المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المعلم المسلم والهدف البعيد - مجلة البيان - جـ ١٢٤

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌المعلم المسلم والهدف البعيد

دراسات تربوية

‌المعلم المسلم والهدف البعيد

بقلم: إبراهيم داود

(إني أعالج أمراً لا يُعين عليه إلا الله، قَدْ فَنِيَ عليه الكبير، وكبر عليه

الصغير، وفصح عليه الأعجميّ، وهاجر عليه الأعرابيّ، حتى حسبوه ديناً لا

يرون الحقّ غيره) [1] .

لا زالت هذه العبارة البليغة التي قالها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز

ترسم لنا صورة المعلم المسلم في هذه الأيام، وإن لم يعد هذا المعلم (يعالج) الأمر

الذي يهمّه كما كان خامس الراشدين رحمه الله ورضي عنه يفعل.

لا شك أن الذين ما زالوا يعالجون أمر التربية والتعليم من المعلمين المسلمين

يعانون مثلما عانى عمر، ولكنهم أفذاذ قليلون لا يُقاسون بالكثرة الكاثرة التي تعكس

صورة الحيرة والتردد حيناً وصورة الغفلة والضياع أحياناً. وممّا لا سبيل إلى

إنكاره أنّ المسلم في هذه الأيام معلماً وغير معلم مُوَزّعٌ بين إسلامٍ يأمره بالمعروف،

وواقع يغريه بالمنكر أو يُكرهه عليه إكراهاً، وأنّ هذه الحال تعرقل عمل المعلم

وتزيد معاناته أضعافاً مضاعفة!

فبحسب المعلم المسلم المعاصر أن المَثَل التربويّ الأعلى الذي يُراد له أن

يصبّ تلاميذه في قالبه هو التربية الغربية الغريبة التي يتولى كبرها ويضع مناهجها

وبرامجها رجال لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [2] ، وبحسب المعلم أنّ له شركاء

في التربية يحادّونه ويعادونه: يُفسدون إذا أصلح، ويهدمون إذا بنى، ويُدمّرون إذا

عمّر، وأنهم وهذا أدهى وأمرّ يملكون من أسباب النجاح في الإفساد والهدم والتدمير، ما لا يملك هو مثله ولا دونه في الإصلاح والبناء والتعمير، وأنّ الهدم أهون من

البناء كما أن القائمين عليه أمضى سلاحاً وأكثر عدداً:

فلو أَلْفُ بانٍ خلفهم هادم كَفَى

فكيف ببانٍ خلفه أَلْفُ هادم؟ !

وبحسب المعلم كذلك أنّ نجاح عمله موقوف على كفاءة النظام التربوي السائد، وعلى اضطلاع الأسرة بواجباتها، وعلى قيام وسائل الإعلام بمسؤولياتها، بل

وعلى كون المجتمع بكافة قطاعاته ومؤسساته ساعياً بصدق وقوة إلى تحقيق الغاية

الكبرى من الحياة الدنيا، وهي عبادة الله تعالى وتعبيد الأجيال له سبحانه

فإنْ

صَحّ ذلك وإنّه لصحيح فهل تبقى على المعلم حجة إن غفل أو فشل أو نكص على

عقبيه؟ ! نعم؛ لأن تفريط أحد لا يكون حجة لأحد، ولأنّ أسباب الفشل وإن

تعددت وتجمعت لا تُبطل حقاً ولا تُحقّ باطلاً؛ ولأن المسلمين لا يكونون إمّعات،

ولا يقول قائلهم:

وهل أنا إلا من غَزِيّة إنْ غوتْ

غويتُ وإنْ ترشدْ غزيّة أرشد

إنّ إحجام مَنْ يُحجم عن أداء واجبه لا يسقط وجوب الواجب، ونكوص من

ينكص من أهل المسؤولية لا يُحلّ لغيره النكوص، ولا يُبطل ذلك ولا يقدح فيه ما

يكون بين درجات المسؤولية ومستوياتها من التكامل والتكافل وصِلات التأثّر

والتأثير، بل الحق الذي لا ريب فيه أنّ فشل الأفشال ونكول الناكلين ما هو في

أعراف المجاهدين الصابرين إلا دوافع إلى مزيد من الصبر والثبات:

