الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عناصر الدرس
* فصل في أنواع العلم الحادث.
* فصل في أنواع الدلالة الوضعية.
فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ
المراد بالعلم هنا مطلق الإدراك، لا إدراك النسبة التصديقية فقط كما هو اصطلاح بعض الأصوليين ليصح انقسامه إلى التصور والتصديق الآتيين. الْحَادِث تقييد للعلم لإخراج علمه تعالى فإنه لا يتنوع، ولأن العلم مفسرٌ بالإدراك الذي هو وصول النفس إلى المعنى، وذلك يشعر بسبق الجهل تنزه الله عنه، ولأن التصور الآتي مفسرٌ بحصول الصورة في النفس، وهو من خواص الأجسام، فلا يوصف علمه تعالى بالتصور ولا بالتصديق لإيهام ما لا يليق مع أن ذكر الأنواع مخرجٍ للعلم القديم، فالجمع بينه وبين الحادث للتوكيد.
ــ - الشرح - ــ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال الناظم رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ) التي هي أربعة كما يُعْلَم من استقصاء كلامه رحمه الله تعالى كما هو معلومٌ في موضع كلام المناطقة في هذا المحل، العلم عندهم علم تصور وعلم تصديق، وكلٌّ منهما إما نظري أو ضروري، علم تصور نظري، وعلم تصور ضروري هذان قسمان، وعلم تصديق نظري، وعلم تصديقٍ ضروري، القسمة حينئذٍ تكون رباعيةً.
(أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ)، (الحَادِثِ) أراد به أن الكلام في العلم الذي هو صفةٌ للمخلوق، وأما علم الخالق جل وعلا فلا ينقسم إلى تصور ولا تصديق ولا يوصف بكونه ضروريًّا ولا نظريًّا، لأن الصفات توقيفية، هذا الأصل فيها وإن كان الناظم أو الشارح قد وجه توجيهًا آخر، لكن الأصل في الصفات أنها توقيفية فما لم يرد الوصف فالأصل فيه التوقف، وأما قوله:(أنْوَاعِ). هل يخرج علم الله تعالى أم لا؟ هذا على نزاعٍ عند الأشاعرة، وقد ذكر أنه مما يحترز به عن علم الله تعالى، لأنه لا يتنوع، وظاهر الكتاب والسنة أن علم الله تعالى يتنوع باعتبار المعلوم، لأن العلم بزيد ليس كالعلم بعمرو، والعلم بعمرو ليس كالعلم بغيره.
(فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ) قال: [المراد بالعلم هنا]. أي في هذا الموضع. لأن العلم كغيره من المصطلحات التي يتداولها أرباب الفنون، فالعلم عند الأصوليين مغاير للعلم عند المناطقة، مغايرٌ للعلم عند أهل اللغة، لكن الأصل هو في فهم الكلام العربي هو استعمال أهل اللغة، ومر معنا أن الأصل في العلم أنه الإدراك، مطلق الإدراك، وعرفنا معنى الإدراك، وهو وصول النفس إلى المعنى بتمامه، وهذا هو معنى المعرفة كذلك، لذلك أكثر أهل اللغة على أن العلم والمعرفة مترادفان، لأن الإدراك يوصف بكونه معرفةً، ويوصف بكونه علمًا، والمعنى هنا في هذا الموضع فلا يحمل العلم على المعنى الأصولي، لأن العلم عند الأصوليين المراد به التصديق الجازم، هذا المراد به، إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، إنما يكون كذلك إذا كان تصديقًا جازمًا، ومر الآن أن العلم يتنوع إلى تصور وإلى تصديق، لذا خصصنا العلم بالتصديق حينئذٍ خرج التصور، وليس هذا المراد، لأنه أراد أن يقسم العلم إلى تصور وتصديق، ولا يتأتى هذا التقسيم إلا إذا جعلنا العلم بمعنى الإدراك، [المراد بالعلم هنا] يعني في هذا الموضع ويتعين،
…
[مطلق الإدراك]، وعرفنا أن الإدراك هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه، وصول النفس يعني القوة العاقلة إلى المعنى، والمعنى هو مدلول اللفظِ سواءٌ كان اللفظ مفردًا أو مركبًا ليشمل التقسيم أو النوعين التصور والتصديق وقوله:[مطلق الإدراك]. ليدخل فيه الجازم وغير الجازم، فلا يختص الإدراك هنا بالجازم، كما هو الشأن عند الأصوليين، وكذلك المطابق للواقع وغير المطابق يعني مطلق الإدراك بقطع النظر عن وصفٍ آخر البتة سواءٌ كان جازمًا أو لا، سواءٌ كان مطابقًا للواقع أم لا، [مطلق الإدراك، لا إدراك النسبة التصديقية فقط كما هو اصطلاح بعض الأصوليين] في تفسير العلم، ما معنى العلم؟ يختلفون يحد أو لا يُحَد، ومن حده قال: بأنه كذا وكذا. نقول: هذا اصطلاح، ولذلك أكثر ما يذكر في تعريف العلم إنما هو اصطلاح وليس هو المرجع إلى لسان العرب، وأما لسان العرب هو الذي ذكرناه.
العلم إدراك المعاني مطلقًا
…
وحصره في طرفين حققا
إذًا [لا إدراك النسبة التصديقية فقط]، وسيأتي معنى النسبة [كما هو اصطلاح بعض الأصوليين] لماذا فسرنا العلم هنا بالإدراك مطلق الإدراك لا النسبة التصديقية؟ [ليصح انقسامه] أي العلم، [إلى التصور والتصديق الآتيين]، وهذا اصطلاح المناطقة أن العلم ينقسم إلى تصور وإلى تصديق، وهذا التصور إنما هو مفرد ليس بتصديق، وإذا خصصنا العلم بالتصديق حينئذٍ أخرجنا النوع الأول وحصل عندنا اضطراب فكيف نقول: العلم هو إدراك النسبة التصديقية، ثم نقول: العلم ينقسم إلى التصور والتصديق؟ وهذا فيه تناقض، إذًا لا بد أن نفسر العلم بمطلق الإدراك يعني وصول النفس إلى المعنى، أيًّا كان هذا المعنى، سواءً كان مدلول لفظٍ مفرد، أو مدلول لفظٍ مركب.
[(الحَادِثِ) تقييد للعلم] لعله هو الحادث، والحادث يعني اللفظ المذكور في الترجمة (فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ) عرفنا العلم ثم الأنواع ثم يأتي التقيد هنا ذكر قيدين، أنواع وهذا مضاف، والعمل مضاف إليه، وهذا تقييد يعتبر، والحادث، [الحادث تقييد للعلم] لماذا؟ [لإخراج علمه تعالى فإنه لا يتنوع]، كونه لا يتنوع إن كان المراد به إلى تصديق وتصور فنعم، وإن كان في نفسه لا يتنوع يعني لا يتعدد باعتبار المتعلق، وهذا فيه نظر، [ولأن العلم مفسرٌ بالإدراك] يعني معنى العلم هو الإدراك، [الذي هو وصول النفس] يعني المدركة، [إلى المعنى] سواء كان المعنى مدلول لفظٍ مفرد، أو مدلول لفظٍ مركب، بتمامه، لا بد من هذا القيد، بتمامه ليُخرج الشعور فإنه ليس داخلاً في العلم، [وذلك] أي تفسير العلم بالإدراك. [يشعر بسبق الجهل تنزه الله عنه، ولأن التصور الآتي مفسرٌ بحصول الصورة في النفس، وهو من خواص الأجسام، فلا يوصف علمه تعالى بالتصور ولا بالتصديق لإيهام ما لا يليق]، وهذا كما ذكرنا أن الأصل في صفات هو التوقيف، فبدلاً من هذه العلل نقول: لا يوصف جل وعلا علمه بالتصور. يعني: لا ينقسم إلى تصور وتصديق، وضروري ونظري
…
إلى آخره، لأن الصفات توقيفية، وإذا كان كذلك حينئذٍ يكون مرجعه إلى السمع، وما لم يرد فحينئذٍ نقول: الأصل فيه التوقف، فما كان من المعاني التي هي متعلقةٌ بالنظري والضروري والتصور والتصديق الذي ينزه الله تعالى عنه ينزه، وأما مجرد اللفظ حينئذٍ نقول: هذا لا ينفى ولا يثبت، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: المرجع إلى السمع.
[مع أن ذكر الأنواع مخرجٍ للعلم القديم، فالجمع بينه وبين الحادث للتوكيد]، إذًا (فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ) المراد بالكلام هنا في علم المخلوق، وأما علمه جل وعلا فهو لائق به إن كان مطلق الوصف بالعلم هذا قدرٌ مشترك وهو المعنى كلي، فإذا أضيف إلى المخلوق فحينئذٍ اختص به، وإذا أضيف إلى الخالق كذلك اختص به.
- - -
إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ
…
وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ
[(إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ) المراد بالمفرد ما ليس وقوع نسبةٍ حكميةٍ، أو لا وقوعها كإدراك الموضوع، وإدراك المحمول، وإدراك النسبة في مثل قولك: زيدٌ قائم. فإدراك زيد أي ذاتِهِ، وإدراك قائم أي معناه، وإدراك النسبة التي هي ارتباط القيام بزيد، وإدراك الموضوع مع المحمول، أو الموضوع مع النسبة، أو المحمول معها، أو مجموع الثلاثة كلٍّ منها
…
(تَصَوُّرًا) مفعولٌ ثانٍ لعلم فيكون المعنى إدراك المفرد (عُلِمْ) أي سمي في الاصطلاح تصورًا، وذلك صادق بإدراك واحدٍ من السبعة التي هي الموضوع والمحمول والنسبة أو اثنين من الثلاثة أو مجموعها (وَدَرْكُ) اسم مصدر بمعنى إدراك وقوع (نِسْبَةٍ) في مثل قولك: زيدٌ قائمٌ، أو عدم وقوعها في مثل قولك: ليس زيدٌ قائمًا، (بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ) أي عُلِّمَ، والمعنى وإدراك وقوع النسبة في الإيجاب وعدم وقوعها في السلب علمَ عند المناطقة بالتصديق. وإيضاح ذلك أن العلم الذي هو مطلق الإدراك إن تعلق بمفرد كالإنسان سمي تصورًا، وإن تعلق بوقوعِ نسبة المركب أو عدمِ وقوعها سمي تصديقًا كما تقدم، وهذا ميلٌ لمذهب الحكماء القائلين بأن التصديق بسيط وهو إدراك وقوع النسبة أو عدم وقوعها فيكون إدراك الموضوع وإدراك المحمول وإدراك النسبة التي هي ارتباط المحمول بالموضوع شروطًا للتصديق. وإما مذهب الإمام الرازي فالتصديق هو مجموع الإدراكات الأربعة، أعني إدراك الموضوع، وإدراك المحمول، وإدراك النسبة، وإدراك وقوع تلك النسبة أو عدم وقوعها، فتكون الإدراكات الثلاثة الأول شطورًا عنده للتصديق أي أجزاء له، والتحقيق الأول وهو أن التصديق بسيط.
