سبق أنَّه تقوية، إذاً: حينئذٍ قد يُقوَّى الفعل .. توكيد الفعل تقويته بأشياء عدَّة، لكن منها:(نونا التوكيد) وإلا قد يُؤكَّد الفعل بالقسم .. قد يؤكَّد بـ (قد) .. قد يؤكَّد بـ (إن) إلى آخر ما يذكره البيانيُّون.

وأمَّا هنا فالكلام فيما يتعلَّق بنوني التوكيد، ونونا التوكيد المراد بهما: الثقيلة والخفيفة - والمراد بالثقيلة (المشدَّدة) يعني: عبارة عن نونين - النون الأولى (ساكنة) والنون الثانية (متحرِّكة) فَأُدغِمت الأولى في الثانية.

والخفيفة مُرادهم به نون واحدة .. حرف واحد، وهي ساكنةٌ، حينئذٍ نقول: النون الثقيلة والنون الخفيفة باستقراء كلام العرب لا يوجد نونٌ ثالثة يُؤَكَّد بها إلا هاتان النونان، (نونا التوكيد)، لكن هل أحدهما أصل والآخر فرع .. أو كلٌ منهما أصل؟ هذا فيه أربعة مذاهب تقريباً:

ذهب البصريُّون إلى أن كلاٌ منهما أصلٌ، يعني: النون الثقيلة أصل، والنون الخفيفة أصل، فليس أحدهما فرعاً عن الآخر، كلٌ منهما أصلٌ برأسه منفصلٌ عن الآخر، لماذا؟ قالوا: لتخالف بعض أحكامهما، يعني: ثَمَّ أحكام تَختصُّ بالثقيلة، وثَمَّ أحكامٌ تَخْتَصُّ بالخفيفة، حينئذٍ لَمَّا تخالفا علمنا أن كلاً منهما أصلٌ برأسه لوجود المخالفة بين النونين.

كإبدال الخفيفة ألفاً في الوقف، سيأتي أربعة أحكام تنفرد الخفيفة عن الثقيلة، إبدال الخفيفة ألفاً وقفاً في نحو:(وَليَكُونا) وحذفها في نحو:

لَا تهُيَنَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ ..

وهذان الحكمان ممتنعان في الثقيلة - الثقيلة لا تُقْلَب ألفاً في الوقف، وكذلك لا تُحْذَف إذا لقيت ساكن .. تابعها ساكن أو جاء بعدها ساكن، إذاً: هذان حكمان مخْتَصَّان بالخفيفة، ولا يوجدان، بل ممتنعان في الثقيلة، إذاً: بينهما تَخالف.

وكوقوع الشَّديدة بعد الألف وهو ممتنع في الخفيفة، إذاً: للتَّخالف جُعِل كلٌ منهما أصلٌ، وهذا مذهب جماهير البصريين بل نُسِب إلى البصريين على جهة العموم، وعُورِض هذا التَّعليل: أن كلاً منهما أصل لوجود التَّخالف بين النونين في بعض الأحكام.

نقول: (إنَّ وأنَّ) الثانية فرعٌ عن الأولى ووُجِد التَّخالف، إذاً: وجود التَّخالف .. تَفرُّد الفرع ببعض الأحكام مُخالفاً للأصل لا يَجعله أصلاً مُستقلاً بنفسه، بل تثبت له الفرعية ومع ذلك نَحكم له ببعض التَّخالف مع الأصل.

ص: 1

عُورِض التَّعليل: بأن الفرع قد يختصُّ بأحكام ليست في الأصل وهذا صحيح، كما في (أنَّ) المفتوحة فإنَّها فرعٌ المكسورة، ولها أحكامٌ تَختصُّ بها وهذا واضح بيِّن، إذاً: تعليل البصريين بأن كلاً منهما أصل لوجود المخالفة في بعض الأحكام ليس بِجيِّد، لماذا؟ لأنَّه قد يكون ثَمَّ أصلٌ وفرع، والفرع ينفرد ببعض الأحكام لا ينفرد بها الأصل، إذاً: هذا التَّعليل عليل.

وذهب الكوفيُّون: إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة، فالثقيلة هي الأصل ثُمَّ حُذِفت منها إحدى النونين فصارت (الخفيفة) وهذا هو الظاهر: أن الخفيفة أصلٌ، كما نقول:(إِنَّ وإِنْ)(أَنَّ) بالتثقيل و (أَنْ) بالتخفيف، إذاً: قد يُحْذَف أحد الحرفين ويبقى الحرف على أصله، إذاً (أَنْ) بالتخفيف فرع (أَنَّ)، و (إِنْ) بالتخفيف .. بإسكان النون فرع (إِنَّ) هذا لا إشكال فيه.

وذهب الكوفيُّون إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة لاختصارها منها، يعني: هي مُختصرة منها، لأنها جزء .. الخفيفة داخلة في الثقيلة، ولأن التأكيد بالثقيلة أبلغ وهذا واضح بيِّن:((لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا)) [يوسف:32] أيُّهما أبلغ في التأكيد؟ لا شَكَّ أن الأول أبلغ، فدل على أنَّه أصل، لأنَّه عبارة عن حرفين، والثاني عبارة عن حرفٍ واحد، ولا شَكَّ أن العرب لا تزيد حرفاً إلا لفائدة، إذاً: هذان قولان.

وقيل بالعكس، يعني: الخفيفة هي الأصل، والثقيلة هي الفرع، لماذا؟ قالوا: لأن الخفيفة بسيطة والثقيلة مُرَكَّبة، وأيُّهما أصل؟ البسيط أصلٌ للمُرَكَّب، هذا تعليل لكنَّه فيه نظر.

وقيل بالعكس: فالخفيفة بسيطة والثقيلة مُرَكَّبة، فالخفيفة أحق بالأصالة والثقيلة أحق بالفرعية.

إذاً: هذه ثلاثة أقوال للنحاة في أيِّهما أصلٌ للآخر، والصحيح أن يُقال بأن الثقيلة أصلٌ، والخفيفة فرعٌ.

قال رحمه الله تعالى:

لِلْفِعْلِ تَوْكِيدٌ بِنُونَيْنِ هُمَا

كَنُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا

هذا باستقراء كلام العرب، لا يوجد نون يُؤكَّد بها إلا الثقيلة والخفيفة، هذا مُتفقٌ عليه بين النحاة، وسَبَق في أول الكتاب: أن النون مُطلقاً الخفيفة والثقيلة من علامات الفعل، إذاً: لا تدخل على الاسم ولا على الحرف، وأمَّا:(أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا .. ) قلنا: هذا شاذُّ يُحفظ ولا يُقاس عليه، لأنَّه دخل على اسمٍ وهو اسم فاعل، والذي سَهَّله: أنَّه بِمعنى الفعل، يعني: الذي سَهَّل مثل هذه الضرورات وهذه الشُّذوذات: أن ما دخلت عليه النون وهو اسم الفاعل بمعنى الفعل، وكأنَّه لُوحِظ فيه معنى الفعل فدخلت عليه النون.

(لِلفِعْلِ تَوكِيدٌ) توكيدٌ للفعل لا لغيره، صحيح هذا؟ الآن قَررنا هذه المسألة، قلنا: لا تدخل لا على الحرف ولا على الاسم، إذاً: اختصَّت بالفعل، إذاً: للفعل لا لغيره، إذاً: أفاد بتقديم الجار هنا الخبر وحقه التأخير .. أفاد الحَصْر والقَصْر (تَوكِيدٌ لِلفِعْلِ) للفعل لا لغيره تَوكِيدٌ بنونين.

ص: 2

إذاً: تَوكِيدٌ بنونين إنما يكون للفعل على جهة الخصوص، ولذلك يُعْتَبَر من علامة الفعليَّة، دخول النون .. نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة علامةٌ على أن الكَلِمة فعلٌ وليست باسمٍ ولا حرفٍ، لأن الفعل هو الذي يُؤَكَّد بالنون، وأما الاسم يُؤَكَّد لكن لا يُؤَكَّد بالنون، يُؤَكَّد بمُؤَكِّدات عديدة منها ما هو حرف ومنها ما هو اسمٌ.

حينئذٍ نقول: الفعل دون غيره من الحروف والأسماء هو الذي يُؤَكَّد بالنونين، ولذلك قَدَّمَه هنا للاختصاص، (لِلفِعْلِ) هذا خبر مُقدَّم، جار مجرور مُتعلِّق بمحذوف خبر مُقَدَّم، (تَوكِيدٌ) هذا مبتدأ مؤخَّر، (بِنُونَينِ) يعني: بكلٍ منهما ليسا معاً .. بكلٍ منهما على حِدَة.

(تَوكِيدٌ لِلفِعْلِ) جنس الفِعْلِ، حينئذٍ (بِنُونَينِ) معاً أو بكلٍ منهما على حدة؟ الثاني، إذاً:(بِنُونَينِ) المراد: بمجموع نونين، كلٌ منهما على حدة، (هُمَا) هذا مبتدأ، (بِنُونَينِ) مُتعلِّق بقوله:(تَوكِيدٌ) لأنَّه مصدر، (هُمَا كَنُونَيِ)(هُمَا) الثقيلة والخفيفة .. مبتدأ وخبر، (هُمَا) مبتدأ و (كَنُونَيِ) مُتعلِّق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر صفة لـ (نُونَينِ).

(كَنُونَيِ) أصلها: نُونَينِ، حُذِفت النون هنا للإضافة، و (اذْهَبَنَّ) قُصِد لفظه فهو مضافٌ إليه، (وَاقْصِدَنْهُمَا) معطوفٌ على (اذْهَبَنَّ) مجرور لكن جَرُّه مُقدَّر. إذاً: يلحق الفعل للتوكيد نونان: إحداهما ثقيلة كـ (اذْهَبَنَّ) والأخرى خفيفة كـ (اقْصِدَنْهُمَا) وقد اجتمعا في قوله تعالى: ((لَيُسْجَنَنَّ)) [يوسف:32] ثقيلة هذه ((وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)) [يوسف:32] وَلَيَكُونًا، في الوقف: وَلَيَكُوُنَا، إذاً: هاتان نونان.

ومعنى توكيد الفعل بهما .. ما المراد أن الفعل يُؤكَّد؟ معنى توكيد الفعل بهما: أنَّهما يُفِيدان تحقيق معنى الفعل، يعني: وجِد، مثلما نقول (قَدْ) للتحقيق، وقلنا (قَدْ) هذه من المؤكِّدات، إذاً: لا بأس أن يُقال: بأن الفعل يدخله ما يدلُّ على أنَّه مُحقَّق، يعني: موجود بالفعل .. مؤكَّد، أنَّهما يُفيدان تحقيق معنى الفعل، فإذا قُلت:(اضْرِبَنَّ) ففيه توكيد لقولنا (اضْرِبْ) ففيه توكيد لـ (اضْرِبْ) المُجرَّد منها فهو أبلغ من المُجرَّد، أيُّهما أبلغ في الدَّلالة على تحقيق الفعل (اضْرِب) أو (اضْرِبَنَّ)؟ الثاني، هذا معنى توكيد الفعل: أنَّه يُقوُّيه في الدَّلالة على تحقيق مدلول الفعل (اضْرِبْ) هذا مُجرَّد من النون، (اضْرِبَنَّ) هذا أبلغ منه.

ولَمَّا أفهم قوله (لِلفِعْلِ) توكيد للفعل، معلوم أن الفعل ثلاثة أقسام: فعلٌ ماضٍ، وفعلُ أمرٍ، وفعلٌ مضارع، هل كل هذه الأفعال تُؤكَّد؟ هو أطلق في الأول (لِلفِعْلِ تَوكِيدٌ) عَمَّمَ حينئذٍ كل فعلٍ تدخله نون التوكيد وليس الأمر كذلك، ولذلك دفع هذا الإبهام وأزال هذا اللَّبس بقوله:(يُؤَكِّدَانِ افْعَل وَيَفْعَلْ).

(يُؤَكِّدَانِ) فعل مضارع والألف هذه فاعل تعود على (نُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا) يعني نونا التوكيد الثقيلة والخفيفة (يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) الذي هو (فعل الأمر) فعل الأمر وفعل الماضي وفعل المضارع، هنا قسمان:

ص: 3

فعل الأمر يُؤكَّد مطلقاً يعني: بدون شرط .. كل فعل أمر يجوز تأكيده مطلقاً، ولذلك أطلقه الناظم (يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) أي فعل الأمر مطلقاً بدون شرط ولا قيد.

وأما الفعل الماضي فيقابله: لا يُؤكَّد مطلقاً، يتوسَّط بينهما الفعل المضارع فيؤكَّد لكن بشروط نظمها الناظم فيما سيأتي، إذاً فعل الأمر يُؤكَّد مطلقاً .. كل فعل أمر سواءٌ كان دالاًّّّّّّ على الطَّلب .. تحقيق الطَّلب أو دالاًّّّّّّ على الدعاء، ويقابله الفعل الماضي ويتوسَّط بينهما الفعل المضارع.

(يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) أي فعل الأمر مطلقاً أي بلا شرطٍ، وشمل (افعل) هنا أطلق الناظم شمل الأمر (اذْهَبَنَّ) وشمل الدعاء، لأن الدعاء أمرٌ في المعنى، وشمل أيضاً الأمر للواحد والواحدة، والاثنين، والجمع مذكَّرَينِ أو مؤنَّثَينِ، مذكَّرِينَ أو مؤنَّثِينَ سواءٌ كان المثنى أو المجموع، لأنَّه أطلق الناظم (افعل) فيشمل الأمر الحقيقي ويشمل الأمر إذا كان بمعنى الدعاء، لأنَّه في معنى الطَّلب، ويشمل ما إذا كان الفعل للواحد أو الواحدة، أو الاثنين مذكَّراً أو مؤنثاً، أو الجمع مذكَّراً أو مؤنَّثاً.

فتقول (اضْرِبَنَّ يا زَيْدُ)(اضْرِبَنَّ) هذا فعل أمر مؤكَّد بنون التوكيد الثقيلة والمخاطب به واحد، و (اضْرِبِنَّ يا هِنْدٌ)(اضْرِبِي) هذا الأصل بكسر الباء (يا هند) و (واضْرِبانِّي) و (اضْرِبُنَّ يا زَيْدون) و (اضْرِبْنان يا هِنْدَات) إذاً سواءٌ كان المخاطب به واحداً أو واحدة أو اثنين أو جمعاً حينئذٍ يؤكَّد الأمر مطلقاً.

