المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (عوامل الجزم) ـ * الأدوات التي تجزم - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ١١٢

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (عوامل الجزم) ـ * الأدوات التي تجزم

‌عناصر الدرس

* شرح الترجمة (عوامل الجزم) ـ

* الأدوات التي تجزم فعلاً واحداَ، وبعض أحكامها

* الأدوات التي تجزم فعلين وبعض أحكامها

* أدوات الشرط تطلب فعلين الأول يسمى فعل الشرط والثاني جوابه

* أحوال جملتي الشرط والجزاء من حيث نوع الفعل.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:

قال النَّاظِم - رحمه الله تعالى -: (عَوَامِلُ الْجَزْمِ).

هذا هو النَّوع الثالث من أنواع إعراب الفعل المضارع، قلنا: الفعل إمَّا أن يكون مُعرباً، وإمَّا أن يكون مبنياً، والبناء إمَّا أن يكون على الفتح وإمَّا على السكون، يكون على الفتح إذا اتَّصَل به نونا التوكيد الثقيلة أو الخفيفة، ويكون بناؤه على السكون إذا اتَّصَل به نون الإناث، هاتين الحالتين نحكم عليه بأنَّه مبني.

وأمَّا إعرابه فهو إمَّا أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجزوماً، هذه ثلاثة أنواع: إمَّا أن يكون مرفوعاً، وإمَّا أن يكون منصوباً، وإمَّا أن يكون مجزوماً، فالرَّفع أشار إليه بقوله:(ارْفَعْ مُضَارِعَاً) والنَّصب: (وَبِلَنِ انْصِبْهُ)، ثُم شَرَع في بيان الجزم، وقال:(عَوَامِلُ ?لْجَزْمِ).

وهناك قال: (إِعْرَابُ الْفِعْلِ) فجمع بين نوعين: الرَّفْع والنَّصْب، ولم يُعنْوِن لأن الرَّفْع ذكره في بيت واحد

لا يَحتاج إلى ذكر، وإنَّما يكون مرفوعاً والعامل فيه تَجرُّده، ثُم الرَّفْع قد يكون بِحركة وقد يكون بِحرفٍ ولا إشكال فيه، ليس فيه تفصيل، وأمَّا النَّصب فيحتاج إلى تفصيل، ولذلك بدأ بالبيت الثَّاني:(وَبِلَنِ انْصِبْهُ).

ثُم قال: (عَوَامِلُ ?لْجَزْمِ)(عَوَامِلُ) جمع عامل، وسَبَق أنَّ العَامِل ما أثَّر في آخر الكلمة من اسمٍ أو فعلٍ أو حرف، أو ما أوجب كون آخر الكلمة على وجهٍ مخصوص من رفْعٍ أو نَصْبٍ أو خفضٍ أو جزمٍ، وقلنا: الثاني أعمُّ من الأول، لأن الأول يقتضي أن يكون الذي أثَّر: إمَّا أن يكون فعلاً، أو اسْماً أو حرفاً، وهذه عوامل لفظيَّة، وبقي العوامل المعنويَّة، لأن قوله: من فعلٍ أو اسمٍ أوحرفٍ، هذا بيان لِمَا .. ما أثَّر .. "ما" شيءٌ أثَّر في آخر الكلمة .. في آخر الاسم المعمول .. في المعمول، حِينئذٍ ما هو الذي أثَّر في آخر الكلمة؟ قال: من اسمٍ أو فعلٍ أو حرف، هل العوامل كلها محصورة في هذه الأنواع الثلاثة؟ الجواب: لا، هذا ذكرٌ لنوع واحد من نوعي العامل، وهو العامل اللفظي، وبقي عليه العامل المعنوي.

ولذلك القول بأنه ما أوجب كون آخر الكلمة على وجهٍ مخصوص، يعني: شيءٌ أوجب كون آخر الكلمة على وجهٍ مخصوص، ثُم فسَّر هذا الوجه المخصوص بكونه من رفعٍ أو خفضٍ أو نصبٍ أو جزمٍ، قوله: ما أوجب، شيءٌ أوجب، قد يكون لفظياً وقد يكون معنوياً، فالتخصيص ليس بواردٍ.

(عَوَامِلُ ?لْجَزْمِ) عرفنا الجزم المراد به في اللغة: هو القطع، جزمت الحبل إذا قَطَعتَه، وأمَّا في الاصطلاح: فهو - كما سبق معنا - تغيير مخصوص علامته السكون وما ناب عنه.

ص: 1

تغييرٌ مخصوص: هذا بناءً مذهب الكوفيين من أنَّ الإعراب معنوي، وعلى القول بأنه لفظي هو السكون وما ناب عنه، الذي ينوب عن السكون شيءٌ واحد وهو الحذف، والسكون داخلٌ في الحذف، لأن الحذف إمَّا أن يكون حذف حركة، أو يكون حذف حرفٍ، وإذا قيل: يقوم .. لم يقم، أنْتَ حذفت الحركة فصار سكون، فالسكون حِينئذٍ ليس من الحركات، ولذلك الحركات إمَّا ضَمَّة أو فتحة أو كسرة، لأنها شيءٌ يُلفظ بها، وأمَّا السكون فهو عدم حِينئذٍ لا يلتفت إليه.

(عَوَامِلُ ?لْجَزْمِ) قلنا: هذا من خصائص الفعل المضارع، لأن العمل إذا كان خاصَّاً بالاسم فلا يعمل ذلك العمل الخاص إلا ما اخْتصَّ بالدخول عليه، فإذا قيل: بأن أنواع الإعراب أربعة: رفعٌ ونصبٌ وخفضٌ وجزمٌ، اشترك الاسم والفعل في الرَّفْع والنَّصْب، وانفرد الاسم بالخفض ولم يشاركه الفعل، وانفرد الفعل بالجزم ولم يشاركه الاسم.

حِينئذٍ كل ما اقتضى عملاً خاصَّاً فلا بُدَّ أن يكون العامل فيه مِمَّا يَختصُّ بِمدخوله، إن كان خفضاً فلا يعمل فيه إلا ما اخْتصَّ بالدخول على الاسم وهو حرف الجر أو المضاف، ولذلك المضاف وحرف الجر لا يدخلان الفعل البتَّة، وكذلك الجزم، نقول: النوع هذا من خصائص الفعل المضارع، حِينئذٍ ما الذي يُحدثه؟ يُحدثه (لَم) و (من) مِمَّا يَجزم فعلاً واحداً أو يَجزم فعلين؟ نقول: هذه لا تدخل إلا على الفعل على جهة الخصوص ولا تدخل على الجملة الاسمية، ولا على الاسم لوحده.

ولذلك مِمَّا يُرجح أنَّ قوله: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ)) [التوبة:6] فأن (أنْ) هنا داخلةٌ على جملة فِعليَّة كونها تعمل، حِينئذٍ كيف يُقال: بأنَّها تعمل الجزم، ثُم تدخل على الجملة الاسْمية:(وَإِنْ أَحَدٌ) مبتدأ، وجملة (اسْتَجَارَكَ) خبر، هذا مِمَّا يدل على أنَّ هذا القول ضعيف، والصواب أنَّه: وإن أحدٌ استجارك .. وإن استجارك أحدٌ، يجب التقدير هنا، ويكون (أَحَدٌ) هذا فاعل لفعلٍ محذوف.

(عَوَامِلُ ?لْجَزْمِ) يعني: التي تَجزم الفعل المضارع نوعان .. على قسمين:

- منها ما يَجزم فعلاً واحداً، ومنها ما يَجزم فعلين، الذي يجزم فعلاً واحداً أربعة ذكرها النَّاظم بقوله:

بِلَا وَلَامٍ طَالِباً ضَعْ جَزْمَا

فِي الْفِعْلِ هَكَذَا بِلَمْ وَلَمَّا

والذي يجزم فعلين إحدى عشرة أداة، عنها بقوله:

وَاجْزِمْ بِإِنْ وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا

أَيٍّ مَتَى أَيَّانَ أَيْنَ إِذْ مَا

وَحَيْثُمَا أَنَّى وَحَرْفٌ إِذْ مَا

كَإِنْ وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا

البيت الأول فيما يجزم فعلاً واحداً، فذكر فيه أربع أدوات، والبيت الثاني والثالث مِمَّا يَجزم فعلين، وذكر فيه إحدى عشرة أداة:

بِلَا وَلَامٍ طَالِبَاً ضَعْ جَزْمَا

فِي الْفِعْلِ. . . . . . . . . .

ص: 2

(ضَعْ) هذا فعل أمر من: وضع .. يضع .. ضع، وسبق أنَّ وضع يضع، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، مثل: وعد .. يعد، (وعَدَ) واوي .. من باب (يَفْعِلُ) حِينئذٍ إذا قيل في المضارع: يَعِدُ، نقول: أصله: يَوعِـ .. وقعت الواو بين الفتحة .. الياء، وبين الكسرة فحذفت، حِينئذٍ حذفت لِعلة تصريفيَّة، يَوعِد .. يَعِد، وضَعَ .. يَوضِع، يعني: نُقِل من باب (فَعَل يَفْعَل) إلى: (يَفْعِل) من أجل إسقاط الواو.

إذاً: (ضَعْ) نقول: هذا فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنْتَ، (جَزْمَاً) هذا مفعولٌ به.

(بِلَا) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (ضَعْ): ضع جزماً بلا، (وَلَامٍ) هذا معطوفٌ عليه، (طَالِباً): ضع أنْتَ حال كونك طالباً، فدلَّ على أنَّ المراد (بِلَا وَلَامٍ) مَمَّا يدلُّ على الطَّلب، (فِي الْفِعْلِ) هذا مُتعلِّق بقوله:(ضَعْ): ضَع جزماً في الفعل بـ: (لا ولامٍ) حال كونك طالباً بـ: (لا ولامٍ) يعني: كلٌ منهما طلبيَّة، بـ:(لا) الطَّلبيَّة، وهي الناهية أو الدعائية، وبـ:(لامٍ) الطَّلبيَّة وهي لام الأمر أو الدعاء.

(هَكَذَا بِلَمْ وَلَمَّا)(هَكَذَا) الهاء حرف تنبيه، (كَذَا بِلَمْ) كلاهما جار ومَجرور متعلقان بفعلٍ محذوف دلَّ عليه الأول، أي: وضع جزماً بـ: (لَمْ) و (لَمَّا)(فِي الْفِعْلِ) يعني: في الفعل المضارع، ولذلك أطلقه هنا، وكما سبق أنَّه إذا أطلق في مَقام الإعراب الفعل فالمراد به الفعل المضار.

إذاً: هذه أربع أدوات تَجزم الفعل المضارع، ويكون فعلاً واحداً ولا تحتاج إلى شرطٍ ولا جواب، أي: تَجزم (لا واللام) الطلبيتان الفعل المضارع، أمَّا (لا) فتكون للنَّهي، نحو:((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) [التوبة:40] .. ((لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ)) [لقمان:13](لا) ناهية هنا، وهي جازمة للفعل المضارع، تفتقر إلى فعلٍ واحد فقط فيظهر أثرها فيه، ولا تحتاج إلى فعلٍ آخر.

إذاً: (لَا) تكون للنَّهي وهي طَلبيَّة: ((لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ)) [لقمان:13] .. ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) [التوبة:40] وكذلك تأتي (لَا) الطلبيَّة للدعاء، هو نهيٌ لكن تأدباً يُقال فيه: الدعاء، ((لا تُؤَاخِذْنَا)) [البقرة:286] .. ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا)) [البقرة:286](لَا) هذه ناهية في الأصل، لكن يُقال: دعائيَّة، أو طلبيَّة دعائيَّة من باب التأدب فحسب، وإلا فهي في حقيقة الأمر تكون للنهي.

((لا تُؤَاخِذْنَا)) [البقرة:286] فـ: (لَا) هذه نقول: طالبة لعدم المؤاخذة، فـ:(تُؤَاخِذْنَا) فعل مضارع مَجزوم بـ: (لَا) النَّاهيَّة، وجزمه سكون آخره:((لا تُؤَاخِذْنَا)) [البقرة:286](لا) حرف نهي مبنيٌ على السكون لا مَحلَّ له من الإعراب.

كذلك: ((لا تُشْرِكْ)) [لقمان:13](لا) حرف نهي مبني على السكون لا مَحلَّ له من الإعراب، و (تُشْرِكْ) فعل مضارع مجزوم بـ:(لا) النَّاهيَّة، وجزمه سكون آخره، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، و (بِاللَّهِ) مُتعلِّق به، إذاً: تكون (لا) طلبيَّة ويُفسَّر الطَّلبي هنا بالنَّهي والدعاء، النهي كقوله:((لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ)) [لقمان:13] والدعاء كقوله: ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا)) [البقرة:286].

ص: 3

وكذلك اللام: (وَلَامٍ) فتكون للأمر وتكون للدعاء، يعني: تكون لام الأمر للأمر حقيقةً، كأن يكون من أعلى إلى أدنى، هذا يُسمَّى: لام الأمر، ومن أعلى إلى أدنى يُسمَّى: دعاء، ومن مساوي إلى مساوي يُسمَّى: التماس هذا المشهور، وإن كان هذا لا يدلُّ عليه لسان العرب، وإنما يدل على أنَّ كل أمرٍ يكون من أعلى إلى أدنى، هذا الأصل فيه، وأمَّا الالتماس فهذا الظَّاهر أنه مُصطنع .. اصطلاح.

