المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (إعراب الفعل) والأصل في الأفعال * رفع - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ١٠٩

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (إعراب الفعل) والأصل في الأفعال * رفع

‌عناصر الدرس

* شرح الترجمة (إعراب الفعل) والأصل في الأفعال

* رفع المضارع وعامله

* ينصب المضارع بـ (لن) ــ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وَالصَّلاة وَالسَّلامَ عَلَى نَبِيَّنَا مُحَمَّد، وَعَلى آله وَصَحْبِه أَجْمَعِين، أمَّا بعد:

قال النَّاظِم رحمه الله تعالى: (إِعْرَابُ الْفِعْلِ) أي: هذا بابٌ مُتَعلِّق بإعراب الفعل.

بعدما أنْهى ما يَتَعلَّق بالأسماء المصروفة وغير المصروفة، شرع في الفعل المعرب، وهو الفعل المضارع، وقد أشار فيما سبق إلى أنَّه مُعرَب، وقد اختلف البصريون والكوفيون في الأصل في الأفعال: هل هي مُعرَبة أو مَبنِيَّة؟ والذي عليه مذهب البصريين: أنَّ الفعل مبني، هذا الأصل فيه، ولذلك ما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، وأن الأصل في الأسماء الإعراب.

والكوفيون يرون أن الأصل في الاسم والفعل الإعراب مَعاً، حِينئذٍ ما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، كما سبق في بيان الاسم:

وَالاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي

لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي

حِينئذٍ ما جاء مُعرَباً من الأسماء لا يُسأل عنه، وما جاء مَبنيَّاً فيُقال: لم بُنِي؟ حِينئذٍ لا بُدَّ من بحث عن عِلَّةٍ، وقد سبق بيان العلل في باب المعرب والمبني، وسبق قوله:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا

مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ

نُونِ إِنَاثٍ. . . . . . . . . . .

حِينئذٍ حكم بكون الفعل المضارع مُعْرَب، وهذا على خلاف الأصل، إذْ الأصل في الفعل: أنَّه مبني، هذا عند البصريين، حِينئذٍ الفعل الماضي لا يُسأل عنه، لأنَّه وافق الأصل، وما جاء على الأصل لا يقال: لم بُنِي؟ كذلك فعل الأمر على مذهب البصريين مبني، وحِينئذٍ لا يُسأل عنه؛ لأنَّه جاء على الأصل، فلا يُقال: لم بُنِي فعل الأمر؟

وأمَّا على مذهب الكوفيين فالأصل عندهم الإعراب، والفعل -فعل الأمر- مُعرَبٌ عندهم، والفعل المضارع مُعرَبٌ عندهم، إذاً: لا يُسأل عن عِلَّة إعراب فعل الأمر ولا المضارع، لأنَّه وافق الأصل، وإنَّمَا يُسأل عن عِلَّة بناء الفعل الماضي، فيُقال: لم بُنِي الفعل الماضي؟

إذاً: باختلاف الأصلين حِينئذٍ يأتي التَّعلِيل، باختلاف الأصلين: الأصل في الفعل هل هو مُعرَبٌ أو مبني؟ يأتي التَّعلِيل، فعلى مذهب الكوفيين لا نَحتاج أن نقول: لم أُعرب الفعل المضارع؟ لأنَّه جاء على الأصل، وما جاء على الأصل لا يُسْأل عنه، وأمَّا على مذهب البصريين فالأصل في الفعل أنَّه مبني، فحِينئذٍ إذا أُعْرِب الفعل المضارع نقول: لم أعرب الفعل المضارع؟

هنا قال: (إِعْرَابُ الْفِعْلِ) وأطلق الفعل، والمُراد به: الفعل المضارع، لماذا؟ لأنَّه لا مُعرَب عِنْد البصريين إلا الفعل المضارع، بشرط خُلوِّه من النونين، يعني: ألا تَتَّصِل به نون الإناث، وألا تَتَّصِل به نون التوكيد، وتكون مُباشِرةً للفعل، وحِينئذٍ الفعل قد يكون مُعرَباً، وقد يكون مُبنيَّاً، يكون مَبنيَّاً في حالين: وذلك إذا اتَّصَلَت به نون الإناث، أو نون التوكيد المباشرة، ولذلك سبق:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا

مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ

نُونِ إِنَاثٍ كَيَرُعْنَ مَنْ فُتِنْ

إذا لم تَتَّصِل به نون الإناث، ولا نون التوكيد، حِينئذٍ حكمنا عليه بكونه مُعرَباً.

وما عِلَّة الإعراب؟ عند البصريين أنَّ عِلَّة الإعراب مُشابَهتُه للاسم، لذلك سُمِّي: مضارعاً، من المضارعة وهي المُشابَهة، كما إذا ارتضعا من ثديٍ واحد .. هكذا قيل، فالمضارعة في اللغة: هي المُشابَهة، حِينئذٍ ما وجه المُشابَهَة بين الفعل المضارع والاسم؟

عند جمهور البصريين عُلِّلَ بخمسة أمور .. وجوه المُشابهة بين الفعل المضارع والاسم من خمسة أوجه:

الأول: وقوع الفعل المضارع موقع الاسم في كثير من المواقع، فيقع خَبَراً، وصِفةً، وصِلَةً، وحالاً، يعني: هذه المحال -الخبر والصفة والصلة والحال- قد يقع في المحل ما هو اسم، وقد يقع في المحل ما هو فعلٌ مضارع، إذاً أشْبَهَه فيُقَال: زيدٌ قائمٌ .. زيدٌ يقوم، جاء الاسم خَبَراً وجاء فعلاً، وكذلك الصفة: مررت بِرجلٍ ضاحكٍ، ومررت برجلٍ يضحك، إذاً: جاءت الصِّفَة فعلاً، وجاءت اسْماً.

ص: 1

كذلك صِلَة: جاء الذي يقوم أبوه .. جاء القائم، وقع (القائم) هنا صِلَة، أو يكون جزءً مع غيره في الجملة الاسْميَّة: جاء الذي أبوه قائمٌ، (أبوه قائمٌ) نقول: هذا اسمٌ، وهو مركبٌ من اسمين، إذاً: جملة اسْميَّة، إذاً: وقع الفعل المضارع موقع الاسم: جاء القائم ونحوه.

وحالاً كذلك إذا قلت: جاء زيدٌ ضاحكاً، وجاء زيدٌ يضحك، إذاً: مواضع في المَحَال يرد الاسم ويرد فيها الفعل المضارع، إذاً: أشبه الفعل المضارع الاسم في وقوعه في مَحلٍّ من هذه المَحَال الأربعة.

الثاني: أن الفعل يحتاج إلى الإعراب لتمييز المعاني كالاسم، ولذلك سبق في أول باب المعرب والمبني، أنَّ الاسم إنَّما أُعرِب .. وإن كان لا يحتاج إلى تعليل، لأنَّه وافق الأصل، وما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، حِينئذٍ قيل: أنَّ الاسم إنَّمَا أُعرِب لتوارد المعاني عليه، قالوا: المعاني لا يُميِّزُها إلا الإعراب .. المعاني المختلفة لا تَتَميَّز إلا بالإعراب.

وذكرنا المثال المشهور عندهم، وهو: ما أحْسنُ زَيدٍ .. ما أحْسنَ زَيداً .. ما أحْسنَ زَيدٌ، هذه الجملة واحدة وهي اسْميَّة، ومُحتمِلَة لِعدَّة معاني: ما أحْسنَ زَيداً! هذا التَّعجُّب، ما أحْسنُ زَيدٍ؟ هذا الاستفهام، ما أحْسنَ زيدٌ هذا نَفيٌ، ما الذي مَيَّزَ الاستفهام عن النَّفِي عن التَّعجُّب؟ هو الحركات الإعرابية.

الفعل المضارع أشبه الاسم في هذين النوعين، قد تعتريه معاني مُختلفة لا يُمَيِّزها إلا الإعراب، والمثال المشهور: لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ اللبن، لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ وتَشْربِ وتَشْربُ، إذاً: يَحتمل عِدَّة معاني.

لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ، يعني: لا تأكل مع شربك، حِينئذٍ الواو هنا واو المَعيَّة، و (تَشْربَ) فعل مضارع منصوب بـ:(أنْ) مضمرة وجوباً بعد الواو، وحِينئذٍ يكون النَّهي عن الجمع بينهما، وأمَّا عن الإفراد فأنت وشأنك.

لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربِ اللبن، كلٌ منهما منهي عنه سواءٌ كانا اجتمعا أو انفردا، فإذا قيل: تَشْربِ، حِينئذٍ صارت الواو عاطفة كأنَّه قال: ولا تَشْربِ اللبن، فهو معطوفٌ على سابقه، والمعطوف على المَجزُوم مجزوم.

لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربُ، بالرَّفْع هذا نَهيٌ عن الأول وإباحة الثاني، إذاً: هذه معاني مُختلفة: النَّهْي عنهما مَعاً .. النَّهْي عن كل واحدٍ منهما .. النهي عن الأول وإباحة الثاني، هذا معاني مُختلِفة الذي مَيَّزَها هو الإعراب، إذاً كما في قولك: ما أحْسنَ زَيدٌ .. ما أحْسنَ زيداً .. ما أحْسنُ زيدٍ، كذلك تقول: لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربُ وتَشْربَ وتَشْربِ اللبن.