ــ - الشرح - ــ
(إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ) إدراك المفرد علم تصورًا، إذًا يسمى تصورًا عند المناطقة، وإدراك نسبةٍ يسمى تصديقًا، هذا الفرق بين النوعين التصور والتصديق، (إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ) يعني فهم المراد به [المراد بالمفرد] هنا عرفنا معنى الإدراك [ما ليس وقوع نسبةٍ حكميةٍ أو لا وقوعها كإدراك الموضوع، وإدراك المحمول، وإدراك النسبة في مثل قولك: زيدٌ قائم. فإدراك زيد، أي ذاتِهِ، وإدراك قائم، أي معناه، وإدراك النسبة التي هي ارتباط القيام بزيد]، هذه كلها تسمى تصورات، الموضوع والمحمول عند المناطق ما يقابل المبتدئ والخبر عند النحاة، وما يقابل المسند إليه والمسند عند البيانيين، وما يقابل المحكوم عليه والمحكوم به عند الأصوليين، الألفاظ هذه اصطلاحات مختلفة إلا أنها تصدق على شيءٍ واحد، فمثلٌ قولك: زيدٌ قائم. زيدٌ مبتدأ وقائمٌ خبر، زيدٌ موضوع يسمى عند النحاة موضوعًا لأنه وضع كالأساس ليحمل عليه الحكم، وقائمٌ هذا محمول، إذًا الموضوع والمحمول هو المبتدأ والخبر، عند البيانيين زيدٌ مسندٌ إليه، وقائمٌ مسندٌ، عند الأصوليين زيدٌ محكومٌ عليه وقائم محكومٌ به، إذًا اصطلاحات أربعة: مبتدأ وخبر، مسندٌ إليه ومسند، موضوعٌ ومحمول، محكومٌ عليه ومحكومٌ به.
إذًا كل محكومٍ عليه فهو موضوع، وكل محكومٌ به فهو محمول. قام زيدٌ، زيدٌ موضوع، وقام محمول، لماذا؟ لأن المحكوم عليه هو الموضوع، والمحكوم به هو المحمول، إذًا قام يكون محمولاً، وزيد يكون موضوعًا، إذًا الموضوع عند المناطقة هو: المبتدأ والفاعل، والمحمول هو: الخبر والفعل، ومن جعل نائب الفاعل مسندًا إليه جعله كذلك موضوعًا جعله موضوعًا، حينئذٍ يكون الموضوع مختصًا بما ذكر، المبتدأ والفاعل، وإن شئت قل: نائب الفاعل، والمحمول يختص بالخبر والفعل، سواءٌ كان الفعل مغير الصيغة أو لا على ما سبق، إذًا هذا يسمى موضوعًا ويسمى محمولاً، النسبة يراد بها الارتباط والتعلق بين الموضوع والمحمول. ما علاقة زيدٍ بالقيام؟ كونه متصفًا به، ما علاقة قام بزيد؟ كونه أوقع الحدث، هذا يسمى ماذا؟ يسمى ارتباطًا، يسمى نسبةً، يسمى تعلقًا، حينئذٍ عندنا في هذا التركيب زيدٌ قائم، زيدٌ هذا مفرد، وقائم هذا مفرد، إدراك زيد فقط الموضوع يسمى تصورًا يعني إذا أدركت النفس وعلمت المعنى وفهمت المراد من كلمة زيد يسمى ماذا؟ يسمى تصورًا، حينئذٍ إدراك زيد يسمى تصورًا. ما معنى إدراك زيد؟ يعني: إذا فهمت المراد من الكلمة، ما المراد بها؟ فهمت المعنى، مدلول لفظ زيد ذاته كما قال الشارع هناك. حينئذٍ نقول: هذا يُسمى تصورًا، إدراك الموضوع، قائم إذا أدرك وفهم معنى القيام يُسمى تصورًا، الارتباط بين زيد والقيام يتصف به أو لا؟ يتصف به، هذا يسمى تصورًا، إدراك النسبة فقط يسمى تصورًا، إدراك الموضوع مع النسبة يسمى تصورًا، إدراك النسبة مع المحمول يسمى تصورًا، إدراك الموضوع مع المحمول دون النسبة يسمى تصورًا، إدراك الجميع الموضوع والنسبة والمحمول بقطع النظر عن كونه واقع أو لا يسمى تصورًا، إذًا إدراك الموضوع فقط، إدراك المحمول فقط، إدراك النسبة فقط، إدراك الموضوع مع النسبة، إدراك المحمول مع النسبة، إدراك الموضوع والمحمول والنسبة، هذه كلها تسمى تصورات هنا قال:[المراد بالمفرد ما ليس وقوع نسبةٍ حكمية]. المراد به عندنا الجملة مؤلفة من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل زيدٌ قائمٌ، عندنا ما يسمى مضمون الجملة من أجل فهم كلمة إدراك أو وقوع النسبة الحكمية، عندنا ما يسمى مضمون الجملة، وما يسمى حكم الجملة، زيدٌ قائم. فيه شيئان: مضمون الجملة، وحكم الجملة. ثم النسبة الخارجية، هذه ثلاثة أشياء تتعلق بزيدٌ قائم.
[زيدٌ قائمٌ] تقول: مضمون الجملة يعني مدلول الجملة، كيف يعبر عن مضمون الجملة؟ قالوا: ننظر إلى الخبر، فإن كان مشتقًا حينئذٍ نأتي بمصدره مضافًا إلى المحكوم على الموضوع يعني مصدر المحمول مضافًا إلى الموضوع، زيدٌ قائمٌ لو قيل لك: ما مضمون الجملة؟ تقول: قيام زيد. ارتباط القيام بزيد، كيف تعبر عن مضمون الجملة يعني: مدلول الجملة، مفهوم الجملة، ما الذي يفهم من الجملة؟ قيام زيد، هذا متى؟ إذا كان المحمول مشتقًا، فإن كان جامدًا؟ قالوا: جيء بالكون. يعني: ليس له مصدر، فتأتي بالكون مضافًا إلى المحمول ناصبًا مضافًا للموضوع ناصبًا للمحمول، زيدٌ أسدٌ حينئذٍ كيف تعبر عن مضمون الجملة؟ كونك تفهم مضمون الجملة في نفسك لا يحتاج إلى تعبير، لكن لو أردت التعبير والإخبار، حينئذٍ تأتي بالكون مصدر كان، وتضيفه إلى المحكوم عليه، أو الموضوع، نعبر تعبيرات: كون زيدٍ أسدًا، هذا مضمون الجملة، كون جئت بالكون، وزيدٍ هذا الموضع أضفته إليه، أسدًا هذا قول، وهو مشهور عند المناطقة، بعضهم يرى أنك تأتي بالاسم الجامد وتأتي بياء المصدر، تقول: زيدٌ أسدٌ، أسدية زيدٍ، إذًا لا فرق بين هذا القول والقول السابق، قيام زيدٍ، أسديةُ زيدٍ، جئت بالمصدر الصناعي مولد هذا، تضيف إلى الاسم الجامد ياء المصدر مع ياء النسبة أسدية زيدٍ، إذًا هذا يسمى مضمون الجملة، عرفنا مضمون الجملة يعني: مدلول الجملة، كيف تُعَبِّر؟ كونك تفهم المضمون واضح في نفسك، تدرك بالقوة العاقلة أن مدلول القيام قام زيدٌ، أو زيدٌ قائمٌ، أو زيدٌ أسدٌ، كون زيدٍ أسدًا، أسدية زيد، قيام زيد. هذا واضح، حكم الجملة المضمون مضافًا إلى الثبوت أو السلب، الآن عندنا الجملة الاسمية قد تكون إيجابية أو سلبية يعني إما موجبة وإما سالبة سيأتي معنى السلب والإيجاب، إما مثبتة أو منفية، زيدٌ قائم هذا فيه إثبات قيام زيد، ما قام زيدٌ فيه نفي قيام زيد، ثبوت قيام زيد هذا حكم الجملة، ما قام زيد نفي قيام زيد هذا يسمى حكم الجملة، إذًا ما هو حكم الجملة؟ المضمون الذي عرفناه السابق مضافًا إلى الثبوت أو النفي أو العدم عبر بما شئت، المراد الثبوت، الحصول، الكينونة ..
إلى آخره، أو النفي والعدم والسلب، فتقول: ثبوتُ قيام زيد هذا مركبٌ من شيئين كلمة ثبوت، وهذا هو الحكم، وقيام زيد هذا مضمون الجملة، إذًا حكم الجملة هو: الثبوت المضاف إلى مضمونها، أو السلب، هذا حكم الجملة، بعضهم يجعله هو النسبة ثبوت قيام زيد أو عدم قيام زيد، وكذلك المعنى والمفهوم، إذًا حكم الجملة ومضمون الجملة، ماذا بقي؟ بقي ما يسمى بالنسبة الخارجية، عرفنا قيام زيد، وعرفنا ثبوت قيام زيد، بقي شيءٌ في الخارج، هذا كله الآن في الذهن، قيام زيد، وثبوت قيام زيد في الذهن بعد، لكن هل زيد بالفعل قائم أم لا؟ إدراك قيام زيد في الخارج بالفعل يسمى نسبةً خارجية يعني خارج الذهن، والمضمون والحكم هذا داخل الذهن، النسبة الخارجية إدراك الوقوع واللا وقوع، وهو ما يسمى بالانتزاع أو الإيقاع، فإذا أدركت بعد معرفة مضمون الجملة وحكم الجملة أن زيدًا بالفعل قائم في الخارج وقع مدلول الجملة يسمى ماذا؟ يسمى نسبةً خارجية، إدراك عدم وقوع قيام زيد في الخارج نقول: هذا نسبة خارجية، لأنه قد يقول قائل: زيدٌ سافر، سفر زيدٍ، ثبوت سفر زيد، ينظر في الخارج فإذا به ليس موافقًا للواقع زيدٌ لم يسافر، حينئذٍ نقول: المضمون شيء، والحكم شيء، والخارج شيءٌ ثالث، ليس هو داخلٌ فيه في الأول، هنا قال:[المراد بالمفرد ما ليس وقوع نسبةٍ حكمية أو لا وقوع]. يعني: ما لا يكون إدراكًا للوقوع واللا وقوع، لماذا؟ لأن هذا النوع هو التصديق، [ما ليس وقوع نسبةٍ حكمية]، عرفنا النسبة الحكمية، [أو لا وقوعها] يعني عدم وقوعها، إما إدراك الوقوع، أو إدراك عدم الوقوع، النوعان يسمى تصديقًا، ويقابل التصديق التصور، إذا عُرِفَ التصديق مقابله يسمى تصورًا، لأن التصديق محصور في شيءٍ واحد وهو: إدراك الوقوع واللا وقوع، عرفنا الإدراك ما عدا ذلك يسمى ماذا؟ يسمى تصورًا، ويدخل تحته سبعة أقسام قال هنا:[كإدراك الموضوع]. فقط يعني، زيد فقط، إذا علمت معنى زيد، [وإدراك المحمول] إذا عرفت معنى قائم فقط [وإدراك النسبة] التي هي الارتباط والتعلق والذي عبر عنها بعضهم بحكم الجملة، [في مثل قولك زيدٌ قائم]، زيدٌ موضوع، وقائمٌ محمول،
…
[فإدراك زيدٍ] فقط دون النسبة وموضوع [أي ذاته، وإدراك قائم، أي معناه] فقط يعني دون النسبة والموضوع، [وإدراك النسبة التي هي ارتباط القيام بزيد، وإدراك الموضوع مع المحمول]، دون النسبة يعني تعرف معنى زيد، وتعرف معنى قائم، لكن لا تستحضر في ذهنك ارتباط القيام بزيد، حينئذٍ أدركت الموضوع وأدركت المحمول ولم تدرك النسبة، [أو الموضوع مع النسبة] دون المحمول، [أو المحمول] فقط [معها] يعني مع النسبة، [أو مجموع الثلاثة كلٍّ منها]، هذا كلها سبعة أقسام، لذلك التصور، إذا فهم التصديق علم التصور بمعنى أنه لا تحتاج إلى حفظ هذه السبعة الأنواع، وإنما تقول: إدراك الوقوع واللا وقوع حينئذٍ نقول: هذا الذي يسمى تصديقًا.