إذاً: اللام تكون للأمر نَحو: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ)) [الطلاق:7](لِيُنفِقْ) تقول: اللام لام الأمر حرفٌ مبنيٌ على الكسر لا مَحلَّ له من الإعراب، و (يُنفِقْ) فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلام الأمر، وجزمه سكون آخره: يُنفق هو ذو سعة، وكذلك تأتي لام الأمر للدعاء:((لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)) [الزخرف:77](لِيَقْضِ) اللام لام الأمر حرفٌ مبنيٌ على الكسر لا مَحلَّ له من الإعراب، (يَقْضِ) فعل مضارع مَجزوم بلام الأمر، وجزمه حذف حرف العِلَّة الياء، والكسرة دليلٌ عليه ((لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)) [الزخرف:77] (رَبُّكَ) فاعل.

إذاً: جاءت اللام .. لام الأمر، أو اللام الطلبيَّة مراداً بها الأمر حقيقةً، وذلك فيما إذا كان من أعلى إلى أدنى:((لِيُنفِقْ)) [الطلاق:7] وكذلك الدُّعائيَّة إذا كانت من أدنى إلى أعلى: ((لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)) [الزخرف:77].

وقد دخل تَحت الطَّلب الأمر والنَّهي والدعاء، إذاً: الأمر والنهي والدعاء في (لَا) الناهيَّة ولام الأمر، كلٌ منهما يُعبَّر عنه بأنه: طلب، لأنه قال:(بِلَا وَلَامٍ طَالِباً) فقوله: (طَالِباً) يشمل النهي في (لَا)، ويشمل الدعاء في (لَا)، ويشمل الأمر من أعلى إلى أدنى في لام الأمر، ويشمل الأمر الذي هو الطَّلب من الأدنى إلى الأعلى، الذي يُسمَّى بالدعاء وهو في حقيقته أمرٌ، لكن إذا كان من جهة المخلوق إلى الخالق تُسمَّى لام الأمر دعاءً تأدباً فحسب، وإلا الأصل اللغة لم تُفرق، لأن هذا اصطلاح.

فالعرب الفصيح لم يقل: هذه اللام دعائيَّة وهذه اللام طَلبيَّة، لم يرد هذا، وإنَّما هو استنباط من عند النُّحاة والبيانيين، حِينئذٍ نقول: المسألة اصطلاحيَّة فحسب، وإلا الأمر هو الطلبٌ من أعلى إلى أدنى مُطلقاً.

إذاً: دخل تحت قوله: (طَالِباً) أي: آمراً أو ناهياً أو داعياً أو مُلتمساً، والالتماس: هو أن يقول الرجل لصاحبه .. لقرينه .. ليس بأعلى ولا أدنى: لتضرب زيداً، لتضرب قالوا: هذه اللام هنا ليس دعاء وليس لام الأمر، وإنما هو التماس، إذا كان من المساوي للمساوي .. القرين للقرين .. الصديق لصديقه، ليس بأعلى منه ولا بأدنى، نقول: هذا التفريق كله مُجرَّد اصطلاح فحسب.

إذاً: دخل تحت قوله: (بِلَا وَلَامٍ طَالِباً) دخل الطَّلب: الأمر والنَّهي والدعاء في النوعين، والاحتراز به من غير الطَّلبيتين مثل:(لا) النَّافية والزائدة، واللام التي ينتصب بعدها المضارع، إذاً: ليس كل لام، وليس كل (لا)، لأن اللام تأتي كما سبق حرف جر، ينتصب بعدها الفعل المضارع ليست طَلبيَّة، إنَّما هي حرف جر .. تعليل ونحو ذلك.

ص: 4

إذاً: اللام التي يُجزم بها الفعل المضارع هي اللام الطَّلبيَّة، احترازاً عن غيرها، لأن اللام تَختلف، وكذلك (لَا) المراد بها (لا) الطَّلبيَّة التي تَجزم ويكون المراد بِها النهي، حِينئذٍ (لا) الزائدة ليست مُرادة هنا، و (لا) النَّافيَّة ليست مرادة هنا، وإنَّما النَّفي مُغاير للنَّهي هذا الأصل، والنَّفي لا يؤثِّر من جهة الإعراب وإنْ أثَّر من جهة المعنى.

إذاً: (طَالِبَاً) قال بعضهم: أي آمراً أو ناهياً أو داعياً أو ملتمساً، قوله:(طَالِبَاً) أشْعَر كلامه أنَّ اللام و (لا) الطَّلبيَّة لا يجزمان فعلي المُتكلِّم، لماذا؟ لأن الآمر الأصل فيه أن يطلب من غيره، ويأمر غيره، وينهى غيره، وهل يُتصوَّر أنَّه يأمر نفسه، أو ينهى نفسه؟ في لسان العرب الأكثر خلاف ذلك: ألا يُستعمل (لا) النَّاهيَّة في نَهي النَّفس، ولا يستعمل اللام .. لام الأمر في أمر النَّفس.

وهذا يُشْعِر به قوله: (طَالِبَاً) طالباً مِن مَن؟ من الغير، حِينئذٍ طالباً من نفسك، هذا ليس بوارد، إذاً: قد تدخل اللام و (لا) على فعل الغائب، وعلى المُتكلِّم، وعلى المخاطب، لكن ليست على مرتبةٍ واحدة، وإن كان ظاهر كلام النَّاظم النفي، لكن في غيره أثبته.

نقول الخلاصة في هذا البحث: اللام يكثُر دخولها على فعل الغائب .. لام الأمر: ((لِيُنفِقْ)) [الطلاق:7](يُنفِقْ) أنفق .. يُنفِق، الياء هذه للغائب، أكثر ما تدخل اللام على الفعل المضارع الغائب، وهل تدخل على فعل المُتكلِّم؟ هذا مَحلُّ نزاع، لكن نقول: الصواب أنها قد تدخل على فعل المُتكلِّم، ولكنَّه لا يكثُر، كثرة دخولها على فعل الغائب، يعني: تدخل على مُتكلِّم فيأمر نفسه، لكنَّه ليس بالكثير، وإنما الكثير دخولها على فعل الغائب.

ويندر دخولها على فعل المُخاطَب، لأن الأمر للمخاطَب له صيغةٌ تَخصُّه: لِتفعل يا زيدُ، نقول: هذا ليس بوارد، يعني: في الأصل ليس بِوارد، وإن سُمِع .. موجود:(فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) .. ((فَلْيَفْرَحُوا)) [يونس:58] الأصل: (فَلْيَفْرَحُوا) مثل: ((فَلْيُنفِقْ)) [الطلاق:7] لكن سُمِع: (فَلْتَفْرَحُوا) قرئ بهما.

حِينئذٍ نقول: الأصل فيه أنْ يكون للغائب، وأمَّا المتكلِّم أو المُخاطَب فهذا قليل، ولذلك جاء في الحديث:{فَلِأُصَلِّ لَكُمْ} أمرَ نفسه، دخلت اللام هنا على المُتكلِّم، إذاً: الأصل في لام الأمر أن تدخل على فعل الغائب، ودخولها على المتكلِّم أن يأمر نفسه:{قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ} هذا وارد ومسموع وفصيح لكنَّه قليل، يعني: بالنِّسبة إلى دخولها على فعل الغائب قليل، وكذلك على المُخاطَب، لأن المخاطب وضَعَت له العرب صيغة تَخصُّه: افعل .. اضرب، إذاً: لماذا نَعدِل عن الصيغة الموضوعة لها في لسان العرب، وهي: اضرب، فنقول: لِتضرب .. نعدل عن الأصل إلى الفرع؟ قالوا: إذاً الأصل فيها عدم الدخول.

وأمَّا (لَا) فدخولها على فعل الغائب والمُخاطَب كثير: لا تضرب، كثير (لا) وكذلك على الغائب:((فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)) [الإسراء:33] جاء في القرآن، إذاً: دخولها (لَا) النَّاهيَّة على الغائب وعلى المُخاطَب كثير.

ص: 5

وأمَّا (لَا) فدخولها على فعل الغائب والمُخاطَب كثير، ولا تَختصُّ بالغائب ولا تكثر في المُخاطَب، فمثال دخولها على فعل الغائب واردٌ في القرآن:((فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)) [الإسراء:33] وربَّما دخلت على فعل المُتكلِّم كما سيأتي:

فلَا أَعْرِفَنْ رَبْرَباً ..

فلَا أَعْرِفَنْ: ينهى نفسه، لكن ظاهر كلام النَّاظم (طَالِباً) يعني: طالباً من الغير، إذاً: أشْعَر كلامه بأنَّ لام الأمر و (لَا) النَّاهيَّة تدخل على المُتكلِّم، فلا يأمر نفسه ولا ينهى نفسه.

نقول: إن كان المراد بأنَّ الكثير أن يكون طالباً من غيره فمُسلَّم، وإن كان المراد أنَّه ليس بفصيح فغير مُسلَّم لوروده في القرآن، ووروده في السنَّة، ووروده في أشعار العرب، وإن كان بالنِّسبة إلى الغائب في لام الأمر و (لَا) النَّاهيَّة بالنِّسبة إلى الغائب والمُخاطَب كثير، إلا أنَّ الكثرة هنا والقِلَّة نِسبيَّة.

أشْعَر كلامه أنهما لا يَجزمان فِعليّ المتكلِّم، ويعنون بـ:(فِعليِّ المتكلِّم) الفعل المضارع المبدوء بِهمزة المتكلِّم، أو نون المُتكلِّم، يعني: لأُصلِّ .. لنُصلِّ، لأُصلي .. لنصلي، هل هذا وارد أم لا؟ كلام النَّاظِم أشْعَر أنَّه ليس بوارد.

أشْعَر كلامه أنهما لا يَجزمان فِعليّ المتكلِّم، وهما المبدوءان بالهمزة والنون، وهو كذلك في (لَا) ونَدَر قوله:

لَا أَعْرِفَنْ رَبْرَباً ..

(لَا أَعْرِفَنْ) هذا نَهى نفسه، وهذه النون للتَّوكيد ولذلك أكَّد بعد النَّفي.

إذَا مَا خَرَجْنَا مِنْ دِمَشْقَ فَلَا نَعُدْ ..

(فَلَا نَعُدْ) هناك قال: (فلَا أَعْرِفَنْ) دخلت (لَا) على فعل المُتكلِّم المبدوء بالهمزة، المُتكلِّم بنفسه، وكذلك (فَلَا نَعُدْ) دخلت على فعل مضارع للمُتكلِّم مبدوء بالنون.

فإن للمفعول جاز بكثرة، وهذا لا إشكال فيه: لا أُخْرَج، يعني: مبني للمجهول، هذا لا إشكال فيه، وكذلك: لا نُخْرَج، لأنَّ المنهي غير المُتكلِّم: لا أُخْرَج، يعني: لا يُخرِجُني أحد .. لا نُخْرَج: لا يُخْرِجنا أحد، حِينئذٍ ليس المنهي هو المُتكلِّم، وإنَّما الكلام فيما إذا كان مَبنياً للمعلوم، وأمَّا إذا كان مبنياً للمجهول حِينئذٍ انفكت الجهة، فالنَّاهي غير المنهي .. الناهي هو المُتكلِّم والمنهي غيره، لأن الأصل: لا يُخرجني أحدٌ، للمعلوم، وفاعله هو (أحد) وياء المُتكلِّم مفعولٌ به، فلمَّا حذف الفاعل وبني للمجهول استتر .. الضمير الذي هو الياء المفعول به لَمَّا بُنِي الفعل لِمَا لم يُسمَّ فاعله حِينئذٍ ارتفع على أنَّه نائب فاعل، كان منصوباً فاستتر.

حِينئذٍ الفاعل ليس هو المُتكلِّم: لا يُخرجني أحدٌ .. لا أُخْرَج، إذاً: لا يُخرِجني أحد هذا المراد.

ص: 6

وأمَّا اللام فجزمها لفعليِّ المُتكلِّم مبنيين للفاعل جائزٌ في السَّعَة لكنَّه قليل، (جائزٌ في السَّعَة) يعني: في سَعَة الكلام .. في النَّثر، ومنه:{قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ} لا .. فَلِأُصَلِّ، اللام لام الأمر، (أُصَلِّ) فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، و (أُصَلِّ) هذا فعل مضارع مبدوء بالهمزة، إذاً: هو فعل مُتكلِّم، هل يأمر الإنسان نفسه؟ نقول: هنا ورد، وإذا ورد في السُّنَّة حِينئذٍ نقول: لا إشكال فيه، فيأمر الإنسان نفسه ويُنَزِّل نفسه مُنَزَّلة الغير فيأمرها ولا إشكال في هذا.

وكذلك قوله تعالى: ((وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ)) [العنكبوت:12](وَلْنَحْمِلْ) اللام لام الأمر هنا، و (نَحْمِلْ) هذا فعل مضارع مَجزوم بلام الأمر وهو للمُتكلِّم سواء كان وحده أو معه غيره.

