الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عناصر الدرس
* باب أفعل التفضيل.
* شروط ما يصاغ منه أفعل التفضيل.
* حالات أفعل التفضيل وحكم كل منها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: أَفْعَلُ التَّفْضِيْلِ أي هذا باب بيان ما يتعلق بأفعل التفضيل، وأفعل مضاف والتفضيل مضاف إليه .. من إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن أفعل ليس دائماً يكون للتفضيل، بل هو أنواع قد يكون للتفضيل وقد يكون لغيره، لذلك مر معنا أنه يأتي للتعجب: ما أحسن زيد، بِأَفْعَلَ انْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا، أَفْعَلَ حينئذٍ جاء لغير التَّفْضِيْلِ.
فنقول: أَفْعَلَ مضاف، والتَّفْضِيْلِ مضاف إليه، من إضافة الشيء إلى نوعه.
أي: أَفْعَلَ الذي يراد به التَّفْضِيْلِ، واحترز به من أفعل الذي ليس للتفضيل كأحمر هذا ليس للتفضيل، وأشهر ليس للتفضيل، وبعضهم يعبر باسم التفضيل بدلاً من أن يقول: أفعل يقول: اسم التفضيل، أي الاسم الدال على التفضيل، فَـ أَفْعَلَ التَّفْضِيْلِ معناه أفعل الذي يكون موزونه دالاً على التَّفْضِيْلِ، أفْعَلَ هذا وزن، موزونه هو الذي يدل على التفضيل، يعني إذا قيل: أعلم، ما وزنه؟ تقول: أفْعَلَ، إذاً أيهما الذي دل على التفضيل الوزن أم الموزون؟ الموزون، إذاً كيف نقول: أَفْعَلَ التَّفْضِيْل؟ نقول: أَفْعَلَ التَّفْضِيْل المراد به: أَفْعَلَ الذي يكون موزونه دالاً على التفضيل، والمراد بالتفضيل مطلق نسبة الزيادة، فيشمل نحو أجهل وأخبث، ولذلك بعضهم قال: الأولى أن يعبر باسم التفضيل، ولا يقال أفعَل، لما ذكرناه من أخبث وأجهل، ولما زاده البعض من خير وشر، خير وشر أفْعَلَ تَفْضِيْل، ليس على وزن أفْعَلَ .. خير ليس على وزن أفْعَلَ ليس فيه همزة، وكذلك شر ليس فيه همزة، حينئذٍ كيف نقول فيهما وهما أفعل التفضيل؟ نقول: الأصل أنهما أفعل التفضيل، وإنما حذفت منهما الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال، إذاً أَفْعَلَ التَّفْضِيْل قد يكون لفظاً وقد يكو مقدراً، كما في خير وشر، وهو قليل معدود زيد عليه حب أحب، تحذف الهمزة منهما وَحَبُّ شَيءٍ إِلى الإِنسانِ مَا مُنِعَا، وَحَبُّ شَيءٍ يعني أحبُ شيء من الإنسان ما منع، حينئذٍ نقول: أفْعَلَ التَّفْضِيْل هنا مقدرة؛ لأن الهمزة محذوفة لكثرة الاستعمال.
وَغَالِبَاً أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرْ
…
عَنْ قَولهِمْ: أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ
ولذلك جاء: ((أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)) [يوسف:77] على الفرع، ((هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)) [يونس:58] وجاء: "بِلَالُ خَيرُ النَّاسِ وَابنُ الأَخْيَرِ"، على الأصل، إذاً صرح به نقول: هذا على القياس، لكن خير وشر هذا شاذ قياساً لا استعمالاً، أما الاستعمال فهو كثير، لذلك جاء في القرآن، ولا يجوز أن يقال في القرآن ما هو شاذٌ استعمالاً، فلو عبر بالشاذ قياساً لا بأس به؛ لأن المراد به أنه مخالف للأصول العامة التي قعدها النحاة، وأنه مخالف لما اشتهر من لسان العرب، ولا إشكال فيه.
إذاً خير وشر على وزن أفعل، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال ومثلهما أحب، ومنه: وَحَبُّ شَيءٍ إِلى الإِنسانِ مَا مُنِعَا.
إذاً قيل: الأولى أن يعبر باسم التفضيل لا بأفعل ليشمل خيراً وشر؛ لأنهما ليسا على زنة أَفْعَلَ.
وأولى منهما التعبير باسم الزيادة ليشمل نحو أجهل وأبخل مما يدل على زيادة النقص لا على الفضل. لما نقول: أَفْعَلَ التَّفْضِيْل. طيب: هذا أجهل الناس، أين التفضيل هنا؟ ليس فيه تفضيل، هذا أبخل الناس، هذا ليس فيه تفضيل، وأجيب عن الأول بأن قوله: أَفْعَلَ أي لفظاً وتقديراً، وخير وشر على وزن أَفْعَلَ تقديراً؛ لأن الأصل وجود الهمزة وإنما حذفت لكثرة الاستعمال، وعن الثاني بأن المراد بالفضل الزيادة مطلقاً في كمال أو نقص.
ولذلك عبر من الموي بأن المراد بالتفضيل مطلق نسبة الزيادة، فيشمل نحو أجهل وأخبث، إذاً مطلقاً المراد به الزيادة في كمالٍ أو في نقصٍ، هذا أسوأ الناس إذاً فيه نقص.
أَفْعَلَ التَّفْضِيْل هذا من حيث اللفظ هو اسم لقبول علامات الأسماء تدخل عليه أل كما سيأتي، (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ)، وأل الداخلة عليه معرفة، فحينئذٍ قبِل علامة من علامات الأسماء، وهو غير منصرف لكونه ملازماً للوصفية ووزن الفعل كما سيأتي في موضعه.
وعرَّفه بعضهم بأنه الصفة الدالة على المشاركة وزيادة، وهذه تنفرد بها أَفْعَلَ التَّفْضِيْل عن سائر المشتقات؛ لأنا قلنا الصفة ما دل على ذات ومعنى، حينئذٍ كل ما دل على ذات ومعنى والأصل أنه يعبر عنه بصفةٍ أو بأنه مشتق، ثم إذا دل على مشاركةٍ وزيادة نقول: هذا مما اختص به أَفْعَلَ التَّفْضِيْل، ولذلك أكثر النحاة لا يعرفون أَفْعَلَ التَّفْضِيْل، لماذا؟ لأنها منفردة بنفسها لا تلتبس بغيرها، لا تلتبس باسم الفاعل ولا باسم المفعول ولا بالصفة المشبهة ولا غيرها؛ لأنها دالة بنفسها .. بذاتها على مشاركة وزيادة.
مشاركة لأنها تقتضي مفضل ومفضل عليه، فتقول: زيدٌ أعلمُ الناس، أو أعلمُ من عمروٍ، زيدٌ أعلمُ من عمروٍ دلت على مشاركة، وهي: أن كلاً منهما شارك الآخر في العلم، كل منهما عنده علم، ودلت على الزيادة وهو زيادة المفضل على المفضل عليه، زيدٌ أعلمُ من عمرو، إذاً دلت على المشاركة بأن كلاً منهما عنده علمٌ متصف بهذا الوصف، ودلت على زيادة علمِ زيد على عمرو، وهذا أمر واضح بين.
هو الصفة الدالة على المشاركة وزيادة، نحو أفضل وأعلم وأكثر، مال زيد أكثرُ من مالكَ، إذاً كل منهما عنده مال، زيدٌ أكثرُ منكَ علماً، زيد أفضل من عمروٍ .. كل منهما فيه مشاركة للآخر إلا أن المفضل تفرد بالزيادة في ذلك الوصف.
أَفْعَلُ التَّفْضِيْلِ:
صُغْ مِنْ مَصُوغٍ مِنْهُ لِلتَّعَجُّبِ
…
أَفْعَلَ لِلتَّفْضِيلِ وَأْْبَ اللَّذْ أُبِي
معنى البيت أن أَفْعَلَ التَّفْضِيْل إنما يصاغ من كل فعل صيغ منه أفعل التعجب .. فعل التعجب السابق، فكل ما جاز أن يصاغ منه أفعل التعجب جاز أن يصاغ منه أَفْعَلَ التَّفْضِيْل، وكل ما منع هناك من صوغ أفعل التعجب منع منه هنا في أَفْعَلَ التَّفْضِيْل، البيت يدل على هذه الفائدة، وهي أن أَفْعَلَ التَّفْضِيْل وفعل التعجب اشتركا في المادة التي يصاغان منها، وهي ما أشار إليه سابقاً.
وَصُغْهُما مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا
…
قَابِلِ فَضْلٍ تَمَّ غَيْرِ ذِيْ انْتِفَا
وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلَا
…
وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلَا
فتلك الشروط الثمانية هي مشروطة في أفعل التفضيل، فما وقع فيه الاتفاق هناك وقع فيه الاتفاق هنا، وما وقع فيه النزاع هناك وقع النزاع، فالمادة واحدة كلاهما مشتركان في المادة التي يصاغان منهما، ولذلك قال:(صُغْ) هذا أمر يعني: خذ واشتق.
(مِنْ مَصُوغٍ) من كل فعل مصوغ.
(مِنْهُ لِلتَّعَجُّبِ) صيغ مِنْهُ لِلتَّعَجُّبِ السابق الذي ذكره في الباب السابق، ومِنْهُ الضمير هنا عائد على موصوف محذوف أي: من مصدر مَصُوغٍ مِنْهُ.
صُغْ أَفْعَلَ لِلتَّفْضِيلِ، أَفْعَلَ قصد لفظه وهو مفعول به، أي: اسماً موازناً لأفعل، لِلتَّفْضِيلِ احترازاً عن غيره نحو: هو أضرب وأعلم وأفضل، كما يقال: ما أضربَهُ، وما أعلَمهُ وما أفضلَهُ، نقول: هنا يجوز أن يقال: زيد أضربُ، وزيد أعلمُ، وزيد أفضلُ .. لأن هذه المواد مما يصاغ منها فعل التعجب.
(صُغْ) هذا فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت .. واجب الاستتار.
(مِنْ مَصُوغٍ) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: صُغْ.
(مِنْهُ) هذا متعلق بصغ، لكن الضمير هنا لا بد على التقدير، يعني يكون عائد على موصوف محذوف، يعني من مصدر مصوغ منه.
(لِلتَّعَجُّبِ) كذلك جار ومجرور متعلق بقوله: صُغْ.
(أَفْعَلَ) مفعول به لقوله: صُغْ.
(للتَّفْضِيلِ) متعلق به.
