الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب التاسع فيما ورد في بقاء الشام بعد خراب غيرها من الأمصار
ذكر الحافظ أبو القاسم (1) من طريق محمد بن هارون [بن محمد بن](2) بكار بن بلال، حدثنا أبي عن أبيه محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تخرب الدُّنْيَا، أو قال: الأرض -قبل الشام بأربعين سنة".
هذا غريب منكر منقطع، ومحمد بن بكار متكلم فيه.
وبإسناده (3) عن كعب الأحبار قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل إن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عامًا.
وبإسناده (4) عن [أبي](5) عبد ربه قال: يبعث تُبَيْعًا أكثر من ثلاثين مرة يقول: تخرب الأرض وتعمر الشام، حتى يكون من العمران كالرمانة، ولا يبقى فيها ضربة في سهل ولا جبل إلا عمرت، وليعرس فيها من البحر ما لم يغرس في زمن نوح وتبين فيها القصور اللائحة في السماء، فإذا رأيت ذلك، فقد نزل بك الأمر.
وبإسناده عن بجير بن سعد قال: يقيم الشام بعد خراب الأرض أربعين عامًا.
وروينا في كتاب "فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي من طريق عبد الخالق بن
(1) في "تاريخ دمشق"(1/ 185).
(2)
كذا في تاريخ دمشق، وفي الأصل: (محمد بن هارون عن بكار
…
).
(3)
تاريخ دمشق (1/ 186).
(4)
تاريخ دمشق (1/ 186).
(5)
في الأصل "ابن" والتصويب من "تاريخ دمشق" وراجع تهذيب الكمال (34/ 36).
زيد بن واقد عن أبيه عن عطية بن قيس قال: قال كعب: ليبنينّ في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الأرض أربعين عامًا.
وبإسناده عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى الله عز وجل إِلَى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك بجبل بيت المقدس، ففعل، فأوحى الله عز وجل إِلَيْهِ: أما إذ فعلت، فإني سأبني لي في حضنك بيتًا.
قال الوليد: في حضنك أي: في وسطك بيتًا، وهو هذا المسجد، يعني: مسجد دمشق أُعبَدُ فيه بعد خراب الدُّنْيَا أربعين عامًا، ولا تذهب الأيام والليالي حتى أعيد عليك ظلك وبركتك. فهو عند الله بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرع.
قال أبو القاسم الحافظ: هذا هو المحفوظ.
وقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ضد هذه الأقوال ثم ساق من طريق أبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبي، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان عن أبي ظبيان عن عبد الله بن عمرو، قال: قال: أول أهل الأرض خرابًا: الشام.
قلت: أبو جعفر متكلم فيه، والأولى تدل عَلَى صحة القول الأول كما ذكر أبو القاسم أنَّه المحفوظ؛ فإن الشام تبقى عامرة فيها أهلها بعد خراب المدينة، وبعد خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وبعد ظهور النار التي هي من أول أشراط الساعة وبعد بعث الله الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين.
وكل هذا قد ذكر في الأحاديث.
فخرج الإمام أحمد (1) وأبو داود (2) من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)(5/ 232، 245).
(2)
برقم (4294).
قال: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ثم ضرب بيده وقال: إن هذا الحق، كما أنك قاعد".
وقد صح أن عيسى عليه السلام ينزل شرقي دمشق، وسيأتي ذكره فيما بعد -إن شاء الله.
وثبت في الصحيح (1) أيضاً أن الدجال يهلك بالشام، وأن عيسى عليه السلام يتجاوز بمن معه من المؤمنين إِلَى الطور وهو من الشام.
وفي صحيح مسلم (2) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ، فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ (السَّمَاء)(3) فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ -سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ، وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ، فَيَقُولُونَ: مَا تَأْمُرُنَا؟! وَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ، دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
…
»، وذكر بقية الحديث.
وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن مسعود أن الفرات لا يبقى فيها طست من ماء، ويرجع كل ماء إِلَى عنصره، ويبقى الماء وبقية المؤمنين بالشام، ولا يبقى مؤمن إلا من انحاز مع عيسى ابن مريم إِلَى جبل الطور، ولا يبقى ماء إلا بالشام، فإن أصل مياه الدنيا من الشام، فترجع إِلَى عنصرها.
(1) أخرجه مسلم (2137).
(2)
برقم (2940).
