الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"فحكمه يقرب مما أطلقه" يعني يقرب من حكم القسم الأول الذي مضى في الشاذ، وأشير إليه في البيت الأول "فحكمه يقرب مما أطلقه" أي: يقرب من القسم الأول؛ لأن رواية الثقة كلا رواية، يعني وجود غير الثقة روايته، وجودها مثل عدمها، إذا قيل: تفرد به الثقة فلان، هذا حديث تفرد به مالك، يعني من بين الثقات ما رواه إلا مالك، ورواه من الضعفاء جمع، قالوا: رواية هؤلاء الضعفاء كلا رواية، اللهم إلا إذا نظرنا إليه من حيث التقوية بتعدد الطرق القابلة للانجبار، يعني إذا رواه مثلاً مالك، تفرد به من الثقات، ثم رواه جمع من الضعفاء كلهم ضعفهم غير شديد، أحاديثهم يرقي بعضهم بعضاً إلى أن تكون بمثابة الحديث الواحد القوي، فيرجح بها عند التعارض، فيرجح بها عند التعارض.
المعلل
وسم ما بعلة مشمول
…
معللاً ولا تقل: معلول
وهي عبارة عن أسبابٍ طرت
…
فيها غموض وخفاء أثرت
تدرك بالخلاف والتفرد
…
مع قرائن تضم يهتدي
جهبذها إلى اطلاعه على
…
تصويب إرسال لما قد وصلا
أو وقف ما يرفع أو متن دخل
…
في غيره أو وهم واهم حصل
ظن فأمضى أو وقَف فأحجما
…
مع كونه ظاهره أن سلما
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- الناظم الحافظ العراقي: "المعلل" وهذا النوع من أنواع علوم الحديث، من أجل علوم الحديث، وأدقها، وأشرفها، ولا ينوء به إلا القليل من الأئمة الحفاظ، وكم من شخص اشتغل بالحديث السنين الطوال، ولم يدرك علة، وإن حكم، وإن درس الأسانيد، وحكم، لكن هذه العلل لها أهلها، لها أهلها أهل الحفظ، والخبرة، والفهم الثاقب.
يقول -رحمه الله تعالى-: "وسم ما" يعني من الحديث "بعلة مشمول" بعلة خفية، سواءٌ كانت في سند الحديث، أو متنه:
وسم ما بعلة مشمول
…
. . . . . . . . .
يعني بالعلة الخفية في سند الحديث، أو متنه، وسيأتي إطلاق العلة على الظاهرة، لكن العلة إذا أطلقت في كتب علوم الحديث، فإنما يراد بها الأسباب الخفية التي تقدح في المتن، أو في السند الذي ظاهره السلامة:
وسم ما بعلة مشمول
…
معللاً. . . . . . . . .
كما قال ابن الصلاح: "ولا تقل: معلول" ولا تقل معلول؛ لأنه عندنا المعلل الذي عنون به، وترجم به، هذا لفظ، وعندنا –أيضاً- معلول، وعندنا معل، والألفاظ الثلاثة كلها إيش؟ اسم مفعول، اسم مفعول، مُعَل اسم مفعول، ومُعِل اسم فاعل، ومُعلَّل اسم مفعول، ومُعلِّل اسم فاعل، ومعلول اسم مفعول، واسم الفاعل من ذلك عالٌّ، على وزن فاعل، الحافظ -رحمه الله تعالى- يقول: سمه معللاً، ولا تسمه معلولاً، سمه معللاً، ولا تسمه معلولاً، جاء التعبير بمعلل، هذا حديث معلل، من قبل الأئمة، وأيضاً- جاء التعبير بلفظ معلول، وقع في كلامهم كثيراً، وقع في كلام الحفاظ كثيراً "معلول"، وقع في كلام البخاري، ووقع في كلام الترمذي، والحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:"ولا تقل"، يقول:"ولا تقل معلول" طيب وقع في كلام الحفاظ، ووقع في كلام الأصوليين، ووقع في كلام أهل الكلام المتكلمين، ووقع في كلام أهل العروض، يقولون: معلول، ووقع –أيضاً- في كلام بعض اللغويين، كالزجاج، والحافظ العراقي يقول:"لا تقل معلول" فإذا وقع من المحدثين، كالبخاري، والترمذي، ووقع من الأصوليين، فهم كثيراً ما يعبرون بالعلة، والمعلول، ووقع في كلام المتكلمين، ووقع –أيضاً- في كلام العروضيين، ووقع في كلام بعض اللغويين، والحافظ العراقي يقول:"ولا تقل معلول" لماذا؟ معلول من الفعل إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا اسم مفعول مبني من الثلاثي، مبني من الثلاثي، الفعل اسم المفعول من ضرب مضروب، من أكل مأكول، من شرب مشروب، علَّ، طيب علَّ ثلاثي، الحرف المضعف من حل حرفين؛ ما الفرق بين علَّ وعلل؟ نعم؟ اسم المفعول من علَّ معلول، طيب، وعلل اسم المفعول منه معلل، وأعلَّ اسم المفعول منه معلّ، عل من العلة، من العلة، وعلل من التعليل، وهو الإشغال، والإلهاء، علله بالطعام، يعني شغله به، وألهاه به، وعل من العلة، فهو معلول، من العلة التي هي في الأصل للأجسام، كما تقول: مجنون، ومسلول من سُلَّ، وجُنَّ، فهو مسلول، ومجنون، الأصل فيها الأجسام، واسم المفعول من أعل معل، وهذا اللفظ هو الذي رجحه الحافظ العراقي، وبعضهم حكم على اللفظ لفظ المعلل، والمعلول أنه شذوذ، وقال النووي: لحن، وقال ابن سيدة: لست منها على ثلج، يعني ما أنا مرتاح لهذه الكلمة، معلل، ولا معلول، وإنما يقال: معل، لكن إذا وجد في كلامهم، وأطلقوه على بعض الأحاديث إذا أطلقوه على بعض الأحاديث، فلا مندوحة، ولا مفر من تقليدهم فيه، ولذا يقول الحافظ ابن حجر: أولى ما يقال في الخبر أنه معلول، وسمى كتابه:: الزهر المطلول في الخبر المعلول" مجاراة، ومتابعة لأهل الحديث الذين أطلقوا، ومنهم إمام الصنعة البخاري، مادام أطلقوه، ووجد في كلام بعض اللغويين؛ إذن له أصل في اللغة، ووجد في كلام الفقهاء، والأصوليين، والمتكلمين، يعني إطلاق اللغويين، وإطلاق الفقهاء، والأصوليين، والمتكلمين؛ هل هو بمعنى إطلاق المحدثين؟ يعني العلة، والمعلول في الأصول، أو في علم الكلام مثلاً، وأوردها شيخ الإسلام بهذا اللفظ معلول، علة ومعلول، في درء تعارض العقل والنقل في أكثر من موضع، هل مرادهم بهذا الإطلاق هو مراد المحدثين في إطلاقهم على الحديث بأنه معلول؟ هم لا يقصدون بذلك الأحاديث، وإنما ينظرون إلى المؤثر والتأثير، والمؤثر فيه، إطلاق هؤلاء كلهم غير إطلاق المحدثين، لكنهم يشتركون في الصيغة، فيقولون: معلول، والأمر سهل، الأرجح عند الحافظ العراقي أن يقال: معل؛ لأنه من الفعل أعله فهو معل، وأما المعلل، فهو من علله بالشيء أي شغله به، والمعلول على إطلاق غير المحدثين المؤثَر فيه، وإذا أردنا أن نوجد
مخرج لمن أطلق من الحفاظ على الحديث الذي فيه قادح معلول، فإن الأمر يسير، فالعلة لا شك أنها تشغل بال الحافظ، الذي يبحث في هذا المجال، فالذي أوجد فيه هذه العلة شغل الحفاظ بمعرفتها، وبحثها، والتنقيب عنها، ومعرفتها، ومعرفتها إنما تكون بعد جمع الطرق، فعللهم، وشغلهم بها، وألهاهم بها، وهذا التماس لما صنعه الأئمة، وكوننا نلتمس لهم أفضل من أن نغلطهم، أفضل من أن نغلطهم، والأمر سهل؛ لأنه إذا عرف المقصود من الكلمة التي تداولها أهل العلم ينتفي المحذور، الإشكال إذا كانت هذه الكلمة في استعمالها في أكثر من فن يوقع في لبس، إذا كان استعمالها يوقع في لبس، فلا بد من تمييزها عن غيرها، وقد تكون الكلمة من المشترك، فتطلق الكلمة، ويراد بها أكثر من معنى.
