المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * فائدة: الفرق بين عطف البيان والبدل * شرح الترجمة. - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ٩٦

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * فائدة: الفرق بين عطف البيان والبدل * شرح الترجمة.

‌عناصر الدرس

* فائدة: الفرق بين عطف البيان والبدل

* شرح الترجمة. النداء. وحده

* حروف النداء واستعمال كل حرف

* متى يجوز حذف حرف النداء؟

* أنواع المنادى ، وحكم (المبني.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

أمَّا بعد:

سَبَق في قول الناظم:

وَرُبَّمَا عَاقَبَتِ الْوَاوَ إِذَا

لَمْ يُلْفِ ذُو النُّطْقِ لِلَبْسٍ مَنْفَذَا

قلنا (لَمْ يُلْفِ) هذا بمعنى: يَجد، (يُلْفِ) هذا فعل مضارع مجزوم بـ:(لَمْ) والجزم حذف حرفَ العِلَّة، و (ذُو النُّطْقِ) هذا فاعل، و (لِلَبْسٍ) مُتَعلِّق بقوله:(مَنْفَذَاً)، و (مَنْفَذَاً) بمعنى: طريق، وهو إذا جعلنا (يُلْفِ) متعدٍ إلى مفعولين حينئذٍ صار هو المفعول الأول، المفعول الثاني يكون مُقَدَّراً، قدره هناك الأزهري: إذا لم يجد صاحب النطق طريقاً للبسٍِ صحيحةً، فاستعمالها بمعنى: الواو، ويحتمل أن يكون للبسٍ في موضع المفعول الثاني فيتعلق بمحذوف: منفذاً كائناً للبسٍ.

وجَوَّز وجهاً ثالثاً: أن يكون لـ (يُلْفِ) أنه متعدٍ لواحد، وهذا الظاهر: أنه في هذا التركيب متعدٍ لواحد؛ لأن وجود المفعول الثاني صحيحةً هذا ما فيه فائدة جديدة.

(يُلْفِ ذُو النُّطْقِ مَنْفَذَاً لِلَبْس) إذا لم يجد صاحب النطق منفذاً، أي: طريقاً لِلَبْس، صحيحةً .. ويحتمل على كلٍ .. الأمر واسع في هذا.

ثُمَّ ذكرنا أن البدل والعطف بيان فيما سبق: أن كلاًّ منهما متقاربان، ولذلك سبق قول الناظم:(وَصَالِحاً لِبَدَلِيَّةٍ يُرَى) يعني: يَجُوزُ ما وقعَ عطف بيان أن يُعْرَب بدل من غير عكس، وهنا نَفْي العكس لماذا؟ لأن العاطف .. عطف البيان العامل فيه هو العامل في المتبوع، حينئذٍ لا إشكال، فيُعْرَب عطف بيان ويعرب بدلاً في نفس الوقت، فيُقَدَّر له عامل آخر، وأمَّا إذا أُعرِبَ بدلاً حينئذٍ أُعْرِبَ على نية تكرار العامل، فيمتنع أن يُعْرَبَ عطف بيان في نفسِ الوقت.

(وَصَالِحاً لِبَدَلِيَّةٍ يُرَى) حينئذٍ كل ما صحَّ أن يُعْرَبَ عطف بيان صَحَّ أن يُعربَ بدل كل من كل، إلا في المسائل التي ذكرناها.

يُفارق عطف البيان البدل في ثمان مسائل مشهورات، وزاد بعضهم مسألتين أو مسألة.؟ يُفارق عطف البيان البدل في ثمان مسائل:

الأولى: أن العطف لا يكون مُضْمراً، ولا تابعاً لِمُضْمَرٍ، يعني: عطف البيان لا يكون ضميراً ولا يكون تابعاً لضمير؛ لأنه في الجوامد نضير النعت في المشتق، وكما أن الضمير لا يُنْعَت ولا يُنْعَتُ به، كذلك لا يُعْطَف عَطَفَ بيان ولا يُعْطَف عليه، إذاً: الضمير يَمْتَنع أن يكون نعتاً، ويمتنع أن يكون منعوتاً، يعني: لا يُنعَت ولا يُنعَتُ به، كذلك عطف البيان، بخلاف البدل .. سبق تفصيلاً فيه، الذي هو:

وَمِنْ ضَمِيرِ الحَاضِرِ الظَّاهِرَ لَا

تُبْدِلْهُ إِلَاّ. . . . . . .

إذاً: فيه استثناء .. ليس مطلقاً وإنما يجوز في الجملة.

الثاني: أن البيان لا يُخالف متبوعه في تعريفه وتنكيره، وهذا على قول بعضهم، عطف البيان لا يُخالف متبوعه في تعريفه وتنكيره، لا بُدَّ من المطابقة:

فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ

مَا مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ النَّعْتُ يَلِي

ص: 1

إذاً: هو تابعٌ له في التعريف والتنكير، والبدل لا يشترط، قلنا: يُبْدَل النكرة من المعرفة والعكس، المعرفة من المعرفة والنكرة من النكرة، والمعرفة من النكرة، والنكرة من المعرفة، إذاً: لا يُشْتَرطُ فيه.

الثالث: أنه لا يكون جملة، يعني: عطف البيان لا يكون جملةً، بخلاف البدل: فإنه يجوز فيه ذلك: (وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ) كما سبق، وقلنا: تُبْدَلُ الجملة من الجملة: ((أَمَدَّكُمْ)) [الشعراء:132] إلى آخره.

المسألة الرابعة: أنه لا يكون تابعاً لجملةٍ بخلاف البدل.

خامساً: أنه لا يكون فعلاً تابعاً لِفِعْلٍ بخلاف البدل، يعني: عطف البيان لا يكونُ فعلاً.

سادساً: أنه لا يكون بلفظ الأول، بخلاف البدل: فإنه يجوز فيه ذلك بشرطه، وهذا مختلف فيه بين النحاة. أنه يَجوزُ في البدل أن يكون موافقاً للفظ متبوعه لكن بشرطه، وهو: كون الثاني معه زيادة بيانٍ كما في قراءة يعقوب: ((وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا)) [الجاثية:28] بنصبِ الثانية: (كُلَّ أُمَّةٍ). بنصبِ: (كُلَّ) الثانية، فإنه قد اتصل بها سبب الجثو، إذاً: هو بدل .. يُعتَبرُ بدلاً مما سبق.

سابعاً: أنه ليس في نية إحلاله محل الأول بخلاف البدل، يعني: عطف البيان ليس في نية إحلاله محل الأول، ولذلك كان العامل فيه هو عاملٌ مماثلٌ للمذكور، هذا في البدل.

ثامناً: أنه ليس في التقدير من جملةٍ أخرى بخلاف البدل، عَطْفُ البيان جملة واحدة، والبدل: في قوة الجملتين؛ لأن العامل في البدل هو عين العامل في المُبْدَلِ منه من حيث التكرار، يعني: يُقَدَّرُ له مماثل للعامل في المتبوع، إذا قيل: جاء زيدٌ أخوك، أخوك: مرفوع بماذا؟ ليس بـ (جاء) الأول على أنه بدل، وإنما بـ (جاء) مُقَدَّر مماثل للمذكور: جاء زيدٌ .. جاء أخوك، حينئذٍ هو في قوة الجملتين: جاء جاء، جاء زيدٌ .. جاء أخوك.

وأمَّا عطف البيان: فالعامل في: أخوك هو العامل في: زيد، إذاً: فرقٌ بينهما. أنه ليس بالتقدير من جملةٍ أخرى بخلاف البدل، وزِيدَ كون المتبوع في البدل في نية الطَّرَح، قيل: غالباً .. نيةِ الطرح، ما معنى نية الطرح؟ ليسَ المراد: أنه السابق معروضٌ عنه؛ لأننا ذكرنا أن السابق المتبوع مقصود: (التَّابِعُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ) فكيف يكون في نية الطرح؟

قال الزمخشري: " مُرَادُهم يكون البدل في نية طرح الأول أنه مستقلٌ بنفسه لا متممٌ لمتبوعه، كالتأكيد والصفة والبيان لا إهدار الأول، بخلافهِ في البيان ".

حينئذٍ نقول: الطرح المراد به هنا ليس الإلغاء والإعراض عن السابق، وإنما المراد: أن العامل قد كُرِّرَ وصار اللفظ الذي أُعْرِبَ بدلاً .. صار مستقلاً عن سابقه، حينئذٍ كأن الأول قد أُعْرِضَ عنه وليس هو مُعْرَضاً عنه بالفعل، ولذلكَ إذا جاء في مثل:((صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللَّهِ)) [إبراهيم:1 - 2] حينئذٍ نقول: اللهِ بالخفض: بدل: ((الْعَزِيزِ الْحَمِيد)) [إبراهيم:1]، هل هو في نية الطرح .. أنه مُلْغَى؟ لا، ليس المراد ذلك، بل لا يجوز أن يقال هنا: أنه في نية الطرح، لماذا؟ إلا إذا كان اصطلاح فقط؛ لأن الثاني المراد به أنه مستقلٌ، وأن العامل فيه مستقلٌ عن الأول.

ص: 2

هنا قال: مُرادهم بكون البدل في نية الطرح أنه مستقلٌ بنفسه لا متممٌ لمتبوعه، كالتأكيد والصفة والبيان لا إهدار الأول بخلافه في البيان، فليس المراد به: أنه في نية الطرح، بل هذا مقصود وهذا مقصود، إلا أن قَصْدَه في البيان قَصَد تتميم ومُكَمِّل لسابقه، وليس قصداً مستقلاً.

العاشر: كون حذفه في البدل جائزاً عند بعضهم.

وخُرِّجَ عليه: ((وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ)) [النحل:116] .. تصفه ألسنتكم الكذب، الكذب: هذا بدل من الضمير المحذوف. فجُعِلَ الكذب بدلاً من الضمير المحذوف، أي: تصفه، بخلافه في البيان، لا يكون المتبوع محذوفاً، إذاً: إذا قيل: (وَصَالِحاً لِبَدَلِيَّة يُرَى) حينئذٍ لا بُدَّ من التفريق بين البدل وعطف البيان.

قال رحمه الله تعالى: (النِّدَاءُ).

هذا شروعٌ منه في ما يتعلق بالنداء، وله فصول متتالية ستأتينا إن شاء الله باباً باباً، والأصل فيها: النداء الذي هو: الدعاء، النداء: نداء بالمد، هذا فيه ثلاث لغات النداء، كما سبق عند قوله:؟؟؟ وجاء معنا أيضاً: (وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماً أوْ حَرْفَ نِدَا) هذا الموضع الثاني.

النِدَاءُ: فيه ثلاث لغات، أشهرها: كَسْرُ النون مع المد (نِدآ)، ثُمَّ مع القصر (النِّدا) يعني: يجوز قصره، ثُمَّ ضَمُها مع المد (النُّدآ) هذه لغةٌ ثالثة.

واشتقاقه، أي: أخذه من ندى الصوت، أصله: نَدِيَ كفرِحَ، ندا الصوت وهو: بُعْدُه؛ لأن النداء أصله: رفع الصوت، ندي صوته يندى من باب فَرِحَ يَفْرَحُ، إذا ارتفع وعلا.

إذاً: مأخوذٌ من: فلانٌ أندى صوتاً من فلان، إذا كان أبعد صوتاً منه وأرفع صوتاً، هذا من حيث الاشتقاق.

وأمَّا في اللغة: فهو الدعاء بأي لفظٍ كان، سواءٌ كان بحرف، أو كان باسمٍ، أو كان بفعلٍ مطلقاً، بل ولو لم يكن بلفظٍ، وإنما كان بإشارة، فيُسمى: دعاءً، إذاً المرادُ بالنداء في اللغة: الدعاء بأي لفظٍ كان، بل ولو لم يكن بلفظٍ.

واصطلاحاً عند النحاة: هو طلب الإقبال بحرفٍ ناب مناب: أدعو، ملفوظٍ به أو مُقَدَّر .. طلبُ الإقبال، إذاً فيه طلب، الطلبُ هو الدعاء، والدعاء هو الطلب، بحرفٍ: هذا جار مجرور مُتَعلِّق بقوله: طلب لأنه مصدر.

طلب الإقبال بحرفٍ، إذاً: لا باسمٍ ولا بفعلٍ، خَرَجَ: أدعو زيداً .. أُنادي زيداً، هل هذا نداء في اللغة؟ يُعْتَبرُ نِداءً لأنه دعاء بأي لفظٍ كان بفعلٍ أو حرفٍ: زيدٌ مطلوبٌ إقباله، هذا نِداء، وهو حاصل بالاسم، إقبال زيدٍ مطلوبٌ، نقول: هذا نِداءٌ لكنه بالاسم بل والجملة، وأمَّا: أدعو زيداً، وأنادي زيداً، فهذا في اللغة يُسمى: نِداءً، لكن في الاصطلاح لا يسمى نِداء، ولذلك قيل: بحرفٍ، إذاً: أخْرَجَ ما إذا حصل النداء بالاسم أو بالفعل.

ص: 3

ناب مناب: أدعو، هذا زيادة بيانٍ لأن هذا الحرف ليس مستقلاً، وإنما هو نائبٌ عن أصلٍ فهو فرع، وهذا سبق بيانه عند بيان الإسناد .. في الكلام، قلنا: لا بُدَّ أن يكون مركباً، والصحيح: أنه لا تركيب من حرفٍ واسمٍ، خلافاً للفارسي إذ جَوَّزه في باب النداء كما سيأتي، بناءً على أن (يا) هي عاملةٌ، أو سَدَّتْ مسَدَّ الفعل، والصحيح هو مذهب سيبويه: أن الأصل: أدعو زيداً، فنابت (يا) مناب أدعو حُذِفَ لما سيأتي بيانه.

