الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقال
نظرات في قضية ترجمة معاني
القرآن الكريم
(3)
بقلم: د. فهد بن محمد المالك
عرضنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة نبذة تاريخية عن المراحل التي
مرت بها ترجمة معاني القرآن الكريم، كما عرضنا في الحلقة الثانية بعض القضايا
والقواعد والتوجيهات حول هذه القضية، وقلنا هناك: إن كل مايمكننا قوله عن
الترجمات: إن هذه الترجمة امتازت بكذا، وتلك الترجمة بكذا. وفي هذه الحلقة
سأحاول إعطاء بعض المعلومات عن بعض الترجمات المشهورة والمنتشرة ونبذاً
عن مترجميها.
والترجمات التي سأعرضها هي: ترجمة عبد الله يوسف علي، وترجمة
محمد أسد، وترجمة محمد مرمادوك بكثال، وترجمة داود، وترجمة محمد ظفر الله
خان، وترجمة آربري، وسأقتصر على هذه الترجمات فقط؛ وذلك خشية الإطالة،
وإلا فإن جميع الترجمات وبلا استثناء تحوي بين دفاتها أخطاء كثيرةً: إما من
الناحية العقدية، أو من الناحية البلاغية، أو من الناحية اللغوية؛ لهذا فإنني أعتقد
جازماً أن الأمر خطير جداً على الإسلام وأهله إن لم يتدارك المسلمون أنفسهم،
ويتنبهوا لما يجري على كتاب ربهم من محاولات للنيل منه ومن الدين الإسلامي.
ومن هذا المنطلق وبحكم أنني متخصص في دراسة هذا الموضوع، فإني
أرى أن الحل المناسب والأمثل حيال هذه القضية هو: أن تنشأ هيئة أو مؤسسة
إسلامية عالمية تقوم على رعاية كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، وتبليغ دعوته
وتعاليمه: إلى المسلمين أولاً، وإلى العالم كله ثانياً بلغاته المختلفة، وتكون من
أولويات هذه المؤسسة القرآنية العناية التامة، والإشراف الكامل على ترجمة القرآن
الكريم إلى اللغات الأخرى، والتأكد من سلامة هذه الترجمات واعتمادها كما هو
الحال فيما يقوم به النصارى؛ حيث توجد هناك هيئة منبثقة من الفاتيكان تتولى
مسؤولية متابعة ترجمة الإنجيل إلى لغات العالم، ولعلى هنا أضم رأيي إلى رأي
الدكتور الشيخ الفاضل «يوسف القرضاوي» والدكتور «حسن المعايرجي»
اللذان يريان أن تكون هذه المؤسسة نابعة من منظمة المؤتمر الإسلامي التي انبثق
عنها أجهزة ومنظمات كثيرة في شتى أنشطة العمل الإسلامي، ويمكن إيجاز أهم
أهداف هذه المؤسسة فيما يلي:
1-
العناية بتفسير القرآن الكريم لغير المسلمين: كل أمة بلسانها، وتبليغ
المعاني الصحيحة لهذا الكتاب العظيم إليها.
2-
تكليف مجموعة من العلماء المشهود لهم بالدين والعلم بالقيام بتفسير
القرآن الكريم بلغات العالم المختلفة تفسيراً حديثاً وصحيحاً.
3-
رصد كامل لكل الترجمات المنتشرة في العالم في جميع اللغات والتحذير
من الترجمات الفاسدة ومتابعة الناشرين لها قضائيّا.
4-
إصدار نشرة دورية ينشر فيها كل ما جد من جديد في حقل ترجمة القرآن
الكريم، وكل ماصدر من ترجمات جديدة.
5-
طبع التفاسير وترجماتها واعتمادها للتداول بين الناس. لمحات عن بعض الترجمات ومترجميها:
1-
ترجمة عبد الله يوسف علي. .Yusuf Ali. A
اسم الترجمة The Glorious Qur' an
ولد عبد الله يوسف عام 1870م في بومباي في الهند، ونشأ وترعرع في بيئة
دينية حيث كان والده حريصا على تعليمه علوم القرآن واللغة العربية، وبعد أن
أكمل دراسته سافر إلى العديد من الدول الأوروبية، وعمل محاضراً في جامعة لندن، وهناك تعمق في دراسة اللغة الإنجليزية وآدابها، ويبدو أن لهذا التعمق أثراً على
أسلوبه في الترجمة. أمضى عبد الله يوسف علي قرابة 40 سنة في دراسة وتجميع
المعلومات المتعلقة بترجمة معاني القرآن الكريم، وفي عام 1937م صدرت أول
طبعة من ترجمته، وقد طبعت حتى الآن ما يزيد على 40 طبعة، وتعتبر هذه
الترجمة من أوسع الترجمات انتشاراً وأكثرها رواجاً لدرجة أنه أصبح من النادر
جداً أن يخلو بيت من بيوت المسلمين غير العرب من نسخة من هذه الترجمة.