قلنا يقابله الماضي فلا يُؤكَّدُ مطلقاً، ما العلَّة؟ قالوا: نون التوكيد بنوعيها الثقيلة والخفيفة تُخلِّص مدخولهما للاستقبال يعني مثل (لنْ) تخلِّص الفعل للاستقبال، والماضي هل يقبل ذلك؟ لا يقبل ذلك (اضْرِبَنَّ) هذا مؤكَّد في المستقبل (ليَقومَنَّ) في المستقبل، أما الماضي هذا لا يقبل، لأن معناه (المُضِي) و (المُضِي والاستقبال) متقابلان.

ولا يُؤَكِّدان الماضي مطلقاً، لأنَّهما يخلِّصان مدخولهما للاستقبال، وذلك ينافي (المضي)، وأما قول الشاعر:(دَامَنَّ سَعْدُكِ) أكَّد وهو فعل ماضي، نقول هذا ضرورة شاذ يُحْفَظْ ولا يُقاس عليه، وسهَّلها يعني: سهَّل دخول النون كونه بمعنى الاستقبال لأنه قال: (دَامَنَّ سَعْدُكِ) يعني في المستقبل، سهَّل دخول النون على فعل الماضي وإلا القاعدة: أنَّه لا يُؤكَّد الفعل الماضي البتة، لأن النونين يخلِّصان الفعل مدخولهما للاستقبال والمُضي قد انتهى حينئذٍ لا يكون مستقبلاً.

و (وَيَفْعَلْ) هذا النوع الثالث وهو: فعل مضارعٌ هنا كنَّى عن الفعل (افْعَلْ) على الأصل (وَيَفْعَلْ)، (يُؤَكِّدَانِ) قلنا فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف هذه: فاعل، ضمير متَّصل مبني على السكون في محل رفع فاعل مردُّه النونان:

هُمَا * * * كَنُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا

(افْعَلْ) هذ قُصِد لفظه مفعولٌ به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدَّرة على آخره (وَيَفْعَلْ) معطوفٌ عليه والمعطوف على المنصوب منصوب، لكن قيَّد (يَفْعَلْ)

................ آتِيَا

ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً امَّا تَالِيَا

ص: 4

أَوْ مُثْبَتَاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا

وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لَا

وَغَيْرِ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الْجَزَا

. . . . . .............................

هذه الشروط كلَّها تتعلَّق بالفعل المضارع، قد يكون التأكيد واجباً، وقد يكون قريباً من الواجب، وقد يكون كثيراً، وقد يكون قليلاً، وقد يكون نادراً، فالأحوال خمسة كما سيأتي.

(وَيَفْعَلْ) إذاً (يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) وأطلَّقه الناظم فدل على أنَّه لا يُشترط فيه شرطٌ ولا قيد، (وَيَفْعَلْ) أي يُؤَكِّدَانِ (يَفْعَل) الذي هو الفعل المضارع، لكن بالشرط الآتي، (آتِيَاً) هذا حالٌ من (يَفْعَلْ) حال منه، والحال قيد لعاملها وصفٌ لصاحبها، إذاً وصف (يَفْعَلْ) الذي يُؤكَّد بالنونين، وصفه كونه (آتِيَاً) أي الفعل المضارع بالشرط الآتي:

(ذَا طَلَبٍ) يعني في جواب طلبٍ (أَو آتِيَاً شَرْطاً تَالِيَا إمَّا) يعني تابعاً لـ (إِمَّا) هذا الحال الثاني، (إِمَّا) إن الشرطية و (مَا) الزائدة.

أَوْ ثالثاً:

مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا ..

(مُثْبَتاً) هذا معطوف على (شَرْطاً)، (فِي قَسَمٍ) يعني في جواب قسمٍ، (مُسْتَقْبَلَا) حالٌ من فاعل (مُثْبَتاً) أو نعتٌ له يجوز هذا ويجوز ذاك، (ذَا طَلَبٍ) بمعنى أنَّه يكون واقعاً في جواب الطَّلب، أو بعد أداة طلب، وهذا يشمل ستة أشياء: الأمر، والنَّهي، والعرض، والتَّحضيض، والتَّمنِّي، والاستفهام، والدعاء، هذه كلَّها يأتي الفعل المضارع بعدها مؤكَّداً بإحدى النونين.

إذاً: أن يقع الفعل المضارع بعد أداة طلبٍ، والطَّلب يشمل ستة أشياء:

أولاً: (النَّهي): ((وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا)) [إبراهيم:42] تَحْسَبَنَّ: فعل مضارع أُكِّد بنون التوكيد الثقيلة، ما الذي سَوَّغ كونه مؤكَّداً بالنون؟ مجيئه بعد النَّهي (لا تَحْسَبَنَّ)(لا) ناهية و (تَحْسَبَنَّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم.

(والأمر) نحو (ليَقُومَنَّ زَيْدٌ) اللام هذه لام الأمر، حينئذٍ وقع الفعل المضارع بعد أداة طلبٍ وهي لام الأمر، حينئذٍ جاز تأكيده، (ليَقُومَنَّ) مُؤكَّد لوقوعه بعد لام الطَّلب.

(والعرض)(ألا تَنْزِلنَّ عِنْدَنَا)(ألا) هذا حرف عرض (تَنْزِلنَّ عِنْدَنَا).

أو (تحضيضاً)(هلَّا تَقُومَنَّ يا زَيْدُ)(هلَّا) هذه أداة تحضيض (تَقُومَنَّ) فعلٌ مضارع مؤكَّد لكونه واقعاً بعد أداة طلبٍ.

أو (تمنِّي) نحو قول الشاعر:

فَلَيْتَكِ يَوْمَ المُلْتَقَى تَرَينَّنِي ..

(لَيْتَكِ) تمنِّي (تَرَينَّنِي) فعل مضارع مؤكَّد بالنون لوقوعه بعد أداة الطَّلب.

و (الاستفهام) نحو:

وَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيَادِي البِلَادَ ..

(يَمْنَعَنِّي) نقول: هذا مؤكَّد لوقوعه بعد (الاستفهام).

أو (دعاء):

لَا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ..

إذاً بعد هذه الأدوات الستة نقول: يُؤَكَّدُ الفعل المضارع لكنَّه ليس واجب التأكيد بل هو جائز ولكنَّه كثير.

ص: 5

إذاً: (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) يعني صاحب طلبٍ، بمعنى أنَّه يكون مدلول الأداة داخلاً في مفهومه، إذا قيل (هلَاّ تَقُومَنَّ) تَقُومَنَّ هذا المراد به التَّحضيض، (ألا تَنْزِلَنَّ) تَنْزِلَنَّ المراد به التحضيض فالحرف مؤثِّر سواءٌ عمل أم لم يعمل، الحرف له دور في تغيير معنى الفعل.

حينئذٍ نقول (يَفْعَل آتِيَاً) حال كونه (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ أَو شَرْطاً) وسبق أن النونين إنما يُؤَكِّدان الفعل ويخلِّصانه للاستقبال، حينئذٍ شرط الاستقبال يكون مأخوذاً في هذه الأنواع كلِّها، لا يؤكَّد الفعل المضارع إلا إذا كان دالَّاً على الاستقبال، وهذا إما أنَّك تأخذه من قوله (آتِيَاً) وإمَّا من قوله (ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً) لأن الطَّلب إنما يكون تحقيقه في المستقبل، والشرط إنما يكون تحقيقه في المستقبل.

إذاً إمَّا أن نقول (آتِيَاً) هذا حالٌ من (يَفْعَل) حال كونه (آتِيَاً) وإمَّا أنَّه دالٌّ على الاستقبال، حينئذٍ الفعل المضارع إذا كان بمعنى الحال لا يؤكَّد، لأنَّك تريد به الحال الآن، (والنونان) تخلِّصانه إلى المستقبل فتنافيا .. حصل التنافي بينهما، وإنما يؤكَّد ما كان معناه الاستقبال، إذا كان معلَّقاً على شرط (إمَّا تَرَيِنَّ .. فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ .. فَإِمَّا تَثْقَفَنَّ) نقول هذا المراد به تحقيقه في المستقبل، إذاً جاز تأكيده إذاً لا تعارض بين الفعل المضارع إذا كان دالَّاً على الاستقبال وبين تأكيده بنوني التوكيد الثقيلة والخفيفة، لأن كلاً منهما دالٌّ على الاستقبال فاتَّحدا، كأنَّه أكَّد المعنى الدَّال في المستقبل .. الحدث الذي سيقع في المستقبل.

وأمَّا إذا كان الفعل دالَّاً على الحال فيمتنع لوقوع التَّنافي والتَّضاد بينهما كما هو الشأن في الفعل الماضي، إذاً (وَيَفْعَل آتِيَاً ذَا طَلَبٍ أَو شَرْطاً) إنَّما يكون الطَّلب في المستقبل وإنَّما يكون الشرط في المستقبل، إذاً يُشْتَرط في (يَفْعَلْ) الذي ذكره الناظم هنا: أن يكون معناه (الاستقبال) احترازاً من ما لو كان معناه (الحال) وأما الماضي هذا سيأتي بعد قوله: (وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ).

................ آتِيَا

ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً امَّا تَالِيَا

يعني: أن يقع بعد (إِنْ) الشرطية وزيدت عليها (مَا) بهذا اللفظ (إِمَّا)((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:57] في مثل هذا التركيب يؤكَّد الفعل المضارع بالنونين، والذي سوَّغ ذلك كما ذكرناه: وقوعه بعد الشرط والشرط دالٌّ على الاستقبال.

(أَوْ شَرْطاً) يعني أو آتياً شرطاً: هذا معطوف على (ذَا) أو ذا شرطٍ يعني صاحب شرطٍ، (إِمَّا تَالِيَاً)(شَرْطاً تَالِيَا إمَّا) فـ (تَالِيَاً) هذا نعت لـ (شَرْطاً)، أي شرطاً تابعاً (إِنْ) الشرطية المؤكَّد بـ (مَا) لأن (مَا) زائدة وأفادت التأكيد، ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:57] أصل التركيب: فَإِن ما تَثْقَفَنَّهُمْ (إن) الشرطية، تَثْقَفَنَّهُمْ: هذا فعل مضارع وقعت (مَا) زائدةً بعد (إن) فأُدْغِمت النون في الميم.

ص: 6

قيل ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:57]((فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ)) [الزخرف:41]((فَإِمَّا تَرَيِنَ)) [مريم:26] حينئذٍ نقول هذا فعلٌ مضارع تالياً لـ (إِمَّا) الشرطية، حينئذٍ فيه خلاف بين النحاة هل هو ضرورة أو يحْسُن؟ سيأتي.

إذاً: من المواضع التي يؤكَّد فيها الفعل المضارع إذا كان شَرْطاً تَالِيَا لـ (إِمَّا).

واحترز به من الواقع شرطاً بغير (إِمَّا) فإن توكيده قليل، وهو الذي عناه بقوله:

وَغَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا ..

هذا معطوف على قوله:

وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لَا ..

أو شَرْطاً تَالِيَا (إِمَّا) هذا كثير بدليل أنَّ قوله (وَقَلَّ) وما عُطِف عليه:

وَغَيرَ إمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا ..

فالتوكيد بعده قليل

. . . . . . . ..................

........ أَوْ شَرْطَاً امَّا تَالِيَا

أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا

......................................

(أَوْ مُثْبَتاً) يعني (أو آتِيَاً مُثْبَتاً) معطوف على (شَرْطاً)، (أو آتِيَاً مُثْبَتاً) يعني الفعل المضارع .. آتِيَاً مُثْبَتاً لا منفياً، (فِي قَسَمٍ) يعني في جواب قسمٍ: جار مجرور متعلِّق بقوله (مُثْبَتاً)، (مُسْتَقْبَلاً) هذا نعت لـ (مُثْبَتاً) أو حال من الضمير المستتر في (مُثْبَتاً)، مُثْبَتاً حال كونه (مُسْتَقْبَلَا) يعني دالاًّ على الاستقبال لا على المضي ولا على الحال، بهذه الشروط الثلاثة:

أن يكون الفعل مُثْبَتْاً، في جواب قسمٍ، دالاًّ على الاستقبال، زد عليه (غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْ لَامِهِ بِفَاصِلْ) أربعة شروط، (غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْ لَامِهِ) لام القسم يعني (بِفَاصِلٍ) نحو ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:57] تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ، (أَكِيدَنَّ) هذا فعلٌ مضارعٌ مُثْبَت في جواب قسم مُسْتَقْبَل اتَّصلت به اللام (لأَكِيدَنَّ) هل فُصِل بين اللام وبين الفعل؟ لا لم يفصل. حينئذٍ نقول في مثل هذا الموضع عند الكثير: يجب تأكيده.

إذاً:

أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا ..

غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْ لَامِهِ بِفَاصِلٍ نحو ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:57]، ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيَّاً، لأنَّنا اشترطنا: أن يكون (مُثْبَتاً) إذاً إذا كان منفيَّاً فلا يجوز توكيده بهما ((تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) [يوسف:85](تَفْتَأُ) نقول هذا لا يجوز توكيده ولو كان في جواب قسم، لماذا؟ منفي، أين النفي؟ (تَفْتَأُ) مثبت هذا، مقدَّر (تَاللَّهِ لا تَفْتَأُ)، إذاً: إذا كان في جواب قسم وهو منفي حينئذٍ لا يؤكَّد بهما، إذ التقدير (لَا تَفْتَأُ).

أو كان مفصولاً من اللام ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ)) [الضحى:5](يُعْطِيكَ) نقول هذا وقع في جواب قسم، واللام الداخلة على (سوف) لام القسم (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ) لكن هذا لا يجوز توكيده، لأنَّنا اشترطنا أن تكون اللام داخلة على الفعل لم يفصل بينهما فاصل، فإذا فصل مثل (سوف) حينئذٍ نقول: لا يجوز التوكيد، بل لا بدَّ من أن تكون اللام داخلةً على الفعل ولم يفصل بينهما فاصل.

ص: 7

((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:5]((وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ)) [آل عمران:158](مُتُّمْ) نقول هذا لا يجوز توكيده (أَوْ قُتِلْتُمْ) .. لماذا؟ لوجود الفاصل هكذا مثَّلوا و (مُتُّمْ) هذا فعل ماذا؟ ((وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)) [آل عمران:158] هل المراد (تُحْشَرُونَ) أو الأول (مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ)؟ النحاة يذكرون هذه الآية.

