المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌هل للإرهاب ملة

افتتاحية العدد

‌هل للإرهاب ملة

؟ !

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..

فلقد عاشت كثير من المجتمعات العربية والإسلامية بعد الاستقلال تحت حكم

بعض الزمر العسكرية أو تحت إمرة بعض الأحزاب ذات الأيديولوجيات المشبوهة

ممن هم ثمرة مرة لمرحلة الاستعمار البغيض، فحكموا دولهم بالحديد والنار،

وكانوا نماذج رديئة لوأد الفكر النزيه وللعداء للدين وتغريب المجتمعات. وحينما

قيض الله للأمة الإسلامية الصحوة التي أعادت الناس إلى ربهم وجددت إيمانهم

برسالتهم الخاتمة واستجيشت الروح الإيمانية في الشعوب؛ فأعطت خيارها

لأصحاب المبادئ الإسلامية، نتج عن ذلك أن زلزلت قواعد العملاء، وأقض

مضاجع سادتهم، حتى هدد الرئيس الفرنسي السابق متران بالتدخل العسكري في

حالة تسلم الإسلاميين للحكم في الجزائر، مما هو معروف للجميع وكان الأتباع

الفرانكفون أوفياء لسادتهم؛ فأجهضوا واحدة من أنزه الانتخابات المعدودة في العالم

العربي، وما زال المجتمع الجزائري يعيش في دوامة العنف والعنف المضاد نتيجة

سرقة خيار ذلك الشعب المجاهد، ويبدو أن موقف تلك الطغمة العسكرية صار ديدنا

لكل سلطة حاكمة بأمرها حيال أي عمل نزيه، والوقوف بكل صفاقة ضد كل توجه

إسلامي، مع اختراعهم لإيقافه مؤامرات موهومة ودعاوى ما أنزل الله بها من

سلطان؛ لإيقاف المد الإيماني وإسقاط مشروعيته بدعاوى الإرهاب والتطرف وما

شابهها، وهذا في نظرنا أمر طبيعي ما دامت شريعة الله معطلة وأحكامها غير نافذة، والقضاة يحكمون بقوانين أجنبية مستوردة في محاكم استثنائية عسكرية تصدر

أحكاماً نهائية مفصلة حسب رغبة القوم وتوجهاتهم المعروفة، ولهذا: شن الإعلام

المؤمم والأقلام المشتراة وكتّاب الفنادق ما يثير المطاعن بدون وجه حق ضد

الإسلاميين، ويشكك حتى في نواياهم.

وما ذلك إلا ترديد أبله وتقليد أعمى إن لم نقل منقول عما تردده وسائل الإعلام

الأجنبية ضد الإسلام حيث يقولون: إنه العدو الوحيد بعد سقوط الشيوعية البائدة.

لقد أثار الغربيون بوسائل شتى ذلك الموقف ضد الإسلام، وأعدوا الخطط

ليجعلوا من الإسلاميين دعاة الإرهاب في العالم كما حصل في تفجير (مركز التجارة

الدولية) ، ولا يزال يتذكر المتابعون لذلك الحدث الجلل أن المحامين بينوا أن وراء

تلك الجريمة أيد خفية من ضمنها شخصية يهودية عُتّم عليها، ولم يعد لها ذكر،

ويبدو أن ذلك يثير شبهات تواطؤ المخابرات الأمريكية باستعمال أيادٍ مشبوهة

للشهادة ضد المتهمين.

وهذا ما أعلنه أحد هؤلاء العملاء الذي أعلن فيما بعد: أنه كان كاذباً في معظم

شهادته، ولا شك أن ما بني على باطل، فهو باطل، ومع كل ذلك فقد شوهت

سيرة كثير من الإسلاميين الذين زج بأسمائهم بشهادة عميل ضائع المروءة فاقد

الضمير.

