المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 28 فهرس المحتويات 1- لا أخوة بين المسلمين والكافرين ولا دين - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ١٠

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌العدد 28 فهرس المحتويات 1- لا أخوة بين المسلمين والكافرين ولا دين

‌العدد 28

فهرس المحتويات

1-

لا أخوة بين المسلمين والكافرين ولا دين حق غير دين الإسلام: رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز

2-

من أعلام المحدثين - أبو الفرج ابن الجوزي 510 تقريبا - 597 هـ: بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد

3-

أثر المخدرات في تدهور الشعوب: بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد

4-

حكم التبني في الإسلام: بقلم فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي

5-

كيف تكون مُدرسا ناجحا: بقلم فضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي

6-

معارك الدعوة الإسلامية: بقلم فضيلة الشيخ د. محمد حمد خليفة

7-

مع المجاهد الأعظم. . ومنهجه في الجهاد: بقلم فضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد

8-

الدعوة العامة لتحديد النسل ينكرها الإسلام: بقلم: فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف

9-

شعر شوقي في ميزان النقد: بقلم فضيلة الشيخ محمد المجذوب

10-

الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس: بقلم فضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني

11-

مع الأخ أحمد جمال العتاب قبل الجواب: بقلم فضيلة الشيخ عطية محمد سالم

12-

الفداء: بقلم فضيلة الشيخ عبد الله أحمد قادري

13-

من أضاليل القاديانية: بقلم الشيخ عبد الغفار حسن

14-

من المشكلات اللغوية في القرآن الكريم: بقلم فضيلة الشيخ عبد الجليل شلبي

15-

قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية: بقلم الأستاذ عيد عبد الله عيد السيد

16-

حول نظرية الالتزام - والعيب ما عابه الشرع - دراسات أخلاقية لمجتمع السلفي:

بقلم: فضية الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي

17-

من آيات الله في الكون: الضمان الاجتماعي

18-

نداءٌ واحتكامٌ إلى ضمير العالم الإسلامي: بقلم السردار محمد عبد القيوم خان

19-

من الصحف والمجلات - محنة الإسلام في الصومال: إعداد العلاقات العامة

20-

ندوة الطلبة - عجباً لمن يرثى لقاتله: بقلم الطالب أحمد بن حسن المعلم

21-

محاورة هادفة: بقلم محمد عبد الرحمن الأهدل

22-

يا حماة الدين: بقلم الطالب عبد الرحمن عبد الرحمن شميله

23-

أخبار الجامعة: إعداد: العلاقات العامة

24-

الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية

25-

***

- إنا لله وإنا إليه راجعون

-كلمة للتاريخ

-صفحة مشرقة في حاضر العالم الإسلامي

بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد

بقلم فضيلة الشيخ محمد شريف الزبيق

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 16

لا أخوة بين المسلمين والكافرين ولا دين حق غير دين الإسلام

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد: فقد نشرت صحيفة عكاظ في عددها 3031 الصادر بتاريخ 27/8/1394 خبرا يتعلق بإقامة صلاة الجمعة في مسجد قرطبة وذكرت فيه أن الاحتفال بذلك يعد تأكيدا لعلاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين الإسلام والمسيحية. انتهى المقصود.

كما نشرت أخبار العالم الإسلامي في عددها 395 الصادر بتاريخ 29/8/1394 الخبر المذكور وذكرت ما نصه"ولا شك أن هذا العمل يعتبر تأكيدا لسماحة الإسلام وأن الدين واحد"إلى آخره.

ص: 17

ونظراً إلى ما في هذا الكلام من مصادمة الأدلة الشرعية الدالة على أنه لا أخوة ولا محبة بين المسلمين والكافرين وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم، وأنه لا اتحاد بين الدينين الإسلامي والنصراني؛ لأن الدين الإسلامي هو الحق الذي يجب على جميع أهل الأرض المكلفين اتباعه، أما النصرانية فكفر وضلال بنص القرآن الكريم، ومن الأدلة على ما ذكرنا قول الله سبحانه في سورة الحجرات:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره" الحديث، وقول الله عز وجل في سورة الممتحنة:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} الآية، وقوله سبحانه في سورة المجادلة:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، وقوله تعالى في سورة التوبة:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآية، وقوله سبحانه في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ

ص: 18

فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

وقوله عز وجل في سورة آل عمران: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} الآية، وقوله تعالى في السورة المذكورة:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، وقوله عز وجل في سورة المائدة:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} الآية، وقوله سبحانه في سورة المائدة أيضاً:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الآية، وقوله تعالى في سورة الكهف:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} ، ففي هذه الآيات الكريمات والحديث الشريف وما جاء في معنى ذلك من الآيات والأحاديث ما يدل دلالة ظاهرة على أن الأخوة والمحبة إنما تكون بين المؤمنين أنفسهم، أما الكفار فيجب بغضهم في الله ومعاداتهم فيه سبحانه، وتحرم موالاتهم وتوليهم حتى يؤمنوا بالله وحده ويدعوا ما هم عليه من الكفر والضلال.

ص: 19

كما دلّت الآيات الأخيرة على أن الدين الحق هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وسائر المرسلين وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد"، أما ما سواه من الأديان الأخرى سواء كانت يهودية أو نصرانية أو غيرهما فهو باطل، وما فيه من حق فقد جاءت شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم به، أو ما أكمل منه؛ لأنها شريعة عامة لجميع أهل الأرض، أمّا ماسواها فشرائع خاصة نسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي أكمل الشرائع وأعمها وأنفعها للعباد في المعاش والمعاد كما قال الله سبحانه يخاطب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} الآية، وقد أوجب الله على جميع المكلفين من أهل الأرض اتباعه والتمسك بشرعه كما قال تعالى في سورة الأعراف بعد ذكر صفة محمد عليه الصلاة والسلام:{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، ثم قال عز وجل بعدها:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، ونفى الإيمان عن جميع من لم يحكّمه فقال سبحانه في سورة النساء: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ

ص: 20

حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماًً} ، وحكم على اليهود والنصارى بالكفر والشرك من أجل نسبتهم الولد لله سبحانه واتخاذه أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله عز وجل بقوله تعالى في سورة التوبة:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتخذوا أحباراهم اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يريدون أن يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} .

ولو قيل إن هذا الاحتفال يعتبر تأكيداً لعلاقات التعاون بين أبناء الديانتين فيما ينفع الجميع لكان ذلك وجيها ولا محذور فيه، ولواجب النصح لله ولعباده رأيت التنبيه على ذلك لكونه من الأمور العظيمة التي قد تلتبس على بعض الناس.

وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للأخوة الصادقة في الله والمحبة فيه ومن أجله وأن يهدي أبناء البشرية جميعاً للدخول في دين الله الذي بعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم والتمسك به وتحكيمه ونبذ ما خالفه؛ لأن في ذلك السعادة الأبدية والنجاة في الدنيا والآخرة وحل جميع المشاكل في الحاضر والمستقبل إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه

ص: 21

الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس

بقلم فضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني

المستشار العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة

يبلغ تعداد المسلمين في الأرض سبعاً وعشرين مليوناً وثمانمائة مليون نسمة، أكثريات في دول غير مسلمة وشعوب وأقليات في شعوب غير مسلمة ودول.

والأقليات المسلمة التي تساكن أكثريات غير مسلمة، يقارب عددهم الثلث من جميع مسلمي الأرض: يبلغون أكثر من ستة وخمسين مليوناً ومائتي مليون نسمة، في قارات آسيا من الأقليات اثنان وثلاثون مليوناً ومائتا مليون مسلم.

وفي إفريقيا منهم اثنان وعشرون مليوناً مسلماً.

ويسكن أوربا منهم سبعة وعشرون مليونا من المسلمين.

وفي أمريكا مليونان من المسلمين أقليات.

ويسكن قارة أوقيانوسيا: استراليا وغيرها سبعون ألف مسلم ومائتا ألف من المسلمين أقليات.

وهذه الأعداد من المسلمين: أكثريات وأقليات، آخر ما وصل إليه إحصاء جمعية الأمم في العام الماضي، وإحصاء مؤسسات إسلامية مختصة وشخصيات.

وأكبر الأقليات وأكثرها عدداً، مسلمو الصين والهند وروسيا والفليبين وتايلاند وبورما.

فمسلمو الصين ستة وثمانون مليوناً، ومسلمو الهند ثلاثة وثمانون مليونا، ومسلمو روسيا خمسون مليونا، ومسلمو الفليبين أربعة ملايين، وتايلاند خمسة ملايين، وبورما ثلاثة ملايين مسلم؛ وسيلان مليون.

وفي بعض دول آسيا ودول إفريقيا مفارقات شاذة: أكثريات إسلامية تحكمها أقليات غير مسلمة، منها كمثال والمثال لا يخصص، الحبشة والمسلمون فيها قريب من السبعين في المائة، وتشاد ومسلموها خمس وثمانون في المائة، والسنغال والمسلمون فيها خمس وتسعون في المائة، وتانزانيا ومسلموها ثمانية وستون في المائة.

ص: 22

وهذه الأكثرية المسلمة المغلوبة على أمرها، هي مع الأقلية الحاكمة غير المسلمة أشبه بالأقليات الإسلامية مع الأكثرية غير المسلمة: اضطهاداً وقهراً وتجويعاً واستئثاراً بخيرات البلاد: وظائف داخلية وخارجية وتجارية وصناعة وزراعة، وحجراً على الحريات: حريات العقيدة واللغة والتعلم والتعليم، والطباعة والنشر والترجمة، والتقاليد والعادات وأسلوب الحياة، والسفر للخارج للحج أو الدراسة أو التجارة، إلا النادر من هذه الأقليات الحاكمة، وقديماً قيل: النادر لا حكم له.

وهذه الأقليات الإسلامية في قارات الدنيا الخمس، بإعدادها الستة والخمسين مليوناً ومائتي مليون مسلم قد زارها وتخلل أرضها وسماءها، برها وبحرها وفنائها، بطاحها الخضراء وصحاريها الجرداء وغاباتها الغناء، طائراً ومبحراً وزحفاً بالقطار والسيارة، قد جاس خلال قاراتها الخمس سبعة وفود، أوفدتهم إليها رابطة العالم الإسلامي خدمة للإسلام والمسلمين، بتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك الإمام فيصل بن عبد العزيز، ومن بين الوفود السبعة أب وابن قد زارا ضمن وفدين أربع قارات من الخمس: أسيا وأوقيانوسيا وأوروبا وأمريكا، وتعداد أقلياتها المسلمة أربعة وثلاثون مليوناً ومائتا مليون نسمة، ولم يبق عليهما ممن لم يزوراه إلا الأقليات المسلمة في إفريقيا، وعددهم لا يتجاوز اثنين وعشرين مليوناً.

ص: 23

وبالعلم معرفة، وبالرحلة خبرة، أتكلم وأخطب وأصرح، وأرفع صوتي عالياً من على منبر هذه القاعة قاعة المركز العام لرابطة العالم الإسلامي وقد جمع لها الناس من مختلف قارات الأرض، لحج بيت الله الحرام ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على أيام معلومات أعلن بأن هذه الأقليات الإسلامية بملايينها الستة والخمسين والمائتين، الموجودة في جميع قارات هذا الكوكب الأرضي، تعيش تحت تسلط الأكثرية غير المسلمة من مواطنيهم واستعبادهم، حقوقهم قليلة، وواجباتهم كثيرة، احتكرت الأكثرية: القيادة والسيادة والسلطان تشريعاً وتنفيذاً، أمراً ونهياً، تعلماً وتعليماً، تقاليد وعادات.

استباحت الأكثرية الطاغية نساء أقلية المسلمين زوجات لهم، وإسلامهم يأبى ذلك، ويعتبره سفاحاً، لا أثرله في نسب ولا نفقة ولا إرث، ولم يعترف لهم بأحكام شخصية ولا عامة فلا محاكم لهم وفق دينهم، ولا مدارس ببرامج ثقافتهم ولغة نبيهم، فضلاً عن المعاهد العليا والجامعات، وتأسيس الجمعيات لمصالحهم وتكوين الجامعات.

أما الأقليات الإسلامية ذات عشرات الملايين، في الصين وروسيا والهند وتايلاند وبورما وسيلان والفليبين ويضاف إليهم الأكثرية الإسلامية التي تحكمها الأقلية غير المسلمة: في الحبشة وتانزانيا وتشاد وغيرها. وهم يعيشون بين حاكميهم وغير المسلمين من مواطنيهم أسرى، يستعبدون الرجال منهم والنساء، في الدور والإدارات والمصانع والمزارع، وفي تكنيس الأزقة والشوارع والطرقات، ليس لهم في قوانينهم كرامة للإنسان ولا حتى رحمة الحيوان.

ص: 24

يذبحون رجالهم ولا يستحيون نساءهم، لأقل بادرة تبدو منهم ولو كانت هذه البادرة صيحة في وجه ظالم، أو تأففاً من اعتداء باغ، طرحوا الآلاف ومئات الآلاف بل الملايين من أرض لهم، حسدوهم على خصبها ومياهها، وخيراتها الباطنة والظاهرة، طردوهم منها إلى صحار وجبال لا تمطر ولا تنبت، وكاثروا تكتلاتهم وتجمعاتهم بعشرات الآلاف ومئات الآلاف بل وبالملايين ليذيبوهم فيهم، ويبعثروهم أيدي سبا ضائعين تائهين.

هدموا الكثير من مساجدهم، ومدارسهم، وجعلوا منها خمارات ودور فساد، ومعابد لنصب وأوثان، ومنعوهم حتى من دفن موتاهم مسلمين، فحرموا عليهم غسلهم والصلاة عليهم، وإفرادهم بمقابر ومدافن، ومن عارضهم في شيء من ذلك، قتلوه ضرباً بالسيف، ورمياً بالرصاص، وقصفاً بالرماح، وشنقاً بالحبال، كل هذا حدث في روسيا والصين والهند وتايلاند وبورما، وسيلان والفليبين والحبشة وتنزانيا وإريتريا وتشاد، ولا يزال يحدث، وعلى ضروب وأشكال من الفتك والتدمير والطغيان، وهو ما فجر الثورات الإسلامية في هذه البلاد، فسحق بعضها بوحشية وقسوة دونها قسوة وحوش الغاب، وبعضها لا يزال قائماً يستغيث ويستنجد إخوانه المسلمين في العالم، ومنها حروب التحرير في الفليبين وتايلاند وإريتريا.

ص: 25

أما تايلاند فمسلموها ذو الملايين الخمسة، فكأنهم الحيوانات السائمة، فلا حقوق لهم في تعليم ولا وظائف ولا بعثات دراسية في الخارج، وحتى البلديات ليس لهم فيها رأي ولا مشورة واستنكر ذلك مسلمو تايلاند واحتجوا رافعين أصواتهم بالألم والشكوى، فلم يشكهم إخوانهم المسلمون في العالم الإسلامي ولم تشكهم جمعية الأمم، ولا المحافل الدولية، فانفجروا بثورة مسلحة في جبال ولاياتهم التي يتكتلون فيها ولا تزال الثورة ملتهبة ولكن تواطأ على إخمادها صحف الأكثرية البوذية، وأجهزة الإعلام الدولية البوذية، وجميع أجهزة الإعلام في العوالم الأربعة: الوثنية والملحدة واليهودية والصليبية، عملوا لإخمادها بإغفال ذكرها بل وإنكارها حين عجزوا عن إخمادها بالحديد والنار والأسلحة الجهنمية، وحين عجزوا عن إخمادها باستسلام أبطالها وقاداتها.

وقد اجتمعنا بملك تايلاند والمارشال رئيس وزرائه وأعضاء من وزارته فطلبنا الرفق بالمسلمين ومعاملتهم معاملة المواطنين، فوعدونا وأنكروا وجود ثورة مسلحة في تايلاند، فعقدنا ندوة صحفية لإعلان حال المسلمين في البلاد وإذا بالصحافة تصدر في اليوم التالي منكرة علينا ما أسمته التدخل في أمور تايلاند الداخلية، واستعدت علينا حكومتها محتجة هائجة.

أما بورما فقد أخذت جميع أموال مسلميها المنقولة والعقار، وأفقرتهم فجأة بعد أن كانوا فيها هم رجال المال والأعمال تجارة وصناعة وزراعة واضطهدوا ومنعوا من مغادرة البلاد ولو للحج، وسجن منهم عشرات الآلاف، وعذبوا وطوردوا بذنب وبغير ذنب، حتى انفجرت فيها كذلك ثورة إسلامية مسلحة، وظنوا أن إغفال أجهزة إعلامها إذاعة وصحافة سيخمدها، حين عجز الجيش عن إخماد أوارها، فعلت بورما فعل تايلاند مع ثورة المسلمين.

ص: 26

وأما الفليبين وما أدراك ما الفليبين؟ فقد اتخذ طاغيتها ماركوس من الفليبين معسكراً لقوى الشر من أعداء الإسلام والمسلمين في الأرض: الوثنية بكل أشكالها والإلحاد بكل أنواعه وبمختلف أسمائه، واليهودية العالمية والصليبية الدولية، اتخذ منهم ماركوس حلفاء له، وجعل جزر المسلمين وتدمير المسلمين، لا في الفليبين وحدها، بل وفي جميع منطقة الشرق الأقصى، بجميع شعوبها الإسلامية أكثريات وأقليات.

فالمئات من أوكار التضليل التي تسمي نفسها: التبشير، تتفنن في اتخاذ العناوين الخداعة لأسماء مؤسساتها، من دورحضانة للأطفال، إلى الجامعات، ومن المستوصفات إلى المستشفيات إلى الكنائس والأديرة، والبعثات الصادرة والواردة، لإخراج المسلمين من دينهم، وتشكيكهم في الله الواحد وكتابه ونبيه خاتم الأنبياء، ويغرون الشباب فتيات وغلماناً لذلك، بالمال وببعضهم وبأنواع من الملاهي واللعب ويسخرون لهم الآلاف من الكهنة رجالاً ونساء ومن كل جنس ليقوموا على تضليلهم مع بذل مئات الملايين من الجنيهات والدولارات رواتب ونفقات وعطايا.

وماركوس جنّد صليبية لعشرات الآلاف من المحاربين، وسلحهم بجميع أنواع الأسلحة الفتاكة الحارقة والمدمرة، طائرة وعائمة وغواصة وزاحفة، لتخريب جزر الفليبين ومناطقهم، وتصفية الإسلام عقيدة ولغة وعلماً وتصفية المسلمين فيها رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً، جماعات وأفراداً.

ويهود فلسطين المحتلة، ويهود أمريكا، اليهودية العالمية، يدربون المدنيين من صليبي الفليبين على القتل والاغتيال، الفردي والجماعي، وعلى تحريق الفرد والجماعة وهدم البيوت والإحياء على ساكنيها أيقاظاً أو هم رقود، ومن أفلت منهم يفر بنفسه وتبقى لهم أرض المسلمين خاوية من أهلها، فيستولون عليها ثم يجعلون لها صكوكاً وملكيات يزعمون فيها أنهم اشتروها من أهلها عن طيب خاطر منذ سنوات.

ص: 27

وهؤلاء اليهود الذي يدربون النصارى الفليبين، هم خبراء المخربين اليهود في فلسطين منذ الانتداب البريطاني وإلى اليوم، قالوا لماركوس: هذه أنجع طريقة لحرب المسلمين، وبها نحن تسلطنا على فلسطين واستولينا عليها، والمسلمون هم المسلمون عربا كانوا أو غير عرب، لا تفيد معهم حرب القانون والنظام ولكن حرب المكر والخديعة والضرب من الخلف وقالوا له: وضرب المجاهدين من المسلمين يكون بذبح نسائهم وأطفالهم وهدم بيوتهم عليهم وحرقها، فاستجاب لهم الصليبي ماركوس وصادف ذلك هوى في نفسه ونفذ لهم جميع تعاليمهم.

وصدق الله العظيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} .

واجتمع بنا ماركوس مرتين: مرة قبل لقائنا بإخواننا المسلمين في جزرهم، ومرة أخرى بعد اجتماعنا بهم، ومقامتنا بينهم ليالي وأياما، فقصصنا عليه قصصهم وما أصابهم من ضرّ وبلواء، من جنده وبنيه من الفليبين النصارى وحلفائهم، فوعدنا باستقلال المسلمين في ولايتهم وجزرهم الاستقلال الذاتي، ولكن لا يزال يراوغ بوعوده مراوغة الثعلب، يلتوي بها التواء الأفعى.

ومسلمو الهند الذين يربو عددهم على الثمانين مليوناً، والذين هم بعد مسلمي الصين أكبر أقلية مسلمة بين شعوب ودولة غير مسلمة، وعلى كثرتهم يعمل الهندوس جاهدين على مكاثرتهم والفيضان عليهم بقوانينهم الهندوسية، وبمئات الملايين من الهندوس.

هم أيضاً يكاد لهم بإلغاء ثقافتهم الإسلامية، ولغتهم الدينية، وأحكامهم الشخصية والعامة، وتقليص معاهدهم وجامعاتهم ومداسهم وجمعياتهم، ليذوب كل ذلك في الوثنية الهندوسية، وتذوب شخصيتهم في الهندوس، وعلى كثرة مسلمي الهند لا وظائف قيادية لهم، لا عسكرية ولا مدنية، لا تشريعية ولا تنفيذية وهي تتقلص وتتراجع بينهم يوماً عن يوم وعهداً بعد عهد.

ص: 28

ولدفع مسلم لبقرة عن مسار سيارته أو كلاء مزرعته، يقتل الهندوس من أجلها عشرات المئات من المسلمين. بل والآلاف منهم في كل أرض من الهند وكل مقاطعة، وقد يغني الطرف عن ذلك الشرطة، وقد يشاركون هم أيضاً مواطنيهم الهندوس في الضرب والتقبيل.

وقد اجتمع بنا كذلك وزير خارجيتهم ووزراء معه وقصصنا عليهم ما يعلمون عن مواطنيهم المسلمين فوعدونا بإصلاح أحوالهم.

وبعد فالأقليات الإسلامية بين الأكثريات غير المسلمة، يراد تصفيتها والقضاء عليها جسدا وديناً وكياناً وحضارة ولغة كما رأيتم وسمعتم، أيجوز هذا أن يبقى ويستمر؟ ونحن بعد لا نزال نعمر من العالم قارتين، ونشارك الباقين في القارات الأخرى الثلاث؟ ولنا مع ذلك مقاعد دولية تعد بالعشرات، ولنا دول وجيوش وثروات فاضت بركاتها على الدنيا، أيجوز أن يستمر هذا ويدوم ونحن نكاد نصل للمليار عداً ووجوداً؟

يهودي واحد إذا مسّ في أي رقعة من رقاع الأرض، تعاوى له اليهود من كل جانب، وتعاوى معهم جميع حلفائهم من قوى الكيد للإسلام وعدوانه: ملاحدة ووثنيين وصليبيين، ونصراني واحد إذا مسّ كذلك في ركن من العالم تصايحت له أمريكا وأوروبا والدنيا كلها، ومنها المجامع الدولية في كل القارات.

والمسلمون يعذبون ويضطهدون ويقتلون، وتستباح أرضهم، وتغتصب أموالهم وتسرق خيراتهم بالآلاف والملايين، ولا يرفع صوت بشكوى ولا ألم، لا بين القارات، ولا بين الشعوب، ولا في المجالس الأممية ولا في المحاكم الدولية.

أيجوز إذا سكت هؤلاء راضين أو متواطئين، أن يسكت المسلمون وهم خير أمة أخرجت للناس ورسالتهم التي أرسلوا بها للناس، إنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله؟

ص: 29

أيجوز إذا سكت هؤلاء راضين أو متواطئين، أن يسكت المسلمون وكتابهم يفرض الأخوة بينهم؟ ويقول:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} ، والنبي الهادي صلوات الله وسلامه عليه يؤكد ذلك ويفسره فيقول:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. والمسلمون يد على من سواهم".

هذا والأديان الأخرى قد استوفت أغراضها ونسخت، ورسلها قد أدت رسالاتها وانتهت، لتترك لخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رسالة الكون والعالم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وكتابه يقول:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ، ويقول:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} . وسنته تقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون عليه، لا يضرهم من خذلهم، وهم على ذلك إلى يوم القيامة".

ويطلب كتاب دعوة الداعية الإسلامي الأمين العام لرابطة العالم الإسلام محاضرة عن الأقليات الإسلامية وواجب المسلمين تجاههم للأقليات الإسلامية على إخوانهم المسلمين واجبات لا واجب واحد، لهم واجبات على المسلمين: حكومات وشعوباً، جماعات وأفراداً علماء وعامة، أغنياء وفقراء، كل حسب قدرته وكل حسب علمه، وكل حسب ماله وعمله.

فواجب العلماء هو الحفاظ على الإسلام بين هؤلاء المسلمين الأسرى بين يدي الأكثرية غير المسلمة، أن يعلموهم دينهم عقائد ونظماً وأحكاماً ابتداء من ترجمته للغتهم، وإنتهاء بتعليمهم دينهم بلغة كتاب ربهم القرآن الكريم، وبلغة نبيهم وشريعته عليه أفضل الصلاة والتسليم، التي لا يتم معرفة الإسلام كتاباً وسنة وإجماعاً وفقهاً إلا بها.

ص: 30

وعلى العلماء أن يرحلوا إلى هؤلاء الأقليات الإسلامية، فيخالطوهم في مجتمعاتهم وأوساطهم، ويشرفوا على مدارسهم ومساجدهم، ونواديهم وجمعياتهم، وصحافتهم الخاصة بهم، يسعوا للربط بينهم وبين إخوانهم المسلمين في دولهم وشعوبهم ليحسوا بهذه الأخوة الإسلامية روحاً ومادة، وليقوموا بحقوقها وواجباتها.

وتكاد هذه الأقليات في أكثريتها الكاثرة في قارات الدنيا الخمس، لا تعرف عن دينها إلا أنها مسلمة بالوراثة أو بالرحلة، فلا تعرف صلاة ولاصياماً ولا زكاة ولاحجاً، فضلاً عن معرفة الإسلام: حلاله وحرامه وآدابه، فلا تعرف قرآناً ولا سنة ولا فقهاً، ولا تعرف علماً من علوم الإسلام، لا تاريخاً ولا سيرة ولا تراثاً.

وقلة لا تكاد تذكر هي التي تعرف بعض ذلك، وفي بعض الأقليات المسلمة فقط، وهذه المعرفة على قلة أهلها بينهم، لا تروي غلة، ولا تشفي علة، ولا تخرج من جهل.

وقديماً قال نبي الإسلام والعالم صلوات الله وسلامه عليه:"العلماء ورثة الأنبياء ". وما هذا الإرث الذي ورثوا النبوة فيه، إلا الدعوة إلى الله والدعوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والدين الحق دين الإسلام، يدعون إليه بالحال والمقال رحلة ومقاماً، كتابة وخطابة، تعليماً وهداية، باللسان والقلم، وبالمدارسة والمحاضرة والمسامرة في الدار والمسجد والمدرسة، وإن لم يفعل العلماء هذا، فقد أخلوا بواجب الأمانة في الإرث النبوي وأوشكوا أن يشملهم وعيد الله في قوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فأولئك أتوب عليهم وأنا} .

ص: 31

وواجب المفكرين من الكتاب والأدباء نحو إخوانهم المسلمين بين الأكثرية غير المسلمة، أن يفكروا لهم في المخرج من ظلمهم، واضطهادهم، وتذويبهم فيهم، وتغيير أسمائهم الإسلامية، والبعد بهم عن دينهم، أسرة ومجتمعاً، ومنعهم من تعليمه في مدارسهم، والرحلة لتعلمه في ديار المسلمين، وتردد هؤلاء المفكرين من الكتاب والأدباء على إخوانهم الأقليات المسلمة في بلادهم، للتعرف بهم، والتعرف على آلامهم وآمالهم، والسعي للوصول إليها وزوال ما يتألمون منه، بين الشعوب الإسلامية ودولهم، كل في محيطه، وعلى ما يستطيعه وتصل إليه يده.

وواجب رجال الإعلام نحو إخوانهم بين غير المسلمين، أن يتبعوا أخبارهم منهم، وفي بلادهم، ومن أجهزة إعلامهم صحافة وإذاعة وتلفزة، وندوات ومجتمعات، ونشرات وكتباً، فينشروا ذلك بدورهم: السّار منهم ليسرّ به إخوانهم المسلمون، والضارّ منه ليهتم به المسلمون، ويبذلون الجهد لزواله والمواساة فيه بالنفس والدرهم والكلمة الطيبة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ".

يجب على المسلمين من أعلام الكلمة: صحفيين وكتاباً ومذيعين وخطباء، وناشرين ومؤلفين وأدباء وشعراء أن يهتموا جميعاً بأحوال هؤلاء الأقليات من إخوانهم المسلمين، فيعلنوا حالهم ووضعهم بين الأكثرية غير المسلمة في بلادهم، بعد تتبعها ومعرفة ظاهرها وخفيها، سارها وضارها، خاصها وعامها، وينشروه في صحفهم ومجلاتهم، ويكتبوه في رسائلهم ونشراتهم، ويخطبوا به على المنابر وبين جميع الناس، ويجعلوه ضمن مطبوعاتهم ومؤلفاتهم، ويصدر عنه الأدباء قصصاً وروايات، وينظمه الشعراء قصائد ومعلقات، ليكونوا بذلك كما يأمرهم نبيهم عليه الصلاة والسلام:"يداً على من سواهم ". يداً للأخ المسلم المظلوم، ويداَ على ظالمه والمعتدي عليه.

ص: 32

وواجب الدول الإسلامية: ملوكاً ورؤساء وحكومات، أن يبعثوا إليهم الوفود دون انقطاع، ليعلموا حالهم ويعرفوا شكواهم وممن يشكون؟ وما الذي يريدون؟ إن كانوا يريدون مدارس ومساجد أشادوها لهم وقاموا عليها وإن كانوا يريدون معلمين وكتباً وهداة أعطوهم من ذلك ما يكفيهم، وإن كانوا يريدون بعثات من طلابهم للخارج، أنفقوا عليهم وحققوا لهم رغباتهم، كما فعل ويفعل الملك الإمام الداعية فيصل أيده الله وخذل شانئيه.

ويجب على الدول الإسلامية: ملوكاً ورؤساء وحكومات، أن يرفعوا عن إخوانهم المسلمين ظلم مواطنيهم الأكثرية، بما يملكون لرفع ذلك الظلم، بجاههم في المؤتمرات الإقليمية وفي المحافل الدولية، وأن يزيلوا عنهم العنت برجالهم وأموالهم.

وأقترح على الحكومات الإسلامية أن يخصصوا وزيراً من أعضاء وزاراتهم، لشؤون الأقليات الإسلامية في كل ما لهم وعليهم، ويحمل هذا الوزير لقب: وزير الأقليات الإسلامية، أقترح على جميع الحكومات الإسلامية أن تفعل ذلك.

وأقترح على الحكومات الإسلامية أن يكون سفيرها في الدول غير المسلمة ذات الأقليات المسلمة، من المتخصصين في الشؤون الإسلامية والدارسين للإسلام جيداً، وأن يكون جميع أعضاء سفارته أو قنصليته من الملتزمين للإسلام: واجبات وآدابا، لأن السفارة الإسلامية في البلاد غير الإسلامية بين الأقلية المسلمة تكون مرجعاً للمسلمين فيها للسؤال عن دينهم وتكون موضعاً للإقتداء بها والأسوة في سلوكهم وأخلاقهم.

ويجب على المؤتمرات الإسلامية الدولية، أن تنتخب من بين الأقليات المسلمة من يمثلها لديها، ويجب أن يكونوا من مسلميهم الواعين الصادقين والدعاة بينهم، وأن تكون عضويتهم في هذه المؤتمرات عضوية كاملة رأياً ومشورة وصوتاً.

ص: 33

وكذلك يجب على المؤتمرات الإسلامية الشعبية، أن تفعل، فتنتخب من بين الأقليات الإسلامية من يمثلها بينها، وعياً وصدقاً ودعوة، كما صنعت وتصنع رابطة العالم الإسلامي، وفق الله الموجهين لها والقائمين عليها.

وبذلك يتم التآخي بين جميع مسلمي الدنيا: أكثريات وأقليات، وبذلك يتم التناصر والتآزر في مؤتمراتهم الدولية وفي مؤتمراتهم الشعبية، بحيث لا يبقى في المسلمين من هو مهمل من إخوانه المسلمين أو من هو في عزلة عنهم، "فالمسلمون يد على من سواهم، ويقوم بذمتهم أدناهم، والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً "كما يأمر رسول اله صلوات الله وسلامه عليه.

إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.

والحمد لله رب العالمين. . .

ص: 34

مع الأخ أحمد جمال

العتاب قبل الجواب

بقلم فضيلة الشيخ عطية محمد سالم

القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة

منذ توفي والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه وطلاب العلم يتبادلون التعازي في فقيد العلم وراحل العلماء. ولا يزالون في كل مناسبة وعند كل بحث علمي يتذكرونه ويتذاكرون حديثه ويعرضون أقواله، فهم لا يزالون يعيشون في ظل تراثه العلمي، وما خلفه من نفائس التأليف.

غير أن الأخ الأستاذ أحمد جمال توجه إلى ما كانت تنشره مجلة الجامعة الإسلامية في حياة الشيخ رحمة الله تعالى عليه من كتابه (دفع إيهام الاضطراب) وأداه توجهه إلى وجهات نظر عنده بعث بها إلى مجلة الجامعة لنشرها فأحيلت إلى المسئولين ليروا رأيهم في صلاحية نشرها. وقبل جوابهم عليها بعث بها إلى مجلة التضامن الإسلامي فنشرتها حالاً على ما هي عليه طبعاً.

وكان هذا العمل من الوجهة الصحافية قد يعتبر من حرية الصحافة وإن اتسم بالعجلة وعدم التريث.

ولكن من الناحية العلمية والموضوعية قد لفت أنظار طلاب العلم وخاصة أبناء الشيخ وتلامذته فكتب الأخ أحمد الأحمد بياناً لنواح علمية ونشر في جريدة المدينة. فلم يرق للأخ أحمد جمال ما نشر فكتب في جريدة عكاظ تعقيباً على الرد وجاء بما لا ينبغي لمثله أن يأتي به.

فكتب الأخ أحمد الأحمد ليرد عن نفسه فلم تفسح له ولا جريدة مجالاً آنذاك للنشر ولغرض ما كان ذلك.

فكتبت للأخ أحمد جمال عتاباً قبل الجواب ولكنه لم ينشر ولأمرٍ ما أيضاً فتركت وشغلت ولربما كان الترك نوعاً من الرد.

