الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: أثر تاريخ النَّص في الجمع أو التَّرجيح بين النُّصُوص
يُقْصَدُ بالجمع أو التَّرجيح لِنُصُوصِ الحديث النَّبوي ما كان ظاهره التَّعَارض منها، وقد أعمل عُلمَاءُ المسلمين قرائحهم فيها لدفع ما ظاهره التَّعارض والتَّرجيح بين هذه الأقوال، والتَّرجيح واجب عند ظهور التَّعارض وإلا وقع صاحبه في الحيرة والاضطراب، والمتأمل في تُراثِ شُرَّاح الحديث يجد أنهم قد سلكوا طُرُقًا واستخدموا أدوات وقرائن كثيرة للتِّرجيح بين نُصُوص الحديث التي قد يَظْهَرُ للدِّارس أنها مُتَعَارضة، فأماطوا اللثام عن أغنى دُرَرِها، واستخرجوا أَغْمَضَ سَرَائِرها الْمُغَيَّبة؛ لِتَخْرُجَ خَبَايَاهَا الْمُتَحَجبة مِن مَكَامِنِها، فيراها الدَّارسُ للحديث النَّبوي وكأنها نَظْمُ اللؤلؤ والمرجان، ولا شك أنَّ هناك بون بعيد شاسع بين مجرد قراءة كتب التُّرَاث ليلتقط منها الباحث الحكم أو الغريب من لفظ الحديث، وبين من غاص في أغوار ودقائق هذه الشُّروح وتأملها، وعاش أعماق تلك المعاني وميز بين أدواتها وقرائنها، لَحَرِيٌ أن يَقُودَهُ ذلك من المجهول الذي لا يُرَى ولا يُلْمَس إلى المعلوم المحسوس، وسوف نسوق في هذا المبحث بعض النماذج من استخدامات شُرَّاح الحديث لِتَارِيخِ النَّص الحديثي في الجمع أو التَّرْجِيح بين ما ظاهره التَّعارض.
المثال الأول: ما أَخْرَجَهُ البُخَاريّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:«رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ» ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ، الحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ. (1)
(1) البخاري، الجامع الصحيح، كِتَابُ النكاح، بَابُ نَظَرِ المَرْأَةِ إِلَى الحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ، (8/ 38)، رقم:5236.
قَالَ الحافظُ ابْنُ حَجَرٍ في الفتح: "وَظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الأَجْنَبِيِّ بِخِلافِ عَكْسِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ شَهِيرَةٌ وَاخْتُلِفَ التَّرْجِيحُ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَحَدِيثُ الْبَابِ يُسَاعِدُ مَنْ أَجَازَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعِيدِ جَوَابُ النَّوَوِيِّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الْبُلُوغِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ وَقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ؛ لَكِنْ تَقَدَّمَ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ وَأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قُدُومِ وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَأَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَلِعَائِشَةَ يَوْمَئِذٍ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً فَكَانَتْ بَالِغَةً، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَابِ
…
وَيُقَوِّي الْجَوَازَ اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ وَالأَسْفَارِ مُنْتَقِبَاتٍ لِئَلا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، وَلَمْ يُؤْمَرِ الرِّجَالُ قَطُّ بِالانْتِقَابِ لِئَلا يَرَاهُمُ النِّسَاءُ، فَدَلَّ عَلَى تَغَايُرِ الْحُكْمِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ". (1)
قلت: أَشَارَ الحافظُ ابْنُ حَجَرٍ لتَارِيخ قُدُومِ وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَأَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ، وإنمَّا أخذها من بَعْضِ طُرُقِ الحديث من رواية ابن حبان البُسْتِي (2)، وأمَّا حساب سِنُّ عَائِشَةَ رضي الله عنها يَوْمَئِذٍ فجاء كما ذكرت المصادر التَّاريخية أنَّ دخول النَّبِي عليها كان فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، مُنصَرَفَهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ (3)، فَتَكُونُ على سَنَةَ سَبْعٍ قد بَلَغتْ الرَّابِعَةَ عَشَرَ.
(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، (9/ 336).
(2)
المصدر السابق، (2/ 445)، وقال الحافظ ابن حجر في هذا الموضع:" وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابن حِبَّانَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْحَبَشَةِ وَكَانَ قُدُومُهُمْ سَنَةَ سَبْعٍ فَيَكُونُ عُمْرُهَا حِينَئِذٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً "، كذا قال، وربما كان لاختلاف وقع في تعين سن السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنهم يَوْمَئِذٍ.
(3)
محمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء (2/ 135).
وفي رواية ابن حبان السالفة أنَّ تلك الحادثة كانت بعد قُدُومِ وَفْدِ الْحَبَشَةِ فيكون سِنُّ السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها يَوْمَئِذٍ ما بين خَمْسِ أو سِتّ عَشْرَةَ سَنَةً تقريبًا على ما نص عليه الحافظ في الموضعين السابقين، فتاريخ هذا النَّص أو الحادثة يكون ما بين سنة سبع أو ما بعدها؛ مما يؤيد أنَّ أمِّ المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ بَالِغَةً؛ ولِذَا رجح الحافظ ابن حجر بسبب معرفة تاريخ حدوث النَّص القول بجَوَاز نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الأَجْنَبِيِّ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ، وذلك تبعًا لما ثبت لديه من أدلة، وأَمَّا القول: بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الْبُلُوغِ
فمرجوح، فظهر أثر تاريخ النَّص أو الحادثة في التَّرجيح بين الأقوال والأحكام الفقهية.
