المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * عامل المبتدأوالخبر * حد الخبر * أنواف الخبر. بيان النوع - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ٢٩

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * عامل المبتدأوالخبر * حد الخبر * أنواف الخبر. بيان النوع

‌عناصر الدرس

* عامل المبتدأوالخبر

* حد الخبر

* أنواف الخبر. بيان النوع الأول وشروطه (الخبر الجملة) ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد:

بالنسبة لمسألة رفع الضمير المنفصل، هذا محل نزاع بين النحاة، لذلك مذهب جماعة من النُّحاة أنه يجب أن يكون الفاعل الذي يرفعه الوصف المعتمد اسماً ظاهراً، ولا يجوز أن يكون ضميراً منفصلاً:(قائم أنتما) هذا لا يجوز عند الكوفيين، إنما يجب أن يكون اسماً ظاهراً، قلنا: الصواب أنه يجوز لورود السماع به.

(خَليِلَىَّ مَا وَافٍ بِعَهْدِي أَنْتٌمَا

)

حينئذ إن سمع ما ظاهره ذلك فهو محمول على أن الوصف خبر مقدم والضمير مبتدأ مؤخر.

يعني: إذا جاء: أقائم أنت، أنت: صار هذا مبتدأ مؤخر و (قائم): هذا خبر مقدم، لماذا؟ لامتناع أن يرفع الوصف ضميراً بارزاً، هذا مذهب الكوفيين، الصواب أنه يجوز أن يرفع ضميراً بارزاً.

وعند هؤلاء أنك إذا قلت: أمسافر أنت؟ صح هذا الكلام عربية، ولكن يجب أن يكون (مسافر) خبراً مقدماً و (أنت) مبتدأ مؤخراً على العكس، والجمهور على أنه يجوز أن يكون الفاعل المغني عن الخبر ضميراً بارزاً كما يكون اسماً ظاهراً، وجاء قوله تعالى:((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:46] أَرَاغِبٌ، راغب هذا اسم فاعل، واعتمد على استفهام ((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي))؟ حينئذ يتعين أن يكون (راغب) مبتدأ، و (أنت) هذا فاعل سد مسد الخبر، ولو عُكس هل يجوز أو لا؟ أن يكون (أنت) هذا مبتدأ مؤخر و (راغب) هذا خبر مقدم؟ لا يجوز؛ لأن ((عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:46] هذا جار ومجرور متعلق بقوله: راغب، فإذا جُعل خبراً مقدماً وأنت مبتدأً مؤخراً، حينئذ فصل بين العامل والمعمول وهذا لا يجوز، هذا يدل على أنه يجوز أن يكون -المرفوع فاعلاً سد مسد الخبر- أن يكون ضميراً بارزاً كما هو مذهب البصريين.

قال الناظم رحمه الله تعالى:

وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ

إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقَاً اسْتقَرّ

وَالثَّانِ مُبْتَداً: وَالثَّان الذي هو الاسم المرفوع وَالثَّانِ وهو ما بعد الوصف.

مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ: أن يجعل الوصف خبراً مقدماً والمرفوع مبتدأً مؤخراً.

الوصف نقول: قائم مقام الفعل، لشدة شبهه به، ولأجل ذلك مُنع ما يمنع منه الفعل، فلا يخبر عنه كما ذكرناه آنفاً، لا يخبر عنه لماذا؟ لأن الفعل لا يخبر عنه، فكذلك ما قام مقام الفعل لا يخبر عنه، ولا يصغر فلا يقال: أضُوَيْرِبٌ أنت يا زيد مثلاً، ضويرب لا يصح، لماذا؟ لأن الفعل لا يصغر وضارب هذا قلنا في قوة الفعل .. أقائم، أضارب زيد كأنه قال: أيضرب زيد؟ فلما كان كذلك حينئذ منع الوصف مما يمنع منه الفعل، والفعل لا يخبر عنه فكذلك هذا الوصف لا يخبر عنه الفعل، لا يصغر، فكذلك ضارب لا يصغر.

ولا يوصف، فلا يقال: أضارب عاقل الزيدان؟ ما يصح أن نقول: عاقل وصف لضارب، لماذا؟ لأنه في قوة الفعل والفعل لا يوصف.

ص: 1

ولا يعرف بـ (أل) فلا يقال: القائم أخواك، ولا يثنى ولا يجمع، فلا يقال: أقائمان أخواك، هذا الأصل لا يقال، لأنه في قوة الفعل، والفعل إذا رفع فاعلاً حينئذ وجب أن يفرد وأن يجرد من علامة تدل على أن الفاعل مفرد، أو أن الفاعل مثنى، أو أن الفاعل جمع، سيأتينا في باب الفاعل.

وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا

لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا

(قام زيد) لا إشكال، قام الزيدان .. الزيدان هذا فاعل وهو مثنى، هل تلحق الفعل علامة تدل على أنه مثنى؟ الجواب: لا، في اللغة الفصحى لا، ننفي، فإن سمع حينئذ نقول: هذه لغة فلان وفلان، وأما اللغة الفصحى ننفي نقول: لا، لا يلحق، لا يجوز .. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إذَا مَا أُسْنِدَا.

ولذلك عبر فقال: وَقَدْ يُقَالُ، إذاً هذا قليل، وإذا كان قليلاً لا يكون أصلاً.

إذاً: قام الزيدان، نقول: وجب تجريد الفعل عن علامة تدل على أن الفاعل مثنى، وقام الزيدون، نقول: وجب تجريد الفعل عن علامة تدل على أن الفاعل جمع.

حينئذ لزم الفعل حالة واحدة وهو أنه مفرد، فعبر عنه بالإفراد، يلزم حالة واحدة بقطع النظر عن كون الفاعل مفرداً أو مثنىً أو جمعاً، المفرد هذا محل وفاق، الوصف القائم مقام الفعل يجب تجريده من علامة تدل على أن الفاعل مثنى أو جمعاً.

فتقول كما تقول في الفعل: أقائم زيد، وأقائم الزيدان .. كما تقول: قام الزيدان، وأقائم الزيدون كما تقول: قام الزيدون، يجب تجريد الوصف من علامة تثنية تدل على أن الفاعل مثنى ومن علامة جمع تدل على أن الفاعل جمع، لذلك قال: فلا يقال أقائمان أخواك، أقائمون إخوتك، على أن إخوتك وأخواك فاعل إلا على لغة أكلوني البراغيث كما لا يقبل الفعل شيئاً من ذلك.

حينئذ إذا جاء هذا التركيب في مثل: أقائمان الزيدان، أقائمون الزيدون، أقائم زيد هذا يجوز فيه وجهان: أن يكون قائم مبتدأ، وزيد فاعل سد مسد الخبر وهذا أرجح، وأن يكون قائم خبراً مقدماًً، وزيد مبتدأً مؤخراً، يجوز فيه الوجهان، وثم مسائل مثلها يأتي.