ومَن تكن العلياء همّة نفسه

فكلّ الذي يلقاه فيها مُحبّبُ

والنفوس الكبيرة تثق بفضل ربها وقدرته ورحمته، أكثر مما تثق بالقوى

الخاصة والظروف المحيطة، وطاعة الله تعالى حقّ على الفرد والمجتمع وإن

كثرت الأعباء وثقلت التكاليف، وبلوغُ الهدف كما يقول الدكتور محمد عبد الله دراز

رحمه الله تعالى يتطلب تأسيس العمل على نيّة تستهدف أعلى درجات الكمال

المستطاع، وإلا كان التوقف والتهافت والنكوص؛ ولذا يأمرنا القرآن الكريم بأن

نجاهد في الله حقّ الجهاد، وأن ننشد الأفضل، ونُسابق على المراتب الأولى،

ويأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقنع ونرضى بما قسم الله لنا من نعيم

الدنيا، وأن نسمو إلى مَنْ هم أَسْمى منا في مضمار التقوى والعمل الصالح. يقول:

(خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله لا

شاكراً ولاصابراً: مَنْ نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه

إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه، كتبه الله شاكراً صابراً. ومن

نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته

منها لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً) [3] .

ومن الثابت قطعاً أنّ الله تعالى لم يكلّف نفساً إلا وسعها، ولم يأمرها إلا بما

تستطيع؛ ولكن الوُسْعَ في قوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلَاّ وسْعَهَا]

[البقرة: 286]، والاستطاعة في قوله عز وجل:[فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ][التغابن:16] لا يدل أيّ منهما على تكليف الفرد أو الجماعة ببذل أدنى الجهد؛ بل كلاهما دليل على التكليف ببذل أعظم الجهد، وهذا ظاهر في كلمة [وسْعَهَا] .

قال الرازي: [والوُسْع والسّعة بالفتح الجدة والطاقة، وأَوْسَع الرجل صار ذا سَعَة

وغنى ومنه قوله تعالى:] وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإنَّا لَمُوسِعُونَ [] الذاريات: 47 [أي

أغنياء قادرون، والتوسيع خلاف التضييق..] [4] ، وقال صاحب الظلال في

تفسير قوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ][الأنفال: 60] فهي

حدود الطاقة إلى أقصاها بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة

يدخل في طاقتها) [5] ؛ ولذا كان المسلم بعشرة من الكفار في حال قوته، وباثنيْن

منهم في حال ضعفه كما نص على ذلك قوله تعالى: [إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ

صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ

يَفْقَهُونَ (65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ

يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] [الأنفال:

65، 66] .

ولو جاز لامرئ أن يُقيم حركة حياته على الأخذ بالرّخَص، للزم أرباب

المسؤوليات الكبرى والمعلمُ منهم أن يقيموها على العزائم، والأمة المسلمة هي أمة

جهاد واجتهاد على كل حال؛ وهذا المعنى جليّ في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ

آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [آل عمران: 200] .

فهل صبر المعلم وصابر؟ وهل بذل وسعه، وأدّى ما عليه من حقّ الجهاد

والاجتهاد؟ ما بال أكثر أبناء المسلمين إذاً يتأسّوْن بـ (نجوم الفنّ) و (أبطال الكرة) ، ويلتمسون المجد في ملاعب الرياضة ودور الأزياء ومعاهد التمثيل؟ ! بل ما بال

الأمة عامة تستبدل بالأعمال الجليلة ألفاظاً طنانة، وبالمبادئ العظيمة شعارات تافهة، وبالجهاد في سبيل الله أشكالاً عقيمة من الشجب والنّدب والتنديد والاحتجاج؟ !

