المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * أحكام تابع المنادى * ملخص الفصل.   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد - شرح ألفية ابن مالك للحازمي - جـ ٩٨

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * أحكام تابع المنادى * ملخص الفصل.   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد

‌عناصر الدرس

* أحكام تابع المنادى

* ملخص الفصل.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

قال الناظم رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ).

أي: في أحكام تابع المُنَادى، لأنه لمَّا ذَكَر المُنَادى شرع في بيان ما يتبعه، والمُراد بالتابع: ما سبق من التوابع الخمس، وهي: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل، لأنه قد يقع بعد مُنَادى، سواءٌ كان مُنَادىً مبنياً أو مُعْرَباً بالنصب، والمضاف، والنكرة غير المقصودة، والشبيه بالمضاف قد يقع بعده ما يصلح أن يُعْرَب واحداً من هذه التوابع الخمس.

(فَصْلٌ) أي: هذا كلامٌ مفصولٌ عَمَّا سبق، ويتعلق بجنسٍ مُعيَّن من أحكام التوابع.

قال رَحِمه الله تعالى:

تَابِعَ ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ

أَلزِمْهُ نَصْبَاً كَأَزَيدُ ذَا الحِيَلْ

تَابِعَ ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ .. (تَابِعَ): هذا مفعولٌ منصوب، والعامل فيه محذوف، يعني: من باب الاشتغال: (تَابِعَ أَلزِمْهُ)، إذاً (أَلزِمْ): هذا فعل أمر عَمِلَ في ضميرٍ يرجع إلى هذا المتُقدِّم، وهذا قلنا: هو حقيقة باب الاشتغال:

إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ

عَنْهُ بِنَصْبِ لَفْظِهِ أَوِ الْمحَلّ

فَالسَّابِقَ انْصِبْهُ بِفعْلٍ أُضْمِرَا

حَتْمَاً مُوَافِقٍ لِمَا قَدْ أُظْهِرَا

وهنا: (أَلزِمْ تَابِع ذِي الضَّمِّ)، حينئذٍ صار محذوفاً وحكمه -حكم الحذف-: الوجوب، لأنه ذُكِر: لا يُجْمَع بين المُعَوَّض والعِوَض عنه.

(تَابِعَ) إذاً: مفعولٌ به وهو مضاف، و (ذِي الضَّمِّ): مضاف إليه، (المُضَافَ) بالنصب: نعت لـ (تَابِعَ) ونعت المنصوب منصوب.

إذاً: (تَابِعَ ذِي الضَّمِّ)، (تَابِعَ) هذا مفعولٌ به، و (المُضَافَ) هذا نعته، و (دُونَ أَلْ) هذا مُتعلِّق بِمحذوف منصوب على الظرفية .. مُتعلِّق بِمحذوف حال من تابع، وهو مضاف، و (أَل) قُصِد لفظه: مضافٌ إليه.

و (أَلزِمْهُ) الجملة لا محل لها من الإعراب، لأنها مُفَسِّرة، الهاء: في محل نصب مفعول أول، أَلزِمْ: يتعدى إلى مفعولين، و (نَصْباً) مفعولٌ ثانٍ، والجملة لا محل لها من الإعراب، لأنها وقعت مُفَسِّرة، والجملة المُفَسِّرة لا محل لها من الإعراب، المُفَسِّرة لأي شيء؟ للعامل المحذُوف، في قولنا:(تَابِعَ) .. أَلزِمْ تَابِع ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَل نَصْباً، حينئذٍ نُقَدِّر لـ:(تاَبِعَ) لأنه مفعول أول يُعْتَبر لـ: (أَلزِمْ) ونُقَدِّر له مفعولاً ثانياً: نَصْباً.

(كَأَزَيدُ ذَا الحِيَل) يعني كقولك: أَزَيدُ، الهمزة للاستفهام، وزَيدُ: مُنَادى مبنيٌ على الضَمِّ في محل نصب، لماذا بُنِي على الضَم؟ لأنه مفرد، وشأن المفرد في باب المُنَادى: أنه يُبْنى على الضَمِّ.

(ذَا الحِيَل) ذَا: هذا نعت .. صفة، حينئذٍ نُصِبَ باعتبار المحل، ذا: مضاف، والحيل: جمع حيلة مضاف إليه.

ص: 1

(تَابِعَ ذِي الضَّمِّ)(تَابِعَ) هذا جنس يدخل فيه جميع التوابع، وشأن الأجناس أنها تَعُم .. ما عَمَّ اثنين فصاعداً، حينئذٍ التوابع الخمسة دخلت في قولنا: تَابِعة، لكن بالمقابلة بغيره فالمُراد بالتابع هنا: واحدٌ من ثلاثة أمور وهي: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، ويَخرج منه: عطف النسق، والبدل، بدليل قوله:

وَاجْعَلَا كَمُّسْتَقلٍِّ نَسَقاً وبَدَلَا ..

هذا دَلَّ على أن قوله: (تَابِعَ) الحكم هنا في البيت الأول خاصٌ بالنعت، والتوكيد، وعطف البيان، وأما النسق بنوعيه المحلى بـ (أل) والمُجرَّد عن (أل) هذا خارج عن الحكم، والبدل كذلك خارجٌ عن الحكم.

إذاً: الحكم الذي هو قوله (أَلزِمْهُ نَصْبَا) هذا مُتَعْلقٌ بالنعت، والتوكيد، وعطف البيان، وما عداها فهو خارجٌ.

(تَابِعَ ذِي الضَّمِّ) ذِي: يعني المُنَادى، (ذِي) هذا من حيث المعنى صفة لموصوفٍ محذوف، يعني: مُنَادى، لأننا نتكلم عن أحكام تابع المُنَادى، ولذلك هذا الفاصل مقرونٌ بسابقه.

(تَابِعَ ذِي) يعني: المُنَادى ذي .. صاحب الضَمِّ، وما هو المُنَادى صاحب الضم؟ العَلَم، والنكرة المقصودة، سواءٌ كانا مبنيين قبل النداء أو طرأ عليهما البناء، يعني: عن حكم عام، ليس خاصاً بما طرأ عليه البناء، بل هو عامٌ في النوعين.

(وَانْوِ انْضِمَامَ مَا بَنَوا قَبْلَ النِّدَا) إذاً: الحكم يُعْتَبر داخلاً، إذاً:(ذِي الضَّمِّ) المُراد به: العَلَم، والنكرة المقصودة، والمبني قبل النداء، لأنه يُقَدَّر ضَمُّه، خرج به المنصوب، فحينئذٍ (تَابِعَ) المنصوب له حكمه الخاص، لا يُقال:(أَلزِمْهُ نَصْبا) بل يجوز فيه الوجهان: (ومَا سِوَاه انْصِب أَوِ ارْفَعْ)، إذاً: خرج المنصوب، فإن تابعه غير النسق والبدل منصوبٌ مطلقاً، نحو: يَا أخَانَا الفَاضِلَ، ويا أخانا الحَسَنُ الوجهِ، ويَا خَيْراً من عمروٍ فاضلاً، إذاً: خرج المنصوب، فإن تابعه منصوبٌ مُطْلَقاً، يعني: بدون قَيد .. خرج به المنصوب، لأنه منصوبٌ بدون قيدٍ، بخلاف التابع الذي يكون (تَابِع ذِي الضَّمِّ) فلا بُدَّ من تقييده.

قوله: (ذِي الضَّمِّ)، قيل: لو قال: بالبناء لَشَمِل نحو: يا زيدان ابني عمروٍ، ويا زيدان، أصحاب بكرٍ، لأن قوله:(ذِي الضَّمِّ) أخرج ذي الألف وذي الواو، وهذا يُعْتَبَر من المفرد، لأن المرُاد هنا: تابع المُنَادى المبني، وهذا المبني يشمل ما كان مبنياً على الضَّمِّ، وما كان مبنياً على الألف، وما كان مبنياً على الواو.

فقوله: (ذِي الضَّمِّ) هذا فيه قُصُور، ولذلك لو قال:(ذي البناء) لَشَمِل نحو: يا زيدان ابني عمروٍ، ويا زيدان أصحاب بكرٍ، والمُرَاد بـ (الضَّمِّ) هنا لفظاً أو تقديراً، كـ:(يا سيبويه ذا الفضل)، ولذلك قلنا:(ذِي الضَّمِّ) يَشمَل المبني قبل النِداء، لأنه يُقَدَّر ضمه.

(تَابِع ذِي الضَّمِّ المُضَافَ) هذا شرطٌ ثاني: أن يكون التابع مضافاً، خَرَج َبه تابع المفرد، حينئذٍ له حكمه الخاص:(ومَا سِوَاه انْصِب أوِ ارْفَعْ) خرج به المضاف.

ص: 2

ومَحلُّ وجوب نصب التابع المضاف - أطْلَق الناظم هنا - قال: (المُضَافَ) إذاً: كل تابعٍ مضاف (أَلزِمْهُ نَصْباً) يَجِّب فيه النصب، حينئذٍ يَعُمُّ ماذا؟ يَعُمُّ الإضافة المحضة والإضافة اللفظية.

ومَحل وجوب نصب التابع المضاف إذا كانت إضافته محضة، وإلا جاز رفعه إذا كانت إضافته لفظية، ولكن إنما يُنْعَت المُنَادى المضموم - مبني - بمضافٍ إضافةٍ غَيْرِ محضة إذا كان نكرة مقصودة، إذ يجوز نعتها بالنكرة لكون تعريفها طارئاً، فلا يُقال حينئذٍ: كيف النكرة المقصودة وهي معرفة تُنْعَت بالنكرة؟ نقول: لا، هنا رُوعِي الأصل، التعريف هنا طارئ، وهذا التعريف لم يَمنع أن تُنْعَت النكرة المقصودة بالنكرة، فيجوز نَعْت النكرة المقصودة - وهي معرفة بعد النداء - بالنكرة.

فلا يُقال: كيف يُنْعَت المضموم بالمضاف إضافةً غير محضة، مع كون المنعوت معرفةً والنعْت نكرة؟ ومثل المضاف هنا: الشبيه بالمضاف، فيَتَعيَّن نصبه، وجَوَّز الرضِي رفعه، وجَوَّز السيُوطي رفع المضاف إضافةً غير محضة لأنها على تقدير الانفصال.

إذاً قوله: (المُضَافَ) ليس على إطلاقه، وإنما المُراد به .. مَحلُّ الوجوب إذا كانت الإضافة محضة خالصة، وأما غير المحضة فمحل خلاف، منهم من جَوَّز الرفع، ومنهم من أوجب النصب، فمحل نزاع.

(تَابِع ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ) يعني: أن يكون دون (أل) يعني: غير مقرون بـ (أل)، أشار به إلى أن المُراد بالتابع: ما عدى البدل والنسق بقرينة المقابلة.