وأما أقائمان الزيدان، أقائمون الزيدون هو الذي عناه الناظم بقوله:

وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ

ص: 2

إن اتصل بالوصف علامة تثنية إذا كان الفاعل مثنىً، أو علامة جمع إن كان الفاعل جمعاً، حينئذ يكون الثاني المرفوع مبتدأً –تعكس-، ويكون الأول الذي هو الوصف خبراً مقدماً، ولا يصح في اللغة الفصحى أن يكون أقائمان مبتدأ، والزيدان فاعل سد مسد الخبر، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن أقائمان هذا قام مقام الفعل، والفعل إذا أُسند إلى فاعل مثنى وجب تجريده من علامة التثنية، وهذا لم يُجرّد، حينئذ التركيب صحيح، لكن لا نقول: الزيدان، هذا فاعل سد مسد الخبر، وإنما نقول: الزيدان هذا مبتدأ مؤخر، وقائمان هذا خبر مقدم ليصح التركيب، كذلك قائمون الزيدون، لا يصح أن نقول: قائمون هذا وصف، وهو مبتدأ رفع فاعلاً اكتفى به عن الخبر، لماذا؟ لأن قائمون اتصل به علامة جمع تدل على أن الفاعل جمع، وإذا كان كذلك نقول: هو قائم مقام الفعل فوجب تجريده، ولما لم يتجرد، حينئذ نقول: وجب أن يكون الوصف خبراً مقدماً، والذي يليه -الثاني- يكون مبتدأً مؤخراً، والثاني وهو ما بعد الوصف مبتدءاً مؤخراً، الثاني الذي هو الزيدان مبتدءاً مؤخراً.

وَذَا الْوَصْفُ: المذكور خَبَرْ عنه مقدم عليه متى؟ إنْ في سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً اسْتقَرْ: إن تطابقا في سوى الإفراد، ما هو سوى الإفراد؟ في غير الإفراد، إن تطابقا في غير الإفراد وهما التثنية والجمع، وأما في الإفراد فيجوز فيه وجهان، البيت يريد أن يُبين أن الوصف الأصل فيه أنه قائم مقام الفعل، فوجب تجريده من علامة تثنية وعلامة جمع، فإن اتصلت به علامة تثنية وعلامة جمع حينئذٍ نعرب هذا الوصف: أنه خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، متى؟ إن في سِوَى الإِفْرَادِ (إن) هذه شرطية في سِوَى الإِفْرَادِ، في سوى: هذا متعلق بقوله: استقر، إن استقر في سوى الإفراد، وهو التثنية والجمع السالم.

طِبْقاً: يعني مطابقاً لما بعده.

إنْ استقر في سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً: يعني: مطابقاً، وطبقاً هذا حال من الضمير المستتر في استقر، استقر حال كونه طبقاً، أي: مطابقاً في سوى الإفراد، حينئذ إذا لم يتطابقا إفراداً وتطابقا تثنيةً وجمعاً، حينئذ نقول: الأول خبر والثاني مبتدأ.

إنْ في سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً اسْتقَرْ، والثاني وهو ما بعد الوصف مبتداً، الثاني مبتدأ ومبتدأ خبر، إعراب البيت الثاني هذا مبتدأ، ومبتداً هذا خبر.

وذا الوصف (ذا) اسم إشارة مبتدأ، الوصف إعرابه بدل أو عطف بيان، و (خبر) خبر، عنه مقدم عليه.

ص: 3

(إن) شرطية، إن تطابقا في غير الإفراد، إنْ في سِوَى الإِفْرَادِ: في غير الإفراد، سوى هنا بمعنى غير، وهو مضاف والإفراد مضاف إليه، وطبقاً مصدر، والمراد به الحال، يعني أن يكون مطابقاً وهو حال من فاعل استقر، أي استقر الوصف مطابقاً لما بعده في غير الإفراد أي: في التثنية والجمع، هذا معنى البيت، أي: استقر الوصف مطابقاً لما بعده في غير الإفراد، أي في التثنية والجمع نحو: أقائمان الزيدان، وأقائمون الزيدون، هذا المثال لما ذكره المصنف، ولا يجوز أن يكون الوصف في هذه الحالة مبتدأ، وما بعده فاعلاً أغنى عن الخبر إلا على لغة أكلوني البراغيث، وهي لغة ضعيفة لا يعول عليها، ولا يجوز تخريج القرآن عليها البتة، فمن قال بهذا فقد غلط وأخطأ خطأً فاحشاً.

الوصف مع الفاعل إما أن يتطابقا إفراداً أو تثنية أو جمعاً أو لا يتطابقا.

إن تطابقا عرفنا الحكم، إفراداً جاز أن يكون الأول مبتدأ والثاني فاعل سد مسد الخبر، وجاز العكس، وإن تطابقا تثنية أو جمعاً تعين أن يكون الثاني مبتدأ مؤخر والأول خبر، فإن لم يتطابقا، حينئذ منه ما هو ممنوع يعني لا يصح لغة ومنه ما هو ليس ممنوع، إذا قيل: أقائم زيد تطابقا، إذا لم يتطابقا أقائم الزيدان جائز، أقائم الزيدان، أقائم الزيدون، جائز، أقائمان زيد، أقائمون زيد، أقائمان الزيدون، أقائمون الزيدان .. كله لا يصح هذا، لماذا؟ لأن كلاً منهما إما متقدم أو متأخر، مبتدأ وخبر، حينئذ لا بد من التطابق.

إذا كان المبتدأ مفرداً تعين أن يكون الخبر مفرداً، وإذا كان المبتدأ مثنى تعين أن يكون الخبر مثنى، وكذلك في حالة الجمع.

فإن تطابقا إفراداً نحو أقائم زيد جاز فيه وجهان:

أحدهما: أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، وهذا هو الأصل.

والثاني: أن يكون ما بعده مبتدأً مؤخراً، ويكون الوصف خبراً مقدماً، ومنه قوله تعالى:((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:46] فيجوز أن يكون (راغب) مبتدأ، و (أنت) فاعل سد مسد الخبر، والأولى أن يقال بالمنع في هذا، لوجود عارض يمنع من التقديم والتأخير؛ لأن ((عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:46] هذا جار ومجرور متعلق بقوله: راغب، فإذا كان كذلك حينئذ لا يفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، فإذا جعل راغب خبراً مقدم، وأنت مبتدأ مؤخر، وعن آلهتي متعلق براغب إذاً فصل بينهما أجنبي، وهذا ممتنع.

وإن تطابقا تثنية نحو أقائمان الزيدان أو جمعاً نحو: أقائمون الزيدون، فما بعد الوصف مبتدأ، والوصف خبر مقدم، وهذا معنى قول المصنف: وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ إلى آخر كلامه، وإن لم يتطابقا وهو قسمان ممتنع وجائز، فمثال الممتنع: أقائمان زيد، هذا فاسد أقائمون زيد هذا التركيب غير صحيح، لا يقال بأنه لغة.

ومثال الجائز أقائم الزيدان، أقائم الزيدون، حينئذ يتعين أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر.

ص: 4

وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ -المذكور السابق المعتمد على استفهام ونحوه- خَبَرْ متى؟ إن تطابقا في غير الإفراد، فلا يكون من الباب، هذا كالاستثناء مما سبق؛ لأنه لم يعرب الوصف مبتدأ نحن نتكلم عن مبتدءٍ وصفٍ رَفَعَ فاعلاً والفاعل أغنى عن الخبر، هل إذا تطابقا تثنية وجمعاً صار من الباب نفسه؟ أقائمان الزيدان، هذا من أي نوعي المبتدأ الأول أم الثاني؟

أقائمان الزيدان، عندنا المبتدأ نوعان: مبتدأ له خبر، ومبتدأ ليس له خبر وإنما له مرفوع اكتفى به وهذا له شروطه، أقائمان الزيدان من أي نوع؟ الأول. أقائمون الزيدون من أي نوع؟ الأول. إذاً ما صار من الثاني، صار استثناءً.