ص: 35

غير أن الأخ أحمد جمال لم يترك، بل ولم يكتف بالصحف المحلية ولا بجرائد المملكة، فراح إلى خارجها فعبر الصحراء وقطع الربع الخالي حتى وصل إلى الشقيقة الكويت فنشر في الزميلة مجلة الوعي الإسلامي، وبنفس الموضوع حول دفع إيهام الاضطراب مع تغييره في العنوان فقط، ولست أدري ما الحامل على ذلك أهو الحرص على نشر العلم والمعرفة؟ فإن الموضوع لم يتغير والصحف والمجلات تغطي المنطقة.

أم هو تجاهل مكانة الصحافة؟ وكانت في وقت ما تسمى (صاحبة الجلالة) لحريتها واحترام كلمتها، أم هو إستجهال القراء بتغيير العنوان فقط؟ أم هي أشياء أخرى تعتمل في نفسية الكاتب ولم يستطع الإفصاح عنها ولم يستطع أيضاً الإفلات من جاذبيتها ولا الخروج عن نطاقها فراح يكتب هنا وهناك؟.

ومرة أخرى: فقد نقرأ حتى لطالب ثانوي في موضوع يناسب مرحلته الدراسية فنكبره ونقدر كتابته ونقرأ لأستاذ توجيهاً فنستمع إليه ونستفيد منه.

ولكن أن نقرأ لكاتب نقاشاً علمياً مع كبار العلماء ولم يقدم ولا دليلاً علمياً على ما يأتي به فهذا مالا يستسيغه قارئ ولا يقدم عليه كاتب مخافة من خطيئة وتجنباً لزلة.

وهذا ما كنت أظنه بالأخ أحمد جمال ولكنه سارع فماذا كانت النتيجة وماذا بعد الخطأ في العقدية إذ يقول في كلام الشيخ رحمة الله تعالى عليه عن أخذ الكتب يوم القيامة باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر، إنه لا كتب ولا يمين ولا شمال ولا وراء ظهر، إنه ضري مثال عن اليمن والتشاؤم، أبمثل هذا القول وبمثل هذه الجرأة على الله وعلى كتابه يرد ويناقش كبار العلماء.

ص: 36

ولو تساءلنا مع الأخ أحمد جمال بأي نوع من أنواع الدلالات أخذت هذا المعنى؟ إن القرآن ليدل في هذا المعنى بدلالة التطابق على وجود الكتب وعلى أخذ الناس كتبهم بأيديهم فالمؤمن يأخذ كتابه بيمينه والكافر يأخذه بشماله أو من وراء ظهره، والقرآن يدل بدلالة الالتزام على وجوب الإيمان بذلك بدون تأويل ولا تعطيل، ويدل بدلالة الإيماء والتنبيه أن من رد ذلك فهو من جهله وفساد عقيدته وهذا ما أربأ به عنه.

وقد يكون قد رآه في بعض كتب التفاسير مما لا يفرق بين رأي المعتزلة وغيرهم ولم يحاول الأخ أحمد جمال أن يقف عنده ويرد أو يناقشه بمدلول منطوق القرآن.

وحيث أن الأخ أحمد جمال لم يكف عن الكتابة ولا يزال يبعث بمقاله هنا وهناك على ما فيه من أخطاء علمية وتهجمات أدبية على سلطان العلماء العز بن عبد السلام ووالدنا الشيخ محمد الأمين فقد استوجب زيادة العتاب عليه ولزم الكتابة إليه فعدت إلى الموضوع وفي مجلة الجامعة.

وبعد هذا فليكتب الأستاذ ما شاء وليبعث به إلى حيث أراد فإن جاء بجديد فعسى أن يفيد وإن كان تكرارا لما قال ويقول فإن الباطل لا يروج أكثر من مرة والخطأ لا يصححه التكرار.

فأقول وبالله التوفيق:

بسم الله أبدأ وبه أستعين والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد. . . فإلى الأستاذ أحمد محمد جمال حفظه الله.

ص: 37

سلام الله تعالى عليك ورحمته وبركاته كنت منذ عدة أشهر سمعت أنك كتبت مقالاً حول (دفع إيهام الاضطراب) لوالدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله وقد قرأته على شكل مقالات في مجلة الجامعة الإسلامية وكان مقالك عبارة عن ملاحظات على الكتاب وبعثت به إلى سماحة رئيس الجامعة لاستطلاع رأيه ونشره في المجلة وسمعت أن سماحته أحاله على جهة مختصة فلاحظت عليه ما يمنع نشره وأعادته لسماحته مع ملاحظاتها عليه.

ثم فوجئت بنشر المقال في مجلة (التضامن) وبدون ملاحظة ولا تعليق عليه وإن كان هذا حقا من حقوق كلتا المجلتين من قبول ورفض فقد عجبت لنشره أكثر من كتابته وبما أن الحقيقة العلمية هي بغية كل محق وهدف كل باحث وغاية كل منصف تصفحت المجلة وطالعت المقال فبدت لي ملاحظات من عدة جهات حتى في العقيدة من حيث النفي والإثبات لحقائق القرآن وصريح النصوص ودلالة المطابقة في بعض ما تناوله مقالكم ورغبة في بيان الحقائق وواجب النصح أحببت إخبارك بها ولكن قبل إبدائها والتحدث فيها لي معك عتاب أخوي قبل البحث العلمي يتلخص في الآتي:

أولاً: بنيت مقالك على أن الشيخ رحمه الله توهم اضطراباً في آيات كتاب الله ثم راح يدفعه والحال في نظرك أنه لا إيهام ولا اضطراب والواقع أن هذا وهم منكم سبق إليكم في حق الشيخ وسأحاول دفعه عنكم إن شاء الله في بيان حقيقة الكتاب وسبب تأليفه وعتابي عليك هنا: أنك كتبت المقال وأبديت الملاحظات على كتاب لم تطلع على مقدمته وهذا ما ساقك إلى توهمك في الشيخ ما لم يكن فيه، وملاحظاتك على كتاب ما ليس فيه ومعلوم أن مقدمة كل كتاب هي توجيه لما فيه وهي موجز موضوعه ومرآة محتوياته.

فمثلك يعاتب على ملاحظاته على كتاب لم يقرأ مقدمته أو قرأها ثم أغفلها. .

ص: 38

ولو كنت قرأتها قبل ذلك لعرفت هدف الشيخ رحمه الله ولكانت استفادتك من الكتاب أكثر ولقدمت للشيخ وافر الشكر وسألت الله له الرحمة والرضوان ولعل مما يكشف عن حقيقة هذا الكتاب ويدفع ما توهمته في الشيخ وقوفك على سبب تأليفه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن معرفة أسباب النزول تعين على فهم الآيات"، فكذلك هنا معرفة سبب التأليف تعين على فهم موضوع الكتاب، والغرض من تأليفه، ومعلوم لديكم ما يقوله الأدباء والكتاب والنقاد:

إن معرفة ظروف وملابسات إنشاء القصيد وكتابة المقال تحدد نقاط النقد وتضع الميزان الصحيح للناقد الموجه بناء على أن لكل مقام مقال.

وحقيقة هذا الكتاب وسبب تأليفه يخصني في الدرجة الأولى وأستطيع أن أقول: إنما وضع بسببي إن لم يكن من أجلي وذلك حينما كنت أقرأ على الشيخ رحمه الله تفسير سورة البقرة وكان رحمه الله مخصصاً لي حصة يومياً ما بين المغرب والعشاء. . ومكثت فيها لمدة سنتين في تلك الحصة وكان رحمه الله يأتي بما فتح الله عليه من دقائق التفسير ولطائفه. . على أن تفسير هذه السورة يعتبر أساساً لتفسير القرآن كله. فكان رحمه الله يمعن في بيان شتى علوم القرآن من بلاغة ولغة وأصول وأحكام وغير ذلك وخاصة بيان أوجه الجمع بين بعض الآيات التي ظاهرها التعارض، وبيان أقوال السلف في ذلك ابتداء من قوله تعالى:{هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} مع قوله تعالى: {هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى} ، ومثل قوله تعالى:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} ، مع قوله تعالى:{فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} ، ومثل ذلك كثير مما هو مسطور في الكتاب.

فسألته: وهل يوجد تأليف يوقف طالب العلم على هذه الأوجه للجمع بين تلك الآيات؟

فأجاب: أنه لم يطلع على مثله.

ص: 39

ورغبته في وضع رسالة في ذلك خدمة لكتاب الله وتسهيلا لطلاب العلم، لأنها توهم كما يوجد في الأحاديث ما يوهم ويحتاج إلى بيان أوجه الجمع. فشرع رحمه الله في تأليفه في أوجز وقت وذلك في عطلة المذاكرة قبل الاختبار حوالي العشرين يوماً وأعطانيه أبيضه للطبع فكانت لي دراسة خاصة لجميع نقاطه وكنت أعرف الناس بموضوعه وقد أشار رحمه الله في مقدمته بأوضح عبارة حيث قال ما نصه:

"أما بعد فإن مقيد هذه الحروف عفا الله عنه أراد أن يبين في هذه الرسالة ما تيسر من أوجه الجمع بين الآيات التي يظن بها التعارض في القرآن العظيم". فترى أنه عفا الله عنه ورحمه أراد بيان أوجه الجمع ودفع الظن عن كتاب الله. فكان رحمه الله عالماً ولم يك متوهماً وحاشاه رحمه الله من مثل ذلك مع ما أعطاه الله من فهم في كتاب الله.

ولعل بهذا الإجمال يكون قد ذهب عنك ما توهمته أنت في الشيخ رحمه الله، والتقيت مع الشيخ في موضوع الكتاب وأنه أراد تصحيح مفاهيم من يظنون توهماً في كتاب الله ومن هنا يكون منطلق عتابي معك ثم إن موضوع (إيهام الاضطراب) الذي ينفيه سيادتكم ليس جديداً ولا حادثاً. وقد سئل عثمان رضي الله عنه عن الاستمتاع بالأختين بملك اليمين فقال:"أحلتهما آية وحرمتهما آية يعني {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مع {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} وقد ذكر البخاري رحمه الله أن رجلاً أتى ابن عباس وسأله عن آيتي البقرة والنازعات في خلق السماوات والأرض فقال له ابن عباس: أشك في كتاب الله؟ فقال لا: بل أسأل.

ص: 40

فبين له ابن عباس وجه الجمع بينهما. فهذا في زمن ابن عباس توهم اختلافاً واضطراباً في كتاب الله وكشف له ابن عباس عن المعنى وبيّن له وجه الجمع فلا غرابة إذاً أن يتوهم إنسان اليوم وأن يدفع أحد العلماء هذا التوهم وهكذا فعل الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب فلم يوجد اضطراب فعلاً في كتاب الله كما قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ولكن يوجد إيهام عند من ليسو بعلماء به كما قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فخص التفصيل بقوم يعلمون ومفهومه أنه غير مفصل عند غير العالمين وليس غريبا منهم أن يتوهموا والعلماء هم الذين يبينون.

ثانيا- بين الترك والاستعجال:

ص: 41

وهو أن الكتاب قد طبع منذ عشرين عاماً والمقالات نشرت منذ خمس سنوات ولم تظهر ملاحظاتك إلا بعد وفاة الشيخ رحمه الله وقد عاتبك الأخ أحمد الأحمد على تركك إبدائها طيلة هذه المدة فاستثارك عتابه واعتذرت بأنك لم تطلع عليه في حين طبعه وهذا يمكن قبوله منطقياً بالنسبة لطبع الكتاب ولكن لا يقبل بالنسبة لنشر المقالات في مجلة الجامعة وقراءتك له فيها وقد اعتذرت أيضاً عن اطلاعك على المقالات بأنك كتبت ملاحظاتك قبل وفاة الشيخ ولكن يا أستاذ أحمد: أعلم يقيناً أنك لم ترسلها إلى مجلة الجامعة إلا بعد وفاته بأشهر وهنا عتابي عليك كعتابي على سلف لك من قبل. لِمَ لَمْ تقدمها للشيخ شخصيا في بعض لقاءاتك إياه في الرابطة؟ أو ترسلها إليه خاصة؟ فكنت تلقيت منه الجواب وكان في ذلك فائدة عظيمة وكفيت المؤونة في ذلك كله وسلمت مما قيل عنك وقلته أنت عن غيرك وسلمت أفكار الناس من هذا الاضطراب. علماً بأنك قلت إنها كانت مكتوبة في حياة الشيخ فماذا كان المانع إذا؟ هذا من ناحية الترك والتأخير. أما من ناحية الاستعجال فما هو موجب التسرع في النشر في مجلة أخرى بعد امتناع الأولى عن النشر؟ أليس كان من الأولى التريث؟ حتى تعلم ما هو المانع من النشر وكان يجمل الاستفسار عن ذلك فلربما قدموا لك ما فيه مقنع أو على الأقل عرفت وجهة نظر غيرك قبل إبداء ما عندك ولن تعدم فائدة في ذلك.

فأين اصطبارك مدة حياة الشيخ من استعجالك إثر وفاته؟ وأرجو ألا يثيرك هذا التساؤل كما أثارك مثله من قبل.

ص: 42

ثالثاً: قد تقول: إن كل شيء مرهون يوقته وقد كنت مشغولاً بمهام عملك وكان مقالك يحتاج إلى تنقيح وتصفية أو تبييض وتهيئة وقد فرغت من ذلك كله وقدمته وبعد وفاة الشيخ وأنا معك على هذا كله لأنه منطق مقبول وقد تتحكم الظروف خاصة مع مثلك لكثرة أشغاله وتعدد التزاماته ولم يكن هناك توقيت لوفاة الشيخ رحمه الله وحرصاً منك على الفائدة للقراء قدمت ملاحظاتك أو نشرت مقالك وذلك قطعاً بعد وفاة الشيخ وأنت قطعاً تعلم بها ويدفن في مكة وقد نشرت مجلة الجامعة محاضرة كاملة في نعيه وترجمته ونشرت قبل مقالك وهنا عتابي عليك هو أن مقالك كله وأنت الكاتب الأديب جاء خلواً نهائياً من أية عبارة تنم عن أسىً وأسف أو تعزية لموت الشيخ رحمه الله وقد أسف وتوجع من هو أقل صلة به منك علماً بأن موته لم يكن رزءاً في شخصه ولا على أبنائه فحسب بل كان على العلم والعلماء وقد علمت قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال ولكن بموت العلماء"، فكان من حقه عليك أن يتضمن مقالك ما يشعر القارئ بأحاسيسك نحوه وقد قال القاضي عياض عن بعض مشايخه:"ما لكم تأخذون العلم عنا وتذكروننا فلا تترحمون علينا"، وقد نوهت في مقدمة المقال مدى استفادتك من تأليفه رحمه الله وقد يكون تداركاً منك لذلك في كلماتك التي أوردتها في ردك على الأخ أحمد الأحمد وترحمك عليه ثم أعقبتها بقولك أقول ذلك طائعاً مختاراً ولكنها جاءت بعد عتاب ولو سبقته لكانت كافية وافية وقد أذكرتني بذلك لوعة الأسى فيه وشدة الحرمان من بعده مما يدفعني نيابة عنك أن أجدد التعازي لكل طالب علم والمجلس الأغر في المسجد النبوي في الشهر المبارك (شهر رمضان) من كل عام والذي كان بحق روضة من رياض الجنة يسعد فيه الصوام بتفسير القرآن وترتع فيه ملائكة الرحمن وقد خلا فيه هذا العام فعظم علينا في المدينة فقده وحرمنا درسه فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ص: 43

رابعاً - في النقد الشخصي والنقد الموضوعي:

من المعلوم لسيادتكم ولكل كاتب وناقد أن النقد الهادف هو النقد الموضوعي وأن النقد الشخصي إنما هو من قبيل الهجاء. والعتاب هنا أنك أدخلت النقد الشخصي في النقد الموضوعي فبدأت باتهام الشيخ بأنه توهم اضطراباً في كتاب الله ثم حكمت عليه بأنه أسرف في ادعاء النسخ ثم كنت مع الأخ أحمد الأحمد في مطلع كلامك افتتحته بهراء ونداء وطعن شخصي وتعريض بإيراد آيات من كتاب الله تمتدح نفسك وتنتقص غيرك فجئت بما عبت وهذا وإن كان يقع فيه الكثيرون وللأسف فإنه لا يليق بمثلك لأنك كما قلت كما قلت طالب علم متأدب بآداب القرآن ثم جئت في نهاية مقالك بالسلام على من اتبع الهدى. فلمن توجه هذه التحية وترسلها من جوار البيت الحرام وأنت تخاطب زميلاً لك مسلماً يدرس في معهد المسجد الحرام وقراء مسلمين. إن هذا كله أمر شخصي لا صلة له بالموضوع ولذا فإني لا ولن أقصد إلى أية جانب من الجوانب الشخصية وهو مبدأي دائماً لا مع سيادتك فحسب ولكن مع كل إنسان وقد أصلته أثناء تدريس الفقه المقارن بالجامعة وضمنته مقدمة رسالة (زكاة الحلي) لأن الغرض معرفة الحق من غير تعرض ولا تأثر بقائله كما قال النووي في مقدمة (المجموع) قال:"إني لأعرض المسائل الخلافية وأبيّن الحق والراجح فيها وأبين الخطأ وأبالغ في تزييفه وإن كان قائله كبيراً عندنا لئلا يغتر أحد بنسبة القول إليه مع إقامة الدليل عليه والعتاب هنا هو إدعاؤك على الشيخ الإسرف في النسخ بدون دليل عليه وأنت تعلم أن النسخ من بين علوم القرآن الذي لا يقال فيه بالرأي لأنه متوقف على معرفة التاريخ لمعرفة المتقدم من المتأخر وهذا لا يكون إلا عن طريق الرواية والإثبات بالسند. فكل من ادعى نسخاً بدون دليل فادعاؤه مردود عليه وكل من نفى نسخاً ثابتاً بالدليل فنفيه باطل ولكي تقف على حقيقة موقف الشيخ من النسخ أذكر لك ما لم تطلع عليه من رسالة في النسخ وهي مخطوطة لدي

ص: 44

وستنشر إن شاء الله مع تتمة (أضواء البيان) وهي شرح لأبيات السيوطي رحمه الله التي ذكرها في الإتقان وقد عاب السيوطي على من يسرف في ادعاء النسخ وذكر المتفق على أنه منسوخ بصفة إجمالية وشرحها الشيخ وبيّن المراد منها وموقفه من الموضوع وأنه بعيد كل البعد عن دعوة الإسراف في النسخ ولعل بهذا تلتقي مع الشيخ في أمر النسخ إلا فيما ذكرته ولم تعقب عليه من القول بعدم النسخ نهائياً وسكوتك عنه يوهم رضاك به ومعلوم أن القول بعدم النسخ هو قول اليهود لعدم البداءة على الله وهو مذهب باطل كما لا يخفى.

خامساً: أبديت جميع ملاحظاتك وأوردت جميع تعقيباتك دونما نص يعتمد عليه وبنيتها كلها على قولك (قلت) بينما من تلاحظ عليه لم يورد مسألة إلا ومعها دليلها والنص الذي بناها عليه. والعتاب عليك أنك تفتح باباً (لقلت) وهو باب (رأيت) الذي عابه سلف الأمة وسموا أصحابه بأصحاب الرأي وقال الشافعي رحمه الله في رسالة (جماع العلم) ما معناه:"ليس لنا أن نقول بشيء في هذا الدين إلا بدليل وإلا لكان كلامنا مثل كلام من نعيب عليهم وكان لكل شخص أن يقول برأيه ما شاء وليس لقولنا فضل على قوله: "إلا بما نورده من دليل"والواقع أن هذا الباب هو أخطر أبواب القول في الدين وخاصة في كتاب الله وقد أجمعوا على تحريمه نهائياً في كتاب الله تعالى ولم يدخل الشك على الشباب إلا من هذا الباب وأنت ممن يعمل على سد هذا وصيانة الفكر الإسلامي من الحيرة والشك.

ص: 45

سادساً: بعد إبداء ملاحظاتك وبعد الرد عليها ماذا تكون النتائج؟ وما هو موقف القراء بعد ذلك؟ أيعيدون النظر أم لا يبالون بما قلت؟ على كل فإن العالم الإسلامي لم يعد يحتمل تشكيكاً في علمائه ولا إهمالاً لكتابه وهو في أمس الحاجة لتقوية أواصر روابطه بالعلماء والأدباء في نطاق الدعوة والإرشاد والتوجيه والتضامن والترابط ليصل بهم علماؤهم إلى ما يرضي ربهم وأداء واجبهم في حياتهم ويأخذوا عن أدبائهم محاسن أخلاقهم ومن هنا لم أكُ لآخذ النقاش العلمي على صفحات الجرائد بالقيل والقال فقد يقع المقال في يد القارئ ولا يقع الجواب في يده إما لفواته عليه أو لعدم نشره إليه أو غير ذلك فيقع الشك ولا يأتي ما يزيله وقد كان الشيخ رحمه الله يأبى أشد الإباء مناقشة أي موضوع علمي على الجريدة بل يترفع بالعلم أن ينشر في الجرائد وقد امتنع فعلاً عن الرد على من تكلم عن الكتاب في حين طبعه وتولى الرد أحد طلابه هو أحمد الأحمد نفسه ولو كان رحمه الله موجوداً الآن لما سمح بالرد ولا بالمناقشة على هذا النحو ولذا فإني أقول كلمة أخيرة وهي خطوة أولى: إن كل ما قدمته هو عتاب أخوي وليس بحثاً علمياً ولا رداً ولا مناقشة إنما البحث العلمي والمناقشة تكون مني مع سيادتكم على أحد تلك الأمور:

1-

إما أن نلتقي شخصيا نتعاون معاً على طلب الحقيقة العلمية يهديها كل منا لأخيه.

ص: 46

2-

وإما أن تختار من شئت من أصحاب الفضيلة العلماء وهم لله الحمد قريب مني ومنك يشهدون بحثنا ويعاوننا على تحقيق غايتنا والحكمة ضالة المؤمن والحق أحق أن يتبع وقد قال مالك رضي الله عنه:"كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم"، وليكن محضر من شئت من العلماء لبيان ما يقبل وما يرد من القول عملاً بقوله تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، والعلماء هم ورثة الأنبياء وليس هناك تعصب ولكن إنصاف ليس هنا ادعاء ولكن مطالبة بالحق وإذا كان الرأي والقول موافقاً للصواب فهو ملزم بالقبول مهما كان قائله ومهما كانت منزلته كما قيل في ذلك:

حكم الصواب إذا أتى من ناقص

لا تحقرن الرأي وهو موافق

ما حط قيمته هوان الغائص

فالدر وهو أعز شيء يقتن

وقديماً قبل أبو هريرة رضي الله عنه الحكمة من الشيطان وأقره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وختاماً: نظراً لضيق الوقت عندي وعدم استعدادي للمقاولات والتلاقي على صفحات الجرائد فأقول:

أرجو أن تتقبل كلماتي بروح أخوية وتفسرها تفسيراً أدبياً لا يخرجها عن نطاق العتاب ولا تحملها أي معنى آخر فإنني أقرر مقدماً ونهائياً أني لم أضمن كلامي ولا أقصد به سوى ما تنطبق عليه حرفياً وإذا كان فيها مالا يرضيك فمعذرتي إليك لأني لا أرضى من نفسي ما لا أرضاه لها من غيري وتقبل فائق تحياتي وتحية الله لمؤمنين {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ..

ص: 47

الفداء

بقلم: فضيلة الشيخ عبد الله أحمد قادري

مدير الإشراف الاجتماعي بالجامعة

سراعاً إليك إله السماء.

سنفدي عقيدتنا بالدماء.

فناد يلب الجميع النداء.

ونحن عبيدك أهل الولاء.

وثبت قلوب حُداة الفداء.

وزلزل قلوب الطغاة العصاة.

وخوفك وحدك فيه النجاء.

فليس سواك يهاب الهداه.

تزيل من الأرض هذا الشقاء.

فإما حياة الكرام الأباه.

تنال البرية فيه الرخاء.

وترسي دعائم حكم الإله.

وفيها الخلود وفيها البقاء.

وإما الشهادة ثم الجنان.

ضعاف النفوس عبيد الإماء.

وبئست حياةُ هُواة الهوان.

وهل من حياة بدون فداء.

سنفدي عقيدتنا بالحياة

.

ص: 48

من أضاليل القاديانية

بقلم الشيخ عبد الغفار حسن

المدرس بكلية الشريعة في الجامعة

ورد خطاب من بعض مسلمي سيام (تايلند) إلى طالب سيامي يدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة يذكرون فيه جهود القاديانيين في نشر أغاليطهم وأكاذيبهم في تلك البلاد.

هؤلاء المبشرون من القاديانيين يخدعون مسلمي سيام متظاهرين بالإخلاص للإسلام وينشرون عقائدهم الكاذبة والأحاديث الواهية المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم يريدون بذلك إثبات نبوة المتنبي القادياني الميرزا غلام أحمد القادياني، ونحن نذكر هنا نماذج من جدلهم وخداعهم مع نقدها والرد عليها، ليكون المسلمون على حذر من هذه الترهات والأباطيل.

من الجدير بالذكر أن المجادل القادياني الذي يسمي نفسه (الأحمدي) يزعم أن الروايات والآثار التي يعتمد عليها في إثبات بقاء النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم قد ذكرت في تفسير الدر المنثور للحافظ السيوطي ت (911 هـ) وتكملة مجمع البحار لمحمد طاهر الهندي الفتني ت (986 هـ) وقد بحثنا عنها في مظانها في هذين المرجعين فلم نجد أغلب الروايات والآثار فيهما، بل وجدنا فيهما ما يخالف هواه ويبطل دعواه.

نماذج الأغاليط:

1-

"أنا خاتم الأنبياء وأنت علي خاتم الأولياء ".

أخرجه الخطيب البغدادي ت (363 هـ) في تاريخه [1] من طريق عمر بن واصل وقال: "هذا من عمل القصاص وضعه عمر بن واصل أو وضع عليه"، وقال الذهبي ت (748 هـ) :"عمر بن واصل الصوفي شيخ روى عن سهل بن عبد الله اتهمه الخطيب بالوضع"[2] .

ص: 49

ومن المكايد الغربية أن هذا المجادل القادياني يدعي أن هذه الروايات ذكرها الفتني في تكملة مجمع البحار ولكن بعد البحث عن ذلك علمنا أن هذه الرواية لم تذكر في هذا المرجع بل ذكر في باب آخر ما يخالف زعمه ويكذب ما تفوه به، قال مؤلف مجمع البحار (مجمع بحار الأنوار) لفظ خاتم الأولياء باطل لا أصل له، فإن خاتم الأولياء آخر مؤمن بقي من الناس وليس هو خير الأولياء ولا أفضلهم فإن خيرهم أبو بكر هم عمر رضي الله عنهما [3] .

2-

"أبو بكر خير الناس إلا أن يكون نبي".

أخرجه الطبراني ت (360 هـ) وابن عدي ت (365 هـ) قال المناوي ت (1031هـ) في فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي: "قوله إلا أن يكون نبي أي يوجد نبي فلا يكون خير الناس يعني هو أفضل الناس إلا نبي والمراد الجنس و (يكون) هنا تامة و (نبي) مرفوع بها، والاستثناء لإخراج عيسى عليه السلام"[4] ثم قال مخرجه ابن عدي [5] : "هذا الحديث أحد ما أنكر على عكرمة"، وقال الهيثمي ت (807هـ) بعد عزوه للطبراني:"فيه إسماعيل بن زياد الأيلي ضعيف". اهـ[6] وفي الميزان "تفرد به إسماعيل هذا فإن لم يكن هو وضعه فالآفة ممن دونه"، خلاصة الكلام أن هذه الرواية في غاية الوهن حسب الإسناد بل يبلغ إلى درجة الموضوع كما صرح بذلك الذهبي.

3-

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قولوا خاتم الأنبياء ولا تقولوا لا نبي بعده"[7] .

ص: 50

الجواب عن ذلك من وجوه (أ) الإمام السيوطي ذكر في تفسير الآية {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} عدة أحاديث صحيحة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تدل دلالة صريحة على انقطاع الرسالة والنبوة بعد نبينا صلى الله عليه وسلم منها ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً بناء فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"، وبهذا المعنى أخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأخرجه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن أبي بن كعب رضي الله عنه، فهذه الأحاديث كلها متقاربة اللفظ متحدة المعنى بأسانيد صحيحة بل تبلغ إلى درجة التواتر كما لا يخفى على من درس دواوين السنة، ومنها ما أخرجه ابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" ج5 ص396 الفتح الكبير 2/275، ومنها ما أخرجه أحمد عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم وأربعة نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي"[8] .

ص: 51

ومن العجائب أن الداعية القادياني يمر بهذه الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها ولا غبار عليها ولكن لا يتمسك بها بل لا يلتفت إليها لأنها تخالف هواه وإذا مرّ بقول عائشة رضي الله عنها عض عليه بالنواجذ كشأن من نزلت فيهم هذه الآية {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة آية 85.

هذه الروايات التي ذكرها السيوطي في تفسيره هي غيض من فيض وقطرة من بحر وإلا ففي دواوين السنة الصحيحة المعروفة لدى أهل العلم عدد كبير من الأحاديث التي هي أقوى إسناداً وأكثر شهرة مما ذكره السيوطي نذكر بعضاً منها لزيادة العلم وإقامة الحجة على من خالف ذلك.

منها ما أخرجه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الستة من حديث طويل وهو حديث الشفاعة وفيه: "فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء"[9] وأما لفظة "لا نبي بعدي" فرواه البخاري مرفوعا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي". الحديث.

ورواه البخاري بسنده قال إسماعيل قلت لابن أبي أوفى:"رأيت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" مات صغيراً ولو قضي أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي، عاش ابنه ولكن لا نبي بعده" [10] .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثون كذابا"[11] ولفظه كما أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريباً من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله".

ص: 52

وأخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له"[12]، ولفظ رواية أبي هريرة عند البخاري "لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة" [13] .

وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال ذلك في مرضه الذي مات فيه: "يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له"[14] .

قد دل حديث عائشة رضي الله عنها دلالة واضحة لا خفاء فيها على انقطاع النبوة بقضها وقضيضها (بجميع أنواعها) ويؤيده ما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم من الأحاديث المرفوعة الصحيحة التي أخرجها مالك والبخاري ومسلم، فلا بد من تقديم هذه الأحاديث على أثر عائشة رضي الله عنها من وجوه (أ) - إذا وقع التعارض بين الحديث الصحيح المرفوع والأثر الموقوف فالواجب تقديم المرفوع على الموقوف، لأن المرفوع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم والموقوف من كلام الصحابي ولا شك أن قول النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم يقدم على قول الصحابي. (ب) - إن الراوي إذا خالف قوله ما روى من الحديث فالواجب تقديم روايته على قوله ورأيه كما تقرر ذلك في مصطلح الحديث وعلم الأصول [15] . (ج) - أثر عائشة رضي الله عنها هذا ذكره السيوطي في تفسيره بدون سند ولكن قال أخرجه ابن أبي شيبة، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة لم يطبع منه حتى الآن إلا خمسة أجزاء لا يوجد فيها هذا الأثر ولكن علمنا بعد مراجعة المخطوطة التي هي في مكتبة الحرم المكي هذا الأثر بسنده، قال الإمام بن أبي شيبة في المصنف ص102/2 من القسم الأول باب من كره أن يقول لا نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 53

حسين بن محمد قال حدثنا جرير بن حازم عن محمد يعني ابن سيرين عن عائشة قالت: "قولوا خاتم النبيين ولا تقولوا لا نبي بعده"، إسناد هذا الأثر منقطع لأن محمد بن سيرين لم يسمع من عائشة شيئاً قال الإمام ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "ابن سيرين لم يسمع من عائشة شيئا"[16] .

وقال العلامة صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي ت (761هـ) وقال البخاري: "لم يسمع ابن سيرين من عائشة رضي الله عنها شيئا"[17] ونقل عنه الحافظ ابن حجر [18] .

ومن البين أن الأثر الموقوف على الصحابي لا يقاوم الحديث المرفوع الصحيح، وكيف إذا كان ذلك الأثر منقطعاً، ولا شك أن المنقطع من أقسام الضعيف.

ومن العجب العجاب أن أتباع الميرزا القادياني نقلوا هذا الأثر من الدر المنثور ولو يلتفتوا إلى قول المغيرة الذي ذكره السيوطي بعد أثر عائشة رضي الله عنها كأنه تفسير لقولها قال ابن أبي شيبة ت (235هـ) أبو أسامة عن مجالد قال أخبرنا عامر قال: قال رجل عند المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "صلى الله على خاتم الأنبياء لا نبي بعده"قال المغيرة: "حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء، فإنا كنا نتحدث أن عيسى خارج فإن خرج كان قبله وبعده"[19] .

ص: 54

فمعنى هذا الأثر أن من كره أن يقال لا نبي بعده إنما كره لأجل أنه قد ثبت بأحاديث صحيحة صريحة نزول عيسى بن مريم عليهما السلام قبل يوم القيامة كما ورد في الصحيح لمسلم فما يدُل عليه قول المغيرة من نزول عيسى عليه السلام صحيح ثابت لا شك في ذلك وفيه رد على القاديانية الذين لا يؤمنون بنزوله عليه السلام ولأجل ذلك لا يذكرون هذا الأثر في مؤلفاتهم، ومن الجدير بالذكر أن قول المغيرة رضي الله عنه يشتمل على جزأين (أ) - (حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء) ، (ب) - فإنا كنا نتحدث أن عيسى خارج الخ، أما الجزء الأول فلا يعبأ به لأنه قد تفرد به مجالد بن سعيد الهمداني وهو ضعيف لا يحتج به وقد تغيّر في آخر عمره ولا يعرف متى أخذ عنه هذا الأثر كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب [20] : مجالد بن سعيد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره"، وأما الجزء الثاني فمعناه صحيح كما يدل عليه أحاديث مسلم وغيره. (ج) -قد اعترف المتنبي القادياني بانقطاع النبوة بأسرها في تأليفه (عمامة البشرى) قائلاً: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} . وفسره نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله:"لا نبي بعدي" وقال في (كتاب البرية) : كان الحديث لا نبي بعدي معروفاً منتشراً بين الناس إلى حد لا يمكن أن يشك في صحته أحد، وذكر في بعض مؤلفاته حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي (تحفة بغداد ص7) .

فمن أنعم النظر فيما ذكرناه من الأدلة والشواهد على انقطاع النبوة بجميع أنواعها لا يمكن له أن يستدل بقول عائشة رضي عنها المنقطع الضعيف وإلا مثله كمثل غريق يتشبث بالحشيش، والله الهادي إلى سواء السبيل. . (للبحث صلة) .

--------------------------------------------------------------------------------

ص: 55

[1]

تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة لابن عراق الكناني ت (963 هـ) ج1 ص366 وتاريخ بغداد ج10 ص358.

[2]

ميزان الاعتدال ج3 ص230.

[3]

مجمع البحار ج3 ص518 فصل في الخاتمة.

