المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (حروف الجر) ـ * تعداد حروف الجر - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ٦٨

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة (حروف الجر) ـ * تعداد حروف الجر

‌عناصر الدرس

* شرح الترجمة (حروف الجر) ـ

* تعداد حروف الجر ،وإختصاص بعضها بقوم دون غيرهم

* أقسام حروف الجر من حيث الإختصاص وعدمه

* معاني حروف الجر

* فائدة: هل ينوب حرف عن حرف؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آلة وصحبه أجمعين:

قال الناظم رحمه الله تعالى:

حُرُوفُ الْجَرِّ، أي: هذا بابُ بيان ما يتعلّقُ بحروف الجر، ومقصودُه الشروع في المجرورات كما ذكرناه سابقاً، لأن النحاة يقسِّمون الأسماء إلى مرفوعات ومنصوبات ومجرورات، فلمّا أنهى الكلام على المرفوعات بقسميه الرئيسين: الفاعل والمبتدأ، ثم المنصوبات وعدَّها المفاعيل السابقة والعامل فيها شرعَ في بيان ما يتعلّق بالمجرور، والمجرور على قسمين، المجرور يعني الاسم الذي دخلهُ الجر، وهو الذي يقتضيه الحرف، المجرور على قسمين:

إما إن يكون مجروراً بحرف، وإما أن يكون مجروراً بإضافة.

وجرت عادةُ النحاة على تقديم المجرور بالحرف على المجرور بالإضافة، وهذا لسببٍ عندهم وهو أن المجرور بالإضافة على نيّةِ الحرف، حيئنذٍ الحرفُ الملفوظ يكون أولى بالتقديم من الحرف المنوي.

إذن: الباب الثاني (الإضافة) مبنيّ على الباب الأول وهو حروف الجر، وإذا قيلَ بأن المضاف هو العاملُ على الصحيح وليس ثم حرف مقدّر أو منوي، فحينئذٍ نقول جرت عادةُ النحاة على تقديم الحرف .. حرف الجر؛ لأنه لم يُختلَف في كون حرف الجر هو المقتضي للخفض، وأما المضاف والإضافة والحرف المنوي فهذا محلّ نزاعٍ بين النحاة.

(حُرُوفُ الْجَرِّ) سُميت حروف الجر قيلَ لأنها تجر معاني الأفعال إلى الأسماء، هذا المشهور يعني تُوصل إليها تلك المعاني التي تضمّنتها الأفعال التي هي المتعلَّق بالنسبة للحرف، فيكونُ المرادُ حينئذٍ -حروف الجر- المرادُ بالجر هنا المعنى المصدري، ومن ثم سمّاها الكوفيون حروف الإضافة، لأنها تُضيف معاني الأفعال إلى الأسماء يعني تُوصلها إليها، وهذا صارَ المعنى واحدا؛ سواء سميناها حروف الجر، المعنى المصدري وهو إيصال المعاني من الأفعال إلى الأسماء، أو صارَ من جهة الإضافة إضافة المعنى الذي دلَّ عليه الفعل إلى الأسماء، ومن ثَم سماها الكوفيون حروفَ الإضافة؛ لأنها تُضيف معاني الأفعال إلى الأسماء يعني تُوصلها.

وإما لأنها تعملُ الجر، لماذا سُمّي حرف جر؟ لأنه يعمل بالعمل المخصوص بالاسم، وحينئذٍ يكون المرادُ بالجر هو الإعراب المخصوص، تغييرٌ مخصوصٌ علامته الكسرة وما ناب عنها، أو نفسُ الكسرة وما نابَ عنها.

والمراد بإيصال حرف الجر معنى الفعل للاسم ربطُهُ به، أن يكون الحرفُ رابطاً ووسيلةً بين الفعل والاسم الذي هو مجرور الحرف، ربطُهُ به على الوجه الذي يقتضيه الحرف من ثبوته له أو انتفائه عنه، يعني إما أن يكون الحرفُ وسيلةً لإثبات معنى الفعل السابق الذي هو المتعلّق إلى المجرور، وإما أن يكون بالانتفاء، والمراد بالانتفاء هنا لإدخال (خلا) و (عدا) و (حاشا)؛ لأنها سبق أنها حروف تجرُّ في بعض الأحوال، فإذا جرّت حينئذٍ ما المعنى الذي تضيفه إلى الأسماء؟

(جاء القوم خلا زيدٍ، عدا زيدٍ، حاشا زيدٍ) هي قطعت معنى الفعل عما بعدها، أنت قلت (قام القوم خلا زيدٍ) ، هل القيام الذي اتصفَ به الفعل ودلَّ عليه الفعل موصولٌ إلى ما بعد خلا أم أنه مصروف عنه؟

ص: 1

مصروف عنه، حينئذٍ نقولُ: كيف نقول هي توصل المعاني، وهنا في (خلا وعدا) قد فصلت تلك المعاني؟

نقول: المراد بالإيصال سواء كان على جهة الثبوت أو على جهة الانتفاء لإدخال هذه العوامل الثلاث.

إذن: المراد بإيصال حرفِ الجر معنى الفعل للاسم ربطُهُ به على الوجه الذي يقتضيه الحرف من ثبوته له أو انتفائه عنه؛ ليشملَ حروف الاستثناء التي تجرّ لأنها لتنحية معنى الفعل عن مدخُولها لا لإيصاله إليه، أفادَه الصبان.

إذن: حروفُ الجر تحتمل التسمية أمّا أنه روعي فيها المعنى فيكون المعنى المصدري هو المراد. وإما أن يكون المراد به العمل المخصوص.

إذن: هذه تسمية وهي خاصة بالبصريين، وأما الكوفيون فيسمّونها حروف الإضافة، وتُسمّى كذلك بحروف الصفات؛ لأنها تُضيف إلى ما بعدها صفات، والمراد بها الظرفية والتبيين والتبعيض ونحو ذلك، يعني: تُحدِث في الاسم صفة من ظرفية أو غيرها.

قال الناظم هنا:

هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وَهْيَ مِنْ إِلَى

حَتَّى خَلَا حَاشَا عَدَا فِي عَنْ عَلَى

مُذْ مُنْذُ رُبَّ الَّلامُ كَيْ وَاوٌ وَتَا

وَالْكَافُ وَالبَا وَلَعَّلَّ وَمَتَى

هذه الحروف بدأ بها الناظم هنا عدّاً، قسم الباب إلى قسمين:

أولاً: عدَّ فيها الحروفَ .. يعني ذكرَها ذكراً، جمعَها في بيتين، وهي عشرون حرفاً وزِيدَ عليه لولا، فصارت واحداً وعشرين حرفاً، ثم يشرعُ في بيان المعاني التي تتعلّقُ بهذه الحروف، ثم يذكرُ بعض المسائل التي تتعلّق بإعمال حرف الجر محذوفاً، وهل يُكفّ؟ وما الذي يُكفّ ونحو ذلك؟

ذِكرُ المعاني هنا يُذكر استطرادا ًوإلا الأصل النحاة كتبوا في حروف المعاني مؤلّفات مستقلة، ولذلك لا تُؤخَذ من هذه الكتب، ولن نَقف معها طويلاً، وإنما نذكرُ المعاني التي ذكرها الناظم فحسب، ولذلك سنمرُّ على الباب مرورَ الكرام كما يقال.

وأما المعاني على جهة التفصيل ومعرفة ما يتعلّق بكل حرف لأن بعضها يصل إلى العشرين معنى، وكل معنى قد يكون فيه خلاف وأخذٌ وعطاءٌ وإلى آخره. نقول هذه ما دام أنها موجودة في كتب مُستقلة حينئذٍ منزلتها منزلة المواريث من الفقه، لكثرة المسائل فيها والأخذ والعطاء حينئذٍ استقلّت بمؤلفات خاصة، ومغني اللبيب لابن هشام رحمه الله تعالى يُعتبَر موسوعة في هذا الجانب، فمن أرادَ الزيادة والتزود حينئذٍ يرجعُ إلى ذلك الكتاب، قد قيل أن مَن درس النحو ولم يقرأ المغني ما عرفَ النحو أبداً.

هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ، هَاكَ هذا اسم فعل أمر، الأصل (هَا) لوحدها بدون مد يعني بالقصر، وقيل: يُمدّ ومنه ((هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)) [الحاقة:19] هَاؤُمُ، و (ها) نقول هذا اسم فعل أمر بمعنى خُذ، والكاف هذه حرفُ خِطاب وليست اسمية، وإنما تتصرّفُ تصرفَ الكاف في الاسمية بحسب حال المخاطب من تذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع، نقول: هاكَ هاكِ هاكُما هاكُنّ هاكُم.

إذن: يُتصرّف فيها تصرف الكاف الاسمية، وإلا فهي حرف، حينئذٍ هَاكَ نقول بمعنى خُذ وهو فعل أمر.

ص: 2

هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ يعني خُذ حروفَ الجر، وأرادَ أن يذكرَ لك الحروف على جهة العموم، وإلا الأصل أن يقول هاكها؛ يعني خذها، وأعاد هنا فأظهر في مقام الإضمار من باب التأكيد فحسب، وإلا ليس ثم معنى يُلتفت إليه.

هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وهي: مِن؛ إلى، وهي عشرون .. عدَّها الناظم عشرين، وبعضهم زادَ وبعضهم نقصَ، وثم مسائل مُختلف فيها، هل هي حرف جر أم لا؟ وبحثُنا لن يكون في هذه المسائل إلا في (رب) لأهميتها، وما عداه يُرجع إلى الكتاب المذكور.

هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وهي: عشرون حرفاً، وَهْيَ: مِنْ إلىَ حَتَّى خَلا، هنا كلّها عدّها بدون حرف العطف .. يعني بإسقاط العاطف، وقلنا مراراً أن هذا جائز في النظم .. والشعر بإجماع اتفاق، واختلفوا هل يجوزُ في النثر أم لا! وصحّحه ابن مالك رحمه الله تعالى.

هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وَهْيَ مِنْ من: يُعتبر خبر لـ (هي)، هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ، وهي الواو واو الاستئناف، إلا انه استئنافٌ بياني، والاستئنافُ البياني هو الواقع في جواب سؤال مُقدّر.

والاستئنافُ النحوي هو ما ليس واقعاً في جواب سؤال مُقدّر، حينئذٍ لما قال هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ، وهذا فيه تشويق، ما هي هذه الحروف؟ كأن سَائِلاً سأله: ما هي؟

قال: هْيَ مِنْ، (هي) مبتدأ، و (من) خبر، هي يعود على حروف الجر، والحروف جمع وأقل الجمع ثلاثة، ومِن هذا لفظ واحد، حينئذٍ هل حصلَ التطابق بين المبتدأ والخبر؟ الجواب: لا لم يحصل التطابقُ بين المبتدأ والخبر؛ لأن هي قلنا هذا مدلوله جمع وهو حروف الجر.

(مِنْ) هذا حرفٌ واحد مدلوله واحد؛ لأنه يُعبّر عن نفسه، حينئذٍ هل حصلَ التطابق بين المبتدأ والخبر؟

الجواب: لا، الجوابُ عن مثل هذه المسائل نقول: هنا لاحظَ ماذا؟ العطف ملحوظ قبل الإخبار، قال: هي، ثم لاحظَ في نفسه أنه سيعطفُ على اللفظ الأول بما بعده، فأخبر بالأول، فحينئذٍ تكون في الإعراب (من) وما عُطِف عليه خبر المبتدأ، وإذا قلت مِن خبر أخطأت لأنه لم يحصل التطابق، حينئذٍ تقول من وما عطف عليه لأن الخبر كله من إلى حتى إلى قوله متى، نصف البيت والبيت الذي يليه كله هو الخبر في المعنى، لأن قال: هي أراد أن يعدَّها ويفسّر لنا ما هي هذه الحروف، قال هي من.

إذن: (مِن) وما عُطِف عليه نقول خبر، لكن وما بعده (مِن)(إلى) ، تقول (إلى) معطوف على (مِن)، حينئذٍ الخبر هنا مُركّب لكن من جهة المعنى، وهي: من إذن: مِن وما عُطِف عليه خبر المبتدأ.

مِنْ إِلىَ، يعني وإلى وحتى وخلا وحاشا وعدا وفي وعن وعلى ومذ ومنذُ ورب واللام -أي مُسمّى اللام- وكي وواو -أي: واو القسم- وتاء والكاف والباء ولعل ومتى.

هذه كلها عشرون، ترك منها (لولا) فحسب لوجود النزاع بين النحاة، هنا عدَّ رب من حروف الجر، وهو حرف له مَقامه في حروف الجر، إذ له معنى خاص وإن كان هو حرف شبيه بالزائد لعدم تعلّقه بمتعلق إلا أنه يُراعى.

مذهبُ البصريين أن (رب) حرفُ جرّ، وذهب الأخفش والكوفيون إلى اسميتها؛ ليست بحرف مُتفق عليه بين النحاة، بل مذهب البصرين أنها حرف جر تجرُّ كما تجر مِن.

ص: 3

ومذهب الأخفش -وهو بصري- والكوفيين إلى أنها اسمٌ، وأُيِّدَ مذهبُ الكوفيون بأنها في التقليل أو التكثير مثل (كم) الخبرية، لأن ربّ كما سيأتي فيها أربعة مذاهب، المشهورُ أنها للتكثير كثير وللتقليل قليل، هذا المشهور خاصة عند المتأخرين، حينئذٍ إذا أفادت التكثير (كم) الخبرية تُفيد التكثير؛ (كم مالٍ عندي) ، (كم أولادٍ) نقولُ هذا أفادت التكثير.

إذن: لما عُدّي بـ (رب) التكثير -الذي هو من خواص (كم) الخبرية -حينئذٍ دلَّ على أنها اسم، فهذا المعنى الذي دلَّت عليه رب وهو المعنى الذي دلت عليه (كم) الخبرية، وأُيّد بأنها في التقليل أو التكثير مثل (كم) الخبرية في التكثير، إذ معنى (رب رجل كريم لقيته) ، (رب رجل بخيل لقيته) المعنى قليل أو كثير من هذا الجنس على حسب المعنى المراد، كما أن معنى (كم رجلٍ) كثير من هذا الجنس، ولا خلاف في اسمية (كم).

إذن: حملاً على (كم) الخبرية حُكِم على (رب) بأنها اسم وليست بحرف، إذن: قوله (رب) جرى فيه على مذهب البصريين، هذه الحروف العشرون كلّها مُختصّة بالأسماء وهي تعملُ فيها الجرّ، وقد عملت هذه الحروف الجرَّ في الأسماء على الأصل فيها، لأن الأصل في الحرف المختصِّ أن يعمل الجرَّ هذا الأصل، حينئذٍ إذا جِيءَ بالحرف يعملُ الجر؛ حينئذٍ لا نسأل عنه لا نقول: لماذا عمِلَ الجر؟ لأنه جاء موافقاً للأصل؛ لأنه كما سبقَ أن بعض الحروف مختصّ بالأسماء وبعضها مختصّ بالأفعال.

ما اختصَّ بالأسماء فالأصل فيه أنه يعمل الجرَّ، فما عمِلَ النصب كـ (إن) أو عملَ الرفع كـ (إن) كذلك بالخبر، حينئذٍ يُسأل لماذا خرج عن الأصل؟ وما هو الأصل؟ الأصل في الحرف المختص بالاسم أن يعمل الجر فحسب، ولذلك هنا لا يُسأل عنها فنقول: هي عملت الجر على الأصل. وهي تعملُ فيها الجر، وتقدَّمَ الكلام على خلا وحاشا وعدا في باب الاستثناء، فلا عودة ولا إعادة.

وقلَّ مَن ذكرَ (كي ولعل ومتى) ، ومع أن الناظم هنا ذكرها من باب استيفاء حروف الجر، وقلَّ مَن ذكر (كي ولعل ومتى) في حروف الجر لغرابة الجر بهن، لأنها خاصة هذه تخص عُقيل وهذه تخصل هذيل إلى آخره.

حينئذٍ لما اختصّت ببعض القبائل دون بعض صارت فيها نوع نُدرة وغرابة، حينئذٍ لا تُجعل حكماً عاماً مطّرداً، ولذلك لم يذكر لها معاني، إنما أسقطَ هذه الثلاث الأول خلا وعدا وحاشا؛ لأنها مضت وكي ولعل ومتى مع كونه ذكرَها في التعداد إلا أنه لما سرد المعاني لم يتعرض لها، ولذلك نذكرها كما ذكرها ابن عقيل، فأمّا كي فتكون حرفَ جرّ في ثلاثة مواضع، وأسقطَ ابن عقيل موضعاً:

الموضع الأول: إذا دخلت على (ما) الاستفهامية المستفهَم به عن عله الشيء، إذا دخلت كي على (ما) الاستفهامية المستفهَم بها عن علّة الشيء؛ حينئذٍ صارت (ما) الاستفهامية مجروراً بكي، (كيمه):(كي)(ما) هذا الأصل حُذِفت الألف كما حذفت من ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)) [النبأ:1] لأن حرفَ الجرّ إذا دخل على (ما) الاستفهامية حُذفت الألف ثم دخلت عليها هاءُ السكت؛ قيل: كيمه؛ أي: لمه، فـ (ما) الاستفهامية مجرورة بكي، وحُذفت ألِفُها لدخول حرف الجر عليها، وجِيءَ بالهاء للسكت.

ص: 4

إذن: الموضع الأول الذي يكونُ مجروراً لـ (كي) هو (ما) الاستفهامية المستفهَم بها عن علة الشيء.

الموضع الثاني: أن يكون مدخولها (ما) المصدرية مع صلتها؛ كما في قول الشاعر:

إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا

يُرَادُ الْفَتَى كيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ

كيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ: (ما) هذه مصدرية، و (يَنْفَعُ وَيَضُرُّ) نقول هذا صلة لها حينئذٍ تؤول بالمصدر يعني بالضر والنفع؛ قاله الأخفش، وقيل:(ما) هذه كافة، لكن المشهور كيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، المشهور أن (ما) هذه مصدرية.

الموضع الثالث: أن وصلتها؛ أن المصدرية مع صلتها؛ سواء كانت أن ملفوظاً بها أو مقدرة، وهذا المعنى مشهور كثير، وهو يُعدّ من النواصب في باب المضارع، جئتُ كي أكرمَ زيداً، إذا قدّرتَ أن (أكرم) منصوب بإن بعد كي، حينئذٍ دخلت كي على (أن) المصدرية وصلتها؛ وهو الفعل المضارع، فأُكرِمَ فعل مضارع منصوب بأن بعد كي، وأن والفعل المقدران بمصدر مجرور بـ (كي)، والأصل فيه: جئت كي إكرام زيد، أي: لإكرام زيد، فتكونُ بمعنى اللام، والأولى أن تُقدّر كي مصدرية فتُقدّر اللام قبلها بدليل كثرة ظهورها معها (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا)؛ هذا سيأتينا في نواصب المضارع.

المراد هنا أن (كي) تدخل على (أن) المصدرية وصلتها، إذن: هذه ثلاثُ مواضع هي خواصّ كي، وهي في هذه المواضع الثلاث بمعنى اللام، في الجميع بمعنى اللام، كيمه؟ لمه؟ لإكرام. للضُرّ. إذن كلها قُدّرت باللام، وهي في هذه المواضع الثلاث بمعنى اللام، ويطرد جرها لأن المصدرية، هذا مطرد قياس؛ ليس بقليل، ولذلك أجازوا في نحو جئتُكَ كي تكرمني، أن تكون (كي) حرفَ جر، وأن مُقدّرة بعدها، وأن تكون مصدرية يعني كي واللام مُقدّرة بعدها، هذا سيأتي في محله.

إذن: (كي) تكون حرفَ جر في مواضع ثلاثة كما ذكرناه.