تمتاز ترجمة عبد الله يوسف علي بأنها مكتوبة بأسلوب أدبي بليغ، كما تمتاز
بالتعليقات الهامشية التي وصل عددها إلى قرابة (6310) تعليقاً أوضح فيها عبد الله
يوسف كثيراً من الأمور والقضايا، وقد ذكر المؤلف أنه حاول أن يجعل التعليقات
أقصر مايمكن، ولكن بالقدر الذي يمكن القارئ عامياً كان أو عالماً أن يلم إلمامة
يسيرة بالموضوع، ولعل من أسباب رواج هذه الترجمة هي هذه التعليقات الهامشية.
قامت رئاسة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية
(وبناءً على طلب من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف) بتصحيح بعض
الأخطاء والانحرافات العقدية التي وقع فيها عبد الله يوسف علي، ومن ثم قام
المجمع بطباعة النسخة المصححة، إلا أن هذه الطبعة أيضاً تحتاج لمزيد من
الدراسة والبحث والعناية.
كما اتسمت ترجمة عبد الله يوسف علي باستخدامه لكلمات تُعَدّ بالمفهوم
العصري الحديث من اللغة الإنجليزية (الكلاسيكية) القديمة التي يصعب على كثير
من القراء المعاصرين فهمها واستيعابها.
2 -
ترجمة محمد أسد.
…
...
…
.Asad 0M
اسم الترجمة
…
... The Message Of the Qur'an
ولد محمد أسد في بولندا عام 1900م من أبوين يهوديين، كان والده حريصاً
على أن يكون ابنه حاخاماً من حاخامات اليهود، ولكن الابن عمل مراسلاً صحفيّا
لإحدى كبريات الصحف الأوروبي، وزار عدداً من الدول العربية والإفريقية مما
جعله يتأثر بالإسلام وأهله، وقد أعلن إسلامه عام 1926م، وغيّر اسمه من ليوبولد
فايس إلى محمد أسد، وقد بقي في السعودية لمدة خمس سنوات، ثم انتقل إلى الهند، وقابل هناك الشاعر الإسلامي محمد إقبال رحمه الله حيث ألح عليه إقبال في
القيام بترجمة صحيح البخاري إلى اللغة الإنجليزية، ثم تنقل محمد أسد بين الدول
الإسلامية إلى أن استقر في سويسرا، حيث ركز جهوده ودراسته على ترجمة
معاني القرآن الكريم لمدة 20 سنة. كان محمد أسد يجيد عدداً من اللغات هي:
اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، واللغة العبرية، واللغة الفرنسية، واللغة الألمانية
بالإضافة إلى لغته البولندية، وقد توفي رحمه الله في المغرب عام 1992م، ومن
أشهر مؤلفاته: الطريق إلى مكة.
صدرت أول طبعة من ترجمته عام 1980م وقد امتازت هذه الترجمة ببعض
التعليقات المبسطة والمركزة حول بعض القضايا والموضوعات، كما حوت هذه
الترجمة نبذة ميسرة عن «المقطعات» وليلة «الإسراء المعراج» و «الجن»
وغير ذلك، وقد ذكر في مقدمة ترجمته: أن عمله هذا هو محاولة لنقل النص
القرآني العربي المعجز ولو شيئاً منه إلى اللغة الإنجليزية، وبيّن عجزه وعجز كل
من حاول ترجمة القرآن الكريم عن الإتيان بترجمة مطابقة للنص القرآني العربي،
وقد حاول في ترجمته استخدام لغة إنجليزية بسيطة، وقلل كثيراً من استخدام اللغة
الكلاسيكية الإنجليزية.