بحرفٍ نائبٍ مناب، إذاً: حرفٌ ليس أصلياً، فحينئذٍ نأخذ أن جملة: يا زيدُ، فرعية وليست أصلية.

ناب مناب أدعو الذي هو أصلٌ في النداء، ملفوظٍ به أو مُقَدَّر: يا زيدُ، ((رَبَّنَا آتِنَا)) [البقرة:200] .. يا ربنا، ((يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)) [يوسف:29] يوسف، يعني: يا يوسف، حينئذٍ حُذِفَ حرفُ النداء، إذاً: يَجوزُ حذفه كما سيأتي بيانه.

إذاً: طلبُ الإقبال بِحرفٍ نائبٍ مناب أدعو ملفوظٍ، هذا النداء أو المُنَادى؟ هذا النداء وهو المصدر، إقبال .. طلب الإقبال .. فعلك أنت، والناظم قال: النداء، ما المراد بالنداء: المعنى المصدري، أو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول؟ الثاني، لماذا؟ لأن مراده: يا زيد .. لفظ: زيد، فزيدٌ مُنَادى.

إذاً: المُنَادى في اللغة: المدعو مطلقاً .. المدعو وليس هو الدعاء، أردنا الآن الألفاظ: المدعو مطلقاً، سواءٌ كان بحرفٍ أم لا، وعند النحاة: المُنَادى الذي هو اللفظ الذي تترتب عليه أحكام هو المدعو بحرفٍ من هذه الحروف خاصةً.

إذاً: فرقٌ بين النداء وبين المُنَادى، مُنَادى: اسم مفعول، نُودِيَ يُنَادَى فهو مُنَادَى، والأحكام هذه التي تترتب عندنا من ضمٍ ونصبٍ ونحو ذلك هذه مُتَعلِّقة باللفظ الذي هو المُنَادى، أمَّا النداء فهو تحصيل للمنادى فهو سابق، حينئذٍ نقول: المُنَادى في اصطلاح النحاة: هو المدعو بحرفٍ من هذه الحروف خاصةً.

(النِّدَاءُ) أي: هذا باب النداء، والهمزة هذا مُنْقَلبة عن واو مثل: كساء .. كساوٌ هذه أصله، وسماء أصله: سماوٌ، وقعت الواو متطرفةً بعد ألفٍ زائدة رابعةً، والأصل: سماوٌ، فقُلِبَت الواو همزةً، نِداء مثل: نداوٌ، فقُلِبَت الواو همزة.

قال رحمه الله:

وَلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا

وَأَيْ وَآ كَذَا أَيَا ثُمَّ هَيَا

وَالهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا" لِمَنْ نُدِبْ

أَوْ يَا وَغَيْرُ وَا لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ

أراد أن يُبيِّن لنا حروف النداء يعني: بماذا يُنَادى؟ قلنا: المُنَادى هو: المدعو بحرفٍ، هل كل حرفٍ يصلحُ للنداء؟ الجواب: لا، إذاً: لا بُدَّ من حروفٌ خاصة، ثُمَّ هذه الحروف الخاصة مبنيةً على حال النداء، لأن المُنَادى إمَّا أن يكون بعيداً، وإمَّا أن يكون قريباً، واحد من اثنين، وبعضهم جعل حالةًَ متوسطة: إمَّا أن يكون بعيداً، أو متوسطاً، أو قريباً، ولكل واحدٍ من هذه المراتب الثلاث أحرف تختص به دون غيره، وقد تكون بعض الحروف تُستَعمل في الجميع.

ص: 4

لكن ابن مالك رحمه الله تعالى يرى أن القسمة ثنائية: بعيد، وما هو في حكم البعيد، يُقابل هذه المرتبة القريب، ولذلك قال:(وَلِلمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ)، (النَّاءِ) يعني: البعيد مسافة، أو كالناء: المُنَزَّل مُنَزَّلةَ الناءِ البعيد، كالساهي والنائم، حينئذٍ جعل القسمة ثنائية، بدليل أنه قابل هذين النوعين بقوله:(وَالهَمْزُ لِلدَّانِي).

(وَلِلمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ) إذاً: عطف على النَّاء بقوله: (كَالنَّاءِ) مثل: الناءِ .. مثل البعيد، فهذه مرتبة واحدة، هذا الظاهر من صنيعه رحمه الله.

(وَالهَمْزُ لِلدَّانِي) هذا دَلَّ على أنه يرى أن القسمة ثنائية، والأمر واسع؛ لأن الأصل في هذه الأحرف في الغالب أنها تُستَعمل بعضها في بعضٍ، واختص بعضُها ببعض المراتب كما سيأتي بيانه.

ذكر أن المُنَادى البعيد له خمسة أحرف: (يا) و (أي) و (وا) و (آيا) و (هيا) هذه كم؟ خمسة (يا) و (أي) و (آ) هي الهمزة لكنها مُدَّت، (آيا)(هيا) كم هذه؟ خمسة، إذاً: ذَكَر للمُنَادى البعيد أو المُنَزَّل مُنَزَّلةَ البعيد بأن له خمسة أحرف.

(وَالهَمْزُ لِلدَّانِي) يعني: للقريب، دَنَا يَدْنو فَهوَ دَانٍ، يعني: قريب.

. . . وَ "وَا" لِمَنْ نُدِبْ

أَوْ يَا وَغَيرُ وَا لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ

هذا نداءٌ لكنه من نوعٍ آخر، وهو ما يُسمى: بالنُّدْبَة، يعني: المتفجع عليه أو منه، حينئذٍ نقول: المُنَادى إمَّا أن يكون مندوباً أو لا، المندوب: هذا ستأتي له أحكام، لكن ذكره هنا لأن المندوب نداءٌ، وليس كل مُنَادى يكون مندوباً، المندوب جزءٌ من المُنَادى، حينئذٍ حَرْفُه يُذْكَرُ في أَحرف النداء، وليس كل مُنَادى يكون مندوباً.

له (وا) وا زيداه .. وا رأساه .. وا ظهراه، هذا كله ندبٌ، حينئذٍ نقول: هذا نداٌ لكنه ندبٌ، (له وا) هذا هو الأصل فيه.

قال: و (يا) أو (يا) وهذه فرعية وليست أصلية، وإلا الأصل فيها:(وا) وبعضهم مَنَع أن تُسُتَعمل (يا) في الندب، ولذلك قال:(وَغَيرُ وَا لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ) غَيرُ (وا) ما هو غَيرُ (وا)؟ في المندوب (يا)؛ لأنه ذكرَ حرفين فقط: أحدهما أصلٌ متفقٌ عليه، والثاني: مختلفٌ فيه وهو فرعٌ؛ لأن (يا) في الأصل: أنها تُسُتعمل للجميع، (وَغَيرُ وَا) الذي هو (يا)، (لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ) هذا على جهة العموم.

قال رحمه الله: (وَلِلمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا)، (يَا): هذا مبتدأ مؤخر قُصِدَ لفظه، وهو حرف في الأصل، لكنه قُصِدَ لفظه، حينئذٍ نقول: هو مبتدأ مؤخر، وقوله (لِلمُنَادَى) جار مجرور مُتَعلِّق بمحذوف خبر مُقدَّم، (يا) للمُنَادى، يعني: المدعو في لسان العرب وفي اصطلاح النحاة: النَّاءِ .. المُنَادى الناءِ، النَّاءِ: هذا صفة للمُنَادى، والمراد به: البعيد المسافة .. حقيقةً يعني، يا زيد، وهو بعيد عنك تناديه: يا زيد أقبل، ونحو ذلك.

فالناءِ المراد به: البعيدُ مسافةً: ناءِ بحذف الياء والاستغناء بالكسرة عنها، نائي: بالياء الأصل، لكن حُذِفت الياء واستغني بالكسرة.

(أَوْ) للتنويع، (كَالنَّاءِ) يعني: مثل النَّاءِ.

ص: 5

(وَلِلمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ) بعضهم قَدَّرَ موصلاً: أو من هو كالنَّاءِ، لكن لا نحتاج إلى هذا، وإنما نجعل الكاف مثلية .. اسمية، فحينئذٍ يكون من عطف الاسم على الاسم، وللُمنَادى الناءِ البعيد أو مثل البعيد، فالكاف نقول: اسمية وهي مضاف، والناءِ: مضاف إليه.

وهو كذلك حُذِفت منه الياء استغناءً بالكسرة عنه، والأصل: كالنائي مثل ماذا (كالنَّاءِ)؟ البعيد واضح المسافة الذي ما يسمعُ صوتك، وإن كان البُعد هنا قيل: البُعدُ المراد به: البُعدُ العرفي، القُرب .. البُعدُ إذا قيل هنا العرفي، يعني: ما يتعارف عليه الناس، ثُم قد يُنَزَّل .. الكلام في الحقائق، الأصل: البعيد .. هو بعيد، قد يُنَزَّل القريب مُنَزَّلةَ البعيد، بجوارك قلت: يا زيد، كأنه ما يسمع مثلاً، حينئذٍ نَزَّلتَه مُنَزَّلة البعيد، هذا أمرٌ آخر.

والمراد هنا (كَالنَّاءِ) المراد به من لا يستجيب في الأصل، قيل: كالساهي، وكالنائم، وكالمرتفع المرتبة .. ارتفاع محلٍ أو انخفاضه، وهذا كذلك جَوَّز بعضهم أن يكون على جهة التنزيل، يعني: يُخاطبَ الصغير بـ (يا) تعظيماً له مُنَزَّلاً له مُنَزَّلةَ البعيد، يعني: الكبير العظيم، إذا كان مرتفع المنزلة، حينئذٍ يُخَاطبُ بـ (يا)، يا سماحة كذا مثلاً، حينئذٍ نقول: أُتي بـ (يا) هنا بناءً على ماذا؟ هو يكون بجوارك، حينئذٍ نقول: هذا فيه تنزيلٌ للقريب مُنَزَّلةَ البعيد وإلا هو يسمعك .. أمامك نصف متر، فتقول له: يا سماحة الشيخ .. يا مفتي كذا، نقول: هذا تنزيلٌ للقريب مُنَزَّلةَ البعيد.

(لِلمُنَادَى النَّاءِ) أي: البعيد المسافة، (أَوْ كَالنَّاءِ) وعرفنا أن البُعد المراد به هنا: البُعد العُرْفِي، يعني: الذي يَحكُم هذا وذاك إنما هو البُعد العُرُفي.

(يَا) هذا الحرفُ الأول.

(وَأَي)، (وَآ) آيعني، هذه الهمزة على جهة المد: آزيد أقبِل هذا بعيد.

كذلك: (أَيَا) هي ياء زِيدَت عليه الهمز، هكذا قيل كما سيأتي.

(ثُمَّ هَيَا)، (يَا) قلنا: مبتدأ مؤخر، (وَأَي) معطوفٌ على (يَا)، حينئذٍ يكون قُصِدَ لفظه فهو في محل رفع، أو نقول: مرفوع والضَمَّة مُقدَّرة هذا أحسن، نقول: مُقدَّرة منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الحكاية .. (أيْ) بسكون الياء، وقد تُمَد همزتها (آي) كما سيأتي.

(وَآ) آهذه همزة ممدودة: آزيدٌ للبعيد كذلك، وهو معطوفٌ على (يا) والمعطوف على المرفوع كذلك مرفوع، والضَمَّة مُقدَّرة.

(كَذَا أَيَا) أيا كذا هذا الأصل: أيا كذا، حينئذٍ (أيا) نقول: هذا أصله: (يا) دخلت عليه الهمز هكذا قيل، وهو مبتدأ هنا، و (كَذَا) يعني مثل (ذا) السابق في كونه (لِلمُنَادَى النَّاءِ أَو كَالنَّاءِ)(أيا)، فيُستَعمل (أيا) للمنادى الناءِ أو كالناءِ، فـ (كَذَا): هذا خبرٌ مُقدَّم مُتَعلِّق بمحذوف.

ص: 6

(ثُمَّ) قلنا بمعنى: الواو؛ لأنه ليس تراخي بينهما، إلا إذا أُريد بأن (هَيَا) فرعُ (أَيَا)، قيل: ليست أصلية بل هي فرعُ (أيا)، (هَيَا) قيل: هي فرعُ (أيا) بإبدال الهمزة هاء، أيا هيا أُبدِلَت الهمزةُ هاء، والهمز والهاء بينهما علاقة، كلٌ منهما يُمَرُّ على الثاني، يعني: الهمزة تُبدَلُ هاء: أريقُوا هريقُوا (أيا هيا) إذاً: كلٌ منهما يُبْدَل إلى الآخر هذا قولٌ، وقيل: أصلٌ (هَيَا) هكذا نُطِقَ بها، ليست مبدلةً الهاء هنا من الهمزة.

فليست هاؤها بدلاً من همزةِ (أيا)، لماذا؟ قال: لأن الإبدال نوعٌ من التصريف، والتصريف لا يدخل الحروف وإنما يدخل الأسماء المتَمَكِّنة والفعل، حينئذٍ إذا قيل: بأن الهمزة أُبدِلتَ هاءً هذا نوع تصريف لأنه بدل، والإبدال سيأتي باب خاصٌ به، حينئذٍ كيف يقع البدل في الحرف؟ وسيأتي أن الحرف بريءٌ من الصرف كليةً، يعني: لا يدخل فيه الصرف بكلية.

قيل: الإبدال هنا لغوي لا تصريفي. ولزيادة أحرُفِهما يعني: (أَيَا) و (هَيَا) كان فيهما دلالةٌ على زيادة بُعدِ منَاداهُما عن مُنَادى (يا) هكذا قيل، وإلا ابن مالك أوردها في موردٍ واحدٍ.