حِينئذٍ صار في الفعل ما هو في الاسم، لكن ثَمَّ فرقٌ بين هذين النوعين: أن الاسم لا يُميِّز هذه المعاني إلا الإعراب فقط، ولذلك جُعِل أصلاً فيه، لا يُميِّز هذه المعاني إلا الإعراب، لكن لك مَمدُوحة وهو أن تعدل عن الإعراب، وتأتي بالاسم الصَّرِيح: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولك شُربُ اللبن، جئت بالاسم الصريح، لا تحتاج (وتَشْربُ) .. لا يَتَعيَّن، وإنَّما تقول: ولك شُربُ اللبن.

لا تَأكُلِ السَّمَكَ وأنْ تَشْربَ اللبن .. ولك أن تَشربَ اللبن، فتأتي بـ:(أنْ)، أو مع شرب اللبن، إذا أردنا المَعيَّة: لا تَأكُلِ السَّمَكَ مع شُربِ اللبن، حِينئذٍ جئت بالمَعيَّة، وكذلك إذا أردت النَّهي عن كُلِّ واحدٍ منهما: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولا .. تُصَرِّح بـ: (لا) النَّاهيَة في الثاني.

إذاً: يُمكن الاستغناء عن الإعراب بالتَّصرِيح بالاسم في المَعيَّة، فتقول: لا تَأكُل السَّمَكَ مع شُربِ اللبن، وفي النَّهْي عن كُلِّ واحدٍ منهما تُظهر (لا) في الموضعين: لا تَأكلِ السَّمَكَ ولا تَشربِ اللبن، وكذلك تأتي في المندوحة الثاني .. الإباحة: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولك شُربُ اللبن.

إذاً: بَيَّنَ غيرُ الإعراب المعاني، ولذلك جُعِلَ فرعاً فيه ولم يُجعَل أصلاً.

ص: 2

الثالث: أنَّ الفعل المضارع أشبه الاسم في الإبهام والتَّخصِيص، الاسم قد يكون مُبهَماً فيحتاج إلى مُخَصِّصْ، إذا قيل: جَاء رَجلٌ، هذا مبهم، هل هو صالح .. هل هو طالح؟ حِينئذٍ إذا قلت: جاء رجلٌ صالحٌ، خَصَّصْتَه بالصِّفَة، كذلك تقول: جاء غلام زيدٍ خَصَّصْتَه بالإضافة، إذاً: هو مبهم فيحتاج إلى التخصيص ويقبل التَّخْصِيص، كذلك الفعل المضارع يكون مبهماً ويحتاج إلى التخصيص، فتقول: زَيدٌ يُصلي، هذا يَحتمل أنَّه الآن وفي المستقبل، إذا قلت: زيدٌ سيصلي .. سوف يصلي .. لن يصلي، حِينئذٍ تَعيَّنَ أن يكون الفعل المضارع من حيث الزمن المراد به المستقبل.

إذاً: الفعل المضارع يَحتمل، ويَحتمل الاستقبال، ويحتاج إلى تخصيص وهذا إبهام، هذا على مذهب الجمهور، وإلا الصَّحِيح أنَّه لا يَحتمل إلا الحال فقط .. لا يُحمَل على الاستقبال إلا بقرينة، يعني: إذا أُطلق ينصرف إلى الحال .. إذا أُطلق عن قَيدٍ يَدلُّ على الاستقبال حملناه على الحال، وإذا قُيِّد حِينئذٍ بقيده، وهذا شأن المجاز فهو حقيقة في الحال مَجازٌ في المستقبل.

إذاً: أشبه الفعل المضارع الاسم في كونه يقبل الإبهام والتَّخْصِيص، كلٌ منهما يكون مُبْهَماً فيُخَصَّص.

الرابع: دخول لام الابتداء على الفعل المضارع كما تدخل على الاسم، وهذه اللام لا تدخل على الماضي كما سبق: لَضَرب .. لَرَضي، لا يصح، وإنَّما إذا دخلت عليه (قد) قَرَّبَته إلى المضارع فحِينئذٍ صَحَّ. على كُلٍّ: لا تدخل على فعل الأمر، ولا تدخل على الفعل الماضي، وإنَّما تَختصُّ بالفعل المضارع مباشرةَ: إن زيداً ليضرب عمراً، حِينئذٍ نقول: هذه اللام لام الابتداء، إن زيداً لضاربٌ عمراً، إذاً: دخلت لام الابتداء على الفعل المضارع.

ولن تدخل على الماضي ولا الأمر، ودخلت على المضارع وعلى اسم الفاعل، فَدلَّ على أنَّ كُلاً منهما بِمنْزِلة واحدة.

الخامس والأخير: جريان الفعل المضارع واسم الفاعل معاً في الحَرَكات والسَّكَنات وعدد الحروف، هذا سبق معنا مراراً: يضرب .. ضارب، عدد الحروف هنا والحركات والسَّكَنَات مُتشابِهة، فالأول مُحرَّك في (يضرب) و (ضارب)، والثاني ساكن في (يَضْـ) و (ضَاْ)، والثالث مُتحَرِّك، والرابع على حسب حركة الإعراب، فلا مدخل له معنا.

حِينئذٍ نقول: المُراد هنا مُطلق الحركة، والمُراد به الوزن الأصلي لا الفرع، ليدخل معنا:(يقول) و (قائل)، يقول (يَقُـ) الثاني مُتحرِّك، و (قائل) الثاني ساكن، إذاً: هل جرى المضارع على حركات وسكنات اسم الفاعل؟ نقول: نعم جرى، لأنَّ (يَقُوْل) فرع وليس بأصل، والأصل (يَقْوُلُ) القاف ساكنة، لأنَّه على وزن (يَفْعُل) إذاً: العين مُتحرِّكَة، استُثْقِلَت الضَّمَّة على الواو، فنقلت إلى ما قبلها:(يَقُوْ .. ) الواو ثقيلة لأنَّها عبارة عن ضَمَّتين، فإذا حُرِّكَت بالضَّمِّ، حِينئذٍ اجتمع ثِقَل على ثِقَل، فنقلت القاف إلى ما قبلها وهو القاف، وساكنة ولو كانت مُتحرِّكَة لأُزِيلَت، حِينئذٍ نقول: هذا إعلالٌ بالنَّقْل.

إذاً: لا يُعتَرض على جريان حركة المضارع مع اسم الفاعل في مثل (يَقُوْل)، لأنَّ (يَقُوْل) القاف هذه في الأصل ساكنة، فهي موازِنة لـ:(ضارب)، (يَبِيْعُ) كذلك، الأصل (يَبْيِعُ) .. (يَفْعِل) بَاعَ يَبِيْع هذا الأصل، حِينئذٍ (يَبْيِعُ) نقول: الأصل أنَّ الباء ساكنة، وهي مقابلة لـ:(بَائِع).

إذاً: الفعل المضارع يجري في حركاته وسكناته، والمراد الحركات: مُطلق الحركة، لا عين الحركة: فتحة .. فتحة، ضمة .. ضمة لا، المُراد أنَّ الأول مُتحَرِّك سواء حُرِّكَ بِفتحٍ أو بِضمٍّ أو كَسرٍ، والأول الفاء مُتَحرِّك من اسم الفاعل مُطلقاً، فيُقَابِل حِينئذٍ الضَّم بالفَتْح، والفتح بالضَّم، والكسر بالفتح .. وهَلُمَّ جَرَّا.

إذاً: شابه الفعلُ المضارع الاسمَ في هذه الوجوه الخمسة، حِينئذٍ القاعدة السابقة التي معنا، وهي: أنَّه إذا أشبه الشيءُ الشيءَ أخذ حكمه، بشرط أن يكون وجه المشابهة بينهما قوياً، وحكمُ الاسم الإعراب فانتقل إلى الفعل، فلذلك أُعرِبَ الفعل المضارع، لماذا؟ لكونه أشبه الاسم في هذه الوجوه الخمسة، ما هو حكم الاسم؟ الإعراب، إذاً: يعطى الفعل المضارع الإعراب لكونه شابه الاسم، لأنَّ القاعدة: أنَّ الشيء إذا أشبه الشيء أخذ حكمه، وهذه قاعدة مُطَّرِدة عند العرب.

ص: 3

هذا المشهور عند النُّحَاة، ولكن ابن مالك لم يرتضِ هذه الوجوه الخمسة كلها، وأجاب عنها واحداً تلو الآخر، وأحال على الثاني: وهو أنَّ الفعل المضارع إنَّما أشبه الاسم وأخذ حكمه وهو الإعراب؛ في كونه تعتريه معانٍ مُختلفة تَتَميَّز بالإعراب.

حِينئذٍ لَمَّا كان الفعل تتوارد عليه معانٍ مُختلفة تَتَميَّز بالإعراب أشبه الاسم فَأخَذَ حكمه، ولكون الإعراب أصلاً في الأسماء فرعاً في الأفعال، ولم تكن المُشابَهة مُطْلقَة تَامَّة من كل وجه، وإنَّمَا في مُطلق المُشابَهة صار الإعراب أصلاً في الأسماء فرعاً في الأفعال، يعني: الفعل المضارع.