وأقلُّ منه جزمها فِعْل الفاعل المُخاطَب، كقراءة أُبَي وأنس:(فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) خطاب، وهذا فيه عدولٌ عن أصل، ولا إشكال فيه، لأن الصِّيغة إذا كانت مستعملة في لسان العرب:(تَفْرَحُوا) وأدخلت عليه اللام .. على الأصل حِينئذٍ لا إشكال.

وكونه عُدِل عن (افْعَل) افرحوا، وهو الأصل في الأمر وإن كان مَعدُولاً عن هذا، نقول: إلا أنَّه عَدَل إلى شيءٍ مُستعملٍ في لسان العرب، فكأنَّه مُخيَّر بين هذا وذاك، والأكثر والأفْصَح والمطَّرِد في لسان العرب: أنْ يأتي بالصِّيغة الموضوعة للأمر، فيقول: افرحوا .. هذا أكثر من قوله: (فَلْتَفْرَحُوا) وكلاهما جائز، إلا أنَّ (فَلْتَفْرَحُوا) أقل بكثير من قوله: افرحوا.

وكذلك قوله: {لِتَأخُذُوا مَصَافَّكُمْ} ما قال: خذوا، مع أنَّه قال:{خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ} في موضع آخر، (لِتَأخُذُوا) إذاً: استعمل هذا واستعمل ذاك، نقول: هذا جائز وهذا جائز فلا يُمنع، ولا يُحكم بكونه شاذَّاً، ونقول: لا بأس أن يأمر نفسه وينهى نفسه ولكن على جهة التَّنْزِيل.

والأكثر الاستغناء عن هذا بفعل الأمر، وفرقٌ بين أن يُقال: فصيح وأفصح، وبين أن يُقال: كثير وأكثر، وبين أن يُقال: قليل لا يُخالف الفصيح، وبين أن يُقال: هذا نادرٌ قليل لا يُعوَّل عليه، فرقٌ بين هذه المصطلحات كلها، إذا قيل: لا يُعوَّل عليه أو نادر هذا لا يأتي في القرآن، ولا يأتي في السُّنَّة النَّبوية، فإذا جاء في السنة النبوية ولو في حديث واحد نقول: هذا فصيحٌ، ونَحكم عليه بِكونه يَجوز استعماله، وإن كان غيره أكثر، لا معارضة بين هذا وذاك.

إذاً: (بِلَا وَلَامٍ طَالِبَاً ضَعْ جَزْمَا) عرفنا أنَّ مُراده (طَالِباً) أي: طالباً من الغير، فأشْعَر أن فِعلي المُتكلِّم لا تدخل عليه لام الأمر، ولا (لَا) النَّاهيَّة أو الدعائية، والصواب على ما ذكرناه من التفصيل.

لا يُفصَل بين (لَا) ومَجزومها، وأمَّا قوله:

عَزِيزٍ وَلَا ذَا حقِّ قَوْمِك تَظْلِمُ ..

ص: 7

هذا ضرورة، يُحفظ ولا يُقاس عليه، وأجاز بعضهم في قليلٍ من الكلام نَحو: لا اليوم تَضرِب .. لا تَضرِب اليوم، يعني: يُفصَل بين (لَا) الجازمة وبين معمولها الفعل بالظرف، لأنَّه يُتوسَّع في الظَّرْف والجار والمجرور ما لا يُتوسَّع في غيره، والصواب أنْ يُقال: بأنَّه إن سُمِع نعم، وأمَّا مُجرَّد أمثلة مصطنعة فالأصل المنع، يعني: لا يُفصل بين (لَا) الجازمة وبين معمولها وهو الفعل المضارع.

حركة اللام الطَّلبيَّة الكسر: ((لِيُنفِقْ)) [الطلاق:7] وفتحها لغةٌ وهو لغة سُليْم، ويَجوز تسكينها بعد الواو والفاء وثُم، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها.

بِلَا وَلَامٍ طَالِبَاً ضَعْ جَزْمَا

فِي الْفِعْلِ. . . . . . . . . . . .

إذاً: عرفنا الجازم الأول وهو (لَا) الطَّلبيَّة وتشمل النَّاهيَّة والدُّعائيَّة، ولامٍ طلبيَّة تشمل لام الأمر، ولام الدعاء، هذا عند التَّفصل، عَدَّها ابن آجروم أربعة، والصواب أنَّها نوعان فقط:(لا) في النَّهي والدعاء، ولام الأمر والدعاء.

إذاً: ضع جزماً في الفعل بـ: (لَا) ولامٍ طالباً: حال كونك طالباً، (هَكَذَا بِلَمْ وَلَمَّا) يعني: ضع جزماً بـ: (لَمْ) و (لَمَّا) هكذا مثل وضعك السابق في اللام و (لَا)، ضع جزماً في الفعل، فيجزم الفعل المضارع بلام الأمر والدعاء و (لَا) في النهي والدعاء، مثله يُجزم الفعل المضارع ويكون واحداً بـ:(لَمْ) و (لَمَّا) .. (هَكَذَا بِلَمْ وَلَمَّا).

إذاً: (هَكَذَا) الهاء هاء تنبيه، (ذَا .. كَذَا .. كَذَا) الكاف حرف جر، و (ذَا) اسم إشارة، الجار والمجرور مُتعلِّق بِمحذوف، (بِلَمْ) جار ومجرور مُتعلِّق بِمحذوف فعل، نُقدِّره من الفعل السابق، لأنَّه فَصَل الجملة: ضع جزماً بـ: (لَا) ولامٍ في الفعل، وضع جزماً بـ:(لَمْ) و (لَمَّا) هكذا .. مثل السَّابِق، في كونه يَجزم فعلاً مضارعاً واحداً ولا يحتاج إلى آخر.

(لَمْ) و (لَمَّا) يشتركان ويفترقان، ولذلك بعضهم يقول:(لَمَّا) أختها، يعني: أخت (لَمْ)، لأن (لَمَّا) في العربيَّة على ثلاثة أقسام كما سيأتي، والمراد هنا أخت (لَمْ)، يعني: التي تَجزم فعلاً وتشترك معها في كونها حرفيَّة، والاختصاص بالفعل المضارع، والنَّفي، والجزم، وقلب معنى الفعل للمُضِّي، وجواز دخول همزة الاستفهام، هذه ستة.

إذاً: يشتركان (لَمْ) و (لَمَّا) في ستة أمور:

الأول: الحرفيَّة، كلٌ منهما حرف:(لَمْ) حرف، و (لَمَّا) حرفٌ، وكلٌ منهما مُجمع على حرفيَّته، (لَمْ) حرفٌ بإجماع، و (لَمَّا) التي تَجزم مثل (لَمْ) حرفٌ بإجماع، وأمَّا (لَمَّا) الحينيَّة الوقتيَّة هذه منازعٌ فيها، إذاً: الأول في الحرفيَّة.

والثاني: الاختصاص بالمضارع، كلٌ منهما يَختصُّ بالدخول على الفعل المضارع، ولذلك سبق:

فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ ..

و (لَمَّا) .. قلنا: (لَمَّا) مثلها، فليس الحكم خاصَّاً بـ:(لَمْ) بل مثلها: (لَمَّا) إذاً: يَختصَّان بالدخول على الفعل المضارع.

ص: 8

ثالثاً: النَّفي، كلٌ منهما ينفي، يعني: ينفي الحَدَث: لَم يَضرِب، نُفي الضَّرب .. الضَّرب لَم يوجد .. غير موجود .. عَدَم .. منفي! لَمَّا يضرب زيدٌ عمراً، الضَّرب هنا مُنتفي، إذاً: كلٌ منهما نفى وقوع الحَدَث وتَحقُّق مضمون الفعل الذي هو الحَدَث.

الرابع: قلب معنى الفعل للمُضِّي، الأصل في الفعل المضارع أنَّه يدل على الحال، تقول: يضرب زيداً عمراً .. يَضرِب – الآن – زيدٌ عمراً، ثُم تُدخِل (لَمْ) فتقول: لَمْ يضرب زيدٌ عمراً، (لَمْ يضرب) متى؟ في الزمن الماضي، ولذلك صَحَّ أن يُقال: لَمْ يضرب زيدٌ عمراً أمسِ، ولذلك انْتُقِد الحريري:

فَكُلُّ مَا يَصْلُحُ فِيهِ أَمْسِ

فَإِنَّهُ مَاضٍ بِغَيْرِ لَبْسِ

يعني: جُعل (أمس) علامةً على أنَّ الفعل ماضي، إن كان المراد ماضي المعنى واللفظ، أو المعنى دون اللفظ فلا إشكال، لكن ليس هذا المراد، إنَّما المراد ماضي اللفظ والمعنى، انتقد عليه بكون (أمسِ) تأتي مع الفعل المضارع المنفي: لَمْ يضرب زيدٌ أمسِ، إذاً: لَمْ يضرب، الأصل أنَّه للحال، فدخلت (لَمْ) و (لَمَّا) فقلبت زمن الفعل المضارع من الحال إلى المُضِّي ولذلك صَحَّ دخول (أمسِ) عليها.

خامساً: جواز دخول همزة الاستفهام عليهما، وعَدَّهما ابن آجروم هناك أربعة:(لَمْ، ولَمَّا، وألَمْ، وألَمَّا) وهما اثنان: ((أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)) [الشرح:1] نقول: (نَشْرَحْ) فعل مضارع مجزوم بـ: (لَم) أو بـ: (ألَمْ)؟ بـ: (لَم) والهمزة هذه؟ استفهام، إذاً لا نقول: مجزوم بـ: (ألَم) نقول: الهمزة للاستفهام التقريري، و (لَم) حرف نفيٍ وجزم وقلب، و (نَشْرَحْ) فعل مضارع مجزوم بـ:(لَم) وليس بـ: (ألَمْ).

إذاً: عَدُّها (لَمْ، وألَمْ، ولَمَّا، وألَمَّا) نقول: هذا فيه نظر .. ليس بصحيح.

إذاً: هذه الأمور الستة يشتركان فيها، وتنفرد (لَمْ) -من الفوارق بين (لَمْ) و (لَمَّا) - وتنفرد (لَمْ) بمصاحبة الشَّرط، (إنْ) الشَّرطيَّة، يعني: تتلوا الشَّرط بخلاف (لَمَّا) لا تليه، ولذلك جاء:((وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) [المائدة:67](إِنْ لَمْ تَفْعَلْ) جاءت بعد الشَّرط، ولا يَصِح:(إِنْ لَمَّا تَفْعَلْ).

((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)) [البقرة:24] نقول: هنا (لَمْ) تأتي تاليةً للشَّرط بِخلاف (لَمَّا).

إذاً: تنفرد (لَمْ) بِمصاحبة الشَّرط، نَحو:((وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)) [المائدة:67] بخلاف (لَمَّا).

وجواز قطع نَفْي مَنفِيِّها عن الحال بِخلاف (لَمَا) فإنَّه يجب اتصال نفي مَنفِيِّها بِحال النُّطق. من الفوارق في المنفي .. ما هو المنفي بـ: (لَمْ)؟ الفعل الذي بعدها .. الحَدَث: لَمْ يضرب، نفي الضرب هو المنفي، لَمَّا يضرب، نفي الضرب هو المنفي، الضرب .. عدم وجوده هو المنفي.

ص: 9

(لَمْ) إذا نطقت بـ: لَمْ يَضرب، ولَمَّا يضرب، يُشترط في (لَمَّا) أن يكون مَنفِيُّها مستمراً إلى حال التَّكلُّم .. نفي الضرب منفي إلى قولك: لَمَّا يضرب، وأمَّا (لَمْ) فلا يُشترط، قد يكون مستمراً وقد يكون مُنقطعاً: لَمْ يَضرِب زيدٌ عمراً .. لَمْ يقم زيدٌ، هذا يَحتمل أنَّه لَمْ يقم قبل أسبوع وقبل التَّكلُّم قد قام، إذاً: قد يكون منقطعاً وقد يكون مستمراً.

ومَثَّل ابن هشام للمستمر بقوله ((لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)) [الإخلاص:3]، وللمنقطع ((لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)) [الإنسان:1] .. ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)) [الإنسان:1] فكان، أمَّا:((لَمْ يَلِدْ)) [الإخلاص:3] لا! فهو مستمر إلى أبد الآباد.

حِينئذٍ نقول: منفي (لَمْ) قد يكون مُنقطعاً وقد يكون مُستمراً، يعني: قبل النُّطق، وأمَّا (لَمَّا) فلا، بل يُشترط أنْ يكون مستمراً إلى حال النُّطق.

إذاً: جواز قطع نفي مَنفِيِّها عن الحال، هذا في (لَمْ) بِخلاف (لَمَّا) فإنَّه يجب اتصال نفي مَنفِيِّها بِحال النُّطق، ومن ثَمَّ -لهذا الخلاف- جاز: لَمْ يكن ثُم كان .. لَم يقم زيدٌ ثُم قام يَجوز، وأمَّا: لَمَّا يقم زيدٌ ثُم قام تناقض، متى قام الثاني هذا؟ ما حصل! لَم يقم زيدٌ ثُم قام .. لَمْ يقم قبل ساعتين، ثُم قام بعدها قبل أن أتكلَّم، إذاً: وقع النفي ووقع الوجود قبل زمن التَّكلُّم، وأمَّا: لَمَّا يقم، هذا إلى زمن التَّكلُّم ثُم قام، متى قام هذا؟!