3 -
ترجمة محمد مرمادوك بكثال
…
... Pickthall. M. M
اسم الترجمة
…
The Meaning of the Glorious Qur'an
ولد محمد مرمادوك عام 1975م في انجلترا، أي إنه كان إنجليزي الأصل
والمنشأ، وأمضى فترة من عمره في بعض بلدان الشرق الأوسط؛ مما أدى به إلى
تعلم اللغة العربية وحبه لشعوب تلك المنطقة، ومن ثم حب دينهم، فاعتنق الإسلام
عام 1914م، وقد عين إماماً لمسجد في إحدى ضواحي لندن، وعندما كان يخطب
الجمعة بالمصلين كان يستشهد فيها بآيات، يقوم هو بنفسه بترجمتها إلى اللغة
الإنجليزية، وقد لاقت ترجمته لهذه الآيات قبولاً عند المصلين، وكانوا دائماً
يسألونه عن المصدر لتلك الترجمة وعندها شعر بالحاجة الماسة إلى أن يقوم بترجمة
معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، وقد وجد تشجيعاً على ذلك من حكومة
حيدر أباد، حيث أعطته تفرغاً لمدة سنتين ليقوم بهذا العمل وتكفلت هي بمصاريفه، كان محمد مرمادوك أديباً متمكنا من اللغة العربية، وتوفي رحمه الله عام 1936 م.
صدرت أول طبعة من هذه الترجمة عام 1930م، وتعتبر ترجمته من أوسع
الترجمات انتشاراً وأكثرها رواجاً في بريطانيا، حتى إنها طبعت أكثر من50 مرة،
ويعزى السبب في ذلك إلى أنها أول ترجمة يقوم بها مسلم من أصل إنجليزي.
وامتازت الترجمة بسهولة أسلوبها والتزامه الحرفي في الترجمة، الذي قد يضطره
في كثير من الأحيان إلى التوضيح ببعض التعليقات المختصرة، إلا أنه أكثر من
استخدام اللغة الإنجليزية الكلاسيكية القديمة، وقد يكون هذا من العوائق التي تعيق
فهم الترجمة بالنسبة للقارئ العصري العادي.
4 -
ترجمة داود
…
...
…
...
…
Dawood. J. N
اسم الترجمة
…
...
…
...
…
... Koran The
ولد داود في بغداد وهو يهودي عربي استقر في بريطانيا عام 1945م،
وهناك تقلد عدة مناصب في الجامعات الإنجليزية، كما قام بترجمة عدد من
النصوص العربية: كمقدمة ابن خلدون وغيرها، ويُعَدّ داود هو اليهودي الوحيد
الذي قام بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية.
صدرت أول طبعة من ترجمته عام 1956م، وقد طبعت أكثر من 15 طبعة
وهي من أكثر الترجمات تداولاً بين الإنجليز غير المسلمين، وذلك لأنه حاول في
ترجمته أن يستخدم اللغة الإنجليزية الحديثة، وابتعد تماماً عن استخدام اللغة
الكلاسيكية القديمة، كما أنه في ترجمته أطلق لنفسه العنان فلم يتقيد بالنص.
وقد حاول داود في ترجمته أن يعمل ترتيبا خاصاً به لسور القرآن الكريم، فلم
يسلك الترتيب المعروف في المصحف الشريف، كما أنه لم يتبع الترتيب الذي
سلكه بعض المستشرقين وهو ترتيب سور القرآن الكريم على حسب النزول،
فيبدؤون أولاً بالعلق، ثم المدثر
…
وهكذا، ولكنه اعتمد ترتيب السور على حسب
طول وقصر السور وعلى حسب الأكثر شاعرية كما يرى! فيبدأ بالسورة القصيرة
والأكثر شاعرية! في زعمه ثم الأطول فالأطول، وقد ذكر في مقدمته أن سبب
اعتماده على هذا الترتيب حتى لايصطدم القارئ مباشرة بالسور الطويلة كالبقرة
والنساء، إنما يكون الأمر بالتدرج، غير أن داود في إحدى الطبعات المتأخرة من
ترجمته (1990م) تراجع عن هذا الترتيب ورتب السور على حسب ترتيب
المصحف الشريف، وذكر في مقدمة هذه الطبعة: أنه على غير قناعة بترتيب
السور حسب المصحف الشريف، ولكنه وجد نفسه مضطراً لأن يتحول عن رأيه.
5 -
ترجمة محمد ظفر الله خان
…
...
…
Zafrullah Khan 0 M
اسم الترجمة
…
...
…
...