(وَأَي وَآ كَذَا أَيَا ثُمَّ هَيَا)، من حروف نداء البعيد:(أي .. آي) يعني: بالمد، ولذلك ابن هشامٍ قال:" الهمزة وأي ممدودتين ومقصورتين"، الهمزة: أزيد أقبل .. آزيد أقبل .. أي زيد أقبل .. آي زيد أقبل، بالمد والقصر وهي أربعة، والهمزة إذا مُدَّتْ حينئذٍ صارت لنداءِ البعيد؛ لأن مد الصوت يُنَاسبهُ أن يكون المُنَادى بعيداً: يا زيدُ هذا الذي يناسب، أمَّا القريب: أزيدُ (أ) هذا حرف قصير ليس له هوى.

إذاً: من حروف النداء .. نداء البعيد: (آي) بمد الهمزة وسكون الياء، وقد عَدَّهَا في التسهيل من جملة ما يُنَادى به البعيد، فجملةُ الحروف حينئذٍ تكون ثمانية.

ذهب المُبَرِّد: إلى أن (أَيَا) و (هَيَا) للبعيد، كما ذكرها الناظم هنا.

و (أي) والهمزة للقريب، و (يا) لهما، إذاً: جَعَلَ (أي) دون مدٍ للقريب، وابن مالك جعلها للبعيد، قلنا: ذكر خمسة للبعيد، أو ما هو في حكم البعيد، وذكرَ منها:(أي).

المُبَرِّد ذهب إلى أن (أَيَا) و (هَيَا) للبعيد، وهذا موافقٌ للناظم ولا إشكال فيه، و (أي) والهمزة للقريب، الهمزة للقريب لا إشكاله فيه:(وَالهَمْزُ لِلدَّانِي)، باقي الخلاف بينهما في (أي) أنها للقريب، و (يا) لهما يعني: للقريب والبعيد.

وذهب ابن برهان: إلى أن (أَيَا) و (هَيَا) للبعيد، كما ذهب إليه الناظم .. لا خلاف بينهما، والهمزة للقريب .. وافق الناظم، و (أي) للمتوسط، وهذا مشهور عند النحاة أن:(أي) للمتوسط، حينئذٍ أثبت مرتبة بين البعيد والقريب، وهذا أولى لو جُعِلَ لأن العقل يقتضيه فلا يمنع أن يكون لكل معنىً من هذه المعاني حروف خاصة، لأنه إمَّا قريب، وإمَّا بعيد، وإمَّا ما بينهما، فالبعيد له (يا) وما عُطِفَ عليه، والقريب له الهمزة، والمتوسط بينهما له (أي) وهذا لا بأس به.

ص: 7

والهمزةُ للقريب، و (أي) للمتوسط، و (يا) للجميع، يعني: ينادى بها القريب والبعيد والمتوسط، وأجمعوا .. النحاة: على أن نداء القريب بما للبعيد يَجوزُ توكيداً، يعني: استعمال ما وُضِعَ للبعيد في القريب يجوز، لأنه قريبٌ وزيادة، إذا قيل:(يا) .. (هيا) .. (آيا) هذا للبعيد فيشمل القريب، لو ناديت بعيداً سمعه القريب كذلك، حينئذٍ هو قريب وزيادة، فيُسْتَعملُ ما للبعيد للقريب؛ لأنه يكون فيه دلالة على النداء وزيادة من باب التأكيد، فيسمع من لم يسمع: يا زيد هو قريب، فيُستعمل له ما للبعيد.

وأجمعوا على أن ندا القريب بما للبعيد يجوز توكيداً، وعلى منع العكس، ما هو العكس؟ أن يُنَادى البعيد بما للقريب، فلا يُقال للبعيد: أصفوان، وهو بعيد هناك إلا بمكبر، نقول: هذا ممنوع لأن القريب لا يُمَدُّ معه الصوت، ولذلك الحروف هذه بعضها ممدودة الصوت:(هيا)(آيا)(يا) فيها مد صوت، ولذلك قيل: النداء مأخوذٌ من: نَدا صوته أو نَدِيَ صوته، وهو إذا رفع صوته وعلا، حينئذٍ فيه معنى الرفع، والبعيد يناسبه رفع الصوت والمد، بخلاف القريب: أزيد أقبل، هذا قريب.

وعلى منع العكس لعدم تأتي التوكيد في صورة العكس، ومحل المنع إذا لم يُنَزَّل البعيد مُنَزَّلةَ القريب، وإلا جاز نداؤه بما للقريب إذ لا مانع منه حينئذٍ، مسألة التنزيل هذه مختلفة من شخص إلى شخص، ومن حالٍ إلى حال، والمراد: الأصول استعمال اللفظ بحقيقته، هو للبعيد وهذا للقريب، قد يُعامل القريب مُنَزَّلةَ البعيد وقد يُعامل البعيد مُنَزَّلةَ القريب، القريب يُعامل مُنَزَّلةَ البعيد فيؤتى بأحرف النداء الدالة على البُعد، وكذلك البعيد والكلام في الحقائق.

وَلِلمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا

وَأَي وَآ كَذَا أَيَا ثُمَّ هَيَا

(أَي) قلنا بسكونٍ وقد تُمَدُ همزتها، و (أَيَا) قيل: أصلها (يا) ودخلت عليها الهمزة، (ثُمَّ هَيَا) وقيل: هذه مُبدَلة عن (أَيَا).

(وَالهَمْزُ لِلدَّانِي) يعني: بالقريب نحو: أزيدُ أقبِل، (وَوَا لِمَنْ نُدِبْ) لِمَن نُدِب يعني: المندوب، (من) وما دخلت عليه في تأويل مشتق، يعني: مندوب، (من) هنا موصولة، ونُدِب: هذا مُغَيَّر الصيغة، يعني: لمن دُعيَ ونُودِيَ على جهة الندبِ، والمندوب هو المُتَفَجَّعُ عليه أو المُتَوَجَّعُ منه، مُتَفَجَّع عليه: ولداه .. وولداه، يخاف عليه يسقط مثلاً، نقول: هذا مُتَفَجَّع عليه.

مُتَوَجَّعٌ منه: وارأساه .. واظهراه هذا مُتَوَجَّعٌ منه. نحو: واولداه وارأساه.

قال الرضي: وقد يُستعملُ في النداء المحض وهو قليل " يعني: (وا) قد يُستعملُ في النداء المحض الذي ليس فيه تَفَجَّعُ لكنه قليل، لكن بعضهم حكى الإجماع أنه لا يُستعملُ إلا في الندبة فقط، وأمَّا ما عداه فلا يُستعمل، لكن الرضي قال: هنا قليل.

وقال في المغني: أجاز بعضهم استعمال (وا) في النداء الحقيقي، وافق ما ذهب إليه الرضي أو العكس لأنه مُتقدِّم.

حينئذٍ الأصل في الندب .. أن يكونَ مُتَفَجَّعاً عليه أو منه، أو مُتَوَجَّعاً منه، الأصل: أن يكون بـ (وا) واولداه .. واظهراه، هل يُستعملُ (وا) في غير الندبة؟ قليل جداً، يعني: يجوزُ ولكنه على قلة.

ص: 8

(أَو يَا) يعني: يُستعملُ في الندْبةِ (يا) وعرفنا المندوب المراد به: المُتَفَجَّع عليه أو المُتَوَجَّع منه، حينئذٍ نقول: يا ولداه .. يا ظهراه .. يا رأساه، إن دَلَّتْ قرينة على أنه مندوب جاز، وإن لم يدل قرينة فحينئذٍ الأصل في استعمال (يا) أن يكون للمُنَادى على جهة العموم .. حقيقي، ولذلك قال:(وَغَيرُ وَا) يعني: يُستعملُ في الندبة متى؟ (لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ).

(وَغَيرُ وَا)، (غَيْرُ) مبتدأ وهو مضاف و (وَا): مضافٌ إليه .. قُصِدَ لفظه، (لَدَى) بمعنى: عِنْدَ مُتَعلِّق بقوله: (اجْتُنِبْ).

و (لَدَى اللَّبْسِ)، (لَدَى) مضاف و (اللَّبْسِ) مضافٌ إليه، و (اجْتُنِبْ) نائب الفاعل هنا ضمير يعود على استعمال (يا) في الندب، إذا حَصَلَ لبسٌ حينئذٍ يُمنعُ استعمال (يا) في الندب، نحو ماذا؟

حَمَلْتَ أمراً عَظِيماً فاصْطَبَرْتَ لهُ

وَقُمْتَ فِيهِ بِأمْرِ الله يا عُمَرَا

قالوا: هذه (يا) هنا استُعْمِلَت استعمالَ (وا)، وهذا واضحٌ أنه المرادُ به: الندْبَة لأنه قاله حين وفاة عمر، فليس ثَمَّ نداء، ثُمَّ لو كان مُنَادى لقال: يا عُمَرُ، لكنه قال: يا عُمَرَا، كما يُقال: يا ولداهُ .. واولداهُ، حينئذٍ نقول: الألف هذه ألف الندبة. فَصَدَر ذلك مع موت عمر، فدَلَّ على أنه مندوب، وقال الصبان: وليس الدليل الألف؛ لأنها تلحق آخر المستغاث والمُتَعَجب منه " لكن الظاهر أن الألف هنا ألف الندبة؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: يا عُمَرُ، إذاً: هذه الأحرف تختص بالنداء على التفصيل الذي ذكرناه.

قال الشارح هنا: " لا يخلو المُنَادى من أن يكون مندوباً أو غيره " غيره يعني: غير مندوب " فإن كان غير مندوبٍ فإمَّا أن يكون بعيداً أو في حكم البعيد " منزلة واحدة .. هذه مرتبة واحدة، " كالنائم والساهي، " النائم والساهي هذا في حكم البعيد، لو كان بجوارك تخاطبه كأنه بعيد لأن الساهي في واد آخر، هو معك بجسمه وأمَّا عقله وروحه فليست معك .. تكون في دولة أخرى! فيحتاج إلى حرفٍ تجذبه إليك.

" كالنائم والساهي، أو قريباً، فإن كان بعيداً أو في حكمه فله من حروف النداء (يا) و (أي) و (آ) و (هيا) "، أسقط من الشرح (أيا) خمسة هي:(يا) و (أي) و (آ) و (أيا) و (هيا) ليست موجودة في الشرح، هذه الخمسة يُنَادى بها البعيد أو ما هو في حكم البعيد، وإنما نودي البعيد بهذه الأدوات المشتملة على حرف المد انظر! حرف مد (يا) .. (آي) .. (وآ) يعني:(آ) .. (أيا) .. (هيا) كلها مشتملة على حرف مد؛ لأن البعيد يحتاج في نداءه إلى مَدِّ الصوت ليُسْمَع .. تريد أن تسمعه من أجل أن يسمع تَمُدَّ له الصوت فناسب أن يكون للبعيد، وهو ظاهرٌ في غير (أي) بقصر الهمز.

وهذه العلة تؤكد ما ذهب إليه ابن برهان: أن المتوسط له (أي) وهذا أولى: أن يُجْعَل (أي) للمتوسط، والهمز للداني وما عداهما تُجعلُ للبعيد، وأمَّا مسالة التنزيل لا ضابط لها .. مسألة التنزيل هذا خروجٌ عن الأصل .. كأنه مجاز، والكلام في الحقيقة.

ص: 9

وإن كان قريباً فله الهمزة: أزيدُ أقبل، وإن كان مندوباً وهو المُتَفَجَّعُ عليه أو المُتَوَجَّعُ منه فله (وا): وا زيداه .. وا ظهراه، و (يا) أيضاً يُستَعْمَل في الندب عند عدم التباسه بغير المندوب، فإن التَبَس تَعَيَّنَت (وا) وامتنعت (يا)، و (يا) هذه عند النحاة: هي أُمُّ الباب، ولذلك تدخل في كل نداء، على القريب والبعيد والمتوسط، وتَتَعيَّن في لفظ الجلالة: اللهُ .. يا اللهُ، لا يُنَادى لفظ الجلالة: يا الله إلا بـ (يا)، وأمَّا ما عداها فلا تدخل، لا يُقال: اللهُ .. آلله لا، آلله: هذا قسم.

وتَتَعيَّن في الله تعالى، فعمومها باعتبار المحل، ولا يُقَدَّرُ عند الحذف سواها:((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا)) [البقرة:200] رَبَّنَا: هذا مُنَادى، بماذا نُقَدِّر حرف النداء؟ (يا) فقط، ما يجوز: أربنا .. أي ربنا ما يجوز، وإنما يُقدَّرُ (يا) فقط فهي التي تُحذَفُ.

ولا يُقدَّرُ عند الحذف سواها، وكما تَتَعيَّن في لفظ الجلالة تَتَعيَّن في المُستغاث و (أيها) و (أيتها): يا أيها المسلمون، نقول: هذا (يا) ما يصح أن تأتي بغيرها، كذلك: أيتها المسلمات .. يا أيتها المسلمات، يَتَعيَّن معها (يا) ولا يجوز غيرها؛ لأن الأربعة لم يسمع نداؤها إلا بـ (يا)، ما هي هذه الأربعة؟ لفظ الجلالة: الله .. المُستغاث. (أي). (أيها) المؤمنون. (أيتها) المسلمات.

لم يسمع نداؤها (أي) و (أيتها) إلا بـ (يا) فيَتَعيَّن معها، ولذلك أُمَّ الباب دائماً يُتَصَرَّفُ فيه ما لا يُتصَرَّفُ في غيره.

إذاً نقول: الحروف التي ذكرها الناظم هنا كم؟ خمسة للبعيد، (وَالهَمْزُ لِلدَّانِي) هذه السادسة، و (وَا) هذه سبعة أحرف، و (آي) بالمد هذه ثمانية، إذاً: للنداء ثمانية أحرف جاءت في لسان العرب على التفصيل الذي ذكرناه.

