الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الحديد
نظرة عامة:
تبدأ سورة الحديد بقوله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هل لها علاقة بما قبلها؟ هي قبلها سورة الواقعة تنتهي بقوله تعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) وقال بعدها (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) الحشر) يعني لقد سبّح لله فسبِّح أنت، توافق مع ما في السموات والأرض، هؤلاء كلهم سبحوا الله سبحانه وتعالى فسبِّح أنت باسم ربك العظيم. لا شك أن هذه مناسبة بيانية لطيفة.
علاقتها بما بعدها؟ بعض الذين كتبوا في القرآن قالوا: القرآن في إتصال بعضه ببعض وقالوا كالسورة الواحدة ثم قالوا بل كالآية الواحدة بل قالوا كالكلمة الواحدة في كونه متصلاً بعضه ببعض. وقال الرازي " هو كالكلمة الواحدة في توافقه وإتصال بعضه ببعض". فعلاقة السورة بما بعدها: خاتمة السورة هي (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) وتأتي بعدها سورة المجادلة (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)) نسأل: جبار السموات والأرض ملك الملوك يسمع لشكوى امرأة لم يجد لها الرسول صلى الله عليه وسلم مخرجاً أليس هذا من الفضل العظيم؟ جبار السموات والأرض ملك الملوك يسمع لخولة بنت ثعلبة تجادل في زوجها أوس ابن الصامت فإذن أولاً من أعظم الفضل أن يسمع الله سبحانه وتعالى لهذه المرأة ويذكر لها مخرجاً والرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر لها مخرجاً وإنما قال "لا أراك إلا قد حرُمتِ عليه"، هذا أمر. والأمر الآخر الآية الأولى في سورة المجادلة (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) قال تعالى (يسمع) ولم يقل يعلم لأن العلم قد تكون بعيداً عنه وتعلم أما السمع فيدل على القُرب. في أوائل سورة الحديد قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4))
هو معكم، إذن يسمع تحاوركما، الذي معك يسمع التحاور إذن هناك إرتباط. في آية المجادلة قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أليس هذا مرتبطاً بقوله تعالى في سورة الحديد (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ؟ إذن الإرتباط واضح ظاهر سواء كان في خاتمة السورة السابقة أو في بداية السورة اللاحقة. إذن هذا الترتيب هو ترتيب توقيفي وهذا الذي عليه الجمهور. والعرب كانت تفهم هذا الكلام وتفهم أكثر مما نفهم لكن فقط الناحبة العلمية والمكتشفات العلمية هذا أمر آخر. لكن من حيث البلاغة هم يفهمون أكثر مما نفهم لذلك عندما تحداهم بسورة قصيرة كالكوثر أو العصر أو الصمد (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ (23) البقرة) لم يفعلوا، سور قصيرة ليس فيها تشريع ولا قصص ولا تاريخ لكنهم سكتوا وعجزوا معناه أنهم كافرهم ومسلمهم يدركون من أمور البلاغة ما لا ندركه نحن.
(سبّح) ما معنى كلمة التسبيح؟ وهل له أنواع؟
التسبيح هو التنزيه عما لا يليق، أصل التسبيح هو التنزيه (سبّح لله) أي نزّهه هؤلاء كلهم بما نفقه وبما لا نفقه من تسبيحهم (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء) الطير تسبّح والأشجار تسبّح وكل شيء يسبح (وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد) لا نفقه تسبيحها. التسبيح هو التنزيه عن كل ما لا يليق، عن كل نقص، أن تقول لله ولد أو تشبهه بخلقه أو أي شيء لا يليق بذاته. التسبيح ورد في صور شتّى: ورد التسبيح بالفعل الماضي (سبّح) وورد بالفعل المضارع (يسبح) وورد بفعل الأمر (فسبِّح)(سبِّح اسم ربك) وورد بإسم المصدر (سبحان الذي أسرى بعبده) كل هذا ورد فيه، لماذا؟ سبّح للزمن الماضي، يسبح مضارع للحال والاستقبال (المضارع للاستقبال كما في قوله تعالى (إن الله يفصل بينهم) هذا في يوم القيامة) حتى أن بعض النحاة قالوا هو للإستقبال أولاً ثم للحال. (سبِّح) الأمر وهو يدل على أن تبدأ به وتستمر، سبحان إسم مصدر. إسم المصدر قريب من المصدر، سبحان معناه علمٌ على التنزيه. نلاحظ أن الفعل مرتبط بزمن وبفاعل حتى يكون فعلاً، المصدر هو الحدث المجرّد الذي ليس له زمن ولا فاعل. إذن صار التنزيه إستغراق الزمن الماضي (سبح) والحال والمستقبل (يسبح) والأمر بالتسبيح ومداومته (سبّح) وسبحان التسبيح وإن لم يكن هناك من لم يسبح في السموات والأرض قبل الزمان وبعد الزمان إن كان أحد أو لم يكن فهو يستحق التنزيه سبحانه سواء كان هناك من يسبح بفاعل أو بدون فاعل فاستغرق جميع الأزمنة وقبل الأزمنة وبعد الأزمنة واستغرق الخلق وما قبل الخلق وما بعد الخلق.
ليس هذا فقط إنما لاحظ كيف ورد التسبيح؟ ورد التسبيح (سبِّح اسم ربك الأعلى) ذكر الإسم، و (سبّحوه بكرة وأصيلا) لم يذكر الإسم وذكر المفعول به مباشرة، (سبّحه)(سبِّح اسم ربك الأعلى) متعدي وسبّح بإسمه متعدي بالباء، متعدي بنفسه والتعدية بالإسم وبالحمد (فسبح بحمد ربك) ، (سبّح) هو في الأصل فعل متعدي. الفعل اللازم هو الذي يكتفي بفاعله ولا يأخذ مفعول به مثل ذهب ومشى ونام، الفعل المتعدي يتعدى إلى مفعول به مثل أعطى، وأحياناً يستعمل المتعدي كاللازم بحسب الحاجة مثلاً أحياناً يكون متعدياً إلى مفعوليم أو يذكر مفعولاً واحداً مثلاً (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) الضحى) ماذا يعطيك؟ أطلق العطاء ولم يقيّده بأمر معيّن. وقالوا يستعمل إستعمال اللازم كما في قوله تعالى (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) التوبة) وأحياناً لا يذكر المفعول به أصلاً (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) يونس) (يفقهون) فعل سمع متعدي (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) النمل) علم تأخذ مفعولين ما ذكرها لأنه أراد الفعل بالذات ولم يُرِد المتعلق. قد نستعمل المتعدي كاللازم نريد الفعل وليس مرتبطاً بالمفعول به كما تقول مثلاً: فلان يعطي ويمنع، ماذا يعطي؟ وماذا يمنع؟ (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) هو يسمع ويرى ولا يقيّد بشيء معين.
لم لم يستخدم إسم المصدر ليخرجه من دائرة الزمان ودائرة الفعل؟
هذا فيه زمان وفيه فاعل (أسمع وأرى) الفاعل موجود والزمن موجود.
(سبّح) يستخدمه القرآن متعدياً بنفسه مرة أو بحرف جرّ مرة أخرى فهل هناك من فرق بياني؟
سبّحه أي نزّهه، سبّح لله للتعليل أي الإخلاص تسبّحه لأجله (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) يسموها لام التعليل لبيان العِلّة وهي تدل على الإخلاص. فقوله (سبّح لله) أي أخلص التسبيح له فمن صلّى ولم يصليّ له فلا تقبل صلاته لأنه صلّى رياء ولم يصلي لله، هو قام بالفعل لكن لم يصلي لله لأنه لم يُخلِص، لو سبّح أمام الناس لكن لم يكن التسبيح لله فهو لم يسبح لله، هذا هو الإخلاص معقد النية التي تتحول إلى عبادة ألم يقل تعالى (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) الماعون) هم يصلّون ولكنهم يراءون، (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) لو أنفق لله لقُبِل، لو سبّح لله لقُبِل. إذن هناك فرق (سبّح) قام بالفعل لكن (سبّح لله) قام بالفعل وأخلص التسبيح له (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) لو نسك لغير الله ما يُقبل.
إذا تعدى الفعل بنفسه (سبّحه أي نزّهه) أي قام بالفعل، (سبّح لله) صلّى وصلّى له، زكّى وزكّى له، نسك ونسك له، لأجله إذن (سبح لله) أي سبّحه بإخلاص.
يقول تعالى (سبح لله ما في السموات والأرض) ومرة يقول (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) فهل هناك فارق بينهما؟
كل الآيات بلا استثناء إذا كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في كل القرآن في آيات التسبيح كلها، إذا قال (ما في السموات وما في الأرض) يعقب الكلام لأهل الأرض (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) الصف) لأهل الأرض، في سورة الحشر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (2)) لأهل الأرض. وإذا لم يكرر (ما) لا يذكر أهل الأرض لا يعقبها وإنما يعقبها بشيء عن نفسه أو شيئ آخر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحديد) لم يتكلم على أهل الأرض. في جميع القرآن حيث كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في جميع القرآن ولذلك لاحظ في سورة الحشر بدأ بتكرار (ما) وانتهت السورة بقوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)) ما كرر (ما) ، سورة الحشر أولها قال (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) كرر (ما) وفي نهاية السورة (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لم يكرر (ما) لأنه لم يأت بعدها كلام على أهل الأرض وانتهت السورة. لذلك نقول القرآن تعبير فني مقصود كل كلمة، كل تعبير، كل ذكر، كل
حذف قُصِد قصداً ولم يأت هكذا.
ما الفرق بين (ما) و (من) في الإستخدام اللغوي؟
في اللغة تستعمل (ما) لذوات غير العاقل ولصفات العقلاء (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ (29) طه) ماذا في يمينه؟ عصاه، (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) لذات غير العاقل ولصفات العقلاء. تقول من هذا؟ هذا فلان، تسأل ما هو؟ تسأل عن صفته فيقال مثلاً هو تاجر، (من هو؟) تسأل عن ذاته. (ما) هي تستعمل لأمرين: لذات غير العاقل ولصفات العقلاء (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (3) النساء) عاقل وربنا سبحانه وتعالى يستخدمها لنفسه كما جاء في سورة الشمس (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)) يتكلم عن نفسه سبحانه. (ما) تقع على صفات أولي العلم جميعاً حتى قسم من النُحاة أدق لا يقولون العقل لأن الله تعالى لا يوصف بالعقل ولا يصق نفسه أنه العاقل وإنما العالِم، فيقول النحاة لذوي العلم وذوات غير العاقل. في سورة الليل قال تعالى (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (3)) من الخالق؟ الله سبحانه وتعالى، في سورة الكافرون (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)) ما أعبد هو الله تعالى، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4)) الأصنام غير عاقلة و (ما) تستعمل لذوات غير العاقل وتستعمل لصفات العقلاء.
(من) إذا إنفردت تكون لذوات العقلاء تحديداً، قد تستعمل في مواطن تخرج عن هذا الأمر مثلاً أنت تُنزِلأ غير العاقل منزلة العاقل، تتكلم مع حصانك يقولون لك: من تُكلِّم؟ تقول: أكلِّم من يفهمني، من يحفظني، هذا تجوّز. في الأصل أن (من) لذات غير العاقل وأحياناً يشترط العاقل مع غير العاقل فتطلق عليهم (من) فيصير تفصيل (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) النور) من يمشي على بطنه غير العاقل، من يمشي على رجلين الإنسان، اجتمعت في عموم فصّل بـ (من) لها مواطن. أما إذا انفردت فلا تكون إلا للعاقل (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك) لذي العِلم.
(سبّح لله) بصيغة الماضي وفي بعض السور (يسبح) بصيغة المضارع فهل هذا مقصود بذاته؟
نلاحظ أنه كل سورة تبدأ بـ (سبّح) بالفعل الماصي لا بد أن يجري فيها ذكر للقتال في كل القرآن أي سورة تبدأ بـ (سبّح) فيها ذكر للقتال والمبدوءة بـ (يسبح) ليس فيها ذكر للقتال أبداً. سورة الصف (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4)) كل التي تبدأ بـ (سبّح) لا بد أن يجري فيها ذكر القتال. هذه الآية في سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)) ليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (سبح) إلا ويجري فيها ذكر للقتال وليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (يسبح) إلا لم يذكر فيها القتال. هذا توجيه للناس في الحاضر والمستقبل أن يتركوا القتال، أن لا يقاتلوا، الذي جرى جرى في تاريخ البشرية والله تعالى حكيم فعل ما فعل ودعا الناس يفعلون ما يشاؤون، هو التوجيه للخلق، للعقلاء، للناس، للمسلمين أنه في الحال والاستقبال عليهم أن يتركوا القتال ويعيشوا حياتهم، ينصرفوا إلى التعاون وما هو أنفع وما هو أجدى وما هو خير. هو توجيه لما يقول (يسبح) المضارع يدل على الحال والاستقبال لم يذكر القتال وكأنما هو توجيه - والله أعلم - للخلق في حاضرهم ومستقبلهم أن يتركوا القتال، أن لا يتقاتلوا فيما بينهم، أن يتفاهموا، أن يتحاوروا، أن يتحادثوا، أن تكون صدورهم رحبة، هذا أنفع لهم من القتال، الماضي ماضي ذهب لكن (يسبح) كأنه توجيه لعباده. الرابط بين القتال والتسبيح: التنزيه عما لا يليق والقتال لا يليق كما قالت
الملائكة (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) البقرة) .
تقديم الجار والمجرور على الفاعل في قوله (سبح لله ما في السموات والأرض) :
التقديم حسب الاهتمام في البلاغة، هل الكلام على الفاعل الآن أو على مستحق التسبيح؟ الكلام على الله وليس على الفاعل لكن يتقدم المفعول على الفاعل لأغراض بلاغية.
لماذا قدم السموات على الأرض؟ أولاً من الذين كان يسبح سابقاً أهل السماء أو أهل الأرض؟ أهل السماء لأن أهل الأرض لم يكونوا موجودين أصلاً، قبل أن خلق آدم فبدأ بمن هو أسبق تسبيحاً، بمن هو أدوم تسبيحاً (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) الأنبياء) (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) فصلت) فبدأ بأهل السماء لأنهم أسبق في التسبيح قبل خلق آدم ولأنهم أدوم تسبيحاً، أدوم في هذه العبادة.
أول آية في سورة الحديد من الناحية البيانية:
ذكرنا أن فيها تقديم وتأخير وفعل ماضي ومضارع لكن الآية (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) العزيز في اللغة هو الغالب الممتنع والحكيم لها دلالتان إما أن تكون من الحُكم أو من الحِكمة. أصلاً الحكيم لها أكثر من دلالة لكن هنا فيها دلالتين. الحكيم قد تكون إسم مفعول بمعنى محكم (فعيل بمعنى مفعول مثل قتيل بمعنى مقتول) وحكيم بمعنى مُحكم قال تعالى (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) آل عمران) وفي سورة هود قال تعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) يعني مُحكم. هنا في هذه الآية حكيم لها دلالتان: حكيم من الحُكم وحكيم من الحِكمة ونجمع المعنيين للتوسع في المعنى لأنه أحياناً في اللغة الكلمة الواحدة يراد كل معانيها التي تحتملها في آن واحد وهذا يسمى التوسع في المعنى في جملة واحدة تحتمل كل دلالاتها اللغوية ويريد هذا الشيء وليس لها معنى محدداً لأن أحياناً المعنى احتمالي. الجملة العربية نوعان ذات جلالة قطعية وذات دلالة احتمالية حتى لو وضعتها في سياقها. دلالة قطعية أي دلالة واحدة (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (275) البقرة) دلالة واحدة وتأتي بدلالة احتمالية تحتمل أكثر من معنى، تقول: اشتريت قدحَ ماءٍ، ماذا اشتريت؟ ماء أو قدح؟ إذا قلتها بالإضافة فيها إحتمالان إحتمال أنك اشتريت الماء ومحتمل اشتريت القدح، فلو قلتها بالنصب: إشتريت قدحاً ماءً تعني أنك اشتريت الماء فقط ولم تشتر القدح، إشتريت الماء ولا يمكن أن تكون اشتريت القدح. هنا الحكيم يحتمل المعنيان والمعنيان مرادان.
الحلقة الثالثة:
سورة الحديد:
تكلمنا في الحلقة الماضية على مفتتح سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بالتقديم والتأخير وذكر (ما) وعدم ذكرها وتوقفنا في نهاية الحلقة عند (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقلنا أن معنى العزيز هو الغالب الممتنع والحكيم فيها إحتمالان فعيل من الحِكمة أو من الحُكم. الحكمة هي وضع الشيء في محله قولاً وعملاً ويقولون (توفيق العلم بالعمل) . بالنسبة للناس إذا يتكلم واحد في غير مكانه وفي غير مقام فهو ليس بحكيم وإنما ينبغي أن يختار الوقت المناسب مع الأشحاص المناسبين ويتكلم بما هو في مستواهم ولا ينبغي أن يقول شيئاً ويفعل ضده فهذا ليس بحكيم. إذن الحكمة وضع الشيء في محله قولاً وعملاً. والله تعالى ذو الحكمة البالغة. الحكيم فيها اعتباران: قد تكون من باب الحكمة (الحكيم) وقد تكون من باب الحُكم (حكيم) والآية تجمعهما معاً وهذا يسمى باب التوسع في المعنى. أحياناً يؤتى بكلمة واحدة أو تعبير واحد يجمع عدة معاني كلها مرادة داخل سياق واحد. إذا أردت أن تعيّن لا بد أن تأتي أما بتعبير ذي دلالة واحدة قطعية أو تأتي بأمور أخرى حتى تصل إلى هدفك. مثال قوله تعالى: (وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (160) النساء) ما المقصود؟ كثيراً من الناس؟ كثيراً من الصدّ؟ كثيراً من الوقت؟ يحتمل ولا يوجد قرينة سياقية تحدد أحدها وإنما أرادها الله سبحانه وتعالى جميعاً يصدون كثيراً من الناس وكثير من الصدّ، هذا يسمى التوسع في المعنى. (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) هل قليلاً من الفهم؟ قليلاً منهم؟ يحتمل وهي مرادة. (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) هل هو القليل من الضحك؟ أو من الوقت؟ المعنى: فليضحكوا ضحكاً قليلاً وقتاً قليلاً وليبكوا بكاءً كثيراً زمناً
كثيراً ولو أراد تعالى أن يحدد يأتي بما يحدد كما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) الأحزاب) المراد هنا الذكر. هناك تعبيرات يسموها احتمالية ويراد بها أن تجمع لها المعاني من باب التوسع في المعنى. مثلاً في الأحكام الشرعية: (وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ (282) البقرة) و (لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) هذا حكم شرعي. (وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ)(لا) ناهية وليست نافية بدليل الراء في (يضارَّ) مفتوحة. هل هي لا يضارَر؟ أي لا يضره أحد أو لا يضارِر، هو لا يضر أحداً؟ محتمل أن الكاتب والشهيد يضغط عليه ويضر عليه ويهدد فيغير من شهادته يحتمل هذا المعنى أو أن الشهيد لا يريد أن يشهد لأسباب في نفسه، يغير في الشهادة. لا يضارَر أو لا يضارِر؟ لو أراد أن يقيّد كان يقول ولا يضارَر فيكون قطعاً هو المقصود (نائب فاعل) لو أراد أن الكاتب هو الذي يُضرِ يقول لا يضارِر. مع أن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن (ومن يرتدد) في مكان وقال (ومن يرتد) في مكان آخر (من يشاقق) و (من يشاق) بدل أن يقول ولا يضارِر أو ولا يضارَر جاء بتعبير يجمعهما معاً يريد كلاهما. إذن لو فك يجعل هناك عطف لكنه أوجز تعبيراً ويجمع المعاني ويسمى التوسع في المعنى.
(لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) لا يوقع عليها ضرر يحبث الأب يضرها إذا كانت مطلقة؟ أو هي لا تضر زوجها بحيث تمنع إبنها؟ ما المقصود؟ المعنيان مرادان وكلاهما منهي. عندنا باب إسمه التوسع في المعنى في علم المعنى، عندنا دلالة قطعية وعندنا دلالة احتمالية وهذه الاحتمالية تحتمل معاني قد تراد كلها أو بعضها فإذا أريد بعضها أو كلها يسموه التوسع في المعنى.
الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم، هذا الجمع (العزيز الحكيم) أجمل جمع: العزيز قد يكون حكيماً وقد لا يكون حكيماً، وقد يكون حاكماً وقد لا يكون حاكماً، الحاكم هو منتهى العزة منتهى العزة أن يكون حاكماً فإذن الآن صار كمال العزة بالحكم أعزّ شيء. نأتي إلى الحكمة إذا كان العزيز متهوراً تكون عزّته صفة ذم فإذن ينبغي أن يتمم بالحكمة. فإذن ربُّنا تعالى هو العزيز الحكيم والحاكم الحكيم، كمّل في العزة بالحُكم فكان أعلى شيء لأن منتهى العزة أن يكون حاكماً وأكمل الكمال عندما كان عزيزاً فهو حكيم وعندما كان حكيماً فهو حكيم إذن اجتمعت العزة والحكم والحكمة. لو كان عزيزاً غير حكيم تكون صفة ذم ولو كان حاكماً غير حكيم تكون صفة ذم. إذن الإثنين مرادان وقدّم العزيز على الحكيم لأنه عزّ فحكم، ليس عندنا في القرآن الكريم حكيم عزيز.
ما الحكمة من تقديم العزة؟ العزة قد لا يكون صاحبها حكميماً، هو تدرج، فبدأ بما هو أقل ثم انتقل للأعلى، يكون عزيزاً ثم يكون حاكماً، كيف يكون حاكماً؟ كيف وصل إلى الحكم؟ إذا لم يكن هناك جماعة تعزه فتوصله إلى الجكم؟ لا بد أن هناك جماعة أوصلوه فلا بد أن يكون عزيزاً عند هؤلاء حتى أوصلوه، إذن عزّ فحكم.
الأمر الآخر، قال (العزيز الحكيم) بالتعريف ولم يقل هو عزيز حكيم بالتنكير لأنه أراد أن يقصر العزة في الحقيقية وحده لا عزّة لغيره على سبيل الحقيقة والحكيم هو الحاكم في الحقيقة ولا حاكم سواه على وجه الحقيقة. أإن الله تعالى هو الذي يعز ويذل ويؤتي الحكم وينزعه (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) آل عمران) إذن هو صاحب العزة، الحكمة (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء (269) البقرة) ، الحكم (وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (41) الرعد) هذا التعريف القصر على أنه في الحقيقة كل عزة سوى عزته هي منه سبحانه سواء أعز أو أذلّ. وقد استخدم كلمة (عزيز) نكرة في القرآن وهذا بحسب السياق الذي تأتي فيه وهذا يحدد التنكير والتعريف.
الآية التالية: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحديد) ذكر أولاً أنه سبح له ما في السموات والأرض ثم ذكر أن له ملك السموات والأرض وهذا يقتضي أنه ملِك ما فيهما لأن الملك هو الحُكم (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) الزخرف) إذن لما قال (له الملك) إذن هو الملِك لأن المُلكِ لا يكون إلا على رعيّة، إذن هو الملِك، هو ملِك ما فيهما. أفاد تقديم الجار والمجرور (له) على أنه لا مُلك لأحد سواه على الحقيقة.
في خارج القرآن يمكن أن يقال: (ملك السموات والأرض له) لو قدمنا الخبر وكان المبتدأ معرفاً لأن أحياناً التقديم يصير واجباً إذا كان نكرة، تقول: في الدار رجل، (لا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِد) . لكن إذا كان المبتدأ معرفة فتقديم الخبر يقولون للإهتمام وأبرزها القصر. محمد قائم، قائم محمد، محمد في الدار، في الدار محمد، "محمد في الدار" هذه مبتدأ وخبر، "في الدار محمد" مبتدأ وخبر لكن قدمنا الخبر كأن الشخص يقول له لا ليس في الدار فتقول له لا في الدار، (محمد في الدار) إذا كان المخاطب خالي الذهن وسألته أين محمد؟ يقول: محمد في الدار ولا يقول في الدار محمد، الأصل عدم التقديم، الأصل حفظ المراتب وعدم التقديم: الفعل، الفاعل، المفعول به ثم القيود، هذا هو الأصل هذا لا يُسأل القائل لم قال هكذا؟ إذا قال أحدهم: أكرم محمدٌ خالداً لا نسأله لم قلت هذا؟. ولكن إذا قال محمد أكرم خالداً نقول لماذا قدّمت محمد؟ لأنه خالف الترتيب. "في الدار محمد" يجب أن يكون هناك أمر أن المخاطب يعتقد أن محمداً ليس في الدار، تقول له أنت هو في الدار، هو يرى أنه في الدكان، في المحل. من أهم أغراضه القصر وله أغراض أخرى كالاهتمام. في قوله تعالى (له ملك السموات والأرض) هذا حصراً، لو قلنا (ملك السموات والأرض له) هذا إخبار لكن لا ينفي أن يكون كما تقول فلان يملك وفلان لا يملك، لا يمنع أن يكون لأحد آخر ملك، هناك مالكين آخرين في هذا الملك، ليس هو الملك الوحيد وقد يكون هناك مالكون آخرون تحت هذا الملك، لكن له الملك حصراً لا ملك إلا هو حصراً ليس لغيره ولو قيل (ملك السموات والأرض له) يكون إخباراً وليس من باب الحصر.
سؤال من المقدم: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ما دلالة ورود هذه الآية بعد الآية الأولى؟ وهل هناك علاقة رابطة بينهما؟
ينزه الله تعالى، الشخص قد يُحمد في ذاته لم يكن مالكاً أو ملكاً فإن حكم فقد يتغير. شخص تعرفه في ذاته جيد ليس ملكاً فإذا صار ملكاً فقد يتغير أو ليس مالكاً فإن ملك على آخرين قد يتغير. إذن ربنا تعالى ذكر أنه منزّه في جميع أحواله: منزه في ذاته (سبح لله) قبل أن يكون هناك ملك وقبل أن يكون هناك أحد، ومنزّه في صفاته، منزه في عزته، منزه في حكمته، منزه في حكمه، منزّه في ملكه، منزّه في إحيائه وإماتته، لا يحيي ويميت عن عبث وإنما لحكمة، فهو منزه في كل ذلك، لا يفعل ذلك إلا عن حكمة. هذا يدل على خضوع أهل السموات والأرض له خضوع قهر وخضوع عبادة. قهر يعني غالب، قوة. (الذي له ملك السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) هذا متمكن ورب العالمين وصف تعالى نفسه بالقهار (الواحد القهار) والقهر هو التمكن، هذا خضوع قهر. كثير من الرؤوساء في الدول يُخضِعون رعيتهم خضوع قهر. ربنا له خضوع، خضوع قهر باعتبار أنه هو المتمكن العزيز الحبار والمحيي والمميت هذا خضوع قهر لأنه متمكن. وخضوع عبادة (سبح لله) إذن هو يستحق التنزيه في كل هذه لأنه عندما تعز واحداً تخضع له خضوع عبادة؟ الرؤوساء هل تخضع لهم رعيتهم خضوع قهر أو خضوع عبادة؟ خضوع قهر. رب العالمين سبحانه وتعالى عباده يخضعون له في ملكه خضوعان: قهر وعبادة. البعادة (سبح لله) وقهر (العزيز الحكيم) ، (يحيي ويميت) هذا قهر، سبحان من قهر عباده بالموت. إذن هذه الآية جمعت تنزيه خضوع العبادة (سبح لله) وخضوع القهر بما ذكر من الصفات فهو منزّه في ذاته وصفاته سبحانه.
سؤال من المقدم: ورد في بعض آي القرآن الكريم (السموات والأرض وما بينهما) أما في هذه السورة فلم يرد (ما بينهما) فهل لهذا دلالة؟
كل موطن في القرآن الكريم يذكر (وما بينهما) يأتي تعقيب على من يذكر صفات الله تعالى بغير ما يستحق، تعقيب على قول النصارى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وعلى قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المائدة) . بعد أن قال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا (17) المائدة) يقول بعدها (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) المائدة) لِمَ يتخذ الولد وهو الغني؟ له ملك السموات والأرض وما بينهما لا يحتاج الولد. اليهود يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تأتي بعدها (وما بينهما) لماذا رقّيتم أنفسكم؟ هو تعالى لا يحتاج هذا حتى يتخذكم أبناء، لِمَ يتخذكم أبناء وهو الغني؟
لاحظنا أنه في كل موطن يقول (وما بينهما) تأتي تعقيب في الله على ما لا يليق. (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا (17) المائدة) (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المائدة) .
موطن آخر بياني (له ملك السموات والأرض وما بينهما) فيها ذكر ثلاثة أشياء: السموات، الأرض، ما بينهما، أبداً في كل موطن في القرآن الكريم يذكر فيها (وما بينهما) يذكر ثلاث ملل: اليهود والنصارى والمسلمين. في كل موطن يذكر (وما بينهما) يذكر في السياق ثلاث ملل اليهود والنصارى والمسلمين: في المائدة ذكر الكلام على بني إسرائيل (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ (12)) ، نصارى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ (14) المائدة) ، أهل الكتاب (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) المائدة) ، ثلاث ملل. في الزخرف ذكر موسى وفرعون (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46)) وذكر عيسى (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)) ثم قال (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)) في كل القرآن إذا قال (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)) يذكر ثلاث ملل. وإذا لم يذكرها لا يذكر.
في آية سورة الحديد لم يقل (وما بينهما) لأن ما بينهما تعقيب على ذكر ما لا يليق بجلال الله والآية فيها تنزيه لله تعالى. والأمر الآخر ذكر ثلاث ملل وليس في الآية ذكر لها.
(يحيي ويميت) هو المنزّه في كل ما يفعل، في إحيائه وفي إماتته، في كل شيء وهذا يدل على التوحيد (وهو العزيز الحكيم) لا حكيم سواه ولا عزيز سواه هو الحاكم في كل شيء.
سؤال من المقدم: (سبح) بالفعل الماضي، (العزيز الحكيم) ، (يحيي ويميت) بالفعل المضارع؟ وفي القرآن قال أحيا وأمات، وقدم الموت على الحياة؟
هذه لأن الموت والحياة مستمر. في مواطن أخرى قال (أمات وأحيا) قدم الموت. الأصل للأحياء والأموات أنه كان حيّاً فأماته الموت يسبق الحياة. وقد تذكر في صفات الله تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) النجم) وقد يتكلم عن أموات سابقة أماتهم ثم أحياهم فيذكر الموت أولاً (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) النجم) .