ووجه ذلك: أنَّ -ما ذكرناه سابقاً- أنَّ اعتوار المعاني على الفعل المضارع هذا صحيح، وهو مقتضٍ للإعراب، إذاً: أُعْرِبَ لتوارد المعاني، لكن لا نَجعَلُه أصلاً فيه، لماذا؟ لأنَّ هذه المعاني ليست كالاسم، يعني: لا يُمَيِّزُها إلا الإعراب، ولكونها تَتَميَّز بغير الإعراب فالتَّصرِيح بالاسم، أو الحرف، أو النَّاصِب، أو الجازم، لإمكان هذا التَّصرِيح جعلناه فرعاً في الفعل المضارع لا أصلاً.

إذاً: المشهور عند النُّحَاة هو التَّعلِيل لِمَا ذكرناه من الوجوه الخمسة، وعند ابن مالك رحمه الله تعالى، أنَّه خاصٌّ بالمعاني المُعْتَوِرَة على الفعل المضارع المختلفة التي يُمَيِّزهَا الإعراب، إذاً: اتفقوا على أنَّ الفعل المضارع معرب، هذا الاتفاق بين البصريين والكوفيين.

أمَّا الكوفيون فالأصل عندهم في الفعل الإعراب فلا يُسأل عن عِلَّته، وأمَّا البصريون فقالوا: إنَّ علة إعراب الفعل المضارع مُشابَهته للاسم في عِدَّة وجوه، والشيء إذا أشبه الشيء شبهاً قوياً أَخَذَ حكمه، ووجوه الشَّبَه ما ذَكرنَاه سابقاً.

الفعل المضارع قد يكون مرفوعاً، وقد يكون منصوباً، وقد يكون مَجزوماً، لأنَّ الإعراب يُقَابِل البناء، وسبق بيان البناء في باب المُعرَب والمبني، وذكره استطراداً في نوني التوكيد:

وَآخِرَ الْمُؤَكَّدِ افْتَحْ كَابْرُزَا ..

حِينئذٍ نقول: بقي علينا الإعراب وهو ثلاثة أنواع:

- إمَّا أن يكون مرفوعاً.

- وإمَّا أن يكون منصوباً.

- وإمَّا أن يكون مجزوماً.

وبدأ بحالة الرَّفْع، لأنَّه لا يحتاج إلى مزيد شرحٍ، ثُمَّ ثَنَّى بالنصب، ثُمَّ ثَلثَّ ببابٍ خاص وهو الجوازم، فقال:

ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ

مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ

(ارْفَعْ مُضَارِعاً) .. (ارْفَعْ) فعل أمر، و (مُضَارِعاً) هذا مفعولٌ به، لَكنَّه لِموصوفٍ محذوف، أي: ارفع فعلاً مضارعاً، (إِذَا يُجَرَّدُ * مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ) إذا تَجرَّد وتَعرَّى عن الناصب والجازم، يعني: إذا لم يَتَقدَّم عليه عاملٌ لفظي، لأنَّ العامل كما سبق نوعان: عاملٌ لفظي، وعاملٌ معنوي، (العامل اللفظي): ما للسان فيه حَظٌّ، و (العامل المعنوي): ما ليس للسان فيه حَظٌّ.

والذي يُتَصوَّر في الفعل المضارع إمَّا أن يكون منصوباً، وإمَّا أن يكون مجزوماً، وإمَّا أن يكون مرفوعاً، والنَّاصِب مُعيَّن ملفوظ، والجازم مُعيَّن ملفوظ، لأنَّه يظهر: لن يقوم .. لم يقم، إذاً: كُلٌّ منهما ظاهر، إذا انْتفَى هذا أو ذاك تَعيَّنَ الأول وهو الرَّفْع، وهذا كالشأن في الحرف مع الاسم والفعل من حيث العلامات.

نقول: علامة الحرف ما لا يقبل علامة الاسم ولا الفعل .. ما لا يصلح له دليل الاسم ولا دليل الفعل، فحِينئذٍ نَحكم على الحرف بكونه حرفاً إذا لم يَصلُح أن يدخل عليه علامة الاسم، ولا علامة الفعل، هنا إذا لم نجد قبل الفعل علامة النَّصْب الذي هو أداة النَّصْب، أو أداة الجزم، حكمنا عليه بكونه مرفوعاً.

أجمع النَّحوِيُون على أنَّ الفعل المضارع إذا تَجرَّد من النَّاصِب والجازم كان مرفوعاً، يعني: يُرفع إمَّا بحركة، وإمَّا بِحرفٍ .. إمَّا بِحركة ظاهرة أو مُقدَّرَة، أو بحرفٍ ظاهرٍ أو مُقدَّر.

وقد ورد المضارع غير مسبوقٍ ظاهراً بناصبٍ ولا جازم، وهو مجزوم، لَكنَّه يُعتبَر شاذاً:

مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ..

(مُحَمَّدٌ تَفْدِ) تَفْدِي، (تَفْدِ نَفْسَكَ) هنا جزَمَه، وليس ثَمَّ جازم، بل هنا تَجرَّد عن النَّاصِب والجازم وقد جزمه.

مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تَبَالَا

ونظيره قول امرئ القيس:

ص: 4

فَاليْومَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ

إِثْمَاً مِنَ اللَّهِ وَلَا وَاغِلِ

وقيل: البيتان ضرورة، (مُحَمَّدٌ تَفْدِ) هذا ضرورة، (فَاليْومَ أَشْرَبْ) .. (أَشْرَبْ) سَكَّنَه، ولم يَقُل: لم أشرب، هذا ضرورة .. قيل: البيتان ضرورة، وقيل: الأول على تقدير اللام: (مُحمَّدُ لِتفْدِ نَفْسَك) .. (لِتفْدِ) واللام جازم، الأولى أن يُقَال: بأنه ضرورة؛ لأنَّ الحرف لا يعمل محذوفاً، أو نقول: حَذَفَه شُذُوذاً .. أعْمَلَه بعد حذفه شذوذاً، هذا أو ذاك.

وأمَّا الثاني: (اليْومَ أَشْرَبْ) فإنَّ الرواية الصحيحة فيه: (فاليوم أُسْقَى) بالبناء للمجهول، و (أُسْقَى) هذا فعل مضارع مرفوع ورفعه ضَمَّة مُقدَّرة على آخره، إذاً: اتَّفَقَ النُّحَاة على أنَّ الفعل إذا تَجرَّد عن النَّاصِب والجازم كان مرفوعاً، وما ورد من كونه مُجرَّداً عن النَّاصِب والجازم وهو مجزوم حِينئذٍ إمَّا أنَّه ضرورة، وإمَّا أنَّه شاذ، وإمَّا أنَّه مُؤوَّل .. يُخَرَّج، أمَّا أنَّه يُجْعَل قاعدة ويُستثنى منه فالأمر ليس كذلك.

ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ ..

(ارْفَعْ) يعني: يجب رفع المضارع حِينئذٍ (إِذَا يُجَرَّدُ)، والمراد (إِذَا يُجَرَّدُ) يعني: إذا لم يَتَقدَّمه ناصب ولا جازم، هذا المُراد بالتَّجْرِيد، وهذا هو العامل المعنوي الثاني والصَّحِيح، هنا لا عامل معنوي، الأصل عند النُّحَاة: ألا يُعلَّقَ الحكم بالعامل المعنوي لأنَّه ضعيف، فالأصل أن يكون العامل لفظياً.

حِينئذٍ لأنَّ الخطاب هنا والكلام والبحث إنَّمَا هو الملفوظات: (الكلام: هو اللفظ المُرَكَّبُ المُفِيدُ بِالوَضع) حِينئذٍ نقول: الأصل تعليق الحكم بما هو ملفوظٌ به، وأمَّا إذا تَعَسَّرَ علينا ذلك، ولم نَتمَكْن إلا من أن نَجْعَل العامل إلا معنوياً حكَمْنا به، ولذلك قيل: العوامل المعنوية كثيرة، منها قيل: التَّبَعِيَّة، وقيل: التَّوَهُّم، وقيل: المجاورة، وقيل: الطَّلَب كما في الجزم.

حِينئذٍ نقول: هذه كلها ادُّعِي أنَّها عوامل، ولا يصح منها إلا اثنان، والثالث مُحتَمِل، الاثنان هما: الابتداء في باب المبتدأ .. أنَّه مرفوع بالابتداء، والثاني: التَّجَرُّد وهو هنا – وهذا صحيح .. كلاهما صحيحان – بل هما المرجَّحَان، والثاني الذي هو التَّجَرُّد هنا كما سيأتي .. كونه مُجَرَّداً عن عاملٍ لفظيٍ يقتضي النَّصْب، وعَاملٍ لفظي يقتضي الجزم، حِينئذٍ حكمنا عليه بكونه مرفوعاً، والعامل فيه التَّجَرُّد.

كونه لم يَتَقدَّم عليه ناصب ولا جازم .. هذا عدَم، إذاً: ليس لشيء، هذا الأصل كما سيأتي، حِينئذٍ نقول: هذان عاملان معنويان، وهما صحيحان.

