الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونظرا لكونه لم ينظم أبياتا مستقلة بهذه الصورة فقد قام بإدماج بعض الأبيات بهذه الصفة داخل هذه الرسالة، فإلى شيء منها من خلال المقامة السادسة والعشرين:
(أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب، وقربه تحف، ونأيه تلف، وخلته نسب، وقطيعنه نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق، وقويم نهجه بان، وذهنه قلب وجرب، ونعته شرق وغرب:
سيد قُلَّب سبوق مُبِر
…
فطن مغرب عزوف عَيوف
مُخلِف مُتلف أغرّ فريد
…
نابِهٌ فاضل ذكي أَنوف
مُغلِق إن أبان طَبّ إذا نا
…
ب هياج وجل خطب مخوف
واستمر هكذا نثر، ثم شعر، ثم نثر، ثم شعر إلى آخر الرسالة التي يصعب تمييزها عن السابقة لها في الثقل والتعقيد.
الملحق البديع
…
الملحق بالبديع:
قبل أن نخرج من الحديث عن البديع عند الحريري نتساءل هل ترك ذلك الملحق الذي اعتاد البلاغيون أن يذكروه عقب الحديث عن المحسنات ويجعلوه ملحقا به؟
لم يبخل الحريري ولم يترك ذلك اللون المسمى بالسرقات الشعرية، إلا أنه اخترع لنا لونا جديدا من نظم الشعر وقال إن فيه سرقة لا كالسرقات المألوفة، لأنها تمت بأن وضع هو نفسه يده اليسرى في (جيبه) الأيمن، لهذا يبدو لي أنه لا يستحق أن تقطع يده بسبب هذه السرقة، وهذا اللون البديعي للحريري، صنعه بطريقة خاصة معينة، وهي أن يأتي بأبيات من الشعر على قافية الراء مثلا؛ فإذا حذفت الجزء الأخير من البيت تغير بحر القصيدة وتلون بلون آخر، وخرجت القصيدة في ثوب آخر جديد، وانتهت بقافية أخرى جديدة؛ فالمثال أحسن موضح لجواب السؤال، وإليك بما نقول من المقامة الثالثة والعشرين:
يا خاطِب الدنيا الدَّنيّة إنها
…
شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها
…
أبكت غدا بعدا لها من دار
وإذا أظل سحابُها لم ينتقع
…
منه صدى لِجَهامه الغرّار
غاراتها ما تنقضي وأسيرها
…
لا يفتدى بجلائل الأخطار
كم مُزدهي بغرورها حتى بدا
…
متمردا متجاوز المقدار
قلبَتْ له ظهر المجن وأولغت
…
فيه المُدى ونَزَت لأخذ الثار
فاربأ بعمرك أن يمر مضيَّعا
…
فيها سُدى من غير ما استظهار
واقطع علائق حُبّها وطلابها
…
تلق الهدى ورفاهة الأسرار
وارقُب إذا ما سالمتْ من كيدها
…
حرب العِدى وتوثب الغدّار
واعلم بأن خُطوبها تفجا ولو
…
طال المدى وزنت سرى الأقدار
فهذه القصيدة إذا اقتطعت منها الجزء الأخير صارت مثل ما أشرنا في أول الحديث هكذا:
يا خاطب الدنيا الدنيـ
…
ـة إنها شرك الورى
دار متى ما أضحكت
…
في يوما أبكت غدا
وإذا أظل سحابها
…
لم ينتقع منه صدى
غاراتها ما تنقضي
…
وأسيرها لا يفتدى
وهكذا إلى آخر الأبيات التي مرت بك.
وهذه القصيدة يمكن أن تكون شاهدا لما أشرنا إليه من ذم الحريري للدنيا وتقلباتها.
والآن لست أدري بم نسمي هذه السرقة، هل هي سرقة شرعية أو أنها سرقة شعرية غير شرعية؟ المهم أنها ليست من السرقات الشعرية الاصطلاحية الملحقة بفن البديع، وإن كانت بديعة؛ أعني طريفة في نفسها؛ لأنهم يشترطون الانتقال من جيب شاعر إلى جيب شاعر آخر، لكن هذا ربما جاز أن يسمى بالبديع الصوري؛ فهو كما رأيت يهتم بالصورة والإتيان بالطرائف فيها، وله قدرة في التشكيل وإخراج أفانين القول وتقليب الأساليب.
وبعد:
فما رأي شيخ البلاغة العربية في هذا وأمثاله، يقول الشيخ بعد مناقشات طويلة: وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق i نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا ولا تجد عنه حولا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته - وإن كان مطلوبا - بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثلون به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النبيذ:"أجمع أهل الحرمين على تحريمه"ii.
أعتقد أن لكل قارئ الآن الحق أن يحكم بنفسه على ما وقفنا عليه.
والله الموفق وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
i يقول المعلق بحواشيه: يظهر أن الأصل: وساقك نحوه.
ii راجع أسرار البلاغة ص 15 مطبعة الاستقامة بالقاهرة.