المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة. عطف النسق. وحده * أقسامه وحروف كل - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ٩٢

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * شرح الترجمة. عطف النسق. وحده * أقسامه وحروف كل

‌عناصر الدرس

* شرح الترجمة. عطف النسق. وحده

* أقسامه وحروف كل قسم

* معاني حروف العطف. الواو. ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:

قال الناظم رحمه الله تعالى: عَطَفُ النَّسَقْ.

أي: هذا باب عطف النسق، وهذا الباب الرابع من أبواب التوابع، إذ التوابع خمسة: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، لأنه سبق قال:

الْعَطْفُ إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ

وَالْغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ

فبين عطف البيان ثم هذا رديفه، وبعضه جمع بينهما في العنوان فحسب، وأمَّا عند التفصيل فيبوب لكل واحدٍ منها باباً يختص به، التوابع أربعة من حيث الجملة: النعت، والتوكيد، والعطف والبدل، ثُمَّ يُقال: العطف نوعان:

عطف بيان، وهذا سبقت أحكامه، وعطف نسق.

عَطَفُ النَّسَقِ، النَّسَقْ: بفتح السين، اسم مصدر بمعنى: المفعول، يُقال: نسقت الكلام أنسَقُه عطفت بعضه على بعض، والمصدر بالتسكين: النَسْقُ، والنَسَق بالفتح على وزن: فَعَل، هذا اسم مصدر، وقيل: بالتحريك مصدر كذلك، النَسَق قيل: مصدر واسم مصدر، وأمَّا النَسْق فهو مصدر.

وقيل: النَسَق في اللغة: النظم، قال الزبيدي:" والنَسَق العطف على الأول "، النَسَق إذاً: عرفنا أن المراد به التتابع، أو المراد به النظم، أو المراد به عطف الشيء بعضه على بعض، جاء زيدٌ وعمروٌ، عطفت عمراً على زيد، وهذا يسمى نسق لأنه تابع متوسط بينه حرفٌ من حروف العطف الآتي ذكرها.

قال رحمه الله:

تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ

كَاخُصُصْ بِوُدِّ وَثَنَاءٍ مَنْ صَدَقْ

عرَّف لنا عطف النسق بأنه التابع المتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف التي سيذكرها الناظم وهي تسعة.

فالتابع: هذا جنس، يشمل النعت، والتوكيد، وعطف البيان، والبدل، وعطف النسق، يشمل هذه الأحكام الخمسة كلها .. الأنواع الخمسة، ثم قوله: المتوسط بينه وبين متبوعه، التابع قلنا: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، إذاً: عندنا تابع ومتبوع، هذا يصدق على النعت، والتوكيد، وعطف البيان، والبدل، وعطف النسق، عندنا تابع ومتبوع.

التابع: هو الذي نُعربه بدلاً أو عطف بيان، والمتبوع: هو الذي أُتبِعَ، حينئذٍ المتوسط بينه وبين متبوعه حرفٌ هذا أخرج بقية التوابع، فاختص الحكم بعطف النسق، إذاً: جاء زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ: هذا تابع، زيدٌ: متبوع.

الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، شاركه هنا، رأيت زيداً وعمراً، عمراً: هذا تابع، وزيداً: هذا متبوع شاركه في إعرابه وهو النصب، مررت بزيدٍ وعمروٍ، عمروٍ: هذا تابع، زيدٍ: هذا متبوع، وشاركه في الخفض.

ص: 1

إذاً: الاسم المشارك لما قبله، لكن هنا يختلف الحكم عن النعت والتوكيد والبيان والبدل، بأن ثَمَّ فاصل بين التابع والمتبوع وهو حرفٌ من حروف المعاني الآتي ذكرها، إذاً: المتوسط، يعني: الذي توسط بينه .. بين عطف النسق وبين متبوعه، إذاً إذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، لا بد أن نحدد أين التابع الذي نسميه عطف نسق، أين المعطوف الذي نسميه عطف نسق؟ هو عمرو، الذي بعد الواو، وما قبل الواو معطوفٌ عليه، وليس هو بعطف نسق، جاء زيدٌ، زيدٌ: فاعل، والواو حرف عطف، وعمرو: هذا هو المنسوق، ولذلك بعضهم يقول: نَسَق من إطلاق المصدر أو اسم المصدر مراداً به اسم المفعول، أي: العطف المنسوق، إذاً: عندنا متبوع.

المتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف التي سنذكرها، فخرج بقوله: متوسط إلى آخره بقية التوابع، هذا هو الحد باعتباره تابعاً، وبعضهم عرفه باعتباره مصدراً. وعُرِّف النسق باعتبار المصدر: بأنه تشريك، إذاً: تفعيل، إذا قيل: تكليم، تلفظ ونحو ذلك صار مصدراً، صار وصفاً لمن؟ للمتكلم، إذاً: أنت الذي تعطف وأنت الذي تتبع عطف النسق والنعت والتوكيد ونحو ذلك، كما نقول: أنت مؤكد، أنت الذي أخذت ألفاظ التوكيد وجعلتها تابعةً لما قبلها.

هنا النسق باعتبار كونه مصدر: تشريكُ معمولين في عاملٍ واحدٍ مع توسط حرفٍ بينهما يقوم مقام تكرار العامل، وسبق في أول التوابع لأن العامل في عطف النسق هو العامل في المعطوف عليه على الصحيح، وقيل: بواسطة الواو، وقيل: الواو، وقيل: عاملٌ مقدر، والمشهور أنه العامل بواسطة الواو، وهذا منسوبٌ إلى الجمهور، إذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، زيدٌ: مرفوعٌ على أنه فاعل، والعامل فيه جاء، الواو: حرف عطف، عمروٌ: مرفوع، ما الرافع له؟ نقول: الرافع له هو: جاء السابق، لكن بواسطة الواو، وقيل: الواو نفسها، وهذا غريب، وقيل: عامل مقدر كالعامل السابق، يعني: جاء عمروٌ وجاء زيدٌ .. جاء زيدٌ وجاء عمروٌ، وهذا ليس بصواب، لماذا؟ لأننا نجعله في مقام جملتين وليس الأمر كذلك.

فحينئذٍ إذا قيل: بأنه على تقدير عامل امتنع العطف في المفردات، إذا كل مفرد أُتبع ما قبله بحرفٍ من حروف العطف وكان العامل فيه هو العامل في الأول امتنع العطف في المفردات، لأنه لا يوجد عندنا عامل إلا وهو مقدرٌ قبله فعلٌ أو نحو ذلك، رأيت زيداً وعمراً، يعني: ورأيت عمراً، إذاً: صار من عطف الجملة على الجملة، جاء زيدٌ وعمروٌ، إذاً: جاء زيدٌ وجاء عمروٌ ونحو ذلك.