(أَلزِمْهُ نَصْبا)، إذاً: بهذين الشرطين: أن يكون مضافاً، وغير مقرون بـ (أل)، (أَلزِمْهُ نَصْباً) يعني: يجب نصبُه، نَصْباً مراعاةً لأي شيء؟ للمحل، لأن (ذِي الضَّمِّ) من حيث اللفظ مبني، ومن حيث المحل مُعْرَب فهو منصُوب، إذاً:(أَلزِمْهُ نَصْباً).

(كَأَزَيدُ ذَا الحِيَل) .. (أَزَيدُ ذَا الحِيَل): صاحب الحيل، ولا يصح (أَزَيدُ ذَو الحِيَل) اعتباراً باللفظ، يعني: لا يجوز أن يُعْرَب بحركة أو حرف لمشاكلة حركة المبني، وهو لا يكون مبنياً، وإنما إذا أُعرب الثاني سيأتينا:(وَمَا سِوَاه انْصِب أَوِ ارْفَعْ)، الرفع لا يكون بناءً في الثاني، وإنما يكون من باب الإتباع .. حركة مشاكلة فحسب، وإلا ليس مبنياً إلا في البدل وعطف النسق.

(كَأَزَيدُ ذَا) ذَا: هذا نعت صفة، (ذَا الحِيَل): هذا في النعت.

(أو بياناً) نحو: يا زيد عائِدَ الكلب، (أو توكيداً): يا زيد نَفْسَه، هنا يَتعيَّن النصب .. يجب: يا زيد نفسه، ويا تَميم كلهم أو كلكم، يجوز أن يكون الضمير هنا بالخِطَاب وبالغيبة.

إذاً: (أَلزِمْهُ نَصْباً) نعتاً كان: (كَأَزَيدُ ذَا الحِيَل)، أو بياناً - عطف بيان - نحو: يا زَيدُ عائد الكلب، أو توكيداً، نحو: يا زَيد نفسه بوجوب النصب، ويا تميمُ كلهم، إذا كان توكيداً .. كلهم أو كلكم، يجوز فيه الوجهان، لماذا؟ لأن المُنَادى إذا كان اسماً ظاهراً صار له جهتان:

جهة كونه مُنَادى، وهذا يقتضي الخِطَاب.

وجهة كونه اسماً ظاهراً، والاسم الظاهر من أنواع الغَيْبَة، حينئذٍ لك أن تَعْتبِر الخطاب، فتقول: كلكم .. يا تميم كلكم، ولك أن تَعْتبِر أن الاسم الظاهر هذا غَيْبَة: يا تميم كلهم، يجوز فيه الوجهان.

ص: 3

قال الشارح هنا: " إذا كان تابع المُنَادى المضموم مضافاً غير مُصَاحِبٍ للألف واللام وجَبَ نصبه: يا زيد صَاحِب عمروٍ ".

إذاً:

تَابِع ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ

أَلزِمْهُ نَصْباً ..

يعني: في التابع المستوفي للشروط، وذلك إذا كان التابع غَير عطف النسق والبدل، مضافاً مُجرَّداً من (أل).

قال السيُوطي: " ومثله الشبيه بالمضاف ".

(وَمَا سِوَاه انْصِب أوِ ارْفَعْ) .. (ما سِوَاه) يعني: سوى المضاف دون (أل). (وَمَا سِوَاهُ) أي: سِوَى التابع المُسْتكْمِل للشرطين السابقين، تابع المضموم خاصةً، المستكمل للشرطين المذكورين وهما: الإضافة والخلو من (أل).

(ما سواهما) قال: (انْصِب أَوِ ارْفَعْ) يعني: يجوز فيه الوجهان: الرفع والنَصْب، وذلك شيئان: المضاف المقرون بـ (أل) والمفرد، إذاً: يُقابل المضاف دون (أل) المضاف المقرون بـ (أل)، ويقابل المضاف المفرد، لأننا قلنا: خرج بـ (المضاف) المفرد، وخرج بدون (أل) ما كان مقترناً بـ (أل) إذاً: يشمل شيئين: المضاف المقرون بـ (أل) والمفرد.

قيل: ومثله أيضاً -على الخلاف- مثله الشبِيه بالمضاف، لأن بعضهم جَوَّز فيه الرفع، هنا قلنا: الشبيه بالمضاف هذا مُخْتَلَف فيه: منهم من جعله من القسم الأول: أنه يلزم النَصْب، ومنهم من جعله من القسم الثاني: أنه يجوز فيه الوجهان: الرفع والنصب.

ومثله: الشبيه بالمضاف، والمضاف إضافة غير محضة، لأننا قلنا: المضاف إضافة غير محضة لا يلزم النَّصْب، فقوله:(المُضَافَ) في البيت السابق مُخَصَّص بالإضافة المحضة، إذاً: المُضاف المقرون بـ (أل) والمفرد، وكذا الشبيه بالمضاف، والمضاف إضافة غير محضة.

هذه أربعة أشياء: المضاف المقرون بـ (أل)، والمفرد، والشبيه بالمضاف، والمضاف إضافة غير محضة.

(وَمَا سِوَاهُ) يعني: سوى المذكور الذي هو: المضاف، ودون (أل)، فدخل فيه هذه الأربعة الأنواع، ما حكمه؟ (انْصِب أَوِ ارْفَعْ)، يجوز فيه الوجهان أنت مُخَيَّر بين الوجهين.

ووجه جواز الأمرين في المضاف المقرون بـ (أل) والشبيه بالمضاف، والمضاف إضافة غير محضة، إلحاقها بالمفرد، يعني: إذا ضُمَّت ونُصِبت، نقول: وجه الجواز هنا - الجمع بين النوعين - إلحاقها بالمفرد، لأنك إذا نَعتَّ بالمفرد قلت: يا زيد الظرِيفُ الظرِيفَ، جاز فيه الوجهان، حُمِلَ عليه كأنه جُعِلَ أصلاً، وحُمِلَ عليه الشبيه بالمضاف، والمقرون بـ (أل)، والمضاف إضافة غير محضة، إلحاقاً بالمفرد، لأن غَيْرَ المحضة ومنها: إضافة المقرون، كـ: لا إضافة .. كأنها غير مضافة، لأن الإضافة غير المحضة في نِيَّة الانفصال فكأنه غير مضاف، وكذلك الإضافة غير المحضة هي في نية الانفصال، وكذلك المقرون بـ (أل).

ولم يُلْحَقَا به إذا نُوديا مستقلين محافظةً على إعرابهما الذي هو الأصل، فأُلْحِقا به تابعين، لأنه قد يَرِدْ: لماذا لا نقول: يا صَاحَب الدار بالبناء إلحاقاً له بالمفرد؟ ونحن هنا ألحقناه بالمفرد، نقول: فرقٌ بين أن يُنْظر إليهما بالإعراب وهما أصلٌ،، وبين أن يُنْظر إليهما في الإعراب وهما فرعٌ، يعني: تابعين غير مستقلين، ففرقٌ بين النوعين.

ص: 4

فأُلحقا بالمفرد حيث كانا تابعين غير مستقلين، ونُظر إليهما في الاستقلال بانفكاكهما عن المفرد، إذاً: هذا له جهة وله جهة.

ولم يُلحقا به إذا نُودي مستقلين محافظةً على إعرابهما الذي هو الأصل .. الأصل فيه: أنه مُعْرَب، لأنه مضاف فلا يُبْنى، فأُلحقا به تابعين لمشابهتهما له مع حُصول الإعراب لفظاً وتقديراً، يعني: أُلحقا به وأعطيا الرفع لكنه صورة، وإلا في الحقيقة فهما مُعْربان، لأن الإعراب يكون مُقدَّراً.

وهذا في حالة رفعهما على القول بأن الحركة إتباع لا إعراب، وهذا هو الصحيح: أن الحركة إتباع لا إعراب، ولم يُلحقا به مستقلين محافظةً على الإعراب، فَرُوعي الإعراب في الحالين، ودخل في المفرد هنا نعت النكرة المقصودة، مُعَرَّفاً بـ (أل) أولا، فيجوز حينئذٍ أن يُقال: يا رجل العاقلُ والعاقلَ، (العاقلُ) بالرفع ليست هذه حركة بناء، وإنما هي حركة إتباع، و (العاقلَ) اعتباراً بالمحل، ويا رجلُ عالمٌ وعالماً .. (عالمُ) بدون تنوين، و (عالماً) باعتبار المَحلِّ.

فإن نَصَبْت (رجلاً) .. يا رجلاً، حينئذٍ جاز، لجواز نَصْب النكرة المقصودة الموصوفة تَعيَّن نصبه.

(قولٌ): أن النكرة المقصودة إذا نُعِتت جاز نصبها: يا رجل خُذْ بيدي، قيل: إذا نُعِتَ (يا رجل) جاز نصبها، لكنه غير مشهور.

إذاً: (وَمَا سِوَاهُ) قلنا: سوى المضاف المقرون بـ (أل)، (انْصِب أَوِ ارْفَعْ): يجوز فيه الوجهان: النَصْب والرفع، وهنا قَدَّم النصب على الرفع، لكن ظاهره لمَّا أتى بـ (أو) أن الوجهين على السواء.

(انْصِب أوِ ارْفَعْ): النَصب واضح باعتبار المحل، (أَوِ ارْفَعْ) ظاهره: أن رفع التابع إعرابٌ، لأنه قال (ارْفَع)، وهذا إنما يُعَبَّر به في الإعراب، حينئذٍ يَرِد السؤال: ما العامل؟ هذا مَحلُّ إشكال، لا جواب عليه إلا أن نقول: ليست الحركة حركة إعراب، وإنما هي حركة مُشاكَلة .. متابعة، حينئذٍ تُقدَّر الحركة عليه، يُقال: هو منصوبٌ تابعٌ .. نعتٌ مثلاً منصوبٌ وعلامة نصبه الفتحة المُقَدَّرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بِحركة الإتباع أو المُشاكَلة.

قوله: (أَوِ ارْفَعْ) ظاهره أن الرفع .. رفع التابع إعرابٌ، واستُشكل بأنه: لا عامل هناك يقتضي رَفْع التابع، بل هناك ما يقتضي نَصْبَه وهو (أدعو) .. أدعو زيداً، حينئذٍ نقول: وُجِدَ ما يقتضي النصب، ولم يُوجَد ما يقتضي الرفع، وحينئذٍ ما وجه الرفع؟

لا عامل هناك يقتضي رفع التابع، بل هناك ما يقتضي نصبه وهو:(أدعو) فقيل: العامل مُقدَّرٌ من لفظ عاملٍ متبوعٍ مبنياً للمجهول، وهذا تَكَلُّف! أن يكون كل لفظ رُفِع فيه المقرون بـ (أل) وهو تابع، أو المفرد، حينئذٍ نُقَدِّر له عامل، نقول: هذا فيه تَكَلُّف، وخاصةً إذا كان مبنياً للمجهول، ومن لفظ المتبوع، وهذا فيه تَكَلُّف، ويؤدي إلى التزام قَطْع التابع.