الفعل المضارع له أكثر من دلالة: هو يدل على الحال والاستقبال ويدل على الإستمرار أحياناً ويدل على الحقيقة غير مقترنة بزمن، تقول مثلاً: يذوب السكر في الماء، هذه تسمى الحقيقة من حيث هي لا تقول متى؟ لو أردنا أن نتكلم عن الفعل المضارع نفرد له حلقة كاملة.
في قوله تعالى (وهو على كل شيء قدير) فيها تقديم وتأخير: هو قدير على كل شيء أراد أن كل شيء حصراً، العموم. وهنا قال (قدير) ولم يقل قادر مع أنه استخدم قادر في مواطن أخرى في القرآن لأن قدير من صيغ المبالغة على وزن فعيل، إذا عمم القدرة (وهو على كل شيء قدير) أو أطلقها (وهو العليم القدير) قادر على كل شيء هذه يستعمل صيغ المبالغة (على كل شيء) فيها كثرة. إذا عمّم أو أطلق يستعمل المبالغة، إذا عممها أي إذا قال (على كل شيء) يستخدم (قدير) وإذا قيّدها بشيء يقول (قادر)(وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) الأنعام) قُيّدت بإنزال آية، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الأنعام) قيدت بالعذاب، إذا قيّدها يقول قادر لأن قادر إسم فاعل وليس مبالغة، (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) يس) قادر إسم فاعل من فعل قدر، قدير صيغة مبالغة. قدر هي مشترك لفظي (فقدر عليه رزقه) مشترك لفظي أي لها أكثر من معنى، يقولون مشترَك لفظي وأنا أرجح مشترِك لأنه إسم فاعل لأن الفعل غير متعدي فلما تقول مشترَك يحتاج مشترك لكذا تقديراً والمشترِك هو الأصل. فحيث أطلق القدرة أو عممها أطلق الصفة (وهو على شيء قدير) ومتى قيّدها قال (قادر) ليس فيها مبالغة وليس فيها كثرة، قدير فيها كثرة. فإذن حيث أطلقها يأتي بصيغ المبالغة وحيث عمّمها بكل شيء يأتي بصيغة مبالغة وحيث قيّدها يأتي بإسم الفاعل، هذا الفارق الدلالي بين إسم الفاعل وبين صيغ المبالغة التي تدل على التكثير.
الحلقة الخامسة:
تابع سورة الحديد:
نظرة عامة على الآية (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)) :
قال تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الأول الذي ليس لوجوده بداية وهو قبل كل شيء، الآخر الذي ليس لوجوده نهاية، ليس لوجوده بداية وليس لوجوده نهاية، ليس بعده شيء لأنه آخر (هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88) القصص) هذا من حيث الدلالة. الظاهر لها دلالتان في اللغة وهما مقصودان في الآية: الأول: الظاهر هو الذي ظهر للعقول بالدلائل، تجلّى للعقول بالدلائل التي أقامها على وجوده فهو ظاهر (أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم) إذن هو ظاهر ظهر بآياته ومعجزاته الدالة في الكون. إذن الظاهر الذي ظهر للعقول وتجلّى كما قال أحدهم: لو كُشِف الحجاب ما ازددت يقيناً. والظاهر يأتي بمعنى الغالب في اللغة أي العالي على كل شيء من الظهور أي الغَلَبة (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) الصف) ظاهرين أي غالبين. إذن الظاهر لها دلالتان: الذي ظهر للعقول وتجلى للعقول بآياته والظاهر هو الغالب القهّار. الباطن أيضاً لها دلالتان، الأولى: غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار كما قال تعالى (لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) الأنعام) ، والباطن أيضاً الذي يعلم كل شيء وويعلم بواطن الأمور وخفاياها، ما ظهر وما بطن من الأمور. إذن الظاهر لها دلالتان والباطن لها دلالتان هذا من حيث اللغة. الكلمة أحياناً يكون لها أكثر من دلالة تُراد ويحتملها السياق. هو اذن الذي تجلى وهو الغالب القهار وهو المحتجب عن الأبصار الذي لا تدركه الأبصار وهو الذي يعلم خفايا الأمور وبواطنها.
تعريف الصفات: ما قال تعالى: هو أول آخر ظاهر باطن وإنما قال (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) بالتعريف لأن التعريف هو للقصر أي أنه لا يشاركه في هذه الصفات أحد يعني ليس معه أول ولو قال هو أول يحتمل أن يشاركه أحد أما الأول فهي حصر، تحديداً والآخر تحديداً والظاهر إذن لا يشاركه في هذه الصفات أحد ولا شيء. الأمر الآخر أنه لم يقيّد هذه الصفات بشيء لا بإضافة ولا وصف فلم يقل مثلاً هو أول الحكماء، أول الأغنياء، الأول في كذا وبعد ذلك تتقيد الأولية بما أضاف أو بما يليها. هذه مطلقة لم يقيدها بشيء إذن هو الأول على الإطلاق ليس بموجب شيء معين ولا مقيد بأمر معين، هو الأول. الأول بالنسبة لمن؟ ومتى؟ لكل شيء فهو سبحانه قبل الزمن وكلمة الأول تخرج من نطاق الزمن ولو أراد أن يقيدها لقيدها فأنت يمكن أن تقول: هو الأول في الفصل مثلاً، هو الأول في السباق. لو قلت هذا الطالب هو الأول هذه يحددها أنت ما يريد فقد تكون القرينة مقولة وقد تكون مفهومة من السياق والمقام هو الذي يحدد وليس من الضروري أن تنطق كل القرائن. هنا في هذه الآية ليس من قرينة تحدد فهو الأول والآخر والظاهر والباطن على الإطلاق وعلى القصر والتعريف هنا يفيد القصر وعدم التقييد يفيد الإطلاق.
فائدة العطف في (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) :
ما قال تعالى هو الأول الآخر كما قال في موضع آخر (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) الحشر) لأن العطف يأتي في الصفات فيما تباعَد من الصفات لأنه يصير أمراً مستغرباً، أما في الصفات القريبة فلا يؤتى بالعطف. أحياناً تأتي الواو للإهتمام وللتباعد ما بين الصفات. إذا كانت الصفات متباعدة يؤتى بالواو يعني ليست متقاربة من حيث أحداثها، مثلاً أنت تقول تتكلم مع شخص عن فلان وهو يعرفه لكن لا يعلم مثلاً أنه شاعر فتقول له: هو شاعر، فيقول: هو شاعر؟ فتقول وطبيب، الشعر والطب متباعد فيقول وطبيب؟ يستغرب من إجتماع هذه الصفات المتباعدة التي لا يعلمها هو في شخص، لذا تأتي الواو فإذا تباعدت الصفات فيحسن الإتيان بالواو. (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) الأول والآخر والظاهر والباطن صفات متباعدة ليست مثل العزيز الحكيم المتقاربة العزة والحكم متقاربة لكن الأول والآخر منتهى التباعد والظاهر والباطن منتهى التباعد.
هذه الآية دلّت على إبطال الشِرك: هو الأول إذن ليس معه شريك إذن دلت على إبطال الشرك لأنه الأول إذن ليس معه شريك وأنه الغني المطلق، هو الأول إذن كل ما نراه من الأمور هو الذي أوجدها لأنه هو الأول لأنه هو الغني المطلق لا يحتاج إلى شيء لأنه قبل كل شيء الخالق القادر. ثم دل قوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) على العلم المطلق فهو الإله الحق في العلم والغنى والقدرة والوجود وعدم الشرك. (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي محيط علمه بكل شيء في الكون.
ما دلالة استخدام صيغة عليم ولم يقل عالم أو علام؟
عليم صيغة مبالغة على وزن فعيل، علاّم أيضاً صيغة مبالغة على وزن فعّال، عالم إسم فاعل. مبالغة تعني كثرة في الأشياء، هو القرآن له تخصيصات في الإستعمال أحياناً يخصص بعض المفردات بمعنىً معين وإستعمال معين ودلالة معينة بما يدل على القصد في الإستعمال. سابقاً فيما قبل، العرب لغوياً يقولون الريح والرياح ويستعملون الريح للشر والرياح للخير، والقاعدين في القرآن القاعدين عن الجهاد مع أن القعود هو ضد القيام لكن القرآن خصصها هكذا. ليس كلام العرب التخصيص ولكن القرآن يخصص في الإستعمال. إنما هو يخصصها بمعنى من المعاني وهذا يدل على التحديد والإرادة في التخصيص. لما يخصص كلمة بمعنى معين مثلاً الصلاة خصصها بمعنى واحد وهو العبادة، الصوم والصيام، الصيام خصصها للعبادة في القرآن والصوم خصصها الصمت ولا تجد في القرآن كلمة صوم للعبادة وإنما كلمة صيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (183) البقرة) بينما الصوم خصصها للصمت (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) مريم) الصوم عن الكلام. القرآن أحياناً يخصص المفردة بمعنى من معانيها. اللمسة البيانية في هذا التخصيص يدل على القصد في التعبير أنه ليس كلاماً ملقى هكذا لكنه مقصود.
كلمة عالِم في القرآن لم ترد إلا في عالم الغيب مفرداً أو الغيب والشهادة، إما الغيب وإما الغيب والشهادة في القرآن كله لم ترد كلمة عالِم في 14 موضعاً لم ترد بمعنى آخر. مقترنة بالغيب (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن) أو بالغيب والشهادة (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) الأنعام) أو لم تقترن (عالِم) إسم فاعل لا يدل على الكثير عادة فاستعملها بالمفرد الذي لا يدل على التكثير. (عليم) خصصها للغيوب (وَأَنَّ اللهَ عَلَاّمُ الْغُيُوبِ (78) التوبة) لا تجد كلمة علام في القرآن في غير علام الغيوب ولم ترد إلا مع الغيوب جمع الغيب مجموعة، العلاّم كثرة والغيوب كثرة مثل سمّاع وسميع في القرآن: سمّاع استعملها في الذمّ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ (41) المائدة) (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (47) التوبة) وسميع إستعملها تعالى لنفسه (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) واستعملها في الثناء على الإنسان (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الإنسان) وسماع لم يستعملها إلا في الذم. إذن القرآن يخصص في الاستعمال. عليم مطلقة ويستعملها في كل المعلومات على سبيل الإطلاق (بكل شيء عليم) يستعملها إما للإطلاق على الكثير أو يطلقها بدون تقييد (واسع عليم) أو يستعملها مع الجمع أو فعل الجمع. مثلاً لما يقول (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) يونس) هذه مطلقة (كل) تدل على العموم، (بكل شيء عليم) هذا إطلاق، أو على العموم. قلنا إذن يستعملها مطلقة (إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ، أو عامة (بكل شيء عليم) أو مع الجمع أو مع فعل الجمع. مع الجمع (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ) جمع، (فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ
بِالْمُفْسِدِينَ) جمع، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) جمع، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) جمع. إما أن تستعمل عامة مع لكل الخلق، كل شيء أو مطلقة (واسع عليم)(سميع عليم) ليست مقيدة بشيء أو بالجمع (المتقين، المفسدين، الظالمين، بذات الصدور) أو بفعل الجمع (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة) لم يقل وما تفعل من خير، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) يوسف) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) النور) للجمع أو فعل الجمع. إذن كلمة عليم لم تحدد بشيء معين إما للعموم أو كونها مطلقة من كل شيء أو مع الجمع أو مع فعل الجمع لم يأت مع متعلق مفرد مطلقاً في القرآن لا تجد عليم بفلان أو بفعل فلان. علاّم محددة، عالِم محددة، عليم هذه استعمالاتها. إذا أراد أحدهم أن يدرس هذه الاستعمالات تدرس في باب تخصيص الألفاظ القرآنية، هذه ظاهرة في القرآن وقد نأخذ عليها عدة حلقات لاحقاً.
هذه الآية مرتبطة بما بعدها: الأول مرتبط بقوله (هو الذي خلق السموات والأرض) الذي خلق السموات والأرض هو الأول، الآخر مرتبط بقوله (وإلى الله ترجع الأمور) ، الظاهر قلنا لها معنيان إذا كان بمعنى الغالب يقول بعدها (له ملك السموات والأرض) فالذي له الملك غالب، وإذا كان بمعنى المتجلي للعباد (الذي خلق السموات والأرض) لأن السموات والأرض آيات دالة على وجوده، الباطن إذا كانت بمعنى المحتجب يرتبط بقوله (وهو معكم أينما كنتم) وإذا كان بمعنى الذي يعلم بواطن الأمور وخفاياها فيرتبط بقوله (وهو عليم بذات الصدور)(وهو بكل شيء عليم) . إذن الآية مرتبطة إرتباطاً بما قبلها وهذه سمة في القرآن الكريم كل كلماته مرتبطة وسبق أن قلنا أن الرازي يقول أن سور القرآن كلها كالآية الواحدة بل كالكلمة الواحدة في ترابطها.
نظرة عامة على الآية (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) :
قوله تعالى (الذي خلق السموات والأرض) يدل على أنه المالِك لهما هو خلقهما إذن هو المالِك إضافة إلى أنه الأول هو الخالق إذن هو المالك. دل قوله في قوله (له ملك السموات والأرض) قبلها وبعدها على أنه هو المالك إذن هو المالك وقبلها وبعدها هو الملِك لأن المُلك من الحكم هو ملك مالك إذن هو مالك الملك كما قال تعالى في آية أخرى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26) آل عمران) . المُلك من الحُكم (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْر (51) الزخرف) صاحبه ملِك، المِلك بكسر الميم من التملّك البيع والشراء صاحبه مالك. المُلك بضم الميم صاحبه ملِك والمِلك بكسر الميم صاحبه مالِك. (له ملك السموات والأرض) إذن هو الملِك. كل من الملِك والمالك له تصرف يختلف عن الآخر. لما قال له مُلك يعني هو ملِك، فرعون ملِك مصر لكنه ليس مالكاً لها، هو يحكم ولا يملك أما الله سبحانه وتعالى ذكر أكرين: له ملك إذن هو ملِك وقال خلق السموات والأرض إذن هو مالك إذن هو مالك الملك السموات والأرض هو خلقخما فهي ملكه وهو الملِك المالِك كما قال في آية أخرى (مالك الملك) . المُلك هو مِلكه كما يملك المالك أي شيء ولذلك في سورة الفاتحة نزلت الآية مرتين (مالِك يوم الدين) ونرلت (ملِك يوم الدين) قراءتين متواترتين وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما حتى يجمع معنى مالك الملك ينبغي أن تنزل مرتين: مالِك تدل على معنى وملِك تدل على معنى وهو مالك وملك فأنزلها ربنا تعالى مرتين مرة مالك ومرة ملك. إذن الذي خلق السموات والأرض هو يملكهما وقال قبلها وبعدها (له ما في السموات والأرض) إذن هو الملِك إذن هو مالك المُلك. لما كان كل من الملِك والمالِك كلاهما ينبغي أن لا يندّ عنه في ملكه شيء. المالك ينبغي أن يعلم كل شيء عما يملكه. المالك ينبغي أن يعلم ماذا يملك والملك ينبغي أن يعلم ماذا يملك، إذن كلاهما المالك والملك ينبغي أن يعلما عن ملكه أو عن ما يملك إذا كان مالكاً ولما كان ربنا
سبحانه وتعالى مالك الملك إذن ينبغي أن يعلم كل شيء في مِلكه فقال (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لأنه لا يصح لملك أو مالك أن لا يعلم شيئاً فيما يملك ولذلك لا يندّ عنه في ملكوته شيء لا المسكن ولا الساكن في الأرض ولا في السماء كلها. وليس ذلك فقط، ليس يعلم فقط وإنما أول مرة ذكر العلم المطلق (يعلم ما يلج) ليس ذلك فقط وإنما هو يُبصر ما فيهما (بما تعملون بصير) ليس العلم فقط لأن العلم قد يأتي عن طريق الإخبار. الفرق بين العليم والبصير أن العليم قد يأتي عن طريق الخبر وليس بالضرورة أن يرى فالملِك قد تأتيه الأخبار دون أن يبصر. هذه مرحلة أخرى ليس فقط يعلم وإنما هو يُبصر أيضاً (والله بما تعملون بصير) وأيضاً له مرتبة فوق الإبصار وهي المعيّة والمصاحبة (وهو معكم) لأن البصير قد يبصر عن بعيد، معكم تفيد أنه معنا (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ق) (والله معكم أينما كنتم) فهذه مرحلة فوق الإبصار، وله مرتبة فوق ذلك في الآية وليس فقط المعية والمصاحبة وإنما هو يعلم ماذا نفعل والسبب ظاهراً وباطناً ويعلم عمل كل عامل لِمَ عمله؟ لأنه أحياناً أنت ترى الإنسان يعمل عملاً وأنت لا تعلم لِمَ فعل ذلك؟ الله تعالى ليس فقط يعلم العمل ولا يبصره ولا معه وإنما يعلم لِمَ فعله. (بما تعملون بصير) بصير لها معنيان: البصر الرؤية هو سبحانه يرى لأنه قال (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) ولكن ليس كرؤيتنا لأنه كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك. تأتي البصر بمعنى الرؤية وتأتي بمعنى علِم دواخل النفوس بصير بما يعمل العاملون. بصير ليست
بمعنى واحد (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ (96) طه) هذا بصر وبصير بالشيء أي بدواخل الأمور.
هذه الآية ذكرت كل مراتب العلم:
عليم (يعلم ما يلج) إذن هو يعلم الداخل والخارج والصاعد والنازل، هذا العلم.
مصاحب لنا أينما كنا (وهو معكم أينما كنتم)
مبصر لأعمالنا (والله بما تعملون بصير)
ويعلم لِمَ فعلنا ذلك
إذن إستوفى كل مراتب العلم وهذا يتناسب مع الآية السابقة (وهو بكل شيء عليم) وارتبطت بها ارتباطاً. في الآية السابقة قال تعالى (وهو بكل شيء عليم) وهذه الآية (والله بما تعملون بصير) لم يقل وهو بما تعملون بصير مع أنه استعمل (هو) في الآية لأنه تكرر الضمير (هو) فأراد أن يغير.
عرفنا ترتيب الآية وهيكلها لكن ننظر الآن كيف استعملها؟ لو لاحظنا قال (يعلم ما يلج في الأرض) لم يقل يعلم ما يولِج في الأرض (يلج بمعنى يدخل) أي يعلم ما يولجه هو، الله تعالى من قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل إنما قال (يلج) أي يدخل، من حيث العلم عادةً الشخص الفرد يعلم ما يفعله هو ولو قال يولج لكان طبيعياً أنه يعلم ما يفعله هو وما يولجه هو، هذه قدرة (يولج) وتلك علم (يلج) لكن لما قال (يلج) فهذا يدل على العلم، هو ما قال يعلم ما يولِج لأنه قطعاً هو يولِج فهو يعلم لكنه قال (يلج) هذا يدل على العلم. وقال (وما يخرج) وما قال وما يُخرِج وقال وما ينزل ما قال وما يُنزِل وقال وما يعرج ولم يقل وما يُعرِج وهذا يدل على العلم فقال ما يدل على العلم هذا أمر. والأمر الآخر قدّم تعالى ما يتعلق بالأرض على ما يتعلق بالسماء (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) لأن الكلام على أهل الأرض (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) إذن لما كان الكلام على أهل الأرض يتكلم عن مسكنهم لما قال (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يتكلم عن الأرض فيبدأ بأهل الأرض. مع أنه قال (خلق السموات والأرض) قدّم السموات هنا لأن خلق السموات أسبق. لكن هنا يتكلم عن العلم فقدّم الأرض.
الأمر الآخر من الناحية الفنية ناسب بين صورتين فيما يتعلق بالأرض والسماء، صورة فنية: بالنسبة للأرض قال (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) وفي السماء قال (وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) وفي الأرض قال (ما يلج) وفي السماء (وما ينزل) وكلاهما نزول إلى أسفل (ما يلج في الأرض) إنزال ودخول. هذه ما يلج في الأرض ينزل فيها وكثير مما ينزل من السماء هو يلج في الأرض من مطر وغيره. ثم قال (وما يخرج منها) و (وما يعرج فيها) وكلاهما إرتفاع وعلو. إذن من الناحية الفنية ناسب وليس فقط إختيار مفردات لكن يناسب بين الصور: ما يلج وما ينزل، وما يخرج وما يعرج وكما قلنا أن كثيراً مما ينزل قد يلج في الأرض وكثيراً مما يخرج يعرج إلى السماء:(وما يخرج منها) فيها احتمالين ما يخرج منها من الحشرات والنبات أو ما يخرج من محيطها. هذه الفكرة العامة عن الآية.
ما دلالة استخدام بعض الأفعال المحددة: السموات جمع والأرض مفرد؟
القرآن لم يذكر الأرض بالجمع مطلقاً، السموات سبع ولم يجمع كلمة الأرض في القرآن أبداً وإنما قال (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (12) الطلاق) أما في الحديث فجمع الأرض على أرضين "طوِّق من سبع أراضين". (من السماء) لم يقل السموات لأن السموات ذكرها مع الخلق.
الحلقة السابعة:
تتمة سورة الحديد
سؤال من المقدم: قال تعالى في سورة الحديد (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) وقال في سورة سبأ (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)) اختلف ختام الآيتين وفي آية سورة سبأ لم يذكر (وهو معكم أينما كنتم) فما هي اللمسة البيانية في الآيتين؟
في الدراسات القرآنية السياق يوضح كثيراً من الإجابات عن الأسئلة. عندما نرى آيتين تختلفان في كلمة أو في ذِكر أو عدم ذِكر فالرجوع إلى السياق يوضح هذا الأمر كثيراً. لو لاحظنا هذه الآية في سورة الحديد (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) قال تعالى قبلها (وهو بكل شيء عليم) هذا يدل على علمه وإحاطته بكل شيء، (وهو معكم أينما كنتم) هذا مناسب للعلم ويترابط معه. وبعدها قال تعالى (وهو عليم بذات الصدور) فهذه الآية متناسبة مع السياق التي وردت فيه وهو العِلم قبلها وبعدها (وهو معكم أينما كنتم)(والله بما تعلمون بصير) متناسب مع ما قبله (وهو بكل شيء عليم) ومتناسب مع ما بعده (وهو عليم بذات الصدور) . هذا الموقع غير موجود في سورة سبأ، هذا أمر.
الأمر الآخر قال تعالى (وهو معكم أينما كنتم) في سورة الحديد وهذا يدل على المراقبة ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعَمَلنا قال (والله بما تعملون بصير) . وفي سورة سبأ قال في ختام الآية (وهو الرحيم الغفور) وفي الحديد قال (والله بما تعملون بصير) هذا متناسب مع المراقبة (وهو معكم أينما كنتم) . إذن في سبأ ختمها (وهو الرحيم الغفور) فأراد تعالى أن يرحم الناس بالرحمة والمغفرة فرفع ذِكر المراقبة، أليس من رحمته أن يرفع ذكر المراقبة؟ عدم ذكر المراقبة أنسب مع الرحمة والمغفرة، أن تراقب الإنسان في كل شيء هذا ليس من الرحمة إذن ختام الآية (وهو الرحيم الغفور) أراد الله تعالى أن يرحم الناس فرفع ذِكر المراقبة في آية سبأ بخلاف آية سورة الحديد التي فيها العِلم (وهو معكم أينما كنتم) ، هذا أمر.
الأمر الآخر في آية سبأ ذكر الآخرة قبل الآية وبعدها، بدأت الآية في سورة سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)) الآخرة ليست وقت عمل ولا مراقبة وإنما وقت جزاء. الآية التي بعدها في الساعة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (3)) قبلها وبعدها الكلام في الساعة والساعة ليست لا وقت مراقبة ولا وقت عمل. آية الحديد (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) إذن آية الحديد في بداية خلق السموات والأرض وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها، وفي سورة سبأ زمان طيّ صفحة الأعمال، الآخرة هي طيّ صفحة الأعمال، فما قال (وهو معكم أينما كنتم) في آية سبأ لأنه ليس وقتها وانطوت صفحة الأعمال في الآخرة وانتهت فلذلك لم يذكرها بينما في سورة الحديد فهو زمان بداية الأعمال وزمان المراقبة (هو الذي خلق السموات والأرض) فإذن السياق مختلف: في سبأ في الآخرة وهو في طيّ صفحة الأعمال وفي الحديد في بداية صفحة الأعمال ولذلك وضع المراقبة مع السياق الذي يقتضي وضعها فيه ورفعها من السياق الذي لا يقتضي سواء كان في الآخرة أو في وقوعها ما يتعلق بالآخرة.
الأمر الآخر جو السورة أحياناً يظهر إختيار العبارات أو ذِكر أو عدم الذِكر: في سورة الحديد تردد فيها ذكر العلم والمراقبة (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)) (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)) (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25)) كلها عِلم، جو السورة يتردد فيه العلم. في سورة سبأ الذي شاع في جو السورة ذِكر الآخرة (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ (1)) (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ (3)) (أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)) (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (5)) (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7)) (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8)) (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)) (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (23)) (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)) (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (29)) (قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30)) (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31)) (فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)) (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38)) (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40)) (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (51)) إلى آخر السورة سورة سبأ شاع فيها ذِكر الآخرة، وفتحت بذكر الآخرة وختمت بذكر الآخرة وهذا لا يتناسب مع جو المراقبة. ذاك جو العِلم يتناسب مع (وهو معكم أينما كنتم) . إذن في كل الأمور: ما قبل الآية وما بعدها، ختام كل آية من الآيات يتناسب، السياق، بداية الأعمال وطيّ صفحة الأعمال، كل هذا يتناسب مع وضع كل تعبير في مكانه. ثم ختمها بقوله (والله بما تعملون بصير) قدّم العمل على البصر لأنه ورد بعدها (وهم معكم أينما كنتم) قدّم عملهم لأن الكلام عليهم أنفسهم (وهو معكم أينما كنتم) ما قال بصير بما تعملون.
سؤال من المقدم: ما الحكمة من التكرار في القرآن؟
بحسب السياق الذي ترد فيه والغرض، هو كتاب هداية، هذا تصريف للآيات (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) الأعراف) يأتي بها بصور شتى حتى تتردد في النفس وحتى تثبت في الذهن وحتى تثبت في القلب يردد معاني هنا وهناك إضافة إلى الإعجاز في التعبير، إختيار العبارات كل واحدة مناسبة في مكانها. خذ الرسل لما أتوا إلى أقوامهم أمروهم بأمر واحد (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) فهذا المعنى وهو يتعلق بدواعي الإيمان يثبتها بصور شتى، بأمور شتى وتصاريف شتى لأن القصد هو تثبيت العقيدة في النفس. تصريف الآيات هو ترتيبها وتغييرها من حالة إلى حالة حتى يثبتها في النفس فيأتي بمثال ويركز في كل مسألة على ما يريد أن يتحدث عنه. وقد يكون التكرار هو من أعذب الكلام في البلاغة حتى في الشعر وفي غير الشعر لما يقول الشاعر:
يا موقِد النار بالهندي والغار هيا اشتري حَزَناً يا موقِد النار
(فيا قفر معنٍ ويا قفر معنٍ) أحياناً التكرار يكون من أعذب الكلام في موطنه وله فوائد كثيرة.
ختمت الآية في سورة الحديد بـ (بما تعملون بصير) في آية الحديد يتناسب مع ذكر المراقبة (وهو معكم أينما كنتم) وفي آية سبأ السياق في الآخرة ذكر الرحمة (وهو الرحيم الغفور) فرفع ذِكر المراقبة لأنه أنسب مع الرحمة.
سؤال من المقدم: يقول تعالى (بما تعملون بصير) وفي آية أخرى يقول (بصير بما تعملون) فهل للتقديم والتأخير لمسة بيانية؟
التقديم والتأخير يأتي لسبب والسياق قد يكون الحاكم والموضح للأمور. إذا كان سياق الكلام أو الآية في العمل يقدّم العمل وإذا لم يكن السياق في العمل أو إذا كان الكلام على الله سبحانه وتعالى وصفاته يقدّم صفته. من باب تقديم العمل على البصر: (وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) البقرة) بهذا العمل بصير، إذا كان السياق عن العمل يقدم العمل على البصر وإذا كان الكلام ليس في السياق عن العمل أو الكلام على الله تعالى وصفاته يقدم صفته. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) البقرة) هذا إنفاق، (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَاّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) البقرة) (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلَاّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ
عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) البقرة) (وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) هود) (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) هود) الكلام على العمل فقدم العمل (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) سبأ) قدم العمل، (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت) هذا في القرآن كله إذا كان الكلام ليس على العمل أو على الله تعالى (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) البقرة) ليس فيها عمل، (وَحَسِبُواْ أَلَاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) المائدة) لا يوجد عمل، (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحجرات) يتكلم عن الله تعالى فيقدم صفة من صفات الله تعالى.
هذا في العِلم والخبرة والعمل وليس فقط في العلم والبصر وهذا خط عام في القرآن. (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) البقرة) هذا عمل فقدم العمل على الخبرة، (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد) الإنفاق عمل فقدم العمل، (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) البقرة) هذا عمل فقدم العمل. بصير وخبير تستعمل بحسب السياق. (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) النمل) ليس في الآية عمل فقدم الخبرة لأن الكلام ليس على عمل الإنسان ولكن على صنع الله الذي أتقن كل شيء.
نظرة عامة على آية سورة الحديد (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (5)) :
في الآية التي قبلها ذكر خلق السموات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) الصانع قد لا يكون ملكاً، خلق السموات والأرض هو خلقها، هو صنعها. الخلق قد يكون ابتداء أي سوّاها وقد يكون صنعها (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (88) النمل) الصناعة لا تقتضي أن يكون ملِكاً، صانع الشيء ليس بالضرورة أن يكون ملكاً حاكماً. الآية الأولى قال (هو الذي خلق السموات والأرض) فعلها وسوّاها، الصانع قد لا يكون ملكاً. هذه الآية قال (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) يعني هو الملك وليس فقط الصانع، هو الصانع وهو الملك وقلنا أن المُلك هو من الحُكم والملِك من التملك. هذه الآية قال (له ملك السموات والأرض) تدل على المُلك وقبلها يدل على الملكية (هو الذي خلق السموات والأرض) . كلمة خلق يصح نسبتها للإنسان (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) المؤمنون) هذا ممكن لأن عيسى عليه السلام قال (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ (49) آل عمران) . هل بالضرورة أن يكون الخالق ملكاً؟ ليس بالضرورة أن يكون ملكاً فأناس كثيرون يصنعون أشياء لكنهم ليسوا ملوكاً. قبلها قال (خلق السموات) هو صنعها (صنع الله الذي أتقن كل شيء) هذه واحدة. والآية بعدها هو ليس صانعاً فقط وإنما هو ملك أيضاً (له ملك السموات والأرض) هو الذي خلق تحديداً وله الملك تحديداً فإذن هو الملك وهو الصانع الذي صنع وهو الملك فلا ملِك سواه لأنه قدّم (له ملك) ليس هناك ملك سواه وإن ملكه ممتد بعد انقضاء الدنيا (له ملك السموات والأرض) .