ونقول هنا تلخيصاً لما سبق: (يا) هي أم الباب وهي أعم حروف النداء، ولا يُقَدَّرُ عند الحذف غيرها، واختُلِفَ فيما يُنادى بها، فقال ابن مالك:" هي للبعيد حقيقةً أو حكماً كالنائم والساهي " وهذا الذي ذكره في الألفية، وقال أبو حيان:" هي أعم الحروف وتُستعملُ للقريب والبعيد مطلقاً " وهذا لم يُنَازِع فيها أيضاً ابن مالك رحمه الله.

قال ابن هشام: " (يا) حرفٌ لنداء البعيد حقيقةً أو حكماً - هذا وافق فيه ابن مالك -، وقد يُنَادى بها القريب توكيداً " وهذا قلنا: ليس خاص بـ (يا) كل ما كان للبعيد يجوز أن يُنَادى به القريب فيكون الزيادة على القرب توكيدٌ له، من غير عكس، يعني: ما كان للبعيد لا يُنَادى به القريب إلا على جهة التنزيل، وقد يُنَادى بها القريب توكيداً وقيل: هي مشتركة بين القريب والبعيد، وقيل: بينهما وبين المتوسط، هذه كلها متداخلة .. الخلاف هنا لفظي وليس حقيقي؛ لأن (يا) تُستعملُ في الجميع: البعيد والقريب والمتوسط.

ص: 10

و (أَيْ) بفتحٍ وسكون قال المُبَرِّد: " هي لنداء القريب كالهمزة المفردة "، وقال ابن مالك:" هي لنداء البعيد كـ (يا) وقيل للمتوسط "، وهذا قول ابن برهان وهو أولى: أن يُجعل للمنادى ثلاث مراتب: بعيد ومتوسط وقريب، و (أيا) عند جمهور النحاة: لنداء البعيد، وهذا أعَدَّه ابن مالك هنا للبعيد، وفي الصحاح: أنها لنداء القريب والبعيد، قال في المغني:" وليس الأمر كذلك ".

وَلِلمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا

وَأَيْ وَآ كَذَا أَيَا ثُمَّ هَيَا

وَالهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا" لِمَنْ نُدِبْ

أَوْ يَا وَغَيرُ وَا لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ

إذاً نقول: النداء حقيقةً: هو طلب الإقبال بحرفٍ نائبٍ مناب أدعو، وهو واحدٌ من هذه الأحرف الثمانية، ولا يجوز أن يُدعى أحدٌ بحرفٍ غير هذه الحروف الثمانية؛ لأن المسألة توقيفية .. مبناها على لسان العرب.

ناب مناب أدعو ملفوظٍ به أو مُقَدَّر، والتقدير الغالب يكون في الهمز أو (يا) إلا إذا تَعيَّنَ (يا) حينئذٍ لا يجوز تقدير غيرها.

قال بعضهم: ولا يرِد يا زيد لا تُقبل، إذا قيل: بأنه نداء يا زيد لا تُقبل، هذا نداء أو لا .. أو تعارض صدره مع عَجُزه؟ نقول: هذا نداء لأن النداء هنا إقبالٌ على الذات: يا زيد حصل النداء، ثُمَّ: لا تُقبل، هذا الخطاب موجه إلى المُنَادى: نَاديتَه أولاً: يا زيدُ أقبل .. يا زيد خذ ما معك، إذاً: عندنا نداء وعندنا نهي: يا زيدُ لا تُقبل، أيهما المُنَادى؟ زيد، إذاً: نَاديتَه أولاً يا زيدُ ثُم خاطبته، إذاً: لا اعتراض .. لا ينتقض هذا بكون النداء طلب إقبالٍ، يا زيد لا تحضر .. يا زيد لا تأت، هذا لا إشكال فيه لأنه مخالف، أمَّا: يا زيد لا تُقبل، هذا فيه إشكال، لكن نقول: المرادُ به: أن (يا) لطلب الإقبال لسماع النهي، والنهي عن الإقبال بعد التوجه، قال: يا زيد، فنظر إليه: لا تُقبل .. لا تحضر.

واعتُرِضَ نيابةُ حرف النداء عن أدعو، بأن أدعو خبر والنداء إنشاء، أدعو زيداً خبر، ويا زيدُ هذا إنشاء، فكيف أُقيمَ (يا) مُقامَ (أدعو)؟ نقول: نعم، الأصل فيه أنه للإخبار لكن نُقِلَ، لماذا حُذِفَ أدعو وأُنيب (يا) مُنابه؟ نقول: لقصد الانتقال من الإخبار إلى الإنشاء فلا تعارض حينئذٍ. وأُجيب بأن (أدعو) نُقِلَ إلى الإنشاء، ثُم إنما يُنَادى المُمَيِّز، هذا يذكره بعضهم وفيه نظر .. نأت.

إنما يُنَادى المُمَيِّز الذي يَعْقِل، يعني: من يَعْقِل هو الذي يُنَادى، وأمَّا من لا يعقل فلا يُنَادى، حينئذٍ:((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ)) [سبأ:10] قالوا: هذا ليس بنداء؛ لأنه لا يعقل. وإنما صَحَّ توجيهُ النداء تَنْزيلاً له مُنَزَّلة العاقل: ((يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)) [هود:44] هذا ليس بنداء؛ لأنه لا يُنَادى إلا المُمَيِّز، والصواب التفصيل: أنه إن كان من الله تعالى فهو نداءٌ حقيقي، ولا مانع أن يُخاطِب الرب جل وعلا الجبال، أو الأرض، أو السماوات أياً كان من الجامدات فتسمع وتلبي الطلب، وقد تتكلم وقد تتحدث .. لا مانع من هذا، وإنما يمتنع في تصورنا نحن.

ص: 11

وأمَّا إذا قال شاعر: يا جبال .. يا سماء .. يا شمس .. يا أرض، من المعاني المجازية، فحينئذٍ نقول: نَزَّلَ غير العاقل مُنَزَّلةَ العاقل فخاطبه، لأن الإنسان يخاطب من .. إذا ناديت شخص: يا جدار تعال .. أقبل؟ مجنون هذا! لكن إذا خاطب من أجل معانٍ معينة في الشعر: الجبال والشمس ونحو ذلك، حينئذٍ نقول: عَامَلَ هذه الجمادات معاملة من يعقل، وأمَّا الرب جل وعلا فلا ندخل كل مسائل تأتي في النحو أو في غيرها لا بُدَّ من تعاريف عامة ونحو ذلك لا، نُجِّلُه عن مثل هذه المسائل نقول: لا، ((يَا جِبَالُ)) [سبأ:10] حقيقةً، ((يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)) [هود:44] حقيقةً، ولا نقول: هذا مجاز.

وإنما يُنَادى المُمَيِّز، فأمَّا نحو:((يَا جِبَالُ)) [سبأ:10] و ((يَا أَرْضُ)) [هود:44] فقيل: إنه من باب المجاز، وهذا غلط ليس من باب المجاز بل هو حقيقةً، وأمَّا في شأن البشر فلا إشكال أن يُقال بأنه مجاز.

ثُمَّ قال رحمه الله:

وَغَيرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا

جَا مُسْتَغَاثَاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا

وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالمُشَارِ لَهْ

قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ

وَغَيرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا

جَا مُسْتَغَاثَاً قَدْ يُعَرَّى ..

يُعَرَّى يعني: يُجَرَّد من حروف النداء لفظاً، يعني: يجوز حذف حرف النداء، وهذا له ثلاثة أقسام .. مُنَادى، على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسمٌ يمتنع معه حذف حرف النداء، لا يجوز أن يُحذفَ البتة.

وقسمٌ يجوز على قلةٍ .. يقل.

وقسمٌ يجوز.

إذاً: هل يجوز حذف حرف النداء ويُقال: مُنَادى كما هو؟ نقول: هذا فيه تفصيل، لأن المُنَادى باعتبار حذف حرف النداء وعدمه ثلاثة أقسام:

قسمٌ يمتنع أن يُحذف معه حرفُ النداء .. ممنوع لا يجوز.

وقسمٌ يجوز على قلةٍ يقل.

وقسمٌ: جائزٌ مطلقاً.

أشار إلى الأول: الذي هو يمتنع معه الحذف، وما يجوز بقوله:(وَغَيرُ مَنْدُوبٍ)، إذاً: هذين البيتين أشار بهما إلى ما يمتنع وما يجوز .. البيت الأول.

(وغَيرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا

جَا مُسْتَغَاثَاً) هذه الثلاث المذكورات: المندوب، والضمير، والمُستغاث إذا نُوديت يمتنع حذف حرف النداء معها، غيرها يجوزُ، غير المذكور، إذاً دَلَّ على القسم الأول بالمنطوق أو بالمفهوم؟ ما يمتنع حذف حرف النداء معه، أشار إليه بقوله:(وَغَيرُ مَنْدُوبٍ) هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ بالمفهوم.

وأمَّا ما يجوز مُطلقاً فدَلَّ عليه بالمنطوق: (وَغَيرُ مَنْدُوبٍ قَدْ يُعَرَّى)، قد: هنا للتقليل، (يُعَرَّى) يعني: يُجَرَّد، يُعَرَّى من حرفٍ، أو من أحرف النداء لفظاً، (غَيرُ) مبتدأ وهو مضاف، و (مَنْدُوبٍ) مضافٌ إليه، (وَمُضْمَرٍ) معطوفٌ على مندوب.

(وَمَا جَا) إمَّا بالقصر ضرورةً وإمَّا لغة، لأنه يقال: جَا يَجِي وجاءَ يَجِيءُ، جَا يَجِي بدون همز، وجاءَ يَجِيءُ، هنا نقول: لغة، وإن كان أكثر الشُرَّاح على أنه قصره للضرورة.

ص: 12

(مُسْتَغَاثَاً) هذا حال من فاعل جَا، (مَا جَا مُسْتَغَاثَاً) والذي (ما) هنا معطوف على قوله:(مَنْدُوبٍ)، و (جَا) هذه صلة الموصول، والفاعل ضمير مستتر يعودُ على غير، (مُسْتَغَاثَاً) هذا حالٌ من فاعل (جَا)، (قَدْ يُعَرَّى) الجملة في محل رفع خبر المبتدأ (غَيرُ)، (قَدْ يُعَرَّى) يعني: قد يُجَرَّدُ من حروف النداء لفظاً، (فاعْلَمَا) الفاء هذه عاطفة، (اعْلمَا .. اعْلمن) الألف هذه هي نون التوكيد الخفيفة مُنْقَلبة ألفاً، فاعْلمن .. فاعْلمَا تَمَّمَ به البيت.

وإن لزم عليه حذف النائب والمنوب عنه، لأنه إذا قيل:((يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)) [يوسف:29] يوسف: حينئذٍ نحن أنبنا (يا) مناب أدعو، فحُذِفَ المُناب عنه: أدعو، وأُقيمَ (يا) مُنابه، حذفنا النائب كذلك، إذاً: لزِمَ على القول بتجويزِ حذف حرف النداء أن يُحذفَ النائب وما أُنيبَ عنه ولا بأس، لماذا؟ لأن القرينة واضحة بينة على أن المراد نِداء ((يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)) [يوسف:29] ((رَبَّنَا آتِنَا)) [البقرة:200] نقول: ربنا حُذِفت (يا) كيف يُحذَف وهي عوض؟ نقول: نعم، يُحْذَف لقوة الدلالة على أن المراد هنا: النداء.

إذاً: يمتنع حذف حرف النداء مع هذه الثلاثة التي ذُكِرَت وهي: المندوب، والضمير، والمستغاث، المستغاث سيأتينا باب مستقل .. ثلاثة أبيات في محله إن شاء الله تعالى.

وقوله: (مُضْمَرٍ) ظاهره أنه يجوزُ نداء كلُ مُضْمَر سواءٌ كان مُتَكَلم: يا أنا، أو يا أنت، أو يا هو مطلقاً، ظاهره: أنه يجوز نِداءُ كل ضمير، سواءٌ كان لمتكلمٍ: يا أنا، أو يا أنت، أو يا هو، والصحيح منعه مطلقاً، والخلاف في ضمير المخاطب فقط، أمَّا ضمير المُتَكلِّم والغائب فندائهما ممنوعٌ اتفاقاً: يا هو .. يا أنت .. ، يا هو: هذا ضمير غائب .. يا أنت: مخاطب .. يا أنا: هذا مُتَكَلم، الخلاف واقع في ضمير المُخاطَب فحسب: يا أنت، هل هو جائز أم لا؟ أمَّا: يا هو، نقول: هذا ممتنع اتفاقاً، ويا أنا: هذا ممتنعٌ اتفاقاً.

إذاً قوله: (وَمُضْمَرٍ) نُنَكِّت عليه بأن ظَاهره: أنه يجوز مطلقاً، إلا إذا صَحَّ أن الناظم يرى الجواز مُطلقاً، والصحيح: منعه مُطلقاً.

وثالثها التفصيل: وهو جوازه في الشعر خَاصَّةً، والخلاف في ضمير المُخاطَب فقط، أمَّا ضمير المُتَكلِّم والغائب فندائهما ممنوعٌ اتفاقاً.

وشذَ إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ ..

(إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ) يا إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ، (يا) حرفُ نِداء و (إِيَّاكَ) هذا ضمير مُنْفَصل وهو ضمير نصبٍ، قَدْ كَفَيْتُكَ، هذا شاذٌ يُحفظُ ولا يُقاس عليه.

وَغَيرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا

جَا مُسْتَغَاثَاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا

أمَّا امتناع حذف (يا) مع المندوب والمستغاث قيل: لأن المستغاث والمندوب يُطلبُ فيهما مَدُّ الصوت، والحذف ينافيه، ولتفويت الدلالة على النداء مع الضمير، إذ هو دالٌ بالوضع على الخطاب، إذاً: يمتنع حذف حرف النداء مع المندوب والمستغاث؛ لأن المستغاث والمندوب يُطلبُ فيهما مَدُّ الصوت، وهذا لا يمكن أن يوجد مع الحذف.