أنا نفيت قيامه إلى زمن التَّكلُّم، ثُم أثْبتُّ القيام، هذا تناقض لا يصلح.

ومن ثَمَّ جاز: لَمْ يكن ثُم كان، وامتنع: لَمَّا يكن ثُم كان.

وجواز الفَصْل بينها وبين مَجزومها اضطراراً، يعني:(لَمْ) يَجوز أن يفصل بينها وبين الفعل المضارع الذي جزمته لكن في الضرورة لا في سَعَة الكلام، كقوله:

فَذَاكَ وَلَمْ إِذَا نَحْنُ امْتَدَيْنَا ..

(لَمْ إِذَا نَحْنُ امْتَدَيْنَا) فُصِل بينهما بالظَّرف: (إذَا نَحْنُ)(لَمْ .. امْتَدَيْنَا).

وأنَّها قد تُلغَى فلا يُجزم بِها .. (لَمْ) قد تلغى فلا يُجزم بِها، قال في (التَّسهيل): حملاً على (لَا)، وفي (شرح الكافيَّة) حملاً على (مَا) وهو أحسن، لأن (مَا) تنفي الماضي كثيراً بِخلاف (لا)، إذاً: يَجوز ألا تعمل.

وتنفرد (لَمَّا) بِجواز حذف مَجزومها والوقف عليها في الاختيار، تقول: قاربت المدينة ولَمَّا أدخلها، يَجوز أن تَحذف المنفي فتقول: قاربت المدينة ولَمَّا .. حذفت ما بعدها، وأمَّا: قاربتُ المدينة ولَمْ .. لا يَجوز، لا بُدَّ أن تقول: ولَمْ أدخلها، لا يحذف مدخول (لَمْ) البتَّة، بخلاف (لَمَّا)، هذا من الفوارق، والعمدة السَّماع.

فتقول: قاربت المدينة ولَمَّا، أي: ولَمَّا أدخلها، ولا يَجوز ذلك في (لَمْ).

ص: 10

ومن الفوارق: بكون مَنفِيِّها يكون قريباً من الحال، ولا يُشترط ذلك في منفي (لَمْ)، يعني:(لَمَّا) مَنفِيِّها يكون قريباً من الحال الذي هو النُّطق، ولا يُشترط ذلك في منفي (لَمْ)، تقول: لَمْ يكن زيدٌ في العام الماضي مقيماً، ولا يَجوز: لَمَّا يكن، يعني: لا تنفي بـ: (لَمَّا) شيء بعيد قبل سنة أو سنتين، وإنَّما إذا أردت ذلك تنفيه بـ:(لَمْ) ولا تأتي بـ: (لَمَّا) .. (لَمَّا) لا بُدَّ أن يكون المنفي قريب من الحال، تنفي قبل يوم .. يومين .. ثلاث إلى آخره، وأمَّا تنفي قبل سنة فلا، إنَّما تستعمل (لَمْ)، هذا من الفوارق بينهما.

قال ابن مالك: " هذا غالبٌ لا لازم " يعني: الغالب فيها أنَّها تنفي ما كان قريباً من الحال (لَمَّا) بِخلاف (لَمْ) للبعيد، لكن هل هو لازمٌ لها أم غالب؟ الكثير على أنَّه لازمٌ لها، فإذا اسْتَعملت (لَمَّا) في البعيد قالوا: هذا لحنٌ .. غلط! وعلى رأي ابن مالك: أنَّه غالبٌ لا لازم، قالوا: هذا هو الصَّحيح.

وبكون مَنفِيِّها يُتوَقَّع ثبوته، يعني: بعد (لَمَّا) إذا قُلتْ: قاربت المدينة ولَمَّا أدخلها، يعني: وسأدخلها لأنه قريب الحصول، وهو متفائل بِحصوله، وكأن الأسباب الدَّالة على الحصول قد وجدت، بِخلاف (لَمْ) قد يكون قريب الحصول وقد لا يكون.

وبكون مَنفِيِّها يُتوَقَّع ثبوته بِخلاف منفي (لَمْ) نَحو قوله تعالى: ((بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)) [ص:8] يعني: وسيذوقونه، يعني: فيه إشارة إلى ذوقهم للعذاب، وأمَّا (لَمْ) فلا، ((بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)) [ص:8] أي: أنَّهم لم يذوقوه إلى الآن، وأنَّ ذوقهم له مُتوقَّع .. سيقع، وهذا بالنِّسبَة إلى المستقبل، فأمَّا بالنِّسبة إلى الماضي فهما سِيَّان في التَّوقُّع وعدمه، ((بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)) [ص:8] في المستقبل، وأمَّا الماضي فقد تُستعمل (لَمْ) و (لَمَّا)، في شيءٍ يُتوقَّع أنَّه وقع، أو أنَّه لَمْ يَقع.

مِثال التَّوقُّع: ما لِي قُمتُ ولَمْ تقم؟ هذا توقُّع، أو: ما لِي قُمتُ ولَمَّا تقم، ومثال عدم التَّوقُّع أن تقول ابتداءً: لَمْ يقم، أو: لَمَّا يقم زيدٌ.

إذاً: (لَمَّا) و (لَمْ) يفترقان باعتبار المستقبل: أنَّ (لَمَّا) تُشير إلى تَوقُّع حصول ما بعدها أنَّه سيثبت: ((لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)) [ص:8] أي: سيذوقونه، وأمَّا باعتبار الماضي فلا .. لا فرق بين (لَمْ) و (لَمَّا) في التَّوقُّع .. تَوقُّع الحصول وعدمه، وإنَّما الخلاف في المستقبل.

إذاً: (هَكَذَا بِلَمْ وَلَمَّا) قلنا: (وَلَمَّا) أطلقها النَّاظِم وقرنها بـ: (لَمْ) فدلَّ على أنَّها أختها، لأن (لَمَّا) في لسان العرب على ثلاثة أنْحاء:

أولاً: أنَّها تأتي نافية بِمنْزلة (لَمْ) .. مثلها .. أختها، وإذا أطلقت في هذا المقام انصرفت إليه، كقوله:((لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ)) [عبس:23](لَمَّا) حرف نفيٍ وجزمٍ وقلب مبني على السكون لا مَحلَّ له من الإعراب، (يَقْضِ) فعلٌ مضارع مجزوم بـ:(لَمَّا) وجزمه: حذف حرف العِلَّة.

هذه الأولى نافية بمنزلة (لَم) وهي حرفٌ باتفاق.

ص: 11

الثاني: (لَمَّا) في لسان العرب إيجابيَّة بِمنْزِلة (إلا) يعني: تأتي للإيجاب، نَحو قولهم: عزمت عليك لَمَّا فعلت كذا، يعني: إلا فعلت كذا، فـ:(لَمَّا) هنا إيجابيَّة بِمعنى: (إلا) يعني: تُفسِّرها بـ: (إلا) فليست جازمة، ولذلك تدخل على الفعل الماضي: لَمَّا فَعَلْتَ .. (فَعَلْتَ) فعل ماضي، تقول مجزوم؟! لا، ليس بِمجزوم، لأن (لَمَّا) تَجزِم فعلاً واحداً وليست مثل: إن قام زيدٌ، تقول: في مَحلِّ جزم، هناك يأتي فعل الشَّرط وجواب الشَّرط قد يكون في مَحل جزم، وأمَّا هنا فلا.

عزمت عليك لَمَّا فَعَلتَ كذا، أي: إلا فعلت كذا، أي: ما أطلب منك إلا فعل كذا، وهذه حرفٌ باتفاق كذلك، ولا تدخل إلا على جملةٍ اسْميَّة نَحو:((إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)) [الطارق:4] حَافِظٌ عليها، (حَافِظٌ) مبتدأ مُؤخَّر، و (عَلَيْهَا) خبر مُقدَّم، إذاً: دخلت على جملة اسْميَّة.

أو على الماضي لفظاً على معنى: عزمت عليك لَمَّا فَعَلتَ، (فَعَلتَ) متى في الماضي أو في المستقبل؟ لَمَّا فَعَلتَ كذا، يعني: إلا فعلت كذا في المستقبل، عزمت عليك .. على شيءٍ مضى، أو شيء يقع؟ يعني: كأنَّه أُقسم عليك لَمَّا فعلت كذا، يعني: إلا تفعل كذا.

إذاً: دخلت على ماضي لفظاً لا معنىً، نَحو: أنشدك الله لَمَّا فعلت كذا، أي: إلا فعلت كذا، وهذه حَرفيَّة .. (لَمَّا) الإيجابيَّة حرفيَّة.

النَّوع الثالث (لَمَّا) في لسان العرب: أن تكون رابطة لوجود شيءٍ بوجود غيره، يُسميِّها البعض: حينيَّة، على القول: بأنَّها ظَرف، رابطة لوجود شيء بوجود غيره: لَمَّا جاءني أكرمته، هذه بِمنزلة (إنْ) الشَّرطيَّة، (إنْ) الشَّرطيَّة تفيد التعليق فحسب: لَمَّا جاءني أكرمته، إذاً: أفادت ربط الإكرام بالمجيء، فتدلُّ على ارتباط تَحقُّق مضمون الجملة الثانية بِتحقُّق مضمون الجملة الأولى ارتباط السَّببيَّة، وهذا شأن الشَّرط.

يعني: مضمون الجملة الثانية مرتبطٌ بِمضمون الجملة الأولى: إن جاء زيدٌ أكرمته، مضمون:(أكرمته) في التَّحقُّق والوجود متوقفٌ على مضمون: إنْ جاءني زيدٌ، (إنْ) تَحقَّق مضمون الجملة الأولى .. فعل الشَّرط تَحقَّق مضمون الجملة الثانية، أفادته (لَمَّا) التي بِمعنى حرف .. رابطة لوجود شيءٍ بوجود غيره، فهي شبيهة بِحرف الشَّرط، والصَّحيح أنَّها حرف، مع وجود خلاف.

ولا يليها إلا ماضٍ لفظاً ومعنىً، كقوله:((وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً)) [هود:58] إذاً: هي حرفٌ على الصَّحيح، ولا يليها إلا ماضٍ لفظاً ومعنىً.

فالنَّوع الثاني والثالث لا يحتاج للاحتراز عنهما لأن المضارع لا يليهما، ولذلك أطلق النَّاظِم هنا قال:(بِلَمْ وَلَمَّا) وبعضهم يقول: أختها، احترازاً من (لَمَّا) الإيجابيَّة و (لَمَّا) الرابطة، حِينئذٍ (لَمَّا) الإيجابيَّة و (لَمَّا) الرابطة لا تدخل على الفعل المضارع، وإذا لم تدخل حِينئذٍ لا لبس بينها وبين (لَمَّا) الجازمة.

والجمهور على أنَّ (لَمَّا) مركبةٌ من: (لَم) و (مَا) الزائدة، وقيل: بسيطة، والصَّحيح أنَّها بسيطة .. (لَم) و (مَا).

ص: 12

وتدخل همزة الاستفهام على (لَمْ) و (لَمَّا) فيصيران (ألَمْ) و (ألَمَّا) وهل صرفتهما عن العمل، أم هما باقيان على العمل؟ إذا دخلت همزة الاستفهام، هل تصرف (لَمْ) و (لَمَّا) عن العمل، أم تبقى عاملة الجزم في الفعل المضارع؟ الثاني، إذاً: باقيتين على عملهما: ((أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)) [الشرح:1] .. ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً)) [الضحى:6]، ونَحو قوله:

وقُلْتُ أَلَمَّا أَصِحَّ وَالشَّيْبُ وَازِعُ ..

(ألَمَّا أصِحَّ) بالنصب وليس بالرَّفْع، لماذا؟ لأنَّه مُضعَّف فيجوز فيه الوجهان، ولو ضُمَّ كذلك جائز، لكن الضَمُّ ليس في هذا الموضع، وإنَّما فيما إذا كان من باب (يَفْعُل) وأمَّا (يَفْعَل .. يَفْعِل) فليس فيه إلا الوجهان: الكسر والفتح، وإذا كان من باب (يَفْعُل) فيه وجهٌ ثالث وهو الضْمُّ: ألم يَشُدَّ .. ألم يَشِدِّ .. ألم يَشُدُّ، يَجوز فيه ثلاثة أوجه.