وَالثَّانِ مُبْتَداً نقول: هذا البيت استثناء من قوله: وَقِسْ وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ؛ لأنه عمم هناك حينئذ أسَارٍ ذَانِ، سار هذا مفرد في اللفظ، وذان هذا فاعل سد مسد الخبر وهو مثنى، حينئذ هل يقال: أقائمان الزيدان، أقائمون الزيدون؟ يحتمل أنه داخل فيما سبق، ولكن استثناه بهذا البيت:

وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ

إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً اسْتقَرْ

قال: في تطابق الوجهين أقائم زيد إذا كانا مفردين، يجوز وجهان: هل هو خاص بقائم؟ نقول: ليس خاصاً بقائم، بل يدخل فيه أقتيل زيد، قتيل هذا فعيل، وهو يرفع فاعل كما سيأتي في موضعه، حينئذ قتيل يجوز أن يكون مبتدأً؛ لأنه وصف في المعنى فعيل بمعنى فاعل أو مفعول.

فقتيل هذا وصف اعتمد على استفهام، وزيد هذا فاعله، يجوز فيه الوجهان، قتيل مبتدأ وزيد فاعل وسد مسد الخبر، ويجوز أن يكون زيد مبتدأ وقتيل خبر مقدم، وكذلك أجريح الزيدان، أصديق المحمدان .. حينئذ نقول: هذا يجوز فيه الوجهان.

ثم قال رحمه الله تعالى:

وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا

كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا

ما هو عامل المبتدئ؟

سبق أنه معنوي.

وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا، رفعوا من؟ العرب، نطقوا به مرفوعاً، وجعلوا العامل هو الابتداء، وَرَفَعُوا أي: النحاة حكموا بكون المبتدأ مرفوعاً بالابتداء يجوز الوجهان، وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا، لما بين لك المبتدأ وأنه نوعان أراد أن يبين لك حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرفع عن تصوره، ولذلك إذا قيل: المبتدأ هو الاسم المرفوع .. نقول: هذا لا يصح، لماذا؟ لأن المرفوع هذا حكم المبتدأ، أولاً ما هو المبتدأ؟ عرف لنا المبتدأ؟ بين لنا المبتدأ؟ أعطنا ضوابطه أصوله، ثم بعد ذلك قل: هو مرفوع أو منصوب، الاسم المرفوع .. نقول: لا، ليس بصحيح، فلما بين لنا المبتدأ بنوعيه بين لنا حكمه ضمناً؛ لأنه قال: وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً هذا حكم المبتدئ، وبين العامل بكونه بالابتداء.

ص: 5

مذهب سيبويه وجمهور البصريين المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ، والابتداء لغة: هو الافتتاح، وفي الاصطلاح: كون الاسم معرىً عن العوامل اللفظية، هذا هو الابتداء .. كون الاسم معرىً -مجرداً- عن العوامل اللفظية، وقيل: جَعْلُ الاسمِ أولاً لِيُخْبَرَ عنه ثانياً، جعل الاسم أولاً ليخبر عنه ثانياً، وقيل: بل الابتداء هو كون الكلمة أولاً، كون الكلمة ملفوظاً بها أولاً، لا جعل الاسم أولاً ليخبر عنه ثانياً؛ لأن الجعل وصف للجاعل، والابتداء وصف للكلمة، كون الكلمة مبتدأ بها هذا وصف لذات الكلمة، وأما جعل الجاعل فهذا وصف للمتكلم.

على كل المراد بالابتداء هنا: هو كون الكلمة لم يسبقها عامل لفظي، هذا المراد .. لم تسبق بعامل لفظي لا فعل ولا حرف ولا اسم، زيد قائم، زيدٌ مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، هذا المراد.

فالعامل في المبتدأ معنوي وهو كون الاسم مجرداً عن العوامل اللفظية غير الزائدة وما أشبهها، وعرفنا المراد بالزائدة وما هو شبيه بالزائد.

كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا هنا قدم الحكم على معرفة الخبر نفسه، يعني ما بين لنا ما هو الخبر، بل سيذكره بعده وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الْفَائِدَهْ، قدم حكمه على تعريف الخبر، لماذا؟ لوجود المناسبة؛ لأنه لما ذكر أن المبتدأ رفع بالابتداء، بين أن الخبر رفع بالمبتدأ، فجرد هذا البيت لبيان حكم الجزأين، جعل الجزء الأول -المبتدأ في الشطر الأول- بيان حكمه، وجعل الجزء الثاني وهو الخبر في الشطر الثاني، فاشتمل على معرفة حكم الجزأين المسند والمسند إليه، فبين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وهو عامل معنوي، ثم يرد الخبر بأي شيء مرفوع؟ زيد أخوك، زيد مرفوع بالابتداء وأخوك مرفوع بالمبتدأ كما اختاره الناظم هنا.

كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا، كَذَاكَ أي: كرفع المبتدأ بالابتداء رفع الخبر بالمبتدأ في الانتساب إليه، كما أنهم رفعوا المبتدأ بالابتداء، كذاك رفعوا أي: العرب أو النحاة رفعوا الخبر بالمبتدأ.

حينئذ صار عامل المبتدأ معنوياً، وعامل الخبر لفظياً؛ لأنه عين المبتدأ.

زيد أخوك، زيد العامل فيه معنوي، وهو كونه مجرداً عن عامل لفظي غير زائد أو شبيه بالزائد.

ص: 6

وأخوك نقول: هذا خبر مرفوع، ما العامل فيه؟ زيد نفسه، زيد جامد ليس بمشتق كيف عمل؟ قالوا: لاقتضائه الخبر؛ لأن العامل إنما يعمل لكونه يقتضي ما يتمم معناه، ولذلك لما كان الفعل أشد إبهاماً واحتياجاً لغيره من الأسماء كان أصلاً في العمل؛ لأن الفعل (قام) يدل على حدث، ويحتاج إلى فاعل، ويحتاج إلى زمان، ويحتاج إلى مكان، ويحتاج إلى كل ما يسمى متعلقاً يتعلق بالفعل من مُمَيِّزٍ، وحال، وظرف، وجار، ومجرور .. ونحو ذلك، فالأصل في هذه أنها متعلقة بالفعل، فلما كان الفعل أشد إبهاماً واحتياجاً كان أصلاً في العمل، كل ما افتقر إلى غيره فحينئذ أشبه الفعل من حيث الافتقار، وهذا هو خاصية العمل، ما المراد بالعمل، عندما يقول: عامل ومعمول، ضربت زيداً، نقول: الضرب هذا –ضرب- يفتقر إلى فاعل، ويفتقر إلى محل يقع عليه الفعل، ويفتقر إلى زمان، ويفتقر إلى مكان .. إلى آخره، ضربت زيداً، إذاً بينت أن الضارب هو أنا (ضربتُ) وأن هذا الحدث وقع في زمن مضى، ثم هذا الضرب وقع على زيد، بقي ماذا؟ بقي المكان مثلاً لم يبين، ضربت زيداً في داره، ضربت زيداً يوم الجمعة صار تقييد؛ لأنه يحتمل ماذا؟ إذا كان الزمان في ضرب دل على شيء ماض، إلا أنه فيه نوع إطلاق وعموم، فيحتاج إلى تقييد، حينئذ كل ظرف مكان أو ظرف زمان يعتبر مقيداً للفعل، ضربت زيداً يوم الجمعة في داره ضرباً شديداً مبرحاً .. إلى آخره.