بقي عامل ثالث وهو مُحتمِل وهو جواب الطَّلَب: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ)) [الأنعام:151] بعض النُّحَاة يرى أنَّ (أَتْلُ) هنا مجزوم، ولم يَتَقدَّمه جازم لفظي، قالوا: الطَّلَب .. كونه في جواب الطلب: (قُلْ تَعَالَوْا) .. (تَعَالَوْا) هذا مجزومٌ وجازمه الطَّلَب، وفيه أربعة مذاهب كما سيأتي معنا.

حِينئذٍ نقول: هذا الذي يُمكِن استثناؤه، وما عداه فكلها ضعيفة، التَّبَعِيَّة، والمُجَاوَرَة، والتَّوَهُّم، نقول: هذه كلها ليست بشيء .. لا يُلْتَفت إليها.

(ارْفَعْ) يعني: يجب رفع المضارع حِينئذٍ (مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ) لم يُقَيِّدْه: مضارعاً تَجرَّدَ عن نون الإناث، ونوني التوكيد المباشرة، اعتماداً على ما سبق، وقد اعْتُرِضَ عليه: أنَّه أطلق المضارع هنا، إذاً: حتى المضارع الذي اتَّصَلَ به نون الإناث فهو مرفوع، لأنَّه قال:

ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ

مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . .

وقد تقول: النِّسْوَة يَقُمْنَ، (يَقُمْنَ) هذا فعل مضارع تَجرَّد عن ناصب وجازم، هل هو مرفوع؟ ليس مرفوعاً، إذاً: يرِد على النَّاظِم أو لا؟ الظَّاهر أنَّه يرِد، لكن نقول: كونه قَيَّدَه في أول الباب، والكتاب آخره وأوله بِمعنَىً واحد، والأحكام واحدة، حِينئذٍ يُقَيَّد آخرُه بِما حَكَم به في الأول، وهناك قَيَّدَه:

وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا ..

كأنَّه قال هنا:

ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ

مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ

مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . إِنْ عَرِيَا

نُونِ إِنَاثٍ .........

ص: 5

فالتَّعلِيق الذي ذَكَرَه هناك تَجْعَله هنا، إذاً: لا اعتراض على النَّاظِم، إذاً: لم يُقَيِّده هنا بالخالي من النونين اكتفاءً بِتَقدُّم ذلك في باب الإعراب، وهذا صحيح.

. . . . . . . . . . إِذَا يُجَرَّدُ

مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ

(كَتَسْعَدُ) .. (كَتُسْعَدُ) يُقَال: سَعِدَ تَسْعَد، وأسْعَدَ يُسْعَد، يجوز فيه الوجهان.

(تَسْعَدُ) لوحده لا يُقَال: بأنَّه فعل مضارع تَجَرَّد عن ناصب وجازم، فالعامل يكون فيه الرَّفْع، وإنَّمَا لا بُدَّ من تركيبه في جُمْلَة، يُقَال: تَسْعَدُ هِندٌ، وأمَّا لوحده هكذا: يَضْرِبُ، هذا لا حكم له، لماذا؟ لأنَّه كلمة مثل الحرف والاسم، وسبق: أنَّ الاسم إذا لم يُسند ويُسنَد إليه، لا يُحكم عليه بإعراب ولا بناء.

كذلك: (تَسْعَدُ) لوحده لا نقول: بأنَّه مرفوع، ولا بأنَّه مبني، بل الصواب أنَّه موقوف، يعني: لا يُحكم عليه بإعراب ولا بناء، لكن في مثل هذه المنظومات وغيرها تُقَدِّرُ له فاعلاً أو مبتدأً، وتَجعل الفعل خبراً عنه: هندٌ تَسعَدُ هي، إذاً: صار مُسنداً ومُسنداً إليه، فتقول:(تَسْعَدُ) فعلٌ مضارع تَجرَّد عن ناصب وجازم فيكون مرفوعاً، وهذا واضح بَيِّن.

إذاً: عرفنا أنَّ الفعل المضارع إذا لم يسبقه ناصبٌ ولا جازم فهو مرفوع، لكن ما هو العامل؟ هذا مُتَّفَق عليه .. لا خلاف أنَّكَ تنطق به مرفوعاً: يقوم زيدٌ، لم يقل أحد بأنَّكَ تقول: يقم زيدٌ، أو: يَقومَ زَيدٌ، بل لا بُدَّ من أن يكون مرفوعاً، لكن ما العامل فيه؟

هذا فيه أربعة مذاهب، النَّاظِم هنا قال:

. . . . . . . . إِذَا يُجَرَّدُ

مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . . .

فظاهره: وإن لم يَنُصَّ على ذلك أنَّه مرفوع، ورافعه التَّجَرُّد نفسه، وهذا مذهب الكوفيين والفَرَّاء: أنَّ العامل في الفعل المضارع في حالة الرَّفْع هو التَّجَرُّد، والتَّجَرُّد أمرٌ معنوي .. ارتفع لتَجَرُّده من النَّاصِب والجازم، وهذا اختيار النَّاظِم هنا في الظَّاهِر، لماذا؟

قالوا: لأنَّ الرَّفْع دائرٌ معه وجوداً وعَدماً، لاحظنا أنَّ أداة النَّصْبِ إذا تَقَدَّمَت تَغَيَّرَ الرَّفْع من ضمة إلى فتحة: لن يقومَ .. لم يقم، تَغَيَّر، إذاً: كلما وُجد التَّجَرُّد وُجِدَ الرَّفْع، وكلما انتفى التَّجَرُّد انتفى الرَّفْع، يعني: إمَّا يَتَقدَّم عليه عامل جازم، وإمَّا أن يَتَقدَّم عليه عاملٌ ناصبٌ، فحِينئذٍ إذا وُجِدَ العامل اللفظي النَّاصِب أو الجازم ارتفع الرَّفْع، وإذا ارتفع العامل وأداة النَّصْب وأداة الجزم وُجد الرَّفْع.

قالوا: هذا الدَّوَران يُشعِرُ بالعِلِّيَّة في كون هذا الرَّفْع الموجود في الفعل سببه التَّجَرُّد نفسه، فجُعل عاملاً فيه، كالابتداء هناك، وهذا أمر واضح بَيِّن وهذا هو الظَّاهِر، أنَّ الرَّفْع دائرٌ معه وجوداً وعدماً .. مع التَّجَرُّد، والدَّوَرَان مُشعِرٌ بالعِلِّيَّة.

ومذهب البصريين هنا في هذا المقام مذهبٌ ضعيف، وهو أنَّ العامل فيه كونه وقع موقع الاسم، وهذا أيضاً عاملٌ معنوي، لَكنَّه موقوف.

أنَّه ارتفع لوقوعه موقع الاسم، فـ:(يضرب) في قولك: زيدٌ يضرب، واقع موقع (ضارب) فارتفع لذلك، وهذا -كما سبق- أنَّه من أوجه الشَّبَه بين الفعل المضارع والاسم في كونه مُعرَباً، لماذا أعربناه؟ من أوجُه الشَّبَه أنَّ الفعل المضارع يقع موقع الاسم: صِفةَ وخبراً وحالاً وصِلةَ، كونه يقع موقعه هذا هو الذي رفعه .. هذا غريب! لماذا؟

لأنَّه قد يقع الفعل في موقع لا يقع فيه الاسم البَتَّة، باتفاق البصريين والكوفيين، هذا المذهب الثاني.

المذهب الثالث: أنَّ العامل هو المضارعة وهو مذهب ثَعْلَب، المضارعة .. المُشابَهَة، كون الفعل أشبه الاسم هو العامل، وهذا أغرب!

ص: 6

المذهب الرابع: مذهب الكِسَائِي، وهو أحرف المضارعة:(أنيت)، كون الفعل المضارع مبدوءً بواحدٍ من هذه الأحرف الأربعة:(أنيتُ)، هو العامل فيه، فـ:(يضرب) هذا مرفوع ورفعه الضَّمَّة، العامل فيه الياء (يضرب)، وهذا أيضاً غريب! لماذا؟ لأنَّ الياء هنا وأحرف المضارعة صارت كالجزء من الفعل، وجزء الشيء لا يعمل فيه، بدليل أنَّ هذه الأحرف موجودة مع النَّاصِب والجازم:(لم يضرب) موجود (يضرب)، (لن يضرب) وُجد الحرف مع النَّاصِب، فكيف يُقَال: هو العامل فيه؟ وهذا ضعيف، لأنَّه يقتضي أن يكون الفعل دائماً مرفوعاً، لأنَّ هذه لا تَنْفكُّ عنه.

إذاً: المذهب الذي رَجَّحَه النَّاظِم هنا هو قوله:

. . . . . . . . . . إِذَا يُجَرَّدُ

مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . . .

إذا تَعَرَّى وتَجرَّدَ، ولم يسبقه ناصب ولا جازم، لا نفس المضارعة خلافاً لثعلب، لأنَّها إنَّمَا اقتضت مطلق الإعراب لا خصوص الرَّفْع، فَرقٌ بين المسألتين، المضارعة .. المشابَهَة .. مُشابَهَة الفعل بالاسم اقتضت أنَّه مُعرَب .. مطلق الإعراب، ثم الإعراب ثلاثة أنواع: رَفعٌ ونَصبٌ وجَزمٌ، هذه لا دخل للمضارعة فيها، نَحتاج إلى عامل آخر يَدلُّ على أنَّه مجزوم، وعامل آخر يَدلُّ على أنَّه منصوب، وكذلك في حالة الرَّفع.

إذاً: المضارعة إنَّمَا اقتضت مُطلق الإعراب لا خصوص الرَّفْع، ولا حروف المضارعة خلافاً للكِسَائي، لأنَّ جزء الشيء لا يعمل فيه، وكذلك يقتضي أنَّه مرفوع دائماً حتى مع الناصب والجازم، فالمذهبان هذان مذهبان ضعيفان.

واختار المصنف ما ذكره هنا في المتن، قال في (شرح الكافية):"لسلامته من النَّقْضِ" يعني: لا ينتقض، بِخلاف قول البصريين: فإنَّه ينتقض .. قول البصريين: ارتفع لوقوعه موقع الاسم، فإنَّه يَنتَقِض بنحو: هَلَاّ تفعل (تفعل) فعل مضارع مرفوع هنا، وهنا لا يقع مَحلَّه الاسم، لأنَّ حروف التَّحْضِيض من خواص الفعل .. من علامات الفعل، فلا تدخل على الاسم، فكيف يُقَال: بأنَّه يقع موقعه الاسم؟ هذا فيه نظر.

وجَعَلتُ أفْعلُ، (جَعَلْتُ) هذا من أفعال الشُّرُوع لا تدخل على الأسماء إلا شُذوذاً، ومَالكَ لا تفعل .. كذلك، (مَالكَ) لا تأتي بعدها إلا الفعل، وكذلك: رأيت الذي تفعل، وسيقوم زيدٌ، هنا وقع المضارع بعد السين، ولا يقع الاسم في هذا المحل، لأنَّ السين هذه من علامات الفعل، وسوف يقوم، كذلك بعد (سوف) لا يقع.

إذاً: ينتقض مذهب البصريين بكون الفعل ارتفع لوقوعه مَحلَّ الاسم، نقول: بعض المَحَال لا يقع فيها الاسم البَتَّة باتِّفَاق الطَّرَفين. فإنَّ الفعل في هذه المواضع مرفوع، مع أنَّ الاسم لا يقع فيها، فلو لم يكن للفعل رافعٌ غير وقوعه موقع الاسم لكان في هذه المواضع مرفوعاً بلا رافع، فبطل قولهم، لأنَّه نقول: هَلَاّ يَقومُ زيدٌ .. (يَقومُ) مرفوع، حِينئذٍ لو كان حلوله مَحلَّ الاسم هو الرَّافِع لرُفع الفعل هنا بلا رافع؛ لانتفاء العامل، ما هو العامل؟ حلول الفعل مَحلَّ الاسم، طيب! في هذا المَحَل هل يَحُل؟ لا يَحُل، إذاً: ارتفع بدون رافع.

فلو لم يكن للفعل رافعٌ غير وقوعه موقع الاسم لكان في هذه المواضع مرفوعاً بلا رافع، فبطل القول بأنَّ رافعه وقوعه موقع الاسم، وصح القول: بأنَّ رافعه التَّجَرُّد، لكن أُورِدَ على التَّجَرُّد اعتراض وهو الذي أُورِدَ على علامة الحرف هناك.

رُدَّ هذا القول: بأن التَّجَرُّد عدمي، والرَّفْع وجودي، والعدمي لا يكون عِلَّة للوجودي .. الرَّفْع وجودي نعم، تنطق به: يقوم .. يقومان .. نَطَقْتَ بالنُّون، والتَّجَرُّد عدمي .. عدم أداة ناصبة وعدم أداة جازمة، عدم ذا وذاك، إذاً: ليس بشيءٍ مُتَقدِّم على الفعل، وهذا هو العدم.

وأُجيب: بأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ التَّجَرُّد من النَّاصِب والجازم عدمي، لأنَّه عبارة عن استعمال المضارع على أول أحواله مُخَلَّصاً عن لَفظٍ يقتضي تغييره، واستعمال الشيء والمَجيء به على صِفةٍ ما ليس بعدمي. قال: لا نُسَلِّم أنَّه عدمي، وهذا فيه شيء، لا بل هو عدمي، لماذا؟ لأنَّ استعماله أولَّ ما يُستَعمَل دون أن يسبقه ناصب أو جازم، نقول: هذا عدم، بِمعنَى: أنَّكَ لا تلفظ بالجازم قبل الفعل، ولا تلفظ بالناصب قبل الفعل، وهنا إعدام .. لم تنطق بِهذا ولا بذاك، إذاً: عدم .. لماذا ننازع؟!

ص: 7

ولك أن تقول -وهذا أولى-: سَلَّمنَا أنَّه عدمي، لكن لا نُسلِّم أنَّ العدمي لا يكون عِلَّةً للوجودي على الإطلاق، لأنَّ العدم نوعان: عدمٌ مطلق، وعدمٌ مُقيَّد، والعدم المُقيَّد يصح أن يكون مُقتضياً للوجودي، كما هو الشأن في علامة الحرف.

سَلَّمنَا أنَّه عدمي، لكن لا نُسَلِّم أنَّ العدمي لا يكون عِلَّةً للوجودي على الإطلاق، بل ذاك في الأعدام المطلقة، أمَّا العدمي المضاف المُقيَّد كالعمى، فيجوز كونه عِلَّةً للوجودي، إذاً: هو عدم .. هو الظَّاهِر، لَكنَّه عدمٌ مُقيَّد، يعني: ليس عدماً مطلقاً من كل شيء .. لا، عدم من لفظٍ وهو أداة جزم، وعدم من لفظٍ وهو أداة نصب، حِينئذٍ نقول: هذا عدمٌ مُقيَّد، كما نقول: علامة الحرف ألا يقبل شيئاً من علامة الاسم، ولا علامة الفعل، هذا عدم كذلك، لَكنَّه عَدمٌ مُقيَّد.

قال الشَّارِح هنا: "إذا جُرِّدَ الفعل المضارع عن عامل النَّصْب وعامل الجزم رفُع، واختُلف في رافعه". رُفع هذا اتفاق .. لا نِزَاعَ بين النُّحَاة في ذلك، "واختُلف في رافعه، فذهب قوم – لم يُسمِّهم وهم البصريون – إلى أنَّه ارتفع لوقوعه موقع الاسم، فيَضْرِب في قولك: زيدٌ يضرب، واقع موقع ضارب، فارتفع لذلك، وقيل: – وهذا مذهب الكوفيين ومنهم الفَرَّاء – أنَّه ارتفع لتَجَرُّده من النَّاصِب والجازم، وهو اختيار المُصنِّف" وهو الصَّحِيح ..

أنَّه للتَّجَرُّد وهو عاملٌ معنوي، وهو عدمي مُقيَّد لا مطلق، ولا إشكال في ذلك، ودليله واضح: وهو أنَّ الرَّفْع دَائرٌ معه وجوداً وعدماً، والدَّورَان مُشعِرٌ بالعِلِّيَّة.

إذاً: الفعل المضارع يكون مرفوعاً، ورفعه يكون بِضَمَّةٍ ظاهرة أو مُقدَّرة: يقوم زيدٌ ويخشى عمروٌ، وقد يكون بِحرفٍ وهو النون، قد تكون ظاهرة وقد تكون مُقدَّرة كما في حذفها إذا توالت الأمثال.

ثُمَّ انتقل إلى النَّوَاصِب فقال:

وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ كَذَا بِأَنْ

لَا بَعْدَ عِلْمٍ وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّْ

فَانْصِبْ بِهَا وَالرَّفْعَ صَحِّحْ وَاعْتَقِدْ

تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ

أدوات النَّصْب أربعة: أنْ، ولَنْ، وكَي، وإذاً، (أَنْ) هي أمُّ الباب، ولذلك تعمل ظاهرةً ومضمرة، بِخلاف غيرها من الأدوات فلا يعمل إلا ظاهراً، ومعلومٌ أن أمَّ الباب يكون له من الأحكام ما لا يكون لغيره، وهنا العمل وهو مضمر هذا من خَواصِّ هذا الباب.

وإلا الأصل أن الحرف لا يعمل مضمراً، يعني: محذوفاً .. مَنوِّياً، ثُمَّ الحذف قد يكون واجباً وقد يكون جائزاً، والواجب في خمسة مواضع والجائز في خَمسة مواضع كما ستأتي في النَّظْم مَتوَاليَة.

(وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ) هنا قلنا: أمُّ الباب (أَنْ) هي النَّاصِبة، وبدأ بـ:(لَنْ)، وثَنَّى بـ:(كَيْ) والسِّرُّ في ذلك، أولاً: أنَّ (لَنْ) ملازمةٌ للنَّصْبِ، فلذلك قَدَّمَها، وأمَّا (كَيْ) فهذه ليست ملازمة للنَّصْبِ، قد تكون (كَيْ) حرف جر .. تعليل، وما بعدها منصوب لكن لا بِها، وإنَّمَا هو بـ:(أَنْ) مُضمَرة.