على كل حال الأمر سهل، والحافظ العراقي رحمه الله شدد في هذه المسألة، وخطَّأ، والنووي يقول: لحن، وابن سيدة وهو من أئمة اللغة يقول: إنه ليس منها على ثلج، يعني ليس بمرتاح إلى هذا البناء.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "وهي" أي العلة:
وهي عبارة عن أسباب طرت
…
. . . . . . . . .
"عن أسباب" جمع سبب، طرت بحذف الهمزة، والأصل فيها: طرأت، فحذفت الهمزة "عبارة عن أسباب طرت" أي ظهرت للناقد، أو وجدت في سند الخبر، أو في متنه طارئة لا أصل، الأصل السلامة منها، ثم طرأت عليه هذه العلة:
وهي عبارة عن أسباب طرت
…
فيها. . . . . . . . .
أي في هذه الأسباب غموض "غموض وخفاء أثرت" وخفاء، عطف تفسير، عطف تفسير، وإلا فالغموض هو الخفاء:
وهي عبارة عن أسباب طرت
…
فيها غموض وخفاء أثرت
فالعلة على هذا هي السبب الخفي الغامض الذي يقدح في الخبر الذي ظاهره السلامة منه، سبب خفي غامض يقدح في صحة الخبر الذي ظاهره السلامة منها "تدرك" يعني هذه الأسباب، تدرك هذه الأسباب بعد جمع الطرق "بالخلاف" بين الرواة، بمخالفة راويه لغيره:
تدرك بالخلاف والتفرد
…
. . . . . . . . .
بحيث لا متابع "مع قرائن تضم" لما ذكر من الخلاف، والتفرد "يهتدي" بمجموع ذلك "جهبذها" تدرك هذه العلل بأول مرحلة بجمع الطرق، فإذا جمعت الطرق، ودرست من قبل الدارس النابه اليقظ الجهبذ؛ تبين له ما خفي على غيره، وما يخفى عليه لولا جمع الطرق؛ لأن الحديث من طريق واحد لا يتبين خطؤه حتى تجمع طرقه، فإذا جمعت طرقه تبين خطؤه، ولذا نوصي إخواننا الطلاب بأن يتمرنوا على هذه الطريقة، وأن يبدءوا بالكتب الستة، ماذا يصنعون؟
يجعلون مثلاً صحيح البخاري محوراً، يبحثون ويدورون عليه، فيأتون إلى حديث الأعمال بالنيات، أول حديث في الصحيح، ثم ينظرون في مواضعه من صحيح البخاري، ترى هذه من أعظم ما ينفع طالب العلم في معرفة هذه الأسباب التي تقدح في الأخبار، وتؤثر على الأسانيد، والمتون، وهي –أيضاً- من أنفع ما ينفعه في باب التفقه، وفي فهم الأحاديث على وجهها، تأتي إلى الحديث الأول في صحيح البخاري، وتنظر في مواضع تخريجه من الصحيح، وتربط بين الترجمة والخبر، وتنظر فيما ذكره البخاري رحمه الله في الترجمة من فقهه الدقيق، وما ذكره في الترجمة من أثر عن صحابي، أو تابعي مما يبين لك بعض الإشكال في الحديث، فإذا جئنا مثلاً إلى حديث معاوية، إلى حديث معاوية، في الصحيح في البخاري، وغيره:((إنما هلك بنو إسرائيل حينما اتخذ نسائهم القَصَّة))، السامع بيتصور شيئاً، كل من يسمع الخبر بيتصور شيئاً، كأنه يقول: القصة التي، استعمال الناس لقص الشعر، استعمال النساء لقص الشعر هو الذي أهلك بني إسرائيل، وسمعنا من يمنع القصة، ويحرم القصة، ويستدل بهذا الخبر، يعني القصة منتشرة بين النساء، لكن إذا نظرنا إلى ترجمة البخاري على هذا الخبر "باب ما جاء في وصل الشعر" وأورد حديث معاوية، تغيرت النظرة إلى الحديث، وانقلب المعنى "باب ما جاء في وصل الشعر"، ((وهلك بنو إسرائيل حينما اتخذ نسائهم القصة))، ما يختلف المعنى؟ استفدنا، وإلا ما استفدنا؟ أي فائدة يا الإخوان؟ المسالة تحتاج إلى جمع الطرق، والنظر في تراجم العلماء، في فقه العلماء في هذه التراجم، وأورد حديث معاوية في هذا:((وإنما هلك بنو إسرائيل حينما اتخذ نسائهم القصة))، فتناول كبة من شعر بيد حرسي فوضعها على رأسه، يعني المقصود بها الزيادة في الشعر لا الأخذ منه، استفدنا، وإلا ما استفدنا؟ فائدة عظيمة جداً، لا تقدر بقيمة، يعني بدلاً من أن يقف أمام الناس، وهذا حصل من شيخ له تاريخ في الدعوة، أمضى عمره في الدعوة، ولما انتشرت القصة بين الناس قبل كم سنة؛ أخذ يحذر منها، وينتقل من مسجد إلى آخر، ويشدد في تحريمها، ويستدل بهذا الحديث.
أقول: إذا سلك طالب العلم هذه الطريقة، فأخذ الحديث الأول، وعرف أن الإمام البخاري خرجه في سبعة مواضع، أنا شرحت هذه الطريقة في مناسبات، وقد يكون بعض الإخوان حضر أكثر هذه المناسبات، فيمل من تكرارها، لكن لا مانع من تكرارها؛ لأهميتها، ومناسبتها للباب، فإذا جردت الحديث من صحيح البخاري في المواضع كلها بأسانيده، ومتونه، بألفاظه المختصرة، والمطولة التي اقتصر البخاري فيها على بعض الحديث، والتي استوفى فيها البخاري جميع الحديث، جميع ألفاظه بالتراجم الذي هو فقه البخاري، فقه أهل الحديث، بالآثار التي توضح لك المراد من الحديث بفهم السلف، إذا انتهيت من البخاري على هذه الطريقة، وأوردته من سبعة المواضع، وذكرت كل ما ذكر في الباب؛ تبين لك أشياء، تبين لك، المعاني تتكشف لك، قد يورده البخاري في الموضع الأول مختصراً، ويشكل عليك فهمه، وكم وقع من الشراح من الخطأ في فهم الخبر؛ لأنهم لم يحيطوا بجميع ألفاظ الحديث، لم يحيطوا بجميع ألفاظ الحديث، ثم بعد ذلك إذا انتهيت من البخاري على هذه الطريقة في الحديث الأول، تنتقل إلى من خرجه من الأئمة، فتأتي إلى مسلم، فتذكر روايات مسلم لهذا الحديث بأسانيده، ومتونه، ويتبين لك أشياء من خلال تكرار الأسانيد، وتكرار المتون، ثم بعد ذلك تنتقل إلى السنن، سنن أبي داود، وسنن الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقد يبين لك النسائي في تراجمه بعض العلل التي لم تتكشف لك في صحيح البخاري، ولا في صحيح مسلم، قد يشير الإمام مسلم إلى بعض العلل، قد يشير البخاري إلى شيء من ذلك، قد يوضح النسائي هذه العلة، فبمجموع الصورة المتكاملة على أقل الأحوال، لو من الكتب الستة تكون أحط بالخبر، ولا تحتاج إلى الشروح إلا نادراً؛ إذا سلكت هذه الطريقة، وتكون بهذه الطريقة درست أنت حديثاً واحداً، حديث عمر:((إنما الأعمال بالنيات)) لكن كم درست من رقم، إذا كانت الكتب الستة بأرقامها تصل مثلاً إلى ثلاثين ألف بالأرقام بالتكرار، أنت درست سبعة من البخاري، وخمسة من مسلم، واثنين عند أبي داود، أو ثلاثة، والنسائي .. ، تصل مثلاً إلى ثلاثين رقم، وهل تستكثر على حديث الأعمال بالنيات بهذه الطريقة يوماً كاملاً، يوماً كاملاً
تستكثر عليه هذا؟ وإذا مشينا على هذه الطريقة، ففي ألف يوم أضمن لك أن تكون قد فهمت الكتب الستة، بهذه الطريقة، وجربت من بعض الإخوان، وانتفع بها نفعاً عظيماً، لكننا مع الأسف ما انتبهنا لها إلا بعد أن تقدم السن، وكثرت المشاغل، وصرنا ما نستطيع، لكن أنتم شباب في مقتبل العمر، ليس بكثير أن يمضي طالب العلم ثلاث سنوات، خمس سنوات، عشر سنوات في دراسة الكتب على هذه الطريقة.