أما الحادث الأخير وهو تفجير المبنى الفيدرالي في (أوكلاهوما) ، فقد كانت

ردود الأفعال المتعجلة حياله نتيجة طبيعية للحرب المجنونة ضد الإسلام وأهله

ووصمهم كذباً وزوراً بالتطرف والإرهاب، فقد اتهم الإسلاميون بأنهم وراءه - بعد

حدوثه بساعات معدودة - ولم يكن صدر بعد أي بيان رسمي بالإدانة، فوجدنا مثل

نائب أوكلاهوما السابق، والنائب الديموقراطي الحالي ديف مكيروي يصرح في

حديث لقناة ال (سي إن إن) الإخبارية: أن الاحتمال الأكبر هو أن المشتبه بهم من

الراديكاليين الإسلاميين! وضربت على هذا الوتر فعاليات أمنية وإعلامية أمريكية،

مما أدى إلى حرب قذرة ضد المسلمين في أمريكا، جعلتهم يعيشون أياماً قلقة حزينة

نالوا فيها من المضايقة والإرهاب الكثير وبخاصة في المدارس والمراكز الإسلامية

والتهديدات بالهواتف، الأمر الذي جعل الكثيرين يقبعون في بيوتهم خوفاً من ردود

الأفعال التي صنعها الإعلام المعادي.. ثم يأبى الله إلا أن تظهر الحقيقة بعد أيام

معدودات، فإذا بالمجرم الحقيقي إنما هو أصولي نصراني أمريكي، فجّر ذلك

المبنى في ذكرى إحراق جماعة (ديفيد قورش) الأصولية المتطرفة، التي انتحرت

مع زعيمها حرقاً حينما حاصرهم البوليس الفيدرالي في العام قبل الماضي، هذه

الجماعة وغيرها كثير: هي عينات من التطرف والإرهاب الموجود في الغرب،

وهي محسوبة سياسيّاً على اليمين الأمريكي العنصري. والتي لها ميلشياتها

العسكرية، والتي تعلن نازيتها وعنصريتها على رؤوس الأشهاد.

وهناك أيضاً تطرف شرقي، هو ما فعلته جماعة (أوم) اليابانية، الذين ثبت

تواطؤهم بإلقاء غاز السارين السام في أنفاق مترو طوكيو، وأدى إلى وفاة واختناق

الكثيرين، وتداعياته اللاحقة ما تزال حديث الساعة، فما بالك بتطرف وإرهاب

الصرب في حربهم الضروس ضد مسلمي البوسنة، وتطرف وإرهاب السيخ

والهندوس ضد مسلمي الهند وكشمير، وتطرف وإرهاب أعداء المسلمين في كل من

(طاجيكستان) و (الفلبين) و (الشيشان) و (بورما) والتطرف الصهيوني في فلسطين

المحتلة المدعوم من الغرب والشرق معاً. وغير ذلك كثير.

لم يكن الإسلام في يوم من الأيام لا قديماً ولا حديثاً دين إرهاب، بل حتى في

الحروب: كان يأمر بالرفق وعدم قتل النساء والشيوخ والأطفال والرهبان ممن لا

يد له في قتال المسلمين وإيذائهم، وهذا ما تطرقت له باستفاضة كتب الحديث والفقه

في أبواب الجهاد مع حث الإسلام على العدالة مع الناس حتى عند الاختلاف معهم

في الدين [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ

أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [الممتحنة: 8] ؛ يقول العلامة

ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية: أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة

بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم حيث كانوا بحال: لم ينصبوا

لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم

في هذه الحال لا محذور فيها ولا تبعة.

فكيف يُزْعَمُ أن الإسلام يدعو إلى مثل تلك الأعمال الإرهابية التي تتنافى

والروح الإسلامية المشبعة بالقسط والعدل والرحمة.

وبمناسبة عقد (مؤتمر الأمم المتحدة التاسع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين)

الأخير؛ يحق لنا في هذا المقام أن نتساءل: ترى ماذا سيناقش هذا المؤتمر؟ ، وما

هي توصياته [*] ؟ وهل سيبحث حقيقة الإجرام والمجرمين فعلاً، ومنهم المجرمون

الحقيقيون الذين لم تأخذهم بالمؤمنين أي رحمة؟ أين محاكمة قادة الإجرام العالمي

الذين أرهبوا ونكلوا بالشعوب الإسلامية في فلسطين والبوسنة والهرسك والشيشان

مثلاً وانتهكوا الدين والحرمات، وضربوا بقرارات الأمم المتحدة عرض

الحائط؟ .. هل سيدانون ويحاكمون على الملأ ليعرف الجميع جرائمهم، كما حوكم وأدين مجرمو الحرب العالمية الثانية، ويكلف البوليس الدولي بالقبض عليهم في أقرب فرصة. أم إن المسألة ليست سوى مجرد جعجعات معروفة، وستوظف لمصالح معينة، وسيكون الضحية والمدانون دائماً هم المسلمين وبخاصة الدعاة منهم الذين يطاردون تحت ستار محاربة الإرهاب والتطرف؟ ، وهذا هو المتوقع، وما علمنا في مؤتمرات هيئة الأمم إلا تأكيداً لهيمنة الدول الكبرى على دول العالم الإسلامي، وإطلاقاً لأيدي الدول البوليسية في محاربة شعوبها مما نلمسه في واقع كثير من الدول العربية.