[(كلٌّ منها)، نعم](1)[أو مجموع الثلاثة]. هنا تقف [كلٌّ منها (تَصَوُّرًا)] يعني من هذه الأقسام السبعة، [مفعولٌ ثانٍ لعلم]، علم (تَصَوُّرًا عُلِمْ) نائب الفاعل هو المفعول الأول، وتصورًا هذا مفعولٌ ثاني تقدم على عامله، مقدمٌ عليه [فيكون المعنى إدراك المفرد (عُلِمْ)، أي سمي في الاصطلاح] عند المناطقة [تصورًا، وذلك] أي التصور.
…
[صادق بإدراك واحدٍ من السبعة التي هي الموضوع والمحمول والنسبة]، [واحدٍ من السبعة] يعني: متى؟ ما حصل إدراك واحدٍ من هذه سُمِّيَ تصورًا لا يشترط أنه لا بد من السبعة حتى يُسَمَّى تصورًا؟ لا واحد منها لو أدرك زيد فقط وما أدرك قائم حصل التصور.
[وذلك صادقٌ بإدراك واحدٍ من السبعة التي هي: الموضوع، والمحمول، والنسبة] وهذه ثلاث صور. أليس كذلك؟ [أو اثنين من الثلاثة]، وهذه ثلاث صور، الأولى أربعة، [أو مجموعها] الأولى ثلاث: الموضوع، والمحمول، والنسبة. [أو اثنين من الثلاثة]، وهذا يدخل تحته ثلاثة صور، [أو مجموعها] يعني الثلاثة، إذًا هذا أو ذاك نقول: إدراك واحد من هذه الأقسام السبعة يسمى تصورًا، هذا التصور يسميه المناطقة بالتصور الساذَج، الساذَج بفتح الذال، لأن التصور نوعان: تصورٌ عام، وتصورٌ خاص.
(1) سبق.
والمراد بالتصور العام حصول صورته الشيء في النفس، وهذا مرادفٌ للعلم فقد يطلق في اصطلاح بعض المناطقة أو اصطلاح الأصوليين لفظ التصور ويريد به العلم حينئذٍ يحمل على المعنى العام، يقال: التصور بالمعنى الأعم حصول صورة الشيء في النفس، وهذا مرادفٌ للعلم حينئذٍ التصور هذا بالمعنى الأعم ينقسم إلى تصور وإلى تصديق يعني التصور الخاص، والتصديق، والتصور الساذَج هو الذي عناه الناظم هنا، وهو الذي يجعل في مقابل التصديق، ومرادهم به التصور المقيد بعدم الحكم، لأنه إذا حصل الحكم المراد بالحكم هنا؟ الوقوع أو اللا وقوع، وقع أو لا؟ قيام زيد بالفعل في الخارج واقعٌ أم لا؟ إن أدركت الوقوع أو أدركت عدم الوقع فهو حكمٌ، التصور المقيد بعدم الحكم ليس فيه حكم وهو السبعة الماضية يعني ليس عندنا إدراك للوقوع واللا وقوع، حينئذٍ يسمى تصورًا، وهذا تصور بالمعنى الأخص وهو الذي يعتبر قسيمًا للتصديق، واضحٌ هذا؟ إذًا قوله: علم تصورًا الذي هو إدراك المفرد، ما المراد بالمفرد؟ ما يدخل تحته السبعة الأقسام، حينئذٍ يَرِد غلام زيدٍ تصور أم لا؟
…
تصور، نعم ترى غلام وإدراك زيد، والنسبة بين غلام وزيد، غلام زيد مفرد؟ ماذا يسميه النحاة؟ مركبًا تركيبًا إضافيًّا، هنا في هذا المقام المضاف يسمى مفردًا، المركب التوصيفي، المركب التوصيفي المراد به الصفة مع موصوفها جاء زيدٌ العالمٌ، جاء فعلٌ ماضٍ، زيدٌ فاعل، العالمٌ صفةٌ، هنا عندنا تركيب جملة فعلية جاء زيدٌ، وعندنا تركيبٌ آخر يسمى تركيبًا توصيفيًّا، جعل الثاني صفةٌ للأول. يعني: زيدٌ العالمُ يسمى مركبًا، جاء زيد مركب واضح تركيب إسنادي تام حصلت الجملة الفائدة التامة، طيب زيدٌ العالمُ هذا يسمى مركبًا توصيفيًّا جعل الثاني صفةً للأول، أو جعل الثاني قيدًا للأول، إذًا موصوف إدراكه وإدراك الصفة إدراك الارتباط والنسبة يسمى مفردًا، إذًا إدراك الصفة مع موصوفها يسمى تصورًا، إذًا التصديق يكون خاص بماذا؟ إدراك الوقوع الذي يترتب على النسبة الكلامية، أو مضمون الجملة على ما سبق.
(وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ). هذا النوع الثاني (وَدَرْكُ) هذا [اسم مصدر بمعنى إدراك]، والأصل إدراك أَدْرَكَ يُدْرِكُ إِدْرَاكًا، فإذا نقص من المصدر حرف حينئذٍ سمي اسم مصدرٍ، المعنى واحد ولكن اللفظ يختلف، يسمى اسم مصدرٍ، اسم مصدر بمعنى إدراك، (وَدَرْكُ نِسْبَةٍ)، هنا المراد بالنسبة الشارح قال:[درك وقوع نسبةٍ]. النسبة عند المناطقة نوعان: نسبةٌ كلامية، ونسبةٌ خارجية.
المراد بالنسبة الكلامية ثبوت المحمول للموضوع على وجه الإثبات، أو على وجه النفي، وهذا الذي سميناه بماذا؟ حكم الجملة، الثبوت المضاف لمضمونها أو السلب، النسبة الخارجية وقوع ذلك الثبوت أو عدم وقوعه، إذًا فرقٌ بين شيئين، ثبوت المحمول للموضوع، على وجه الإثبات أو النفي؟ هذا يكون في النفس، إدراكه في النفس، كونه واقعًا في الخارج أو ليس بواقعٍ هذا شيءٌ آخر.
الأول: يسمى النسبة الكلامية الذي يكون في النفس.
الثاني: يسمى النسبة الخارجية.
عرفنا الفرق، إذًا ما يكون في الذهن هو النسبة الكلامية، ثبوت المحمول للموضوع على وجه الإثبات أو النفي، كونه واقعًا بالفعل في الخارج في الواقع على وجه الأرض، هذا يسمى نسبةً خارجية الذي هو إدراكه.
هنا قال: (وَدَرْكُ نِسْبَةٍ). هل يمكن حمل النسبة هنا على الخارجية؟ يمكن، نعم. إدراك النسبة الخارجية الوقوع أو اللا وقوع الذي يسمى بالإيقاع والانتزاع (بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ)، إذًا مادام أنه يمكن حمل النسبة على الخارجية ويُجعل الكلام إدراك نسبةٍ. أي: خارجيةٍ، (بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ)، حينئذٍ لا نحتاج لقوله:[وقوع]. هو لماذا قدر وقوع، وقوع النسبة؟ لأنه جعل النسبة هنا بمعنى النسبة الكلامية، وقوعها في الخارج إدراكه هو الذي يسمى تصديقًا، حينئذٍ لا نحتاج إلى هذا التقدير، الشارح جعل كلمة وقوع أنه لابد منها، وإذًا لا يصح تعريف التصديق، بناءً على أنه حمل النسبة هنا على النسبة الكلامية، والتصديق ليس هو إدراك النسبة الكلامية، لأن إدراك النسبة الكلامية يُسمى تصورًا، ولا يسمى تصديقًا، وإنما وقوع النسبة الخارجي إدراك الوقوع في الخارج هو الذي يسمى تصديقًا، فلما حمل النسبة على النسبة الكلامية قال: يجب حينئذٍ أن يقدر في الكلام المحذوف إدراكه وقوع نسبةٍ، وليس الأمر كذلك بل الظاهر أن النسبة هنا المراد بها النسبة الخارجية إدراك الوقع واللا وقوع فلا نحتاج إلى هذا التقدير.
ودرك وقوعِ نسبةٍ كلامية، على كلام الشارح والأصل نقول: ودرك نسبةٍ خارجيةٍ ولا نحتاج إلى هذا التقدير ونحمل قوله: نسبةٍ. على الخارج.
[في مثل قولك: زيدٌ قائمٌ، أو عدم وقوعها في مثل قولك: ليس زيدٌ قائمًا]، [زيدٌ قائمٌ]، ثبوت قيام زيد، هذا النسبة الكلامية وقوع ثبوت قيام زيد في الخارج إدراكه يسمى تصديقًا، ليس زيدٌ قائمًا، أو ما زيدٌ بقائمٍ، نفي أو عدم قيام زيد، وقوع نفي عدم قيام زيد، أو وقوع عدم قيام زيد في الخارج يسمى تصديقًا، وأما نفي القيام هذا نسبةٌ كلامية ثبوت القيام هذا نسبةٌ كلامية، الوقوع في الخارج أو عدم الوقوع يسمى تصديقًا
…
[(بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ) أي عُلِّمَا، والمعنى وإدراك وقوع النسبة في الإيجاب وعدم وقوعها في السلب علمَ عند المناطقة بالتصديق]، حينئذٍ المراد بالتصديق هو إدراك النسبة الخارجية، والمراد بالمفرد على ما ذكره الشارح هنا، قال:[ما ليس وقوع نسبةٍ حكميًّا أو لا وقوعها]. انظر التقابل هنا بين التعريفين، حينئذٍ نكون عرفنا المراد بالمفرد، [وإيضاح ذلك أن العلم الذي هو مطلق الإدراك]، وعرفنا المراد بمطلق الإدراك ليدخل فيه إطلاق المفرد وإدراك ما عدا المفرد، [إن تعلق بمفرد] عندنا متعلِق أو متعلَق، الإدراك قلنا: وصول النفس العاقلة التي هي محلٌ للإدراك يعني نفسك أنت، [إن تعلق إدراك بمفردٍ]، إذًا المفرد متعلَق، والإدراك متعلِق، إن كان الإدراك متعلِقًا بمفردٍ [كالإنسان سمي تصورًا]، أدرت أن تعرف الإنسان قلت: ما الإنسان؟ وعرفت معنى الإنسان، حيوان ناطق وهذا مركبٌ توصيفي، حيوانٌ ناطق مركبٌ توصيفي هذا نوعٌ من أنواع التصور، لأنه متعلقٌ بمفردٍ ليس بنسبةٍ خارجية وقوعٌ أو لا وقوع، [إن تعلق بمفردٍ كالإنسان سمي تصورًا، وإن تعلق] الإدراك [بوقوعِ نسبة المركب]، والمراد بالمركب هنا ليس مطلق المركب يعني لا يشمل المركب الإضافي، ولا يشمل المركب العددي، ولا يشمل المركب التوصيفي، وإنما المراد به المركب الذي يشترط في حد الكلام، مبتدأ وخبر، وفعلٌ وفاعل، هذا المراد بالمركب، إن تعلق بالمركب [إن تعلق بوقوع نسبة المركب أو عدمِ وقوعها سمي تصديقًا كما تقدم]، وهذا من المصنف وهو إدراك نسبةٍ يعني نسبةٍ خارجية جعل التصديق إدراكًا لوقوع النسبة أو لا وقوعها يعني شيءٌ واحد، حينئذٍ يسمى التصديق بسيطًا، وهو مذهب الحكماء كما قال هنا، [وهذا ميلٌ] من المصنف [لمذهب الحكماء القائلين بأن التصديق بسيط] يعني مسماه شيءٌ واحد، إدراكٌ واحد يعني، [بسيط] يعني إدراكٌ واحد، ليس بمتعدد، ليس بمركب [وهو إدراك وقوع النسبة أو عدم وقوعها فيكون إدراك الموضوع وإدراك المحمول وإدراك النسبة التي هي ارتباط المحمول بالموضوع شروطًا للتصديق]، لأنه لا يمكن أن يأتي هكذا إدراك لوقع النسبة قيام زيد في الخارج أو لا دون أن يفهم المراد بزيد، ودون أن يفهم المراد بالقيام والارتباط، هذا لا بد منه، وهذا موجود في كل عقل في كل ذهن، لأن هذه أجزاء وقام زيدٌ وزيدٌ قائمٌ هذا مركب، ولا يمكن أن يعلم المركب إلا إذا علم مفرداته، أليس كذلك؟ العلم بالجزء مقدم على العلم بالكل، وهذا أمرٌ مدركٌ، بل هو من العلم الضروري فيدرك أولاً الموضوع، زيد ما معنى زيد؟ أي ذاته، ويدرك ثانيًا يعرف المراد بكلمة قائم، ثم ارتباط يعني ممكن أن يقول لك: طار الجدار.