حينئذٍ نقول: هذا يُضعف أو يُقل أن يكون العطف داخلاً في المفردات، وهذا فيه فسادٌ، إذاً: تشريكٌ معمولين في عاملٍ واحدٍ على الصحيح، مع توسط حرفٍ بينهما يقوم مقام تكرار العامل، كأنه قال: الأصل هو التكرار، لكن هذا الحرف كالواو مثلاً قام مقام تكرار العامل، يعني: كأن الواو نابت مناب العامل الذي حقه أن يتكرر.

(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ)، (تَالٍ) هذا خبر مقدم، وعطف النسق: هذا مبتدأ مؤخر، وتالٍ نقول: هذا خبر مقدم مرفوع، ورفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، لأنه منقوص: تالي .. قاضي .. مشتري، إذا كان نكرة وجب تنوينه.

ص: 2

وسبق أن خلافاً بين النحاة في هذا التنوين، هل هو تنوين عوضٍ عن حرف، أو تنوين تمكين؟ والجماهير على أنه تنوين تمكين، وليس تنوين عوضٍ عن حرفٍ، والذي يكون عوضاً عن حرف ليس في: قاضي، ومشتري، وإنما هو في الجمع المنتهي، أو صيغة منتهى الجموع كـ:(جوارٍ وغواشٍ) وهذا سيأتي في الممنوع من الصرف، وأمَّا: تالٍ ونحوه كـ: (مشترٍ وقاضٍ) نقول: هذا التنوين تنوين تمكين، بدليل رجوع الياء وبقاءها مع التنوين في حالة النصب: رأيت قاضياً، لو كان التنوين عوضاً عن حرف، العوض لا يجتمع مع المعوض عنه، البدل والبدل منه لا يجتمعان، فإذا قيل: قاضٍ، التنوين هذا عوض عن ياء، حينئذٍ ما هو هذا التنوين في قوله: رأيت قاضياً .. ما نوعه، الياء موجودة، أين العِوض .. أين المعَوض عنه؟ لم تحذف الياء، فنبقى على ماذا؟ فيه إشكال، والصواب أنه تنوين تمكين، وليس بتنوين عوضٍ عن حرف.

إذاً: (تَالٍ) هذا خبر مُقدَّم مرفوع، ورفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، وما هما الساكنان؟ الياء: تالي، لأن الحركة هنا محذوفة للثقل، حينئذٍ نوينا وقدرنا الحركة، ثم نُوِّن والتنوين حكمه أنه واجب لأنه نكرة، نُوِّن فالتقى ساكنان: الياء والتنوين، فقيل: تَالٍ، إذاً تالٍ: هذا خبر مُقدَّم و (بِحَرْفٍ) مُتعلِّقٌ به لأنه اسم فاعل و (مُتْبِعٍ) نعتٌ لـ حَرْفٍ.

تَالٍ المراد به: تابع، فهو جنس دخل فيه جميع التوابع، قوله:(بِحَرْفٍ) يعني: تبع ما قبله وشارك ما قبله في إعرابه بواسطة حرفٍ، حينئذٍ خرجت جميع التوابع الأربعة: النعت، والتوكيد وعطف البيان والبدل، لأنها تتبع متبوعها بدون واسطة حرفٍ، وهذا الحكم خاصٌ بعطف النسق.

(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) يعني: الحرف هو المُتْبِع الذي أتْبَع ما بعده بما قبله، في الحكم والمعنى، أو في الحكم فقط، يعني: في اللفظ والمعنى، أو في اللفظ فقط، بمعنى: أنه شَرَّكَه فيما قبله في الإعراب والمعنى، أو شَرَّكَه في الإعراب لا في المعنى، وبذلك نَعْرف أن القسمة ثنائية أو ثلاثية.

(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) بِحرفٍ، الناظم هنا قال:(بِحَرْفٍ) الصَبَّان قال: ولو تقديراً بناءً على مذهب الناظم الذي نذكره دائماً أنه يجوز حذف حرف العطف بين المتعاطفين، وهذه مسألة مختلف فيها بين النحاة، اتفقوا على جوازها في النظم .. الشعر، اتفقوا على جوازها في النظم، تقول: جاء زيدٌ عمروٌ، وأيُّ عمروٌ؟ معطوف على ما سبق بحذف حرف العطف وهذا كثير، ولذلك قال:

(فَالْعطْفُ مُطْلقاً بِوَاوٍ ثمَّ فَا) يعني: بواوٍ وثم وفاء: (حَتَّى أَمَ اوْ كَفِيكَ) حَتَّى وحتى وأم، كلها حذفت الواو، هذا جائز باتفاق، مع كون كل حرفٍ أو كل لفظٍ من هذه الألفاظ تابعٌ لما قبله بواسطة الواو، فهو عطف نسق، لو قيل: عطف نسق (بِوَاوٍ ثُمَّ)(ثمَّ) هذا معطوف على واو في مَحل جر، كيف معطوف عليه بدون حرف عطف، نقول: حرف هنا مقدر بمعنى: أنه حذف أسقط، لكنه منوي، وإذا كان كذلك حينئذٍ لم يخرج عن حد عطف النسق، فيقال: هو التابع المتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف الآتي ذكرها، أين الحرف هنا؟ نقول: هذا مقدر، وهذا متفق عليه.

ص: 3

وأمَّا في النثر فجماهير النحاة على المنع، على أنه لا يجوز أن يحذف حرف العطف ثم يكون الكلام من قبيل عطف النسق؛ لأنه يوقع في اللبس، لو قيل: جاء زيدٌ أخوك .. جاء زيدٌ وأخوك، جاء زيدٌ عمروٌ، عمروٌ: هذا يحتمل أنه بدل غلط مما سبق، لو قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ ثم حذفت الواو، جاء زيدٌ عمروٌ هذا يلتبس .. يوقع في اللبس، لأن السامع يتوهم أن عمرو عطف نسق أو أنه بدل غلط مما قبله؟ هذا محتمل، كل ما أوقع في لبسٍ للسامع حينئذٍ الأصل اجتنابه. بحرفٍ ولو تقديراً، لأن حذف العاطف جائزٌ عند المصنف نظماً ونثراً، ونجري كلامه دائماً على ما رجحه هو لا ما رجحه غيره.