فنقول: هذه كلها تقييدات، وكلما زادت رفعت الإبهام عن الفعل، وكلما نقصت كان في الفعل إبهام نوعاً ما، لكن لا يقدح في كونه جملة فعلية؛ لأن الشرط هو تحقيق المسند والمسند إليه وقد وجدا، ولذلك قلنا في الفائدة هناك: ألا ينتظر السامع لشيء انتظاراً تاماً، احترازاً من الانتظار الناقص فلا يقدح في صحة الجملة.

حينئذ عمل المبتدأ لافتقاره واحتياجه إلى الخبر؛ إذ الأصل في المبتدأ أن يكون محكوماً عليه، هذا الأصل، فإذا كان محكوماً عليه فهو مفتقر إلى ما يحكم به عليه، ولذلك عمل في الخبر، هذا وجه كون المبتدأ يعمل في الخبر وهو ليس وصفاً، وإنما هو جامد، كافتقار المضاف إلى المضاف إليه؛ لأن ثم ما يرد أن يقال: بأن المضاف، غلام زيد، قلنا زيد هذا الصواب أنه مجرور بغلام بذات الكلمة، كيف جرت وعملت وهي اسم جامد؟ والأصل في الجامد ألا يعمل، والأصل في الأسماء كلها ألا تعمل، وإنما أُعمل منها ما أشبه الفعل وهو المشتق وهذا لم يشبه الفعل، نقول: أشبه الفعل لا من حيث لفظه، وإنما من حيث ما يقتضيه ويطلبه، فالمضاف مفتقر افتقاراً تاماً إلى المضاف إليه.

إذاً: كَذَاكَ أي: كرفع المبتدأ بالابتداء.

رَفْعُ خَبَرٍك هذا مبتدأ مؤخر، وكَذَاكَ: خبر مقدم

بِالْمُبْتَدَا: هذا ظرف له متعلق بقوله: رَفْعُ، بِالْمُبْتَدَا وحده ليس مع الابتداء؛ احترازاً ممن قال: المبتدأ مرفوع بالابتداء والخبر مرفوع بالمبتدأ والابتداء معاً، وهذا ضعيف، بل المرجح هو ما ذكره الناظم وهو مذهب البصريين وكثير من النحاة المتأخرين: أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ.

إذاً العامل العامل في الخبر لفظي وهو المبتدأ، وهذا هو مذهب سيبويه.

ص: 7

وذهب قوم إلى أن العامل في المبتدأ والخبر الابتداء، يعني الابتداء هو العامل في المبتدأ وهذا لا إشكال وافقنا، وأن العامل في الخبر هو الابتداء أيضاً، لكن نقول: فالعامل فيهما معنوي؛ لأنه اقتضاهما.

وضُعِّفَ بأن أقوى العوامل لا يعمل رفعين بدون إتباع، فما ليس أقوى أولى بألا يعمل.

عامل لفظي يرفع معمولين، هذا لا يكاد أن يكون له نظير، وهو عامل لفظي إلا إذا كان الثاني تابعاً للأول، وأما كل واحد منهما مستقل هذا لا نظير له، فحينئذ إذا كان العامل اللفظي وهو أقوى وهو الأصل في العوامل لا يعمل رفعين، فحينئذ المعنوي الضعيف والأصل فيه ألا يعمل ألا يرفع معمولين؛ ولذلك صار ضعيفاً.

وذهب قوم إلى أن المبتدأ مرفوع بالابتداء والخبر مرفوع بالابتداء والمبتدأ، وهذا قول المبرد وهو قول بما لا نظير له، أن يجتمع عاملان على معمول واحد، هذا ما يصح، هذا كالزوجين على الزوجة، نقول هذا محرم ما يجوز.

وقيل: ترافعا كل منهما رفع الآخر، ومعناه أن الخبر رفع المبتدأ وأن المبتدأ رفع الخبر، كل منهما مفتقر إلى الآخر، افتقار المبتدأ إلى الخبر، أو الخبر إلى المبتدأ، هذا بالاعتبار السابق، لكن ما دام أمكن أن يعلق على عامل معنوي وهو صحيح معتبر وجعل له محل وهو اسم واحد وهو المبتدأ، حينئذ أولى من أن يقال: بأنهما ترافعا وهذا مذهب الكوفيين واختاره السيوطي في جمع الجوامع.

وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه وهو الأول:

وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بِالاِبْتِدَا

كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا

وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ

كَا اللهُ بَرٌّ وَالأَيَادِي شَاهِدَه

لما بين لنا الجزء الأول وهو المحكوم عليه -المسند إليه- وهو المبتدأ، وكان هذا الباب معقوداً لبيان الجزأين معاً: الجملة الاسمية المبتدأ والخبر، حينئذ لزم أن يبين لنا ما هو الخبر؟

فقال هو: الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ يعني مع المبتدأ؛ لأن الجزء المتم الفائدة هذا يشمل كل ما أفاد مع غيره، قام زيد، زيد هذا جزء تمت به الفائدة مع (قام)، مع ذلك لا نقول خبر.

هل يعترض على الناظم بهذا؟

نقول الصحيح: لا، لا يعترض على الناظم بهذا، لماذا؟ لسببين:

أولاً: أنه عرف الخبر تحت باب المبتدأ، حينئذ لا يحشر معنى الفاعل.

ثانياً: قال: كَاللهُ بَرٌّ وَالأَيَادِي شَاهِدَه حينئذ دل على أن المراد بالجزء الذي تمت به الفائدة هو قوله: بر مع لفظ الجلالة الله مع المبتدأ، وكذلك شاهده مع قوله: الأيادي.

إذاً: اعتراض ابن عقيل هنا ليس له وجه.

ص: 8

الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ يعني مع المبتدأ غير الوصف المذكور، لماذا؟ بدلالة المقام، والأخذ من المثال؛ لأن الجزء المتم الفائدة مع المبتدأ، هذا يشمل الفاعل الذي تمت به الفائدة مع الوصف وهو مبتدأ، أقائم الزيدان، قلنا الزيدان هذا فاعل سد مسد الخبر، قائم حينئذ نقول: هذا مبتدأ، هنا جزء وهو الزيدان تمت به فائدة مع المبتدأ، ومع ذلك لا يصدق عليه أنه خبر، نقول: بدليل المقام أن كلام المصنف في غير الوصف المذكور، من جهة ترتيب النظم، أولاً انتهى مما يتعلق بالوصف وملحقاته، ثم بين الحكم وفصله -حكم المبتدأ والخبر- ثم شرع في بيان الخبر، كأنه عاد إلى النوع الأول وهو المبتدأ الذي له خبر؛ لأنه لما بين لنا أَسَارٍ ذَانِ، وَقِسْ وَكَاسْتِفْهَامٍ .. إلى آخره، وبيناه نحن حينئذ رجعنا إلى الأصل المبتدأ الذي له خبر وهو الغالب ما هو هذا الخبر؟ قال:

الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ

إذاً: لا مع الوصف، فيستثنى بدليل المقام.

وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ

الجزء الذي تتم به فائدة الجملة الاسمية، وخص الخبر وإن حصلت الفائدة بمجموع الجزأين؛ لأن الخبر هو الجزء الأخير من الجزأين، فبه تتم الفائدة؛ لأن المبتدأ كذلك جزء تمت به الفائدة، الله بر، لو قال:(بر) لوحدها ما تمت الفائدة، لو قال:(الله) لوحده لم يكن كلاماً، حينئذ كل منهما جزء متم الفائدة مع غيره، فالمبتدأ جزء تمت به الفائدة مع الخبر، والخبر جزء تمت به الفائدة مع المبتدأ.