…
... The Qur 'an
محمد ظفر الله خان باكستاني الأصل والمنشأ، وقد شغل منصب وزير
الخارجية في بلاده فيما بين 1947 1957، ثم عمل قاضياً في المحكمة الدولية،
صدرت أول طبعة من ترجمته عام 1971م، ونظراً لكونه قادياني المذهب والمعتقد
فقد حرص أن يبث في ترجمته سموم الفكر القادياني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ وهذا ماساعد على انتشار ترجمته ورواجها بين الباكستانيين والهنود.
وفي ترجمته، ابتدع محمد ظفر الله خان ابتداعاً جديداً، حيث إنه لم يفصل
بين الآية والأخرى، بل تجده يسرد العشر آيات مع بعضها دون فواصل أو
علامات تشير إلى نهاية الآية وبداية التي تليها، وسأعرض فيما بعد نموذجاً من تلك
النماذج وكيف حاول دس الفكر القادياني في ترجمته.
6 -
ترجمة آربري
…
...
…
...
…
..Arberry.J. A
اسم الترجمة
…
...
…
...
…
The Koran Interpreted
ولد أربري عام 1905م في انجلترا، وقد شغل خلال حياته عدداً من
المناصب الأكاديمية في عدد من الجامعات الإنجليزية وقد ركز اهتمامه على
الدراسات العربية والفارسية حتى صار أستاذاً (بروفوسوراً) في اللغة الفارسية في
جامعة لندن عام 1944م وأستاذا في اللغة العربية عام 1946م في الجامعة نفسها.
ركز آربري كثيراً على دراسة القرآن، لذلك كان حريصا في ترجمته على
اختيار أفضل المترادفات في اللغة الإنجليزية، كما اهتم في ترجمته كثيرا بالقوافي، وحاول صياغة ترجمته بأسلوب أدبي رفيع، وقد سلك مسلك كتاب القصائد
الإنجليزية القدماء في كتابتهم للقصائد المعروفة باسم (Sunnet) التي يتكون كل
مقطع فيها من خمسة أو ستة أسطر.
صدرت أول طبعة من ترجمة أربري عام 1955م، وقد طبعت أكثر من 15
مرة، ولاتزال حتى هذا اليوم تطبع بالآلاف.
وأخيراً، فإن هناك الكثير من الترجمات التي صدرت في الآونة الأخيرة
تحتاج إلى مزيد من العناية والبحث، ولم أعرض لها في هذا المقال خشية الإطالة:
كالعمل الذي قام به العالمان الجليلان «محمد تقي الدين الهلالي» والدكتور محمد
خان «حيث صدر أول مرة في تسعة أجزاء، وهو عبارة عن مختصر لتفسير ابن
كثير وتفسير الطبري مدعوماً بالتعليقات المستنبطة من صحيح الإمام البخاري واسم
ترجمتهما Qur'an Noble The
وقد صدر هذا التفسير مؤخراً عام (1993م) ولكن في مجلد واحد فقط ويمتاز
هذا التفسير بأن المترجمين كليهما صاحبا عقيدة سلفية صافية من الشوائب
والانحرافات، كما تمتاز ترجمتهما بسهولة الأسلوب ووضوح العبارة، كما أن هناك
ترجمات لايتسع المقام لعرضها كالترجمة التي قام بها أحد العلماء المصريين وهو»
محمد الخطيب «وقد صدرت ترجمته عام 1980م وغيرها كثير.
وأختم كلامي هنا: بأن هناك العديد من الترجمات التي تحتاج إلى مزيد من
العناية والبحث، سواء أكانت ترجمات إلى الإنجليزية أو إلى اللغات الأخرى.
ولعلنا في الحلقة القادمة والأخيرة إن شاء الله (تعالى) نستعرض نماذج من
الأخطاء التي ارتكبها أولئك المترجمون في ترجماتهم؛ لنرى خطورة الأمر والحاجة
الشديدة إلى علاجه.
دراسات دعوية
أهمية مبادئ الإدارة في الدعوة
بقلم: نبيل بن جعفر الفيصل
إن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هي الأساس الذي قامت عليه هذه الأمة
ونهضت به، وإذا نظرنا في تاريخ الدعوة منذ بعثته وجدنا أنها كانت تسير ضمن
عملية إدارية محكمة، بلغت في تخطيطها وتنظيمها وتربيتها للسلوك الإنساني
ذروتها.
