المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب: ما جاء في التشديد في البول: - شرح سنن الترمذي - عبد الكريم الخضير - جـ ١٦

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌باب: ما جاء في التشديد في البول:

قال ابن العربي: أراد به أنه طبق لنار، جاء النهي عن ركوب البحر فإن تحت البحر ناراً، فعلى هذا كونه نار يعني طبق لنار، غطاء لنار، ليس بنار في نفسه، وابن قدامه في المغني يقول: قولهم: هو نار، إن أريد به أنه نار في الحال يعني الآن هو نار، إن أريد به أنه نار في الحال فهو خلاف الحس، ما في أحد يقول: إن البحر نار، إن أريد به أنه في الحال نار، وإن أريد به أنه يصير ناراً يعني فيما بعد يصير ناراً لم يمنع ذلك الوضوء به حال كونه ماءاً، فهو ماء يصح أن يتوضأ به، ولا يعدل عنه إلى التيمم؛ لأن الله -جل وعلا- يقول:{فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء} [(43) سورة النساء] وهذا ماء، فيتطهر به ولا يعدل عنه، ولم يقم دليل على الكراهة، دليل صحيح على الكراهة لم يقم، وإنما هو من أقوال ابن عمر وعبد الله بن عمرو أنهم كرهوا أن يتعرض الإنسان للبحر؛ لأنه مظنة الخطر، وجاء النهي عن ركوب البحر إلا حاجاً أو معتمراً أو غازياً في سبيل الله، وعلى كل حال ركوب البحر عند هيجانه لا شك أنه من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، لكن إذا كانت الريح ساكنة، والأمور كما يقولون: طبيعية راكدة، فلا مانع من ركوبه، وقد ركبه الصحابة وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من أصحابه من يغزو في البحر، وقد تم ذلك، نعم.

عفا الله عنك.

‌باب: ما جاء في التشديد في البول:

حدثنا هناد وقتيبة وأبو كريب قالوا: حدثنا وكيع عن الأعمش قال: سمعت مجاهداً يحدث عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: ((إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة)).

قال أبو عيسى: وفي الباب عن زيد بن ثابت وأبي بكرة وأبي هريرة وأبي موسى وعبد الرحمن بن حسنة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس ولم يذكر فيه عن طاووس، ورواية الأعمش أصح. قال: وسمعت أبا بكر محمد بن أبان البلخي مستملي وكيع يقول: سمعت وكيعاً يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور.

ص: 31

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في التشديد في البول" التشديد في البول، و (أل) هذه جنسية أو عهدية، وحديث الباب يدل على أن المراد بالبول بول الإنسان؛ لأنه يقول:((لا يستتر من بوله)) فدل على أن المراد به بول الإنسان، وفي حكمه بول ما لا يؤكل لحمه فهو نجس، أما بول ما يؤكل لحمه فإنه طاهر ولا يدخل في هذا، والباب الذي يليه، الباب الذي يلي الذي يليه يعني بعد باب، باب: ما جاء في نضح بول الغلام، أيضاً داخل في البول إلا أنه مخفف، وباب: ما جاء في بول ما يؤكل لحمه، يأتي ما يدل على أنه طاهر -إن شاء الله تعالى-.

قال رحمه الله: "حدثنا هناد وقتيبة وأبو كريب قالوا: حدثنا وكيع" بن الجراح "عن الأعمش" سليمان بن مهران "قال: سمعت مجاهداً" بن جبر "يحدث عن طاووس" بن كيسان اليماني الحميري مولاهم ثقة، فقيه، متقن، فاضل "عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين" وعند ابن ماجه:"جديدين"، "فقال:((إنهما يعذبان)) " ويعني صاحبي القبرين، ولا يعني القبرين، هل المراد القبران يعذبان أو صاحبا القبرين؟ صاحب، طيب ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) هل المراد به الذي ينزل من الإزار هو في النار أو صاحبه؟ صاحبه ((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) هل المراد البدعة في النار أو صاحبها؟ صاحبها، وهنا صاحبا القبرين هما اللذان يعذبان.

((وما يعذبان في كبير)) في بعض الروايات في الصحيح: ((بلى، إنه كبير)) وفي بعضها: ((إنه لكبير)) ((وما يعذبان في كبير)) يعني في نظرهما، أو يكبر عليهما ويشق اجتنابه بالنسبة لهما، يعني اجتناب هذا ليس بكبير ولا بصعب عليهما، فلا يشق عليهما ترك البول والاستبراء من البول ولا ترك النميمة، وفي أعين الناس وفي نظر الناس أن هذا سهل، يعني في أعينهما وأعين غيرهما أن هذا أمره يسير، وهو في حقيقة الأمر كبير، ولذلك عذب، بل قدم العذاب، عذابهما في القبر قبل القيامة، ويقول أهل العلم: إن أكثر عذاب القبر من هذين.