إذاً: يصدق على الكل، لكن عبر بالجزء عن الخبر لكونه لاحقاً -هو الثاني-، ولذلك يعبر عن الخبر عند المناطقة وغيرهم بكونه محكوماً به، والمبتدأ هو محكوم عليه، وهذا جعله ابن هشام رحمه الله في المغني ضابط في معرفة المبتدأ والخبر إذا أشكل عليك، إذا أشكل عليك أي الاثنين مبتدأ أو خبر ابحث عن المحكوم عليه، الكلام فيه حكم ومحكوم عليه، إذا أخذته إجمالاً من النص حينئذ ما هو المحكوم عليه؟ تصور في النص أو الآية أو الحديث ما هو المحكوم عليه؟ وبماذا حكم عليه؟ حينئذ تصل إلى أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، والحكم هو ما تضمنه الخبر.

إذاً: عبر بالجزء عن الخبر مع كون المبتدأ كذلك جزء تتم به الفائدة مع الخبر، نقول: لكون الخبر يكون ثانياً فيجعل الأول محكوم عليه، ولذلك يسمى عند المناطقة: موضوعاً، وضع من أجل أن يُحمل عليه غيره، كجدران البيت، وأما المحمول فهو كالسقف، حينئذ ثم محكوم عليه ومحكوم به.

وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ

عرفه ابن هشام بتعريف أجود من هذا، بأنه المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة، فخرج بالمسند الفاعل في نحو: أقائم الزيدان، الزيدان هذا مسند أو مسند إليه؟ هو مسند إليه لا مسند، وخرج به مع المبتدأ قام من قولك: قام زيد، المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة، المسند خرج به، الزيدان من قولك: أقائم الزيدان؛ لأنه مسند إليه ليس مسنداً، وخرج به الفعل؛ لأن قولك: قام زيد، (قام) هذا محكوم به، و (زيد) هذا محكوم عليه، فهو فاعل.

ص: 9

حينئذ (قام) مسند أو مسند إليه؟ مسند، إذاً نحتاج إلى إخراجه، بكونه قد تمت به الفائدة مع المبتدأ أو مع الفاعل؟ مع الفاعل لا مع المبتدأ.

كَاللهُ بَرٌّ: بعباده محسن بعباده.

وَالأَيَادِي: النعم، أيادي جمع الجمع، هذا مسموع، أيادي جمع أيدي وهي جمع يد، المراد بها النعم.

اللهُ بَرٌّ كقولك: اللهُ بَرٌّ، الكاف هنا تمثيلية، وليست استقصائية، ومدخولها محذوف كقولك: اللهُ بَرٌّ، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره.

بَرٌّ هذا جزء تمت به الفائدة مع المبتدأ، حينئذ بر هذا خبر مرفوع، مرفوع بالمبتدأ الذي هو لفظ الجلالة، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره.

وَالأَيَادِي على بِرِّهِ جل وعلا نعم وإحسانه بعباده شاهدة بذلك، هو مبتدأ وخبر.

يقول ابن عقيل: عرف المصنف الخبر بأنه الجزء المكمل للفائدة ويرد عليه الفاعل، والصواب لا يرد عليه الفاعل؛ لأن الفاعل لم يدخل في قوله: الابتداء، هو عنوَن للباب ثم كل المسائل تكون مقيدة بأصل الترجمة، هذا ضابط لا بد أن يتنبه له عند النحاة وغيرهم، إذا عنوان حينئذ لا يرد عليه فيما ذكره من مسائل بأنه يدخل كذا ويخرج كذا.

ويرد عليه الفاعل نحو قام زيد فإنه يصدق على زيد أنه الجزء المتم للفائدة، وقيل في تعريفه إنه الجزء المنتظم منه مع المبتدأ جملة، ولا يرد الفاعل على هذا التعريف؛ لأنه لا ينتظم منه مع المبتدأ جملة بل ينتظم منه مع الفعل جملة، وخلاصة هذا أنه عرف الخبر بما يوجد فيه وفي غيره، والصواب أنه خاص بالمبتدأ.

ثم قال رحمه الله:

وَمُفْرَداً يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ

حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ

وَإِنْ تَكُنْ إِيَاهُ مَعْنًى اكْتَفَى

بِهاَ كَنُطْقِى اللهُ حَسْبِي وَكَفَى

الخبر ثلاثة أقسام: مفرد، وجملة، وشبهها وهو الظرف والجار والمجرور.

مفرد، وجملة، وشبه جملة، باستقراء كلام النحاة: أن الخبر ثلاثة أقسام.

أشار إلى الأول بقوله: وَمُفْرَداً يَأْتِي، وأشار إلى الثاني بقوله: وَيَأْتِي جُمْلَهْ، وأشار إلى الثالث بقوله فيما سيأتي: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ.

فهي أقسام ثلاثية كلها ستأتي في كلام الناظم رحمه الله تعالى.

وَمُفْرَداً يَأْتِي، يعني: ويأتي الخبر مفرداً حال كونه مفرداً، فمفرد هذا حال مقدم، لقوله: يأتي، يأتي هو أي الخبر، حال كونه مفرداً، وهذا هو الأصل، وسيبين حكمه بقوله:

وَالمُفْرَدُ الجَامِدُ فَارِغٌ وَإِنْ

يُشْتَقَّ فَهْوَ ذُو ضَمِيرٍ مُسْتكِنْ

هذا من حيث الإبراز، وأما من حيث التعريف فالمفرد هنا في باب الخبر إذا كانت القسمة ثلاثية، حينئذ ما ليست جملة ولا شبيهاً بالجملة هو المفرد، فيشمل المفرد في باب الإعراب الذي ليس من الأسماء الستة، ولا مثنى، ولا مجموعاً .. إلى آخره، ويدخل فيه المثنى ويدخل فيه الجمع بأنواعه.

زيد قائم: (قائم) هذا مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.

الزيدان قائمان: (الزيدان) مبتدأ، و (قائمان) خبره، نقول: هذا الخبر مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.

الزيدون قائمون: (الزيدون) مبتدأ و (قائمون) خبر، وهو مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.

ص: 10

الهندات قائمات، الرجال قيام .. نقول: قيام وقائمات هذا مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.

وَيَأْتِي جُمْلَهْ، وسيأتي تفصيل المفرد.

وَيَأْتِي جُمْلَهْ: يعني ويأتي الخبر حالة كونه جملة، والجملة المراد بها: القول المركب، بمعنى أنها يشترط فيها الإسناد أن يكون فيها مسند ومسند إليه، ولا يشترط فيها أن تكون كلاماً؛ لأنها أعم منه.

لَفظٌ مُفيدٌ بِالكلامِ يُدعَى

وَجملةٌ فَهْيَ أَعمُّ قَطعاً

فحينئذ نقول: الجملة أعم من الكلام؛ لأن الجملة هي القول المركب.

وَيَأْتِي جُمْلَهْ: والجملة نوعان: جملة اسمية، وجملة فعلية، فيدخل في الخبر أنه جملة اسمية، زيد أبوه قائم، (زيد) مبتدأ، و (أبوه) مبتدأ ثاني وقائم خبر الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ الأول، زيد أبوه قائم، زيد قام أبوه .. (زيد) مبتدأ، و (قام أبوه) فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.

إذاً: وقع جملة الخبر اسمية ووقعت فعلية.

ويدخل في الاسمية المصدرة بحرف عامل.