وأما (لعلّ) فالجرُّ بها لغة عُقيل خاصة دون غيرهم من العرب، ومنه قوله:

لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ.

لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْناَ

بِشَيءٍ أَنَّ أُمَّكُمُ شَريمُ

لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ، لعلّ هذه شبيهة بالزائد مثل (رب) والحرفُ الشبيه بالزائد حينئذٍ يُؤثّر في اللفظ فحسب، ولا يُؤثّر في المعنى، والحرف الجر الشبيه بالزائد يدخلُ على المبتدأ فحينئذٍ يَبقى على أصله في كونه مبتدأ كما هو الشأن في رُبّ.

لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ، أبي المغوار نقول هذا مبتدأ، ولعلّ دخلت عليه، حينئذٍ لا نقول: لعل حرف جر وما بعده اسم مجرور، وإنما نقولُ: لعل حرف جر وترجٍّ شبيه بالزائد، حينئذٍ لا يحتاج إلى متعلق يتعلق كما سيأتي.

أَبِي الْمِغْوَارِ: هذا مبتدأ، فله محلان؛ محلّ في اللفظ وهو أثر لعلّ، وله محلّ في الأصل، حينئذٍ ظهرَ أثر لعل في اللفظ وبقي على أصله، ولذلك قريبٌ بالرفع على أنه خبر المبتدأ، أين المبتدأ وهو مجرور بلعل؟ نقول: مجرورٌ لفظاً لا محلا، حينئذٍ في المحلّ فهو مرفوع على الابتداء، فتقول:

ص: 5

لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ: لعل حرف جر وترجٍّ شبيه بالزائد، وأبي المغوار مجرور لفظاً بلعلّ مرفوع محلاً على الابتداء، بواو مَنويّة على الياء، واو مُقدّرة هذا من المواضع التي تُقدّر فيها الواو، مَنوية على الياء، منَعَ من ظهورها اشتغال المحلّ بجلبِ الياء علامة لحرف الجر الشبيه بالزائد، وقريبٌ هذا خبر.

لَعَلَّ اللهِ هذا واضح لأنه بالحركة، لَعَلَّ: حرف جر وترجٍّ شبيه بالزائد، اللهِ: لفظ الجلالة تقول مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعُهُ ضمّة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجرّ الشبيه بالزائد، (فضَّلَكم): هذا يُعتبر خبراً.

وقد رُوِي على لغة هؤلاء في لامها الأخير الكسرُ والفتحُ (لعلَّ)، (لعلِّ) وبحذف اللام مع اللغتين السابقتين كما ذكرناه آنفاً، (علِّ)، (علَّ)، فيها أربعُ لغات، أوصلَها بعضهم إلى العشر.

وأما (متى) فالجرُّ بها لغة هذيل ومن كلامهم:

أَخْرَجَهَاَ مَتَى كُمِّهِ؛ يعني: مِن كمه، حيئنذٍ تكون (متى) بمعنى (مِن) الابتدائية؛ تُفسّر بمعنى مِن الابتدائية.

أخْرَجَهَاَ مَتَى كُمِّهِ يعني: مِن كُمّه.

شَرِبْنَ بِماءٍ البَحْرِ، ثُمَّ تَرَفَّعْتْ

مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ

يعني: مِن لجج، حرف جر بمعنى مِن، وقال السيوطي في الهمع: وتأتي اسماً بمعنى وسطَ، يعني متى تأتي اسما بمعنى وسط؟ حُكي (وضعها متى كُمِّه) أي: وسطه. إذن: هذه الثلاثُ لم يذكرها الناظم لغرابة الجرِّ بها، وإن ذكرها عدّاً، لكن عند سرد المعاني لم يتعرض لها.

إذن: هذه ست: خلا وعدا وحاشا ومتى ولعل وكي، نقول هذه ست، بقيَ كم من العشرين؟ أربعة عشر حرفاً سيذكرها بمعانيها، ولم يذكر (لولا)؛ لم يذكرها في هذا الكتاب وذكرها هو في غيره تبعاً لسيبويه؛ مذهبُ سبويه أنها من حروف الجر إذا وليها ضمير متصل، (لولا) تُعتبَر حرف جر مثل (من وفي) إلى آخره، متى؟ إذا وليها ضمير متصل، ولا يتعلَّق بشيء كـ (رب) ولعل الجارة تنزيلا للثلاثة منزلة الجار الزائد، حينئذٍ لولا حرفُ جر، لكنه لا يتعلق بشيء شبيه بالزائد لأن له معنى، سيأتي في آخر الباب، وكذلك لعل ورب حرفُ جرّ شبيه بالزائد، الثلاثة هذه ليس لها مُتعلّق تتعلّقُ به، تنزيلاً للثلاثة منزلة الجارّ الزائد؛ لأن القسمة ثلاثية كما سيأتي.

إذن: مذهبُ سيبويه أن (لولا) من حروف الجر إذا وليها ضمير متصل؛ فلا تجرّ إلا المضمر، تقول:(لولاي، ولولاك، ولولاه). لولاي: لولا: حرف جر، والياءُ: مبتدأ جُرت بـ (لولا).

ص: 6

إذن: لها محلان؛ محلٌّ هو ابتداء، ومحلّ هو الخفض، مثل: لعل الله، (لعل) أثرت في لفظ المبتدأ فجرّتهُ وبقي المحلّ على أصله هو مبتدأ. (لولا) مثلها. فالياءُ والكافُ والهاءُ عند سيبويه مجرورات بـ (لولا)؛ يعني: في المحلّ، ولما لم يظهر حينئذٍ صار له اعتبار محلّين، والضميرُ بعدَها في موضعِ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوف، فيكونُ للضمير محلان على رأي سيبويه، فإذا عطفتَ على مدخول (لولا) اسماً ظاهراً تعيّنَ رفعه إجماعاً؛ لأنها لا تجرّ الظاهر، لولاي وزيدٌ؛ نقول: لولاي: الياء هذه لها موضع خفض بلولا؛ مثل لعل الله، إذا عطفتَ عليه اسماً ظاهراً قلت لولاي وزيدٌ، هل يصحّ العطفُ مراعاة لمحل الخفض لولاي وزيدٍ وزيدٌ، فيجوز فيه الوجهان كما هو شأن في رب؟ يصح أن تقول:(رب رجل كريمٍ وكريمٌ) ، (رب رجل كريمٍ) هذا باعتبار اللفظ، و (رب رجل كريمٌ) هذا باعتبار المحل، هذا جائز في (رب) لأنها لا تدخل على الضمير في الأصل، و (رُبَّهُ فَتَى) هذا شاذ، حينئذٍ (رب رجل كريمٍ) كريمٍ جاز مراعاة المحل؛ حينئذٍ يُبدل منه على المحل.

وأما (لولاي وزيدٌ) نقول هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنك عطفتَ اسماً ظاهراً على محلّ الضمير الذي خُفض بـ (لولا)، ولولا خاصة بالضمير ولا تجرّ الظاهر؛ لأنك إذا عطفت عليه بالخفض حينئذٍ أعملت (لولا) في الضمير، وأعملتَها في الاسم الظاهر، وهي لا تدخلُ على الاسم الظاهر، لولاي وزيدٍ، نقول معناه: كأنك قلت لولاي ولولا زيدٍ، وهذا ممنوع لا يجوز، وهذا محلّ إجماع، لأنها لا تجر الظاهر، هذا مذهب سيبويه أنها حرف جر، وما بعدَه وهو الضمير المتصل له محلان: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، وكذلك له محلّ وهو الخفض، ثم إذا عطفتَ على الضمير لا يجوزُ لك إلا الرفع.

وزعمَ الأخفش أنها في موضع رفع فقط بالابتداء، ووُضِع الضميرُ ضمير الجر موضعَ ضمير الرفع، وإن كان غالب نيابة الضمائر في الضمائر المنفصلة؛ فقد وُجدت المتصلة كما هي في (عساه وعساك وعساني) على قول؛ يعني: هنا جِيءَ بالضمير ضمير الجر موضع ضمير الرفع، والأصل أنه ما يأتي لكن هذا من باب الاستعارة، كما قيل في (عساه وعساك وعساني) ، عسى على أنها باقية على أصلها؛ أنها تنصب؛ سبقَ أن ابن هشام عدّها من النواسخ، على هذا الباب سواء عددناها من النواسخ على أنه قياس مطرد، أو قلنا نصبُها للضمير المتصل شاذ على القولين استُعير الضمير المخفوض للمنصوب؛ لأن عساك عساه نقول هذا ما يأتي ضميراً منفصلاً؛ إنما هو متصل؛ حينئذٍ وضع الضمير ضمير الجر موضع ضمير الرفع؛ فلم تعمل لولا فيها شيئاً؛ كما لا تعمل في الظاهر؛ نحو: لولا زيد لأتيتك.

إذن: لا عمل له في المحل؛ وإنما عملها في الظاهر، وعلى هذا حينئذٍ لا تكون لولا حرف جر، وزعمَ المبرد أن هذا التركيب -يعني لولاك ونحوه- لم يرد في لسان العرب، لكنه محجوج بالسماع.

أَتُطمِعُ فِينَا مَنْ أَرَاقَ دِمَائَنَا

وَلَولَاكَ لَمْ يَعْرِضْ لأَحسَابِنا حسن

كذاك:

وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلَايَ طِحْتَ كَمَا هَوَى

بِأجْرَامِهِ مِنْ قُنَّةِ النِّيْقِ مُنْهَوِي

إذن: سُمع هذا اللفظ ولولاي ولولاك؛ حينئذٍ هو محتمل لما ذكره سييويه ومحتمل لما ذكره الأخفش.

ص: 7

قال الناظم رحمه الله تعالى:

بِالظَّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ وَحَتَّى

وَالْكَافَ وَالْوَاوَ وَرُبَّ وَالتَّا

وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً وَبِرُبْ

مُنَكَّرَاً وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ

وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى

نَزْرٌ كَذَاكَهَا وَنَحْوُهُ أَتَى

هذا شروع في التفصيل؛ عدّها لك في بيتينِ، ثم بدأ يفصل لك أحكام هذه الحروف، ومن أحكامها أنَّ منها ما يختصُّ بالظاهر، لأن الاسم نوعان: ظاهر ومضمر، منها ما يختصّ بالظاهر لا يدخل على المضمر، ومنها ما يدخل على الظاهر وعلى المضمر؛ ما يختص بالظاهر فحسب سبعة أحرف سبعة فقط.

بِالظَّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ وَحَتَّى هذه ثلاثة وَالْكَافَ وَالْوَاوَ وَرُبَّ وَالتَّا هذه أربعة صارت سبعة.

إذن: هذه السبعة لا تدخلُ إلا على الاسم الظاهر ولا تدخل على الضمير فإن جرّت الضمير حينئذٍ إما أن يقال بأنه قليل، وإما أن يقال بأنه شاذ، إذا جرّت الضمير حينئذٍ إما أن يقال بأنه قليل نزر يعني لا يُحفظ ولا يُقاس عليه وإما أن يقال بأنه شاذ.

بِالظَّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ اخصص منذُ، منذُ هذا في محل نصب مفعول به قُصِد لفظه، ولذلك عطف عليه وَالْكَافَ بالنصب ظهرَ عليه النصب؛ أما مُنْذُ ومُذْ وَحَتَّى فهذه محكية كما هي؛ حينئذٍ مُنْذُ هذا في محل نصب مفعول به قصد لفظه.

ومُذْ بإسقاط حرف العطف معطوف عليه، وَحَتَّى كذلك معطوف عليه، وَالْكَافَ بالنصب عطفاً على مُنْذُ فظهرَ عليه الفتح.

بِالظّاهِرِ اخْصُصْ، بِالظّاهِرِ الباء داخلة على المقصور عليه عكس الآتي: وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً، بِالظّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ وما عُطف عليه. مفهومه أن ما عدا هذه السبعة تدخل على الظاهر والضمير؛ فلذلك لم يحتج إلى التنصيص عليه؛ لأنه قدّمَ ما حقّه التأخير.

بِالظّاهِرِ اخْصُصْ: اخصص بالظاهر، بالظاهر لا بغيره، وهو المضمر حينئذٍ تختص هذه الأحرف السبعة بالظاهر دون المضمر، وإنما اختصت هذه السبعة بالظاهر لضعف غالبها؛ باختصاص بعضه بالوقت، وبعضه بالمنكر، وبعضه بالآخر، أو المتصل بالآخر، وكون بعضها عوضاً عن باء القسم كالواو مثلاً لا أصلاً فيه، وغرابة الجر ببعضها ولتأدية إدخال الكاف على الضمير إلى اجتماع كافين (كك) بنحو: كك وطرداً للباب في المنع.

إذن: هذه السبعة ليست على مرتبة واحدة؛ بمعنى إذا قيل أنها تختص بالظاهر؛ هل كل ظاهر تدخل عليه؟ لا سيأتي أن مذ ومنذُ خاصة بالوقت.

وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً وكذلك ربّ خاص بالنكرة دون المعرفة، كذلك التاء تاء القسم تخص لفظ الجلالة وتدخل بقلة على على رب.

إذن: ليست بمرتبة واحدة. إذن هي ضعيفة. إذا لم يتصرف في العامل مطلق التصرف صار فيه نوع ضعف، العامل القوي يتصرف بدون استثناء، فالحرف الذي يدخل على الظاهر كل ظاهر وعلى الضمير أي ضمير من المحفوظات نقول هذا أقوى، وما اختصّ بالظاهر أدنى منه، ثم ما كان مختصاً بالظاهر أي ظاهر نقول هذا أقوى مما اختص بظاهرٍ لا يكون إلا زمنا أو لا يكون إلا نكرة، فهي متفاوتة، لهذا التفاوت حينئذٍ خصّها الناظم بما ذكر.

ص: 8

بِالظّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ حينئذٍ لا يقال إلا منذُ يومين مثلاً أو مذ يومين، ولا تُضاف إلى الضمير؛ يعني لا تجرّ الضمير؛ وكذلك (حتى) لا يقال: حتاك وحتاه، والكاف لا يقال كك وكاه، والواو لا يقال وَه؛ لأن الواو هنا واو القسم، وربّ هذه لا تدخل على الضمير، لا يُقال ربه إلا على جهة القلة، والتاء تاء القسم حينئذٍ نقول هذه كلها خاصة بالاسم الظاهر.

ثم هذه السبعة منها ما يختصُّ اختصاصاً آخر زائداً على الاختصاص بالظاهر، وهي أربعة .. يعني مما سيذكره الناظم، وما عداها تدخل على الظاهر مطلقاً، ولذلك قال:

وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً ثنتان، وَبِرُبْ مُنكَّراً ثلاث وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ أربع؛ عدّ من السبعة أربعة خاصة ببعض الظاهر لا مطلق الظاهر، ما عدا هذه الأربعة تدخل على كل ظاهر.

وَاخْصُصْ: هذا تخصيص بعد تخصيص؛ خصَّ الأول بالبيت الأول خصها بالظاهر دون الضمير، ثم هل كل ظاهر تدخل عليه هذه السبعة؟ الجواب: لا، أربعة منها يختصّ بنوع من الظاهر، وثلاثة لا تخصّ ظاهراً دون ظاهر، بل تدخل على الجميع.

وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً يعني: اسمَ زمان، هل كل ظاهر يكون اسم زمان؟

الجواب: لا؛ إذن: ظرف الزمان أو اسم الزمان هو مدخول ومجرور منذُ ومنذُ إن جُرّا بها، سيأتي أنهما قد يكونا اسمين.

وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً إذن: لا تدخل إلا على ما دلَّ على الزمان، وما لم يدلّ على الزمن من الاسم الظاهر حينئذٍ لا يصح جره بمنذُ ومنذُ.

قال ابن عصفور: ما يُسأل به عن الوقت كالوقت؛ يعني صارَ حكمه حكم الظرف الزماني، وحينئذٍ يصح أن يكون مدخولا لمذ ومنذُ، ما يُسأل به عن الوقت كالوقت بشرط أن يكون مما يُستعمل ظرفاً، فتقول: منذُ كم؟ كم هذه يُسأل بها عن الوقت، وإذا سأل بها عن الوقت عُوملت معاملة الوقت؛ فصح جرها بمذ ومنذُ، منذُ كم؟ ومذ متى؟ ومذ أي وقتٍ؟ ولا تقول مُذ ما، لأن ما هذه لا يُسأل بها عن الوقت.

إذن: ما يُسأل به عن الوقت حكمه حكم الوقت فيكون مدخولاً لمذ ومنذُ، وهو ثلاثة أشياء ذكرها: كم ومتى وأي، ولا يصح أن يقال: مذ متى لأن (ما) لا تكون ظرفاً.

فإن قيل: مُذ ومُنذُ خصّها الناظم هنا بالوقت، وسيأتي أنهما قد يكونا اسمين، هل بينهما تخالف؟ فإن قيل: سينصَ على دخولهم على الأفعال: أَوْ أُولِيَا الْفِعْلَ كَجِئْتُ مُذْ دَعَا، كيف هنا خصّها بالظاهر وخصّها بالزمن ثم يقول: أَوْ أُولِيَا الْفِعْلَ؟

نقول: ثم فرقٌ بينهما الكلام هنا في مذ ومنذُ الجارّتين وهما حرفان، والكلام هناك في مذ ومنذُ اسمان، ونحن لا نتحدث عن مذ ومنذُ الاسمية، وهما وإن اشتبها في اللفظ إلا أن بينهما فرق؛ تلك اسم وهذه حرف، حينئذٍ لا نعدّها شيئاً واحداًَ، وإنما الاسمية مُستقلة بلفظها ووضعها، والحرفية مُستقلّة بلفظها ووضعها؛ فلا نقول: مذ ومنذُ هي نفسُها تأتي تارة حرفاً، وتارة اسماً، نقول لا؛ تأتي حرفاً ثم تأتي اسماً، لكن بوضع ثانوي ليس هو عين الأول، فإن قيل سينصّ على دخولهما على الأفعال فكيف يصحّ دعوى الاختصاص بالوقت؟

ص: 9

أُجيب: بأنهما حينئذٍ ليسا حرفا جرّ باتفاق، والكلامُ فيما كانا جارّين، ومنهم من يرى أنهما حينئذٍ داخلان على زمان مُقدّر مُضاف للجملة، وعليه فلا إشكال، إذا قيل إذا دخلت على الجملة الفعلية حينئذٍ ثَم ظرف مُقدّر؛ يعني بين مذ ومنذُ وبين الجملة الفعلية؛ حينئذٍ لا إشكال لأنه صارَ مضافاً إلى الوقت، لكن هذا ليس بمشروع.

وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً وَبِرُبْ مُنكَّراً يعني رب لا تدخل إلا على الاسم النكرة، ولا تدخلُ على الضمير، ولا تدخل على المعرف بأل؛ لا يقال رب الرجل، وإنما هي خاصّة بالنكرات، ولذلك جُعلت علامة على النكرة.

فَكُلُّ مَا رُبَّ عَلَيْهِ تَدْخُلُ

فَإِنَّهُ مُنَكَّرٌ يََا رَجُلُ

إذن: لا تدخل على المعرفة.

وَالتَّاءُ التي هي تاء القسم لله ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ)) [الأنبياء:57] لا تدخل على غير لفظ الجلالة في الغالب، وسُمع ترب الكعبة، وسُمع تالرحمن، وحُكي تحياتك. حينئذٍ نقول: هذه الثلاثة ليست مطردة كالأول، ولذلك جاء في القرآن في غير موضع ((تَاللَّهِ)) [يوسف:73] حينئذٍ لا يدخل التاء .. تاء القسم إلا على لفظ الجلالة، لا يُقال تالرحمن ولا يقال تالرؤف تالرحيم إلى آخره، وإنما يُقال تالله، لماذا؟ لأن هذه الأصل فيها كلها السماع، حروف الجر ومدخولاتها ومعانيها ليست من قبيل الاستنباط؛ فما استعمله العرب حينئذٍ نقول نستعمله، وما لا يستعمله حينئذٍ لا نقول، هذا الأصل فيها، والأصل فيها عدمُ التعليلين؛ إذا خُصّ لفظ بلفظ فهو كما هو.

وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ يعني مُضافاً للكعبة، أو لـ (ياء) المتكلم على نَزرٍ ((وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:57] وتربي الكعبة، وتربي مجرور به الياء لأفعلن، ونَدرَ تالرحمن، وأندرُ منه تحياتك، تحياتك نقول هذا أنذر من تالرحمن.

إذن: وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ يعني لفظ رب فهي خاصة بهذه الألفاظ.

وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً اخصُص هذا فعل أمر، بمذ ومنذُ بمذ متعلق به، وقتاً هذا مفعول به.

وَبِرُبْ مُنكَّراً منكراً هذا معطوف على وقتاً، وبرب معطوف على بمذ، والتاء هذا مُبتدأ، لله هذا خبر، ورب هذا معطوف على لله.

وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى نَزْرٌ وما رووا يعني روى العرب أو النحاة، وما رووا يعني النحاة، (ما) اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ، رووه حذفَ الضمير هنا للعلم به.

وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى هذا مُخالف لما سبقَ، لأنه قال: وَبِرُبْ مُنكَّراً، إذن: هو خاص بالاسم الظاهر، بِالظّاهِرِ اخْصُصْ .. قال ورب ثم سُمِع رُبَّهُ فَتَى، دخلت رب على الضمير؛ إما أن يقال بأنه نزر قليل؛ يعني يحفظ ولا يُقاس عليه، وإما أن يقال بأنه شاذ، وعليه -على القولين- لا يُقاس عليه؛ يعني لا يأتي مُستعمِل لـ (رب) ثم يدخلها على الضمير في الاستعمال، وإنما التوجيه يكون لما سُمع ونُقل في كلام العرب، إذا رأيتَ بيتاً مثلاً أو حُكي قولٌ لقدماء العرب (ربه) جاء بالهاء تقول هذا شاذ، أو أنه قليل في استعماله، وأما في الاستعمال الجديد فلا يُستعمل.

ص: 10

وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى نَزْرٌ يعني: قليل؛ قلنا: (ما) موصوله بمعنى الذي مبتدأ، ونزر هذا خبره.

وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى نَزْرٌ كَذَا كَهَا الكاف هذه لا تدخل على الضمير، إذن لما خصَّ رب والكاف من الأحرف المختصّة بالظاهر، أشارَ هنا إلى أنهما قد يدخلان على المضمر قليلاً، ولذلك عبَّر بالنزر، إذن قد يدخلان رب والكاف على الضمير لكنه قليل.

كَذَا كَهَا وَنَحْوُهُ أَتَى قوله: (رُبَّهُ فَتَى) هذا مما قيل فيه بأن الضمير قد عادَ على متأخّر لفظاً ورتبة، (رُبَّهُ فَتَى) سبقَ أن الضمير يعودُ على متأخرٍ لفظاً ورتبة في ست مسائل؛ منها مميّز رُبّ (ربه فتيةً) فتيةً هذا مميز .. تميز، عادَ ضمير رب عليه، إذن: عاد على متأخر، فهو عائد على مُبهم في الذهن قبل ذكرهِ مؤخّراً تمييزاً؛ فلا يُنافي عدهم هذا الضمير مما يعود على متأخر لفظاً ورتبة، إذا قال (ربه) الضمير هنا قبل ذكر المميز عادَ على ماذا؟ نقول عائد على مبهم في الذهن مبهم في الذهن، ربه محتمل هذا عدة أوجه. إذن هو مبهم وجودُه وجود ذهني لا في الخارج، حينئذٍ نقول قبل ذكر التمييز عودُ الضمير مرجع الضمير إلى مبهم في الذهن قبلَ ذكره مؤخراً تمييزاً. حينئذٍ إذا ذكر اللفظ (ربه فتى) نقول عاد على متأخر في اللفظ والرتبة، ومذهب جماعةٍ كابن عصفور أن مثل هذا الضمير نكرة؛ الضمير الذي لا يكون مدخولاًَ لرب ولا مرجعُه لازمُ التنكير، نقول هذا بالإجماع معرفة، وأما الذي يكون في مثل هذا الموضع ففيه نزاع.

إذن: إذا قيل الضمير هل هو معرفة أو لا؟ نقول: الضمير فيه مَبحثان: مبحث أنه مجمع عليه، وهو ما عدا ضمير رب، وما عدا الضمير الذي يعودُ على واجب التنكير، هذا معرفة بالإجماع.

وأما إذا كان مدخول رب (مجرور رب) فهذا محل نزاع، فيه نزاع، قيل نكرة وقيل معرفة فيه قولان.

قال ابن عصفور: إن مثل هذا الضمير نكرة؛ لأنه عائد على واجب التنكير؛ ما هو واجب التنكير هنا؟ مدخول رب، وقال جماعة كالفارسي: معرفة جار مجرى النكرة؛ يعني كأنه قال معرفة يفسر بنكرة، ولذلك مرجعه فتية:(ربه فتى)، وسيأتي (ربه فتية)، (ربه فتى) فتى هذا تمييز وهو نكرة وهو مرجع الضمير، وقد يُعطف على مجرورها مضاف إلى ضميره؛ نحو رب رجلٍ وأخيه، وأخيه مرجع الضمير هنا رجل. إذن عاد إلى نكرة لأنه نكرة تقديراً، إذ التقدير وأخ له. إذن جاز (وأخيه) لأن الضمير هنا في المعنى نكرة؛ كأنه قال رب رجل وأخٍ له؛ لم يتعرف بالإضافة؛ لأنه أُضيف إلى ضمير ليس بمعرفة، وإنما هو نكرة. إذ التقدير وأخ له، وإنما لم يجز (رب أخي الرجل) هذا لا يجوز، لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وأما (ربّ رجل وزيدٍ) لا يجوز لماذا؟ لأن مدخول رب لا يكون إلا نكرة وإذا عطفت عليه عَلماً معرفة حينئذٍ صار مدخولاً لرب، كما هو الشأن الذي مضى معنا في اسم لا.

ص: 11

إذن: (ربه فتى) اختُلف في الضمير هل هو نكرة أم لا؟ وهذا ما يُسمى بعود الضمير على واجب التنكير أو جائز التنكير، واجب التنكير كالذي معنا هذا، لأن فتى هذا مميز الضمير، وهو واجب أن يكون نكرة لأن التمييز نكرة كما سبق معنا، اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ، وإذا عاد إلى جائز التنكير؟ هذا أيضاً فيه خلاف، والمشهور أنه معرفة، لو قال جاءني رجل وضربته، ضربته الضمير يعود إلى رجل؛ نكرة أو معرفة؟ نكرة، إذن الضمير العائد على نكرة هل هو معرفة أو لا؟ هذا فيه نزاع، لكن يُقال هنا: تنكير الفاعل في هذا التركيب هل هو واجب أم جائز؟ هل هو واجب .. يجب أن كل فاعل أن يكون نكرة أم جائز؛ قد يكون نكرة وقد يكون معرفة؟ الثاني.

إذن: ما كان مرجعه جائز التنكير لا واجب التنكير قيل معرفة، وإذا كان مرجعه واجب التنكير كمرجع (ربه فتى) هنا حينئذٍ نقول هذا نكرة، وهذا تفصيل جيد.

كَذَا كَهَا أي قد جرّت الكافُ ضميرَ الغيبة قليلاً؛ كما جرته رب، وَنَحْوُهُ أَتَى، سيأتينا هذا.

قال من حروف الجر ما لا يجرّ إلا الظاهر، وهي هذه السبعة المذكورة في البيت الأول، فلا تقل منذُه ومذه؛ لا هذا ولا ذاك، وكذا الباقي، ولا تجرّ منذُ ومذ من الأسماء الظاهرة إلا أسماء الزمان؛ يعني لا يكون مدخولها كل اسم ظاهر، بل هو ظاهر مخصوص؛ يعني إذا قيل بِالظّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ؛ نقول هذا ليس كل ظاهر بل هو خاص بالزمن أسماء الزمان.

وأما قولهم ما رأيته منذُ أنّ الله خلقه، وتقديره منذُ زمن أن الله خلقه، لأن أن هذه في تأويل مصدر مضاف إلى اسم زمان؛ منذُ أن الله خلقه يعني منذُ زمن خلق الله إياه هذا التقدير، وهذا على رواية فتح الهمزة لأن هذا منقول عن العرب.

أما على رواية الكسر فمنذُ اسم كما سيأتي بدخولها على الجملة، ويُشترط في مجرورها مع كونه وقتاً اسم زمان أن يكون مُعيناً لا مبهماً، ليس كل زمن كذلك هذا تخصيص بعد تخصيص، ليس كل اسم زمان بل لا بد أن يكون مُعيناً لا مبهماً؛ ماضياً أو حاضراً لا مستقبلاً، هذا تخصيص كذلك بعد تخصيص، فلا يصحُّ ما رأيته مذ يوم، يوم هذا مبهم غير معين، لا بد أن يقول مذ يومنا أو مذ يوم الجمعة مثلاً لا بد من تخصيصه، وأما هكذا مبهم فلا يصح، ولا أراه مُذ غداً، هذا في المستقبل وهي لا تجرّ إلا الماضي أو الحاضر أما المستقبل فلا، وكذا في مرفوعهما كما سيأتي.

ويُشترط أيضاً أن يكون متصرفاً فلا يجوز منذُ سحراً؛ تريد سحر يومٍ بعينه.