إن كان المراد (مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ) هذا لا يؤكَّد، لأنَّه فعل ماضي، وإن كان (تُحْشَرُونَ) لا يؤكَّد فقد يستقيم الاستدلال لكنَّه بعيد أيضاً، فالأحسن أن يُمثَّل بـ ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:5] هذا أولى من الآية التي ذكرها ابن هشام وغيره.

(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ) إذاً (يُعْطِيكَ) هذا لم يؤكَّد لوجود الفاصل بين اللام والفعل وهو (سَوْفَ).

إذاً: (مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ) يعني في جواب قسمٍ، (مُسْتَقْبَلَا) هذه الحالة الثالثة: بعد طَلَبٍ، أَو شَرْطٍ، تَالِيَا (إمَّا)، أَو مُثْبَتاً فِي جواب قَسَمٍ (مُسْتَقْبَلَا).

التوكيد الواقع في جواب القسم واجب، لأنَّهم كرهوا أن يُؤَكَّد الفعل بأمرٍ منفصلٍ وهو القسم من غير أن يُؤَكِّدوه بما يتصل به وهو (النون) بعد صلاحيَّته له، يعني: قالوا عندنا قسم هو مؤَكِّد للفعل، وعندنا من الأشياء التي يؤَكَّد بها الفعل (النون) إذاً: إذا أُكِّد الفعل بـ (القسم) حينئذٍ أكِّد بشيءٍ منفصل عن الفعل ليس متَّصلاً به، وعندنا (النون) وهي مما يتصل بالفعل وهي صالحةٌ لتأكيد الفعل.

إذاً: يجب أن يؤكَّد الفعل لئلَّا ينفرد المنفصل بتأكيده هكذا علَّلوه، وهذا مذهب البصريين لكن بالشروط السابقة: أنَّه يجب تأكيد الفعل إذا كان: مُثْبَتاً، واقعاً في جواب قسمٍ، مُسْتَقْبَلاً، غير مفصول من لامه بفاصلٍ. بهذه الشروط الأربعة التوكيد واجب، وهذا مذهب البصريين.

فلا بدَّ عندهم من (اللام والنون) فإن خلا منهما قُدِّرَ قبل حرف النفي، فإذا قلت:(والله يَقُومُ زَيْدٌ) هذا وُجِدت فيه الشروط (والله يَقُومُ زَيْدٌ)(والله) هذا قسم (يَقُومُ) جواب القسم، ليس عندنا (نون) ولا (لام) قالوا: يجب التقدير هنا .. نُقَدِّرْ النفي (والله يَقُومُ زَيْدٌ) قالوا (والله لا يَقُومُ زَيْدٌ) هذه الجملة منفية؛ لأنَّه لو كان كذلك لوجب دخول اللام وأُكِّد الفعل، فخلوُّ الفعل عن اللام والنون هذا لا يجوز، لا بد من دخول اللام والنون على الفعل المثبت الواقع في جواب القسم، فإذا جاء مثل هذا الظاهر (والله يَقُومُ زَيْدٌ) قالوا نقدِّر النفي (والله لا يَقُومُ زَيْدٌ) حينئذٍ تخلَّف الشرط الأول وهو (الإثبات).

ص: 8

وهذا مذهب البصريين فلا بدَّ عندهم من اللام والنون، فإن خلا منهما قُدِّرَ قبل حرف النفي، فإذا قلت (والله يَقُومُ زَيْدٌ) كان المعنى: نفي القيام عنه، -هذا غريب- (والله يَقُومُ زَيْدٌ) يعني (والله لا يَقُومُ زَيْدٌ)، لماذا؟ قالوا: لأنَّ التأكيد هنا واجب، فلما لم يوجد إذاً صار الكلام منفيَّاً مثل:((تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) [يوسف:85](تَفْتَأُ) هذا فعل مضارع وهو مثبت في الظاهر حينئذٍ نقول (تَاللَّهِ) هذا قسم وقع في الجواب، إذاً: لا بدَّ من التقدير.

وأجاز الكوفيون تعاقبهما وقد ورد في الشعر، يعني: قد تأتي اللام دون النون وقد تأتي النون دون اللام .. لا يُشْتَرط فيه فهو حسن لوجوده في الشعر.

وحكا سيبويه: (والله لأضْرِبُه) دون توكيد، لو كان واجباً لقال:(والله لأضْرِبَنَّه) لا بدَّ من التأكيد لكن هنا حكا سيبويه: (والله لأضْرِبُه) إذاً: لام قسم ووقع الفعل مثبتاً، وفي جواب قسم حينئذٍ لم يؤكَّد فدل على أنَّه ليس بواجبٍ.

وأما التوكيد بعد الطَّلب السابق فليس بواجب اتفاقاً (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) هنا ليس بواجبٍ اتفاقاً بين النحاة، واختلفوا فيه بعد (إمَّا) فمذهب سيبويه: أنَّه ليس بلازمٍ ولكنَّه أحسن يعني: يُسْتَحْسَن التوكيد وليس بواجبٍ.

ولكنَّه أحسن؛ ولهذا لم يقع في القرآن إلا كذلك .. إلا مؤكَّداً، لم تأت (إِنْ) الشرطية و (ما) الزائدة في القرآن إلا مؤكَّدة فدل على أنَّه هو الأحسن وهو الأفصح. وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخِّرين أنَّه يُسْتَحْسَن التوكيد بعد (إمَّا) وليس بواجبٍ، وأما بعد الطَّلب فمحل وفاق أنَّه ليس بواجبٍ، وأمَّا بعد القسم فمذهب البصريين أنَّه واجبٌ.

وذهب المُبَرِّد والزجَّاج إلى لزوم النون بعد (إمَّا) يعني: يجب، ومذهب الجمهور أنَّه يستحسن، وزعم أن حذفها ضرورة، إذاً قوله:

. . . . . . . .... وَيَفْعَلْ آتِيَاً

ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطَاً امَّا تَالِيَا

أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا

......................................

أراد أن يبيِّن لنا فقط ما الذي يؤكَّد من الفعل المضارع، وليس مراده بيان ما الذي يجب، وما الذي يكثر، وما الذي فيه خلاف، وما الذي اتفقوا عليه، حينئذٍ نقول:

أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا ..

هذا واجب التأكيد، (ذَا طَلَبٍ) هذا كثير التأكيد، (إِمَّا) هذا مُخْتَلفٌ فيه والأحسن كما قال سيبويه وعليه الجمهور: أنَّه يؤكَّد، ولذلك لم يرد في القرآن إلا مؤكَّداً، (وَقَلَّ) قلَّ التوكيد، (بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لَا وَغَيرَ إِمَّا) في هذه المواضع الأربعة، توكيد الفعل المضارع بعد (مَا) النافية (وَلَمْ) النافية و (لَا) النافية (وَغَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) يعني بعد (متى) الشرطية وبعد (حَيْثُمَا) وبعد (أين) كل هذه الألفاظ. بعد (غَيرَ إمَّا) إن الشرطية التي دخلت عليها (مَا) الزائدة التوكيد قليل.

ص: 9

وقوله (وَقَلَّ) أي التوكيد بعد هذه المذكورات الأربعة (بَعْدَ مَا وَلَمْ) حينئذٍ نقول قوله (قَلَّ بَعْدَ مَا) مراده أن التوكيد بعد (مَا) المذكورة قليل بالنسبة إلى ما تقدَّم، الأحوال الثلاثة السابقة:(ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاً) بالنسبة إلى هذه الثلاث التوكيد بعد (مَا) النافية قليل أما في نفسه فهو كثير، فالقلَّة هنا نسبيَّة. قليلٌ بالنسبة إلى ما تقدَّم لا قليلٌ مطلقاً فإنَّه كثير .. كثير في نفسه، وذلك أن (مَا) لمَّا لازمت هذه المواضع أشبهت عندهم لام القسم، فعاملو الفعل بعدها معاملته بعد اللام يعني: نزَّلوا (مَا) النافية مُنَزَّلة القسم فلذلك أكَّدوه كثيراً في نفسه، أما باعتبار السابق فهو قليل.

(وَقَلَّ بَعْدَ مَا)(مَا) الزائدة التي لا تصحب (إن) أما الزائدة التي تصحب (إن) هذه كما سبق مختلفٌ هل يجب أو لا؟ وهو كثير. نحو قولهم: (بِعَيْنٍ مَا أرَيَنَّكَ هَاهُنَا) هذا مثَل، (أرَيَنَّكَ) فعل مضارع مؤكَّدٌ بالنون، ما الذي سوَّغ له ذلك؟ وقوعه بعد (مَا) الزائدة وهي منفية.

وقلَّ دخول النون في الفعل المضارع الواقع بعد (مَا)، (وَلَمْ) يعني والواقع بعد (لَمْ) وهو قليل .. أقلُّ من (مَا) بل قيل: نادر، لماذا نادر؟ قالوا: لأن مدخوله في المعنى ماضي، وإذا كان ماضياً حينئذٍ وجِدَت فيه العلَّة في منع توكيد الفعل الماضي، قلنا الفعل الماضي لا يؤكَّد مطلقاً بلا خلاف، حينئذٍ لماذا مُنِع الفعل الماضي؟ لكون النون تدلُّ على الاستقبال .. تخلِّص الفعل الاستقبال.

حينئذٍ قد يكون اللفظ كما سبق في أول الكتاب (ماضي لفظاً ومعنىً، معنىً لا لفظاً، لفظاً لا معنىً) القسمة ثلاثية، والفعل المضارع التي دخلت عليه (لَمْ) هو ماضٍ من جهة المعنى (لم يَضْرِب زيدٌ عمراً) لم يضربه في الماضي لا في المستقبل.

إذاً: الواقع بعد (لَمْ) نقول قلَّ دخول النون عليه والقلَّة هنا بمعنى (الندور) كقول الشاعر:

يَحْسَبْهُ الْجَاهِلُ مَالَمْ يَعْلَماَ

شَيخاً عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا

(مَا لَمْ يَعْلَماَ) الألف هذه هي نون التوكيد الخفيفة انقلبت ألفاً في الوقف كما سيأتي، إذاً (يَعْلَمن) هذا الأصل. ونصَّ سيبويه على أنَّه ضرورة يعني: القلَّة ليست (ندور) فحسب أنَّه ضرورة يعني يختصُّ بالشعر فحسب ولا يجوز استعماله في النثر للعلَّة التي ذكرناها وهي: أن مدخوله ماضٍ .. مدخول (لَمْ).

ونصَّ سيبويه على أنَّه ضرورة، لأن الفعل بعد (لَمْ) ماضي المعنى كالواقع بعد (رُبَّما) كذلك، رُبَّما قالوا: يمتنع أن يؤكَّد الفعل بعدها بل قيل هو شاذ، وإن قال ابن مالك في شرح الكافية:"وهو بعد (رُبَّما) أحسن" يعني توكيد الفعل بعد (رُبَّما) مع كونه ضرورة أو نادر أو شاذ أحسن من توكيد الفعل بعد (لَمْ) لأن (لَمْ) تقلب الفعل المضارع من زمَّن الحال أو الاستقبال إلى المُضي قطعاً في كلِّ تركيب.

ص: 10

وأما (رُبَّما) فهذه تدخل على الفعل الماضي و (قَدْ) تدخل على الفعل المضارع، إذاً قد يكون مدخول (رُبَّما) ما هو مضارع بخلاف (لَمْ) وإن كان مضارعاً لفظاً إلا أنَّه في المعنى ماضٍ ((رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [الحجر:2] إذاً دخلت على الفعل المضارع.

توكيد الفعل بعد (رُبَّما) أحسن من توكيد الفعل بعد (لَمْ) مع كونه بعد (رُبَّما) شاذ ضعيف لا يقاس، لكن من حيث القبول وعدم مخالفة القياس التوكيد بعد (رُبَّما) أحسن، لأنَّها تدخل على الماضي وتدخل على المضارع، والمضارع إذا دخلت عليه المراد به (الاستقبال) حينئذٍ بقي له جزءٌ من المدخول.

(وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ) إذاً قوله (وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ) ليس على مرتبة واحدة بل القلَّة هنا بمعنى الندور بل قال سيبويه: أنَّه ضرورة. (وَبَعْدَ لَا) النافية كقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)) [الأنفال:25](لا تُصِيبَنَّ) لا هذه نافية أو ناهية؟ قيل نافية وقيل ناهية، والصواب: أنها نافية، فهي نفيٌ لا نهيٌ، لأن الجملة صفةٌ لـ (فِتْنَةً)(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ) الجُمَل إذا وقعت بعد النكرات فهي صفات، وإذا قيل بأنَّها ناهية صارت إنشائيَّة طلبية:

وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ ..

لو كانت ناهية لصارت طلبية، وكيف تكون بعد (فِتْنَةً) وهي صفةٌ لها، فالأولى أن نقول: هي نافية حينئذٍ تكون خبرية، لأنها صفة

وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ ..

إذاً: الطَّلبيَّة ومنها الناهية لا تقع صفةً، وإذا وقعت حينئذٍ لا بدَّ من التأويل، إذاً عدم التأويل أولى من التأويل، بدلاً من أن نقول (وَاتَّقُوا فِتْنَةً) مقولاً فيها (لَا تُصِيبَنَّ) هذا فيه بعد وفيه تكلُّف، بدلاً من هذا التقدير (مقولاً فيها) نقول الأصل فيها: أنها نافية ولا نحمله على النَّهي إلا بثبت، إذاً الواقع بعد (لا) النافية التوكيد فيها قليل.

قال في شرح الكافية: "وقد يؤكد بإحدى النونين المضارع المنفي بلا تشبيهاً بالنَّهي" وسبق أن النَّهي داخلٌ في الطلب (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) منه النهي، النفي مشبَّهٌ بالنهي، إذاً قال في شرح الكافية:"وقد يؤكد بإحدى النونين المضارع المنفي بلا تشبيهاً بالنهي" وهذا ما اختاره الناظم: أنه يجوز لكنَّه على قلة.

والجمهور على المنع .. جمهور النحاة على أنَّه لا يؤكَّد بعد (لَا) النافية. أي: على منع التوكيد بالنون بعد (لَا) النافية إلا في الضرورة ولهم في الآية تأويلات كثيرة جداً .. خلاف طويل بينهم في الآية، إذاً ثَمَّ خلافٌ في التوكيد بعد (لَا) النافية، الجمهور على المنع وابن مالك رأى الجواز وهو قليل.