وقيل: حركته حركة إتباع لا إعراب ولا بناء وهذا هو الصحيح.

إذاً: (وَمَا سِوَاهُ) يعني: سوى التابع مِنْ تابع المضموم خَاصةً المُستَكمِل للشروط المذكورة السابقة وهما: الإضافة، والخلو من (أل)، وذلك شيئان: المضاف والمقرون بـ (أل)، والمفرد.

ص: 5

(انْصِب أَوِ ارْفَعْ) فتقول: يا زَيدُ الكريمُ الأبِ، (زَيْدُ) هذا مُنَادى (ذِي الضَّمِّ) إذاً: وجِدَ فيه الشرط، قال:(الكريم) نُعِتَ بما فيه (أل) وهو مضاف .. مضافٌ مقرونٌ بـ (أل)، حينئذٍ يجوز فيه الوجهان: يا زَيدُ الكرِيمَ الأبِ، ويا زَيْدُ الكرِيمُ الأبِ.

أما: يا زَيْدُ الكرِيمَ الأبِ بالنصب فواضح على أنه إتباعاً لمحل زيد فهو نصب، وأما: يا زَيدُ الكرِيمُ الأب، حينئذٍ نقول: هو منصوبٌ ونصبه فتحة مُقَدَّرة، وإنما جاز لك نطقاً أن تنطِق به مضموماً إتباعاً للسابق في المشاكلة فحسب، فالحركة حركة إتباع.

يا زَيْدُ الكرِيمُ الأبِ، ويا زَيْدُ الحسَنُ الوجهِ .. الحسَنَ الوجهِ .. الحسَنُ الوجهِ، هذا محلىً بـ (أل)، ويا زَيدُ الظَرِيفُ .. يا زَيدُ الظَرِيفَ: هذا مفرد، جاز فيه الوجهان: النصب باعتبار المحل، والرفع باعتبار المشاكلة.

(الظرِيفُ) بالرفع، هل نقول: هو مبني؟ لا، ليس مبنياً هو مُعْرَب على الأصل، من أين جاءت هذه الضَمَّة؟ نقول: هذه الضَمَّة ليست ضَمَّة إعراب، ولا بناء، وإنما هي حركة مُشَاكلة فحسب، حينئذٍ نُقدِّر الفتحة أصله: يا زيد الكرِيمَ الأب، ويا زيد الظرِيفَ، هذا الأصل، ثُمَّ منَاسبةً لضَمَّة (زيد) قلت: الكرِيمُ .. الظرِيفُ فقط، وإلا فالأصل: هو مُعرَبٌ، حينئذٍ تكون الفتحة مُقَدَّرة، وهذا أحسن ما يُقال في المقام، وما عداه فهو تَكَلُّف.

(يا زيد الظَريِفُ والظَريِفَ) بالرفع والنصب، فـ (الرفع) إتباعاً للفظ؛ لأنه يُشْبِه المرفوع من حيث عروض الحركة، و (النصب) إتباعاً للمحل:

..... وَاجْعَلَا

كَمُسْتَقلٍّ نَسَقاً وبَدَلَا

وَمَا سِوَاهُ ارْفَعْ أَوِ انْصَبْ هذا تابعٌ لقوله:

تَابِع ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ

أَلزِمْهُ نَصْبَاً .........

حينئذٍ يكون الحكم في البيت، ونصف الشطر الأول من البيت الثاني: يكون متعلقاً بالنَّعْت، والتوكيد، وعطف البيان.

هذان الحكمان: إلزام النصب، وجواز الوجهين، في هذه التوابع الثلاثة فحسب، وهي: النَّعْت، والتوكيد، وعطف البيان.

إن كان مضافاً (التابع) وهو واحد من هذه الثلاثة .. مضافاً مقروناً بـ (أل) وجَبَ النَصب .. إن كان عطف البيان، والتوكيد، والنَّعت مضافاً لـ (أل) أو مفرد جاز فيه الوجهان.

فأما: النَّسق، والبدل، فالنسق نوعان: نسقٌ مقرونٌ بـ (أل) .. مصحوب (أل)، ونسقٌ مُجرَّدٌ عن (أل).

(وَاجْعَلَا كَمُسْتَقِلٍّ نَسَقاً وَبَدْلَا)، (وَاجْعَلَا): الألف هذه مُنقَلِبة عن نون التوكيد الخفيفة.

(اجْعَلنَّ) يعني: صَيِّرَن، (كَمُسْتَقِلٍّ نَسَقاً) .. (اجْعَلن نَسَقاً كَمستَقلٍ) (نَسَقاً): هذا مفعول أول لـ: (اجْعَل)، و (كَمسْتَقلٍ): مُتَعلِّق بمحذوف مفعول ثاني لـ: (اجْعَل)، (اجْعَل نَسَقاً) يعني: المعطوف عطف نسق (كَمُسْتَقِلٍّ) يعني: كمُنَادى مستقل.

حينئذٍ تُقَدِّر قبله حرف نِداء، ثُمَّ تعامله مُعامَلة المُنَادى، هل يجب نَصْبه .. هل يجب ضَمُّه؟ إلى آخره، فتنظر إليه من حيث كونه مُنَادىً مُستقلاً.

(وَاجْعَلَا كَمُسْتَقِلٍّ) يعني: بالنِداء، سواءٌ كان المُنَادى مبنياً على الضم أو منصوباً، فيُنْظر في حاله نسقاً خالياً من (أل) لقوله:

ص: 6

وَإِنْ يَكُنْ مَصْحُوبَ أَلْ مَا نُسِقَا

فَفِيهِ وَجْهَانِ ........

إذاً: نُقيِّد قوله: (نَسَقاً) في البيت هذا .. نقيده بالمُجْرَّد عن (أل)، حينئذٍ يُعَامل مُعَاملة المُنَادى المستقل.

تقول: يا رَجُلُ وزيد، (زَيدُ) كأنك قلت: ويَا زَيدُ، عَامَلتَه مُعَامَلة المنادى المستقل، تقول: يا زيد وأبا عبد الله .. ويا أبا عبد الله، حينئذٍ إذا قلت: يا زَيدُ .. إذا قلت: يا رَجُلُ وزَيْدُ، (زَيْدُ): هذا يَتَعيَّن فيه الرفع .. البناء، ولا يجوز فيه النصب، فلا تقل: يا رَجُلُ وزَيْدَ، باعتبار المحل، لماذا؟ قالوا: إقامةً للواو هنا مُقَام العامل .. نائبة عن عامل، حينئذٍ نَنْظُر إلى النسق كأنه مُنَادى مُستَقل مُنْفَصل عَمَّا سبق، فتقول: يا رَجل ويا زَيْدُ، لو قلت: يا زَيْدُ، حينئذٍ تَعيَّن البناء، فإذا قلت: يا رَجُلُ وأبا عبد الله، حينئذٍ الثاني يتَعيَّن فيه النصب.

إذاً: لا يجوز فيه الوجهان والمحل واحد .. (النسق المُجرَّد من (أل)) لا يجوز فيه الوجهان والمحل واحد: يا رَجلُ وزَيْدُ، هذا محل واحد، هل يجوز فيه الوجهان؟ لا، إنَّما جاز فيه الضَمُّ وجوباً، بناءً على أنه مُنَادى مستقل: يا رَجلُ وأبا عبد الله، تَعيَّن فيه النصب.

إذاً: جاز فيه الرفع .. البناء، وجاز فيه النصب، ولكن لا في محلٍ واحد، بخلاف: يا زَيْدُ الظرِيفْ، يجوز فيه الرفع والنصب والمحل واحد، نفس التركيب.

إذاً: (واجْعَلَّنْ كَمُسْتَقِلٍ نَسَقاً): نَسَقاً مُجرَّداً عن (أل) كَمسْتَقلٍ، يعني: بالنداء، كأنه مُنَادى مستقل.

فيجب بناؤه على الضَمِّ إن كان مُفرداً، ونصبه إن كان مضافاً، على ما سبق بيانه.

أو (وَبَدَلَا)، يعني: إذا كان التابع بدلاً - هذا معلوم مما سبق - حينئذٍ نَنظر إليه نَظراً مستقلاً، لماذا؟ لأن البدل إعرابه بِنية تَكرار العامل.

فإذا قلت: يا زَيْدُ أبا عبد الله، تَعيَّن النصب، لماذا؟ لأن: يا زَيدُ أبا عبد الله، (أبا عبد الله): هذا بَدَل كل من كل، فحينئذٍ بِنِيَّة تَكْرار العامل، وهو العامل فيه، كأنك قلت: يا أبا عبد الله، بل هو في المعنى كذلك: يا أبا عبد الله، و (أبا عبد الله) هذا يجب نصبه.

وتقول: يا رجلُ زيدُ، هنا يجب فيه البناء، كأنك قلت: يا رجلُ يا زيدُ فهو بدل، حينئذٍ يَتعيَّن فيه البناء على الضَم، كما تَعيَّن في الأول النصب لكونه مضافاً.

(وَاجْعَلَا كَمُسْتَقِلٍّ) بالنداء (نَسَقاً) خالياً من (أل)(وَبَدْلَا)، هنا لم يُقَيد (بدل) لكونه خالياً من (أل)، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يكون في النداء إلا خالياً من (أل) .. لا يكون البدل في النداء إلا خالياً من (أل)، فحينئذٍ لا نحتاج إلى أن نُقَيده، لأنه لا يوجد في النداء إلا وهو خالٍ عن (أل)، بخلاف النسق فيجوز فيه الوجهان.

قال الشارح: (وَمَا سِوَاهُ) أي: ما سوى المضاف المذكور يجوز رفعه ونصبه، رفعه إتباعاً للفظ، لأنه يُشْبِه المرفوع، ونَصْبه إتباعاً للمحل، وهو المضاف المصاحب لـ (أل) والمفرد، فتقول: يا زَيْدُ الكرِيمُ الأب، بِرفع الكريم ونصبه، ويا زيد الظرِيفُ، برفع الظريف ونصبه.

ص: 7

وحُكْم عطف البيان والتوكيد حُكْم الصفة، فتقول: يا رَجُلُ زَيْدٌ وزَيْداً، بالرفع والنصب، ويا تميم أجمعون وأجمعين – انظر! ابن عقيل هنا ما ذكر هذا الحكم في البيت السابق - يعني: كأنه جَعَل (تَابِعَ ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ) مُقَيَّد بالمثال .. المثال خاصٌ بالصفة، حينئذٍ كأنه قَيَّدَه بالمثال، فقال:(تَابِعَ) أي: صفة (ذِي الضَّمِّ) .. نَعْت (ذِي الضَّمِّ).

فحينئذٍ فات الناظم أن يُنَبِّه على عطف البيان والتوكيد، ولذلك قال:" وحكم عطف البيان والتوكيد حكم الصفة " كأنه استدراك على الناظم، والصواب أن يقال:(تَابِعَ) هذا جنس يشمل التوابع كلها، حينئذٍ نخص منها النسق والبدل بالأبيات اللاحقة، ويُجْعَل الحكم عَامَّاً في عطف البيان، والنعت، والتوكيد.

