المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ كتاب القدر - شرح الموطأ - عبد الكريم الخضير - جـ ١٨٤

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌ كتاب القدر

شرح: الموطأ -‌

‌ كتاب القدر

باب النهي عن القول بالقدر

الشيخ: عبد الكريم الخضير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

أحسن الله إليك.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر للحاضرين والسامعين يا حي يا قيوم.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

كتاب القدر:

باب النهي عن القول بالقدر:

وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى، قال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق؟! )).

وحدثني يحيى عن مالك عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- سئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [(172) سورة الأعراف] فقال عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن الله تبارك وتعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، حتى استخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون)) فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله ربه الجنة))

به.

أحسن الله إليك.

ص: 1

((فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار)).

وحدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه)).

وحدثني يحيى عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاوس اليماني أنه قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر.

قال طاوس: وسمعت عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل شيء بقدر حتى العجزَ والكيس

))

العجزِِ.

أحسن الله إليك.

العجزِ.

أحسن الله إليك.

((حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز)).

وحدثني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن دينار أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- يقول في خطبته: "إن الله هو الهادي والفاتن".

وحدثني عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك أنه قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ فقلت: رأيي أن تستتيبهم فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف، فقال عمر بن عبد العزيز:"وذلك رأيي".

قال مالك: وذلك رأيي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

كتاب القدر:

هذا الكتاب المضاف إلى القدر لا شك أنه من أهم الأبواب؛ لأهمية ما يذكر فيه، وأهمية ما يذكر فيه باعتبار أنه من أغمض الأبواب وأخفاها، بل هو سر الله في خلقه، وهو مزلة الأقدام، ومضلة الأفهام، زلت الأقدام من قبل طوائف من المسلمين، وأقدموا على نفي القدر، نفوه بالكلية، وقالوا: إن الله -جل وعلا- لا يعلم الأشياء قبل وجودها، وأن لا قدر، وأن الأمر أنف، يعني مستأنف، ويقابلهم طائفة غلوا في إثبات القدر، فجعلوا العبد مسلوب الحرية والإرادة، والأولون جعلوه حراً مختاراً، اختياراً كاملاً مستقلاً، يستقل بفعل نفسه، يقابلهم الجبرية الذين قالوا: لا يتصرف في شيء من نفسه، وهو مجبور على جميع أفعاله وحركاته، إنما هي كحركات ورق الشجر في مهب الريح.

ص: 2

القدرية الغلاة في النفي هم مجوس هذه الأمة، ووجودهم قديم، من أقدم أهل الأهواء والبدع، وجدوا في عصر الصحابة، وجاء إلى ابن عمر كما في صحيح مسلم من يقول له: إن بناحيتنا قوم وصفهم بالحرص على العلم، وأنهم يتقفرونه -يطلبونه في البراري والقفار- حرصاً عليه، وأنهم يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، فقال ابن عمر: أخبرهم أنني منهم براء، وهم مني بُرَاء حتى يؤمنوا بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ثم جاء أورد الحديث الذي فيه سؤال جبريل عن الإيمان، وذكر فيه أركان الإيمان ((وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره)) القدرية النفاة كان أوائلهم ينكرون العلم، وهذا كفر محض -نسأل الله السلامة والعافية- والذي ينكر العلم بعد ذلك قليل، إنما ينكرون المراتب الأخرى، مراتب القدر الأربع هي:

العلم، هاه؟ الكتابة، المشيئة، الخلق، والتقدير، هذه مراتب القدر الأربع، القدرية الذين يبالغون ويغلون في النفي -نفي القدر- منهم المعتزلة، وفئات من الشيعة الإمامية وبعض الزيدية، وكثير من الطوائف زلوا زلة أقدامهم في نفي القدر، وجعلوا العبد يخلق فعله، فراراً من وصف الرب -جل وعلا- بالظلم؛ لأنه لو أجبرهم .. ؛ لأنهم ما فهموا إلا أن المسألة لا تخلو من حالين: الحال الأولى: المبالغة والغلو في النفي، كما توصلوا إليه، أو الغلو والمبالغة بالإثبات، ولم يوفقوا كما وفق أهل السنة والجماعة وأئمة الإسلام وسلف هذه الأمة، فتوسطوا بين الطائفتين، قالوا: إذا أثبتنا القدر معناه أن الله -جل وعلا- ظالم للعباد حينما يكتب عليهم ويقدر عليهم الكفر والشرك والمعاصي والجرائم، ثم يعذبهم عليها، والجبرية الذين هم في مقابلهم يقولون: المالك له أن يتصرف في ملكه كيفما شاء، يقدر عليه الكفر ويعذبه على ذلك.

ألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له:

إياك إياك أن تبتل بالماءِ

ص: 3

هذا رأي الجبرية، ووفق الله أهل السنة والجماعة فأثبتوا القدر على ما جاء في النصوص، وأثبتوا التكليف، وأثبتوا أن للعبد حرية وإرادة يختار، له أن يختار أحد الطريقين، أحد النجدين، لكنها حرية مقيدة، وإرادة مقيدة بإرادة الله -جل وعلا- ومشيئته، لا يستقل بفعل نفسه فيكون القول كقول القدرية النفاة، مجوس هذه الأمة، الذين أثبتوا مع الله -جل وعلا- خالقاً، ولا يقولون كما يقول الجبرية الذين خالفوا المعقول والمنقول، فيرون أن حركة الإنسان كحركة ورق الشجر، كيف؟ في أحد يمنع الإنسان أن يقوم إلى الصلاة؟ أليس حراً مختاراً أن يقوم ويذهب إلى المسجد؟ قالوا: لا، هو مجبور على القيام، لا يستطيع أن يجلس، والذي لا يصلي هو مجبور على القعود، تعالى الله -جل وعلا- أن يكون في أفعاله مثل هذا، ثم يعذب من جبره على القعود بحيث لم يترك له أدنى حرية يفعل بها ما طلب منه، يعني هل الإنسان عاجز عن أن يأخذ حجراً فيرميه إلى أي هدف؟ هل يقول بهذا عاقل؟ هل الإنسان عاجز بأن يقف على قدميه ويسير إلى المسجد ليؤدي الصلاة المفروضة؟ هذا لا ينكره إلا ممسوخ العقل {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [(17) سورة الأنفال] وما رميت نفي للرمي، إذ رميت نفي الرمي، فيه رد على القدرية النفاة، نفاة القدر، إذ رميت فيه رد على الجبرية {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [(17) سورة الأنفال] يعني وما أصبت، الإصابة من الله، إذ حذفت الحجر أو التراب ولكن الله -جل وعلا- هو الذي أصاب، يعني الإنسان له أن يأخذ الحجر ويرمي به الطير، وهذا هو المثبت، لكن الإصابة هي التي إلى الله -جل وعلا-، ولذا تجدون كم من شخص يرمي ولا يصيب، وبعض الناس يصيب، فالذي يسر له هذه الإصابة هو الله -جل وعلا-، فهذا الباب أعني باب القدر مزلة قدم، واحتار فيه كثير ممن وصف بأنه من الأذكياء، لكنه استرسل وراء الأوهام، وقادته ما يدعيه من الأفهام غير معتمد على نص الكتاب، وكلام سيد الأنام، الذي لا يجعل قياده بيد النص هذا يضل بلا شك، يسترسل في وراء الذهن، ثم يبدأ بمقدمات توصله إلى نتائج باطلة، لكن من جعل خطامه وزمامه بالكتاب والسنة قاداه إلى الصراط

ص: 4