(وَغَيرَ إمَّا) هذا النوع الرابع، (وَغَيرَ إِمَّا)(غَير) هذا معطوفٌ على (لَا)، (وَغَيرَ) مضاف و (إِمَّا) قصد لفظه، (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) هذا بيَّن به (غير) يعني ما هو؟ حال كونه (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) أي: وَقَلَّ بَعْدَ غَير (إِمَّا) الشرطية (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) معطوف على السابق.

ص: 11

أي: وَقَلَّ بَعْدَ غَير (إِمَّا) الشرطية (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) وذلك يشمل (إنْ) المجرَّدة عن (مَا)، قلنا الَّتي يؤكَّد الفعل بعدها (إن) بشرط زيادة (مَا) طيب! إذا جاءت (إن) مجرَّدة عن (مَا) توكيد الفعل بعدها قليل. وذلك يشمل (إن) المجرَّدة عن (مَا) وغيرها ويشمل الشرط والجزاء.

وَغَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا ..

ومقتضى كلامه: أن ذلك جائزٌ في الاختيار يعني: قليل .. كل ما عبَّر عنه بأنه قليل هنا يُحْمَل على أنه جائزٌ في الاختيار، وسبق أن (لَمْ) سيبويه يرى أنها من خصائص الشعر يعني: الضرورة.

مقتضى كلامه: أن ذلك جائزٌ في الاختيار وبه صرَّح في التسهيل .. هو نفسه فقال: "وقد تلحق جواب الشرط اختياراً " يعني نون التوكيد قد تلحق جواب الشرط اختياراً

"وذهب غيره إلى أن دخولها في غير شرط (إمَّا) وجواب الشرط مطلقاً ضرورة " إذاً نوزع في موضعين، بأنه لا يجوز اختياراً وإنما هو يكون من قسم الضرورات وهو: التوكيد بعد (لَمْ) وبعد (غَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) فذهب بعضهم إلى أنه لا يؤكَّد بعد غير (إِمَّا) مطلقاً وإذا أُكِّدَ إنَّما يكون في الشعر على جهة الخصوص.

والواقع بعد (إِمَّا) من أدوات الشرط كقوله:

مَنْ نَثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآيِبٍ ..

(مَنْ) شرطية و (نَثْقَفَنْ) هذا فعل مضارع أُكِّد بعد (مَنْ) حينئذٍ نقول ضرورة وإن عبَّر عنه الناظم بأنه قليل، هذا من توكيد الشرط بعد (غَيرَ إِمَّا)، ومن توكيد الجزاء قوله:

وَمَهْمَا تَشَأ مِنْهُ فَزَارَةُ تَمْنَعَاً ..

وَمَهْمَا تَشَأ .. تَمْنَعَاً إذاً أكَّده بعد الجواب، إذاً نقول قول الناظم هنا

. . . . . . وَيفْعَلْ آتِيَا

ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً امَّا تَالِيَا

أَوْ مُثْبَتَاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا

وَقَلَّ بَعْدَ ......................

بيَّن لنا ما يجب وما يكثر وما يقل، حينئذٍ على كلام الناظم هنا أن بعض أنواع الفعل المضارع يجب توكيده وهو الذي عناه بقوله:

أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا وإن لم ينص على أنَّه واجب، (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) هذا كثير، (أَو شَرْطاً إِمَّا تَالِيَاً) هذا حسن اختاره سيبويه وتبعه المتأخِّرون، وأمَّا (بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لَا وَغَيرَ إِمَّا) هذه أربعة أنواع توكيد الفعل المضارع بعدها قليل، وقد تختلف هي فيما بينها في القلَّة فبعضه نادر وبعضه حُكِم عليه بالضرورة، وإن كان ظاهر كلام الناظم: أنه يجوز في الاختيار ليس في الضرورة، لأنَّه لو كان كذلك لوجب تقيده.

نقول هنا: توكيد الفعل المضارع له حالات، نلخِّص ما ذكره الناظم: توكيد الفعل المضارع له حالات خمسة:

أوَّلُها: أن يكون توكيده بهما واجباً، وهذا له موضع واحد، وذلك إذا كان مُثْبَتاً مُسْتَقْبَلاً جواباً لقسمٍ غير مفصولٍ من لامه بفاصل، إذاً قوله:

أَو مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا ..

ص: 12

هذا النوع الأوَّل: أن يكون توكيده بهما واجباً، وذلك إذا كان مثبتاً مستقبلاً جواباً لقسمٍ غير مفصولٍ من لامه بفاصل ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:57] انظر! (وتاللهٍ) هذا قسم (لَأَكِيدَنَّ) هنا محل الشاهد: وهو فعل مضارع مُؤكَّد بالنون لوقوعه في جواب القسم ودخلت عليه اللام مباشرة ولم يفصل بينهما فاصل، لو كان منفيَّاًَ لم يؤكَّد، لو كان فاصلٌ بين اللام والفعل لم يؤكَّد، لو كان دالاًّ على الحال لم يؤكَّد، إذاً كل قيدٍ من هذه القيود لها مُحترَز.

ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيَّاً نحو ((تَاللَّهِ تَفْتَأُ)) [يوسف:85] أو كان حالاً يعني: دالَّاً على الحال .. قد يؤكَّد وهو دالٌّ على الحال، مثَّلوا له بقراءة ابن كثير ((لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة:1] (اللام) هذه لام القسم ودخلت على الفعل والمراد به: (الحال).

وقول الشاعر:

يَمِينَاً لأُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ..

(يَمِيناً) هذا قسم (لأُبْغِضُ) هذا فعل مضارع دخلت عليه اللام، إذاً لم يُؤَكِّده، لكونه دالَّاً على الحال، لأنه يخبر عن حاله هو .. هو يبغض كُلَّ امْرِئٍ ما ترك أحداً، حينئذٍ وقت الكلام وُجِد البغض في قلبه. أو كان مفصولاً من اللام نحو:((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:5] هذه الحالة الأولى: وجوب التأكيد.

الثانية: أن يكون قريباً من الواجب، وذلك إذا كان شرطاً لـ (إن) المؤكَّدة بـ (إِمَّا) يعني بعد (إمَّا) هذا قريب من الواجب، ولذلك الذي يدل على أنه قريب من الواجب، فلو قيل بوجوبه لَمَا امتنع أنه لم يرد في القرآن إلا كذلك نحو:((وَإِمَّا تَخَافَنَّ)) [الأنفال:58]((إِمَّا نَذْهَبَنَّ)) [الزخرف:41]((فَإِمَّا تَرَيِنَ)[مريم:26] نقول هذا كله: فعل مضارع مُؤكَّد بالنون وهو قريب من الوجوب يعني: ليس بواجبٍ وإنَّما هو قريبٌ من الواجب وهو خاصٌ بـ (إن) الشرطية بعدها (مَا) المؤكِّدة، ومِن تَرْك توكيده بعد (إمَّا) قول الشاعر:

ياَ صَاحِ إِمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَةٍ ..

(إِمَّا تَجِدْنِي) ما قال (تَجِدَنِّي)، (تَجِدْنِي) على الأصل النون هذه نون الوقاية، وهو قليل وقيل يختصُّ بالضرورة، يعني: ترك توكيده بعد (إِمَّا) قليل وقيل يختصُّ بالضرورة، ولذلك قيل: قريبٌ من الواجب.

الحالة الثالثة: أن يكون كثيراً، وذلك إذا وقع بعد أداة الطَّلب، وقلنا هذا يشمل ستة، هذا كثير هذا وليس بقليل ومثَّلنا بالأمثلة السابقة لا نحتاج إلى الإعادة.

الحالة الرابعة: أن يكون قليلاً وذلك بعد (لَا) النافية أو (مَا) الزائدة التي لم تُسْبَق بـ (إن) كقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)) [الأنفال:25] وقوله:

قَلِيلَا بِهِ مَا يَحْمَدَنَّكَ وَارِثٌ ..

هذا قليل.

الخامسة: أن يكون أقلَّ من ذلك، وذلك بعد (لَمْ) وبعد أداة جزاءٍ غير (إِمَّا):

يَحْسَبُه الجَاهِلُ مَا لمْ يَعْلَمَا ..

ص: 13

إذاً واجب، قريبٌ من الواجب، كثير، الرابع: أن يكون قليلاً وذلك بعد (لَا) النافية أو (مَا) الزائدة التي لم تُسْبَق بـ (إن)، الخامس: أن يكون أقلَّ من ذلك وذلك بعد (لَمْ) وبعد أداة جزاءٍ غير (إمَّا).

قال الشارح هنا: " أي تلحق نونا التوكيد فعل الأمر نحو (اضْرِبَنَّ زَيْدَاً) " ومثله الدعاء نحو: (فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَينَا)(فَأَنْزِلَنْ) هذا دعاء.

" والفعل المضارع المستقبل الدَّال على طلبٍ نحو (لتضربنَّ زيداً، ولا تضربنَّ زيداً) " مثَّل بالأمر و (لَا) الناهية (وهل تضربنَّ زيداً) استفهام وبقي التَّمني والعرض وإلى آخره.

" والواقع شرطاً بعد (إن) المؤَكَّدة بـ (مَا) نحو (إمَّا تَضْرِبَنَّ زَيْدَاً أضْرِبْهُ) ومنه قوله تعالى: ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:57] الآية .. أو الواقع جواب قسمٍ مثبتاً مستقبلا (والله لتَضْرِبَنَّ زَيْدَاً) فَإِن لمْ يكن مثبتاً لم يُؤَكَّد بالنون نحو (والله لا تَفْعَلُ كَذَا) وكَذَا إن كان حالاً نحو (والله لَيَقُومُ زَيْدٌ الآن)، وقلَّ دخول النون في الفعل المضارع الواقع بعد (مَا) الزائدة التي لا تصحب (إن) وشمل (مَا) الواقعة بعد (رُبَّ) وصرَّح في الكافية بأن التوكيد بعدها شاذ" يعني بعد (رُبَّما).

وقلَّ دخول النون في الفعل المضارع الواقع بعد (مَا) الزائدة التي لا تصحب (إن) نحو (بِعَيْنٍ مَا أرَيَنَّكَ هَاهُنَا) والواقعة بعد (لَمْ) كقول الشاعر:

يَحْسَبْهُ الْجَاهِلُ مَالَمْ يَعْلَمًا .. يعلمن

والواقع بعد (لَا) النافية في قوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ)) [الأنفال:25] والواقع بعد (غَيرَ إِمَّا) من أدوات الشرط:

مَنْ نَثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآيِبٍ ..

كذلك بعد الشرط.

ثُمَّ قال بعدما بيَّن لنا متى تتصل النون بالفعل مطلقاً قال:

وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ كَابْرُزَاً .. كابرزاً

(افْتَحْ آخِرَ المُؤكَّد) إذاً: إذا اتَّصلت نون التوكيد بالفعل .. فعل الأمر وجب فتح آخره، فيكون حينئذٍ مبنياً على الفتح (اضْرِبَنَّ يا زَيْدُ)(اضْرِبَنَّ) فعل أمر مبني على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الثقيلة، (اضْرِبَنْ يا زَيْدُ) فعل أمر مبني على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الخفيفة، (ليَقُومَنَّ زَيْدٌ) فعل مضارع مبنيٌّ على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الثقيلة .. وهلمَّ جَرَّا، وهذا سبق بحثه والخلاف فيه وذكر المذاهب في أول الكتاب.

وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا

فيُشترط حينئذٍ في النون أن تكون مباشرة، فإن لم تكن مباشرة بأن كان ثَمَّ فاصلٌ ملفوظاً به نحو:((وَلا تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:89] أو مُقَدَّراً نحو: ((لَتُبْلَوُنَّ)) [آل عمران:186]((فَإِمَّا تَرَيِنَ)) [مريم:26] حينئذٍ يكون الفاصل مُقَدَّراً، فالفعل في هذه الأحوال الثلاثة يكون مُعْرَباً لا مبنياً، (تَتَّبِعَانِّ) الألف هذه فاصل، وكذلك (تَرَيِنَّ) نقول الياء فاصل، (لَتُبْلَوُنَّ) الواو فاصل، لأنَّه فاعل، حينئذٍ تأكيد الفعل في هذه الأحوال الثلاثة لا يقتضي بناءه، وهذا كما سبق بيانه.

ص: 14

(وَآخِرَ) هذا مفعولٌ مُقَدَّم وهو مضاف و (المُؤكَّدِ) مضافٌ إليه، (افْتَحْ) لتركُّبه معها تَرَكُّب خمسة عشر، ولا فرق بين أن يكون صحيحاً (كَابْرُزَاً) أو مُعتلاً نحو: اخْشَيَنْ، وارْمِيَنْ، واغْزُوَنْ .. أمْراً، أو مضارعاً نحو: هل تَبْرُزَنَّ، وهل تَرْمِينَّ؟ ولذلك قال الناظم (كَابْرُزَا) بقلب النون هنا .. نون التوكيد الخفيفة ألفاً.

إذاً: (آخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) مُطلقاً سواءٌ كان فعل أمر، أو فعل مضارع بالشروط السابقة، (كَابْرُزَا) أي: كَابْرُزَنْ .. كقولك (ابْرُزَا) فعل أمر مبني على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الخفيفة المُنْقلبة ألفاً، هذه لغة جميع العرب سوى فَزَارَة فإنها تَحذف آخر الفعل إذا كان ياءً تلي كسرة نحو: تَرْمِينَّ .. تَرْمِنَّ، بِحذف الياء بشرط أن يكون آخره ياء قبلها كسرة فتقول: هل تَرْمِنَّ يا زَيْدُ؟ وهذا الحكم إذا كان الفعل مُسنداً لغير الألف والواو والياء، يعني: قوله (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) إذا كان الفعل غير مسندٍ لألفٍ أو واوٍ أو ياء، وأما إذا أُكِّدَ ما هو مسندٌ إلى الألف أو الواو أو الياء فهذا أشار إليه بقوله:(وَاشْكُلْهُ) يعني: حرِّكُه.