{ملحوظة} (الظاهر أنها بالرفع .. فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ: وليست بالنصب والتضعيف، فهي "أَصْحُ" بالتخفيف وحذف الواو، أي: مجزومة بحذف الواو، ويبدو أنه إذا قيل بالنصب والتضعيف (أَصِحَّ) فبالتضعيف سينكسر البيت، والله أعلم، وإذا قيل: أَصِحَّ فبمَ يكون الجزم؟ مع أنه مسوق في سياق الشاهد للجزم بعد الآية الكريمة فَلْيُتأَمل، والعلم عند الله)

إذاً:

بِلَا وَلَامٍ طَالِبَاً ضَعْ جَزْمَا

فِي الْفِعْلِ هَكَذَا بِلَمْ وَلَمَّا

قال الشَّارح هنا: " الأدوات الجازمة للمضارع على قسمين: أحدهما ما يَجزم فعلاً واحداً وهو أربعة أحرف، وهو اللام الدَّالة على الأمر، نَحو: ليقم .. لينفق .. ليقم زيد .. ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ)) [الطلاق:7]، أو على الدُّعاء نَحو:((لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)) [الزخرف:77] و (لا) الدَّالة على النَّهي، نَحو قوله تعالى:((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) [التوبة:40] أو على الدُّعاء: ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا)) [البقرة:286] و (لَمْ) و (لَمَّا)، وهما للنَّفي ويَختصَّان بالمضارع، ويقلبان معناه إلى المُضِّي، نَحو: لَمْ يقم زيدٌ، ولَمَّا يقم عمروٌ، ولا يكون النَّفي بـ:(لَمَّا) إلا مُتَّصلاً بالحال.

والثاني: ما يَجزم فعلين، وهو إحدى عشرة أداة، أشار إليها بقوله:(وَاجْزِمْ بِإِنْ) .. (اجْزِمْ) أين مفعوله؟ اجزم فعلاً مضارعاً بـ: (إِنْ)، أو فعلين مضارعين، أو ماضيين، أو مختلفين، والجزم قد يكون لفظاً وقد يكون مَحلَّاً.

اجْزِمْ بِإِنْ وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا

أَيٍّ مَتَى أَيَّانَ أَيْنَ إِذْ مَا

إِنْ وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا

أَيٍّ: أي: و (أيٍّ).

و (مَتَى)، و (أَيَّانَ)، و (أَيْنَ)، و (إِذْ مَا)(وَحَيْثُمَا أَنَّى) هذه إحدى عشرة أداة.

وَحَيْثُمَا أَنَّى وَحَرْفٌ إِذْ مَا

كَإِنْ وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا

ستأتي أمثلتها في الشَّرح، قوله:

. . . . . . . . وَحَرْفٌ إِذْ مَا

كَإِنْ وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا

أشار إلى أنَّ هذه الأدوات ليست على مرتبة واحدة.

لَمْ، ولَمَّا، ولام الأمر والدُّعاء، و (لا) في النهي و .. كلها حروف وتَجزم فعل واحد.

ص: 13

وهذا النَّوع الثاني: ما يَجزم فعلين على مرتبتين: منه ما هو اسْمٌ، ومنه ما هو حرفٌ، هذا من حيث الإجمال، ثُم عند التَّفصيل نقول: هي على أربعة أقسام من حيث الاسْميَّة والحرفيَّة:

- القسم الأول: ما هو حرفٌ باتفاق، وهو (إِنْ) فقط .. حرفٌ باتفاق .. مُجمعٌ عليه.

- والثاني: ما هو حرفٌ على الصَّحيح، ولذلك نصَّ عليه:(وَحَرْفٌ إِذْ مَا) إذْ ما حرفٌ (كَإِنْ). ما هو حرفٌ على الصَّحيح وهو (إِذْ مَا) فقال سيبويه: " إنَّها حرفٌ بِمنْزلة (إِنْ) الشَّرطيَّة " فإذا قلت: إذْ مَا تقم أقم، معناه: إنْ تقم أقم، يعني: تُفسِّر (إِذْ مَا) بـ: (إنْ) و (إنْ) ليس لها معنىً في نفسها، لأنَّها حرف، وإنَّما معناها في غيرها، وما المراد هنا بالمعنى في غيرها؟ معناها التَّعليق، ما هو التَّعليق؟ الذي ذكرناه سابقاً: توقف مضمون تَحقُّق الجملة الثانية على تَحقُّق مضمون الجملة الأولى: إن جاء زيدٌ أكرمته.

(إِنْ) ماذا أفادت هنا؟ أفادت تَرتُّب تَحقُّق مضمون الجملة الثانية الإكرام، متى يوجد؟ إذا تَحقَّق مضمون الجملة الأولى، هذا التَّعليق .. ربطت بين الجملتين، إنْ فُعِل الأول فُعِل الثاني .. إنْ انتفى انتفى، لكن الانتفاء يكون بالمفهوم، والفعل والإيجاد والتَّحقُّق يكون بالمنطوق، إذاً: لها منطوق ولها مفهوم.

إذاً: (إِذْ مَا كَإِنْ) حرفٌ من حيث الحرفيَّة ومن حيث المعنى، وفَسَّرها سيبويه بـ:(إِنْ)، إذاً:(إِذْ مَا) نقول: بِمنزلة (إِنْ) إذا قلت: إذْ مَا تقم أقم، لا يلتبس عليك (إِذْ مَا) تقول: ما معنى هذه؟ تقول: هي بِمنزلة إنْ تقم أقم، وماذا أفادت (إنْ)؟ التعليق .. تعليق الجواب على الشَّرط، ما المرد بتعليق الجواب؟ يعني: مضمون الجملة الثانيَّة لا يَتحقَّق ولا يوجد إلا بِتحقُّق ووجود مضمون الجملة الأولى: إن جاء زيدٌ أكرمته، إكرامي لن يوجد إلا إذا وجِد المجيء، هذا معنى التعليق.

وانتفاؤه .. انتفاء الإكرام مبنيٌ على انتفاء المجيء، وهذا مأخوذ من المفهوم لا من المنطوق.

إذاً قال سيبويه: " إنَّها حرفٌ بِمنزلة (إِنْ) الشَّرطيَّة، فإذا قلت: إذْ مَا تقم أقم، معناه: إن تقم أقم " وهذا الصَّحيح: أنَّها حرفٌ، وقال المُبَرِّد وابن السَّراج والفَارسي: إنَّها ظرف زمان، وإن المعنى في المثال السَّابق: متى تقم أقم ظرف زمان، إذاً: الوقت الذي تقوم فيه أقوم. واحْتَجُّوا بأنَّها قبل دخول (مَا) كانت اسْماً، والأصل عدم التغيير، وأجيب: بأنَّ التغيير قد تَحقَّق قطعاً بدليل أنَّها كانت للماضي فصارت للمستقبل، فدلَّ على أنَّها نُزِع منها ذلك المعنى البتَّة.

ص: 14

على كلٍ: المسألة فيها نزاع، هل (إِذْ مَا) حرفٌ أم اسمٌ؟ نقول:(إِذْ مَا) مِمَّا وقع فيه النِّزَاع، والصَّحيح أنَّه حرفٌ، ولذلك قال النَّاظِم:(وَحَرْفٌ إِذْ مَا كَإِنْ)(حَرْفٌ) هذا خبر مُقدَّم، و (إِذْ مَا) قُصِد لفظه فهو مبتدأ مُؤخَّر، و (كَإِنْ) هذا نعتٌ لِحرف (حَرْفٌ كَإِنْ) مثل (إنْ) .. كائنٌ (كَإِنْ)، لماذا ذَكَر (إنْ) دون غيرها؟ لأنَّها هي الحرف باتفاق، فَشبَّه المختلف فيه بالمتفق عليه من حيث ثبوت الحرفيَّة، وأشار إلى أنَّ المعنى كذلك مثلها .. مثل (إِنْ)، معنى:(إِذْ مَا) مثل معنى (إِنْ)، هذا النَّوع الثاني ما هو مُختلفٌ فيه، هل هو اسمٌ أم حرف؟ والصَّحيح أنَّه حرفٌ، إذاً: النَّوع الأول حرفٌ باتفاق وهو (إِنْ).

النَّوع الثاني حرفٌ على الصَّحيح، فجُعِل في مرتبة ثانية لوجود الخلاف.

الثالث: ما هو مُختلف فيه والصَّحيح أنَّه اسمٌ -عكس الثاني- وهو (مَهْمَا) .. (مَهْمَا) على جهة الخصوص اختلف فيها: هل هي اسمٌ أم حرفٌ؟ والصَّحيح أنَّها اسمٌ، بدليل رجوع الضمير إليها:((مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ)) [الأعراف:132] الهاء من (بِهِ) يعود على (مَهْمَا)، وسبق القاعدة: أنَّ الضمائر لا تعود إلا على الأسماء.

إذاً: ما هو اسمٌ على الصَّحيح وهو (مَهْمَا).

فالجمهور على أنَّها اسمٌ بدليل: ((وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا)) [الأعراف:132] فالضمير في (بِهِ) يعود على (مَهْمَا) والضمير لا يعود إلا على الأسماء، هذا هو الصَّحيح.

وزعم السُّهَيلي: أنَّ (مَهْمَا) حرفٌ، واستدل بقول زُهيْر:

وَمَهْما تَكُنْ عِندَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ

وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ

وهو مُؤوَّل .. الصواب: أنًّه مُؤوَّل، وذكره ابن هشام في (شرح القَطْر).

الرابع: ما هو اسمٌ باتفاق، وهو باقي الأدوات، إذاً: باقي الأدوات وهو ما عدى (مَهْمَا) و (إِنْ) و (إِذْ مَا) فهو باتفاق يعتبر من الأسماء، ولذلك قال:(وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا) ولم يَنصَّ على (مَهْمَا) بل أدخلها في الحكم عليها بكونها أَسْمَا، ولم ينص عليها لقوة الخلاف في (إِذْ مَا) .. خلاف قوي، ليس كـ:(مَهْمَا)، ولذلك الجمهور في (مَهْمَا) أنَّها اسمٌ، ولذلك لم يراعي الخلاف.

. . . . . . وَحَرْفٌ إِذْ مَا

كَإِنْ وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا

أسماء بالهمز، قَصَره للضرورة، (وَبَاقِي الأَدَوَاتِ) وهو تسعٌ، لأنَّه نَصَّ على (إِنْ)، و (إِذْ مَا) أخرج اثنين .. حرفين وبقي تسعة، (وَبَاقِي الأَدَوَاتِ) وهي تِسع كلمات (أَسْمَا) فمنها أسماء، ومنها ظروف زمان، ومنها ظروف مكان، لأن الاسم قد يكون مبهماً .. قد يكون دالَّاً على حَدَث .. قد يكون دالَّاً على زمن .. قد يكون دالَّاً على مكان.

إذاً قوله: (وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا) هذا مُجمَل، هل كلها ظروف زمان .. هل كلها ظروف مكان .. هل كلها ليست بظرف زمان ولا مكان؟ نقول: لا، فيه تفصيل.

ص: 15

وتنقسم هذه الأسماء إلى ظرفٍ وغير ظرف، فغير الظَّرف:(مَنْ وَمَا وَمَهْمَا) غير ظرف يعني: ليست ظرف زمان ولا مكان، ثلاثة:(مَنْ وَمَا وَمَهْمَا) فـ: (مَنْ) لتعميم أولي العِلْم .. فـ: (مَنْ) يقولون: للعاقل، لتعميم أولي العِلْم، يعني: تفيد العموم، ولذلك هي من صيغ العموم عند الأصوليين، ففيها عموم، عموم مَنْ؟ عموم أولي العِلْم، الذي يُعبَّر عنه بـ:(العاقل).

(وَمَا) لتعميم ما تدلُّ عليه، ولذلك قد يُتصوَّر فيها دلالتها على الحَدَث كما سيأتي، وهي موصولةٌ يعني: إذا دلَّت على العموم، ليست موصولة خَرَجَت عن الشَّرطيَّة، وإنَّما مفادها مفاد (مَا) الموصوليَّة، بِمعنى: أنَّهما سِيَّان في الدَّلالة على العموم هذا المقصود، ليس من حيث العمل، لا، هي شرطيَّة ولا تَخرج عنها.

حِينئذٍ هي موصوليَّة من حيث إفادتها للعموم، بل كلُّ هذه الأسماء تدلُّ على العموم.

وكلتاهما مُبهمةٌ في أزمان الرَّبط، أي: لا تدلُّ على زمنٍ مُعيَّن من أزمان ربط الجواب بالشَّرط، يعني:(مَنْ وَمَا) هذه لا تدلُّ على زمنٍ مُعيَّن، وإنْ أفادت ارتباط الجواب بالشَّرط في زمنٍ مُطلق .. مبهم، لا بُدَّ من زمنٍ، حِينئذٍ نقول: الزمن هنا مُعيَّن أم لا؟ غير مُعيَّن، ولذلك قال: وكلتاهما مُبهمةٌ في أزمان الرَّبط، أي: لا تدلُّ على زمنٍ مُعيَّن من أزمان ربط الجواب بالشَّرط.

(وَمَهْمَا) بِمعنى: (مَا) .. (مَنْ) لأولي العِلْم، (وَمَا) لتعميم ما تدلُّ عليه، (مَهْمَا) مثل (مَا)، إذاً: كأنَّها نوعان: (مَنْ وَمَا) وأمَّا (مَهْمَا) فهي مثل (مَا)، وقيل: أعمُّ منها، ولا تخرج عن الاسْميَّة ولا عن الشَّرطيَّة خلافاً لمن زعم أنَّها تكون استفهاما، ولا تُجرُّ بإضافة ولا بِحرف جرٍّ، بِخلاف (مَا) و (مَنْ) يعني:(مَهْمَا) لا تُجرُّ بالإضافة، ولا تخرج إلى الاستفهاميَّة، ولا تُجرُّ بِحرف جر بخلاف (مَنْ) و (مَا).