(وَأْْبَ اللَّذْ أُبِي): وَأْْبَ هذا فعل أمر مبني على حذف حرف العلة لأنه من أبى يأبى، مثل عصى اعصِ، بحذف حرف العلة، أبى يأبى (وَأْْبَ اللَّذْ) اللَّذْ هذه لغة في الذي، (وَأْْبَ): يعني: امنع.
(اللَّذْ أُبِي) الذي، وامنع هنا اللَّذْ أُبِي هناك، وَأْْبَ هنا أي: امنع هنا في هذا الباب، اللَّذْ: الذي، أُبِي هناك، لكونه لم يستكمل الشروط، فكل ما لم يستكمل الشروط في باب فعل التعجب فمنع منه صوغ فعل التعجب امنعه هنا فالحكم واحد.
(وَأْْبَ اللَّذْ أُبِي) يعني: امنع هنا اللَّذْ أُبِي هناك، لكونه لم يستكمل الشروط المذكورة هناك.
وشذ بناؤه من وصف لا فعل له هنا، نحو: هو أقمنُ به، أقمنُ: أفعلُ.
هو أقمنُ بهٍ أي: أحقُّ بهِ من قمِن، وما زاد على الثلاثي كقولهم: هذا الكلام أخصر من غيره، لماذا؟ لكونه مأخوذاً من اختُصر، اختصر قلنا هذا فيه شذوذان هناك، كونه زائداً على الثلاثي، وكونه مبنياً لما لم يسم فاعله، إذاً إذا قيل هذا الكلام أخصر فهو شاذ يحفظ، يعني استعماله لا بأس به، لكنه مما حفظ يعني لا يقاس عليه.
وفيه شذوذان كما سبق، وفي أفعلَ التي هي على وزن أكرم ونحوه .. وفي أفعل المذاهب الثلاثة السابقة. المنع مطلقاً، الجواز مطلقاً، مذهب ابن عصفور التفصيل.
وسُمِعَ هُوَ أعْطَاهُمْ لِلدَّرَاهِمِ، وَأوْلَاهُمْ لِلْمَعْرُوفِ، و (هَذَا المَكَانُ أَقْفَرُ مِنْ غَيْرِهِ)، ومن فعُلَ الذي لازم الفعلية يعني: البناء للمجهول هُوَ أَزْهَى مِنْ دِيكٍ، وَأَشْغَلُ مِنْ ذَاتٍ النِّحْيَيْنِ، وَأعْنَى بَحاجَتِكَ.
وسبق أن بعضهم استثنى ما كان ملازماً للبناء للمجهول بأنه يسوغ صوغ فعل التعجب منه، وهنا نفس الكلام، وهناك ابن مالك جوز في التسهيل أنه يجوز أن يصاغ من الفعل المبني للمجهول إن أمن اللبسُ.
(وَأْْبَ اللَّذْ أُبِي)، وَأْْبَ قلنا: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت أي امنع.
(اللَّذْ) هذا في محل نصب مفعول، وهو لغة في الذي، وَأْْبَ اللَّذْ.
(أُبِي) هذا فعل ماضي مغير الصيغة، بمعنى منع، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على الذي، والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.
قال الشارح: يصاغ من الأفعال التي يجوز التعجب منها للدلالة على التفضيل وصف على وزن أفعل، فتقول زيد أفضلُ من عمروٍ، وأكرمُ من خالد كما تقول: ما أفضل زيداً وما أكرم خالداً، الباب واحد.
وما امتنع بناء فعل التعجب منه امتنع بناء أفعل التفضيل منه، فلا يبنى من فعل زائد على ثلاثة أحرف كدحرجَ، واستخرجَ، واستغفرَ، ولا من فعل غير متصرف -يعني: جامد- كنعمَ وبئسَ، ولا من فعل لا يقبل المفاضلة لأنا نقول: هذه صفة دالة على المشاركة وزيادة، حينئذٍ إذا كان ملازماً لوصف واحد لا يزيد ولا ينقص، يمتنع كماتَ وفنيَ، ولا من فعل ناقص ككانَ وأخواتها، وكاد وأخواتها، ولا من فعل منفي نحو: ما عاج بالدواء إن كان النفي لازماً، أو النفي عارضاً طارئاً كـ: ما ضربَ، ولا من فعل يأتي الوصف منه على أفعَلَ نحو: حمِرَ وعوِرَ، فلا يقال: أحمر وأعور، ولا من فعل مبني للمفعول: ضُربَ وجُنَ، وشذ منه قولهم: هو أخصر من كذا، فبنو أفعل التفضيل من اختصر وهو زائد على ثلاثة أحرف ومبني للمفعول، وقالوا أسودُ من حلك الغرابِ، أسود: أفعل، الأصل أنه ما يأتي؛ لأن الوصف منه يأتي على وزن أفعل، وأبيضُ من اللبنِ فبنو أفعل التفضيل شذوذاً من فعلٍ الوصف منه على أفعل.
إذاً هذا البيت أشار إلى أن باب أفعل التفضيل من حيث الاشتقاق إنما يؤخذ من فعل وجدت فيه الشروط الثمانية السابقة.
فإن انتفى بعض الشروط -عدِم بعض الشروط- حينئذٍ هل معنى ذلك الكلام أنه لا يصاغ منه ما يدل على التفضيل؟ الجواب: لا.
وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ
…
لِمَانِعٍ بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ
ما هو المراد؟
وَأَشْدِدَ اوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهُهُمَا
…
يَخْلُفُ مَا بَعْضَ الشُّروطِ عَدِمَا
وَمَصْدَرُ الْعَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ
…
وَبَعْدَ أَفْعَلْ جَرُّهُ بِالبَا يَجِبْ
إذاً: كل ما لم يمكن التوصل إلى أن يصاغ منه أفعل التفضيل مباشرة، حينئذٍ جئنا بما ينوب عنه، وهو أَشَدَّ أما أَشْدِدَ فلا، لا يتأتى هنا أَشْدِدَ، وإنما أَشَدَّ، وما كان مشابهاً له كأكثرَ، وأصغرَ، وأكبرَ .. ونحو ذلك.
إذاً مراده بهذا البيت أن ما لم يتوصل إلى اشتقاق أو صوغ أفعل التفضيل منه مباشرة حينئذٍ يعامل معاملة ما لم يستوف الشروط في باب فعل التعجب
وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ: وما وصل به إلى تعجب لمانع، وهو أَشَدَّ.
(بِهِ) بذاك.
(إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ): صل به إلى التفضيل.
تقدم في باب التعجب أنه يتوصل إلى التعجب من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بـ (أَشَدَّ) ونحوها، وأشار هنا إلى أنه يتوصل إلى التفضيل من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بما يتوصل به في التعجب.
-انظر- قال ابن عقيل: أَشَدَّ، ولم يقل: أَشْدِدَ؛ لأنه لا يتصور هنا.
فكما تقول: ما أشد استخراجه تقول: هو أشد استخراجاً.
يعني تأتي بالمصدر -مصدر العادم-، هو حال، ما بين لك الطريق .. كيف تأتي بالتفضيل، وإنما أحالك إلى ما سبق:
وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ
…
لِمَانِعٍ بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ
كيف نفعل؟ هنا كما قال: أَشَدَّ أَوْ شِبْهِهَا حينئذٍ قال: ومصدر العادم بعد ينتصب.
إذاً تأتي إلى ما لم يستكمل الشروط تأتي بمصدره، ثم تأتي بأشد ونحوه، فتنصب المصدر بعد أفعل التفضيل الذي هو أَشَدَّ تأتي به منصوباً على التمييز، فتقول: هو أشدُّ استخراجاً من زيد.
إذاً لا يضاف إلى ما بعده، وإنما ينصب على التمييز، هو أشدُّ استخراجاً ثم تأتي بالمفضل عليه.
كما تقول: ما أشدَّ حمرته هناك، تقول: هو أشدُّ حمرة من زيد، جئت بالمصدر وهو حمرة ونصبته على التمييز بعد أَشَدَّ، ثم جئت بالمفضل عليه، هو أشد حمرة من كذا، هو أشد بياضاً من كذا، هو أشد اختصاراً من كذا، هو أشد إكراماً من عمروٍ مثلاً، فكل ما تخلف أو لم يستكمل الشرط حينئذٍ نأتي بمصدره وننصبه بعد أشد وشبهها ونأتي بالمفضل عليه بعدها.
كما تقول: ما أشدَّ حمرته تقول: هو أشدُّ حمرة من زيد، لكن المصدر ينتصب في باب التعجب بعد أشد مفعولاً وهاهنا ينتصب تمييزاً.
وهناك وَمَصْدَرُ الْعَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ على أنه مفعول به، وهنا على أنه تمييز، هنا الإحالة فيها نوع إبهام، أولاً: أحال على أَشْدِدَ وليس الأمر كذلك، كذلك أحال على المصدر: ما أشَدَّ استخراجه، استخراجه هناك يجب أن يضاف إلى الفاعل استخراجهُ، وهنا لا يجب إضافته، بل يجب نصبه، ثم هناك ينصب على المفعولية، وهنا ينصب على التمييز، ففرق بينهما من حيث هذه المسائل.
(وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ)(وَمَا) اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ، ويحتمل أنه منصوب على الاشتغال؛ يعني في محل نصب بفعل محذوف يفسره صِلْ، وما وصل به، هذا محتمل وإلا فالمبتدأ أولى.
إذاً (مَا) مبتدأ أو مفعول لفعل محذوف يفسره صِلْ، صل ما.
و (بِهِ) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: وُصِلْ، وجملة وُصِلْ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
(إِلَى تَعَجُّبٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: وُصِلْ.
و (وُصِلْ) هذا مغير الصيغة، أعربوا (بِهِ) -يعني: الشراح- على أنه نائب فاعل لِوُصِلْ، وهذا محل إشكال؛ لأن نائب الفاعل يأخذ حكم الفاعل، والفاعل لا يجوز تقديمه على عامله .. فعله، فكذلك ما ناب منابه.
حينئذٍ إما أن يقال: بأنه جرى على مذهب الكوفيين؛ لأن الكوفيين يجوزون تقدم الفاعل على العامل فكذلك ما ناب مناب الفاعل، وهذا فاسد، لماذا؟ لأننا نحمل كلام الناظم هنا على شيء اختار خلافه، (وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ) هذا الأصل، حينئذٍ ما نحمل كلامه على شيء يخالفه.
حينئذٍ لا بد من التأويل فنقول: ما وصل به، ما به وصل به، حينئذٍ على الحذف والإيصال، يعني نقدر به بعد وصل، ثم نقول: حذف الباء توسعاً، ثم اتصل الضمير بالفعل، ثم قُدِّم ..
