الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يدل دلالة نص على وجوب الكفارة على زوجته، وإنْ لم ينص عليها. لأنَّ علَّةَ الجناية على الصوم مُتَحَقَّقَةٌ فيها أيضاَ.
ومثله في السُنَّةِ كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا قَوَدَ إِلَاّ بِالسَّيْفِ» (1) فالقود بغير السيف كالمسدس دلالة النص، ومنها منع القَوَدِ، بِأَنْ يُفْعَلَ بالقاتل مثل ما فُعِلَ بالمقتول، كالرضخ بالحجارة، أو تفريق الأجزاء.
4 - دلالة الاقتضاء:
وهي دلالة الكلام على لازم متقدم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحَّته شرعاً وعقلاً، ومثاله في السُنَّة قوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2) فقد نفى أَنْ تكون الأعمال بدون نية، وهذا مخالف للواقع، فَلَابُدَّ أَنْ يكون المعنى اقتضاء وهو أنَّ «صِحَّةَ» الأعمال لا تكون إلَاّ بالنية، ومثله أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (3) أي لا صِحَّةَ لصيامه، لأنَّ الصيام واقع موجود
(1) أخرجه ابن ماجه والبزار والطبراني. واختلفوا في صحة إسناده فَصَحَّحَهُ بعضهم: وَضَعَّفَهُ ابن الجوزي، وقال البيهقي: لم يثبت له إسناد.
(2)
متفق عليه.
(3)
رواه الخمسة، وَصَحَّحَهُ أبو داود والترمذي. وقال في " المستدرك ": صحيح على شرط البخاري.
بدون نية، وذلك بدلالة الاقتضاء، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (1) أي من الدين النصيحة.
هذا وقد قَسَّمَ غير الحنفية: وهي دلالة اللفظ على حكم شيء ذكر في الكلام ونطق به (وتشمل دلالة العبارة والإشارة والاقتضاء عند الحنفية) والقسم الثاني: دلالة المفهوم: وهي دلالة اللفظ على حكم شيء لم يذكر في الكلام ولم ينطق به، وبهذا ينقسم عندهم الكلام إلى مفهومين: مفهوم الموافقة: وهو أنْ يدل اللفظ على مساواة المسكوت عنه المذكور في الحكم، وهذا ما يسمى عند الحنفية (دلالة النص) ومفهوم المخالفة: وهو دلالة الكلام على انتفاء حكم المنطوق عن المسكوت عنه؛ لانتفاء قيد من القيود في المعتبرة في الحكم. ولم يأخذ الحنفية مفهوم المخالفة، وأخذ به الجمهور، ومثاله في السُنَّة قوله صلى الله عليه وسلم:«فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَّكَاةُ» (2)، فمفهوم المخالفة أنه لا زكاة في الغنم المعلوفة.
(1) رواه مسلم.
(2)
رواه أحمد والنسائي والبخاري وأبو داود.
ولمفهوم المخالفة أقسام، نطيل إذا ذكرناها، ولا يحتمل المقام التعرض لها، فنحن إنما نريد إعطاء فكرة عامة عن طريق الاستدلال بِالسُنَّةِ وقد فعلنا.
…
هذه هي طرق الاستدلال بِالسُنَّةِ بشكل عام، وقد حاولت جهدي أْنْ أسوق الأمثلة من السُنَّةِ حسب القواعد الأصولية في الاجتهاد لأسباب أهمها:
أولاً: معرفة السُنَّة شرط من شروط الاجتهاد: من المعلوم أنَّ العلماء اشترطوا للاجتهاد الشرعي شروطاً لَابُدَّ أنْ تتحقَّقَ؛ وإلَاّ كان الاجتهاد غير معتبر. وقد ذهب الشاطبي إلى اشتراط شرطين:
1 -
فهم مقاصد الشريعة على كمالها؛ لأنَّ الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وَأَنَّ المصالح إنما اعتبرت من حيث الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف. إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات، [أم] إنها تكون منافع ومضار في حال دون حال، ووقت دون وقت، وشخص دون شخص، وأنَّ الأغراض في الأمر الواحد تختلف، فوضع الشريعة لا يصح أَنْ
يكون تبعاً لما يراه المُكلَّفُ مصلحة. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هذه المقاصد ثلاث مراتب: هي الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، فإذا بلغ الإنسان مبلغاً فهم عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وكل باب من أبوابها فيحصل له وصف هذا السبب الذي يجعله للرسول عليه السلام في الفُتْيَا والعلم.