وأما عطف النسق والبدل ففي حكم المُنَادى المستقل، (عطف النسق) يُقَيد بأن يكون مُجرَّداً عن (أل) والبدل في حكم المُنَادى المستقل، فيجب ضَمُّه إذا كان مُفرَداً نحو: يا رجل زَيْدُ .. (زَيْدُ) هذا بدل من رجل، مبنيٌ على الضَّمِّ في محل نصب، ويا رجلُ وزيدُ: هذا معطوفٌ على رجل، وهو مُنَادى مبني في محل نصب.

كما يجب (الضَّمُّ) لو قلت: يا زيد، ويجب نصبه إن كان مُضافاً، نحو: يا زيد أبا عبد الله، ويا زيد وأبا عبد الله، كما يجب نصبه إذا قلت: يا أبا عبد الله، وهكذا حُكمُهمَا مع المُنَادى المنصوب، لأن البدل في نِيَّة تَكرار العامل، والعَاطِف كالنائب عن العامل، فإذا كَرَّرَت حرف النداء مَعهُما كَانَا كالمبَاشِرَين لحرف النداء.

وَإِنْ يَكُنْ مَصْحُوبَ أَلْ مَا نُسِقَا

فَفِيهِ وَجْهَانِ ...............................

ما معنى البيت؟ إذاً: المَنْسوق له حالان:

مَنْسوقٌ مُجرَّدٌ عن (أل) فحينئذٍ يَتعيَّن فيه وجهٌ واحد: وهو أنه كمُنَادى مستقل.

ومَنْسوقٌ مُحلى بـ (أل) فحينئذٍ فيه وجهان: كالمضاف المقرون بـ (أل)، والمفرد.

(وَإِنْ يَكُنْ) .. (مَا نُسِقَا) .. (مَصْحُوبَ أَل)، (مَصْحُوبَ) ما إعرابه؟ خبر (يكن) (مصحوب): مضاف، و (أل) قُصِد لفظه مضافٌ إليه.

(مَا نُسِقَا): (ما) اسم موصول بمعنى: الذي، و (نُسِقَا): الألف هذه للإطلاق .. (نُسِقَ) هو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول، و (مَا) هذه قلنا: في محل رفع اسم (يكن)، و (مَصْحُوبَ): خبر مقدم.

(فَفِيهِ) يعني: في المنْسُوق بـ (أل) إذا وقع تابعاً، (وَجْهَانِ): ما هما هذان الوجهان؟ ما ذكر هو، هو ذكر قال:(وَرَفْعٌ يُنْتَقَى) وسكت عن الوجه الثاني، حينئذٍ يُقابله النصب من باب أنه مذكورٌ في قوله:(وَمَا سِوَاه انْصِب أَوِ ارْفَعْ) لأن الخفض هنا غير وارد، وحينئذٍ إما نصبٌ، وإما رفعٌ.

(فَفِيهِ وَجْهَانِ): وهذا بالإجماع .. محل وفاق، وإنما الخلاف في الأرجح، يجوز وجهان في المنْسُوق المصحوب لـ (أل) بالإجماع، وإنما وقع الخلاف في أيهما أرجح، قال:(وَرَفْعٌ يُنْتَقَى) تقول: يا زيد والحارث، (الواو) حرف عطف، و (الحارثُ) و (الحارثَ) هذا منسوق مُحلىً بـ (أل) فيجوز فيه الوجهان.

ص: 8

يا زيد وحارثُ .. وحارثُ وحارثاً، هل يجوز فيه الوجهان؟ يَتعيَّن البناء على الضم هنا، لماذا؟ لكونه مُجرَّداً عن (أل) أما: يا زيدُ والحارثُ .. والحارثَ، جاز فيه الوجهان، عَطْف على المحل بالنصب، ومراعاة المُشَاكَلة في الرفع.

(فَفِيهِ وَجْهَانِ) بالإجماع وهما الرفع والنصب، تقول: يا زيد الحارثُ .. الحارثَ.

(وَرَفْعٌ يُنْتَقَى): يُخْتَار يعني، عُلم منه أن ثاني الوجهين هو النصب، لأنه اختار الرفع .. نَصَّ على الرفع، فالخلاف في الاختيار، والوجهان مجمعٌ على جوازهما.

(وَرَفْعٌ يُنْتَقَى) أي: يُخْتَار وفاقاً للخليل وسيبويه والمازني، لما فيه من مُشاكَلة الحركة، ولحكاية سيبويه:" أنه أكْثَر في كلام العرب من النصب "، إذاً (وَرَفْعٌ يُنْتَقَى): موافقةً لسيبويه، لأن سيبويه حَكَا أن أكْثَر كلام العرب الرفع، يعني: وجوده في لسان العرب الرفع أكثر من النصب، وإذا وُجِدَ أكثر كان هو المختار، مع جواز الوجه الآخر.

واختار أبو عمرو ويونس (النصب)؛ لأن ما فيه (أل) لم يَلِ حرف النداء، فلا يُجْعَل كلفظ ما وليه، اختار النصب يعني: النصب أرجح، لماذا؟ لأننا قلنا في البيت السابق: أن حرف العطف نائبٌ مناب العامل، فكأنه مُكَرَّر، فلو قيل: يا زيد ويا الحارث، هل يصح؟ لا يصح أن يتسلَّط عليه العامل، أو (يا) الندائية؛ لكونه مُحلىً بـ (أل)، و (يا) والمحلى بـ (أل) قلنا: لا يجتمعان إلا في الضرورة، هذا هو الأصل.

حينئذٍ مراعاةً لهذا قال: " النصب أرجح " لأنك لو رفعت حينئذٍ صار في قوة: يا زيدُ ويا الحارثُ، وهذا محذور، لكن ليس بظاهر.

واختار أبو عمرو ويونس (النصب)؛ لأن ما فيه (أل) لم يَلِ حرف النِداء فلا يُجْعَل كلفظ ما وليه، فلا تُطْلَب مُشاكَلتُه له.

وقال المُبَرِّد بالتفصيل: " إن كانت (أل) مُعرِّفة فالنصب، وإلا فالرفع " إن كانت مُعرِّفة: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) [سبأ:10](أل) مُعرِّفة، حينئذٍ النصب، " وإلا فالرفع " لأن المُعرَّف بـ (أل) يشبه المضاف حينئذٍ يُنْصَب.

وقال المُبَرِّد: " إن كانت (أل) مُعرِّفة فالنصب، وإلا فالرفع " لماذا؟ لأن المَعْرِفة .. المُعَرَّف بـ (أل) يشبه المضاف.

وَإِنْ يَكُنْ مَصْحُوبَ أَل مَا نُسِقَا

فَفِيهِ وَجْهَانِ: الرفع والنصب.

(وَرَفْعٌ يُنْتَقَى): يُخْتَار، وقلنا: هذا بالإجماع أنه جائزٌ فيه الوجهان، وإنما الخلاف في المختار، إلا فيما عُطِفَ على نكرة مقصودة، نحو: يا رجل والغلام، فلا يجوز فيه عند الأخْفَش إلا الرفع، إذا كان معطوفاً على نكرة مقصودة لا يجوز عند الأخْفَش، وإلا الكثير على خلافه.

قال الشارح هنا: أي إنما يجب بناء المنْسُوق على الضَمِّ إذا كان مُفرَداً مَعْرِفةً بغير (أل)" -هذا ما يتعلق بالبيت السابق- " فإن كان بـ (أل) جاز فيه وجهان الرفع والنصب، والمختار عند الخليل وسيبويه ومن تبعهما الرفع وهو اختيار المصنف، ولهذا قال:(وَرَفْعٌ يُنْتَقَى) أي: يُخْتَار، فتقول: يا زيد والغُلامَ .. والغُلامُ، بالرفع والنصب.

ومنه قوله تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) [سبأ:10] والطَّيْرُ .. والطَّيْرَ، لكن استبعد الطيْرَ (النصب).

ص: 9

وَأَيُّهَا مَصْحُوبَ أَلْ بَعْدُ صِفَهْ

يَلزَمُ بِالرَّفْعِ لَدَى ذِي المَعْرِفَهْ

وَأَيُّ هَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَد

وَوَصْفُ أَيٍّ بِسِوَى هَذَا يُرَد

(أَيّ) .. لفظ (أَيّ) .. الآن انتقلنا إلى لفظ (أَيّ)، (أَيّ) قد تكون مُنَادى: يا أيُّ .. يا أيُّها .. يا أيَّتُها.

إذاً: قد تقع مُنَادى، فلها أحكامٌ تَختَص بها، (أَيُّ) إذا كانت مُنَادى لَزِم وصفها بمصحوب (أل) واجب الرفع، نحو: يا أيها الرجلُ، لَزِم وصفها بمصحوب (أل)، وسيأتي أنه قد يكون غير ذلك، وأنه يَلْزَم الرفع: يا أيُّها الرجلُ، وإنما لزم رفع وصفها، وإن كان يجوز فيه الرفع والنصب إذا كان المُنَادى غير (أيّ) لإبهامها، وهي نكرة مقصودة.

(يا أيُّ): هذه نكرة مقصودة .. (الرجلُ) في مثله يجوز فيه الوجهان، النكرة المقصودة: يا رجلُ الظَرِيْفَ .. الظَرِيْفُ، قلنا يجوز فيه الوجهان، وهنا في باب (أَيّ) الصفة يَتعيَّن، أن يكون مرفوعاً، ولا يجوز فيه النصب، مع كون محل (أَيّ) النصب، ومع ذلك يمتنع، قيل: لإبهامها وهي نكرة مقصودة.

و (أَيُّهَا): هذا مبتدأ، (يَلزَمُ): هذا خبرها.

و (أيها يلزم) ما قال: (تلزم) باعتبار اللفظ، الأصل أن يقول: تلزم هي (أَيُّ).

و (أَيُّهَا)، أَيُّ: هذا مبتدأ، (يَلزَمُ): هذا خبر، (مَصْحُوبَ أَلْ) هذا مفعول:(يَلزَمُ أَيُّ مَصْحُوبَ أَلْ).

(بَعْدُ) بعدها (صِفَهْ).

(بِالرَّفْعِ) واضح البيت؟ (أَيُّهَا) مبتدأ، (يَلزَمُ) خبر، ((يَلزَمُ أَيُّ مَصْحُوبَ أَل بعدها صِفَهْ بِالرَّفْعِ).

إذاً: الشرطان مأخوذان من البيت، يجب أن يكون ما بعد (أَيّ) مصحوب (أَلْ)، (الرجل)، ثم بالرفع ولا يجوز فيه النصب، (يَلزَمُ) يعني: يجب.