(3)
كذا بالأصل وفي "مسلم": الشام.
ورُوي عن كعب قال: والذي نفسي بيده، ما شرب ماء عذب إلا يخرج من تحت هذه الصخرة، حتى العين التي بدارين بتخرج من تحت هذه الصخرة، يعني: عينًا في البحر.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27] قال: من أربعة أنهار: سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل.
فكل ماء عذب شربه ابن آدم من هذه الأنهار؛ فإنها تخرج من تحت الصخرة التي في بيت المقدس.
(
…
) (1) قال: يوشك الرعد والبرق أن يهاجرا إِلَى الشام حتى لا يكون رعد ولا برق إلا ما بين الفرات والعريش.
وخرج ابن أبي خيثمة وغيره عن الأوزاعي قال: يهاجر الرعد والبرق إِلَى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى قطرة إلا فيما بين الفرات والعريش.
وعن عباد بن منصور، حدثنا أبو قلابة أن الرعد والبرق سيهاجر من أرض العراق إِلَى أرض الشام حتى لا يبقى بها رعد ولا برق، ويدل عَلَى صحة ذلك أيضاً أن النار التي هي أول أشراط الساعة تسوق الناس إِلَى الشام.
وقد ذكرنا في أول الكتاب حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "تخرج نار من حضرموت تسوق الناس، قالوا: يا رسول الله، ما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام". وهو حديث اختلف فيه نافع وسالم؛ فرواه سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه نافع عن ابن عمر عن كعب من قوله.
وفي حديثه: "يوشك تخرج نار اليمن تسوق الناس إِلَى الشام".
وذكرنا أيضاً حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم تحشرون ها هنا -وأشار بيده إِلَى الشام".
(1) بياض بالأصل وعند ابن عساكر (1/ 153): عن كعب الأحبار.
وذكرنا حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فخيار أهل الأَرْض ألزمهم مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهلهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ، وَتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ".
وفي رواية: "تكون هجرة بعد هجرة، فخيار الأرض إِلَى مهاجر إبراهيم
…
" وذكر الحديث، فهذا كله يدل عَلَى أن خيار الناس في آخر الزمان مهاجرون إِلَى مهاجر إبراهيم عليه السلام، وهي الشام طوعًا فيجتمعون فيها، وأما شرار الناس فيحشرون كرهًا (1) تحشرهم النار من بلادهم إِلَى الشام.
وقد تكاثرت الأحاديث والآثار بذكر هذه النار، ففي صحيح البخاري (2) عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إِلَى المغرب".
والمراد بالمغرب ها هنا -والله أعلم-: الشام، كما سبق في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يزال أهل الغرب ظاهربن عَلَى الحق".
وفي الصحيحين (3) عن أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِين وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، َتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» .
فهذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث: أحدها: من يحشر راغبًا، وهو من يهاجر إِلَى الشام طوعًا.
والثاني: من يحشر رهبة وخوفًا عَلَى نفسه؛ لظهور الفتن في أرضه.
والثالث: من تحشره النار قسرًا، وهو شر الثلاثة وخرج الإمام أحمد (4) من حديث أبي ذر قال: "أقلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (فرأينا)(5) ذا الحليفة، فتعجل
(1) رسمت في الأصل: كذكرها!.
(2)
برقم (3938).
(3)
أخرجه "البخاري"(6522)، و"مسلم"(2861).
(4)
(5/ 144).
(5)
هكذا في الأصل: "وفي المسند": فنزلنا.
رجال إِلَى المدينة، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتنا معه، فلما أصبح سأل عنهم فقيل: تعجلوا، فَقَالَ: تعجلوا إِلَى المدينة والنساء، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت، ثم قال: ليت شعري (من)(1) تخرج نار من اليمن من جبل الوراق، تضيء منها أعناق الإبل بروكًا ببصرى كضوء النهار".
وهذا فيه إشعار بأن هذه النار هي التي تخرج أهل المدينة منها.
وفي صحيح مسلم (2) عن حذيفة قال: أخبرني رسوك الله صلى الله عليه وسلم مما هو كائن إِلَى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا وقد سألته، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.
وفي صحيح البخاري (3) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينزلون)(4) المدينة عَلَى خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي -يريد: عوافي السباع والطير- وآخر من يحشر راعيان من مزينة -يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدونها وحوشًا- حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا عَلَى وجوههما".