2 -
التمكن من فهم مقاصد الشريعة، وهذا لا يكون إِلَاّ بواسطة معارف مُعَيَّنَةٍ.
ونحن نرى أَنَّ الشرط الأول لا يحصل إِلَاّ بعد حصول الشرط الثاني، لأنه هو الذي يُؤَدِّي إلى فهم الشريعة، ومعرفة مقاصدها في كل باب ومسألة. ولذلك خاض العلماء في بيان هذه الشرائط، ومنها العلم بالأدلة السمعية من الكتاب وَالسُنَّةِ والأحكام المشتركة بينهما.
ومعرفة وجوه القياس، والعلم بمسائل الإجماع، ومعرفة اللغة العربية، والإحاطة بفروعها إحاطة تُمَكِّنُهُ من فهم دلالات القرآن وَالسُنَّةِ من النصوص، ومعرفة غريبها،
وَتَذَوُّقِ بلاغتهما. وهذه شروط مُجْمَعٌ عليها، وهناك شروط موضع خلاف بين العلماء؛ كمعرفة الفقه، ووجوه الاختلاف، والعدالة، وما لَابُدَّ منه من علم الكلام.
وَيَهُمُّنَا هنا أَنْ نُبَيِّنَ معرفة أحكام الشريعة التي وردت بها السُنَّةُ، بحيث يستطيع المجتهد أَنْ يستحضر في كل موضوع ما ورد في السُنّةِ من نصوص، وقد قيل: ينبغي معرفة خمسمائة حديث، وقيل ثلاثة آلاف، وحصرها أحمد بن حنبل بالأصول من الأحاديث، وهي ألف ومائتا حديث، وقال الغزالي والرافعي وجماعة من الأُصُولِيِّينَ:«يكفيه مثل " سنن أبي داود "، و " معرفة السنن " للبيهقي مِمَّا يَجْمَعُ أحاديث الأحكام، وقد نازع العلماء هذا التحديد. قال النووي: «وَلَا يَصِحُّ التَمْثِيلَ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَسْتَوْعِبْ، وَكَمْ فِي البُخَارِي وَمُسْلِمَ مِنْ حَدِيثٍ حُكْمِيٍّ لَيْسَ فِيهِ» ، وقال ابن دقيق العيد:«وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ كَلَامَ أَهْلِ العِلْمِ فِي هَذَا البَابِ مِنْ قَبِيلِ الإِفْرَاطِ وَالتَفْرِيطِ» (1).
(1)" إرشاد الفحول إلى [تحقيق الحق من] علم الأصول " للشوكاني: ص 251.