وكذلك (أَنْ) قد تكون مُخفَّفَة من الثقيلة .. قد تكون زائدة .. قد تكون ناصبة مع جواز الرَّفْع، إذاً: ليست مُتعيِّنَة النَّصْب بِخلاف (لَنْ)، ثُمَّ (لَنْ) و (كَيْ) الكلام فيهما قليل، بِخلاف (أَنْ)، ولذلك أَخَّرَه لطول الكلام عليها، إذاً: بدأ بـ: (لَنْ) لأنها ملازمةٌ للنَّصب، بِخلاف البواقي، وكذلك الكلام فيها قليل.

وانْصِبْهُ بِلَن .. (بِلَنِ انْصِبْ) .. (بِلَنِ) بتَحريك النُّون للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لَنْ انْصِب، إذاً: التقى ساكنان، النون والنون، وهمزة الوصل ساقطة في درج الكلام، فالتقى ساكنان، فَحُرِّك الأول بالكسر على الأصل.

(بِلَنْ) الباء حرف جر، و (لَنْ) قصد لفظها عَلَمْ .. اسم، على (لَنْ) التي تكون حرفاً: لن أقوم، حرفٌ هنا، وأمَّا هنا:(انْصِبْهُ بِلَن)(بِلَنْ) جُعِلَت عَلماً على (لَنْ) التي تكون في الكلام .. فرقٌ بين الحرف هنا والاسم، فرقٌ بين الاسم والمُسمَّى، (لَنْ) هنا اسمٌ علمٌ، مُسمَّاه: لن أقوم، هناك في التركيب.

ص: 8

(وَبِلَنِ انْصِبْهُ) .. (لَنْ) جار ومجرور مُتَعلِّق بقوله: (انْصِبْهُ)، (وَكَيْ) هذا معطوفٌ على (لَنْ)، والمعطوف على المجرور مجرور، (لَنْ) حرف نفيٍ يَخْتصُّ بالمضارع، ويُخلِّصُه للاستقبال باتفاق .. مَحُل وفاق بين النُّحَاة: أنَّ (لَنْ) للنَّصْب، يَختصُّ بالمضارع، يعني: لا يدخل على الماضي، ولا على الأمر، لذلك هو من علامات الفعل المضارع، كل النَّواصِب في الأصل التي تنصب مباشرةً فهي من علامات الفعل المضارع، وكل الجوازم التي تجزم الفعل المضارع فهي من علامات الفعل المضارع، ولذلك مَيَّزَه كما سبق ابن مالك:

فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمّْ ..

قلنا: ليس خَاصَّاً .. حتى (لَمَّا) مثله، و (حيثما) و (كيفما) إذا قيل بِأنَّها جازمة.

إذاً: (لَنْ) حرف نَفْيٍ يَختصُّ بالمضارع ويُخلِّصُه للاستقلال باتفاق، وتنصبه كما تنصب (لا) النافية للجنس الاسمَ، نحو:((لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ)) [طه:91](لَنْ) حرف نفيٍ ونصبٍ واستقبال، و (نَبْرَحَ) فعل مضارع ناقص منصوب بـ:(لَنْ)، ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، (لَنْ) حرف نَفْيٍ لأنَّها تنفي وقوع الحدث في المستقبل، فإذا قلت: لن أقوم، حِينئذٍ نفيت القيام في الزمن المستقبل.

و (لَنْ) هنا من المُخلِِّصَات للفعل المضارع من الحال إلى الاستقبال مثل: (أَنْ)، بل الضابط في النَّواصِب: أنَّها لا تنصب إلا إذا أُرِيدَ بِها الاستقبال، ولذلك يُشترط كما سيأتي في (حَتَّى) أنَّها لا تنصب إلا المستقبل، فإذا أُرِيدَ به الحال حِينئذٍ حكمنا عليها بأنَّ ما بعدها يكون مرفوعاً، يعني: لا تنصبه.

إذاً: النَّواصِب كلها لا تعمل في الفعل المضارع النَّصب إلا إذا أُرِيدَ بالفعل المضارع المستقبل، وأمَّا إذا أُرِيدَ به الحال أو الماضي فلا تنصبه، حِينئذٍ نقول:(لَنْ) حرف نفي واستقبال لأنَّها تنفي الحدث .. حدث مدخولها الفعل المضارع تنفيه في المستقبل: لن أقوم، ينتفي وقوع القيام مني في المستقبل، لن أضرب زيداً، حِينئذٍ ينتفي وقوع الضَّرب مِنِّي في الزمن المستقبل.

وهذا كما ذكرنا من المُخلِّصَات لأنَّ الصَّحِيح أنَّ الفعل المضارع يدل على الحال حقيقةً، وعلى المستقبل مَجازاً، يعني: يحتاج في الدَّلالَة على المستقبل إلى قرينة لفظية، هذه القرينة إمَّا (سَوفَ)، وإمَّا السين، وإمَّا (لَنْ)، وإمَّا (أَنْ)، من جميع الحروف التي تدخل على الفعل المضارع فتُخلِّصُه إلى الاستقبال، حِينئذٍ يحتاج إلى قرينة.

ولذلك اتَّفَقَّ حتى الجمهورُ القائلون بأنَّ الفعل المضارع مُحتمِل للنَّوعين أنَّه يُحمَل على الحال، إذا قيل: زيدٌ يصلي، يعني: الآن يباشر الصلاة، وزيدٌ سيصلي، قطعاً أنَّه الآن لا يصلي، فإذا لم يقترن به أداة تَدلُّ على الاستقبال حُمِلَ على الحال، ولا يُحمَل على الاستقبال إلا بقرينة، وهذا هو حقيقة المَجاز: أنَّه لا يُحمَل على المعنى الآخر إلا بقرينة، حِينئذٍ نقول: صرْفه للحال هو الأصل، وهذا هو الحقيقة، فما احتاج إلى قرينة خلافُ الأصل، وليس عندنا خلاف الحقيقة إلا المجاز، فتَعيَّن أن يُقَال بأنَّه مَجاز إذا دخلت عليه السين، أو (سوف).

إذاً: حرفُ نفيٍ يَختصُّ بالمضارع ويُخلِّصُه للاستقبال باتفاق، وتنصبه كما تنصب (لا) الاسم، نحو:((لَنْ نَبْرَحَ)) [طه:91] فتنفي ما أُثبِتَ بِحرف التَّنْفِيس. تنفي هكذا، ولذلك قاله ابن هشام في (الأوضح) وغيره: لنفي سيفعلُ، وهذا الذي أردناه سابقاً، إذا قلت: لَنْ أقوم، يعني: نفي القيام في الزَّمَن المستقبل، (سيفعل) ما المراد بها؟ وقوع القيام في الزَّمَن المستقبل.

إذاً: السين تدل على وقوع الحدث في الزمن المستقبل، إذاً: تُخلِّصُه للاستقبال على جهة الإثبات أو النَّفْي؟ على جهة الإثبات، (لَنْ) لنَفْي هذا الإثبات، لنفي (سيفعل) .. هكذا يُعبِّر ابن هشام: لنفي (سيفعلُ) .. و (لَنْ) لنفي (سيفعل)، إذاً:(سيفعل) تَدلُّ على إثبات مدخولها الحَدَثْ في الزَّمَن المستقبل، إذا أردنا هذا الحدث الذي يكون في المستقبل أن ننفيه جئنا بـ:(لَنْ)، وذلك هي لنفي المستقبل، فتنفي ما أُثبِتَ بِحرف التَّنفِيس، ولا تُفِيد تأبيد النفي ولا تأكيده خلافاً للزَّمَخْشَري.

ص: 9

الزَّمَخْشرِي زاد على (لَنْ) من حيث المعنى أنَّها تُفِيد التَّأبِيد، يعني: الحكم الذي بعدها –النَّفْي- مُؤبَّد مُطلقاً: لَنْ أقوم، يعني: لَنْ أقوم إلى أن تموت، وكذلك تُفِيد التَّأكِيد، وفي التَّأكيد وَافَقَه كثير، وأمَّا في التَّأبيد فالأكثر على رَدِّه.

ولا تُفِيد تأبيد النَّفْي ولا تأكيده خِلافاً للزَّمَخْشرِي، وإن كان قد وافقه على التَّأكِيد كثيرون، لأنَّ التَّأكيد تقوية، ولا بأس بالقول به، لكن كونها تَدلُّ على التَّأبِيد لا. ورُدَّ ادِّعَاء التَّأبِيد بأنَّه لا دليل عليه .. هذا أولاً: لا دليل عليه في لسان العرب، ولأنَّها لو كانت للتَّأبِيد للزم التناقض بذكر (الْيَوْمَ) في قوله:((فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً)) [مريم:26] .. (فَلَنْ أُكَلِّمَ) تأبيد، (الْيَوْمَ) هذه تَدلُّ على التأبيد، وهذه تَدلُّ على التَّقييد، حصل تناقض أو لا؟

رُدَّ عليه بِهذا: بأنَّه لو كانت للتَّأبِيد للزم التناقض بذكر (الْيَوْمَ) في قوله: ((فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً)) [مريم:26].