وفي "المسند"(5) عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليسيرن راكب في جانب المدينة فيَقُولُونَ: قد كان في هذه مرة حاضر من المؤمنين كثير".
وقد سبق حديث: "عمارة بيت المقدس: خراب يثرب".
وهذا يدل عَلَى خرابها قبل خروج الدجال.
وقد ثبت أن الدجال ينزل خارجها، وأنها ترجف، فيخرج إِلَيْهِ كل منافق ومنافقة.
فإما أن يكون المراد بخرابها ضعف أمرها، وقلة بركاتها أو أن أهلها يخرجون منها في بعض الفتن ثم يعودون إليها.
(1) في المطبوع: متى.
(2)
برقم (2891).
(3)
برقم (1874).
(4)
كذا في الأصل، وفي البخاري "تنزلون".
(5)
(3/ 347).
وفي "المسند"(1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن يرجع الناس إِلَى المدينة حتى يصير [مسالحهم بِسَلاحٍ] (*)، وسَلاح بوزن لَحَام أسفل من خيبر".
وقد خرجه أبو داود (2) وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك المسلمون أن يحاصروا [إِلَى] (3) المدينة، حتى يكون أبعد مسالحهم بسلاح".
قال الزهري: سلاح: قريب من خيبر.
وفي الترمذي (4) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "آخر قرية من قرى الإسلام خرابا: المدينة".
وذكر عن البخاري (5) أنَّه تعجب منه، يريد أنَّه استنكره، وهو منكر جدًّا مخالف للأحاديث، والله أعلم.
وفي مسند الإمام أحمد (6) عن رافع بن بشر -أو [بسر](7) عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يوشك أن تخرج نار من حبس سيل تسير بسير بطئة الإبل، تسير النهار، وتقيم الليل، فتغدوا وتروح".
يقال: غدت النار أيها النار فاغدوا، قالت النار أيها الناس قيلوا، راحت النار أيها الناس روحوا، من أدركته أكلته!.
(1)(2/ 402).
(*) في الأصل: "مشايخهم بسلاح" المثبت من المسند. قال ابن الأثير في النهاية (2/ 388):
المسلحة: القوم الذين يحفظون الثغور من العدو.
(2)
برقم (4250، 4299).
(3)
زيادة من "سنن أبي داود".
(4)
برقم (3919).
(5)
كما في "العلل الكبير" برقم (703).
(6)
(3/ 443).
(7)
في الأصل "بشر": والتصويب من المسند وانظر التاريخ الكبير (للبخاري)(2/ 131)، (3/ 304).
وفي صحيح الحاكم (1) من حديث أبي البدَّاح بن عاصم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه [قال:](*)"يوشك أن تخرج نار من حبس سيل نار تضيء إليها أعناق الإبل ببصرى".
حبس السيل: الظاهر أنَّه بقرب المدينة من منازل بني سليم.
وفي "صحيح مسلم"(2) عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ السَّاعَةَ لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ
…
فَذَكَرَ: الدُّخَّانُ والدَّجَّالُ والدَّابةُ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، ونزول عيسى عليه السلام ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
وفي رواية له (3): "ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس".
وخرّجه الترمذي (4) وعنده: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا".
وخرج الحاكم (5) من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال فيه:"ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إِلَى المحشر تحشر الذر والنمل".
وقال: صحيح الإسناد.
وخرج أيضاً (6) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تبعث نار عَلَى أهل المشرق، فتحشرهم إِلَى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم
(1)(4/ 443) مطولاً.
(*) زيادة ليست بالأصل، لكن السياق يقتضيها.
(2)
برقم (2901).
(3)
برقم (2901).
(4)
برقم (2183).
(5)
في "المستدرك"(4/ 428).
(6)
(4/ 548).
حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم، وتخلف فتسوقهم سوق الجمل الكبير".
وخرج الإمام أحمد (1) والنسائي (2) والحاكم (3) من حديث أبي ذر قال: "حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الناس يحشرون عَلَى ثلاثة أفواج؛ فوج راكبين [
…
] (4) طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة عَلَى وجوههم وتحشرهم النار. فَقَالَ قائل منهم: هذان قد عرفناهما فما بال هؤلاء الذين يسعون ويمشون؟!