وكما أن حركة الدعوة الإسلامية مطالبة بدراسة التجارب التي مرت بها عبر
القرون للاستفادة منها بحكمة بعد تقييمها وعرضها على الكتاب والسنة وإجماع
السلف فكذلك هي مطالبة أيضاً بالاستفادة بكل مايعينها لتحقيق هدفها.
ونستعرض هنا بإيجاز العملية الإدارية من منظورها النظري، وكيفية ملاءمة
هذه العملية بوصفها أداة تعين في النهوض بالدعوة. ومع العلم، فإن نجاح تطبيق
وظائف الإدارة المختلفة في مجالات الدعوة مرهون بتصور واستيعاب القارئ
لتطبيق هذه الوظائف في حياته الدعوية: فمثلاً عندما نتحدث عن إدارة الوقت من
الناحية النظرية، فإنا نقوم خلالها بتحديد الأعمال المطلوبة وترتيبها في قائمة حسب
الأولوية والأهمية، وتحديد وقت لكل مهمة ومراجعة وتحديث القائمة باستمرار، ثم
تقييم ماتم إنجازه حسب الوقت المخصص لكل مهمة ودقة الإنجاز وعمل التعديل
اللازم.. إلى غير ذلك من التوجيهات الخاصة بإدارة وتنظيم الوقت.
وإذا تصورنا هذه التوجيهات من الناحية العملية، نجد أننا فعلاً نقوم بمثل هذا
التخطيط للوقت بصورة غير مباشرة، فتجد أنك تلقائياً وقبل شروعك في إنجاز
مهمة ما تفكر ذهنياً وبسرعة متى يجب عليك الانطلاق، وكيف؟ ومع من؟ وأي
طريق ستسلك؟ ، وأثناء الطريق ستفكر ماذا ستفعل عند وصولك وإلى أين ستذهب
بعد ذلك.. إلخ.
هذا ما نقصده بالتصور التطبيقي للعملية الإدارية: أي أن ننقلها من الوضع
النظري إلى الواقع العملي.
ماهي العملية الإدارية؟
إن الإدارة بحد ذاتها هي: عملية دمج وتنسيق الموارد المادية (كالمعدات
والأدوات) ، والبشرية (الأفراد) في منشأة من خلال التخطيط لها وتنظيمها وتوجيهها
ومراقبة إنتاجها؛ لتحقق بالتالي أهداف المنشأة.
كل جهاز دعوي على اختلاف مستوياته لابد له من الاستفادة من علم التخطيط
والتنظيم والتوجيه والمراقبة، أو مايسمى بالوظائف، وبالتالي شرح هذه الوظائف
وكيفية الاستفادة منه، خاصة إذا استحضر الإداري المسلم في قلبه وكيانه أنه في
إدارته مدفوع بذاتية ربانية ونبوية المنهج، تقوده للتفكير السليم القويم كسمة يتميز
بها عن غيره.
أولاً: التخطيط:
هو «ضرورة لكل المنشآت؛ لأنها تعمل في ظروف متغيرة، ومن ثم فإن
محاولة التخفيف من مفاجآت هذه الظروف هو الدافع وراء عملية التخطيط، كما أنه
عملية مستمرة تدعو لاختيار بديل من عدة بدائل لتطبيقه في المستقبل» [1] ونحدد
من خلاله مانريد أن نعمله، وما الذي يجب عمله، وأين؟ وكيف؟ ومتى؟ وعن
طريق مَنْ؟
والتخطيط للدعوة يبدأ من المنطلق الاستراتيجي (الإحكامي) البعيد المدى عن
طريق القياديين ومفكري الأمة: مثل ماحصل في خطة صلح الحديبية ذات النظرة
البعيدة الذي يعده بعض المؤرخين بداية الفتح الإسلامي الفعلي، «ثم على الخطة
أن تتسم بالواقعية والمرونة والشمولية وكذلك تناسق الخطط فيما بينها لضمان
استمراريتها» [2] .