(بِهِ) نائب فاعل لِ وُصِلْ، وقدم النائب على الفاعل على مذهب الكوفيين، هكذا اعتذر بعضهم، والبصريون يمنعونه، ويمكن تخريجه على مذهب البصريين على أنه من الحذف والإيصال، الحذف والإيصال بابه واسع، بأن يكون في وُصِلْ ضمير مستتر كان مجروراً بالباء، في وُصِلْ ضمير مستتر كان مجروراً بالباء، والأصل:"وما بهِ وصل بهِ"، ثم حذف الباء واستتر الضمير.
إذاً وَمَا بِهِ جار ومجرور متعلق بقوله: وُصِلْ، (إِلَى تَعَجُّبٍ) متعلق بقوله: وُصِلْ.
(لِمَانِعٍ) جار ومجرور متعلق بـ (وُصِلْ) أو صِلْ، إن علقته بالأول قدرت مثله في الثاني، فحُذف من الثاني لدلالة الأول عليه، هذا إذا قدرته متعلقاً بوصل، حينئذٍ لا بد من تقدير، تقول: بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ لِمَانِعٍ؛ لأن لِمَانِعٍ هنا متعلق بما انتفى في حقه شرط من شروط صوغ فعل التعجب، كلام الشطر الأول فيما يتعلق بالباب السابق (وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ) كيف: وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ؟ الكلام ما يستقيم هنا، لا بد أن تقول: لِمَانِعٍ.
طيب (بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ) مطلقاً أو لِمَانِعٍ؟ لِمَانِعٍ.
إذاً إما أنك تقول: لِمَانِعٍ متعلق بقوله: وُصِلْ، وحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وإما أن تقول: لِمَانِعٍ متعلق بقوله: صِلْ وحُذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والأول أولى، أن يكون لِمَانِعٍ متعلقاً بقوله: وُصِلْ، ثم حذف من الثاني.
إعرابُ البيت أكثر من معناهُ، معناه سهل واضح.
إذاً (لِمَانِعٍ) اللام هنا للتعليل، يعني لأجل مانع.
(بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ) يعني: صل إلى التفضيل به.
(بِهِ) جار ومجرور متعلق بقوله: صِلْ.
و (إِلَى التَّفْضِيلِ) جار ومجرور متعلق بقوله: صِلْ. أي: صل به إلى التفضيل.
(بِهِ) نقول: هذا متعلق بِ: صِلْ على حذف مضاف، يعني بمثله، بِهِ: بمثلهِ، يعني مشابه له ليس عينه، وإنما مشابه له، لماذا؟ هناك فعل أَشَدَّ، وهنا اسم، لو قلنا: بهِ نفسهُ كان بالفعل نفسه، وهنا نقول: لا. أشَدَّ. إذا قيل: ما أشدَّ حمرتهُ، أشدَّ فعل ماضي، طيب: هو أشدُّ حمرةً، أشدُّ هنا خبر، اسم تفضيل .. أفعل التفضيل.
(بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ) عند مانع صوغه من الفعل، لكن أشدَّ ونحوه في التعجب فعلٌ وهنا اسمٌ، وينصب هنا مصدر الفعل المتوصل إليه تمييزاً فتقول: زيدٌ أشدُّ استخراجاً من عمروٍ، زيدٌ مبتدأ، وأشدُّ خبر وهو مفرد اسمٌ، أفعل التفضيل أشدُّ، استخراجاً هذا تمييز، من عمروٍ جار ومجرور متعلق بأشد.
وأقوى بياضاً وأفجع موتاً، إذاً يؤتى بمصدر العادم بعد أفعل منصوباً على التمييز فتقول: أنت أشدُّ بياضاً من زيد، وأكثر استخراجاً من عمروٍ.
إذاً معنى البيت: وَمَا وُصِلْ بِهِ إِلَى التَعَجُّبِ لأَجلِ المَانِع صِلْ بمِثلِهِ إِلَى أَفعَل التَّفْضِيلِ.
وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ
…
لِمَانِعٍ بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ
أي اقصد مَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ، تتوصل أنت به: أي بمثله في الوزن إِلَى التَّفْضِيلِ.
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا
…
تَقْدِيراً أَوْ لَفْظَاً بِمِِنْ إِنْ جُرَّدَا
أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ عرفنا مما يشتق، وعرفنا إذا انتفى شرط من شروطه كيف نتوصل إليه، هو على ثلاثة أحوال بعد ذلك، أفعل التفضيل أكثر مسائله المشهورة متفق عليها، ولذلك ابن عقيل لم يذكر خلافا إلا يسيراً، كذلك في أوضح المسالك كذلك في الأشموني.
المسائل المشهورة الشهيرة التي نظمها الناظم متفق عليها في الجملة وليس فيها خلاف.
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا
…
تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا
(وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ) منصوب على أنه مفعول به لفعل يفسره بعده صل أفعل التفضيل.
(صِلْهُ) الضمير لو أُسقِط هنا لنصب أفعل التفضيل، إذاً من باب الاشتغال.
إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ
…
عَنْهُ بِنَصْبِ لَفْظِهِ أَوِ الْمحَلْ
فَالسَّابِقَ انْصِبْهُ بِفعْلٍ أُضْمِرَا
…
حَتْماً مُوَافِقٍ لِمَا قَدْ أُظْهِرَا
إذاً: (وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ) نقول: هذا مفعول به لفعل محذوف وجوباً يفسره المذكور وهو صِلْ الذي بعده.
(صِلْهُ أَبَدَا)، صِلْ هذا فعل أمر، والفاعل أنت ضمير مستتر وجوباً، والضمير هنا في محل نصب مفعول به.
(أَبَدَاً) منصوب على الظرفية، وجملة صِلْ هذه لا محل لها من الإعراب.
(تَقْدِيراً اَوْ لَفْظاً) تَقْدِيراً اوْ بدون همزة؛ لأن أَوْ حرف والهمزة في الحرف همزة قطع إلى، أم، أو .. هذه كلها همزة قطع، حينئذٍ الأصل فيها الذكر.
(تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً) يعني: مقدراً أو ملفوظاً بِمِِنْ، صله بمن.
(بِمِِنْ) جار ومجرور متعلق بقوله: صِلْ.
(إِنْ جُرِّدَا) هذا إشارة إلى الحالة الأولى وهي أن يكون أفعل التفضيل مجرداً؛ لأن أفعل التفضيل باستقراء كلام العرب لا يخلو عن ثلاثة أحوال: إما أن يجرد عن أل والإضافة، أفضلُ، أعلمُ .. زيدٌ أعلمُ من عمروٍ، مجرد، يعني لا تدخل عليه أل ولا يضاف.
الثاني: أن يكون محلىً بأل، زيدٌ الأفضلُ .. دخلت عليه أل.
ثالثاً: أن يضاف، وإذا أضيف إما أن يضاف إلى معرفة أو إلى نكرة، وكلاهما داخلان تحت قسم واحد زيدٌ أفضلُ الناس، وزيدٌ أفضلُ رجلٍ أضيف إلى نكرة وأضيف إلى معرفة.
إذا جرد عن أل والإضافة فله حكمان: الحكم الأول أشار إليه بهذا البيت وهو: أنه يجب أن يوصل بمن جارة للمفضول عليه، فتقول: زيدٌ أعلمُ من عمروٍ، هذا المراد. إذا جرد عن أل والإضافة تقول: زيدٌ أعلمُ ما تسكت هكذا، وإنما تقول: من عمروٍ .. من عمروٍ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: أعلم.
هل هو واجب الذكر؟ نعم، واجب الذكر، وإذا حذف لا بد من تقدير يكون منوياً، وإذا قدر المقدر كالموجود.
إذاً أفعل المجرد له حكمان: الحكم الأول الذي ذكره هنا بقوله: صله بمن إن جرد من أل والإضافة، جارة للمفضول، من هو المفضول؟ الذي بعده، والسابق يكون مفضلاً، إذاً عندنا مفضل ومفضل عليه واسم تفضيل، أفعل التفضيل تقع بينهما، والمفضل والمفضل عليه، والأصل في المفضل والمفضل عليه عدم اتحادهما، بمعنى أن يكون المفضل مغايراً للمفضل عليه، زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، ما تقول: زيد أكرمُ من زيدٍ هو عينه، هذا إلا في مسألة الكحل الآتية وهي قليلة.
فحينئذٍ يشترط في المفضل والمفضل عليه أن يكونا متغايرين، يعني ذاتينِ، أن يكون كل منهما ذاتاً منفصلاً منفكاً عن الأخرى.
ولا يتصور اتحادهما إلا في المسألة الأخيرة التي سيأتي ذكرها في هذا الباب.
(وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ)، لَفْظاً واضح أنه ينطق بها، فتقول: زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، وأما تَقْدِيراً بأن تحذف مع مجرورها للعلم به، فلو لم يعلم لم يجز الحذف للقاعدة السابقة.
إذا قصد به التفضيل حينئذٍ إذا لم توجد (من) مع مجرورها وجب تقديره، متى؟ إذا دل عليه دليل، فتقول: هي منوية، هي مقدرة، وقبل ذلك كانت مذكورة، فإذا لم يدل عليه دليل بعد الحذف لا يجوز للقاعدة العامة: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ.
إذاً تَقْدِيراً هنا مراده به بأن تحذف مع مجرورها للعلم به، فلو لم يعلم لم يجز الحذف، وقد تذكر مع العلمِ، أما الحذف بدون علم فلا، ويجوز حذفها مع العلمِ وقد تذكر.
إذاً إذا علم لا يلزم منه الحذف، لا، قد تكون مذكورة ولو حذفت تكون معلومة ((قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)) [الجمعة:11] ما هو المفضل عليه؟ اللَّهْو والتِّجَارَة، لو حذف أحدهما .. حذفت (من) لعُلِم المحذوف بذكر الثاني، إذاً ثم دليل موجود، ومع ذلك ذُكرت ((قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ)) [الجمعة:11] خَيْرٌ أصلها أخير ((مِنَ اللَّهْوِ)) [الجمعة:11] هذا متعلق بخير، ((وَمِنَ التِّجَارَةِ)) [الجمعة:11] كذلك معطوف على من اللهو.
لو حذف أحدهما لدل الثاني عليه.
(تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ) قلنا: بِمِِنْ هذا متعلق بقوله: صِلْهُ .. صِلْهُ بِمِِنْ. واختلف في معنى (من) هذه، اتفقوا على أنه لا بد من (من)، لا بد من الحرف، لا بد أن يكون المفضل مجروراً بمن، لكن ما المراد بمن؟ (من) لها معاني، اختلفوا فيها على ثلاثة مذاهب: مذهب المبرد، وسيبويه، وابن مالك.