والحق أنه لا يشترط هذا التحديد: لِسَعَةِ السُنَّةِ وَإِلَاّ انْسَدَّ باب الاجتهاد كما قال ابن أمير الحاج، وقد اجتهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون، ولم يستحضروا فيها جميع النصوص التي وردت في السُنّةِ، بل عُرِفَ أَنَّ أحدهم كان يجتهد فإذا رُوِيَ له من السُنّةِ غير ما توصل إليه اجتهاده رجع عنه. إِلَاّ أنني أرى في أيامنا هذه، ومع تيسر كتب السُنّةِ المطبوعة، أَنْ يرجع من يريد الاجتهاد إلى ما اشتملت عليه مجاميع السُنّةِ، كالأمهات الست، وما يلحق بها، كالمسانيد التي صَنَّفَهَا علماء الحديث، فيستخرج منها ما يحتاج إليه من الأحاديث المتعلقة بالموضوع الذي يريد أَنْ يجتهد فيه، ولا يشترط أَنْ يكون حَافِظاً لها بعد هذا التدوين، لكن لَابُدَّ أَنْ يكون على دراسة ودراية بعلوم الحديث وأنواعه، والتمييز بين الحسن، والصحيح، والمشهور، والمتواتر، وأنواع الضعيف، ومعرفة بقواعد الجرح والتعديل، وأحوال الرجال، وغير ذلك، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء كالشوكاني. ولعل الحصول على أعلى درجة أو إجازة في تَخَصُّصٍ ما من علوم الشريعة ولا سيما في الفقه وأصوله، أو التفسير وعلومه، أو الحديث وعلومه،
يتيح لحاملها أَنْ يسير في طريق الاجتهاد، إذا توافرت لديه شرائط الاجتهاد الأخرى.
ثانياً: اجتراء نفر من الناس على استنباط الأحكام من الكتاب وَالسُنّةِ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقد تَجَرَّأَ على الاجتهاد في الدين نفر من الناس، بضاعتهم في العلم مزجاة، أو ليس لديهم أدوات الاجتهاد، وهي التي لَابُدَّ منها له، بالإضافة إلى الفهم والبصر، والعدالة والتقوى، فأخذ هؤلاء الناس يجتهدون، معتمدين على المقولة الشائعة «إنَّ لكل إنسان أن يأخذ الحكم من كتاب الله وسُنَّةَ نبيِّهِ» ، أو على المفهوم المغلوط «الدين تحت العقل لا فوقه» من غير أَنْ يملكوا أدوات الاجتهاد، وجرأهم على هذا تقحم باب الاجتهاد مِمَّنْ قرأ بعض القرآن، أو حفظ بعض الأحاديث، أو قرأ كتاباً فقهياً، أو من كتب الفكر الإسلامي الحديث، فَظَنَّ أنه قادر على الاجتهاد، فَتَخَبَّطَ في ابْتِسَارِ الأحكام وإصدارها، حتى عَمَّ البلاء في البلاد الإسلامية، ومنها العربية، وتَكَوَّنَ من ذلك أحزاب وشيع، كل حزب بما لديهم فرحون، وقعدوا للافتاء في الدين بكل مرصد، وَخَطَّؤُوا غيرهم، وحاولوا إرغام الآخرين
على اجتهاداتهم، حتى مع ظهور خطئها، وَبُعْدِهَا عن الصواب.
حَدَّثَنِي بعض أساتذة الشريعة أنه سأل طالباً أعجمياً من طلبة السَنَةِ الأولى في إحدى كليات الشريعة: «هل تعرف شيئاً من الفقه؟ قال: نعم، قال: على مذهب مَنْ مِنَ الأئمة؟ على مذهب أبي حنيفة؟ قال: لا. قال: على مذهب الشافعي؟ قال: لا. قال: على مذهب مالك أو أحمد بن حنبل أو غيرهم؟ قال: لا. قال: على مذهب مَنْ إِذَنْ دَرَسْتَ بعض هذا الفقه؟ قال: أجتهد لنفسي وللناس» .