(وإلى الله ترجع الأمور) : المفسرون يذكرون فيها أمرين: الأمور كلها ترجع إليه وهو الذي يقطع في الأمور ويبتّ فيها والمعنى الآخر إثبات المعاد أي الآخرة (فإذن هو الذي يقطع ويبتّ فيها وليس هنالك ذاتٌ إلا الله حصراً وليس هناك جهة أخرى تقطع في الأمور وتبتّ فيها كل أمور السموات والأرض ترجع إلى الله حصراً هو يقطع فيها. وإثبات المعاد الآخرة. وتقديم الجار والمجرور تفيد الحصر (وإلى الله) لله فقط سواء المقصود المعاد (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) السجدة) (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) القيامة) إلى الله حصراً لا إلى جهة أخرى. لو قال: ترجع الأمور إلى الله ليس فيها حصر وقد يحتمل أن ترجع إلى شيء آخر. (له ملك السموات والأرض) ملك السموات والأرض له حصراً. التقديم والتأخير إذا كان التقديم على العامل (نقدم الفاعل على الفعل مثلاً صار مبتدأ، نقدم المفعول به على الفعل: أكرمت محمداً، محمداً أكرمت) ، نعبدك - إياك نعبد، نستعينك - إياك نستعين، أي حصراً. إياك نعبد أصلها نعبدك فلما قدم الكاف (إياك) صارت العبادة حصراً لله تعالى لذا لم يقل إيانا إهدِ وإنما قال إهدنا الصراط المستقيم لأنه لا يصح ولا يجوز لأنها تعني اهدنا ولا تهدي أحداً غيرنا، خُصّنا بالهداية ولا تهدي أحداً سوانا، إهدنا أي خُصّنا بالهداية مثلما قال الأعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إرحمني ومحمداً ولا ترحم أحداً سوانا. فلا تقول: إياي ارزق لا تصح ولا تجوز وإنما قُل ارزقني لأن إياي ارزق تعني أنك تطلب الرزق فقط لنفسك. التقديم والتأخير لها دراسة مقصودة وفيها رسائل.
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)) :
هذه فيها أمرين: فيها دلالة على القدرة (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) ارتبطت بقوله (وهو على كل شيء قدير) في أوائل السورة. إذن هذه (يولج الليل في النهار) دالة على القدرة. يولج بمعنى يُدخل.
سؤال من المقدم: ألا يدل يولج الليل في النهار على أنه يولج النهار في الليل أيضاً؟
يولج الليل في النهار لا تعني بالضرورة أنك تولج النهار في الليل وإنما جعل الإثنين ليشمل الليل والنهار. يولج أصلها من فعل ولج يلِج (يعلم ما يلج) الفعل في الأصل من دون زيادة: ولج يلِج ويلج بمعنى يدخل.
الفرق بين يلج ويدخل: يدخل أوسع وتستعمل في أشياء كثيرة (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر) كأنما الولوج في شيء يحتاج إلى ضيق والدخول أوسع.
إرتباط الآية بما قبلها وبعدها: هذه دلالة على القدرة (وهو عليم بذات الصدور) والآية فيها أمران: فيها القدرة وفيها العِلم. القدرة هي ما ارتبط بما قبلها (وهو على كل شيء قدير) والعِلم مرتبط أيضاً بما قبلها وما بعدها، قبلها قال (بكل شيء عليم)(وهو عليم بذات الصدور) ذات الصدور أي مكنوناتها وخفاياها. المكنونات والخفايا التي تلزم الصدور ولا تريد أن تطلع عليها أحداً. (ذات) مؤنث ذو، ذو للمذكر أي صاحب وذات للمؤنث أي صاحبة، نقول هو ذو مال أي صاحب مال، ذات الصدور أي الأشياء الخفية المختصة بالصدور، التي تملكها الصدور، المكنونات الخفية الملازمة لها.
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) :
سؤال من المقدم: ختمت هذه السورة بقوله تعالى (لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وفي سورة الإسراء قال تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)) بالتأكيد فما دلالة هذا التأكيد؟
أولاً نظرة عامة على الآية: أولاً: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أمرهم بشيئين: الإيمان بالله والرسول والإنفاق. هذا الأمران يطبعان السورة إلى حد كبير الإيمان بالله والرسول وليس الإيمان على العموم، الإيمان بالله والرسول يشيع ذكرهما في السورة كلها لم يذكر أركان الإيمان الأخرى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) ذكر قسماً من أركان الإيمان وهو الإيمان بالله ورسوله، (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ (8)) (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء (19)) (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (21)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28)) صبغة عامة تطبع السورة في عمومها، والإنفاق (وأنفقوا) .
الإيمان بالله والرسول لم يذكر أركان الإيمان، والانفاق يطبعان السورة إلى حد كبير (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (10)) (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (11)) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (24)) السورة مطبوعة بهذين الطابعين، لم يذكر جميع أركان الإيمان ولا عموم العمل الصالح وإنما ذكر جانباً من العمل الصالح وهو ما يتعلق بالانفاق. ومع أنه ذكر القتال لكنه لم يأمر به (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (10)) ما قال قاتلوا ولكن قال أنفقوا، جاء فيها ذكر للشهداء (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25)) من مظنّة الجهاد لكن الانفاق هو الطابع العام في السورة وليس عموم العمل الصالح. جزء من العمل الصالح وقسم من أركان الإيمان، السورة لها منهج هذين الأمرين.
(وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) رغّبنا في الانفاق أكبر ترغيب فقال تعالى (وأنفقوا مما جعلكم) جاء بـ (مما) للتبعيض لو قال وأنفقوا ما جعلكم مستخلفين لأنفقوا الكل. (جعلكم مستخلفين فيه) هو ربنا تعالى جعلكم واستخلفكم وهو الذي يطلب الانفاق، ما قال (وأنفقوا مما أنتم مستخلفين فيه) هو سبحانه أعطانا المال وهو يأمرنا بالانفاق، (جعلكم) يعني هو الذي أعطانا إياه، (مستخلفين فيه) فالأموال هي أموال الله تعالى استخلفكم فيها ثم كانت لغيركم ثم نقلها إليكم وستنتقل إلى غيرنا سواء في حياتنا أو بعد موتنا. فإذن كل هذه الأمور هو الله تعالى استخلفنا فيها، المال ماله وهو استخلفنا فيه ولن يبقى، كان لغيرنا ثم نقله إلينا وهو بين أيدينا وقد ينتقل إلى غيرنا في محيانا أو بعد مماتنا فلم لا تنفقون؟ هو أعطانا الأموال فلماذا لا تنفق ولك أجر كبير؟ إذن دواعي الانفاق متكاثرة والمال هو مال الله تعالى هو استخلفنا فيه، كان لغيرنا ثم وصل إلينا ثم ينتقل منا إلى غيرنا وهو أعطانا إياه فلماذا لا ننفق ولنا أجر؟ فإذن الترغيب في الإنفاق إلى حد كبير فأنفق ولك أجر.
الحلقة العاشرة:
تتمة سورة الحديد:
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) نظرة عامة على الآية وما فيها من لمسات:
هذه الآية سبق أن تكلمنا فيها على العموم ونذكّر المشاهدين بما ذكرناه في الآية أولاً ثم نواصل. في الآية أمرهم الله تعالى بشيئين: الإيمان بالله ورسوله (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) والانفاق (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7)) إذن أمرهم بشيئين الإيمان بالله والرسول والإنفاق وهذان الأمران يطبعان السورة ويشيع ذكرهما في السورة. لم يذكر جميع أركان الإيمان في السورة وإنما كرر الإيمان بالله ورسوله (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ (8)) (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء (19)) (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (21)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28)) لم يذكر جميع أركان الإيمان وإنما ذكر أمرين: الإيمان بالله ورسوله والإنفاق ولم يذكر عموم العمل الصالح وإنما ذكر الإنفاق وكرره في السورة (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (10)) (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (11)) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (24)) . لم يذكر جميع أركان الإيمان ولا عموم العمل الصالح وإنما خصص من الإيمان الإيمان بالله ورسوله وخصص من العمل الصالح يكاد يخصص الإنفاق، وذكر القتال لكن لم يأمر به (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (10)) وذكر الشهداء (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (19)) (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25)) لكن الطابع العام من العمل هو الإنفاق. (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) استخدم (من) ولم يقل أنفقوا ما جعلكم مستخلفين فيه فنحن مستخلفون في هذه الأموال إستخلفنا فيها وستذهب إلى غيرنا فينبغي أن ننفق منها وقد استخلفنا ربنا فيها. هذا على العموم (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) فذكر أن لمن آمن وأنفق أجراً كبيراً.
سؤال من المقدم: في ختام هذه الآية في سورة الحديد قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وفي سورة الإسراء قال تعالى (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)) أكّد في الإسراء ولم يؤكد في الحديد لماذا؟
أولاً فواصل الآيات هي أنسب مع كل واحدة لأن الإسراء فيها مدّ (أليما، عجولا) لكن ليس هذا هو السبب الأول أو الوحيد أي ليست مناسبة خواتيم الآيات هو السبب الأول وقد يكون سبباً مكملاً يأتي بعد السبب الأول. المعنى هو السيد وليست الفاصلة. وقد يأتي بسورة كاملة ثم يأتي بآية لا توافقها أي آية ففي بداية سورة الإسراء قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)) ولا تجد مثل هذه الفاصلة في جميع السورة وإنما كلها مدّ. فالمعنى هو الأول لكن قد يأتي مع تمام المعنى ما يناسب الفاصلة. نذكر لماذا أكدّ ولماذا لم يؤكد والنتيجة أنه كل آية مناسبة لفواصل الآيات. في آية الحديد قال تعالى (فالذين آمنوا) بصيغة الفعل أما في الإسراء فقال تعالى (ويبشر المؤمنين) بالإسم. معلوم كما هو مقرر في البلاغة وفي اللغة أن الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد والإسم أقوى من الفعل، هناك فرق بين أن تقول هو متعلم أو هو يتعلم وهو يتثقف وهو مثقف، هو يتفقه وهو فقيه، هو حافظ أو هو يحفظ من الثوابت في اللغة أن الإسم يدل على الثبوت في اللغة حتى لو لم يقع. في البلاغة عموماً يذكر أن هذا أمر ثابت تذكره بالصيغة الإسمية قبل أن يقع، تسأل مثلاً هل سينجح فلان؟ فتقول: هو ناجح قبل أن يمتحن لأنك واثق أنه ناجح كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة) (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37) هود) لم يقل سأغرقهم. هذا في التعبير أقوى دلالة من الفعل. الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد. فإذن في سورة الحديد قال (فالذين آمنوا) صيغة فعل وفي الإسراء (ويبشر المؤمنين)
فالصيغة الإسمية أقوى.
ثانياً الإيمان في سورة الحديد خصصه الله تعالى بالله ورسوله (آمنوا بالله ورسوله) إذن الإيمان مخصص، أما في الإسراء أطلقها (ويبشر المؤمنين) لم يخصص الإيمان بشيء، جعله عاماً في كل متطلبات الإيمان ليست مختصة بالله ورسوله فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كل أركان الإيمان أطلقها ولم يقيدها فجعلها أعمّ أما في الحديد فالإيمان مخصص بشيئين: الإيمان بالله ورسوله. في الإسراء مطلق لم يخصصه (ويبشر المؤمنين) هذه في الإسراء أعمّ من آية سورة الحديد.
في سورة الحديد ذكر الإنفاق (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ولم يذكر غيره من العمل الصالح أما في آية الإسراء فقال (الذين يعملون الصالحات) الذين يعملون الصالحات أعم، الإنفاق هو شيء من العمل الصالح فالذين يعملون الصالحات أعمّ من الذين أنفقوا. إذن أولاً كونهم مؤمنين أثبت من الذين آمنوا ثم أطلق الإيمان بكل مقتضيات الإيمان (مؤمنين) ولم يقيده والعمل أطلقه ولم يقيده بشيء لم يقيده بإنفاق (يعملون الصالحات) فلا شك أن آية الإسراء أعمّ فلما كان أعمّ إذن المغفرة والأجر الكبير تُؤكّد للأعمّ الثابت لا للجزئية. مؤمنين أعمّ وأثبت، مؤمنين عامة على الإطلاق وليس فقط بالله والرسول، العمل بإطلاق، عموم العمل وليس فقط الإنفاق إذن توكيد الأجر الكبير أنسب مع الذين ذكرهم في آية الإسراء مع من هو أعمّ في العمل والإيمان وأثبت في الإيمان. إضافة إلى الفاصلة التي في كل آية لكن لو سألنا شخصاً لا يعلم بالبلاغة نقول له أنت عندك آيتان كالتي معنا فأين تؤكد الأجر؟ يقول في الإسراء. بلاغة القرآن كالقوانين الرياضية الثابتة.
سؤال من المقدم: ما الذي يحدث لو لم يؤكد في الإسراء؟
لو كان كلاماً عادياً لا يؤكد لكن لما تأتي في البلاغة ويأتيك موطنين كل واحد في مكان. البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال بمعنى ماذا يحتاج الحال؟ هل يحتاج توكيد؟ أنت رأيت إنساناً مُنكِراً تؤكد له، غير منكر لا تؤكد له، إنسان منكر إنكار كبير تقسم له هذا ما يقتضيه الحال. أي الحالين يقتضي توكيد الأجر الكبير؟ لو كان كلام متكلم عادي يتكلم بما يشاء لكن هل هو على حد البلاغة أن يكون كلام في مكانين وواحد منهم فيه أمور أرسخ من الآخر وأوسع وأعم تجعلهما بشكل واحد؟!. في سورة يس مثلاً قال تعالى (إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) وقال (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) أكّد أول مرة بـ (إن) وهذا التأكيد جاء بعد تكذيب (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)) ثم صدر إنكار آخر بعده (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تَكْذِبُونَ (15)) فاحتاج لتوكيد بالقسم (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) (ربنا يعلم) هذا قسمٌ عند العرب، القَسَم و (إنّ) واللام في (لمرسلون) هذا بعد الإنكار الآخر (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) . لا يستوي أن يقول إنا إليكم مرسلون لأنه زاد الإنكار فزاد التوكيد. القرآن الكريم يبين ذلك تماماً كالمعادلة الرياضية.
سؤال من المقدم: في سورة الحديد قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) وفي سورة فاطر أضاف المغفرة فقال (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) وفي سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فما دلالة ذكر المغفرة مع الأجر وعدم ذكرها؟
كل موطن في القرآن يذكر فيه المغفرة يجب أن يذكر فيه الذنوب والكافرين في سائر القرآن. لما يضيف المغفرة للأجر الكبير لا بد أن يسبقها أو يأتي بعدها الذنوب والكافرين، يذكر في السياق أمرين: الكافرين والذنوب. في سورة فاطر بدأ تعالى بقوله (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)) سوء عمله هذا ذنب، (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (10) فاطر) ذكر الكافرين مع الذنب، (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا) مباشرة بعده في سياق الكفر والذنب. نفس الأمر في سورة الملك (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) ذنب وكافرون، كلما يقول مغفرة وأجر كبير يسبقها أمران الكفر والذنب. في سورة الحديد لم يذكر الكافرين ولا الذنب فلم يذكر المغفرة.
سؤال من المقدم: مع الذنوب يستعمل القرآن اغفر ومع السيئات فيستعمل كفِّر (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (193) آل عمران) فهل هناك فرق بين اغفر وكفّر وبين الذنوب والسيئات؟
الذنوب أكبر من السيئات، السيئات صغائر والذنوب كبائر. تستعمل سيئة وقد تكون من اللمم، أنت تقول أسأت إلى فلان ولا تقول له أذنبت معه. فالسيئة قد تقال لصغائر الذنوب والذنوب ما هو أكبر. هذا يقتضي التغيير في المغفرة والتكفير. يقولون أن التكفير هو أصلاً ستر: كَفَر الشيء أي ستره ومأخوذ أصلاً من الزرع فالزارع يسمونه الكافر لأنه يستر البذرة في الأرض، كفرها أي سترها. الكافر في الشريعة هو الذي خرج عن الملة هذا في الاصطلاح وفي اللغة يعني ستر. في العربية البذرة تحفر لها حفرة صغيرة، وأصلاً العرب يسمون الليل كافر ومن أسماء الليل الظلمة والكافر لأنه يستر كما قال الشاعر:
لي فيك أجرُ مجاهد إن صحّ أن الليل كافر
المغفرة من المِغفَر وهو الذي يُلبس في الحرب حتى يمنع السِهام. أيها الأمنع من الإصابة المِغفر أو التراب في الأرض؟ المِغفر أمنع. الليل يستر لكن لا يمنع سهماً أو إصابة وإنما يستر على العموم لكن لو جاءت ضربة لا تمنع أما المِغفر يمنع، فلما كان الذنب أكبر فهو يحتاج إلى مانع أكبر لذا قال معه مغفرة لأن الذنب أكبر، الذنب يصيب الإنسان إصابة كبيرة فيحتاج إلى مغفرة كما يحتاج المِغفر في الحرب. لما كان الذنب أكبر إحتاج لمانع أكبر ولمغفرة أشدّ. كفر ستر قد تكون بدون منع أو قد تكون بمانع خفيف لذا قال (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) .
سؤال من المقدم: هل هذا من قبيل الترادف في العربية أم أنه ليس هناك ترادف في العربية؟
هذا كلام طويل بين اللغويين والذي يبدو لي الترادف عندما يكون من لغتني أما في اللغة الواحدة فليس فيها ترادف. لغة تسمي سكين ولغة تسميها مدية، هاتان لغتان، اللهم إلا إذا كانت تراكم اللغة بالاتصال والتأثير والتأثر أما في أصل اللغة فلا أظن أن هناك ترادفاً وكل كلمة وضعت لغرض حتى لو كان هناك تقارب كبير ولكن ليس ترادفاً. في القرآن الكريم حتى لو جاء من لغتين فلا يستعملها مترادفتين. القرآن الكريم الكلمة الواحدة أحياناً يجري فيها تغيير لغرض بما يتناسب مثل توفاهم وتتوفاهم الكلمة نفسها حذف في واحدة والعرب يحذفون. الكلمة نفسها لكن لا يفعل ذلك إلا لغرض، لا يقول توفاهم بمعنى تتوفاهم ولا يستعمل تتذكرون مثل تذكّرون. أما نزل وأنزل فالبناء مختلف (أنزل أفعل ونزّل فعّل) وأفعل غير فعّل، أفطر غير فطّر لكن الكلمة واحدة. تستطع وتسطع، (وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ (2) النساء) الكلام عن اليتامى وفي آية أخرى (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ (52) الأحزاب) ما قال تتبدل. هذا الفرق في القرآن له غرض ويمكن أن نفرد له حلقة خاصة. كلمة ريح ورياح لها خصوصية في الإستعمال القرآني فالقرآن يستعمل الغيث مثلاً في الخير والمطر في الشر، هذه حالة خاصة بالقرآن وليس بالغة العربية. الصوم الصيام في القرآن لا يستعمل في العبادة إلا الصيام (كتب عليكم الصيام) والصوم في الصمت وليس في العبادة (إني نذرت للرحمن صوماً) أما في الحديث فيستعمل الصوم للعبادة (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) .
سؤال من المقدم: هل العرب كان لها خصوصية محددة في استعمال ألفاظ محددة؟ مع لغتها لكن القرآن يخصص. من لم يؤمن بالقرآن كان يفهم حينها أكثر مما نقول بدليل أنه عندما تحداهم (والتحدي في الجاهلية كان موجوداً يقول أحدهم للآخر أنا أشعر منك ويقول الآخر أنا أشعر منك فيتنافران ويذهبان إلى محكِّم) قال لهم تعالى (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ (23) البقرة) لإيلاف قريش سورة وأبو جهل وغيره سمعوا هذا الكلام ولم يأتوا بسورة مثله (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) تحداهم بسورة قصيرة مثل الكوثر، الإخلاص، العصر، وهم كان لديهم من الفصاحة ما هو معروف ولم يكن أحدهم يرضى أن يقول له أحدهم أنا أشعر منك!.
سؤال من المقدم: إذا كانت الكلمات هي الكلمات فما سر الإعجاز في القرآن؟ ولم لم يأتوا بمثله؟ هي ليست مسألة رصف كلمات. أذكر في الكلية كان هناك أستاذ يدرِّس الأدب فقال العرب يفهمون الكلام وهو كلامهم فلماذا لا يأتون بقرآن مثله؟ الكلام كلامهم وهم يفهمونه فردّ عليه أستاذ آخر فقال له أنت استاذ أدب تشرح الشعر وتفهم كلام المتنبي فاتِ بمثله! تفهم مفرداته وتعلم مقاصده فإتِ بمثله وأنت أستاذ أدب تشرح للطلبة فاصنع قصيدة مثل المتنبي. فهي ليست مسألة مفردات وكلمات تجمعها وتعرضها لكن فكرة نظم تحدث عنها الجرجاني.
سؤال من المقدم: لماذا جهلنا اللغة العربية ونحن أبناء العرب؟ نحن الآن نتعلم اللغة ونحن لا نتكلمها سليقة ولا نعرفها ونتعلمها وتعلمناها تعلماً مبتوراً، لا نعرف اللغة والناس تجهل اللغة وأذكر طلبة في الصف الرابع تدرس النحو تقول (أوكي) فقلت لها نحو وفي الصف الرابع وتقولين أوكي؟! نحن لا نعلم اللغة والطلبة أصلاً لا يعرفون شيئاً عن اللغة.
استطراد من المقدم: يقولون أن اللغة العربية صعبة جداً في التعلم؟
هذا أيضاً يحتاج ليكون محوراً لحلقة. لا شك أن الإعراب مثلاً فيه صعوبة باعتبار يجب معرفة المرفوع والمنصوب والمجرور والمجزوم ولا شك أن الإنجليزية أسهل. فإذا أردت أن أقول أنا أذهبُ بالإنجليزية أقول: I am going أما في العربية وتقول I want to go نفس الفعل أما في العربية فأقول أريد أن أذهبَ وفي الإنجليزية أقول: I didn't go نفس الفعل أما في العربية فأقول: لم أذهبْ،. لكن نسأل هل هي الصعوبة المقياس الوحيد؟ لو كان عندما جهازان من الأجهزة التقنية الحديثة وفي أحدهما مزايا مهمة أكبر من الصعوبة التي في الجهاز الآخر بحيث لا يؤدي إلا إلى خدمات قليلة والجهاز الذي فيه صعوبة يؤدي إلى خدمات متعددة فأيها الأفضل؟ الجهاز الذي فيه خدمات يحتاج لتعلم أفضل من الآخر. العربية تماماً مثل جهاز متطور بتقنية عالية جداً بالنسبة للغات الأخرى. أنت تقول: أعطى محمدٌ خالداً كتاباً يقابلها بالإنجليزية: Mohamed gave khaled a book في العربية يمكن أن أقول: أعطى محمدٌ خالداً كتاباً، كتاباً أعطى محمدٌ خالداً (تقديم المفعول به) ، خالداً أعطى محمدٌ كتاباً، خالداً كتاباً أعطى محمد، خالداً كتاباً محمد أعطى، أعطى خالداً كتاباً محمدٌ (الفاعل في الآخر) ، أعطى كتاباً خالداً محمدٌ، أعطى كتاباً محمدٌ خالداً، أكثر من عشر صور وكل واحدة لها معنى يختلف عن الآخر وكل واحدة لها دلالة تختلف عن الأخرى، كيف تعبر عنها بالإنجليزية والفرنسية؟ بصورة واحدة أما في العربية فقد أعبر عنها بعشر صور مختلفة لا تستطيع لغة أجنبية أن تعبر عنها.
في النفي: لا طالبَ غائبٌ تقال بالإنجليزية: no st عليه السلام dent is absent أما في العربية فيمكن أن تقول: لا طالبٌ غائباً، وقد ورد في القرآن ما يشبه هذه الحالة (وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ (61) يونس) وورد (وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ (3) سبأ) اختلفت الدلالة. ليس هذا فقط وإنما يمكن أن تقول: ما طالبٌ غائباً، ما طالبٌ بغائب، ما من طالب بغائب، ونأتي بليس: ليس طالباً غائباً (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) الأنعام) (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108) يونس) النفي مرة بليس ومرة بما والإثنان للنفي والدلالة مختلفة وكل واحدة لها دلالة. وتأتي بـ (إن) النافية، أكثر من عشرين جملة تقابلها في الإنجليزية جملة واحدة. (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) النجم) أولاً نفى بـ (ما) والمرة الثانية بـ (إن) ، (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) يوسف) نفى بـ (ما) . اللغات الأخرى بائسة في المعاني بالنسبة للغة العربية الثرية التي هي لغة القرآن. نخصص إن شاء الله تعالى حلقات لإظهار وبيان عظمة اللغة ونصصح الفكرة الخاطئة.
سألت أستاذ لغة إنجليزية عندما كنت في جامعة بغداد أن يترجم لي جملة: "بينما كنت ماشياً" فقال: while I was walking ثم سألته أن يترجم:بينما كنت أمشي" ترجمها نفس الجملة لكن في العربية واحدة فيها إسم فاعل (ماشياً) إسم دال على الثبوت والثانية فعل (أمشي) . من هنا جاءت إستحالة ترجمة القرآن ولكن يمكن ترجمة المعاني العامة. (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ (61) يونس) (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ (3) سبأ) واحدة في يونس وواحدة في سبأ.
الحلقة 12
تابع سورة الحديد
(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8))
نظرة عامة على الآية:
الآية التي قبل هذه الآية قوله تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) إذن كانت الآية طلب الإيمان بالله والرسول (آمنوا بالله ورسوله) ثم قال تعالى (وما لكم لا تؤمنون) أي كيف لا تؤمنون؟ طلب منهم الإيمان، لماذا لا تؤمنون بالله والرسول موجود وجاء بالآيات البينات والدلائل الواضحة أنه رسول من عند الله، (وقد أخذ ميثاقكم) . كيف لا تؤمنون بالله؟ هذا إستفهام (ما في (وما لكم لا تؤمنون) إستفهامية) يدعو للعجب كيف أنه مع دواعي الإيمان المتكاثرة والموجودة، كيف لا يؤمنون؟ مع كل الأمور التي ذكرها في الآية ذكر الرسول يدعوهم ليؤمنوا بربهم. ثم (وقد أخذ ميثاقكم) فيها أمر: كيف أخذ ميثاقنا بالإيمان؟ يقال الله تعالى أخذ ميثاقنا بشيئين، والميثاق هو العقد والعهد. أولاً أخذ ميثاقنا بما أودع في عقولنا أنه إذا نظرنا في الآيات الكونية ستفضي بنا حتماً إلى الإيمان بالله تعالى، وما في الآيات من الدلائل الكونية أودع في عقولنا، في المحاكمات العقلية، العقل الذي أودعه الله يحكم. الميثاق، وضعه فيك أنك إذا نظرت في هذا الكون واستعملت عقلك حتماً سيفضي بك إلى الإيمان، هذا ميثاق عقلي. والميثاق الآخر ميثاق فطري، إن الله تعالى وضع في فطرة الإنسان إعتراف بوجود الله وأن الله خالقه ويظهر هذا الأمر إذا وقع الإنسان في ضائقة لا يستطيع أن ينجو منها أو وقع في كرب يقطع الأمل في الأسباب عند ذلك يقول: يا رب. صوت الفطرة الذي أودعه الله تعالى فيه سيظهر (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (67) الإسراء) (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)
النحل) . إذن هناك ميثاق عقلي في المحاكمة العقلية عند كل البشر مسلمهم وكافرهم لو أي إنسان فكر بتجرّد وحيادية تامة في هذا الكون وينظر في هذا الكون وما فيه ويتفكر بما فيه من أمور ودقائق وما إلى ذلك من غايات مرسومة موجودة بحيث إذا كان ينظر في نفسه (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) الذاريات) ينظر كل أجهزته موضوعة لغايات مرسومة، كل جهاز من أجهزته موضوع لغاية ويقوم بغاية مرسومة يؤديها، هذا ميزان عقلي في المحاكمة (أفي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم) هذا أمر عقلي يعني المحاكمات العقلية تفضي بك إلى الإيمان ما دمت في حيادية تامة. أيضاً الفطرة مغروسة فيك ويظهر هذا في مواطن وعند ذلك مسلمهم وكافرهم وملحدهم ومن الملحدين من وقع في مأزق كبير ثم يلجأ إلى الله. إذن أخذ الله تعالى منا ميثاقين: ميثاق السماع وهو الحجج البينة التي جاء بها الرسول ونظرت في هذه الحجج وحاكمتها تفضي بك إلى الإيمان. السمع والعقل والمنطق والفطرة كلها تدعوك للإيمان فكيف لا تؤمن إذن؟
إستفهام غرضه التعجب. تضافرت الدواعي العقلية والنفسية والسماع المؤيد بالحجج فكيف لا تؤمن؟ العقل والفطرة والسماع المؤيد بالحجج العقلية فكيف لا تؤمن؟
سؤال من المقدم: كيف نفهم قوله تعالى (إن كنتم مؤمنين) والآية بدأت (وما لكم لا تؤمنون) ؟
إن كنتم تؤمنون أي إن كنتم تريدون الإيمان، تعتزمون الإيمان. في اللغة نقول: نحن خارجون إن كنت خارجاً أي إن كنت تنوي الخروج نخرج، هو لم يخرج. القوم راحلون إن كنت راحلاً، هو لم يرحل ولكن إن كنت عزمت على الرحيل فالقوم راحلون إن كنت نويت الرحيل معهم. فإذن إن كنت تنوي الإيمان فإذن دواعي الإيمان موجودة فلِمَ لم تؤمن؟
سؤال من المقدم: ما دلالة استعمال لفظة (بربكم) ولم يقل تؤمنوا به في الآية (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) ؟
أراد أن يحبب إليهم الإيمان فجاء بلفظ (بربكم) لأن ربكم هو الذي تعهدكم وهو الذي رباكم وأرشدكم وقام عليكم فالرب هو السيد والقيّم والمرشد والمربي معناه أحسن إليكم. أراد أن يحبب الإيمان بربهم الذي يربّهم يرعاهم ويهديهم فإذن هذا أولاً من باب التحبيب. ثم مناسب للآية بعدها (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (9)) الرب مهمته الهداية فلما قال يخرجكم من الظلمات إلى النور أي يهديكم وكثيراً ما يقترن لفظ الرب بالهداية في القرآن الكريم (إني ذاهب إلى ربي سيهدين)(قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) الشعراء) (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) الفاتحة) .