فوصيتي لإخواني من طلاب العلم أن يجربوا هذه الطريقة، قد تكون مملة في أول الأمر، لكن الآن الآلات تيسير لكم كثير من هذه الأمور، تطلب هذا الحديث بطرقه من البخاري، وتطلبه من كذا، وفي خمس دقائق تجتمع لك هذه الأمور، أو في ربع ساعة، ونصف ساعة؛ بدلاً من أن تقلب، مع أن البحث بدون آلات، بالجهد الشخصي لا شك أنه أنفع بكثير من استعمال الآلات؛ لأنه كل ما يتعب الإنسان على الشيء يرسخ في ذهنه، وكل ما يكتبه بيده أفضل من أن يكتب له بآلة، لكن الناس لا يصبرون على مثل هذا، وقد وجدوا ما يريحهم، والتعب، والمشقة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لترسيخ العلم، كما أن الأتعاب التابعة للعبادات يثاب عليها، الذي يحج من بغداد، وليس لديه ما يركبه، ليس كمن يحج من نجد مثلاً؛ لأن هذا تعب لكنه من أجل العبادة، ولا يقال للنجدي مثلاً: اذهب إلى العراق وحج من العراق، نقول: لا، هذا تكليف زائد على العبادة، قدر زائد لا تؤجر عليه، لكن إذا تطلبت العبادة هذا التعب فأنت مأجور عليه، ولو أنفقت في عمرك كله في هذه الطريقة ما هو بكثير، فجمع الطرق من أنفع الوسائل لمعرفة العلل، وفهم ألفاظ الأحاديث، وما خفي في بعضها من بعض.
"تدرك بالخلاف" أي بمخالفة راويه لغيره من هو أحفظ، أو أتقن، أو أضبط "والتفرد" حيث لا متابع "مع قرائن تضم" ولا بد من القرائن، وأقول: متى يصل طالب العلم إلى معرفة هذه القرائن التي ترجح له بعض الطرق على بعض؟
كثير من طلاب العلم يحتار في هذا الترجيح؛ لأنه لم يصل إلى المرتبة، أو إلى المنزلة التي يدرك بها هذه القرائن، وهذه القرائن هي التي يحكم بها الأئمة الحفاظ الكبار "مع قرائن تضم" لما ذكر "يهتدي" لكن إذا عانى الحديث بهذه الطريقة يتكشف له كثير من القرائن التي تخفى على غيره "مع قرائن تضم" لما ذكر "يهتدي" بمجموع ذلك "جهبذها" الجهبذ هو النقَّاد، الحاذق، الخبير:
جهبذها إلى اطلاعه على
…
. . . . . . . . .
يعني على ما لم يطلع عليه قبل ذلك "على تصويب إرسال" قد يكون في أول الأمر صوب الوصل، صوب الوصل، كما هو شأن طالب العلم المبتدئ في هذا الشأن الذي يجري على قواعد المتأخرين مثلاً، وقيل له: إن الحكم لمن وصل؛ لأن معه زيادة علم، فيتمرن على هذا، لا بأس أن يتمرن على هذه القواعد حتى يهتدي إلى مثل هذه القرائن:
. . . . . . . . .