قال: يُلْقي الله الآفة عَلَى الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى أن الرجل ليكون له الحديثة المعجبة فيغطيها بالشارف ذي القتب، فلا يقدر عليها، فقد تضمنت هذه الأحاديث أمرين: أحدهما: أن الناس تحشرهم النار إِلَى المحشر.
وفي حديث أنس وعبد الله بن عمرو، أنهم يحشرون إِلَى المغرب، والظاهر أنَّه أريد بالمغرب مغرب المدينة، وهو الشام، ويدل عَلَى أن المحشر إِلَى الشام حديث ابن عمر وحديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، كما سبق.
وقد روى ذلك صريحًا عن جماعة من السَّلف.
خرجه نعيم بن حماد في كتاب "الفتن"(5) عن ابن اليمان عن (جراح)(6) عن أرطاة عمن حديثه عن كعب قال: قال عبد الله بن عمرو: "يبعث الله بعد قبص عيسى ابن مريم والمؤمنين بتلك الريح الطيبة نارًا، تخرج من نواحي الأرض تحشر الناس والدواب والذر إِلَى الشام".
(1)(5/ 164 - 165).
(2)
(4/ 116 - 117).
(3)
(2/ 367)، (4/ 564).
(4)
أقحمت بالأصل كلمة: "وفوج".
(5)
برقم (1749).
(6)
في الأصل: "حزام" والتصويب من "الفتن" لنعيم بن حماد، وانظر ت الكمال (14/ 517)، (2/ 311).
وعن ابن عيينة (1) عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال معاذ بن جبل: "اخرجوا من اليمن قبل انقطاع الحبل (2) وقبل أن لا يكون لكم راد إلا الجراد (3) وقبل أن تحشركم نار إِلَى الشام".
وبإسناده عن أبي هريرة (4) قال: "يحشر الناس إِلَى الشام عَلَى ثلاثة أصناف: صنف عَلَى وجوههم وصنف عَلَى الإبل، وصنف عَلَى أقدامهم".
وبإسناده عن كعب (5) قال: تخرج نار من القسطنطينية فتركد عند الدرب بين سيحان وجيحان، ونار أخرى تخرج من عدن تبلغ بصرى تقوم إذا قاموا، وتسير إذا ساروا، وإن الفرات ليجري ماؤه أول النهار وبالعشي تجري كبريتًا ونارًا، وتخرج نار من الغرب تبلغ العريش وأخرى من نحو المشرق فتبلغ كذا وكذا فتقيم زمانا لا تنطفئ حتى يشك الشاك، ويقول الجاهل: لا جنة ولا نار، إلا هذه، تجتنب في مسيرها مكة والمدينة والحرم كله، حتى تلج الشام، تحشر جميع الناس.
وعنه (6) قال: إذا عثر إنسان أو دابته قالت له النار: تعست وانتكست، لو شئت هاجرت قبل اليوم، حتى تنتهي إِلَى بصرى فتقيم أربعين عامًا، وحتى يسأل الكافر، فيقول: هذه النار التي كانوا يوعدون!.
الثاني: أن في بعض الأحاديث خروج النار من اليمن وفي بعضها من المشرق، وفي بعضها ما يدل عَلَى خروجها من قرب المدينة، وكله حق.
وقد ذكرنا في هذه الآثار أنها تخرج من أماكن متعددة.
فروى نعيم بن حماد (7) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن رجل عن أبي
(1)"الفتن"(759).
(2)
في الأصل: "الحيل" وما أثبته من "الفتن" وقال: معناه: الطريق.
(3)
في الأصل: "الجواد" وما أثبته من "الفتن".
(4)
"الفتن"(1749).
(5)
"الفتن"(1745) مختصراً.
(6)
"الفتن"(1743).
(7)
في "الفتن"(1751، 1761).
هريرة قال: "تخرج نار من قبل المشرق، ونار أخرى من قبل المغرب تحشران الناس بين أيديهم القردة، يسيران بالنهار، ويكتمان بالليل حتى يجتمعا بجسر منبج.
وهذا كله يدل عَلَى أن الشام هي أرض المحشر والمنشر وأن الناس كلهم يجتمعون إليها في آخر الزمان، ولذلك تسمى أرض الشام: أرض المحشر.
وفي "المسند"(1) عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنت إذا أخرجوك منه -يعني: مسجد المدينة-؟ فقلت: إذًا ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر، وأرض الأنبياء، فذكر الحديث.