(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) أي: موضوعٍ للإتباع، ليس كل حرفٍ يستعمل في النسق لا، وإنما نستقرئ كلام العرب فننظر ما الذي استعملوه من حروف العطف فنستعمله، ولذلك ثَمَّ حروف يختلف فيها النحاة: هل هي حرف عطفٍ أم لا؟

(بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) أي: موضوعٍ للإتباع، وهو تَشْرِيك الثاني مع الأول في عامله، وقلنا: هذا هو المعنى المصدري لعطف النسق: تشريك معمولين في عاملٍ واحدٍ، لأن الكلام هنا في النوايا والمقاصد، تَشرِيك معمولين في عاملٍ واحدٍ، لا بد أن يكون هذا الحرف الموضوع للإتباع مُشَرِّكاً لما بعده فيما قبله إمَّا لفظاً ومعنىً، وإمَّا لفظاً لا معنىً.

إذاً (مُتْبِعٍ) أي: موضوعٍ للإتباع، وما المراد كونه موضوعاً للإتباع؟ هو تشريك الثاني مع الأول في عامله، فأخرج نحو:(مررت بغضنفرٍ، أي: أسدٍ)، (أي) هذه عند الكوفيين حرف عطف، فيها خلاف بين النحاة البصريين والكوفيين، الكوفيون يرون أنها حرف عطف، والبصريون يرون أنها حرف تفسير، مثل (أل) التفسيرية، فحينئذٍ ينبني على هذا خلاف، رأيت أسداً، أي: غضنفراً، رأيت غضنفراً، أو: مررت بغضنفرٍ، أي: أسدٍ، أسد: لو اعتبرنا (أي) هذه حرف عطف حينئذٍ صار مثل: جاء زيدٌ وعمروٌ، مررت بغضنفرٍ، جار ومجرور، (أي) حرف عطف، أسدٍ: معطوفٌ على غضنفر، والمعطوف على المجرور مجرور، و (أي) هذه مثل الواو، كأنك قلت: مررت بزيدٍ وعمروٍ، حكمه واحد، هذا عند الكوفيين.

وعند البصريين لا: ما بعد (أي) يكون بدلاً، أو عطف بيان مما سبق، حينئذٍ (مررت بغضنفرٍ أي) أي: حرف تفسيرٍ مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، وليس بحرف عطف، فلن يكون من عطف النسق البتة، إذا نفينا أن يكون حرف عطف، حينئذٍ لن يكون من عطف النسق البتة، وأسدٍ بالخفض: تابعاً لغضنفر، ما نوعه؟ إمَّا أنك تعربه عطف بيان، أو بدل، لا إشكال، فأسدٍ: بدل.

قد يرد السؤال هنا: (أي .. أسدٍ) أسد تابع، وغضنفر متبوع، توسط بينهما حرفٌ، هل يصدق عليه حد عطف النسق أو لا؟ نقول: لا يصدق عليه، لأن هذا الحرف (أي) لم يوضع للتَشْرِيك، نحن اشترطنا قلنا: بحرفٍ مُتْبِعٍ، يعني: موضوع للإتباع، ما المراد بكونه: موضوعاً للإتباع؟ تشريك الثاني مع الأول في عامله، وليس الأمر كذلك في (أي).

إذاً: فإن أسداً تابعٌ بحرفٍ وليس معطوفاً عطف نسق بل بيان، فهو عطف بيان، نعربه عطف بيان، لأن (أي) حرف تفسيرٍ لا حرفٌ متبع، والناظم قال:(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) يعني: موضوعٌ للإتباع، و (أي) لم يوضع للإتباع.

ص: 4

إذاً (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) نقول: موضوعٌ للإتباع، والمراد بالإتباع تشريك معمولين في عاملٍ واحدٍ في إعرابه، يعني: يكون الإعراب الثاني تابعاً للأول بواسطة هذا الحرف، فحينئذٍ أخرج حرفاً لم تضعه العرب للإتباع، وهو (أي) التفسيرية، فإذا قال قائل: حدُّ عطف النسق التابع الذي توسط بينه وبين متبوعه حرفٌ، و (مررت بغضنفرٍ أي: أسدٍ) تابعٌ ومتبوعٌ وتوسط بينهما حرف، إذاً: هذا عطف نسق، نقول: لا! ارجع إلى الحد، ما هو حد عطف النسق؟ التابع المتوسط بينه وبين متبوعه بحرفٍ، أي: موضوعٍ للإتباع، حينئذٍ إذا لم يوضع للإتباع فحينئذٍ لا يرد نقداً أو اعتراضاً على الحد. لا حرفٍ متْبِعٍ على الصحيح، وليس لنا عطف بيان بعد حرفٍ إلا هذا.

يعني: ليس عندنا عطف بيان بعد حرفٍ إلا هذا النوع، وهو الواقع بعد (أي) التفسيرية.

وخرج التوكيد المسبوق بحرفٍ كما ذكرناه: ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: 4 - 5] سبق أن ثُمَّ هنا، و ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) [القيامة:34] أن هذا الحرف صُورِي، قلنا: توكيد الجملة اللفظي الأكثر أن يكون في الجمل، وتعطف بثُمَّ وألحق الرضي بها الفاء، طيب! إذا وقع العطف بثُم هل هو عطف نسق؟ قلنا: لا، ليس بعطف نسق، لأن المعنى غير مراد، إذ لو كان عطف نسق لخرج عن التوكيد، لأن ما بعد ثم مطابقٌ في اللفظ لما قبل ثم:((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: 4 - 5] مطابقٌ له، إذاً:(ثم) جيء بها هنا لعطف ما بعدها على ما قبلها صورةً فسحب، إذ لو كان المراد بها حقيقة العطف لخرج من باب التوكيد إلى باب عطف النسق، وليس هذا المراد، لأنهم أطلقوا على أنها من أمثلة التوكيد بالجملة، والتي فُصِل بينهما حرفٌ.

وقلنا: ما كان متصلاً .. الجملة الثانية هي عين الأولى وبينهما اتصالٌ شديد، فعند البيانيين أنه يمتنع الفصل بينهما بحرف عطف، و (ثُم) هنا في هذا التركيب ليست بحرف عطفٍ لفظاً ومعنى، وإنما هي من جهة المعنى.