ما تمشي أليس كذلك؟ الارتباط بين طار والجدار غير معقول، إذًا النسبة غير مدركة هنا، وإن تصورها فيكون تصور لشيء غير واقع، إذًا إدراك الموضوع، إدراك المحمول، إدراك النسبة بين الموضوع والمحمول، إدراك النسبة بين الموضوع والمحمول الذي يسمى مضمون الجملة وحكم الجملة واقعة أو ليست بواقعة؟ جاء الرابع، هل التصديق مجموع هذه الإدراكات الأربعة، أو المراد به الإدراك الأخير الرابع؟ هذا محل نزاع، الحكماء كما قال التصديق عندهم هو الرابع فقط الإدراك الرابع واقع في الخارج أو ليس بواقع؟ إذا أدرك وقوع زيدٍ في الخارج سمي تصديقًا، إذا أدرك عدم وقوع قيام زيد في الخارج يسمى تصديقًا، وما قبله من الإدراكات هذه شروط وليست بشطور، فالتصور حينئذٍ يكون شرطًا للتصديق لا شطرًا خلافًا للرازي، إذًا علم بأن التصديق بسيط، وهو إدراك وقوع النسبة أو عدم وقوعها، فيكون إدراك الموضوع وإدراك المحمول وإدراك النسبة شروطًا للتصديق، لأنه لا يمكن أن يدرك الوقوع واللا وقوع إلا إذا أدرك هذه الإدراكات الثلاثة، فهي سابقةٌ قطعًا يعني ما يأتي يقول: إذًا لا نحتاج إلى هذه الإدراكات الثلاثة، أدرك مباشرة. وقد يقول قائل: أنا لا أشعر بأني أدرك معنى زيد. لا هو مثل الكمبيوتر مباشرة يعني مبرمج الإنسان، ولذلك إذا مرت به كلمات لا يعرفها لا بد من السؤال عنها.
[وإما مذهب الإمام الرازي فالتصديق] عندهم مركب ليس بسيطًا خالف الحكماء، [فالتصديق هو مجموع الإدراكات الأربعة أعني إدراك الموضوع، وإدراك المحمول، وإدراك النسبة، وإدراك وقوع تلك النسبة أو عدم وقوعها، فتكون الإدراكات الثلاثة الأول شطورًا عنده للتصديق أي أجزاء له] يعني أركان يعتبر أركان، وإذا لم يدرك معنى الموضوع أو المحمول لم يحصل إدراكه بالكلية، وهذا مسلمٌ به حتى على الأول. لماذا؟ لأن التصديق مشروط فيه ما سبق، فإذا كان كذلك حينئذٍ يتوقف المشروط على شرطه، فلا بد أن ينتفي إدراك الوقوع واللا وقوع إذا لم يدرك الموضوع، وإذا لم يدرك المحمول، وإذا لم يدرك النسبة بين الموضوع والمحمول، هذا قطعًا مقطوعٌ به، لكن هل هو شطرٌ أم شرطٌ؟ هذا محل نزاع، [فتكون الإدراكات الثلاثة الأُوَل شطورًا عنده للتصديق أي أجزاءً له والتحقيق الأول، وهو أن التصديق بسيط] وهو ظاهر النظم، بل نص عليه (وَدَرْكُ نِسْبَةٍ) أي نسبةٍ خارجية، (بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ) يعني علم بالتصديق. حينئذٍ نقول: التصور شرطٌ لا شطرٌ. شرطٌ في التصديق التصور، التصورات الثلاثة السابقة شرطٌ في التصديق لا شطرٌ.
- - -
وَقَدِّمِ الأَوَّلَ عِنْدَ الوَضْعِ
…
لأَنَّهُ مُقَدَّمٌ بِالطَّبْعِ
(وَقَدِّمِ الأَوَّلَ) أي التصور على التصديق (عِنْدَ الوَضْعِ) أي في الذكر والكتابة والتعلم والتعليم، كما وقع في المتن من تقديم التصور في التقسيم (لأَنَّهُ) أي التصور (مُقَدَّمٌ) على التصديق (بِالطَّبْعِ) أي بحسب اقتضاء طبيعة التصور أي حقيقته، والمقدمُ بالطبع هو الذي يحتاج إليه المتأخر من غير أن يكون المتقدم علةً فيه كتقديمِ الواحد على الاثنين، والاثنين على الثلاثة، ولاشك أن التصور شرطٌ للتصديق أو شطرٌ له، وطبيعة الشرط تقتضي التقدم على المشروط كما أن طبيعة الشطر أي الجزء تقتضي التقدم على الكل، وليس الشرط علةً للمشروط، لأنه لا يلزم من وجُودِه وجُودُه، وكذا الشطر ليس علةً للكل وهو ظاهرٌ.
ــ - الشرح - ــ
ثم قال الناظم:
وَقَدِّمِ الأَوَّلَ عِنْدَ الوَضْعِ
…
لأَنَّهُ مُقَدَّمٌ بِالطَّبْعِ
يعني: التصورات مقدمةٌ على التصديق، لأن التصديق مركب، والتصورات مفردات بالنسبة للتصديق، لأنه إدراك مفرد، وذاك إدراك مركب، والعلم بالمفردات مقدمٌ على العلم بالمركبات، فهو سائر على طبيعة الإنسان، فلا يحتاج أن ينظر في مركب إلا إذا علم المفردات، (وَقَدِّمِ) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب وهو كذلك يعني واجبٌ صناعةً لا شرعًا، (وَقَدِّمِ الأَوَّلَ) أي التصور على التصديق، والمراد أنه يجب تقديم ما يتعلق بالتصور على ما يتعلق بالتصديق، [(عِنْدَ الوَضْعِ) أي في الذكر والكتابة والتعلم والتعليم، كما وقع في المتن من تقديم التصور في التقسيم]. إذًا المفردات مقدمةٌ على المركبات (وَقَدِّمِ الأَوَّلَ) لماذا؟ [(لأَنَّهُ) أي التصور (مُقَدَّمٌ) على التصديق (بِالطَّبْعِ) أي بحسب اقتضاء طبيعة التصور أي حقيقته]، لأن حقيقة التصور إدراك المفرد، والمفرد مقدمٌ على المركب، وكل ما كان مقدمًا بالطبع يناسب أن يقدم في الوضع ليناسب الوضع الطبع كما مر معنا كثيرًا، [والمقدمُ بالطبع هو الذي يحتاج إليه المتأخر من غير أن يكون المتقدم علةً فيه] يعني يكون الثاني مرتبًا على الأول من غير أن يكون الأول علةً في وجوده، [كتقديمِ الواحد على الاثنين] إذا أردت أن تَعُدّ واحد، اثنان، ثلاثة. الواحد مقدم على الاثنين، لكنه ليس علةً فيه، الثاني مرتب على، المتأخر الثاني مرتب على ذكر الأول الواحد، لكن الأول الذي هو الواحد ليس علةً في وجود الثاني. هذا المراد به، [والاثنين على الثلاثة]، وليس في الاثنين علةً في وجود الثلاثة بل تدرك الثلاثة دون الاثنين، [ولاشك أن التصور شرطٌ للتصديق أو شطرٌ له] على القول الآخر، [وطبيعة الشرط تقتضي التقدم على المشروط]، ولذلك نقول: وقدم المصنف كتاب الطهارة على الصلاة لأنها شرطٌ فيه، والعلم بالشرط مقدمٌ على العلم بالمشروط. هو هذا الذي يذكره هنا، [وطبيعة الشرط تقتضي التقدم على المشروط، كما أن طبيعة الشطر أي الجزء، تقتضي التقدم على الكل] العلم بالأجزاء مقدمٌ على العلم بالكل، ولذلك يقدم بعض النحاة أقسام الكلمة على تعريف الكلام، وهذا مر معنا أنهم يختلفون منهم من يقدم الكلمة وتعريفها ويقسمها ثم بعد ذلك يبين لك الكلام، لأن الكلام يؤخذ في حده التركيب مركب من ماذا؟ من اسمين أو فعلٍ واسمٍ إلى آخره، [وليس الشرط علةً للمشروط، لأنه لا يلزم من وجُودِه وجُودُه]، الشرط ليس علةً للمشروط نعم، لأنه لا يلزم من وجُودِه وجُود الشرطِ وجود المشروط قد يتطهر ولا يصلي لفوات الوقت مثلاً، [وكذا الشطر ليس علةً للكل وهو ظاهرٌ] إذًا يقدم التصور أو العلم أو ما يتعلق بالتصورات على ما يتعلق بالتصديقات.
- - -
وَالنَّظَرِي مَا احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ
…
وَعَكْسُهُ هُوَ الضَّرُورِيُّ الجَلِي
(وَالنَّظَرِي) بسكون الياء للضرورة (مَا) أي الذي (احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ) أي النظر في الدليل كإدراك حقيقة الإنسان المحتاج إلى النظر في التعريف بالحيوان الناطق، وإدراك أن العالم حادث المحتاج إلى النظر في قولك: العالم متغير، وكل متغيرٌ حادث (وَعَكْسُهُ) أي ما لا يحتاج إلى النظر (هو) العلم (الضَّرُورِيُّ الجَلِي) أي الظاهر، فهو ما لا يحتاج إلى النظر، وإن احتاج إلى حدسٍ أي ظنٍ، كالعلم بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، الحاصل باختلاف تشكلاته بحسب القرب منها والبعد عنها، فإنه يورث ظن استفادة نوره من نورها، أو احتاج إلى تجربة كالعلم بأن الدواء الفلاني مسهل للطبيعة عند شربه، فالعلم الضروري التصوري كإدراك وجودك، والتصديقي كإدراكك أن الواحد نصف الاثنين.
ــ - الشرح - ــ
وهذا تقسيم آخر للعلم، قسم لك العلم أولاً إلى تصور وتصديق، والآن شرع في تقسيمٍ آخر، وهو باعتبار الطريق الموصل إلى العلم، والأول باعتبار ما يتعلق به، إذًا لا تنافي بين التقسيمين ينقسم العلم بحسب ما يتعلق به، عرفنا العلم ما هو؟ مطلق الإدراك، يتعلق بماذا؟ بحسب المتعلق به ينقسم إلى تصورٍ وتصديق، بحسب الطريقة الموصل إليه ينقسم إلى نظري وضروري
…
(مَا احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ) بحث ونظر وفكر يسمى نظريًّا ما لا يحتاج يسمى ضروريًّا. هذا طريق موصل إلى العلم إلى الإدراك، وأما الأول فهو تقسيم بحسب المتعلق به يعني الإدراك يتعلق بالمفرد فهو تصور، والإدراك يتعلق بالمركب بشرطه السابق فهو تصديق، باعتبار ما يتعلق به، وأما التقسيم إلى النظري والضروري فهو بحسب الطريق الموصل إليه نعم.