إستطراد من المقدم: ما الفرق بين كلمة الله والرب من حيث اللغة والدلالة؟
الله هو لفظ الجلالة الأعظم (الأكثرون يقولون هو إسم الله الأعظم) . وأهل اللغة يقولون هو من ألِه أي عَبَد وتأتي تحيّر. الإله من المعبود في اللغة، من العبادة. فهي أصلها كما يقول أهل اللغة الإله أي المعبود أُسقِطت الهمزة الوسطية فصار عندنا لامان لام التعريف واللام الثانية أُدغِمت فصارت الله. والذي يدل على ذلك (الله) هو إسم علم. وأسماء الأعلام إذا لم تكن ممنوعة من الصرف تنوّن (محمدٌ، محمداً) والممنوع من الصرف يُجرّ بالفتحة (إبراهيمَ وإسماعيل) الله يُجر بالكسرة (باللهِ ورسوله) . الذي لا يُنوّن وهو ليس ممنوعاً من الصرف فمعناها هو معرّف بـ (أل) مثل (الرجل) . فلفظ (الله) أصلها معرفة بـ (أل) الإله وأنه يجر بالكسرة معناه ليس ممنوعاً من الصرف إذن الله معناها الإله أي المعبود ثم جعل علماً على الإسم الأعظم (الله) معرّف من حيث اللفظ الإله أصبحت اللام لازمة، لو قلت إله ترجعها إلى أصلها (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) الزخرف) صارت إسم جنس لكن الله إسم علم بهذه الوضعية. والمشركون إستخدموا كلمة إله واستخدموا كلمة الله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3) الزمر) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (38) الزمر) .
أما الرب معناها في اللغة المربي وهو الموجه والمرشد والقيّم والرازق ولذلك كلمة رب حتى في اللغة يقصد بها غير الله أيضاً (اذكرني عند ربك () يوسف) (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ (50) يوسف) يجوز أن يقال رب البيت ورب الدار وتضاف أيضاً فيقال رب العالمين، رب السموات.
سؤال من المقدم: لماذا لم يقل (تؤمنوا بالله) جمع دلالتين لو قال بالله تعود نفس الكلمة ولكنه جمع أمرين في الآية: أنه الله وأنه الربّ لأن قسم يأخذون أرباباً متفرقين من دون الله لكن يقول هو الله وهو الرب يجمع دلالتين لو قال (به) تعود الكلمة نفسها. جمع معنيين هو الله وهو ربكم لا تتخذوا رباً غيره، فرعون قال (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) النازعات) (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) يوسف) . إذن هو الآن جمع دلالتين لما قال (الله، ربكم) في الآية فهو الله وهو ربكم ليس لكم رب غيره. بينما في قريش يعترفون بالله ويتخذون أرباباً من دون الله. هو الله وهو الرب واحد، وهو الذي يخرجكم من الظلمات إلى النور، يهديكم والرب هو المرشد والهادي، وهو تعالى قال: يخرجهم من الظلمات إلى النور يعني يهديهم وأنسب شيء في هذا المقام أن يستخدم كلمة رب.
كلمة رب جمعها أرباب أما لفظ الجلالة الله فليس له جمع ولا قياس وكل كلمة ليس لها نظير لا تُثنّى ولا تُجمع هذه قاعدة. مثلاً كلمة مكة لا تُجمع ولا تُثنّى فهي مدينة واحدة لا يوجد غيرها.
سؤال من المقدم: ما دلالة إن كنتم مؤمنين في الآية بعد قوله وما لكم لا تؤمنون؟
قلنا إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم تنوون الإيمان، إن كنتم تعتزمون الإيمان. هذا خطاب عام: إن كنت نويت الإيمان فكيف لا تؤمن؟ خطاب عام لمن آمن ولغير المؤمن هذه حجة ملزمة: كيف لا تؤمن ودواعي الإيمان كثيرة والميثاق موجود في عقلك في فطرتك إضافة إلى الحجج التي جاء بها الرسول؟ تضافرت الدوافع العقلية والسمعية أنتم يا بشر كيف لا تؤمنوا؟
(إن كنتم مؤمنين) متعلقة (أخذ ميثاقكم) الرسول يدعوكم وقد أخذ ميثاقكم فإن كنت تريد الإيمان ما الذي سيأتي بك إلى الإيمان؟ إما أن يكون منطق عقلي أو سماع الحجج التي يأتي بها الذي يخاطبك والرسول يأتي بالحجج التي تدل على أنه رسول من عند الله وليس من عند نفسه ومن الناحية النفسية والفطرة إرجع إلى نفسك كيف لا تؤمن؟ إن كنت تنوي الإيمان إذن ما هي الأشياء التي تأتي بك إلى الإيمان؟ عقلك؟ موجود، نفسك؟ موجودة، الحجج؟ موجودة، والذي ينظر فيما جاء به الرسول من الحجج ملزمة لا تقبل الشك. والله تعالى هو الذي أخذ ميثاقهم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف) هو أودع فينا الميثاق في عالم الذر أودع في عقولنا بأن نحاكم ونقبل وأودع في نفوسنا سماعاً مؤيداً بالحجج، عقل في النظر والنفس.
سؤال من المقدم: ما فائدة (قد) مع الفعل الماضي في (وقد أخذ ميثاقكم) هل تفيد التأكيد؟
(قد) تفيد التحقيق والتحقيق لا ينفك عنها إذا دخلت على الماضي وأحياناً يجتمع معها التقريب والتوقّع. التحقيق لا ينفك، لا محالة واقع إذا دخلت على الماضي وقد يكون مع التحقق التقريب أو التوقّع أو تجتمع كلها لكن يبقى التحقيق معها. (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ (26) الأعراف) (قد) هنا لا فيها توقّع من بني آدم ولا فيها تقريب لكن فيها معنى التحقيق. (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ (123) آل عمران) فيها توقّع لأن الله تعالى وعدهم بالنصر (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ (7) الأنفال) وفيها تقريب. التحقيق لا يفارق (قد) . إذا دخلت على الفعل المضارع قد يكون للتحقيق والتكثير. (قد) حرف وإعرابها حرف تحقيق مبني (سائر الحروف مبنية) .
سؤال من المقدم: ماذا ينقصنا لنتعلم العربية حق التعلم؟
ينقصنا الكثير لأن أصلاً التعليم عندنا في الأصل مبتور منقوص ويجب أن نرجع إلى المصادر الأولى نتعلمها وكلٌ حسب مرحلته فالذي ليس عنده علم أصلاً يجب أن يبدأ بالأوليات تعطيه المعلومات الأولية. كلٌ حسب مرحلته وطالب الكلية لديه معلومات قليلة ليست مكتملة حتى في الإختصاص، في الإعدادية المعلومات ضئيلة مشتتة فحسب المرحلة الدراسية وما المعلومات التي أخذها حتى لو كان في مجرسة دينية لكن ينبغي إذا كان ينوي الدراسة أن يكون هناك أحد أمران في الدراسة حتى في كل المراحل التدريسية في الجامعة وغيرها: أولاً ينبغي ربط الدراسة بالمعنى فالنحو مثلاً ينبغي أن يُربط بالمعنى وليست استكثار أوجه كما يذكر في كتب النحو وينبغي على الأستاذ أن يفسر كل وجه من أوجه النحو ولا يكون هناك أكثر من وجه إلا إذا كانت لغتان. في النحو أوجه يذكرها النحاة لكن كل وجه له دلالة يستثقلها الطالب إذا أخذها مجرد أوجه لكن عندما تربط بالدلالة وبالمعنى يستمتع بها ويجد في نفسه اندفاعاً ولذة لحفظها ومعرفتها. هذا أمر أساسي أنه يجب أن لا يفصل الدراسة النحوية والبلاغية عن المعنى وتعلمها وربطها بالمعنى هذا أمر أساسي والناحية التطبيقية أي التمرين على ما يقرأ، التطبيقات حتى في المرحلة الجامعية.
إستطراد من المقدم: يسأل المشاهدون من أين يأتي الدكتور فاضل بهذا الكلام؟ وهل هناك كتاب موجود يتناول هذه اللمسات؟
كتب التفسير فيها إضاءات عظيمة لكني لم أطلع على كتب تتناول ما نتناوله بهذا التركيز ولا أدري إن كان موجوداً أو لا. في تفسير الكشاف إشارات وإضاءات، روح المعاني للألوسي فيه إضاءات، البحر المحيط، كتب التشابه والاختلاف في درة التنزيل فيها إشارات عظيمة جداً. والأمر يحتاج للإطلاع على كتب التفسير والمعاني والبلاغة.
وفي رد على المقدم متى بدأ الدكتور فاضل رحلته مع هذه اللمسات البيانية في القرآن الكريم أجاب الدكتور أنه درس في هذا المجال كبداية قبل الستينات وحتى في الخمسينات كانت لي عناية كبيرة فيما أقرأ في بعض كتب التفاسير وكنت أستمتع بما أجده في كتب البلاغة وقبل أن أكون طالباً في الكلية قرأت كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني أربع مرات فكنت أقرأ وأستمتع وأجد في نفسي هوى كبيراً والأمر بدأ في الستينات بشكل شديد. أما بالنسبة للكتب في هذا المجال فهي موجودة على ما أعتقد في المكتبات وجامعة الشارقة طبعت كتاب على طريق التفسير البياني في جزئيه ودار عمار في الأردن طبعت مجموعة من الكتب منها لمسات بيانية وبلاغة الكلمة في التعبير القرآني والتعبير القرآني وأظن أنها توزعها في الشارقة في بعض المكتبات. (لمعرفة أماكن تواجد كتب الدكتور فاضل اضغط على هذا الرابط) .
سؤال من المقدم: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (9)) رؤوف رحيم ترد في القرآن معاً فهل وردتا متفرقتين؟ وما الفرق بين الرؤوف والرحيم؟
قبل الإجابة على هذا السؤال نبدأ من أول الآية. قال تعالى (هو الذي ينزل على عبده) هو أي هو لا غيره. واختار كلمة عبد وأضافه إلى ضميره وهذا فيه تكريمان: الأول إختيار كلمة (عبد) لأن الله تعالى في القرآن الكريم لما يذكر (عبد) يذكره في مقام التكريم لأن العبودية نوعان في القرآن الكريم: العبودية الإختيارية والعبودية القسرية. العبودية الإختيارية هي أن الإنسان يختار أن يكون عبداً لله مطيعاً له وبهذا يتفاضل المؤمنون. ففي مقام مدح نوح عليه السلام قال تعالى (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) الإسراء) أثنى على نوح وصفه بالعبودية. وقال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (1) الإسراء) وصفه بالعبودية (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) الجن) . أما العبودية القسرية فليس فيها فضل لأنه رغم عن الإنسان نحن كلنا عباد الله شئنا أم أبينا (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) مريم) عبادة قسرية رغماً عنا، الله تعالى يرزقنا ويختار لنا المكان الذي نولد فيه ويختار الأبوين ويعطينا إمكانيات ونعيش في السنن التي وضعها لا نتجاوزها هذه عبادة قسرية شئنا أم أبينا ليس فيها فضل وكل الناس هكذا (أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) الفرقان) هذه عبودية قسرية ليس فيها فضل وقمة العبودية هي العبودية الإختيارية وحتى الأنبياء يتفاضلون في عبوديتهم لله سبحانه وتعالى (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) ص) . فكلمة عبد وسام للشخص من الله تعالى فإذا أضافها إلى ضميره (عبده) نسبه إليه إذن فيها تكريمان لأنه لما ينتسب العبد إلى الله تعالى يكون في حمايته. فقال تعالى (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فيها ثلاث تكريمات: هو الذي ينزل على عبده لا غيره، وعبده، وآيات بينات. لماذا؟ ليخرجكم من الظلمات إلى النور، إذن هو الذي ينزل ويخرجكم من الظلمات. وكلمة (عبده) المقصود بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصف الآيات بأنها بيّنات ظاهرات بحجة والدلالة واضحة. آيات مقصود بها القرآن الكريم.
من الذي يُخرج؟ (ليخرجكم) فيها إحتمالان وكلاهما يصح: الله تعالى هو الذي يُخرِج والرسول صلى الله عليه وسلم يُخرِج لأنه هادي. (يخرجكم) يحتمل أن يرجع إلى الله تعالى وأن يرجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكلاهما صحيح. قال تعالى (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) يجمع القرآن دائماً الظلمات ويٌفرِ النور لأن الظلمات مصادرها متعددة أما النور مفرد وليس له إلا سبيل واحد وهو الطريق النازل من السماء. ليس هناك هداية على الحقيقة إلا ما جاءت به الرسل. أما الظلمات متعددة الشيطان والنفس وغيرها، لذلك الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يجمع الظلمات في القرآن ويفرد النور.
سؤال من المقدم: قال تعالى في أول الآية: هو ثم عبده، وفي نهاية الآية قال: إن الله بكم لرؤوف رحيم فلماذا لم يقل مثلاً إنه بكم لرؤوف رحيم؟ وما الفرق بين الرحمة والرأفة؟
هو أوضح من هو بعد أن كان ضميراً جاء بالظاهر، الظاهر والضمير تضافرا على المقصود وحتى لا يشت الذهن لأمر آخر قال (وإن الله بكم لرؤوف رحيم) .
الفرق بين الرأفة والرحمة: الرأفة أخصّ من الرحمة والرحمة عامة. الرأفة مخصوصة بدفع المكروه وإزالة الضرر والرحمة عامة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) ، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا (65) الكهف) ليست مخصوصة بدفع مكروه. تقول أنا أرأف به عندما يكون متوقعاً أن يقع عليه شيء. الرحمة عامة (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا (48) الشورى) فالرحمة أعمّ من الرأفة. عندما نقول في الدعاء يا رحمن ارحمنا هذه عامة أي ينزل علينا من الخير ما يشاء ويرفع عنا من الضر ما يشاء وييسر لنا سبل الخير عامة.
استطراد من المقدم: هل أفردت الرأفة عن الرحمة في القرآن؟
فقط في موطنين في القرآن كله قال (والله رؤوف بالعباد) في موطنين: في سورة البقرة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة) وفي سورة آل عمران (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30)) ما قال تعالى رؤوف رحيم.
يثار سؤال لماذا رؤوف رحيم وهنا في الموطنين اختلف؟ لو لاحظنا السياق الذي وردت فيه الآيتان يتوضح الأمر. في سورة البقرة قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة) السياق لا يحتمل رحمة لما يقول (فحسبه جهنم) كيف يناسب الرحمة؟ لا يناسب ذكر الرحمة. في الآية الثانية قال تعالى (لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ (28) آل عمران) مقام تحذير وليس مقام رحمة ولا يتناسب التحذير مع الرحمة لأن التحذير يعني التهديد. فقط في هذين الموضعين والسياق اقتضاهم أفردت الرأفة عن الرحمة.
سؤال من المقدم: ما دلالة التوكيد بـ (إنّ) واللام في هذه الآية (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ؟
التوكيد بحسب ما يحتاجه المقام، إذا احتاج إلى توكيدين مثلاً لما يذكر الله تعالى النعم التي أنزلها علينا يؤكد وإذا لم يحتج إلى توكيد لا يؤكد ولو احتاج لتوكيد واحد يؤكد بواحد. (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (143) البقرة) أكّد. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20) النور) ما أكّد. في الآية الأولى كانوا في طاعة (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ويقولن هذه الآية نزلت لما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تساءل الصحابة عن الذين ماتوا هل ضاعت صلاتهم؟ وهل ضاعت صلاتنا السابقة؟ سألوا عن طاعة كانوا يعملون بها فأكدّ الله تعالى (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) أما في الآية الثانية فهم في معصية (يحبون أن تشيع الفاحشة) فلا يحتاج إلى توكيد. في تعداد النعم (ألم تر أن الله سخر إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) لما هم في طاعة يؤكد ولما يكون في معصية لا يؤكد. ولم يقل في القرآن (والله رؤوف رحيم) أبداً إما مؤكدة باللام و (إنّ) أو (رؤوف بالعباد) .
استطراد من المقدم: هل قدمت الرحمة على الرأفة في القرآن؟ وهل جاءت رحيم رؤوف؟ لم ترد رحيم رؤوف في القرآن ووردت فقط رأفة ورحمة (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا (27) الحديد) لكن ليس بهذه الصيغة. حسب السياق الذي ترد فيه أحياناً من الخاص إلى العام وأحياناً من العام إلى الخاص.
الحلقة 14
تابع سورة الحديد
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)) نظرة عامة على الآية:
الآية السابقة (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8)) وهنا قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) يعني لِمَ لا تنفقون في سبيل الله والله تعالى وارث أموالكم وستؤول إليه أموال الخلق كلها (وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) آل عمران) فأنفقوا حتى تنالوا جزاء المنفقين قبل أن تنتقل رغماً عنكم وتذهب إلى الله تعالى، أنفقوا حتى تنالوا. قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ولم يقل ولله ميراث أموالكم. هل الإنفاق مقترن بالمال؟ الإنفاق الأصل فيه المال لكن مرة يقول تعالى أنفقوا من المال ومرة مما رزقناهم ينفقون، الرزق أعمّ من المال وهنا لم يحدد، (في سبيل الله) في الغالب أموال، جهاد، لأنه قال تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) الذي يبدو من سياق الآية أنه على المال. عندما قال (وما لكم ألا تنفقوا) ما قال تعالى سوف يهلككم ويميتكم ويأخذ أموالكم إن لم تنفقوا وإنما جعله عاماً يدخل فيه هؤلاء وغيرهم. (ولله ميراث السموات والأرض) إذن أموالكم أنتم أيضاً ستؤول إليه وهذا في القرآن كثير يذكر أمر ثم يأتي بأمر عا يدخل فيه هؤلاء (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) الأعراف) ما قال لا يضيع أجرهم
وإنما قال لا يضيع أجر المصلحين فهذا يدل على أن هؤلاء من المصلحين فالمصلحين أعمّ فدخل فيه هؤلاء ودخل غيرهم فصار في زمرة الأعم، فشمل هؤلاء وشمل غيرهم من عموم المصلحين. (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98) البقرة) لم يقل عدو لهم فأفاد أن هؤلاء كافرون والآية تشمل كل الكافرين، هؤلاء دخلوا في زمرة الكافرين ولا تختص عداوة الله تعالى لهؤلاء وإنما لعموم الكافرين فأفاد أمرين أن هؤلاء كافرين وأن عداوة الله لا تنحصر بهم ولكن بكل كافر. وهنا قال (ولله ميراث السموات والأرض) لم يقل ميراث أموالكم هؤلاء دخلوا في العموم. وقدّم الجار والمجرور (لله) أنها ستؤول إليه حصراً وإذا قال ميراث السموات والأرض لله ليس فيها قصر ولا حصر. التقديم عندنا شكلين: يقدم على العامل وتقديم على غير العامل. مثلاً تقديم الخبر على المبتدأ (ولله ميراث السموات والأرض) ميراث مبتدأ و (لله) لفظ الجلالة خبر مقدّم وهذا من باب جواز التقديم وليس من باب الوجوب لأن ميراث السموات والأرض معرفة مضافة إلى معرفة وليست نكرة تقديم الخبر على المبتدأ يسمونه من باب تقديم المعمول على العامل وهذا التقديم يفيد التخصيص أو الاهتمام حسب السياق. قد يفيد القصر كما في قوله (إياك نعبد) وأصلها نعبدك. هنا قال تعالى (ولله ميراث السموات والأرض) هذا اهتمام هو ستؤول إليه حصراً ولا تؤول إلى جهة أخرى مع الاهتمام.
(ولله ميراث السموات والأرض) ثم ذكر أنه (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا) من أنفق وقاتل من قبل الفتح لا يستوي مع من أنفق وقاتل بعده لكثرة الأعداد وقِلة الغنائم لن يستووا، الذي ينفق من بعد النصر حاصل وفيها احتمال غنائم وفيها فائدة. (وكلاً وعد الله الحسنى) كل هؤلاء على سبيل الاستغراق كل من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده بلا استثناء داخلون في وعد الله تعالى بالحسنى والحسنى حاصلة لكن الدرجات في هذه الحسنى تختلف. لم يستثني منهم أحداً كلُ من أنفق وقاتل قبل الفتح أو بعده كلهم داخلون في هذا الوعد، في الحسنى لم يستثني منهم أحداً. لكن الذين أنفقوا من قبل وقاتلوا أعظم وأرفع درجة. الخطاب في الآية للمؤمنين (لَا يَسْتَوِي مِنكُم)(وما لكم ألا تنفقوا) أي كيف لا تنفقون مع أن دواعي الإنفاق كثيرة؟ هذا أسلوب استفهام غرضه التعجب كيف لا ينفق أحدهم وهم يعلم أن هذه الأموال ستؤول إلى الله تعالى؟! فلماذا لا ينفق فينال الأجر؟ أمر عجيب أن لا ينفق قبل أن تؤول إلى الله تعالى رغماً عنه؟! كلمة الميراث هنا هو الذي يأتي بعد زوال المالِك الأول وتوزيع الإرث يكون بعد الموت. كلهم ميتون وليس ميراثكم أنتم فقط سيؤول إلى الله تعالى وإنما ميراث السموات والأرض كله لله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) مريم)
سؤال من المقدم: قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) باستعمال (أن) وقبلها قال تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) بدون (أن) فما الفرق؟
(أن) الناصبة تفيد الاستقبال في اللغة وهي من مخلّصات الفعل للاستقبال وعند النُحاة النصب علم الاستقبال نصب الفعل المضارع علامة الاستقبال وعندهم النواصب هي مخلصات الفعل للإستقبال. إذن حسب هذه القاعدة (أن) الناصبة تفيد الاستقبال. والفرق بينها وبين الآية التي قبلها (وما لكم لا تؤمنون) أن الإيمان لا يحتمل الاستقبال ولا بد أن تؤمن الآن فلا تدري بعد دقيقة ما الذي سيحصل. أما الإنفاق فيحتمل الاستقبال (أن لا تنفقوا) محتمل أن يكون مطلوب مني الجهاد لكنه غير واقع الآن وقد يكون نصاب الزكاة وقد لا يكون عندك نصاب الزكاة في الصدقات قد لا يكون عندك صدقة ولك أن ترجئها. فرق بين الإيمان والإنفاق فالانفاق يحتمل الإرجاء أما الإيمان فلا يحتمل الإرجاء ولذلك قال تعالى (وما لكم لا تؤمنون بالله) لكنه قال (وما لكم ألا تنفقوا) .
سؤال من المقدم: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) إسم الموصول (من) جاء مع مفرد (أنفق) ثم قال تعالى (والذين أنفقوا) إسم الموصول صار جمعاً (الذين) والفعل جمع (أنفقوا) فما الفرق؟
(من) و (ما) تسمى الأسماء الموصولة المشتركة أي يشترك فيها المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) الأحزاب) (وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) البقرة) (من) إذن اسم موصول مشترك واسم الموصول (الذي) مختص لأنه يكون للمفرد المذكر، وعندنا التي للمفرد المؤنث واللذان للمثنى المذكر واللتان للمثنى المؤنث والذين للجمع المذكر واللائي للجمع المؤنث. (من) تحتمل الإفراد وغير الإفراد. (الذين) جمع، فلما كان الإنفاق قبل الفتح كان المنفقون قليلين والمسلمون قليلين فجاء بما يدل على المفرد والقِلّة قال (من أنفق من قبل الفتح) ولما كثروا بعد الفتح استعمل ما يدل على الجمع فقال (الذين أنفقوا) . في الموطن القليل قلل وجاء بـ (من) التي قد تستعمل للواحد (والذي تستعمل للواحد على التخصيص) ولو قال (الذي) يعني به واحداً فقط فلا يمكن أن يقول (الذي) . أما (من) فتحتمل المفرد والجمع والمثنى. استعمل ما يدل على القلة فجاء بـ (من) الذي يحتمل القِلّة وجاء بـ (أنفق) وهذه إشارة للتفرقة بين الحالتين: هؤلاء قبل الفتح قِلّة ينفقون ويقاتلون والدواعي قليلة وليست دواعي كسب وإنما إخلاص وتضحية أما بعد الفتح فصاروا أكثر فقال (الذين أنفقوا) .
ما القرينة السياقية التي حددت (من) للقِلّة؟ السياق واضح في المقام لأنه لا شك أنهم كانوا قلة قبل الفتح وهذا معلوم في مقام المسألة والدواعي والدوافع للإشتراك في القتال قليلة، ماذا يكسب قبل الفتح؟ فالمقام يوضح ذلك.
سؤال من المقدم: ختمت الآية بقوله تعالى (والله بما تعملون خبير) فما اللمسة البيانية في تقديم العمل على الخبرة هنا علماً أني في آيات أخرى يقدم الخبرة على العمل (خبير بما تعملون) ؟
تكلمنا سابقاً عن بما تعملون بصير وبصير بما تعملون. بالنسبة لهذه الآية واضحة لأن الكلام على هؤلاء، على عمل هؤلاء من الإنفاق والقتال فقدم العمل لكن نقول أمراً في العمل والخبرة: يقدم العمل على الخبرة أو الخبرة على العمل بحسب ما يقتضيه المقام: فإذا كان السياق في عمل الإنسان وليس في الإنسان، في عمل الإنسان - وهناك فرق بين الكلام على الإنسان عموماً وعمل الإنسان - قدّم العمل، هذا أمر. وإذا كان السياق في غير العمل ويتكلم عن الإنسان في غير عمل كالقلب أو السياق في أمور قلبية أو في صفات الله عز وجل يقدم صفة الخبير على العمل، هذا خط عام. إذا كان السياق في عمل الإنسان يقدم العمل (والله بما تعملون خبير) يقدم العمل على الخبرة وإذا كان السياق في أمور قلبية أو عن الله سبحانه وتعالى يقول (خبير بما تعملون) . نضرب أمقلة حتى تتضح الصورة:(إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) البقرة) هذا عمل فختم الآية (والله بما تعملون خبير) ، (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد) الكلام على الانفاق والقتال فقدم العمل، (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) البقرة)
الكلام على العمل (فعلن) ، (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (8) التغابن) ذكر العمل فقدمه لأنه ذكر ما يتعلق بالإنسان وعمله فقدم العمل. في حين قال تعالى (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) النور) النفاق أمر قلبي وليست عملاً فقدم الخبرة، (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) النمل) يتكلم عن الله سبحانه وتعالى فقدم الخبرة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحشر) التقوى أمر قلبي، هذه القاعدة العامة إذا كان الكلام عن عمل الإنسان يقدم العمل على الخبر وإذا كان الكلام ليس عن العمل وإنما في أمر قلبي أو الكلام على الله سبحانه وتعالى يقدم الخبرة.
(مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)) نظرة عامة على الآية:
نلاحظ أولاً تركيب التعبير (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) : يُقرِض، هذا الفعل مبني للمعلوم ماضيه أقرض وهو فعل رباعي وكل فعل مضموم حرف المضارعة فهو رباعي بالأصالة أو بالزيادة سواء كان أصلياً أو مزيداً وهذه قاعدة. يُقرِض أقرَض والمصدر أفعل إفعالاً، أقرض إقراضاً هذه القاعدة مثل أكرم إكراماً، أنعم إنعاماً. لكن في الآية لم يقل إقراضاً ولم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي قَرَض (قَرْض) . الثلاثي قَرَ مصدره قرْض والرباعي أقرض ومصدره إقراض. وهذا موضوع كبير ومتسع ولو أردنا أن ندخل فيه يكون على حلقات تحت عنوان التوسع في المعنى. الإقراض هو المصدر في اللغة مثل الإكرام. القرض له دلالتان في اللغة: الإقراض والمال الذي يُقرَض (إسم العين) تحديداً ما تعطيه من المال. إذن الإقراض له دلالة واحدة هو الإعطاء. القرض له دلالتان: المصدر عن الإقراض والمال، إذن صار أوسع وهو دلالة المال مع الإقراض. القرض الحسن هذا الإنفاق له صفات حتى يسمى حسناً لأن هناك قرض وهنالك قرض حسن.
القرض الحسن فيه شروط وصفات: أولاً يكون بإخلاص النية لله تعالى ولو لم يكن لله تعالى سقط عنه الحسن ولس فيه أجر أصلاً لأنه " إنما الأعمال بالنيات". الأمر الآخر كونه عن طيب نفس ليس فيه منٌّ ولا تكدير وإنما فيه بشاشة وجه (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) البقرة) . والآخر أن يتحرّى المال الحلال، المال الطيب وإذا كان مالاً حراماً لا يصح. ثم أن يتحرّى المال الكريم وليس الخبيث (وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) المال الحلال أصله حلال وإن كان بسيطاً ولو كان درهماً والمال الكريم هو الحسن. مثلاً عندك نعجة عجفاء ضغيفة هزيلة لكنها حلال وعندك نعجة سمينة أيضاً حلال لكنها كريمة لذا قال تعالى (وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) الخبيث ليس مالاً حراماً (وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ (267) البقرة) وهناك فرق بين الحلال والكريم، بين الطيب والحلال " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" هذا حلال، والكريم الطيب. ثم يتحرى أفضل الجهات التي ينفق فيها، أفضل الجهات ما كان أشدها حاجة وأكثرها نفعاً للمسلمين. هذه شروط القرض الحسن. عندما تجتمع كلها يكون إقراضاً لله تعالى والله تعالى سماها إقراضاً وليس صدقة والإقراض غير الصدقة لأن الصدقة لا تطالب بها لكن لما تقول أقرض فسوف يعيد المال له وهذا تهوين على المقرِض أكثر من الصدقة. لذلك قال بعضهم الإقراض هو في السنن والمندوبات وليس في المفروض لأن (من ذا الذي يقرض الله) كثير من المفسرين قالوا من المندوبات وليست الفروض. تقرض الله تعالى بنية القرض بهذه الشروط ووعد الله تعالى بأن يعيده عليك مضاعفة وسماها قرض حتى يهونها على المنفقين لأن من
شروط القرض أن يعاد إلى صاحبه أما الصدقات فلا تعاد (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) . (فيضاعفه له) أي للمنفق، وعده الله تعالى بشيئين: المضاعفة والأجر الكريم وهو الأجر الحسن البالغ الجودة.
سؤال من المقدم: قال تعالى (من ذا الذي) فما دلالة هذه الصيغة؟
قال تعالى (من ذا الذي) هذه عامة ما قال من ذا الذين لأن كل واحد مسؤول عن إنفاقه ولا يجتمعون في الانفاق. كل واحد وكل شخص مدعو بذاته أن يفعل هذا الفعل. الخطاب موجه لكل فرد، كل واحد، كل شخص.