[4]

فيض القدير ج1 ص90 وميزان الاعتدال للذهبي ج1 ص231.

[5]

الكامل لابن عدي مخطوطة ج3 ص186 ق2.

[6]

مجمع الزوائد ج9 ص44.

[7]

تفسير الدر المنثور للسيوطي ج5 ص204.

[8]

تفسير الدر المنثور للسيوطي ج5 ص204.

[9]

ج8 ص396 مع شرحه فتح الباري المطبعة السلفية بمصر كتاب التفسير باب ذرية من حملنا مع نوح، كتاب المناقب 6 ص558 الصحيح لمسلم كتاب الإيمان والسنن لابي داود كتاب الفتن والجامع الترمذي أبواب القيامة والسنن الدارمي في مقدمته ومسند أحمد في مواضع منهاج1 ص226، ج2 ص436، ج4 ص127، ج5 ص278.

[10]

الجامع الصحيح للبخاري كتاب الأنبياء 6 ص495 وكتاب الأدب ج10 ص577 مع فتح الباري المطبعة السلفية بمصر والصحيح لمسلم كتاب الإمارة وكتاب فصائل الصحابة، والسنن لأبي داود كتاب الفتن، والجامع الترمذي أبواب الفتن وأبواب المناقب، والسنن لابن ماجة في المقدمة وأبواب الجنائز وأبواب الفتن والمسند أحمد في عشرة مواطن منها ج5 ص287.

[11]

الجامع الصحيح للبخاري كتاب المناقب ج6 ص616 وباب علامات النبوة، كتاب الفتن ج13 ص81 والصحيح لمسلم كتاب الفتن والجامع للترمذي كتاب الفتن والمسند لأحمد في ثلاثة مواطن منها ج2 ص349 والسنن لأبي داود كتاب الملاحم.

[12]

مسند أحمد ج6 ص129.

[13]

الجامع الصحيح للبخاري مع شرحه فتح الباري 12 ص375.

[14]

الصحيح لمسلم ج4 ص196 كتاب الصلاة باب النهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.

[15]

المستصفى للغزالي ت (505) هـ ج2 ص113 وقواعد التحديث للقاسمي ت (1332) هـ نقلا عن إعلام الموقعين للحافظ ابن االقيم ت (751) هـ.

[16]

كتاب المراسيل ص116.

ص: 56

[17]

جامع التحصيل في أحكام المراسيل ج2 ص635 (مخطوطة) .

[18]

تهذيب التهذيب ص216/9.

[19]

الدر المنثور ج5 ص204.

[20]

التقريب لابن حجر ج2 ص229.

ص: 57

من المشكلات اللغوية في القرآن الكريم

بقلم: فضيلة الشيخ عبد الجليل شلبي

المدرس في كلية الشريعة بالجامعة

في القرآن الكريم آيات كثيرة أشكل إعرابها على النحويين، وذهبوا فيها مذاهب شتى كل حسب وجهة نظره، وحسب المدرسة النحوية التي ينتمي إليها، كما أن به أيضاً تعبيرات بَدَتْ للوهلة الأولى خارجة عن قواعد البلاغيين، وذهب الشراح والمفسرون يلتمسون لها توجيها، وحارت فيها أفكارهم.

وأعرض اثنين من هذه الآيات المشكلة، إحداهما نحوية والأخرى بلاغية.

فمن التعبيرات النحوية التي أتعبت المفسرين والمعربين جميعاً قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} . إذا افتتحت الآية بالاسم الموصول (الذين) وهو لجماعة الذكور العقلاء، و (يتوفون) صلة الموصول، والرابط بها واو الجماعة، أما الخبر عن هذا المبتدأ فهو جملة {يَتَرَبَّصْنَ} والفاعل فيها هو نون النسوة وبهذا لا نجد الخبر مطابقاً للمبتدأ. ومن هنا تفرقت كلمة المعربين واختلفت تخريجاتهم لهذا التركيب. قال شيخ المفسرين الطبري:

"فإن قال قائل: أين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد الخبر عن الواجب على المعْتَدّات من العدة، في وفاة أزواجهم، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفاً مفهوماً معنى ما أريد بالكلام، وهو نظير قول القائل في الكلام: بعض جبتك متخرقة في ترك الخبر عما ابتدئ الكلام به إلى الخبر عن بعض أسبابه، وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص، لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدأ بذكره إلى الخبر عمن قصدَ قصْدَ الخبر عنه".

ص: 58

وهو يعني أن الأرامل ألزمن التربص ومنعن من الزواج بسبب أزواجهن المتوَفّيْن، فترك الحديث عن هؤلاء المتوفين وصرف إلى الزوجات اللاتي سيقت الآية لبيان ما يجب عليهن".

وهو كلام جيد من ناحية معناه، ولكن بقيت المشكلة النحوية بدون حل.

ويعود الطبري فيعرض حلاً آخر فيقول:

"وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر {الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} متروك، وأن معنى الكلام. . . ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم".

وليس هذا أيضاً حلاً نحوياً، إنما هو بيان للمعنى المقصود، والمعنى واضح ولكن المشكلة مشكلة تركيب وقواعد نحوية، وليس منها أن يحذف كل هذه الكلمات.

وقدر الزمخشري مضافاً محذوفاً في أول الجملة، واعتبر أصل التركيب: وأزواج الذين يتوفون. . يتربصن، وإذن فالنون في (يتربصن) تعود على المبتدأ المحذوف وهو (أزواج) . وعَرَض توجيهاً آخر، فقدر محذوفاً في آخر الجملة لا في أولها. وقال: التقدير يتربصن بعدهم، وهذا كما يقال: السمن منوان بدرهم، أي منه.

وكلا التقديرين مقبول، فحذف المضاف مألوف، وحذف الظرف مألوف.

ولعل أقرب [1] هذه التحليلات وأدناها إلى منطق النحو ما ذكره الزجاج في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) من أن (أزواجاً) تحمل ضميراً يعود على المبتدأ، والتقدير:(ويذرون أزواجاً لهم) وإذن فالضمير في (يتربصن) لا يعود على (أزواجا) منفصلة عن الاسم الموصول. وإنما هي بمعنى (أزواجهم) ويذكر الزجاج نظيرا لهذا من الكلام، إذ يقال مثلاً: الذي يموت وله بنتان ترثان الثلثين، فكلمة (بنتان) تحمل ضميراً ومعنى من المبتدأ، والألف في (ترثان) هي بمعنى (بنتاه) وإن فالخبر ليس خالياً من الرابط.

هذا الذي ذكره الزجاج قريب من اللغة، ولم يقدر فيه محذوفات بعيدة أو كثيرة كما فعل غيره.

ص: 59

والتعبير بعد كل هذا ليس شيئاً خارجاً عن الأساليب العربية، فالبحث إنما هو عن تخريجه ووجهته الإعرابية، وقد ذكر كل من الفراء والزجاج نظيراً لهذا الأسلوب قول ثابت قطنة [2] :

على ابن أبي ذبان أن يتندما.

لعلي إن مالت بي الريح ميلة.

فاسم (لعل) هي ياء المتكلم، والخبر هو (يتندم)، وكان الأصل: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم، إن مالت بي الريح عليه، ولكن هذا التعبير يجعل المتكلم تابعاً في الكلام لا أصلاً، والتقدير هنا لعلي مع ابن أبي ذبان، وهو على أي حال ليس منقطع الصلة عن اسم (لعل) .

وهذا كما تقول: لعلي إن ضربت بسيفك ينكسر، ولعلي إن حاربتك تنهزم و (لعلّ) في كل هذه الحالات بمعنى الاشفاق، ولكنها ما زالت بحاجة إلى اسم وخبر. وقد ضرب أبو عبيدة في مجازه صفحاً عن هذه الآية.

ونقل الطبري هذا الشاهد السابق وأوْرد تنظيراً آخر وهو قول الشاعر:

بغير دم دار المذلة حلت.

ألم تعلموا أن ابن قيس وقتله.

قال: "فألغى ابن قيس وقد ابتدأ يذكره. وأخبر عن قتله أنه ذُلّ".

وهذا الاستشهاد غير قوي، لأنه يحتمل التأويل بالمفرد، فيمكن أن تكون الواو للمعية، فيظل الحديث عن ابن قيس الذي قتل لغير جريرة. ويكون التقدير: إن ابن قيس مع قتله بغير ذنب هو إن وذلة، فما بعد الواو فضلة لا يحتاج إلى إخبار عنه. ومن المألوف السائغ أن يقال: إني وما ملكت يدي ملك لك ورهن أمرك، وفي القرآن أيضاً:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم} .

ص: 60

ومن الأساليب التي أثارت تساؤلات البلاغيين ما حكى به القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح الذي قابله، وهو الخضر عليه السلام، إذ قال:{حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} .

فقد تكررت كلمة أهل، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: حتى إذا أتيا أهل قرية استطعماهم. فذهب كثير من المفسرين واللغويين يتلمسون العلل لهذا الإظهار في موضع الإضمار، والواقع أن الأمر ليس كذلك، وليس في الآية إظهار في محل الإضمار، بل يتعين أن يكون التعبير كذلك {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} ولا يجوز (استطعماهم) .

ويرجع سبب الاختلاف في وجهة النظر إلى الاختلاف في تقدير جواب الشرط فالذين قدروه (استطعما أهلها) جواب الشرط اعتبروا أهلها إظهاراً، ولكن هذه لا تصلح جواب شرط، وإنما جواب الشرط هو {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} ، ذلك أن الآية تقص ما حدث على يد العبد الصالح من أمور شاذة واعتراض موسى عليه فيما يفعل، وهنا أمر عجيب وهو أن القوم قد بخلوا عليهم بالطعام رغم سؤالهم إياهم، ومع هذا يقيم الخضر لهم الجدار بدون أجر. لهذا اعترض موسى عليه، فسياق القصة كلها يقضي أن يكون جواب الشرط إما فعلاً عجيباً من الخضر أو اعتراضاً من موسى.

ص: 61

وفي الحادث الأول وهو خرق السفينة، {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} نجد جواب الشرط هو (خرقها) وهو عمل عجيب يستدعي التساؤل والاعتراض، وفي الحادث الثاني وهو قتل الغلام. . . {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} نجد جواب الشرط هو (قال) ، أي اعتراض موسى، وفي هذه الآية {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} نجد كلمة {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} لا هي فعل عجيب للخضر ولا اعتراض من موسى، وأيضاً لم يكن ورودهما القرية طلباً للطعام.

وإذن فجملة استطعما أهلها هي نعت لقرية المضاف إليه، وهو جملة فعلية، فلا بد من وجود رابط بها يعود على القرية، وهذا الرابط هو الضمير في أهلها، ولو جاء التعبير - على هذا التقدير. . حتى إذا أتيا أهل قرية استطعماهم لبقي النعت الجملة بلا رابط.

وتقدير الآية بعد هذا هو: حتى إذا وصلا قرية قد رفض أهلها أن يقدموا لهما شيئاً من القرى، وكان بها جدار يوشك أن ينهار، فأخذ الخضر بقيمة عجب موسى وقال له: لو شئت لاتخذت عليه أجراً.

وهناك وجه آخر لم يغب عن ذهن الباحثين، وهو عود الضمير على الأهل لو قيل (استطعماهم) ، وتكون الجملة الفعلية نعتاً لأهل لا للقرية، ولكنهم استبعدوا هذا الوجه لأن الآية ظلت تتحدث عن القرية لا عن الأهل، قالت:{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً} ولم تقل فوجد عندهم جداراً، ولأن الجدار من مباني القرية لا من سكانها، والحديث عن عملهم فيها لا عن مجادلتهم السكان.

اعتمد هذا الوجه قاضي القضاة تقي الدين السبكي، ونقله عنه ابنه في (عروس الأفراح) . . ثم نقله الألوسي في تفسيره.

ص: 62

ولم تهمل كلمة أهل في أول الجملة فيكون تركيبها: (حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها) لأن ذلك قد يوهم أنهما سألا أهلها إجمالاً، وهذا يصدق بسؤال بعض منهم، فلا يكون ثمة عجب أو دهشة في إقامة الجدار مع رفض القرى من بعض الأفراد.

وكما قال بعض المفسرين أنهما قابلا أول الأمر بعض أفرادها وحين أعوزهما الطعام ذهبا يسألان الأهلين [3] واحداً واحداً أو بيتاً فلم يحفل أحد بهما ولا طابت نفسه أن يقدم لهما طعاماً، وبعد هذا كله يقيم الخضر هذا الجدار غير آبه لما كان منهم من إساءة وشح.

وبدء الآية بالأهل لا ينافي أنها حديث عن القرية.

بهذا لا يكون تكرار كلمة (أهل) في الآية من وضع الظاهر موضع المضمر بل يكون ذكراً لا بد منه.

وكان الأديب العالم الشيخ صلاح الدين الصفدي ممن حيرهم البحث في تركيب هذه الآية فكتب إلى الشيخ السبكي يسأله شرحها في شعر جاء فيه:

بدا وجهه استحياله القمران.

أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا.

لا فضل من يهدي به الثقلان.

رأيت كتاب الله أكبر معجز.

بها الفكر في طول الزمان عناني.

ولكنني في الكهف أبصرت آيةً

ترى استطعماهم مثله ببيان.

وما هي إلا استطعما أهلها فقد.

مكان ضمير إن ذاك لشاني.

فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر.

وأجاب القاضي بهذه الإجابة التي لخصناها عنه، ووجدها من المفسرين بعده من يرتضيها ويؤيدها.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

المجلة: في إعراب هذه الآية يقول المبرد: إن (يتربصن) خير لمبتدأ محذوف دل عليه المقام. والتقدير (أزواجهم يتربصن) وهذه الجملة خبر عن المبتدأ الأول وهو (الذين) = وحذف ما يعلم جائز.

ص: 63

[2]

ثابت قطنة من الشعراء خراسان الإسلاميين، ذهبت عينه بطعنة فكان يضع عليها قطنة فسمي بها _ كان من أنصار المهلبيين، وهذه القصيدة مما رثى به يزيد بن.

المهلب، وابن أبي ذبان_ هو الوليد بن عبد الملك، سمي كذلك لأن أباه كان آبخر شديد البخر حتى إن الذباب كان يموت إذا دنا من فمه _ ويروى البيت أيضا (أن يتقدما) _

[3]

قائل هذا يريد: أنهما أتيا بعض الأهل واستطعما جميع الأهل فتغير المراد من أهل الأولى وأهل الثانية= ولهذا لم يقل استطعماهم حتى لا يعود الضمير إلى أهل بمعنى (بعض) = المجلة =

ص: 64

قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية

بقلم: الأستاذ عيد عبد الله عيد السيد

خبير المكتبات في الجامعة

نختم هذه المقالات في تطوير المكتبة العربية والإسلامية بمقالة موجزة عن المراجع والدوريات والإعارة والدفاتر والسجلات والخدمة المكتبية.

فتساءل عن معنى كلمة مرجع وعن الفرق بين المرجع وبين المصدر وعن المواد التي تختص بإطلاق اللفظ وعن فائدة المراجع وكيفية قياس مدى صلاحيتها.

ثم نعرض للدوريات أي المجلات والصحف فنتحدث عن أهميتها وضرورة الاهتمام بها. وفي الإعارة نعرض لقواعد الإعارة وضرورة مرونتها وتيسيرها لأعمال الخدمة المكتبية وتحدثنا عن الدفاتر والسجلات وبمعنى آخر قدمنا حصراً بها.

وقد ختم المقال بالتساؤل عن ماهية عن ماهية الخدمة المكتبية وأهدافها.

المراجع والدوريات:

المرجع كل ما يرجع إليه وبهذا المعنى تكون المراجع هي رصيد مكتبة ما من مواد المعرفة وقد يكون هذا المعنى سليماً عند إعداد الأبحاث العلمية التي تذيل عادة بما يسمى قائمة المراجع أي ما رجع إليه الباحث نفسه.

ولكن قد يأتي بخاتمة البحث قائمة بالمصادر وأخرى بالمراجع وفي تلك الحالة تكون المراجع كلمة عامة للكتب غير الأساسية في البحث أما المصادر فتطلق على كل ما لا بدّ من دراسته بصفة أصلية عند إعداد بحث ما كما في الوثائق والنقوش والسكة والآثار وقليل من الكتب المعاصرة. وقد يرقى مرجع من المراجع إلى مستوى المصدر وذلك إذا توافرت له الصحة والدقة في البحث والتدقيق والنزاهة. . . الخ.

ص: 65

وليس المرجع عند المشتغلين في المكتبات بهذا المعنى وإنماله مفهوم مختلف ومدلول متباين فهو يشمل أشكالاً معينة من الكتب تختلف عن بقية محتويات المكتبة من حيث الشكل والاستعمال وهي فيما بينها تختلف في أمور وتتفق في أخرى فالقواميس ودوائر المعارف والموسوعات والتشريعات وغيرها لها أهميتها الكبرى للباحث والدارس ولطالب المعرفة وهي من ألزم الأمور لجميع أنواع المكتبات وهي كتب لا تقرأ بذاتها وإنما يرجع إليها عند الحاجة.

فالمرجع في عرف المكتبيين هو الكتاب الذي لا يحتاجه القارئ بذاته ولكنه مضطر للرجوع إليه بين الحين والحين أو هو كل مادة علمية تضطر مكتبة ما إلى منع إعارتها في الخارج.

فقد تكون المراجع هي الكتب النادرة والمخطوطات والموسوعات والقواميس والتشريعات والنشرات والرسائل الجامعية والخرائط والأطالس والمواد السمعية والبصرية.

وتقاس قيمة هذه المراجع في مكتبة ما بقيمتها العلمية فكلما كانت معلوماتها صادقة ووافية حققت غرضها:

وهناك معايير شكلية وموضوعية لتقويم المراجع داخل مكتبة من المكتبات أو عند شراء مرجع منها:

1-

متانة الغلاف وجودة التجليد إذ كلما كان المرجع بهذه الصورة كلما عاش فترة أطول وأدى خدمة أكبر للقراء كما أن الناحية الجمالية في الغلاف قد تدعو من لا يقرأ لأن يقرأ.

2-

حجم المرجع يوحي بأهميته فمرجع في ثلاثين مجلداً مثلاً يدل بحجمه على جهد كبير بذل فيه غالباً.

3-

الإخراج الجيد أو الرديء في الطباعة وحسن استخدام الحروف أو سوء استعمالها يفيد في دراسة المراجع والحكم لها أو عليها.

4-

ونوع الورق أيضاً له أثر في استخدام المراجع فكلما كان الورق أبيض غير لامع أو براق لا شفافية فيه كلما كان القارئ قادراً على قراءة المراجع بيسر وسهولة.

5-

وقائمة المواد والمصادر التي استعان بها مؤلفو مرجع من المراجع تفيد في الحكم على قيمة هذا المرجع وصدق معلوماته.

ص: 66

6-

وكلما احتوى المرجع على كشافات تبين كيفية الاستفادة منه، ككشافات الأعلام والبلدان والموضوعات والخرائط وغير ذلك وكلما رتبت هذه الكشافات داخل هذه المراجع بطريقة تيسر استعمالها والاستدلالات على المعلومات داخل المراجع كلما زاد حب القراء للمرجع ودل على أهميته ودقة القائمين على إعداده.

7-

ويمكن معرفة مستوى المرجع من المؤهلات العلمية للمؤلفين والناشرين وهل تسمح لهم بمزاولة عمل المراجع؟ . . . الخ.

8-

على أن مادة المرجع وعرضه لحقائق موضوعية دون تحيز أو تعصب وتناسب مادته مع مستوى القراء وطريقة عرض المادة العلمية داخل المرجع هي الأساس في تقويمه.

9-

يجب في بعض المراجع توافر وسائل الإيضاح التي تشرح مادة المرجع في بساطة.

10-

وأسلوب المرجع ولغته يفيدنا في الحكم له أو عليه في أحيان كثيرة.

11-

يجب أن يراعى في المرجع اتصال مادته بمجتمع المكتبة ومشكلاته وحياته وعاداته وقيمه وتراثه. . . الخ.

12-

ويجب معرفة النواحي التي يخدمها المرجع والمستوى العام الذي يصلح له.

ومجمع القول أن تقويم المراجع لمعرفة الصالح منها على أسس فنية سليمة عرضت بعضاً منها أمر له أهميته وخطورته لأنه بجميع فئات المستعيرين. ونحن في مكتباتنا العربية لا نولي هذه الأسس أي رعاية بل ندر أن توضع قواعد ملزمة لتزويد مكتباتنا بالمادة المقروءة.

أما الدوريات فهي كل المطبوعات التي تصدر بانتظام في فترة زمنية معينة وتحمل عنواناً واحداً كالصحف والمجلات والنشرات والكتب السنوية.

وإن الاهتمام الذي يجب أن يوجه إلى اختيار الدوريات الصالحة لمكتباتنا لا يقل عن مستوى اهتمامنا بالكتب والمراجع لأن للصحيفة اليومية أو المجلة الأسبوعية أو النصف شهرية أو الشهرية وغيرها أهمية كبيرة وأغراض متعددة للكبار والصغار ويجب أن يراعى عند تزويد مكتباتنا بالدوريات ما يأتي:

ص: 67

1-

مناسبة الدورية للغرض الذي نقتنيها من أجله.

2-

خلوها من الصور الخليعة وما يتناول الجنس بصورة تخدش الحياء.

3-

أن تمثل مختلف المعارف فالصحف تخبرنا بأحداث الساعة ومعرفة ما يقع في حينه بينما المجلات تخصص مادتها للعلوم والفنون والآداب والدين وغير ذلك ومن المجلات العام ومنها المتخصص.

ومما يؤسف له أننا حتى الآن لا نصدر مجلات علمية متخصصة بلغتنا العربية وبخاصة في ميدان العلوم البحتة والتطبيقية والصناعات ومعظم مجلاتنا يغلب عليها الطابع العام فيما عدا بعض مجلات مجامع اللغة العربية ومجلات بعض الجامعات ونحن في أشد الحاجة إلى إصدار مجلات متخصصة وإلى اقتناء دوريات علمية بمختلف اللغات ولمختلف التخصصات حتى نشارك في أحدث ما وصلت إليه البشرية من إنجازات في مختلف المجالات.

ونود أن يأتي اليوم الذي نهتم فيه بهذا النوع من المعرفة، وأن يأتي اليوم الذي نتمكن فيه من عمل الفهارس التحليلية لهذه الدوريات حتى نساير التقدم الحضاري السريع. والفهارس التحليلية للدوريات هي خلاصات Abestracts تصدر وفيها بيان كامل عن كل مقال في المجلة أو الدورية وموجز أو خلاصة لهذا المقال تغني عن قراءته أو تدفع إلى قراءته حسب الأحوال ومنها الكشاف التحليلي للصحف وقد بدأ العمل في مشروع كهذا في مصر بإشراف الدكتور محمود الشنيطي إلا أنه توقف الآن.

ولعلّ دارة الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية تتبنى هذا المشروع فتصدر الكشاف التحليلي للصحف والمجلات في المملكة العربية السعودية ولعل كل المكتبات في الوطن العربي تقوم بعمل فهارس تحليلية لمحتوياتها من المجلات والصحف.

في السجلات والدفاتر:

أهم السجلات والدفاتر التي تستعمل في المكتبات حاليا هي:

1-

سجل الفهرس (الفنون) وفيه معلومات ببليوجرافية عن الكتاب والمؤلف والعنوان، وبيان النشر - وبيانات التوريق. . . الخ.

ص: 68

2-

سجل المطبوعات الدورية لقيد الصحف والمجلات الأسبوعية والنصف شهرية والشهرية والربع سنوية. . الخ. ولكل منها سجل خاص.

3-

سجل الإعارة الخارجية وبه بيانات عن المستعير والكتب التي تعار.

4-

سجل المترددين على المكتبة وهو لإحصاء من يقوم بزيادة المكتبة لأي سبب.

5-

سجل إحصاء النشاط المكتبي.

6-

دفتر لجنة المكتبة ويدون به محاضر اجتماعاتها.

7-

دفتر جماعة أصدقاء المكتبة.

8-

دفتر ميزانية المكتبة وغير ذلك من السجلات والدفاتر ومن الضروري استكمال هذه السجلات في مكتباتنا أو استكمال الناقص منها.

الإعارة والخدمة المكتبية:

الإعارة هي العمل الملموس داخل المكتبات وإن جميع الإجراءات الفنية داخل المكتبات تهدف في النهاية إلى إحضار الكتاب للقارئ. وبقدر زيادة حركة الإعارة تكون قيمة المكتبة وفائدتها. وعليه فلا بد أن توضع النظم والقواعد التي تيسر للقارئ الحصول على الكتاب وتحفظ للمكتبة ملكيتها لكتبها وتحدد طبيعة العلاقة بين القارئ ومكتبته بمرونة ويسر، وكلما كانت قواعد الإعارة مرنة كلما كان ذلك في صالح الخدمة المكتبية وكلما كانت إجراءات الحصول على الكتاب مبسطة كلما استفاد القارئ والمكتبي معاً وقتاً وجهداً وهنا يجب أن تصدر القواعد والنظم التي تضبط أعمال الإعارة داخل مكتباتنا على أن تحتوي هذه النظم بصفة أصلية على ما يأتي:

1-

مجموعات الكتب بكل مكتبة تعريفاً وتحديداً.

2-

إطار الخدمة المكتبية أو من لهم حق الإعارة من المكتبة وفئاتهم.

3-

تمييز مجموعات المكتبة بختم خاص.

4-

النص على الكتب التي تسمى مراجع وما في حكمها.

5-

تعريف الدوريات والصحف وكيفية إعارتها ولمن تعار.

6-

التعاون بين المكتبة وغيرها من المكتبات في نطاق الإعارة وحدود ذلك ومداه وغايته.

7-

عدد الكتب المسموح بها لكل فئة من فئات المستعيرين ومتى يمكن زيادة هذا العدد.

ص: 69

8-

هل يجوز للمكتبة أن تعير كتبا لغير الفئات التي تخدمها وبخاصة مكتبات الجامعات والمدارس حيث جمهورها الأساتذة والطلاب.

9-

مدة الإعارة وعدد مرات تجديدها.

10-

التعهدات والضمانات التي تشترطها المكتبة للإعارة.

11-

متى يعتبر الكتاب المعار تالفاً؟ وما هي الإجراءات التي تتخذها المكتبة مع المتسبب؟

12-

الغرامات والضمانات التي تستعملها المكتبة للمحافظة على رصيدها من المواد العلمية.

13-

مطالبة المستعيرين برد ما لديهم من كتب. والإجراءات التي تتخذها المكتبة مع الذين لم يردوا ما بعهدتهم من كتب للمكتبة.

14-

بطاقة الإعارة وصفحة المستعير والمعلومات التي تشتمل عليها. . .الخ.

وهذه القواعد التي ذكرت يمكن الاسترشاد بها ولكنها قابلة للحذف والإضافة ويلاحظ أن نجاح القواعد الخاصة بالإعارة في مجال التطبيق يقاس بمرونتها ومدى قدرتها على منح حرية الحركة للمستعيرين والأمناء على حد سواء.

على أن مكتباتنا العربية يغلب عليها عدم التقيد بقواعد ثابتة للإعارة والخدمة المكتبية.

والآن نتساءل عن ماهية الخدمة المكتبية وأهدافها؟

عرف ملفل ديوي الخدمة المكتبية بأنها (أحسن قراءة، لأكبر عدد بأقل تكلفة) وبهذا المعنى فإن الوظائف الأساسية لمكتبة ما هي الإعلام والمتعة والثقافة.

ولكن هذا التعريف من وجهة نظري غير مكتمل ويمكن للمكتبات العربية أن تكون أكثر طموحاً في أهدافها وأكثر وضوحاً في رسالتها.

ص: 70

فتكون مهمتها تزويد من يقصدها بأدوات التعليم (الكتاب- المخطوط - الدورية - المرجع - الميكروفيلم - الأفلام التعليمية - المحاضرات - تلخيص الكتب. . . الخ) وبأدوات البحث (الببليوجرافيات - الفهارس - خلاصات الكتب - النشرات - قوائم الناشرين. . . الخ) وبالمتعة الذهنية بما تحويه من كتب التاريخ والدين والأدب الرفيع وغير ذلك مع الحفاظ على التراث الحضاري والاجتماعي للبيئة التي تخدمها وللمجتمع البشري كله.

وفي ضوء هذه الرسالة يجب على العاملين في حقل المكتبات أن يدرسوا معدلات الأدباء لأعمالهم..

وهكذا يمكن القول أن الخدمة المكتبية بسيطة وممكنة ولكنها ضرورية جداً وملحة للغاية رغم كونها يجب أن تكون حرة مسيرة واختيارية وذاتية على أنه أصبح من الضرورية الآن وضع ميثاق للعمل بالمكتبات العربية حتى تكون رسالتها واضحة مع مراعاة أن تحكم خدمات المكتبات في عالمنا العربي الاتجاهات الآتية:

1-

يجب أن تزود المكتبات بالمواد التي تمثل وجهات النظر المختلفة في مشكلات العصر المحلية والوطنية والقومية والعالمية.

2-

يجب أن تحوي المكتبات كتباً تنطوي على حقائق أصلية ثابتة.

3-

يجب أن تختار الكتب للمكتبات حسب فائدتها في تطوير المجتمع وتنويره ولا يستبعد أي كتاب بسبب جنس مؤلفه أو وجهة نظره المخالفة.

4-

يجب أن تكون الرقابة على الكتب في حدود ضيقة جداً لا تتعدى سلامة العقيدة.

والخدمة المكتبية على مستوى الكبار يجب ألا تقتصر على خدمة المراجع بل لا بد أن يكون هناك مرشد للقراء وخدمة إرشادية قد تتسع في بعض المكتبات الكبيرة لتصبح قسماً مزوداً بعدد من الأمناء ذوي الخبرة والاختصاص لتقديم النصيحة للقراء أو تدريبهم على الاستعانة بوسائل التعرف على المعلومات وغير ذلك.

ص: 71

كما يدخل في عداد الخدمة المكتبية أيضاً الخدمات التعاونية التي تتم بين المكتبة والجماعات والمنظمات الأخرى داخل البيئة عن طريق الزيارات والمؤتمرات وغير ذلك.

على أن العمل مع الأطفال يمثل قسماً مهماً في برامج المكتبات العامة على وجه الخصوص فعليها أن تعد كتباً ومواد أخرى للأطفال في مختلف الموضوعات ومتدرجة في المستويات وأن تقدم المناضد والمقاعد المنخفضة الارتفاع كما أن على المكتبة ان تهتم بالشباب والمراهقين وتقدم لهم المواد اللازمة التي تساعدهم في هذه المرحلة من مراحل النمو.

إن القراءة هي سياحة رائعة بين آثار المفكرين وعقول المصنفين وهي التي تنظم البحث العلمي وتشد أزره وتوجه الإنتاج الفني وتحسنه ولا يخفى على أحد ما فيها من متعة للنفس وغذاء للروح ولعل القراءة تعالج الكثير من عيوبنا الذهنية وتحل العديد من مشاكلنا النفسية إذا عرفنا كيف نقرأ؟ ومتى نقرأ؟ وماذا نقرأ؟

والله ولي التوفيق. . .

ص: 72

حول نظرية الالتزام

000 والعيب ما عابه الشرع

دراسات أخلاقية لمجتمع السلفي

بقلم: فضية الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي

المدرس بدار الحديث المكية التابع للجامعة

ولأن الالتزام مع الملتزم الصادق يدعوه إلى التطبيق الدائم للشرع، والتنفيذ المتتابع للسنة فيتحول من نطاق العبادة إلى نطاق العادة، ويصبح نهجاً له وخطة، ويصير على الدوام متطلعاً إلى الحق، متطلباً لحكم الشرع، ممسكاً بحبل الله المتين، عاضاً بنواجذه على السنة، فيمضي في طريق مستقيم، وسبيل سوي لا ينحرف ولا يميل، فلا يعول على رأي فلان، ولا ينعطف مع هوى بيان.

ولهذا يتوقف على كل ناصية وعند كل منعطف يسأل:

أين النص؟ وأين الدليل؟

وهل هناك خطة أهدى إلى الحق من تلك؟ فهي لا تعطي الفرصة للاختراع أو الابتداع، ولا تلجئ إلى الابتكار أو الاصطناع، ولا تستخدم الفلسفة ولا الخيال. . ولا مجال لذلك كله _ عند العاقل المنصف أمام شريعة الحكيم الرحمن، وتوجيه الخبير المنان. . الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي علم طوايا النفس وخفاياها، وألهمها فجورها وتقواها. وهو أعلم بالبشر وما يوعون وكيف يهتدون، وماذا يريدون، وإلى أين هم سائرون؟

ويمضي الملتزم في خطته فينقل الالتزام من المسجد والجامع إلى البيت والشارع، فهو ديدنه ومنهجه في إقباله وإدباره، وفي منشطه ومكرهه، وتتبلور التصرفات الفردية لتصنع أخلاق المجتمع السلفي، ولا أدخل الآن في حقائق الالتزام ومبادئه، ولكني أسجل فقط بعض الظواهر الأخلاقية كدارس متأمل لما يعكسه الالتزام من أخلاق ومبادئ وتصرفات.

ص: 73

ولأكون منصفاً لا أريد بكلامي مجتمعاً معيناً محدوداً بالزمان أو بالمكان ولا بالذوات أو بالأسماء كمجتمع المدينة المنورة مثلاً أو مكة المكرمة أو الرياض أو غيرها. وإنما أقصد أي مجتمع يأخذ نفسه بنهج الالتزام للشريعة الغراء، وأسلوب التمسك بالنصوص السمحة، سواء كان هذا المجتمع في مصر أو باكستان أو في سوريا أو في السودان. وإن كان يتعين في مجال الإنصاف أيضاً أن أرد الفضل إلى ذويه، فقد كان لهذه البلاد فضل إمدادي بهذه الملاحظات، وخاصة وقد أتيحت لي الفرصة للانتقال من المدينة إلى الرياض، ومن المدينة إلى مكة. . .

وفي مقالي السابق (يا ولد. . .) هي إحدى الكلمات الشائعة في هذا المجتمع انتهيت منها إلى ما يسوده من نزعة المساواة الحقة التي تولدت من خطة الالتزام بالشريعة السمحة، وإنا لنراها حقيقة مطبقة لا مجرد ادعاء كاذب كما نراه في بعض المجتمعات التي تصيح بالمساواة ولكن لا واقع لها إلا في الهواء على الألسنة والأبواق، وفي الصحف والإذاعات، وحتى عندما تطبق فإنها تعني المساواة في الحقوق لا المساواة في الحب والود والإخاء.

وفي هذا المقال أعرض لظاهرة أخرى وهي ما أسميها (بالواقعية الشرعية) وهي تواجه (الواقعية المادية) وتصادمها؛ لأن الواقعية المادية تستمد مسيرتها من الواقع المادي ومن الظروف حُسنت أو ساءت، طابت أو قبحت، وغالباً ما تقوم على النفاق والتظاهر الكاذب والمباهاة التي لا أساس لها.

