المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخه من منسوخه - البرهان في علوم القرآن - جـ ٢

[بدر الدين الزركشي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌النوع الثاني والثلاثون: معرفة أحكامه

- ‌النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي مَعْرِفَةِ جَدَلِهِ

- ‌النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ نَاسِخِهِ مِنْ مَنْسُوخِهِ

- ‌النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ مُوهِمِ الْمُخْتَلِفِ

- ‌النوع السادس والثلاثون: مَعْرِفَةِ الْمُحْكَمِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ

- ‌النَّوْعُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي حُكْمِ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الصِّفَاتِ

- ‌النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ إِعْجَازِهِ

- ‌النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ وُجُوبِ تَوَاتُرِهِ

- ‌النَّوْعُ الْأَرْبَعُونَ: فِي بَيَانِ مُعَاضَدَةِ السُّنَّةِ لِلْقُرْآنِ

- ‌النوع الحادي والأربعون: معرفة تفسيره وتأويله

- ‌النوع الثاني والأربعون في وُجُوهِ الْمُخَاطَبَاتِ وَالْخِطَابُ فِي الْقُرْآنِ

- ‌النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ

- ‌النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْكِنَايَاتِ وَالتَّعْرِيضِ فِي الْقُرْآنِ

- ‌النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي أَقْسَامِ مَعْنَى الْكَلَامِ

- ‌النوع السادس والأربعون: في أَسَالِيبِ الْقُرْآنِ وَفُنُونِهِ الْبَلِيغَةِ

الفصل: ‌النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخه من منسوخه

‌النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ نَاسِخِهِ مِنْ مَنْسُوخِهِ

وَالْعِلْمُ بِهِ عَظِيمُ الشَّأْنِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ السُّدُوسِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ الضَّرِيرُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَمَكِّيٌّ وَغَيْرُهُمْ

ص: 28

وَمِنْ ظَرِيفِ مَا حُكِيَ فِي كِتَابِ هِبَةِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وأسيرا} مَنْسُوخٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ {وَأَسِيرًا} وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَسِيرُ الْمُشْرِكِينَ فَقُرِئَ الْكِتَابُ عَلَيْهِ وَابْنَتُهُ تَسْمَعُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَتْ: أَخْطَأْتَ يَا أَبَتِ فِي هَذَا الْكِتَابِ! فَقَالَ لَهَا: وَكَيْفَ يَا بُنَيَّةُ! قَالَتْ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْأَسِيرَ يُطْعَمُ وَلَا يُقْتَلُ جُوعًا.

قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِقَاصٍّ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ

وَالنَّسْخُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشيطان ثم يحكم الله} .

وَيَأْتِي بِمَعْنَى التَّبْدِيلِ كَقَوْلِهِ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مكان آية}

وَبِمَعْنَى التَّحْوِيلِ كَتَنَاسُخِ الْمَوَارِيثِ- يَعْنِي تَحْوِيلَ الْمِيرَاثِ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ.

وَيَأْتِي بِمَعْنَى النَّقْلِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَمِنْهُ: "نَسَخْتُ الْكِتَابَ" إِذَا نَقَلْتَ مَا فِيهِ حَاكِيًا لِلَفْظِهِ وَخَطِّهِ. قَالَ مَكِّيٌّ: وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ وَأُنْكِرُ عَلَى النَّحَّاسِ إِجَازَتُهُ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ النَّاسِخَ فِيهِ لَا يَأْتِي بِلَفْظِ الْمَنْسُوخِ وَإِنَّمَا يَأْتِي بِلَفْظٍ آخَرَ وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَرَكَاتٍ السعدي يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ النَّحَّاسُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

ص: 29

{إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} وَقَالَ: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حكيم} وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا نَزَلَ مِنَ الْوَحْيِ نُجُومًا جَمِيعُهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا قَالَ: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لَا يَمَسُّهُ إلا المطهرون} .