لقد سقط المعلم إلا من رحم الله في مستنقع الواقع، وأصبح قانعاً بشرح ما

بين يديه من معلومات أيّاً ما كانت مكتفياً بحشو رؤوس تلاميذه بها دون أدنى اهتمام

ببناء الشخصية المسلمة، القادرة على التأثير والتغيير، وهكذا اتّخذت المظاهر

الجوفاء أرباباً تُعبد من دون الله، وتَحَوّل أكثر طلبة العلم إلى (مرتزقة) ، لا يرون

فيه إلا سبباً لكسب الرزق، أو سبيلاً إلى تحقيق الوجاهة الاجتماعية، ونسي

الطالب والمعلم كلاهما أنّ العلم لا يُطلب في شرعة الإسلام إلا للعمل، وأنّ كلاً من

العلم والعمل عبادة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة، وأنّ الأجيال التي تتخرج في

المدارس والجامعات وهي لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً إلا ما أُشربتْ من

هواها ليست من العلم على شيء.

إنّ الغاية من التربية والتعليم هي نفسها الغاية من خلق الله تعالى الإنسان في

هذه الدنيا: أن تُعمر الأرض وفق مقتضى المنهج الإلهي العظيم، فما ينبغي لمعلم

مسلم أن يهون عليه عمله حتى يصبح مجرد دروس تُلقى، ثم يتفرق الطلبة بعدها

أشتاتاً، ثم يُسألون عنها فينجحون أو يرسبون، وما ينبغي للغاية العظمى أن تتحول

من إعداد أجيال تحمل مسؤولية الدعوة إلى الله على بصيرة، إلى تخريج أجيال

تحمل الشهادات، وتميل مع الشهوات، ثم لا يكون أكبر همّها إلا أنْ تتقلّد الوظائف، وتُخلد إلى الأرض، وترضى من الدنيا بمتاعها الرخيص!

كلا، بل التعليم تربية للأقوياء الأمناء، العلماء العاملين، الذين لا يزالون

(ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)[6] ، ولقد

وعى أسلافنا الأوائل ذلك حقّ الوعي، وأخلصوا له كل الإخلاص، فوفّقهم الله

تعالى لتخريج أجيال عالمة عاملة، تجعل رضوان الله عز وجل غاية غاياتها،

وتتخذ من عقيدة الإسلام قوام حياتها، كما تتخذ من الحلال والحرام مقياساً لسلوكها

وضابطاً لتصرفاتها.

إنّ الله تعالى لم يخلقنا عبثاً ولن يتركنا سدى، وإنّ ذلّنا المعاصر ليُشير إلى

انحراف خطير عن صراط الغاية التي خُلقنا من أجلها، والتي نحن محاسبون على

تحقيقها، فكان حقاً علينا أن نُغَيِّر ما بأنفسنا من انحراف ليغيّر الله تعالى ما بنا من

ذلّ: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ][الرعد: 11] ، وليت

شعري ما فَرْقُ بين مَنْ أسلم لله تعالى ومَنْ لم يسلم إذا استويا في الافتتان بزهرة

الحياة الدنيا، ولم يعلما أنّ ما عند الله خير وأبقى؟ !

إن الله تعالى لم يأمرنا إلا بالسعي الذي يحقّق شَرْطي الإخلاص والإصابة،

فما نحن بمسؤولين عن تحقيق النتائج وقطف الثمرات:

على المرء أن يسعى إلى المجد جهده

وليس عليه أن تتم الرغائب

حسبنا أن نخلص ديننا لله ربنا، وأن نحرص على أن نكون الأمناء الأقوياء،

فإن وُفّقنا إلى تحقيق طلبتنا وبلوغ غايتنا، فذلك فضل الله علينا، وإلا فقد أبرأنا

ذممنا واعتذرنا إلى ربنا. قال تعالى في شأن الناهين عن المنكر من بني إسرائيل:

[وَإذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً

إلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ

وَأَخَذْنَا الَذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] . [الأعراف: 164، 165] .

إنّ العمل نفسه مقصود في نظر الإسلام؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: (إنْ

قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك

أجر) [7] ، ولا ريب أن نتيجة العمل مطلوبة بقوة، ولكنها ليست شرطاً في قيام

العمل نفسه، وإلا لكفّ الناس عن العمل بمجرد تحقيق النتائج، على أن ذلك لا

يعني أبداً عدم الاهتمام بالنتائج، فلا بد من درس النتائج ومراجعتها والوقوف على

أسباب تحققها أو تخلّفها، واستخلاص العِبَر المستفادة منها، ومن ثم تقويم العمل

نفسه على ضوئها، ويبقى المعيار الأمثل لنجاح أي عمل في نظر هذا الدين هو أن

يُرضي الله عز وجل، وبهذا المعنى لا يُخفِق عَمَلُ عاملٍ مسلم ما دام يجمع بين

فضيلتي الإخلاص من جهة والصواب (بموافقة الشرع) من جهة أخرى.