إن مما ينبغي أن يفطن له وأن يعيه كل الناس: أن الإرهاب الحقيقي إنما هو

إرهاب الشعوب في أن تدين لربها، وإرهابها من أن تدعو لتحكيم شريعته،

وإرهابها من أن تدلي برأيها فيما يراد لها من تغريب لمجتمعاتها، ومحاولة تركيعها

قسراً لأعدائها، وإرهابها في أن تعلن هويتها الإسلامية، بل وحتى التدخل

الخارجي في كثير من دول العالم الثالث كما حصل من قبل بعض الدول الكبرى هو

إرهاب بمعنى الكلمة. فإلى متى يلمز الإسلاميون بالإرهاب، والإرهابيون حقّاً

غيرهم؟ !

[وَسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ]

(*) كتبت الافتتاحية في بداية افتتاح المؤتمر.

ص: 4

دراسات تربوية قرآنية

الأسباب الواقية من لبس الحق

الحلقة الأخيرة

بقلم:عبد العزيز بن ناصر الجليل

بعد أن تبين لنا خطورة لبس الحق بالباطل من خلال الصور التي أوردناها

في السابق، وما ينتج عنها من الضلال والانحراف الذي يورث العواقب الوخيمة

في الدنيا والآخرة، بعد ذلك: يحق لنا بل يجب علينا أن نسأل: كيف النجاة من

ذلك الخطر؟ وما هي الأسباب الواقية منه؟ وللإجابة على ذلك: نستعرض أسباب

التباس الحق بالباطل؛ فمنها ينطلق العلاج، وبضدها تتميز الأشياء.

فقد مر بنا أن تلك الأسباب لا تخرج عن ثلاثة أمور:

1-

شبهة تسببت في أخذ الباطل على أنه الحق، وأصل هذا: الجهل.

2-

شهوة تسببت في أخذ الباطل وترك الحق عن شهوة وضعف واعتراف

بالخطأ.

3-

شهوة وشبهة نتج عنهما أخذ الباطل وإظهاره في صورة حق عن هوى

ومغالطة استناداً إلى شبهة يعلم صاحبها أنها لا تصلح للاستدلال.

وبعد هذه المقدمة التي لابد منها بين يدي الأسباب الواقية من اللبس والتلبيس. يمكن تفصيل وبيان الأسباب الواقية من لبس الحق بالباطل فيما يلي:

1-

علم وبصيرة بدين الله عز وجل وشرعه، وعلم وبصيرة بما يضاد دين

الله (سبحانه) وشرعه؛ فإذا تحقق هذا الأمر: فإن الاستبانة لسبيل المؤمنين وسبيل

المجرمين قد تحققت، وبهذا: فلا مجال للشبهة هنا أبداً؛ لانتفاء الجهل الذي منه

تنتج الشبهات المؤدية إلى اللبس والتلبيس، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم (رحمه

الله تعالى) : فتنة الشبهات تُدفع باليقين، وفتنة الشهوات تُدفعُ بالصبر، ولذلك جعل

(سبحانه) إمامة الدّين مَنوطةً بهذين الأمرين، فقال: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ

بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: 24] ، فدلّ على أنه بالصبر

واليقين تُنالُ الإمامة في الدين، وجمع بينهما أيضاً في قوله: [إلَاّ الَذِينَ آمَنُوا

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: 3] ، فتواصوا

بالحق الذي يَدْفَعُ الشبهات، وبالصبر الذي يَكُفّ عن الشهوات [1] .