ص: 13

وأمَّا الضمير فيمتنع حذف (يا) إذا قيل: بأنه يجوزٌ إدخال (يا) على المناداة .. ضمير المخاطب، نقول: لتفويت الدلالة على النِداءِ مع الضمير، وعَدَّ في التسهيل من هذا النوع لفظ الجلالة: الله، يعني: مما لا يجوز حذف حرف النداء معه المندوب، والمضمر، والمستغاث، ولفظ الجلالة: الله، فيقال: يا الله ولا يقال: الله بناءً على حذف (يا) النداء، والمُتعجب منه كذلك، وأمَّا في لفظ الجلالة يمتنع؛ لأن نداءه على خلاف الأصل لوجود (أل).

قاعدة في المُنَادى: أن لا يكون المُنَادى مُحلىً بـ (أل) يا الرجل هذا ممتنع .. يا المؤمن هذا ممتنع، لا بُدَّ أن يكون ثَمَّ وُصْلة بين (يا) النداء والمُنَادى، حينئذٍ نقول الأصلُ: المنع. لأن نداءه على خلاف الأصل لوجود (أل) فيه، فلو حُذِفَ حرف النداء لم يدل عليه دليل، بخلاف ((يُوسُفُ أَعْرِضْ)) [يوسف:29] (يا) يُوسُفُ، أمَّا: اللهُ حينئذٍ نقول: إذا حُذِفَ (يا) الأصل في المحلى بـ (أل) أنه لا تدخُل عليه (يا) النداء، حينئذٍ كيف يُفهم حذفُ (يا) النداء؟ ولذلك امتنع.

والمُتَعجب منه؛ لأنه كالمستغاث لفظاً وحكماً، إذاً: زادوا هذين الاثنين مع الثلاثة فصارت خمسة: المندوب، والمُضمر، والمستغاث، ولفظ الجلالة: الله، والمتعجب منه؛ لأنه كالمستغاث كما سيأتي في محله.

وعَدَّ في التوضيح المُنَادى البعيد .. سادساً: المُنَادى البعيد؛ لأن مَدَّ الصوت معه مطلوبٌ ليسمع فيُجيب، والحذف ينافيه: يا زيد .. بعيد هو، فإذا حُذِفت (يا) النداء حينئذٍ نقول: هو ما جِيءَ بحرف النداء إلا من أجل إبلاغ الصوت ليسمع، حينئذٍ إذا حُذِفَ كيف يسمع؟ قال: هذا يمتنع فيه، إذا كان بعيداً المُنَادى يمتنع حذف حرف النداء، إذاً هذه ستة مما يمتنع فيها حذف النداء.

(وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالمُشَارِ لَهْ قَلَّ)، (وَذَاكَ) أي: التَعَرِّي من الحروف .. المشار إليه: التَعَرَّي (قَدْ يُعَرَّى)، إذاً: أشار إلى المصدر: (قَدْ يُعَرَّى).

(وَذَاكَ) أي: التَعَرِّي من الحروف (فِي اسْمِ الجِنْسِ قَلَّ)، (قَلَّ) فِي اسْمِ الجِنْسِ، (ذَاكَ) مبتدأ، وجملة قَلَّ في محل رفع خبر، و (فِي اسْمِ الجِنْسِ) مُتَعلِّق بـ:(قَلَّ)، والمراد باسْمِ الجِنْسِ: النكرة.

(وَالمُشَارِ لَهْ) في اسْمِ الجِنْسِ قلنا المراد به: النكرة، لكن يُقَيَّد المُعَيَّن، النكرة سيأتي: نكرة مقصودة، ونكرة غير مقصودة، هنا المراد باسْمِ الجِنْسِ: النكرة المقصودة .. المُعَيّن: هي التي لا يجوز حذف النداء، أو أنه يجوز لكنه على قلة، فيه خلاف.

(وَالمُشَارِ لَهْ) يعني: إذا كان المُنَادى اسم إشارة: يا هذا أقْبِل .. يا هذا خُذ معك كذا، حينئذٍ نقول: لو قيل هذا خُذ معك، قد لا يُفْهَم أنه مُنَادى إذا حُذِفَ حرفُ النداء، ولذلك منعَ البعض وجَوَّزَ البعض لكنه على قلةٍ.

ص: 14

وَذَاك للتعري من الحروف فِي اسْمِ الجِنْسِ أي: المُعَيَّن، (وَالمُشَارِ لَهْ) اسْمِ الجِنْسِ قلنا: أطلقه .. هنا اسْمِ الجِنْسِ أطلقه لم يُقَيِّده، وقَيَّده في التسهيل بالمبني للنداء، ما هو المبني للنداء .. النكرة اسْمِ الجِنْسِ متى يكونُ مبنياً للنداء؟ إذا كان نكرة مقصودة، وأمَّا ما عداه فلا. إذ هو محل الخلاف، فأمَّا اسْمُ الجِنْسِ المفرد غير المُعيّن كقول الأعمى: يا رجلاً خُذ بيدي .. (يا غَافِلاً وَالَموْتُ يَطْلبُهُ) فَنَصَّ في شرح الكافية: على أن الحرف يلزمه، إذاً: هذا يُجعلُ سابعاً على قول ابن مالك رحمه الله تعالى: أنه يَلزمُ يعني: لا يجوز حذف حرف النداء معه، وهو النكرة غير المقصودة: يا غَافِلاً وَالَموْتُ يَطْلبُه .. يا رَجُلاً خُذْ بِيَدي، قال: هذا نكرة غير مقصودة، فحينئذٍ يلزمه الحرف فلا يجوز حذفه.

إذاً: قوله (وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ) لا بُدَّ من تقييده، وأن المراد به: النكرة المقصودة، وأمَّا غير المقصودة فَعَدَّها ابن مالك رحمه الله في شرح الكافية مما يلزم إبقاء حرف النداء معه ولا يجوز حذفه.

(وَالمُشَارِ لَهْ) معطوف على (اسْمِ الجِنْسِ)، كذلك حذفه قليل، يعني: إذا كان المشار إليه مُنَادى حينئذٍ لا يُحذَفُ حرف النداء معه إلا على قلةٍ.

اعْتُرِضَ بأن حقه أن يقول: وَالمُشَارِ به، لا المُشَارُ لَهْ، لأنه هو الذي يُشارُ به .. هذا المقصود اللفظ، والمُشَارُ له، هذا ليس هو المقصود .. ليس هو مدخول (يا). فأٌجيبَ بأن في كلامه حذف مضاف أي: ولفظ المُشارِ له من حيث إنه مُشارٌ له، وهو اسم الإشارة يعني: لا بُدَّ من لفة حتى نُسَلِّم ابن مالك رحمه الله تعالى من الوقوع فيما يوهم.

أُجيبَ بأن في كلامه حذف مضاف تقديره: ولفظِ المُشَارِ لَهْ، ما هو لفظ المُشَارِ لَهْ؟ المُشَارِ لَهْ: هو الرجل نفسه، لفظ المُشَارِ لَهْ، يعني: هذا .. اللفظُ الذي أُشِيرَ به له، إذاً: والمُشَارِ لَهْ، نقول: المُشَار له هو الشخص نفسه لا حرف النداء، ونحن نتكلم عن الألفاظ: يا هذا .. ذا .. هذا لفظ، وأنت المُشار له، والآن دخولُ (يا) على ماذا .. على اللفظ أو على المُشَار إليه؟ على اللفظ لا شك.

حينئذٍ لا بُدَّ من التقدير. بأن في كلامه حذف مُضاف أي: ولفظَ المُشَارِ لَهْ، من حيثُ إنه مشارٌ لَهْ وهو اسمُ الإشارة، وظاهره جواز نداء اسم الإشارةٍ مطلقاً .. كل اسم إشارة، وقَيَّده الشاطبي بغير المتصل بالخطاب: يا ذاك، هذا منعهُ الشاطبي، وظاهر كلام الناظم هنا: أنه يجوز مطلقاً.

(قَلَّ) قلنا الجملة (قَلَّ) .. ما هو الذي قل؟ التَعَرِّي، لا بُدَّ من الرابط بين الجملة الخبرية مع المُبتدأ.

(وَمَنْ يَمْنَعْهُ)، (وَمَنْ) هذه شرطية مبتدأ، (يَمْنَعْهُ)(يَمْنَعْ) هذا فعل الشرط مجزوم بـ (مَنْ) والفاعل ضمير مستتر يعود على (مَنْ)، والضمير هنا: مفعولٌ به.

(فَانْصُرْ عَاذِلَهْ) فَانْصُرْ لَائِمَهْ، يعني: الذي يلومُ من يمنع انْصُره، إذاً: ابن مالك يرى الجواز أو المنع؟ يرى الجواز؛ لأنه وقف مع مَن؟ وقف مع الذي يلومُ المانع، والذي يلومُ المانع مُجَوِّز لا مانع؛ لأنه لام المانع فدل على أنه يُجَوِّز.

ص: 15

(وَمَنْ يَمْنَعْهُ) فيهما، يعني:(فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالمُشَارِ لَهْ)؛ لأن بعض النحاة ألحقوا اسْم الجِنْسِ، واسْمِ الإشارة بالمندوب، والمُضمر، والمُستغاث، بأنه لا يجوزُ حذفُ حرف النداء البتة منها، فهي خمسة حينئذٍ بإدخال اسْمِ الجِنْسِ وَالمُشَارِ لَهْ، لكن بعضهم: يرى الجواز، ونصره ابن مالك.

وَمَنْ يَمْنَعْهُ فيهما أصلاً، (فَانْصُرْ عَاذِلَهْ) يعني: لائِمَهُ على ذلك.

والمنع مذهب البصريين، والجواز مذهب الكوفيين، من يمنع هم البصريون، يمنعون ماذا؟ يمنعون حذف حرف النداء مع اسْمِ الجِنْس .. النكرة المقصودة، ويمنعون حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، فلا يجوز عندهم مطلقاً بلا استثناء، وجَوَّزَه الكوفيون بناءً على وروده في السمع مطلقاً، لكنه على قلة، وابن مالك وافق الكوفيين، والصواب: هو مذهب الكوفيين لوروده؛ لأنه ورد في السماع.

قال الشارح هنا: لا يجوز حذف حرف النداء مع المندوب، نحو: وازيداه، ولا مع الضمير نحو: يا إياك قد كَفيتُكَ .. كُفِتُكَ يُقرأ بالوجهين، ولا مع المستغاث نحو: يا لزيدٍِ، هذه الثلاثة نَصَّ عليها ابن مالك هنا بالمفهوم: بأنه لا يجوز حذف حرف النِداء معها، وزدنا عليها أربعة، وأمَّا غير هذه، ما هو؟ غير هذه المذكورات فهو جائزٌ.

حينئذٍ ذَكَرَ الأقسام الثلاثة كلها، ما يمتنع حذف حرف النداء معه، ذَكَرَ ثلاثة منها، بالمنطوق يجوز إذا لم يكن واحداً من هذه الثلاثة، ما يجوز مع قِلَّةٍ أشار إليه بالبيت الثاني:(وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالمُشَارِ لَهْ قَلَّ) فهو قليل، إذاً: البيت الأول تَضَمَّن قسمين: الممتنع، والجائز مطلقاً، ثُم قيَّدَ الجواز مطلقاً بقوله:(وَذَاكَ فِي اسْمِ الجِنْسِ وَالمُشَارِ لَهْ) لأن قوله: (وَغَيرُ مَنْدُوبٍ) وما عُطِفَ عليه قد يُعَرَّى، قد يُفهم منه أنه يجوز فيه مُطلقاً، ودخلَ فيه اسمُ الجنس واسم الإشارة، بأنه مطلقاً يستوي فيه الحذفُ وعدمه، ولمَّا كان الحذف قليلاً في اسمِ الجنسِ، واسمُ الإشارة قَيَّده هنا وهو القسم الثاني.

قال هنا: " وأمَّا غير هذه فيُحذَفُ معها الحرف جوازاً "، حينئذٍ الحذف يكون في غير الخمسة، فيما إذا كان علماً: يا زيدُ أَقبل .. زيد أقبل، يجوزُ فيه الوجهان، يا زيد أقبل هنا علم، ليس واحداً من هذه الأمور الخمسة التي عناها الناظم ((يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)) [يوسف:29].

وقد يكون مُضافاً: يا غُلامَ زيدٍ أقبل .. غلام زيدٍ أقبل، ((أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ)) [الدخان:18] يا عباد الله حُذِفَ لكونه مُضافاً.

وكذلكَ الموصول: "مَنْ لَا يَزَالُ مُحسِناً أَحْسَنْ إليَّ، يعني: يا من لا يزال محسناً.

وكذلك: المُطَوَّل الذي هو الشبيه بالمضاف: طالعاً جبلاً أقبل.

و (أي) أيها المؤمنون، حينئذٍ هذه كلها مما يجوزُ فيه بكثرة، ليس مما نَصَّ عليه بكونه قليلاً، القليل في اثنين فقط: اسْمِ الجِنْسِ، وَالمُشَارِ إليه، وما عدا هذا حينئذٍ يدخل فيه العلم، ويدخل فيه المُضاف، والموصول، والمُطَوَّل، و (أي) هذه كلها كثيرٌ فيها حذف حرف النداء.

ص: 16

وأمَّا غير هذه فيُحذفُ معها الحرف جوازاً لا مع قِلَّةٍ، فتقول: يا زيد أقبل .. زيد أقبل، يا عبد الله اركب .. عبد الله اركب إلى آخره، لكن الحذف مع اسم الإشارة قليل .. (قَلَّ)، وكذا مع اسْمِ الجِنْسِ حتى إن أكثر النحويين منعوا، وهو مذهب البصريين، ولكن أجازه طائفةٌ منهم وتبعهم المصنف، ولهذا قال:(وَمَنْ يَمْنَعْه فَانْصُرْ عَاذِلَهْ) انْصُرْ عَاذِلَهْ، يعني: انْصُرْ من يعذله على من منعه لورود السماعِ به، فمِمَّا ورد منه مع اسم الإشارة قوله تعالى:((ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ)) [البقرة:85] وسطه بماذا؟ ((هَؤُلاءِ)) [البقرة:85] ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم.