فليكن كل معلم مسلم على بصيرة، وليعلم واقعه وواجبه، ثم ليأت من ذلك

الواجب ما استطاع. ومن يدري فلعل الله تعالى يبارك عمل المعلمين العاملين،

فيكشف بهم ما نزل بأمتهم من هوان وخذلان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو

حسبنا ونعم الوكيل.

(1) سيرة عمر بن عبد العزيز؛ لابن عبد الحكم/ 37.

(2)

من الإنصاف أن نشير إلى أن التعليم في المملكة العربية السعودية يمتاز عن التعليم في سائر أنحاء العالم الإسلامي بصبغته الإسلامية الظاهرة؛ فما ذكرناه حكم عام.

(3)

الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب 58 وانظر: دستور الأخلاق في القرآن، للدكتور محمد عبد الله دراز، ص 666، وما بعدها، والحديث إسناده ضعيف، ضعفه الألباني في الضعيفة رقم (1924) والأرناؤوط فيشرح السنة رقم (4102) - البيان -

(4)

مختار الصحاح، مادة: وسع.

(5)

في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله تعالى، ج3، ط9، دار الشروق، ص 1544.

(6)

من حديث رواه مسلم، وأوله:(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين) .

(7)

عمدة القاري في شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، باب الحرث والزراعة.

ص: 16

دراسات دعوية

التخطيط في خدمة الدعوة إلى دين الله

بقلم: خالد صقير الصقير

لا يخفى على كل داعية نذر نفسه لتحمل هذه الأمانة العظيمة مدى الحاجة إلى

دعوة راشدة تنهض بهذه الأمة، وتستند إلى قواعد صلبة من كتاب الله، وسنة

رسوله صلى الله عليه وسلم، وهدي السلف الصالح.

ولا ريب أن من أهم السمات المطلوبة في الداعية إلى الله هي البصيرة

بمفهومها الواسع، والتي تشمل غير العلم بموضوع الدعوة معاني أخرى كثيرة من

أهمها: وجود الفهم الشامل لدى الداعية بأهداف دعوته ومقاصدها، وإدراكه

للوسائل الشرعية التي ينبغي أن يسلكها لتحقيق هذه الأهداف، والتنبؤ بما قد

يعترضه من عوائق ومشكلات، وهذا الوعي والإدراك لمثل هذه الأمور هو ما

نسميه بلغة الإدارة: (التخطيط) .

ماهية التخطيط:

لا شك أن كل داعية إنما يهدف من وراء دعوته إلى تحقيق جملة من

الأهداف؛ إذن: فما هي أهدافه؟ ولديه العديد من الوسائل التي ينوي القيام بها:

فما هي أفضل هذه الوسائل لتحقيق أهدافه؟

ويطمح لأن تتحقق أهدافه ومقاصده: فكيف تتحقق هذه الأهداف بالشكل

المطلوب؟

ويرد في ذهنه العديد من العوائق والصعوبات عند رسم برامجه: فما السبيل

لتلافي هذه المعوقات وتوقعها مسبقاً؟

إن هذه الخواطر والتساؤلات تبرز مسيس الحاجة إلى التخطيط في برامجنا

الدعوية؛ لأن ضعف جانب التخطيط أحياناً وانعدامه في أحيان أخرى أسهم في

إضاعة الكثير من جهود الدعاة وأضعف ثمار أعمالهم الدعوية وأضحى الكثير من

البرامج تنفذ لمجرد التنفيذ فقط أو لتكون أرقاماً تضاف إلى أعداد البرامج المنفذة.

وإذا تأملت في آثارها فلا تكاد تجد لها أثراً في الواقع أو أنها قد حققت الحد

الأدنى من أهدافها، وبتتبع معظم السلبيات في الجهود الدعوية نجد أن الكثير منها

يمكن إرجاعه إلى ضعف أو انعدام التخطيط.