ويُشترَط في عاملهما أن يكون فعلاًً ماضياً منفياً (ما رأيته منذُ يوم الجمعة) أو مُتطاولاً نحو (سرتُ منذُ يوم الخميس) ولا يجوز (قتلتُه منذُ يوم الخميس) ، سرت منذُ يوم الخميس فتسير أسبوعاً كاملاً لا إشكال فيه، فصار الفعل والحدث متطاولاً. أما قتلته منذُ يوم الخميس هذا بعيد، وأنت يوم السبت مثلاً تقتل فيه منذُ يوم الخميس، لا، حينئذٍ أن يكون العامل ماضياً منفياً، أو متطاولاً، يعني زمنه طويل، تقول: سرت منذُ أسبوع هذا لا إشكال فيه السير قد يأخذ هذا الوقت، أما قتلته هذا لا يصح.

ص: 12

فإن كان الزمان حاضراً كانت بمعنى في (ما رأيته منذُ يومنا) تُفسّر حينئذٍ منذُ بفي أي في يومنا، وإن كان الزمان ماضياً كان في معنى (من)، ما رأيته منذُ يوم الجمعة أي من يوم الجمعة، وسيذكر المصنف في آخر الباب.

وأما حتى فسيأتي الكلام على مجرورها، وقد شذّ جرها للضمير:

فَلَا وَاللهِ لا يُلْفَى أُناسٌ

فتًى حتّاكَ يَابْنَ أَبي زِيَادِ

نقول هذا شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه، خلافاً لبعضهم، ولغة هذيل إبدال حائها عيناً، وقرأ ابن مسعود (فتربصوا به عتى حين).

وأما الواو فمختصة بالقسم وكذلك التاء، ولا يجوز ذكر فعل القسم معها ولا تستعمل الواو في قسم السوال، والله أخبرني هذا لا يصح، وإنما الباء هي التي تستعمل في قسم السؤال، بالله أخبرني والله أخبرني، غلط هذا، بخلاف الباء فيجوز بالله أخبرني، فلا تقل (أقسم والله) ولا (أقسم تالله) ولا تجر التاء إلا لفظ الله، وهذا هو الأكثر فيها (تَاللهِ لأَفعلنَّ)، وقد سُمع جرها لرب مضافا إلى الكعبة قالوا (ترب الكعبة) ، وهذا معنى قوله وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ، وهنا سوى بينهما الناظم لكن الترتيب قد يكون مقصوده، يعني سوّى بين الله ورب بالواو قد يُفهم منه أن دخول التاء على لفظ الجلالة كدخولها على رب، وليس هذا مُرادا حينئذٍ نقول أخّر رب هذا مقصود للناظم.

وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ وسُمع أيضا تالرحمن، وكذلك قيل تحياتك وهذا غريب، ولا تجرّ رب إلا نكرة نحو رب رجل عالمٍ لقيت، وقيل نكرة موصوفة أيضاً رب رجل عالمٍ، ثم يجوزُ في عالم هذا وجهان أن يُراعى مدخول رب الأصلي إن كان مبتدأ فيرفع أو مفعولاً به حينئذٍ يُنصب، وهذا معنى قوله: وَبِرُبْ مُنكَّراً، واخصص برب النكرة، فلا يجوز رب الرجل، وقد شذّ جرها ضمير الغيبة هذا شاذ واهٍ.

رأيت وشيكاً الصدع أعظمه

وربه عطفاً أنقظت من عَطبِ

نقول هذا شاذ، كما شذّ جرّ الكاف له يعني ضمير الغيبة.

خَلِّي الذُّنَابَاتِ شِمَالاً كَثَبا

وَأمَّ أَوْ عَالٍ كَهَا أَوْ أَقْرَبَا

كهاء دخلت على الضمير، نقول هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.

وقوله:

ولا ترى بعلاً ولا حلائل

كهو ولا كهن إلا حاضراً

ومنه:

فلَوْلا السَّلامة كُنًا كَهُم

وَلوْلا البَلاء لكانوا كَنَا

لا تَلُمْنِي فإنني كك فيها

إننا في الملام مشتركان

إذن دخولُ الكاف على الضمير مطلقاً سواء كان ضمير غيبة أو ضمير خطاب أو ضمير متكلم نقول هذا كله يحفظ ولا يُقاس عليه، وإن اختلفوا في الكثرة؛ أيهما أكثر من الآخر؟ وهذا معنى قوله: وَمَا رَوَوْا .. البيت، والذي رُوي من جرّ رب المضمر نحو ربه فتى قليل، وكذلك جر الكاف المضمر نحو كها.

ص: 13

إذن قوله: وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ (رُبَّهُ فَتَى) نَزْرٌ، إذن جرُّ رب للضمير نقول هذا نزرٌ، وقد يراد كلام الناظم وهو الذي حمله ابن عقيل عليه نزر يعني قليل، والقليلُ هذا مختلف فيه هل يصحّ القياس عليه أم لا؟ يعني مُحتمل أن يقال بالقياس، والأولى عدم القياس، وإذا عُبّر بنَدَرَ هذا مقطوع بأنه لا يقاس عليه، (ربه فتى) هذا الضمير يلزم المجرور به الإفراد والتذكير والتفسير بتمييزٍ بعده مُطابِق للمعنى، فيقال: ربّه رجلاً وربه رجلين وربه امرأة وربه رجالاً، يعني يلزم حالة واحدة إفرادًا وتثنيةً وتذكيراً والتفسير بتمييز بعده مُطابق للمعنى، ماذا تريد بالضمير؟ مفرد مذكر، تقول ربه رجلاً، ماذا تريد امرأة؟ تقول ربه امرأة، تأتي به مذكرا كما هو، يلزم الإفراد والتذكير ولا يُثنى ولا يُجمع إلا باعتبار المعنى (ربه رجالاً أكرمتهم) مثلا، هذا على مذهب البصريين، فيُقال ربه رجلاً وربه امراة استغناء بمطابقة التمييز للمعنى المراد، وهذا مذهب البصريين، وجوّزَ الكوفيون مطابقة الضمير لفظاً نحو (ربها امرأة) و (ربهما رجلين أو امرأتين) و (ربهم رجالاً) و (ربهن نساء) ونحو ذلك، جوّزوا مُطابقة الضمير للمميز، وهذا استندوا فيه على السماع .. بعض الأبيات التي نُقلت، وهنا يجب ذكر باب التمييز بخلاف باب نعم وبئس لقوة العامل هناك وضعفه هنا، هنا ضعيف لا يجوز حذف التمييز، وأما في باب نعم وبئس فسيأتي معنا أنه يجوز.

وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى نَزْرٌ كَذَا كَهَا، قلنا كذاكها أي قد جرّت الكاف ضمير الغيبة قليلاً، وأما قوله: وَنَحْوُهُ أَتَى، هذا مختلف في تفسيره على ثلاثة أقوال، ما مراده به؟ قيل يحتمل ثلاثة أوجه:

الأول: أن يكون إشارة إلى بقية ضمائر الغيبة لأنه قال (ربه) ، وقال (كها) .. مثّل بضمير الغيبة، هل هو خاص بضمير الغيبة وقد مشى على ذلك المكودي في شرحه أم أراد ما هو أعم من الغيبة فيدخل فيه المخاطب وَنَحْوُهُ؟ قال: وَنَحْوُهُ أَتَىيعني نحو الضمير المذكور، حينئذٍ تكون الإشارة هنا .. الإحالة إلى أي شيء؟ إلى بقية ضمائر الغيبة المتصلة كما في كـ (هو) وكـ (هن).

الاحتمال الثاني: أن يكون إشارةً إلى بقية الضمائر مُطلقاً، هذا الوجه الذي قدّمته قبل قليل؛ أن يكون إشارة إلى بقية الضمائر مطلقاً، أي سواء كانت ضمائر غيبة أو تكلم أوخطاب، هذا أو ذاك أوذاك، مُتصلة أو منفصلة؛ كلّه جاء في لسان العرب.

وقد شذ دخولُ الكاف على ضمير المتكلم والمخاطب، قال: كـ (ها) ضمير الغيبة؛ هل سُمع الخطاب والمتكلم؟ نعم سُمع، لكنه قليل كقول الحسن:

أنا كَكَ وأنت كَي، -كِي كَي تُفتح وتكسر-، -أنا كَكَ هذا لا يوجد من يقوله-، وأما دخوله على ضمير الرفع نحو: ما أنا كـ (هو) وما أنا كـ (أنت)، وما أنت كأنا، هذه كلها ألفاظ تُحفظ ولا يُقاس عليها، وعلى ضمير النصب نحو: ما أنا كإياك وما أنت كإياي، نقول دخلت الكاف على الضمائر كلها بأنواعها الثلاثة: الغيبة والتكلم والخطاب، فجعلَه في التسهيل أقل من دخولها على ضمير الغيبة، ولذلك نصَّ هنا على ضمير الغيبة فحسب كـ (ها).

ص: 14

وأما المتكلم والخطاب فهو أقلّ، حينئذٍ ليسَ نزراً بل هو نادر، ولذلك لم يذكره هنا، فجعله في التسهيل أقل من دخوله على ضمير الغيبة المتصل.

قال المرادي: فيه نظر؛ يعني كونها أقل فيه نظر، بل إن لم يكن أكثر فهو مساوٍ، يعني دخول الكاف على ضمير المتكم والخطاب أكثرُ من دخوله على ضمير الغيبة على عكس ما ذهب إليه ابن مالك رحمه الله تعالى، ونظرَ فيه الصبان بأن المراد بالأقلية هنا من حيث القياس، يعني ابن مالك قال أقلّ، يعني مراده به القياس، وكأنه يشير إلى أنه يُقاس عليه، وحينئذٍ لا يرد عليه نظر المرادي، وأن وجه أقليته أنه شاذ من جهتين:

أولاً: كون مدخول الكاف ضميراً هذا شاذ، لأن الكاف لا تدخلُ إلا على الاسم الظاهر؛ فكونها دخلت على الضمير هذا شاذ، وكون ذلك الضمير ضميرَ رفع أو نصب هذا شذوذ وراء شذوذ؛ بخلاف ما مرَّ فإنه شاذّ من جهة واحدة، يعني كونه دخل على الضمير. على كلٍّ هذه كلّها شاذة.