2-

الصبر وتقوى الله عز وجل :

فبالصبر وتقوى الله (سبحانه) تدفع الشهوة وينتصر الإنسان على هواه؛ لأنه

قد يحصل للإنسان البصيرة والعلم بدين الله عز وجل ، ويتبين له الحق من

الباطل، ولكن إذا لم يكن لديه الصبر عن شهوات النفس، والتقوى التي تحجزه

عن مخالفة الصواب: فإنه يضعف ويقع في المخالفة مع علمه بذلك، أما إذا اجتمع

العلم والبصيرة مع التقوى والديانة فإنه إذا بان الحق ولاح: لم يكن أمام من هذه

صفته إلا الإذعان والتسليم والانقياد، وذلك لانتفاء الشبهة والشهوة في حقه، وإلى

هذا أشار ابن القيم في النقل السابق بقوله: إن فتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة

الشهوات تدفع بالصبر ولكن إذا ضعف الصبر والتقوى، ووجدت الغفلة عن الآخرة، وتنوسِيَ الوقوف بين يدي الله عز وجل ، وصاحب ذلك شيطان يزين، ودنيا

تتعرض بفتنها: فالغالب عدم السلامة. ولكن المخالف للحق هنا: إما أن يكون لديه

بقية تقوى وخوف من الله عز وجل فيعترف بذنبه، ويستغفر منه ويتوب، أو

يكون (عياذاً بالله) قد رقّ دينه وسيطر عليه هواه فأخذ يلتمس مبرراً لباطله،

ويبحث هنا وهناك عن شبهة يظهر بها باطله ومخالفته في قالب الحق والموافقة

لدين الله، وهذا هو الخداع والتلبيس، ولا علاج له إلا بتقوى الله (سبحانه) ،

واليقين بالرجوع إليه.

نعم.. إنه لا يمنع من الوقوع في الباطل بعد العلم والبصيرة، ولا يمنع من

تلبيسه على الناس إلا الإيمان باليوم الآخر إيماناً جازماً ويقيناً صادقاً، وإن لم يتذكر

العبد هذا اليوم ويحسب له حسابه: فلن يفيده في ذلك العلم والبصيرة؛ فكم من عالم

بالحق تنكب عنه وخالفه، أما إذا انضم إلى العلم والبصيرة: الصبر والتقوى

والخوف من الحساب يوم القيامة، فإن الشهوة ستنقمع وإن الهوى سيُغلب، وعندها: يختفي اللبس والتلبيس والخداع والمغالطة في دين الله عز وجل ؛ يقول الإمام

ابن القيم رحمه الله في معرض رده على المحتالين على شرع الله بالحيل الباطلة:

فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكَاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر

والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكراً وخديعة من الأقوال

والأفعال. [2] .

ويقول سيد قطب رحمه الله في ظلال قوله (تعالى) : [وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ

لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [الأعراف: 169] :

نعم.. إنها الدار الآخرة! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي

يرجح الكفة، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العَرَض الأدنى القريب في هذه

الدنيا.. نعم، إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها [3] .

أسباب أخرى مساعدة:

وبعد ذكر السببين الرئيسين للوقاية من اللبس والتلبيس، وهما: البصيرة في

الدين الذي تدفع به الشبهة، والصبر والتقوى اللذان تدفع بهما الشهوة: نذكر فيما

يلي بعض الأسباب المساعدة لتثبيت السببين السابقين:

3-

محاسبة النفس ومجاهدتها وتحصينها بالذكر والدعاء والعمل الصالح:

حيث لابد للمسلم من محاسبة دائمة للنفس، ومجاهدة لها في تطويعها لشرع

الله عز وجل والحذر من الشيطان الذي لا يفتأ يوسوس ويزين لها الباطل، فإن لم

يتفقد كل منا نفسه، ويسد على الشيطان مداخله المتعددة؛ فإن النفس تكون على

خطر أن تنساق مع شهواتها وهواها، فيحصل من جراء ذلك: اللبس والتلبيس

والتضليل والمغالطة، إما بعلم أو بجهل، وإن مما يؤكد أهمية المحاسبة الدائمة

واليقظة الشديدة للنفس ما يحصل من كثير منا في يومه أو غده من المغالطات

والمعاذير الكاذبة والتبريرات الغامضة، سواء أكان ذلك مع النفس أو مع الناس،

ولكنها تكثر وتقل حسب التقوى وقوتها أو ضعفها في القلب، مع أنه يوجد من

الدعاة والمصلحين نماذج فريدة في إخلاصها وصدقها وبعدها عن المداهنة والمغالطة

والتلبيس، نسأل الله لهم الثبات، ونسأله (سبحانه) للجميع الصدق في المقاصد

والأقوال والأعمال.