وهذا لا يعني إغفال العوامل الأخرى كسلامة المنهج وإخلاص النوايا لدى

العاملين، وغيرها، ولكن هذه الجوانب قد تكون معلومة لدى معظم الدعاة وليست

بخافية كما هو حال التخطيط الذي لا زال قليلاً أو شبه معدوم في واقع كثير من

الدعاة أو الجهات العاملة في حقل الدعوة؛ ولا زالت الارتجالية والعشوائية

والفوضى المالية والإدارية أحياناً هي السمة البارزة في كثير من الأعمال الدعوية.

إيجابيات التخطيط:

ويمكن أن نبرز أهم ما يمكن أن يسهم به التخطيط للنهوض بالأعمال الدعوية

والارتقاء بها حتى تحقق أهدافها بإذن الله تعالى ثم بجهود الدعاة الصادقين

المخلصين، وأبرز هذه الإيجابيات هي:

1-

أن التخطيط يحدد أهداف الدعاة وغايات البرامج والمشروعات الدعوية،

كما يفيد في حسن الأداء أثناء التنفيذ والتقويم الدقيق بعد ذلك، ولا زال هذا الأمر

وهو وضوح الهدف غائباً عن كثير من العاملين في الدعوة؛ فهو لا شك يدرك

الهدف العام وهو تبليغ دين الله ولكنه قد يجهل الأهداف الخاصة لكل برنامج مما

يُوجِد في كثير من الأحيان سلبيات كثيرة على هذه البرامج.

2-

يساعد التخطيط في اختيار طرق الدعوة المناسبة والملائمة لكل داعية

بحسب قدراته وإمكاناته والمتوافقة مع طبيعة البرنامج والأهداف المرسومة له؛

وفي تحديد الرأي الأقرب للتقوى لكل برنامج؛ فأحياناً قد يختار الداعية أساليب

للدعوة لا تؤدي إلى نجاح البرنامج: إما لعدم مناسبتها لأهداف البرنامج، أو لطبيعة

البرنامج وأهدافه، أو لعدم مناسبتها لإمكانات من يتولى تنفيذ البرنامج وقدراته

الدعوية، أو أنها غير ملائمة لبيئة الدعوة أو نوع المدعوين وطبيعتهم، وقد

(يجتهد) الداعية أحياناً في اختيار وسيلة غير منضبطة بضوابطها الشرعية.

3-

يجعل من السهل التوقع لمعوقات البرنامج الدعوي التي قد يفاجأ بها

الداعية أثناء أو قبل تنفيذ البرنامج، ويتم هذا بالاستفادة من المعلومات والبيانات

التي يجمعها واضع الخطة الدعوية مما يجعله بإذن الله أكثر أماناً وأقل عرضة

للمفاجآت التي قد تُذهب جهوده أو تضعف ثمارها إضافة إلى أنه يعالج الخطأ في

الوقت المناسب وقبل أن يتراكم فيمنع الرؤية وتصعب معالجته.

4-

يسهم التخطيط في ترتيب الأوليات لدى العاملين والقائمين على البرنامج

الدعوي مما يساعد في اختيار الأهم منها عند حدوث تضارب أو تداخل، أو عند

الحاجة لتقديم برنامج على الآخر، أو إلغاء أحدهما، أو غير ذلك.

5-

يُحدث التخطيط كثيراً من الانسجام والتناسق بين أعمال الداعية، مما

يمنع الازدواجية والتضارب في أعماله وبرامجه؛ فلا تضيع بفعل ذلك كثير من

الجهود والأوقات التي يمكن استغلالها لتنفيذ برامج أخرى.

6-

يعمل التخطيط على توفير كثير من النفقات المالية والجهود البشرية التي

توضع في غير موضعها بسبب ضعف التخطيط أو انعدامه مما يساعد على استثمار

هذه الجهود والنفقات لإقامة برامج دعوية أخرى.

ولا شك أن عدم وجود تصور واضح للميزانيات المتوقعة لتنفيذ البرنامج هو

من آثار ضعف التخطيط.