زيد ما أبوه قائماً -هذه مهمة انتبه لها-، يدخل في الاسمية المصدَّرة بحرف عامل، ما أبوه قائماً (ما) حجازية وهي تعمل عمل (ليس) فتدخل على المبتدأ فترفعه على أنه اسم لها، والخبر تنصبه على أنه اسم لها، حينئذ هل يصح إيقاع الجملة الخبرية أن تكون (ما) ومدخولها وهو حرف ناسخ عامل هل يصح؟ الصحيح نعم.

فيقال: زيد ما أبوه قائماً، (زيد) مبتدأ و (ما) حرف نفي، تعمل عمل (ليس) حجازية لا تميمية، وأبوه هذا اسم (ما) وقائماً بالنصب خبرها ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:31] مثله، فحينئذ (ما أبوه قائماً) الجملة في محل رفع خبر المبتدأ.

إذاً: المصدرة بحرف عامل حينئذ يصح أن تقع خبراً للمبتدأ.

وزيد إنه قائم: (زيد) مبتدأ (إن) حرف توكيد ونصب من نواسخ المبتدأ والخبر، والضمير هنا اسم (إن) في محل نصب، وقائم خبر (إنَّ)، والجملة من الناسخ والمنسوخ نقول: هذا في محل رفع خبر المبتدأ.

إذاً: يصح أن تكون جملة الخبر الاسمية قد دخل عليها حرف ناسخ وقد عمل فيها.

(زيد ما أبوه قائماً) الجملة خبر، وهي اسمية، (زيد إنه قائم) جملة (إنه قائم) هذه في محل رفع خبر.

ومنع الكوفيون وقوع المصدرة بـ (إنَّ) المكسورة وما عملت فيه خبراً للمبتدأ، يعني: إنه قائم منعه الكوفيون.

ويدخل فيها الجملة المصدرة باسم شرط غير معمول لفعله نحو: زيد من يكرمه أكرمه.

(زيد) مبتدأ، (من يكرمه أكرمه) هذا اسم شرط، ليس معمولاً لفعله، بمعنى أنه في محل رفع مبتدأ، فـ (من) هنا اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

(من يكرمه أكرمه) الجملتان: جملة الشرط، وجملة الجواب.

فمن مبتدأ، وجملة الشرط والجواب على الصحيح في محل رفع خبر المبتدأ الثاني.

وقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: لا خبر لها .. أربعة أقوال.

(من يكرمه أكرمه) قلنا: (من) هذه مبتدأ، أين الخبر؟ قيل: لا خبر له، وجملتا الشرط سدت مسد الخبر، وهذا ضعيف، وقيل: جملة الشرط، يعني (يكرمه) وقيل: الجواب: أكرمه، وقيل: هما معاً وهو الصحيح.

إذاً: من يكرمه، أكرمه، نقول:(من) هذه مبتدأ، وجملتا الشرط في محل رفع خبر المبتدأ الثاني.

ص: 11

و (زيد) هذا مبتدأ أول، واسم الشرط من المبتدأ وخبره حينئذ في محل رفع خبر المبتدأ الأول.

ويدخل في الفعلية المصدرة بحرف شرط.

زيد إن يقم أقم معه: (زيد) مبتدأ، وجملة (إن يقم أقم معه) في محل رفع خبر المبتدأ، وكذلك إذا كانت مصدرة باسم شرط معمول لفعله زيد أيَّهم يضرب أضرب، أَيّاً مَا تَدْعُو .. نقول هذا اسم شرط مقدم، وقد عمل فيه الفعل، فإن لم يعمل فهو داخل في الاسمية، إن عمل فيه وتقدم حينئذ صار داخلاً في الفعلية.

زيد أيَّهم: هذا مفعول به مقدم، وإذا كان مفعولاً حينئذ عمل فيه الفعل، فصارت جملة فعلية، والمصدرة بمعمول فعلها زيد عمرواً يضرب، أصل التركيب: زيد يضرب عمراً، تقدم المعمول زيد عمراً يضرب، هل خرجت عن كونها جملة فعلية؟ الجواب: لا، بل هي جملة فعلية، إذاً: يصح الإخبار بها.

أو بحرف تنفيس، زيد سوف يصلي: زيد مبتدأ، وسوف يصلي هذه الجملة خبر.

إذاً: قوله: جملة دخل فيه الجملة الاسمية والجملة الفعلية بنوعيها على ما ذكرناه سابقاً.

قال الناظم:

حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ بمعنى: أن هذه الجملة لا تكون خبراً على جهة الإطلاق، بل لا بد من قيود، وهذه القيود ثلاثة:

أولاً: أن تكون خبرية، بمعنى أنها محتملة للصدق والكذب.

فحينئذ هل تقع الجملة الطلبية أو الإنشائية خبراً عن المبتدأ؟ نقول: منع ثعلب أن تكون الجملة الطلبية خبراً، ومنع غيره أن تكون الإنشائية خبراً، والصواب: أنه يجوز مطلقاً سواء كان في الخبرية أو الإنشائية أو الطلبية أن تقع خبراً للمبتدئ.

إذاً نقول مرة أخرى: يشترط في الجملة التي تقع خبراً ثلاثة شروط، -وهذه مجمع عليها-:

الأول: هو ما أشار إليه الناظم بقوله:

حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ

وهذا سيأتي شرحه.

الثاني: ألا تكون الجملة ندائية: زيد يا أعدل الناس .. نقول: هذا لا يصح.

الثالث: ألا تكون مصدرة بأحد الحروف: لكن، وبل، وحتى؛ لأنها تقتضي أن يكون ما بعدها تابعاً لما قبلها، لا بد أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، يعني ليست أجنبية عن المبتدأ.

يشترط ألا تكون الجملة ندائية.

يشترط ألا تكون جملة الخبر مصدرة بأحد الحروف: لكن، وبل، وحتى التي تدل على أن ما بعدها له ارتباط بما قبلها، حينئذ يكون مكملاً له.

والقسمية منع ثعلب أن تكون جملة خبرية، زيد أقسم بالله إنه لكريم، هل يصح أن تكون أقسم بالله -هذه الجملة- خبر، الصحيح أنه يصح، وثعلبة أنكر ذلك ورد عليه بالسماع، قال تعالى:((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) [العنكبوت:69].

((لَنَهْدِيَنَّهُمْ)) هذه اللام موطئة للقسم، (وَالَّذِينَ) هذا مبتدأ، ((لَنَهْدِيَنَّهُمْ)) هذه الجملة خبر، وهذا يكفي في رد ما قاله ثعلبة.

والطلبية منعها ابن الأنباري؛ لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، والخبر حقه ذلك، ورد بأن المفرد يقع خبراً إجماعاً ولا يحتمل ذلك وبالسماع كذلك.

ص: 12

زيد قائم: (قائم) هذا لا يحتمل الصدق ولا الكذب، فلا يشترط في الجملة أنها تحتمل الصدق والكذب، ما لا يحتمل الصدق والكذب نقول: هذا إنشاء، وما احتمل الصدق والكذب هذا خبر .. هل يشترط في جملة الخبر أنها تحتمل الصدق والكذب؟ نقول: لا، لا يشترط. بدليل ماذا؟ بدليل أن المفرد يقع خبراً، زيد قائم زيد أخوك (أخوك) هذا لا يحتمل؛ لأن الخبر هذا من أوصاف الكلام، يعني من أنواع الكلام.

الكلام ينقسم إلى: خبر وإنشاء.