ومن الأسباب القوية التي يُتحصن بها من الشيطان ووساوسه: ذكر الله (عز

وجل) في أحوال اليوم والليلة؛ فكلما كان اللسان رطباً بذكر الله (تعالى) والقلب

يواطؤه في ذلك: كلما كان الشيطان بعيداً ولا يستطيع اقتحام الحصن؛ لأن ذكر الله

(سبحانه) يحرقه ويمنعه من الدخول، ولكن ما إن يغفل العبد عن ذكر الله (تعالى)

حتى يكر مرة أخرى للوسوسة، فهذا دأب الشيطان في كره وفره على القلب، فكلما

ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل وسوس.

ومن الأسباب الواقية من التباس الحق بالباطل: مجاهدة النفس في عمل

الصالحات والإكثار منها من غير إفراط ولا تفريط، كما جاء في الحديث القدسي

الذي منه: وما تقرب إليّ عبدي بأحب مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب

إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر

به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها.. الحديث [4] فمن كان يسمع

ويبصر ويمشي ويبطش بنور الله وهداه: فإنه لن يخطئ أبداً؛ قال (تعالى) :

[وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ][العنكبوت: 69]

وبالضد من ذلك فإن كثرة الذنوب من أسباب الضلال والزيغ؛ قال (تعالى) :

[

فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ

] [الصف: 5]

4-

مصاحبة أهل العلم والورع:

إن الجليس يتأثر بجليسه وصاحبه، سواءً أكان ذلك في الخير أو الشر، وذلك

عن طريق المؤانسة والمشابهة والقدوة، وعليه: فإن من الأسباب المانعة من

الانحراف ولبس الحق بالباطل: الجلوس مع أهل العلم والتقوى ومصاحبتهم

ومشاورتهم، لأنه بالعلم الذي عندهم تحترق الشبهات، وبالتقوى والورع لديهم

تحترق الشهوات، وبذلك يُسد على الشيطان البابان الرئيسان اللذان يدخل منهما

ليلبس على النفس ويزين لها التلبيس، والعكس بالعكس: ما إن يصاحب المرء

أهل الجهل والجدال ومن لم يؤتوا حظّاً من التقوى والورع إلا ويتأثر بهم وينطبع

بأخلاقهم وتشتبه عليه الأمور لضعف العلم والبصيرة، أو يتعمد ترك الحق وتعميته

على الناس لضعف التقوى والصبر عن الشهوات، وقد روي عن عمر بن الخطاب

رضي الله عنه قوله: لولا ثلاث لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد

الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى

أطايب الثمر.

ولعل مما يدخل في هذا السبب: الإكثار من قراءة أخبار أهل العلم والتقوى

والجهاد من أنبياء الله الكرام وصحبهم الأجلاء والتابعين لهم بإحسان؛ ففيهم الأسوة

والقدوة والخير كله.

5-

الحذر من الدنيا، وعدم الركون إليها:

إن من أعظم أسباب الانحراف عن الحق والوقوع في الانحراف والمخالفات:

هذه الدنيا الغرارة؛ فكلما انفتحت على العبد كثرت شبهاتها وانساق مع شهواتها

المختلفة، وعندما يرد ذكر الدنيا فإنه يقصد بها كل ما أشغل عن الآخرة من متعها

المختلفة التي أجملها الله عز وجل في قوله (سبحانه) [قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ

وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ

تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاًتِيَ اللَّهُ

بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] [التوبة: 24] .

والانغماس في الدنيا وترفها وملذاتها ينتج عنه: غفلة عن الآخرة، وتشتت

للذهن والقلب، وإعمال الفكر في الاستزادة منها، والخوف على فواتها.. وهذا

يؤدي إلى قسوة القلب ورقة الدين، ومن هنا: تبدأ النفس في الاستجابة لتزيين

الشيطان، وتثور الشبهات والشهوات في القلب، والذي ينشأ منهما: الكذب،

والتدليس، والتلبيس، والطمع، والجشع.. وبخاصة في مثل عصرنا الذي نعيش

فيه، والذي كثرت فيه المعاملات المحرمة والشبهات، ولا عاصم من أمر الله إلا

من رحم، ولذا: كان الأولى لمن أراد لنفسه السلامة من الدنيا وشبهاتها وشهواتها:

أن يتخفف منها قدر الاستطاعة وأن يرضى منها بالقليل؛ لأن هناك تناسب طردي

وخاصة في زماننا هذا بين كثرة الدنيا وكثرة الوقوع في الشبهات والشهوات

المؤديات إلى التدليس والتلبيس.