المثال الثاني: ما أَخْرَجَهُ البُخَاريّ، من حديث عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ الأَوَّلُ الأَوَّلُ أَطْوَلُ» ". (1)
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: " وَوَقَعَ عِنْدَ ابن حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عَنْ أَشْعَثَ بِإِسْنَادِهِ فِي
هَذَا الْحَدِيثِ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَلاتِكُمْ (2)، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا (3)، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ كَابْنِ
(1) البخاري، الجامع الصحيح، بَابٌ: الرَّكْعَةُ الأُولَى فِي الكُسُوفِ أَطْوَلُ، كِتَابُ الجُمُعَةِ، (2/ 40)، رقم:1064.
(2)
محمد بن حبان، أبو حاتم، البُستي (ت: 354 هـ)، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان (ت: 739 هـ)، (7/ 78 - 79)، برقم:2837.
(3)
علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني، (ت: 385 هـ)، سنن الدارقطني، (2/ 417)، برقم: 1791، بلفظ:" «صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» ".
رَشِيدٍ (1): أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ صَلَّى أَيْ أَمَرَ بِالصَّلاةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ
…
؛ لَكِنْ حَكَى ابن حِبَّانَ فِي السِّيرَةِ لَهُ (2)، أَنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْكُسُوفِ وَكَانَتْ أَوَّلَ صَلاةِ كُسُوفٍ فِي الإِسْلامِ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ انْتَفَى التَّاوِيلُ الْمَذْكُورُ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ مُغَلْطَايْ فِي سِيرَتِهِ الْمُخْتَصَرَة". (3)
قلت: قد ظَفَرتُ بكلامٍ غَايَة في الدقة والتَّحقيق للعلامة أحمد شَاكِر وهو من تَعْلِيقَاتِهِ على الحديث في حاشيته على المحلى لابن حزم، فأحببتُ أن أثبته على طوله لفائدته فقال: " لَقَدْ حَاوَلتُ كَثيِرًا أَنْ أَجد مِنَ العُلَمَاءِ بالفَلَكِ مَنْ يُظْهِرُ لنَا بِالحِسَابِ الدَّقِيقِ عَدَدَ الكُسُوفَاتِ التي حَصُلَتْ فِي مُدَةِ إِقَامَةِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وتكون رؤيتها بها ممكنة، وطلبت ذلك من بعضهم مرارًا، فلم أوفق إلى ذلك، إلا أَنَّي وَجَدتُ للمرحوم محمود باشا الفَلَكِي جزءًا صغيرًا سماه نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذي حصل في السنة العاشرة، وهو اليوم الذي مات فيه
…
إبراهيم عليه السلام، ومنه اتضح أنَّ الشمس كسفت في المدينة في يوم الاثنين (29) شوال سنة عشر هجرية، الموافق ليوم (27) يناير سنة 632 ميلادية في الساعة (8) والدقيقة (30) صباحًا، وهو يرد أكثر الأقوال التي نقلت في تحديد يوم موت إبراهيم، وعَسَى
(1) هو محمد بن أحمد بن رشد، أبو الوليد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (ت: 595 هـ)، ذكر ذلك في كتابه: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ) انظر:(1/ 224).
(2)
محمد بن حبان، أبو حاتم البُستي (ت: 354 هـ)، السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، (1/ 251).
(3)
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، (2/ 548).
أَنْ يكون هذا البحث والتَّحقيق حَافِزًا لبعض النُّبَهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات التي حصلت بالمدينة في السنين العشر الأولى من الهجرة النَّبَوية، أي إلى وقت وفاته صلى الله عليه وسلم، في يوم الأحد (12) ربيع الأول سنة إحدى عشر هجرية، أو الاثنين (13) منه، الموافقان ليومي (7) يونية سنة 632 ميلادية أو (8) منه.