[(وَالنَّظَرِي) بسكون الياء للضرورة]، نظري نظريُّ هذا الأصل نسبةً إلى النظر، والمراد به النظر الاصطلاحي ترتيب أمرين معلومين يتوصل بهما إلى أمرٍ مجهول تصوري، أو تصديقي، ترتيب أمرين معلومين إما تصور أو تصديق ليتوصل بهما إلى مجهولٍ تصوري أو تصديقي، [(وَالنَّظَرِي) بسكون الياء للضرورة] يعني ضرورة الوزن (مَا احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ)، (مَا) أي إدراك، لأنه لا بد أن نأخذ العلم جنسًا في حد الأقسام، إذا قسمنا الشيء إلى أشياء لا بد أن نذكر في تعاريف هذه الأشياء الأقسام المقسوم تقول: الكلمة قولٌ مفرد، ثم تنقسم إلى اسمٍ، وفعلٍ، وحرف. ما هو الاسم؟ كلمةٌ دلت على معنًى إلى آخره، ما هو الفعل؟ كلمةٌ دلت على معنًى إلى آخره، ما هو الحرف؟ كلمةٌ دلت على معنى فعل، إذًا تذكر الكلمة في حد كل نوعٍ من أنواع الكلمة، كلمة هي قولٌ مفرد، لها أقسام ثلاثة: اسمٌ وفعلٌ، وحرف، إذا جئت تعرف الاسم لا بد أن تأخذ الجنس الاسم المقسوم الذي هو الكلمة، وكذلك الفعل، وكذلك الحرف، هنا قال: العلم ينقسم إلى نظري وضروري، ما هو النظري؟ (مَا) أي: إدراك، وعرفنا إدراك هو العلم. إذًا (وَالنَّظَرِي مَا) أي إدراكٌ، (احْتَاجَ) على كلام الناظم (لِلتَّأَمُّلِ) أي النظر، (مَا) أي الذي، جعله اسمًا موصولاً، وبعضهم يجعلها في التعريف نكرةً موصوفة، هذا أو ذاك لا بأس، لكن الذي يصدق على ماذا؟ هذا مبهم يحتاج إلى تفسير، يصدق على إدراك أو الإدراك، إذا جعلته مفصولاً الإدراك (مَا) أي الذي أي الإدراك، (احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ) أي النظر والفكر بالمعنى الاصطلاحي النظر بالمعنى الاصطلاحي
…
[النظر في الدليل] والدليل المراد به المركب [كإدراك حقيقة الإنسان المحتاج إلى النظر في التعريف بالحيوان الناطق] يأتي إنسان أو شخصٌ ما لا يعرف معنى كلمة إنسان حينئذٍ يقول: ما الإنسان؟ ما هذا اللفظ؟ إذًا سؤالٌ عن إدراك مفرد، فيأتي الجواب: حيوانٌ ناطقٌ. حصل أو لا؟ حصل العلم بلفظ الإنسان ما المراد به، هذا يسمى نظرًا لأنه رتب أمرين معلومين حيوان وهو الجنس، وناطق وهو فصلٌ، ليتوصل بهما إلى أمرٍ مجهول وهو تصور هنا وهو إدراك معنى إنسان، إذًا حصل النظر أو لا؟ حصل النظر، يسمى نظريًّا، إذًا النظري قد يكون تصورًا يعني التصور علم التصور قد يكون نظريًّا ومثاله ما ذكر، [وإدراك أن العالم حادث] يعني مخلوق،
…
[المحتاج إلى النظر في قولك: العالم متغير وكل متغيرٌ حادث] أنتج ماذا؟ العالم حادث، هذا يسمى نظرًا لأنه رتب أمرين معلومين مقدمة الصغرى والكبرى، العالم متغير هذه المقدمة الصغرى، وكل متغيرٍ حادث هذا مقدمةٌ كبرى، وهما معلومان ترتيب أمرين معلومين لِيُتَوَصَّلَ بهما إلى أمرٍ مجهول وهو تصديق، وهو [العالم متغير](1) العالم حادث.
(1) سبق.
إذًا النظري قد يكون تصورًا كالإنسان، وقد يكون تصديقًا كالعالم حادث، إذًا التصور قد يكون نظريًّا وقد يكون ضروريًّا، (وَعَكْسُهُ) أي عكس النظر بالمعنى اللغوي، يعني المخالف لهم، [(وَعَكْسُهُ) أي ما لا يحتاج إلى النظر] هو الضروري، هو العلم الضروري، (الجَلِي) هذه صفة كاشفة يعني:(الضَّرُورِيُّ الجَلِي) يعني ظاهر، [أي الظاهر الواضح، فهو ما لا يحتاج إلى النظر، وإن احتاج إلى حدسٍ أي ظنٍ، كالعلم بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، الحاصل باختلاف تشكلاته بحسب القرب منها والبعد عنها، فإنه يورث ظن استفادة نوره من نورها، أو احتاج إلى تجربة كالعلم بأن الدواء الفلاني مسهل للطبيعة عند شربه، فالعلم الضروري التصوري كإدراك وجودك، والتصديقي كإدراكك أن الواحد نصف الاثنين] يعني العلم الضروري قد يدخل فيه الحدثيات، وهذا يأتي في آخر النظم، وكذلك الأشياء التي تكون من جهة التجربة، إذًا داخلٌ في علم الضروري وسيأتي في آخر النظم، الشاهد هنا في قوله:(فالعلم الضروري التصوري كإدراكِكَ وجودَك) يعني أنت موجود أو لا؟ هذا علم ضروري لا يختلف أو يحتاج أبحاث وأنظر وأسأل وأتأمل وأستخير، أنت موجود أو لا؟ موجود، إذًا العلم بوجودك نقول: هذا علم ضروري، الوجود شيء واحد مفرد، إذًا يسمى تصورًا ضروريًّا.
الثاني: إدراك أن الواحد نصف الاثنين، أن الكل أكبر من الجزء، هذا يسمى إدراكًا ضروريًّا وهو تصديق، إذًا علمٌ ينقسم إلى تصور وتصديق، والتصور قد يكون نظريًّا وهو ما احتاج للتأمل، وقد يكون ضروريًّا وهو عكسه، والتصديق قد يكون نظريًّا وقد يكون ضروريًّا، ولذلك قلنا:
…
(فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ) وهي أربعة مأخوذة من كلام الناظم من جهة الاستقصاء يعني لم ينص على ذلك وإنما هي معلومة.
- - -
وَمَا بِهِ إِلَى تَصَوُّرٍ وُصِلْ
…
يُدْعَى بِقَوْلٍ شَارِحٍ فَلْتَبْتَهِلْ
وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُوُصِّلَا
…
بِحُجَّةٍ يُعْرَفُ عِنْدَ العُقَلَا
(وَمَا بِهِ إِلَى تَصَوُّرٍ وُصِلْ) أي والقول الذي وصل به إلى تصورٍ كالحد في قولك: الحيوان الناطق، والرسم في قولك: الحيوان الضاحك (يُدْعَى) أي يسمى عند المناطقة (بِقَوْلٍ شَارِحٍ) أما تسميته قولاً فلأن القول هو المركب، وأما تسميته شارحًا فلشرحه الماهية، فالمعني والقول الذي وصل به إلى تصورٍ المعرف يسمى بالقول الشارح في اصطلاح المناطقة، وقوله:(فَلْتَبْتَهِلْ) أي تجتهد في الطلب، جملة كمل بها البيت (وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُوُصِّلَا) أي والقول الذي توصل به للتصديق، وهو القياس في مثل قولنا: العالم متغير وكل متغيرٍ حادث. (بِحُجَّةٍ يُعْرَفُ عِنْدَ العُقَلَا) أي يسمى عند المناطقة بالحجة أي الدليل، لأن من تمسك به حَجَّ خصمه أي غلبه.
ــ - الشرح - ــ
عرفنا التصور وعرفنا التصديق ما الذي يوصل إلى التصور؟ له طريق له سلم، ما هو؟ قال:(يُدْعَى بِقَوْلٍ شَارِحٍ) يعني المعرفات، إدراك المفرد الذي هو التصور الذي يوصل إليه المعرفات، وهذا سيأتي بحث باب المعرفات، والتصديق الذي يوصل إليه ما يسمى بالحجة، وهو باب القياس سيأتي، إذًا التصور له طريق، والتصديق له طريق، ولذلك قلنا: التصور قد يكون منه شيء صحيح وقد يكون فاسد، ما الذي يميز هذا عن ذاك؟ سلوك الطريق الذي رسمه المناطقة وهو المعرفات، وما الذي يوصل التميز بين التصديق الصحيح وغيره؟ هو سلوك الطريق الذي وضعه المناطقة، (وَمَا بِهِ إِلَى تَصَوُّرٍ وُصِلْ) يعني والذي وصل به يعني بسببه [إلى تصورٍ] أي وصل، أي توصل، [أي والقول] يعني فسر ما هنا بالقول، فسر ما بالقول
…
[والقول الذي وصل به إلى تصورٍ كالحد في قولك) يعني كالتعريف
…
[كالحد في قولك: الحيوان الناطق] كيف عرفت الإنسان؟ ما الإنسان؟ قال: حيوان ناطق. ما الطريقة الذي وصل إلى تفسير معنى الإنسان؟ كونه حيوان هذا يسمى حدًا يسمي تعريفًا (كالحد في قولك: الحيوان الناطق، والرسم في قولك: الحيوان الضاحك) وهذا سيأتي بحثه في محله [(يُدْعَى) أي يسمى عند المناطقة (بِقَوْلٍ شَارِحٍ)]، قول مصدر بمعنى المقول، وشارحٍ أي كاشفٍ.
[أما تسميته قولاً فلأن القول هو المركب] مرادف للمركب عندهم [القول هو المركب] بمعنى واحد عند المناطقة [هو المركب] يسمى تعريفًا ومُعَرِّفًا، [وأما تسميته شارحًا فلشرحه الماهية] يعني كشفه الماهية الحقيقة، [فالمعني والقول الذي وصل به إلى تصورِ المعرف يسمى بالقول الشارح في اصطلاح المناطقة]، ويسمى المعرف والتعريف، [وقوله:(فَلْتَبْتَهِلْ) أي تجتهد في الطلب]، هذه [جملة كمل بها البيت].
(وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُوُصِّلَا) وما توصل به بسببه إلى تصديقٍ [أي والقول الذي توصل به للتصديق، وهو القياس في مثل قولنا: العالم متغير وكل متغيرٍ حادث. (بِحُجَّةٍ يُعْرَفُ عِنْدَ العُقَلَا)] يعرف بحجةٍ عند العقلاء
…
[أي يسمى عند المناطقة بالحجة أي الدليل، لأن من تمسك به حَجَّ خصمه أي غلبه] عقلاء حذف الهمزة والألف العقلا للعهد، والمراد هنا المعهود أرباب هذا الفن، كما مر معنا أرباب الحجا، إذًا الذي يوصل إلى التصور هو القول الشارح، والمرد بالقول الشارح المعرفات سيأتي بحثها في باب مستقل، والذي يتوصل به إلى إدراك تصديق هو ما يسمى بالحجة، ويسمى القياس وسيأتي باب خاص بالقياس هذا حاصل قوله:(فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ).