…
. . . . . . . . . يهتدي
جهبذها إلى اطلاعه على
…
تصويب إرسال لما قد وصلا
"تصويب إرسال لما قد وصلا" فيترجح له تصويب الإرسال لما قد وصل، وحديث:((لا نكاح إلا بولي))، الذي مضى في تعارض الوصل مع الإرسال عبرة، ومثال دقيق لهذا الكلام، فليراجع عليه كلام الترمذي -رحمه الله تعالى-، يعني أرسله شعبة، وسفيان، وهما كالجبل في الرسوخ في هذا الشأن، ومع ذلكم رجح البخاري وصله؛ لأن شعبة، وسفيان أخذهم له في مجلس واحد، فكأنهما راوٍ واحد، وطالب العلم إن أراد أن يدقق في هذه المسألة يرجع إلى جامع الترمذي في كلامه على هذه الحديث، ويتكشف له أمور تخفى عليه من قبل:
. . . . . . . . . إلى اطلاعه على
…
تصويب إرسال لما قد وصلا
أو وقف ما يرفع
…
. . . . . . . . .
أو تصويب الوقف للمرفوع، تصويب الوقف للمرفوع، الإمام أحمد رحمه الله، وهو من هذا النوع جهبذ نقاد، خبير مطلع، يحفظ سبعمائة ألف حديث، والحفظ يعين؛ لأن الذي يحفظ ما يحتاج إلى جمع، الطرق مجتمعة عنده، تجاوز هذه المرحلة، فالذي يحفظ، يعني المتون، والأسانيد؛ تتكشف له هذه الأمور.
"أو وقف ما يرفع" الإمام أحمد رحمه الله، وهو من هذا النوع؛ ترجح عنده وقف حديث ابن عمر في رفع اليدين بعد الركعتين قال: وهو موقوف على ابن عمر، بينما الإمام البخاري ترجح له الوصل، وخرجه مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام في صحيحه.
من يجرؤ أن يحكم بين هذين الإمامين؟ وبعض الناس يطالب آحاد المتعلمين، ويلقي عليهم أن يقف أمام هذين الجبلين الشامخين، ويرجح، أقول: ما يستطيع أن يرجح إلا إ ذا كان في مصافهم، إذا تعب تعباً شديداً على هذا العلم، وعاناه معاناةً بحيث اختلط بلحمه، ودمه، وصار يستطيع الحكم بالقرائن، اتضح له من القرائن ما لم يتضح لنا، وسببه كثرة الحفظ، كثرة الحفظ، قد يقول قائل: حنا بضغطة زر -ولله الحمد- يجتمع لنا مائة طريق لحديث واحد، لكن كيف تتعامل مع هذه الطرق الذين، حفظوا هذه الأحاديث، وعاصروا الرواة، وعاشروهم، وعرفوا ما يليق بفلان، وما لا يليق به، آلياً يصدرون الأحكام، لكن أنت مراحل، قد يكون ذهنك حاضر في هذه المرحلة، ثم يعزب الذهن في المرحلة التي تليها؛ لماذا؟ لأن المعلومات ليست حاصرة في ذهنك، يعني كأنك تطبخ وجبة غداء، والمواد في البقالة، بينما الأئمة يطبخون هذه الوجبة، والمواد في القدر عندهم، في الذهن حاضرة في الذهن، فشتان، يعني ولا نقفل باب الاجتهاد في هذا الباب –أبداً-، يعني من تأهل لمثل هذه الأمور، لكن دون ذلك خرط القتاد بالنسبة لآحاد الطلاب، يعني من يستطيع أن يقول: الإمام البخاري، يقف أمام البخاري يقول: لا، الخبر موقوف؛ لأن الإمام أحمد قال: هو موقوف، أو العكس، لكن الذي يسلينا في مثل هذا أن الأمة تلقت صحيح البخاري بالقبول، فيرجح ما به، لكن لو افترضنا أن حكم البخاري على الحديث بالرفع منقول عنه في جامع الترمذي مثلاً، سأله أبو عيسى فقال: الصحيح، أو الأصح الرفع، والإمام أحمد يقول: الأصح الوقف، أنت ما لك إلا تقف أمام هذين الإمامين، لكن الحديث موجود في صحيح البخاري مرفوع لا يعدل به شيء، البخاري مع الإمام أحمد ند، كل واحد منهما ند للآخر، لكن ما خرج في هذا الكتاب الذي تلقته الأمة بالقبول لا يرجح عليه غيره.