ص: 74

أما (الواقعية الشرعية) فهي تستمد وجودها من الشرع حيث يرتفع المبدأ الأصيل الخالد وهو (القبيح ما قبحه الشرع، والحسن ما حسنه الشرع) . ولنشرع في عرض صور لهذه (الواقعية الشرعية) . ولنأخذ صناعة الفرد في المجتمع فإننا نشاهد أن معظم المجتمعات تنظر إلى هذه الصناعة على مقياس التقويم والتكريم للرجل حسب المكانة الاجتماعية أو ما تدره من أرباح، وقد نرى نزعات مثالية داخل هذه المجتمعات تعارض هذه المقاييس. ولكن الأمر في المجتمع السلفي ليس أمر نزعة مثالية وإنما هو أمر واقع عام يشترك فيه الصغير والكبير والمتعلم والجاهل. واسمع لهذه القصة:

التقت سيدة سلفية بأتراب لها من جنسيات مختلفة والمقام حتماً يدعو إلى الفخر والمباهاة، ولكن السيدة السلفية بما تعودت في مجتمعها تميل إلى الصدق ولا ترى أي غضاضة في الحديث عن حالها بصراحة، فتحدثت على نهجها ذاكرة كيف جاء أبوها زائراً لها في العيد الأكبر وقالت من غير حرج: إن أبي يعمل في مقهى بأحد الثغور السعودية ويقوم بتقديم الشاي والقهوة لرواد المقهى، وعندما جاء لزيارتي جاء ومعه حقيبة جمع فيها ما تجمع له من قروش أثناء الموسم.

وتعتبر مثل هذه الصراحة في نظر أترابها غير السلفيات جنوناً وخيبة أمل؛ لأنه لو كانت واحدة منهن في موضعها لقالت عن أبيها: إنه يعمل مديراً لكازينو الشمس والهواء العالمي. . وزبائنه الأمجاد لا يدفعون له الثمن بالقروش ولا بالجنيهات وإنما بالدولارات والشيكات. . .

والتفسير الصحيح للسيدة السلفية قائم على أساس منطق الحلال والحرام فما دام الأمر لا يصل إلى منطقة الحرام فهو عمل شريف وكريم ونبيل، أما عند غيرها فهناك منطق غير الحلال والحرام، فالحلال والحرام قد لا يكون مدار الاهتمام، وإنما مدار الاهتمام هو مقدار ما تعكس الصفة من دخل أو مكانة كاذبة.

ص: 75

وتتابع الصور داخل المجتمع السلفي على هذا النسق. هذا أخي عميد إحدى الكليات يجلس في قاعة مكتبه الشاسع المجهز بأحدث المظاهر الحديثة فعن يمينه جهاز تكييف، ومن أمامه عدة آلات تلفزيونية وإنه لحريص على العناية بعزته وكرامته، ولكن هذا لا يجعله ينظر إلى غيره نظرة مختلفة، بل إن عامل المكتب وساقي الشاي يجلس معه في نفس الغرفة وعلى مكتب أنيق يشبه مكتبه، وفي مواجهته يضع ساقاً على ساق إن أراد، وإنه لينهض عنه ليدور بإبريقه على الضيوف ثم يعود إلى مكتبه والإبريق معه.

وصورة ثالثة في هذا النطاق حيث نرى شيخاً ينتهي من تضرعه أمام الكعبة وقد انصرف الكثيرون لحالهم، ثم يلتفت الشيخ عن يساره فيلحظ شبحاً يتأمله فإذا به يعرف فيه تلميذه المهذب الحريص على العلم. ويحد البصر إليه فإذا به يراه قد حمل مكنسة هائلة يدفع بها الأتربة عن رخام البيت العتيق في إخلاص وبراعة. ويحول الشيخ نظره عن تلميذه حتى لا يضايقه أو لا يحرجه.

ولكن التلميذ طالب العلم ما يكاد يلحظ أستاذه حتى يعرج عليه لتحيته ويقدم نفسه إليه أنه يعمل هنا بمكنسته، والمكنسة العظيمة قائمة بين يديه، ولا يشعر الطالب بالحرج لأن العيب ما عابه الشرع، ويقدر الشيخ لتلميذه مشاعره ويزداد احترامه له.

ونترك هذه الصفحة إلى صفحة أخرى لمتابعة البحث والاستنتاج ولتكن في هذه المرة قضية الغيرة التي يتفرد بها المجتمع العربي بالتشدد فيها أكثر من غيره من المجتمعات ونرى خط السير لهذه العاطفة وكيف يتوجه بفضل الإسلام، وبفضل الالتزام لنصوصه. ونرى النتائج في هذه القضية أيضاً يحكمها المبدأ السابق وهو: أن القبيح ما قبحه الشرع والحسن ما حسنه الشرع وكيف كان ذلك؟

ص: 76

هذا سلفي من الصفوف الأولى يعطي أعظم مثال على ذلك، انظر إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وهو يتسوق لابنته زوجاً_ واسمحوا لي في هذا التعبير الكاشف _ وهو في عمله النبيل يضع الحدود للفرق بين الحلال والحرام وبين الحق والباطل في شجاعة واعتزاز والتزام بالحق وحده دون النظر إلى أي اعتبار آخر. والغريب أن راوي القصة هو ابن عمر نفسه ناقلاً عن أبيه في شأن أخته وتقول الرواية كما رواها البخاري:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن عمر رضي الله عنه حين تأيمت بنته حفصة قال: لقيت عثمان ابن عفان رضي الله عنه فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر ولم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً، فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أنني كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها". رواه البخاري.

ولو أن هذه البنت لرجل متأنق لا يعنيه أمر الحلال والحرام، وإنما تأخذه العزة بالإثم، والغيرة الحمقاء لفضل لها أن تجري في الشوارع والطرقات، وتتحول إلى فتاة أندية ومجتمعات، ولا يحاول أن يأخذ بيدها إلى طريق الصون والعفاف.

فالزواج عند أهل الشريعة عصمة لا متعة مجردة، وحماية لا استعلاء أو استيلاء. ولا غرابة أن نجد بعض الأئمة حينما يخطب إليهم الولاة الذين لا يثقون في عدلهم يرفضون زواج بناتهم لهم، ويقبلون زواجها من فقير داخل تحت عموم قوله:"ترضون دينه".

ص: 77

وفي هذا النطاق أيضاً نجد أن الشريعة لا ترى بأسا في الحديث عن المرأة في مجال الإرشاد والتعليم والتعلم وكتب السنة ممتلئة بذكر أمهات المؤمنين وما نقلن من معارف وحقائق، وهذا لا يخل بالرعاية والصون اللازم للمرأة.

بينما قد نرى العكس في بعض المجتمعات حيث نرى الرجل يشعر بالحرج في الحديث عن المرأة التي يرتبط بها، في الوقت الذي يسمح لها بلاحرج في السير خارج المنزل عارية الساعدين مكشوفة الساقين في ثياب تحدد تقاطيع جسمها. .

فماذا يعني هذا؟ إنه يعني عدم الالتزام بالصحيح، وعدم التمسك بالصواب وإنما هو الانسياب مع التيار، والانحلال مع المتحللين. .

سألت صديقاً لي من علماء باكستان لأتبين منه اتحاد طبائع العامة هناك مع طبائعنا هنا فيما يتعلق بقيام الرجل بعرض ابنة له على بعض معارفه محبذاً زواجهم منها، وما كدت أتم الحديث حتى صدرت منه كلمة تعجب واستغراب في سرعة وقوة وقال: لا يمكن أن يحدث هذا، فقلت له: وما رأيك فيما فعل عمر؟ فأجاب بنفس السرعة: ومن مثل عمر؟!

وقد يوجد الملتزمون فرادى في مجتمع غير ملتزم وهؤلاء يعيشون داخل هذه المجتمعات غرباء، ويضيق بهم ويطلق عليهم صفات ظالمة نتيجة لتمسكهم بالحق، والتزامهم بالشرع، فأحياناً يصفهم بالجمود أو التزمت وأحياناً يصفهم بالحنبلة أو التشدد.

الخ.

والفرق كبير وخطير بين المتشدد والملتزم لأن التشدد قد يجره الأمر إلى الخروج عن نهج السنة طلباً للعسير من الأمور، وحرصاً على التعالي والثقة الكاذبة بالنفس، ولكن الملتزم يمضي وراء السنة فإن كانت عزيمة استجاب لها وصبر عليها، وإن كانت رخصة فرح بها وحمد الله عليها، ودعا إليها. وما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن خروجا عن الشريعة والسنة. والله يصلح منا ما فسد، ويجعل هوانا تبعاً لما جاء به الإسلام من آداب وأخلاق..

ص: 78

من آيات الله في الكون

بقلم عبد المؤمن محمد نعمان

نظرت الفتاة المتعلمة إلى الزهرة المتفتحة وكانت ذكية ثم قالت لأمها بلسان المؤمنة: انظري (يا أمي) إلى هذه الزهرة كيف تناسقت أوراقها الرخية وعلاها اللون الجميل وتضوعت منها هذه الرائحة العطرة، انظري إلى العروق الدقيقة والشرايين الشعيرية كيف وجدت في أوراقها الصغيرة وكأنها مدينة انتشرت فيها الجدد والخطوط، تأملي (يا أمي) لونها الأصفر الذي هو في حقيقة مزيج من عدة ألوان بتركيب دقيق يعجز عنه أي خبير في علم الفنون وتوزيع الألوان، أنعمي النظر ودققي المشاهدة في هذا التناسق البديع بين أوراقها وفي هذا الشكل الإنساني في قاعدتها بحيث أصبحت تبهج النظر وتستقطب الانتباه.

إن هذه الزهرة (يا أم) في حقيقتها تحتوي ملايين من الذرات كل ذرة منها مرتبطة بالأخرى ارتباطا أشبه ما يكون بارتباط كواكب المجرة في السماء فهي إذا عالم تتمثل فيه كثير من الخصائص والمعجزات، أليست يا أمي هذه الزهرة كافية بأن تقنع الكفار بوجود الله وتجعل المسلمين يزدادون حبا وتعلقا بالخالق العظيم وحده لا شريك له.! أجيبي يا أمي فلم أعد أطيق هذا السكوت.

ص: 79

قالت الأم: وقد اندهشت من هذا الوعي والنضج الفكري في ابنتها الوحيدة وفلذة كبدها الحسناء غادة: لا تعجبي يا صغيرتي فإن عَمَهَ البصير أشد على الإنسان من عمى البصر ألم تقرئي يا غادة في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ، وقوله تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ، وقوله تعالى:{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} . فلقد غفل أولئك وتنبهت أنت، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والزهرة هذه التي رأيتها يا غادة ليست إلا نقطة صغيرة من بحر زاخر بالنسبة لما في هذا الكون من الآيات والعجائب المبصِرَة المبصَرَة فما رأيته يا غادة في الزهرة أراه أنا في كل شيء، فالأرض بما فيها من وهاد وجبال وحزون وسهول تكون في فترة ما مجدبة قاحلة لا أثر فيها للحياة وكأنها إنسان ذهب عنه الشباب فشحب لونه وتجعدت أطرافه وعلاه الشيب وما هي إلا لحظات فإذا السحاب الثقال الذي يحمل بلايين الأطنان من الماء العذب ينتقل إليها من مسافات بعيدة فينزل الغيث فإذا الحال تنعكس وتدب الحياة.

ص: 80

{وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} . فمن جمع السحاب وحركه، ومن أوجد فيه الماء العذب الزلال بهذه الكميات الهائلة من الأطنان، ومن أرسله إلى تلك الأرض المجدبة ثم أنزل منه الماء بقدر معلوم، ولما كانت عملية الأمطار تتم حسب السنن الكونية نتيجة الرياح وعوامل الطقس ومرور الرياح على البحار والمحيطات فمن أرسل الرياح وتحكم في قوتها ومن أوجد الأجواء الحارة والباردة ومن أمسك السحاب الثقال!

إن التعليل العلمي يا صغيرتي لعملية الأمطار لا يزيد المؤمنة إلا إيماناً إذ أن لكل شيء سنة وسبباً فليس أبداً للمؤمن الذي تعلم شيئاً من العلوم الكونية وخلافها إلا أن يستبشر ويبتهج لما وصل إليه فما كان بالأمس مجهولاً أصبح اليوم معلوماً وهذا بفضل الله الذي علم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، إنّ القمر يا غادة ذلك الكوكب المنير كان بالأمس جسماً يسبح في فضاء ولم يدر أحد هل هو كتلة من نور تسبح أم قطعة من زجاج تضاء من الشمس جاء العلم الحديث فاكتشف كنهه الظاهر وأدرك محتواه البدائي فعرف المؤمنون والكفار أن القمر عبارة عن جبال وتلال تسبح في مجموعها في الفضاء ويدور حول الشمس بعامل الجاذبية فأدرك المؤمن وحده عظمة الله وقال بكل اعتزاز وفخر: لا إله إلا الله {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} !

ص: 81

كل ما في الكون يا غادة جدير بالانتباه والتفكر ولذا قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ، وقال تعالى:{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} ، وقال تعالى:{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} ، ولذا فالقرآن دائماً يركز على العقل ويدعو الناس إلى التفكر واستخدام عقولهم، فالعقلاء الحاذقون يرون كل شيء ولكنهم يرون بديع صنع الله {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} ، انظري يا غادة إلى الأفعى كيف خلقها الله في هذا الوجود وفطرها على الشر ولم يودع في قلبها أي نوع من العطف والرحمة [1] ، وانظري إلى العقرب وقد خلقها الله عدوة شرسة وحرمها الحنان في حين أنه تعالى خلق العصفورة وجعل في قلبها الحنان والعطف لكي تزق فراخها وتحنو عليهم كما تحنو الأم على وليدها من بني الإنسان فهذه العكسيات في المخلوقات في آن واحد تدل على الحكمة البالغة من تقدير العزيز الحكيم، فلم تعرف العقرب والأفعى حناناً كما لم يعرف العصفور الأذى أو الحقد، فلو كانت الأمور هكذا عبثاً وكان الكون وما فيه عن طريق المصادفة لما كان أبداً هذا النظام مستمراً بهذه الدقة طول الدهر فالمصادفة كما يقول الملحدون لا بد أنها تخطئ وما سميت مصادفة إلا أنها تصادف أحياناً ولو كان الأمر كذلك لوجدنا عقرباً تحنو وعصفوراً يؤذي.

ص: 82

تأملي يا غادة أن العقرب لم تلد في يوم من الأيام إلا عقرباً والناقة لم تلد إلا جملاً أو ناقة وهكذا مع كل المخلوقات باختلاف أنواعها ولو كان الأمر من غير موجد خبير لأمكن للنحلة أن تخرج سماً وللأفعى أن تخرج عسلاً مصفى. . انظري إلى الفراشة في شكلها الجميل وأجنحتها الكبيرة وجسمها الإنسيابي كيف أحسن الله منظرها وأودعها ألواناً زاهية تمثل في مجموعها لون الأزهار، فمن خلق الفراشة وأودعها الروح وخلق الزهرة ولم يودع فيها الروح مع أن كلتيهما تنمو ومن وهبهما الحركة والنماء ومن جعل في الفراشة روحاً وفي الزهرة حياة؟؟؟

تأملي أيتها الغادة مملكة النحل وما يكتنفها من نظام دقيق فالنحل ذاته عالم لم يدرك حقيقته إلا الله. وتأملي الحكمة من هذا التنظيم إنها يا صغيرتي أوجدت لنا العسل المصفى والشهد العطر ولولا أن الله ربط النحل بهذا النظام لما تمكن الإنسان في يوم من الأيام من جني العسل {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .

انظري إلى الجمل ذلك المخلوق الكبير كيف سخره الله وجعله يمشي خلف الطفل الصغير إلى حيث يشاء فمن أقدر الطفل على ذلك ومن ذلل الجمل لهذه المهمة؟ إنه الله العزيز الحكيم {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} .

ص: 83

انظري إلى الطفل الصغير عندما يخرج إلى الدنيا كيف يبحث عن الثدي ويلتقمه بالفطرة ولم يبحث عن الملابس ولبلبها، إن الملابس يا غادة من الممكن أن يقوم بإلباسه إياها أهله، أما الطعام فلولم يهتد الطفل إلى امتصاص الثدي لما تمكن أهله من إدخال الطعام إلى جوفه، وتأملي ذلك الحليب الذي أودعه الله ثدي الأم فصار لبناً معقماً نقياً محتفظاً بدرجة الحرارة الملائمة لأمعاء الطفل وبتركيب خاص مهيأ للهضم في تلك الأمعاء الدقيقة وجعل مادة اللبأ التي تسبق الحليب ذات علاقة مهمة في نمو أعضاء الطفل وفوق هذا أودع الأم عاطفة الحنان والعطف بحيث يضفي ذلك على الطفل السعادة ونمواً عضوياً لا توجد لدى طفل حرم منها. . تأملي يا غادة تلك الأنهر الجارية في جسم الإنسان مع اختلاف في طعمها وتركيبها، فالريق نهر عذب يجري في فم الإنسان فلا يتدفق بصورة السيلان ولا ينضب إلا إذا فارقت الروح الجسد، والدمع نهر مالح يجري في مآقي الإنسان ولا يسيل إلا مع عاطفة البكاء أو تأثر العين بجسم خارجي، وهكذا مع أنهر الدم ومشتقاته وخلاف ذلك، تأملي القلب تلك المحطة الصغيرة الكاملة بجميع أجهزتها الدقيقة المعقدة ومهمتها الصعبة كيف ينبض باستمرار وبصورة منتظمة ودقات معدودة لا يمكن أن تتخلف أو تكل ما دام الإنسان في حالة طبيعية ومع هذا فالقلب متصل بالعقل وبينهما رابط قوي واتصال مباشر وعن طريقهما تتحرك كل الأعضاء في الإنسان ويتحدد موقفه وسيره وعمله {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} ، انظري يا غادة إلى القطط والكلاب تلد الأنثى منها أربعاً أو أكثر في بطن واحد بينما تلد المعز والنعاج والنوق والبقر مولوداً واحداً في الغالب ومع هذا نجد الغنم والجمال والبقر كثيرة جداً ونجد الكلاب والقطط قليلة جداً إذا ما قيست بتلك، فكيف تم هذا؟

ص: 84

إنها البركة التي وضعها الله في الغنم والجمال والبقر فلم تعد لفة الأرقام تؤدي فاعليتها، وهكذا يا صغيرتي فالكون كله صفحة مملوءة بالآيات ولم يبق إلا التفكر على حد قول الأعرابي: البعرة تدل على البعير والقدم وأثر السير يدل على المسير، وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على الحكيم الخبير؟!

والمسلمون يا غادة إذا لم يتفكروا في مخلوقات الله وتتجلى في نفوسهم عظمة خالقهم ويملأ قلوبهم جلال الله فسيبقون يلهثون وراء أعدائهم ويتلقون الضربات والنكبات {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} .

أما بهرج المادية الطاغية وطلاسم الحضارة المعاصرة فلا ينبغي أن تجذب ببريقها أبناء المسلمين لدرجة أن يكونوا عبيداً لها مبهورين بإبداعها وينسون المنعم الأول والخالق الحكيم الذي أوجد هذه العقول وأودعها القدرة على التفكير والتقدير {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ، {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} .

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

بل أودعها الرحمة بفراخها.

ص: 85

نداءٌ واحتكامٌ إلى ضمير العالم الإسلامي

بقلم: السردار محمد عبد القيوم خان

رئيس دولة كشمير المحرر

الحج مؤسسة إسلامية اجتماعية هامة وهو _ كأي معتقد إسلامي آخر _ ذو مغزى خاص يشكل أساساً دولياً لفلسفة الحياة _ وإنما أدركت الحكمة الإلهية السرمدية ما يكون من إخضاع المسلمين لضروب من الإمتحان الخطر المؤلم في القرون الآتية_ ومن أجل ذلك زود الله لهم في صورة الحج فرصة ملائمة لاحتفال سنوي يأتيه المسلمون من أنحاء العالم كلها عند بيته الحرام. .

وبهذا يسمو اجتماع الحج فوق كل حاجز جغرافي أو فارق طبقي أو تفوق لساني ويجهز للمسلمين كافة منبراً عالمياً ومنتدى عاماً يمكن لهم تبادل أفكارهم ودراسة مشاكلهم ليشاركوا في أحزانهم ويسارعوا إلى إنقاذ المكروبين منهم _ في أي مكان كانوا _ بكل وسيلة وحيلة لهم عليها تسلط.

والآن يوجد مثل هذا الوضع من كرب المسلمين في ناحية نائية من أنحاء الكرة الأرضية_ وهو في الواقع تحدٍ يدعو الملة الإسلامية إلى النزال.

اليوم خمسة ملايين من مسلمي كشمير، المخلصين في وفائهم للدين الإسلامي القاطنين في منطقة تبلغ مساحتها 212.000كم2 وهي تقع في شمال شبه القارة الهندية، هؤلاء الكشميريون المسلمون يقاسون ألماً مبرحاً ويكابدون ترقباً قلقاً ويعانون خيبة وفشلاً، وكل ذلك بسبب مؤامرة سيئة خبيثة دبرها الاستعمار الهندوسي الجديد بمساعدة من البريطانيين المستعمرين الراحلين.

ص: 86

وعلى الرغم من المبدأ المسلم لتقسيم القارة الهندية إلى الدولتين على أساس الدين واستخفافاً لهذا المبدأ حاولت الهند أن اغتصبت واحتلت كشمير خداعاًضد رغبة الأكثرية الساحقة من القاطنين المسلمين وقد أدى هذا الخداع المشئوم إلى تمزيق الشعب الكشميري إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول منهم هم سكان منطقة محررة وهي تحتوي على دولة كشمير المستقلة وإقليمي جلجت وبلتستان. والقسم الثاني هم الذين أخرجهم الهندوس من ديارهم وأموالهم وأكثرهم الآن لاجئون في باكستان يترقبون عودتهم إلى ديارهم في يوم ما. وأما القسم الثالث من الشعب الكشميري - وهو معظمهم - فهم يقاسون الحكم الكبتي الأجنبي في كشمير المحتلة تحت احتلال الهندوس.

هذا التفريق الاستبدادي بين أبناء جنس واحد يطرح قضية بشرية جدير أن يرثى لها - العائلات والأسرات مزقوا كل ممزق فانفصل الرجل من أخيه وزوجته وبنيه - والخلاصة أنها حكاية طويلة فاجعة مثيرة للشفقة لأنها حكاية الشقاء والبؤس والحرمان.

ادعاء الهند:

كل ادعاء الهند بكشمير باطل إلا أنها قد احتلها غصباً وخداعاً، أما سكان كشمير فمعظمهم أي أكثر من 85 % مسلمون وهؤلاء المسلمون كلهم يتمنون أمنية لا لبس فيه أن يلحقوا بإخوانهم في باكستان، لم يتزحزح الكشميريون عن موقفهم الحق رغم كل محاولة الهند من الإقناع والحث أو القسر والإجبار أو استخدام القوة.

وبالإضافة إلى أن الكشميريين والباكستانيين كلهم مولون وجودهم شطراً واحداً في صلواتهم، كلا الشعبين يشترك مع الآخر من جهة التاريخ والثقافة أيضاً، لسانهما واحد، وزيهما واحد، طعامهما واحد وبينهما قرابة نسباً ورحماً وصهراً.

ص: 87

وليس للهند اتصال جغرافي بكشمير إلا قطعة ضيقة من الأرض وحصلت الهند عليها بتشجيع سري من بريطانيا، أما باكستان فتتلاصق حدود كشمير بها من جميع الجهات ويبلغ طولها أكثر من ألف كيلومتر _ وكل نهر في كشمير يسيل إلى باكستان، والسوق المفيد الوحيد لإنتاج كشمير الزراعي والصناعي هي في باكستان، وكان من سبب توقف كشمير التجاري صلتها بالهند عن طريق غير سوي بعيد متكلف، فإذاً كشمير قطعة متعذر فصلها من باكستان جغرافياً وثقافياً واقتصادياً وديناً.

حرب التحرير:

في أواخر أيام بريطانيا في الهند حدس (دوجار) وهي عصبة هندوسية مسيطرة عل حكومة كشمير آنذاك، إنه لا بد من تقسيم شبه القارة الهندية وإقامة باكستان كدولة إسلامية ذات استقلال، فأدوا إعداداً محكماً شاملاً لحدوث وضع يسهل توحيد كشمير مع الهند.

فنظراً إلى هذا الهدف اقتحموا في تنفيذ خطتهم الوحشية لإبادة المسلمين الجماعية في كشمير. إن الفظائع الوحشية التي اقترفتها حكومة (دوجار) في كشمير ضد السكان المسلمين أثارت الغيظ في قلوب طائفة كبيرة من سكان مقاطعة (بنش) في غربي كشمير، وأكثر أهلها رجال حرب، فاستهلوا حرباً للتحرير من ذلك الحكم المستبد الغاشم. ثم أتبعهم في هذه الحرب سكان قرى أخرى وهذه القرى اليوم تكون دولة كشمير المستقلة. وأنا - كاتب هذه الرسالة - كنت بفضل الله تعالى نفسي مساعداً بل قائداً للجهاد في (بنش) وبالتالي انتشرت الحرب في مقاطعات مظفر آباد وميربور ومقاطعات (جامو) الغربية الأخرى.

ص: 88

وكان جيوش المجاهدين غير مجهز من جهة الأسلحة والطعام والنظام لكن روح الجهاد الإسلامي كان معهم فقاتلوا العدو بالبسالة ولو بفارق كبير، حتى انهزمت جيوش (دوجار) المسلحة بالسلاح الفائقة المتكلفة. {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} ، فأخرج المجاهدون أعداءهم من حصونهم وقلاعهم، ونتيجة لذلك الجهاد تحررت المناطق التي تنضم الآن في دولة كشمير المستقلة.

وأوشكنا على الانتصار الكامل وتحرير جميع الأراضي وقد أحست الجيوش الهندوسية أن لا عون لها تجاه المجاهدين الذين قهروها في جبال كشمير وسهولها، فحينئذ ألجئت الحكومة الهندية إلى منظمة الأمم المتحدة وما أسرع الدول الاستعمارية لإنقاذ الهندوس، فهي دبرت هدنة تحت العهد بأن يجري في كشمير استفتاء عام واضح محايد في أقل وقد معقول، ولكن ذلك (العهد الوثيق) تكشف كاذباً مضللاً فيما بعد وإنما كان إعداده لمنح فترة راحة للجيوش الهندوسية فحسب.

الهند تغير المبدأ:

ومنذ وقف إطلاق النار تكررت المحاولات مرة بعد أخرى في الأمم المتحدة وفي مكان آخر لإذعان الهند لمواثيقها ومن مقتضاها انسحاب القوات العسكرية الهندوسية من كشمير، وكم من رجال الدول اقترحوا بطريقة مرضية مقترحات مواجهة لرفض الهند انسحاب قواتها من كشمير المحتلة استعداداً للمسرح كما يقولون لإجراء استفتاء عام غير متحيز، ومن المعلوم أن كل هذه الاقتراحات قبلتها باكستان ورفضتها الهند، وهنا شواهد عديدة مسجلة تظهر إنما هي الهند وحدها من نكثت مواثيقها الدولية وأنها لا تستحي من انتهاك اتفاقيات تعهدتها في وقت أو آخر.

ص: 89

ثم مشكلة كشمير إنما أحدثها الاستعمار البريطاني حينما سلم للهندوس قطعة أرضية ضيقة من منطقة تلى كشمير غدرا بمبدأ التقسيم على أساس الدين، وكان أكثر سكان تلك المنطقة مسلمين، فبذلك نفذت الهند إلى كشمير، ولو لم يكن هذا الأمر لم يكن للهند أي اتصال جغرافيا ببلادنا كشمير ولم تحدث مشكلة نحن فيها اليوم، وكان الاستعمار يهدف بهذا هدفاً دقيقاً محدداً لا لبس فيه وهو طعن باكستان في ظهرها _ والدراسة الموضوعية لدهائه السياسي في الماضي والحال يقنعك بصدق ما ذكرناه آنفاً.

الهند أيضاً كدولة هندوسية لم تسترض إقامة باكستان كدولة إسلامية ذات سيادة مستقلة وقد قاوم الزعماء الهندوس مقاومة عنيفة وصدوا بضراوة لكن خابت آمالهم ضد كفاح المسلمين وانقسم شبه قارة الهندية إلى الدولتين إحداهما دولة إسلامية، وبما أصبحت فكرة باكستان حقيقة واقعة رغماً عن أنف الهندوس وضد رضاهم فما زالوا يدبرون مكيدات عديدة ليصيبوها بكارثة، ولم يرضوا عن أن تكون باكستان قابلة للحياة والنمو كدولة إسلامية كما تصورها مفكروها المسلمون فكرة إسلامية نقية، وقد أحست الزعامة الهندوسية في إقامة باكستان ووجودها، حسب مقتضاها الفكري، تهديداً كامناً لإنجاز ما كان يبقى في أذهانهم منذ أعصر من إقامة إمبراطورية هندوسية ممتدة من إندونيسيا إلى إيران.

ستار الدعاية الهندوسية الدخاني:

ص: 90

من أجل بقائها بدون حل لمدة طويلة، اكتسبت مشكلة كشمير طبيعة شريرة مؤذية حتى صارت آفة مهلكة مثل السرطان لشبه القارة الهندية ودورها السياسي، وإنها سبب وحيد لفساد العلاقات ومرارة الصلات بين الهند وباكستان منذ أكثر من ربع القرن وإنها أوقدت نار الحرب الغير الحاسمة بين الدولتين ثلاث مرات سابقاً ولعل أخرى على وشك الظهور إلا أن تكره الهند على أن تعيد إلى جادة الصواب حتى تخلو الشعب الكشميري حقه في تقرير المصير وهو عليها واجب كالتعهد الدولي، هذه القضية أي مشكلة كشمير هي السبب الأول لتخفيض الاقتصاد وتثبيط التنمية في الدولتين باكستان والهند كليهما.

وجدير بالذكر أن الهند تستورد على نطاق واسع السلاح الناري العصري المعقد من الخارج ومع ذلك مصانعها الخاصة تصنع الأسلحة بسرعة وحديثاً فجرت الهند أداة نووية أيضا، لكن على الرغم من مثل هذه المسابقة إلى السلاح حكومة الهند تحافظ على مظهرها الكاذب مظهر المسالم والمحايد.

إن للهند براعة فائقة في أساليب التضليل والخداع والتظاهر الكاذب والنفاق، وهذا كله من مميزات الهندوس القومية، فهم يعتبرون مثل هذه الأعمال إجلالاً واحتراماً، الكتب المقدسة الدينية للهندوس تحذرهم أن لا يفشوا سراً ولا يظهروا ما يكشف عن خططهم الحقيقية، وعليهم أن يفضلوا البراعة في التخطيط على الصراحة والاستقامة، وأن يحجبوا ضغائنهم حين تعاملهم مع العدو بزي الحنان والشفقة وأن يعانقوا من يريدون قتله ثم ليبكوا على ميته، وعملاً بمثل هذه النصائح نجحت الهندوس في انخداع الرأي العالمي عن ما لهم من الأهداف العدوانية ضد الدوليات الصغيرة في المناطق المجاورة وضد باكستان خاصة، وبالإضافة إلى احتلالهم كشمير ظلماً وعدواناً فإنهم قد استولوا على دولتي حيدر آباد و (جوناجر) كما ابتلعوا حديثاً دويلة (سكم) أيضاً، ولكنهم يتوضعون أنفسهم كمحي السلام والمشغولين بالهم بمشكلة اقتصادهم فقط.

ص: 91

وللهند نفسها جهاز الدعائية للضخم الفعال وفوق هذا لها نفوذ واسع مؤثر في الصحافة العالمية وهذه الصحافة كما هو معلوم تسيطر عليها الوكالات الغير المسلمة المعاديات لخير المسلمين، بمساعدة هذه الوكالات تمكن للهند أن تنتقص من أهمية مشكلة كشمير شيئاً بالأكاذيب والزور.

هذه القضية الهامة المتفجرة هي في أصلها قضية حرية الإرادة وحق الممارسة لتقرير المصير للشعب الكشميري عدده خمسة ملايين، وهذا حقهم المسلم حسب القرارات الدولية ولكن الهند تستطيع أن تموهها بنسيج من الأكاذيب وراء ستار الدعاية الدخاني فتظهر كأنها نزاع إقليمي فحسب.

الهند وإسرائيل:

ومما يوقع الكآبة في نفوسنا ويثبط العزيمة إلى حد ما هو أن الدولة الهندية استطاعت بدهائها ووفقت بالمخادعة إلى أن تخمد شيئاً فشيئاً أهمية القضية في العالم الإسلامي أيضاً _ لأن الهند تصطف مع البلاد العربية ظاهرياً ضد إسرائيل _ وهي برغم ذلك ووراء ستار المسرح تتحد كل اتحاد في الحلف مع إسرائيل، فبهذا الاصطفاف الظاهري دبرت الهند أن تحايد بعض البلاد العربية من المساعدة لمشكلة كشمير إلى حد ما، ولعل من أجل ذلك لم يبرز هذه القضية في برنامج مؤتمر القمة الإسلامي.

ص: 92

العالم الإسلامي اليوم مشغول البال تماماً بالخطر الإسرائيلي وقضية فلسطين، ولا ريب أنها قضية ذات شأن كبير ويتوقف بقاء المسلمين عامة والدول العربية خاصة على حل هذه القضية على نحو مرض ومع هذا ليس من الصواب أن نرى مشكلة كشمير بتقدير بخس، سياسة الهند للتوسع الإقليمي ليست أقل من الاستعمار الصيهوني تهديداً وقساوة وإتلافاً، والواقع أن كليهما، الهند وإسرائيل، من وكلاء الاستعمار وهما يطمحان إلى التخلص من العالم الإسلامي والتغلب عليه، فإسرائيل تحلم باغتصاب البلاد العربية والهند تحلم لتجديد الإمبراطورية الهندوسية التي يعتقد الهندوس أنها كانت تتسع ما بين إندونيسيا وإيران قبل بضعة آلاف من السنين، ثم من مميزات دبلوماسية الهند وهي تلتقي مع مزايا دبلوماسية الصهيونية، هي الدعوة إلى السلام كذباً وزوراً ثم اللجوء إلى العدوان المسلح.

وكذلك من أبرز وجوه التشابه بين هاتين العميلتين للاستعمار الغربي، هو عدولهما عن الإيفاء بالمواثيق، وكم من عهود واتفاقيات نكثتها الهند أن إسرائيل لا تزال تنكث مواثيقها فليس عند الهندوس واليهود أي إجلال واحترام للعهود، فهم كلما عاهدوا عهداً نبذوه وراء ظهورهم.