قال رحمه الله تعالى:

وَاشْكُلْهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَيْنٍ بِمَا

جَانَسَ مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا

والْمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ إِلَاّ الأَلِفْ

وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِرِ الْفِعْلِ أَلِفْ

فَاجْعَلْهُ مِنْهُ رَافِعَاً غَيْرَ الْيَا

وَالْوَاوِ يَاءً كَاسْعَيَنَّ سَعْيَا

وَاحْذِفْهُ مِنْ رَافِعِ هَاتَيْنِ وَفِي

وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي

نَحْوُ اخْشَيِنْ يَا هِنْدُ بِالْكَسْرِ وَيَا

قَوْمُ اخْشَوُنْ وَاضْمُمْ وَقِسْ مُسَوِّيَا

(وَاشْكُلهُ) قلنا يعبِّر ابن مالك بالشكل عن الحركة (وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ) يعني بحركة، (وَاشْكُلهُ) الضمير يعود على آخر الفعل (قَبْلَ مُضْمَرٍ).

. . قَبْلَ مُضْمَرٍ لَيْنٍ بِمَا

جَانَسَ مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا

(وَاشْكُلْ) هذا فعل أمر مبنيٌّ على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت (والهاء) هناء ضمير متَّصل مبني على الضَّم في محل نصب مفعول به (اشْكُلهُ) ويعود الضمير هنا على آخر الفعل، لأنَّه قال (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) لأنَّه هو محل البناء وهو محل الإعراب، (وَاشْكُلهُ) متى؟ (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ) قبل ضمير، وإنمَّا يكون ذلك إذا كان واواً أو ألفاً أو ياءً.

(لَينٍ) هذا نعت لـ (مُضْمَرٍ)، (بِمَا جَانَسَ) يعني بالذي جانس .. اشْكُلهُ بالذي جَانَسَ، إذاً:(بِمَا) متعلِّق بقوله (اشْكُلهُ) وهي موصول واقع الحركات المجانسة (بِمَا جَانَسَ)(جَانَسَ) هذا فعل ماضي والفاعل هو يعود على (مَا) وهو العائد، والمفعول محذوف .. بمَا جَاَنَسه يعني جانس ذلك المضمر يعني: من جنسه، إن كان واواً فمن جنسه الحركة تكون ضمَّةْ، وإذا كان ألفاً واضح أنَّ من جنسه تكون الفتحة، وإذا كان ياءً كان من جنسه الكسرة.

ص: 15

(مِنْ تَحَرُّكٍ) هذا بيانٌ لـ (مَا) فدلَّ على أن (مَا) هنا واقعة على الحركات المجانسة، إذاً (مِنْ تَحَرُّكٍ) هذا جار مجرور بيانٌ لـ (مَا) فدل على أن الاسم الموصول هنا (مَا) واقعة على الحركات المجانسة، إذاً: اشكله بحركات مجانسة من جنس حرف اللَّين، إن كان واواً فالحركة المجانسة ضمَّة، وإن كان ياءً فالحركة المجانسة هي الياء، (قَدْ عُلِمَا) الألف للإطلاق و (قَدْ) للتحقيق والجملة صفة لـ تَحَرُّكٍ.

وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا

جَانَسَ. . . . . . .

إذا اتَّصل بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة وكان الفعل اتَّصل به ضميرٌ ألفٌ أو واوٌ أو ياءٌ (اشْكُلهُ) بحركة من جنس الواو أو الياء، والواو والياء تُحْذَف والألف سيأتي بحثها، يعني: أن الفعل المؤَكَّد بإحدى النونين إذا كان فاعله ضميراً ليناً فإنَّك تجعل في آخر الفعل شكلاً مجانساً لذلك الضمير، فإذا كان الفعل مسنداً إلى واو الجماعة حينئذٍ تحذف الواو وتأتي بحركة من جنس الواو وهي الضَّمَة تجعله على آخر الفعل (اضْرِبُنَّ يا زَيْدُونْ) ماذا صنعت؟ (اشْكُلهُ) يعني أخِّر الفعل الذي لابس النون، اشكله من جنس الواو تقول:(تَضْرِبُنَّ يا زَيْدُونْ .. اضْرِبِنَّ يا هِنْدُ) شكلته بالكسرة .. ياءٌ ومن جنسها الكسرة فقلت (اضْرِبِنَّ يا هِنْدُ).

شكلاً مُجانساً لذلك الضمير، وشمل قوله (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ)(لَينٍ) هذا نعت لمضمر، شمل قوله (لَينٍ) ألف التَّثنية وواو الجماعة وياء المخاطبة، فتقول (هَلْ تَقُومَانِّ يا زَيْدَاَن؟) هذا واضح أنَّ الألف تبقى (تَقُومَانِّ .. تَتَّبِعَانِّ) بقيت الألف وحينئذٍ يكون من جنسها ما قبلها، و (هل تَقُومُنَّ يا زَيْدُونْ؟) أصلها:(تَقُومون) حُذِفت الواو كما سيأتي حينئذٍ تُحرِّك الحرف الأخير بضَمَّة من جنس الواو، وهذا يسهِّل عليك المهمَّة بدل أن تعرف التفاصيل (تقومون) ثم توالي الأمثال ثُمَّ التقى ساكناً .. لا مباشرة: كل فعلٍ أُسنِد إلى واو الجماعة احذف الواو ثم حرِّك الحرف الأخير بالضَمَّة وتنتهي (هل تقومون: تَقُومُنَّ .. هل تَضْرِبِنَّ يا هِنْدُ) حرَّكته بالكسرة، لا يحتاج أن تعرف التَّفصيلات الَّتي ستأتي معنا إن شاء الله.

وشمل قوله (لَينٍ) ألف التَّثنية أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة (هل تَقُومَانِّ يا زَيْدَاَنْ .. هل تَقُومُنَّ يا زَيْدُونْ .. هل تَقُومِنَّ يا هند)، وشمل أيضاً الصحيح كالأمثلة السابقة، والمعتلَّ الآخر نحو (هل تَغْزُوانِّ يا زَيْدَانْ .. هل تَغْزُنَّ يا زَيْدونْ وهل تَغْزِنَّ يا هِنْدُ) حكم عام يشمل المعتل ويشمل الصحيح، إذاً إذا كان الفعل المؤكَّد بالنون الثقيلة أو الخفيفة مسنداً إلى واو الجماعة أو ياء المؤَنَّثَة المخاطبة تحذف الواو وتحذف الياء وتأتي بحركة من جنس الواو أو الياء تحرِّك بها آخر المُؤَكَّد، وهذا استثناءٌ من القاعدة العامة.

ص: 16

(وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) هذه قاعدة عامة، ثم استثنى منه هذه الحالة قال (وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ)(اشْكُلهُ) يعني حرِّكه (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا جَانَسَ) يعني من جنس ذلك المضمر، فالواو قبلها ضمة والياء قبلها كسرة (مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا).

(وَاشْكُلهُ) أي حرِّك آخر المُؤَكَّد حالة كون هذا الآخر (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ)(لَينٍ) بفتح اللام مخفَّف (ليِّنْ) قيل هذا هو المسموع والظاهر وإن جاز كسرها على أنَّه من النعت بالمصدر يعني يجوز فيه (لَين ولِين) لكن (لِين) هذا مصدر و (لَين) هذا مخفَّف (ليِّنْ) فيجوز فيها الوجهان.

(وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) .. (اشْكُلهُ) بحركة من جنس الياء ثم المُضْمَر احْذِفهُ (وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ)(المُضْمَر) المراد به المعهود السابق (أل) هنا للعهد، أي المُضْمَر المُتَقَدِّم وهو (اللَّين)، قوله (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ) احذفه إذا كان واواً أو ياءً، وتُحرِّك آخر الفعل بالضَمَّة إن كان واواً وبالكسرة إن كان ياءً (إِلَاّ الأَلِفْ) هذا استثناء، فتبقى الألف لا تحذف، لأنَّك لو حذفت الألف لالتبس بالمسند إلى الواحد.

لو قيل: (لا تَتَّبِعَانِّ) احذف الألف (لا تَتَّبِعَنِّ) مثل ((لَيُنْبَذَنَّ)) [الهمزة:4] حينئذٍ صار ظاهره أنه مُحَرَّك بالفتحة، وإنما يكون كذلك إذا كان مسنداً إلى الواحد، وأمَّا إلى المثنَّى حينئذٍ لا يُعْلَم أنَّ هذه الحركة حركة مناسبة الألف، لأن الواو يناسِبُها الضمَّة والياء يناسبها الكسرة والألف يناسبها الفتحة، فلو حذفناه وأبقينا الفتحة يلتبس بفتح البناء، حينئذٍ لا ندري هل هذه الفتحة فتحة بناء أو بِنْيَة؟ هذا يلتبس (لا تَتَّبِعَنِّ) هذا يلتبس، هل هو مسند إلى الواحد أم لا؟ فتبقى الألف لا تحذف.

إذاً (وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) المضمر المسند إليه الفعل، (وَالمُضْمَرَ)(أل) للعهد، أي المضمر المُتَقَدِّم الذي حرَّكنا ما قبله من جنس ذلك الحرف، (المُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) ما إعراب (المُضْمَرَ) هنا؟ منصوب على الاشتغال، (احْذِف المُضْمَرَ) أي السابق يعني اشْكلهُ بحركة مجانسة ثم احذفه وليس مطلقاًَ، استثني الألف، لأنَّك لو حذفت الألف لوقعت في لبسٍ وحرج.

(وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) يعني المضمر المسند إليه الفعل لأجل التقاء الساكنين مبقِّياً حركته دالةً عليه كما سيأتي، (إِلَاّ الأَلِفْ) أبْقِهَا لِخِفَّتها ودفعاً للوقوع في اللبس والحرج، ثم قال:

وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ أَلِفْ فَاجْعَلهُ مِنْهُ: يَاءً ..

(وَإنْ يَكُنْ ألِفٌ فِي آخِر الفِعْلِ) يعني إذا كان الفعل مختوماً بـ (ألِفْ) مثل (يَخْشَى) هذا فعل مضارع معتلَّ الآخِر وهو مختومٌ بالألف (وَإِنْ يَكُنْ أَلِفٌ) هذا اسم (يَكُنْ)، (فِي آخِر الفِعْلِ) متعلِّق بمحذوف خبر (يَكُنْ) ويحتمل أن (يَكُنْ) هنا تامَّة، وإن يُوجد ألفٌ في آخر الفعل، حينئذٍ له حكمان، ثُمَّ إن الفعل إن كان آخره ألفاً فإن له حكماً غير ما تَقَدَّم وله حالتان:

الأولى: أن يكون مرفوعه غير الواو والياء.

الثاني: أن يكون مرفوعه الياء والواو.

ص: 17

إذاً إذا كان مختوماً بالألف إمَّا أن يرفع واواً أو ياءً يعني: يكون الفاعل إمَّا ضميراً متَّصلاً وهو الواو أو الياء أو غيرهما، إن كان غير الواو والياء قال (اجعله منه ياءً) يعني اقلب الألف ياءً.

وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ أَلِفٌ ..

إذا كان آخر الفعل المضارع ألف أو الأمر وحُذِفت ترجع، حينئذٍ ماذا نصنع؟ نقول: الفعل حينئذٍ إمَّا أن يكون رافعاً للواو والياء يعني: فاعله واو أو ياء، وإما ألَّا يكون كذلك قال (فَاجْعَلهُ مِنْهُ)(فَاجْعَلهُ) يعني الألف (مِنْهُ) يعني من الفعل السابق المختوم بالألف رَافِعاً غَيرَ اليَا * * * وَالوَاوِ .. هذه جملة معترضة (رَافِعاً) يعني حال كون الفعل رافعاً غير الياء والواو، فإن كان رافعاً للواو والياء فله حكم آخر، والحكم هنا فيما إذا كان رافعاً غير الواو والياء قال (فَاجْعَلهُ مِنْهُ ياءً) يعني اقلب الألف ياءً فتقول في (سعى)(اسْعَيَنَّ) رجعت الألف ثم قلبتها ياءً.

(فَاجْعَلهُ مِنْهُ)(اجْعَلْ) هذا فعل أمر، والفاعل مستتر أنت والضمير هنا (الهاء) في محل نصب مفعول أول و (يَاءً) هو مفعوله الثاني (فَاجْعَلهُ ياءً)، (مِنْهُ) هذا جار مجرور متعلِّق بمحذوف حال من الضمير في (اجْعَلهُ) يعني حال من المفعول الأول، (فَاجْعَلهُ مِنْهُ) أي من الفعل (رَافِعاً) أي حال كون الفعل رَافِعاً غَيرَ الواو والياء، حينئذٍ إذا لم يكن رافعاً للواو والياء يشمل ثلاثة أحوال:

إمَّا أن يكون رافعاً لألف التَّثنية، أو الظاهر مطلقاً، أو الضمير المستتر ثلاثة أحوال، إذاً شمل غير الواو والياء ألف التَّثنية نحو (هل تَخْشَيانِّ .. هل تَخْشَيانِ)(تخشى) آخره ألف، ماذا صنعت؟ قلبت الألف ياءً، هنا أُسنِد الفعل إلى ألف الاثنين، لأنه استثنى ما كان رافعاً للياء والواو، إذا كان رافعاً للألف حينئذٍ تبقى الألف كما سبق.

وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ إِلَاّ الأَلِفْ ..

فتبقى الألف ثُمَّ ماذا تصنع؟ تقلب ألف الفعل ياءً (تخْشَى .. تَخْشَيا) انقلبت الألف ياءً وفُتِحت لأجل الألف فقيل (تَخْشَيانِّ) قُلِبت الألف ياءً، لأن الفعل هنا مختومٌ بألفٍ ولم يرفع الواو ولا الياء وإنما رفع ألف التَّثنية، أو الظاهر مطلقاً نحو (يَخْشَيَنَّ زَيْدٌ .. يَخْشَى) مختومٌ بالألف، أَكِّد (يخشى) نقول هنا أُسنِد إلى اسمٍ ظاهر غير الواو والياء.

إذاً ماذا تصنع؟ تأتي بنون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة وتقلب الألف ياء فتقول (يَخْشَيَنَّ)، نحو: هل يَخْشَيَنَّ زَيْدٌ؟ تقلب الألف ياءً وتفتحها، وهل تخْشَيَنَّ هِنْدٌ عمرو؟ (هل تخْشَيَنَّ) أُكِّد وأسنِد إلى الظاهر، وهل تخْشَيَنَّ الهِندان، وهل يَخْشَيَنَّ الزَّيِدون؟ كل هذا أسنِد إلى الاسم الظاهر مع اختلافه من جهة كونه مفرداً مذكَّراً أو مؤنَّثاً أو مثنىً أو جمعاً، فالفعل في الجميع يُؤَكَّد بالنون مع قلب الألف ياء لكونه مختوماً بالألف ولم يرفع واواً أو ياءً، أو رفع الضمير المستتر نحو: هِنْدٌ هل تخْشَيَنَّ؟ الفاعل ضمير مستتر والألف هنا الَّتي في الفعل قُلِبت ياءً، فتقلب الألف في جميع ذلك ياءً.

