المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحالة الدينية في نجد عند ظهور دعوة الشيخ - عن الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب (مطبوع ضمن بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول)

[عبد الله بن صالح العثيمين]

الفصل: ‌الحالة الدينية في نجد عند ظهور دعوة الشيخ

‌الرسائل والظروف المحيطة بالدعوة

‌الحالة الدينية في نجد عند ظهور دعوة الشيخ

تحدث ابن غنام وابن بشر وغيرهما من أنصار دعوة الشيخ محمد عن الحالة التي كان يعيشها النجديون قبيل بدء هذه الدعوة. وقد أعطى هؤلاء صورة قاتمة عن تلك الحالة.

لكن ابن بشر نفسه أشار إلى وجود علماء نجديين كانوا يتصفون بصفات جليلة. والدارس لما كتبه أولئك العلماء، مثل المنقور، يرى وضوح تلك الصفات فيهم. والمتأمل في سوابق ابن بشر يلاحظ أن حاضرة نجد ـ على الأقل ـ كانت بصفة عامة تقوم بالواجبات الدينية من صلاة وصوم وزكاة وحج. وما ورد من شعر تلك الفترة، كشعر جبر بن سيار، ورميزان بن غشام، وحميدان الشويعر لا يتفق مع الصورة القاتمة التي تصف بها بعض المصادر حالة نجد آنذاك. ومع ذلك فإن ما ورد في رسائل الشيخ محمد يسهم إسهامًا كبيرًا في إيضاح كثير من جوانب الحالة الدينية في نجد قبيل بدء دعوته.

من المعروف أن قضية الاعتقاد بالأولياء أو من تعتقد ولايتهم كانت من الأمور المهمة التي قام حولها نقاش حاد بين الشيخ محمد وخصومه، ورسائله الشخصية حافلة بالحديث عنها من عدة جوانب. فهي تحتوي على أسماء تذكر أن بعض النجديين كانوا يعتقدون بأصحابها. ومن هذه الأسماء: شمسان وداريس وتاج1. وتذكر الرسائل أن مما كان يفعله أصحاب هذه الأسماء أخذ النذور من الناس2. كما أنها تذكر - أيضًا -

1 روضة: 1/130، 155، 178، 180، 188، 216، 226. ويلاحظ أن الشيخ أحيانا يقول. أولاد شمسان وأولاد إدريس (روضة 1/216)، وأحيانا يقول: شمسان وأولاده (روضة 1/22)، أو يقول: محمد بن شمسان (روضة 1/226) .

2 روضة 1/216.

ص: 101

أسماء بعض من كانوا يعتقدون بأولئك الأشخاص1. ويستفاد من رسائل الشيخ أن هذه الأمور كانت متوافرة في مناطق نجدية دون أخرى ; فمنطقة العارض وما يليها جنوبا - خاصة الخرج - كانت متأثرة بها، بينما كانت منطقة القصيم - مثلاً - خلاف ذلك.

فقد ذكر الشيخ في رسالته إلى عبد الله بن علي ومحمد بن جماز أن " أهل القصيم غارهم أن ما عندهم قبب ولا سادات". لكنه كان يأخذ عليهم عدم معاداتهم لأهل الشرك2.

ورسائل الشيخ توضح موقفه ممن يرضون باعتقاد الناس بهم، ويأخذون النذور غاية التوضيح. فقد كان يكفرهم. وغالبًا ما وصفهم بالطواغيت. لكنه أحيانًا يصفهم بصفات أخرى مثل: المردة الشياطين أو الكلاب3.

ومما يتعلق بالقضية السابقة موضوع التصوف. ومن المعروف - أيضًا -.. معارضة الشيخ للتصوف أو لبعض أنواعه على الأقل. ولعل من أطرف إشارات معارضته له لمزه لخصمه عبد الله المويس بأن أحد مشائخ مشائخه كان متصوفًا، وكان يلقب بلقب العارف بالله4. ومما يتوقعه المرء خلو محيط مثل المحيط النجدي آنذاك من المذاهب الصوفية. لكن رسائل الشيخ تشير إلى وجود أفراد متصوفة على مذهب ابن عربي وابن الفارض، مثل ولد موسى بن جدعان، وسلامة بن مانع5. وأفراد مغمورون كهذين الرجلين من الغريب أن تكون بينهم وبين مذهب فلسفي في نزعته أية صلة. لكن إذا سلم بصحة ما ورد في رسالة الشيخ، فإنه يلاحظ انحصار ذلك الأمر في معكال التي تكون جزءا من مدينة الرياض الحالية.

1 مثل طالب الحمض. انظر روضة 1/104، 154، 156.

2 شخصية ص232.

3 روضة 1/178 و217.

4 روضة 1/120.

5 روضة 1/147.

ص: 102

وتشير رسائل الشيخ - أيضًا - إلى أن سليمان بن سحيم كان يذهب لحضور المولد ويقرأه على الناس، وأنه كان يكتب الحجب المشتملة على الطلاسم1. وكان سليمان من سكان معكال المذكورة سابقا.

وعبارة الشيخ لا تنص بصراحة على حدوث الاحتفال بالمولد في نجد. وهي على أية حال الإشارة الوحيدة من الشيخ وغيره التي قد يفهم منها حدوث هذا الأمر في المنطقة.

ومن الأمور التي ناقشتها رسائل الشيخ والمتعلقة بالتصوف والأولياء مسألة كتابي دلائل الخيرات، وروض الرياحين. ويفهم من النقاش حولهما أنهما كانا من الكتب المقررة في نجد آنذاك. وقد ادعى سليمان بن سحيم في رسالته التي بعثها إلى العلماء خارج هذه المنطقة أن الشيخ أحرقهما 2. وقد نفى الشيخ في رسالته إلى السويدي إحراقه للكتاب الأول، وذكر أن سبب ما روج عنه حول هذا الموضوع أنه أشار على من قبل نصيحته ألا يصير في قلبه أجل من كتاب الله، ويظن أن القراءة فيه أنفع من قراءة القرآن 3. كما نفى ابن غنام إحراق الشيخ لكتاب روض الرياحين4. وقد يبدو للبعض نوع من الغرابة في تعليل الشيخ لما أشيع عنه حول كتاب دلائل الخيرات. ذلك أن الإحراق شيء والنصيحة بألا يصير في قلوب الناس أجل من كتاب الله شيء آخر. ومن الملاحظ أن الإمام الصنعاني قد مدح الشيخ بقوله:

وحرق عمدا للدلائل دفترا

أصاب ففيها ما يجل عن العد

ولم يعلق ابن غنام وابن بشر اللذان أوردا هذا البيت في تاريخيهما بأي شيء عليه5، كما يلاحظ أن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حين تكلم عن الدعوة قال:

1 روضة 1/140.

2 روضة 1/112.

3 روضة 1/153.

4 روضة 1/129.

5 روضة 1/47، عنوان 1/69.

ص: 103