والهند تنتفع بفترة راحة فازت بها من وقف إطلاق النار انتفاعاً تاماً، فهي من ناحية تشيد قوتها العسكرية لتأبيد احتلالها في كشمير المحتلة ومن ناحية أخرى هي تعمل لتصيير الأكثرية المسلمة إلى أقلية وهذه تارة بالاعتناق وتارة بالطرد.

الهند بدأت عملاً نظامياً وحملة عنيفة لتحقيق هذا الهدف المشؤوم فمئات من الأسرات تقصى وتشتت من حين إلى حين بمن وطنهم كشمير المحتلة إلى جانب آخر من التختم أي إلى المنطقة المحررة من كشمير.

ص: 93

ومعاً باشرت الهند عملاً في تنفيذ مغامرة شنيعة وهي تنفير الجيل الجديد وتجهيله من التراث الثقافي الإسلامي للتحول الفكري إلى ثقافة الهندوس ومنوال حياتهم، ولتحقيق هذا المرام بدلوا المناهج الدراسية والكتب المدرسية كأنهم عزموا على تدمير كينونة المسلمين المستقلة في الأرض المحتلة.

وكفاحنا لتحرير كشمير سيستمر إن شاء الله تعالى إلى إنجاز الغاية وبالنظر إلى التوتر السائد في العالم وخطورة الوضع المحدث من أجل صراعنا مع إسرائيل، نحن الكشميريون لا نترقب في هذا الطور ولا نطلب من البلاد الإسلامية أن يستعجلوا فجاءة لإنقاذنا من الاستعمار الهندوسي.

فكل ما نرجوه، وأقل ما يكون من قراءة هذه الكراسة، أن تساعدونا مساعدة مادية وأخلاقية، كما نرجو ونطلب منكم أيها الأخوة فضح الخداع الهندوسي وأن تكون الهند عرضة الإلحاح والإكراه الأخلاقي والسياسي والاقتصادي لإيفاء العهود والمواثيق التي هي تعهدتها وأبرمتها على رؤوس الأشهاد أمام دول العالم.

ص: 94

من الصحف والمجلات

محنة الإسلام في الصومال

إعداد العلاقات العامة

لقد قال السيد زياد بري في خطاب ألقاه أمام رؤساء البعثات الدبلوماسية الصومالية في نادي الضباط مساء يوم الجمعة 24 أكتوبر 69م ونشرته صحيفة (نجمة أكتوبر) في اليوم التالي بالحرف الواحد:

الهدف من تسلم الضباط العسكرية السلطة في البلاد ليس شخصيا فقد تسلمنا السلطة لأننا لم نستطع تحمل الأعمال الشريرة الفاسدة مثل الرشو والمحسوبية واختلاس الأموال العامة والظلم وعدم احترام ديننا وانتهاك قوانين البلاد. ونحن نرجو بمساعدة الله القوي أن نعمل كل ما نستطيع لإزالة جميع الأعمال الشريرة في بلادنا والقضاء عليها، وسنعمل على احترام الدين الإسلامي بالقوة التي لدينا إن دعت الضرورة.

وظل هذا الكلام الساحر حلماً يداعب خيال أبناء الشعب الصومالي الذي سار وراء الثورة يؤيدها ويعطيها ما وسعه ن عطاء كريم وتوطدت السلطة في البلاد بفضل هذا الدعم الشعبي الهائل. فماذا حدث بعد ذلك؟

هذا وفي يوم 16/8/72م أذيع بيان رسمي من الراديو أدلى به اللواء زياد بري جاء فيه قوله بالنص: "إن مسيرتنا تطبق على البلاد الاشتراكية العلمية التي أسسها ماركس وطبقها لينين العظيم"!!

ومن يومها بدأت السجون والمعتقلات تستقبل أفواجا من (الخارجين على القانون) الذين هبوا يعارضون هذا الاتجاه. ولعل الأغرب من ذلك أن حركة الاستيلاء عمت من (رفاق السلام) في صفوف الجيش الصومالي مما اضطر السلطة الحاكمة إلى إبعاد أعداد كبيرة من ضباط الجيش إلى الاتحاد السوفييتي للانخراط قسراً في مدارس (عقائدية) ماركسية لمدة خمس سنوات.

عن مجلة رابطة العالم الإسلامي

ص: 95

وأخيراً جاءت الخطوة التي لا بد منها وهي إقدام السلطات الشيوعية في الصومال على إحراق العلماء، وزج الأحرار في ظلمات السجون. . دون ما ذنب سوى أن يقولوا: ربنا الله. . .

ولا حول ولا قوة إلا بالله. . .

المجلة

وأخدود جديد للمسلمين في تايلاند

بانكوك _ قامت سلطات تايلاند مؤخراً بارتكاب جريمة بشعة يندي لها جبين الإنسانية وذلك بإحراقها 23 مسلماً. وجهت إليهم تهمة مساعدة الفدائيين المسلمين في تايلاند والجدير بالذكر أن حكومة بانكوك تقوم بتنفيذ مخطط وحشي آخر شبيه بالمخطط الحاقد الذي يقوم بتنفيذه ماركوس في الفليبين وذلك بالعمل على تدمير الشخصية الإسلامية إما بالقتل أو بالعمل على ترك مناطق المسلمين بدون مرافق عامة أو أي عناية بحيث تتفشى فيها الأوبئة والجهل. وقد قامت في الولايات الأربع الإسلامية في تايلاند حركة إسلامية للمطالبة بالحقوق المدنية للمسلم التايلندي وبالمقابل واجهت حكومة تايلاند هذه الحركة بالاضطهاد والاستبداد وقد أرسلت السلطات التايلندية مؤخراً عشرة آلاف جندي نظامي لمحاربة المسلمين في جنوب تايلاند.

عن أخبار العالم الإسلامي.

من أسرار البحار

الأسرار الخفية التي تكتنف حياة البحار، قد تجعل الإنسان يشعر بمدى ضآلة معرفته بالبحار وما تحتضنه في أجوافها من مخلوقات، ومن بين هذه الأسرار مقدرة الأسماك على الرحيل والانتقال إلى أماكن قاصية جدا ثم العودة إلى مسقط رأسها لتتوالد هناك.

ص: 96

ومن هذه الأسماك الرحالة نجد سمك (السلمون) الذي يغادر مكان توالده في أعالي الأنهار ويتجه نحو المحيطات حيث يبقى بضع سنوات، ثم تدفعه غريزته إلى العودة إلى مسقط رأسه، ليضع بيضه هناك ورغم ضآلة معرفتنا بالظروف المحيطة بظاهر الرحيل لهذا النوع من الأسماك، أثناء وجوده في المحيط، فإننا عرفنا بعض الشيء عن المرحلة الأخيرة من حياته وهو في طريق عودته إلى مسقط رأسه، فقد تبين لنا أن مراكز الإرشاد الكيميائية هي التي توجه هذه الأسماك أثناء رحيلها. وقد دلت التجارب على أن السمك (السلمون) يفقد مقدرته على معرفة مجرى النهر الذي جاء منه إذا ما أغلق أنفه حيث يفقد حاسة الشم لديه. كما عرض المختصون بدراسة الأجهزة العصبية طريقة خاصة تبين أهمية حاسة الشم لدى هذا النوع من السمك في تحديد معالم طريق عودته، وذلك بالاستماع إلى الذبذبات التي تطلقها السمكة المقيمة، فحينما يقترب السمك العائد إلى مسقط رأسه من ساحل البحر ويبدأ في طلوع النهر يتوقف جزء كبير من الدماغ عن إصدار الذبذبات تماماً، بينما تبدأ منطقة حاسة الشم عملها بمنتهى النشاط، وكأنما قد توقف ذلك القسم بانتظار الإشارات الكيميائية من الأقسام المجاورة للدماغ. وهذه الإشارات هي التي ترشد كل سمكة إلى المكان الذي ولدت فيه قبل سنين عديدة، وعندما واجهت الأسماك مياه جداولها الخاصة أخذت اتجاهها الصحيح واختارت الذراع الذي تنساب فيه مياه جدولها وهكذا ثبت لنا.

ص: 97

من أعلام المحدثين

أبو الفرج ابن الجوزي 510 تقريبا - 597 هـ

بقلم: فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد

نائب رئيس الجامعة الإسلامية

نسبه:

هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم ابن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله القرشي التيمي البكري البغدادي.

كنيته ولقبه ونسبته:

كنيته أبو الفرج ولقبه جمال الدين واشتهر بابن الجوزي، واختلف في هذه النسبة فقيل إن جده جعفر نسب إلى فرضة من فرض البصرة يقال لها جوزة، وقال المنذري: هو نسبة إلى موضع يقال له فرضة الجوز وقيل هو منسوب إلى محلة بالبصرة تسمى محلة الجوز وقيل بل كانت في داره بواسط جوزة لم يكن بواسط جوزة سواها ذكر هذه الأقوال ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة.

ممن روى عنهم:

نشأ يتيماً إذ توفي والده وله ثلاث سنوات ولما ترعرع حملته أمه وعمته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر وهو خاله فاعتنى به وأسمعه الحديث وحفظ القرآن وقرأ على جماعة من القراء وقد سمع الحديث في صغره ولما بلغ رشده وفهم الطلب صار ينتقي من الشيوخ من هو أمثل من غيره وأكثر إفادة وقال متحدثا عن ذلك:

"فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم وأوثر من أرباب النقل أفهمهم فكانت همتي تجويد العُدد لا تكثير العدد ولما رأيت من أصحابي من يؤثر الاطلاع على كبار مشايخي ذكرت عن كل واحد منهم حديثاً"، ثم ذكر أهم مشيخته التي نوه عنها وعدتهم سبعة وثمانون شيخاً من كبار شيوخه ومنهم القاضي أبو بكر الأنصاري وأبو بكر المزرفي وأبو القاسم الحريري وعلي بن عبد الواحد الدينوري وأبو السعادات المتوكلي وغيرهم.

ممن رووا عنه:

ص: 98

روى عنه ابن الصاحب يحيى وسبطه الواعظ شمس الدين يوسف بن فرعلي والحفظ عبد الغني وابن الزبيبي وابن النجار وابن خليل والتقي البلداني وابن عبد الدائم وغيرهم.

ثناء العلماء عليه:

وكان ابن الجوزي رحمه الله محل ثناء الأئمة وتقديرهم، قال فيه الذهبي في التذكرة:"الإمام العلامة الحافظ عالم العراق وواعظ الآفاق"، وقال ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة:"الحافظ المفسر الفقيه الواعظ شيخ وقته وإمام عصره"، وقال الموفق عبد اللطيف:"كان ابن الجوزي لطيف الصورة حلو الشمائل رخيم النغمة موزون الحركات والنغمات لذيذ المفاكهة يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون لا يضيع زمانه شيئاً يكتب باليوم أربعة كراريس ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلداً إلى ستين وله في كل علم مشاركة لكنه كان في التفسير من الأعيان وفي الحديث من الحفاظ وفي التاريخ من المتوسعين ولديه فقه كاف وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية إن ارتجل أجاد وإن روى أبدع"، وقال سبطه أبو المظفر:"كان زاهداً في الدنيا متقللاً منها وما مازح أحداً قط ولا لعب مع صبي ولا أكل من جهة لا يتيقن حلها وما زال على ذلك الأسلوب إلى أن توفاه الله تعالى"، وقال موفق الدين المقدسي:" كان ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة وكان صاحب فنون وكان يدرس الفقه ويصنف فيه وكان حافظاً للحديث وصنف فيه إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة ولا طريقته فيها"، وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان:"كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ صنف في فنون عديدة"، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "أحد أفراد العلماء برز في علوم كثيرة وانفرد بها عن غيره وجمع المصنفات الكبار والصغار نحواً من ثلاثمائة مصنف وكتب بيده نحواً من مائتي مجلدة وتفرد بفن الوعظ الذي لم يسبق إليه ولم يلحق شأوه فيه وفي طريقته وشكله وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه

ص: 99

ونفوذ وعظه وغوصه على المعاني البديعة وتقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة هذا وله في العلوم كلها اليد الطولى والمشاركات في سائر أنواعها من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنظر في النجوم والطب والفقه وغير ذلك من اللغة والنحو"، وقال: "وبالجملة كان أستاذاً فرداً في الوعظ وغيره".

آثاره:

ابن الجوزي من العلماء الذين أكثروا من التأليف في فنون شتى، قال ابن خلكان في وفيات الأعيان:"صنف في فنون عديدة"، ثم ذكر نماذج منها وقال:"وبالجملة كتبه أكثر من أن تعد وكتب بخطه شيئاً كثيراً والناس يغالون في ذلك حتى إنهم يقولون: إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسعة كراريس وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل، ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل منها شيء كثير وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها"، وقال الذهبي في العبر:" صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والأخبار والتاريخ والطب وغير ذلك"، وقال الذهبي في التذكرة:"وما علمت أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل"، وقال أبو العباس ابن تيمية:"وله مصنفات في أمور كثيرة حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف ورأيت بعد ذلك له ما لم أره"، وقال: "وله التصانيف في الحديث وفنونه ما لم يصنف مثله وقد انتفع الناس به وهو من أجود فنونه وله في الوعظ وفنونه ما لم يصنف مثله ومن أحسن تصانيفه ما يجمعه من أخبار الأولين مثل المناقب التي صنفها فإنه ثقة كثير الاطلاع على مصنفات الناس حسن الترتيب والتبويب قادر على الجمع والكتابة وكان من أحسن المصنفين في هذه الأبواب تمييزاً فإن كثيراً من

ص: 100

المصنفين لا يميز بين الصدق فيه والكذب". وقد ترجم له الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة ترجمه مطولة في أربع وثلاثين صفحة سمّى فيها ما يزيد على مائتين من مصنفاته فيها المختصر والمطول ومن أشهر المطبوع منها زاد المسير في علم التفسير وكتاب صفة الصفوة وكتاب الموضوعات وكتاب مناقب الإمام أحمد وكتاب ذم الهوى وكتاب الوفاء بأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم وكتاب تلبيس إبليس، وقد ذكر الحافظ بن رجب في ترجمته أنه مع ما حصل له من التصنيف وكثرة الثناء عليه؛ للناس فيه كلام من وجوه، منها كثرة أغلاطه في تصانيفه، وقال: "وعذره في هذا واضح وهو أنه كان مكثراً من التصانيف فيصنف الكتاب ولا يعتبره بل يشتغل بغيره وربما كتب في الوقت الواحد في تصانيف عديدة"، ومنها ما يوجد في كلامه من الثناء والترفع والتعاظم وكثرة الدعاوي ثم قال ابن رجب: "ولا ريب أنه كان عنده من ذلك طرف والله يسامحه"، ومنها ميله إلى التأويل في بعض كلامه، ثم قال ابن رجب:"ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف وهو وإن كان مطّلعا على الحديث والآثار في هذا الباب فلم يكن خبيراً بحل شبه المتكلمين وبين فسادها".

وفاته:

توفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب، أرّخ وفاته بهذا ابن خلكان في وفيات الأعيان وقال:"وكانت ولادته بطريق التقريب سنة ثمان وقيل عشر وخمسمائة"، وقال:"وتوفي والده سنة أربع عشرة وخمسمائة"، وأرّخ وفاته بهذا ابن كثير في البداية والنهاية وقال:"وله من العمر سبع وثمانون سنة وحملت جنازته على رؤوس الناس وكان الجمع كثيراً جداً ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الإمام أحمد وكان يوماً مشهوداً حتى قيل إنه أفطر جماعة من الناس من كثرة الزحام وشدة الحر"، وذكر أنه كان له من الأولاد الذكور ثلاثة وأن له عدة بنات رحمه الله.

ممن ترجم له:

ص: 101

1-

ترجم له ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة 1/399.

2-

والذهبي في العبر 4/297، وتذكرة الحفاظ 4/135.

3-

وابن العماد في شذرات الذهب 4/329.

4-

وابن خلكان في وفيات الأعيان 2/321.

5-

وصديق خان في التاج المكلل 64.

6-

وابن كثير في البداية والنهاية 13/28.

7-

والإكمال للخطيب التبريزي آخر المشكاة 3/808.

8-

وابن تغرى بردس في النجوم الزاهرة 6/174.

9-

وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين 5/158.

ص: 102

ندوة الطلبة

عجباً لمن يرثى لقاتله

بقلم: أحمد بن حسن المعلم

الطالب بالمعهد الثانوي - السنة الأولى

وتذرعي يا نفس بالصبر.

يا دمع قف بالله لا تجري.

وأهاجت النيران في صدري.

هذي الحوادث أحرقت كبدي.

بالحلم حتى ينقضي أمري.

لكنني سأظل معتصماً.

تبكي بكاء العاجز الغمر.

لسنا وإن عظمت مصائبنا.

بدقيقة الأطراف والخصر.

لا تحسبوا ما حل بي كلفاً.

يسعى وليس لغاية يجري.

فالعشق مذهب من بلا هدف.

إلا لقصد طيب الذكر.

وأنا الذي ما سرت أنملة.

إلا لهذا الواقع المزري.

لم تضرم النيران في كبدي.

فينا التراب يعد كالتبر.

حيث الحقائق قلبت وغدا.

متناقض الآراء والفكر.

لله هذا الجيل كيف غدا.

ويصاب بالأحزان والذعر.

يبكي على الطاغوت حين هوى.

كالات بين فصائل الكفر.

ويظل محتفظاً بدولته.

ويصور التمثال للذكر.

ويود لو تبقى ملامحه.

أبوابها إلا من المقري.

حتى الإذاعة أغلقت حزناً.

بوفاة من نسبوه للطهر.

وقفوا حداداً عندما سمعوا.

فلنبك هذا الكوكب الدري.

قالوا هوى في الشرق كوكبه.

لكنه يهدي إلى الشر.

حقاً رأينا كوكباً وسنى.

من عيشهم ببريقه المغري.

ويخدر الأقوام إذ فنعوا.

ويحب من أصماه بالسحر.

عجباً لمن يرثي لقاتله.

فكأنما هو عالم العصر.

ويظل مكتئباً لفرقته.

وجنوده في ربقة السكر.

هذا ودين الله منتهك.

ولخطب دين الله لا يدري.

فأعجب لمن يبكي لفاسقة.

لفراق أهل الحق والذكر

.

ص: 103

لم تسمع الآذان تعزية.

ظلماً بأيدي طغمة الكفر.

قتلوا دفاعاً عن عقيدتنا.

وكأننا في زينة الفطر.

ذهبوا وما يرثي لهم أحد.

لا غيرة في أهله تسري.

يا ضيعة الإسلام في زمن.

وليقبضوا حقاً على الجمر.

فلتبك للإسلام عصبته.

راياته في البر والبحر.

وليجهروا بالحق عالية.

ميثاقه في سالف الدهر.

ولينجزوا البيع الذي عقدوا.

من أجله فرحاً بلا عسر.

فالنفس ملك الله ندفعها.

هذه النفوس بوافر الأجر.

طوبى لمن باعوا لخالقهم.

للقبر أو للعز والنصر.

فلندفع الأرواح غالية.

خير لحزب الحق والبر.

إذ ليس في الدنيا وزخرفها.

ويقيه من ويلاته الحمر.

ألا ودين الله يحكمه.

أو لا فأدنونا من القبر.

فلنبق للإسلام ننصره

.

ص: 104

محاورة هادفة

بقلم: محمد عبد الرحمن الأهدل

الطالب بكلية الشريعة في الجامعة

بني كم حثثتك على الاعتناء بلغة القرآن، لغة آبائك وأجدادك، وكم بذلت نفسي لأرفع من شأنك وأصلح من لسانك وأنت تترفع وتتكبر.

الولد: والدي إلى متى وأنت تتهمني بالغباوة وترميني بقلة العلم تارة وبضيق حوصلتي تارة أخرى، لماذا؟ ألست عربياً منحدراً من سلالة عربية؟ ، أليست اللغة العربية نحن مصدرها؟ ، وعلاوة على هذا ألست قد أخذت نصيبي من الثقافة وحظي من فنون البلاغة؟ ، أبعد هذا كله تأمرني أن أنزل إلى الحضيض وأرجع إلى الوراء ولم تشأ إلا أن أقعد في البيت لتصلح من لساني على حد تعبيرك فلستُ طفلتك الصغيرة مها.

الأب: يبتسم ويهز رأسه. بني حقاً إنك من دوحة عربية وسلالة عدنانية ولكن أما علمت أن لغتك قد اجترفها سيل العجمة منذ القدم، وأن عربيتك كادت أن تؤول إلى الهرم لولا أن قيض الله لها جهابذة ألباء وعباقرة أذكياء.

أما علمت أن المحافظة على لغتك محافظة على دينك وتراثك وعنوان عزتك ورفعتك وأما زعمك أنك قد أخذت نصيباً من الثقافة وقسطاً من فنون البلاغة فهذا لا أكاد أصدقه بعد أن سمعت منك أخطاء كثيرة في التعبير، يتبرأ منها كل عربي نحرير ولكن لا يعروني العجب من هذا فبعض أهل اللسان في هذا الزمان قد جرد سيف منطقه للنيل من بنت عدنان.

الولد: أود يا والدي أن تنبهني على خطأ واحد صدر مني.

جلس الوالد بعد أن كان متكأً وتابع حديثه قائلاً سمعتك يا ولدي البارحة تنادي أمك وتقول: املأي لي القعب لبناً فأنا جائع أشتهي شرب اللبن وكان التعبير الدقيق السليم الموجز أن تقول لها أنا عيمان، أفهمت؟

الولد: إني أتعجب من كلامك أخبرني هل خص العرب مشتهياتهم إذا طلبوها بتعبيرات خاصة.

ص: 105

الوالد: نعم. أو تجهل مثل هذه الضروريات اللغوية ثم تابع حديثه قائلاً: اعلم أن العرب خصوا مشتهياتهم بتعبيرات مخصوصة وألفاظ في كتب اللغة منشورة مذكورة وحرصاً مني على استفادتك أنظمها لك ولأمثالك.

وهنا تنفس الأب الصعداء وحرّك رأسه عجباً وقدح زناد فكره وأنشد من فوره:

وفرقوا في الشهوات والطلب.

لِلَبَنِ عيمانُ قالت العرب.

كذا إلى فاكهة قالوا جعم.

للخبز جائع وللحم قرم.

وشبق إلى النكاح فاعتمد.

للماء عطشان وللتمر قرد.

وهنا أمسك الأب عن الإنشاد والتفت إلى ابنه وقد طأطأ رأسه وخفض من جناحه فقال الأب متمثلاً:

لم يستطع صولة البزل القناعيس.

وابن الليون إذا ما لز في قرن.

فشكر الولد أباه على ما حباه وقيد صيده في كراسة فكره وإلى اللقاء معهما مرة أخرى إن شاء الله. . .

ص: 106

يا حماة الدين

بقلم: عبد الرحمن عبد الرحمن شميله

الطالب بكلية الشريعة في الجامعة

ضدّ شوعيٍّ لعينْ.

يا حماة الدّين قوموا.

فهو كهف المؤمنينْ.

وانهضوا باسم الإله.

لقتال الملحدينْ.

واستعدّوا ما استطعتم.

وانصروا الحقّ المبينْ.

أعْمِلوا الفيصل فيهم.

فلنا النّصر قرينْ.

صوّبوا السّهم إليهم.

واضربوهم كلّ حينْ.

رابطوا في كلِّ ثغر.

لأُولاء المارقينْ.

واقعدوا كلّ رباط.

بين أيدي المعتدينْ.

ها فلسطين بلادي.

من عتاة الفاسقينْ.

انقذوها ارحموها.

نجعل الكفر يدينْ.

كيف يسمو الدّين إن لم.

وأب القنِّ مَهينْ) .

(ويكون الطّفل قنّاً.

وابذلوا الجهد الثّمينْ.

فارجعوا ما قد أضعتم.

الغزاة الأولّينْ.

أصلحوا الأمر كإصلاح.

أحمدَ الهادي الأمينْ.

وصلاة الله تغشى.

والتّقاة المحسنينْ.

وتعمّ الصّحب جمعاً

.

ص: 107

أخبار الجامعة

إعداد: العلاقات العامة

تقرير موجز مقدم إلى المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة في دورته السابعة المنعقدة في 15/1/1395هـ.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أصحاب السماحة والفضيلة والمعالي والسعادة أعضاء المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإني أرحب بكم أجمل ترحيب في هذه الجامعة المباركة التي أسست لتثقيف أبناء العالم الإسلامي الثقافة الإسلامية الحقة، وإعدادهم للدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ليعودوا إلى بلادهم دعاة خير، وحملة لمشاعل النور والهداية.

ويسعدني أن أعلمكم غاية سروري باجتماعكم هذا الميمون الذي تفضل الله به، لبحث أمور ترجع بالخير لهذه الجامعة، ولأبناء المسلمين من غالب أقطار المعمورة، وأشكر الله تعالى على فضله ومنته، وحسن توفيقه ومعونته.

ثم أقدم إلى حضراتكم هذا التقرير الموجز عن بعض المنجزات في الجامعة الإسلامية بناءً على ما جاء في المادة (11) من نظام الجامعة الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/18 وتاريخ 18/5/1386 هـ للإطلاع على بعض شئون الجامعة التي جدّت عقب انعقاد الدورة السادسة لمجلسكم الموقر وحتى الآن.

ولقد كانت المدة التي بين الدورة السادسة والسابعة أقصر مدة حصلت بين دورتين، فلقد انعقدت الدورتين السادسة في الثاني عشر من شهر ربيع الثاني عام 94هـ ودورتكم الحالية تنعقد الآن ابتداء من الخامس عشر من شهر محرم 1395هـ أي أنه لم يمض عليها سوى ثمانية أشهر.

ص: 108

هذا وقبل أن أوضح الأمور التي عقد المجلس دورته الحالية من أجلها والإشارة إلى بعض منجزات الجامعة في هذه الفترة فإني أشيد بالمجهودات الكبيرة المخلصة، والأيادي الكريمة النبيلة، واللفتات العظيمة المتكررة التي يوليها- جلالة الملك فيصل المعظم - لهذه الجامعة الإسلامية، التي شاء الله تعالى أن تكون في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، دار الإيمان ومأرزه - والإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها-.

أسأل الله جل وعلا أن يديم عليه التوفيق، ويسبغ عليه وافر النعم، ويأخذ بيده إلى كل خير، ويسعد هذه الأمة بطول حياته ويجزيه خير ما جزى العاملين في سبيله الداعين لدينه.

كما أني أشكر لحضراتكم أصالة عن نفسي ونيابة عن العاملين في هذه المؤسسة المباركة، تلبيتكم الدعوة، وأذكر بالثناء والتقدير والعرفان ما لقيتموه من مشقة السفر، وتحمل وعثائه، وما تبذلونه من جهد وأعمال مجيدة لصالح الجامعة.

هذا ولقد حرصت الجامعة على عقد هذه الدورة في وقت مبكر شعوراً منها بضرورة وأهمية المواضيع التي ستعرض على حضراتكم للدراسة، ولأن وضع الجامعة اليوم - وهي تحتل بحمد الله مكانة عظيمة في نفوس المسلمين - يحتم عليها السعي في تحقيق ما ترى أن المصلحة تدعو إلى توفره في الجامعة.

لذا فإنا نقدمها لحضراتكم للدراسة والاستفادة من خبراتكم وسديد آرائكم وهي كما يلي:

1-

مشروع نظام جديد مقترح لجامعة:

قد أوصى مجلسكم الموقر في دورته السادسة بإعادة النظر في نظام الجامعة القائم، وصياغته صياغة تستكمل فيها الجوانب التي تمكنها من تقديم خدمات أكثر في سبيل تحقيق أهدافها النبيلة، ورأى تأليف لجنة من أعضائه المقيمين في المملكة بالرياض، وهم:

(1)

معالي الدكتور عبد العزيز عبد الله الفدا.

(2)

سعادة الدكتور أحمد محمد علي.

ص: 109

(3)

سعادة الدكتور كامل محمد الباقر.

وذلك لدراسة النظام، وبعث ما تتوصل إليه إلى الجامعة. وقد تلقت الجامعة منهم - مشكورين - مشروع نظام جديد لها. وبعد عرضه على مجلس الجامعة ومناقشته من قبل أعضائه، أدخل عليه بعض تعديلات وأضاف إليه بعض إضافات، وأقره بالصيغة المعروضة على حضراتكم.

2-

مشروع إنشاء كلية للحديث الشريف في الجامعة:

وهو موضوع درسه مجلس الجامعة ورأى أنه يحسن أن تضم الجامعة إلى كلياتها كلية رابعة تعنى بالحديث الشريف ليتخرج منها علماء مختصون في دراسته وعلومه ينفون عنه زيغ الزائغين، ويذبون عنه انحراف المبطلين.

ومما لا شك فيه أن العناية بالحديث النبوي - وهو الوحي الثاني - الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبحت أمراً هاماً، وفريضة محتمة في هذا الوقت الذي تكالبت فيه عوامل الشر على المسلمين، وسعى أعداء الأمة الإسلامية في تشكيك أبناء المسلمين في عقائدهم، وتراثهم بشتى الوسائل المفسدة والباطلة.

ولذا فإن مجلس الجامعة بعد دراسته أقر مشروع إنشائها بالصيغة المعروضة على مجلسكم الموقر.

مشروع منهج لمادتي التربية الإسلامية وعلم النفس من الوجهة الإسلامية:

ص: 110

كان مجلسكم الموقر قد أوصى - بإيجاد مادتي التربية وعلم النفس من الوجهة الإسلامية في كل من كليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين، وأن يطلب من بعض الأساتذة المختصين - وضع منهج مناسب لهذه المادة مثل سعادة الدكتور كامل محمد الباقر، وفضيلة الشيخ أبي الحسن علي الندوي، وفضيلة الأستاذ محمد قطب. وبناءً عليه فقد عملت الجامعة على تحقيق ذلك - وتلقت من صاحبي السعادة الدكتور كامل محمد الباقر والأستاذ محمد قطب مشروعي منهج لمادة التربية الإسلامية جرى عرضهما على مجلس الجامعة للمناقشة والبحث، وإبداء وجهة نظره ورأى اختيار المنهج المقدم من سعادة الدكتور كامل محمد الباقر- مع إضافة الموضوعات والنقاط التي أبداها مجلس الجامعة عليه.

ونرفق لحضراتكم مشروع المنهج المختار والمشروع المقدم من فضيلة الأستاذ محمد قطب، وكذا المشروع المقدم منه لمادة علم النفس من الوجهة الإسلامية مشفوعاً برأي المجلس، لدارستها وإبداء ما ترونه نحوها.

ونود أن نشير إلى ما تم حيال المشروعات الثلاثة التي درسها مجلسكم في دورته السابقة فيما يلي:

أولاً: كلية القرآن الكريم:

ص: 111

رفعت الجامعة لجلالة الملك المعظم -حفظه الله - مشروع كلية القرآن الكريم وأوضحت وجهة نظر مجلسكم الموقر حول استحسان إنشاء هذه الكلية، وطلبت من جلالته إسداء مكرمة عظيمة إلى أبناء العالم الإسلامي، بالموافقة على إنشائها لتكون الكلية الثالثة في الجامعة وتلقت الموافقة السامية على إنشائها برقم 26511 وتاريخ 6/9/1394هـ وبذلك منّ الله تعالى على الجامعة وحباها فضل السبق بأن كان بها أول كلية للقرآن الكريم في تاريخ جامعات العالم، وتمّ بحمد الله إنشاؤها، إلقاء أول محاضرة فيها يوم الاثنين الموافق 6/10/1394 ونسأله جل وعلا أن ينفع بها كما نفع بالكليتين الأوليين فيها، وأن يجعل منها المعقل العظيم الذي يؤدي دوراً كبيراً في حفظ كتاب الله، ويعنى بعلومه في الوقت الذي طغت فيه العلوم المادية، وخلت غالب الجامعات والمعاهد العالية من دارسين للقرآن معنيين بأحكام تلاوته وعلومه وقراءاته.

ثانياً:

وبالنسبة للتوصيات المتعلقة بتعديل المناهج الخاصة بكليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين فسيتم تطبيقها في مطلع العام الدراسي القادم بعد صياغة المناهج على ضوء المقترحات. والانتهاء من دراسة المشروعات الخاصة ببعض المواد كمادتي: التربية الإسلامية، وعلم النفس من الوجهة الإسلامية.

ثالثاً:

أما بالنسبة لمركز شؤون الدعوة الذي أوصى مجلسكم الموقر بإنشائه في الجامعة، فقد رفعت الجامعة طلب الموافقة عليه.

والأمل كبير في أن تحصل الموافقة القريبة إن شاء الله على إيجاد هذا المركز، لما يعلم من حرص جلالة الملك المعظم - وفقه الله -، وحرص المسؤولين في الدولة على تحقيق كل ما يخدم الدعوة الإسلامية والمسلمين، ويعود لهذا الأمة بالنفع والخير العميم.

ومن أهم المنجزات التي تحققت في الفترة من انعقاد الدورة السادسة في 20/4/1394هـ إلى حين انعقاد الدورة السابعة في 15/1/1395هـ:

ص: 112

أ - وضعت الجامعة خطتها الخمسية للسنوات الخمس المقبلة اعتباراً من عام 95/96 إلى عام 99/1400هـ على ضوء الأسس الآتية:

1) دراسة استطلاعية للوضع الراهن والماضي للجامعة منذ عام 89/1390هـ تناولت الجوانب التعليمية، والإدارية، والمالية، ومرافق الجامعة، وحالة المباني، ومساحة الأراضي التي تملكها.

2) تقدير النمو الطلابي في كليات الجامعة، والمعهدين الثانوي والمتوسط وداري الحديث في سنوات الخطة، وعلى مدى خمسة عشر عاماً مقبلة.

3) تحديد أهداف الخطة في السنوات الخمس القادمة.

4) دراسة وتقدير احتياجات الجامعة لتحقيق هذه الأهداف.

وقد تضمنت الخطة:

أولاً:

22 مشروعاً إنشائياً: لمباني جديدة لكليات الجامعة الخمس الموجودة والمقترحة وقسم الدراسات العليا المقترح، والمعهدين الثانوي والمتوسط وداري الحديث بمكة المكرمة والمدينة المنورة، ومباني: لرئاسة الجامعة، ومهاجع للطلبة ومساكن لبعض الأساتذة، ومساكن لبعض الموظفين، وإدارات التخطيط والإشراف الاجتماعي، ومركز شئون الدعوة، ودار الطلبة وتوزيع الكتب بجدة، وقاعة محاضرات كبرى، ومكتبة عامة، ومسجد كبير، ومستشفى، ومطعم، وتأمين مطبعة.

ثانياً:

اقتراح إيجاد كليتين جديدتين وقسم الدارسات العليا وإدارة للتخطيط والمتابعة والميزانية، وإدارة لشئون الإشراف، والتوجيه الاجتماعي، وطلب الموافقة على مركز شؤون الدعوة.