ص: 18

إذاً القاعدة: أن الفعل المُؤَكَّد إذا كان مختوماً بالألف يعني حرف علَّة وهو ألف ولم يكن الفاعل الواو أو الياء حينئذٍ وجب قلب الألف ياءً في جميع الأحوال، سواءٌ رفع اسماً ظاهراً أو رفع ضميراً مستتراً أو ألف الاثنين ليس له من الضمير ما يرفعه إلا ألف الاثنين وأما الواو والياء فإذا رفعهما حينئذٍ له حكمٌ آخر.

وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ ألِفْ ..

(إِنْ يَكُنْ) إن يوجد (أَلِفٌ) في آخر الفعل (فَاجْعَلهُ) الفاء واقعة في جواب الشرط، (اجْعَلهُ) يعني اجعل هذا الألف (فِي آخِر الفِعْلِ)، (مِنْهُ) من الفعل (يَاءً كَاسْعَيَنَّ)، (رَافِعاً غَيرَ اليَا وَالوَاوِ) ما هو غير الواو والياء؟ هو الأمور الثلاثة الَّتي ذكرناها، حينئذٍ إذا أردت التفصيل تقول: الفعل المختوم بالألف إمَّا أن يرفع واواً، وإمَّا أن يرفع ياءً، وإمَّا أن يرفع ألف الاثنين، وإمَّا أن يرفع اسماً ظاهراً، وإمَّا أن يرفع ضميراً مستتراً، كم حال؟ خمسة لا سادس لها: إمَّا ألفاً، وإمَّا واواً، وإمَّا ياءً هذه أحوال ثلاثة .. ضمير، وإماَّ اسم ظاهر، وإمَّا مستتر، إن رفع واواً أو ياءً له حكم خاص سيأتي، إن رفع ضميراً مستتراً أو ألفاً أو اسماً ظاهراً حينئذٍ وجب قلب الألف ياءً (يَخْشَيَنَّ).

وَاحْذِفْهُ مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ ..

(احْذِفْهُ) يعني احذف الألف، إذاً إذا رفع الواو أو الياء تحذف الألف؛ لأن الألف ساكنة والواو الضمير ساكنة والياء الضمير ساكنة إذاً التقى ساكنان والألف لا تقبل الحركة، حينئذٍ ليس لنا إلا أن نحذف الألف، (وَاحْذِفْهُ) أي الألف هذا إشارة للحالة الثانية الَّتي هي مفهوم قوله (رَافِعاً غَيرَ اليَا وَالوَاوِ).

(وَاحْذِفْهُ) أي الألف (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) يعني من فعلٍ مختومٍ بألفٍ (رَافِعِ هَاتَينِ) وهما الواو والياء، (هَاتَينِ) هذا اسم إشارة يعود على الياء والواو الذي هو المضاف إليه أضيف، (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) الواو والياء وتبقى الفتحة قبلهما دليلاً عليه، لأن القاعدة أنه لا يجوز الحذف إلا بشرطين: أن يكون حرف علَّة وأن يبقى دليلٌ عليه من جنسه، وهنا الألِفْ حرف علَّة، حينئذٍ ما قبل الألِفْ وهو الفتحة وجب إبقاؤه كحاله دليلاً على الألف المحذوفة.

(وَاحْذِفْهُ) أي الألف (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) يعني من فعلٍ رافعٍ لهاتين اللَّذَين هما الواو والياء.

وَفِي * * * وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي ..

ص: 19

إذا قيل مثلاً: (اخْشَيِن) أصله (اخْشَي) نقول هذا فعل أمر مثل (اضْرِبِي) اتَّصل به الياء، أين الألف (اخشي)؟ حُذِفَت للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لو أردت تأكيده بالنون الثقيلة حينئذٍ يجتمع معك ساكنان (الياء والنون الأولى المدغمة في المحرَّكة) حينئذٍ التقى ساكنان هل يجوز حذف الأوَّل؟ يجوز لكن في هذا التركيب لا، لأنه لا يجوز الحذف إلا إذا دَلَّ عليه دليل، وهنا لو حذفنا الياء الفتحة السابقة على الياء دليلٌ على الألف المحذوفة، حينئذٍ لو حذفناه دون دليل وقعنا في المحضور وهو كوننا حذفنا بدون وجود الشرط، لو حرَّكنا الفتحة كسرة لتدلَّ على الياء ذهب دليل الألف، ماذا نصنع؟ نحرِّك الياء من جنسها، وما هو جنسها؟ الكسرة ولذلك تقول (اخْشَيِنْ يا هند) بتحريك الياء، لماذا؟ لأنَّه لا يمكن التَّخلُّص من التقاء الساكنين إلا بتحرُّك الأوَّل وهو الياء.

ومثله الفعل تقول (اخْشَو) أصلها: (اخْشَاوْ) واو الجماعة ساكن والألف ساكن حذفناها إذاً الواو ما قبلها مفتوح والفتحة هنا من أجل الدَّلالة على الألف المحذوفة (اخْشَوْنْ) اجتمع عندك ساكنان الواو والنُّون الأولى، لا يمكن حذف الواو في هذا التركيب، في بعض المواضع تحذف لكن في هذا التركيب لا يجوز حذفها، لأنَّه لا بدَّ من توفُّر شرطين: تكون حرف علَّة وهو كذلك، وأن يكون ما قبلها دليلٌ عند حذفها، لا بُدْ أن يكون ضمَّة موجودة، وهنا ليس عندنا ضمَّة، ولا يمكن تحريك الفتحة هذه، لأنَّها تدل على الألف المحذوفة، إذاً للتَّخلُّص من التقاء الساكنين نحرِّك الواو من جنسها وهو الضَمَّة، متى هذا؟ إذا رفع الفعل المختوم بالألف واواً أو ياءً، نحذف الألف ونبقي حركة الألف ونحرِّك الواو والياء من جنسهما، ولذلك قال:

وَفِي * * * وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي ..

يعني (شَكْلٌ) الذي هو تحريكٌ (مُجَانِسٌ) للواو وهو الضَمَّة وللياء وهو الكسرة (قُفِي) يعني تُبِع.

(وَاحْذِفْهُ) أي الألف (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) وهما الواو والياء، ثُمَّ ماذا نصنع؟ عندنا ساكنان الواو والنون الأولى أو النون الخفيفة قال (وَفِي وَاوٍ) هذا متعلِّق بقوله (قُفِي) وتُبِع في (وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ)، (شَكْلٌ) مبتدأ و (قُفِي) يعني تُبِع هذا خبر و (مُجَانِسٌ) هذا نعت (وَفِي وَاوٍ وَيَا) متعلِّقان بقوله (قُفِي) يعني:(شَكْلٌ مُجَانِسٌ) للحرف (قُفِي) يعني تُبِع.

يعني: أن الواو بعد حذف الألف تُضَم والياء تُكْسَر هذا مراده، وإنَّما احْتِج إلى تحريكهما ولم يحذفا مع كونه قد يجوز في بعض المواضع، لأنَّ قبلهما حركة غير مجانسة وهي حركة الألف .. أي: فتحة الألف المحذوفة فلو حُذِفا لم يبق ما يدلُّ عليهما، لو حذفنا الواو دون أن نغيِّر ما قبلها من جنسها ما بقي دليل عندنا ولا يمكن تحريكها بالفتحة، وكذلك لو حذفنا الياء لم يبق دليل يدل عليها فلا يجوز حذف الياء وإنما تُحرَّك من جنسها .. من جنس الياء. يعني: أن الألف الذي في آخر الفعل احذفه إذا رفع الفعل الياء والواو، واجعل الضمير الذي هو الواو أو الياء محرَّكاً بحركةٍ تجانسه فتحرِّك الواو بمجانسها وهو الضَمَّة وتحرِّك الياء بمجانسها وهو الكسر.

ص: 20

(نَحْوُ اخْشَينْ يَا هِنْدُ بِالكَسْرِ) بكسر الياء للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لأنَّ الياء ساكنة فاعل، والنون الخفيفة هذه ساكنة، التقى ساكنان لا يمكن حذف الأول لعدم وجود الدليل وإنَّما حرِّكه بحركة مجانسة للياء وهي الكسرة.

وَيَا * * * قَومُ اخْشَوُن ..

اخْشَوُن بتحريك الواو بالضَمَّة، لأنَّ نون التوكيد ساكنة والواو ساكنة فالتقى ساكنان فالأصل: حذف الأوَّل لكن لا يمكن لعدم وجود دليل حينئذٍ وجب تحريك الواو بحركة مجانسة لها وهي الضَمَّة. (وَقِسْ) على ذلك (مُسَوِّيَاً) يعني بهما في الحكم.

هنا قال ابن عقيل: "الفعل المؤَكَّد بالنون إن اتَّصل به ألف اثنين أو واو جمعٍ أو ياء مخاطبة حُرِّكَ ما قبل الألف بالفتح" هو محرَّك لا يحتاج إلى تحريك، لأن الألف لا تكون ألف إلا إذا كان ما قبلها مفتوحاً.

"وما قبل الواو بالضمِّ وما قبل الياء بالكسر" يعني يُحَرَّك بالضَم ما قبل الواو، وما قبل الياء بالكسر، ثم تحذف، يعني: تحرِّك .. الكلام كلُّه مستقيم بقوله:

وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا

جَانَسَ مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا

وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ. . . .

. . . . . . . . . .

يعني حرِّك واحذف، حرِّك آخر الفعل الذي هو المستثنى من قوله (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) حرِّكه بالضمَّة مع حذف الواو، وحرِّكْه بالكسرة مع حذف الياء، إذاً التحريك والحذف مقترنان.

ويحذف الضمير إن كان واواً أو ياءً ويبقى إن كان ألفاً فتقول: (يا زَيْدَاَنِ هَلْ تَضْرِبَانِّ) هنا التقى ساكنان على حدِّه، ويا زَيْدُون هَلْ تَضْرِبُنَّ، انظر! حرَّك الباء بالضَمَّة، مع حذف الواو: هَلْ تَضْرِبُنَّ، ويا هِنْدُ هَلْ تَضْرِبِنَّ، بتحريك الباء بالكسرة، والأصل: هل تَضْرِبَانّ (تَضْرِبَان) هذا فعلٌ مضارع أُسنِد إلى ألف الاثنين، وحينئذٍ يُعْرَب بثبوت النون، إذاً:(تَضْرِبَان).

النون هذه مفتوحة أو مكسورة؟ مكسورة بعد ألف الاثنين، إذا أُكِّد حينئذٍ اجتمع عندنا ثلاث نونات: نون الرفع، ونونا التوكيد الثقيلة، كراهة توالي الأمثال حُذِفت نون الرفع فقيل: هَلْ تَضْرِبَانِّ، ثُمَّ كُسِرت النون الثقيلة .. نون التوكيد وهي مفتوحة في الأصل (اضْرِبَنَّ) بالفتحة، ونحن نقول:(وَلا تَتَّبِعَانِّ) بالكسر، قالوا: حُرِّكَت بالكسر تشبيهاً لها بنون المثنَّى، وإلا الأصل: هي مُحرَّكة بالفتح ((لَيُسْجَنَنَّ)) [يوسف:32] بالفتح، لماذا حُرِّكَت بالكسر هنا بعد الألف؟ قيل: تشبيهاً لها بنون المثنَّى.

إذاً: يا زيدان هل تضْرِبَانِّ، أصلها (هل تَضْرِبانِّني) بثلاث نونات، وهل تَضْرِبُونَّنْ، بثلاث نونات، وهل تَضْرِبَينَّنْ، بثلاث نونات، فحُذِفت النون الَّتي هي نون الرفع لتوالي الأمثال، حينئذٍ إذا أعربته تقول (تَضْرِبَانِّ) مرفوعٌ ورفعه النون المحذوفة لكراهة توالي الأمثال.

ص: 21

فحُذِفت النون لتوالي الأمثال ثم حُذِفت الواو والياء لالتقاء الساكنين الَّذي هو النون الأولى والواو نفسها فصار (هل تَضْرِبُنَّ وهل تَضْرِبِنَّ) ولم تُحذف الألف لخفَّتها ولئلا يلتبس بفعل الواحد -وهذا أهمُّ- فصار (هل تَضْرِبَانِّ) وبقيت الضمَّة دالَّةً على الواو والكسرة دالَّة على الياء، هذا كلُّه إذا كان الفعل صحيحاً. فإن كان معتلَّاً نظرت! فإمَّا أن يكون آخره ألفاً أو واواً أو ياءً، فإن كان آخره واواً أو ياءً حُذِفت لأجل واو الضمير أو يائه وضُمَّ ما بقي قبل واو الضمير وكُسِر ما بقي قبل ياء الضمير فتقول (يا زَيْدُونْ هل تَغْزُوُونَّ) هل تَغْزُونَّ أو تَغْزُوُونَّ؟ هنا فعل مضارع معتلَّ الآخر بالواو، حينئذٍ أسند إليه أو اتَّصل به نون التوكيد الثقيلة، تُحذَف الواو أو الياء لأجل الضمير ويبقى ما قبلها دليلٌّ عليها أصلها (تَغْزُوُونَّ) بواوين (تَغْزُو) هذه واو الفعل ثُمَّ جيء بالواو الَّتي هي الضمير، حُذِفت الواو الأولى الَّتي هي لام الكلمة وما قبلها دليلٌ عليها، ثُمَّ جيء بواو الضمير ونون التوكيد فالتقى ساكنان الواو وما بعدها الَّتي هي النون الأولى حينئذٍ تحرَّك الواو من جنسها (تَغْزُوُنَّ).