وأصل: (مَهْمَا)"مَامَا"! يعني: مَا ومَا، فقلبت الألف الأولى هاء، فقيل: مَهْمَا. أصل (مَهْمَا) مَامَا، الأولى شرطيَّة والثانية زائدة، فثقل اجتماعهما "ماما" – ليست ثقيلة "ماما" خفيفة على اللسان -، ثقل اجتماعهما فأبدلت ألف الأولى هاءً، فقيل: مَهْمَا، هذا مذهب البصريين: أنَّها مركَّبة من: مَا ومَا، الأولى شرطيَّة والثانية زائدة، استُثقِلت فأبدلت ألف الأولى هاءً، فقيل: مَهْمَا.

ومذهب الكوفيين: أصلها (مَهْ) بِمعنى: اكفف، زيدت عليها (مَا) فحدث بالتركيب معنىً لم يكن، وأجاز سيبويه، وقيل: إنَّها بسيطة وهو أرجح.

ما الدليل على أنَّها (مَامَا)؟ ليس عليه دليل، وأنَّ أصلها:(مَهْ) بِمعنى: اكفف زيدت عليها (مَا)، لو نطق بهذا كان صواباً، وقيل: بأنَّها بسيطة، إذاً: عرفنا: (مَنْ وَمَا وَمَهْمَا) هذه تأتي غير ظرفيَّة .. لا تستعمل في الظَّرف.

وأمَّا: (أَيٌّ) فهي عامةٌ في ذوي العِلْم وغيره، يعني: تستعمل للعاقل ولغير العاقل، وهي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف زمان فهي ظرف زمان، وإن أضيفت إلى ظرف مكان فهي ظرف مكان، وإذا أضيفت إلى مصدر: أيَّ ضربٍ تضرب، فهي مفعولٌ مُطلق، يعني: تدلُّ على الحدث.

ص: 16

إذاً: (أَي) الشَّرطيَّة ملازمة للإضافة، ثُم هل هي ظرفٌ أمْ تدلُّ على الحدث، وإذا كانت ظرفاً: هل هي ظرف زمان أو ظرف مكان؟ نقول: بحسب ما تضاف إليه، أضفها أولاً ثُم انظر في المضاف إليه فتُفسِّرها بالمضاف إليه، فهي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف مكان فهي ظرف مكان، وإن أضيفت إلى ظرف زمان فهي ظرف زمان، وإن أضيفت إلى غيرها كالحدث فهي غير ظرفٍ.

إذاً: هذا الرابع الذي لا يَتعيَّن أن يكون ظرفاً، إذاً:(مَنْ وَمَا وَمَهْمَا) ليست ظرفيَّة، (أَيٌّ) بحسب ما تضاف إليه، كأنَّها واسطة بين النَّوعين.

القسم الثاني: الذي يُستعمل ظرفاً، فينقسم إلى زماني ومكاني، قد يكون ظرف زمان، وقد يكون ظرف مكان، فالزَّماني:(مَتَى) و (أَيَّانَ) وهما لتعميم الأزمنة - انظر! عموم .. فيها عموم –، فالزَّماني:(مَتَى) و (أَيَّانَ) وهما لتعميم الأزمنة وكسْر همزة (أَيَّانَ) لغة سُلّيْم: إِيَّان، المشهور الأول.

والمكاني: (أَيْنَ) و (أَنَّى) و (حَيْثُمَا)، إذاً الزَّماني:(مَتَى) و (أَيَّانَ)، والمكاني:(أَيْنَ) و (أَنَّى) و (حَيْثُمَا)، هذه دائماً تكون الظَّرفيَّة، فحِينئذٍ تكون منصوبة على الظَّرفيَّة دائماً، لا تخرجها عنها، إمَّا الزَّمانيَّة وإمَّا المكانيَّة، وهي لتعميم الأمكنة، إذاً: فيها عموم .. تدلُّ على العموم وهو تعميم الأمكنة.

إذاً: عرفنا أنها باعتبار ما تدلُّ عليه إمَّا ظرف وإمَّا غير ظرف، غير الظَّرف ثلاثة:(مَنْ وَمَا وَمَهْمَا) و (أَيٌّ) واسطة بحسب ما تضاف إليه، إن أضيفت إلى ظرف فهي ظرف وإلا فلا، والظَّرفيَّة نوعان: زمانيَّة ومكانيَّة، الزَّمانيَّة اثنان:(مَتَى) و (أَيَّانَ) والمكانيَّة وهي الباقي.

وهذه الأدوات في لحاق (مَا) على ثلاثة أضْرُب، النَّاظِم هنا قال:(بِإِنْ وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا) ثُم قال: (وَحَيْثُمَا) لم يقل: حيث، وقال:(إِذْ مَا) ذكر معها (مَا)، إذاً:(مَا) قد تُزاد، وقد يَتعيَّن في الأداة ألَاّ تعمل الجزم إلا بدخول (مَا)، وقد لا يَتعيَّن، حِينئذٍ نقول: القسمة ثلاثيَّة .. هذه الأدوات باعتبار زيادة (مَا) ثلاثة أقسام:

الأول: لا يجزم إلا مقترناً بها، وهو (حيث) و (إذْ)، (حيث .. حَيْثُمَا)(حيث) لوحدها ما تَجزم، وإنَّما كما سبق تكون ظرفاً ملازماً للإضافة، و (إذْ) كذلك لا بُدَّ أن تكون ملازمةً لـ:(مَا) ولذلك قال: (وَحَرْفٌ إِذْ مَا) وقال: (وَحَيْثُمَا) ذكرها جازمةً بزيادة (مَا)، إذاً: لا تعمل الجزم إلا مع (مَا) كما هو ظاهر النَّظم.

وأجاز الفرَّاء الجزم بهما بدون (مَا) لكنَّه مرجوح.

الثاني: ما لا يَلحقه (مَا) البتَّة .. لا تُزاد عليهما، وهو:(مَنْ وَمَا وَمَهْمَا) يعني: المفتتحة بـ: (مَا) و (أَنَّى)، أنَّما .. ما عندنا أنَّما، كذلك: منْما ومَامَا، ومهما لا يُزاد عليها، إذاً: هذه الأربعة لا تدخل عليها (مَا) البتَّة (مَنْ وَمَا وَمَهْمَا) كلها مفتتحة بالميم، وزد عليها:(أَنَّى) هذا أربعة لا تدخل عليها (مَا) البتَّة.

وأجازه الكوفيون في (مَنْ) و (أَنَّى).

ص: 17

الثالث: يَجوز فيه الأمران، وهو:(إِنْ)، و (أَيٌّ)، و (مَتَى)، و (أَيْنَ)، و (أَيَّانَ)، إنْ مَا .. إنَّمَا، قد يُقال: إمَّا، وقد يُقال:((أَيّاً مَّا تَدْعُوا)) [الإسراء:110] هذا وارد، متى ما تدعوا، ((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ)) [النساء:78] جاءت (أَيْنَمَا) زيدت عليها (مَا)، أيَّانَ ما تَعدِل، زيدت عليها (مَا)، لكن هل هي شرطٌ في إعمالها؟ الجواب: لا، لأنَّها قد تخلو منها تقول:(أَيَّانَ) لوحدها، وقد تزيد عليها (مَا).

إذاً:

وَاجْزِمْ بِإِنْ وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا

أَيٍّ مَتَى أَيَّانَ أَيْنَ إِذْ مَا

وَحَيْثُمَا أَنَّى وَحَرْفٌ إِذْ مَا

كَإِنْ وَبَاقِي الأَدَوَاتِ أَسْمَا

هذا ما يَتعلَّق بها على جهة العموم.

أسقط النَّاظِم من الجوازم: (إذا) و (كيف) و (لوْ) لم يذكرها النَّاظِم هنا، وأسقطها عمداً، يعني: ترجيحاً منه على أنَّها ليست بِجازمة، وإنْ وقع نزاع في بعضها.

أمَّا (إذا) فالمشهور أنَّه لا يُجزم بها إلا في الشِّعْر، قال ابن آجروم هناك:" و (إذا) في الشِّعْر خاصَّة " يعني: لا في النَّثر:

إِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ ..

(تُصِبْكَ) فعل مضارع مجزوم بـ: (إِذا) لكنَّه خاصٌّ بالشِّعْر، وقيل: ضرورة.

إذاً: أمَّا (إذا) فالمشهور أنَّه لا يُجزم بها إلا في الشِّعْر، لا في قليل الكلام ولا كثيره، وظاهر (التَّسهيل) جواز ذلك في النَّثر على قِلَّة، يعني: يَجوز أن يُجزم بـ: (إذا) في النَّثر لكنَّه قليل، لماذا نفوا أن تكون (إذا) جازمة؟ لأنَّها موضوعةٌ لزمن مُعيَّن واجب الوقوع، والشَّرط المقتضي للجزم لا يكون إلا فيما يَحتمل الوقوع وعدمه: إن جاءني زيدٌ أكرمته، مجيء زيد والإكرام هل هو مقطوعٌ بوقوعه أم لا؟ مُحتمل يقع أو لا يقع، هذا شأن الشَّرط: لا يعمل إلا فيما إذا كان ما بعده غير مُتحقِّق الوقوع .. يحتمل الوقوع، ويحتمل عدم الوقوع.

وأمَّا (إذا) فلا، ما بعدها يكون مُتحقِّق الوقوع، فإذاً: لا يكون شرطاً، فانتفى عنها معنى الشَّرطيَّة، لأنَّ ما بعدها لا يكون إلا مُتحقِّق الوقوع، ولذلك نفاها أكثر النُّحاة. لأنَّها موضوعةٌ لزمنٍ مُعيَّن واجب الوقوع، والشَّرط المقتضي للجزم لا يكون إلا فيما يحتمل الوقوع وعدمه: من جاءني أكرمته، المجيء ليس بِمقطوعٍ به، وكذلك الإكرام ليس مقطوعاً به، إذاً: هو مُتوقَّع، و"إذا" لا يكون في المُتوقَّع بل في مُتعيِّن الوقوع.

وأمَّا (كيف) وهذه عَدَّها الكوفيون، وبعضهم اشترط فيها (مَا). (كيف) فيجازى بها معنىً لا عملاً، يعني: من حيث المعنى يُجازى بِها، ولذلك: أوات الشَّرط قد تَجزم وقد لا تَجزم كما سيأتي.

فيُجازى بِها معنىً لا عملاً، خلافاً للكوفيين فإنَّهم أجازوا الجزم بها قياساً مُطلقاً، والصَّحيح أنَّها ليست بِجازمة، وإن كان في المعنى يُرتَّب عليها الجزاء، إذ ليس كلُّ ما رُتِّب عليه الجزاء يكون عاملاً الجزم، كما سيأتي في:(فَصْلِ " لَوْ " وَ"لَوْلَا").

ص: 18

فإنَّهم أجازوا الجزم بها قياساً مُطلقاً، والأول أصَح .. الذي هو عدم الجزم بها، وأنَّها للمجازاة معنًى لا عملاً، لماذا نفوا؟ قالوا: لمخالفتها لأدوات الشَّرط بوجوب موافقة شرطها لجوابها، يعني: يُشترط في أدوات الشَّرط أن يكون جملة الشَّرط مُخالفةٌ لجملة الجواب، إلا على تأويل: إذا ضُمِّن معنىً آخر، كما في الحديث:{فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} لَم يَحصل التَّخالف، لكن يُقدَّر له أن الجملة الثانية مخالفة للأولى، حِينئذٍ إذا ضُمِّن معنىً يقتضي المخالفة والمغايرة بين الجملتين صَحَّ.

وأمَّا (كيف) فلا، يكون ما بعدها الجواب موافقاً لِمَا قبلها، لمخالفتها لأدوات الشَّرط بوجوب موافقة شرطها لجوابها، وقيل: يَجوز بشرط اقترانها بـ: (مَا).

إذاً: ثلاثة أقوال: عدم الجزم بها، ثانياً: الجزم بها، ثالثاً: التفصيل، إنْ اقترنت بـ:(مَا) جاز وإلا فلا.

وأمَّا: (لوْ) فذهب قومٌ إلى أنَّها يُجزم بها في الشِّعر خاصَّة، وهذا سيأتي يبحثها النَّاظِم بعد هذا الفصل، يعقد فصل خاص، بـ:(لوْ) وهي الصَّحيح أنَّها ليست جازمة، وإن كان الجزم معلوماً من جهة المعنى، يعني: مثل (كيف) يعني: يُجازى بها معنىً لا عملاً.

قال الشَّارح هنا: " والثاني ما يَجزم فعلين وهو (إِنْ) كقوله: ((وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)) [البقرة:284] "(إِنْ تُبْدُوا)(إِنْ) هذا حرف شرط، و (تُبْدُوا) هو فعل الشَّرط، (أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ)(يُحَاسِبْكُمْ) هذا جواب الشَّرط.