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَقِيلَ الْمَنْسُوخُ مَا رُفِعَ تِلَاوَةُ تَنْزِيلِهِ كَمَا رُفِعَ الْعَمَلُ بِهِ وَرُدَّ بِمَا نَسَخَ اللَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ بِالْقُرْآنِ وَالْإِنْجِيلِ وَهُمَا مَتْلُوَّانِ

وَقِيلَ: لَا يَقَعُ النَّسْخُ فِي قُرْآنٍ يُتْلَى وَيُنَزَّلُ وَالنَّسْخُ مِمَّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي حُكْمٍ مِنَ التَّيْسِيرِ وَيَفِرُّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ يَنْسَخُ شَيْئًا بَعْدَ نُزُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْيَهُودِ فِي الْأَصْلِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ بَدَاءٌ كَالَّذِي يَرَى الرَّأْيَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ أَلَا تَرَى الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَعَكْسَهُ وَالْمَرَضَ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَعَكْسَهُ وَالْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَى وَعَكْسَهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَدَاءً فَكَذَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ

وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ الْقُرْآنَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الَّذِي هُوَ أُمُّ الْكِتَابِ فَأَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَصْلٍ.

وَالصَّحِيحُ جَوَازُ النَّسْخِ وَوُقُوعُهُ سَمْعًا وَعَقْلًا.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: لَا يُنْسَخُ قُرْآنٌ إِلَّا بِقُرْآنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ

ص: 30

أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} قَالُوا: وَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَخَيْرًا مِنْهُ إِلَّا قُرْآنٌ

وَقِيلَ: بَلِ السُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ السُّنَّةَ

وَقِيلَ: السُّنَّةُ إِذَا كَانَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ نَسَخَتْ وَإِنْ كَانَتْ بِاجْتِهَادٍ فَلَا تَنْسَخُهُ حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ

وَقِيلَ: بَلْ إِحْدَاهُمَا تَنْسَخُ الْأُخْرَى ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: الْآيَتَانِ إِذَا أَوْجَبَتَا حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُتَقَدِّمَةً الْأُخْرَى فَالْمُتَأَخِّرَةُ نَاسِخَةٌ لِلْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين} ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما السدس} وَقَالَ: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبواه فلأمه الثلث} قَالُوا: فَهَذِهِ نَاسِخَةٌ لِلْأُولَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ

وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِيهِمَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ وَإِنَّمَا نَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ بِقَوْلِهِ عليه السلام "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" وَقِيلَ: مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ نَاسِخٌ لِمَا نَزَلَ بِمَكَّةَ

وَيَجُوزُ نَسْخُ النَّاسِخِ فَيَصِيرُ النَّاسِخُ مَنْسُوخًا وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دين} نسخها بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ثُمَّ نَسَخَ هَذِهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الجزية عن يد} وَقَوْلِهِ: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} وناسخه قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ثم نسخها: {حتى يعطوا الجزية} .

ص: 31

مسألة: في جواز النسخ بالكتاب

لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وَقَالَ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بما ينزل} ، وَلِذَلِكَ نَسَخَ السُّنَّةَ بِالْكِتَابِ كَالْقِصَّةِ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ وَغَيْرِهِ.

وَاخْتُلِفَ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حُذَّاقُ الْأُمَّةِ عَلَى الْجَوَازِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ".

وَأَبَى الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ فِي إِسْقَاطِ الْجَلْدِ فِي حَدِّ الزِّنَا عَنِ الثَّيِّبِ الَّذِي رجم فَإِنَّهُ لَا مُسْقِطَ لِذَلِكَ إِلَّا السُّنَّةُ فِعْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

قُلْنَا: أَمَّا آيَةُ الْوَصِيَّةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ نَاسِخَهَا الْقُرْآنُ وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فَقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ لِظَاهِرِ لَفْظٍ ذَكَرَهُ فِي الرِّسَالَةِ وَإِنَّمَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا يُوجَدَانِ مُخْتَلِفَيْنِ إِلَّا وَمَعَ أَحَدِهِمَا مِثْلُهُ نَاسِخٌ لَهُ وَهَذَا تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ الْوَجْهَيْنِ وَإِبَانَةُ تَعَاضُدِهِمَا وَتَوَافُقِهِمَا وَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَهُ

وَأَمَّا النَّسْخُ بِالْآيَةِ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ بَلْ تَخْصِيصٍ ثُمَّ إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ الَّذِي نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَهُوَ "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فارجموهما"

ص: 32

فصل: فيما يقع فيه النسخ

الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ النَّسْخُ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَزَادَ بَعْضُهُمُ الْأَخْبَارَ وَأَطْلَقَ وَقَيَّدَهَا آخَرُونَ بِالَّتِي يُرَادُ بِهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ

تنبيهات

التنبيه الأول:

في تقسيم سور القرآن بحسب ما دخله من النسخ وما لم يدخله

اعْلَمْ أَنَّ سُوَرَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ تَنْقَسِمُ بِحَسْبِ مَا دَخَلَهُ النَّسْخُ وَمَا لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: مَا لَيْسَ فِيهِ نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ وَهِيَ ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُونَ سُورَةً وَهِيَ: الْفَاتِحَةُ ثُمَّ يُوسُفُ ثُمَّ يس ثُمَّ الْحُجُرَاتُ ثُمَّ الرَّحْمَنُ ثُمَّ الْحَدِيدُ ثُمَّ الصَّفُّ ثُمَّ الْجُمُعَةُ ثُمَّ التَّحْرِيمُ ثُمَّ الْمُلْكُ ثُمَّ الْحَاقَّةُ ثُمَّ نُوحٌ ثُمَّ الْجِنُّ ثُمَّ الْمُرْسَلَاتُ ثُمَّ النَّبَأُ ثُمَّ النَّازِعَاتُ ثُمَّ الِانْفِطَارُ ثُمَّ الْمُطَفِّفِينَ ثُمَّ الِانْشِقَاقُ ثُمَّ الْبُرُوجُ ثُمَّ الْفَجْرُ ثُمَّ الْبَلَدُ ثُمَّ الشَّمْسُ ثُمَّ اللَّيْلُ ثُمَّ الضُّحَى ثُمَّ الانشراح ثُمَّ الْقَلَمُ ثُمَّ الْقَدْرُ ثُمَّ الِانْفِكَاكُ ثُمَّ الزَّلْزَلَةُ ثُمَّ الْعَادِيَّاتُ ثُمَّ الْقَارِعَةُ ثُمَّ أَلْهَاكُمْ ثُمَّ الْهُمَزَةُ ثُمَّ الْفِيلُ ثُمَّ قُرَيْشٌ ثُمَّ الدِّينُ ثُمَّ الْكَوْثَرُ ثُمَّ النَّصْرُ ثُمَّ تَبَّتْ ثُمَّ الْإِخْلَاصُ ثُمَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ

ص: 33

وَهَذِهِ السُّوَرُ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ وَإِلَى مَا فِيهِ نَهْيٌ لَا أَمْرٌ

وَالثَّانِي: مَا فِيهِ نَاسِخٌ وَلَيْسَ فِيهِ مَنْسُوخٌ وَهِيَ سِتُّ سُوَرٍ: الْفَتْحُ وَالْحَشْرُ وَالْمُنَافِقُونَ وَالتَّغَابُنُ وَالطَّلَاقُ وَالْأَعْلَى

الثَّالِثُ: مَا فِيهِ مَنْسُوخٌ وَلَيْسَ فِيهِ نَاسِخٌ وَهُوَ أَرْبَعُونَ: الْأَنْعَامُ وَالْأَعْرَافُ وَيُونُسُ وَهُودٌ وَالرَّعْدُ وَالْحِجْرُ وَالنَّحْلُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَطه وَالْمُؤْمِنُونَ وَالنَّمْلُ وَالْقَصَصُ وَالْعَنْكَبُوتُ وَالرُّومُ وَلُقْمَانُ وَالْمَضَاجِعُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالصَّافَّاتُ وَص وَالزُّمَرُ وَالْمَصَابِيحُ وَالزُّخْرُفُ وَالدُّخَانُ وَالْجَاثِيَةُ وَالْأَحْقَافُ وَسُورَةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالْبَاسِقَاتُ وَالنَّجْمُ وَالْقَمَرُ وَالرَّحْمَنُ وَالْمَعَارِجُ وَالْمُدَّثِّرُ وَالْقِيَامَةُ وَالْإِنْسَانُ وَعَبَسَ وَالطَّارِقُ وَالْغَاشِيَةُ وَالتِّينُ وَالْكَافِرُونَ

الرَّابِعُ: مَا اجْتَمَعَ فِيهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَهِيَ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سُورَةً: الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالْأَعْرَافُ وَالْأَنْفَالُ وَالتَّوْبَةُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالنَّحْلُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ وَمَرْيَمُ وَطه وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْحَجُّ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالنُّورُ وَالْفُرْقَانُ وَالشُّعَرَاءُ وَالْأَحْزَابُ وَسَبَأٌ وَالْمُؤْمِنُ وَالشُّورَى وَالْقِتَالُ وَالذَّارِيَاتُ وَالطُّورُ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُجَادَلَةُ وَالْمُمْتَحَنَةُ وَالْمُزَّمِّلُ وَالْمُدَّثِّرُ وَالتَّكْوِيرُ وَالْعَصْرُ