مُحتمِلٌ للصِّدقِ والكِذبِ الخبرْ

وغيره الإِنشا ولَا ثالثَ قرّ

إذاً: بهذه الشروط الثلاثة نقول: يجوز أن تقع الجملة خبراً عن المبتدأ

حَاوِيَةً مَعْنَى أي: مشتملة، حَاوِيَةً هذا صفة لجملة، و (معنى) هذا مفعول لحاوية وهو مضاف والذي مضاف إليه.

سِيقَتْ: خبراً له حَاوِيَةً، أي: هذه الجملة التي تقع خبراً سواء كانت جملة اسمية أو جملة فعلية يشترط فيها أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، لماذا؟ لأن الأصل في المبتدأ أنه منفك عن الخبر؛ لأنه محكوم عليه، والخبر محكوم به، فإذا كان جملة حينئذ صار أجنبياً عن المبتدأ، ونحن نريد أن نبين أن هذا الذي تضمنته الجملة هو صادق على المبتدأ، حينئذٍ لا بد من رابط، لا بد من مسهل للمعنى الذي دلت عليه الجملة ليصل على المحكوم عليه وهو المبتدأ.

حَاوِيَةً: يعني مشتملة، على ما يدل على معنى المبتدأ.

حَاوِيَةً مَعْنَى أي: على ما يدل على معنى المبتدأ، وهنا لم يقل ضمير؛ لأن الرابط ليس خاصاً بالضمير، بل يشمل اسم الإشارة والعموم وما سيأتي ذكره.

حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ خبراً لَهْ ليحصل الربط، وما هو الذي سيقت هذه الجملة خبراً له؟ المبتدأ.

حَاوِيَةً: مشتملة.

مَعْنَى: معنى الَّذِي سِيقَتْ هذه الجملة خبراً له، يعني لا بد أن يكون المبتدأ موجوداً في المعنى في ضمن جملة الخبر.

حَاوِيَةً: مشتملة، مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ وهي إنما سيقت لماذا؟ ليخبر بها عن المبتدأ، إذاً لا بد أن يكون المبتدأ معنى موجود في ضمن جملة الخبر الاسمية أو الفعلية، لا بد أن يكون مكرراً إما بالضمير، إما باسم الإشارة كما سيأتي.

وشرط هذا الضمير الذي يكون رابطاً وهو الأصل وغيره محمول عليه أن يكون مطابقاً للمبتدأ، نحو: زيد قام غلامه (زيد) هذا مبتدأ، و (قام غلامه)(قام) فعل، و (غلامه) هذا فاعل أضيف إلى الضمير، مرجع الضمير ما هو؟ زيد.

إذاً: قام غلامه نقول: الجملة في محل رفع خبر اللمبتدأ، اشتملت على ضمير على معنى المبتدأ الذي جعلت هذه الجملة خبراً له، كأنه قال: قام غلام زيد، فأعاد زيد مرة أخرى، فهي مشتملة على معنى المبتدأ مرة أخرى في لفظ التركيب، جاء زيد قام غلامه، (غلامه) نقول: الضمير هذا يعود على زيد.

ص: 13

لو قال: الزيدان قام غلامهما، لا بد من التطابق (غلامهما) هذا يعود على المبتدأ وهو مثنى، الزيدون قام غلمانهم، إعادة بجمع، حينئذ لا بد أن يكون مطابقاً للمبتدأ، إن كان المبتدأ مفرداً كان الضمير الذي في الجملة مفرداً، وإن كان مثنى فمثنى، وإن كان جمعاً فجمعاً، وعند الجمهور لا يجوز حذفه سواء كان مرفوعاً مبتدأ أو فاعلاً أو منصوباً بفعل متصرف أو جامد أو ناقص أو وصف أو حرف أو مجرور، إلا في صورة واحدة وهي: أن يجر بحرف ولا يؤدي حذفه إلى تهيئة عامل آخر، (السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ).

(السمن) هذا مبتدأ أول، (مَنَوَانِ) تثنية مَنَى مبتدأ ثاني (بِدِرْهَمٍ) خبر الثاني، الجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدئ الأول، أين الرابط؟ لا يوجد رابط له في اللفظ، وإنما هو محذوف (مَنَوَانِ منه بِدِرْهَمٍ) في هذه الصورة يجوز حذف الرابط، وما عداه فلا. وثم تفصيل أيضاً خلاف في هذه المسألة. إلا في صورة واحدة وهي: أن يجر بحرف ولا يؤدي حذفه إلى تهيئة عامل آخر نحو: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ، أي: مَنَوَانِ منه، بخلاف ما إذا أدى نحو: الرغيف أكلت .. الرغيف أكلته، (الرغيف) مبتدأ، و (أكلته) الجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، أين الضمير؟ الهاء أكلته، لو حذفته الرغيف أكلت، هذا يحتمل ماذا؟ لما حذف الضمير هيأ العامل لأن يتسلط على الرغيف، فينصبه على أنه مفعول به، وهذا ممنوع، لماذا؟ لأننا بحذف الضمير هيأنا العامل، جهزناه، جعلناه صالحاً لأن يتسلط على المبتدأ فينصبه على أنه مفعول به له: الرغيف أكلته، الرغيف أكلت، يظن أنه أكل الرغيف لا غيره، من باب تقديم ما حقه التأخير، بخلاف ما إذا أدى نحو: الرغيف أكلت، أو جر بإضافة سواء كان أصله النصب نحو: زيد أنا ضاربه أم لم يكن نحو: زيد قام غلامه.

على كل ثم تفصيل طويل موجود في المطولات، لكن الأصل عدم جواز حذف هذا الضمير.

وَيَأْتِي جُمْلَهْ

حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ.

قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: ينقسم الخبر إلى مفرد وجملة وسيأتي الكلام على المفرد.

فأما الجملة فإما أن تكون هي المبتدأ في المعنى أو لا، فإن لم تكن هي المبتدأ في المعنى فلا بد فيها من رابط يربطها بالمبتدأ، يعني ضمير عائد على المبتدأ، ويشترط فيه أن يكون مطابقاً للمبتدأ إفراداً وتثنية وجمعاً، والأصل فيه عدم جواز حذفه إلا ما استثني.

وهذا معنى قوله: حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ.

والرابط الأصل فيه الضمير، وما عداه فهو نائب مناب الضمير، هذا الأصل فيه.

إما ضمير يرجع إلى المبتدأ نحو: زيد قام أبوه، (زيد) مبتدأ، و (قام أبوه) فعل وفاعل، والضمير الذي هو المضاف إليه يرجع إلى زيد.

ص: 14

وقد يكون الضمير مقدراً نحو: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ، ((وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [النساء:95]-على قراءة الرفع- ((وَكُلٌّ)((وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) وَكُلٌّ وعده الله الحسنى حذف الضمير، أو إشارة إلى المبتدئ، أن يكون اسم إشارة كقوله:((وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)) [الأعراف:26] في قراءة من رفع لباس، ((وَلِبَاسُ)) بالرفع، أما ((وَلِبَاسَ)) ليس فيه دليل.

