المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

تمت وبالخير عمت على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إليه - فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه - جـ ١٣

[ابن تيمية]

الفصل: تمت وبالخير عمت على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إليه

تمت وبالخير عمت على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إليه مغفرة: صالح بن أحمد بن عبد القادر، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات.

‌الخاتمة:

تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الرسالة القيمة وبيّن فيها أن الصديق رضي الله عنه أفضل الصحابة، بل أفضل هذه الأمة على الإطلاق بعد نبيها، لأنه جاءت في حقه أحاديث صحيحة صريحة لم يشركه فيها غيره من الصحابة وتميز بها؛ كثبوت الخلة لأبي بكر رضي الله عنه لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم خليل، وكذلك أمره صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أن يصلي بالناس مدة مرضه، وكذلك تأميره له على الحج سنة تسع من الهجرة.

بينما غيره من الصحابة وردت في فضله أحاديث هي مشتركة بينه وبين غيره.

‌فائدة:

ويحسن بنا أن نختم هذه الرسالة القيمة بأثر جاء بسند صحيح وعلى لسان عليّ رضي الله عنه نفسه، وفيه ذكر فضائل الشيخين ومنزلتهما في الإسلام، فالمسألة قد حكم فيها صاحب الشأن، وفيه أن مسألة التفضيل لها جذور تاريخية قديمة، وأنها ليست مجرد تفضيل بل تستخدم من بعض أهل الأهواء للطعن في كبار الصحابة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

فعن سويد بن غَفلة (146) قال: مررت بنفر من الشيعة وهم يتناولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وينتقصونهما، قال: فدخلت على علي بن أبي

(146) الجعفي، مخضرم من كبار التابعين، توفي سنة ثمانين. (التقريب ص260) .

ص: 1242

طالب رضي الله عنه فقلت له: يا أمير المؤمنين إني مررت آنفا بنفر من أصحابك وهم يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له من الأمر أهل، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما بمثل ما أعلنوا ما اجتروا على ذلك، فقال علي: أعوذ بالله أن أُضمِر لهما إلا الحسن الجميل، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ووزيراه - رحمة الله عليهما - ثم نهض دامعا عيناه يبكي قابضا على يديّ حتى دخل المسجد، وصعد المنبر فجلس عليه متمكنا قابضا على لحيته ينظر فيها - وهي بيضاء - حتى اجتمع له الناس، ثم قام فتشهد بخطبة بليغة موجزة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش، وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه وعما يقولون بريء وعلى ما يقولون معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء؛ صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوفاء والصدق، يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان، ولا يجاوزان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على صلاة المؤمنين فصلى بهم تسعة أيام في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم واختار له ما عنده، ولاّه المؤمنون ذلك، ثم أعطوه البيعة طائعين غير كارهين، أنا أول من سن ذلك من بني عبد المطلب، وهو لذلك كاره، يود لو أن أحدنا كفاه ذلك، كان والله خير من بقي وأرحمه رحمة وأرأفه رأفة وأبينه ورعا وأقدمه سنا وإسلاما، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بميكائل رحمة، وبإبراهيم عفوا ووقار، فسار بنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى على ذلك - رحمة الله عليه -، ثم ولي الأمر بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستأمر المسلمين في ذلك، فمنهم

ص: 1243

من رضي ومنهم من كره فكنت فيمن رضي، فلم يفارق الدنيا حتى رضي من كان كرهه وأقام الأمر على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، يتبع آثارهما كاتباع الفصيل أثر أمه، كان والله رفيقا رحيما بالضعفاء والمؤمنين، عونا وناصرا للمظلومين على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ثم ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المنافقين الرهبة، وفي قلوب المؤمنين المحبة، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل: فظا غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، الضراء في طاعة الله آثر عنده من السراء في معصية الله. من لكم بمثلهما - رحمة الله عليهما - ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا باتباع آثارهما، والحب لهما، فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، إنه لا ينبغي أن أعاقب قبل التقدم، ألا فمن أُتيت به يقول هذا بعد اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولكم (147) .

(147) أبو إسحاق الفزاري: كتاب السير ص327 (647) ورجاله رجال الصحيح، وأورد هذا النص كاملا ابن قدامة في منهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين ق75، 76، 77، وأورده بألفاظ مقاربة خيثمة بن سليمان، من حديث خيثمة بن سليمان ص122، 123، 124، والتيمي في سير السلف ص162، 163. وأورده مختصرا ابن الأثير في أسد الغابة 3/661، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال 13/22،23. وانظر في ثناء علي على عمر رضي الله عنهما بعد موته، ابن عبد الهادي: محض الصواب 3/854.

ص: 1244