و (مَنْ): ((مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)) [النساء:123](يَعْمَلْ) هذا فعل الشَّرط، و (يُجْزَ بِهِ) هذا جواب الشَّرط، إذاً: هذه عملت في فعلين.

و (مَا) نَحو: ((وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)) [البقرة:197](تَفْعَلُوا) فعلٌ مضارع مجزوم بـ: (مَا)، و (يَعْلَمْهُ) كذلك مجزوم بـ:(مَا).

و (مَهْمَا) نَحو: ((وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)) [الأعراف:132](فَمَا نَحْنُ لَكَ) الفاء واقعة في جواب الشَّرط، وجملة:(مَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) في مَحلِّ جزم جواب الشَّرط.

(أَيٌّ): ((أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الإسراء:110] إذاً: جزمت فعلين، الأول:(تَدْعُوا) والثاني: أقيم مقامه الجملة الاسْميَّة، ولذلك اقترنت بالفاء.

و (مَتَى) كقوله:

مَتَى تَأَتهِ تَعْشُو إِلى ضَوْءِ نارِهِ

تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَها خَيرُ مُوقِدِ

مَتَى تَأَتهِ تَعْشُو ..

(أَيَّانَ):

أَيَّانَ نُؤْمِنْكَ تأمَنْ غيرَنا ..

جزمت فعلين (نُؤْمِنْكَ) .. (تأمَنْ) فعل الشَّرط وجواب الشَّرط.

و (أَيْنَمَا):

أَيْنَمَا الرِّيحُ تُمَيِّلْهَا تَمِلْ ..

والآية أوضح: ((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ)) [النساء:78].

و (إِذْ مَا):

وَإِنَّكَ إِذْ مَا تَأْتِ مَا أَنْتَ آمِرٌ

بِهِ تُلْفِ مَنْ إِيَّاهُ تَأْمُرُ آتِيَا

(تُلْفِ) هذا جواب الشَّرط.

ص: 19

و (حَيْثُمَا): ((وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ)) [البقرة:144] وقعت في جواب الشَّرط:

حَيْثُما تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَكَ الله ..

تَسْتَقِمْ .. يُقَدِّرْ ..

و (أَنَّى):

خَلِيْلَيَّ أنَّى تَأتِيَانِيَ تَأتِيَا

أخَاً غَيْرَ مَا يُرْضِيْكُمَا لَا يُحَاوِلُ

خَلِيْلَيَّ أنَّى تَأتِيَانِيَ تَأتِيَا ..

وهذه الأدوات التي تجزم فعلين كلها أسماء إلا (إِنْ) و (إِذْ مَا) فإنهما حرفان، وكذلك الأدوات التي تجزم فعلاً واحداً كلها حروفٌ ولا إشكال في هذا.

فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ شَرْطٌ قُدِّمَا

يَتْلُوْ الْجَزَاءُ وَجَوَابَاً وُسِمَا

يعني: عرفنا أنَّ هذه الأدوات تقتضي فعلين، يعني: يظهر أثرها وهو الجزم في فعلين، الأول: يُسمَّى الشَّرط، والثاني: يُسمَّى جواب الشَّرط، ولذلك قال: يَقْتَضِينَ فِعْلَيْنِ، يعني: يطلبن فعلين، لا يظهر أثر الجزم وأثر الشَّرط إلا في فعلين.

(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ) يعني: يطلبن .. يقتضين فعلين، (فِعْلَيْنِ) هذا مفعولٌ مُقدَّم لقوله:(يَقْتَضِينَ) يعني: يقتضين هذه الأدوات، النون هنا نون الإناث وهي فاعل.

(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ شَرْطٌ قُدِّمَا) الأول، (يَتْلُوْ الْجَزَاءُ) يتلوه الجزاءُ، يعني: يتبعه الجزاءُ، (وَجَوَابَاً وُسِمَا) وسم جواباً، يعني: سُمِّي جواباً، قوله:(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ) إنَّما قال: (فِعْلَيْنِ) ولم يقل: جملتين، للتنبيه على أنَّ حقَّ الشَّرط والجزاء أن يكونا فعلين، وإن كان ذلك لا يلزم في الجزاء، يعني: كلُّ واحدٍ من فعل الشَّرط وجواب الشَّرط الأصل فيه أن يكون فعلاً، وهذا الفعل مُتعيِّن في فهل الشَّرط .. لا بُدَّ أن يكون الأول فعلاً، وأمَّا الثاني الذي هو الجواب فالأصل أن يكون فعلاً، وقد لا يأتي فعلاً، وإنَّما يكون جملةً اسْميَّة أو غيرها، وهذا يَتعيَّن فيه أن يقترن بالفاء أو (إذا) كما سيأتي.

إذاً قوله: (فِعْلَيْنِ) على جهة التأصيل، أمَّا الأول فمُتعيِّن تأصيلاً وواقعاً، الذي هو فعل الشَّرط، وأمَّا الثاني فمُتعيِّن تأصيلاً لا واقعاً، يعني: الأصل فيه أن يكون فعلاً، ولكن في الواقع قد يَتخلَّف الفعل ولا يكون فعلاً.

وأفهم قوله (يَتْلُوْ الْجَزَاءُ) أنَّه لا يَتقدَّم، يعني: الأول يُسمَّى فعل الشَّرط، والثاني يُسمَّى جواب الشَّرط، هذا الترتيب مُراد فلا يَتقدَّم الثاني على الأول، ولا يتأخر الأول عن الثاني، فمتى ما حصل تقديم أو تأخير حِينئذٍ حكمنا بكون الأول ليس جواباً للشَّرط.

إذاً: أفهم قوله (يَتْلُوْ الْجَزَاءُ) يعني: يتلوه الجزاءُ، (شَرْطٌ قُدِّمَا) مُتقدِّم، يتلوه الجزاء، إذاً: التَّرتيب هذا مُراد، فالأول .. الفعل الأول الذي تقتضيه أسماء الشَّرط يُسمَّى فعلاً .. شرطاً، والثاني يُسمَّى جزاءً، ويُسمَّى جواباً.

ص: 20

قوله: (شَرْطٌ قُدِّمَا يَتْلُوْهُ الْجَزَاءُ)(يَتْلُوْهُ) الضمير هنا محذوف وهو الرَّابط، أفهم أنَّه لا يَتقدَّم الجواب الذي هو الجزاء على الشَّرط، وإن تَقدَّم على الشَّرط شبيهٌ بالجواب فحِينئذٍ نَحكم عليه بأنَّه دليل الجواب وليس بجواب، يعني لو قال قائل: أنْتَ ظالمٌ إنْ فعلت كذا، أصل التركيب: إنْ فعلت كذا فأنت ظالمٌ، لَم يأت بـ: أنْتَ ظالمٌ، قال: أنت ظالمٌ إنْ فعلت كذا، هل الأول: أنت ظالم، يُعتبَر جواباً؟

لا يُعتبَر، لأن النَّاظِم يقول:(شَرْطٌ قُدِّمَا يَتْلُوْهُ الْجَزَاءُ) هذا الترتيب مقصود، الأول فعل الشَّرط والثاني الجواب، إذا لم يأت الجواب في مَحله وحصل مثله مُتقدِّماً على أداة الشَّرط حكمنا على المُتقدِّم بأنَّه ليس جواباً، لأن الجواب لا يكون مُتقدِّماً على فعل الشَّرط: أنت ظالمٌ إن فعلت، أين يقع جواب الشَّرط؟ يقع بعد (إنْ) وبعد فعل الشَّرط، هذا الأصل.

حِينئذٍ: أنت ظالمٌ إنْ فعلت كذا، نقول: إنْ فعلت، (فعلت) هذا فعل الشَّرط والجواب مَحذوفٌ دلَّ عليه الدليل السَّابق، فما تَقدَّم دليل الجواب وليس عين الجواب، ولذلك نَصَّ هنا النَّاظِم قال:(شَرْطٌ قُدِّمَا يَتْلُوْ الْجَزَاءُ) يعني: يتلوه الجزاء ويتبعه، فلو وجد في الكلام ما ظاهره أنَّه جواب الشَّرط وقد تَقدَّم على الأداة حكمنا عليه بكونه دليل الجواب وليس عين الجواب، والجواب محذوفٌ دلَّ عليه ذلك المتقدِّم.

وإنْ تَقدَّم على الشَّرط شبيه بالجواب فهو دليلٌ عليه وليس إياه، هذا مذهب جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والمُبَرِّد إلى أنَّه الجواب نفسه والصَّحيح الأول، أنَّه دليل الجواب وليس بعين الجواب.

(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ) .. (يَقْتَضِينَ) يعني: يطلبن، يعني: تطلب هذه الأدوات فعلين، أفهم (فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ): أنَّ الأداة جزمت الفعلين معاً، (يَقْتَضِينَ) يطلبن فعلين، يطلبنه على ماذا؟ على أنَّ الأول فعل الشَّرط والثاني جواب الشَّرط، وإذا طلب العامل شيئاً عَمِل فيه.

إذاً: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ)) [الطلاق:2](يَتَّقِ) مَجزومٌ بـ: (مَنْ) على أنَّه فعل الشَّرط، و (يَجْعَلْ) مَجزومٌ بـ:(مَنْ) على أنَّه جواب الشَّرط، إذاً:(مَنْ) فقط عَمِلَت الجزم في فعل الشَّرط، وعَمِلَت الجزم في جواب الشَّرط، وهذا هو الصَّحيح، وقيل غير ذلك.

أفهم قوله (فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ): أنَّ أداة الشَّرط هي الجازمة للشرط والجزاء معاً، وهذا هو الصَّحيح، لاقتضائها لها – يعني: تقتضيه – والاقتضاء هو معنى العمل، أمَّا الشَّرط فنُقل الاتفاق على أنَّ الأداة جازمةٌ له، الشَّرط الأول:((وَمَنْ يَتَّقِ)) [الطلاق:2] بالإجماع نُقِل الاتفاق على أنَّه مَجزومٌ بـ: (مَنْ) لكن هذا الاتفاق ليس بِمُسلَّم، نُسب للأخْفَش أنَّهما تَجازما، يعني: جُزِم فعل الشَّرط بِجواب الشَّرط، وجواب الشَّرط بِفعل الشَّرط، كما قيل في المبتدئ والخبر: ترافعا، كلٌ منهما رفع الآخر، ما الرَّافع للمبتدئ؟ الخبر، ما الرَّافع للخبر؟ المبتدأ، كلٌ منهما تعاون على الآخر فرفعه.

ص: 21

قيل مثله في فعل الشَّرط وجواب الشَّرط، ما الذي جَزَم (يَتَّقِ)؟ (يَجْعَلْ)، ما الذي جزم (يَجْعَلْ)؟ (يَتَّقِ) كلٌ منهما جزم الآخر.

إذاً: الاتفاق المراد به الجماهير، أمَّا الشَّرط فنُقِل الاتفاق على أنَّ الأداة جازمةٌ له، وأمَّا الجزاء الذي هو (يَجْعَلْ) ففيه أقوال:

- قيل: هي الجازمة وهو ظاهر النَّظم، يعني: أداة الجزم هي التي جزمت جواب الشَّرط.

- وقيل: الجزم بفعل الشَّرط، يعني:(وَمَنْ يَتَّقِ)(يَتَّقِ) جُزِم بـ: (مَنْ) و (يَجْعَلْ) مَجزومٌ بـ: (يَتَّقِ) بفعل الشَّرط.

- وقيل: بالأداة والفعل معاً، كما قيل في الخبر أنَّه بالمبتدئ والابتداء معاً، هنا قيل:(مَنْ) و (يَتَّقِ) عاملان في (يَجْعَلْ) ونُسِب إلى سيبويه والخليل، وقيل: بالجوار، وهو مذهب الكوفيين، كلها ضعيفة، والصَّحيح الأول، لأن هذه الأدوات تَجزم فعلين، ومعنى أنَّها تَجزم فعلين: أنَّ الأول مَجزومٌ بها، والثاني مَجزومٌ بها، وهذا هو الصَّحيح.

(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ شَرْطٌ قُدِّمَا) .. (شَرْطٌ) .. ما إعراب (شَرْطٌ قُدِّمَا)؟ (شَرْطٌ) مبتدأ، و (قُدِّمَا) خبر، (شَرْطٌ) مبتدأ، وساغ الابتداء به مع كونه نكرة لوقوعه في معرض التفصيل، (قُدِّمَا) هذا الجملة في مَحلِّ رفع خبر المبتدئ.

(يَتْلُوْ الْجَزَاءُ) يتلوه الجزاءُ، (يَتْلُوْ) فعل مضارع، و (الْجَزَاءُ) فاعل، والضمير مفعول به محذوف .. يتلوه الجزاء، والجملة هذه صفة لـ:(شَرْطٌ) شرطٌ قُدِّما متلوٌ بالجزاء .. صفة له، وشرط الجزاء الإفادة كخبر المبتدئ، يعني: ليس كل جزاءٍ يَصِح أن يقع جزاءً، لا، لا بُدَّ أن يكون مُفيداً، فشرطه الإفادة كخبر المبتدأ، فلا يَجوز: إنْ يقم زيدٌ يقم، لو قيل: أي شرط ائت به لصح هذا التعبير: إنْ يقم زيدٌ يقم، نقول: هذا ليس مفيداً.