أو وقف ما يرفع أو متن دخل
…
. . . . . . . . .
أو تصويب فصل متن دخل كاملاً، دخل متن بمتن كامل، أو بعضه، دخل بعض هذا المتن بالمتن الآخر، فأدرج فيه، من يستطيع أن يفصل هذه الكلمة من هذا الحديث، أو يفصل هذا الحديث من هذا الحديث، وكثير ما يحتار طلاب العلم في الحديث المروي عن صحابي واحد؛ هل هو حديث واحد، أو حديثين؟ أو هذا الحديث قطعة من هذا الحديث، أو حديث مستقل؟ هذا يحتاج إلى معاناة، وتعب، لكنه يسير على من يسره الله عليه، وييسر له أسبابه، وسلك الطريق من أوله "أو متن دخل في غيره" يعني في متن غيره "أو وهم حاصل حصل" أو اطلاعه على وهم واهم حصل، أحياناً يحكم على هذا الخبر بأنه خطأ، أخطأ فيه فلان، أنا، وأنت، والثاني، والثالث لا نستطيع أن نحكم على هذا الخطأ؛ لأن هذا الأصل أن الراوي ثقة حافظ ضابط متقن، فلا نجرؤ على توهيمه إلا إذا حكم الحفاظ بوهمه، بالطرق التي تقدمت "أو وهم واهم حصل" يعني بغير ما ذكر، كإبدال راوي ضعيف بثقة، أو شبه ذلك؛ لأنه قد يأتي الراوي مهمل، فيجتهد بعض الرواة، فينسبه عن موسى، فيقول: ابن عقبة؛ لأنه بحث في كتب التراجم وجد موسى بن عقبة يروي عن هذا الشيخ، ويروي عنه هذا الآخذ، وهو في الحقيقة موسى بن عبيدة الربذي، هذا ثقة، وهذا ضعيف، من يحكم في مثل هذا؟ حكم الأئمة، الأئمة يحكمون بمثل هذا، ومن حاكاهم، ووازاهم في أحكامهم لكثرة معاناته لهذا العلم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "ظن فأمضى" يعني قد ظن الجهبذ قوة ذلك الذي ترجح عنده بالقرائن؛ فأمضى الحكم بما ظنه من تعليل للخبر فحكم عليه بأنه معل "ظن فأمضى، أو وقف" تردد، القرائن ما بعد، ما رجحت، توجد قرائن مرجِّحة لهذا، وقرائن مرجِّحة لضده "أو وقف فأحجما" عن الحكم بقبول الحديث، وعدمه، تردد "أو وقف فأحجما مع" كل ذلك "مع كونه" أي الحديث المعل، أو الموقوف فيه، أو الموقوف فيه:
. . . . . . . . .
…
مع كونه ظاهره أن سلما
"مع كونه ظاهره أن سلما" مثاله حديث ابن جريج في الترمذي، وغيره عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً حديث كفارة المجلس، من جلس في مجلس فكثر لغطه، كثير من أهل العلم اغتر بظاهر السند، فصحح الحديث، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أعل الحديث بموسى، وقال: إن موسى ليس هو ابن عقبة، لا يعرف لموسى بن عقبة سماع من سهيل، لكن إذا وجدت التواريخ، والمعاصرة ثابتة، فمن يستطيع أن ينفي رواية شخص عن شخص أثبت الأئمة روايته عنه بالسند، والمعاصرة موجودة من مثل الإمام البخاري، يقول: ما نعرف سماع لموسى بن عقبة من سهيل، أنت ما لك إلا الظاهر يا أخي، أنت عندك موسى أدرك سهيل، والسن يحتمل، والأئمة ذكروه في السند، هل تستطيع أن تعل بمثل هذا؟ لا تستطيع، ولذلك مشى على ظاهره جمع من الحفاظ، وصححوه، والأمام البخاري أدرك هذه العلة.