6-

النصح للأمة والحذر من عاقبة التلبيس والتدليس عليها:

إن الشعور بواجب النصح للأمة يقتضي من المسلم وبخاصة الداعية إلى الله

عز وجل أن يبين الحق لأمته، ويعري الباطل ويكشفه لها، ولا يجعله ملتبساً

عليها فتضل؛ لأن الذي يرى أمته تُضلل ويُلَبّس عليها دينها فتعيش في عماية من

أمرها، ثم يتركها وهو يعلم الحق من الباطل إن مَن هذا شأنه: يعتبر خائناً لله

ورسوله وللمؤمنين، وإن الله عز وجل سائله يوم القيامة عن علمه: فيم عمل به؟، وهذا فيمن رأى التضليل والتلبيس فلم يُحذّر منه ولم يكشفه للناس، فكيف بمن

باشر التلبيس والتضليل بنفسه (عياذاً بالله) ؟ إن هذا بلا شك أكثر خيانة من سابقه،

وإن وزر وضلال من ضلله بتلبيسه هذا سيحمله فوق ظهره يوم القيامة من غير أن

ينقص من أوزار من ضللهم شيء. والحاصل: أن شعور المسلم بإثم وعاقبة

التلبيس أو السكوت عليه: من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع فيه إن كان في

القلب حياة وخوف من الله (سبحانه) والدار الآخرة، لأن من كان في قلبه المحبة

الحقيقية لهذا الدين وأهله: لا يمكن أن يرى التضليل والتلبيس من المفسدين

المنافقين ثم يرضى لنفسه السكوت والوقوف موقف المتفرج، بل لن يقر له قرار

ويهدأ له بال حتى يساهم قدر استطاعته في إبانة سبيل المؤمنين وإسقاط اللافتات

الزائفة عن سبيل المجرمين وتعرية باطلهم وخداعهم كما مر بنا في صور التلبيس،

وعندها: تعرف الأمة من توالي ومن تعادي، وعندها: تتميز الصفوف ويتميز

المؤمن من المنافق، وكل هذا يحتاج إلى تضحيات باهظة، لكنها رخيصة في

سبيل الله عز وجل لأن نصر الله (جل وعلا) الموعود لا يتم بدونها.

وبعد:

فهذا ما يسره الله عز وجل في هذه العجالة حول هذا الموضوع المهم الذي

يمس المسلم في عقيدته وأخلاقه ومجتمعه، ولا أزعم أنني أحطت بجوانبه كلها،

ولكن حسبي إثارة هذا الموضوع والتذكير به لعل فضيلة العلماء الكرام والإخوة

الدعاة يكملون ما نقص منه، ويقوّمون ما اعوج منه. وأحب أن أنبه: أن ما ذكرته

من صور التلبيس ذكرته على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، فالصور كثيرة

وكثيرة وبخاصة في زماننا هذا الذي قلّ فيه العلم والورع ونجم فيه الجهل والنفاق.

وفي خاتمة هذه المقالات: أوصي نفسي الأمارة وأوصي إخواني المسلمين:

بأن يتفقد كل منا نفسه، ويبحث عن هذا المرض الخطير فيها فإذا وجدنا شيئاً من

ذلك وسنجد فعلينا التوبة الصادقة من هذا المرض، ولنبادر بقطع جذوره قبل أن

يستفحل، ولا نُسوّف في ذلك أبداً؛ لأن التسويف وطول الأمل من عمل الشيطان

وتلبيسه.

والله أعلم، وصلّ الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

(1) إغاثة اللهفان: ج2، ص167.

(2)

إعلام الموقعين: ج3، ص214.

(3)

في ظلال القرآن: ج3، ص387.

(4)

البخاري: كتاب الرقائق، ح 6502.

ص: 8