وخرج التوكيد المسبوق بحرفٍ نحو: ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: 4 - 5] ولو جُعِلَ قوله: (بِحَرْفٍ) الباء للسببية لخرج جميع ذلك، يعني: لو قيل: تَالٍ بِحَرْفٍ، الباء إذا حملناها على الملابسة ورد علينا ما سبق وأخرجناه بما ذُكِر، وإذ جعلناها -بِحَرْفٍ - سببية، يعني: بسبب حرفٍ متبعٍ لم يرد شيء، لأن مررت بغضنفرٍ، أي: أسدٍ التبعية ليست بسبب (أي) هنا، وإنما بسبب ما قبله، حينئذٍ صار عطف بيان، لانطباق حد عطف البيان عليه، وكذلك الذي ذكره في التوكيد.

ص: 5

لخرج جميع ذلك، لأن تبعية البيان المسبوق بـ (أي) التفسيرية، والتوكيد المسبوق بالعاطف ليست بسبب الحرف، لثبوت التبعية لهما مع حذف (أي) والعاطف، لأننا لو قلنا: السبب هو وجود الفاء أو ثم، طيب! احذفها: كلا سيعلمون .. كلا سيعلمون، هل خرج عن كونه توكيداً؟ لا، إذاً: كونه تابعاً لما قبله ليس بسبب ثم، بخلاف: جاء زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ تابعاً لما سبق بوجود الواو، لو حذفت الواو لسقط العطف .. لما صار كلاماً فصيحاً، صار حشواً .. لغواً، فحينئذٍ كون وجود هذا الحرف لم يؤثر دل على أنه ليس بعطف نسق، ولذلك تقول: مررت بغضنفرٍ أسدٍ، صحيح؟ صحيح، إذاً: أسدٍ عطف بيان، سواءٌ وجدت (أي) أم لا، وكذلك: كلا سيعلمون الثانية، مؤكدة للأولى سواءٌ وجدت (ثم) أو لا.

إذاً: (بِحَرْفٍ) يعني: بسبب الحرف، لو لم يوجد الحرف لما كان ما بعده تابعاً لما قبله، وهذا ليس موجود في عطف البيان الذي يكون بعد (أي) التفسيرية، وكذلك الجملة المؤكدة التي تقع بعد (ثم) أو فاء.

(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ) عَطْفُ النَّسَقْ: مضاف ومضاف إليه، وهو مبتدأ، وتال: خبرٌ مقدم عليه.

(كَاخُصُصْ بِوُدِّ وثَنَاءٍ مَنْ صَدَقْ) الكاف هذه تمثيلية داخلةٌ على محذوفٍ تقديره كقولك، اخُصُصْ هذا فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، (بِوُدِّ) الباء حرف جر، ودِّ: اسمٌ مجرورٌ بالباء، والباء أصلية، فتقتضي حينئذٍ متعلقاً تتعلق به، لماذا؟ نقول: هو حرفٌ أصلي، وإذا كان حرفاً أصلياً يقتضي متعلقاً يتعلق به، لماذا يقتضي الحرف الأصلي متعلقاً؟ معمول والمعمول يقتضي عاملاً لا بد، إذا قيل: بودٍ حرف جر، بزيدٍ، مع عمروٍ، تعرف أن هذا معمول، وكل معمول لا بد له من عاملٍ يقتضي العمل فيه، حينئذٍ لذلك قيل: بزيدٍ، زيدٍ: هذا مفعول به في المعنى تعدى إليه عامل وسبق أن حروف الجر إنما سميت حروف جر، لأنها تجر معاني الأفعال إلى مجروراتها، أو للأسماء، فإذا قلت: بزيدٍ بعمروٍ بودٍ، إذاً: ثَم معنى جُر إليه، والحرف أصلي، الكلام مفروض في الحرف الأصلي.

إذاً: ثَم معنى جُر إلى المعنى هذا، هو معنى العامل، سواء كان فعلاً أو كان وصفاً، إذاً:(بِوُدٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: اخْصُص، يعني: بمحبةٍ وثناءٍ معطوف على وُدٍ عطف نسقٍ، والحرف هو الحرف المُتْبِع الذي عناه بقوله:(بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ).

(ثَنَاءٍ) معطوفٌ على (وُدِّ) والمعطوف على المجرور مجرور، إذاً:(ثَنَاءٍ) هو المَعْنِي بقوله: (تَالٍ) والواو هو المعنِي بقوله: (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) انتبه! يظن البعض أن زيدٌ وعمروٌ كله عطف نسق لا، جاء زيدٌ وعمروٌ: يتصور زيد وعمرو كلٌ منهما عطف نسق لا، عطف النسق: ما بعد الواو، هو الذي يُعرب بأنه عطف نسق، بِحَرْفٍ يكون سابقاً عليه.

ص: 6

إذاً: إذا طبقت حد الناظم (تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) هذا الحد، (بِوُدِّ وَثَنَاءٍ) تقول: ثناء هو قوله: (تَالٍ) المراد تابع، والواو قبله هي المعنية بقوله:(بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) أتبعه في الإعراب، شَرَّكه في إعراب ما قبله، إعراب ما قبله ما هو؟ الخفض .. الجر بالباء، وَثَنَاءٍ: مجرور بأي شيء؟ بـ: (اخْصُص) أو بالباء؟ بالباء لأنه خفض، و (اخصص) هذا فعل، والفعل لا يقتضي الخفض، وإنما يرفع أو ينصب.

إذاً (بِوُدِّ) بمحبةٍ وثناءٍ يعني: بخيرٍ، (ثَنَاءٍ) هذا العامل فيه هو العامل في المَتْبُوع، التالي الذي هو: ثناء، العامل فيه هو العامل في المَتْبُوع وهو الباء.

(مَنْ صَدَقْ) يعني: الذي صدق، من: اسمٌ موصولٌ بمعنى: الذي، وصدق: فعلٌ ماضي، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على (من)، حينئذٍ نقول صدق: فعل وفاعله، والجملة لا محل لها صلة الموصول، طيب! (من) هنا يحتمل أن يكون بمعنى: الذي، أو: الذين، لماذا قلنا بمعنى: الذي؟ أو يحتمل أن يكون بمعنى: الذين، أليست (من) هذه اسم موصول مشترك، مفرد ومثنى والجمع، متى نقول: هذه بمعنى: الذين، أو بمعنى: اللذين، أو بمعنى: الذين؟

لمَّا أفرد الفاعل مذكر علمنا أن مراده (من) المفرد، إذ لو كان مثنًى لقيل: من صدقا .. من صدقوا بالواو، مثل أن تقول: جاء الذي قام، واللذان قاما، والذين قاموا، كذلك (من) .. جاء من قام .. جاء من قاما .. جاء من قاموا، فتنظر إلى العائد، فإن كان مفرداً حكمت عليه بالإفراد، إلا فيما إذا كان السياق قد يدل على أنه أعاد الضمير على (من) لفظ دون المعنى، وهذا سبق معنا:((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ)) [البقرة:8] هنا أعاده على اللفظ مع كون المعنى جمع، لكن لا بد من قرينة أخرى:((وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)) [البقرة:8].