إذاً: و (أَيُّهَا) يلزم مصحوب (أَلْ)، (بَعْدُ) هذا حال من قوله صفة؛ لأن الظرف إذا تَقَدَّم على النكرة أُعْرِب حالاً، يعني أصل التركيب: مصحوب (أل) صفةً بعدها .. هذا الأصل، (بَعْدُ) صفة لصفة، لكن لمَّا قُدِّم عليه الظرف إذا كان صفةً لنكرة، وكذلك الجار والمجرور إذا تَقدَّم على الموصوف حينئذٍ أُعْرِب حالاً.

فالأصل هنا: مصحوبة (أَلْ) صفةً .. (صفةً) هذا حال من مصحوب (أل).

(بعدها) يعني: بعد (أَيّ)، فـ (بَعْدُ): مُتعلق بِمحذوف صفة لصفة، لكن لمَّا قُدِّم حينئذٍ صار منصوباً على الحالية من صفة.

إذاً: (بَعْدُ) هذا حالٌ من صفة، حُذِف المضاف ونُوِي معناه.

(بعدها) فالضمير المحذوف يعود على (أَيّ).

(يَلزَمُ بِالرَّفْعِ): هذا حال ثانية من مصحوب (أل) وليس متعلقاً بيلزم لا! لأننا نتكلم عن مصحوب (أل) .. مصحوب (أل) بالرفع.

إذاً وصفان: أن يكون مُحلىً بـ (أل) وأن يكون مرفوعاً، فلا يجوز فيه الوجه الثاني مِمَّا جاز في غيره وهو النصب، يتَعيَّن فيه الرفع.

(لَدَى): هذا مُتعلِّق بقوله: (يَلزَمُ) بمعنى: عند.

(يَلزَمُ) .. (لَدَى): عند، (ذِي)(لَدَى) مضاف، و (ذِي): بمعنى صاحب، مضاف إليه معرفة، وهذا تَعرِيضٌ لمذهب المازِني كما سيأتي.

ص: 10

إذاً: إذا نُودِيَت (أَيّ) فهي نكرة مقصودة مبنية، هذا مُطَّرِد، يأتيك:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) [البقرة:104] .. ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)) [الأنفال:64] .. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) [النساء:1] إعراب واحد، "أيُّ" مُنَادى نكرة مقصودة مبني، وما بعدها إما مُحلى بـ (أل) أو اسم إشارة، أو اسمٌ موصول. فهي نكرة مقصودة مبنية على الضم، وتلزمها (هاء) التنبيه مفتوحة، وقد تُضَمُّ لتكون عِوضَاً عَمَّا فاتها من الإضافة.

وتُؤَنَّث لتأنيث صفتها، يعني:(أيّ) تُؤَنَّث، فيقال:((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ)) [الفجر:27] .. (يا أيها) هذا الأصل، لم زِيدَت التاء؟ نقول: هذه التاء تاء التأنيث، لأن الموصوف مُؤَنث، فتقول: يا أيتها النفس .. يا أيها الرجل .. يا أيها الناس: هذا مُذَكَّر.

فإذا كان مُذَكَّر الموصوف ذُكِّرَت (أَيّ)، وإذا كان مُؤَنث أُنِّثَت (أَيّ) كقوله:((يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ)) [الانفطار:6] .. ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ)) [الفجر:27] ويَلْزم تابعها الرفع، يعني: لا يكون منصوباً البتة.

إذاً: (أَيُّ) نكرة مقصودة مبنية، صفتها يكون مصحوب (أل) .. لا بُدَّ أن يكون مقروناً بـ (أل).

قوله: (صِفَهْ) ظاهره: أنه صفةٌ مطلقاً، يعني: سواءٌ كان مُشتقاً أو جامداً، ليؤول الجامد حينئذٍ بالمشتق.

(صِفَهْ) يا أيها الرجلُ .. يا أيها العاقل .. يا أيها الفاضل: هذا صفة وهو مشتق، جاء لا إشكَال فيه، يا أيها الرجلُ: هذا صفة، هو يقول:(بَعْدُ صِفَهْ): عام .. أطْلَق الناظم، حينئذٍ هل الرجل من الجامد الذي يؤول بالمشتق؟

وَانْعَتْ بِمُشْتَقٍّ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ

وَشِبْهِهِ كَذَا وَذِي وَالمُنْتَسِبْ

هل الرجل واحد مما ذكرناه من التسعة أو العشرة التي سبقت معنا في باب النعت؟ ليس منها إلا على مذهب ابن الحاجب: أنه لا يُشْترَط أن يكون النعت والصفة مشتقاً، وهذا يُنْسَب للمحققين: أنه لا يُشْترَط أن يكون مشتقاً، حينئذٍ يصح النعت بالرجل؛ لما فيه من معنى الرجولة.

على مذهب ابن الحاجب: يا أيها الرجل، لا إشكال صفة .. نعت، أمَّا على مذهب الجمهور: يا أيها الرجلُ .. (الرجل) هل هو جامدٌ مؤولٌ بالمشتق؟ قلنا: المؤوُل بالمُشتق لا بُدَّ أن يكون سماعي، لا نأتي بأي لفظٍ هكذا، نقول: مؤول بالمشتق، حينئذٍ نقول:(الرجل) ليس في تأويل المشتق، والناظم هنا قد أطلق.

إذاً قوله (صِفَهْ): ظاهره أنه صفةٌ مطلقاً، أي: سواءٌ كان مُشتقاً أو جامداً، حينئذٍ نحتاج إلى تأويل الجامد بالمشتق، إن أمكن فبها ونعمت، وإلا فيبقى إشكال.

وقيل: عَطْف بيان، يعني: لا نقول صفة ما بعد (أَل) يا أيها الرجل .. يا أيها الفاضل .. يا أيها العاقل، (الرجل) و (الفاضل) و (العاقل) عطف بيان وليس بصفة، يعني: مطلقاً سواءٌ كان مُشتقاً أو جامداً، ويَرِد عليه: أن عَطف البيان لا يكون إلا جامداً، ويا أيها العاقل، ويا أيها الفاضل، هذا محل إشكال.

وقيل: عطف بيان، وقيل .. وهو قولٌ ثالث: إن كان مُشتقاً فهو نَعْت، وإن كان جامداً فهو عَطْف بيان! إن كان مشتقاً نحو: يا أيها الفاضلُ فهو نعت، وإن كان جامداً، نحو: يا أيها الرجلُ فهو عطف بيان.

ص: 11

حينئذٍ هذا القول يسير مع الأقوال السابقة في الأبواب المختلفة، مع النعت ومع عطف البيان، فلا يَرِد عليه شيء البتة.

أمَّا على رأي ابن مالك: (بَعْدُ صِفَهْ) يا أيها الرجل، أنت ما قلت .. (وَشِبْهِهِ كَذَا وَذِي وَالمُنْتَسِبْ) ما عَددت الرجل منها، حينئذٍ محل إشكال، وإذا قيل: عطف بيان مطلقاً، حينئذٍ جاء أن عطف البيان لا يكون إلا جامداً، وأما التفصيل فهو محل استحسان.

(وَأَيُّهَا مَصْحُوبَ أَلْ)، أطلق الناظم (أَلْ) هنا، فيشمل (أَلْ) العهدية، والجنسية، واللازمة، والزائدة وغير اللازمة مطلقاً، لكن هذا ليس بِمُرَاد، وإنَّما مقصوده:(أل) الجنسية.

يُشْتَرط أن تكون (أل) جنسية، أي: لا زائدة لازمة كـ: (اليسع)، أو غير لازمة كـ:(اليزيد)، ولا التي للمح الأصل كـ:(الحارث)، ولا التي للعهد كـ:(الزيدَين) و (الزيدِين)، ولا الداخلة على العلَم بالغلَبة كـ:(الصعق) و (النجم).

والمُراد: أنها جنسية بحسب الأصل قبل دخول (يا)، فلا يُنَافي أن مصحوبها بعد دخول (يا) مُعيَّن حاضر.

إذاً: المراد بـ (أل) هنا: اللفظ، أي: الجنسية، يعني: لا العهدية، ولا اللازمة الزائدة سواءٌ كانت زائدة للمح الصفة، أو دَالَّةً على الغلبة، أو نحوه مطلقاً، جميع أنواع (أل) خارجة بقولنا: الجنسية.

طيب! متى تكون جنسية: بعد دخول (يا)، أو قبلها؟ قبلها .. بحسب الأصل، لأنه إذا دَخلَت (يا) حينئذٍ قلنا (يا) هذه تُعَرِّف .. ما بعدها يكون معرفة، وقلنا:(أيّ) نكرة مقصودة فهو معرفة.

حينئذٍ نقول: (الرجل) هذا مُعَيَّن حاضر، لماذا؟ لكونه نَعْت للنَّكرة المقصودة، أو عطف بيان من النكرة المقصودة، إذاً: صار معناه مُعيَّناً، و (أل) الجنسية مدخولها معناه غير مُعيَّن، حينئذٍ كيف نَشتَرط أن يكون مصحوب (أل) .. أن تكون (أل) جنسية، ثُمَّ نقول:(الرجل) في قولنا: يا أيها الرجل .. يا أيها الإنسان هذا مُعيَّن؟ نقول: لا تنافي، اشتراط كونها جنسية قبل دخول (يا)، وأما كونه مُعيَّن فهو بعد دخول (يا) ففرقٌ بينهما، لأن (يا) لها تأثير، تَجعل النكرة معرفة بالإقبال والقصد.

إذاً: (وَأَيُّهَا مَصْحُوبَ أَل): الجنسية، (بَعْدُ صِفَهْ)، (بَعْدُ) يعني: بعدها .. بعد (أيّ) يُعْرَب صفة، وهذا حالٌ من مصحوب (أل).

(يَلزَمُ): يلزم أَي بِالرَّفْعِ .. (يَلزَمُ): الضمير هنا يعود على ماذا؟ على (أَيُّهَا).

(بِالرَّفْعِ): هذا حالٌ من مصحوب (أل) حالٌ ثالثة، (بَعْدُ): حالٌ من (صِفَة)، و (صِفَة) هذا حالٌ مصحوب (أل)، و (بِالرَّفْعِ): حال من مصحوب (أل)، وبعضهم جَعَل (بَعْدُ) كذلك حال من مصحوب (أل)، لكن ليس بظاهر، لأن (صِفَة) بعدها .. بعد (أَي) هذا المُراد.

ص: 12

(لَدَى ذِي المَعْرِفَهْ): هذا تَعرِيضٌ بمذهب المازِني حيث أجاز نَصْبَه قياساً على صفة غيره من المُنادات المضمومة، يعني قول المازني -وهذا قيل: أنه خَرْقٌ للإجماع- جَوَّز: يا أيها الرَجُلَ، ويا أيها الإنسَانَ، لأنه في غير هذا المحل: يا زيدُ الظَرِيْفُ الظَرِيْفَ (صفة) يَجوز فيه الوجهان، كذلك فيما إذا كان نَعتاً لـ (أي) فتقول: يا أيها الرجُلُ .. يا أيها الرجُلَ .. يا أيها الفَاضِلُ .. يا أيها الفَاضِلَ .. يا أيها الإنْسَانُ .. يا أيها الإنْسَانَ، باعتبار الأصل، كما أنه يَجوز: يا زيد الظَريْفُ .. الظَريفَ، هذا مثله، والجمهور على خلافه.