ثالثاً: إِنَّ الدعوة إلى التَمَسُّكِ بِالسُنَّةِ وَاتِّبَاعِهَا هي دعوة حق، ولكن الأسلوب الذي اتبعته فئات من الناس أسلوب نَمَّ عن جَهْلٍ بِالسُنَّةِ، ولذلك كان لَابُدَّ من تصحيح الفهم لِلْسُنَّةِ والاستدلال بها واتباعها. فقد زعم هؤلاء أَنَّ التزام السُنَّة في كل ما وردت به ينبغي أَنْ يكون على سبيل الوجوب، ولذلك أنكروا على من يترك المندوب والمستحب والمباح إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد فعله؛ استناداً إلى ظاهر الآية الكريمة {وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم:«فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (2)، والحقيقة أَنَّ التزام السُنَّة واجب، ولكن على الوجه الذي وردت به، فإذا وردت السُنَّةُ بأمر هو فرض أو واجب، وجب أَنْ نلتزمه على وجه الوجوب: مثل الطواف سبعاً حول البيت، ومثل صلاة الظهر أربع ركعات، أو السعي سبعاً بين الصفا والمروة.
وإذا وردت السُنَّةُ بأمر على وجه التحريم وجب أَنْ نلتزمه على وجه التحريم فَنُحَرِّمَهُ على أنفسنا، كَنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين المرأة وَعَمَّتِهَا أو خالتها، أو تحريمه بيع المنابذة.
وإذا وردت على وجه الندب والاستحباب وجب أَنْ نلتزمها على وجه الندب والاستحباب، فإذا فعلناها فلنا ثواب، وإذا تركناها فليس علينا عقاب، كَصَلَاةِ السُنَّةِ المُؤَكَّدَةِ قبل الظهر، وَصَلَاةِ السُنَّةِ غَيْرِ المُؤَكَّدَةِ قبل العصر، أو الشرب جالساً، أو لبس البياض يوم الجمعة، أو الاغتسال يوم الجمعة.
(1)[الحشر: 7].
(2)
رواه البخاري في جزء من حديث.
وإذا وردت السُنَّةُ بالإباحة التزمناها على وجه الإباحة، فلنا أَنْ نفعلها أَوْ لا نفعلها ولا شيء علينا في الحالتين.
وكذلك إذا وردت السُنَّةُ بالكراهة وجب العمل بها على سبيل الكراهة فالثوم والبصل مكروه أكلهما عند الصلوات، فنلتزم مع كراهة أكلهما ولكن يباح أكلهما في غير الصلوات.
وقد أخطأ هؤلاء الذين أخرجوا مَنْ ترك فعل السُنَّةِ في المندوب والمباح، أو فعلوا المكروه، أخرجوهم من حظيرة الدين، وَكَفَّرُوهُمْ جَهْلاً بِالسُنَّةِ نفسها، واستشهاداً بالنصوص في غير موضعها. نعوذ بالله من الإنحراف عن القصد والعدل.
رابعاً: الدعوة إلى التَعَمُّقِِ في دراسة الإسلام: ومن التَعَمُّقِِ معرفة الأصول الفقهية، والابتعاد عن السطحية في التفكير،، والتزام البصر الفقهي، ومعرفة أحكام الفقه، حتى نستطيع مواجهة الأحداث والمشكلات، ونعرف حلولها من كتاب الله وَسُنَّةَِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتم هذا إِلَاّ بمعرفة كيفية فهم الكتاب وَالسُنَّةِ فَهْماً عَمِيقاً مَبْنِيًّا على الأصول.
وأخيراً وربما لم يكن آخراً: إِنَّ معرفة الاستدلال بالكتاب وَالسُنَّةِ يعطي المسلمين النظرة البصيرة للأشياء، والفكر المستنير في الحكم على الأشياء، وَيُقلِّلُ من تحجير العقول، وتضييق الفهم، والتشديد في غير موضعه، ويجعل الاتساع في الفهم يتسع لتعدد الأحكام، واختلاف الآراء، ووجود المدارس الفقهية النَيِّرَةِ، وهذا من التيسير في الدين، وعدم الحرج، ومع وجود الاختلاف لا تضيق به الصدور، ولا يلجأ الاختلاف إلى التناحر والتباغض، بل إلى المودة والمحبة، والتفاهم والتعاون في ظلال أحكام الله وعدل الإسلام.
والحمد لله رب العالمين.