الاحتمال الثالث: نَحْوُهُ أَتَى، أن يكون إشارة إلى بقية ما يختصُّ بالظاهر أي أن بقية ما يختصُّ بالظاهر دخوله على الضمير قليل، حتاكَ ونحو ذلك، وهذا كلّه محتمل والظاهر أنه يعود إلى كـ (ها) .. يعني الضمير الأخير ونحوه.

وَنَحْوُهُ أَتَى: وَنَحْوُهُ أي نحو الهاء المتصل بالكاف أتى؛ يعني سُمع في لسان العرب، وكل هذي تُحفظ ولا يُقاس عليها .. دخول رب على الضمير أو الكاف على الضمير أو حتى أو نحو ذلك، كلها تُحفظ ولا يُقاس عليها ولا يكون مطرداً.

بقيَ أن رُبّ قلنا يكون مدخولها نكرة، ثم النكرة هذه بعضهم خصَّها بالمبتدأ والمفعول به؛ يعني تدخل على المبتدأ وتدخل على المفعول به؛ كيف تدخل على المفعول به وهي صدر الكلام؟

إذا قلت: (رب رجل كريم لقيته)، لقيته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر، رب رجل كريم، إذن رجل: نقول هذا مبتدأ، وسوّغ الابتداء به الوصف، رب رجل كريم لقيته الجملة خبر، حينئذٍ رب حرف جرّ شبيه بالزائد، رجل مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمّة مقدرة على آخره لاشتغاله بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، كريم نعت، وجملة لقيتُ خبر، ربّ رجل كريم لقيتُ، لقيت بدون هاء، حينئذٍ صار رجل مفعولاً به، لأنه سُلّط عليه العامل، لو أسقطت الضمير حينئذٍ تسلط على العامل السابق.

إذن: رجل هذا مفعول به منصوب، والقول فيه كالقول السابق، والتحقيق مِن كلام النحاة أن الأكثر في رُبّ أنها تدلُّ على الكثرة وتُستعمل للقلة، لكنه دون الأول وهي حرف جر شبيه بالزائد، ومدخولها إما مبتدأ أو مفعولاً به، إما هذا أو ذاك، (رُبّ رجل لقيت) هذا مفعول به، (رب رجل كريم) هذا مبتدأ، وقد يكون مدخولها مشغولاً عنه، (رب رجل كريم) يحتمل وجه آخر، لقيتُ رجلاً لكن هذا يجعلنا نُقدّر العامل متى؟ أين نُقدّره؟ إذا قيل بأنه من باب الاشتغال (رب رجل لقيته)، لقيت رجلاً لقيتُه .. أين نُقدّر العامل؟ لا تقل (لقيت رب رجل)، ولا (رب لقيت رجل)، لماذا؟ لأن رب لا يتقدّم عليها العامل لأن لها الصدر؛ فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، كذلك لا يُقال (رب لقيت رجلاً) لأن رب من خواص الأسماء فلا تدخل على الأفعال.

قال الناظم رحمه الله تعالى:

ص: 15

بَعِّضْ وَبَيِّن وابْتَدِئْ فِي الأَمْكِنَةْ

بِمَنْ وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الأَزْمِنَةْ

وَزِيدَ فِي نَفيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ

نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ

هذا شروعٌ منه في ذكر المعاني، وهذا المبحث الثاني الذي يذكره النحاة، وهذا كما ذكرناه لا بد من استيعابه، ويُؤخَذ من مظانه؛ يعني لا يؤخذ من كتب النحاة، بعضهم يذكر بعض التحقيقات التي قد لا تُوجَد في غيرها، لكن الأصل فيها ما أُلف في الكتب المستقلة.

المعاني التي يتكلّم عنها النحاة، -وهنا مبحث مهم- وهو أن الحرف معلوم أنه ما دلَّ على معنى في غيره؛ فلذلك نُعرّف الاسم بأنه كلمة دلَّت على معنى في نفسها يعني بذاتها، ونعرّف الفعل كذلك كلمة دلَّت على معنى في نفسها، والحرف كلمة دلَّت على معنى في غيرها، حينئذٍ المعنى الذي دلَّ عليه الحرفُ في غيره، هل يُنافي بأن نقول (مِن) تفيد الابتداء، و (من) تفيد التبعيض، والكاف للتشبيه، واللام للانتهاء ونحو ذلك .. أم هو هو؟

نقول: لا شكّ أنه الثاني؛ لأننا لو أثبتنا للحرف معنًى من المعاني المستقلة بنفسهِ، حينئذٍ نقول: جعلنا الحروف أسماء، لأن المعنى أو الفارق بين الحرف والاسم هو المعنى، فإذا قلنا مِن مُتضمّنة معنى .. معناها الابتداء نفسها؛ كما أن معنى زيد دلالتها على الذات مشاهدة في الخارج لجعلنا الحروف أسماء، ولكن المراد هنا أن هذه المعاني التي تدلّ عليه هذه الحروف مُلاحظة في الغير؛ يعني ليسَ المعنى دالاً عليه الحرف بذاته فحسب، وإنما هو بملاحظة الذي يليه، ولذلك سبقَ معنا أن حرف الجرَّ لا بد من كلمة سابقة وكلمة لاحقة، لا يمكن أن يكون حرف الجر عامِلاً ومؤدياً وظيفته في لسان العرب إلا إذا سبقته كلمة ولحقته كلمة أخرى، السابقة يسمّونها المتعلَّق، لا بد منه إما أن يكون مذكوراً وإما أن يكون محذوفاً؛ كما سيأتي في آخر الباب، وما بعدَه مدخوله لأن الحرف يجر الاسم. حينئذٍ إيصال المعاني التي قلنا حروف الجر تجرّ معاني الأفعال إلى الأسماء، ولذلك صارت هي بمنزلة الآلة، كما يقول الشيخ الهرري بمنزلة التوصيلة الكهربائية فتوصل الكهرباء من الفيش مثلًا إلى الجهاز، وظيفة الحرف هي وظيفة هذه التوصيلة الكهربائية. حينئذٍ نقول الفعل تضمَّنَ المعنى، والاسم الذي هو مجرور الحرف أرادَ أن يصلَ ذلك المعنى إليه، الفعل لا يتعدّى إليه بنفسه حينئذٍ جئنا بهذه الحروف.

إذن: معاني الحروف نقول الحرف معناه في غيره؛ فإذا قيل (من) للتبعيض المراد به التبعيض الملحوظ لغيره، يعني باعتبار ما بعدَه، ليست من لوحدها هكذا تقول هي للتبعيض، لا؛ ليس هذا مرادهم، وإنما المراد التبعيض الملحوظ لغيره يعني ما بعده، فليسَ المعنى مستقلاً لمن، بل باعتبار ما قبلها وما بعدها.

(من) للتبعيض المراد به التبعيض الملحوظ لغيره أي لكونه حالة بين المتعلق والمجرور، أول شيء تقول حالّة بين المتعلق والمجرور، وآلةً لربط أحدهما بالآخر، فليسَ المراد مطلق التبعيض بل التبعيض الملحوظ لغيره، فإذا قيل بعِّض، إذن: نقول (مِن) تجيء للتبعيض؛ هل هو التبعيض المطلق يعني لا باعتبار كلمة سابقة ولاحقة، أم هو تبعيض مَلحوظٌ لغيره؟

ص: 16

المعنى يحتمل هذا وهذاك، إذا قلت تبعيض مطلق بمعنى أن الكلمة مُستقلة تدلُّ على ذلك المعنى جعلتها اسماً، كما تقول بيت ومسجد وماء، يدلّ على المعنى الذي وُضع له في لسان العرب كذلك (من) أفادت التبعيض، إذا أفادت بنفسها بذاتها بلفظها جعلتها اسماً، وإنما تقول أفادت التبعيضَ في غيرها، أما في نفسها فلا، لكن إذا أردت معنى التبعيض جئت بمن، فحينئذٍ يُلاحَظ هذا المعنى في غيره، المعنى دقيق يحتاج إلى تأمّل. وآلة لربط أحدهما بالآخر فليس المراد مُطلق التبعيض، بل المراد التبعيض الملحوظ لغيره، المشترَك بين (مِن) وما قبلها وما بعدها، وقِس على ذلك بقية المعاني.

قال صاحب المفتاح -والمبحث بياني-: المراد بمتعلقات معاني الحروف ما يُعبّر بها عنها عند تفسير معانيها؛ مثل قولنا: (مِن) معناها ابتداء الغاية، و (في) معناها الظرفية، و (كي) معناها الغرض؛ فهذه ليست معاني الحروف، هذه المعاني ليست معاني الحروف وإلا لما كانت حروفاً بل أسماء لأن الاسمية والحرفية إنما هي باعتبار المعنى، وإنما هي متعلقات لمعانيها، أي: إذا أفادت هذه الحروف معاني رجعت تلك المعاني إلى هذه بنوع استلزام، ومرادُه بهذا أنك إذا أردتَ التبعيض وهو معنى من المعاني أو أردت الظرفية حينئذٍ تستعمِلُ اللفظ أو الحرف الذي استعمله العربُ في ذلك المعنى، فإذا أردتَ معنى الظرفية تأتي بـ (في)، ثم ما مرادُك بهذه الظرفية المتعلقة بـ (في)؟

تقول هذه الظرفية لم تدلّ عليها (في) استقلالاً، وإنما باعتبار ما بعدها، وقس عليه سائر البحث.