وَمِنْ غَرِيبِ هَذَا النَّوْعِ آيَةٌ أَوَّلُهَا مَنْسُوخٌ وَآخِرُهَا نَاسِخٌ قيل ولانظير لها في القرآن وهي قوله تعالى: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضل إذا

ص: 34

اهتديتم} يَعْنِي الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَهَذَا نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ في أحكامه

التنبيه الثاني:

في ضروب النسخ في القرآن

النَّسْخُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:

الْأَوَّلُ: ما نسخ في تِلَاوَتُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ فَيُعْمَلُ بِهِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ فِي سُورَةِ النُّورِ "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ" وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِكَتَبْتُهَا بِيَدِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مُعَلَّقًا

وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَتْ سورة الأحزاب توازي سورة النور فَكَانَ فِيهَا "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا"

وَفِي هَذَا سُؤَالَانِ: الْأَوَّلُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ؟ وَهَلَّا قَالَ الْمُحْصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ؟

وَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ مِنَ الْبَدِيعِ فِي الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنِ الْجِنْسِ فِي بَابِ الذَّمِّ بِالْأَنْقَصِ فَالْأَنْقَصِ وَفِي بَابِ الْمَدْحِ بِالْأَكْثَرِ وَالْأَعْلَى فَيُقَالُ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ رُبْعَ دِينَارٍ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَالْمُرَادُ: يَسْرِقُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا إِلَى أعلى ما يسرق وقد يبالغ فيذكر مالا تُقْطَعُ بِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ "لَعَنَ الله السارق

ص: 35

يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ فِي الْبَيْضَةِ وَتَأْوِيلُ مَنْ أَوَّلَهُ بِبَيْضَةِ الْحَرْبِ تَأْبَاهُ الْفَصَاحَةُ

الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: "لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِلَخْ" أَنَّ كِتَابَتَهَا جَائِزَةٌ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ قَوْلُ النَّاسِ وَالْجَائِزُ فِي نَفْسِهِ قَدْ يَقُومُ مِنْ خَارِجِ مَا يَمْنَعُهُ وَإِذَا كَانَتْ جَائِزَةً لَزِمَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْمَكْتُوبِ وَقَدْ يُقَالُ: لَوْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ بَاقِيَةً لَبَادَرَ عُمَرُ رضي الله عنه وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَقَالِ النَّاسِ لِأَنَّ مَقَالَ النَّاسِ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا

وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مُشْكَلَةٌ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ بِهِ وَإِنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ وَمِنْ هُنَا أَنْكَرَ ابْنُ ظَفَرَ فِي "الْيَنْبُوعِ" عَدَّ هَذَا مِمَّا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ قَالَ: لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُثْبِتُ الْقُرْآنَ. قَالَ: وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ الْمُنْسَأِ لَا النَّسْخِ، وهما مما يَلْتَبِسَانِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمُنْسَأَ لَفْظُهُ قَدْ يعلم حكمه ويثبت أيضا وكذا قاله في غيره الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ كَإِيجَابِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهِ أَنَّهَا كَانَتْ قُرْآنًا فَنُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا لَكِنْ فِي الْعَمَلِ بِهَا الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فِي الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ

وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ مُسْتَفِيضًا عِنْدَهُمْ وَأَنَّهُ كَانَ مَتْلُوًّا مِنَ الْقُرْآنِ فَأَثْبَتْنَا الْحُكْمَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَتِلَاوَتُهُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ بِالِاسْتِفَاضَةِ

وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي أَحْفَظُ مِنْهَا "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا

ص: 36

ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ" وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فأنسيتها غير أني حفظت منها "يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تَفْعَلُونَ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُنَادِي فِي كِتَابِهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ مِمَّا رُفِعَ رَسْمُهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُرْفَعْ مِنَ الْقُلُوبِ حِفْظُهُ سُورَتَا الْقُنُوتِ فِي الْوَتْرِ قَالَ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمَاضِينَ وَالْغَابِرِينَ أَنَّهُمَا مَكْتُوبَتَانِ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَنَّهُ ذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَقْرَأَهُ إِيَّاهُمَا وَتُسَمَّى سُورَتَيِ الْخَلْعِ وَالْحَفْدِ

هُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي رَفْعِ التِّلَاوَةِ مَعَ بقاء الحكم؟ وهلا أبقيت التِّلَاوَةُ لِيَجْتَمِعَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا وَثَوَابُ تِلَاوَتِهَا؟ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْفُنُونِ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِيَظْهَرَ بِهِ مِقْدَارُ طَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمُسَارَعَةِ إِلَى بَذْلِ النُّفُوسِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ لِطَلَبِ طَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَيُسْرِعُونَ بِأَيْسَرِ شَيْءٍ كَمَا سَارَعَ الْخَلِيلُ إِلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمَنَامٍ وَالْمَنَامُ أَدْنَى طُرُقِ الْوَحْيِ

الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ تِلَاوَتُهُ وَهُوَ فِي ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سُورَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ منكم ويذرون أزواجا} الْآيَةَ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا لَزِمَتِ التَّرَبُّصَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حَوْلًا كَامِلًا وَنَفَقَتُهَا فِي مَالِ الزَّوْجِ وَلَا مِيرَاثَ لَهَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} الْآيَةَ فَنَسَخَ اللَّهُ

ص: 37

ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وَهَذَا النَّاسِخُ مُقَدَّمٌ فِي النَّظْمِ عَلَى الْمَنْسُوخِ

قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي: وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَاسِخٌ تَقَدَّمَ عَلَى الْمَنْسُوخِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: هذا أحدهما والثاني قوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ من أزواج} .

قُلْتُ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَوْضِعًا آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قبلتهم التي كانوا عليها} هِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي التِّلَاوَةِ وَلَكِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} .

وَقِيلَ: فِي تَقْدِيمِ النَّاسِخَةِ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنْ تَعْتَقِدَ حُكْمَ الْمَنْسُوخَةِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنَسْخِهَا

وَيَجِيءُ مَوْضِعٌ رَابِعٌ وَهُوَ آيَةُ الْحَشْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الْآيَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا شَيْءٌ لِلْغَانِمِينَ وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْأَنْفَالِ وَهِيَ قَوْلُهُ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غنمتم من شيء فأن لله خمسه} .

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَحْرُمُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ كَقَوْلِهِ: {إِنْ يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} ثُمَّ نَسْخِ الْوُجُوبِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {وَلَا تَعْتَدُوا إن الله لا يحب المعتدين} قِيلَ: مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عليه} .

ص: 38

وَقَوْلِهِ: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} نَسَخَتْهَا آيَاتُ الْقِيَامَةِ وَالْكِتَابِ وَالْحِسَابِ.

وَهُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنْ يُسْأَلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي رَفْعِ الْحُكْمِ وَبَقَاءِ التِّلَاوَةِ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا يُتْلَى لِيُعْرَفَ الْحُكْمُ مِنْهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَيُتْلَى لِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُثَابُ عَلَيْهِ فَتُرِكَتِ التِّلَاوَةُ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ

وَثَانِيهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ غَالِبًا يَكُونُ لِلتَّخْفِيفِ فَأُبْقِيَتِ التِّلَاوَةُ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ وَرَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَأَمَّا حِكْمَةُ النَّسْخِ قَبْلَ الْعَمَلِ كَالصَّدَقَةِ عِنْدَ النَّجْوَى فَيُثَابُ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَعَلَى نِيَّةِ طَاعَةِ الْأَمْرِ

الثَّالِثُ: نَسْخُهُمَا جَمِيعًا فَلَا تَجُوزُ قِرَاءَتُهُ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ كَآيَةِ التَّحْرِيمِ بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: " كَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ

وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي قَوْلِهَا وَهِيَ "مِمَّا يُقْرَأُ" فَإِنَّ ظَاهِرَهُ بَقَاءُ التِّلَاوَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَارَبَ الْوَفَاةَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التِّلَاوَةَ نُسِخَتْ أَيْضًا وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ كُلَّ النَّاسِ إِلَّا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتُوُفِّيَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَؤُهَا

وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: نَزَلَتْ ثُمَّ رُفِعَتْ.