ثالثاً:

استكمال أعضاء هيئة التدريس والمدرسين، وتعزيز الجهاز الوظيفي الإداري والفني، والتوسع في المنح الدراسية، وفي خدمات مستشفى الجامعة.

وبلغت التكاليف التقديرية المطلوبة لتنفيذ خطة الجامعة في السنوات الخمس ما يلي:

388867163 ريال

مجموع الإنفاق المتكرر (الأبواب الأول والثاني والثالث من الميزانية)

560666662 ريال

مجموع الإنفاق غير المتكرر (الباب الرابع - المشروعات)

ص: 113

949533825 ريال

المجموع الكلي

ب- تخرج في اختبار الدور الأول لعام 93/94 هـ تسعون جامعياً من كليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين، وفي اختبار الدور الثاني ثلاثة عشر جامعياً من الكليتين المذكورتين. وبذلك أصبح عدد المتخرجين من الجامعة في هذا العام مائة وثلاثة خريجين.

وبإضافة هذا العدد إلى المتخرجين من كليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين في الأعوام الماضية يكون عدد الحاصلين على الشهادة العالمية من الجامعة تسعمائة وخمسة وخمسين جامعياً ومنهم 7 طلاب حصلوا على الشهادة العالية من كليتي الشريعة وأصول الدين.

كما حصل عام 93/94 على شهادة إتمام الدراسة من المعهد الثانوي (147) طالباً.

وحصل على شهادة إتمام الدراسة المتوسطة (89) طالباً.

ومن دار الحديث المكية (27) طالباً.

ومن دار الحديث المدنية (45) طالباً.

ج - استحسن مجلس الجامعة في جلسته المنعقدة في 7و8/1/1294هـ طلب الموافقة على إحداث ثلاثمائة منحة دراسية توزع على سبعة وثمانين قطراً من أقطار العالم، واعتماد المبالغ اللازمة لذلك في ميزانية الجامعة للسنة المالية 94/1395 هـ وفعلاً تمت الموافقة السامية عليها، وجرى توزيعها على أبناء العالم الإسلامي وفقاً للبيان المعروض على مجلسكم الموقر.

د - كان عدد المنتدبين من خريجي الجامعة لمواصلة الدراسات العليا في مكة المكرمة في العام الماضي خمسة، وقد بلغ عددهم في هذا العام رابعة عشر دارساً. وتعمل الجامعة على إيفاد المزيد من الخريجين منها لنيل درجة (الماجستير) ثم (الدكتوراه) وذلك لتوفير الأساتذة الجامعيين فيها من السعوديين.

هـ - لقد تم اعتماد الوظائف التالية في ميزانية الجامعة لعام 94/1395 هـ لتزويد بعض الجامعات والمدارس الدينية في الخارج تشجيعاً لها على السير ورفعاً من شأنها في تلك الأوساط:

الجهة

المرتبة

العدد

ص: 114

الجامعة السلفية في الباكستان بلائلفور

7

2

الجامعة السلفية في الهند ببنارس

6

3

المدرسة الصمدانية في غانا

6

2

المدرسة السعودية في أديس أبابا

6

3

كما استصدرت الجامعة الموافقة السامية على تعيين اثنين من أبرز خريجيها من طلبة إندونيسيا في كل عام للقيام بالدعوة إلى الله والتدريس في أندونيسيا بمكافآت شهرية، وتم إيفاد اثنين من خريجي عام 93/1394هـ وجرى اعتماد ست وظائف تدريس في المرتبة السادسة للمدرسة السلفية في مدينة بلجرشي من بلاد غامد.

و كانت موازنة الجامعة في العام 93/1394هـ (24360874) ريال وبلغت في عام 94/1395هـ (4015940010) ريال أي بزيادة ستة عشر مليوناً تقريباً.

ز- جرى تسلم مهجع سكني يتسع ل640 طالباً وجرى إسكان الطلاب فيه كما خصص في ميزانية عام 94/1395هـ مبلغ 15 مليون ريال لبناء مهجع آخر مماثل.

ح- جرى تسلم مبنى المعهد الثانوي للجامعة من المقاول، وبدأت الدراسة فيه اعتباراً من مطلع العام الدراسي 94/1395هـ.

ط- تم ترسية المشاريع الثلاثة على شركة معمارية وهي بناء مسجد للجامعة، وبوابة رئيسية لها، ومعهد الدراسة المتوسطة، وقد قطعت شوطاً في عملها.

ي- قامت الجامعة بطبع الكتب التالية:

لشيخ الإسلام ابن تيمية

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

1

لشيخ الإسلام ابن تيمية

الحسبة

2

للعلامة ابن القيم

كتاب الصلاة

3

لشيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب

كتاب الكبائر

4

(( (( (( ((

كتاب أصول الإيمان

5

(( (( (( ((

فضل الإسلام

6

لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

كتاب المصالح المرسلة

7

ص: 115

كما قامت بطبع أربعين ألفاً من كتاب التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، لرئيس الجامعة باللغة الإنجليزية وعشرين ألفاً باللغة الفرنسية وذلك مساهمة من الجامعة في نشر التوعية الإسلامية وهي تقوم بتوزيعها في الداخل والخارج.

ك- بلغ عدد المحاضرات التي ألقيت في الموسم الثقافي للعام الماضي خمس عشرة محاضرة، وقد اتخذت الإجرءات لطبعها في مجلد واحد.

وبعد: فهذا ما رأينا عرضه على حضراتكم في هذا التقرير الموجز، ونكرر شكرنا لحضراتكم ونسأل المولى جل وعلا أن يهبكم العون والتوفيق، ويبارك في الجهود التي تبذلونها، لخدمة دينكم وأمتكم، كما نسأله جل وعلا أن يعز دينه ويعلي كلمته، ويزيد إمام المسلمين ورائد التضامن الإسلامي، جلالة الملك فيصل المعظم - حفظه الله - هدىً وتوفيقاً وصلاحاً، وقوة في سبيله لنصرة الحق وخدمة الإسلام والمسلمين، ويوفق قادة المسلمين للعمل، بما يرضيه ويجمع كلمتهم على الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف خلقه، وأفضل أنبيائه ورسله - نبينا محمد وعلى آله وصحبه. . .

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة

توصيات المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في دورته السابعة

الحمد لله رب العلمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، ودعا بدعوته، إلى يوم الدين، وبعد:

في المدة من يوم الاثنين 15 من محرم 1395هـ إلى يوم الاثنين 22 من محرم 1395هـ عقد المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة، بدعوة من سماحة رئيس الجامعة الإسلامية، ورئيس المجلس الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دورته السابعة التي عقد خلالها إحدى عشرة جلسة برئاسة سماحته، وعضوية كل من أصحاب السماحة، والفضيلة، والمعالي، والسعادة الآتية أسماؤهم، مرتبة على حروف الهجاء:

ص: 116

رئيس قضاة شمال نيجيريا.

فضيلة الشيخ أبو بكر جومي

1

رئيس جمعية ندوة العلماء في لكنهو في الهند

فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الندوي

2

وكيل وزارة المعارف للشؤون الفنية نائباً عن معالي وزير المعارف

سعادة الدكتور أحمد محمد علي

3

مفتي الديار المصرية - سابقاً -

فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف

4

الأستاذ بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة

فضيلة الدكتور السيد محمد الحكيم

5

الأستاذ بكلية الشريعة في الجامعة.

فضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي

6

مدير جامعة الرياض.

معالي الدكتور عبد العزيز عبد الله الفدا

7

وزير شؤون الأزهر.

معالي الشيخ عبد العزيز محمد عيسى

8

مدير الشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف بالكويت.

فضيلة الشيخ عبد الله العقيل

9

رئيس قضاة الأردن.

سماحة الشيخ عبد الله غوشه

10

نائب رئيس الجامعة الإسلامية.

فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد

11

الأستاذ بكلية التربية بجامعة الرياض.

سعادة الدكتور كامل محمد الباقر

12

الأستاذ بقسم الدراسات العليا بمكة.

فضيلة الدكتور محمد أمين المصري

13

مدير الأوقاف في العراق (سابقاً) ، وعضو المجامع العلمية العربية.

فضيلة الشيخ محمد بهجت الأثري

14

عميد الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس.

سعادة الدكتور محمد الحبيب بن الخوجه

15

المستشار في جامعة الملك عبد العزيز.

فضيلة الشيخ محمد المبارك

16

المستشار بوزارة المعارف.

فضيلة الشيخ محمد محمود الصواف

17

مدير دار الحديث الحسنية بالرباط.

فضيلة الشيخ مصطفى أحمد العلوي

18

ص: 117

وتخلّف عن حضور هذه الدورة فضيلة الشيخ أبي الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية في (باكستان) - سابقاً-، والداعية الإسلامي الكبير لمرضه - شفاه الله وعافاه-.

وقد درس المجلس، في هذه الدورة، المشاريع التي رأى مجلس الجامعة عرضها عليه، لدارستها وإبداء ما يراه فيها. . وهي:

1-

مشروع كلية الحديث الشريف.

2-

مشروع نظام الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

3-

مشروع منهج مادتي التربية الإسلامية، وعلم النفس، من الوجهة الإسلامية.

وفيما يلي ما رآه المجلس وأوصى به، على ضوء دراسته لهذه المشاريع:

1-

مشروع كلية الحديث:

عرض مجلس الجامعة مشروعاً لإنشاء كلية للحديث الشريف في الجامعة، بعد أن تم - بتوفيق الله عز وجل افتتاح كلية القرآن الكريم فيها، وذلك تحقيقاً لأهداف الجامعة في خدمة كتاب الله- عز وجل، وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحصيل الفوائد الكبيرة، من هذين الينبوعين الصافيين، وإيجاد دراسة تخصصية في كل منهما، تمكن الجامعة من إمداد العالم الإسلامي بخريجين متخصصين ومتعمقين في دراسة الكتاب العزيز، والسنّة المطهرة، ينيرون للناس الطريق، وينشرون بينهم ميراث النّبوة.

وقد درس المجلس الأعلى الاستشاري المشروع وخطة الدراسة، آخذاً بعين الإعبار:

1-

أن السنّة هي المصدر الثاني للإسلام، بعد القرآن الكريم، فيها تفصيل لكلياته، وشرح لموجزه، وتبيان لمجمله، ولا تُعرف معالم الإسلام في مختلف مجالات: العقيدة، والأخلاق، والأحكام في العبادات والمعاملات إلا بمعرفة القرآن الكريم، والسنّة النبوية معاً، معرفة مستوفاة.

2-

أن السنّة جزة ضخم وهام من العلوم الإسلامية، وهي - بالنسبة للمسلمين والإنسانية جمعاء - كنز ثمين، ومادة خصبة واسعة، يجب حفظها والعناية بها، والاستفادة مما تضمنته في العقائد والتشريعات، والأخلاق، والآداب، وغيرها.

ص: 118

3-

أن الهمم، في الأزمنة المتأخرة، قد تقاصرت عن دراسة السنّة والإحاطة بما وصل إليه علماء السلف من سعة العلم والرواية والدقة العلمية في التدقيق والبحث، وما تركوه من آلاف الكتب العظيمة، والمراجع الكبيرة، والبحوث الدقيقة.

4-

أن الرغبة ضعفت في هذا العلم العظيم، وقلّت معرفته، وأصبح عدد المتخصصين به في العالم الإسلامي قليلاً.

فقياماً بالواجب الكفائي، وسداً للنقص الموجود في هذا العصر، في مجال الدراسات الحديثية، وصدا لحملات المتآمرين على الإسلام بدعواتهم الباطلة إلى إغفال السنة، والإعراض عنها، وبث الشبه الزائفة التي تستهدف التشكيك في صحتها.

فإن المجلس يوصي بما يلي:

أولاً: أن تنشأ في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كلية لخدمة السنّة المطهرة، يكون الحديث النبوي الشريف محور الدراسة فيها، مع دراسة مواد شرعية أخرى، والمواد التي تعين الطالب على حسن الاستفادة من علمه بالحديث النبوي، في إطار حاضر المسلمين، تسمى: كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية.

ثانياً: أن تدرس، في هذه الكلية، المواد التالية:

10-

الدفاع عن السنة المطهرة.

1-

السنة: مكانتها وتدوينها.

11-

تفسير.

2-

كتب السنة.

12-

توحيد.

3-

السيرة النبوية.

13-

الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة.

4-

التخريج.

14-

اللغة العربية.

5-

مصطلح الحديث.

15-

علم النفس.

6-

الوضع والوضّاعون.

16-

التربية الإسلامية.

7-

الجرح والتعديل.

17-

طرق الدعوة والتدريس

8-

رواة الحديث وطبقاتهم.

18 مناهج البحث وكيف يستفاد من المراجع.

9-

فقه السنة.

ويكون توزيع الحصص الأسبوعية، على هذه المواد، وفقاً للخطة المقرّرة ضمن مشروع هذه الكلية، ويوضع لها منهج تفصيلي.

ص: 119

ثالثاً: يكلّف الطالب، في هذه الكلية، بحفظ مائتين وخمسين حديثاً كل عام، يختارها مجلس الكلية، شاملة لموضوعات متعددة، ويمتحن فيها تحريرياً وشفهياً.

2-

مشروع نظام الجامعة:

أوصى المجلس في دورته السادسة، بإعادة النظر في نظام الجامعة، وصياغته صياغة تستكمل فيها الجوانب التي تمكنّ الجامعة من تقديم خدمات أكثر في سبيل تحقيق أهدافها النبيلة التي أسست من أجلها، وتأليف لجنة من أعضاء المجلس المقيمين في المملكة، وهم:

مدير جامعة الرياض.

معالي الدكتور عبد العزيز عبد الله الفدا

وكيل وزارة المعارف للشئون الفنية.

سعادة الدكتور أحمد محمد علي

الأستاذ بكلية التربية بجامعة الرياض.

سعادة الدكتور كامل محمد الباقر

لدارسة النظام، وإعداد مشروع، يعرض على المجلس في دورته السابعة.

وقامت اللجنة - مشكورة - بوضع مشروع نظام الجامعة، استرشدت فيه بأنظمة الجامعات الأخرى في المملكة.

ودرس مجلس الجامعة المشروع، وأدخل عليه بعض التعديلات والإضافات التي رآها مناسبة، وقدمه للمجلس الأعلى الاستشاري، في هذه الدورة السابعة، لدراسته وإبداء ما يراه، ويوصي به حياله.

وبعد أن درس المجلس المشروع، واستعرض مواده: مادة، مادة، وأدخل على بعضها تعديلات، بالإضافة أو الحذف أو إعادة الصياغة، فإنه يوصي بما يلي:

إن المجلس إذ يقدّر مكانة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ورسالتها العالمية، ومسؤولياتها الكبرى لأداء هذه الرسالة، والتي تستوجب أن يكون لها نظام شامل، يعطيها من الاختصاصات، والصلاحيات ما يمكنها من الاضطلاع بمهامها، والتوسع في جهودها، وخدماتها لأداء رسالتها، وتحقيق أهدافها التي أسست من أجلها.

يطلب إلى الجامعة العمل على استصدار الموافقة السامية على مشروع هذا النظام، الذي أقرّه المجلس.

3-

مشروع منهج مادتي التربية، وعلم النفس، من الوجهة الإسلامية:

ص: 120

أوصى المجلس، في دورته السادسة، بإيجاد مادتي التربية، وعلم النفس - من الوجهة الإسلامية - في كليات الجامعة، وأن يطلب من بعض الأساتذة المختصين، مثل سعادة الدكتور كامل محمد الباقر، الأستاذ بكلية التربية بجامعة الرياض، وفضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، الأمين العام لندوة العلماء في لكنهو في الهند، وفضيلة الأستاذ محمد قطب، الأستاذ بقسم الدراسات العليا بمكة المكرمة. وضع منهج مناسب لهاتين المادتين.

وقام الدكتور كامل محمد الباقر، مع بعض زملائه المتخصصين في كلية التربية - مشكورين - بوضع مشروع لمنهج (أصول التربية الإسلامية) ، وأرسل فضيلة الأستاذ محمد قطب صورة من منهج (أصول التربية الإسلامية) المقرر بكلية التربية بمكة المكرمة، كما أرسل فضيلته مشروعاً لمنهج (دراسات في النفس الإنسانية) وضعه خصيصاً للجامعة الإسلامية.

وعرضت المشروعات الثلاثة على المجلس، فرأى ما يلي:

أولاً: إقرار مشروع منهج (التربية الإسلامية) وفقاً لما رآه مجلس الجامعة، مع التعديلات المقترح إدخالها عليه، ليدرس في كليات الجامعة، على أن يكون لهذه المادة ثلاث حصص في الأسبوع في سنة واحدة.

ثانياً: بالنسبة لمنهج علم النفس - من الوجهة الإسلامية -:

أن تعمل الجامعة على استكمال دراسة هذا الموضوع، على ضوء ما رآه المجلس، مع الاتصال بكل من فضيلة الأستاذ محمد قطب، وفضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي، لخبرتهما في هذا الميدان.

توصيات أخرى:

أولاً: تطرّق المجلس لفكرة إنشاء كلية للتربية الإسلامية في الجامعة، وبعد المناقشة أوصى المجلس الجامعة بإعداد الدراسات اللازمة لإيجاد هذه الكلية، تمهيداً لاستصدار الموافقة على إنشائها.

ص: 121

ثانياً: إدراكاً من المجلس لما يبدو من استعداد لدى سكان البلاد الإفريقية، خاصة، لتقبّل الإسلام، وميل إلى تعاليمه، وحاجة تلك البلاد الماسة إلى الدعوة الإسلامية بأسلوب أكثر فائدة وملاءمة، يوصي بما يلي:

(1)

: أن تقوم الجامعة بدارسة إمكان إنشاء معاهد متوسطة، وثانوية في تلك البلاد، وفرع للجامعة، مع إعطاء الأولوية للبلاد الأشدّ حاجة، والأكثر تقبلاً، وتوفيراً لعوامل نجاح هذه المؤسسات في التعليم والدعوة، على ضوء ما يتبين من نتائج هذه الدراسة.

(2)

: الكتابة إلى الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي للعمل على فتح مدارس، ومعاهد إسلامية في البلاد الإفريقية.

وصلى الله وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

(الموسم الثقافي للجامعة)

رغبة في نشر الوعي الإسلامي والثقافة العامة بين طلبة الجامعة وغيرهم فقد دأبت الجامعة على إقامة محاضرات عامة في دار الحديث بالمدينة، التابعة للجامعة الإسلامية، يحضرها أعداد كبيرة. وقد بدأ الموسم الثقافي هذا العام في بداية شهر محرم 1395هـ حيث افتتح بمحاضرة لفضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد، المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين وفي شعبة تعليم اللغة العربية وموضوعها: مع السيرة النبوية. ثم توالت المحاضرات على النحو التالي:

المحاضرة الثانية لفضيلة الشيخ محمد أبو فرحه المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة وموضوعها: المسئولية بين الفرد والمجتمع.

المحاضرة الثالثة لفضيلة لشيخ عبد الرءوف اللبدي المدرس في كلية الشريعة بالجامعة. وموضوعها: كيف تكون مدرساً ناجحاً.

المحاضرة الرابعة لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس في كلية الشريعة بالجامعة. وموضوعها: السبئية ومخططاتها لحرب الإسلام.

المحاضرة الخامسة لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس في المعهد الثانوي التابع للجامعة. وموضوعها: نظرة في غزوة أحد من خلال ما ورد فيها من الآيات.

ص: 122

المحاضرة السادسة لفضيلة الشيخ عبد الجليل شلبي المدرس في دار الحديث التابعة للجامعة وموضوعها: الماركسية في مواجهة الإسلام.

المحاضرة السابعة لفضيلة الشيخ محمد المهدي محمود المدرس في دار الحديث التابعة للجامعة وموضوعها: المناهج التعليمية في ضوء التربية الإسلامية.

المحاضرة الثامنة لفضيلة الدكتور أحمد عبد الله هاشم المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة. وموضوعها: قضية المعرّب في القرآن الكريم.

المحاضرة التاسعة لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري المدرس في كلية الشريعة بالجامعة وموضوعها: القضاء والقدر.

المحاضرة العاشرة لفضيلة الشيخ عبد العزيز عبد الفتاح قارئ المدرس في كلية القرآن الكريم في الجامعة. وموضوعها: حول حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف.

المحاضرة الحادية عشرة لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي المدرس في المعهد الثانوي وموضوعها: المرأة بين من كرمها ومن أهانها.

المحاضرة الثانية عشرة لفضيلة الشيخ محمد أمان بن علي المدرس بكلية الشريعة. وموضوعها: تصحيح المفاهيم في جوانب من العقيدة.

هذا، وسيجري إن شاء الله إلقاء محاضرات أخرى لبعض أساتذة الجامعة خلال شهر ربيع الآخر وستعمل الجامعة على طباعة محاضرات الموسم الثقافي لهذا العام إن شاء الله.

ومما تجدر الإشارة إليه أن المحاضرات في موسم الجامعة الثقافي في العام الماضي بلغت خمس عشرة محاضرة وسيجري حالياً طباعة هذه المحاضرات في مجلد واحد لدى إحدى شركات الطباعة في جدة.

(دليل الجامعة)

سيتم قريباً إن شاء الله طباعة دليل الجامعة للعام الدراسي 93/1394هـ وهو يحتوي على معلومات عن كليات الجامعة ومعاهدها وإبراز بعض أوجه نشاطها.

(كتب للتوزيع تطبعها الجامعة)

ص: 123

رصدت الجامعة في ميزانياتها هذا العام مبالغ كبيرة لطباعة كتب في العقيدة الإسلامية وستتم طباعتها قريباً إن شاء الله وستوزع على نطاق واسع في داخل المملكة وخارجها.

ص: 124

الفتاوى

يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية

السؤال: ما قولكم في حكم التصوير الذي قد عمت به البلوى وانهمك فيه الناس؟

تفضلوا بالجواب الشافي عماّ يحل منه وما يحرم، أثابكم الله تعالى.

الجواب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد فقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والمسانيد والسنن دالة على تحريم تصوير كل ذوي روح، آدمياً كان أو غيره، وهتك الستور التي فيها الصور، والأمر بطمس الصور ولعْن المصورين، وبيان أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة. وأنا أذكر لك جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب، وأذكر بعض كلام العلماء عليها، وأبين ما هو الصواب في هذه المسألة إن شاء الله.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: "ومَن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذَرّة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة" لفظ مسلم.

وفيهما أيضا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون".

ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" لفظ البخاري.

وروى البخاري في الصحيح عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور".

وعن ابن عباس رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "منْ صَوّر صورة في الدنيا كُلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" متفق عليه.

ص: 125

وخرج مسلم عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال أدْن مني فدنا منه، ثم قال أدن مني فدنا منه حتى وضع يده على رأسه فقال: أنبؤك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً تعذبه في جهنم". وقال:"إن كنت لا بدّ فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له".

وخرج البخاري قوله: "إن كنت لا بدّ فاعلاً. . الخ" في آخر الحديث الذي قبله بنحو ما ذكره مسلم.

وخرج الترمذي في جامعه وقال: حسن صحيح عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك".

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه وتلون وجهه وقال:"يا عائشة أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين. رواه مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وقال:"أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله"، قالت: فجعناه وسادة أو وسادتين" خرجه البخاري ومسلم، وزاد مسلم بعد قوله "هتكه: وتلون وجهه"اهـ.

وعنها قالت: قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر وعلقت دُرْنوكا فيه تماثيل فأمرني أن أنزعه فنزعته. رواه البخاري ورواه مسلم بلفظ: وقد سترت على بابي دونوكا فيه الخيل ذوات الأجنحة، فأمرني فنزعته.

ص: 126

وعن القاسم بن محمد عن عائشة أيضا قالت: اشتريت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية. قالت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ما أذنبت؟ قال "وما بال هذه النمرقة؟ "فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم"، وقال"إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة" رواه البخاري ومسلم. زاد مسلم من رواية ابن الماجشون قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" متفق عليه. واللفظ لمسلم.

وخرج مسلم عن زيد بن خالد عن أبي طلحة مرفوعاً قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل".

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام قال: "إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة".

وخرج مسلم عن عائشة وميمونة مثله.

وخرج مسلم أيضاً عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدَع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مُشرفاً إلا سويته". وخرج أبو داود بسند جيد عن جابر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم حتى محيت كل صورة فيها".

وخرج أبو داود الطيالسي في مسنده عن أسامة قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ورأى صوراً، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعله يمحوها ويقول:"قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون" قال الحافظ: إسناده جيد.

ص: 127

قال: وخرج عمر بن شَبّهْ من طريق عبد الرحمن ابن مهران عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فأمرني فأتيته بماء في دلو فجعل يبل الثوب ويضرب به على الصور ويقول: "قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون" اهـ.

وخرج البخاري في صحيحه عن عائشة أن "النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه". ورواه الكشميهني بلفظ "تصاوير"، وترجم عليه البخاري رحمه الله بـ (باب نقض الصور) وساق هذا الحديث.

وفي الصحيحين عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة"، قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقماً في ثوب؟ " وفي رواية لهما من طريق عمرو بن الحارث عن بكير الأشج عن بسر فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ قال إنه قال: "إلا رقماً في ثوب"، ألم تسمعه؟ قلت: لا. قال بلى قد ذكر ذلك.

وفي المسند وسنن النسائي عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنساناً ينزع نمطاً تحته، فقال له سهل: لِمَ تنزع؟ قال لأنه فيه تصاوير وقد قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمت. قال: ألم يقل إلا رقماً في ثوب؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. اهـ وسنده جيد. وأخرجه الترمذي بهذا اللفظ وقال: حسن صحيح.

ص: 128

وخرج أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قَرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمرْ برأس التماثيل الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومرْ بالستر فليقطع منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومرْ بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا الكلب لحسن أو لحسين كان تحت نضد لهم فأمر به فأخرج". هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي نحوه. ولفظ النسائي: استأذن جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رءوسها أو تجعل بساطاً يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه تصاوير. اهـ.

وفي الباب من الأحاديث غير ما ذكرنا كثير.

وهذه الأحاديث وما جاء في معناها دالة دلالة ظاهرة على تحريم التصوير لكل ذي روح، وأن ذلك من كبائر الذنوب المتوعد عليها بالنار.

وهي عامة لأنواع التصوير سواء كان للصورة ظل أم لا، وسواء كان التصوير في حائط أو ستر أو قميص أو مرآة أو قرطاس أو غير ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين ما له ظل وغيره. ولا بين ما جعل في ستر أو غيره، بل لعن الصور، وأخبر أن المصورين أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وأن كل مصور في النار، وأطلق ذلك ولم يستثن شيئاً.

ويؤيد العموم أنه لما رأى التصاوير في الستر الذي عند عائشة هتكه وتلون وجهه وقال: "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" وفي لفظ أنه قال- عندما رأى الستر-: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، فهذا ونحوه صريح في دخول المصور للصور في الستور ونحوه في عموم الوعيد.

ص: 129

وأما قوله في حديث أبي طلحة وسهل بن حنيف "إلا رقماً في ثوب" فهذا استثناء من الصور المانعة من دخول الملائكة لا من التصاوير، وذلك واضح من سياق الحديث، والمراد بذلك إذا كان الرقم في ثوب ونحوه يبسط ويمتهن، ومثله الوسادة الممتهنة كما يدل عليه حديث عائشة المتقدم في قطعها الستر وجعله وسادة أو وسادتين. وحديث أبي هريرة وقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم فمرْ برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة ومُرْ بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتين منبوذتان توطآن، ففعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يجوز حمل الاستثناء على الصورة في الثوب المعلق أو المنصوب على باب أو جدار أو نحو ذلك، لأن أحاديث عائشة صريحة في منع مثل هذا الستر ووجوب إزالته أو هتكه كما تقدم بألفاظها.

وحديث أبي هريرة صريح في أن مثل هذا الستر مانع من دخول الملائكة حتى يبسط أو يقطع رأس التمثال الذي فيه فيكون كهيئة الشجرة، وأحاديثه عليه الصلاة والسلام لا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا. ومهما أمكن الجمع بينها بوجه مناسب ليس فيه تعسف وجب وقدم على مسلكي الترجيح والنسخ كما هو مقرر في علم الأصول ومصطلح الحديث وقد أمكن الجمع بينها هنا بما ذكرناه فلله الحمد.

وقد رجح الحافظ في الفتح الجمع بين الأحاديث بما ذكره آنفاً وقال: "قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن". اهـ.

وقال الخطابي أيضا رحمه الله تعالى: "إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل". اهـ.

وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم: (باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه، وإن الملائكة عليهم السلام لا يدخلون بيتاً فيه صورة أو كلب) .

ص: 130

"قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها. وأما تصوير صورة الشجرة ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام.

هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو مما لا يعد ممتهناً فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام إلى أن قال: ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له.

هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.

وقال بعض السلف: إنما ينهى عمّا كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة". اهـ.

قال الحافظ بعد ذكره لملخص كلام النووي هذا:

"قلت: ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثناً إلا كسره، ولا صورة إلا لطخها" أي طمسها. الحديث.

وفيه "من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" اهـ.

قلت: ومن تأمل الأحاديث المتقدمة تبين له دلالتها على تعميم التحريم، وعدم الفرق بين ما له ظل وغيره كما تقدم توضيح ذلك.

ص: 131

فإن قيل: قد تقدم في حديث زيد بن خالد عن أبي طلحة أن بسر بن سعيد الراوي عن زيد قال: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة. فظاهر هذا يدل على أن زيدا يرى جواز تعليق الستور التي فيها الصور.

فالجواب: أن أحاديث عائشة المتقدمة وما جاء في معناها دالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور وعلى وجوب هتكها، وعلى أنها تمنع دخول الملائكة، وإذا صحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تجز معارضتها بقول أحد من الناس ولا فعله كائناً من كان، ووجب على المؤمن اتباعها والتمسك بما دلت عليه ورفض ما خلافه كما قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، وقال تعالى:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} فقد ضمن الله سبحانه في هذه الآية الهداية لمن أطاع الرسول. وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

ص: 132

ولعل زيداً رضي الله عنه لم تبلغه الأحاديث الدالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، فأخذ بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إلا رقماً في ثوب"فيكون معذوراًً لعدم علمه بها. وأما من علم الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم نصب الستور التي فيها الصور فلا عذر له في مخالفتها. ومتى خالف العبد الأحاديث الصحيحة الصريحة اتباعاً للهوى أو تقليداً لأحد من الناس استوجب غضب الرب ومقته، وخيف عليه من زيف القلب وفتنته كما حذر الله سبحانه من ذلك في قوله تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} الآية. وفي قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وقوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} الآية.

وتقدم في حديث أبي هريرة الدلالة على أن الصورة إذا قطع رأسها جاز تركها في البيت لأنها تكون كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن تصوير الشجر ونحوه مما لا روح فيه جائز كما تقدم ذلك صريحاً من رواية الشيخين عن ابن عباس.

ويستدل بالحديث المذكور أيضاً على أن قطع غير الرأس من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهتك الصور ومحوها، وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة إلا ما امتهن منها، أو قطع رأسه، فمن ادعى مسوغاً لبقاء الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

ص: 133

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة. وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها خروجها عن شكل ذوات الأرواح ومشابهتها للجمادات. والصورة إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه وفيه من بديع الخلقة والتصوير ما ليس في بقية البدن، فلا يجوز قياس غيره عليه عند مَن عَقَلَ عن الله ورسوله مراده.

وبذلك يتبين لطالب الحق أن تصوير الرأس وما يليه من الحيوان داخل في التحريم والمنع، لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تعُمه، وليس لأحد أن يستثني من عمومها إلا ما استثناه الشارع.

ولا فرق في هذا بين الصور المجسدة وغيرها من المنقوشة في ستر أو قرطاس أو نحوهما، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كل ذي روح ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم، بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظمين أشد، لأن الفتنة بهم أعظم ونصْب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمه من أعظم وسائل الشرك وعبادة أرباب الصور من دون الله، كما وقع ذلك لقوم نوح، وتقدم في كلام الخطابي الإشارة إلى هذا.

ص: 134

وقد كانت الصور في عهد الجاهلية كثيرة معظمة معبودة من دون الله حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فكسر الأصنام، ومحى الصور وأزال الله به الشرك ووسائله. فكل من صور صورة أو نصبها أو عظمها فقد شابه الكفار فيما صنعوا، وفتح للناس باب الشرك ووسائله. ومن أمر بالتصوير أو رضي به، فحكم فاعله في المنع، واستحقاق الوعيد، لأنه قد تقرر في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم تحريم الأمر بالمعصية والرضا بها كما يحرم فعلها وقد قال الله تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} فدلت الآية على أن من حضر المنكر ولم يعرض عن أهله فهو مثلهم.

فإذا كان الساكت عن المنكر مع القدرة على الإنكار أو المفارقة مثل من فعله، فالآمر بالمنكر أو الراضي به يكون أعظم جرماً من الساكت، وأسوأ حالاً، وأحق بأن يكون مثل من فعله. والأدلة في هذا المعنى كثيرة يجدها من طلبها في مظانها.

وبما ذكرناه في هذا الجواب من الأحاديث وكلام أهل العلم يتبين لمريد الحق أن توسع الناس في تصوير ذوات الأرواح في الكتب والمجلات والجرائد والرسائل خطأبيّن ومعصية ظاهرة يجب على من نصح نفسه الحذر منها وتحذير إخوانه من ذلك بعد التوبة النصوح مما قد سلف.

ويتبين له أيضاً مما سلف من الأدلة أنه لا يجوز بقاء هذه التصاوير المشار إليها على حالها بل يجب قطع رأسها أو طمسها ما لم تكن في بساط ونحوه مما يداس ويمتهن فإنه لا بأس بتركها على حالها كما تقدم الدليل على ذلك في أحاديث عائشة وأبي هريرة، وأما اللعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه.

ص: 135

وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسر بهن إليّ يلعبن معي".

قال الحافظ في الفتح: "استدل بهذا الحديث عل جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن"، قال: "وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال وحكي عن ابن أبي زيد عن مالك أنه كره أن يشتري الرجل لبنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ.

وقد ترجم ابن حبان (الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب) ، وترجم له النسائي (إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات) فلم يقيد بالصغر، وفيه نظر.

قال البيهقي بعد تخريج الأحاديث: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي _ إلى أن قال _ وأخرج أبو داود والنسائي من وجه آخر عن عائشة قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر _ فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها _ قالت:"فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ "قالت بناتي. قالت: ورأى فيها فرساً مربوطاً له جناحان، فقال: "ما هذا؟ " قلت فرس له جناحان، قلت ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك" - إلى أن قال - قال الخطابي: في هذا الحديث أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغة.