وقولُ الشاعر: ذَا ارْعِوَاءً البيت يعني: يا ذا، (ذا) هذا اسم إشارة وهو مُنَادى، ومما ورد منه مع اسم الجِنْس قولهم: أَصبِح ليلُ يعني: يا ليلُ .. أَصبِح يا ليلُ، حُذِفت (يا) قيل: أَصبِح ليلُ، ومنه: ثوبي حجر .. ثوبي يا حجر، وأطرِقْ كَرَا، أصله: يا كروان ثُم رُخِّم، أطرِقْ كَرَا .. يا كرا إن النَّعَامَ في القَرَى، وهذا مثلٌ يُضربُ لمن تَكَبَّر وقد تواضع من هو أشرف منه هكذا قيل، أي: اخفِض يا كرى عُنُقَكَ للصيد .. حيوان، فإن من هو أكبر وأطول منك عُنقاً وهو النعامُ قد صِيدَ، إذاً: قيل: يا كَرَا .. يا كَرَوان هذا الأصل .. فجاز.

وكلاهما عند الكوفيين مَقيسٌ مُطَّرِد الذي هو: حذف (يا) النداء، أو حرف النداء مع اسم الإشارة واسْمَ الجِنْس، مُطِّرِد عند الكوفيين قياساً مُطَّرِداً، ومذهبُ البصريين المنعُ فيهما، وحُمِلَ ما وَردَ على شذوذٍ أو ضرورة، كل ما ورد إمَّا شاذ وإمَّا ضرورة.

ولذلك لحنوا المتنبي: (هَذِي بَرَزْتِ لَنا فَهِجْتِ رَسيسَا .. )

هذي، يعني: يا هذه لحَّنُوا المتنبي، والبصريون عندهم قوة في تلحين الشعراء.

إذاً نقول: يجوز حذُفُ حرف النداء إلا فيما منعه الناظم بقوله: (مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا جَا مُسْتَغَاثَاً).

هنا قال: " الحاصل أن الحرف يَلْزَم في سبعة مواضع: المندوب، والمستغاث، والمُتعجبُ منه، والمُنَادى البعيد، والمُضمر، ولفظ الجلالة، واسمُ الجنسِ غير المُعيَّن، وفي اسم الإشارة واسم الجنس المُعيَّن خلافٌ كما عرفته" فمنعُ البصريين مشهور، وكذلك جواز الكوفيين.

أمَّا حذف المُنَادى وإبقاء حرفِ النداء .. العكس، حذف المُنَادى وإبقاءُ حرف النِداء يعني: تَحذف زيد وتبقي الحرف، المسألة السابقة في حذف حرف النداء وإبقاء المُنَادى، هنا العكس.

وأمَّا حَذفُ المُنَادى وإبقاء حرف النداء فهذا خَاصٌ الخلافُ الوارد فيه في (يا) فقط، وأمَّا ما عداه فلا يجوز .. لا يجوز أن يُحذف المُنَادى ويبقى حرفُ النداء، وأمَّا الخلاف الوارد فهو في (يا) على جهة الخصوص. فذهب ابن مالك إلى جوازه، لكن بشرط: أن يكون قبل الأمر والدعاء: ألا يا اسجدوا .. ألا يا هؤلاء اسجدوا، حُذِفَ المُنَادى وبقي (يا) على قول.

أَلَا يا اسْلَمي يَا دارَ مَيَّ عَلى الْبَلى ..

ص: 17

يا اسْلَمي: هذا دعاء، (يا) وقلنا:(يا) لا تدخل إلا على الأسماء، إذاً: يا هؤلاء مثلاً، أو يا قومِ، أو يا هذه، نقول: هنا حُذِفَ المُنَادى وبقي حرف النداء، وهو مقيسٌ عند ابن مالك رحمه الله، فيما إذا تلاه -يعني: حرف النداء- أمرٌ أو دعاءٌ، وما عداه فهو على الأصل من المنع. وذهب أبو حيَّان إلى منعه مُطلقاً ولو كان بعد الأمر والدعاء.

وعَلَّلَه: بأن الجمع بين حذف فعل النداء وحذف المُنَادى إجحافٌ، ولم يرد بذلك سماعٌ عن العرب.

و (يا) في الشواهد التي استدل بها ابن مالك وغيره للتنبيه، ليست حرفَ نداء وإنما هي للتنبيه، وهذا مضى معنا في أول الباب.

كـ (هي) قبل (ليت)، و (رُبَّ) و (حبذا)، هذا يكاد يكون محل وفاق: أن (يا) إذا كانت تاليةً لها (ليت)((يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)) [يس:26] يا حبذا، سبق معنا أن (حبذا) هذه تدخل عليها (يا)، كذلك: يا رُبَّت ما، دخلت (يا) على رُبَّ، حينئذٍ نقول: هذه حرف تنبيه وليست بحرف نداء، وهذا التعليل واضح بيِّن، أمَّا:(أَلَا يا اسْلَمي) نقول: لو جُعِلتَ (يا) حرف تنبيه، و (ألَا) حرف تنبيه للزِمَ دخول حرف تنبيهٍ على حرف تنبيه، حينئذٍ لا بُدَّ أن نقول: بأن (يا) هنا حرف نداء على الأصل، والمُنَادى محذوف، وما أجاب به أبو حيَّان فهو فيه نظر.

ثُمَّ قال رحمه الله:

وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا

عَلَى الَّذِي فِي رَفْعِهِ قَدْ عُهِدَا

هذا شروعٌ في حكم المُنَادى نفسه، انتهينا من النِداء .. تعريفه، وانتهينا من حروف النِداء، وما يجوزُ حذفه وما لا يجوزُ، واستعمالاته ونحو ذلك.

الآن دخولٌ في المُنَادى نفسه، المُنَادى: إمَّا أن يكون مبنياً، وإمَّا أن يكون مُعْرَباً، وإن شئت قل: إمَّا أن يكون مرفوعاً، وإمَّا أن يكون منصوباً، متى يكون مبنياً، ومتى يكون معرباً على النصب؟ قال:(وَابْنِ) أمر.

وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا

عَلَى الَّذِي فِي رَفْعِهِ قَدْ عُهِدَا

(ابْنِ) هذا فعل أمر مبنيٌ على حذف حرف العلة وهو (الياء) بنا يبني ابْنِ، إذاً: يبني ابْنِ، إذاً: حذف حرف العلة وهو (الياء).

(وَابْنِ) والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت و (المُعَرَّفَ) مفعولٌ به، و (المُنَادَى) هذا بدل أو عطف بيان، (المُفْرَدَا) الألف هذه للإطلاق، والمفردَا: نعتٌ للمُنَادى، ابْنِ عَلَى الَّذِي .. إذاً: عَلَى الَّذِي: جار مجرور مُتَعلِّق بقوله: (ابْنِ).

(قَدْ عُهِدَا فِي رَفْعِهِ)، (في رفعه) مُتَعلِّق بقوله:(عُهِدَا) والألف للإطلاق في عُهِدَا وهو مُغَيَّر الصيغة، و (قَدْ)، وجملة:(قَدْ عُهِدَا) من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، إذاً: هكذا البيت:

وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا

عَلَى الَّذِي فِي رَفْعِهِ قَدْ عُهِدَا

(عَلَى الَّذِي قَدْ عُهِدَا فِي رَفْعِهِ)، وسيأتي تأويل:(رَفْعِهِ).

ص: 18

المُنَادى إمَّا أن يكون مفرداً أو لا، والمراد بقولنا أو لا: إمَّا أن يكون مضافاً أو شبيهاً بالمضاف، الكلام في أحكام المُنَادى من حيث التقسيم الكلي، كالكلام في أحكام اسم (لا)، إمَّا أن يكون مفرداً، وإمَّا أن يكون مضافاً، وإمَّا أن يكون شبيهاً بالمضاف، المفرد في باب (لا) ما هو؟ ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف، المضاف ما هو؟ هو المضاف: غلامُ زيدٍ .. صاحبَ علمٍ، وإن شئت قل: كل اسمين نُزِّلا ثانيهما مُنَزَّلةَ التنوين مما قبله لا إشكال: كغلام .. غلام زيد .. صاحب علمٍ.

والشبيهُ بالمضاف المَمْطُول والمُطَوَّل ما ضابطهُ في باب (لا)؟ ما اتصل به شيءٌ من تمام معناه، يعني: عامل، اسم فاعل، أو صفة مشبهة، أو اسم مفعول عَمِلَ فيما بعده إمَّا نصباً: يا طالعاً جبلاً، وإمَّا رفعاً: حَسَناً وجُهه، وإمَّا خفضاً: ماراً بزيدٍ، حينئذٍ: اتصل به شيءٌ من تمام معناه، وسبق أن المعمول يُتممُ معنى العامل، وهذا تعريف يوضح لك العلاقة بين العامل والمعمول.

هذه العلاقة عند الطلاب ملتبسة، ولذلك يظهر أثرها .. عدم وضوحها في الذهن عند المُتَعلِّقات .. الجار والمجرور ونحو ذلك، حينئذٍ نقول: ما اتصل به، يعني: بنفس المضاف، شيءٌ من تمام معناه: يا طالعاً جبلاً .. تمَّمهُ، يا حسناً وجهه .. رأسه .. يده، يحتمل هذا، فإذا قلت: وجهه .. يا حسناً وجهه عرفت أن: وجهُهُ هذا مُتممٌ لسابقه.

إذاً: إمَّا أن يكون مفرداً، وإمَّا أن يكون مضافاً، وإمَّا أن يكون شبيهاً بالمضاف، المفرد هناك في باب (لا) وكذلك المُضَاف والشبيه بالمُضَاف هو نفس التقسيم في باب النداء، فالبابُ واحد، حينئذٍ دخل في المفرد في باب (لا) وفي باب النداء، دخل ماذا؟ المُفرد في باب الإعراب، كزيد سواءٌ أُعرِبَ بحركة أو أُعرِبَ بحرف كأب وأخ ونحو ذلك.

ودخل فيه المثنى، ودخل فيه الجمع، ودخل فيه المركب المزجي، لأنه ليس بمضاف ومضاف إليه، عندنا مضاف وهذا خاص، ودخل فيه المركب العددي، إذاً: هذه كلها تدخل تحت قولنا: المُفرد .. (وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا) كزيد، وأخ .. بإرجاع الواو، وزيدان، ورجلان، ورجيلون، وهنود ونحو ذلك فكلها داخلة، وأحد عشر ومعدي كَرِب، كلها داخلة في قولنا:(المُفْرَدَا).

(وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا) إذاً: إذا كان المُنَادى مفرداً، وكان واحداً مما ذُكِر حينئذٍ حكمه: أنه مبني، وستأتي العلة لماذا بُني، يُبنى على ماذا؟ قالوا: يُبنى على ما يُرفعُ به لو كان مُعْرباً، فتقول: يا زيد، زيد هذا مُبنيٌ على الضم، لماذا اخترت الضم؟ لأنه لو أُعربَ رفعاً لرفعته بالضمة، فتقول: جاء زيدُ، إذاً: لو أُعربَ رفعاً لرُفِعَ بالضمة، تقول: جاءَ الزيدان .. يا زيدانِ، هذا زيدانِ مُنَادى مبنيٌ على الألف، لماذا بُني على الألف؟ لأنه لو رُفِعَ في حالة الإعراب لرُفِعَ بالألف، فتقول: جاءَ الزيدانِ، كذلك تقول: يا زيدون .. يا مسلمون، فتبنيه على الواو تقول: مُنَادى مبنيٌ على الواوِ، لماذا بُنيَ على الواو؟ لأنه لو رُفِعَ في حالة إعرابه لرُفِعَ بالواوِ وهكذا.

ص: 19

إذاً قوله: (وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا) المُنَادَى هذا قالوا: ليس بقيدٍ بل بيان، وأخَّره عن قوله:(المُعَرَّفَ) ضرورة، يعني: الأصل أن يقول: وَابْنِ المُنَادَى المُعَرَّفَ هذا الأصل، وإنما أخرهُ من باب الضرورة، هل هو للاحتراز أو لبيان الواقع .. هل احترز به عن شيء مُعرَّف وليس بمُنَادى .. هل احترز به، أم أنه لبيان الواقع؟ نقول: لبيانِ الواقع؛ لأن الكلام الآن في أحكام المُنَادى، إذاً: لا يدخل غير المُنَادى، منذ أن قال: النِداءُ، علمنا أن كل ما يُذْكَر فهو داخلٌ في النداء.

ولذلك نَرُدُّ اعتراض ابن عقيل هناك: (وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الْفَائِدَهْ) معَ المُبتدأ .. هكذا قال، لا بُدَّ أن يقول الناظم: مع المبتدأ، وإلا صار مُنتَقداً، نقول: لا، هذا مع المبتدأ قاله معنىً، بقوله: الابتداء، لمَّا قال: الابتداء، علمنا أن الأحكام التالية كلها تتعلق بالمُبتدأ والخبر فلا اعتراض، إذاً: المُنَادى هنا ليس بقيدٍ بل بيان.

وأخَّره عن قوله: المُعرَّف ضرورةً، والأصل أن يقول: وَابْنِ المُنَادَى المُعَرَّفَا، ولذلك إعرابه: بدل أحسن.

(المُفْرَدَا) والمرادُ بالمفرد هنا: هو المفرد في باب (لا)، فدخل في ذلك المركب المزجي، والعددي، والمثنى، والمجموع، وهو معرفة، حينئذٍ كيف نقول: معرفة؟ يا زيدان هل هو معرفة أو نكرة .. ويا زيدون هل هو معرفة أو نكرة .. زيدان لوحدها معرفة أو نكرة .. زيدان هكذا دون (أل) معرفة أو نكرة؟ نكرة، والزيدان؟ معرفة، مُعرَّف بماذا؟ بـ (أل)، وهو مثنى لأي شيء؟ زيد، زيد علم أو معرفة؟ معرفة.