إذاً:

تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ

كَاخُصُصْ بِوُدِّ وَثَنَاءٍ مَنْ صَدَقْ

حَدَّ لنا عطف النسق، ثُمَّ بيَّن لنا الحروف التي يعطف بها، يعني: كأنه فَسَّرَ لنا قوله: (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) ما هو هذا الحرف؟ لا بد أن يكون توقيفياً، وثَمَّ حروف متفق عليها، وثَمَّ حروف مختلف فيها، والقول هنا كالقول في حروف الجر، يعني: ذكر المعاني التي تُذكر في هذا الباب لا يمكن استقصاؤها، وإنما نذكر الأصول، ومغني اللبيب من أراد التوسع فليرجع إليه، وإلا ثَمَّ مسائل فيها خلاف طويل عريض جداً.

(فَالْعَطْفُ) الفاء هذه فاء الفصيحة، كأن سائلاً قال: ما هو هذا الحرف المُتْبِع؟ فقال: (فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً)، فَالْعَطْفُ الفاء: فاء الفصيحة، والْعَطْفُ: مبتدأ وخبره قوله: (بِوَاوٍ) وما عطف عليه، الباء حرف جر، واوٍ أي: مسمى واوٍ، لأن الواو ليست هي حرف عطف، وإنما هي اسمٌ، بدليل دخول الباء عليها: و (بِوَاوٍ) .. والتنوين كذلك، فهي اسمٌ، وإنما لمراد: مسمى الواو، جاء زيد وا .. وه .. وه، هذا هو الذي هو مسمى الواو، أمَّا الواو فهي اسمٌ وليست بحرفٍ.

ص: 7

(بِوَاوٍ) الواو اسمٌ مجرورٌ بالباء، وجره كسرة ظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره كائنٌ .. كائنٌ بالرفع ولا تقول: كائناً أو كائنٍ، إنما تقدره: كائنٌ بالرفع لأنه خبرٌ، والخبر مرفوع، (فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً بِوَاوٍ) كائنٌ بواوٍ، لكن هنا نقول: بواوٍ وما عطف عليه، لأن الخبر هنا مجموع، لأنه أراد أن يبيِّن حروف العطف، العطف كائنٌ بأي شيء؟ ليس بالواو فقط، وما عداها ليس بحرف عطف لا، إنما المراد الواو وما عطف عليه.

حينئذٍ نقول: الواو وما عطف عليه خبر المبتدأ، لكن هذا عند بيان الحكم العام، وأمَّا عند التفصيل فتعرب كل واحدةٍ على حدة، فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً بِوَاوٍ .. فالعطف بواوٍ مُطلقاً، كائنٌ بواوٍ مُطلقاً، مُطْلَقَاً: هذا حال من الضمير المستتر في متعلَّق الجار والمجرور، التركيب هكذا: فالعطف كائنٌ مُطلقاً بواوٍ .. كائنٌ بواوٍ مُطلقاً .. حال كونه مطلق، والمراد بالإطلاق هنا في اللفظ والمعنى، بمعنى: أن الحرف يُشرِّك، ما قبله في المعنى، يعني: معنى العامل، وفي اللفظ الذي هو الحكم الإعراب: الرفع والنصب والخفض، فإذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، الواو هنا اقتضت ثلاثة أحكام، أو حكمين؟

الواو هنا شَرَّكت ما بعدها فيما قبلها في المعنى، ما المراد بالمعنى؟ يعني: معنى العامل، أليس الفاعل الذي عُطف عليه في عمرو، أليس هو متصف بالمجيء في الزمن الماضي؟ بلى، هو هذا المعنى، فإذا قيل: جاء زيدٌ، زيدٌ: موصوفٌ بكونه وقع منه مجيءٌ في الزمن الماضي، هذا معنى السابق، إذا قيل: وعمروٌ، الواو شَرَّكت عمرو مع زيد في المعنى الذي ثبت له وهو المجيء في الزمن الماضي، هذا المراد به في المعنى.

ثُمَّ في الإعراب، إذا كان ما قبله مرفوع شَرَّكت ما بعده في الرفع، وإذا كان ما بعده منصوباً شَرَّكته في النصب، وهكذا في الخفض، إذاً: تشريكٌ في المعنى وفي الحكم، هذا المراد بقوله:(مُطْلَقَاً) لأن بعض الحروف تُشَرِّك ما بعدها فيما قبلها في الإعراب فحسب، وأمَّا الحكم لا، إمَّا أن يكون مسكوتاً عنه كما هو الشأن في بعض أحوال (بل) وأمَّا أن يكون ثابتاً له نقيض ما قبل، ولذلك قال:(وَأَتْبَعَتْ لَفْظَاً فَحَسْبُ بَلْ) هذا مقابل لقوله: (مُطْلَقاً) يُفسِّره.

إذاً: قَسَّم لك الحروف إلى قسمين: عطف مُطلقاً بمعنى: أن هذا الحرف شَرَّك ما بعده فيما قبله في الحكم، وهو الإعراب، والذي عبر عنه باللفظ رفعاً ونصباً وخفضاً، وفي المعنى بمعنى: أنه يثبت لما بعد الحرف ما ثبت لما قبل الحرف، وهو مقتضى العامل السابق.

(وَأَتْبَعَتْ لَفْظَاً فَحَسْبُ) يعني: فقط دون المعنى (بِواوٍ ثُمَّ فَا) يعني: بواوٍ وثُم على إسقاط حرف العطف، و (فَا وحَتَّى أَمَ اوْ) أصلها: أمْ أَو .. أمْ: بإسكان الميم وأو، وكل همزةٍ في حرفٍ فهي همزة قطع إلا همزة واحدة اختلفوا فيها: همزة (أل) هل هي همزة قطع أم همزة وصل؟ على الخلاف السابق، وأمَّا ما عداها فهو متفقٌ عليه أن همزته همزة قطع، إذاً: هنا أسقطها الناظم لضرورة النظم، وهكذا تقرؤها: أَمَوْ .. (أَمَ اوْ)، (كَفِيْكَ صِدْقٌ وَوَفَا) كَفِيْكَ يعني: كقولك: فيك صدقٌ ووفاء.