ولا خلافَ في كون المعنى المستعمَلُ فيه الحرف جزئياً ملحوظاً للغير، هذا كما قيل في أسماء الإشارة هناك، إذا قيل هي معرفة .. سبقَ أننا قلنا الصحيح أنها هي كليّة وضعاً جُزئية استعمالاً. إذن: وضعها العربُ لتُستعمل في كل مشار إليه، ثم إذا استعمل صارت جزئية في نفس المستعمل فيه، هذه مثلها إذا قيل التبعيض معنى كلي، ثم إذا استعملته في مثال مُعيّن، قلنا هذا المثال المعين جزئي، هل المعنى الجزئي هو الذي وضع له في لسان العرب الواضع الأول؟

الجواب: لا؛ وإنما وضعت وضعاً كلياً ثم استعملت استعمالاً جزئياً؛ فالكلام فيها كالكلام في أسماء الإشارة، لا خلافَ في كون المعنى المستعمل فيه الحرف جزئياً ملحوظاً للغير؛ يعني في التراكيب والآحاد نفسها .. هذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في كون هذا الجزئي هو الموضوع له أو لا .. هذا محل النزاع، وهذه المسألة يتكلم فيها أربابُ الوضع. وقيل جزئيات وضعاً واستعمالاً، وقيل: كليات وضعا جزئيات استعمالاً؛ فهي موضوعة للمعاني الكلية الملحوظة لغيرها، فلهذا شرطَ الواضع في دلالتها ذِكرَ الغير معها؛ يعني لا تُستعمَل هكذا مجردة، وإنما لا بد من كلمة سابقة وهي المتعلَّق وكلمة لاحقة وهي المتعلِّق.

هذه المعاني التي يذكرها النحاة: بعض وبين .. وهي حرف واحد قد يكون له أكثر من عشرين معنى، مذهبُ البصريين أن حروفَ الجرّ لا ينوب بعضها عن بعضٍ قياساً، هل ينوب حرفٌ عن حرف؟ هذه مسألة والألفية قائمة على هذا، الباب كله قائم على الإنابة، هل يأتي الباء بمعنى في، وفي بمعنى الباء؟

ص: 17

مذهب البصريين لا، لا ينوبُ حرف عن حرف قياساً؛ كما لا تنوب حروف الجزم والنصب عن بعض، وما أوهمَ ذلك بأنه أُنيب فيه حرف عن حرف ما العمل فيه؟

قالوا: نرجعُ إلى التضمين نضمن الفعل معنى يتعدّى بذلك الحرف، أو على شذوذ النيابة، إما بالتضمين وإما أنه شاذّ، هذا أو ذاك، فالتجوّز عندهم في غير الحرف، وإنما في الفعلِ نفسِه، التجوّز ليسَ في الحرف .. لم ينُب حرف عن حرف، وإنما التجوز في كون الفعل ضُمّن معنى يتعدى بذلك الحرف الذي لفظ فيه، فالتجوز عندهم في غير الحرف أو في الحرف لكنه شاذّ، والثاني لا يُعوّل عليه عندهم.

وجوّزَ الكوفيون نيابة بعضها عن بعض قياساً، وأكثرُ العلماء على هذا، سواء في التفسير أو الحديث أو النحو على أن الحرف ينوبُ عن الحرف في المعنى، لكن لا بدّ أن يكون مردُّه إلى استعمال العرب؛ يعني لا تأتي تُنِيب حرف من عندك هكذا؛ تأتي بـ (في) تنيبها مناب مثلاً التبعيض ولم يستعمله العرب، لا، تُنِيب على ما استعمله العرب وما لم يستعمله لا، يبقى الأصل فيه المنع.

إذن: جوز الكوفيون نيابة بعضها عن بعض قياساً، حينئذٍ التجوّزُ عندهم في الحرف أو في الفعل؟ في الحرف نفسِه .. المجاز يكون في الحرف نفسه.

قال في المغني: وهذا المذهب أقلّ تعسفاً؛ لأن الأول فيه تكلّف، تأتي إلى الفعل ولا بد أن تُضمّنه معنىً زائداً على معناه الأصلي لا، نقول: نيابة حرف عن حرف أولى وأخف وأسهل.

بَعِّضْ وَبَيِّن وابْتَدِئْ فِي الأَمْكِنَةْ ذكر لـ (من) خمس معاني:

التبعيض، وبيان الجنس، وابتداء الغاية في غير الزمان كثيراً وفي الزمان قليلاً .. هذه أربعة.

وَزِيدَ فِي نَفيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً .. الزائدة، فالزائدة إنما تكون للتوكيد، إذن هذه خمسُ معاني، أشهر معاني (من) هي هذه التي ذكرها الناظم.

بَعِّضْ أتى به بصيغة الأمر، وليس المراد به الأمر وإنما أراد به الخبر، قد يأتي بالأمر مراداً به الخبر.

إذن: بَعِّضْ نقول: المراد بالأمر هو الخبر، ولذلك قال ابن عقيل:

تجيءُ (من) .. عبّرَ بالخبر ولم يأت بالأمر.

الأول: التبعيض نحو قوله تعالى: ((حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)) [آل عمران:92] يعني: بعض ما تحبون، وعلامتُها أن يصحّ أن يخلفها لفظ بعض، إذا صحّ أن تأتي بلفظ (بعض) حينئذٍ نقول هذه للتبعيض، ولذلك قُرئ (بعض ما تحبون).

ص: 18

الثاني: لبيان الجنس، ومثّلَ ابن عقيل بقوله:((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ)) [البقرة:8] وهذا سبقَ التنبيه عليه، (من) التبعيضية في بعض المواضع قد يكون الأرجح أن تُجعَل اسما مبتدأ لصحة المعنى، وأما مطلقاً هكذا دائماً تكون حرفاً هذا محلّ إشكال، ولذلك المعنى قد لا يستقيم وهذه الآية منها، ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا)) [البقرة:8] ، الأولى أن نجعل (مِن) مبتدأ، ومَن يقول نجعل الجملة هذه خبر، لأنك لو جعلتَها على أصلها فقلت هي حرف مُتعلّقة بمحذوف، لأن لا بد أن يكون خبراً لا يكون مبتدأ، حينئذٍ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ .. هم من الناس، هذا معلوم ليس فيه فائدة جديدة لو قال قائل: الذين يقولون آمنا وما هم بمؤمنين من الناس، من أين هم؟ جدار ليسوا جدار، لكن لو حُكم على البعض؛ بعضُ الناس بعض الناس يقول آمنا وما هم بمؤمنين، أي المعنيين أجمل؟ الثاني لا شك، ولذلك ذهبَ الزمخشري أن (من) التي للتبعيض تكون اسما مبتدأ وهذا أولى، ومثّلَ الشارح بهذه الآية والأولى تركها.

((فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)) [البقرة:253] بعضهم آمنَ وبعضهم كفرَ، إذن نقول هذه للتبعيض، أخذتُ من الدراهم أي: بعض الدراهم، هذا لا إشكال فيه واضح.

بَعِّضْ وَبَيِّن يعني التي تكون لبيان الجنس، وعلامتها أن يصحَّ أن يخلفها اسم موصول مع ضمير يعودُ على ما قبلها، هذا إن كان المعرفة، ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)) [الحج:30] سبقَ أن (من) هذه لبيان الجنس، يخلفُها ويحل محلَّها اسم موصول مع ضمير يعودُ على الاسم السابق، فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، إذاً صحَّ .. حينئذٍ إذا صح حلول اسم موصول مع ضمير يعود على ذلك الذي يكون قبل (مِن) حينئذٍ نقولُ هذه (من) لبيان الجنس، هذا إن كان ما قبلها معرفة، فإن كان نكرة فعلامتها أن يخلفَها الضمير فقط ((أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ)) [الكهف:31] أساور هي ذهب، أي: هي ذهبٌ، والأحسنُ في علامتها أن يصحّ الإخبار بما بعدَها عما قبلها، هذا يجمع النوعين.

إذن: ضُبِطت التي لبيان الجنس بأن يصحّ أن يخلفها الذي -اسم موصول- مع ضمير عائِد على سابقه، وذلك مثلُ قوله ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)) [الحج:30] اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وهذا إذا كان معرفة.

وأما إذا كان نكرة حينئذٍ نٍأتي بالضمير فحسب دون اسم الموصول، ((مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ)) [الكهف:31] أساور هي ذهب.

بَعِّضْ وَبَيِّن وابْتَدِئْ المراد بالابتداء ابتداء الغاية التي هي المسافة.

فِي الأَمْكِنَةْ هذا محلّ وفاق، تكون (من) لابتداء الغاية يعني المسافة في الأمكنة، هذا محل وفاق بين البصريين والكوفيين، ومثاله قوله:((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) [الإسراء:1] فالمسجد الحرام ابتداء للإسراء وهو ابتداء مكاني.

ص: 19

وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الأَزْمِنَةْ، وهذا مختلف فيه، أكثرُ البصريين على المنع أن (من) إذا جاءت لابتداء الغاية فهي مكانية فحسب، وأما الزمان فيُمنع، أكثر البصريين على هذا، وهذا مختلف فيه، ومذهبُ الكوفيين والأخفش أنها تكون لابتداء الغاية مطلقاً.

إذن: الناظم هنا وافقَ الكوفيين، وهو اختيار الناظم.

قال في شرح الكافية: وهو الصحيحُ لصحة السماع بذلك، إذن: الصحيح أن (من) تأتي لابتداء الغاية المكانية كثيراً والزمانية قليلاً، ولذلك قال: وقد تأتي .. و (قد) هذه للتقليل، تأتي يعني (من) لبدء الغاية في الأزمنة أيضاً كما جاءت في الأمكنة.

ومثالُه قوله: ((لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ)) [التوبة:108] أَوَّلِ يَوْمٍ، نقول: أول هذه أُضيفت إلى اسم زمان، فصارت ظرف زمان، حينئذٍ دخلت عليها من ((مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ)) [التوبة:108].

بَعِّضْ وَبَيِّن وابْتَدِئْ فِي الأَمْكِنَةْ بِمَنْ، بمن هذا جار ومجرور تنازعه فيه العوامل الثلاثة السابقة، بعِّض بمن، بيِّن بمن، وابتدئ بمن، حينئذٍ نقول: أعمل الأخير وحذف من الأول والثاني.

وَزِيدَ هذا رد الضمير هنا بالمفرد باعتبار الحرف لا باعتبار الكلمة؛ لأنه قد يقال وزيدت يعني (من) باعتبار كونها كلمة، وزِيدَ يعني الحرف باعتبار كونه حرفاً فهو مذكّر.

وَزِيدَ فِي نَفيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ

نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ

هذا يحتاج إلى وقوف.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 20