(وَأَيُّ هَذَا): هذا النوع الثاني مِمَّا يُوصف به (أَيُّ)، نقول:(أَيُّ) لا بُدَّ من وصفها: إمَّا بمصحوب (أل) وإمَّا باسم الإشارة، وإمَّا بـ:(الذي).

(وَأَيُّ هَذَا) .. (أَيُّهَا الَّذِي): هذا الثاني والثالث.

(مَصْحُوبَ أَل) .. (أَيُّ هَذَا) .. (أَيُّهَا الَّذِي) أي: (وَرَدَ).

(أَيُّ هَذَا) مبتدأ، (أَيُّهَا) هذا معطوفٌ عليه على حذف حرف العطف.

(الَّذِي) هذا صفة لـ (أَيّ)، (وَرَدْ) .. وَرَد المذكور (وَرَدْ) ولم يقل:(وردا) أي: ورد المذكور.

أو على حذف مضاف، ولفظُ (أَيُّ هَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَدْ) اللفظ .. فلا إشكال، فإمَّا أن يؤوَّل الفاعل هنا الضمير بقولنا:(المذكور): ورد المذكور فيشمل المثنَّى، لأن الأصل أن يقول:(وردا)، (أَيُّ هَذَا) و (أَيُّهَا الَّذِي) وردا صفةً لـ (أَيّ)، حينئذٍ نقول: إمَّا أن يؤوَّل بالمذكور، وإمَّا أن يُجْعَل على حذف مضاف، فنقول: لفظُ (أَيُّ هَذَا) صار مفرداً.

أي: وورَدَ أيضاًَ وصف (أيِّ) في النداء باسم الإشارة .. باسم الإشارة مطلقاً مفرداً، أو مثنَّىً، أو جمعاً، فلا يَختص بِما عيَّنَه الناظم (أَيُّ هَذَا)(ذا) اسم الإشارة المفرد، لا يُفْهَم منه أنه خاصٌ بالمفرد، وإنِما مُرَاده أنه وُصِف (أَيّ) باسم الإشارة، فيَعُم المفرد والمثنَّى والجمع.

(أَيُّهَا الَّذِي) يعني: بموصولٍ فيه (أل)، نحو قوله:

أَلَا أَيُّهَذا البَاخِعُ الوَجْد نَفْسَهُ ..

وقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ)) [الحجر:6](الَّذِي): هذا نعتٌ لـ (ذا)، و (ذا) نعتٌ لـ (أيُّ).

إذاً:

وَأَيُّ هَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَد

وَوَصْفُ أَيٍّ بِسِوَى هَذَا يُرَدّ

إذاً: حَصَر لك نعت (أَيّ) في ثلاثة مَحآل فحسب، وما عَدَاها فهو باطل لا يصح البتة، وهو: أن يكون مصحوب (أل) .. مُحلىً بـ (أل)، وأن يكون اسم إشارة مُطلقاً، وأن يكون اسماً موصول مبدوءً بـ (أل) فقط، وهو مُعيَّن، والقضية سَمَاعية.

(وَوَصْفُ أَيٍّ بِسِوَى هَذَا يُرَدّ)، (وَصْفُ) مبتدأ، وهو مضاف و (أَيٍّ) مضافٌ إليه، و (بِسِوَى) مُتعلقٌ بوصف، (هَذَا) الذي ذُكِرَ (يُرَدّ)، ما إعراب (هَذَا)؟ مضاف إليه، و (يُرَدّ) خبر المبتدأ.

(وَوَصْفُ أَيٍّ بِسِوَى هَذَا يُرَدّ): هل فيه فائدة جديدة هذا الشطر؟ قال الشاطِبِي: " حَشْوٌ لا فائدة فيه البتة " لماذا؟ لأنه قال:

وَأَيُّهَا مَصْحُوبَ أَلْ بَعْدُ صِفَهْ

يَلْزَمُ بِالرَّفْعِ لَدَى ذِي المَعْرِفَهْ

ص: 13

وَأَيُّ هَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَدْ

.................................

مفهومه: أن غير المذكور من الثلاثة الأنواع لم يَرِد، حينئذٍ قوله:(وَوَصْفُ أَيٍّ بِسِوَى هَذَا يُرَدّ)(يُرَدُّ) فهو مردودٌ، قال الشاطِبِي:"إنه حَشْوٌ لا فائدة فيه".

وأُجِيبَ: بأنه لمَّا عُلِمَ بقوله: (وَأَيُّ هَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَدْ) أن اللُّزُوم ليس ظَاهِرَه .. أنه ليس لازماً، لا اللُّزُوم ظَاهِرُه، لأنه قال:(وَرَدْ) .. (وَأَيُّ هَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَدَ): هذا الذي وَرَد في لسان العرب.

مفهومه: أنًّ ما عداه لم يَرِد، فإذا لم يَرِد حينئذٍ ما وَرَد لازم، هذا الذي فهمه الشاطبي، وأُجِيْب بأنه قال:(أَيُّ هَذَا أَيُّهَا الَّذِي وَرَدْ): لا يُفْهَم منه أنه لازم فيَتَعيَّن، حينئذٍ احتاج أن ينُصَّ على اللُّزُوم، فقال:(وَوَصْفُ أيٍ بِسِوَى هَذَا) المذكور السابق وهو الثلاثة الأنواع - مَصْحُوبَ أَلْ، واسم الإشارة، والذي- يُرَدُّ.

على كلٍّ: يمكن أن يُقال: بأنه فيه فائدة، إذاً:(مَصْحُوبَ أَلْ)، واسم الإشارة، والذي هو الذي يكون صفةً لـ (أَيٍّ).

قال الشارح هنا: " يُقال: يا أيها الرَجلُ، ويا أي هذا، ويا أيها الذي " أتى بالأوصاف الثلاثة: يا أيها الرَجلُ، مذهب الكوفيين: أن (ها) للتنبيه مع اسم الإشارة، فإذا قلت: يا أيها الرجل، تريد: يا أي هذا الرجل، ثُمَّ حُذِف (ذا) اكتفاءً بـ (ها).

و: يا أي هذا .. يا أي هذا الرَجل، فـ (أي) مُنَادى مبنيٌ على الضَّم -هكذا نقول إعرابه-:(أي) منادى مبني على الضَّمِّ؛ لأنه نكرة مقصودة في محل نصب، و (ها) حرف تنبيه مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و (ذا) اسم الإشارة صفة لـ (أي) .. (أي): في محل رفع، لأنه قال: بالرفع هذا عام في: (مَصْحُوبَ أَلْ) واسم الإشارة، و (الذي) فهو عامٌ فيها الثلاث، و (ذا) صفةٌ لـ (أي) في محل رفع، و (الرجل) صفة لـ (ذا).

إذاً: يا أيُّ هذا الرجل، (ذا) صفةٌ لـ (أيّ) و (الرجل) صفةٌ لاسم الإشارة، و (الرجل) صفةٌ لـ (ذا) أو عطف بيان مرفوع بضمة ظاهرة، ونحو: يا أيُّها الذي قام، فالذي: صفة (أي) في محل رفع، وهذا كله مبنيٌ على أن حركة التابع إعرابٌ، وهذا هو الصحيح.

إذا قيل: بالرفع حينئذٍ نقول: ليست حركة إعراب، إذا قيل: يا أيها الرَجلُ، لا نقول: هذا مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، نقول: هذه حركة مُشاكَلة، وإنما هو باعتباره يكون منصوباً.

قال هنا: " يُقال: يا أيها الرجل، ويا أي هذا، ويا أيها الذي فعل كذا، فـ (أيُّ) مُنَادى مُفرد مبني على الضم و (ها) زائدة – تنبيه يعني – و (الرجل) صفةٌ لـ (أي) ويجب رفعه عند الجمهور، لأنه هو المقصود بالنداء ".

وأجَاز المازِنِي نصبه قياساً على جَواز نصب الظريف، في قولك: يا زيد الظرِيفُ بالرفع والنصب، ولا توصف (أيٌ) إلا باسم جنسٍ مُحلىً بـ (أل) كالرجل، أو باسم إشارة نحو: يا أي هذا أقبل، أو بموصولٍ مُحلىً بـ (أل): يا أيها الذي فعل كذا، ولا توصف إلا باسم جنسٍ مُحلىً بـ (أل) أو باسم إشارة.

ص: 14

ولا يُشْتَرَط لوصف (أيٍ) باسم الإشارة: خلوه من كاف الخطاب، وهو ظاهر المتن، لأنه أطلق قال:(أَيُّ هَذَا) حينئذٍ لو كان مُتصلاً بكاف الخطاب، ولا يُشْترَط في اسم الإشارة المذكور أن يكون منعوتاً بـ ذي (أل) بل ولو لم يكن منعوتاً.

ثُم قال:

وَذُو إِشَارَةٍ كَأَيٍّ فِي الصِّفَةْ

إِنْ كَانَ تَرْكُهَا يُفِيتُ المَعْرِفَهْ

(وَذُو إِشَارَةٍ) يعني: اسم الإشارة (كَأَيٍّ فِي الصِّفَه) يعني: في وجوب وصفه بما وُصِفَت به (أي)، من واجب الرفع مُعرَّف بـ (أل) أو الموصول المُصَدَّر بـ (أل)، وأما اسم الإشارة فلا، إنما يَتعيَّن فيه اثنان: وهو أن يكون مصحوب (أل) أو الاسم الموصول، (وَذُو إِشَارَةٍ) هذا مبتدأ، (كَأَيٍّ) يعني: مثل (أي) وهو خبر، (فِي الصِّفَةْ) حالٌ من الضمير المستكن في (أيٍ) .. جار ومجرور مُتعلق بِمحذوف، أو نقول: مثل (أيٍ) فهي اسمية، حينئذٍ يكون من المضاف.

(إِنْ كَانَ تَرْكُهَا يُفِيتُ المَعْرِفَه) .. (يُفِيتُ) يعني: يُفَوِّت المعرفة، مفهومه -مفهوم مُخالفة-: أن اسم الإشارة قد لا يُفِيت المعرفة، فلا يَفْتقر إلى وصفٍ كسائر أنواع المُنَادى، (إِنْ كَانَ تَرْكُهَا) أي: ترك الوصف .. الصفة، (يُفِيتُ) أي: يُفَوِّت عِلْم المُخَاطَب بالمُنَادى، (المَعْرِفَهْ) يعني: العِلْم بالمُنَادى.

إذاً: (وَذُو إِشَارَةٍ كَأَيَ فِي الصِّفَةْ) في لزوم وصفها بِمصحوب (أل) أو الموصول إذا كان عَدمُ الوصف يُفَوِّت المعرفة، يعني: لا يَدْري المُخَاطب ما المُراد باسم الإشارة، فإذا لم يدر تَعيَّن الوصف، فإن دَرَى حينئذٍ لا يَتعيَّن الوصف.