((وَلِبَاسُ)) هذا مبتدأ أول، وهو مضاف والتقوى مضاف إليه ((ذَلِكَ)) هذا مبتدأ ثاني، و ((خَيْرٌ)) خبر المبتدأ الثاني، والجملة من ذَلِكَ خَيْرٌ في محل رفع خبر مبتدأ الأول، ما هو الرابط؟ اسم الإشارة، ما وجه الربط؟ اسم الإشارة كالضمير، يحتاج إلى مرجع، لا بد من مرجع، حينئذ ((ذَلِكَ خَيْرٌ)) المشار إليه لباسُ التقوى، كأنه مذكور ضمناً في الجملة ((ذَلِكَ)) المشار إليه هو لباس التقوى، كأنه أعيد مرة أخرى، ويصح أن يكون (ذلك) هذا عطف بيان أو نعت للباس، ويكون (خير) هذا خبر لباس، فلا يكون فيه شاهد، وأحسن منه الاستدلال بقوله تعالى:((وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)) [الأعراف:36](والذين) هذا مبتدأ أول ((كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا)) جملة الصلة معطوف عليها ((أُوْلَئِكَ)) هذا مبتدأ ثاني، ((أَصْحَابُ النَّارِ)) خبر الثاني، والجملة من قوله:((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)) في محل رفع خبر الذين.

أو –الثالث-: تكرار المبتدأ بلفظه، يعاد المبتدأ كما هو، وأكثر ما يكون في مواضع التفخيم والتهويل ((الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2))) [الحاقة:2،1] ((الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2))) [القارعة:2،1] ((وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ)) [الواقعة:27].

((الْقَارِعَةِ)) نقول: هذا مبتدأ أول، ((مَا)) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ثاني، ((الْقَارِعَةِ)) خبر الثاني والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول.

أين الرابط؟ إعادة المبتدئ بلفظه؛ لأنه عينه، ولذلك في مثل هذا نقول: أعيدت المعرفة معرفة، فهي عين الأولى، على القاعدة المشهورة عند البيانيين، إذا أعيدت المعرفة معرفة فهي عين الأولى، وهنا ((الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2))) القارعة الثانية اللفظ هو عين اللفظ الأول، بدليل أن (أل) هذه للعهد الذكري، يعني: التي ذكرت سابقاً.

وقد يستعمل في غيرها (زيد ما زيد) يعني تكرار المبتدأ قد يستعمل في غير مواضع التفخيم والتعظيم.

أو –الرابع-: عموم يدخل تحته المبتدأ نحو: زيد نِعم الرجل، (زيد) مبتدأ، و (نِعم الرجل) الجملة خبر، (نِعم) فعل ماضي، و (الرجل) هذا فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ.

ص: 15

أين الرابط؟ الرابط (أل) هذه للعموم -تفيد العموم-، وزيد فرد من أفراد العموم، زيد نِعم الرجل، الرجل (أل) هذه للعموم، وزيد فرد من أفراد الرجال، حينئذ دخل وحصل الربط بينهما، زيد فرد من أفراد مدخول (أل) نعم الرجل، وقيل (أل) عهدية، والمراد خصوص زيد ويكون من باب إعادة المبتدأ بمعناه، وإذا قيل: زيد نعم الرجل، الرجل (أل) هذه للعهد، حينئذ ليس عندنا عموم فيكون الربط هنا من باب إعادة المبتدأ بمعناه؛ لأن المبتدأ قد يكون الرابط بينه وبين جملة الخبر إعادته بلفظه كـ ((الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2))) وقد يكون بالمعنى، ومنه المثال الذي ذكرناه، فزيد هو الرجل أعدته مرة أخرى بالمعنى، زيد جاءني أبو عبد الله، وأبو عبد الله هو كنيته، (زيد) مبتدأ وجاءني أبو عبد الله الجملة في محل رفع خبر المبتدأ أين الرابط؟ إعادة المبتدأ بمعناه، فأبو عبد الله هو كنية زيد، فحينئذ حصل الربط أو لا؟ حصل الربط، والمراد بالربط: كل ما يؤدي إلى أن يكون المبتدأ في ضمن الجملة بأي وسيلة، فحينئذ حصل الربط بالمعنى، هذه يتعلق بالجملة إن كانت مغايرة للمبتدأ، فإن كانت هي في المعنى فحينئذ لا نحتاج إلى رابط، ولكن هذا قليل في أفراد يعني معدودة، وإلا الأصل أن تكون جملة الخبر مغايرة هذا الأصل، لماذا؟ لأننا جئنا بجملة الخبر من أجل أن تكون حكماً ومحكوماً بها، والمبتدأ محكوم عليه، فإذا كان هو عينه في المعنى لم نحتج إلى جملة.

وَإِنْ تَكُنْ إِيَاهُ مَعْنًى اكْتَفَى

بِهاَ كَنُطْقِى اللهُ حَسْبِي وَكَفَى

(وإن تكن) الضمير يعود إلى الجملة التي تقع خبر، إن تكن الجملة التي وقعت خبراً عن المبتدأ (إِيَاهُ مَعْنًى)(إِيَاهُ) ما إعرابه؟ خبر.

(إن تكن إياه) تكن الجملة اسم (تكن) ضمير مستتر، و (إياه) نقول: هذا خبر تكن، ومصدقه المبتدأ، إن كانت الجملة هي عين المبتدأ (إِيَاهُ مَعْنًى) تمييز من جهة المعنى (اكْتَفَى

بِهاَ) بالجملة دون أن نشترط أن تكون حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ، يعني: لا يشترط لها رابط.

(كَنُطْقِى: اللهُ حَسْبِي وَكَفَى)، (نطقي) مبتدأ، و (الله) مبتدأ ثاني، و (حسبي) خبر الثاني، والجملة: خبر مبتدأ الأول، أين الرابط؟ لا رابط، ليس فيه رابط.

(نُطْقِى) أي: منطوقي الذي تلفظت به (اللهُ حَسْبِي).

(أخبرت عن كون منطوقي) هو هذا اللفظ.

إذاً: المنطوق الذي نطقت به هو اللهُ حَسْبِي لا فرق بينهما، هي في المعنى نفسها، (كَنُطْقِى) أي: المنطوق به، (اللهُ حَسْبِي) فهي نفسها، هي عينها بالمعنى.

(وكفى) لأنها في الحقيقة تفسير للمبتدئ مرتبطة به ارتباط التفسيرية بالمُفَسَّر، حينئذ لا نحتاج إلى رابط، ولذلك قال هنا: وإن كانت الجملة الواقعة خبراً هي المبتدأ في المعنى لم تحتج إلى رابط، وهذا معنى قوله: وَإِنْ تَكُنْ إلى آخره.

ص: 16

وَإِنْ تَكُنْ الجملة (إياه) أي: المبتدأ في المعنى –من جهة المعنى- اكتفى بها عن الرابط، الجملة نفسها يكتفى بها عن الرابط، كقولك: نطقي الله حسبي، نطقي مبتدأ أول والاسم الكريم مبتدأ ثاني وحسبي خبر عن المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول واستغنى عن الرابط؛ لأن قولك: الله حسبي، هو معنى نطقي، بل هو عينه، وكذلك قولي: لا إله إلا الله، الجملة خبر، وقولي: هذا مبتدأ، وحينئذ نقول: لا نحتاج إلى رابط.

و {أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله} وهذا كثير في ضمير الشأن، أي: وقوع خبر المبتدأ جملة هي المبتدأ في المعنى: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:1]. (هو): مبتدأ أول، (الله) مبتدأ ثاني، (أحد) خبر الثاني والجملة خبر الأول ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) مرجع الضمير: الله، إذاً: اللَّهُ أَحَدٌ، نقول: هذا هي عين المبتدأ ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:1] مرجع الضمير هو الله عز وجل، إذاً: اللَّهُ أَحَدٌ جملة الخبر لا تحتاج إلى رابط لأنها عين المبتدأ في المعنى، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 17