كيف يكون الأصل المفرد معرفة علم، وفرعه المثنى والجمع ليس بعلم؟ نقول: كما ذكرنا سابقاً من شرط التثنية والجمع: قصد التنكير، إذاً: نُكِّرَ أولاً ثُم ثُنِّيَ، فلما ثُنِّيَ صارَ: زيدان بدون (أل)، فأُدخلت عليه (أل) من أجل أن يُعَرَّف فيرجع إلى أصله، إذا لم تدخل عليه (أل) بقيَ على تنكيره، فحينئذٍ إذا قيل: زيدان هكذا نكرة، فإذا أدخلت عليها (يا) فقلت: يا زيدان صار نكرة مقصودة، وإذا صار نكرة مقصودة حينئذٍ صار معرفةً.

إذاً: هو مُعرَّفٌ بالنداء، وليس معرفاً بأصله، وإلا فهو نكرة، زيدان نكرة، يا زيدان معرفة، والتعريف إنما حصل له بالنداء، كما أنه حصل له في قولنا: الزيدان بـ (أل)، وكذلك: يا زيدون، زيدون هذا معرفة، يا زيدون بالتركيب هكذا معرفة، لماذا؟ لأنه صار نكرة مقصودة فتَعرَّف بالنِداء.

ونحو: يا زيدان ويا زيدون من النكرة المقصودة لا من العلم .. انتبه لا من العلم؛ لأن العلمية زالت، فتعريفهما حينئذٍ بالقصد والإقبال، مثل تعريف: يا رجل، وأمَّا: يا زيد، فهو معرفة قبل النداء وبعد النداء، وإنما زاده القصد والإقبال زيادة إيضاح وتعريف، خلافاً لما قال بعضهم: من أنه قد سُلِب العلمية ثم دخلت عليه (يا) فتَعرَّفَ؛ لأن النداء مُعَرِّف .. إقبال، والقصد مُعرِّف، حينئذٍ اجتمع معرفان، نقول: لا، هو الأصل معرفة وعلم، ثُمَّ بإدخال (يا) عليه وبالقصد والإقبال ازداد وضوحاً وتعريفاً.

ص: 20

قال الشارح هنا: " قوله: "عَلَى الَّذِي فِي رَفْعِهِ" قلنا: (فِي رَفْعِهِ) مُتَعلِّق بقوله: (عُهِدَا)، أي: في رفع نضيره، لأنه أورد اعتراض على الناظم يقول: وابْنِ، ثُمَّ يقول: في رفعه؟ فالمحكوم عليه شيء واحد، كيف يحكم عليه بابن ثُمَّ يقول: في رفعه، والبِناء والرفع متغايران .. ضدان، لا بُدَّ من تأويل قوله:(فِي رَفْعِهِ) يعني: في رفع نضيره: يا زيد .. جاء زيد نضيره: جاء زيدٌ .. يا زيدُ، زيد إذا أردت أن تبنيه فتبنيه على ما يُرفعُ به: جاء زيدٌ، زيدٌ من قولك: جاء، فهو في نضيره وهذا إلا إشكال به.

أو والمُراد: رفعه في غيرِ النداء، وهذا المشهور عند النحاة، ولذلك قيل: لو كان معرباً، يعني: قبل النداء .. قبل إدخال (يا) تنظر في حاله: على أي شيءٍ تُعربه، وبماذا تُعربهُ؟ فحينئذٍ تبنيه عليه، وهذا هو المشهور، أو المُرادُ:(فِي رَفْعِهِ) يعني: في غير النداء.

أو رَفْعِهِ على فرض إعرابه، فاندفع ما يقال: الرفعُ إعرابٌ فيتنافى مع قوله: (وَابْنِ)، ما عِلَّةُ البِناء هنا (وَابْنِ) .. ما عِلَّة البِناء؟ قيل: إنما بُنيَ لوقوعه موقع الكاف الاسمية في نحو: أدعوك، أدعوك هنا وقع المُنَادى موقعَ الكاف الاسمية، حينئذٍ أشبه الكاف الاسمية لفظاً ومعنىً المُشبهة للكاف الحرفية. إنما بُنيَ لوقعه موقع الكاف الاسمية في نحو: أدعوك، المشابهة لفظاً ومعنىً لكاف الخطاب الحرفية، ومماثلته لها إفراداً وتعريفاً، يعني: شابه الكاف الخطابية والاسمية في كلٍّ منهما إفراداً وتعريفاً باعتبار المُنَادى.

إذاً: أشبهت الكاف الاسمية لفظاً ومعنىً كاف الخطاب الحرفية، ومماثلته لها إفراداً وتعريفاً، يعني: أشبه المُنَادى الكاف الاسمية في الإفراد والتعريف، وخَرَجَ بقولنا: مماثلته لها إفراداً وتعريفاً: المُضاف والشبيهُ بالمضاف، لأنه لم يشبه الكاف الاسمية، الكاف الاسمية بُنِيَت لكونها أشبهت الكاف الحرفية لفظاً ومعنىً، والمُنَادى وقع موقع الكاف الاسمية، فهو مماثلٌ لها في الإفراد والتعريف.

خَرَجَ بقولنا: إفراداً وتعريفاً: المُضاف والشبيه بالمُضاف؛ لأنه مُعْرَب كما سيأتي ليس مبنياً؛ لأنهما لم يماثلا الكاف الاسمية إفراداً .. ليس مفرداً، وإنما هما مركب، ذاك تركيب عامل ومعمول، وهذا تركيبٌ لفظي، كل اسمين إلى آخره. لم يماثلا الكاف الاسمية إفراداً، والنكرة غير المقصودة؛ لأنها لم تماثلها تعريفاً، إذاً: علةُ البِناء مشابهة المُفرد المُعَرَّف بالكاف الاسمية في كونه وقع موقعها وأشبهها من حيث المماثلة من حيث الإفراد والتعريف.

المماثلة من حيث الإفراد والتعريف، فأخرَجَ المضاف، والشبيه بالمضاف، والنكرة غير المقصودة؛ لأنها لم تماثل الكاف الاسمية.

وبُنِيَ على حركة للإعلام بأنَ بناءهُ غير أصلي، هذا الأصل:

وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أنْ يُسَكَّنَا ..

ص: 21

إذاً: إذا بُنيَ على حركة هذا دَلَّ على أن بناءه ليس أصلياً، وكانت ضمة، لماذا .. لا فتحة ولا كسرة؟ لأنه لو بُنيَ على الكسرِ لالتبس بالمُنادى المضاف إلى (ياء) المُتَكلِّم عند حذف ياءه: عبدي .. يا عبدي، حينئذٍ لو بُنيَ على الكسر لأشبه المُنَادى المُعرَّف هنا المُضاف إلى ياء المُتَكلِّم مُنَادىً وقد حُذِفت ياؤه؛ لأنه سيأتي يُقالُ: يا عبدِ، بالكسر مع حذف الياء، لو قيل: يا زيدِ حينئذٍ يحتمل أنه مضاف وحُذِفت ياؤه.

لالتبس بالمُنادى المضاف إلى (ياء) المُتَكلِّم عند حذف ياءه اكتفاءً بالكسرة أو على الفتح .. لالتبس به عند حذف ألفه: عبدَا .. كَعَبْدَ عَبْدِ، عبدَا أصله: عبديَ، ثم نُقِلَت الكسرة فتحة فقُلِبَت الياءُ ألفاً فصار عبدَا، لو حُذِفت الألف التي هي نائبة عن الياء أو مُنقلبة عن الياء صار يا عبدَا، لو قيل: يا زيدَا لاحتمل أنه مضافٌ إلى (ياء) المُتَكلِّم وقُلِبت الكسرة فتحة.

وأمَّا جوازُ الضَمِّ: يا عبدُ هذا محتمل .. يا زيدُ، قالوا: هذا قليل فلا يُلتفتُ إليه، بخلاف الكسر والفتح. وأمَّا جوازُ الضَمِّ عند حذف ياءه فلا يَرِد؛ لأنه قليلٌ فلا يُنظرُ إليه.

وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا

عَلَى الَّذِي فِي رَفْعِهِ قَدْ عُهِدَا

فتقول: يا زيدٌ، ونحو: يا مُوسى .. يا قاضيِ، قاضي .. موسى نقول: هنا مبني أو لا؟ مبني لا شك فيه، وحينئذٍ يكون البِناء على ضَمٍّ ظاهرٍ كـ: يا زيدُ، ويكون كذلك على ضمٍ مُقَدَّر يا مُوسى، إذاً ونحوِ: يا مُوسى ويا قاضيِ، فيه ضَمَّةٌ مُقدَّرة، ويا قاضيِ .. قاضٍ .. يا قاضي، أين التنوين؟ ذهب مع البِناء، بعضهم جَوَّزَ أن يكون باقياً على أصله بحذف الياء: يا قاضٍ هذا أصله، دخلت عليه (يا) حينئذٍ صار مبنياً فسُلِبَ التنوين الذي هو تنوين التمكين كما مر معنا.

ويا قاضي بحذف التنوين اتفاقاً لحدوث البِناء وإثبات الياء، إذ مُوجبُ حذفها غير موجود، وما هو مُوجبُ الحذف؟ التنوين، فحُذفَ التنوين للبناء؛ لأن التنوين .. تنوين التمكين لا يُجامِع البِناء .. تنوين التمكين الذي يدل على الإعراب وتمكن الاسم في الإعراب لا يُجامع البِناء، ولذلك هناك: لا مسلماتٍ، جاز بقاء التنوين؛ لأنه ليس تنوين تمكين.

إذ لا مُوجب لحذفها، وذهبَ المُبَرِّد: إلى أن الياء تُحذف: يا قاض؛ لأن النداء دخل على اسمٍ مُنوَّن محذوف الياء، فيبقى حذفها بحال وتُقدَّرُ الضَمَّة فيها، لكن هذا حُكيَ الإجماع على خلافه.

قال الشارح هنا: " لا يخلوا المُنَادى من أن يكون مفرداً، أو مضافاً، أو مشبَّهاً به، فإن كان مفرداً: فإمَّا أن يكون معرفة، أو نكرة مقصودة، أو نكرة غير مقصودة "، واحد من ثلاثة: إذا كان مفرداً، إمَّا أن يكون معرفة، أو نكرة مقصودة، أو نكرة غير مقصودة، فإن كان مفرداً معرفةً أو نكرة مقصودة بُنيَ على ما كان يُرفعُ به لو كان مُعرَباً.

وقوله: معرفة يعني: سواءٌ كان ذلك التعريف سابقاً على النداء، نحو: يا زيدُ، أو عارضاً فيه بسبب القصد والإقبال وهو النكرة المقصودة، يعني: التعريف في النداء نوعان:

ص: 22

تعريفٌ أصلي: وهو ما دخل حرف النداء عليه وهو معرفة، مثل: زيد، زيد لوحده معرفة .. عَلَم، يا زيدُ، حينئذٍ نقول: يا زيدُ، زيدُ هذا معرفة قبل النداء وبعد النداء، ولكن زادهُ النِداء إيضاحاً؛ لأنه يا زيد، زيد محتمل أولاً زيد هذا .. إلى آخره، إذا قلت: يا زيدُ .. أقبلتَ عَلَيه عيَّنتهُ .. ازداد وضوحاً.

وكذلك يدخل فيه؟؟؟ كما صار التعريف له طارئاً بعد النداء، وهذا مثل: يا رجل، نكرة مقصودة، يا زيدان .. يا زيدون قلنا: هذا حصل له تعريف بعد النداء، ولذلك يُعتبرُ النداء من المعَرِّفات، بُنيَ على ما كانَ يُرفعُ به لو كان معرباً، فإن كان يُرفعُ بالضمة بُنيَ عليها، فتقول: مبنيٌ على الضم: يا زيدُ (يا) حرف نداء مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، زيدُ: مُنَادى مبنيٌ على الضم في محل نصب مفعول به، إذاً: بُنيَ على الضم لكونه لو أُعرِبَ أُعْرِب بالضمة رفعاً.

ويا رجل: هذا نكرة مقصودة مبنيٌ على الضم في محل نصب، وإن كان يُرفعُ بالألف أو بالواو، بالألف في حالة المثنى، أو بالواو في حالة الجمع، فكذلك: يا زيدان ويا رجلان، ويا زيدون، ويا رُجيلون، ويكون في محل نصبٍ على المفعولية؛ لأن المُنادى مفعولٌ به في المعنى، وناصبهُ فعلٌ مضمرٌ نابت (يا) منابهُ، فأصله: يا زيد أدعو زيداً كما عرفنا، بحرفٍ ناب مناب أدعو، فأصل الكلام: أدعو زيداً، فأٌرِيدَ الإخبار أن يُنقلَ اللفظ من الإخبار إلى الإنشاء، فحُذفَ أدعو، فقيل: يا زيداً، فبُنيَ معه للعلة التي ذكرناها سابقاً.

ثُمَّ نُظرَ فيه فأولى ما يُبنىَ عليه هو حالة الرفع فقيل: يا زيدُ، إذاً:(يا) نابت مناب أدعو، حينئذٍ هل صار العامل نسياً منسياً؟ الجوابُ: لا، بدليل بقاء أثره وهو النصب لكنه محلاً لا لفظاً؛ لأن زيد من حيث اللفظ مبني، ومن حيث المحل فهو مُعربَ؛ لأنكَ تقول: في محل نصب، والنصب هذا إعراب، حينئذٍ نقول: هو في محل نصب، ولذلك لو عطفت عليه أو نعته: يا زيدُ الظريفُ الظريفَ، يجوزُ فيه الوجهان: الظريفُ .. الظريفَ، الظريفَ باعتبار المحل.