(إِنْ كَانَ تَرْكُهَا يُفِيتُ المَعْرِفَهْ) بأن تكون هي مَقصُودة بالنداء، واسم الإشارة قبلها لمُجرَّد الوُصْلة لا نِدَائها كقولك لقائمٍ بين قومٍ جلوس: يا هذا القائم، أمَّا إذا كان اسم الإشارة هو المقصود بالنداء بأن قَدَّرَت الوقوف عليه فلا يلزم شيءٌ من ذلك، يعني: إذا قيل يا هذا القائم، إمَّا أنك تَقْصد أن المُنَادى هو القائم، حينئذٍ صارت لفظ (هذا) وصْلة مثل (أي)، وإمَّا أنك تقصد أن (هذا) هو المُنَادى، إن عَنَيت الأول فلا بُدَّ من الصفة، وإن عَنَيت الثاني فحينئذٍ يُمكن أن يُسْتَغْنى عن الصفة.

إذا كان المقصود بالنداء هو لفظ الإشارة نفسه، حينئذٍ لا يلزم الوصف، بأن صَحَّ الوقف عليه: يا هذا، وأنا أعَيِّنك: يا هذا، لا نَحتاج أن نقول: يا هذا الرجل .. يا هذا القائم، يجوز حذف (القائم)، حينئذٍ صار هذا هو المقصود بالنداء، فحينئذٍ لا نحتاج إلى الوصف، وأمَّا إذا لم يكن كذلك حينئذٍ لا بُدَّ من الصفة.

ص: 15

إذاً: (إِنْ كَانَ تَرْكُهَا يُفِيتُ المَعْرِفَهْ) متى؟ بأن تكون هي مَقصودة بالنداء يعني: (الصفة)، واسم الإشارة قبلها لمُجرَّد الوصْلة إلى نِدائها، كقولك لقائمٍ بين قومٍ جلوس: يا هذا القائم، فيَتَعيَّن حينئذٍ الوصف .. لا بد من ذكر الصفة؛ لأن الوصف هو المقصود بالنداء، فصار (هذا) مثل (أي) في كونه وصْلة يُتَوَصل بها إلى نِداء ما فيه (أل)، أمَّا إذا كان اسم الإشارة هو المقصود بالنداء بأن قَدَّرت الوقوف عليه، يعني: يُمكن الوقف عليه فيَتم المعنى، فلا يلزم شيءٌ من ذلك، أي: مجموع ما ذُكِر، لأن بعضه يَلزم وهو القرن بـ (أل) .. منعوت (أل) .. صفة (أل) لا بُدَّ أن يكون مُحلىً بـ (أل).

وإلا لصَحَّ: يا هذا رجلٌ وليس كذلك، لكن نقول: هنا (مَصْحُوبَ أَلْ) لا يُؤْخَذ حكمُه من هنا، وإنما يُؤْخَذ حكمه من باب النعت،؟؟؟ أن النَعْت .. اسم الإشارة لا بُدَّ أن يكون مُحلىً بـ (أل)، لا يجوز أن يكون نكرة: يا هذا رجلٌ لا يصح، بل لا بُدَّ أن يكون مُحلىً بـ (أل)، حينئذٍ يكون الحكم مأخوذ من حكمٍ سابق .. من باب النعت.

ويجوز في صفته حينئذٍ ما يجوز في صفة غيره من المُنَاديات المبنيات على الضم، يعني: إذا قُصِد اسم الإشارة حينئذٍ لا يلزم الصفة، لكن لو ذُكِرَت فيجوز فيه الوجهان، مثل غيره من تابع المُنَادى، كأنك قلت: يا زيد الظرِيفُ الظرِيفَ، إذا قُلت: يا هذا القائم، وكان المقصود بالنداء هو لفظ (هذا) حينئذٍ لا نحتاج إلى القائم، لو ذكرناه جاز فيه الوجهان، وأما إذا كان هو المقصود تَعيَّن فيه الرفع وهو وجهٌ واحد.

(وَذُو إِشَارَةٍ كَأَيٍّ فِي الصِّفَةْ) يعني: في لزومها، ولزوم رفعها، ولزوم كونها بـ (أل) على ما مَرَّ، نحو: يا ذا الرجل، ويا ذا الذي قام، ويا هذا الرجلُ، ويا هذا الذي قام، ويا هؤلاء الكرام، فـ (ها) للتنبيه، واسم الإشارة مُنَادى مُقدَّرٌ فيه الضَّم، وما بعده صفةٌ له مرفوعة باعتبار اللفظ للمُشاكَلة.

وَذُو إِشَارَةٍ كَأَيٍّ فِي الصِّفَةْ

إِنْ كَانَ تَرْكُهَا .. يعني: ترك الصفة .. (يُفِيتُ المَعْرِفهْ) .. (إِنْ كَانَ تَرْكُهَا)، (تَرْكُهَا) هذا اسم كان، و (يُفِيتُ المَعْرِفهْ)، (يُفِيتُ): خبر كان، و (المَعْرِفهْ): مفعول يفيت، فَات .. يُفِيت، أي: يُفَوِّت عِلْم المُخاطب بالمُنَادى.

قال هنا الشارح: " يُقال: يا هذا الرجل، فيجب رفع الرجل إن جُعِل (هذا) وُصْلة لنِدائه، كما يجب رفع صفة (أي)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ كَانَ تَرْكُهَا يُفِيتُ المَعْرِفهْ)، فإن لم يُجْعَل اسم الإشارة وصْلة لنِداءِِ ما بعده لم يجب رفع صفته، بل يجوز الرفع والنصب ".

فِي نَحْوِ سعْدُ سعْدَ الَاوْسِ ينتَصِبْ

ثانٍ وضُمَّ وَافْتَحْ أَوَّلاً تُصِبْ

(فِي نَحْوِ) فُهِم منه أنه ليس مقصوراً على المذكور، بل فيه قياسٌ كما سيأتي.

(فِي نَحْوِ سَعْدُ سَعْدَ) يا سعد .. (سعد) هذا مُنَادى حُذِف (يا) النداء، (سعْدُ سعْدَ الأَوْسِ) يعني: في مثل هذا التركيب انظر: (سعْدُ سعْدَ الأَوْسِ) الأول علم مُفرد، والثاني علم مُفرد، والثاني مضاف: يا زَيْدُ زَيْدُ العِلْم مثلاً .. مثلُه.

ص: 16

من كل تركيبٍ وقع فيه المُنَادى مُفرَداً مُكرَّراً .. نفس اللفظ: (يَا زَيْدُ زيْدَ الْيَعْمَلَاتِ) .. من كل تركيب وقع فيه المُنَادى مُفرَداً مُكرَّراً، ووقع بعد المرة الثانية مضافٌ إليه، يعني: الثاني أُضِيْف وقع مضاف، وبعضهم لا يقول الثاني أُضِيْف من أجل إدخال بعض المذاهب، يُقال: ووقع بعد المرة الثانية مُضَافٌ إليه.

إذاً: في مثل هذا التركيب يَنْتَصب ثانٍ وجُوباً، الذي هو (سعد) الثاني، (ينتَصِبْ ثَانٍ) وجُوباً، (ثانٍ) هذا فاعل، أين الرفع؟ مُقَدَّر على الياء المحذوفة تَخفيفاً، أو يُقال: بأنه سُكِّنَ (ثَانِي) ثُمَّ نُوِّنَ (ثانٍ) إذاً: فاعل ينتصب.

(يَنتَصِبْ ثَانٍ) وجوباً، لماذا؟ لأنه مُضاف، مثل: يا غُلامَ زيدٍ .. يا صَاحبَ عِلْمٍ، مثلُه مضاف.

(وَضُمَّ وَافْتَحْ أَوَّلاً) يعني: الأول يجوز فيه الوجهان: (سَعْدُ سَعْدَ) الضَمُّ بناءً على الأصل، والفتح هنا جاء فيه الخلاف كما سيأتي.

إذاً (فِي نَحْوِ): هذا جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (يَنتَصِبْ).

(فِي نَحْوِ) يا (سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ يَنْتَصِبْ ثَانٍ) وجوباً، (وَضُمَّ) على الأصل (وَافْتَحْ) على الإتباع (أَوَّلاً)، - (أَوَّلاً) هذا متنازع فيه (ضُمَّ وَافْتَحْ) -، (تُصِبْ): هذا جواب الأمر، ضُمَّ تُصِب، (تُصِبْ): هذا فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الطلب.

فإن ضَمَمْتَه فلأنه مُنَادى .. مُفرَد .. مَعرِفة، وانتصاب الثاني حينئذٍ، لأنه مُنَادى مضاف، أو توكيد، وهذا انْتُقِد كما سيأتي، أو عطف بيان، أو بدل، أو بِإضْمَار (أعني) كم وجه؟ خمسة:

يجوز فيه أن يكون مُنَادى مضاف، يعني كأنه قال:(يا سَعْدُ يا سَعْدَ الأَوْسِ) .. (يا سَعْدَ) مُنَادى مضاف فهو منصوب.

أو توكيد، وتوكيد المنصوب منصوب .. باعتبار المحل.

أو عطف بيان، أو بدل، أو بإضْمَار (أعني)، يعني: صار مقطوعاً بتقدير عاملٍ محذوف.

فإن ضُمَّ الأول كان الثاني منصوباً على التوكيد، وهذا مُعْتَرَض، لأنه إمَّا أن يكون تَوكِيداً مَعنَوياً أو لَفظِياً، (معنوياً) هذا محصور في السبعة الألفاظ: نفس، وعين إلى آخره.

إذاً: ليس واحداً منها، وتوكيد اللفظ بأن يكون الثاني هو عَيْن الأول، وهنا هل هو عَيْنَه؟ (يَا سَعْدُ) غير مُضاف مفرد، (سَعْدَ الَاوْسِ) إذاً: يمتنع أن يكون توكيداً في اللفظي أو المعنوي، ولذلك أُعْتُرِض إعرابه توكيداً.

أو على إضْمَار (أعني) أو على البدلية، أو عطف البيان، أو على النداء، وإن نُصِبَ الأول:(يا سَعْدَ)، فمذهب سيبويه: أنه مُنَادى مضاف إلى ما بعد الاسم الثاني، وأن الثاني مُقْحَمٌ بين المضاف والمضاف إليه، وهذا غريب! لماذا؟ لأنه يقول: أن الأول مضافٌ للثاني .. أنه مضافٌ إلى ما بعد الاسم الثاني، يعني: الأول مضاف للأوس.

أصل التركيب: يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ، ثُمَّ جيء بـ:(سعد) فأُقْحِم بين المضاف والمضاف إليه، وهذا مُعْتَرَض بأن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة فلا يُفْصَل بينهما وهذا أجنبي عنه، حينئذٍ يكون يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ، (يَا سَعْدَ) هذا يكون النصب هنا على الأصل، لأنه مضاف ومضاف إليه، وهذا يَتعيَّن فيه النصب، وهذا ضعيف.