والمرجح هو مذهب المبرد لأنه موافق للأصل، وهو أنها لابتداء الغاية.
الأول مذهب المبرد: أنها لابتداء الغاية، وهذا لا يحتاج إلى تعليق، لماذا؟ لأنها الأصل كما سيأتي.
الثاني مذهب سيبويه: أنها لابتداء الغاية، لكن مع الإشارة إلى التبعيض.
خلط بعضهم بين المذهبين، فنسب الأول لسيبويه، والصواب أن سيبويه يرى أنها لابتداء الغاية مع الإشارة إلى معنى التبعيض، ومذهب المبرد أنها لابتداء الغاية فقط، فرق بينهما.
إذاً: مذهب المبرد أنها لابتداء الغاية، ومذهب سيبويه وهو ثاني المذاهب: أنها لابتداء الغاية أيضاً، لكن بزيادة فرق بينهما. مع الإشارة إلى معنى التبعيض، فقال في نحو: هو أفضل من زيدٍ فضلَّهُ على بعضٍ ولم يعم، هكذا قال سيبويه: فضله على بعض ولم يعم، قالوا: إذاً هي لابتداء الغاية عند سيبويه مع معنى التبعيض.
وفهم بعضهم أنه لا يصح أن يقال: بأنها للتبعيض إلا إذا وجد فيها شرط التبعيض السابق الذي مر معنا في حروف الجر، وهو أن يؤتى ببدل (من) كلمة بعض، وليس هذا مراد سيبويه، وإنما أراد أنها مُشربة المعنى، وإذا كان كذلك لا يلزم أن يُصرح ببعض، فرق بين أن يقال:(من) للتبعيض أصالةً، وبين أن يقال: أُشربت معنى التبعيض، هذا مثل ما سبق أن نقول في الظرف: هذا تضمن معنى في، لكن لا يلزم منه أن يصرح بفي، هنا كذلك فهم البعض أنه لما قال سيبويه: مشربةٌ معنى التبعيض أنه لا بد أن يوجد فيها شرط (من) التبعيضية، وهو صحة حلول لفظ (بعض) محلها، نقول: لا، ليس هذا المراد، وإنما أراد أن اللفظ لابتداء الغاية وهو الأصل وأُشرب معنى التبعيض، يعني: يلاحظ فيه معنى التبعيض، وإن لم تكن (من) متمحضةً للتبعيض، وإن لم يصح حلول لفظ (بعض) محل (من)، فاللفظ عام.
أنها لابتداء الغاية مع الإشارة إلى معنى التبعيضِ فقال في نحو: هو أفضل من زيدٍ، ما معناه عند سيبويه؟ قال: فضله على بعضٍ، يعني بعض الناس ولم يعم.
والمراد بالتبعيض هنا: كون مجرورها بعضاً لا التبعيض المتقدم في حروف الجر، كما فهم ذلك ابن هشام فردَّ هذا القول بناء على أنه لا يصلح لفظ (بعض) محل (من)، نقول: لا، ليس هذا المراد؛ لأن التبعيض هنا بالإشارة ليس بمعنى (من) لفظها، لا، هي لابتداء الغاية، فالمعنى المراد:"زيدٌ أفضلُ من" المراد ابتداء الغاية، وأُشربَ وأُشيرَ وضمن معنى أو ملاحظة التبعيض، فلا يلزم أن تكون بمعنى (من) التبعيضية فيحل محلها لفظ (بعض) خلافاً لما ذهب إليه ابن هشام.
المذهب الثالث وهو مذهب الناظم: أنها بمعنى المجاوزة: أي مجاوزة الفاضل للمفضول بمعنى زيادته عليه في الوصف، والمراد أنها تفيد ذلك مع بقية التركيب، ليست مطلقة، فكأن القائل زيدٌ أفضلُ من عمروٍ:"جاوزَ زيدٌ عمراً في الفضلِ"، وهذا تكلف، وإن كان مذهب ابن مالك "جاوز زيدٌ عمراً في الفضلِ"، ليس هذا المراد. والأول أولى. يعني: مذهب المبرد: أنها لابتداء الغاية فقط.
ووجهه أن (من) لا تحُمل على غير الابتداء إلا إذا منع منه؛ لأنه أشهر معانيها، وهنا لا مانع من حملها عليه فلا حاجة لإخراجها عنه؛ لأنها الأصل، فإذا كان كذلك فحينئذٍ تبقى على ما هي عليه.
(وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا تَقْدِيراً) عرفنا المراد بالتقدير، (أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا).
قوله: (صِلْهُ أَبَدَا) نفهم منه أنه يجب أن يكون (من) ومجرورها متصلاً بأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، قال: وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَاً بِمِِنْ، إذاً إذا زيدت (من) حينئذٍ نقول: لا بد أن يكون متصلاً بأفعل التفضيل.
يقتضي قوله: (صِلْهُ أَبَدَا) أنه لا يفصل بين (أفعل) وبين (من)، وليس على إطلاقه، بل يجوز الفصل بينهما بـ (لو) وما اتصل بها وبمعمول أفْعَلَ التَّفْضِيْل وزاد بعضهم النداء. ثلاثة أشياء.
وليس على إطلاقه، بل يجوز الفصل بينهما بمعمول أفْعَلَ التَّفْضِيْل، وقد فصل بينهما بـ (لو) وما اتصل بها كقوله:
وَلَفُوكِ أَطْيَبُ لَو بَذَلتِ لَنَا
…
مِنْ مَاءِ مَوهَبَةٍ عَلَى خَمْرِ
(وَلَفُوكِ أَطْيَبُ) أَطْيَبُ أفعل التفضيل.
(مِنْ مَاءِ) فصل بين أَطْيَبُ وقوله: مِنْ مَاءِ بقوله: لَو بَذَلتِ لَنَا، جملة: لَو بَذَلتِ لَنَا، لو وما دخلت عليه فاصلة بين أفعل التفضيل ومن، هذا جائز في سعة الكلام وليس ضرورة.
قال بعضهم: ولا يجوز غير ذلك.
وأجاز بعضهم الفصل بالنداء، حكاه العصفور، وكذلك على الصحيح يجوز الفصل بمعمول أفْعَلَ التَّفْضِيْل ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) [الأحزاب:6] جاء في فصيح الكلام، وإذا جاء في فصيح الكلام انتهينا، ((أَوْلَى)) هذا أفْعَلَ التَّفْضِيْل، ((مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) هذا المفضل عليه، ((أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأحزاب:6] إذاً بالمؤمنين جار ومجرور متعلق بقوله: أولى، إذاً تعلق بأفعل التفضيل.
إذاً: ما كان متعلقاً أو معمولاً لأفعل التفضيل جاز الفصل بينه وبين (من) ومجرورها.
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا
…
تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا
لا يخلو أفعل التفضيل عن أحد ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون مجرداً، فإن كان مجرداً فلا بد أن يتصل به (من) لفظاً أو تقديراً، جارة للمفضل عليه. زيدٌ أفضلُ من عمروٍ ومررت برجلٍ أفضلَ من عمروٍ، وقد تحذف (من) ومجرورها للدلالة عليهما كقوله:((أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ)) [الكهف:34] هذا (من) والكاف هو المفضل عليه، والجار والمجرور متعلق بقوله:((أَكْثَرُ)).
((مَالاً)) منصوب على التمييز، ((وَأَعَزُّ نَفَرًا)) [الكهف:34] يعني: أعز منك، إذاً: حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، ((وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى)) [الضحى:4] هذا فصل بينهما. وفهم من كلامه أن أفْعَلَ التَّفْضِيْل إذا كان بأل أو مضافاً يمتنع وصلهما بـ (من)؛ لأنه قال: إِنْ جُرِّدَا، وعرفنا بالاستقراء أن الأحوال ثلاثة: إما أن يحلى بأل، أو يضاف، أو يجرد، خص الحكم هنا بالمجرد، فدل على أن ما عداه لا يجب، بل يمتنع أن يوصل بـ (من)، فلا يقال: زيدٌ الأفضلُ من عمروٍ لا. ولا يقال: زيدٌ أفضلُ رجلٍ من عمروٍ أو أفضلُ الناس من عمروٍ .. نقول: لا. لا يجوز وسيأتي التعليق.
وفهم من كلامه أن أفعل التفضيل إذا كان بأل أو مضافاً يمتنع وصلهما بـ (من) .. لا تصحبه (من)، فلا تقل: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، ولا زيد أفضلُ الناس من عمروٍ .. هذا فاسد.
وأكثر ما يكون ذلك إذا كان أفعل التفضيل خبراً يعني الحذف، -ابن عقيل فصل بينهما-.
وأكثر ما يكون ذلك المشار إليه يعني: حذف (من) ومجرورها، إذا كان أفعل التفضيل خبراً كالآية ونحوه، وهو كثير في القرآن، وقد تحذف منه وهو غير خبر كقوله:
دَنَوْتِ وَقَدْ خِلْنَاكِ كَالَبْدرِ أَجْمَلَا
…
فَظَلَّ فُؤادِي فِي هَوَاكِ مُضَلّلاً
أَجْمَلَ مِن مَن؟ أَجْمَلَ من البدرِ، حذف من البدر للعِلم به.
فأجمل أفعل تفضيل وهو منصوب على الحال من التاء في دَنَوْتِ، وحذفت منه (من)، والتقدير دَنَوْتِ أجملَ من البدرِ وَقَدْ خِلْنَاكِ كَالَبْدرِ.
((وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) [الأعلى:17] كلاهما أفعل تفضيل خير من الدنيا، وأبقى من الدنيا .. حذفا منهما للعلم بهما.
إذاً: عرفنا الحكم الأول وهو: أن أفْعَلَ التَّفْضِيْل إذا كان مجرداً من أل والإضافة وجب أن يؤتى بعده بـ (من) جارة للمفضول، وقد يحذفان.
ومن ثم اختلف النحاة في مسألة هنا: إذا حذفا الجار والمجرور، هل أفْعَلَ التَّفْضِيْل باقٍ على بابه، أم أنه خرج عن الباب؟ بمعنى: أنه لا يدل على المفاضلة، إذا قيل: أفْعَلَ التَّفْضِيْل على بابه، يعني المشاركة والزيادة .. دلَّ على المشاركة والزيادة وإذا لم يكن على الباب حينئذٍ نقول: خرج عن بابه، وعندنا مثال مشهور نأتي به دائماً وهو:((أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا)) [الفرقان:24].
((أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ)) [الفرقان:24] خيرٌ ممن؟ من أصحاب النار، إذا قلنا على بابها، معناه: أن النار فيها خير، والجنة فيها خير، إلا أن الزيادة –الوصف- في الجنة أكثر من زيادتها في النار، لو قلنا على بابها، ((وَأَحْسَنُ مَقِيلاً)) [الفرقان:24] أَحْسَنُ إذاً النار فيها مقيل، وهو حسن ممدوح، ولكن مقيل الجنة أَحْسَن .. أكثر حسناً، نقول: لا. ليست على بابها، سُلبت المعنى، المراد الوصف فحسب دون مفضل، ليس عندنا مفضل ولا مفضل عليه. إذا حذف هل تبقى على بابها مطلقاً أم أنها تخرج عن الباب؟ ومن ثم اختلف النحاة عند حذف (من) ومجرورها، وهو المفضل عليه في صيغة أفْعَلَ التَّفْضِيْل حينئذٍ، هل تكون دالة على التفضيل أم خلت أفعل عن هذه الدلالة، يعني سلبت المفاضلة والتفضيل؟
فذهب الكسائي والفراء ووافقهما الرضي، إلى أن هذه الصيغة لا تخلو قط من الدلالة على التفضيل .. دائماً للتفضيل، فإنك إذا ذكرت أفعل من، يعني جئت بـ (من) ذكرتها فدلالتها على التفضيل ظاهرة لا إشكال فيه، إذا قلت: زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، بعض النحاة يختصر يقول: أفعلُ من -انتبه لا تقل خطأ في النسخة-، يقول: إذا كانت (أفعَل)(أفعَلَ من) يريد بها أنه ذُكرت (من) مع المجرور.
فإنك إذا ذكرت (أفعلَ من) فدلالتها على التفضيل ظاهرة .. واضح بين، وإن أضيفت فإن المضاف إليه هو المفضل عليه، زيدٌ أفضل رجلٍ المضاف إليه هو المفضل عليه، وإن اقترنت بأل، فإن أل هذه عوضٌ من المضاف إليه، ماذا بقي؟ إذا ذُكرت (من)(أفعلُ من)، فالمفضل عليه واضح، زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، عمروٍ مفضل عليه، وإذا دخلت أل فأل قائمة مقام المفضل عليه، زيدٌ الأفضلُ، كأنه قال: زيدٌ أفضلُ الناس مثلاً.
وإذا أضيف فالمضاف إليه هو المفضل عليه، ماذا بقي؟ بقي إِنْ جُرِّدَت.
وإن لم تضف ولم تقترن بأل، ولم يذكر معها (من) جارة للمفضول؛ كان الكلام على أحد تقديرين، يعني لا بد من ردها إلى أصلها:
الأول: تقدير (من) ومجرورها.
إما أن نقدر (من) مع مجرورها.
والثاني: تقدير الصيغة مضافة، وقد حذف المضاف إليه وهو منوي الثبوت.
إذاً: لا بد من أن تكون أفعل دالة على التفضيل في كل حالٍ من الأحوال، والحال التي معنا واختلفنا فيها وهي إذا حذف (من) ومجرورها، لا بد من ردها إما إلى (من) ومجرورها تقديراً، وإما أن يكون ثم مضاف محذوف منوي الثبوت، إما هذا وإما ذاك، لكن هذا لا يتصور في المثال الذي ذكرناه، لا يتصور أن يكون هناك تفضيل، الكلام هذا فيه نظر، الصواب أنها قد تخرج، لكنه يدل عليه بقرينة.
الحكم الثاني الذي يتعلق بأفعل إذا كان مجرداً، هو ما أشار إليه بقوله:
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا
…
أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا
وهو أنه يلزم الإفراد والتذكير، يعني: يكون مفرداً فلا يثنى ولا يجمع، ويكون مذكراً فلا يؤنث، فتقول: زيدٌ أعلمُ من عمروٍ، والزيدان أعلمُ من عمروٍ، وهندٌ أعلمُ من عمروٍ .. وهلم جرَّا .. تبقيه على أصله.
أن يكون مفرداً مذكراً دائماً نحو: ((لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ)) [يوسف:8] أَحَبُّ هذا مفرد، ((لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ)) [يوسف:8] مثنى هذا المفضل، والمفضل عليه (أَحَبُّ إِلَى).
((قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ)) [التوبة:24] إلى أن قال: ((أَحَبَّ)) عدَّد ثم قال: أَحَبَّ فأفرد، لماذا؟ لكونه مجرداً من أل ومن الإضافة.
ومن ثم قيل: إن "أُخر" معدول عن آخر، وفي قوله: كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَقَاقِعِهَا لحنٌ هكذا قيل، لُحِّن أبو نواس؛ لأنه قال: صغرى وكبرى، والأصل أن يقول: أصغر وأكبر؛ لأنه مجرد عن أل والإضافة، فلا يطابق الموصوف، بل يلزم الإفراد والتذكير. حيث أتى بصغرى وكبرى مجرداً من أل والإضافة مؤنثة، وكان حقه أن يقول: أصغر وأكبر.
وأجيب بأنه لم يقصد التفضيل فخرج عن الوصف فصار صفة مشبهة.
(وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا أُلْزِمَ تَذْكِيرَاً) يعني: أُلْزِمَ أفعل التفضيل تذكيراً فيكون مذكراً، ولا يؤنث ولو كان الموصوف مؤنثاً.
(وَأَنْ يُوَحَّدَا)(أن) وما دخلت عليه بتأويل مصدر، يعني توحيداً، والتوحيد المراد به الإفراد، فلا يثنى ولا يجمع ولو كان الموصوف مثنىً وجمعاً، فتقول: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، وهندٌ أفضلُ من عمروٍ ما تقول: هند فضلى .. هند أفضلُ، (هندٌ) مبتدأ و (أفضلُ) خبر، كيف (هند) مبتدأ و (أفضل) خبر والشرط التطابق؟ نقول: هذا مستثنى من القاعدة، فحينئذٍ نقول: أفضل يبقى على أصله.
وتقول: الزيدانِ أفضلُ من عمروٍ، والزيدون أفضلُ من عمروٍ، والهندانِ أفضلُ من عمروٍ، والهنداتُ أفضل من عمرو، إذاً يلزم الإفراد والتذكير.
ومثلهُ المضاف، وهذا هو الحالة الثانية من أحوال أفعل التفضيل، أن يكون مضافاً، فإن كان مضافاً إما أن يضاف إلى نكرة كأفضل رجلٍ، وإما أن يضاف إلى معرفة، فإن أضيف إلى نكرة حينئذٍ حكمهُ حكم المجرد من أل، بمعنى: أنه لا يلزم كالأول -الحكم ليس مطلقاً، وإنما من حيث الإفراد والتذكير-، فيلزم الإفراد والتذكير.
(وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) يعني: يلزم المضاف إليه أن يطابق.
(وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) وإن يضف لمنكورٍ، لِمَنْكُورٍ جار ومجرور متعلق بقوله: يُضَفْ.
(أَوْ جُرَّدَا) الألف هذه للإطلاق، وجُرَّدَا معطوف على يُضَفْ؛ لأنه فعل، جُرَّدَ هو يعني: عُرِّي من أل والإضافة.
(أُلْزِمَ) جواب الشرط، وهو مغير الصيغة، ونائب الفاعل هو المفعول الأول.
و (تَذْكِيراً) مفعول ثاني. و (وَأَنْ) حرف مصدر.
(يُوَحَّدَا) الألف للإطلاق، يُوَحَّدَ هو، يعني: أفعل التفضيل، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، يعني أُلْزِمَ تَذْكِيراً وتَوحِيداً.
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا
…
أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا
لأن المجرد أشبه بـ (أفعل) في التعجب، وهو لا يتصل به علامة تثنيةٍ ولا جمعٍ ولا تأنيثٍ كما سبق.
والمضاف للنكرة بمنزلة المجرد في التنكير.
(وَأَنْ يُوَحَّدَا)
قال الشارح: ويلزم أفعل التفضيل المجرد الإفراد والتذكير وكذلك المضاف إلى نكرة وإلى هذا أشار بقوله:
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا
…
أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا
فتقول: زيدٌ أفضلُ من عمرو وزيدٌ أفضلُ رجلٍ، وهند أفضلُ من عمروٍ وهند أفضل امرأةٍ، والزيدان أفضلُ من عمروٍ، والزيدانِ أفضلُ رجلينِ، والهندانِ أفضلُ من عمروٍ وأفضلُ امرأتين، هنا ثنى باعتبار الموصوف، وجمع باعتبار الموصوف، بمعنى أن المضاف إليه إذا كان نكرة حينئذٍ طابق الموصوف، بخلاف أفعل التفضيل نفسها، حينئذٍ أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأنْ يُوَحَّدَا، الحكم هنا متعلق بأفعل التفضيل نفسها.
وأما المضاف إليه إذا كان نكرة فيلزم المطابقة، فلذلك تقول: الزيدانِ أفضلُ رجلينِ، الزيدونَ أفضلُ رجالٍ، الهندات أفضلُ نساءٍ، فتجمع، تجمع أفعل التفضيل أو المضاف؟ المضاف.
إذاً المضاف إليه يطابق لا باعتبار كونه أفعل التفضيل، وإنما باعتبار كونه مضافاً إليه يطابق الموصوف.
وأفضلُ رجالٍ، والهندات أفضلُ من عمرٍو وأفضلُ نساءٍ، فيكون أفعل في هاتين الحالتين مذكراً ومفرداً ولا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، ولا تجوز المطابقة باعتبار أفعل، لا تجوز المطابقة لا في المضاف، ولا في المضاف إلى نكرة، ولا في المجرد من أل والإضافة.
وأما المضاف إليه إذا كان نكرة حينئذٍ طابق الموصوف، ولذلك نقول: يجب في هذا النوع مطابقة المضاف إليه الموصوف ولو مبتدأً، فهو موصوف معنى فقط، وأما قوله:((وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)) [البقرة:41](وَلا تَكُونُوا) الواو (أَوَّلَ) هنا ما طابق، قلنا القاعدة: أن يطابق، الزيدون أفضلُ رجالٍ، الزيدانِ أفضلُ رجلين، هنا لم يطابق، نقول: هنا ((أَوَّلَ كَافِرٍ)) [البقرة:41] كافر هذا صفة لموصوف محذوف، أَوَّلَ فريقٍ كافرٍ، وفريق معناه: جمع، إذاً طابق باعتبار المعنى، طيب. لماذا قال: كافر وهو صفة لفريق وهو جمع؟ نقول: فريق له جهتان: من جهة اللفظ فهو مفرد، ومن جهة المعنى فهو جمع، وعند النعت إما أن تراعي اللفظ وإما أن تراعي المعنى، فهنا راعى فيه اللفظ.