7-

يفيد التخطيط في تحديد مواعيد زمنية تضبط بدء الأنشطة وانتهاءها؛

وهذا يجعل الداعية قادراً على تقويم أعماله ومدى التزامه بالمدة الزمنية المحددة

لتنفيذها، وكذلك في حسن التوقيت لإقامة البرامج ومنع التضارب مع أنشطة أخرى.

8-

يفيد التخطيط في التجديد في الأساليب والوسائل الدعوية وفي البعد عن

الرتابة والتمسك بالأساليب التقليدية؛ مع التمسك بثوابت المنهج الصحيح في الدعوة.

9-

يفيد التخطيط في التنسيق بين العاملين أو الجهات الدعوية في الساحة

الدعوية بأشكال مختلفة سواء في التنسيق في توزيع المواقع الجغرافية، أو

التخصص في البرامج الدعوية، أو غير ذلك. كما يفيد في منع التكرار في البرامج

ويحول دون إضاعة الجهود أو إغفال برامج أخرى قد تكون الحاجة إليها أكثر.

10-

يفيد التخطيط في تقويم الواقع الدعوي في المواقع المختلفة التي تنفذ

فيها الخطط الدعوية، وفي تحديد مواطن الضعف في الخطة أو في أسلوب التنفيذ

ليتم تلافيها في الخطط القادمة؛ وهذا مما يؤكد أهمية التخطيط في أنه يساعد في

عدم تكرار الأخطاء التي ترتكب، وفي عمل مراجعات شاملة في نهاية كل خطة

دعوية ليتم تقويم النتائج والنسب المتحققة من أهدافها وأبرز سلبياتها وإيجابياتها.

11-

يجعل من السهل على الداعية أن يحصر حاجاته من البرامج والأنشطة

والخطط اللازمة لتوجيه مسار الدعوة بالشكل الصحيح.

12-

يسهم في معرفة مواضع الضعف في القوى البشرية ومن ثَمّ في تحديد

البرامج التدريبية اللازمة للارتقاء بالكفايات الدعوية من كافة الجوانب العلمية

والإدارية والقيادية.

13-

يساعد التخطيط القائمين على الأعمال الدعوية في وضع معايير وأسس

لمتابعة أداء الدعاة والعاملين في البرامج، ومدى تحقيقهم لأهداف البرنامج.

14-

يفيد التخطيط في تحديد مهام العاملين في البرنامج الدعوي أو الخطة

الدعوية عموماً، وطريقة أدائهم؛ مما يساعد على إدارتهم وتوجيههم بالطريقة

المناسبة لتحقيق الأهداف المطلوبة.

15-

يزيد التخطيط من فاعلية وإنتاجية المديرين للبرامج أو الخطط الدعوية؛ فما دام أن التخطيط يساعد في وضع الأهداف بشكل واضح ومحدد فإنه كذلك

يساعد القائمين عليه في اتخاذ القرارات المناسبة التي تحكمها الأهداف الموضوعة

للخطة الدعوية.

16-

يساعد التخطيط في استغلال الفرص الدعوية حيث يفيد في الإعداد

المبكر وحسن التوقيت للبرامج وجمع المعلومات الخاصة بالبرامج وخصوصاً

مواعيد إقامتها، وتحديد ذلك مسبقاً والإعداد الجيد له.

17-

يفيد التخطيط في جعل البرامج والخطط أكثر شمولية وتكاملاً؛ ويلاحظ

أثر ذلك في جهود بعض الدعاة أو الجهات الدعوية حيث تركز على شرائح معينة

من المجتمع أو على موضوعات وجوانب معينة في برامجها، وتهمل غيرها؛ بينما

التخطيط يجعل للعمل الدعوي والجهود الدعوية سمة الشمولية في طروحاتها

وبرامجها.

18-

يساعد التخطيط على استمرار الجهود الدعوية بإذن الله فكثيراً ما تتوقف

الأنشطة وتتعطل البرامج بسبب حدوث المفاجآت كانقطاع الدعم، أو سوء التنفيذ،

أو سوء التوقيت، ولعدم وضع بدائل لهذه الحالات الطارئة.

ص: 22