ص: 17

المذهب الثاني .. مذهب المُبَرِّد: أنه مُضاف إلى محذوفٍ مثل ما أُضيف إليه الثاني، والثاني مضافٌ إلى الآخر كذلك، يعني كأن التركيب: يا سَعْدَ الَاوْسِ يا سَعْدَ الَاوْسِ .. يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ الأَوْسِ، فحُذِف من الأول لدلالة الثاني عليه، حذف الأول: الأَوْسِ فقال: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ، وهذا مُعْتَرضٌ أن الحذف إنما يكون من الثاني لدلالة الأول عليه، لا العكس، لأن الذي يَدل ليس في أول الكلام .. ليس هو الذي يُحْذَف، وإنما لو قال: يا سْعَدَ سَعْدَ الأَوْسِ بأنه حُذِفَ الثاني ودَلَّ عليه الأول لصَحَّ: يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ: هذا لا بأس به .. أن يُقال: حُذِف من الثاني (الأوس) فَدَّل عليه الأول، أما بالعكس هذا قليل نادر، فلا يُحْمل عليه.

المذهب الثالث: أن الاسمين رُكِّبَا تركيب خمسة عشر، ففتْحَتُهما حينئذٍ فتحة بناء لا إعراب، ومجموعهما مُنَادى مضاف، وهذا مذهب الأعلى.

إذاً: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ: إن ضُمَّ الأول يا سَعْدُ جاز في الثاني خمسة أوجه، وإن فُتِح الأول: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ: هنا وقع الإشكال.

فلو قيل: بأن الفتحة هنا ليست فتحة إعراب، وإنما هي حركة مُشاكَلة لما بعده، وهو مُنَادى مبني في المحل .. انتهينا من الخلاف، وأمَّا على رأي سيبويه حينئذٍ: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ أصله: يا سَعْدَ الأَوس سَعْدَ، فأُقْحِم (سعد) بين المضاف والمضاف إليه.

وعلى مذهب المُبَرِّد: أنه مضافٌ محذوف المضاف، يعني: يا سَعْدَ الأوس سَعْدَ الأوس، فحُذِف من الأول: يا سَعْدَ الأوس، فقيل:(يا سَعْدَ) وأُبقي الثاني دليلاً عليه، وهذا فيه ضعف.

أو .. المذهب الثالث: أن الاسمين رُكٍّبَا تركيب خمسة عشر، وكل هذا فيها إشكال.

إذاً:

فِي نَحْوِ سعْدُ سعْدَ الَاوْسِ ينتَصِبْ

ثانٍ وضُمَّ وافتح أَوَّلاً تُصبْ

أما الثاني فهو منصوبٌ مُطلقاً، وإنما الوجهان في الأول فحسب.

صَرَّح في الكافية: بأن الضَمَّ أمثل الوجهين، يعني قوله هنا:(وَضُمَّ وَافْتَحْ) قَدَّم الضَّمَّ فَدَّلَ على أنه أرجح، بل صَرَّحَ في الكافية: بأن الضَّمَّ أمثلُ الوجهين.

ومذهب البصريين: أنه لا يُشْتَرط في الاسم المُكرَّر أن يكون عَلَماً بل اسم جنس: يا رَجُلُ رَجُلَ قومٍ، ولذلك قال:(فِي نَحْوِ)، إذاً يَجوز القياس، فلا يُشْتَرط في الأول أن يكون عَلَماً، فُهِم منه: أن ذلك جائزٌ في العلَم، وفي النكرة المقصودة، يُقال: يا غُلامُ غُلامَ زيد .. يا غُلامُ .. يا غُلامَ، بالوجهين، إذاً: لا يُشْتَرط أن يكون في العلَم، وهو مذهب البصريين كما ذكرناه سابقاً.

مذهب البصريين: أنه لا يُشْتَرط في الاسم المُكرَّر أن يكون عَلَماً، بل اسم جنسٍ، نحو: يا رَجُلُ رَجُلَ قومٍ، هذا جائز مثل: يا غُلامُ غُلامَ زجلٍ أو زيدٍ، و (الوصف) نحو: يا صَاحِبُ صاحبَ زيدٍ يجوز فيه الوجهان، يا صَاحِبُ صَاحِبَ .. صَاحِبَ زيدٍ كالعَلَم.

ص: 18

وخالف الكوفيون: فمنعوا نصبه، وفي الوصف فذهبوا: إلى أنه لا يُنْصَب إلا مُنوَّناً، نحو: يا صاحباً صاحبَ زيدٍ، يعني لا يُقال: يا صَاحِبَ بدون تنوين كما هو مذهب البصريين، بل لا بُدَّ من تَنوِينه، هذا إذا كان الثاني مضاف، أمَّا إذا كان الثاني غَير مضاف: يا زيدُ زيدُ، دون إضافة، جاز ضَمُّه يعني: ضَمَّة بناء بدلاً ورفعه ونصبه عطف بيان على الأول أو المحل: يا زَيِدُ زَيِدَ .. يا زَيِدُ زَيدُ، يجوز فيه الوجهان.

فأمَّا البدل فَمُنِع لأنه لا يَتَّحِد لفظ بدلٍ ومبدلٍ منه، إلا ومع الثاني زيادة بيان - وهذا ذكرناه من الفوارق -.

وجَوَّز بعضهم أن يكون مُنَادىً ثانياً: يا زَيْدُ، كأنه مستقل، وأن يكون توكِيداً لفظياً، وهذا لا مانع منه لاتحاد اللفظ، ورَدَّه في شَرِح الكافية .. ردَّ كونه عطف بيان، لأن الشيء لا يُبيِّن نفسه، لو قيل: يا زيدُ .. (زيد) الثاني توكيد كان جيد، أو يُجْعَل كأنه مُنَادىً مستقل، أمَّا كونه عطف بيان: زيد وزيد، ليس فيه فائدة، بل قلنا: عطف البيان إذا اتَّحَد اللفظ خَرَج عن كونه بياناً، صار تُوكِيداً.

ومثلُ: (يَا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ) .. (يَا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ)، ومثله المثال المشهور:(يَا زَيْدُ زيْدَ الْيَعْمَلَاتِ).

إذاً خلاصة هذا الفصل، وهو أحكام تابع المُنَادى، نقول: تابع المُنَادى المبني على أربعة أقسام .. من أجل التشويش الذي أوْرَدَه النَّظم:

القسم الأول: ما يجب نصبه مراعاةً لمحل المُنَادى، وهو ما اجتمع فيه شيئان: مضاف، ودون (أل): أن يكون نعتاً، أو بياناً، أو توكيداً.

والثاني: أن يكون مُضافاً أو مُجرَّداً من (أل) .. (تَابِعَ ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ)، يُشْترط فيه: ما يجب فيه النصب مراعاةً لمحل المُنَادى، ما اجتمع فيه شيئان، الأول: أن يكون نعتاً، أو بياناً، أو توكيداً، يعني: لا بدلاً، أو عطف نسقٍ بالوجهين.

الثاني: أن يكون مضافاً، أو مُجرَّداً من (أل) نحو: يا زَيدُ صاحبَ عمروٍ، ويا زَيدُ أبا عبد الله، ويا تَيمُ كلَّهم أو كلَّكم، هذا ذكرناه فيما سبق، ووجوب النصب هنا لتابع المُنَادى، بالشرطين المذكورين هو مذهب جمهور النحاة.

وحُكِي عن جماعةٍ من الكوفيين منهم الكِسائي والفَرَّاء: جواز الوجهين النصب والرفع، فأمَّا النصب مراعاةً لمحل المُنَادى والرفع تبعاً للفظه، يعني: حركة مُشاكَلة وإتباعٍ، لأن هذه الضمة عارضة، لأن المبني طارئ لا أصلي، فتزول الضمة بزوال النداء، فأشبهت حركة الإعراب فجاز مُراعاتُها، وحكوا ذلك في النعت والتوكيد لا في عطف البيان؛ لقرب الشبه بالبدل، والبدل إذا كان مُضَافاً وجب نَصبُه، لأنه كنِداء مستقل، فما أشبهه وأخذ حكمه.

الحاصل: أن القِسم الأول: ما يجب نَصبُه عند جمهور النحاة، خلافاً للكِسائي وغيره، وهو ما وُجِدَ فيه أمران:

- أن يكون توكيداً، أو نعتاً، أو عطف بيان.

- وأن يكون مضافاً مقروناً بـ (أل) هذا القسم الأول: ما يجب نصبه، وهو الذي عناه الناظم بالبيت الأول.

القسم الثاني: ما يجب رفعه مراعاةً للفظ المُنَادى، وهو نعت (أيٍّ) و (أيَّةٍ) .. (أيَّةٍ): هذه التي ننبه عليها، (أيتها) نفسها.

ص: 19

ونعت اسم الإشارة إذا كان اسم الإشارة وُصْلة لنِدائه، نحو:((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) [البقرة:21] .. ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ)) [الفجر:27] .. يا هذا الرجل، إن كان المُراد أولاً نِداء الرجل، هذا يَتعيَّن فيه الرفع وهو صفة (أيّ) أو (ذو) الإشارة الذي عُومِل معاملة (أيّ)، ليس فيه إلا وجه واحد وهو الرفع .. يَلْزَمُ بِالرَّفْعِ.

القسم الثالث: ما يجوز رفْعُه ونصْبُه وهو نوعان:

الأول: النعت المضاف المقرون بـ (أل) نحو: يا زيد الحسَنُ الوجهِ.

الثاني: ما كان مُفْرداً من نعتٍ، أو بيانٍ، أو توكيدٍ، أو كان معطوفاً مقروناً بـ (أل) نحو: يا زيد الحْسَنُ الحْسَنَ، يجوز فيه الوجهان، ويا غُلامُ بشرٌ وبشراً، يجوز فيه الوجهان، ويا تَيْمُ أجمعون وأجمعين يجوز فيه الوجهان، قال تعالى:((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) [سبأ:10] قراءة السبعة بالنصب وقُرِئ بالرفع.

القسم الرابع: مَا يُعْطى تابعاً ما يَستَحقه إذا كان مُنَادىً مستقلاً، يعني: هو تابع، لكنه يُعَامل مُعامَلة المُنَادى المستقل وهو: البدل، وعطف النسق المُجرَّد من (أل)، يا زيد بِشْرُ .. (بِشْرُ) هذا بدل كل من كل، حينئذٍ نقول: هو على نِيَّة تكرار العامل: يا زَيدُ يا بِشرُ. ويا زَيدُ وبِشرُ، ويا زيدُ أبا عبد الله، ويا زيدَ وأبا عبد الله، وهكذا حكمهما مع المُنَادى المنصوب.

هذا ما يتعلق بأحكام تابع المُنَادى.

ونقف على هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 20