و (يا هِنْدُ هل تَغْزِينَ وهل تَرْمِينَ) فإذا ألحقته نون التوكيد فعلت به ما فعلت بالصحيح يعني: حصل فيه إعلال قبل التوكيد وأمَّا بعد التوكيد فحكمه حكم السابق من أنَّه يحرَّك الآخر إن كان واواً بالضمَّة وإن كان ياءً بالكسرة. فتحذف نون الرفع وواو الضمير أو ياءه فتقول (يا زَيْدُونَ هَلْ تَغْزُنَّ) هل حصل إعلال هو يقول كالصحيح؟ هنا التبس على بعض النحاة يقول: لا ليس كالصحيح، نقول: لا هو كالصحيح، لأنَّ الإعلال السابق الذي حصل بالتقاء الساكن ونحوه والحذف إلى آخره هذا قبل التوكيد وأمَّا قبل التوكيد فالفعل جائز (تَغْزُنَّ) مثل (هل تَضْرِبُنَّ .. هل تَقُومُنَّ) فالحكم واحد (هل تَضْرِبُنَّ) ضمَمت الباء وحذفت الواو، (هَلْ تَغْزُنَّ) حذفت الواو وضممت ما قبلها (تَغْزو) حذفت الواو حرف العلَّة وجاء نون التوكيد وما قبله الأخير قلنا حرِّكه بالباء إن كان الواو هو الضمير، وحرِّكْه بالكسر إن كان الياء هو الضمير.

إذاً: "فعلت به ما فعلت بالصحيح" هذا كلامه مستقيم هنا يعني: مثله مثل الحكم السابق، ولذلك قلنا هنا:

وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا

جَانَسَ .....................

هذا عامٌّ في الصحيح وفي المعتل، أمَّا المعتل فيجري عليه إعلالٌ قبل التوكيد، فتقول (يا زَيْدُونَ هَلْ تَغْزُنَّ وهل تَرْمُنَّ؟) بضَمِّ ما قبل النون و (يا هِنْدُ هل تَغْزِنَّ وهل تَرْمِنَّ؟) بكسر ما قبل النون هذا إن أُسند إلى الواو والياء فتحذف مع النون الرفع الواو والياء.

ص: 22

وإن أسند إلى الألف لم يحذف آخره وبقيت الألف وشُكِل ما قبلها بحركة تُجانس الألف وهي الفتحة فتقول: هل تَغْزُوانِّ .. هل تَرْمِياَنِّ، هذا واضح. وإن كان آخر الفعل ألفاً فإن رفع الفعل غير الواو والياء كالألف .. ألف التَّثنية والضمير المستتر وبقي عليه الاسم الظاهر، انقلبت الألف التي في آخر الفعل ياء وفُتِحت: اسْعَيَانِّ .. هل تَسْعَيَانِّ، واسْعَيَنَّ يا زَيْدٌ).

وإن رفع واواً أو ياءً حُذِفَت الألف (هل يَخْشَوُنَّ؟) أصله (يخشى) فلما لحقت الواو ساكنةً حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فلما لحقت النون حُرِّكت الواو لالتقاء الساكنين وكانت الحركة ضمَّة لمجانستها مع الواو، وبقيت الفتحة التي كانت قبلها وضُمَّت الواو وكسرت الياء فتقول (يا زَيْدُونَ اخْشَوُنَّ ويا هِنْدُ اخْشَيِنَّ) هذا إن لحقته نون التوكيد وإن لم تلحقه لم تُضَمَّ الواو ولم تكسر الياء بل تسكِّنهما فتقول (يا زَيْدُونْ هل تَخْشَوْنَ) حينئذٍ يكون الفعل مبني على ماذا؟ النون هذه ليست نون التوكيد هذه نون الرفع هو يقول: إذا لم تُؤَكِّد حينئذٍ تكون (تَخْشَوْنَ) مثل (تَفْعَلُوْنْ) ويا هِنْدُ هل تَخْشَيِنَ، ويا زَيْدُونْ اخْشَوا، ويا هند اخْشَىْ.

إذاً خلاصة ما ذكره هنا بقوله: (وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ) يعني هذا استثناءٌ من القاعدة العامة بقوله: (وَآخِرَ المُؤَكَّدِ افْتَحْ) إذاً قد لا يفتح بل يُضَمُّ أو يُكْسَر في أحواله، (وَاشْكُلهُ) الضمير عائد على آخر الفعل يعني: حرِّكْه (قَبْلَ مُضْمَرٍ) قبل ضميرٍ (لَينٍ) هذا عام يشمل الألف ويشمل الواو ويشمل الياء، (بِمَا جَانَسَ) يعني بحركةٍ مجانسةٍ للضمير إن كان واواً فضَمَّة وإن كان ياءً فكسرة وإن كان ألفاً ففتحة (مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا) ممَّا سبق.

وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ إِلَاّ الأَلِفْ ..

يعني تُحَرِّكْه من جنس ذلك الحرف الضمير ثم تحذف الواو وتحذف الياء إلا الألف، وهذا الحكم عام في الصحيح والمعتل، ويستثنى ما كان معتلاًّ بالألف فقال:

وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ أَلِفْ ..

فله حالان:

إمَّا أن يرفع واواً وياء .. يكون مسند إليهما، وإمَّا ألا يكون كذلك، وإن لم يكن كذلك حينئذٍ له ثلاثة أحوال:

إما أن يرفع ألف الاثنين، أو الاسم الظاهر، أو الضمير المستتر، فإن رفع الاسم الظاهر أو المستتر أو ألف الاثنين فاقلب الألف ياءً وحرِّكْها بالفتح ولا إشكال، فإن رفع واواً أو ياءً فحينئذٍ ماذا تصنع؟ الألف تُحذف وتُحَرِّكْ الواو من جنسها والياء من جنسها دفعاً للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لذلك قال:

وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِرِ الفِعْلِ ألِفْ ..

إذاً أين دخل ما كان آخره واو أو ياء؟ في الحكم السابق (وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ) قلنا هذا يشمل الصحيح والمعتلَّ بالواو أو الياء، وأمَّا ما كان آخره ألف فله حالان، قال:(فَاجْعَلهُ مِنْهُ يَاءً)(اجْعَلهُ) يعني: صيِّره (مِنْهُ) من الفعل (يَاءً) متى؟ إن كان رافعاً لغير الياء والواو، واحذفه إن كان رافعاً لهاتين (الواو والياء) احذف الألف، في الأول قال: اقلبه ياءً وهنا قال: احذفه.

وَفِي * * * وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي ..

ص: 23

تُبِع في الواو والياء بعد حذف الألف فيما إذا رفع الألف أو الياء (شَكْلٌ مُجَانِسٌ) للواو (قُفِي) تُبِع، يعني: حرِّك الواو بالضَمَّة و (شَكْلٌ مُجَانِسٌ) للياء (قُفِي) تُبِع يعني: حرِّك الياء بالكسرة، هذا ما يتعلَّق بالاستثناء من قوله (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ).

بقي أبيات خفيفة جداً نمشي عليها.

وَلَمْ تَقَعْ خَفِيفَةٌ بَعْدَ الأَلِفِ

لَكِنْ شَدِيْدَةٌ وَكَسْرُهَا أُلِفْ

يعني ثَمَّ فوارق بين النونين، فهذا شروعٌ من الناظم رحمه الله تعالى في بيان ما تنفرد فيه الخفيفة عن الثقيلة وهو أربعة أحكام:

الحكم الأوَّل: أنَّ الخفيفة لا تقع بعد الألف بخلاف الشَّديدة .. عبَّر عنها بالشَّديدة، (وَلَمْ تَقَعْ) النون (خَفِيْفَةً) وَلَمْ تَقَعْ خَفِيفَةٌ .. وَلَمْ تَقَعْ خَفِيفَةً يجوز في (خَفِيْفَةً) وجهان: الرفع والنصب، إن جعلت (تَقَعْ) مسند إلى ضمير حينئذٍ (خَفِيْفَةً) نصبتها، وإذا جعلت (خَفِيْفَةً) هو الفاعل وهو أحسن حينئذٍ رفعت، (وَلَمْ تَقَعْ) النون (خَفِيْفَةً بَعْدَ الأَلِفْ) صار ضميراً مستتراً، والأولى أن يُجْعَل (خَفِيْفَةٌ) هو الفاعل.

(وَلَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ) يعني نونٌ خفيفةٌ، (بَعْدَ الأَلِفْ) لأنَّه لا يُجْمع في غير الوقف بين ساكنين الأول حرف لَيْن والثاني مُدْغَم، قوله:(بَعْدَ الأَلِفْ) أطلق الناظم هنا الألف يعني: يشمل سواءٌ كانت الألف اسماً بأن كان الفعل مسنداً إليها أو حرفاً بأن كان الفعل مسنداً إلى ظاهر على لغة: (أكَلُونِي الْبَرَاغِيْث) أو كانت التالية لنون الإناث وفاقاً لسيبويه والبصريين فالألف عامَّة.

لا تقع النون .. نون التوكيد الخفيفة بعد الألف مطلقاً سواءٌ كانت الألف فاعل ((تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:89] ما يأتي هنا النون الخفيفة؛ لأنَّهما ساكنان ولا تقع بعد الألف إذا كانت حرف تثنية في لغة: (أكَلُونِي الْبَرَاغِيْث)، ولا تقع بعد الألف الفاصلة بين النونين فيما إذا أُكِّد الفعل المتَّصل بنون الإناث كما سيأتي .. لا بد من فاصلٍ بينهما لكراهة توالي النونات، هذا مذهب سيبويه والبصريين وخلافاً للكوفيين، لأنَّ فيه التقاء ساكنين على غير حدِّه أي على غير طريقه الجائز، لأن الساكن الثاني غير مدغم حينئذٍ يمتنع.

إذاً: وَلَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ بَعْدَ الأَلِفْ ..

مفهوم المخالفة أن الشَّديدة تقع، لأنَّه علَّق النَّفي بالخفيفة، وإذا علَّق النَّفي بالخفيفة فالقسمة ثنائية محصورة تعيَّن الثاني أنَّه يجوز أن يقع بعد الألف فصرَّح بهذا المفهوم.

(لَكِنْ شَدِيدَةٌ) هذا عطفٌ على السابق (لَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ)(لَكِنْ تَقَعْ شَدِيدَةً) يجوز فيه الوجهان، (لَكِنْ تَقَعْ شَدِيدَةٌ) وهذا باتفاق، (وَكَسْرُهَا أُلِفْ) يعني: إذا وقعت النون المثقَّلة كما ذكرناه سابقاً بعد الألف وجب كسرها فتقول: ((وَلا تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:89] بكسر النون تشبيهاً لها بنون الإناث.

ص: 24

(وَكَسْرُهَا) مبتدأ و (أُلِفْ) هذا خبر، (وَكَسْرُهَا) واجبٌ للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لأنَّه على حدِّه إذ الأول حرف لَيْن والثاني مدغم، إذاً الحكم الأول ممَّا تفارق النون الخفيفة الثقيلة: أنها لا تقع بعد الألف مطلقاً، أيُّ ألفٍ كانت بخلاف الشَّديدة، ثُمَّ إذا وقعت الشَّديدة بعد الألف وجب كسرها للتَّخلُّص من التقاء الساكنين وقيل: حملاً على نون المثنَّى.

قال الشارح: لا تقع نون التوكيد الخفيفة بعد الألف فلا تقول (اضْرِبَانْ) بنون مخففة بل يجب التَّشديد كما في قوله: ((وَلا تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:89] فتقول (اضْرِبَانِّ) بالكسر لشبهها بنون المثنَّى. بنونٍ مشدَّدة مكسورة خلافاً ليونس فإنه أجاز وقوع النون الخفيفة بعد الألف ويجب عنده كسرها، وظاهر كلام سيبويه وبه صرَّح الفارسي أن يونس يبقي النون ساكنة يعني: في النَّقل عنه قولان:

جوَّز أن تأتي النون الخفيفة بعد الألف، ثُمَّ هل يُحرِّكها بالكسر أو يبقيها ساكنة؟ قولان في النَّقل عنهم. أن يونس يبقي النون ساكنة ونظر ذلك لقراءة نافع:((مَحْيَايْ)) [الأنعام:162] كما سبق "فتايَ" هذا الأصل، إذاً عند يونس فيه قولان من جهة التحريك، أمَّا في الوقوع فهو جائزٌ عنده أن تقع النون خفيفة بعد الألف، ثُمَّ يجب عنده كسرها (اضْرِبَانِ) بالكسر.

ونقل سيبويه أنَّه يُجَوِّز بقائها على السكون نظراً لقراءة نافع: ((مَحْيَايْ)) [الأنعام:162] يعني جمع بين ياء المتكلِّم هنا والألف كما سبق في المضاف ياء المتكلم.

الحكم الثاني: أنَّ نون التوكيد الخفيفة لا تُؤَكِّد الفعل المسند إلى نون الإناث، وإليه أشار بقوله:

وَأَلِفَاً زِدْ قَبْلَهَا مُؤَكِّدَا

فِعْلاً إِلَى نُونِ الإِنَاثِ أُسْنِدَا

(زِدْ أَلِفاً)(زِدْ) أنت (أَلِفاً) هذا مفعول مُقدَّم (قَبْلَهَا) يعني قبل نون التوكيد حال كونك (مُؤَكِّدَا)، (مُؤَكِّدَا) حالٌ من الفاعل المستتر في (زِدْ) و (قَبْلَهَا) متعلِّقٌ بـ (زِدْ) والضمير يعود على نون التوكيد (مُؤَكِّدَا فِعْلاً)(فِعْلاً) هذا مفعول به لقوله مُؤَكِّدا (مُؤَكِّدَا فِعْلاً)(أُسْنِدَا إلَى نُونِ الإنَاثِ)(أُسْنِدَا) الألف هذه للإطلاق، أُسْنِدَ إلَى نُونِ الإنَاثِ، متعلِّق بـ (أُسْنِدَا) و (أُسْنِدَا) هذا صفةٌ لـ (فِعْلاً)(فِعْلاً) أُسْنِدَا إلَى نُونِ الإنَاثِ لئلَّا تتوالى الأمثال.

قال الشارح: إذا أُكِّد الفعل المسند إلى نون الإناث بنون التوكيد وجب أن يُفْصَل بين نون الإناث ونون التوكيد بألف كراهية توالي الأمثال، إذاً ليُفْصَل بين الأمثال وهي نون الضمير ونون التوكيد، نون الضمير .. نون الإناث ونون التوكيد.