ص: 136

قلت: وفي الجزم به نظر، لكنه محتمل لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها أو جاوزتها أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعا، فيترجح رواية من قال (في خيب) وجمع بما قال الخطابي، لأن ذلك أولى من التعارض". اهـ المقصود من كلام الحافظ.

إذا عرفت ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة لأن في حِلها شكاً لاحتمال أن يكون إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور فيكون ذلك منسوخاً بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها إلا ما قطع رأسه أو كان ممتهناً كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي، وما إليه ابن بطال. ويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما قاله الجمهور لمصلحة التمرين، ولأن في لعب البنات فيها نوع امتهان. ومع الاحتمال المذكور وأشك في حِلها يكون الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسماً لمادة بقاء الصور المجسدة، وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وقوله في حديث النعمان بن بشير المخرج في الصحيحين مرفوعا:"الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يقع فيه" والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. . .

ص: 137

إنا لله وإنا إليه راجعون

كلمة للتاريخ

صفحة مشرقة في حاضر العالم الإسلامي (فيصل بن عبد العزيز آل سعود)

إنا لله وإنا إليه راجعون

بعد أن تمت طباعة هذا العدد وأوشك على الصدور حلّت بالمسلمين المصيبة الكبرى بوفاة جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله فرأت الجامعة أن تثبت في نهايته نص برقيتي التعزية المرفوعتين من سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز لجلالة الملك خالد بن عبد العزيز وولي عهده سمو الأمير فهد بن عبد العزيز ونص البرقيتين الجوابيتين عليهما، والخطاب الذي ارتجله جلالة الملك فيصل رحمه الله في الجامعة الإسلامية وكلمتين من بعض أسرة الجامعة.

والجامعة إذ تعزي جلالة الملك خالد بن عبد العزيز وسمو ولي عهده والأسرة المالكة والمسلمين جميعاً في كل مكان تسأل الله تعالى للفقيد المغفرة والرحمة ولخلفه التوفيق والتسديد والنصر والتأييد. . .

جلالة الملك المعظم خالد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية حفظه الله.

ص: 138

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذا الوقت الذي تودع فيه المملكة العربية السعودية فقيدها الراحل وفقيد المسلمين جميعاً جلالة الملك فيصل ابن عبد العزيز رحمه الله أتقدم بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن جميع منسوبي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إلى جلالتكم وإلى جميع الأسرة المالكة ولعموم الشعب بالتعزية بوفاة الفقيد الغالي سائلاً العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنته وأن يجزيه خير الجزاء عماّ قدمه لهذه البلاد وللمسلمين جميعاً من خدمات جليلة وما بذله في سبيل تضامن المسلمين وفي الدعوة إلى دين الله من جهود مشكورة وأعمال مجيدة وإنا إذ نبايعكم على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والنصح للمسلمين، نسأل الله تعالى أن يجعل جلالتكم خلفاً صالحاً وقائداً موفقاً لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده وأن يسدد خطاكم وأن يعينكم على كل خير وأن يجعل عهدكم عهد أمن واستقرار ورخاء وعز للإسلام والمسلمين معتصمين بالله ملتزمين بالسير على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سميع مجيب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الرد الملكي

صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة _ الرياض

ص: 139

لقد كان لبرقية التعزية التي بعثتموها فضيلتكم عنكم وعن كافة منسوبي الجامعة الإسلامية أعمق الأثر في نفسي لما أبديتموه من جميل المساواة وصادق الدعوات وإننا لنشكركم على ذلك سائلين المولى جلت قدرته أن يتغمد الفقيد الراحل بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جناته وأن يجزيه خير الجزاء لقاء ما قدمه من خدمات جليلة في سبيل الأمة العربية والإسلامية والدفاع عن حقوقها وأن يعوض الجميع فيه خيراً مقدرين مبايعتكم لنا وراجين من الله العلي القدير بأن يأخذ بأيدينا ويسدد خطانا ويمدنا بعونه وتوفيقه للعمل على ما فيه خير هذه الأمة وعزها وإعلاء راية الإسلام وتوحيد كلمة المسلمين إنه سميع مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خالد بن عبد العزيز

صاحب السمو الملكي الأمير المكرم فهد بن عبد العزيز ولي العهد المعظم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

إن المصيبة على المسلمين جميعاً وعلى هذه البلاد خصوصاً بالحادث الأليم الذي أودى بحياة جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله عظيمة جداً وإن الخطب كبير ولا نقول إلا ما قال الصابرون: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

ص: 140

وإصالة عن نفسي ونيابة عن منسوبي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أتقدم بالتعزية لسموكم الكريم ولجميع الأسرة المالكة وعموم الشعب ولجميع المسلمين، سائلا المولى جل وعلا أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جناته وأن يثيبه خيراً على جهوده العظيمة التي قدمها لحفظ الأمن والاستقرار في هذه البلاد ولنشر الدعوة الإسلامية والدعوة للتضامن الإسلامي في أنحاء المعمورة والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً كما أننا جميعا نبايعكم ولياً للعهد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والنصح للمسلمين وأسأل الله تعالى أن يبارك في خلفه جلالة الملك المعظم خالد وولي عهده سموكم الكريم وأن يعين الجميع على كل خير كما أسأله تعالى أن يوفق جلالة الملك خالد وسموكم الكريم وسائر العاملين في الحكومة للاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والمسك بتعاليمها والدعوة إلى ذلك والثبات عليه لأن ذلك هو السبب الحقيقي للنصر والعزة {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . .

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة _ الرياض

ص: 141

أشكر فضيلتكم وكافة منسوبي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة على رقيق تعزيتكم وجميل مواساتكم بوفاة جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز الذي كرس حياته وضحى بالكثير من راحته وصحته مجاهداً في سبيل الله ثم أمته ودينه مدافعاً عن حقوق العرب والمسلمين حتى اختاره الله إلى جواره في وقت نحن والأمة العربية والإسلامية أحوج ما نكون إلى قيادته وتوجيهه وحكمته ولا شك أن المصاب في فقده عظيم والخطب جلل تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنته وجزاه على ما قدمه من جهود وما بذله من طاقات لخدمة القضايا المصيرية للعرب والمسلمين خير الجزاء وإنا لله وإنا إليه راجعون وإننا نقدر لكم مبايعتكم لنا ولياً للعهد مستمدين من الله العون والتأييد لتتبع خطى فقيدنا الراحل العظيم وسائلينه سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير أمتنا وعزها وإعلاء راية الإسلام وتوحيد كلمة المسلمين على الهدى والرشاد، والسلام عليكم ورحمته الله وبركاته.

خطبة الفيصل رحمه الله في الجامعة الإسلامية

لقد حظيت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بزيارة جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله ثلاث مرات كان لها الأثر الطيب في نفوس المسؤولين والأساتذة والطلبة في هذه الجامعة وفيما يلي نص الخطاب الذي ارتجله جلالته رحمه الله في زيارته التي تفضل بها للجامعة في أول شهر ذي القعدة عام 1384هـ:

أيها الأخوة المسلمون:

إنه ليسرني في هذه اللحظة المباركة أن أتقدم إليكم بعظيم شكري وامتناني لما حبوتموني به من مظاهر العطف والرعاية وإنني لأتقدم بالشكر بصورة خاصة إلى والدنا الكريم رئيس الجامعة وإلى الأخ العزيز نائبه عبد العزيز بن باز، وإلى أساتذة ومديري وطلاب هذا المعهد العظيم لما رأيته ولمسته من روح وثابة وعزم أكيد لخدمة هذا الدين وأبناء المسلمين في أقطار العالم الإسلامي.

أيها الإخوة:

ص: 142

ليس غريباً أن أرى وأسمع وألمس في هذه الجامعة ما يثلج الصدور ويبهج المخاطر من انطلاقة إسلامية كبرى أرجو لها النجاح وأرجو أن تؤتى ثمارها في أقطار العالم الإسلامي لخدمة هذه الدعوة المباركة والنهوض بها والسعي إلى نشرها بين أبناء الملة الإسلامية والدعوة إليها بين أبناء الملل الأخرى وإنني لأرجو لها نجاحاً باهراً ما دامت ترتكز على مثل هذه السواعد ومثل هذه الروح الوثابة المنطلقة بحول الله لنشر الدين والدعوة إليه والجهاد في سبيله.

أيها الإخوة:

إن المسؤولية الملقاة على عواتقكم وعواتق الجميع مسؤولية كبرى فاسعوا إلى التفقه في دينكم ومعرفة كل ما يمكن معرفته لتكونوا مسلحين بسلاح العلم وسلاح الفقه وبسلاح المعرفة حتى تكونوا مستعدين لما يجابهكم من صعاب ومن دعوات مضللة ومن مجهودات يرغب ويأمل أصحابها في أن يأخذوا من هذا الدين وأن يحطوا من قدره وأن يهاجموه بكل ما أوتوا من قوة وإنني لأرجوا الله مخلصاً أن يهبكم الصبر والشجاعة والقوة لتكافحوا في سبيل هذا الدين ولتبصروا الناس بما يحتويه هذا الدين وما تحتويه هذه الدعوة والشريعة من مزايا ومن مكارم ومن أسس هي أصلح ما يكون للبناء. البناء الذي يهدف إلى صالح البشر وإلى خير الأمة ولا يهدف إلى التزوير وإلى البدع والمضللات وإلى هدم الكيانات البشرية وإلى هدم الأخلاق وكل ما هو كريم في بني الإنسان.

أيها الإخوة:

ص: 143

إن أمامكم طريقاً شاقاً وطريقاً طويلاً وصعاباً جمة، وأرجو أن تتسلحوا لها بالعلم والعرفان والنفس المطمئنة الصابرة الحكيمة في الدعوة إلى الله. وقد قال سبحانه وتعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} وجادل الكفرة وجادل المشركين وجادل المرتدين والملحدين والمعاندين حتى تلقنهم الحجة وتتغلب عليهم بالحكمة وبالعقل وبالصبر. فهذا هو السبيل إلى الدعوة، وهذا هو السبيل إلى تنوير أذهان الناس وتبصيرهم فيما تحتويه هذه الدعوة وما يحتويه الشرع الإسلامي والدين الإسلامي من مزايا وخصائص لا يمكن أن تخطر على قلب بشر ولا يمكن أن ينكرها أو يجحدها إلا جاحد أو مكذب.

أيها الإخوة الكرام:

لا أريد أن أطيل عليكم وإنني واثق بحول الله من أن بين جنبات هذا المعهد من هم أحسن مني وأفقه مني وأعلم مني ممن ألقيت على عاتقهم مسؤولية تثقيفكم.

أيها الإخوة:

ومسؤولية تنويركم لا أقول إلا الحق فإن الحق واضح ولكن لصقل أفكاركم ومدارككم لتكونوا سلاحاً في يد الإسلام، في يد هذه الدعوة تبصرون الجاهل وتوضحون الطريق لمن أراد الإيضاح وتجابهون من أراد العند والكفر والعناد بحجة واضحة. وقد قال صلوات الله وسلامه عليه:"تركتكم على مثل محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك".

فالحق واضح ولكن يحتاج إلى أن نهدي إليه الناس وأن نبصرهم بالسبل التي تؤول إلى الحق وتهتدي بالحق وتطلب الحق فمن أراد الحق فهو واضح ومن أراد الجحود فلا حول ولا قوة إلا بالله فإن في الإسلام والمسلمين بحول الله وقدرته من القوة والثبات ما يمكنهم من أن يدافعوا عن الحق أمام كل جاحد وكل مرتد وكل متكبر.

أيها الإخوان:

ص: 144

إن ما نقوم به في سبيل نشر العلم والدعوة إلى الله ونشر الثقافة الإسلامية فما هو إلا قليل مما يجب علينا ولكننا نسير حسب الإمكانيات وحسبما يتحمله أو يقتدر عليه مجهود البشر ولكن ثقوا بحول الله أننا سائرون بكل ما أوتينا من قوة لنصر ديننا ولخدمة الإسلام وللدفاع عنه ولتبصير الناس له فمن أراد الحق ومن أراد الخير فسبيله واضح ومن أراد غير ذلك استعنّا عليه بالله سبحانه وتعالى ثم بقوة العقيدة والإصرار على التمسك بها فإن أخشى ما يُخشى على المسلمين هو إدخال الشك في نفوسهم من عقيدتهم ومن دينهم وهذا ما يخشى على المسلمين منه وإنني أرجو الله مخلصاً أن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه وأن يحفظنا بالإسلام وأن يوفقنا لسبيل الحق والصواب.

ولي ملاحظة بسيطة أحب أن أقدمها للأخ نائب الرئيس. فقد تفضل وقال عني بأنني أمير المؤمنين وإني كذا وكذا فأرجو أيتقبل مني هذه الملاحظة فإنني لست في درجة من سلفوا من أمراء المؤمنين ومن خلفاء المسلمين وإنما أرجو أن يعتبروني هو وإخواني وكل من أتشرف بخدمتهم أن أكون خادم المسلمين وخادم المؤمنين وهذا أشرف ما يكون أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقني بأن أقوم بهذا الواجب حسب إمكاني وأن يوفقني لخلوص النية والعمل الصالح الدائب إنه على كل شيء قدير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كلمة للتاريخ

بقلم: فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد

نائب رئيس الجامعة الإسلامية

ص: 145

في يوم الثلاثاء الموافق الثالث عشر من شهر ربيع الأول عام 1395هـ الموافق الخامس والعشرين من شهر مارس 1975م الموافق الثالث من الحمل 1353 ش انتقل إلى رحمة الله جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية وإمام المسلمين وخادم الحرمين الشريفين وهو في سن الحادية والسبعين من عمره غفر الله له ورحمه وقد خسر المسلمون بموته ذلك الفيصل العظيم والقائد المظفر والرجل الدءوب على مصالح المسلمين وقد كان لوفاته الأثر البالغ في النفوس لا في مملكته وحدها ولا في العالم الإسلامي فحسب بل في العالم أجمع وذلك لما يتمتع به رحمه الله من خصال لا تجتمع إلا في النادر من الرجال فمن قوة عزيمته إلى تواضع جم إلى حنكة وطول تجارب إلى تحمس للدعوة إلى الله إلى اهتمام بالغ بتضامن المسلمين إلى غير ذلك من صفات حسنة وأخلاق كريمة، فقد فجع بنبأ موته الخاص والعام وبكاه الصغير والكبير وسمعت النبأ المحزن بوفاته وأنا عند أحد الأصدقاء بمدينة الرياض وكنا نسمع بكاء أطفاله من داخل المنزل حين سمعوا بوفاته رحمه الله وخرجت مدينة الرياض عن بكرة أبيها للمصلى للصلاة عليه وامتلأت الشوارع وانسدت الطرق بين المصلى والمقبرة، وهذه المودة الصادقة والمحبة الشديدة التي تمكنها له رعيته تذكر بالحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم" الحديث. . . وستظل هذه المحبة لجلالة الملك فيصل رحمه الله باقية بإذن الله في قلوب المسلمين وسيظل ذكره بالخير جاريا على ألسنتهم وسيلهجون بالدعاء له باستمرار بالمغفرة والرحمة وأن يجزيه الله الجزاء الأوفى على ما بذله من جهود عظيمة في سبيل إعلاء كلمة الله وإظهار دينه ونشر شيعته.

ص: 146

وكان انتقاله من هذه الدار إلى الدار الآخرة على إثر اعتداء يد أثيمة امتدت إليه خلسة وهو يواصل عمله ضحوة في مكتبه بمجلس الوزراء وقد شاء الله أن يكون رحمه عاملاً حتى اللحظة التي فارق فيها الحياة وأن تكون كيفية مفارقته الحياة على نحو الكيفية التي فارق الحياة فيها الخلفاء الراشدون: عمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، إذ فارقوا الحياة الدنيا على أثر اعتداء أيد أثيمة امتدت إليهم وكان رحمه الله يتمنى الشهادة في سبيل الله ونرجو أن يكون قد نالها، قال رحمه الله في خطبته التي ألقاها في موسم الحج عام 1388هـ - وهو يتحدث عن تحرير المسجد الأقصى-:

"أيها الإخوة المسلمون:

نريدها غضبة ونهضة إسلامية لا تدخلها قومية ولا عنصرية ولا حزبية إنما دعوة إسلامية دعوة إلى الجهاد في سبيل الله، في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعاً عن مقدساتنا وحرماتنا وأرجو الله سبحانه وتعالى أنه إذا كتب لي الموت أن يكتب لي الموت شهيداً في سبيل الله.

إخواني: أرجو أن تعذروني إذا ارتج عليّ فإنني حينما أتذكر حرمنا الشريف ومقدساتنا تنتهك وتستباح وتمثل فيها المفاسد والمعاصي والانحلال الخلقي فإنني أدعو الله إذا لم يكتب لنا الجهاد لتخليص هذه المقدسات أن لا يبقيني لحظة واحدة على قيد الحياة".

ص: 147

أقول: أرجو أن يكون قد نال الشهادة التي تمناها فقد كانت حياته رحمه الله حياة جهاد وعمل متواصل في سبيل الله والشهادة ليست مقصورة على شهيد المعركة بين المسلمين والكفار فقد ثبت في صحيح البخاري أن عمر وعثمان رضي الله عنهما شهيدان فأخرج في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: "أثبت أحد فإن عليك نبي وصديق وشهيدان". . . وأخرج البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم"، ولم يكن موت عمر وعثمان رضي الله عنهما في معارك بين المسلمين والكفار وإنما كان باعتداء أيد أثيمة على كل منهما رضي الله عنهما وأرضاهما وقد عقد الإمام النووي رحمه الله باباً في كتابه رياض الصالحين قال فيه:"باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار"وأورد في هذا الباب خمسة أحاديث تشتمل على أصناف وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم شهداء فيهم من قتل في سبيل الله ومن مات في سبيل الله ومن قتل دون ماله ومن قتل دون دمه ومن قتل دون دينه ومن قتل دون أهله والمطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم.

ومنذ انتقاله رحمه الله إلى جوار ربه تسلم قيادة السفينة من بعده الرجل المؤمن المتواضع ذو السجايا الحسنة والأخلاق الفاضلة جلالة الملك خالد بن عبد العزيز يشد أزره ولي عهده سمو الأمير فهد بن عبد العزيز وإخوانهم الكرام فسارت والحمد لله إلى بر النجاة وشاطئ السلامة باسم الله مجراها ومرساها.

وأسأل الله تعالى أن يسدد خطاهم وأن يعينهم على كل خير وأن يعز بهم الإسلام ويرفع شأن المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه. . .

صفحة مشرقة في حاضر العالم الإسلامي

ص: 148

(فيصل بن عبد العزيز آل سعود)

1324 – 1395هـ

بقلم: فضيلة الشيخ محمد شريف الزبيق

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} .

رُوّع المسلمون بنبإ وفاة فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية بيد معتدٍ أثيم، وقد كان لهذا الحادث الجلل وقع أليم هزّ قلوب المسلمين وفجعهم بأعظم رجال هذا العصر الذي كان أمل الأمة الإسلامية وقائدها وحكيمها الذي وهبه الله لها في عصر ندر فيه الرجال المخلصون الأكفياء للقيادة بإيمان وحكمة وبصيرة، فعمل رحمه الله عملاً دائباً متصلاً لعزة الإسلام وجمع شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم في كافة المجالات، وبذل كل ما يملك من المواهب والإمكانيات في صراع أعداء الإسلام.

لقد عاش فيصل رحمه الله معظم هذا القرن الرابع عشر، وعاصر الأحداث الخطيرة والمؤامرات التي تعرض لها الإسلام والمسلمون من إلغاء الخلافة وتمزيق الأقطار الإسلامية، واغتصاب اليهود فلسطين.. إلى غزو المسلمين اجتماعياً وفكرياً بالعادات والعقائد والمبادئ الهدامة، فعمل رحمه الله على إتمام ما بدأ به والده العظيم عبد العزيز رحمه الله من توطيد نظام المملكة العربية السعودية والنهوض بها علمياً وعمرانياً مع الحفاظ عل ما امتازت به هذه الدولة الإسلامية على غيرها من إقامة الحكم الإسلامي وتطبيق الحدود الشرعية، والتزام العمل بالكتاب والسنة، فكانت هذه المملكة التي ترفرف على علمها الخضر كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) نموذجاً نادراً بل عديم النظير في أمنها واستقرارها وهيبة الحكم فيها ونشر العدل بين رعيتها، مع الحرية والكرامة والرخاء.

ص: 149

إن التاريخ سيسجل في أبرز صفحاته أعمال الفيصل وجهوده للنهوض بشعبه وخدمة أمته الإسلامية، منذ بواكير شبابه حتى الساعة التي صعدت فيه روحه الطاهرة إلى بارئها، في تواضع وإخلاص وزهد في الألقاب والمظاهر، وقد كان أحب الألقاب إليه: خادم الحرمين الشريفين وخادم المسلمين.

لقد تم في عهده مشروع توسعة المسجد الحرام حتى بلغت مساحته عشرة أضعاف مساحته قبل التوسعة، وقد أمر رحمه الله بالتوسعة الثانية للمسجد النبوي الشريف التي شرع بها منذ العام الماضي وستكون كبيرة تستوعب الوافدين من أقطار العالم الإسلامي للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما تطورت خطوط المواصلات الجوية والبرية والبحرية وسهلت سبل حجاج بيت الله.

وقد لقيت المعاهد العلمية والمدارس والجامعات من رعاية الفيصل وتوجيه أوفى نصيب كجامعة الرياض وجامعة الملك عبد العزيز في مكة المكرمة وجدة والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض وجامعة البترول والمعادن في الظهران.

وإذا كانت هذه النهضة العلمية يعود نفعها لشعب داخل المملكة في المقام الأول فإن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أنشئت لخير الأمة الإسلامية فأكثر من أربعة أخماس طلابها من الأقطار الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي أو من المسلمين في بعض دول أوروبا وأمريكا إذ بلغ عدد الأقطار التي ينتمي إليها طلاب الجامعة 86 قطراً. ويدرس جميع طلاب الجامعة على منح سخية تجريها عليهم المملكة.

ص: 150

وفي مكة المكرمة تلقى رابطة العالم الإسلامي من الفيصل رحمه الله كل العون وتوجيه وتأييد، وهي تضم في هيئتها التأسيسية عدداً من أعلام الأقطار الإسلامية، وتقوم أمانتها العامة بجهود مشكورة في الدعوة الإسلامية والاهتمام بالقضايا والمشاكل التي تهم المسلمين ولها نشاط مشكور في عقد الندوات والمؤتمرات للجماعات الإسلامية والشباب، وإرسال البعوث والدعاة إلى مختلف أقطار العالم الإسلامي.

وجهود الفيصل رحمه الله لخدمة الإسلامية كثيرة متعددة النواحي، فقد دعا إلى التضامن الإسلامي في الوقت الذي اضطربت فيه الأمور في كثير من الدول الإسلامية والعربية الشقيقة، وكان المسلمون أحوج ما يحتاجون إلى اجتماع الكلمة والتعاون والتضامن، فقام رحمه الله بهذه الدعوة التي كان يرى أنها فرض على كل مسلم، وخطب في باكستان عام 1386 هـ فقال:"إننا نسعى إلى الإسلام ونسعى إلى التآخي ونسعى إلى التفاهم ولكن ليس معنى هذا أن نضحي بمبادئنا وعقيدتنا وإسلامنا في سبيل هذا التآخي وهذا التفاهم". فدعوته رحمه الله إلى الأخوة والتضامن دعوة إسلامية للعودة إلى الإسلام والعمل بمبادئه.

وقد ذكر الفيصل رحمه الله الغافلين عن قيمة التراث الإسلامي والعاملين على إحلال القوانين الغربية الوضعية محل الشريعة الإسلامية بقوله من خطاب له بتونس: "إذا كنا نحن المسلمين قد قصرنا بعض الشيء ولم تنفهم حقيقة شريعتنا وديننا فعلينا أن نفهم وندرس في شريعتنا نستنبط منها ما يلائم عصرنا وما يبرز محاسن الإسلام شريعة وعقيدة".

ص: 151

وسيسجل التاريخ نجاح دعوة الفيصل إلى التضامن الإسلامي رغم كل العوائق والمؤامرات، فقد انعقد المؤتمر الإسلامي وضم رؤساء بضع وعشرين دولة إسلامية في عدة دورات، وأنشئت الأمانة الإسلامية العامة بجدة، وتم تأسيس البنك الإسلامي، واستطاع الفيصل رحمه الله توحيد الجبهة العربية ودعمها بالمال والسلاح والرجال، وسيسجل التاريخ دور الفيصل رحمه الله في حرب رمضان 1393هـ وانتصار دول المواجهة على اليهود، وعبور المقاتلين المسلمين من مصر قناة السويس وتحصينات العدو المعروفة بخط بارليف، وقد محا هذا الانتصار عار الهزيمة النكراء التي حلت بجيوش قادها زعماء غفلوا عن الله ورفعوا شعارات تخالف الإسلام فأصيبت الأمة جمعاء بعارهم حتى ظن أنه لن يدال للمسلمين من أعدائهم إلا بعد دهر طويل، فقد احتلت جيوش اليهود الصهيونيين شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان وجميع ما تبقى من فلسطين _ الضفة الغربية لنهر الأردن _ فقام الفيصل بمواساة المهزومين وأمدهم بكل ما يحتاجونه من مال وسلاح. . لقد فتح لهم خزائن مملكته كما فتح لهم قلبه، فاستطاع جنود مصر الأبطال المجاهدون اقتحام حصون اليهود المنيعة وهم يهتفون الله أكبر. . الله أكبر.. وشاركت فصائل من جيش الفيصل في حرب اليهود في جبهة الجولان إلى جانب أشقائهم السوريين والعراقيين والمغاربة..

ص: 152

وإذا كانت الحرب ما تزال قائمة بين المسلمين واليهود ومن يمدهم بالمال والسلاح فإن الفيصل رحمه الله ما فتئ يدعو للجهاد لتحرير فلسطين واسترجاع بيت المقدس ثالث الحرمين وأولى القبلتين، وقد وجه رحمه الله إلى حجاج عام 1387هـ قوله:"إن هناك مقدسات لكم تداس وتهان وترغم يومياً، هناك أرض المعراج، هناك أولى القبلتين، هناك ثالث الحرمين الشريفين، فهو لنا جميعاً، إنه ليس للعرب دونكم أيها الإخوان بل للمسلمين جميعاً، وإنه يتعرض اليوم لأعظم الكيد والحرمان، وإني لأهيب بإخواني المسلمين أن يهبوا لنصرة دينهم، للدفاع عن مقدساتهم لأن الله سبحانه وتعالى قد فرض علينا ذلك".

وكان رحمه الله يحرص على إبراز الناحية الإسلامية في قضية فلسطين، تلك القضية التي كانت تستأثر بأعظم اهتمامه، فكان يعمل على شد أزر أبناء فلسطين ومشاركتهم في الجهاد، ويأبى أن تكون الحلول السلمية سبيلاً لإضاعة حقوقهم أو التفريط بالوطن الإسلامي، وقد خطب رحمه الله عام 1390هـ فقال:"هناك من يدعو لإيجاد حلول أو أن يكون هناك سلام، أو أن يكون هناك تفاهم ومقدساتنا مهانة، وبلادنا محتلة، وشعبنا مضطهد ومشرد، فإذا لم تكن هذه الحلول تؤمن لنا استعادة مقدساتنا واستعادة أراضينا والحفاظ على حقوق شعبنا المشرد فكيف يمكن أن نقبل هذه الحلول أو نرضخ لها، فهذا معناه أن نستسلم لأعدائنا وأن نقبل الهزيمة، وأن نرضى بتحطيم كرامتنا وعزتنا، إنني أربأ بإخواني المسلمين في كل قطر وإخواني العرب أن يقبلوا بحلول لا تؤمن لهم حقهم المغتصب، والحفاظ على كرامتهم المهانة والحفاظ على حقوق إخوانهم المشردين في كل قطر، الذين لم ينظر إليهم أحد أو يعترف بحقهم غيركم أيها الإخوان".

ص: 153

وكان الفيصل رحمه الله يحذر المسلمين في كل مناسبة من كيد اليهود وخطط الصهيونية العالمية التي تبثّ المبادئ الهدامة في كل مكان، ومن أقواله في هذا الشأن: "نجحت الصهيونية حينما أطلقت على العالم هذه المبادئ الهدامة، وهذه المبادئ الملحدة الشيوعية وما يتفرغ منها من اتجاهات ومذاهب

وتمكنت لسوء الحظ بنشر هذه المبادئ من أن تصل إلى حدّ ما، إلى كثير من أهدافها وغاياتها، وهذه الأهداف تستهدف تحطيم كل المعتقدات وتحطيم كل القوى البشرية وإشاعة الفوضى والتنابذ والتحلل الخلقي لجميع شعوب العالم الذي لم تتمكن أن تصل إليه بقوتها، فسعت سعيها الحثيث إلى أن تضلل العالم وأن تسوقه إلى ما فيه شره والقضاء عليه، ويكفي أن ننظر إلى شيء واحد: إن قادة الشيوعية الذين حملوا لواءها وبثوا في العالم معتقداتها كلهم من الصهيونيين الذين خططوا وسعوا إلى تحطيم البشرية وتهديمها ليصلوا إلى مبتغاهم وهو السيطرة على العالم".

وسيسجل التاريخ للفيصل رحمه الله أنه نذر أن يصلي ركعتين في المسجد الأقصى بعد تحريره وكانت هذه أعظم أمنيه، وفي اليوم الذي لقي فيه وجه ربه راضياً مرضياً قابل رئيس منظمة تحرير فلسطين وزوده بالتوجيه والتأييد، وكانت آخر وصاياه لخلفائه: تحرير فلسطين.

ص: 154

ومآثر الفيصل وحسناته في أرجاء العالم كثيرة لا يمكن استقصاؤها، وأبرز مآثره رحمه الله إقامة دعائم الدولة على الشورى، وإتاحة الفرصة لإفراد الشعب للتعبير عن آرائهم بحرية وتوجيهه أولى الرأي إلى أن تكون النهضة على أساس ديننا القويم، وتحذيره من الانسياق وراء الثقافة الغربية فقد كان رحمه الله أكثر الناس وعياً أن ما ينقص المسلمين اليوم هو العلوم والصناعات والفنون المخترعات الحديثة (التي يسمونها التكنولوجيا) تلك العلوم التي تمكننا من إعداد القوة لمجابهة الأعداء، أما الثقافة الأوروبية من آداب وقصص وفلسفات وقوانين فهي السموم التي تقضي على كيان المسلمين وشخصيتهم، يقول رحمه الله:"يسرنا أن نتلقى من أي فرد من أفراد المجتمع وهذه الأمة أية ملاحظة أو أية مراجعة في أي شأن من الشؤون يرى أن فيه ما يغاير المصلحة أو الهدف الذي نرمي إليه جميعاً وسيكون لها أكبر الترحيب في نفوسنا وسنهتم بها أكبر الاهتمام".

ويعاهد رحمه الله الشعب: "لكم عليّ أن أراقب الله سبحانه وتعالى في كل ما أعمل، ولكن عليّ أن أخلص في خدمتي لكم، ولكم عليّ أن أعدل بين صغيركم وكبيركم، وإن أطرفكم (أبعدكم) عندي مساوٍ لأقربكم إليّ في الحق، وإني بحول الله وقوته أسأل المولى سبحانه وتعالى أن أعدل في معاملتي بين أهلي وأسرتي واخوتي".

وقال رحمه الله: "إننا أردنا لأمتنا وشعوبنا الخير فإننا لسنا بحاجة لأن نستورد لأي بلد أو وطن أو أمة أية آراء وأية عقائد أو أية قوانين من الخارج، بل بالعكس فإن تلك الأمم نفسها تستفيد من شريعتنا ومن قواعدنا. . وقد سبق أن استفاد نابليون من الشريعة الإسلامية حينما حضر إلى مصر واختلط بعلماء المسلمين، فاتخذ منها قواعد بنى عليها نظامه ودستوره الذي لا يزال كثير من الأمم تأخذ به وتستنبط منه، دساتيرها وقوانينها، والفضل في ذلك هو للشريعة الإسلامية وليس لنابليون".

ص: 155

وقد أنعم الله على جزيرة العرب بمصادر غنية من هذا المعدن السائل زيت النفط، فقام الفيصل رحمه الله بشكر الله وأدى ما عليه من الحقوق لإخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وعمم الرخاء في أرجاء مملكته، وشجع التجارة والصناعة، ووضع الأنظمة التي تكفل حقوق العامل وجنب البلاد بتطبيقه العدالة الاجتماعية مساوئ النظم الرأسمالية وأحقاد الاشتراكية، ومن توجيهاته في هذا المجال:"إننا اخترنا لنظامها الاقتصادي النظام الحر، وفي اعتقادنا أن هذه علاوة على أنه يتفق تمام الاتفاق مع شريعتنا الإسلامية يقوم بإفساح المجال لكل الكفاءات من الشعب، حتى يبذل كل شخص وكل جمع جهوده في سبيل الصالح العام. إننا لا نقيد حرية الإنسان في أن يستهدف في عمله وفي اتجاهه ما يرى أن فيه صالحاً عاماً، ولكن هذا لا يعني أننا نترك الحبل على الغارب إذا رأينا أن هناك اتجاهاً لشخص أو جماعة بما يضر المجتمع، أو بما يضر الغير، فإننا نتدخل حسب الشريعة الإسلامية لإصلاح الفاسد، ولتقويم المعوج، ولإحقاق العدالة الاجتماعية بين الجميع".

وأخيراً فإن التاريخ سيسجل أن الله قد أكرم عبده فيصل بن عبد العزيز رحمه الله بمحبة الناس، وشهادتهم له بالتقوى والعمل الصالح، وأن فيصل قد أوضح السبيل ومهد الطريق أمام خلفائه وفقهم الله وسدد خطاهم وترك لهم منهاجاً واضحاً للعمل في جميع الميادين الوطنية والعربية والإسلامية والدولية.

تغمده الله برحمته، وجزاه أحسن الجزاء وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ص: 156

أثر المخدرات في تدهور الشعوب

بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد

المدرس بكلية الشريعة في الجامعة

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، أما بعد:

فإن بحمد الله تعالى لا يزال رواد الخير من المسؤولين وغيرهم في أنحاء العالم يعملون على محاصرة المخدرات العضوية والقضاء عليها: طلباً لسلامة الإنسانية، ووقاية لأعراضها وصيانة لعقولها، وقد أطبقت الشرائع السماوية على وجوب حفظ النفس والعقل والعرض والمال مع سلامة الدين.