وخرج الطبراني (2) والحاكم (3) وغيرهما من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه -يعني: بيت المقدس - ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر، وليأتين عَلَى الناس زمان، ولبسطة قوسه من حيث يرى منه بيت المقدس أفضل وخير من الدُّنْيَا جميعًا".
وخرج الإمام أحمد (4) وأبو داود (5) وابن ماجه (6) من حديث ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "قلت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس؟ قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه
…
" وذكر الحديث.
وروى عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم "أن اليهود آتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق الشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء! فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات
(1) برقم (6/ 457).
(2)
في "الأوسط" برقم (6979)، ومسند الشاميين (2714).
(3)
في "المستدرك"(4/ 509).
(4)
(6/ 463).
(5)
برقم (458).
(6)
برقم (1407).
من سورة بني إسرائيل بعد ما ختم السورة: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا
…
} إِلَى قوله {تَحْوِيلًا} " [الإسراء: 76، 77].
فأمره الله -تعالى- بالرجوع إِلَى المدينة، قال: فيه محياك ومماتك، ومنها تبعث.
خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن عبد الحميد بمعناه (1).
وفي مراسيل الحسن (2) قال: "نزلت قريظة عَلَى حكم سعد بن معاذ فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثمائة وقال لبقيتهم: انطلقوا إِلَى أرض المحشر؛ فإني في آثاركم -يعني: أرض الشام، فسيرهم إليها".
وفي صحة هذا عن الحسن نظر؛ فإن قريظة قتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم، وإنَّما الذين سيروا إِلَى الشام بنو النضير، وفيهم نزلت سورة الحشر.
وروى أبو سعيد (البقال)(3) عن عكرمة عن ابن عباس قال: "من شك أن المحشر ها هنا، يعني: الشام- فليقرأ هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} [الحشر: 2].
قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: اخرجوا. قالوا: إِلَى أين؟ قال: إِلَى أرض المحشر".
وخرّجه البزار (4) في مسنده، وعنده: فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي أرض المحشر -يعني: الشام".
وروى نعيم بن حماد في كتابه عن يزيد بن أبي حكيم عن الحكم بن أبان
(1) أخرجه "البيهقي" في "الدلائل"(5/ 254).
قال ابن كثير في تفسير: "وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح
…
" إلخ.
(2)
تاريخ دمشق (1/ 171).
(3)
في الأصل: "النقال" والصواب ما أثبته.
(4)
برقم (3426 - كشف). قال الهيثمي في المجمع (10/ 343): رواه البزار وفيه أبو سعد البقال، والغالب فيه الضعف.
عن عكرمة قال: يحشر الناس نحو الشام، وأول من حشر من هذه الأمة بنو النضير.
وهذا فيه إشارة إِلَى أن الحشر إِلَى الشام ليس هو مرة واحدة، بل هو مرات كثيرة، وأول ما وقع منه حشر بني النضير إليها.
ويدخل في ذلك خروج من خرج من الصحابة، ومن بعدهم بعد.
وقد روى عن عامر بن عبد قيس أنَّه لما أخرج من البصرة كرها إِلَى الشام وكان راكبًا عَلَى بعيره، قال: الحمد لله الَّذِي حشرني راكبًا، فجعل مسيره إِلَى الشام حشرًا.
وقد ذكر أن النار التي خرجت بالحجار، وأضاءت منها أعناق الإبل ببصرى، تكامل عقيبها خراب بلاد العراق عَلَى أيدي التتار، وانتقل غالب خيار أهل العراق، بعد ذلك إِلَى الشام فهذا نوع من الحشر، وهو حشر خيار الناس إِلَى الشام (وأما شرارهم)(1) فتحشرهم النار قسرًا بعد قبض المؤمنين.
وحديث عبد الله بن عمرو صريح في هذا المعنى، ولفظه: ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إِلَى مهاجر إبراهيم لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف.
وفي رواية: "ستكون هجرة بعد هجرة، تخرج خيار أهل الأرض إِلَى مهاجر إبراهيم عليه السلام هو الشام".
قال قتادة في قوله عز وجل: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت: 26].
قال: إِلَى الشام، كان مهاجره. والله أعلم.
…
(1) في الأصل: فالشرار هم، وما أثبته هو الموافق للسياق.