ثانياً: التنظيم:
يأتي دور التنظيم لضمان تنفيذ الخطط بالشكل المطلوب، أو بمعنى آخر
تنظيم التنفيذ دون الارتباك في توزيع العمل، والتنظيم مهم لتحديد مهام وواجبات
كل الأفراد أعضاء المنشأة وكذلك تحديد وبيان علاقة كل فرد وأين موقعه من
الجماعة، وتوزيع السلطات والصلاحيات لمستويات الأفراد المختلفة؛ كل ذلك من
أجل إيجاد تنسيق بشري يساهم فيه كل فرد لإنجاح مسيرة العمل الإسلامي، ولنا
من الهجرة النبوية إلى المدينة درس يمثل غاية التنظيم والتنسيق لإحكام خطة
الهجرة، وتوزيع العمل والمسؤوليات على الأفراد حسب تخصصهم دون فوضى،
وعمل الاحتياطات اللازمة لكل حادث قد يصادف تلك الرحلة. وبالإخلاص وتظافر
الجهود تتحقق الأهداف المنشودة بإذن الله.
ومن السابق يمكن تعريف التنظيم بأنه: عملية بناء العلاقات بين أجزاء العمل، ومواقع العمل، والأفراد من خلال سلطة فعالة بهدف تحقيق الالتحام والترابط
وأداء العمل بطريقة جماعية منظمة وفعالة [3] .
ثالثاً: التوجيه والقيادة:
إن للتوجيه الإداري ارتباطاً وثيقاً بمهارات القياديين؛ لذا هو: «فن وقدرة
المدير على السير الصحيح بمن تحت إمرته وهدايتهم وتوجيهم مع إشاعة روح الود
والحب والرضا والتفاني والانتماء في العمل حتى يتحقق الهدف المطلوب» [4] .
ولنجاح عملية التوجيه ينبغي مراعاة الاتصال الفعال الذي يربط قنوات النظام
الداخلي والخارجي مع وضوح أهداف النظام الكلية والأهداف المطلوب تحقيقها من
كل فرد يعمل لهذا النظام على اختلاف مستواه.
أضف إلى ذلك رفع الروح المعنوية للأفراد العاملين في مجال الدعوة من
تقديم التشجيع والثناء والمزيد من الحرية والتصرف، ناهيك عن الدافع الديني
الذاتي لدى كل من يفهم معنى الدعوة وحجم الاستثمار فيها، ولايفوتنا الإشارة
للتوجيه الرباني لكل من القائد وأتباعه [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى
الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] [الفتح: 29] .
رابعاً: الرقابة:
والرقابة بمفهومها العام تعني التأكد من أن المبادئ الآنفة الذكر التخطيط،
التنظيم، التوجيه تسير في الاتجاه الصحيح نحو الأهداف المرسومة، ويكون ذلك
بقياس الأداء ومقارنة النتائج بالأهداف ضمن معايير موضوعة سلفاً لتصحيح
وتعديل أي انحراف في الأداء ضماناً لفاعلية وكفاءة التنفيذ.
ولعل أبرز مايتسم به الإداري المسلم الرقابة الذاتية على نفسه، فهي تشمل
كافة شئون الحياة الفردية والجماعية، حيث يعلم أنه خلق لعبادة الله وحده، وبالتالي
فإن جميع أفعاله إدارية أو دعوية مقياس لمدى طاعته لأوامر الله، ثم محاسبة نفسه
قبل أن يحاسبه خالقه، يقول تعالى:[إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً][النساء: 1] .
والمسلم كذلك مطالب برقابة أخيه المسلم بالتناصح والتوجيه يقول (تعالى)
[وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
المُنكَرِ] [التوبة: 71] .
وإن كان ترتيب الرقابة في النظرية الإدارية في النهاية، إلا أني أعتقد أن
عنصر الرقابة هو العنصر الأول والملازم للعملية من بداية التخطيط وأثناء التنظيم
والتوجيه وانتهاء بالتأكد من تحقيق الهدف المطلوب.. وبذلك يعي الإداري المسلم
مدى نجاح دعوته المستمدة من الكتاب والسنة بتوفيق الله كسمة يجب أن يتميز فيها
عن غيره.
(1) الإدارة دراسة تحليلة للوظائف والقرارات الإدارية د مدني عبد القادر علاقي، مطبوعات تهامة، جدة، الطبعة الرابعة، 1410هـ ص 85.
(2)
الخطة والتخطيط، لماذا وكيف، نبيل بن جعفر الفيصل، مطابع التسهيلات، الخبر، 1413هـ ص 17:20.
(3)
مرجع سابق، رقم (1) ص 156.
(4)
الإدارة في الإسلام، الفكر والتطبيق، د عبد الرحمن إبراهيم الضحيان، دار الشروق، جدة، الطبعة الأولى، 1407هـ ص 166.