فإذا عُرِفَ بالحساب عَدَد الكسوفات في هذه المدة أمكن التَّحقيق من صحة أحد المسلكين. إمَّا حَمْلُ الرِّوايَات عَلَى تَعَدد الوقَائِع، وإمَّا تَرْجِيح الرِّواية التي فيها ركوعان في كل ركعة، وأنا أميل جدًا إلى الظن بأن صلاة الكسوف ما صليت إلا مرة واحدة، فقد علمنا من رسالة محمود باشا الفلكي أَنَّهُ حَصُلَ خسوف للقمر في المدينة في يوم الأربعاء 14 جمادى الثانية من السنة الرَّابعة للهجرة الموافق (20) نوفمبر سنة 625، ولم يرد ما يدل على أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم جمع النَّاس فيه لصلاة الخسوف، ويؤيد هذا أن الأحاديث الواردة في صلاة الكُسُوف دَالة بِسِيَاقِها عَلَى أَنَّ هذه الصَّلاة كَانت لأول مَرةٍ، وأَنَّ الصَّحَابَة لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها، وأنهم ظنوا أنها كسفت لموت إبراهيم، وأَنَّ المدة بين موت إبراهيم عليه السلام وبين موت أبيه صلى الله عليه وسلم لم تزد على أربعة أشهر ونصف، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحًا في النقل لتوفر الدَّوَاعِي إلى نَقْلِهِ، كَمَا نَقَلُوا مَا قَبْلَهُ بأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ، واللهُ أَعْلَمُ بالصَّوَابِ ". (1)
(1) ذكره عُبَيد الله بن محمد عبد السلام المباركفوري، مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، (5/ 129 - 130)، وقال المرجع (حاشية المحلى لأحمد شاكر، (5/ 104 - 105).
المثال الثالث: ما أَخْرَجَهُ الإمَامُ مَالِكٌ في الموطأ من رواية يَحْيَى فقال: "عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ، أَسْرَى، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلالٍ: «اكْلا لَنَا الصُّبْحَ»، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، وَكَلأَ بِلالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلا بِلالٌ، وَلا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ. فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ بِلالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اقْتَادُوا، »، فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلالاً فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصُّبْحَ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلاةَ: " مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ {أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} ". (1)
قَالَ ابنُ عَبْد البَر في الاستذكار: "وقول ابن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى - أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرْجِعُهُ مِن غَزَاةِ حُنَين، وفي حديث ابن مَسْعُودٍ أَنَّ نَوْمَهُ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وذلك في زَمَن خَيْبَر، وكذلك قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَهْلُ السِّيَرِ إِنَّ نَوْمَهُ عَنِ الصَّلاةِ كَانَ حِينَ قُفُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ (2)، وَالْقُفُولُ الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ وَلا يُقَالُ قَفَلَ إِذَا سَارَ مُبْتَدِئًا". (3)، ثم قال في موضع آخر: " وَفِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ النَّوْمَ كَانَ مِنْهُ عليه السلام زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِي بَعْضِهَا زَمَنَ خَيْبَرَ وَفِي بَعْضِهَا بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ وَاحِدًا لأَنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَتْ زَمَنَ خَيْبَرَ
(1) مالك بن أنس الأصبحي المدني، الموطأ، باب النَّوْمُ عَنِ الصَّلَاةِ، كتاب وُقُوت الصَّلَاةِ (2/ 19)، رقم:35.
(2)
إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: 774 هـ)، السيرة النبوية، (3/ 403).
(3)
يوسف بن عبد الله بن عبد البر، الاستذكار، (1/ 74).
وَهُوَ طَرِيقُ مَكَّةَ
…
، وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ ". (1)
قلت: أَشَارَ ابنُ عَبْد البَرِ إلى الخلاف الذي وَقَع في الرِّوايات التي تحدد تاريخ حدوث ذلك النَّص، وذكر أنَّ الحادثة وقعت على الصَّحيح الرَّاجح بعد غزوة خَيْبَرَ، ثم جمع بين الرِّوايات التي ذكرت أنها وقعت "زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ" والأخرى " زَمَنَ خَيْبَرَ " بقوله: " كُلٌّ وَاحِد؛ لأَنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَتْ زَمَنَ خَيْبَرَ وَهُوَ طَرِيقُ مَكَّةَ؛ ولأنَّ رُجُوعِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ كان في ذِي الْحَجَّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرَّمِ، وَخَرَجَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْهُ غَازِيًا إِلَى خَيْبَرَ (2)، وغَزْوَةَ خَيْبَرَ كانت سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَة (3).
فظهر أثر تاريخ النَّص في التَّرجيح والجمع بين المرويَّات التي ظاهرها التَّعارض، وأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَعْيِينِ نَوْمهُ صلى الله عليه وسلم بغَزْوَةِ تَبُوكَ أي أنَّ تَارِيخَ النَّص كان سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فهذا القول مرجوح وبعيد؛ لأنَّ الرِّواية فيه مُرْسَلة كما أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح فقال:"وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلا (4)، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ تَبُوكَ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلائِلِ (5) نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ". (6)، فبعد هذه الدِّراسة يجدر بنا التنبيه على أنَّ تاريخ النَّص النَّبوي ما هو إلا مؤشر قوي للترجيح بين الأقوال المختلف فيها؛ لأنَّ التَّاريخ خير شاهد وأوثق دليل.
…
(1) المصدر السابق، (1/ 90).
(2)
محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، عيون الأثر في فنون المغازي، (2/ 172).
(3)
الذهبي، سير أعلام النبلاء، (2/ 61).
(4)
عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت: 211 هـ)، المصنف، (1/ 588)، برقم (2238).
(5)
أحمد بن الحسين، أبو بكر البيهقي (ت: 458 هـ)، دلائل النبوة، (5/ 241).
(6)
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (1/ 448).