- - -
(فَصْلٌ: فِي أَنْوَاعِ الدَّلالَةِ الْوَضْعِيَّة)
(فَصْلٌ: فِي أَنْوَاعِ الدَّلالَةِ) اللفظية (الْوَضْعِيَّة) والدلالة: كون أمرٍ بحيث يفهم منه أمرٌ آخر سواء فهم بالفعل أم لا، والأمر الأول دال، والثاني مدلولٌ، والدال ينقسم إلى غير لفظ وإلى لفظٍ، فغير اللفظ إما دال بالعقل كدلالة التغير على الحدوث، أو بالعادة كدلالة المطر على النبات، والحمرة على الخجل والصفرة على الوجل، أو بالوضع كدلالة الإشارة باليد مثلاً على معنى نعم أو لا، واللفظ إما دالٌ بالعقل كدلالة اللفظ على وجود اللافظ من وراء جدار، أو بالعادة كدلالة أُحّ على وجع صدرٍ، أو بالوضع كدلالة الأسد على الحيوان المفترس، وهذه هي المعتبرة في المنطق، ولذا بوب لها فقط فقال: أنواع الدلالة الوضعية أي اللفظية كما تقدم، فخرج باللفظية دلالة غير اللفظ، وبالوضعية دلالة اللفظ غير الوضعية فلا يعتبر شيء من هذه الخمسة عند المناطقة وقد تقدم تمثيلها.
ــ - الشرح - ــ
[فصل في أنواع الدلالة اللفظية الوضعية] زاد اللفظية لأن بحث المناطقة في اللفظ، وأما غير اللفظ فهذا لا بحث لهم فيه، الوضعية نسبة إلى الوضعي والوضع نوعان:
وضعٌ شخصي.
ووضعٌ نوعي.
المبحث لغوي هنا.
وضعٌ شخصي يعني يتعلق بالمفردات، وهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى.
وأما النوعي فهو ما يتعلق بالقواعد، يعني كالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، هذا وضعه العرب أو الواضع، جعل الفاعل مرفوعًا، من أين أخذ هذا الوضع؟ بالاستقراء والتتبع لمفردات وآحاد لسان العرب، تراكيب، وكذلك المفعول به منصوب، والتمييز يكون منصوبًا إلى آخره.
القواعد التي يتكلم عنها النحاة هذه موضوعة بالوضع النوعي يعني ليست متعلقةٌ بشخص أو أحاد، والوضع الشخصي هو المتعلق بالمفردات يعني وضع زيد على من؟ وضع بيت، وضع أرض، وضع سماء بمدلوله الخاص، جعل اللفظ دليلاً على المعنى، (في أنواع الدلالة) الدلالة عرفها الشارح هنا
…
[كون أمرٍ بحيث يفهم منه أمرٌ آخر سواء فهم بالفعل أم لا]، يعنى: وإن لم يفهم منه بالفعل، المراد بالفعل هنا بالإيجاد المراد به بالإيجاد، تكلم بكلام دل على شيءٍ ما قد يفهم منه وقد لا يفهم منه، لعل الشرح هذا قد يفهمه البعض وقد لا يفهمه البعض، إذًا الكلام يسمى دلالةً، كونه فُهِمَ عند البعض هذا واضح أنه دَلَّ، كونه لم يُفهم عند البعض لا يخرجه عن كونه ذا دلالة بل هو ذو دلالة، إذًا دل [كون أمرٍ] الذي هو الدال [بحيث يفهم منه أمرٌ آخر] أي المدلول، [سواء فهم بالفعل] بأن وجد الفهم، [أم لا]، إذًا لا يشترط في اللفظ الدال أو الدلالة أن يفهم بالفعل، وقيل: المراد بالدلالة فهم أمرٍ من أمرٍ. يعني: بالفعل، فحينئذٍ يكون النزاع في ماذا؟ في شيء لم يفهم هل يسمى دلالة أم لا؟ على التعريف الذي ذكره الشارح هنا يسمى دلالة، وإن لم يفهم منه، وعلى الثاني الذي اشترط الفعل حينئذٍ لا يسمى دلالةً، والظاهر أن الدلالة يطلق بالاشتراك على المعنيين على هذا وذلك، قد يطلق بهذا ويطلق على المعنى الثاني، وإنما الخلاف هل يسمى دلالة حقيقةً أو مجازًا؟ كونه دالاً نقول: هذا واضح بين لا شك أنه يدل، لكن هل يسمى دلالة حقيقةً أو يسمى مجازًا؟ نقول: هذا يطلق عليه بالاشتراك، إذًا [كون أمرٍ] يعني وجود أمرٍ وهو دالٌ، [بحيث يفهم منه] يعني من هذا الأمر الدال، [أمرٌ آخر] وهو المدلول [سواء فهم بالفعل أم لا] يعني وإن لم يفهم منه فهو ذو دلالة، وكونه لم يفهم منه لا يخرج عن كونه دالاً، [والأمر الأول] في الحد السابق هو:[الدال، والثاني مدلولٌ] عكس التعريف الثاني فهم أمر من أمرٍ يعني بالفعل أي فهمه منه بالفعل فهو أخص مما قبله يعني التعريف السابق أعم، والمراد بالأمر الأول المدلول هنا، وبالثاني الدال، عكس ما قبله، وينبني على المعنيين أن الأمر قبل حصول الفهم منه بالفعل يقال له: دال حقيقة أم لا؟ هذا محل النزاع، قال:[والدال ينقسم إلى غير لفظ وإلى لفظٍ]. دال الدلالة ستة أقسام لأنها إما وضعية، وإما عقلية، وإما عادية، عقلية يعني: الفهم يكون من جهة العقل، وضعية يعني: الفهم يكون من جهة الوضع، عادية يعني: طبيعية حينئذٍ يكون من جهة الطبع والعادة، وكل منها من هذه الثلاثة إما لفظ أو لا ثلاثة في اثنين بستة، إذًا الدلالة إما وضعية من جهة الوضع يعني: لسان العرب، وإما عقلية، وإما عادية، هذه ثلاثة، [وكلٌّ منها](1) وعلى كلٍّ الدال لفظ أو غيره، ثلاثة في اثنين بستة، هنا قال:[والدال].
(1) سبق.
الدال الذي يدل على شيء [ينقسم إلى غير لفظ وإلى لفظ] إما أن يكون لفظًا يعني ينطق به أو لا يكون لفظًا؟ [فغير اللفظ إما دال بالعقل كدلالة التغير على الحدوث] يعني تغير العالم دل على ماذا؟ على كونه حادثًا، وهذا الدليل كما ذكرنا مرارًا فيه شيء من النظر يعني المراد المثال هنا، [إما دال بالعقل كدلالة التغير على الحدوث] يعني يرى في العالم مطر وسحاب وجبل يزال وبحار إلى آخره، التغير هذا علامة ماذا؟ علامة الحدوث، ما الذي دل العقل؟ يعني: العقل نظر وفهم، فالفهم يكون من جهة العقل لأنه لا يتغير إلا ما كان مخلوقًا وهذا ذكرنا أن فيه شيء من النظر، [أو بالعادة كدلالة المطر على النبات] عادةً أنه إذا نزل المطر يأتي النبات، [والحمرة على الخجل] حمرة الخدين على الوجه [على الخجل] يخجل ويحمر، [أو الصفرة على الوجل] يعني الخوف هذا مأخوذ من عادة طبيعة الناس يعني طبيعة البشر، [أو بالوضع كدلالة الإشارة باليد مثلاً على معنى نعم أو لا]، أو بالرأس على معنى نعم أو لا، أجلس مثلاً للدلالة نقول: دلالة بالإشارة، هل هي لفظية؟ نقول: لا، إذًا غير اللفظ قد يدل بالعقل كالتغير الحدوث، وقد يدل بالعادة كالحمرة على الخجل قد يدل بماذا؟ بالإشارة بالوضع كالإشارة باليد مثلاً الوضع مراد به الاصطلاح هنا، كالإشارة باليد مثلاً على معنى نعم أو لا، وهذه الثلاثة كلها خارجة ليس بحث المناطقة فيها البتة لماذا؟ لأنها ليست بلفظ، ولذلك قال في الفصل:[فصل في أنواع الدلالة اللفظية]. أخرج هذه الأنواع الثلاثة بقي الثاني، [واللفظ] يعني اللفظية الدال إذا كان لفظًا [إما دالٌ بالعقل] يعني لفظ يتلفظ به ويدل على شيءٍ آخر، مدلول ليس معنى اللفظ وإنما على شيءٍ آخر كالمثال الذي ذكره، [كدلالة اللفظ على وجود اللافظ من وراء جدار] تسمع صوت من وراء جدار ما تراه وتكلم كلامه قد ينادي بشيء ليس هذا المراد، اسقني ماء تعلم من وجوده من هذا الصوت التكلم أنه حي وأنه موجود، ولا زال حيًّا هذه الدلالة من أين أخذت؟ من اللفظ لأنه تكلم، وليس المراد عين الكلام، وإنما كونه دل على شيء آخر هذا فهم بالعقل، أما لفظ اسقني ماءً، أو تعالى يا زيد، هذا اللفظ [لم يدل على عقل](1) لم تكن الدلالة عقلية، وإنما هي وضعية، لكن كونه دالاً على وجوده هذا شيءٌ آخر إنما فهم بالعقل، [أو بالعادة كدلالة أُح] أو [أَح على وجع صدرٍ] واضح هذا؟ هذا معلوم من العدم، [أو بالوضع كدلالة الأسد على الحيوان المفترس]، هذا وضع اللغة يعني لسان العرب، إذًا هذه كم؟ ثلاثة لفظٌ بالعقل، أو بالعادة، أو بالوضع، الأخير الدلالة اللفظية الوضعية هي المعتبرة عند المناطقة، إذًا الدلالة اللفظية العقلية ليست داخلة معنى خرجت، الدلالة اللفظية العادية المعلوم بالعادة والطبع ليست داخلة معنى بقي نوع واحد وهو الدلالة اللفظية الوضعية، هذه التي ستنقسم إلى ثلاثة أقسام.
(1) عدل الشيخ إلى الكلمة بعدها.
[وهذه] الأخيرة بالوضع [هي المعتبرة في المنطق، ولذا بوب لها فقط] دون غيرها [فقال: أنواع الدلالة الوضعية أي اللفظية كما تقدم، فخرج باللفظية دلالة غير اللفظ] ثلاثة أنواع من الستة، خرج باللفظية دلالة غير اللفظ ثلاثة أنواع من الستة [وبالوضعية دلالة اللفظ غير الوضعية] وهي نوعان هذه خمسة [لا يعتبر شيء من هذه الخمسة عند المناطقة وقد تقدم تمثيلها] إذًا المراد بهذا تمهيد بالدلالة المراد عند النحاة.
- - -
دَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ
…
يَدْعُونَهَا دَلَالَةَ المُطَابَقَةْ
وَجُزْئِهِ تَضَمُّنًا وَمَا لَزِمْ
…
فَهْوَ التِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ
(دَلالَةُ اللَّفْظِ) أي الوضعية، أخذًا من الترجمة (عَلَى مَا وَافَقَهْ) أي: على المعنى الذي وافق اللفظ بأن وضع له ذلك اللفظ لا لأقل منه ولا لزائد عليه، وسميت الدلالة على الموضوع له بتمامه دَلَالَةَ المُطَابَقَةْ لمطابقة الدال للمدلول من قولهم: طابق النعلُ النعلَ إذا توافقتا، والدال والمدلول متوافقان ومتطابقان بحيث لا يفهم من اللفظ زيادة على المعنى، ولا يفهم المعنى من أقل من اللفظ، وذلك كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق (وَ) دلالة اللفظ على (وَجُزْئِهِ) أي جزء المعنى الذي وافق اللفظ كدلالة الإنسان على الحيوان أو الناطق فقط يدعونها (تضمنًا) أي دلالة تضمن لتضمن المعنى لجزئه، وقول الناظم:(وَجُزْئِهِ) بالجر عطفٌ على (مَا) المجرورة بعلى، وقوله:(تَضَمُّنًا). عطفٌ على: (دَلَالَةَ المُطَابَقَةْ). المنصوبة بيدعونها ففيه العطف على معمولين لعاملين مختلفين واغتفر لأن أحد العاملين جار، وقد تقدم، وذلك جائز نحو في الدار زيد، والحجرة عمرو، كما في كتب النحو، (وَ) أما دلالة اللفظ على (مَا) أي المعنى اللازم الذي (لَزِمْ) معناه (فَهْوَ التِزَامٌ) أي دلالة التزامٍ لالتزام المعني أي استلزامه له كدلالة الأربعة على الزوجية، ودلالة العمى على البصر، وقول الناظم:(إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ) شرط حذف جوابه لدلالة قوله فهو التزام عليه، والمعنى أن الدلالة على اللازم تسمى التزامًا إن التزم ذلك اللازم في العقل، أي الذهن، بأن لزم من تصور الملزوم في الذهن تصور ذلك اللازم فيه، سواء لزم مع ذلك في الخارج كالزوجية للأربع، أو لم يلزمه في الخارج بل كان منافيًا له فيه كالبصر للعمى، وخرج بذلك القيد في الخارج فقط دون الذهن كالسواد للغراب فلا يسمى دلالة لفظ الغراب عن السواد دلالة التزام لعدم لزوم السواد له في العقل، وإن لزمه في الخارج.