والتَّكْرَار كذلك بِذِكر (أَبَداً) .. ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً)) [البقرة:95] لو كانت للتَّأبِيد في النَّفْي، ما الفائدة من قوله (أَبَداً)، وهذا يُمكن الجواب عليه: أنَّه من باب التَّأكيد .. ذُكِر (أَبَداً) تأكيدٌ لِمَا دَلَّت عليه (لَنْ)، حِينئذٍ يكون توكيداً من جهة المعنى، ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً)) [البقرة:95].

حِينئذٍ (أَبَداً) و (لَنْ) رُدَّ على الزَّمَخْشرِي: بأنَّها لو كانت للتَّأبِيد لصار فيه تكرار، لكن التَّكْرَار إنَّما يكون باللفظ نفسه .. هذا المعيب، وأمَّا التَّكرار بأن يدل على المعنى، وكان بلفظٍ آخر لا إشكال فيه .. لا بأس به، يعني: التكرار .. الاعتراض على الزَّمَخْشرِي بِمثل هذا ليس بَجيِّد، لماذا؟ لأنَّ التكرار إنَّمَا يكون معيباً وحَشواً ومَحلَّ أخذٍ إذا كان بنفس اللفظ، يعني لو قال: لن لن لن يتمنونه، قد يُقال أنَّ فيه تكرار، أمَّا (لَنْ) و (أَبَداً) في اللفظ غير تكرار، وإنَّما هو من جهة المعنى.

بل قولك: لن أقوم، حِينئذٍ نقول: مُحتملٌ، يعني إذا قيل: بأنَّ كلام الزَّمَخْشرِي بأنَّ (لَنْ) تفيد التأبيد غير مقبول، هل يلزم منه أنَّ (لَنْ) لا تفيد تأبيداً أبداً؟ لا .. ليس هذا المراد، المراد هل هي موضوعة للتأبيد أم لا؟ الزَّمَخْشرِي يقول: نعم، موضوعة للتَّأبِيد، ومن رَدَّ عليه قال: لا هي تُفِيد .. مُحتمِلَة للتَّأبِيد، قد يكون من مدلولات (لَنْ) التَّأبِيد، يعني: من أراد أن يُؤبِّد: لن أذهب وأنت تُريد التَّأبِيد .. إذا قلت: لن أذهبَ وأردتَ التأبيد، نقول: هي للتَّأبِيد، لأنَّها مُحتمِلَة للتَّأبِيد وللنَّفْي في بعض أزمان المستقبل.

وأنت وشأنك إذا قلت: لن أدخل بيت فلان، وأَرَدْتَ به التَّأبِيد، حِينئذٍ نقول:(لَنْ) هنا في هذا المقام للتَّأبِيد، كيف نحن نرد على الزَّمَخْشرِي، ونحن نقول: أردنا بِها التَّأبِيد هنا؟ نقول: نعم، ردُّنا على الزَّمَخشرِي بأنَّها موضوعة للتَّأبِيد، يعني: لا تخرج عنه .. في كل تركيب (لَنْ) تُفِيد التَّأبِيد، ونحن نقول: لا، (لَنْ) مُحتمِلَة للتَّأبِيد ومُحتمِلَة لغيره، فكونها موضوعة للتَّأبِيد دون غيره هذا مَحلُّ نظر.

بل قولك: لن أقوم، مُحتمِلٌ بأن تريد بذلك أنَّك لا تقوم أبداً، وأنَّكَ لا تقوم في بعض أزمنة المستقبل، مثل: لا أقوم، لا أقوم أبداً؟ لا أقوم في بعض أزمان المستقبل، فـ:(لَا) و (لَنْ) من حيث النَّفْي في المستقبل بِمعنَىً واحد، يعني: مُحتمِلَة للتَّأبِيد، ومُحتمِلَة للنَّفْي في بعض أزمنة المستقبل.

فلا يُظنَّنَّ ظَان أنَّ رَدَّ الزَّمَخْشرِي قوله: بأنَّها لا تُفِيد تَأبِيداً، مُطلقاً ولا احتمالاً .. لا، لم يقولوا بِهذا، وإنَّما قالوا: نعم، قد تَدلُّ على التَّأبِيد، لكن مع احتمال غيره، وأمَّا كونها موضوعة للتَّأبِيد لا.

وأمَّا: ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً)) [الحج:73] قال: هذا للتَّأبِيد .. هذا معلوم أنَّه للتَّأبِيد، ليس من اللفظ، وإنَّما من شيءٍ خارج، صفة الخلق ليست لمخلوق، ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)) [الحج:73] هنا مُؤبَّد .. هذا قطعي .. لا إشكال فيه، لكن من خارجٍ لا من جهة اللفظ.

ص: 10

وليس أصل (لَنْ) .. (لَنْ) هل هي مُرَكَّبَة أم بسيطة؟ قيل: (لَنْ) أصلها: (لا) قُلبت الألف نوناً.

وليس أصلها (لا) فأُبْدِلَت الألف نوناً خِلافاً للفَرَّاء، ولا (لا أن) فحُذفت الهمزة تَخفيفاً والألف للساكنين خِلافاً للخليل. وهذه دائماً يَسلُكُونَها في باب الحروف، والأصل عدمه، يعني:(لَنْ) أصلها (لا)، فقُلبت الألف نوناً.

ما الذي أدراكم؟ يحتاج إلى إفصاح، لو جاء في لسان عَربِيِّ مُفْصِحاً بأصلها قلنا بهذا الأصل، وأمَّا إذا لم يرد فالأصل المنع: ألَاّ نقول بأنَّها مُرَكَّبَة، وألَاّ نقول بأنَّ أصلها كذا وكذا، بل نبقيها على ظاهرها، فنقول: اللام والنون أصليان، وهكذا نَطَقَ العَربِيُّ بِها:(لَنْ)، وأمَّا القول: بأنَّ أصلها (لا) ثُمَّ قلبت الألف نوناً، أو أصلها (لا أن) فحُذِفَت الهمزة، ثُمَّ التقى ساكنان الألف والألف، فحذفت الألف فقيل:(لَنْ)، نقول: هذا يحتاج إلى ثَبَت.

إذْ المعهود إبدال النون ألفاً كـ: (نَسْفَعَنْ) .. (نَسْفَعا)، المعهودُ قلب النون ألفاً .. نون التوكيد الخفيفة نقلبها ألفاً، والتنوين في مقام النَّصْب: زيدَا نقلبها ألفاً، وأمَّا الألف تُقلب نون، هذا ليس بِمعهود، والأصح أن يُجاب: بأنَّ هذا يحتاج إلى نقلٍ، فإن لم يكن كذلك حِينئذٍ بقينا على الأصل.

ولأنَّ دعوى التركيب إنَّمَا تَصِح إذا كانا الحرفان ظاهرين حالة التَّركِيب كـ: (لولا).

ومن أحكام (لَنْ): أنَّ الجمهور على جواز تقديم معمولِ معمولها عليها: لن أضرب زيداً، أين معمول (لَنْ)؟ (أضربَ)، أين معمول معمولها؟ (زيداً)، هل يجوز تقديم (زيد)؟ نعم. (زيداً لن أضْربَ) .. (زيداً) هذا منصوب بـ:(أضرب)، و (أضرب) هذا معمول (لَنْ)، يجوز أو لا يجوز؟ نعم يَجوز، لأنَّها عاملٌ أصلي بنفسه، ليس مَحمولٌ على غيره حتى نقول: لا يُتَصرَّف في معموله .. لا.

نعم معموله لا يُمكن، يعني:(أضْرِب) هل يَتَقدَّم على (لَنْ)؟ ما يَتَقدَّم هذا .. واضح بَيِّن، لأنَّ (لَنْ) لا يُفْصَل بينها وبين معمولها إلا لِمَا سيأتي ذكره، وأمَّا معمولُ معمولها فإذا تَقَدَّم لا إشكال فيه.

جواز تقديم معمول معمولها عليها: زيداً لن أضربَ، وبه اسْتَدلَّ سيبويه على بساطتها -على أنَّها بسيطة- ومنع ذلك بعضهم، واستثنى أبو حَيَّان التمييز، فلا يجوز: عَرَقاً لن يَتَصَبَّبَ زيدٌ، (عَرَقاً) هذا تَمييز .. لأيِّ شيء؟ لمعمول (لَنْ)، يعني العامل فيه: معمول (لَنْ)، لن يَتَصبَّبَ زيدٌ عَرَقاً، (عَرَقاً) هذا تَمييز، والعامل فيه (يَتَصبَّب) وهو معمول (لَنْ)، عند أبي حَيَّان لا يجوز تقديمه.

وهذا أيضاً مُنتَفٍ عند الجمهور، وإنَّما يَجوز على مذهب ابن مالك، كما سبق لأنَّه يُجوِّز تقديم التَّميِيِز على عامله المُتصرِّف بِقلَّة، فعدم التقديم هنا لا لـ:(لَنْ)، وإنَّما لِمَا سبق: أنَّ التَّميِيِز لا يَتَقدَّم عليه عامله، فهو لشيءٍ آخر.