ص: 8

من يعربه تفصيلاً ليس اختصاراً؟ نقول: هو في مقام التعليم الطالب ما يختصر، لا يقول: جاء فعل وفاعل، هذا المنتهي يُعرِب هكذا، لكن تقول: جاء فعل ماضي إلى آخره.

؟؟؟

إنما نقول: وفاءٌ هذا الأصل ووفاء، حينئذٍ نقول: الضمة الأصل أن تكون ظاهرة على الهمزة المحذوفة ضرورةً، لأنه: ووفاءٌ.

(كَفِيْكَ صِدْقٌ وَوَفَا) إذاً: ذكر في هذا البيت ستة أحرف، فهذه الستة الأحرف تُشرِّك بين التابع والمتبوع لفظاً ومعنىً، وهذا المراد بقوله:(مُطْلَقاً) فعرفنا المراد التشريك في اللفظ أو في الحكم، يعني: في الإعراب، يكون ما بعده مرفوع كشأن سابقه، وفي المعنى يعني: يثبت لما بعد الواو مثلاً من المعنى ما ثبت لما قبل الواو، يعني: معنى العامل يثبت لما بعد الواو.

قال الشارح هنا: " حروف العطف على قسمين " هذا يأتي.

وَأَتْبَعَتْ لَفْظَاً فَحَسْبُ بَلْ وَلَا

لَكِنْ كَلَمْ يَبْدُ امْرُؤٌ لَكِنْ طَلَا

وَأَتْبَعَتْ بَلْ لَفْظَاً، أتبعت ما بعدها لما قبلها، لأنه يقول:(بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) إذاً: أتبعت (بل) بل: هذا فاعل، وأتبع فعلٌ ماضي مبنيٌ على الفتح، والتاء تاء التأنيث .. حرفٌ مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، (لَفْظاً) هذا تمييز، يعني: من جهة اللفظ، أو منصوب بنزع الخافض، دائماً مثل هذا يُجوِّز فيه النحاة وجهين، لكن كونه تمييزاً أولى، لماذا؟ لأن النصب بنزع الخافض مسموع، ولا يُجوَّز مُطلقاً بهذا الإطلاق، وإن توسع النحاة وغيرهم في الإعراب أو في الكلام به، أو في تجويزه، لكن إذا قرروا مسألة على جهة التأصيل حكموا عليه بأنه سماعي:(نَقْلاً وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ) كما سبق معنا.

إذاً: (لَفْظاً) نقول: يجوز فيه وجهان: تمييزه أولى، يعني: وأتبعت من جهة اللفظ، حينئذٍ صار التقييد هنا له مفهوم .. صار وصفاً، فإذا قال:(لَفْظَاً) يعني: مراده في الحكم، بمعنى: أن ما بعده يأخذ حكم ما قبله في الإعراب، لأنه لم يكن عطف نسق إلا من أجل هذا، كل الحروف التسعة الآتية كلها تُشرِّك ما بعدها فيما قبلها في الإعراب، ولكن انفردت هذه عن السابقة الستة لكونها تُشرِّك في اللفظ فقط، وأمَّا المعنى فلا، يعني: معنى العامل السابق للحرف لا يُعطى بما بعد (بل) و (لا) و (لكن).

ص: 9

(وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحسْبُ) الفاء هذه زائدة لتزيين اللفظ كما سبق، وحسب بمعنى: قط، بقية حروف العطف، (بَلْ) هذا فاعل أتبعت و (لَا) معطوف عليه (لَكِنْ) على إسقاط العاطف يعني: ولكن، (كَلَمْ يَبْدُ امْرُؤٌ لَكِنْ طَلَا)، كَلَمْ يَبْدُ يعني: كقولك، حينئذٍ صارت الكاف جارَّةً لقول محذوف، لَمْ: حرف نفيٍ وجزمٍ وقلب، مبني على السكون لا محل له من الإعراب، (يَبْدُ) فعل مضارع مجزومٌ بلم، وجزمه حذف حرف العلة الواو، لأنه من بدا يبدو كـ: دعا يدعو، مثله: لم يدع، حينئذٍ (يَبْدُ) نقول: هذا فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلم، وجزمه حذف حرف العلة وهو الواو، والفاعل (امْرُؤٌ) .. فاعل مرفوع بـ: يبدو، فاعلٌ مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، (لَكِنْ) حرف عطف مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، (لَكِنْ طَلَا) بفتح الطاء مقصوراً، هو نفسه مقصور طلا الولد من ذوات الظلف، وقيل: ولد بقر الوحش فقط، يعني: مختلف فيه.

إذاً: (لَكِنْ طَلَا)، طَلَا: هذا معطوف على (امْرُؤٌ) والمعطوف على المرفوع مرفوع، إذاً: شَرَّكت ما بعدها فيما قبلها في الرفع، وسيأتي من أحكام الباب: قد يكون العطف محلاً، وقد يكون تقديراً، وقد يكون لفظاً.

(طَلَا) نقول: هذا مرفوع ورفعه ضَمَّة مُقدَّرة على آخره، لأنه كفتى، فتى: حركته مُقدَّرة، (طَلَا) مثله، وهو معطوف على (امْرُؤٌ) إذاً: الضَمَّة مُقدَّرة على آخره، لَمْ يَبْدُ امْرُؤٌ: لم يظهر، هذا نفيٌ للبداء عنه وهو الظهور، (لَكِنْ طَلَا) يعني: لكن ظهر طلا، أو الظاهر طلا، إذاً شَرَّكَتْه في اللفظ دون المعنى، لأن ما قبل (لكن) وهو امرؤٌ الحكم منفيٌ عنه، وما بعد (لكن) وهو طلا الحكم ثابتٌ له، فالذي نُفي أولاً أثبت ثانياً لما بعد (لكن)، إذاً: شَرَّكَت بينهما في الإعراب فحسب، وهذا مراده بقوله:(وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحسْبُ بلْ) فقط يعني، وأمَّا في المعنى فلا، هذا يختلف، لكن هو مثَّل بـ (لكن) دون (بل) و (لا) وسيأتي البحث فيها على جهة التفصيل، والمراد هنا الإشارة إلى أن (لكن) أثبتت لما بعدها ما قبلها في الإعراب فحسب لفظاً، وأمَّا في المعنى فيختلفان.