وناصبهُ فعلٌ مُضمرٌ نابت (يا) منابه، فأصل يا زيد: أدعو زيداً، فحُذِفَ أدعو ونابت (يا) منابه. يا زيدُ، الصحيحٌ بقاءه على تعريفه بالعلمية، وازدادَ بالنِداءِ وضوحاً، وقيل: سُلبَ تعريفه، يعني: يا زيدُ .. سُلبَ تعريفه ثم دخلت عليه (يا).

ص: 23

وتعرَّفَ بالنداء، وردَّه الناظم في غير هذا الكتاب بما لا يمكن سلب تعريفه كلفظ الجلالة واسمِ الإشارة، يعني إذا قيل: يا هذا، لو قيل: يا زيدُ، زيدُ: سُلِبت علميته ثُم عُرِّفِ بـ (يا) النداء، نقول: هذا محتمل؛ لأن زيد هذا يُمكن تنكيره .. قابل للتنكير، ولذلك إذا ثُنِّيَ قُصِدَ تنكيره فقبل التنكير، وكذلك إذا أُضيف: زيدٌ .. علا زيدُنا حينئذٍ نقول: هذا مُتَصوَّر فيه، لكن لفظُ الجلالة: الله، هل سُلبَ العلمية ثم دخلت عليه (يا) فردت علميته؟ هذا ما يُتصَوَّر، كذلك: هذا .. يا هذا، (ذا) اسم إشارة لا يقبل التنكير البتة، إذاً: يبطل قول من ادعى أن زيد سُلِبَ العلمية ثم رجعت بالنداء، نقول: هذا باطل بدليل أنه يُنَادى المعرفة مما لا يُمكنُ سلبُ العلمية منه البتة كلفظ الجلالة واسم الإشارة، اسم الإشارة لا يُمكن أن يُنكَّرَ.

وَانْوِ انضِمَامَ مَا بَنَوا قَبْلَ النِّدَا

وَلْيُجْرَ مُجْرَى ذِيْ بِنَاءٍ جُدِّدَا

ماذا يعني؟ قلنا: المعرَّف المُنَادى يُبنى إذاً: يصير مبنياً، كان معرباً فصارَ مبنياً، طيب! لو أدخلنا (يا) على ما هو مبني في الأصل، نبني المبني .. هل يزداد بناءً، أو يبقى مبنياً وننظر في حاله من حيث البِناء .. يُبنىَ على ماذا؟ (وَانْوِ انْضِمَامَ) انْوِ، إذاً: قَدِّر، هذا دَلَّ على أنه بقي على بناءه، فلا يزول البِناء بدخول (يا) النداء عليه، فيبقى على بناءه.

(وَانْوِ انْضِمَامَ مَا بَنَوا قَبْلَ النِّدَا)، وَانْوِ .. الكسرة دليل، ولذلك لا يجوز حذف حرف العلة إلا إذا بقي دليلٌ قبله وهو: الكسر هنا دَلَّ على أن المحذوف هو لمثل: انْوِ .. ادعُ .. اخشَ، كل حرف بقي له دليله، إذاً: هو فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وهو: الياء، والكسرة دليل عليه.

(انْضِمَامَ) مفعول به وهو مضاف، وما الموصولية: مضاف إليه في محل جر.

ما: اسم موصول، و (بَنَوا) فعل وفاعل، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، بقي أيضاً، أين العائد؟ محذوف تقديره بنوه، (قَبْلَ) مُتَعلِّق بماذا؟ (بَنَوا قَبْلَ)، قبل: مضافُ، والنداء: مضافٌ إليه، (وَليُجْرَ)(الواو) عاطفة، (اللام) لامُ الأمر، (وَل) لام الأمر:((ولِيُنفِقْ)) [الطلاق:7] الأصل: أن تكون مكسورة، لمَ سكنت هنا؟ فيها لغتان، طيب! ما ضابط اللغة الثانية .. المشهور الأصل: الكسر إذا جاء قبلها (واو) حينئذٍ سكنت ((ولِيُنفِقْ)) [الطلاق:7] .. ((ثُمَّ لْيَقْضُوا)) [الحج:29] إذا جاءت بعد الواو و (ثُمَّ) وقيل: والفاء، تُسَكَّن اللام، (وَليُجْرَ) فعل مضارع، مبني للمعلوم أو مُغيَّر الصيغة؟ مُغيَّر الصيغة، يُجْرَ: فعل مضارع، ما إعرابه؟ مجزوم بماذا مجزوم .. ما هو العامل؟ مجزومٌ بلام الأمر، وجَزْمهُ حذف حرف العلة، يُجْرَ، أين الفاعل؟ نائب فاعل ضمير مستتر جوازاً يعود إلى (ما) .. يُجْرَ ما، مُجْرَى: مفعول مطلق، يُجْرَ مُجْرَى، أجرَى مُجْرَى .. يَجْري مَجْرَى، إذا كان من الرباعي مُجْرَى أو يُجْرَ مُجْرَى بضم الميم، إذا كان من الثلاثي جَرى مَجرى بفتح الميم، هنا قال: مُجْرَى فدل على أن يُجْرَ هذا مُغيَّر الصيغة من الرباعي.

ص: 24

(وَليُجْرَ مُجْرَى ذِي)، (مُجْرَى) مضاف، و (ذِي) مضاف إليه، يعني: صاحب، (ذِي) مضاف و (بِنَاءٍ) مضاف إليه، و (جُدِّدَا) هذا مُغيَّر الصيغة، والألف: للإطلاق.

(وَانْوِ انْضِمَامَ مَا بَنَوا قَبْلَ النِّدَا)، (انْوِ انْضِمَامَ) عَرفْنَا أن المُنَادى المعرَّف المُفرد يكون مبنياً، حينئذٍ لا إشكال فيما إذا كان معرباً ثُم بُنيَ، أنه يُبنىَ على ضَمٍّ ظاهر، لكن إذا كان قبل النداء هو مبني، قال:(انْوِ انْضِمَامَ مَا بَنَوا) يعني: مَا بَنَوه قبل النداء مثل: سيبويه، سيبويه: هذا مركبٌ مزجي مختوم بـ: (ويه) مبني قبل النداء، فإذا قلت: يا سيبويه تبقيه على حاله من حيث اللفظ، وتَنوي انْضِمَامَ آخره، حينئذٍ تقول: سيبويه مُنادى مفرد، ولذلك قلنا في المفرد: دخل المركب المزجي، ومنه: سيبويه ومعدِكرب، فتقول: يا سيبويه (يا) حرف نداء، وسيبويهِ: مُنادى مبني على ضمٍّ مُقدَّر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البِناء السابق، هذا وجهٌ في الإعراب.

(وَانْوِ انْضِمَامَ) كـ: (سيبويه) و (حذامي) في لغة الحجاز، وخمسة عشر .. يا خمسةَ عشر، لو سميت رجل: يا خمسة عشر، حينئذٍ خمسة عشر يكون مبنياً، وحينئذٍ البِناء لا يمكن أن يكون له محلان هنا؛ لأنه ليس مُعْرَباً، إنما المحل يكون باعتبار النصب، وأمَّا البِناء التي هي الضَمَّة حينئذٍ تُقدَّرُ على آخره، منع من اشتغالها حركة البِناء السابق. وخمسة عشر فتقول: يا سيبويه، يَظهرُ البِناء ونيةُ البِناء تظهرُ في النعت، تقول: يا سيبويهِ العالمُ .. العالمَ .. العالمَ لا إشكال أنه جاء من حيث إتباعهُ للمحل؛ لأن سيبويه في محل نصب.

طيب! بقي ماذا؟ العالمُ .. يا سيبويه العالمُ، العالمُ: نعت لسيبويه، من أين جاءت هذه الضمة؟ نقول: هذه ضمة تابع المُنَادى، لأن التابع يجوز أن يُتبعَ بالضَمِّ إتباع ما قبلهُ: يا زيدُ الظريف، الظريف هنا بالضم بناءً على حركة البِناء، يا سيبويه العالمُ، دَلَّ على أن ثَم ضمة منوية في سيبويه. فتقول: يا سيبويه العالمُ، برفع العالم ونصبه .. العالمُ .. العالمَ، كما تفعل في تابع ما تَجدَّد بناؤه، لم يكن مُعرَباً ثم تَجدَّدَ بناؤه، تقول: يا زيدُ الظَريفُ الظَريفَ، مثل: يا سيبويه العالمُ العالمَ، فيستوي فيه الوجهان، إذاً: لا فرق في البِناء هنا في قوله:

وَابْنِ المُعَرَّفَ المُنَادَى المُفْرَدَا

عَلَى الَّذِي فِي رَفْعِهِ قَدْ عُهِدَا

إن كان قبل النداء هو مبني حينئذٍ بقيَ بناؤه على ما هو عليه، ونُوِي الضم على آخره.

ص: 25

والمحكيُّ كالمبني، تقول: يا تأبطَ شراً، تأبطَ شراً: مُنَادىً مبني، فتنوي حينئذٍ الضم، لكن: تأبط شراً هل هو مثل سيبويه؟ لا، ليس مثل سيبويه، ولذلك عَطَفَ الشُرَّاح:(وَانْوِ انْضِمَامَ مَا بَنَوا) أو حكوا، فالمحكي داخلٌ فيما إذا نُودِيَ المبني، فحينئذٍ تكون الضَمَّة مُقدَّرة، والمراد حينئذٍ: تقدير البِناء سواءٌ كان مبنياً في الأصل أو كان محكياً، فتقول: يا تأبطَ شراً .. تأبط شراً قبل دخول (يا) هو مُعرَب، لكن إعرابه ليس إعراباً تفصيلياً، وإنما هو إعرابٌ تقديري لا ظاهر، حينئذٍ تقول: تأبطَ شراً مبني، وبناؤه على ضَمٍّ مُقدَّر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الحكاية.

يظهرُ ذلك في النعت: يا تأبطَ شراً المقدامُ .. المقدامَ، المقدامُ بالضَمِّ بناءً على الضَمَّة المُقدَّرة بناءً على آخره .. ضَمَّة مُقدَّرة بناءً، يعني: مبنيةً على آخره، والمقدامَ باعتبار المحل، إذاً:(انْوِ انْضِمَامَ مَا بَنَوا) في الموضعين، (انْوِ انْضِمَامَ) يعني: انْضِمَامَ آخر المُنَادى في موضعين: مَا بَنَوا، ومَا حكوه، المبني يكون الضَمُّ مُقدَّراً منوياً، وكذلك المحكي يكون الضمُ مُقدَّراً ومنوياً.

(قَبْلَ النِّدَا) لأنه بعد النداء كذلك يكون مبنياً، وإذا كان قبل النداء فحينئذٍ يكون مبنياً لكن لا على رفعه، لأنه إذا رُفِعَ حينئذٍ تكون الحركة مُقدَّرة وهي الضَمَّة، فيُبنى عليها كذلك بعد النداء، والعلة هي العلة.

(وَليُجْرَ مُجْرَى ذِي بِنَاءٍ جُدِّدَا)، وَليُجْرَ في المنوي الضم .. الذي نويَ ضمهُ مُجْرَى الظاهر الضَّم، يعني: ما نويَ ضمهُ يُجرى مجرى الضم الظاهر، إذاً كلٌ منهما سواءٌ كان الضم ظاهراً أو منوياً فالحكم واحد، الحكم واحد من حيث الإتباع الذي ذكرناه سابقاً: يا سيبويه العالمُ .. يا سيبويه العالمَ، كما تقول: يا زيدُ الظريفُ .. يا زيدُ الظريفَ.

إذاً: زيدُ تَجدَّد بناءه بعد أن لم يكن، عُومِلَ نعته بالوجهين، كذلك ما كان مبنياً قبل حرف النداء، نعتهُ يوجَّهُ بالوجهين السابقين، وَليُجْرَ في المنوي الضم مُجْرَى الظاهر الضَّمْ (ذِي بِنَاءٍ جُدِّدَا) وهو الذي جُدِّد بناءه، أي: حدث له البناء، وقوله:(جُدِّدَا) يحتمل أن المراد يجري مجراه في كونه في محل نصب وهو كذلك، ويحتمل في جواز رفع تابعه ونصبه وهو كذلك، ولذلك أطلقه الناظم.

إذاً: يُجْرَ مُجْرَى ما جُدِّد بناءهُ من جهتين:

أولاً: في تابعه يجوز فيه الوجهان: النصب باعتبار المحل، والرفع باعتبار اللفظ .. الإتباع، وكذلك يَجْري مجراه في كونه في محل نصب، حينئذٍ سيبويه: في محل نصب لا شك في ذلك.

قال الشارح هنا: " إذا كان الاسم المُنَادى مبنياً قبل النداء قُدِّرَ بعد النِداءِ بناءه على الضم، نحو: يا هذا .. يا برق نحرهُ، ويَجري مَجْرَى ما تَجدَّد بناءه بالنداء كزيد " لأن زيد غير مبني، فإذا دخلت عليه (يا) حينئذٍ تَجدَّدَ له بناء.

ص: 26

" في أنه يُتْبعَ بالرفع مراعاةً للضم المقدر فيه، وبالنصب مراعاةً للمحل " حينئذٍ سوى بينهم على الاحتمالين المذكورين، كقوله: جُدِّدَا ما الذي جُدِّدَا؟ إمَّا أنه يُراد المحل، وإمَّا أنه يُراد باعتبار التابع، وابن عقيل ماشي على النوعين، وهذا هو الظاهر، جُدِّدَا باعتبار النصب .. المحل، وباعتبار التابع، فتقول: يا هذا العاقلُ والعاقلَ بالرفع والنصب كما تقول: يا زيدُ الظريفُ والظريفَ.

ونقف على هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 27