إذاً: ما امتنع تقديمه على عامله دون (لَنْ) فهو مُمتنعٌ مع (لَنْ)، وما لم يكن كذلك فالأصل الجواز، وأمَّا: عَرَقاً لن يَتَصبَّبَ زيدٌ، هذا كما سبق: أنَّ العامل إذا كان مُتَصرِّفاً جاز أن يُتَصرَّف في تَمييزه فيَتَقدَّم عليه على مذهب ابن مالك، ومن منع منع، فمن جَوَّز جَوَّز هنا.

فابن مالك لا يمتنع عنده: عَرَقاً لن يَتَصبَّبَ زيدٌ، لأنَّ (يَتَصبَّبَ) هذا فعل وهو عامل في التَّمييز، وهو مُتَصرِّف، فيجوز حِينئذٍ، وعند الجمهور لا، لأنَّه يمتنع مُطلقاً، لأنَّه يُجوِّز تقديم التمييز على عامله المُتصرِّف بِقلَّةٍ.

وقد تأتي (لَنْ) للدعاء، وهذا مُختَلفُ فيه، ابن هشام ينفيه في موضع، ويثبته في موضع.

وقد تأتي (لَنْ) للدعاء، كما أتت (لَا) كذلك وفاقاً لجماعةٍ، ومن ذلك قول الشاعر:

لَنْ تَزَالُوا كَذَالِكُمْ ثُمَّ لَا

زِلْتُ لَكُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبالِ

(لَنْ تَزَالُوا) قالوا: (لَنْ) هنا دُعَائِية، بِمعنى أنَّها للدُّعَاء، لماذا .. ما وجهُ الاستدلال بكونها للدعاء؟ قالوا: العطف عليها: (ثُمَّ لَا زِلْتُ لَكُمْ خَالِداً) هذا دعاء، فعُطف الدعاء على (لَنْ) الأُولى فَدلَّ على أنَّها استُعملت في الدُّعَاء، وقلنا: ابن هشام يثبت هذا في (المغني) وينفيه في (شرح القطر).

ص: 11

والدَّليل على أنَّه دعاء لا إخبار: عطفُ الدعاء عليه وهو: (ثُمَّ لَا زِلْتُ)، ورُدَّ: بأنَّ (لَنْ) في صدر هذا البيت تَحتمل أن تكون دَالَّةً على النفي المَحض، حتى لو قيل: بأنَّ (لا) بعدها للدعاء، لأنَّه لا يلزم أن يُعطف إنشاء على إنشاء .. هو أولى، لكن ليس بلازم، قد يُعطف إنشاء وهو الدعاء على الإخبار، والعكس بالعكس، وإن كان الأولى التَّطابُق: أن يُعطف خبر على خبر، وإنشاءٌ على إنشاء، وعطف الإنشاء على الخبر والعكس، وإن كان فيه ضعف إلا أنَّه جائز، مثل عطف الجملة الفِعليَّة على الفِعليَّة، والاسْميَّة على الاسْميَّة، والفِعليَّة على الاسْميَّة والعكس.

نقول: الفِعليَّة على الفِعليَّة أولى، والاسْميَّة على الاسْميَّة أولى، إلا أنَّه يجوز عطف الاسْميَّة على الفِعليَّة والعكس، وإن كان فيه نوع ضعف، وظَهرَ الضَّعْف في باب الاشتغال كما مَرَّ معنا.

إذاً: حتى لو قيل بأنَّ (لا) بعدها للدعاء، فإنَّه لا يلزم أن يَتَّحِد المعطوف والمعطوف عليه خبراً أو إنشاءً.

إذاً: (لَنْ) .. (وَبِلَنِ انْصِبْهُ) انصب الفعل المضارع بـ: (لَنْ)، حِينئذٍ تقول:((لَنْ نَبْرَحَ)) [طه:91] فـ: (نَبْرَحَ) فعلٌ مضارعٌ ناقص منصوب بـ: (لَنْ)، ونصبُه فتحة ظاهرة على آخره.

(وَكَيْ) هذا الحرف الثاني الذي ينصب بنفسه، و (كَيْ) لها ثلاثة أوجه في لسان العرب:

- قد تكون اسْماً مُختَصراً من (كيف)، كقوله:

كَيْ تَجْنَحُونَ إِلى سِلْمٍ وَمَا ثُئِرَتْ

قَتْلَاكُمُ وَلَظَى الهَيْجَاءِ تَضْطَرِمُ

(كَيْ تَجْنَحُونَ) يعني: كيف تَجنحون؟ فـ: (كَيْ) هنا مُختصرة من (كيف)، حذَفَ الفاء .. هذا يُسمَّى: تَرخيماً، لَكنَّه ليس بقياسي، (كَيْ تَجْنَحُونَ) كيف تَجنحون؟ فدَلَّ على أنَّها ليست ناصبة، ما الذي دل على أنها ليست ناصبةً؟ (تَجْنَحُونَ) بالنون .. أثبَتَ النون فَدلَّ على أنَّه مرفوع، فتكون بِمعنى:(كيف) .. هي مختصرة من (كيف).

فتكون بمعنى (كيف) ويليها الاسم والماضي والمضارع مرفوعاً: كيف زيدٌ .. كيف يقوم زيدٌ .. كيف قام زيدٌ؟ يليها الماضي والمضارع والاسم، ويكون مرفوعاً في المضارع والاسم.

- الثاني: أن تكون بِمنزلة لام التَّعلِيل معنَىً وعملاً، (معنَىً) يعني: تَدلُّ على أنَّ ما قبلها عِلَّةٌ لِمَا بعدها، هذا المراد بلام التَّعلِيل معنا: أنَّ ما قبلها عِلَّةٌ لِمَا بعدها، و (عملاً) الجر، حِينئذٍ لام التَّعلِيل تَجرُّ ما بعدها، كذلك (كَيْ) ولذلك يُعبَّر عنها: بأنَّها لام (كَيْ)، يُقَال: لام (كَيْ) إذا كانت بِمعنَى اللام.

أن تكون بِمنْزِلة لام التَّعلِيل معنَىً وعملاً، وهي الداخلة على (ما) الاستفهاميَّة - وهذا سبق في أول حروف الجر – في قوله في السُّؤال عن العِلَّة:(كيْمَهْ) بِمعنى: لِمَه، وعلى (ما) المَصدريَّة كما في قوله:

إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا

يُرَجَّى الفَتى كَيْمَا يَضُرَّ وَيَنْفَعَا

وهنا دخلت على (ما) المَصدريَّة، أي: للضُّرِّ والنِّفْع، وقيل:(ما) كافَّة، أي: كَفَّتْ (كَيْ) المَصدريَّة عن نصب المضارع.

(كَيْ) المَصدريَّة يعني: لا يلزم أنَّها تنصب .. لا، قد تُؤوَّل مع ما بعدها بِمصدر - وهذا لا إشكال فيه – ولكن المراد هنا: أنَّها تدخل على (ما) الاستفهاميَّة، وتدخل على (ما) المَصدريَّة، وهذا سبق في أول باب حروف الجر.

وقيل: (ما) كافَّة، أي: كَفَّتْ (كَيْ) المَصدريَّة عن نصب المضارع، وعلى (أَنْ) المَصدريَّة مُضمَرةً .. هذا الثالث، يعني: تدخل على (أَنْ) المَصدريَّة مُضمرةً، نحو: جئت كي تكرمَني، فـ:(كَيْ) هنا بِمنْزِلة لام التَّعلِيل مَعنَىً وعملاً، (كي تكرمني) يعني: كي أن تكرمني، فـ:(تكرمني) هذا فعل مضارع منصوب بـ: (أَنْ)، ونصبُه (أَنْ) مُضمرةَ بعد (كَيْ)، و (كَيْ) حِينئذٍ تكون بِمنزلة اللام، فيكون (أَنْ) ومدخولها مصدر مَجرورٌ بـ:(كَيْ).

وعلى (أَنْ) المصدرية مُضمرةَ، نحو: جئت كي تكرمني، إذا قَدَّرْتَ النصب بـ:(أَنْ)، ولا يجوز إظهار (أَنْ) بعدها، وأمَّا قوله: كَيما أَنْ تَغُرَّ وتَخدَعَا، فضرورة، وسيأتي توجيهه.

إذاً: (كَيْ) تكون بِمنْزلة لام التَّعلِيل معنَىً وعملاً، وذلك إذا دخلت على (ما) الاستفهامية، و (ما) المَصدريَّة، وتدخل على المضارع، ويكون الفعل منصوباً بعدها بـ:(أَنْ) مُضمرةً.

ص: 12

- الثالث: أن تكون بِمنْزلة (أَنْ) المَصدريَّة معنَىً وعملاً، وهو المراد هنا في كلام النَّاظِم:(وَكَيْ)، حِينئذٍ صارت (كَيْ) مَصدريَّة، ويَتَعيَّن ذلك في الواقعة بعد اللام، وليس بعدها (أَنْ).

(كَيْ) المَصدريَّة فيها تفصيل يأتينا إن شاء الله.

نقف على هذا.

والله أعلم، وَصَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيَّنَا مُحَمَّد، وَعَلى آله وَصَحْبِه أَجْمَعِين

!!!

ص: 13