قال الشارح: " حروف العطف على قسمين:

أحدهما: ما يُشرِّك المعطوف مع المعطوف عليه مُطلقاً، أي: لفظاً وحكماً " حكماً عبر به هنا عن المعنى، وإن كان الكثير يقول: لفظاً ومعنىً، وقد يطلق الحكم كذلك على اللفظ، لكن المقصود في اللفظ أن يكون الإعراب، وفي المعنى أن يكون المعنى الثابت لما قبل الحرف، وهي الواو نحو: جاء زيدٌ وعمروٌ، وثُم نحو: جاء زيدٌ ثُم عمروٌ، والفاء: جاء زيدٌ فعمروٌ، وحتى: قدم الحجاج حتى المشاة، وأم: أزيد عندك أم عمروٌ؟ وأو نحو: جاء زيدٌ أو عمروٌ؟ هذه كلها الحروف الستة شَرَّكت ما بعدها ما قبلها في الإعراب وفي المعنى.

ص: 10

" والثاني: ما يُشرِّك لفظاً فقط لا معنىً " وهو المراد بقوله: (وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحسْبُ بَلْ وَلَا لَكِنْ) هذه الثلاثة تُشرِّك الثاني مع الأول في إعرابه لا في حكمه، يعني: لا في معناه، نحو: ما قام زيدٌ بل عمروٌ، عمروٌ هو القائم، وزيدٌ منفيٌ عنه القيام، إذاً: أثبتت لما بعدها نقيض ما قبلها، أثبتت القيام لعمرو ونفته عن زيد لما سبق، لأنها لا تكون بعد نفيٍ، وجاء زيدٌ لا عمروٌ، فالجائي زيدٌ دون عمرو، جاء زيدٌ لا عمروٌ: لا هنا أثبتت لما بعدها حكم ما قبلها في الإعراب، ونفت المعنى عنه، ولا تضرب زيداً لكن عمراً، يعني: اضرب عمراً، عمراً مضروب .. مأمورٌ بضربه، وزيداً: منهي عن ضربه.

إذاً: هذه الأحرف الثلاثة تُشرِّك ما بعدها ما قبلها في الإعراب فحسب، وأمَّا في الحكم الذي هو المعنى فلا.

تكون هذه الحروف التي ذكرها الناظم هنا في البيتين تسعة: ستة في الأول، وثلاثة في الثاني، وثَمَّ أربعة أو خمسة أحرف مذكورة في المغني فليرجع إليها.

حروف العطف المذكورة تسعةٌ، وهي ثلاثة أقسام، وإن كان المشهور أنها على قسمين على ما ذكره الشارح:

- ما يُشرِّك في اللفظ فقط دائماً، وهو ثلاثة:(بل) و (لكن) و (لا) لاختلاف المتعاطفين فيها بالإثبات والنفي، المعطوف والمعطوف عليه يختلفان في الإثبات والنفي كما سبق: جاء زيدٌ لا عمروٌ، جاء زيدٌ مثبت له المجيء، لا عمروٌ منفيٌ عنه المجيء، إذ ما قبل (بل) و (لكن) منفي، وما بعدهما مثبت، و (لا) بالعكس كما سيأتي تفصيله.

- وما يُشرِّك لفظاً ومعنىً دائماً، وهو أربعة:(الواو) و (الفاء) و (ثم) و (حتى).

- وما يُشرِّك لفظاً فقط تارةً، ولفظاً ومعنىً تارةً أخرى، وهو:(أم) و (أو)، (أم) و (أو) مختلف فيها، هو ذكرها الناظم مع القسم الأول، وهو:(فَالْعَطْفُ مُطْلَقاً) يعني: ما يُشرِّك لفظاً ومعنىً مُطلقاً في كل تركيب، لكن (أم) و (أو) فيه نوع خلاف، لكنه في غير الغالب لا تكون مُشرِّكةً في اللفظ والمعنى، والناظم لم يراع هذه القلة، ولذلك حكم عليها بما حكم على (الواو) و (حتى) و (ثم) و (الفاء)، هذه دائماً في كل تركيب مُشرِّكة لما بعدها ما قبلها في اللفظ وفي المعنى، أمَّا (أو) و (أم) الغالب الكثير أنها مثل (الواو) ومن غير الغالب أنها لا تُشرِّك.

حينئذٍ الناظم لا إشكال بأنه راعى الكثرة وهي التي يؤصل عليها فحكم على (أم) و (أو) بأنها تُشرِّك ما بعدها ما قبلها في اللفظ والمعنى.

(أم) و (أو) أكثر النحاة على أنهما يُشرِّكان في اللفظ لا في المعنى، ونسبته لأكثر النحاة كما ذكرناه سابقاً، كثيراً ما ينسب شيء لأكثر النحاة يكون فيه نزاع. (أم) و (أو) وأكثر النحاة على أنهما يُشرِّكان في اللفظ لا في المعنى، وصحح الصبَّان أنهما يُشرِّكان لفظاً ومعنىً ما لم يقتضيا إضراباً، يعني:(أم) و (أو) كما سيأتي (أو) أنها تأتي للإضراب، و (أم) تأتي منقطعة:(وَبِانْقِطَاعٍ وَبِمَعْنَى "بَلْ").

ص: 11

(أم) المنقطعة، و (أو) الإضرابية، إذاً: يُشرِّكان في اللفظ والمعنى ما لم يستعملا في معنى الإضراب، وإذا استعملا في معنى الإضراب حينئذٍ قال هنا:(وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحَسْبُ بلْ)(بل) هذه تأتي للإضراب، ولذلك ضبط (أم) المنقطعة بأنها بمعنى:(بل) وَبِانْقِطَاعٍ وَبِمَعْنَى "بَلْ"، إذاً:(أم) تأتي بمعنى: (بل)، وهو قد ذكرها في المُشرِّكة في اللفظ والمعنى، ثم تأتي بمعنى:(بل)، و (بل) تُشرِّك في اللفظ لا في المعنى، إذاً: قد يكون ثَمَّ اعتراض على الناظم بهذا، لكنه راعى الأكثر والمشتهر في:(أم) أنها إذا أطلقت انصرفت إلى المتصلة، وهي المعادلة كما سيأتي.

إذاً: والصحيح أنهما يُشرِّكان لفظاً ومعنىً ما لم يقتضيا إضراباً، فإنهما حينئذٍ يُشرِّكان في اللفظ فقط، لأنهما بمعنى:(بل) و (بل) إنما تُشرِّك في اللفظ فقط.