إذاً: لا إشكال في قوله تعالى: ((وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ)) [البقرة:41] في كون كَافِر هذا مضاف إليه أضيف إليه أفعل التفضيل، وهو مضاف إليه نكرة، فالأصل فيه المطابقة مع الموصوف، وهنا الموصوف ((وَلا تَكُونُوا)) [البقرة:41] الواو، لا يلزم الموصوف أن يكون دائماً مبتدأ لا. قد يكون مبتدأً، وقد يكون خبراً، وقد يكون فاعلاً، وقد يكون نائب فاعل .. إلى آخره، حسب موقعه من الإعراب، وأول تقع نعت، وتقع خبر، وتقع حال .. إلى آخره.
((أَوَّلَ كَافِرٍ)) [البقرة:41] هنا وقع أَوَّلَ مضافاً إلى النكرة ولم يطابق ما قبله، نقول: هنا على تقدير مضاف: أول فريق كافر، وأفرد كافر باعتبار لفظ فريق لأنه من جهة اللفظ مفرد، ومن جهة المعنى جمع.
(وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) إذاً عرفنا إذا أضيف أفعل التفضيل إلى النكرة فإنه يطابق باعتبار المضاف إليه، وأما هو فيلزم الإفراد والتذكير.
(وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ)، (تِلْوُ أَلْ) مضاف ومضاف إليه وهو مبتدأ.
(طِبْقٌ) يعني: مطابقٌ، مطابقٌ لأي شيء؟ للموصوف، والمجرور بـ (من) هنا؟ لا تدخل (من) هنا، قلنا:(تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا) يعني: مفهومه أن (مِن) لا تدخل على أفعل التفضيل إذا كان محلًى بأل أو مضافاً مطلقاً، إذاً هي خاصة فقط بالمجرد من أل والإضافة، وما عداها لا. يمتنع دخول (من) على المفضل.
إذاً: قوله: (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) تصريح بما فُهم من قوله: (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ) إلى آخره، إذ مفهومه أن ما عداهما لا يلزم تذكيراً وتوحيداً، هذا واضح بين، لأنه خصه بما سبق.
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا
…
أُلْزِمَ تَذْكِيراً ........
إن لم يجرد، وإن لم يضف لمنكور بأن حُلِّي بأل، حينئذٍ نقول: لا يلزم الإفراد والتذكير.
وصرح بالمفهوم لإفادة لزوم المطابقة في تَالِي أَلْ، والجواز في المضاف لمعرفة (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) أي: مطابق؛ لأن اقترانه بأل أضعف شبهه بأفعل في التعجب، (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) أي: مطابق لما قبله من مبتدأ أو موصوف، فتقول: زيدٌ الأفضلُ، والزيدانِ الأفضلان، والزيدون الأفضلون أو الأفاضل، والهندانِ الفضليان، والهنداتٌ الفضليات أو الفُضّلُ .. يعني يجوز الجمع بهذا أو ذاك، سواء سمع جمع تكسير أو جمع مؤنث سالم.
إذاً: (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) يطابقه.
(وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ) هذا يقابل قوله: (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ)، وما أضيف لمعرفة والذي هذا مبتدأ.
(أُضِيفَ) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب لمعرفةٍ متعلق به، وما أضيف لمعرفةٍ.
(ذُو وَجْهَيْنِ) ذُو خبر ما، ذُو وَجْهَيْنِ المراد بالوجهين هنا: المطابقة وعدم المطابقة، يعني يجوز فيه المطابقة ويجوز فيه عدم المطابقة، فهما وجهان منقولان (عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ).
(وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ) المطابقة وعدمها.
(عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ) صفة لوجهين، أضيف ذُو وَجْهَيْنِ منقولين عن العرب، فالمطابقة لمشابهته المحلى بأل في الخلو عن لفظ (من)، -لا نحتاج إلى تعليق-، نقول: هذا سمع في لسان العرب ويكفي، لكن عللوه بأنه إذا لم يطابق فالمطابقة لمشابهته المحلى به، إن طابق المضاف إلى المعرفة لأنه أشبه أل، وإن لم يطابق أشبه المجرد.
فالمطابقة لمشابهته المحلى بأل في الخلو عن لفظ (من)، وعدم المطابقة لمشابهته المجرد من نية معنى (من)، كأنه أشبه ما حذف منه (من) وهي منوية.
(وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) عرفنا المراد به.
(وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ) خبر ما، وذو مضاف ووجهين مضاف إليه، والمراد بالوجهين المطابقة وعدم المطابقة.
(عَنْ ذِى مَعْرِفَهْ) يعني: عن صاحب معرفة، عالم ويعرف بلسان العرب.
قيل: عبر بذلك تعظيماً لشأن هذه المسألة، لماذا؟ لأن مستندها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، جمع بينهما في حديث واحد المطابقة عدم المطابق، وابن مالك كما سبق أنه يعظم، كلهم إن شاء الله يعظمون، لكن في الاستدلال بالكتاب والسنة من حيث تأصيل المسائل يمثل بالكتاب والسنة أكثر.
قال: ذلك تعظيماً لشأن هذه المسألة، إذ أُخذ فيها بالحديث حيث جاء فيه الوجهان، وفيه إشارة أيضاً للرد على ابن السراج القائل بوجوب المطابقة إذا أضيف إلى معرفة.
(هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) هَذَا: عظَّم .. اسم إشارة للتعظيم، قال: لأن المسألة عظيمة كما سبق. إشارة للتعظيم حيث نقل الحكم السابق عَنْ ذِيْ مَعْرِفَهْ، المراد به النبي صلى الله عليه وسلم -الحديث-، وهذا لا إشكال فيه واضح.
(هَذَا) مبتدأ، والخبر محذوف يدل عليه السياق، هذا الحكم، (إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) كيف إذا نويت معنى من؟ وإن لم تنوِ، وهو هناك يقول:(صِلْهُ أَبَدَاً تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا) قلنا مفهومه: أنه لا تدخل (من) على المضاف إلى المعرفة، وهنا يقول: يجوز الوجهان إذا نويت معنى (من).
(وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) يعني معنى من، فكيف نفى وأثبت؟ نقول: هنا فيه تجوز، ليس مراده أنه يضمن معنى (من) و؟؟؟ المراد: أن المجرد إذا استعمل بـ (من) حينئذٍ كان دالاً على التفضيل، كأنه يقول لك: الحكمُ السابق فيما أضيف إلى المعرفة يجوز فيه الوجهان إذا استعملت أفعل في بابه، وأما إذا أخرجت أفعلَ عن بابه فلا، الوجهان متى يجوز؟
إذا كانت أفعل التفضيل على بابها، يعني دالة على المشاركة والزيادة، وهذا السابق أنه في المجرد إذا كان على معنى (من)، وإذا لم تنو (من) حينئذٍ يكون خرج عن أصله.
(فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ) لا بد من المطابقة، وهذا قد يكون فيه إشارة إلى المذهب السابق، الذي قلنا: رجحه الرضي وهو أنه إذا جردت عن (من) حذفت، بعضهم يرى أنها خرجت عن باب أفعل التفضيل، لكن ابن مالك لم يصرح، لكن قد يقال هذا.
(هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) أي: المعنى الحاصل معها؛ لأن التفضيل ليس نفس معناها، وإنما هو مستفاد من أفعل معنى (من)، ليس التفضيل حاصلاً من (من) نفسها ومجرورها بل من التركيب كله، زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، لا بد من مفضل، ومفضل عليه، ومن ومجرور .. التركيب كله يفهم منه التفضيل ليس خاصاً بـ (من) فحسب، وإنما هذا كناية من إطلاق الجزء مراداً به الكل (إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) بأفعل معنى (من) بأن لم تنو به المفاضلة أصلاً، أو تنويها لا على المضاف إليه وحده، بل عليه وعلى كل ما سواه، حينئذٍ خرجت عن معنى التفضيل، فإذا أضيف إلى المعرفة وجب فيه حالة واحدة وهي: المطابقة لما اتصل به.
هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ
…
لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
أي: جواز المطابقة وعدمها في المضاف إلى المعرفة مشروط بأن تكون الإضافة فيه بمعنى (من)، وذلك إذا كان أفعل مقصوداً به التفضيل.
إذاً: لم يقصد بقوله: (إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) أن تكون (مِنْ) مقدرة، لا. ليس هذا مراده، مراده أن هذا اللفظ كناية عما إذا استعمل أفعل التفضيل في بابه، ولذلك إذا ذكرت (من) فهي قطعاً أنها للتفضيل.
(هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) معنى مِنْ أي التفضيل، على ما أضيف إليه وحده.
(وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) معنى (مِنْ)(فَهْوَ طِبْقُ) فَهْوَ مبتدأ وطِبْقُ هذا خبر.
طبق ما قرن به وجهاً واحداً، قُرِنْ المراد به ما هو أفعل التفضيل له، يعني جعلته تابعاً لما سبق.
إذا كان أفعل التفضيل بأل لزمت مطابقته لما قبله في الإفراد والتذكير وغيرهما فتقول: زيدٌ الأفضلُ، والزيدانِ الأفضلان، والزيدون الأفضلون، وهندُ الفضلى، والهندان الفضليان، والهنداتُ الفُضَّل أو الفضليات، ومررتُ بزيدٍ الأفضل، وبهند الفضلى، ولا يؤتى معه بـ (من).
ولا يجوز عدم مطابقته لما قبله، هذا المحلى بأل؛ لأنه قال:(وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) حكم ولم يجوِّز الوجهين، فدل على أنها لازمة، فلا تقول: الزيدون الأفضل، ولا الزيدان الأفضل، ولا هندٌ الأفضل، ولا الهندان الأفضل، ولا الهندات الأفضل .. لا يجوز، ولا يجوز أن يقترن به (من)، فلا تقل: زيدٌ الأفضلُ من عمروٍ، هذا نقول: إذا قرنت حينئذٍ نحكم عليه بكونه شاذاً.
فأما قوله: وَلَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصىً، بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ جاءت مِنْهُمْ، اقترنت (من) بالمفضل عليه، وأفعل التفضيل هنا محلى بأل، نقول: هذا لا بد من تخريجه.
وَلَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصىً
…
وَإِنَّمَا العِزَّةُ لِلكَاثِرِ
فإما أن يقال: بأن الأَكْثَرِ أل هذه زائدة، فحينئذٍ نقول: مِنْهُمْ على الأصل .. أكثرُ منهم، والأصل: ولست بأكثرَ منهم، أو جعل منهم متعلقاً بأكثرَ نكرة محذوف مجرد عن الألف واللام، لا بما دخلت عليه الألف واللام، والتقدير: ولست بالأكثرِ أكثرَ منهم.
فحينئذٍ منهم صار متعلقاً بمحذوف يفسره المذكور، وهو مجرد، يعني مستوف للشرط.
وقيل: لا نسلِّم أن (من) في قوله: مِنْهُمْ هي الجارة للمفضول، ولكنها تبعيضية، فهي متعلقة بمحذوف والتقدير: لست بالأكثر حصى حال كونك منهم أي: بعضهم.
على كلٍّ لا بد من تخريجه، وإذا لم يمكن حينئذٍ نحكم عليه بأنه ضرورة أو شاذ.
وأشار بقوله: وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ إلى أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة، وقصد به التفضيل جاز فيه وجهان: المطابقة وعدم المطابقة، وأنت مخير، وإن كان الغالب هو غير المطابقة.
أحدهما: استعماله كالمجرد فلا يطابق ما قبله، فتقول: الزيدانِ أفضلُ القومِ، الزيدانِ هذا مبتدأ، وأفضلُ خبر وهو مضاف إلى القومِ، المضاف إليه هنا معرفة، وحينئذٍ لك أن تفرد يعني: تعامله معاملة المجرد أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا لكن لا يلزم وإنما يعامل معاملته فقط في اللفظ، فتقول: الزيدانِ أفضلُ القومِ، والزيدونِ أفضلُ القومِ، وهندٌ أفضلُ النساء، والهندانِ أفضلُ النساء، والهندات أفضلُ النساء.
يعني: يلزم الإفراد والتذكير، ليس على جهة الإيجاب وإنما حملاً له على المجرد.
والثاني: استعماله كالمقرون بالألف واللام (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) يعني: يطابق ما قبله، أيضاً هنا ليس واجباً كالسابق المحلى بأل، وإنما يعامل معاملته.
فتجب مطابقته لما قبله فتقول: الزيدانِ أفضلا القومِ، والزيدونَ أفضلوا بالواو، أفضلُ القومِ، بحذف الواو، وأفاضل القوم، وهند فضلى النساء، والهندان فضليا النساء، والهنداتُ فضَّلُ النساء أو فضليات النساء، يعني تأتي بالجمع المسموع في لسان العرب، إن سمع التكسير جئت به، وإن سمع ألف وتاء جئت به، وإن سمع عدة جمع للتكسير لا بأس، ائت بما شئت.
ولا يتعين الاستعمال الأول خلافاً لابن السراج، وقد ورد الاستعمالان في القرآن والحمد لله. فمن استعماله غير مطابق قوله تعالى:((وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ)) [البقرة:96] تَجِدَنَّهُمْ هم، (أَحْرَصَ النَّاسِ) أَحْرَصَ هذا أفعل تفضيل، وهو مضاف إلى الناس، وهو معرفة،: وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ، إذاً أضيف إلى معرفة، وهنا الموصوف (لَتَجِدَنَّهُمْ) الذي هو المفعول به (أَحْرَصَ) لزم حالة واحدة وهو أنه مجرد، وهذا هو الغالب.
ومن استعماله مطابقاً قوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا)) [الأنعام:123](أَكَابِرَ) جمع، أكبرَ أكابر، (مُجْرِمِيهَا) هذا جمع، (فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) هذا معناه ولفظه الجمع .. أَكَابِرَ، أكبر طابق أو لا؟ طابق، إذاً هذا ورد في القرآن.
وقد اجتمع الاستعمالان ((هُمْ أَرَاذِلُنَا)) [هود:27] أراذل، هذا طابق، إذاً جاء في القرآن مطابقاً، وقد اجتمع الاستعمالان في قوله صلى الله عليه وسلم:{ألا أخبركم بأحبِكم "أحبِّ" إلي وأقربكم "أقربِ" مني منازلَ يوم القيامة أحاسنكم} أحاسن: جمع أحسن، إذاً أفرد في أقرب، وأحب، وجمع في أحاسنكم أخلاقاً. حيث أفرد أحبَ وأقربَ وجمع أحسنَ.
والذين أجازوا الوجهين قالوا: الأفصح المطابقة، لكن الغالب .. الكثير استعماله غير مطابق. والذين أجازوا الوجهين قالوا: الأفصح المطابقة، ولذلك عيب على صاحب الفصيح -ثعلب- في قوله: فاخترنا أفصحهُنَ قالوا: فكان ينبغي أن يأتي بالفصحى فيقول: فصحاهُنَ، على كل هو بشر.
فإن لم يقصد التفضيل تعينت المطابقة، إذاً: إذا قصد التفضيل بأن كان أفعل التفضيل على بابه جاز الوجهان، فإن خرج عن بابه فالحكم يختلف.
فإن لم يقصد التفضيل تعينت المطابقة، كقولهم:(النَّاقِصُ وَالأَشَجُّ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ) أي: عادلا بني مروان، ونحو: محمدٌ صلى الله عليه وسلم أفضلُ قريشٍ، قريشٍ هذا نكرة أو معرفة؟ معرفة، علم .. قبيلة.
محمد أفضلُ قريشٍ أي: أفضل الناس من بين قريش، والإضافة هنا لمجرد التخصيص للموصوف، ليس المقصود بها المفاضلة بين زيد وعمرو لا، المقصود بها التخصيص للموصوف بأنه من القوم الفلاني لا لبيان المفضل عليه.
وإلى ما ذكرناه من قصد التفضيل وعدم قصده أشار المصنف بقوله: هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ .. أي: جواز الوجهين: المطابقة وعدمها، مشروط بما إذا نوي بالإضافة معنى من أي: إذا نوي التفضيل وأما إذا لم ينو ذلك فيلزم أن يكون طبق ما اقترن به، ومما مثلوا به على أنه لم يقصد به التفضيل قول القائل:
إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا
…
بَيْتاً دعائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
يعني عزيزة وطويلة، وهل ينقاس ذلك أم لا؟ هل يخرج أفعل التفضيل عن بابه إذا لم يقصد معنى من وأضيف إلى المعرفة .. هل ينقاس أم لا؟ فيه خلاف بين النحاة.
قال المبرد: ينقاسُ، وقال غيره: لا ينقاس وهو الصحيح.
وذكر صاحب الواضح أن النحويين لا يرون ذلك وأن أبا عبيدة قال في قوله تعالى: ((وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)) [الروم:27] أنه بمعنى هيِّن، -ليس كذلك-، وفي بيت الفرزدق -وهو الثاني-: إن المعنى عزيزة طويلة، وإن النحويين ردوا على أبي عبيدة ذلك وقالوا: لا حجة في ذلك الأمر.
إذاً: ليس قياساً، وإنما هو سماعي، فما سمع في لسان العرب فالأصل بقاؤه على ما كان.
إذاً:
وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ
هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ
…
أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِيْ مَعْرِفَهْ
لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
(إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) قلنا مَعْنَى مِنْ المراد به الحاصل من التركيب.
(وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) يعني: بأفعل مَعْنَى مِنْ .. لم تقصد المفاضلة أصلاً، أو نويتها لا على المضاف إليه وحده بل عليه وعلى كل ما سواه، حينئذٍ لم تكن مفاضلة، إذا خصصت واحداً على كل من سواه لم تكن ثم مفاضلة.
(وَإِنْ لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ) يعني: مطابق لما قرن به، وما هو الذي قرن به أفعل التفضيل؟ ما جعل أفعل التفضيل وصفاً له، يعني مطابقاً للموصوف لسابقه؛ لأنه يقع نعتاً ويقع غير ذلك.
إذاً: نقول الحال الثاني لأفعل التفضيل: أن يكون بأل، أشار إليه بقوله:(وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ).
الحال الثاني لأفعل التفضيل: أن يكون بأل، فيجب له حكمان:
الأول: أن يكون مطابقاً لموصوفه.
والثاني: ألا يؤتى معه بمن، وأن يكون مطابقاً لموصوفه.
وعلة ذلك أنه إنما وجب في المجرد عن أل والإضافة ذكر (من) جارة بالمفضول عليه لقصد العلم به، أي بالمفضول، ولهذا امتنع ذكرها مع المضاف ومع المقترن بأل؛ لأن المفضول مذكور صراحة في حالة الإضافة، وفي حال الاقتران بأل في حكم المذكور؛ لأن أل إشارة إلى معين تقدم ذكره لفظاً أو حكماً.
إذاً: المفضل عليه إذا جر بـ (من) واضح أنه مصرح به كما ذكرناه، وإذا أضيف فالمضاف إليه سواء كان نكرة أو معرفة هو المفضل عليه، وإذا كان بأل حينئذٍ نقول: أل هذه أشارت إلى معين؛ لأن أل إشارة إلى معين تقدم ذكره لفظاً أو حكماً، وتعيُّنه يشعر بالمفضول .. أنه هو المفضول، وبهذا فأل الداخلة على أفعل التفضيل لا تكون إلا للعهد.
جاء زيدٌ الأفضلُ، أل هنا نقول عهدية .. مطلقاً.
هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ
…
لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
ثم قال:
وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا
…
فَلَهُمَا كُنْ أَبَداً مُقَدَّمَا
والحالة الثالثة: إذا أضيف، وله حكمان: على اعتبار التفصيل، إن أضيف إلى نكرة قلنا له حكمان: الأول: ألا يؤتى بـ (من) والثاني: أن يلزم الإفراد.
ولو زدت ثالثاً وقلت: أن يطابق المضاف إليه موصوف أفعل التفضيل، هذا إذا أضيف إلى نكرة
(وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) قلنا: إن جرد في السابق دل على أن المضاف إليه مطلقاً لا تدخل عليه (من)، إذاً (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) فيه كم حكم؟ لا تدخل عليه (من)، ثم يلزم الإفراد والتذكير، ثم المضاف إليه يكون مطابقاً للموصوف، وإذا أضيف لمعرفة له حكمان:
نقول أولاً: لا تدخل عليه (من).
وثانياً: يجوز فيه الوجهان: المطابقة وعدم المطابقة، بشرط أن ينوى معنى من بأن يراد به التفضيل .. أفعل التفضيل فهي على بابها، فإن خرجت أفعل التفضيل عن بابه حينئذٍ وجبت المطابقة.
وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا
…
فَلَهُمَا كُنْ أَبَداً مُقَدَّمَا
كَمِثْلِ مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ وَلَدَى
…
إِخْبَارٍ التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا
إذا كان المجرور بـ (من) اسم استفهام وجب التقديم؛ لأن اسم الاستفهام له حق الصدارة، مجرور من قد يكون اسم استفهام، وقد لا يكون كذلك، أشار إلى الأول بقوله:(وَإِنْ تَكُنْ) أنت أيها المتكلم (بِتِلْوِ مِنْ) يعني الذي يتلو من الجارة السابقة (مُسْتَفْهِمَاً) وإن تكن مستفهماً بتلو من.
(فَلَهُمَا)(من) والمجرور (كُنْ أَبَداً مُقَدَّمَا) يعني يجب التقديم على أفعل التفضيل، أو على جملة الكلام كما فعل الناظم هنا؛ لأنه قدم مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ، وانتقد رحمه الله في هذا المثال، (مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ) مِمَّنْ (مِن) حرف جر، و (مَن) اسم استفهام جر بـ (من)، حينئذٍ نقول أصل التركيب: أَنْتَ خَيْرٌ مِمَّنْ؟ هذا أصل التركيب؛ لأن (من) تكون تالية لأفعل التفضيل، لما نقول: زيد أكرم من عمروٍ هي نفسها، لكن دخلت هنا على اسم استفهام، فقيل: أَنْتَ خَيْرٌ مِمَّنْ؟ لما دخلت (من) على اسم استفهام وله حق الصدارة وجب أن يتقدم، هل يتقدم على الجملة كلها أو يتقدم على أفعل التفضيل؟
وجهان للنحاة: الناظم هنا قال: (مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ) قدمه على الجملة كلها، والأشموني انتقده، قال: مقدماً على أفعل التفضيل لا على جملة الكلام كما فعل المصنف؛ إذ يلزم -على تمثيله- الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، ولا قائل به؛ لأن المبتدأ ليس من معمولات الخبر (وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا) تكن أنت، الذي هو اسم تكن.
(مُسْتَفْهِمَاً) هذا خبر تَكُنْ.
و (بِتِلْوِ مِنْ) جار ومجرور متعلق بقوله: مُسْتَفْهِمَا، بِتِلْوِ الباء هذه للاستعانة، أو للسببية، والثاني أظهر، وتلو الشيء: الذي يتلوه ويتبعه أي: يجب تقديم (من) ومجرورها على أفعل التفضيل، إن كان المجرور استفهاماً (مُسْتَفْهِمَا) يعني: اسم استفهام، نحو: أنت ممن أفضل؟ أو مضاف إلى استفهام نحو: أنت مِن غلام مَن أفضلُ؟ هذا مثلما سبق أول في باب ظن .. المعلقات هناك، الاستفهام هو نفسه أو أن يضاف نكرة إلى اسم استفهام، فيأخذ حكمه لو قيل: غلام من؟ نقول: هذا له صدارة الكلام؛ لأنه أضيف إلى اسم استفهام، سواء كان اسم استفهام بعينه .. بنفسه، أو كان مضافاً إلى اسم استفهام فيكون لهما الصدارة في الكلام.
إذاً: أنت خير ممن؟ أنت خير من غلام من؟ كلاهما يجب التقديم على أفعل التفضيل.
(فَلَهُمَا) الفاء واقعة في جواب الشرط، (لَهُمَا) أي: لـ (من) ومجرورها المستفهم عنه فالضمير عائد لهما، الضمير لَهُمَا عائد إلى (من) ومجرورها.
إذاً الضمير في لَهُمَا عائد على (من) ومجرورها، فأما (من) فقد لفظ به:(وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ) لفظ به، وأما مجرورها ما لفظ به، لم يلفظ بمجرورها، لكنه مأخوذ من مُسْتَفْهِمَاً، مستفهم اسم فاعل أنت، مُسْتَفْهِمَاً وصف لك لا للمجرور، لكن عرفنا أن المجرور اسم استفهام من قوله: مُسْتَفْهِمَاً؛ لأن الاستفهام إنما يكون باسم استفهام، إذاً لم يصرح بالمجرور وإنما هو مأخوذ من قوله: مُسْتَفْهِمَاً.
وأما مجرورها فمفهوماً من قوله: مُسْتَفْهِمَاً، أو يرجع الضمير إلى (تِلْوِ مِنْ) المضاف والمضاف إليه، يعني يحتمل أنه راجع إلى تِلْوِ مِنْ مع الاستفهام، وإما أنه راجع إلى مُسْتَفْهِمَاً من حيث المعنى، وهذا أحسن.
(فَلَهُمَا كُنْ أَبَداً) كن أنت.
(مُقَدَّمَا) هذا خبر كُنْ، وأَبَداً منصوب على الظرفية، واسم كُنْ ضمير مستتر تقديره أنت وجوباً؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام.
(كَمِثْلِ مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ)، (مِمَّنْ)(مِنْ) حرف جر، ومَنْ هذا اسم استفهام، وأَنْتَ مبتدأ وخَيْرٌ خبر.
وأصل التركيب: أَنْتَ خَيْرٌ مِمَّنْ، فقدم الجار والمجرور لأن المجرور مستفهم به، فهو اسم استفهام وله حق الصدارة في الكلام.
وعقب عليه الأشموني بأنه لا يتقدم على المبتدأ، وإنما يتقدم على أفعل التفضيل فقط، لماذا؟ لأنك إذا قلت: مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ، ممن هذا معمول، وخيرٌ عامله، وأنت هذا فاصل بين المعمول وعامله، هل هو أجنبي أم لا؟ أجنبي، لا شك أنه أجنبي، ولا يجوز الفصل بين المعمول وعامله بأجنبي، ولذلك قال: الأصوب أن يقال: أَنْتَ مِمَّنْ خَيْر؟ لكن يرد الإشكال أنه لم يتقدم على الجملة، فالمسألة محل نظر.
(وَلَدَى إِخْبَارٍ التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا): (التَّقْدِيمُ) هذا مبتدأ ووَرَدَا الألف هذه للإطلاق والجملة خبر، ونَزْراً هذا حال من الضمير المستتر في وَرَدَا.
(وَلَدَى إِخْبَارٍ) لَدَى بمعنى: عند، ولها متعلق، وَلَدَى التقدير: والتقديم ورد نزراً لدى إخبارٍ-رتب الجملة-، إذاً يكون حقه التأخير عن وَرَدَا، فيكون متعلقاً به، وعند إخبار وردا، حينئذٍ نقول: متعلق بقوله: وردا؛ لأن حق الكلام هكذا: والتقديم ورد نزراً لدى إخبار، حينئذٍ صار متعلقاً به.
الإخبار مقابل للإنشاء، والاستفهام نوع من الإنشاء.
إذاً: إذا كان التقديم واجباً في الأول، فإذا كان دخول (من) على غير استفهام فالأصل وجوب التأخير، فإذا تقدم حكمنا عليه بأنه نزرٌ كما حكم الناظم هنا أو نحكم عليه بأنه ضرورة وشاذ.
إذاً: يجب التقديم إذا دخلت (من) على واجب التصدير كالاستفهام، وأما الخبر مثل زيد أكرم من عمروٍ، (من عمروٍ) لا يجوز أن يتقدم، نقول: زيدٌ من عمروٍ أكرم، أو من عمروٍ زيدٌ أكرم .. نقول: هذا فاسد لا يصح، فإن جاء في نظم الكلام حينئذٍ حكمنا عليه بأنه ضرورة أو شاذ.
والناظم هنا قال: (نَزْراً) يعني: قليلاً، وفي التوضيح أنه ضرورة عند الجمهور.
(وَلَدَى) يعني: عند (إِخْبَارٍ) هذا مقابل لقوله: مُسْتَفْهِمَاً.
(التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا) أي أن المجرور بـ (من) المذكورة إذا كان خبراً أي غير استفهام لزم تأخيره عن أفعلِ التفضيل؛ لأنه بمنزلة الفاعل، فمحله التأخير وقد يتقدم عليه بقلة كما قال الناظم، والجمهور على أنه ضرورة.
قال الشارح: تقدم أن أفعل التفضيل إذا كان مجرداً جيء بعده بـ (من) جارةٍ أو جارةً -يجوز الوجهان- للمفضل عليه نحو: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، ومن ومجرورها معه بمنزلة المضاف إليه من المضاف.
يعني: أفضلُ من عمروٍ، كأنه عندنا مضاف ومضاف إليه، كأنه وليس هو مضاف ومضاف إليه، وسبق أن المضاف إليه لا يتقدم على المضاف، كذلك من عمروٍ لا يتقدم على أفعل التفضيل؛ لأنه بمنزلة المضاف إليه فلا يجوز تقديمه.
فلا يجوز تقديمهما عليه كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف، إلا إذا كان المجرور بها اسم استفهام أو مضافاً إلى اسم استفهام، فإنه يجب حينئذٍ، إذ الاستفهام له حق الصدارة في الكلام.
فإنه يجب حينئذٍ تقديم (من) ومجرورها نحو: ممن أنتَ خيرٌ، ومن أيهم أنتَ أفضل، ومن غلام أيهم أنتَ أفضل، وقد ورد التقديم شذوذاً في غير الاستفهام.
إذاً: (نَزْراً) لم يوافق عليه ابن عقيل، وهذا هو الظاهر أنه شاذ.
وإليه أشار بقوله: (وَلَدَى إِخْبَارٍ التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا) ومن ذلك قوله:
فَقَالَتْ لَنَا: أَهْلاً وَسَهْلاً وَزَوَّدَتْ
…
جَنَى النَّحْلِ بَل مَا زَوَّدَتْ مِنْهُ أَطْيَبُ
(مِنْهُ أَطْيَبُ) أطيب منه، قدم منه وهو جار ومجرور متعلق بقوله: أطيب على أفعل التفضيل وهو شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، وإنما يقاس إذا كان استفهاماً.
وقول ذي الرُّمة يصف نسوة بالسمن والكسل: وَأَنْ لَا شَيْءَ مِنْهُنَّ أَكْسَلُ .. أكسل منهُنَّ، نقول: هذا مقدم عليه.
إَذَا سَايَرَتْ أَسْماءُ يَوْماً ظَعِينَةً
…
فأسْمَاءُ مِن تِلكَ الظَّعِينَةِ أَمْلَحُ
أَمْلَحُ مِن تِلكَ الظَّعِينَةِ، قدمه، فنقول: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
ونقف على هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
…
!!!