ــ - الشرح - ــ
ودِلالة ودَلالة ودُلالة يجوز فيها التثليث ولكن دِلالة ثم دَلالة وأردئها دُلالة بضم الدال يعني لغةً لكنه رديء.
وَجُزْئِهِ تَضَمُّنًا وَمَا لَزِمْ
…
فَهْوَ التِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ
يعني: الدلالة اللفظية الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام وهذا مأخوذ من كلام الناظم يعني استقصاء كلامه، لأنه قال: مطابقة تضمنًا فهو التزام. إذًا لم ينص على أنها ثلاثة، لكن من حيث الكلام والاستقصاء هي ثلاثة: مطابقة، دلالة تضمن، دلالة التزام. وهذا البحث نفيس يفيد حتى في باب المعتقد وفي باب الأصول، ولذلك تذكر في المعتقد ونظمها ابن القيم في النونية، وكذلك ذكرها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في القواعد المثلى ويذكرها أرباب الأصول يعني مهمة، وتذكر في علم البيان، وتذكر في كتب المنطق، فإتقانه جيد مفيد للطالب، إذًا الدلالة اللفظية الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما يعلم من استقصاء كلامه، والحصر فيها عقلي لماذا؟ لأن اللفظ إما أن يدل على المعنى الموضوع له يعني بتمامه، أو على جزئه، أو على خارجه، إما الأول وإما الثاني وإما الثالث، بمعنى أن اللفظ إذا أطلق إما أن يدل على تمام المعنى الموضوع له وهذه المطابقة، أو يدل لا على تمام المعنى، وإنما على بعضه وجزئه وهذه دلالة التضمن، أو لا يدل على الأول ولا على الثاني وإنما على شيء خارجٍ عن مسماه لازمٍ له وهذه دلالة التزام، فالحاصل فيها عقلي.
(دَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ)[دلالة اللفظ أي الوضعية، أخذًا من الترجمة]، لأنه أطلق (دَلالَةُ اللَّفْظِ) فعرفنا دلالة اللفظ كم نوع؟ ثلاثة، ما المراد هنا؟ الوضعية، لماذا؟ لأنه قال:(الدَّلَالَةِ الوَضْعِيَّةِ). ولذلك الشارح قال في أنواع الدلالة: [اللفظية]. أخذًا من البيت (دَلالَةُ اللَّفْظِ)، وقوله:[دلالة اللفظ أي الوضعية، أخذًا من الترجمة] يعني كل منهما هذا يسمى احتباك عندهم، كل منهما قيد الآخر، فنقيد الترجمة في أنواع الدلالة الوضعية باللفظية أخذًا من قوله:(دَلالَةُ اللَّفْظِ). في البيت، ونأتي إلى دلالة اللفظ وهي عامة ونقيدها بقوله:[الوضعية أخذًا من الترجمة]. واضح هذا؟
(فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الدَّلَالَةِ الوَضْعِيَّةِ) قلنا: الوضع ليس خاصًا باللفظ، غير اللفظ قد يدل بالوضع كالإشارة باليد، هذا بالوضع وليس لفظًا، إذًا دخل في قوله:(الوَضْعِيَّةِ). فنقيده بقوله: (دَلالَةُ اللَّفْظِ)، (دَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ) قد يكون ماذا؟ بالوضع، قد يكون بالعقل، وقد يكون بالطبع والعادة، فنقيده بما ذكره في الترجمة بقوله:(الوَضْعِيَّةِ). إذًا [(دَلالَةُ اللَّفْظِ) أي الوضعية أخذًا من الترجمة (عَلَى مَا وَافَقَهْ)]، (عَلَى مَا) [أي على المعنى الذي وافق اللفظ] انظر [وافق اللفظ] (على المعنى الذي وافق اللفظ] حينئذٍ الضمير المستتر في قوله:[وافق]. يعود إلى (مَا)، والضمير البارز يعود إلى [اللفظ]، ولذلك قال الشارح:
…
[أي على المعنى]. فسر (مَا) بالمعنى، [الذي وافق اللفظ] وافقه، إذًا الضمير البارز يعود إلى اللفظ، والضمير المستتر وافق هو اللفظ يعني المعنى، إذًا إذا وافق المعنى اللفظ فهي دلالة المطابقة [بأن وضع له ذلك] المعنى ذلك [اللفظ لا لأقل منه ولا لزائد عليه] فالمعنى الذي وضعه العرب بذلك اللفظ إذا أطلق اللفظ واستعمل له على وجه التمام لا لمعنى زائد ولا لأقل بل مساوي لما وضعه العرب فيسمى دلالة مطابقة من طابق النعلُ النعلَ.
[(يَدْعُونَهَا) أي يسمونها أي تسمي المناطق تلك الدلالة على المعنى الموضوع له اللفظ (دَلَالَةَ المُطَابَقَةْ) وسميت الدلالة على الموضوع له بتمامه]، إذًا دلالة المطابق دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، هكذا عَرَّفَه الأمين في المقدمة، دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، لأن اللفظ كما مر في البلاغة أنه قد يطلق اللفظ على بعض المعنى فلا يستعمل في كل المعنى، إذًا العرب تستعمل اللفظ في جميع المعنى الذي وضع له في لسان العرب، وقد تستعمل اللفظ في بعض المعنى.
الأول: يسمى دلالة المطابقة.
والثاني: يسمى دلالة تضمن.
واضح هذا، إذًا دلالة المطابقة دلالة اللفظ على تمام ما وضع له في لسان العرب، قال هنا:[(دَلَالَةَ المُطَابَقَةْ) وسميت الدلالة على الموضوع له بتمامه]. هذا تعريفه (دَلَالَةَ المُطَابَقَةْ) يعني وجه التسمية. (لمطابقة الدال للمدلول) تطابقا توافقا [من قولهم: طابق النعلُ النعلَ إذا توافقتا] ما معنى طابق النعلُ النعل؟
..
أي نعم [ها ها] إذا تطابقا استويا حينئذٍ كاللفظ والمعنى، أما هذا واضح هذا، إذًا طابق النعلُ النعل بمعنى استويا (من قولهم: طابق النعلُ النعل إذا توافقتا] أنث هنا لأن النعل مؤنثة (والدال والمدلول متوافقان ومتطابقان بحيث لا يفهم من اللفظ زيادة على المعنى، ولا يفهم المعنى من أقل من اللفظ وذلك] مثاله [كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق]، ما هو الإنسان؟ الحيوان الناطق، هنا فهم المعنى والمعنى مركب المعنى مركب، دلالة الأسماء كل الأسماء على مسمياتها من هذا النوع، كل اسمٍ في لسان العرب وضع لمعنًى دلالته على مسماه من دلالة المطابقة، الأسد حيوان مفترس دلالة مطابقة، الرجل بالغ من بني آدم إلى آخره نقول: دلالة الأسماء الألفاظ سواء كانت معارف أو نكرات على المعاني الموضوعة لها في لسان العرب من دلالة المطابقة، ثم هذه الدلالة قد تكون بسيطة وقد تكون مركبة يعني قد يكون مدلول اللفظ معنًى جزء لا يتجزأ، وقد يكون ماذا؟ قد يكون مركبًا من شيئين كالإنسان مثلاً حيوان ناطق هذا مركب من جزأين، والعلم مثلاً قلنا: هو الإدراك، [هذا مركب من] (1) هذا بسيط مدلوله بسيط، ودلالة اللفظ وجزئه تضمنًا يعني ودلالة اللفظ على جزئه يعني على جزء ما وافقه على جزء ما وفقه، والضمير راجع لما وافقه أي جزء المعنى الذي وافق اللفظ، إذًا دلالة التضمن هنا يشترط فيها أن تكون في المعاني المركبة، أما المعاني البسيطة هذه لا يتأتى فيها دلالة تضمن لماذا؟ لأن اللفظ إذا أطلق وأريد به بعض معناه هذا لا يتأتي في المعنى البسيط وإنما في المعنى المركب لا يتأتى في المعنى البسيط، ولذلك قال:[أي جزء معناه]. جزء المعنى الموضوع له اللفظ، إذًا قد يستعمل اللفظ الذي وضعه العرب لمعنًى عام مركب في بعض مدلوله، يسمى ماذا؟ دلالة تضمن يسمى دلالة تضمن، [(جُزْئِهِ) أي جزء المعنى الذي وافق اللفظ كدلالة الإنسان على الحيوان] فقط ما هو الإنسان؟ الحيوان، تفهم منه الحيوان فقط، تقول: الإنسان معناه مركب حيوان وناطق، فإذا دل الإنسان على الحيوان فقط دلالة تضمن، وإذا دل على الناطق فقط هو دلالة تضمن، ومن هنا جعل ابن القيم رحمه الله تعالى هذه القاعدة معمولاً به في أسماء الله تعالى، الرحمن قال: هذا مدلوله مركب ذاتٌ وصفةٌ. ذات وصفة يعني ذات موصوفة بصفة الرحمة، العليم دال على ذات وصفة، وكل الأسماء على هذا المنوال، حينئذٍ إذا دل أو استعمل الرحمن مرادًا به الذات والصفة معًا فهي دلالة مطابقة، لأن اللفظ هنا طابق المعنى وهو مركب من شيئين ذات ومعنى وهي الصفة، إذا استعمل الرحمن مرادًا به الذات فقط حينئذٍ هذه دلالة تضمن، إذا استعمل الرحمن مرادًا به المعنى الذي هو صفة الرحمة فقط ولم يرد به الذات حينئذٍ قال: دلالة تضمن، لماذا؟ لأن اللفظ هنا استعمل في بعض المعنى جزء المعنى الذي وضع له، إذًا هذه القاعدة مستعملة فيما ذكر.
(1) سبق.