ما أصل (ذا) ؟ قال تعالى (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك) وقال (من ذا الذي) . (من ذا) في هذه الآية فيها احتمالان: إما (ذا) إسم إشارة (هذا) أو (من ذا) كلها واحدة إسم استفهام بمعنى (من) لكن قالوا أنها أقوى من (من) لأنه زاد في المبنى وزيادة المبنى في الغالب تدل على زيادة المعنى. (من ذا الذي يقرض الله قرضاً) تحتمل أن يكون من هذا الذي ويحتمل من الذي. وهناك فرق بين من ذا ومن هذا: الهاء للتنبيه (هذا: الهاء للتنبيه وذا إسم إشارة) . لما يقتضي الكلام الشدة وما إلى ذلك يأتي بـ (هذا)(أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) الملك) . فرق بينها وبين (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ (255) البقرة) هذا شفيع والشفيع يترجّى، تذهب إلى من بيده الأمر وتشفع لفلان يعني يعلم أن هذا الذي تذهب إليه هو الذي يقضي في الحاجة ويفصل فيها فما قال من ذا الذي. (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) الملك) من هو هذا الذي هو ندٌ لله تعالى؟ الله تعالى يمسك الرزق وهذا يرزق؟! من هذا؟ فجاء بهاء التنبيه لأنها أشد. من هذا الذي هو ندٌ لله تعالى؟ (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك) من هو؟ هذه أشد وأقوى من (من ذا) لأن فيها تنبيه. فالتي فيها تنبيه يقول (أمن هذا) وإذا لم يكن فيها تنبيه يقول (من ذا) وهذا ميزان عجيب في التعبير.
سؤال من المقدم: في سورة البقرة قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)) وهنا قال (فيضاعفه له وله أجر كريم) واختلفت خاتمة الآيات فما الفرق بين الآيتين؟
أولاً في سورة البقرة قال تعالى (فيضاعفة له أضعافاً كثيرة) وفي الحديد ذكر المضاعفة مع الأجر (فيضاعفه له وله أجر كريم) زاد هنا بالأجر الكريم وهو الحسن البالغ الجودة. في البقرة ما قال هكذا وقال فقط (أضعافاً كثيرة) هنا مكان الأضعاف الكثيرة قال (فيضاعفه له وله أجر كريم) هذه زيادة. الفرق في البقرة ذكر الكمّ ولم يذكر الكيف (اضعافاً كثيرة) وفي الحديد ذكر الكمّ (فيضاعفه له) وذكر الكيف (وله أجر كريم) ذكر أمرين. أما في البقرة فذكر الكمّ فقط وفي الحديد ذكر الكمّ والكيف: المضاعفة والأجر الكريم. وذكرنا بأن سورة الحديد مطبوعة بطابع الإيمان والانفاق، هذا أمر. والأمر الآخر أنه قال في سورة البقرة (وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) يقبض معناه يضيّق الرزق ويمسك هذا في الدنيا. محتمل إذن الشخص يناله قبض أو بسط، صاحب المال محتمل أن يصيبه قبض فهذا الذي يصيبه القبض والتضييق في الرزق يحتاج إلى المال ولذلك لما قال تعالى يقبض ويبسط هذا محتاج إلى المال فقال (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) فأنت أنفِق حتى لا يصيبك القبض وحتى يأتيك البسط. هذا من باب تبصيره في الأمر يقول له: أنفِق حتى لا يصيبك القبض وحتى يُبسط لك فقال (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) لأنه يحتاج إلى المال. أما في سورة الحديد فليس فيها تهديد بالقبض أما في آية البقرة ففيها تهديد بالقبض فقال تعالى في الحديد (فيضاعفه له وله أجر كريم) . وفي سورة البقرة قال تعالى في آية أخرى (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) البقرة) في مقام التكثير فناسب التكثير التكثير في السورة.
سؤال من المقدم: قال تعالى في آية سورة الحديد (وله أجر كريم) وقال في آية أخرى في نفس السورة (أجر كبير) فما الفرق بين الأجر الكريم والأجر الكبير؟
الآية التي قال فيها أجر كبير قال (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) ذكر أمرين الإيمان والإنفاق وهنا ذكر الإنفاق فقط (من ذا الذي يقرض الله) . ذكر الإيمان والانفاق في الأولى وهذه دائرة أوسع فلما اتسعت الدائرة إتسع الأجر فقال (أجر كبير) أي متسع. كل أجرٍ له دلالة. الأجر الكبير يحوي الكريم لكن من حيث الكمّ هو أكبر لأنه ذكر أمرين: الإيمان والانفاق، إتسعت فصار أكبر.
سؤال من المقدم: ما الفرق بين خواتيم الآيتين (وإليه ترجعون)(وله أجر كريم) ؟
في سورة البقرة قال تعالى (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)) وهنا قال (وله أجر كريم) . أصلاً سورة البقرة واقعة في سياق القتال والموت (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)) بعدها قال (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)) الإقراض معلّق على نية تجهيز الجيوش (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ (246)) الآيات في الموت والقتال والموت والقتل مظنّة الرجوع إلى الله تعالى فقال (وإليه ترجعون) مناسبة للموت والقتال. أما في سورة الحديد فالكلام في الإنفاق وليس في الموت والقتال. أما في سورة البقرة فجاءت في سياق الموت والقتال (فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ) ماتوا أي رجعوا إلى الله والموت والقتل مظنة الرجوع إلى الله تعالى فقال (وإليه ترجعون) ولما كان في مقام مظنة الرجوع إلى الله قال (وإليه ترجعون) ولما كان الكلام ليس في هذا السياق في سورة الحديد قال (وله أجر كريم) .
الحلقة 16
تابع سورة الحديد:
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))
نظرة عامة على الآية: ربنا سبحانه وتعالى ذكر المؤمنين والمؤمنات في عرصات يوم القيامة وذكر أموراً فيها. قال عنهم أنهم يسعى نورهم ولم يقل يمشي نورهم وهذا يدل على إسراعهم أو الإسراع بهم إلى الجنة لأن السعي أسرع من المشي، ليس الجريان وإنما قال يسعى نورهم أي يُسرع بهم ولم يقل يمشي لأنه يحتمل أن المشي فيه إبطاء فأراد إما إسراعهم أو الإسراع بهم يُركب بهم على محافّ كما يقال أو على مطايا خاصة تسرع بهم إلى الجنة. لاحظ لو لم يكن يُسعى بهم أو لو كان النور يسعى وهم يمشون هذا يدل على الإسراع بهم ذكر يسعى نورهم ولم يذكرهم هم لو كان النور يسعى وحده كان سبقهم وتركهم في ظلمة. المقصود بنورهم (نورهم) لأن كل مؤمن يؤتى نوراً على قدر عمله يمشي به ويسعى به إلى الجنة على قدر عمله والنور محدد (بين أيديهم وبأيمانهم) . قال يسعى لأن السعي فيه إسراع وقال يسعى نورهم ليس معناه أن النور يُسرع وهم مبطئون وإذا كان النور يسعى وهم يمشون لسبقهم وتركهم في ظلمة فلما قال يسعى نورهم دل على إسراعهم أو الإسراع بهم ولم يقل إلى أين يسعة بهم لأنه سيأتي التبشير لاحقاً.
ذكر السعي للنور لماذا لم يقل يسعون؟ لأنه لو قال يسعون احتمال هذا يفضي إلى الجهد والتعب إذا هم سعوا لأن السعي يفضي إلى التعب والجهد فقال يسعى نورهم إذن نفهم من هذا أنه يُسعى بهم هم يُركب بهم على محافّ أو مطايا يُسرع بهم فيسرع نورهم معهم. إذن هو أسند السعي إلى النور ولم يقل يسعون لأن هذا يفضي بهم إلى الجهد والتعب وأسنده إلى النور وأسند النور إليهم لأن كل واحد يعطى له نوراً خاصاً يستضيء هو به ولم يقل يسعى النور. وهذا النور بين أيديهم وبأيمانهم. (بين أيديهم) أمامهم ولو قال أمامهم يحتمل القريب والبعيد، تقول القرية أمامك وقد يكون أمامك نور بعيد لكن لا تستضيء به ولا يكون نافعاً. بين أيديهم أي قريب وهم يسعون في هذا النور وجهة السير أمامهم.
ولم يقل يسعون بنورهم لأن هذا يفضي بهم إلى تعب فكل كلمة مرسومة.
سؤال من المقدم: يسعى نورهم هل فيه دلالة على أن المؤمنين يسعون؟ لا وإنما يُسعى بهم ولا يركبون عليه وإنما النور يسعى بين أيديهم أي أنهم يبصرون الطريق وهذا الطريق نور لهم ولو لم يكن هكذا لضلوا كالمنافقين الذين ذكرهم في الآية التي بعدها. (بين أيديهم) جهة السير بين أيديهم لم يقل أمامهم لأن ذلك احتمال أن يكون بعيداً فلا ينتفعون به.
(بأيمانهم) جمع يمين، يكون النور باليد اليمنى لأنها جهة كُتُب السعداء (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (19) الحاقة) . ونلاحظ أنه لم يقل عن أيمانهم وإنما (بأيمانهم) الباء هنا للإلصاق كأنه مصباح تحمله في يدك، وكأنهم يحملون نورهم والله أعلم بالحال يوم القيامة. لذلك ما قال عن أيمانهم وقد وردت آيات أخرى فيها (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ (17) الأعراف) وإنما قال (بأيمانهم) كما قال (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) طه) لأنه ملتصق بأيمانهم. (عن) تستعمل للمجاوزة لما يقال جلس عن يمينه أي متراخياً عن يمينه ليس ملتصقاً أما بيمينك أي ملتصق. (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) هو يحملها في يده.
سؤال من المقدم: يسعى نورهم أسند السعي للنور فمسافة السعي بين أيديهم وبأيمانهم يُسعى بهم إلى الأمام هل هذا التركيب يُفهم منه أنه خاص بالمؤمنين والمؤمنات في حال سعيهم يوم القيامة؟ هو يتكلم عن المؤمنين والمؤمنات يوم القيامة (بشراكم اليوم) . والخطاب موجه لكل من يصلح أن يُخاطَب، (يوم ترى) لكل من يصلح أن يخاطب والرسول صلى الله عليه وسلم أولاً لكن كل من يصلُح أن يخاطب إما أن ينتفع بهذا الخطاب فهو مؤمن ويكون من هؤلاء والآخر فيكون حجة عليه من باب التأكيد. لأن أحياناً يكون الخطاب قد يكون لكل من يصلح له الخطاب. (يوم ترى) والرؤية هنا في الآية بالعين.
لماذا قال تحديداً المؤمنين والمؤمنات ولم يقل المسلمين والمسلمات؟ أولاً لأنه بعدها سيتكلم عن المنافقين والمنافقات مباشرة بعدها (يوم يقول المنافقون والمنافقات) والمنافقون أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) البقرة) (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الحجرات) الإسلام هو الظاهر وهو بالقول وما يُرى من أفعاله الظاهرة والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. لذلك لما ذكر المنافقين والمنافقات يقابلهم المؤمنين والمؤمنات وليس المسلمين والمسلمات لأن المنافقين يقولون نحن مسلمين. (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) أي إلى الآن ما دخل وهو متوقع الدخول. (لمّا) معناها لم يحدث إلى الآن ولكن متوقع الحدوث. نقول لمّا يحضر أي لم يحضر إلى الآن ولكنه متوقع الحضور. (لمّا) نفي لـ (قد) لما نقول قد فعل نفيه لمّا يفعل ولما تقول فعل نفيه لم يفعل، حضر تنفيها لم يحضر وقد حضر نفيه لمّا يحضر.
سؤال من المقدم: عدّد الله تعالى في آية أخرى بعض الصفات مثل القانتين والقانتات والصابرين والصابرات وغيرها وهنا اكتفى بالمؤمنين والمؤمنات تحديداً؟ هذا مقابل المنافقين والمنافقات تحديداً وهذا يسمى المقابلة.
(بشراكم اليوم) : البشرى ما يُبشّر به تقول أبشّرك بهذا. وأصل البشرى للمحمود فإذا قيلت في الذم تكون من باب التهكم (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) لقمان) . البشرى في الأمور الحسنة هذا في اللغة فإذا استعملتها في آخر تُخرجها عن ظاهرها من باب التهكم كما تقول لأحدهم أنت أشعر من البحتري وهو لا يُحسن أن يقول بيتاً.
(بشراكم اليوم) أي يوم القيامة. ثم حذف القول ما قال يقال لهم بشراكم اليوم (بشراكم اليوم) هذا قول يبشرون به. لم يقل يقال لهم بشراكم اليوم ولكن قال بشراكم اليوم لأنه أراد أن الأمر مُشاهَد مرئي مسموع وليس إخباراً وإنما هو مشهد أمامك تسمع وترى ولو قال يقال لهم يصير إخباراً. (يوم ترى) هذا مُشاهَد ترى وتسمع من دون إخبار فلما قال (يوم ترى) أراد أن المشهد مسموع مرئي وليس إخباراً وإنما المشهد هذا أمامك. (بشراكم اليوم) ليس إخباراً عن غائب. وقال بشراكم أي كل واحد يدخل في البشرى وما قال البشرى جنات.
سؤال من المقدم: في خارج القرآن قد يقول بشراهم لكن في الآية تحول من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب فما دلالة هذا. التحول؟
الآن الكلام موجه للمؤمنين وقبل كان الكلام موجه للآخرين لو قال بشراهم يكون إخباراً عن أمر غائب. (يوم ترى المؤمنين) أنت تشاهد هم أمامك لما أقول يوم ترى المؤمنين أنت جهة أخرى غيرهم وأنت تشاهدهم، المشهد أمامك والآن يتوجه الكلام للمؤمنين، (بشراكم اليوم) الكلام ليس لك وإنما أصبح خطاباً للمشاهَد وليس للمشاهِد، هذا يسمى تحولاً في الخطاب غرضه البياني أنه يجعل المشهد حاضراً أمامك وليس إخباراً عن أمور غائبة وإنما عن أمر مشاهد هذا يكلم هذا وهذا يقال له وأنت تنظر.
(بشراكم اليوم جنات) : ما الذي أفادته كلمة اليوم وقال في أول الآية (يوم ترى المؤمنين) ؟ يوم ترى المؤمنين غير اليوم في (بشراكم اليوم) يخاطب المؤمنين في الأولى يخبرك يوم ترى كذا وكذا، (بشراكم اليوم) هذا اليوم حاصل وهو ليس إخباراً عن أمر مستقبل والبشرى كلما كانت قريبة كانت أدعى للمسرّة. اليوم وليس بعد سنين طويلة لا، اليوم، فهذا أدعى للمسرة لأن البشرى قريبة. يسعى بهم الآن هم ذاهبين إلى الجنة (بشراكم اليوم) اليوم يعني هذا الأمر كائن في هذا اليوم.
وقال جنات ولم يقل جنة وكأنه لكل واحد أكثر من جنة (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) الرحمن) (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) الرحمن) إذن البشرى أن لكل واحد أكثر من جنة.
(تجري من تحتها الأنهار) في آية واحدة فقط في القرآن قال (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) التوبة) . أولاً (من تحتها) أعلى من (تحتها) لأن بداية الجريان من تحتها، العيون تنبع من تحتها فيصير مشهد الجري مع مشهد بدايته من تحتها. (تحتها) ليس بالضرورة أن يكون المنبع تحتها. لكن (من تحتها) أي بداية الجريان من تحتها يتمتع بمشهد الجري وبداية الجري.
أما لماذا قال في آية واحدة فقط (تجري تحتها) ؟ كل آية فيها (تجري من تحتها الأنهار) معهم الأنبياء، المؤمنين والمؤمنات معهم أنبياء. أما في آية سورة التوبة فليس معهم أنبياء (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) ليس معهم نبيّ. كل الآيات الأخرى على الإطلاق معهم الأنبياء وهذه ليس معهم الأنبياء. تجري من تحتها أي منبع الأنهار من تحتها.
سؤال من المقدم: لم يقل تسعى هنا بدل تجري؟ لأن الأنهار تجري ولا يقال تسعى والجري هو الركض من الإسراع. وتحت الجنة الواحدة عدة أنهار (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ (15) محمد) . ونلاحظ أنه لما قال (تجري) معناها الأنهار غير راكدة، فيها تجدد للمياه لأن عدم الجري مظنّة الركود والأسن. إذا كان الماء لا يجري فهو مظنة الأسون. لاحظ لما لم يذكر الجري (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ) ما قال تجري ولكن قال (من ماء غير آسن) حدّد لأنه لما لم يذكر تجري حتى يرفع مظنة الأسون والركود قال (من ماء غير آسن) آسن أي متغيّر متعفن من عدم الجريان. لما يقول تجري لا يقول غير آسن ولما لا يقول تجري يقول غير آسن. الأنهار غير الآسنة تضاهي تجري من تحتها الأنهار من حيث التعبير البياني.
سؤال من المقدم: مرة يذكر في القرآن (خالدين فيها أبداً) ومرة (خالدين فيها) لماذا؟ وما نعنى أبداً
(أبداً) أي ليس له نهاية. وخالدين الخلود عام وأحياناً العرب تقول خالدين لا يعنون فيها الأبد وإنما محدودة بفترة طويلة (ما دامت السموات والأرض) . الأبد يعني بلا انقطاع لا ينتهي. وقد أثير هذا السؤال سابقاً وأجبنا عنه مطولاً وذكرنا جملة أمثلة من القرآن الكريم. إذا كان من باب تعظيم الأجور والكلام الطويل في وصفها يقول أبداً إذا كان تفصيل في الجنات ونعيمها يذكر أبداً وإذا كان إيجازاً لا يذكر أبداً.
سؤال من المقدم: بالرغم من أن المؤمنين والمؤمنات مذكورين لم يقل خالدين لماذا؟ لأنه لم يذكر نعيم الجنة وليس فيها تفصيل، ما ذكر شيئاً من النعيم وما فصّل في الجنة.
سؤال من المقدم: ختم الله تعالى هذه الآية بقوله (ذلك هو الفوز العظيم) وفي آية أخرى يقول (ذلك الفوز العظيم) فما دلالة الاختلاف؟
هو عرّف الفوز وجاء بضمير الفصل (هو)(وضمير الفصل يقع بين المبتدأ والخبر أو ما أصله مبتدأ وخبر أي إسم أن وخبرها وإسم كان وخبرها بين المفعولين حتى يفصل بين الخبر والنعت أو الصفة) ، هذا هو ضمير الفصل وفائدته التوكيد والحصر. فلما قال (ذلك هو الفوز العظيم) يعني ليس هناك فوز آخر وما عداه هو الخسران. ما قال ذلك فوز عظيم لأن معناه قد يكون هناك فوز آخر محتمل. هذا ربح وليس معناه أنه ليس هناك ربح آخر، هذا نجاح وليس معناه أنه ليس هناك نجاح آخر. فلما قال (ذلك هو الفوز العظيم) تحديداً أي ليس هناك فوز آخر وما عداه خسران. وجاء بـ (هو) زيادة في التوكيد والحصر. ويقول في آيات أخرى (ذلك الفوز العظيم) هذه فيها حصر وأحياناً تأتي بؤكد واحد أو مؤكدين تكون أقوى. في نفس السؤال نضرب مثلاً في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) الصفّ) ما قال (هو) ، قال (تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله، ثم ذكر يغفر لكم ذنوبكم ويدخلهم جنات، طلب منهم الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات. وقال تعالى في آية أخرى (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ
الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التوبة) في الآية الأولى قال تؤمنون بالله، يعني طلب منهم الإيمان بالله والاستمرار عليه وهنا قال اشترى من المؤمنين فوصفهم بالإيمان. هناك طلب منهم أن يجاهدوا في سبيل الله (تجاهدون في سبيل الله) عندهم الأموال والأنفس يجاهدون فيها لكن في الثانية باع واشترى ولم يبقى عندهم مال ولا أنفس (فاستبشروا ببيعكم) .هناك جهاد وهنا يقاتلون والجهاد ليس بالضرورة من القتال فالدعوة جهاد (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) الفرقان) أما القتال حرب (فيقتلون ويُقتلون) وهذا أقوى الجهاد. أي تضحية أكبر من أن يدفع الواحد نفسه فلا يبقى عنده مال ولا نفس؟ هذه أكبر ولذلك في الآية الأولى قال (ويدخلكم جنات) لما أدخلهم جنات هل بالضرورة أنها صارت مُلكهم؟ في الثانية قال (بأن لهم الجنة) كأنهم اشتروا الجنة فصارت تمليكاً لهم كأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، هذا تمليك أما في الآية الأولى فليس فيها تمليك فالإدخال ليس بالضرورة أن يكون تمليكاً، الثانية بيع وشراء هذا هو الفوز الأعظم ولذلك قال فيها (ذلك هو الفوز العظيم) .
في آية الحديد ما ذكر شيئاً من البيع والشراء لأن الفوز قد يكون في أمور أخرى. (والسابقون الأولون) ليس كلها على نمط واحد لكن هو شيء أعظم من شيء. لو رجعنا إلى الآية (والسابقون الأولون الفوز العظيم) وفي آية أخرى في سورة التوبة (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)) أولاً ما قال مساكن طيبة في جنات عدن وقال ورضوان من الله أكبر ورضوان من الله أكبر من الجنات. الرضوان هو الرضى (الرضوان مصدر) ولم يستعمل في القرآن كلمة الرضوان إلا رضى من الله تعالى أما المرضاة فتأتي من الله ومن غيره والرضوان هو أعظم الرضى وأكبره فخصّه بالله سبحانه وتعالى أما مرضاة فليست مختصة بالله تعالى وإنما تأتي لله تعالى ولغيره (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ (207) البقرة) (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ (1) التحريم) أما الرضوان فهو لله تعالى فقط، خاص بالله تعالى. والرضوان أعلى من الجنة وفي الأثر أنكم لتحتاجون إلى علمائكم في الجنة كما تحتاجون إليهم في الدنيا، فقالوا كيف يا رسول الله؟ قال يطُلّ الله تعالى على عباده أصحاب الجنة فيقول سلوني، فيحارون ماذا يسألونه وكل شيء موجود فينظر بعضهم إلى بعض فيذهبون إلى علمائهم يقولون ما نسأل ربنا؟ فيقول العلماء سلوه الرضى. ولذلك قال (ورضوان من الله أكبر) ولما ذكرها قال (ذلك هو الفوز العظيم) فخي حسب السياق الذي يأتي. هنا في الآية بشرى ونور والله تعالى في آية سمى البشرى فوزاً (لهم البشرى في الحياة الدنيا) . وفي هذه الآية نور وبشرى وما إلى ذلك فهو فوز عظيم.
نظرة عامة على الآية: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)) .
بعد أن ذكر المؤمنين والمؤمنات ذكر المنافقين والمنافقات بمقابل المؤمنين والمؤمنات حتى يدل على أن كل فرد من الجنسين الذكور والإناث ينال جزاءه للا يشفع لأحد ما قرابة وما تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة كما أن المؤمن لا يغني عن قريبه ولا عن زوجه وإنما كل واحد بنفسه ولا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو لأخي وإنما كل واحد ينال جزاءه. المنافقون والمنافقات مقابل المؤمنين والمؤمنات يقولون للمؤمنين (انظرونا نقتبس من نوركم) يمعنى انتظرونا ولم يقولوا انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء أما الإنظار فليس فيه ذلك ولا يشترط فيه ذلك. انتظر على وزن (إفتعل) وفيها تمهّل مثل اصبر واصطبر وكسب واكتسب وجهد واجتهد. اصطبر هو صبر طويل شديد، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) المزمل) (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) لأن الصلاة هي كل يوم خمس مرات كل يوم ولا تنقطع طوال العمر. أما اصبر على ما يقولون واهجرهم لا يحتاج لصبر لكن قال (واصطبر عليها) لأن الصلاة تحتاج لصبر طويل ودائم. صيغة افتعل فيها تمهّل ومدّة واجتهاد وإبطاء. مثل كسب واكتسب (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) البقرة) الإكتساب فيها تعمّل واجتهاد وليست اكتسب عامة أنها في الشر. الكسب يكون في الخير والشر لأن الكسب أسرع والاكتساب فيه تعمّل واجتهاد وكسب حتى يكتسب والسيئات تحتاج إلى مشقة أما الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، يغتابك أحد وتكسب أنت خيراً وهو يكتسب شراً. لم يقل انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وهؤلاء يُسرع بهم ولو قالوا انتظرونا ليس هناك مجال أن يجيبوهم، انظرونا ولو قليل، هم يُسرع بهم الآن إلى الجنة فلا ينتظرون، هم يعلمون أنه لو قالوا انتظرونا لم يجيبوهم لأنه ليس هناك فسحة للوقت فهم طلبوا
أقل الوقت.
(المنافقون والمنافقات) في صدر الآية حتى لا يشفع أحدهم للآخر لا تقول المنافقة هذا زوجي يملك أمري كان منافقاً فماذا أفعل؟ لا يشفع هذا لها وينبغي أن تستقل بالعقيدة استقلالاًـ فيها إفراد لتتحمل المسؤولية لا يغني عنك هذا. في العقيدة ليس هناك طاعة "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" التغليب يدل على العموم والشمول وأحياناً يراد به التفصيل.
(انظرونا نقتبس) تحتمل انظروا لنا، هي فيها احتمالين انظروا إلينا نقتبس من نوركم. (أَنظَره بمعنى أمهله)(قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) الأعراف) هذا فعل رباعي انظرني من الفعل الرباعي، انظر مضارعه يُنظِر وكل رباعي مضموم حرف المضارعة. هنا أُنظرونا من نظر ينظر. انظرونا لها معنيين: على الإمهال (أنظرني في الدِيْن) أي أمهلني وانظرونا بالعين. نظر فعل متعدٍ بذاته (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا (19) الكهف) .
الحلقة 18
تابع سورة الحديد
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)) .
ذكرنا المنافقين والمنافقات في حلقة سابقة وذكرنا أنه فصّل وذكرهم ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاؤه ولا يشفع لأحدهم قرابة فلا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو أخي. وذكرنا أن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وقلنا أن نظر أسرع من انتظر لأن انتظر فيها تمهل وإبطاء على وزن (إفتعل) وضربنا أمثلة في حينها والمؤمنون يُسرع بهم إلى الجنة فلا يوجد وقت للانتظار والمنافقون يعلمون هذا ولو قالوا لهم انتظرونا لم يجيبوهم ولم يأبهوا لهم لأنهم يُسرع بهم إلى الجنة فطلبوا مدة قليلة أن ينتظروهم ولو كان في الأمر متسع في الوقت كما قال تعالى في الدنيا (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) لكن الظرف لا يسمح بالانتظار والتمهل الكثير. قال انظرونا وهي ليست مثل انتظرونا من حيث دلالتها على الزمن. إبليس قال (أنظِرني إلى يوم يبعثون) أي أمهلني وهذا معنى مختلف. أَنظِرني أي أمهلني أما انظرونا بمعنى انتظرونا وهنا لم ترد اَنظرونا من أنظر الفعل الرباعي كما قال إبليس وإنما انظرونا من الفعل الثلاثي نظر ينظر وليس من أنظر. أُنظرونا في اللغة تحتمل أمرين: أنه انظروا إلينا وبمعنى انتظرونا وذكرنا هذا سابقاً. انظرونا أي استقبلونا بوجوهكم حتى نرى لأن لديهم نوراً في أيديهم حتى يستضيؤا به، قال انظرونا. إذن تحتمل معنيين يحتمل الانتظار ولو كان قليلاً ليستضيؤا بهم ويحتمل انظروا إلينا ليمشوا في نورهم.
(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) أي نُصِب من نوركم وليس بمعنى نأخذ لأن القبس يستعمل في النار وهو الشعلة من النار. القبس ويقال اقتبس من علمه لكن في الأصل هو الشعلة من النار (بشهاب قبس) لكن فرق بين نأخذ ونقتبس فالقبس أن تأتي بعود وتضعه في النار فيشتعل فتأخذه أما الأخذ فهو أن تلتقط من النار لذا قال تعالى (نقتبس) ولم يقل نأخذ لأن الاقتباس لا يُنقِص من المقتَبَس أما الأخذ فقد ينقص منه لذلك قال تعالى (نقتبس من نوركم) أي أن نوركم باقٍ لكن دعونا نقتبس منه ولا نأخذ منه ولو قال نأخذ منه حتماً سيردّوهم. ولذلك قال نقتبس لأنه لن يؤثر على نورهم والنور كبير عندهم. أما لو قال نأخذ قطعاً يعرفون أن المؤمنين لن يوافقوا على هذا الطلب.
قال (نقتبس) ولم يقل نقبس لأن الاقتباس أعظم من القبس (اقتبس على وزن افتعل) أكثر. هذا يدل على عِظَم نور المؤمنين فهو ليس قليلاً مهما أُخِذ منه فهو كثير فقالوا نقتبس من نوركم وهذا يدل على عظم النور الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين. فقالوا نقتبس، رأوا نوراً عظيماً عند المؤمنين فقالوا (نقتبس) . هذا يشير للسامع العربي إلى النور العظيم الذي أعطاهم إياه الله تعالى حتى يقول المنافقون نقتبس منه وهذا معناه أنه نور عظيم وهذا يدل على إكرام المؤمنين، هذا النور لا ينقص بالاقتباس وهو كثير. هذا ليس من قبيل زيادة المبنى تدل على زيادة لمعنى هو في الغالب هذا صحيح لكن في بعض الأحيان قد يكون البناء الأقل أبلغ من البناء الأكثر مثلاً من صيغ المبالغة (حذِر) وحاذِر إسم فاعل لكن حذِر أبلغ من حاذر مع أن حذر بناؤها أقل. فهذه ليست قاعدة مضطردة.
(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) لم يقل من النور الذي معكم. وقال (يسعى نورهم) إذن هو نورهم هم، ملكهم، ليس من النور الذي معكم وإنما لكل واحد منهم نور.
سؤال من المقدم: هل في هذا دلالة على التملك؟ هو دلالة على شبه التمليك فهو أي النور لا يملّك.
ما قالوا انظرونا نقتبس من هذا النور لأن من نوركم أكبر ونور المؤمنين أكرم فكل واحد له نور عظيم وليس نوراً عادياً بحيث يمشون فيه وإنما لكل واحد نور خاص يمشي به.
(قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) : لاحظ الآية تقول (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا) إذن هم يخاطبون الذين آمنوا، (قيل) فعل مبني للمجهول ولم يقل قالوا لأنه من الذي قال؟ الملائكة لأن المؤمنين مشغولون بما هو أعظم وأهمّ وأدعى للاهتمام لذلك قال (قيل ارجعوا) الملائكة هم الذين قالوا لأن هذا ليس كلام المؤمنين وإنما هم يُسعى بهم إلى الجنة فليس عندهم وقت للوقوف والكلام.