إذاً: (أم) و (أو) فيهما تفصيل: إذا كانتا بمعنى: (بل) أخذت حكم (بل) في أنهما يُشرِّكان في اللفظ وحسب، وإذا لم يكونا بمعنى:(بل) رجعنا إلى الأصل الذي أطلقه الناظم هنا، وهو الكثير الغالب. لأن القائل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ .. إذا قال قائل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ هل فيه تَشرِيك أم لا؟ هو عالمٌ قاطع بأن أحدهما موجود، ولكن الذي أشكل عليه تعيين الموجود، إذاً: سوى بينهما في الوجود في الدار، (أم) هنا سَوَّت بينهما، لو قيل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ، ثَمَ تسوية بينهما .. تَشرِيك، ما بعد (أم) مشاركٌ لما قبلها في كونه موجوداً في الدار أو لا؟ وهو قاطعٌ بأن واحداً منهما في الدار، ولكن التعيين هو الذي يحتاجه جواباً لسؤاله، ولذلك في مثل هذا التركيب لا يُجاب: نعم أو لا، وإنما يقال: زيد .. عينته، عمرو .. إذاً: عينته، عينته بكونه هو الكائن في الدار، مع تجويز أن يكون الثاني كائناً في الدار.

إذا قيل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ؟ القائل عالمٌ بأن الذي في الدار أحد المذكورين لا بد، وغير عالمٍ بتعيينه وهذا واضح، فالذي بعد (أم) مساوٍ للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه وحصول المساواة إنما هو بأم، هذا كلامٌ نفيسٌ للصبَّان، وهو: أن (أم) حصل بها تسوية، ما بعدها لما قبلها، في كون كلٍ منهما صالحٌ لأن يكون مستقراً في الدار، وهذا هو المعنى، نحن الآن لا نتحدث عن إعراب، الإعراب واضحٌ بيِّن، وأمَّا المعنى فنقول:(أم) شَرَّكت ما بعدها فيما قبلها في المعنى، ما هو المعنى؟ صلاحية كل واحدٍ من المذكورين بعد (أم) وقبل (أم) أن يكونا هو الذي استقر في الدار، وهذا هو التشريك المعنوي، وليس فيه أزْيَدُ من هذا، كلام جميل!

وكذلك: (أو) مُشرِّكة لما قبلها وما بعدها فيما يُجاء به لأجله من شكٍ أو غيره، وهذا واضح بيِّن: تعلم النحو أو الفقه، كلٌ منهما يشتركان في معنى، وهو: صلاحية أن يكون مطلوباً في العلم الشرعي أو غيره، حينئذٍ نقول:(أو) هنا شركت ما بعدها فيما قبلها في صلاحية أن يكون مطلوباً العلم به.

ص: 12

وأمَّا إذا اقتضيا إضراباً فإنهما يُشرِّكان في اللفظ فقط، وهذا واضحٌ بيِّن لماذا؟ لأنهما بمعنى:(بل) وتقرر أن (بل) إنما تكون للتشريك اللفظي فحسب دون المعنى، وإنما لم ينبه عليه الناظم لأنه قليل، يعني: لماذا الناظم لم يجعل (أم) و (أو) مع (بل) و (لكن) و (لا)؟ نقول: جعل النوعين مع الكثير الغالب، وأمَّا مجيء (أم) و (أو) للإضراب هذا مختلفٌ فيه، يعني: حتى (أو) فيه خلاف بين النحاة: هل تأتي للإضراب أم لا؟ كما سيأتي.

فجعلهما الناظم مما يُشرِّك في اللفظ والمعنى باعتبار أن ما قبلها وما بعدها مستوٍ في المعنى الذي سيقا له من شكٍ وغيره، إذاً: وضح عندنا أن (أم) و (أو) يكونان لتشريك ما بعدهما لما قبلهما في المعنى، سواءٌ كانت (أم) في التسوية، أو (أو) في المعاني التي سيقت لها، وهي السبعة الآتي ذكرها.

ثم شرع في بيان معاني الحروف.

إذاً: عدَّها أولاً، ثم فصَّل:

فَاعْطِفْ بِوَاوٍ سَابِقاً أَوْ لَاحِقَاً

فِي الْحُكْمِ أَوْ مُصَاحِباً مُوَافِقَاً

(فاعْطِفْ) الفاء .. ما نوع الفاء؟ التفريع .. طيب! الآن إذا قال: فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً بِوَاوٍ عدَّها .. عَدَّ لنا الحروف التسعة، هل يتفرع على ذلك ذكر المعاني؟ يحتمل .. هل بعد ذكر الحروف التسعة .. هل يتصور أن سائلاً يسأل: ما معاني هذه الحروف التسعة؟ أيهما أقرب؟ الثاني.

إذاً: كلٌ منهما جائز، لكن التفريع فيه بعد، لأن الأصل في التفريع: أن ما بعدها يكون فرعاً، وذاك أصل، يعني: يكون بينهما علاقة ارتباط لا من جهة تفصيل المعاني، وإنما من جهة كون ما بعد الفاء مُفرَّعاً على ما قبله، بمعنى: أن وجوده بوجود أصله، هذا الأصل في التفريع، وهنا يمكن لكن على تأويل.

(فَاعْطِفْ بِوَاوٍ) فَاعْطِفْ يعني: جوازاً، لا يجب أنك إذا عطفت إنما تعطف بالواو دون غيرها لا، إنما المراد فاعطف، يُباح لك العطف بالواو: لاحقاً أو سابقاً أو مصاحباً في الحكم، (فَاعْطِفْ) فعل أمر مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، و (بِوَاوٍ) جار ومجرور متعلقاً بقوله: اعطف، (لَاحِقاً) انظر بواوٍ هذا فيه معنى التخصيص.

(فَاعْطِفْ بِوَاوٍ) يعني: لا بغيرها، لأنه خَصَّ، إذا قيد العامل بجار ومجرور فهو يعتبر من المخصصات.

(لَاحِقاً) مفعولٌ به لاعطف، (أَوْ) للتنويع، (سَابِقاً .. أَوْ مُصَاحِباً)(سَابِقاً) معطوف على لَاحِقاً، ومُصَاحِباً: معطوفٌ على (لَاحِقاً)، و (فِي الحُكْمِ) جار ومجرور متعلق بسابقاً أو بلاحقاً أو مصاحباً على قول، من يرى أنه إذا تَوسَّط الاسم بين المعمولات جاز أن يكون من باب التنازع، والصحيح قلنا: لا، إنما التنازع هنا يكون في ماذا؟ (لَاحِقاً أَوْ سَابِقاً فِي الحُكْمِ) في الحكم تنازع فيه لاحقاً أو سابقاً، ومصاحباً هذا يحتاج إلى تقدير.

نقف على هذا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 13