ص: 32

((وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستتر من بوله)) يعني لا يجعل بينه وبين بوله سترة، فلا يتحفظ منه ولا يحتاط لنفسه، ما يحتاط في الاستنجاء والاستجمار، قد يترك يستنجي استنجاء غير مجزئ، أو يستجمر استجمار غير كافي، أو يتساهل فيقول: إنه يستنجي عندما يجد الماء، والآن ليس عنده ماء، ثم بعد ذلك يتلوث بدنه وثوبه، هذا لا يستتر ولا يجعل بينه وبين بدنه سترة، وفي رواية:((لا يستبرئ)) يعني لا يبرئ ذمته من مباشرة البول، وفي بعضها:((لا يستنزه)) لا يطلب النزاهة والنظافة من هذا البول، وفي بعض الروايات لا سيما المستخرج ((لا يتوقى)) وكلها دلالاتها واضحة وواحدة، على أنه يتساهل ويتهاون في أمر البول، يتهاون في أمر البول.

أما هذا يشير إليه ((فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة)) وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار به، وقصد الإفساد، نقل كلام الغير، وهذا أمر خطير، وجاء أنه لا يدخل الجنة نمام وقتات، هذا أمره جد خطير، ويتساهل كثير من الناس في هذا الأمر، وتجد بعض الناس يسمع كلمة من عالم أو من فاضل أو من متدين أو من غير متدين ثم مباشرة ينقلها إلى غيره بقصد الإضرار، وبعض الناس يكتب في بعض -نسأل الله السلامة والعافية-، هذه عين النميمة التي جاءت في هذا الحديث وغيره، فالإضرار محرم، والنميمة من عظائم الأمور، ويعظم أمرها إذا زاد الأثر المترتب عليه، يعني كم من شخص ظلم بسبب كتابة مغرضة خاطئة، فهذا أمره عظيم، بعض الناس يسجن سنين من أجل كلام ليس بصحيح، فهذا من أعظم أنواع النميمة -نسأل الله السلامة والعافية-، والنبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح قال:((لا تنقلوا لي شيئاً عن أصحابي)) هذا الأصل أن الناس يعيشون مع بعضهم مع سلامة صدر، أما إذا تكلم بكلمة نقلها الثاني، نقلها الثالث وفسرها واحد على مراده، وثالث فسرها على غير مراده مشكلة، الناس يصير بعضهم أعداء لبعض وتنتشر البغضاء والفحشاء، التباغض والتناحر والتدابر كله بسبب هذا -نسأل الله السلامة والعافية-، فلا يجوز أن يحمل الكلام على غير ظاهره، ولا يحمل على محمل سيئ، وهو يوجد له محمل طيب.

ص: 33

على كل حال مثل هذا أمره خطير، وكثير مما ينقل إما سببه فهم خاطئ أو إغراض أو قصد الإضرار بالآخرين، وهذا كله لا يجوز، أما إذا وجد شخص يخشى منه الضرر المتعدي على أديان الناس، يبيت نشر بدعة مثلاً، هذا يبين أمره ويكتب عنه ويوضح، ينصح إن أفاد وإلا يمنع بالطرق المناسبة، المبيت بدعة يضل بها الناس، أو يبيت شر خطر على الناس في أديانهم، في أبدانهم، في أموالهم، في أعراضهم، مثل هذا لا بد من هتكه، ولا بد من نقل صنيعه الباطل لا سيما إذا لم ينزجر، فالأمور تقدر بقدرها.

الظاهر من اللفظ وأن العذاب بسبب هذين أنهما مسلمان؛ لأنه مر بقبرين جديدين، وفي رواية:"بالبقيع" والبقيع مقبرة المسلمين، وجديدين يعني بعد النبوة، والظاهر أنهما مسلمان وإلا لما كان لقوله:((لا يستتر)) والثاني يمشي بالنميمة معنى، يعذبان على الكفر أعظم من ذلك، وقيل: كانا كافرين، لما رواه جابر بسند فيه ابن لهيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة وهو ضعيف؛ لأنه من رواية ابن لهيعة، وحديث الباب أقوى منه.

"قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة" عند ابن ماجه وأحمد والحاكم "وأبي موسى" عند الطبراني، "وعبد الرحمن بن حسنة" عند ابن ماجه وابن حبان "وزيد بن ثابت" وهذا لم يقف عليه الشارح "وأبي بكرة" عند ابن ماجه وأحمد والطبراني في الأوسط.

ص: 34

"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وهو مخرج في الصحيحين وغيرهما، في الصحيحين وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام عمد إلى جريدة يعني عصى فشقها نصفين وغرز على كل قبر نصفاً وقال:((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)) وهذا لا شك أنه من إطلاع الله -جل وعلا- نبيه على مثل هذا، ولا يتسنى لأحد أن يطلع على عذاب القبر ولو سمعه الناس لصعقوا، وعلى هذا ما يشاع من أشرطة وغيرها من أصوات المقبورين هذا ليس بصحيح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:((لولا أن تدافنوا)) وفي رواية ((لولا أن لا تدافنوا لأسمعتكم)) فدل على أن الناس لا يسمعون، ويضرب بعد الامتحان بمرزبة من حديد يسمعها كل من يليه إلا الثقلين، ولو سمعها الإنسان لصعق، ما يتحمل الصوت، صوت العذاب، فعلى هذا فعله عليه الصلاة والسلام للجريدة خاص به، فهو الذي أطلع، وهو الذي يعلم أنه يخفف عنه، هذه شفاعة لهذين القبرين، ومن يملك مثل هذه الشفاعة ممن لم يطلع على حال المقبول وليست إلا بعد إذن الله له -جل وعلا- بالشفاعة؟! إذا أذن له أن يشفع ورضي عن المشفوع له نعم، لكن من أين الإذن من شخص غير مؤيد بالوحي غير النبي عليه الصلاة والسلام، فليس لأحد أن يصنع هذا.