(قيل ارجعوا وراءكم) إرجعوا فيها دلالة الوراء فما دلالة وراءكم؟ هذه فيها أكثر من أمر في اللغة: إما أن يكون ظرفاً مؤكِّداً (وراءكم) ونحن عندنا ظرف مؤكد وظرف مؤسس كما عندنا حال مؤكد وحال مؤسس ونعت مؤكد ونعت مؤسس. المؤسس هو الذي يؤسس معنى جديداً غير موجود في الجملة مثل: أقبل أخوك مسرعاً، رأيت أخاك نائماً، نائماً ليست من رأيت أخاك وليس لها علاقة برأيت أخاك هذه يسمونها حال مؤسسة. أما قوله تعالى (ولّى مدبراً) حال مؤكدة. عندنا ظرف مؤسس وظرف مؤكد، ظرف مؤسس أكثر مثال على الظروف تقول: جاء يوم الجمعة لأن المجيء يمكن أن يكون في أيام أخرى، جلس بين الأشجار (مؤسس) لكن جلست زمناً لا بد أن يكون له زمن، تكلّم حيناً هذا يسمى ظرف مؤكد. (وراءكم) ظرف مؤكد لـ (ارجعوا) . والدلالة التي يزيدها التوكيد هنا لأن التأكيد مطلوب في اللغة كما قال تعالى (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ (26) النحل) السقف معروف أنه فوق وكذلك قوله تعالى (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ (38) الأنعام) معروف أن الطائر يطير بجناحيه فالتوكيد موجود في اللغة وغرضه البياني زيادة في التوكيد والاهتمام. وقد يكون (وراءكم) إسم فعل بمعنى ارجع فيكون فيها تأكيدين: إسم الفعل وتأكيد بالفعل. (إرجعوا وراءكم) فيها إهانة أشد للكافرين. ثم (وراءكم) ليس بالضرورة أن تكون مؤكدة. لما تقول إرجع قد ترجع في مكانك بظهرك من غير إستدارة لكن لما تقول إرجع وراءك فلا بد أن تستدير وترجع للمكان الآخر فهناك فرق بين ارجع أي أفسح المجال أو وسِّع أما ارجع وراءك فهو أمر آخر وهو أن يذهب للخلف يستدير ويرجع فهذا كالطرد. (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) ، قيل ارجعوا قلنا أن المؤمنين لم يقولوا هذا الكلام وإنما الملائكة قالتها لأن المؤمنين مشغولون بما هو أهمّ.
لم يقل هناك نور وإنما قال (فالتمسوا نورا) أي اطلبوا منهم نوراً، لم يقل هناك نور موجود وإنما قال إلتمسوا نوراً.
(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) حُجِز بينهم ولم يقل بينهما مع أنهما فريقان كما قال في آية أخرى (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) النمل) أي بين الأفراد أجمعين لأنه قال بالجمع منافقين ومنافقات وعندنا مؤمنين ومؤمنات فضرب بينهم على الجمع أي حُجِز بينهم بسور. ضرب في اللغة لما تأتي بالباء (ضرب بينهم بسور) أي ليس ضرباً بالعصى وإنما حُجِز بينهم ويسمى هذا تضمين يعني يضمّن الفعل معنى آخر. أصل الفعل يتعدى بحرف جر ثم يأتي بفعل آخر لا يتعدى بهذا الحرف وتعدّيه بهذا الحرف الجر فيعطي معنى آخر، مثلاً: نصرناهم من الذين كفروا، فعل نصر لا يتعدى بـ (من) وإنما فعل نجّى يتعدى بـ (من) فلما قال نصرناهم من ضمّن معنى نجّى واكتسب معنى النجاة ومعنى النصر. هذا يسمى في اللغة التضمين يكتسب معنيين المعنى الأصلي المذكور ومعنى ذلك الفعل الذي أشار إليه بحرف الجر.
(ضرب بينهم بسور) أي حجز بينهم. السور هو ما أحاط بالشيء لكنه قال (له باب) حتى لا يُظنّ أن المؤمنين محتجزون فيه. لو لم يكن له باب يحتمل أنهم محتجزون. المؤمنون والمنافقون حُجِ. بينهم بسور هذا السور له باب يدخل منه المؤمنون ينفذون منه إلى مرادهم إلى الجنة والمنافقيون لا يستطيعون أن ينفذوا منه. فالسور يحجز بينهم بحيث هذا الباب يفضي بالمؤمنين إلى الجنة والمنافقون خارج السور والمؤمنون داخله فهمنا هذا من قوله تعالى (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) داخله فيه الرحمة وهي الجهة التي فيها المؤمنون وظاهره من قِبَلِه العذاب جهة المنافقين. لم يقل بينهم سور وسكت وإنما من جهة المؤمنون السور له باب يسعون به في طريقهم إلى الجنة والمنافقون لا يمكن لهم الدخول لأن الباب ليس من جهتهم وإنما من باطنه أي جهة المؤمنين. ولاحظ أنه قال عن السور (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) أي أن ظاهره يختلف عن باطنه كما أن المنافقين ظاهرهم يختلف عن باطنهم فهي لمسة فنية دقيقة جداً. فكما أن المنافقين يخالف باطنهم ظاهرهم كذلك السور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ولم يقل باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه العذاب لأنهم خارجه.
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) قبلها قال تعالى (يوم يقول المنافقون والمنافقات) باستعمال الفعل (يقول) والآن (ينادونهم) نادى أي رفع الصوت، مدّ الصوت، مدّ النداء والقول عام حتى في النفس كما في قوله تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ (8) المجادلة) . هم كانوا قريبين منهم في البداية لكن مع السور صار كل واحد في جهة ويحتاجون لرفع الصوت (ينادونهم) أي يرفعون أصواتهم لأن القول حتى لو تكلم أحدهم بأخفض الأصوات هو القول حتى في النفس. الآن صار بينهم حاجز ويحتاجون لرفع الصوت (ينادونهم) .
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) لم يقولوا ألم نكن منكم، هم لم يكونوا منهم ولو قالوا ألم نكن منكم لقال المؤمنون كلا. ألم نكن منكم أي مؤمنين، ألم نكن معكم صحيح أنتم معنا تُظهرون الإيمان، فالمعيّة لا تعني بالضرورة أن يكونوا منهم، نعم هم موجودون معهم في نفس المكان أو المدينة لكنهم ليسوا منهم. (معكم) ظرف و (من) حرف جر وكل واحدة لها دلالة. قالوا بلى أنتم معنا ولكن ليسوا منهم (قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) .
سؤال من المقدم: هنا قال تعالى (قالوا بلى) وفي الآيات السابقة قال (قيل ارجعوا وراءكم) ؟ لو قال:قيل بلى الكلام ليس حكماً لأنهم يكلمون المؤمنين ولو قيل بلى كيف يكون حكماً على الآخر؟ أنا أسألك أنت وغيرك يجيب عنك كيف تكون أجبت أنت؟ هذا سؤال، أما (انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا) هذا طلب يحتمل أن يرد الآخر عني أما في السؤال فلا يجب أن يجيب عنك أحد. (ألم نكن معكم) من يقول هذا الكلام صحيح؟ أنت المسؤول تجيب فقال (قالوا بلى) لا يمكن أن تكون هنا (قيل بلى) لأنه احتمال أن يجيب غيرهم أن يكون معهم أو لا. لو قال واحد بلى يقال أنا لا أسألك أنت ولكن أسألهم لأنني كنت معهم.
سؤال: (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) هل هذا الترتيب مقصود هنا؟ هو قطعاً مقصود لأنه مرتب ترتيباً منطقياً. أولاً نعرف ما هو معنى فتنتم أنفسكم؟. فتن أشرنا إلى معناها في الحلقة السابقة، (فتنتم أنفسكم) معناه الاختبار وقد يكون التعذيب (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (191) البقرة) والفتنة إدخال الناس في النار (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) الذاريات) وكل هذه المعاني مطلوبة هنا. أنتم فتنتم أنفسكم أي وضعتم أنفسكم في الاختبار وتقولون لهؤلاء نحن معكم ولهؤلاء نحن معكم وكل فريق سوف يختبركم إذن هم وضعوا أنفسهم في فتنة الاختبار. ثم هذا الاختبار طال (تربصتم وارتبتم) فصار هناك تعذيب نفسي هي ليست لحظة وإنما عمر، والتعذيب في الدنيا والآخرة. التربص هنا هو الانتظار والنار مأواهم. تربصتم أي تنتظرون النتيجة لكل واحد يتربصون بالفريقين، (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ (141) النساء) ثم يتربصون بالفريقين وينتظرون ماذا سيكون؟ أي فريق الذي فيه نفع لهم؟ يقولون نحن معكم، هذا فيه تربص ثم لما دخلتهم الريبة من سيفوز؟ الريبة بمعنى الشك. والشك يختلف عن الريبة لأن الريبة حتى يقال هذا الحيوان لا يريبه شيء أي لا يزعجه شيء فالريبة أعمّ (ذلك الكتاب لا ريب فيه) .
ما قال ارتبتم في شيء لأن الحياة عامة ليست في شيء محدد وهذا عمر والأمر طال. ارتبتم حتى تربصتم ولم يذكر شيئاً والفريقان ينتظرون من سيفوز؟ طال الأمر وينتظرون من سيفوز هؤلاء أم هؤلاء؟ دخلتهم الريبة لأنه طال الانتظار. ولما طال الانتظار دخلتهم الريبة ولما دخلتهم الريبة بقيت الأمنيات. لما لم يحدث شيء بقيت الأمنيات. ثم دخل الشيطان فقال (وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) فهي مرتبة ترتيباً منطقياً أحدها يفضي إلى الآخر. هم ظلموا أنفسهم وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ثم طال التربص ودخلتهم الريبة والشكوك ثم طالت المسألة ثم دخل الشيطان حتى جاء أمر الله ورحلوا عن الدنيا منافقين مغرورين من الشيطان (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) .
في صدر الآية قال (انظرونا نقتبس من نوركم) هو الآن مشهد ذكر أن المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم (بشراكم اليوم جنات) هذا الآن يُسرع بهم إلى الجنة أما المنافقين فليس عندهم غير أن يطلبوا النور حتى يمشون لكن النور انقطع فقالوا أعطونا النور قيل ارجعوا وراءكم ثم صار تدرجاً، صار سور، ألم نكن معكم بدأ الحوار.
(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الكلام لا يزال في يوم القيامة. ذكر الفدية لأن الخطاب موجه إلى المؤمنين والمنافقين إما من الله تعالى أو من الموكلين بهذا القول. (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) أولاً ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والقرض الحسن فذكر فدية ويبدو أن الفدية هنا هي المال لأنه قال (لا يؤخذ منكم) وما قال لا يقبل منكم لأن الفدية في اللغة والقرآن ليست مختصى بالأموال فقد ورد في القرآن (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (196) البقرة) . الفدية يفدي بها نفسه يدفع فدية. ذكر ربنا في الدنيا في الحج (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) والآن قال لا يؤخذ منكم فدية وما قال لا يقبل منكم فيبدو أنها مال. كان يمكن أن نفقوا في الدنيا ويفدوا أنفسهم في الدنيا أما اليوم فلا يؤخذ منهم فدية وليس منهم فقط ولكن من الكفار أيضاً وليس جميع الكفار منافقين حتى تكون عامة. هل يخرج من غير المنافقين؟ قال لا منكم ولا من غيركم، لا منكم ولا من الذين كفروا فالخطاب للجميع.
(مأواكم النار) الكلام الآن بالذات مع المنافقين النار مولاكم عامة ومأواكم النار المأوى هو دار الإقامة أو الملجأ المكان الذي تأوون إليه أو الملجأ، والمولى هي التي تتولى أمركم، النار تتولى أمرهم. ذكر أمرين: يأتيهم الشر من جهتين من المأوى والمولى فقد يكون المأوى سيئاً لكن المولى حسن وقد يكون العكس أنا هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم. يحتمل أن يكون المولى من الوليّ أي القرب (أولى لك فأولى) أي مكانكم عن قرب والمعنيان مرادان فهي تتولى أمرهم وهي مكانهم عن قرب ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن وذلك لسببين السبب الأول أنه ذكر في الآية أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم فهم كانوا يستبعجونها وهي أقرب وأدنى من آمالهم. والسبب الآخر أن كل الآيات التي ورد فيها (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) آل عمران) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا والدنيا لا تزال غير منقضية وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبله فالنار قريبة منهم فقال (هي مولاكم) .
(وبئس المصير) هذه أنسب خاتمة لهم فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير السن والمستقبل المشرق فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ.
إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصب عنهم بخلاف المنافقين فإنها يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم فقد قال في المؤمنين: (هذا الجزء منقول من كتاب الدكتور فاضل السامرائي على طريق التفسير البياني الجزء الأول من صفحة 262 إلى صفحة 266 للفائدة)
1 ـ (يسعى نورهم) : ولم يقل (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة، وهذا إكرام فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها، وفي الإسراع ما فيه من الإكرام.
2 ـ أنه تعالى أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم، فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم، فهو لم يقل إنهم يمشون، لأن المشي قد يكون فيه إبطاء، ولم يقل يسعون، لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد، ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور.
3 ـ قال يسعى نورهم، فذكر الفاعل ولم يقل (يُسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يُدرى أيسعون في ظلمة أم في نور، فذكر أن لهم نورا يسعى.
4 ـ أضاف النور إليهم، وهذا فيه أمران: الأول الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن، وهو يدل على قدر عمله. فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره. ومن ناحية أخرى لم يقل (يسعى النور) فيجعله عاما يستضيء به المنافقون، فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره، وهذا إكرام للمؤمنين وحسرة على المنافقين.
5 ـ قال (بين أيديهم) ومعنى (بين أيديهم) أمامهم، غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيدا عن الشخص، فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك، وقد يكون النور أمامك ولا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال (بين أيديهم) .
6 ـ وقال (وبأيمانهم) ولم يقل (عن أيمانهم) لأن معنى بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعدا عنها كما قال تعالى: "وما تلك بيمينك يا موسى17" طه، ولو قال (عن أيمانهم) لدل أنه متراخٍ عن أيمانهم أو منحرف عنها لأن (عن) تفيد المجاوزة، والباء تفيد الإلصاق.
7 ـ قال (بشراكم) ، ولم يقل (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد ن يجعل المشهد حاضرا ليس غائبا، يُسمع فيه التبشير ولا يُنقل.
8 ـ وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشرى كل واحد، ولم يقل (البشرى جنات) وهو إكرام آخر.
9 ـ وقال (اليوم) للدلالة على قرب البشرى، وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع، والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة.
10 ـ وقال (جنات) ولم يقل (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر كما قال تعالى: "ولمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى" النازعات.
11 ـ قال: "تجري من تحتها الأنهار" ولم يقل (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة، والركود مظنة الأسون، هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري، ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله:"فيها أنهار من ماء 15" محمد. قال (غير آسن) لينفي عنها صفة الأسون، ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه.
12 ـ وقال (الأنهار) ولم يقل (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار.
13 ـ قال (خالدين) وهي بشرى أخرى، وقال (فيها) للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكانا ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة.
14 ـ قال (ذلك هو الفوز العظيم) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه، ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد.
ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟
15 ـ ذكر أن المنافقين يقولون (انظرونا) ولم يقولوا (انتظرونا) فإنهم يدركون أنهم لا يسعهم الانتظار، وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة، فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به.
16 ـ ثم قال (نقتبس) ولم يقل (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم.
17 ـ قال (من نوركم) ولم يقل (من النور) وهذا تكريم آخر فإن النور نورهم.
18 ـ قال (قيل ارجعوا) ولم يقل (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم ولم يشغلوهم بالكلام عما هو أهم، ولم يرهقوهم بكثرة القيل.
19 ـ قال (فضرب بينهم بسور) فحجزوهم عن أولئك السائلين المنافقين.
20 ـ ثم قال (له باب) للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه، وإنما ينفذون منه إلى مرادهم.
21 ـ ثم قال (باطنه فيه الرحمة) وهو تكريم آخر وكيف لا وهم في رحمة الله؟
أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أوضح ما يكون:
1ـ فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة، وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء بهم كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا. قال تعالى:"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " النساء 142
جاء في تفسير ابن كثير: "ويقول المنافقون للذين آمنوا "انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال "يخادعون الله وهو خادعهم" فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب"
2 ـ وقال (قيل ارجعوا) ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم، فبنى الفعل لمجهول، وقيل إن القائل هم الملائكة، فهم الذين تولوا الرد عليهم، أما المؤمنون فلا يعنيهم هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم، وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يجيبهم آخرون.
3 ـ وقال (ارجعوا) وهو إهانة أخرى.
4 ـ وقال (وراءكم) وهو إما أن يكون ظرفاً مؤكداً أو يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا، وهو إهانة ظاهرة.
5 ـ قال (فالتمسوا نورا) وهم يعلمون أن ليس ثمة نور، وهو من باب الاستهزاء بهم.
6 ـ وقال (فضرب بينهم بسور له باب) فحجزوهم عن اللحاق بالمؤمنين وهو إهانة ظاهرة.
7 ـ وقال (وظاهره من قبله العذاب) وهي جهتهم.
8 ـ وقال (ينادونهم ألم نكن معكم) فذكر أنهم يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم، ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون.
9 ـ وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة، فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني، وغركم بالله الغرور، كل خصلة منهن إهانة وتبكيت.
10 ـ قوله تعالى: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا"و "مأواكم النار""هي مولاكم""وبئس المصير" كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب، نعوذ بالله.
فالأشياء محشودة حشداً فنياً دقيقاً في إكرام المؤمنين وإهانة المنافقين.
الحلقة 20
تابع سورة الحديد:
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16))
نظرة عامة على الآية: قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) ألم يأن يعني ألم يحِن؟ الفعل يأن ماضيه أنى يأني، أنى يعني حان ونضج. ألم يأن معناه ألم يحِن لهذه القلوب أن تخشع لذكر الله؟ لما تقول حان الشيء أي هذا وقته ووجب. ألم يأن أي إلى الآن لم يحِن هذا الأمر وقد جاءت الآيات والبينات؟ (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم) نلاحظ أنه أسند الخشوع إلى القلب والخشوع هو أمر مشترك بين القلب والجوارح في الحديث "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" وفي القرآن قال تعالى (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ (43) القلم) (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) النازعات) وقال (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) الغاشية) ويقال صوت خاشع والرجل يوصف بالخشوع (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ (45) الشورى) . الخشوع هو الخضوع والخشية والتذلل. فخشوع القلب أي خضوعه وتذلله وخشيته لله رب العالمين. ما قال تخضع واستعمل الخشوع لأن فيه التذلل والخشية والخضوع. ذكر أمرين قال (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (لذكر الله) وهو عام. والقرآن هو من الذِكر وسمّاه الله سبحانه وتعالى ذكراً (أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا (8) ص) فالذكر عام والقرآن من الذكر والذكر أعم من القرآن فالذكر يكون في القرآن في التسبيح والتحميد والتفكّر. (وما نزل من الحق) أي القرآن. عندنا أمران: ذكر الله العام (عموم ذكر الله) أن تذكر الله تعالى خالياً فتفيض عيناك كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله ذكر منهم (ورجل ذكر الله خالياً ففضات
عيناه) ، وما نزل من الحق هو القرآن تحديداً فذكر الخاص بعد العام وكل منهما مدعاة إلى الخشوع. ذكر الله عموماً حتى لو في نفسك تذكر عظمته وتسبحه وهذا مدعاة للخشوع والخشية وقال تعالى (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) الحج) والقرآن هو في حد ذاته مدعاة للخشوع والخشية (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) الإسراء) الخشوع من القرآن، (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (21) الحشر) (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (22) الزمر) إذا كان علماء أهل الكتاب إذا يتلى عليهم القرآن يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً وإذا كان الجبل يتصدع من خشية الله تعالى فكيف لا يخشع قلب المؤمن؟!. ذكر ثلاثة أمور كل منها مدعاة للخشية أولاً الخطاب للمؤمنين (يا أيها الذين آمنوا) وذكر الله والحق الذي نزل والذي هو القرآن وهذا قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الأنفال) . هذه نظرة عامة على الآية.
هناك مسألة: قال (تخشع قلوبهم لذكر الله) ثم قال بعدها (قست قلوبهم) وضع المؤمنين في مقابل الذين قست قلوبهم. وللعلم فإن القرآن لم يُسند القسوة إلا إلى القلوب (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ (22) الزمر) (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (74) البقرة) لم تسند القسوة إلا إلى القلوب في القرآن كله. (فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) منهم أي من الذين أوتوا الكتاب.
سؤال من المقدم: قال تعالى (أن تخشع قلوبهم) بإسناد الخشوع إلى القلوب فلم لم يقل مثلاً: ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحق؟
هو حذّرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب ولم يحذرهم من قلوبهم. لم يُحذّروا من قلوب الذين أوتوا الكتاب وإنما من الذين أوتوا الكتاب لم يقل ولا يكونا كقلوب الذين أوتوا الكتاب. إذن التحذير من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب هذا أمر. وصار تشبيه جماعة بجماعة، الذين أوتوا الكتاب بمقابل الذين آمنوا. ثم قال (وكثير منهم فاسقون) هذا وصف للأشخاص لا للقلوب. ثم ذكر المؤمنين وقلوبهم وأهل الكتاب وقلوبهم (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) ، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) كأن الله تعالى حريص على العباد حتى لا يطول عليهم الأمد فتقسو قلوبهم لأن طول الأمد مدعاة لقسوة القلوب ولهذا قال (تخشع قلوبهم) . الأمد هو الزمن وجمعها آماد.
سؤال من المقدم: لماذا قال (أوتوا الكتاب) ولم يقل (آتيناهم الكتاب) ؟
القرآن الكريم يستعمل أوتوا الكتاب في مقام الذم ويستعمل آتيناهم الكتاب في مقام المدح. قال تعالى (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) البقرة) هذا ذم، (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ (145) البقرة) هذا ذم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) آل عمران) (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) البينة) هذا ذم، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) النساء) ذم. بينما آتيناهم الكتاب تأتي مع المدح (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ (121) البقرة) مدح، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ (89) الأنعام) مدح، (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ (36) الرعد) (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) القصص) مدح، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (47) العنكبوت) مدح. هذا خط عام في القرآن على كثرة ما ورد من أوتوا الكتاب وآتيناهم الكتاب حيث قال أوتوا الكتاب فهي في مقام ذم وحيث قال آتيناهم الكتاب في مقام ثناء ومدح. القرآن الكريم له خصوصية خاصة في استخدام المفردات وإن لم تجري في سنن العربية. أوتوا في العربية لا تأتي في مقام الذم وإنما هذا خاص
بالقرآن الكريم. عموماً رب العالمين يسند التفضل والخير لنفسه (آتيناهم الكتاب) لما كان فيه ثناء وخير نسب الإيتاء إلى نفسه، أوتوا فيها ذم فنسبه للمجهول (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا (5) الجمعة) (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (14) الشورى) ، أما قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (32) فاطر) هذا مدح.
سؤال من المقدم: ما دلالة (من قبلُ) في الآية (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ) ولماذا البناء على الضم في (قبلُ) ؟
لو لم يقل (من قبلُ) يعني لو قال ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب هذا لا يدل على أن الأولين قست قلوبهم وإنما فقط يدل على المعنيين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أما الأولون فلم تقسو قلوبهم. (من قبلُ) هي التي دلت على أن الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. إذن (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ)(من قبل) أفاد أن الأولين قست قلوبهم ولو لم يقل (من قبلُ) لم يفد هذا. لو قال ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب قد يكون المقصود بهم الذين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يشر إلى الأولين فهوالآن كأنه ذمّ الذين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء طال عليهم الأمد وليس فيه دلالة على أن الأقدمين قست قلوبهم كذلك والمراد هم الأقدمون. لما قال (من قبلُ) دل على أن الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فكيف لهؤلاء وقد تطاول عليهم الأمد؟! إذا كان الأولون قست قلوبهم وقد تطاول الزمن فما بالك بهؤلاء؟!.
أما السؤال الآخر وهو لماذا جاءت (قبلُ) بالضم؟ هذه تسمى الظروف المقطوعة (قبل وبعد وما جرى مجراها) قبلُ هنا ظرف زمان لكن الظروف المقطوعة لا تنحصر في الزمان (الظروف: فوق وتحت وما جرى مجراها مثل من فوق ومن تحت ومن قبل ومن بعد) . إذا حذف المضاف إليه ونُويَ معناه نقول (من قبلُ) . عندنا أن يذكر المضاف إليه كما في قوله (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ (10) الحديد) هذا مُعرَب والمضاف مذكور. وعندنا أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه (من قبلُ) ، وعندنا أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى معناه يصير نكرة (من قبلٍ) ليس هناك مضاف إليه أصلاً كنكرة من النكرات فننوّن هنا ويكون ظرفاً مجروراً بالكسرة (كجلمود ضخر حطّه السيل من علِ) . قد يحذف وينوى لفظه فيحذف التنوين كأنه موجود. هذا أن يحذف المضاف إليه وينوي معناه تقصد هنالك زمن محدد يعلمه المخاطَب هذا من المعارف. هذه هنا (من قبلُ) لما تحذف المضاف إليه وتنوي معناه ستبنيه على الضمّ فيصبح معرفة وليس نكرة لأنك تنوي زمناً معلوماً للمخاطَب لذلك قالوا سقط من علُ فُهم أنه من علو معلوم، سقط من علِ أي سقط من مكان عالٍ لا نعرف ارتفاعه لذا قال (حطّه السيل من علِ) أي من مكان مرتفع لم يقصد مكاناً معيناً. (من قبلُ) من زمن يعلمه المخاطَب ولديه فكرة عنه. (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ) أي من قبلهم، من قبل الكتاب عليهم. إذا كانت مبنية على الضم تدل على أمر معين زمن أو مكان وإعرابها مبني على الضم في محل جرّ. قوله تعالى (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ (10) الأحزاب) (من أسفلَ) هذا ليس فيه حذف وإنما هو ممنوع من الصرف. الظروف المقطوعة أي مقطوعة للإضافة.
سؤال من المقدم: آخر الآية قال تعالى (وكثير منهم فاسقون) نقف عند (كثير) وفي مواطن أخرى استخدم إسم التفضيل (أكثر) فلماذا استخدم هنا كثير؟
كثير على وزن فعيل وهي صفة مشبهة، أكثر إسم تفضيل. يعبّر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ الصفات والإطالة في ذكرها. (أكثرهم) جاءت صيغة التفضيل هذه في مكانين في المائدة وآل عمران. في آية الحديد ذكر وانتقل إلى كلام آخر ليس له علاقة بأهل الكتاب، فالكلام عن أهل الكتاب جزء من آية ثم انتقل بكلام آخر ليس له علاقة بأهل الكتاب. أما في سورة المائدة فالآيات من 57 إلى 65 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)) يستمر في ذكر الصفات فلما يطيل ذكرهم ويعدد مساوئهم يأتي بإسم التفضيل (أكثر) . في آل عمران الآيات من (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ
آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)) ومن (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)) (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)) آيات كثيرة أفاض فيها فقال (أكثر) . أما التي لا يطيل فيها فيقول (كثير) . قد تشترك صيغة فعيل في المبالغة والصفة المشبهة وإسم المفعول من حيث الصيغة فقط أما إذا كان أصل الفعل متعدياً تصير مبالغة وإذا كان أصل الفعل لازماً تصير صفة مشبهة. مثال: سميع من سمع وهو فعل متعدي
إذن سميع صيغة مبالغة، عليم من علم وهو فعل متعدي إذن عليم مبالغة، حتى في رحيم قالوا إذا كانت من رحِم فعل متعدي فهي مبالغة وإذا كانت من رَحُم فعل لازم تصير صفة مشبهة. وعندنا فعُل أبلغ من فعِل وأحياناً نحوِّل إلى فعُل بقصد المبالغة. طويل من طال فعل لازم فطويل صفة مشبهة وكذلك قصير وقبيح وجميل صفة مشبهة.
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17))
نظرة عامة على الآية وارتباطها بما قبلها وما بعدها: أمرنا ربنا أن نعلم هذا الأمر وهو أن الله تعالى هو الذي يحيي الأرض بعد موتها فما كانت لتحيا لولا أن الله يحييها، لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن هنالك ذاتاً معه أو بدونه قادرة أن تحيي وإنما هو الذي يحيي الأرض وأراد أن نعلم هذا الأمر فقال (اعلموا) . الارتباط بما قبلها ظاهر من جهتين: أولاً في الآية قبلها قال تعالى (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) فهو تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. أثر الذكر والقرآن في القلوب يحييها كما يحيي الغيث الأرض. الله تعالى يحيي الأرض بالغيث والذكر والقرآن يحيي القلوب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) هذه حياة. إذن أثر الذكر الذي أمرنا به (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) هذا الذكر يحيي كما تحيا الأرض بالغيث فالذكر يحيي القلوب من موتها كما يحيي الله الأرض من موتها، هذا أمر. والأمر الآخر أن فيها دلالة على بعث الأموات وقد ذكر قبلها مشهداً من مشاهد الآخرة (فضرب بينهم بسور له باب) ويذكر لنا في القرآن حياة الأرض للتمثيل بحياة الآخرة فينتقل منها إلى الآخرة (كذلك يحيي الله الموتى) . إذن من جهتين من جهة أن الله سبحانه وتعالى كما يحيي الأرض بعد موتها يحيي القلوب بذكر الله وما نزل من القرآن، هذا أمر ومن ناحية أخرى دليل أو تشبه كيف يحيي الله الموتى وذكر مشهداً من مشاهد الآخرة هذا أيضاً تدل على أن الله سبحانه وتعالى سيحيي الموتى كما يحيي الأرض، يحيي الموتى في الآخرة كما يحيي الأرض.
سؤال من المقدم: قال تعالى (يحيي الأرض بعد موتها) أليس هذا مظنة والعياذ بالله لأي شك أن الذي يميت هو غير الله تعالى؟
قال يحيي بعد موتها ولم يقل بعد إماتتها. يقال مات فلان وأماته أي شخص آخر يميته. قال تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) النجم) (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (28) البقرة) أنت تقول مات الإنسان. يميتكم من أمات، عندنا مات يموت وعندنا أمات يميت. هناك فرق بين الموت والإماتة. الموت من تلقاء نفسه، أماته أي الله سبحانه وتعالى أماته. مات وأمات فعلان أحدهما لازم والآخر متعدي. لو قال يحيي الأرض بعد إماتتها يكون للسؤال وجاهة لكنه قال بعد موتها.