كراهية توالي الأمثال فتقول: (اضْرِبْنَانِّ .. اضْرِبْنَ) هذا نون الإناث (اضْرِبْنَانِّ) الألف هذه زائدة ليست ألف الاثنين .. ليست فاعل وإنَّما هي زائدة فارقة بين الثلاث النونات: نون الإناث ونون التوكيد الثقيلة فَفُصِل بينهما بهذه الألف، إذاً نونٌ مشدَّدة مكسورة قبلها ألف هل يُتَصَوَّر وقوع الخفيفة هنا؟ لا يُتَصَوَّر، لأنَّ الألف هذه ساكنة والنون ساكنة، وقلنا هناك:

وَلَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ بَعْدَ الأَلِفْ ..

ص: 25

قلنا (الأَلِفْ) مطلقاً .. ألف الاثنين الفاعل وحرف التثنية في: أكَلُونِي الْبَرَاغِيْث، والفاصلة بين النونين فالحكم عام إذاً: لا تقع بعد هذه النون.

إذاً نون التوكيد الخفيفة لا يُؤَكَّد بها الفعل المسند إلى نون الإناث البتة، لأنَّه يؤكَّد بالثقيلة فيجب الفصل بين النونين بألفٍ، فإذا فُصِل حينئذٍ يمتنع وقوع الخفيفة بعد الألف.

(وَأَلِفاً زِدْ قَبْلَهَا) قبل نون التوكيد حال كونك (مُؤَكِّدا فِعْلاً أُسْنِدَا إلَى نُونِ الإنَاثِ) لئلا تتوالى الأمثال، وفي جواز الخفيفة هنا هو الخلاف السابق، يونس هنا خالف كما خالف هناك والخلاف خلاف.

الحكم الثالث: أنَّها تحذف قبل الساكن، لأنَّها ساكنة فإذا جاء بعدها حرفٌ ساكن حُذِفت للتَّخلُّص من التقاء الساكنين بخلاف الثقيلة:

وَاحْذِفْ خَفِيفَةً لِسَاكِنٍ رَدِفْ ..

يعني: صار رديفاً لها متأخِّراً عنها، الرديف الَّذي يأتي بعده:{كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ} يعني: راكباً خلفه، إذاً: الرديف ما يكو تابعاً (وَاحْذِفْ) هذا وجوباً (خَفِيفَةً لِسَاكِن) اللام هنا للتَّعليل يعني: لأجل سَاكِنٍ رَدِفْ بعدها .. لكون الساكن رديفاً لها، فالساكن متأخِّرٌ عنها.

أي: تحذف النون الخفيفة وحينئذٍ هل هي مرادة أم لا؟ نقول: نعم مرادة لأمرين:

الأول: أن يليها ساكن ولذلك قال (لِسَاكِنٍ) إذاً هو معلَّل، إذاً الحذف عارض فإذا زال السبب حينئذٍ رجع الأصل إلى ما كان عليه.

والثاني: أن يوقف عليها تاليةً ضمَّة أو كسرة، ولذلك أشار بالشطر الثاني:

لَاتهُيَنَ الفَقِيِرَ عَلَّكَ أَنْ

تَرْكَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ

(لَا تهُيَنَ الفَقِيِرَ) أصله: (لا تُهِينَنْ) بنون التوكيد الخفيفة (أَلْ) التقى ساكنان فحُذِفت النون الأولى، ما الَّذي دلَّنا على أنَّ ثَمَّ نوناً هنا خفيفة حُذِفَت؟ بناء الفعل، لأنَّه لو كان كذلك لقال:(لا تهن) هذه (لا) ناهية و (تهُيَنَ) هذا فعل مضارع مُؤَكَّد بالنون حينئذٍ فُتِح آخره (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) حُذِفت النون للتَّخلُّص من التقاء الساكنين فبقي كما هو (لَا تهُيَنَ الفَقِيِرَ) إذ لو كان معرباً لا مبنيَّاً لقال: (لَا تهُِنَ الفَقِيِرَ) بحذف الياء للتَّخلُّص من التقاء الساكنين ثم يُحَرِّك النون بالكسرة للتَّخلُّص من التقاء الساكنين.

إذاً: (وَاحْذِفْ خَفِيفَةً لِسَاكِنٍ) فهي مرادةٌ معنىً، لأن حذفها هنا لعارض اللفظ وهو التقاء الساكنين (وَاحْذِفْ) لماذا؟ قيل: لأنَّها لمَّا لَمْ تصلح للحركة عُومِلَت معاملة حرف المدِّ فَحُذِفت لالتقاء الساكنين، هي نون ليست بحرف مد لكنَّها لمَّا لم تكن صالحةً للحركة عُومِلت معاملة حرف المد.

وَبَعْدَ غَيرِ فَتْحَةٍ إِذَا تَقِفْ ..

ص: 26

يعني: إذا وُقِف عليها وكانت بعد ضمَّةٍ أو كسرة هذا في السابق قلنا: (هل تَقُومُنَّ .. هل تَضْرِبِنَّ) لو أُكِّدَ بنون التوكيد الخفيفة فقيل: هَلْ تَضْرِبُنْ، حينئذٍ إذا وقفت عليها -في الوقف- وكان ما قبلها ضمَّة حذفتها، وإذا حذفتها حينئذٍ يرجع المحذوف من أجلها فتقول: هَلْ تَضْرِبُوا، بإرجاع الواو، هَلْ تَضْرِبِي، بإرجاع الياء، لماذا؟ لأن الياء حُذِفت لأجل التَّخلُّص من التقاء الساكنين النون والياء فحُذِفت الياء، كذلك (هَلْ تَضْرِبُوا) نقول هنا حُذِفت الواو للتَّخلُّص من التقاء الساكنين.

وَبَعْدَ غَيرِ فَتْحَةٍ إِذَا تَقِفْ ..

(وَبَعْدَ) هذا متعلِّق بقوله: (احْذِفْ بَعْدَ غَيرِ فَتْحَةٍ) ما هو غير الفتحة؟ الضَمَّة والكسرة يعني: إذا وقعت نون التوكيد الخفيفة بعد ضَمَّةٍ وذلك إذا أُسنِد الفعل إلى واو الجماعة، أو بعد كسرةٍ وذلك إذا أُسنِد الفعل إلى ياء المؤنَّثة المخاطبة، الحكم السابق قلنا إذا أُسنِد حذفت الواو والياء، ونُحرِّك آخر الفعل بالضَمَّة وبالكسرة، حينئذٍ قال:

وَبَعْدَ غَيرِ فَتْحَةٍ إِذَا تَقِفْ ..

إذا وُقِف عليها وكانت بعد ضمَّةٍ أو كسرة تقول (يا هَؤلاء اخْرُجُوا ويا هَذِه اخْرُجِيْ) يعني: تحذف النون الخفيفة وتأتي بالمحذوف لأجلها يعني: ما حُذِف لأجلها يرجع.

ولذلك قال -وهذا الحكم الرابع-: أنَّها تُعْطَى في الوقف حكم التنوين:

وَارْدُدْ إِذَا حَذَفْتَهَا فِي الوَقْفِ مَا

مِنْ أَجْلِهَا فِي الوَصْلِ كَانَ عُدِمَا

هذا تابع للبيت السابق .. تابع لقوله:

وَبَعْدَ غَيرِ فَتْحَةٍ إِذَا تَقِفْ ..

الحكم الذي هو يُعامل معاملة التنوين كقوله:

وَأَبْدِلَنْهَا بَعْدَ فَتْحٍ أَلِفَا ..

(وَارْدُدْ) هذا فعل أمر (إِذَا) متعلِّق بـ (ارْدُدْ) إذا حذفتها عند الوقف (ارْدُدْ فِي الوَقْفِ "مَا" أي الَّذي مِنْ أَجْلِهَا كَانَ عُدِمَا فِي الوَصْلِ) يعني ما عُدِم في الوصل من أجلها للتَّخلُّّص من التقاء الساكنين رُدَّه حالة الوقف لزوال الموجب لحذف ذلك المحذوف، لأنَّنا حذفنا الواو للتَّخلُّص من التقاء الساكنين فالنون موجودة، طيب! النون حذفناها عند الوقف إذاً ما الموجب لحذف الياء؟ إذاً ترجع إلى ما كانت عليه.

(وَارْدُدْ) تقدير البيت: ارْدُدْ فِي الوَقْفِ إذَا حذَفْتَ النون الشيء الذي عُدِم من أجلها في الوصل. (وَارْدُدْ إِذَا) قُلنا: (إِذَا) هذا مُتعلِّق بقوله: (ارْدُدْ) و (إِذَا حَذَفْتَهَا) يعني: النون (فِي الوَقْفِ) هذا مُتعلِّق بقوله: (حَذَفْتَهَا)(فِي الوَقْفِ)(مَا) اسم موصولٌ بمعنى الذي: وهذا مفعول ارْدُدْ .. ارْدُدْ مَا وهي موصولة واقعة على الواو والياء المحذوفتين لأجل النون، إذاً نُفَسِّر (مَا) هنا الموصولة بالواو والياء، لأنَّه ما حُذِف من أجلها إلا الواو والياء، إذاً رُدَّه عند الوقف.

(مِنْ أَجْلِهَا) هذا مُتعلِّق بقوله: (عُدِمَا)، (فِي الوَصْلِ) كذلك مُتعلِّق بقوله:(عُدِمَا) إذاً: تقدير الكلام: مَا كَانَ عُدِمَا مِنْ أَجْلِهَا فِي الوَصْلِ، وألف (عُدِمَا) للإطلاق.

ص: 27

إذاً البيت: وَارْدُدْ إذَا حَذَفْتَ النون فِي الوَقْفِ الواو والياء اللذان كَانَ عُدِمَا مِنْ أَجْلِهَا فِي الوَصْلِ (عُدِمَا) هذا يحتمل أن المراد به ألف الاثنين، لأن (مَا) مصدقها الواو والياء وهذا لا بأس به.

وَأَبْدِلَنْهَا بَعْدَ فَتْحٍ أَلِفَا ..

هذا الحكم الرابع: أنَّها تُعْطَى في الوقف حكم التنوين، التنوين: اضْرِبْ زَيْدَا .. رأيت زَيْدَا، زَيْدَا قُلبَت النون الساكنة وهي التنوين قُلِبت ألفاً في الوقف وهذا في حالة النصب، هنا كذلك في الوقف دائماً يَمر علينا (اعْلَمَا) قلنا هذه الألف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة، هو هذا البيت وهذا الذي عناه (اجْعَلا .. احْظُلا) يعني: اجْعَلَنْ .. احْظُلَنْ، النون في حال الوقف تقلب ألفاً.

(وَأَبْدِلَنْهَا) يعني نون التوكيد الخفيفة (الهاء) هنا الضمير يعود على نون التوكيد الخفيفة، (وَأَبْدِلَنْ) فعل أمر مُؤَكَّد بالنون الخفيفة وهو مبني على الفت، (أَبْدِلَنْهَا) متى؟ قال:(بَعْدَ فَتْحٍ) هذا متعلِّق بقوله (أَبْدِلَنْهَا)(أَلِفَاً) هذا مفعول (أَبْدِل)، متى؟ قال:(وَقْفاً) ليس مطلقاً (وَقْفاً) هذا مصدر في موضع الحال يعني: واقفاً، وذلك لشَبَهِها بالتنوين .. أشبهت التنوين فعُومِلت مُعامَلة التنوين في الوقف، (وَقْفاً) أي في حال كونك واقفاً.

(كَمَا تَقُولُ فِي قِفَاً قِفَا):

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى ..

(قِفَا) أي (قِفَاً) هنا أجرى الموقوف مُجْرى الموصول (كَمَا تَقُولُ فِي قِفَاً قِفَا) ومنه: (لَنَسْفَعاً) .. لَنَسْفَعا .. لَيَكُونَنْ .. لَيَكُونَا، تقلب النون ألفاً وتقف عليه كما تقف على التنوين. يعني: إذا وقعت النون الخفيفة بعد فتحةٍ ووقفت عليها أُبْدِلت ألفاً نحو: اضْرِبَنْ .. اضْرِبَا .. لَنَسْفَعاً .. لَنَسْفَعا.

قال الشَّارح هنا: إذا ولىَّ الفعل المُؤَكَّدَ بالنون الخفيفة ساكن وجب حذف النون لالتقاء الساكنين فتقول: اضْرِبَ الرَّجُلَ، بفتح الباء، لو قال: اضْرِبِ الرَّجُلَ، ليس عندنا نون بل هو فعل مبني على السكون وحُرِّكَ بالكسر للتَّخلُّص من التقاء الساكنين مثل ((قُمِ اللَّيْلَ)) [المزمل:2] أمَّا لمَّا قال (اضْرِبَ الرَّجُلَ) علمنا أنَّ هذه الفتحة فتحة بناء.

والأصل (اضْرِبَنْ) فَحُذِفَتْ نون التوكيد لملاقاة الساكن وهو لام التعريف ومنه قوله (لَاتُهِينَ الفَقِيرَ) وكذلك تُحْذَف نون التوكيد الخفيفة في الوقف إذا وقعت بعد غير فتحةٍ أي بعد ضمة أو كسرة، حينئذٍ إذا وقِف عليها كذلك يُردُّ ما كان حُذِف لأجل نون التوكيد فتقول: اضْرِبُنْ يا زَيْدُونْ .. اضْرِبُنْ، بضم الباء، لأنَّ أصله:(اضْرِبُونْ) حُذِفت الواو للتَّخلُّص من التقاء الساكنين.

إذا وقفت على الفعل (اضْرِبُوا) بإرجاع الواو الفاعل، وفي: اضْرِبِنْ يا هِنْدُ .. اضْرِبِي، بإرجاع الياء، فتُحذف نون التوكيد الخفيفة للوقف وتُرَدُّ الواو التي حذفت لأجل نون التوكيد وكذلك الياء فإن وقعت نون التوكيد الخفيفة بعد فتحة أُبْدِلَتْ النون في الوقف أيضاً ألفاً فتقول في: اضْرِبَنْ يا زَيْدُ .. اضْرِبَا، إذا وقفت عليه، وهذا بخلاف نون التوكيد الثقيلة.

ص: 28

إذاً: أربعة أحكام تخالف النون الخفيفة النون الثقيلة:

الأوَّل: أنَّها لا تقع بعد الألف بخلاف الشَّديدة .. الثقيلة.

ثانياً: لا يُؤَكَّد الفعل المسند إلى نون الإناث بها البتَّة، لأنَّها تَلي ألفاً.

ثالثاً: أنَّها تُحْذَف قبل ساكن.

رابعاً: تُعْطَى في الوقف حكم التنوين.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 29