وَجَعَلَ الْوَاحِدِيُّ مِنْ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ كُنَّا نَقْرَأُ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ وَفِيهِ نَظَرٌ

وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الِانْتِصَارِ عَنْ قَوْمٍ إِنْكَارَ هَذَا الْقِسْمِ لِأَنَّ

ص: 39

الْأَخْبَارَ فِيهِ أَخْبَارُ آحَادٍ وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَى إِنْزَالِ قُرْآنٍ وَنَسْخِهِ بِأَخْبَارِ آحَادٍ لَا حُجَّةَ فِيهَا

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ نَسْخُ الرَّسْمِ وَالتِّلَاوَةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يُنْسِيَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ وَيَرْفَعَهُ مِنْ أَوْهَامِهِمْ وَيَأْمُرَهُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ تِلَاوَتِهِ وَكَتْبِهِ فِي الْمُصْحَفِ فَيَنْدَرِسَ عَلَى الْأَيَّامِ كَسَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولى. صحف إبراهيم وموسى} وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ مِنْهَا شَيْءٌ ثُمَّ لَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ لَا يَكُونُ مَتْلُوًّا فِي الْقُرْآنِ أَوْ يَمُوتُ وَهُوَ مَتْلُوٌّ مَوْجُودٌ فِي الرَّسْمِ ثُمَّ يُنْسِيهِ اللَّهُ وَيَرْفَعُهُ مِنْ أَذْهَانِهِمْ وَغَيْرُ جَائِزٍ نَسْخُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

فَائِدَةٌ

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} نَاسِخَةٌ لِمِائَةٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةٍ ثُمَّ صَارَ آخِرُهَا نَاسِخًا لِأَوَّلِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: {فَإِنْ تَابُوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} .

قَالُوا: وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ مِنَ الْمَنْسُوخِ ثَبَتَ حُكْمُهَا سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا قَوْلَهُ فِي الْأَحْقَافِ: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} وَنَاسِخُهَا أَوَّلُ سُورَةِ الْفَتْحِ

ص: 40

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمِنْ أَغْرَبِ آيَةٍ فِي النَّسْخِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا مَنْسُوخَانِ وَوَسَطُهَا مُحْكَمٌ

وَقَسَّمَهُ الْوَاحِدِيُّ أَيْضًا إِلَى نَسْخِ مَا لَيْسَ بِثَابِتِ التِّلَاوَةِ كَعَشْرِ رَضَعَاتٍ وَإِلَى نَسْخِ مَا هُوَ ثَابِتُ التِّلَاوَةِ بِمَا لَيْسَ بِثَابِتِ التِّلَاوَةِ كَنَسْخِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُحْصِنِينَ بِالرَّجْمِ وَالرَّجْمُ غَيْرُ مَتْلُوٍّ الآن وإنه كَانَ يُتْلَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَالْحُكْمُ ثَبَتَ وَالْقِرَاءَةُ لَا تَثْبُتُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ التِّلَاوَةُ فِي بَعْضٍ وَلَا يَثْبُتَ الْحُكْمُ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ قُرْآنٌ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ قُرْآنٌ يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يُتْلَى وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَعْلَمُ بِمَصَالِحِنَا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ مَصْلَحَتِنَا تَعَلُّقَ الْعَمَلِ بهذا الوجه

التنبيه الثالث

في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر

قَسَّمَ بَعْضُهُمُ النَّسْخَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:

الْأَوَّلُ: نَسْخُ الْمَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ وَهَذَا الضَّرْبُ هُوَ النَّسْخُ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَأَمْرِ الْخَلِيلِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} ثم نسخه سبحانه بقوله: {أأشفقتم} الْآيَةَ

الثَّانِي: وَيُسَمَّى نَسْخًا تَجَوُّزًا وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا كَحَتْمِ الْقِصَاصِ

ص: 41

وَلِذَلِكَ قَالَ عَقِبَ تَشْرِيعِ الدِّيَةِ: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ من ربكم ورحمة} وَكَذَلِكَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ أَمْرًا إِجْمَالِيًّا ثم نسخ كنسخه التوجه إلى بيت الْمُقَدَّسِ بِالْكَعْبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْنَا مِنْ قَضِيَّةِ أَمْرِهِ بِاتِّبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَكَنَسْخِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ

الثَّالِثُ: مَا أَمَرَ بِهِ لِسَبَبٍ ثُمَّ يَزُولُ السَّبَبُ كَالْأَمْرِ حِينَ الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ بِالصَّبْرِ وَبِالْمَغْفِرَةِ لِلَّذِينِ يَرْجُونَ لِقَاءَ اللَّهِ وَنَحْوِهِ مِنْ عَدَمِ إِيجَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِهَا ثُمَّ نَسَخَهُ إيجاب لذلك وَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ نسء كما قال تعالى: {أو ننسئها} فَالْمُنْسَأُ هُوَ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ إِلَى أَنْ يَقْوَى الْمُسْلِمُونَ وَفِي حَالِ الضَّعْفِ يَكُونُ الْحُكْمُ وُجُوبَ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى

وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ تَبَيَّنَ ضَعْفُ مَا لَهِجَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْآيَاتِ الْآمِرَةِ بِالتَّخْفِيفِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنَ الْمُنْسَأِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَرَدَ يَجِبُ امْتِثَالُهُ فِي وَقْتٍ مَا لِعِلَّةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ ثُمَّ يَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِ تِلْكَ الْعِلَّةِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ إِنَّمَا النَّسْخُ الْإِزَالَةُ حَتَّى لَا يَجُوزَ امْتِثَالُهُ أَبَدًا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى النَّهْيِ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأضاحي من أجل الرأفة ثُمَّ وَرَدَ الْإِذْنُ فِيهِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ مَنْسُوخًا بَلْ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْحُكْمِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ حتى لو فاجأ أَهْلَ نَاحِيَةٍ جَمَاعَةٌ مَضْرُورُونَ تَعَلَّقَ بِأَهْلِهَا النَّهْيُ

ومن هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الْآيَةَ كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ فَلَمَّا قَوِيَ الْحَالُ وَجَبَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المنكر

ص: 42

وَالْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُ الضَّعْفِ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ" عَادَ الْحُكْمُ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا رَأَيْتَ هَوًى مُتَّبَعًا وَشُحًّا مُطَاعًا وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ"

وَهُوَ سبحانه وتعالى حَكِيمٌ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ ضَعْفِهِ مَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الْحَالِ رَأْفَةً بِمَنْ تَبِعَهُ وَرَحْمَةً إِذْ لَوْ وَجَبَ لَأَوْرَثَ حَرَجًا وَمَشَقَّةً فَلَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَظْهَرَهُ وَنَصَرَهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْخِطَابِ مَا يُكَافِئُ تِلْكَ الْحَالَةَ مِنْ مُطَالَبَةِ الْكُفَّارِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ إِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ أَوِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَيَعُودُ هَذَانِ الْحُكْمَانِ أَعْنِي الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ الضَّعْفِ وَالْمُسَايَفَةَ عِنْدَ الْقُوَّةِ بِعَوْدِ سَبَبِهِمَا وَلَيْسَ حُكْمُ الْمُسَايَفَةِ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْمُسَالَمَةِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ فِي وَقْتِهِ

فَائِدَةٌ

قِيلَ فِي قوله تعالى: {ما ننسخ من آية} وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَاسِخٌ مُهَيْمِنٌ عَلَى كُلِّ الْكُتُبِ وَلَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ نَاسِخٌ لَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ فَمَعْلُومٌ وَهُوَ قَلِيلٌ بَيَّنَ اللَّهُ نَاسِخَهُ عِنْدَ مَنْسُوخِهِ كَنَسْخِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ وَالْعُدَّةِ وَالْفِرَارِ فِي الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَمَنْ تَحَقَّقَ عِلْمًا بِالنَّسْخِ عُلِمَ أَنَّ غَالِبَ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْسَأِ وَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ لِبَيَانِ الْحُكْمِ الْمُجْمَلِ كَالسَّبِيلِ فِي حَقِّ الْآتِيَةِ بِالْفَاحِشَةِ فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِمَّا يُدْعَى نَسْخُهُ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ فَهُوَ بيان لحكم

ص: 43

الْقُرْآنِ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للناس}

وَأَمَّا بِالْقُرْآنِ عَلَى مَا ظَنَّهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا هُوَ نَسَأٌ وَتَأْخِيرٌ أَوْ مُجْمَلٌ أُخِّرَ بَيَانُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ أَوْ خِطَابٌ قَدْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوَّلِهِ خِطَابُ غَيْرِهِ أَوْ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومٍ أَوْ حُكْمٌ عَامٌّ لِخَاصٍّ أَوْ لِمُدَاخَلَةِ مَعْنًى فِي مَعْنًى وَأَنْوَاعُ الْخِطَابِ كَثِيرَةٌ فَظَنُّوا ذَلِكَ نَسْخًا وَلَيْسَ بِهِ وَأَنَّهُ الْكِتَابُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُتَعَاضِدٌ وَقَدْ تَوَلَّى اللَّهُ حِفْظَهُ فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا له لحافظون}

ص: 44