إرتباطها بما بعدها (إن المصدقين والمصدقات) شأن الأرض التي تحيا بالغيث تضاعف ما فيها (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) البقرة) والمصدقين والمصدقات أيضاً يضاعف لهم كما أن الأرض بعد موتها تضاعف ما يخرج من الغلّة كذلك الصدقة تضاعف الأجور (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ) المنفق والمقرِض يضاعف له كما أن الأرض تضاعف. إذا أحيا الله سبحانه وتعالى الأرض بعد موتها تضاعف الحبّ وكذلك المصدقين يضاعف لهم الله تعالى الأجور. ثم ذكر الآخرة (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (19)) أيضاً فيها دلالة على الحياة الآخرة. وسيأتي ذكر للآخرة فيما بعد. فهي ترتبط بما قبلها وبما بعدها من ناحيتين.
هل إرتباطها بما قبلها أقوى؟ التذكير بقدرة اله تعالى حاصل لكن من الناحية الفنية عندما قال (يضاعف لهم) وهذا شأن الأرض التي تحيا بالغيث ولما ذكر المصدقين والمصدقات قال يضاعف لهم ولهم أجر كريم كما تضاعف الأرض فالمناسبة ظاهرة. والآية مدخل للآية التي بعدها.
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18))
ذكر تعالى في غير موطن المتصدقين والمتصدقات وأشرنا في أكثر من مناسبة ووقفنا عند هذا وقلنا أنه من باب الإبدال الجائز. أصل المصّدّقين والمصدقات متصدقين ومتصدقات مثلما ذكرنا يدّبر ويتدبر وذكرنا في حينها أنه فيها تضعيفان (المصّدّقين) والتضعيف فيه مبالغة فهنا قال (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ) لما بالغوا في الصدقة أعطاهم مضاعفة لذا لاحظ في سورة يوسف قال (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) يوسف) لم يطلبوا المبالغة في الصدقة وهذا من حسن أدبهم يعني يكفيهم الشيء القليل فلم يقولوا (فاصّدّق علينا) كأنهم يريدون الشيء الكثير. قسم قال (يجزي المتصدقين) لم يقل المصدقين لأن المتصدقين تشمل المقلّين والمكثرين. لو قال المصدقين تدل على أنه يجزي المبالغين في الصدقة دون غيرهم لكنه يجزي المُقِلّ والمُكثِر. المصّدّقين والمصّدّقات هم المكثرون في الصدقات فقال تعالى يضاعف لهم ولهم أجر كريم، هؤلاء المبالغين في الصدقة وأقرضوا الله قرضاً حسناً والجزاء على قدر العمل. (مصّدّق) الذي يُخرج أمواله في سبيل الله ومنها قد تكون من باب الفروض كالزكاة ورب العالمين سماها صدقة.
ماذا يفيد العطف بين المصدقين والمصدقات؟ أولاً يدل على استقلال النساء في أموالهن، وما دام مالها فلها الحرية في أن تصرف وتقرض الله قرضاً حسناً وأن تفعل ما تشاء في مالها. ويبين أيضاً أنه إذا كان لها مال فلا تغني صدقة زوجها أو أبيها عنها وأنها يضاعف لها كما يضاعف للرجال. ثم ذكر المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات فالجو العام هكذا فذكر المصدقين والمصدقات.
الحلقة 22
تابع سورة الحديد:
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18))
قال تعالى (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)) في خواتم الحلقة الماضية ذكرنا المصدقين والمصدقات والغرض من الإبدال وأن أصلها المتصدقين والمتصدقات ثم حصل فيها إبدال جائز وذكرنا أن المصدقين فيها مبالغة في الصدقة أكثر من المتصدقين لأن فيها تضعيفان (في الصاد وفي الدال) وذكرنا في إخوة يوسف قال المتصدقين ولم يقل المصّدّقين وقالوا وتصدّق علينا ولم يقولوا إصّدّق علينا لحسن أدبهم وكرم أخلاقهم فلم يطلبوا المبالغة في الصدقة، وقال: إن الله يجزي المتصدقين ولم يقل المصدّقين لأن ذلك يشمل المكثرين في الصدقات والمقلّين في الصدقات ولو قال المصّدّقين لم يشكل المُقلّين وإنما يشمل الكثرة فقط. هنا أطلق الأجر للجميع للمقلّ والمُكثِر. وقلنا عطف المصدقات على المصدقين للدلالة على إستقلال النساء في أموالهن ولا يرغمهن أحد في أموالهن وأن عليهن الصدقة كما على الرجل وما تغني صدقة الزوج أو الأب.
سؤال من المقدم: ألا تشمل المصدقين كجمع مذكر النساء أيضاً للتغليب؟ أحياناً وأحياناً يراد به التفصيل، يذكر الأمرين وحتى المصدقات إذا كان لهن مال فليس لأحد أن يرغمهن على أموالهن فيمنعهن من الصدقة ولهن أن يتصرفن بأموالهن وأن عليهن الصدقة كما على الرجال ولا تغني صدقة أزواجهن ولا آبائهن إذا كان لهن مال لذلك أفردهم (والمصدقات) . ومثله جرى في السورة فذكر المنافقين والمنافقات والمؤمنين والمؤمنات فذكر أيضاً المصدقين والمصدقات، جرى هذا النمط في السورة. هذا ما ذكرناه في الحلقة الماضية.
سؤال من المقدم: ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (وأقرضوا الله قرضاً حسناً) ولماذا ذكر القرض بعد المصدقين؟
قسم ذهب إلى أن الصدقة غير القرض. قسم قال القرض هو تطوع والصدقة في الواجب. ربنا تعالى سمّى الزكاة صدقة لكن هي ليست مقصورة على الزكاة وإنما هي عبادة عامة (المال) ومنها الزكاة لكن قسم من الصدقة هو فروض كصدقة الفطر وبعض الصدقات كالكفارات هذه فروض والزكاة فرض. فقسم قال الإقراض المذكور هو من باب التطوع ولا يدخل في باب الفروض. المصدّقين قد يدخل فيها الفرض. وقسم قال القرض هو أعمّ من الصدقة يدخل في الفروض وغير الفروض. فإذا كان الأمر كذلك فهو من باب عطف العام على الخاص إذا كان القرض هو أعم من الصدقة (ما كان تطوعاً وغير تطوع) أي الصدقة في عمومها يصير أعم من الصدقة فعند ذلك إذا كان الأمر كذلك أي إذا كان القرض عموم الصدقة فتكون أعم من الصدقة فيكون من باب عطف العام على الخاص. وقسم يقول لا هي تطوع الصدقة هي في الفروض والقرض هو في التطوع والذي يبدو لي - والله أعلم- أن القرض في التطوع ويختلف عن الصدقة بدليل أنه فيما أظن أن القرض هو في صدقة التطوع نلاحظ أن القرآن الكريم يذكر القرض الحسن بعد الزكاة في مواطن وقد يأمر به بعد الأمر بالزكاة كما في قوله (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا (12) المائدة) ذكر الزكاة ثم ذكر القرض الحسن، الزكاة فرض فقال بعدها (وأقرضتم الله) . وفي آية أخرى قال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (20) المزمل) هذا أمر. يبدو لي أنه لما عطفها على الزكاة والزكاة فرض صار القرض من باب التطوع، من باب المندوبات وليس كل المندوبات فروض لكن علمنا أن الزكاة فرض وعطفها على الزكاة فلا يأخذ نفس الحكم لأنه ليس بالضرورة أن يأخذ المعطوف نفس الحكم خاصة في المندوبات فقد يكون عطف مندوب على فرض.
ثم تسميته (قرض) المُقرِض ليس ملزماً بالإقراض. القرض في اللغة إعطاء مال تحديداً. القرض إعطاء مال ويتوقع إسترداده أما الزكاة فلا تُردّ. لما قال المصدقين والمصدقات الصدقة لا تُردّ، المقرِض عندما يُقرِض شخصاً المفروض أن يرد عليه قرضه. لذلك لما قال تعالى (من ذا الذي يقرض الله) رب العالمين سيرده عليه بأضعاف كثيرة (فيضاعفه له) . تسميته قرضاً المقرِض ليس ملزماً بالإقراض إذا أردت الاقتراض من أحد فهو ليس ملزماً بإقراضك فلما قال ربنا (قرض) معناه أنه ليس ملزماً، معناه أنه من باب التطوع. وبخلاف التصدق لأن منه ما يلزم. وقال تعالى في أكثر من موضع (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) كأنه من باب الترغيب. فتسميته قرض توحي والله أعلم بأنه ليس من باب الفروض وحتى طبيعة قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) من باب الترغيب وليس من باب الإلزام.
(قرضاً) أحد أمرين: إذا كان المقصود مال تحديداً يكون مفعولاً به وإذا كان مصدراً فيكون مفعولاً مطلقاً. ما المقصود بالقرض في (قرضاً) ؟ هل هو مال؟ إذا كان مالاً يكون (قرضاً) مفعولاً به (أقرضتك مالاً) وإذا كان مصدراً يعني أقرضتك إقراضاً حسناً يكون مفعولاً مطلقاً ويصير حدثاً. المصدر أقرض إقراضاً وليس قرضاً. المسألة أن قرض مصدر قَرَض وقَرَض وأقرض كلاهما بمعنى واحد ثلاثي ورباعي وأحياناً نأتي بالمصدر، نأتي بالفعل وتأتي بمصدر فعل آخر كما في قوله تعالى (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) نوح) لم يقل إنباتاً وقال في مريم عليها السلام (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) المفروض أن يقال إنباتاً، لكن هذا يكون لغرض. إذا كان الفعلان بمعنى واحد قرض وأقرض أو حتى لم يكونا بمعنى واحد يكون لغرض آخر مثل قوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا) المفروض تبتّلاً. تبتيل مصدر بتّل وبتل غير تبتّل تماماً والمعنى مختلف. ليجمع المعنيين يأتي بالفعل للدلالة ويأتي بالمصدر من فعل آخر من دلالة أخرى فيجمع بينهما حتى يجمع المعنيين. فبدل أن يقول: وتبتل إليه تبتلاً وبتّل نفسك إليه تبتيلاً يقول (وتبتل إليه تبتيلاً) فيجمع المعنيين وهذا من أعجب الإيجاز. هذه الآية (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) المزمل) فيها أمور في غاية الغرابة في الإيجاز. في مريم قال (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) لم يقل إنباتاً لأنه لو قال إنباتاً هو الله تعالى أنبتها فالمنبِت هو الله تعالى لم يجعل لها فضلاً لكن أنبتها فنبتت نباتاً حسناً جعل لها من معدنها الكريم قبول هذا النبات وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً أي طاوعت هذا الإنبات فجعل لها قبول، فجعل لها فضل في معدنها الكريم. بينما لو قال إنباتاً لم يجعل لها فضلاً رب العالمين أنبتها يفعل ما يشاء، لكن
نباتاً جعل لها فضلاً، هي نبتت وجهل لها فضلاً فنبتت نباتاً حسناً فجعل لها في معدنها قبول لهذا النبات فنبتت نباتاً حسناً.
سؤال من المقدم: هل المقصود بالقرض في الآية (قرضاً حسناً) المال أو المصدر؟
أحياناً يسمونه التوسع في المعنى. يمكن أن نذكر هذا التعبير بعدة صور: أقرضوا الله إقراضاً حسناً، قرضوا قرضاً حسناً باعتبار فعل قرض بمعنى أقرض. لو قال أقرضوا الله إقراضاً حسناً لم يكن إلا معنى المصدر، معنى واحد هو الحدث إقراضاً فقط. لما قال قرضاً حسناً فيه أمران المال والحدث، الإقراض الحسن في التطوع وكيفية الإقراض والمال هو حسن في نفسه من الحلال الطيب فيجمع الأمران الإقراض والمال. لو قال إقراضاً فقط كأنه فقط المصدر، فقط الحدث ولذلك جمع بين الأمرين.
سؤال من المقدم: لماذا استخدم أقرضوا الله ولم يقل قرضوا الله؟ أقرضوا الله أشهر.
سؤال من المقدم: ما فائدة حسناً بعد قرضاً؟ ذكرنا سابقاً القرض الحسن. وللعِلم أنه لم يذكر القرض إلا وصفه بالحسن في جميع القرآن. ذكرنا في حينها ما المقصود بالقرض الحسن: في الشخص أن يكون من دون منٍّ، عن طيب نفس وبشاشة وجه، وفي المال ينبغي أن يكون في المال الحلال الطيب الكريم وأن لا يبتغي الخبيث (وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) ثم في الجهة أن يتحرى أفضل الجهات، هذا القرض الحسن. القرض الحسن يكون له صفات في المقرِض وصفات في المال وصفات في الجهة، هذا هو القرض الحسن يكون من كريم المال وحلاله ويكون من دون منّ ويكون في أفضل الجهات التي فيها نفع للمسلمين ولذلك لا تجد في القرآن إلا وصفه بالحسن، القرض بالذات. أيضاً لا تجد القرض إلا لله. الصدقة أطلقها لكن القرض لم يأت إلا قرضاً حسناً ومع الله تعالى (أقرضوا الله قرضاً حسناً) حتى يفرق بين القرض الذي هو في المعاملات والقرض الذي هو عبادة مع الله. هنا الإقراض قد يكون بين الناس في المعاملات وهنا المقصود العبادات ولذلك دائماً يقول وأقرضوا الله. لو قال أقرضوا لم تختص بالعبادة وإنما بالمعملة بين الناس ولذلك الصدقة دائماً عبادة أما الإقراض فليس دائماً عبادة فقد يكون في المعاملة والتعامل بين الناس ليس له علاقة بالعبادة. ولذلك في القرآن هنالك أمران أنه وصف القرض بالحسن والآخر أنه لله تعالى. هذان الأمران في جميع القرآن لم يرد الإقراض إلا بهذين أنه حسن وأنه لله تعالى فقط ولهذا ثوابه من الله عز وجل يضاعف له.
سؤال من المقدم: لماذا عطف بالفعل على الإسم في الآية (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) ؟
هذا يجوز إذا كان الإسم المشبه بالفعل يجوز عطفه على الفعل (واعطف على اسم شبه فعل فعلاً وعكس استعمله تجده سهلا) تكرر أكثر من مرة على ما هو مقرر في القرآن أن الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث. الصدقة لازمة ثابتة ولذلك لا تجد في القرآن (المقرضين) لأنها ليست صفة ثابتة ثبوت الصدقة كما نجد المتصدقين التي هي ثابتة.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19))
سؤال من المقدم: هل الصديقون هم الذين آمنوا فقط؟
ليس هناك صدّيق إلا من هو آمن بالله والرسل ولا يمكن أن يكون صدّيقاً من غير إيمان بالله. (صدّيق) صيغة مبالغة قسم قال من صَدَق وقسم قال من صدّق وفي الحديث " ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً" يصدق ويصدّق بما جاء به، إذا كان يبالغ في الصدق فهو صدّيق وإذا كان يبالغ في التصديق بما أنزل الله وما جاء به الرسل يسمى صدّيقاً. الصدّيق وصف، رب العالمين وصف قسماً من الرسل بالصديقين ذكر إبراهيم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) مريم) وإدريس (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) مريم) . فكلمة صدّيق وصف الله تعالى بها الأنبياء وغير الأنبياء ووصف مريم عليها السلام (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (75) المائدة) . النبي صدّيقاً أي كثير الصدق فيما يحدّث ولا يخبر إلا بالصدق (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) الزمر) . وقد يعدهم صنفاً آخر غير الأنبياء فيقول (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم (69) النساء) . يذكر الأنبياء وغير الأنبياء ويصفهم بالصّدّيقية. كلمة صدّيق مبالغة (والذين آمنوا بالله ورسله) أولئك هم الصديقون على العموم؟ هل كل من آمن بالله ورسله هو صدّيق؟ الصديقية درجات كما أن الشهداء درجات، ذكر تعالى الأنبياء صديقون وذكر من هم دونهم أيضاً ووصفهم بالصديقين وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً. هي درجات تتسع إتساعاً كبيراً.
هناك أمر أيضاً: الرسول صلى الله عليه وسلم سُئل: أيزني المؤمن؟ قال صلى الله عليه وسلم بلى، قيل أيسرق المؤمن؟ قال بلى، قيل: أيكذب المؤمن؟ قال لا. فالمؤمن لا يكذب إذن المؤمن يجب أن يصدق فإن كذب فقد خرج عن الإيمان. هكذا يقول الحديث. فالمؤمن صفته الصدق دائماً وأبداً فإن لم يصدق خرج عن الإيمان في تلك اللحظة. فإذن قطعاً المؤمن صدّيق لأنه صدّق وصَدَق في الكلام. الصدّيق قد يكون من كثرة الصدق " ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً"، ما قال يُصدِّق وإنما يصدُق أي حينما يتكلم لا يتكلم إلا صِدقاً. في هذه الحالة يكون المؤمن صدّيقاً. إذا تحرى الصدق فهو صدّيق وإذا صدّق بما جاء به النبي فهو صدّيق، إذا صدّق صار مؤمناً. فالصّدّيقون هنا مقصود بهم كلها فما دام أصبح مؤمناً فهو يَصْدُق ويصدّق لأنه إذا لم يصدّق فهو ليس بمؤمن وإذا كذب انتفت عنه صفة الإيمان. لكن الصديقية درجات كالإيمان والعمل الصالح فالمؤمن تطلقها على سيد الرسل وتطلقها على من آمن بالله. وهم درجات متفاوتة عظيمة والصديقية تطلق على صفوة الخلق وعلى الرسل وعلى من دونهم (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) مرتبة عامة وفيها خصوصية.
سؤال من المقدم: من هذا المنطلق سمي أبو بكر الصديق بهذه الصفة مع أن غيره كثيرون صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق عليه هذا الاسم والصدّيقون درجات فهناك الصفوة وهناك صفوة الصفوة.
سؤال من المقدم: في الآية (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)) هل الذين كفروا وكذبوا مقابل الذين آمنوا بالله ورسله؟
لو أخذنا الآية (والذين آمنوا بالله ورسله) وبعدها (كفروا وكذبوا بآياتنا) الذين كفروا بمقابل الذين آمنوا بالله، والذين كذبوا بآياتنا مقابل الذين آمنوا برسله لأن تكذيب الآيات يكون عن طريق الرسل. التصديق والتكذيب يكون عن طريق الرسل، فإذن الذين كفروا مقابل الذين آمنوا بالله والذين كذبوا بآياتنا مقابل الذين آمنوا برسله. نلاحظ ذكر الشهداء بعد الصدّيقين (أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) كما في آية أخرى (وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) ثم ذكر أجرهم ونورهم والأجر والنور واضحان في السورة يترددان في أكثر من موضع في هذه السورة. قال في أكثر من موضع (فيضاعفه له وله أجر كريم) هذا أجر، (يسعى نورهم) ذكر الأجر والنور (يضاعف لهم ولهم أجر كريم)(والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) وآخر السورة (ويجعل لكم نوراً) هذان الأمران يطبعان السورة.
سؤال من المقدم: لماذا لم يقل كفروا بنا؟ او كفروا بالله؟
ذكرها مطلقة لأن الكفر عام والكفر هو الستر والتغطية. الكفر بالآيات هذا أحد أركان الكفر، فلو آمن بالله وكفر بالرسالات ولم يصدّق سيكون كافراً لذا لم يخصصها وإنما أطلقها عامة (كفروا) على العموم والإطلاق
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20))
نظرة عامة على الآية ودلالة الترتيب واللمسة البيانية فيه: حقيقة ما يعيشه الناس أجملَه تعالى في هذه الآية ورتّبها بحسب ترتيبها في حياة الناس. بدأ باللعب واللعب عادة يقع في دور الطفولة والصبا مبكراً هذا هو الأصل وإن كان أحياناً يُطلق على نقيض الجَدّ (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (65) التوبة) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف) (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) الأنبياء) نقيض الجد.
تابع سورة الحديد
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20))
نظرة عامة على الآية: قال الله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) أجمَلَ ربنا سبحانه وتعالى حقيقة ما يعيشه الناس في الحياة الدنيا في هذه الآية ورتّبها بحسب ترتيبها في حياتهم. بدأ باللعب (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب) واللعب يقع في دور الطفولة والصبا فبدأ به. وقد يأتي اللعب نقيض الجِدّ. أصل اللعب في دور الطفولة والصبا ويُطلق أحياناً على نقيض الجِدّ (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (65) التوبة) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف) (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) الأنبياء) أي غير جادّين. اللهو عادة يكون في دور الفتوّة والشباب بعد دور الطفولة. ثم اللهو أعمّ من اللعب لأن الكبير قد يلهو في أمور يضيق صدره في أمور فينتقل إلى أمر يلهو به بعض الشيء. ثم ذكر الزينة والزينة مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن - خاصة النساء - وحتى الشباب يتزيّن لا يرضى كما كان طفلاً يلبس ما تعطيه أمه. ثم ذكر بعدها التفاخر وهذا أكثر ما يكون في شأن الرجال يتفاخرون بأعمالهم وبأنسابهم ومآثر ما يفعل هو وما فعل آباؤه وأحسابه لذلك الشعراء يفتخرون بآبائهم وأحسابهم وأنسابهم (أولئك آبائي فجئني بمثلهم) . هذه المفاخرة هي أن ينسب الخير إلى أهله ونفسه كالشجاعة والكرم. ثم ذكر التكاثر في الأموال والأولاد وهذه مرحلة جادة يبدأ يشتغل بجمع
المال والإنجاب لأن الحياة تقوم على هذين الأساسين المال والولد ولا تستديم الحياة بلا مال وولد وقدّم المال لأنه جمعه أكثر يشتغل به أكثر. حتى الوقت، الأولاد يهتم بهم وهم أعلى شيء والمال يتركه لهم لكن جمع المال يحتاج إلى وقت وإلى الذهاب إلى المحلات التجارية والأسواق فيبقى مع المال أكثر بكثير مما يبقى مع ولده. غالباً الأموال مقدمة على الأولاد في القرآن الكريم وفي مواطن تتأخر. في مواطن الحُب تتأخر الأموال (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) التوبة) هذه في المحبة ولا يمكن أن يرقى المال إلى محبة الأولاد. المال في خدمة الأولاد ويتركه لهم. فحينما يقدّم يكون حسب الموضع. في الانشغال يقدّم المال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) لأنه يشتغل بها كثيراً أما الأولاد أقل وإن كانوا في ميزان الآباء أثقل لكنه سيرحل ويترك الأموال لهم. وختم بالأولاد وهذه هي مراحل الحياة وأطوارها أجملها ربّنا تعالى وهي أطوار الناس في الحياة ثم صوّرها بقوله تعالى (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) .
سؤال من المقدم: هل هناك ترتيب مقصود لذاته في هذه الآية؟
هي هكذا حسب الأطوار في الحياة رتبها وذكرنا التقديم والتأخير وقلنا أنه ليس هنالك نمط واحد للتقديم والتأخير إنما هو السياق ومدار الاهتمام. العرب يقدّمون ما هم ببيانه أعنى وما هو أهمّ، الأهمية التي بحسب السياق فمرة نقدّم المتقدم ومرة نقدّم المتأخر، مرة نقدّم من القلّة إلى الكثرة ومرة من الكثرة إلى القلة ومرة نبدأ بالأفضل ثم ننتهي إلى المفضول ومرات أخرى تبدأ بالأدنى ثم الأعلى، المفضول ثم الفاضل. الذي يحدد التقديم والتأخير هو المقام ففي قوله تعالى مثلاً (والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين) البلد الأمين هو مكة وهي أفضل من طور سنين لكنه أخّرها وبدأ بطور سنين. هناك دواعي للتقديم والتأخير تُنظر في سياقها والمقام الذي قيلت فيه (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ (2) التغابن) بدأ بالمفضول (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) هود) تأتي بحسب كيف وضعها في السياق هو الذي يحدد التقديم والتأخير وتقدر كل حالة بقدرها. (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) لما ذكر الذين أنعم الله عليهم بدأ بأعلى النِعم (النبيين) . إذن هو حسب المقام الذي تقال فيه.
سؤال من المقدم: قال تعالى (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) عدد أشياء كثيرة وفي غير موطن في القرآن قال (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32) الأنعام) فقط ولم يذكر بقية الأطوار كما في آية الحديد، لماذا؟
أحياناً يقتصر على اللعب واللهو لأن ما ذكره بعدها يندرج (الزينة وما بعدها) يندرج في اللهو فإذا أراد أن يفصّل فصّل وإذا أراد أن يُجمِل وقف عندها. الزينة قد تُلهي والتفاخر يلهي والتكاثر يلهي. الله تعالى سمّى المال والبنون زينة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) الكهف) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) دخلت في الزينة والزينة دخلت في اللهو. ما ذُكِر في الزينة دخل هنا في اللهو. قال تعالى (ألهاكم التكاثر) دخل التكاثر في اللهو، أطلق التكاثر. لما فصّل في آية الحديد (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) فصّل وعندما أراد أن يُجمِل يقف عند الأصل والباقي يدخل فيه (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ (32) الأنعام) وقف عندها وما مثّل (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) محمد) . يقولون البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال أراد التفصيل يفصّل، أراد الإجمال يُجمِل.
سؤال من المقدم: ما معنى الإجمال والتفصيل في القرآن الكريم؟ من المستشرقين من يقول لِمَ يُجمِل هنا ويفصّل هنا مع أن الدلالة وصلت؟
أحياناً يريد أن يوضح المسألة ويعطيها أبعادها، أحياناً يكتفي بكلمة أو كلمتين وأحياناً يشرح أدق الأمور ويتعرض لها. هذا ليس تكراراً وإنما هو تفصيل يريد أن يوصل المعلومة كاملة في كل أبعادها وفي كل أحوالها. ثم إن الناس ليسوا سواء في الفهم والاستيعاب. إذا قلت (لعب ولهو) كم واحد يُدخِل فيها ما ذكر؟ كم شخص سيذكر الأموال والزينة والأولاد؟ قليل. يفصّل للجميع وكل آية تضيف ملمحاً في إطار السورة حتى تتضح جميع جوانبها.
سؤال من المقدم: قدّم الله تعالى اللعب على اللهو في هذه السورة وفي آية سورة العنكبوت قدّم اللهو على اللعب (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)) فما دلالة تقديم اللهو؟
قلنا ليس هنالك أمر يقضي بتقديم كلمة على كلمة وإنما هو السياق. لو لاحظنا سياق العنكبوت تقدّم هذه الآية قوله تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62)) الرزق مدعاة إلى الالتهاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) ربنا تعالى ذكر أمرين: البسط والتضييق، الذي بسط له رزقه يلتهي بجمعه والذي قُدِر عليه رزقه يلتهي للحصول عليه حتى يعيش فإذن سيكون مدعاة للهو فقدّم اللهو. ما دام قدّم البسط في الرزق والتضييق سيكون مدعاة للهو (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) العاديات) الخير فسروه بالمال. (قُدِر عليه رزقه) أي ضيّقه. (نقدر عليه) أي نضيّق عليه، حتى في قصة ذي النون (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الأنبياء) هو هنا في هذا المكان لم يجد أذناً صاغية ولم يجد من يستجب له قال أذهب إلى مكان آخر والله تعالى يوسّع عليّ في مكان آخر (لن نقدر عليه) أي لن نضيّق عليه، هناك متسع وهذا اجتهاد من ذي النون قال أذهب إلى مكان آخر فيه متسع والله تعالى لن يضيّق عليّ لكنه لم يخرج بإذن ربه ولكنه اجتهاد من تلقاء نفسه لذا قال تعالى (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) الصافات) مليم أي أتى ما يُلام عليه، ملوم يُلام لكن مليم أتى فعلاً يُلام عليه، لماذا خرجت من دون إذن؟ لذا قال (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ولذا قيل للرسول صلى الله عليه وسلم (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ
نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) القلم) . إذن نقدر يعني نضيّق.
سؤال من المقدم: ما المقصود بالكفار في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) ؟
المفسرون ذهبوا إلى أمرين في تفسير الكفار قسم يقول الكافرون بالله الجاحدون لأن هؤلاء هم الذين يغترّون بالدنيا وقسم قال هم الزُرّاع لأنها من كَفَر البذرة أي سترها في الأرض وأصل كفر في اللغة ستر ومنه الكفر أي ستر الفطرة المؤمنة لأن رب العالمين سبحانه وتعالى خلق الناس فطرتهم مؤمنة. فإذن المفسرون قسم من قال الكفار هم الزُرّاع وقسم يقول هم الجاحدون وأنا يترجّح عندي أنهم الكفار الذين يكفرون بالله وآياته لأنهم يغترّون بالدنيا وقد يكون المعنيان مقصودان وليس هناك مانع أن يعجب هؤلاء ويعجب هؤلاء.
سؤال من المقدم: في موضع آخر في القرآن قال تعالى (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (29) الفتح) وهنا قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) فما الفرق بين الآيتين واللمسة البيانية في كليهما؟
اختيار كل كلمة في مكانها أنسب اختيار. الزُرّاع في آية الفتح أنسب ولا يقال يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار، الزُرّاع أفضل. ليس هذ فقط هذا تشبيه بصورة محمودة وإنما هناك فرق بين الزُرّاع. هذه الآية في سورة الفتح في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) اختار كلمة الزُرّاع لأن الزارع يزرع ما ينتفع به هو وينفع الآخرين وهؤلاء ليسوا كالذين ذكرهم (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) غيث نزل في الأرض وخرج النبات وقد يكون فيه أدغال وحشائش لا تنفع الناس. هناك تصريح بالزُرّاع وقّيدت الآية بـ (نبات) وهو أي نبات نبت في الأرض وقال تعالى (كمثل غيث) ولم يقل مثل زارع والغيث عندما يمطر يُخرِج حشائش الأرض التي لو خرجت في حديقتك ستقلعها. في آية الفتح ذكر الزُرّاع لأن الزارع لا يزرع الحشائش وإنما يزرع ما ينتفع به هو وينفع الآخرين. ذاك كمثل غيث، الغيث أنت لا تسيطر على ما يُخرِجه فقد يُخرِج مما تريد وما لا تريد. آية الفتح وقعت في صورة محمودة في تشبيه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم (محمد رسول الله والذين معه) . ثم إن الزُرّاع كأنما هناك من زرعه فخرج أي خرج بأمر مقصود. مثال ذلك قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (110) آل عمران) ما قال خرجت لأن ربنا
أخرجها إخراجاً، هذه الأمة الإسلامية ربنا أخرجها بالصورة التي أرادها أُخرجت للناس ولم يقل خرجت من تلقاء نفسها. (خرجت) يعني خرجت من نفسها وليست برسالة، أخرج فعل متعدي (أخرجته) ، خرج فعل لازم (خرجت من البيت) . (أُخرجت للناس) أي أن الله سبحانه وتعالى أخرجها على نمط معيّن كما يريد ولم تخرج من تلقاء نفسها كما تخرج الحشائش والأدغال في النبات. الزارع ينتقي ويعلم ما يزرع وهذه الأمة أُخرِجت إخراجاً إلى الناس ولم تخرج من تلقاء نفسها وفق منهج معين معدّ واختيار دقيق. هذه الأمة أُخرجت بهذا المنهج لهذا الغرض للناس كافة. تلك الآية خرج كما تخرج الحشائش بالغيث يُعجِب من يُعجِب وأما في سورة الفتح إختار الزُرّاع يزرعون وينتقون ماذا يريدون. كنتم خير أمة أخرجت للناس أخرجها ربنا بصورة معينة ولغرض معين منهج معيّن واختيار معين وباصطفاء معين (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (75) الحج) . هذا هو الفرق بين كمثل غيث أعجب الكفار نباته هذا تشبيه حالة مذمومة بينما آية الفتح في الثناء والمدح في وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه.