(تَضَمُّنًا) هذا على حذف المضاف [أي: دلالة تضمن] تضمنًا [أي دلالة تضمن] يدعونها دلالة تضمن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وانتصب انتصابه، [أي دلالة تضمن] لماذا سمي دلالة تضمن؟
…
[لتضمن المعنى لجزئه] لتضمن المعنى الذي أطلق اللفظ له لجزئه أي: لجزء المعنى، [وقول الناظم:(وَجُزْئِهِ). بالجر عطفٌ على] قوله: [(مَا) المجرورة بعلى، وقوله: (تَضَمُّنًا). عطفٌ على] قوله: [(دَلَالَةَ المُطَابَقَةْ). المنصوبة بيدعونها ففيه العطف على معمولين لعاملين مختلفين]، وليته ما ذكرها هنا قال ماذا؟ [(وَجُزْئِهِ). بالجر] معطوف على ماذا؟ على قوله:[(مَا) المجرورة بعلى] جزئه بالجر، ما العامل هنا؟ نقول: الواو عاطفة، والمعطوف على المجرور مجرور، عرفنا المعطوف جزئه، أين المعطوف عليه؟ ما من قوله:(عَلَى مَا وَافَقَهْ) طيب تضمنًا (وَجُزْئِهِ تَضَمُّنًا)، تضمنًا بالنصب عطف على ماذا؟ على دلالة المطابقة، ودلالة المطابقة معمول لأي شيء؟ يدعونه، إذًا اختلف العامل، ولذلك قال:
…
[ففيه العطف على معمولين]. وهما: ما، ودلالة. [لمعمولين # هل سبق] [لعاملين مختلفين] وهما: على، ويدعونها، وهذا مختلف فيه هل هو جائز أم لا؟ قيل بجوازه، وقيل بمنعه، [واغتفر] يعني يرى رأي الجمهور أنه ممنوع، [واغتفر لأن أحد العاملين جار) وهو على، وأما إذا كانا فعلين حينئذٍ المنع، وأما إذا كان أحدهما جار كما هو الشأن هنا فهذا مغتفر [وقد تقدم، وذلك جائز نحو في الدار زيد، والحجرة عمرو] عطف على في الدار زيد هنا مغتفر لأنه جار [كما في كتب النحو]، إذًا (وَجُزْئِهِ) عطف على (مَا) و (تَضَمُّنًا) عطف على دلالتا المطابقة التي هي منصوبة بـ (يَدْعُونَهَا)، وهذا محل نزاع بين النحاة، إذًا دلالة المطابقة دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، ودلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له تضمنٌ يسمى تضمنًا، دلالة اللفظ على جزء مسمى في ضمن كله، وهذه لا تكون دلالة تضمن إلا في المعاني المركبة يعني إذا كان مدلوله اللفظ معنًى مركب من شيئين فأكثر جاءت دلالة التضمن وإلا فلا، كما مر دلالة الإنسان على حيوان، أو على الناطق، أو دلالة الأربعة على الواحد، أو على الاثنين، أو على الثلاثة نقول: هذا دلالة تضمن. (وَمَا) ماذا قال الناظم؟ الشارح ذهب بعيدًا .. (وَمَا لَزِمْ ** فَهْوَ التِزَامٌ) يعني دلالة اللفظ على ما لزم، على المعنى الذي لزم للفظ وهو خارج عنه (فَهْوَ التِزَامٌ) هنا ليس عندنا دلالة اللفظ على معنًى كامل ولا على بعض المعنى، وإنما هو شيء خارج عن مدلول اللفظ، لم يوضع له في لسان العرب هذا اللفظ لهذا المعنى، وإنما لشيء خارجٍ عنه قال هنا:[وأما دلالة اللفظ على (مَا) أي المعنى اللازم الذي (لَزِمْ) معناه (فَهْوَ التِزَامٌ)] هنا الشارح ذهب بعيدًا قوله: (فَهْوَ التِزَامٌ). رأى أن الفاء هذه واقعة في جواب شرط حينئذٍ لا بد من التقديم، وأما جعلها في جواب أما، وليس الأمر كذلك بل نحكم على الفاء بأنها زائدة لأجل الوزن ويبقى الكلام متصل بما سبق، [وأما دلالة اللفظ على (مَا)] والظاهر أن نقول: ودلالة اللفظ.
كما قال الشارح هناك، ودلالة اللفظ على ما لزم فهو دلالة التزم، فهو معطف على ما قبله، والفاء زائدة، وهذا أولى مما في الشرح هنا من أن الفاء هنا واقعة في جواب أما المحذوفة والتقدير وأما ما لزم على أن المعنى [وأما دلالة اللفظ على (مَا لَزِمْ)] إلى آخره لماذا؟ لأنا إذا قلنا: وأما. فصلنا الكلام ومر معنى بالأمس أن جعل الكلام بسياقٍ واحد أولى من فصله، إذًا نجعل ودواء وما لزم معطوف على ما سبق أولى من فصله، ونجعل الفاء هذه فاء زائدة، ولا نحتاج أن نجعلها في جواب شرط مقدر، [وأما دلالة اللفظ على (مَا) أي المعنى اللازم الذي (لَزِمْ) معناه] يعني معنى اللفظ، لأن اللازم معنى لا شك أنه معنى، لكن اللفظ لم يوضع له، إذًا اللازم هو معنى، لكنه ليس المعنى الذي وُضع له اللفظ، [(فَهْوَ التِزَامٌ) أي دلالة التزامٍ] لماذا؟ [لالتزام المعني أي استلزامه له][أي استلزامه] استلزام المعنى الذي وضع له في لسان العرب ذلك اللفظ (له) لذلك المعنى الخارج فعندنا معنيان، معنًى وضع له اللفظ، وهذا لا علاقة له بدلالة التزام، دلالة اللفظ على المعنى كله، أو على بعضه دلالة وضعية على الصحيح في النوعين، دلالة اللفظ على معناه لازمٍ لهذا المعنى الذي وضع له في لسان العرب هذا الذي يسمى دلالة التزام، إذًا اللازم هو الخارج، والملزوم هو المعنى الذي وضع له اللفظ، حينئذٍ نقول: فرق بين اللازم والملزوم. فالملزوم ما هو؟ هو المعنى الذي وضعت العرب هذا اللفظ لهذا المعنى، يسمى ملزومًا لا علاقة له بدلالة التزام، وأما اللازم فهو الخارج قال هنا:(لاستلزام المعنى أي لاستلزامه له)، عندنا ضميران هنا استلزامه الضمير الأول المعنى الذي وضع له اللفظ في لسان العرب، (له) لذلك المعنى الخارج الذي هو اللازم استلزامه أي: الملزم، له للازم، وضع اللفظ للأول أو للثاني؟ استلزامه له للأول أو للثاني؟ للأول، إذًا استلزامه الضمير هنا يعود للملزوم يعني المعنى الذي وضع له اللفظ في لسان العرب، (له) أي لذلك الخارج، مثاله قال:(كدلالة الأربعة على الزوجية).
الأربعة معلوم أنها وضعت للعدد المعلوم، أربعة، واحد اثنان ثلاثة أربعة المسمى هذا أربعة، كونه زوجًا هذا خارج عنه يعني قد تقابل إلى الانقسام على اثنين، حينئذٍ نقول: دلالة اللفظ إذا سمعت أربعة تعلم أنها زوج يعني لا فرد، سمعت واحدًا أو ثلاثة تعلم أنها فرد لأنها لا تقبل القسمة على اثنين، دلالة العدد على الزوجية أو على الفردية نقول: هذا من دلالة الملزوم على اللازم، فهي دلالة التزام، دلالة الأربعة على الزوجية، لفظ الأربعة لم يوضع لمعنى الزوجية، وإنما وضع لمسمًى هو: الواحد والاثنان والثلاثة والأربعة، مجموع هذه الأعداد فيسمى أربعة، لكن كونه دالاً على الزوجية نقول: هذا شيء فهم من خارج المعنى الذي وضع له في لسان العرب، وهو معنًى لكنه لم يوضع له في لسان العرب وإنما دل عليه المعنى الذي وضع له اللفظ في لسان العرب، إذًا دلالة الأربعة على الزوجية، الأربعة ملزوم والزوجية لازم ودلالة التزام هو الزوجية (ودلالة العمى على البصر) ما هو العمى؟ سلب البصر، هل يمكن أن يتصور العمى دون أن يفهم معنى البصر؟ لا يمكن، إذًا العمى، لفظ عمى عمي معناه سلب البصر، إذًا هو عدم، والبصر وجود، هل يمكن أن يدرك معنى العمى دون أن يدرك البصر؟ لا، لا يمكن، إذًا دلالة العمى على البصر دلالة التزاميه واضح هذا؟ (فَهْوَ التِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ)، [(فَهْوَ التِزَامٌ) أي دلالة التزامٍ]، إذًا دلالة التزام هي دلالة اللفظ على معنًى خارج عن مسماه دلالة اللفظ على معنًى خارج عن مسماه لازمٍ له لزومًا ذهنيًا بحيث يلزم من فهم المعنى المطابق فهم ذلك الخارج اللازم، كدلالة العمى على البصر، والأسد على الشجاعة، والأربعة على الزوجية قوله:(إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ). هذا شرط لمعنى أن الدلالة السابقة يشترط أن يكون اللزوم لزوم عقليًّا (بِعَقْلٍ) الباء هنا بمعنى في يعني التزم اللازم في العقل، اللازم حقيقته عندهم ما يمتنع انفكاكه عن الشيء فليس عندنا عدد أربعة ينفك عن الزوجية، وليس عندنا عمى ينفك عن معنى البصر، وليس عندنا معنى الأسد ينفك عن الشجاعة، إذًا هو لازم يمتنع انفكاكه عنه، ينقسم اللازم من حيث اللزوم في الذهن والخارج إلى ثلاثة أقسام من أجل أن نعرف كلام الناظم إلى ثلاثة أقسام.
اللازم في الذهن والخارج معًا يعني يلزم في الذهن في داخل الذهن وفي الخارج معًا، [كدلالة الأربعة على الزوجية] يعني يفهم معنى الزوجية وهو لازم للأربعة في الذهن، وكذلك في الخارج في الوجود.
الثاني: اللازم في الذهن فقط دون الخارج كلزوم البصر للعمى، هذا لا وجود له في الخارج، إذا قيل: ما معنى العمى؟ هو أعمى، إذًا سلب البصر، هل الأعمى يكون بصيرًا؟ الجواب: لا، إذًا هذا اللازم يكون في الذهن فقط لا في الخارج.
الثالث: اللازم في الخارج فقط لازم في الخارج فقط كدلالة الغراب على السواد هذا لا يلزم العقل لا يمنع أن يكون الغراب أسود أحمر أخضر إلى آخره، العقل لا يمنع، لكن وجوده في الخارج قالوا: لا غراب إلا وهو أسود. إذًا هذا لزوم في الخارج لا في الذهن.
الأول والثاني دلالة التزام (إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ) واللازم العقلي قد يوافقه الخارج وقد لا يوافقه، إذًا نوعان من اللازم يسمى دلالة التزام، وأما الثالث الذي هو اللازم الخارج فقط فهذا لا يسمى دلالة التزام عند المناطقة، هنا قال:(إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ). إن في عقلٍ شرطٌ حذف جوابه لدلالة قوله:
…
[فهو التزام عليه، والمعنى أن الدلالة على اللازم تسمى التزامًا]. متى عند المناطقة؟ [إن التزم ذلك اللازم في العقل] يعني عدم الانفكاك يكون بالعقل لا بالعادة، [إن التزم ذلك اللازم في العقل أي الذهن، بأن لزم من تصور الملزوم] الذي هو مدلول اللفظ الذي وضع له معنى اللفظ في لسان العرب [بأن لزم من تصور الملزوم في الذهن تصور ذلك اللازم فيه، سواء لزم مع ذلك في الخارج كالزوجية للأربع، أو لم يلزمه في الخارج بل كان منافيًا له فيه كالبصر للعمى] هذان نوعان للازم، لازم في الذهن والخارج كالزوجية للأربع، لازم في الذهن فقط لا في الخارج كالبصر للعمى، [وخرج بذلك القيد](إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ)[القيد اللازم في الخارج فقط دون الذهن كالسواد للغراب] فهو لازم له، لكنه في الخارج، [فلا يسمى دلالة لفظ الغراب عن السواد دلالة التزام]، وإن كان لازمًا له في الخارج، لأنه من جهة العادة لا العقل [لعدم لزوم السواد له في العقل، وإن لزمه في الخارج]، إذًا فهو دلالة التزامٍ بشرط أن يكون اللازم مستصحبًا في العقل سواء وجد معه في الخارج أو لا، وأما ما كان لازمًا في الخارج فقط فهذا لا يسمى دلالة التزام عند المناطقة، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
- - -