(شَرْطٌ قُدِّمَا) فُهِم منه: أنَّ الشَّرط والجزاء جملتان، لأن الفعل يستلزم الفاعل، وفُهِم منه: أنَّ الشَّرط لا يكون إلا مُتقدِّما، فإذا ورد: أنت ظالمٌ إنْ فعلت، فليس (أنت ظالمٌ) جواباً مُقدَّماً، بل الجواب محذوف دَلَّ عليه ما تَقدَّم على أداة الشَّرط.

(وَجَوَابَاً وُسِمَا) .. (وُسِمَا) يعني: من الوسم .. العلامة، يعني: سُمِّي جواباً، يُسمَّى جزاءً ويُسمَّى جواباً، الثاني الذي هو:(يَجْعَلْ)((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ)) [الطلاق:2](يَتَّقِ) هذا فعل الشَّرط، و (يَجْعَلْ) يُسمَّى جزاءً ويُسمَّى جواباً.

وُسِم جواباً، (جَوَابَاً) هذا حالٌ من الضمير في (وُسِمَا) أي: يُسمَّى الجزاء جواباً، (وُسِمَا) الضمير هنا يعود على الجزاء، والألف هذه للإطلاق، و (جَوَابَاً) هذا حالٌ من الضمير في (وُسِمَا)، وبعضهم أعربه: مفعول .. مفعول ثاني، لكن ليس بظاهر.

إذاً: قال الشَّارح هنا: "يعني: أنَّ هذه الأدوات المذكورة في قوله: (وَاجْزِمْ بِإِنْ إلى قوله: وأَنَّى) يقتضين جملتين"(جملتين) هذا فيه نظر، بل فعلين، لأنَّ الأول هو الذي يكون في مَحلَّ جَزْمٍ كما سيأتي في الإعراب.

ص: 22

يقتضين جملتين، بل فعلين، ولذلك نَصَّ النَّاظِم على الفعلين:(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ) أحدهما يُسمَّى شرطاً، والثاني وهو المتأخِّر يُسمَّى جواباً وجزاءً، ويجب في الجملة الأولى أن تكون فعليَّة، وأمَّا الثانية فالأصل فيها أن تكون فعليَّة، ولذلك قلنا:(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ) فعلين تأصيلاً وواقعاً في الشَّرط، وتأصيلاً لا وقوعاً في الجواب، تأصيلاً ووقوعاً في الشَّرط، يعني: الأصل فيه من جهة القواعد والقياس أن يكون فعلاً، والواقع موافق للقياس والأصل.

وأمَّا الجواب فالتأصيل والأصل أن يكون فعلاً لكن الواقع ليس كذلك، قد يقع فعلاً وهو كثير، وقد لا يقع فعلاً، ويَجوز أن تكون اسْميَّة: إنْ جاء زيدٌ أكرمته، وإنْ جاء زيدٌ فله الفَضْل.

(فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ) ما هما هذان الفعلان؟ أبْهَمَ النَّاظِم، مع كون الفعل يكون على ثلاثة أنْحاء: ماضي ومضارع وأمر، فَفَسَّره بقوله:(وَمَاضِيَيْنِ) ثُم بَيَّن الفعلين اللذين تقتضيهما هذه الأدوات فقال: (مَاضِيَيْنِ) أو (مُضَارِعَيْنِ) أو (مُتَخَالِفَيْنِ) ذكر ثلاثة .. القسمة ثلاثية، لكن (مُتَخَالِفَيْنِ) يشتمل على قسمين، وإلا قال: أو .. أو مرتين، (مَاضِيَيْنِ أَوْ مُضَارِعَيْنِ) قسمان (أَوْ مُتَخَالِفَيْنِ) هذا الثالث، من أين الرابع؟ الرابع داخل في قوله:(أَوْ مُتَخَالِفَيْنِ).

إذاً قوله: (فِعْلَيْنِ يَقْتَضِينَ) هذه مُجمل، لأنه يَحتمل فعل الأمر، ويَحتمل الفعل الماضي، ويَحتمل المضارع، فبَيَّن بقوله:(وَمَاضِيَيْنِ) هذا مفعول ثانٍ مُتقدِّم لقوله: (تُلْفِيهِمَا) تجدهما، الهاء هنا مفعول أول، و (مَاضِيَيْنِ) مفعولٌ ثاني، و (أَوْ) هذا حرف عطف، (مُضَارِعَيْنِ) معطوف على (مَاضِيَيْنِ)، (أَوْ مُتَخَالِفَيْنِ) معطوف على (مَاضِيَيْنِ).

إذاً: قد يكون الفعلان ماضيين، وما المراد بالماضي هنا؟ قلنا: الماضي على ثلاثة أقسام:

- ماضٍ لفظاً ومعنىً، ومعنىً لا لفظاً، ولفظاً لا معنىً، هل كلها داخلة هنا؟ لفظاً ومعنىً ليس مراداً، فـ:(مَاضِيَيْنِ) لفظاً لا معنىً، لأن أدوات الشَّرط تنقل الفعل من الدَّلالة على الحال إلى المستقبل: إنْ جاءني .. ما جاء .. ما وقع المجيء، إنْ جاءني زيدٌ أكرمته، ما وقع، وإنَّما المجيء مُعلَّق في المستقبل، إذاً: هو في اللفظ ماضٍ وفي المعنى مستقبل.

إذاً: (مَاضِيَيْنِ) قَيِّدْها: لفظاً لا معنىً، إمَّا لفظاً ومعنىً لا يقع .. لا يقع جواب الشَّرط ولا فعل الشَّرط.

(مَاضِيَيْنِ) لفظاً لا معنىً لأن هذه الأدوات تقلب الفعل للاستقبال شرطاً أو جواباً، سواءٌ في ذلك (كان) أو غيرها على الأصَّح، يعني: حتى لفظ (كان) تنقلها إلى المستقبل .. حتى لفظ (كان) الذي أصل وضعه للدَّلالة على الزمان الماضي ويدلُّ على الزمان، وقيل: إنَّه مُجرَّد من الحَدَث، حتى (كان) تنقلها أدوات الشَّرط إلى المستقبل.

قال تعالى: ((وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)) [المائدة:6](كُنْتُمْ) يعني: في المستقبل.

إذاً: (مَاضِيَيْنِ) نقول: لفظاً لا معنىً.

قال الشَّارح: إذا كان الشَّرط والجزاء جملتين – يُعبِّر بالجملتين هذا فيه نظر! – فيكونان على أربعة أنْحاء:

ص: 23

الأول: أن يكون الفعلان ماضيين، يعني: فعل الشَّرط ماضٍ، وجواب الشَّرط ماضٍ كذلك، إنْ قام زيدٌ قام عمروٌ، (إنْ) حرف شرط، و (قام) فعل الشَّرط وهو ماضٍ، قام زيدٌ .. قام عمروٌ، (قام) الجواب والجزاء كذلك فعلٌ ماضي، وكلٌ منهما ماضٍ في اللفظ فقط لا في المعنى، لأنَّه كأنَّه قال: إنْ قام سيقوم زيدٌ سيقوم عمروٌ، ويكونان في مَحلِّ جَزمٍ.

ومنه قوله تعالى: ((إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ)) [الإسراء:7] إذاً: جاء في القرآن .. جاء في القرآن الأول ماضي والثاني ماضي، ((وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا)) [الإسراء:8] (عُدْتُمْ عُدْنَا) كلٌ منهما ماضي، إذاً:(مَاضِيَيْنِ) لفظاً لا معنىً.

(أَوْ مُضَارِعَيْنِ) وهو الأصل .. الأصل فيهما أن يكونا مضارعين، لماذا؟ الجزم، هذا من حيث العمل، ومن حيث المعنى؟ أنَّه يدلُّ على المستقبل، إذاً:(أَوْ مُضَارِعَيْنِ) هو الأصل، نَحو: إنْ يقم زيدٌ يقم عمروٌ، (إنْ يقم) يقم هذا فعل الشَّرط وهو فعل مضارع، (يقم عمروٌ) هذا الجواب، فعل مضارع.

((وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ)) [البقرة:284](إِنْ تُبْدُوا) هذا فعل الشَّرط، (يُحَاسِبْكُمْ) هذا جواب الشَّرط، كلٌ منهما مضارع، إذاً: اتفقا، وهذا أعلى الدَّرجات.

(تُلْفِيهِمَا أَوْ مُتَخَالِفَيْنِ) دخل تحته صورتان: أن يكون الأول ماضياً والثاني مضارعاً، يعني: فعل الشَّرط يكون ماضياً، وجواب الشَّرط مضارعاً، نَحو: إنْ قام زيدٌ يقم عمروٌ، (قام) فعل ماضي من جهة اللفظ، وأمَّا المعنى فهو مستقبل (يقم عمروٌ)(يقم) هذا لفظاً ومعنىً مستقبل.

ومنه قوله تعالى: ((مَنْ كَانَ)) [هود:15](كَانَ) فعل ماضي، وهنا صَرَفَتْه، قلنا: لا يكون الماضي ماضياً لفظاً ومعنى فعل الشَّرط البتَّة، حِينئذٍ جاء هنا:((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ)) [هود:15](نُوَفِّ) هذا جواب الشَّرط، إذاً:(كَانَ) هنا المراد بها الاستقبال ولم يُرَد بها الماضي، هذا مُتفقٌ عليه: أن يكون الأول ماضياً والثاني مضارعاً، العكس: أن يكون الأول مضارعاً والثاني ماضياً، هذا فيه نزاع كبير، هل يَصِح أو لا؟

وظاهر إطلاق النَّاظِم الصِّحة: (أَوْ مُتَخَالِفَيْنِ) عَمَّا إذا كان الأول ماضياً والثاني مضارعاً أو بالعكس.

أن يكون الأول مضارعاً والثاني ماضياً وهو قليل، وخَصَّه الجمهور بالضَّرورة، يعني: في الشِّعْر خاصَّة، وأمَّا في النَّثر فليس الأمر كذلك، لماذا خَصَّوْه بالضَّرورة؟ قالوا: لأنَّ إعمال الأداة في لفظ الشَّرط، ثُم المجيء بالجواب ماضياً كتهيئة العامل للعمل ثُم قطعه، يعني: إذا كان الأول مضارعاً والثاني ماضياً، أعْمَلْتَ أداة الشَّرط في الأول في اللفظ، ثُم كأنَّك هيئتها لتعمل في الثاني، فتنتقل من إعمالٍ في الظَّاهر إلى إعمال في الظَّاهر .. قَوِيَت، فحِينئذٍ إذا جيء به ماضياً كأنك قطعته بعد التهيئة، هيأته أولاً ثُم قطعته.

ومذهب الفَرَّاء والمُصنِّف جوازه في الاختيار وهو الصَّحيح للحديث الآتي، أنْ يكون الأول مضارعاً والثاني ماضياً:

مَنْ يَكِدْنِي بسَيءٍ كُنْتَ مِنْهُ

كَالشَّجَا بَيْنَ حَلْقِهِ وَالوَرِيدِ

ص: 24

(مَنْ يَكِدْني بسَيءٍ كُنْتَ مِنْهُ) .. (كُنْتَ) هذا الجواب، إذاً: وقع الأول مضارعاً (يَكِدْني) كاد .. يكيد، والثاني:(كُنْتَ) هذا جاء في الشِّعْر، وأحسن من هذا قوله صلى الله عليه وسلم:{مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ} (مَنْ يَقُمْ) هذا فعل مضارع، (غُفِرَ لَهُ) هذا ماضي، إذاً نقول: جائز.

وفي قول عائشة: " إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ رَقَّ "(مَتَى يَقُمْ .. رَقَّ) إذاً: جاء في كلام عائشة رضي الله تعالى عنها، إذاً نقول: الصَّواب أنَّه يَجوز أن يكون الأول مضارعاً والثاني ماضياً. فأمَّا الماضي الواقع شرطاً أو جزاءً فهو في موضع جزمٍ، إذا وقع الماضي الأول:

إنْ قام زيدٌ قُمْتُ، نحن نقول: هذه جازمة، عوامل الجزم ما يجزم فعلاً وما يجزم فعلين، أين الجزم في: إنْ قَام قُمْتُ؟ ليس فيه جزم، نقول: هنا الجزم مَحلِّي، فنُعمِّمْ: الجزم قد يكون ظاهراً، وقد يكون مَحلاً، ولذلك قلنا: إذا كانا مضارعين هو الأصل، لأن الجزم يكون ظاهراً في الأول وفي الثاني، فإذا لم يظهر فيهما أو في أحدهما فهو أقل.

إذاً: فأمَّا الماضي الواقع شرطاً أو جزاءً فهو في موضع جزمٍ .. مَحلِّ جزمٍ، لأنَّه مبني لا يظهر فيه إعراب، وأمَّا جزم المضارع فلا إشكال فيه شرطاً كان أو جزاءً في الأربعة السابقة، ويجوز رفع المضارع إذا كان جزاءً، وإلى ذلك أشار بقوله:

وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ

وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ

ونقف على هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 25