سؤال من المقدم: هل كلمة الزراع جمع زارع؟
الزُرّاع جمع زارع مثل كُتّاب وكاتب وواعظ وعّاظ. وعندنا زارعون جمع وأحياناً الكلمة يكون لها أكثر من جمع مثل كلمة ساجد تُجمع على سُجّد (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا (29) الفتح) وسجود (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) وساجدين (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) الشعراء) يكون هناك أكثر من جمع للكلمة. وعندنا ميّت تُجمع على ميّتون (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) الصافات) وموتى (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى (39) فصلت) وأموات (وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء (154) البقرة) كلها جمع ثم تختلف بين القِلّة والكثرة ودلالات أخرى.
سؤال من المقدم: في سورة الواقعة قال تعالى (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)) ولم يستعمل الزُرّاع لماذا؟
لما يذكر ضمير التعظيم يذكر جمع المذكر السالم.
سؤال من المقدم: ما اللمسة البيانية في الالتفات في الضمير في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) ؟
ذكر مآل الزرع الذي خرج بالغيث حتى يخرج منه إلى تشبيه الحياة الدنيا كيف هي بعد أن ذكر أنه يُعجِب الكفار نباته ذكر ما سيؤول وذكر النتيجة حتى ينتقل منه إلى الآخرة. قال (ثم يهيج) يتحرك أول مرة ثم ييبس، هاج تأتي بمعنى يبس وتأتي بمعنى تحرك في النمو ثم يبس، هاج الزرع تأتي في اللغة بمعنى يبس الزرع وفي القرآن. يبس فتراه مصفراً. لكن بالنسبة للسؤال (فتراه مصفراً) الإسناد يختلف عن يهيج ويكون حطاماً ما قال ثم يكون مصفراً هذا يدلنا على زوال الزينة لأن الزينة تتعلق بالناظر لأنه قال قبلها (وزينة) لما قال فتراه مصفرّاً أي زالت الزينة بالنسبة للناظر لأن الزينة تتعلق بالناظر وإلا لماذا يتزين؟ لذا قال (فتراه مصفراً) . الخطاب موجّه لكل سامع ولكل ناظر (فتراه مصفراً) كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) الحجر) لأن الزينة تتعلق بالنظر لذلك الأعمى لا يرى الزينة فالزنية ليست للعُمي وإنما للمبصرين. (فتراه مصفراً) أي الزينة زالت لأنه علّقها بالرؤية لأن الزينة تتعلق بالرؤية. ولم يقل وتراه حطاماً أنت تراه حطاماً لكن أحياناً الذي تراه أنت حطاماً له قيمة كبيرة والقيمة لا تتعلق بالرؤية لكن الزينة تتعلق بالرؤية. أنت قد ترى حطاماً لكنه قد يكون ثميناً جداً وقيمته عالية لا تقدر الأمور بما ترى. الحجر الصناعي أجمل من الطبيعي لكنه ليس أغلى منه هذا الأمر لا يتعلق بالرؤية. هذا يكون حطاماً وليس تراه حطاماً إذا رأيته حطاماً هذا لا يتعلق بقيمته لأن الرؤية لا تقدّر القيمة وإنما تقدّر الزينة، قد يراه حطاماً وفيه فائدة كبيرة أنت تراه هكذا ولكنك لا تحسن تقديره. (ثم يكون حطاماً) أي أصبح حطاماً لا فائدة فيه ولا يتعلق برؤيتك له وتقديرك، رؤيتك تتعلق بالزينة. هذا الأمر في تقييم حقيقة الأمر وقيمته الحقيقية وهذا لا يتعلق بالزينة وإنما يتعلق بالمعرفة الحقيقية والقيمة الحقيقية
فقال (ثم يكون حطاماً) أصبح حطاماً لا فائدة فيه. إذن فرق بين تراه مصفراً وثم يكون حطاماً. (فتراه مصفراً) يعود على الزينة وعلى رؤيتك للشيء أما يكون حطاماً فهو حقيقة الأمر ذهبت الحياة الدنيا وتحطمت ولم يبق فيها شيء (إعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) تحطمت وذهبت زينتها وأصبحت حطاماً فلِم تغترّ بهذا؟ لو قال في خارج القرآن فتراه مصفراً ثم تراه حطاماً لا يُفهم هذا المعنى أنت تراه ولكن لا تقدّر قدر الشيء لكن ما يعرفه أصحاب الشأن قد ترى أشياء حطاماً تراها حطاماً ولا تقدّر قيمتها لكن هناك صاحب شأن من يعرف قيمتها وفرق بين تراه وبين يكون. الإسناد في (فتراه) لكل ناظر.
سؤال من المقدم: ما دلالة اتسعمال (ثم) والفاء في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) ؟
لما قال يهيج إنتهى. هي كلها (ثم والفاء) عاطفة لكن الفاء للترتيب والتعقيب و (ثم) للترتيب والتراخي أي مدة. (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (22) عبس) الميت يُقبر فوراً (فأقبره)(ثم) للتراخي (ثم إذا شاء أنشره) النشور بعد الموت بآلآف السنين وليس مباشرة. (ثم يهيج) يبس (فتراه مصفراً) فوراً تراه مصفراً فاستعمل الفاء. (ثم) تحتاج لوقت.
سؤال من المقدم: في هذه الآية قال تعالى (ثم يكون حطاماً) وفي آية أخرى قال (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا (21) الزمر) فما الفرق؟
لو عدنا إلى السياق وقراءة كل آية يتضح الفرق. هذه الآية عرفناها، كل الكلام عن الغيث وما يخرج منه. في آية الزمر قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) هو الذي أنزل ما قال في آية الحديد أنزل غيثاً وإنما قال (كمثل غيث) لم ينسبه إلى نفسه سبحانه، (فسلكه ينابيع في الأرض) الله سبحانه وتعالى هو الذي سلكه، (ثم يخرج به زرعاً) الله سبحانه وتعالى يُخرِج، (ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً) الذي أنزل من السماء ماء وسلكه ينابيع في الأرض وأخرج به الزرع هو الذي جعله حطاماً. ولو قال يجعله حطاماً في آية الحديد ليس هناك إسناد لله سبحانه وتعالى أما في سورة الزمر فالاسناد لله تعالى ابتداء من أول الآية إلى آخرها هو الذي جعله حطاماً. في آية الحديد ليس هناك إسناد لله تعالى أما في الزمر فالاسناد لله تعالى ابتداء.
سؤال من المقدم: هل الماء والغيث كلاهما مطر؟ ذكر الغيث في آية الحديد وماء في آية الزمر وهناك فرق بين الماء والغيث لكن الماء والغيث في الآيتين هو ما ينزل من السماء لكن هذا الماء الذي ينزل من السماء قد يكون غيثاً وقد يكون مطراً بحسب التعبير القرآني. المطر يستعمله الله سبحانه وتعالى في العقوبات (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) الأعراف) لم يستعمل القرآن المطر إلا في العقوبة (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ (40) الفرقان) (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (74) الحجر) (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (173) الشعراء) أما الغيث فيستعمله في الخير. هذا في الاستعمال القرآني أما في الحديث فاستعمل المطر للخير ولكن للقرآن خصوصية في الاستعمال اللغوي نخصص لها إن شاء الله تعالى حلقات لنتحدث عنها لأنه موضوع كبير. والعرب فهمت هذا الفرق من الاستعمال. (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) الشورى) . إذن في القرآن الكريم يذكر المطر للعذاب.
سؤال من المقدم: ما دلالة تقديم العذاب على المغفرة في الآية (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) ؟
العذاب يسبق المغفرة والرضوان في الآخرة: عذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء والدخول في الجنة أو النار والناس ينتظرون خمسين ألف سنة قبل القضاء، هذا العذاب الأول. ورود النار لجميع الخلق (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم) هذا عذاب قبل دخول الجنة، قسم من الناس يعذّبون ثم ينتهي عذابهم ثم يخرجون إلى الجنة وليس العكس لا يمكن أن يكون أحد في الجنة ثم يدخل النار، إذن العذاب يسبق المغفرة. وتقديم المغفرة على الرضوان لأنها تسبق الرضوان لأن الرضوان في الجنة والمغفرة قبلها حتى يدخل الجنة يجب أن يكون هناك مغفرة إذن العذاب قبل المغفرة والمغفرة قبل الرضوان.
ونلاحظ أنه في العذاب قال تعالى (عذاب شديد ومغفرة من الله) ولم يقل عذاب من الله لكن في المغفرة قال ومغفرة من الله للدلالة على سعة رحمة الله تعالى ما ذكر الجهة المعذِّبة وإنما قال (عذاب شديد) بينما في المغفرة نسبها له سبحانه وتعالى فقال (ومغفرة من الله) لا ينسب تعالى السوء إلى نفسه أبداً (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) الجن) مع أنها إرادة الله تعالى في الحالين. وكذلك قوله تعالى (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) الشعراء) (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ (51) فصلت) .
سؤال من المقدم: في آية الحديد قال تعالى (ومغفرة من الله ورضوان) وفي مواضع أخرى في القرآن استعمل مرضاة وغفران فما الفرق؟
عندنا المغفرة وغفران ورضوان ومرضاة. كلمة غفران لم ترد إلا في موطن واحد في قوله تعالى (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) في طلب المغفرة من الله تعالى. إذن كلمة غفران مخصصة بطلب المغفرة من الله تعالى، هذه دعاء أي نسألك المغفرة (غفرانك ربنا) . إذن غفران تستعمل في طلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً. المغفرة لم تأت في طلب المغفرة أبداً وإنما جاءت في الإخبار وفي غير الطلب (وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً (268) البقرة) (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ (6) الرعد) . في طلب المغفرة فقط يستعمل كلمة غفران ومن جهة واحدة وهي المغفرة من الله عز وجل. لم تأت المغفرة في الطلب وقد تأتي من غير الله سبحانه وتعالى كما في قوله (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) البقرة) قد تأتي من العباد. إذن المغفرة ليست خاصة بالله سبحانه وتعالى ولها أكثر من جهة ولم يستعملها القرآن في طلب المغفرة. الغفران مختصة بطلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً.
مرضاة ورضوان: الرضوان من الله سبحانه وتعالى فقط ولم ترد في القرآن من غيره (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) التوبة) (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ (109) التوبة) . المرضاة من الله تعالى ومن غيره ولم تستعمل في القرآن إلا في ابتغاء وطلب الرضا من الله تعالى ومن غيره (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ (1) التحريم) (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ (207) البقرة) في الابتغاء وفي طلب الرضا فقط أما الرضوان فهو في الابتغاء وغير الابتغاء. الرضوان عام وخاص بالله سبحانه وتعالى والمرضاة أخصّ من الرضوان وهو من الله تعالى وغير الله وهذه أيضاً من خصوصيات القرآن الكريم في الاستعمال اللغوي.
الحلقة 27
تابع سورة الحديد
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21))
نظرة عامة على الآية: قال الله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) بعد أن ذكر الدنيا ومآلها في الآية السابقة (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) وجهنا ربنا سبحانه وتعالى إلى المسابقة في الخير. لأن كانت هناك مسابقة دنيوية اللعب فيه نوع من المسابقة وهناك مسابقة في التفاخر واللهو والزينة والتكاثر هو تباري ومسابقة فبدل هذه المسابقة في أمور الدنيا التي ستكون حطاماً ألا أدلكم على ما هو خير من ذلك؟ وهو المسابقة إلى طلب المغفرة وإلى الجنة فقالوا (سابقوا) بدل تلك المسابقة في الدنيا من اللعب والتفاخر والتكاثر فقال ألا أدلكم على أفضل من هذه المسابقات التي ستكون حطاماً نسابق إلى مغفرة من ربنا والمسابقة إلى الجنة (أعدت للذين آمنوا) ثم قال (ذلك فضل الله) إذن أمرنا ووجهنا إلى المسابقة في الخير إلى مغفرة من الله سبحانه وتعالى. هكذا تكون المسابقة وليست المسابقة في اللعب واللهو والتفاخر.
سؤال من المقدم: هذه الآية تتعلق بما قبلها ففي هذه الآية قال (مغفرة من ربكم) وفي الآية قبل قال (مغفرة من الله) ؟
هنا أمر عباده المؤمنين ووجههم إلى المسابقة وهو ربهم والرب هو الموجه والمرشد إلى ما هو خير فقال (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) والمعلم والقيم أما الله فهو لفظ الجلالة تأتي من العبادة، المعبود. الله إسم العلم الذي يُعرف به سبحانه وتعالى والباقي صفات (الرحمن الرحيم) هذه صفاته، المقصود بالاسماء الحسنى صفاته. الله تعالى له صفات كالرحمن صفة من صفاته واسم له لكن اسمه العَلَم الله.
الفرق بين الإسم والصفة؟ اسم العلم هو ما يسمى به الشخص وفي أسماء العلم في الدنيا هو ما أطلقه عليه أبويه في الدنيا أما الصفة فهو ما يتصف به كأن تقول الشارع أو الفقيه هذا ليس اسم علم. إسم العلم قد يكون مرتجل يعني يُطلق هذا وليس منقولاً من وصف وقد يكون منقولاً من وصف (كريم، فاضل، محمد) منقول من وصف أو من مصدر أو من وصف آخر أما المرتجل فسمي هكذا. الله هو إسم لله تعالى لما تقول منقول يجب أن يكون منقولاً عن شيء آخر منقول من صفة أو من إسم جنس مثل أسد وذئب. المرتجل أُطلق عليه ابتداء. حتى لو كان لكلمة الله اشتقاق (أكثر اللغويين على أنها مأخوذة من أله وقسم يقول بمعنى تحير، هو الإله والمعبود ثم سقطت الهمزة أصلها الإله المعبود معرّفة بـ أل سقطت الهمزة وأدغمت اللام باللام وصارت الله) ويدل على أنها في الأصل معرفة بأل أنها لا تنون مع أنها ليست ممنوعة من الصرف (الممنوع بالصرف يجر بالفتحة) ، المنصرِف ينوّن وهذه ليست منونة فهي في الأصل معرّفة. الرب معناها المربي والمالك ونقول رب الدار (إنه ربي أحسن مثواي) لأن الرب قد يقال للشخص فهو المربي والسيد والمرشد والقيم والمالك.
قال من ربكم لأنه أمر عباده ووجههم وأرشدهم إلى ما فيه خير أما هناك فليس خطاباً لأحد (كمثل غيث) ليس خطاباً وإنما هو وصف للدنيا (ومغفرة من الله) هذا وصف وليس خطاباً. أما الأخرى فهو توجيه وخطاب ومسابقة (مغفرة من ربكم) هذا أمر وهناك وصف للدنيا الطبيعي أن يقول مغفرة من الله لأنه لا يخاطب أحدنا (كمثل غيث) ليس خطاباً أما (مغفرة من ربكم) فيها خطاب لأنه مضافة إلى ضمير المخاطبين (كم) . الهدف واحد لكن في آية مخاطبين والثانية كلام عام وصف للدنيا.
سؤال من المقدم: ألا يظن أحدهم أن هناك والعياذ بالله من يسمى الله ومن يسمى الرب؟
الله هو الرب (الحمد لله رب العالمين) هذه من أسمائه وصفاته التي تذكر، الرحمن الرحيم هل نقول أنه واحد آخر وإذا قلنا الرزاق أو الرحمن أو غيره هل يكون هناك 99 إلهاً.
سؤال من المقدم: في هذه الآية قال تعالى (سابقوا) وقال (وسارعوا) في آل عمران؟
هذا ذكرناه قبل سنوات وأشرنا إلى هاتين الآيتين في سؤال ويعاد السؤال الآن مرة أخرى وهناك أكثر من اختلاف في الألفاظ. آية الحديد (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)) وآية آل عمران (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134))
المفارقة ليست بين سابقوا وسارعوا فقط وإنما في الآية كلها فهو قال (كعرض السماء) في آية الحديد جاء بكاف التشبيه والسماء مفردة وفي آل عمران لم يأت بكاف التشبيه وقال السموات جمع. في آل عمران قال أعدت للمتقين وفي الحديد قال للذين آمنوا بالله ورسله. ثم أضاف في آية الحديد (ذلك فصل الله يؤتيه من يشاء) . إذن ليست مسألة سابقوا وسارعوا فقط.
الحديد.............................................آل عمران
سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ......................وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ..................عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ...................أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء
سابقوا وسارعوا: المسارعة أنت قد تسارع بنفسك إلى الأمر (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (90) الأنبياء) أما المسابقة فتقتضي أكثر من واحد حتى تكون مسابقة. لا بد أن يكون أكثر من متسابق. المسارعة قد تكون لوحدك أنت تسارع إلى الامتحان لكن المسابقة تسابق غيرك للوصول إلى المركز الأول. المسارعة سرعة أما المسابقة هي سرعة وزيادة.
(كعرض السماء)(عرضها السموات والأرض) : قدّم المغفرة على الجنة لأن المغفرة تسبق دخول الجنة. ما الفرق بين السماء والسموات؟ إذا عرفنا الفرق نفهم التشبيه لِماذا حصل. السماء في القرآن وفي اللغة إما أن يكون واحدة السموات السبع (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (5) الملك) السموات السبع كل واحدة منها تسمى سماء السماء الأولى إلى السابعة. والسماء قد يقال لكل ما علاك فالسحاب يسمى سماء (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء (22) البقرة) الجو (أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء (79) النحل) السقف سماء بنصّ القرآن (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) الحج) إلى سقف بيته (السبب هو الحبل) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليخنق نفسه فالسقف سماء. (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء (125) الأنعام) فضاء، السحاب قال (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء (48) الروم) . كل ما علا الإنسان فهو سماء لا يشترط أن يظلّك. إذن السماء إما أن تكون واحدة السموات السبع وإما أن تكون لكل ما علاك. الأوسع هي السماء لأن السموات ستكون قسماً من السماء (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (75) النمل) (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) الأنبياء) لكن قال (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (6) الفرقان) لأن القول فيه سرٌ وعلن يعني قلت في نفسي يصير سراً فالقول أوسع من السرّ (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ (8) المجادلة) هذا سر وعلن فلما قال يعلم القول قال في السماء
لأنها أوسع لما قال السر وهو جزء قال السموات.
كعرض السماء وعرضها السموات. السماء أوسع من السموات فجاء بكاف التشبيه (كعرض السماء) هي مشبّهة كعرض السماء لأن السماء أوسع بكثير من السموات فجاء بكاف التشبيه لأن المشبه دون المشبه به. المشبه هو الجنة والمشبه به السماء والأرض فلما اتسعت اتساعاً هائلاً جداً شبّه ولما حدّد لم يحتاج التشبيه. في آل عمران (عرضها السموات والأرض) فعلاً عرضها السموات والأرض هكذا أخبرنا تعالى أن الجنة عرضها عرض السموات والأرض. يعني جنة آية الحديد أوسع من جنة آل عمران.
في آية الحديد أعدت الجنة للذين آمنوا بالله ورسله وهم أكثر من المتقين التي ذكرت في آل عمران. المتقين جزء من الذين آمنوا بالله ورسله فلما اتسع العدد استعمل الكثير (السماء) . ليس كل الذين آمنوا بالله ورسله من المتقين. لم يقل وعملوا الصالحات وإنما قال (الذين آمنوا بالله ورسله) هذا فضل عظيم قال الذين آمنوا بالله ورسله أما في آل عمران فهي أخص لأنه لم يقل فقط المتقين وإنما المتقين الذين ينفقون (أعدت للمتقين) لما اتسع الخلق المكان يجب أن يتسع (السماء) لما خصص المتقين خصص (عرضها السموات) .
أيها فيها تفضل أكثر؟ أن يدخل عموم الذين آمنوا بالله ورسله أم المتقين؟ الذين آمنوا فقال ذلك فضل الله لأن الفضل كبير جداً أدخل الجنة كل من آمن بالله ورسله فقال (ذلك فضل الله) .
نلاحظ قال سابقوا وهي المسارعة وزيادة، وقال السماء وهي السماوات وزيادة وقال الذين آمنوا وهي المتقين وزيادة وزاد ذلك فضل الله. في آل عمران خصص المتقين وقال الذين ينفقون فضيّق الدائرة وهذه لها علاقة بما قبلها لأنه في آل عمران طلب الأمر بالتقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)) فناسب (أعدت للمتقين) ، قال قبلها اتقوا الله واتقوا النار فقال أعدت للمتقين. (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء) وقد نهى عن أكل الربا (لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) ثم قال المتقين الذين ينفقون بعكس آكل الربا (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء) هذا يأخذ من الناس وهذا ينفق في السراء والضراء لما تقدم الأكل على الربا لأن الأكل هو الأخذ من الناس والذي ينفق هو يعطي الناس. المؤمنون ينفقون في الشدة حتى في السراء والضراء وآكل الربا يأخذ مال الذي وقع في الشدة، يأكل من مال من وقع في الشدة واضطر للإستدانة وهذا ينفق في شدته ورخائه.
سؤال من المقدم: في القرآن نجد اتقوا الله واتقوا النار؟ فكيف نتقي الله؟
نحمي أنفسنا من الله (وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) البقرة) يجب أن نحاذر من عقابه نبتعد عن محارمه وأصل التقوى الحذر شبهوها بالذي يمشي في أرض مشوكة يحذر يشمر ثيابه ويتحسس موقع أقدامه. والتقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك. أن نأتمر بالأوامر وننتهي عن النواهي.
سؤال من المقدم: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) هل هناك من رابط بين هذه الآية وما سبقها؟
قبلها تكلم عن الحياة الدنيا تكون حطاماً، هذه مصيبة وهنا وجهنا إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة في (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فهذه المصيبة التي وقعت في الأرض لما قال (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) كلها أصبحت حطاماً وقعت في النفس وفي الأرض إذن هذه مصائب وقعت في الأرض والأنفس وذكر الأموال وذكر الأنفس. فذكر أن كل مصيبة تقع في الأرض وفي الأنفس وتحل إلا هي مدونة مكتوبة قبل أن تقع وهي يسيرة على الله سبحانه وتعالى. كل ما أصابكم وما يصيبكم في المستقبل، ما أصاب من مصيبة في الأرض من كوارث وما إلى ذلك وفي الأنفس إلا مدونة مكتوبة كتبها ربنا عنده في كتاب (الكتاب هنا اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما سيكون إلى يوم الدين) . كلها مدونة في كتاب قبل أن تقع لذا ينبغي أن نوجه أنفسنا إلى أمر آخر وهو المسابقة إلى الآخرة حيث لا مصيبة لا تقع فيها مصائب ولا يقع فيها شيء إذن هي مرتبطة بالآيتين التي قبلها. فقال لنا ما حلّت وما وقعت من مصيبة في الأرض ولا في الأنفس إلا وهي مدونة فلِمَ التأسف؟، قبل أن نخلقها، قبل أن نوجدها، من قبل أن نبرأها.
سؤال من المقدم: قال (ما أصاب) هل أصاب بمعنى حل أو وقع؟
القرآن لا يستعمل مع المصيبة إلا أصاب ولم يستعمل فعلاً آخر لم يقل وقعت مصيبة أو حلّت مصيبة إنما يستعمل أصاب ومتصرفاتها ما تصرّف منها. أصاب أصلها من الإصابة والإصابة أصلها ضد الخطأ (أصاب فلان الهدف أي لم يخطئه، أصاب فلان في كلامه أي لم يخطئ) رب العالمين بين لنا أن المصائب هي مقدرة وقد أصابت موقعها المقدر لها لم تخطئه. لا تتصور أن هذه المصائب وقعت عشوائياً وإنما اصابت موقعها المقدر لها لم تخطئه فلم الأسى؟ إن يستعمل أصاب ولم تقع عشوائياً ولا تؤدي حلّت أو وقعت هذا المعنى. لكن أصابت أي أصابت موقعها المقدّر لها لم تخطئه.
سؤال من المقدم: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) قدم المصيبة في الأرض على النفس؟
الأرض هي مقدمة من حيث الخِلقة، الأرض تسبق لأن الأرض مهيأة لمن عليها من الأشخاص والمصائب في الأرض قبل أن تقع في الأنفس، المصائب في الأرض هي تقع فيها كوارث من فيضانات وغيرها قبل أن يوجد البشر إذن المصيبة في الأرض أسبق من مصيبة الأنفس ولذلك قدمها (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) قدم الأرض لأنها وقعت قبل الأنفس.
ما فائدة (من) ؟ هذه تسمى في اللغة مِنْ الاستغراقية التي تستغرق كل ما دخلت عليه. (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ اللهُ (62) آل عمران) استغرقت جميع الآلهة. (أن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ (19) المائدة) تستغرق كل ما دخلت عليه. لما تقول ما جاءني رجل فيها احتمالين أنه ما جاءك رجل وإنما رجلين أو أكثر وما جاءني رجل أي واحد من هذا الجنس أما ما جاءني من رجل تستغرق الجنس بكامله لم يأتك لا واحد ولا أكثر من هذا الجنس. ما أصاب من مصيبة أي أي مصيبة كبيرة أو صغيرة لم يشذ عنها مصيبة واحدة فيما يحدث في كل الدنيا لا يمكن أن تقع مصيبة إلا وهي مدونة في كتاب وخارج الكتاب لا تقع وهذا على سعة علم الله وإحاطته بالأشياء صغيرة أو كبيرة حيثما وقعت هي مدونة مكتوبة في كتاب من قبل أن تقع.
سؤال من المقدم: في الحديد قال (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) وفي الشورى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30)) ؟
(أصاب) مطلق لم يقيدها بمصاب معين، (ما أصاب) لا قيّدها في مكان ولا في شخص، بينما (ما أصابكم) هناك مخاطبين لا تتعلق بالأرض فهي للمخاطبين تحديداً لأنه قال (فبما كسبت أيديكم) لما قال فبما كسبت أيديكم خصصها فذكر المصائب التي تصيبنا بما كسبت أيدينا، لما قال ما أصابكم عندما خصص قال بما كسبتم أيديكم لما خصص خصص وفي الثانية أطلق فقال أصاب لم يقل بما كسبت أيديكم (ما أصاب) وعندنا في آية أخرى في التغابن (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (11)) . (ما أصابكم) خاصة و (ما أصاب) عامة مطلقة.
سؤال من المقدم: في الحديد (مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) لماذا لم يقل من قبل أن تقع؟
في الآية يدل على العلم والقدرة لما قال (إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) دل عل علمه وقدرته. نبرأها يعني نوجدها وهي أحد معاني الخلق. الخلق له معاني وقد ينسب إلى الإنسان تقول خلقت هذا الشيء كما قال عيسى (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ (49) آل عمران) يأتي بمعنى التصوير. بمعنى من المعاني الخلق يعني الإيجاد. قال نبرأها بدل نوجدها. الله تعالى يستعمل إسم البارئ بمعنى الخالق. لم يقل من قبل أن تقع لأن هذه الآية تدل على العلم والقدرة: االعلم أنه في كتاب و (من قبل أن نبرأها) أي هو الذي أوجدها إذن دل على علمه وقدرته ولو قال من قبل أن تقع دل على علمه فقط ولا يدل على القدرة. نبرأها هو الذي أوجدها فيها علم وقدرة، علِم بها فدوّنها وأوجدها فيها قدرة. لو قال من قبل أن تقع لا تدل على القدرة وإنما على العلم فقط. لما قال من قبل أن نبرأها دل على العلم والقدرة وتدل على التوحيد إذا كان يبرأها كلها فأين الآلهة الأخرى التي يزعمون؟ يدل على القضاء والقدر لأنها مدونة في كتاب ويدل على التوحيد ونفي الشرك.
ضمير النصب في نبرأها على من يعود؟ المصيبة أو الأنفس أو الأرض؟ يعود على جميعها قبل خلق الأنفس والأرض والمصيبة وهذا علم عظيم، عندما قال من قبل أن نبرأها أطلقها. لا يمكن أن يقول نبرأهم لأنها للذكور للعقلاء ولا نبرأهنّ تعني ثلاثة، لكن نبرأها أكثر لأن ضمير غير العاقل لو عندنا ضمير غير عاقل في الجمع الجمع القليل نأتي بضمير الجمع وللقليل نأتي بالإفراد. مثال (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (36) التوبة) قال منها لم يقل منهن (فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) لما قال أربعة قال فيهن بضمير الجمع ولما قال اثنا عشر قال منها وجاء بالإفراد. إذا كان الضمير لغير العاقل إذا كان كثيراً نأتي بضمير الإفراد وإذا كان قليلاً أي أقل من عشرة نأتي بضمير الجمع. العرب لما يؤرّخون يقولون: لثلاث خلون، لأربع خلون، لإحدى عشرة ليلة خلت، لما يتجاوز العشرة يقولون خلت.
ضمير الفاعل للتعظيم (النون في نبرأها جمع التعظيم) جاء بعدها بالمفرد (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ما قال علينا وهذا تعبير في القرآن حيث يذكر ضمير التعظيم في جميع القرآن يأتي بعده أو يسبقه ما يدل على الإفراد. ليس في القرآن موطن فيه ضمير التعظيم إلا أن يكون قبله أو بعده ما يدل على الإفراد. (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) هذا في جميع القرآن حيث ذكر ضمير التعظيم لا بد أن يسبقه أو أن يأتي بعده ما يدل على الإفراد.
سؤال من المقدم: إن ذلك على الله يسير ما فائدة التقديم؟
هذه للحصر أي على الله يسير حصراً لو قال يسير على الله قد يكون يسيراً على غيره لما تقول هذا هيّن عليّ هذا ليس حصراً هين عليّ قد يكون هين على غيرك. (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ (9) مريم) أي حصراً وفائدة التقديم الحصر لا يكون يسيراً على غيره.