ص: 35

الأمر الثاني: بعض الناس وهذا وجد على مر العصور من يصنع مثل هذا، حتى أنه زاد بهم الأمر أن تفرش القبور من الداخل بخوص أخضر، رطب ويقال: إنه يسبح، ويقال: إنه يخفف عنه العذاب ما لم ييبس، ما الذي يدريك؟ وما الذي خولك لمثل هذا؟ فعل خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، مؤيد بالوحي، أطلع على العذاب، وأذن له بالشفاعة، وهو معصوم لا يصنع إلا ما أمر به أو وجه إليه، فكيف يفعله غيره؟! ثم استرسل الناس حتى فصاروا يضعون الورود الرطبة على القبور تقليداً للنصارى، واستحضاراً لهذا الحديث، ثم استمر العهد حتى صاروا يضعون الورود والزهور على القبور من البلاستيك، يعني ورود صناعية ليست رطبة حتى يقال: ما لم ييبسا، فصارت المسألة تقليداً محضاً للكفار، ومع ذلك لو استدل مستدل بأننا نضع شيئاً رطباً لعله نقول: لا، هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولم يفعله لا أبو بكر ولا عمر ولا أحد من الصحابة إلا ما أثر عن من؟ واحد من الصحابة فعله نسيته؟

طالب:. . . . . . . . .

لا.

طالب:. . . . . . . . .

نسيت والله اسمه. د

طالب:. . . . . . . . .

لا، المقصود أن مثل هذا ما فعله أبو بكر وعمر ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

ص: 36

قال الإمام -رحمه الله تعالى-: "وروى منصور" يعني ابن المعتمر "هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس، ولم يذكر فيه طاووس" سمعت قال هنا الأعمش يقول: سمعت مجاهداً يحث عن طاووس عن ابن عباس، ومنصور يقول: مجاهد عن ابن عباس بدون طاووس، أيهما أصح؟ يقول الترمذي:"وروى منصور -يعني ابن المعتمر- هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس ولم يذكر فيه عن طاووس، ورواية الأعمش أصح" يعني بذكر طاووس، يعني أنه أسقط طاووس، منصور أسقط طاووس، ورواية الأعمش أصح من رواية منصور، يعني بذكر طاووس، يعني بيان وجه كونه أصح، كون رواية الأعمش أصح من رواية منصور بيان ذلك في قوله:"وسمعت أبا بكر محمد بن أبان البلخي -المعروف بحمدويه ثقة حافظ- مستملي وكيع" مستملي يعني الذي يبلغ كلامه إذا كثرت الجموع، يعني بدون مكبرات، والمجلس فيه عشرة آلاف ما يسمعون كلام الشيخ فيتخذ مستملي، الشيخ يبلغ إلى الصف العاشر مثلاً، وفي الصف العاشر المستملي يبلغ إلى العاشر من الخلف وهكذا إلى الآخر، وقد يكثر المستملون في المجالس الكبيرة؛ لأنه ما في مكبرات، فلا بد من المستملين، مستملي وكيع، ولا بد أن يكون المستملي ثقة؛ لأنه في حكم المترجم، إذا قال الشيخ كلام يمكن يحرفه والناس ما يسمعون، ثقة حاذقاً فاهماً، يفهم الكلام، يقول:"سمعت وكيعاً" محمد بن أبان أبان ويشع عليها في الضبط؟ مصروفة وإلا ممنوعة من الصرف؟

طالب:. . . . . . . . .

عليها فتحة يعني إيش؟

طالب:. . . . . . . . .

ممنوعة، والأكثر على أنه مصروف، حتى قالوا: من منع أبان فهو أتان، مع أن ابن مالك الإمام المشهور يمنعه من الصرف، وعلى كل حال إن كان من الإبانة والنون أصلية فهو مصروف، وإن كان من الإباء وهو الامتناع فهو ممنوع من الصرف، وعلى كل حال المسألة سهلة، ومثله حسان وشبهه إن كان من الحسن أو الحس يمنع أو لا يمنع.

يقول: "سمعت وكيعاً يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور" وعلى كل حال كلاهما إمام ثقة، والحديث في البخاري مروي على الوجهين، الحديث في الصحيح مروي على الوجهين، يعني بذكر طاووس وبحذف طاووس.

قال الحافظ: وإخراجه -يعني البخاري- له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهداً سمعه من طاووس عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، فحينئذٍ يحدث به بالواسطة وحيناً يحدث به بلا واسطة، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 37