وكانت الشريعة الإسلامية قد سبقت جميع القوانين الحديثة في تحريم المخدرات والمفترات والمسكرات عملاً بما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا ضرر ولا ضرار"، كما صح الخبر الذي رواه أحمد في المسند وأبو داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر"، قال في لسان العرب:"الفتر: الضعف وفتر يفتر فتورا، لانت مفاصله وضعف"ثم قال:"والفتار: ابتداء النشوة عن أبي حنيفة"وأنشد للأخطل:

صهباء ترمي شربها بفتار

وتجردت بعد الهدير وصرحت

ص: 157

وفي الحديث:" أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر" فالمسكر الذي يزيل العقل، والفتر الذي يفتر الجسد أي يحمي الجسد ويصير فيه فتوراً والتخدير والتفتير متقاربان في المعنى"، قال: صاحب معجم متن اللغة الشيخ أحمد رضا: "خدر: كسل وفتر وضعف والظاهر أنه الأصل في المعنى وخدرت رجله استرخت فلا تطيق حركة، وخدرت عينه ثقلت من قذى أو غيره والظبي فترت عظامه"، ثم قال:"والخدرة: الضعف والفتور يصيب البدن والأعصاب كما يصيب الشارب قبل السكر". وقد ذكر القرافي في فروقه: الفرق بين المسكرات والمرقدات والمفسدات فالذي يغيب الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق. فهو المرقد كالبنج والذي لا تغيب معه الحواس ويتخيل صاحبه كأنه نشوان مسرور قوي النفس شجاع كريم مع تغطية العقل فهو المسكر، ولذلك قال الشاعر:

وأسداً ما ينهنها اللقاء

ونشربها فتتركنا ملوكا

وهو تخيل لا حقيقة له ولذلك قال القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله:

تنفي الهموم وتصرف الهما

زعم المدامة شاربوها أنها

أن السرور لهم بها تما

صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا

أرأيت عادم ذين معتما

سلبتهموا أديانهم وعقولهم

ص: 158

أما المفسدات فهي المشوشات للعقل كالحشيش والأفيون وسائر المخدرات والمفترات التي تثير الخلط الكامن في الجسد ولذلك تختلف أوصاف شرابها ومستعمليها فتحدث حدة لمن كان مزاجه صفراوياً وتحدث سباتاً وصمتاً لمن كان مزاجه بلغمياً، وتحدث بكاء وجزعاً لمن كان مزاجه سوداوياً، وتحدث سروراً لمن كان مزاجه دموياً، فتجد من متناوليها من يشتد بكاؤه، ومنهم من يشتد صمته، ومنهم من يعظم سروره وانبساطه فشرّاب الخمر تكثر عربدتهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح ويهجمون على بعض الأعمال التي لا يطيقونها في حال الصحو كما أشار الشاعر، أما أهل الحشيش والأفيون فيصيرون همدة ساكتين انتزعت منهم قوة البطش بل هم أشبه شيء بالبهائم ولذلك تكثر حوادث القتل مع شراب الخمر ولا تكاد توجد مع أصحاب المخدرات، إذ هذه المخدرات تحدث خنوثة الطبع وفساده وقد تجر صاحبها إلى الدياثة على زوجته وأهله فضلاً عن الأجانب.

والمسكرات محرمة إجماعاً وفيها الحد والمخدرات محرمة كذلك وفيها الحد أو التعزير الزاجر عنها.

أما المرقدات فيجوز استعمالها للعمليات الجراحية، قال ابن فرحون المالكي:"والظاهر جواز ما يسقى من المرقد لقطع عضو ونحوه؛ لأن ضرر المرقد مأمون وضرر العضو غير مأمون"، وبهذا تنفرد المرقدات عن المخدرات.

ص: 159

قال صاحب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية التي حشى بها فروق القرافي ص 216 ج1 طبع دار إحياء الكتب العربية:" اعلم أن النبات المعروف بالحشيشة لم يتكلم عليه الأئمة المجتهدون ولا غيرهم من علماء السلف لأنه لم يكن في زمنهم وإنما ظهر في أواخر المائة السادسة وانتشرت في دولة التتار قال العلقمي في شرح الجامع: "حكي أن رجلاً من العجم قدم القاهرة وطلب دليلاً على تحريم الحشيشة وعقد لذلك مجلساً حضره علماء العصر فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بحديث أم سلمة:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر"، فأعجب الحاضرين"، قال: "ونبه السيوطي على صحته واحتج به ابن حجر على حرمة المفتر ولو لم يكن شراباً ولا مسكراً "، ذكره في باب الخمر والعسل من شرح البخاري واحتج به القسطلاني في المواهب اللدنية على ذلك أيضاً وذكره السيوطي في جامعه ولولا صلاحيته للاحتجاج به ما احتج به هؤلاء وهم رجال الحديث وجهابذته.

وكون الحشيشة من المفتر مما أطبق عليه مستعملوها ممن يعتد بهم وبخبرهم يعتد في مثل هذا الأمر، والقاعدة عند المحدثين والأصوليين أنه إذا ورد النهي عن شيئين مقترنين ثم نص على حكم النهي عن أحدهما من حرمة أو غيرها أعطى الآخر ذلك الحكم بدليل اقترانهما في الذكر والنهي.

وفي الحديث المذكور ذكر المفتر مقروناً بالمسكر وتقرر عندنا تحريم المسكر بالكتاب والسنة والإجماع فيجب أن يعطى المفتر حكمه بقرينة النهي عنهما مقترنين وفسر غير واحد التفتير باسترخاء الأطراف وتخدرها وصيرورتها إلى وهن وانكسار وذلك من مبادئ النشوة معروف عند أهلها أفاده ابن حمدون. اهـ

ص: 160

وذكر البستاني في دائرة المعارف ج7 ص67 و69 و 70 في مادة الحشيشة فأشار نقلاً عمّا في كتب النبات الطبية إلى أن جميع أجزاء هذا النبات تتصاعد منها رائحة كريهة نتنة زهمة فلذا عُدّ من السموم ثم قال:" فإذا مكث الشخص معرضاً لتصعداتها لم يلبث أن يحصل له صداع شديد ودوار وجميع أعراض السكر وتكون هذه الأحوال أشد ظهوراً كلّما كان استنبات النبات في بلد أميل إلى الجنوب لأنه في البلاد الشمالية يفقد أعظم جزء من فاعليته"، ثم ذكر أنه تستحضر منه مشروبات وتراكيب مسكرة توقع مستعملها في سبات وتوقف الحس والحركة بسبب تأثيرها على المخ. ويشير إلى أن مستعملها قد يسقط في سبات مصحوباً بعوارض عصبية.

ص: 161

ونقل البستاني عن ابن البيطار أنه إذا تناول الإنسان من هذه الأوراق مقدار درهم أسكر جدا وإن أكثر من ذلك خرج إلى حد الرعونة وربما قتل ثم قال:"ويشاهد من إفراط المقدار هذيان يؤدي إلى فزع وقد يميت وقال أطباء العرب عن نتائجه إنه وإن حصل منه التفريح أولا إلا أنه يخدر ويكسل ويبلد ويضعف الحواس وينتن رائحة الفم ويضعف الكبد والمعدة بتبريده ويورث الاستسقاء وفساد الألوان"، ثم قال:"وبالجملة ففساده كبير كثير"، ثم قال:"ويحدث ضلالاً في الأخلاق الأدبية والطبيعية فيشاهد مستعمله ما هو موجود أمامه مشاهدة رديئة ويشاهد شيئاً ليس موجوداً ويحكم حكماً فاسداً في الموجودات فيكون أشبه بالمجانين"، ثم ذكر أن المقريزي ذمها ذماً شديداً وعدد قبائح مستعمليها وما فعل بعض الرؤساء والملوك في شأن إبطالها وكيفية ثبوتها مجددة وقتا بعد وقت. وقال فريد وجدي في دائرة معارف القرن الرابع عشر ج3 ص 447:"الحشيش الذي يستعمله بعض الناس للتخدير هو عصارة القنب الهندي وهو مخدر ومفقد للإحساس ومضر بالمجموع العصبي ضرراً بليغاً جداً ونتيجته الطبيعية الجنون بأشد حالاته وتدخينه عادة مرن عليها بعضهم واستناموا لها استنامة لا فواق منها وهم في الحقيقة جانون على أنفسهم وعائلاتهم جناية ليس وراءها"، وفي دائرة المعارف الإسلامية ج7 ص434 في مادة الحشاشين نعنى جماعة الحسن بن الصباح الذي استولى على قلعة ألموت 483 هـ الموافق 1090_ 1091 م المتوفى عام 518:

والحشيش يجهز من القنب الذي يستعمل أحياناً ليبلوا حالة الوجد أو السكر.

ويقال إن الذين ينتخبون من الفدائيين على يد أئمة الحشاشين لأداء مهمة جليلة الخطر (كالاغتيال مثلاً) يدفعون إلى تعاطي الحشيش حتى يصبحوا كالآلة الصماء يقومون بكل عمل يطلب منهم، وفي ص 440 و441 و442 و443 ج7 من دائرة المعارف الإسلامية في مادة الحشيش:

ص: 162

الحشيش هو الاسم العربي لمخدر شرقي يستخلص من القنب الهندي وأشار إلى أنه عقار وأنه الإدمان عليه يورث العقم.

والقنب اسم يوناني سرياني واسمه الفارسي المعرب (شاهدانج) أشار إلى أن أول طبيب وصف التخدير الذي يحدثه هو ابن البيطار ولم يكن ذلك قبل القرن السابع الهجري والثالث عشر الميلادي وطول الإدمان عليه يورث الجنون، ثم قال:"وجاء المقريزي في القرن الرابع عشر الميلاد (التاسع الهجري) وذكر أن الأمير سودون الشيخوني سعى قرابة عام 780 هـ (1378م) إلى تحريم استعمال الحشيش في مصر بفرض العقاب الصارم"، وقال في دائرة المعارف هذه:

"وحسبنا أن نذكر هنا أقوال نفر من الأطباء امتازوا بأنهم كتبوا في تعاطي الحشيش عن دراية وخبرة وأولهم بروسيبيرو البينو الذي طب من عام 1581 م إلى عام 1584م لقنصل البندقية في القاهرة والبرتغالي جار سسادا أورتا عام 1653 كما رسمه الإسباني خريستوفال أكوستا عام 1576 م".

وقد أشار في دائرة المعارف إلى اختلاف تأثير الحشيش في الناس فذكر أن تأثيره كما هو الشأن في جميع السموم المخدرة في استحداث حالة من النشوة مصحوبة بضحك متواصل يتبعها وجد وهذيان وأوهام وهي من السمات الخاصة به، كما تحدث نوبات من الغضب ثم يتبع ذلك حالة من التهيج الجنسي المتزايد تنتهي بنوم تخديري وأحلام.

وذكر من آثاره أن مدمنة يصاب بهبوط مصحوب بفقدان الإرادة والبلاهة التامة وقد كان سكان المصحات العقلية في مصر من مدمني الحشيش 30% ثلاثين في المائة والدولة تشن حرباً لا هوادة فيها على مهربي الحشيش لتحاول القضاء على هذا العقار القتال.

ويستغل الأشرار هذه القوة التخديرية الحادثة من الحشيش على هذا النحو في أغراضهم الإجرامية.

ص: 163

وقال ابن حجر الهيثمي من علماء القرن العاشر الهجري في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) ص138 ج2 طبعة دار الكتب العربية الكبرى: "واعلم أن الحشيشة المعروفة حرام كالخمر يحد آكلها، أي على قول قال به جماعة من العلماء كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج أي إفساداً عجيباً حتى يصير في متعاطيها تخنث قبيح ودياثة عجيبة وغير ذلك من المفاسد فلا يصير له من المروءة شيء البتة ويشاهد من أحواله خنوثة الطبع وفساده وانقلابه إلى أشر من طبع النساء ومن الدياثة على زوجته وأهله فضلاً عن الأجانب ما يقضي العاقل منه بالعجب العجاب وكذا متعاطي نحو البنج والأفيون وغيرهما مما مرّ قبيل البيع.

والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى الصيال على الغير وإلى المخاصمة والمقاتلة والبطش وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

ورأى آخرون من العلماء تعزير أكلها كالبنج"، ثم قال:

"وسبب اختلاف العلماء في الحد وفي نجاستها كونها جامدة مطعومة ليست شراباً فقيل هي نجسة كالخمر وهو الصحيح أي عند الحنابلة وبعض الشافعية.

وقيل طاهرة لجمودها أي وهو الصحيح عند الشافعية وقيل المائعة نجسة والجامدة طاهرة: قال: وعلى كل حال فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر لفظا ومعنى". اهـ.

وقد وقفت في مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة على رسالة تسمى الجواب المتحرر في أحكام المنشط والمخدر للشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد الزبيدي أحد كبار علماء القرن العاشر الهجري، وقد ذكر فيها أن الشيء إنما يحرم تناوله وأكله وشربه إما لإضراره الضرر البين كالسم أو لإسكاره كالخمر والنبيذ مع نجاسته أو لنجاسته كالبول والغائط أو لتخديره وتخبيله للعقل كالبنج والحشيش ونحوهما أو لاستقذاره كالمخاط والبزاق. وخص الفصل الثالث من هذا الجواب الواقع في الورقة 6 في بيان حكم البنج والحشيش.

ص: 164

قال: "والمعمول الذي فيه ما يضر حرام باتفاق العلماء كما قاله أبو العباس ابن تيمية الحنبلي والشيخ بدر الدين الزركشي الشافعي رحمهما الله تعالى وكل منهما صنف في ذلك مصنفاً وصرحا بالتحريم فيحرم تناول هذه الأشياء ويفسق آكلهما وترد شهادته قياساً على الخمر إذ تصد عن ذكر الله وعن الصلاة بل تزيد بتغير العقل بالمداومة عليها كما شوهد ذلك في المتعاطين لأكلها"، قلت: وقفت على مصنف الإمام الزركشي في ذلك وفيه جمل من الفوائد فأحببت تلخيص بعض فوائده هنا لتكمل الفائدة.

قال: "ذكر بعضهم أنه جمع في الحشيش مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية ونقل عن بعض الأئمة كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيش وزيادة فهي تشارك الخمر في الإسكار وفساد الفكر ونسيان الذكر وإنساء السرور وإنشاء الشرور وذهاب الحيا وكثرة الخنا وعدم المروءة وكشف العورة وإتلاف الكيس ومجالسة إبليس وترك الصلاة والوقوع في المحرمات هذا بعض ضررها في الدين، أما في البدن فتفسد العقل وتقطع النسل وتولد الجذام وتورث البرص وتجلب الأسقام وتكسب الرعشة وتجفف المنى وتسقط شعر الأجفان وتحرق الدم وتحفر الأسنان وتظهر الداء الخفي وتضمر الأحشاء وتبطل الأعضاء وتضيق النفس وتقوي الهوى وتصفر اللون وتسود الأسنان وتفت الكبد، وتهيج المعدة وتولد في الفم البخر وفي العين الغشاوة وقلة النظر وفي المخيلة كثرة الفكر ثم ذكر غير ذلك من أوصافها المذمومة وذكر أن الصواب أنها مسكرة وأنه يجب الحد فيها". قلت: التحقيق أنها مخدرة وما ذكره من وجوب الحد مخالف لما جرى عليه إماماه ومحرراه ومنقحاه الرافعي والنووي فإنهما صرحا بوجوب التعزير لا الحد فهو المعتمد ثم ذكر عن النووي أنه قال في الحشيشة "إنها مسكرة وليست بنجسة". ويؤيده أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فيما كتبه على فروع ابن الحاجب قطع بأنها طاهرة وحكى الإجماع عليه.

وقال الصنعاني في سبل السلام:

ص: 165

"قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخور في الأعضاء وحكى العراقي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة وأن من استحلها كفر قال ابن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهر في دولة التتار وهي من أعظم المنكرات وهي شر من الخمر من بعض الوجوه لأنها تورث نشأة (نشوة) ولذة وطرباً كالخمر ويصعب الطعام عليها أعظم من الخمر وقد أخطأ الذي قال:

وحرام تحريم غير الحرام

حرموها من غير عقل ونقل

وأما البنج فهو حرام، قال ابن تيمية:"إن الحد في الحشيشة واجب".

قال ابن البيطار: "إن الحشيشة وتسمى القنب توجد في مصر مسكرة جدّاً إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين، وقبائح حصائلها كثيرة وعدّ منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية.

وقبائح خصائلها موجودة في الأفيون وفيه زيادة مضار"، قال ابن دقيق العيد في الجوزة أنها مسكرة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج34 ص198:

"وكذلك (الحشيشة) المسكرة يجب فيها الحد، وهي نجسة في أصح الوجوه، وقد قيل إنها طاهرة، وقيل يفرق بين يابسها ومائعها، والأول الصحيح؛ لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر النيء، بخلاف مالا يسكر بل يغيب العقل كالبنج، أو يسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب، فإن ذلك ليس بنجس. ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما تغيب العقل بلا لذة فلم يعرف حقيقة أمرها، فإنه لولا ما فيها من اللذة لم يتناولوها ولا أكلوها، بخلاف البنج ونحوه مما لا لذة فيه، والشارع فرق في المحرمات بين ما تشتهيه النفوس وما لا تشتهيه، فما لا تشتهيه النفوس كالدم والميتة اكتفى فيه بالزاجر الشرعي، فجعل العقوبة فيه والتعزير، وأما ما تشتهيه النفوس فجعل فيه مع الزاجر الشرعي زاجرا طبيعيا وهو الحد (والحشيشة) من هذا الباب".

ص: 166

وقال في ص205 و206: "وهذه (الحشيشة) فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة، حيث ظهرت دولة التتار، وكان ظهورها مع ظهور سيف (جنكسخان) لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلط الله عليهم العدو، وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر، فإنها من أنها تسكر آكلها حتى يبقى مسطولاً تورث التخنث والديوثة، وتفسد المزاج، فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل، وتورث الجنون، وكثير من الناس صار مجنوناً بسبب أكلها ومن الناس من يقول إنها تغير العقل فلا تسكر كالبنج، وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر، وهذا هو الداعي إلى تناولها، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر، فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر، ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب فيها الحد، كما يجب في الخمر.

وتنازعوا في (نجاستها) على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره، فقيل هي نجسة، وقيل: ليست نجسة، وقيل: رطبها نجس كالخمر، ويابسها ليس بنجس، والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامدة الخمر ومائعها، فمن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو، ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول، ولا بد أن يغسل فمه، ويديه، وثيابه في هذا وهذا، والصلاة فرض عليه، لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوماً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال"، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: "عصارة أهل النار أو عرق أهل النار".

ص: 167

وقال في ص210 _ 214: "الحمد لله، هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأما إن اعتقد ذلك قربة، وقال: هي لقيمة الذكر والفكر، وتحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وتنفع في الطريق، فهو أعظم وأكبر، فإن هذا من جنس دين النصارى الذين يتقربون بشرب الخمر، ومن جنس من يعتقد الفواحش قربة وطاعة قال الله تعالى:{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} ، ومن كان يستحل ذلك جاهلاً وقد سمع بعض الفقهاء يقول:

وحرام تحريم غير الحرام

حرموها من غير عقل ونقل

فإنه ما يعرف الله ورسوله، وأنها محرمة، والسكر منها حرام بالإجماع، وإذا عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فإنه يكون كافراً مرتداً كما تقدم، وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغيب حرم بإجماع المسلمين، وأما تعاطي البنج الذي لم يسكره، ولم يغيب العقل ففيه التعزير. وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة، وإنما يتناولها الفجارلما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة وما توجبه من الدياثة، مما هي من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار.

وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب، ثمانون سوطاً، أو أربعون، إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر، ويغيب العقل.

ص: 168

وتنازع الفقهاء في نجاستها؟ على ثلاثة أقوال (أحدها) أنها ليست نجسة، (والثاني) أن مائعها نجس، وأن جامدها طاهر، و (الثالث) وهو الصحيح أنها نجسة كالخمر، فهذه تشبه العذرة، وذلك يشبه البول، وكلاهما من الخبائث التي حرمها الله ورسوله ومن ظهر منه أكل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه شرب الخمر، وشر منه من بعض الوجوه، ويهجر، ويعاقب على ذلك، كما يعاقب هذا، الوعيد الوارد في الخمر مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، وآكل ثمنها"، ومثل قوله:"من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد وشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشربها لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار"، وقد ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كل مسكر حرام"، وسئل عن هذه الأشربة وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر حرام".

وسئل رحمه الله عما يجب على آكل الحشيشة؟ ومن ادعى أن أكلها جائز حلال مباح فأجاب: "أكل هذه الحشيشة الصلبة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، وسواء أكل منها كثيراً أو قليلاً لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، لا يغسل، ولا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين. وحكم المرتد شر من حكم اليهودي والنصراني، سواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة أو للخاصة الذين يزعمون أنها لقمة الفكر والذكر، وأنها تحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وأنهم لذلك يستعملونها.

ص: 169

وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر تباح للخاصة، متأولاً قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} ، فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة فيهم اتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة رضي الله عنهم على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا.

وهكذا حشيشة العشب من اعتقد تحريمها وتناولها فإنه يجلد ثمانين سوطاً أو أربعي. هذا هو الصواب، وقد توقف بعض الفقهاء في الجلد، لأنه ظن أنه مزيلة للعقل، غير مسكرة، كالبنج ونحوه مما يغطي العقل من غير سكر، فإن جميع ذلك حرام باتفاق المسلمين إن كان مسكراً ففيه حد الخمر، وإن لم يكن مسكراً ففيه التعزير بما دون ذلك، ومن اعتقد حل ذلك كفر وقتل، والصحيح أن الحشيشة مسكرة كالشراب، فإن آكليها ينشون بها، ويكثرون تناولها بخلاف البنج وغيره، فإنه لا ينشي ولا يشتهي، وقاعدة الشريعة أن ما تشتهيه النفوس من المحرمات كالخمر والزنا ففيه الحد وما لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير (والحشيشة) مما يشهيها آكلوها، ويمتنعون عن تركها، ونصوص التحريم في الكتاب والسنة على من يتناولها كما يتناول غير ذلك، وإنما ظهر في الناس أكلها قريباً من نحو ظهور التتار فإنها خرجت، وخرج معها سيف التتار".

ص: 170

وقال في ص222_ 224: "فهذه (الحشيشة الملعونة) هي وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين المعرضة، صاحبها لعقوبة الله، إذا كانت كما يقوله الضالون، من أنها تجمع الهمة، وتدعو إلى العبادة فإنها مشتملة على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه أضعاف ما فيها من خير، ولا خير فيها، ولكن هي تحلل الرطوبات، فتصاعد الأبخرة إلى الدماغ، وتورث خيالات فاسدة فيهون على المرء ما يفعله من عبادة، ويشغله بتلك التخيلات عن أضرار الناس، وهذه رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين ليطيعوه فيها بمنزلة الفضة القليلة في الدرهم المغشوش، وكل منفعة تحصل بهذا السبب فإنها تنقلب مضرة في المآل، ولا يبارك لصاحبها فيها، وإنما هذا نظير السكران بالخمر، فإنها تطيش بعقله حتى يسخو بماله ويتشجع على أقرانه، فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل، وإنما أورثته عدم العقل، ومن لا عقل له لا يعرف قدر النفس والمال، فيجود بجهله لا عن عقل فيه.

وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل، وفتحت باب الخيال، تبقى العادة فيها مثل العبادات في الدين الباطل دين النصارى، فإن الراهب تجده يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف، فإن دينه باطل، والباطل خفيف، ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق بما لا تجود به في الحق، وما هذا بالذي يبيح تلك المحارم، أو يدعو المؤمن إلى فعله، لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ولم يبال بما بذله عوضاً عن ذلك، وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه، وإنما ذلك لذة ساعة، بمنزلة لذة الزاني حال الفعل، ولذة شفاء الغضب حال القتل، ولذة الخمر حال النشوة، ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلاً، وذنوبه محيطة به وقد نقص عليه عقله ودينه وخلقه.

ص: 171

وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة وزوال الحمية حتى يصير آكلها إما ديوثاً، وإما مأبوناً، وإما كلاهما، وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين وتجعل الكبد بمنزلة السفنج ومن لم يجن منهم فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها فإنه لا بد أن يكون في عقله خبل ثم إن كثيرها يسكر حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي وإن كانت لا توجب قوة نفس صاحبها حتى يضارب ويشاتم، فكفى بالرجل شراً أنها تصده عن ذكر الله وعن الصلاة إذا سكر منها وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر.

ثم إنها تورث من مهانة آكلها، ودناءة نفسه، وانفتاح مالا يورثه الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، وإن كان في الخمر مفسدة ليست فيها وهي الحدة، فهي بالتحريم أولى من الخمر لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر، وضرر شارب الخمر على الناس أشد إلا أنه في هذه الأزمان لكثرة أكل الحشيشة صار الضرر الذي منها على الناس أعظم من الخمر، وإنما حرم الله المحارم لأنها تضر أصحابها، هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر وكل مسكر حرام"، وهذه مسكرة، ولو لم يشملها لفظ تعينها لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها، مع إن فيها مفاسد أخر غير مفاسد الخمر توجب تحريمها. والله أعلم". اهـ.

هذا وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسؤولين عن الأمم والشعوب في حمايتها من المخدرات المعنوية المتمثلة في المذاهب الهدامة والنظريات المنحرفة فإنها لا تقل في هدم الشعوب والأمم والأفراد عن أختها المخدرات الحسية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . .

ص: 172

حكم التبني في الإسلام

بقلم: فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي

الأستاذ بكلية القرآن الكريم في الجامعة

كان للعرب في الجاهلية وصدر الإسلام مكارم ومناقب يحمدون عليها، ويشرفون بفعلها. وكان لهم بإزاء هذا مناكر ومثالب يذمون عليها، وينتقصون بمباشرتها.

فمن مثالبهم التي كانت متفشية فيهم، وكانوا يستحقون عليها أقسى اللوم وأشد التعنيف (التبني) .

وللتبني في معناه صورتان، إحداهما أن يضم الرجل الطفل الذي يعلم أنه ابن غيره إلى نفسه فيعامله معاملة الأبناء من صلبه، من جهة العطف والإنفاق عليه، والإحسان إليه، ومن جهة تربية جسمه، وخلقه، وروحه، ومن جهة العناية بشئونه كلها، حتى يُعدّه ليكون رجلاً عاملاً في الحياة دون أن يلحقه بنسبه، أو يلصقه بأسرته.

والطفل - في هذه الحال - لا يعتبر ابناً شرعياً، ولا يثبت له شيء من أحكام البنوة، ولا من أحكام النسب الصحيح.

والتبني - بهذا المعنى - صنيع يلجأ إليه بعض أرباب الثراء من الموسرين الذين لم ينعم الله عليهم بنعمة الأولاد، ويتخذون منه قربة إلى الله تعالى بتربية طفل فقير بائس حرم عطف الأبوة، أو حرم قدرة أبيه على تربيته وتثقيفه.

ولا ريب أن التبني بهذا المعنى عمل إنساني جليل، يستحبه الشرع الشريف ويرغب فيه، ويدعو إليه، ويثيب عليه، وهو من الصدقات التي تحفظ للمتصدق مكانة التقرب إلى الله تعالى، وقد فتحت الشريعة الإسلامية للموسر في مثل هذه الحال باب الوصية، وجعلت له الحق في أن يوصي بشيء من تركته يسد حاجة الطفل في مستقبل حياته، حتى لا تضطرب به المعيشة، ولا تقسو عليه الحياة.

ص: 173

أما الصورة الثانية - وهي المفهومة من كلمة (التبني) عند الإطلاق، وهي المعلومة في لغة الشرائع، ومتعارف الأمم - فهي أن ينسب الشخص إلى نفسه طفلاً يعلم أنه ولد غيره، وليس ولدا له - ينسبه إلى نفسه نسبة الابن الصحيح، ويجعله في عداد أسرته، وفرداً من أفرادها، وحلقة من سلسلتها، ويعتبره ابناً من صلبه، ويثبت له أحكام البنوة وحقوقها، من استحقاق إرثه بعد موته، ومن حرمة تزوجه بزوجته إذا فارقها، وحرمة تزوجه بابنته، إلى غير ذلك.

وهذا المعنى للتبني هو الذي كان متفشياً في الجاهلية، ومتعارفاً بين أهلها، ينظرون إليه على أنه شرعة وقانون، وكان سبباً من أسباب الإرث التي كانوا يورثون بها.

فكان في المجتمع الجاهلي في العرب أبناء لا يعرف لهم آباء، وكان الرجل منهم يعجبه أحد هؤلاء الأبناء فيتبناه، يدعوه ابنه، ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب الصحيح، وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون، ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء الأبناء فيأخذه لنفسه ويتبناه، ويلحقه بنسبه، فيعرف باسم الرجل الذي تبناه، وينتظم في سلك أسرته، وكان هذا يقع بخاصة في السبي حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات فمن شاء منهم أن يلحق بنسبه واحداً من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها.

والتصاق الأدعياء بالبيوت، واتصالهم بأنسابها - كان أمراً تدين به العرب، وتعده أصلاً يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعيّ جميع حقوق الابن الحقيقي.

ص: 174

ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، ولا شك أن هذه عقيدة جاهلية مقيتة أراد الله تعالى محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح. ولذلك لما جاء الإسلام وبيّن الوارثين والوارثات بالعناوين التي قررها وجعلها أسباباً في استحقاق الإرث أسقط التبني من أسباب التوارث، وحصر هذه الأسباب في الأبوة، والأمومة، والبنوة الحقيقية، والزوجية، والأخوّة، والأرحام، على تفصيل بعلم من كتب الشريعة التي عنيت ببيان هذه المسائل.

أقول: لما جاء الإسلام وأخذ ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبعي لها، وأخذ يحكم صلتها وروابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه - أبطل عادة التبني هذه - وقصر علاقة النسب على علاقة الأبوة والبنوة الواقعية، وميّز بين البنوة الصحيحة والبنوة المدعاة، وحدد علاقة التبني، وجعلها علاقة أخوّة ومساواة في ظلال النظام الإسلامي الجديد.

لم يقف الإسلام في إبطال التبني الجاهلي عند إسقاطه من أسباب الميراث، بل جاءت الآيات القرآنية مصرحة ببطلانه، مبينة حكم الله فيه، وقد جاء ذلك في قوله تعالى في سورة الأحزاب {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} الأحزاب، وبنزول هذه الآية الكريمة أبطل الله تعالى هذه العادة المرذولة (عادة التبني) وحرم على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبنّاه وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئا من حقوق الابن الصحيح قل أو أكثر.

ص: 175

وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} الأدعياء جمع دعيّ وهو من يدعي ابناً - فعيل بمعنى مفعول - أي لم يجعل الله أدعياءكم بمجرد تبنيكم لهم كأبنائكم في كل أحكام البنوة من النسب، والتوارث، وغير ذلك.

ثم قال تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} أي ذلكم الإلحاق، وهذا التبني إنما هو قولكم بأفواهكم، ومجرد القول لا يقتضي أن يكون الدعيّ ابناً حقيقياً فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، ولا يمكن أن يكون له أبوان، فهو ابن أبيه من النسب ولو تبناه غيره، فهذا القول الذي تلوكونه بألسنتكم لا يغيّر واقعاً، ولا يقلب حقيقة، ولا ينشئ علاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة، ولا يخلق علاقة المشاعر الطبيعية، الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحيّ.

{وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} أي يقول الحق البيّن الذي لا يشوبه باطل، ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة المستمدة من اللحم والدم، لا على كلمة تلوكها الأفواه، وتنطق بها الألسنة، من غير أن تؤازرها الحقيقة ويسندها الواقع.

{وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} أي يرشد عبادَهُ إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا التواء، ثم أمرهم الله تعالى أن ينسبوا الأبناء إلى آبائهم من الصلب تأكيداً لما سبق فقال سبحانه:{ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} أي انسبوا من ألحقتموهم بكم _ وهم ليسوا منكم _ انسبوهم لآبائهم من النسب فلا تقولوا زيد بن محمد مثلاً، ولكن قولوا: زيد بن حارثة.

{هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} أي نسبتهم لآبائهم أعدل في حكم الله، وإنه لقسط وعدل ألاّ ينال حق الابن إلاّ من يكون ابناً في الحقيقة والواقع.

ص: 176

وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه، عدل للوالد؛ لأن هذا الولد ما هو إلا بضعة منه، وعدل للولد لأنه الذي يحمل اسم أبيه، ويكون امتدادا له بوراثته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده، عدل للحق في ذاته، الذي يضع كل شيء في مكانه، ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يكلف غير الوالد الحقيقي بتبعة الأبوة، ولا يعطيه مزاياها، ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يحابيه بخيراتها.

هذا هو النظام الذي يقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع، ويقيم بناء المجتمع على قاعدة قوية مطابقة للحق الفطري العميق.

ثم كان من يسر الإسلام وسماحته أن وضع لهؤلاء الأدعياء إذا لم تعرف آباؤهم _ وضع لهم مكاناً في الجماعة الإسلامية، وهو الأخوّة في الدين، والموالاة فيه حتى لا يترك هؤلاء بغير رابطة في الجماعة بعد إلغاء رابطة التبني فقال تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} ، فالشخص الذي إذا عرف أبوه نُسب إليه، وقيل: فلان بن فلان، فإن لم يكن له أب معروف نُسب إلى الأخوّة في الدين والوَلاء، فقيل: فلان أخو فلان في الدين، أو فلان مولى فلان، ثم بيّن الله عز وجل أنه يعفو عن اللفظ يصدر عن خطأ وسبق لسان، لا عن قصد ونية، بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخرَ بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد في ذلك الذي يقصد به إلصاق الأدعياء بالبيوت. وخلطهم بالأسر كما كان معروفاً من قبل فقال تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} .

ص: 177

أرجح فأقول: الحكمة في إبطال هذا النوع من التبني، ونزول القرآن بإنكاره وتحريمه_ أن فيه حرمان الأب الحقيقي المعروف من أن يتصل به نسبه المتولد منه، المنسوب إليه في الواقع، وفيما يعلم الله والناس، كما أن فيه إدخال عنصر غريب في نسب المتبنيّ يدخل على زوجته وبناته باسم البنوّة والأخوّة، ويعاشرهن على أساس كل منهما، وهو في الواقع أجنبي عنهن، لا يباح له منهن ما يباح للابن والأخ الحقيقي لهن.

وبقدر ما تتركز هذه البنوة الكاذبة في الأسرة فإن البنوة الحقة في الأسرة الحقة تسير إلى الفناء، والمحو والزوال وبذلك تضيع الأنساب، ويختل نظام الأسر، وتضيع حكمة الله تعالى في جعل الناس شعوباً وقبائل، وفيه وراء ضياع الأنساب، واختلال نظام الأسر تضييع لحق الورثة الذين تحقق سبب إرثهم الشرعي من الأب:(الكاذب المتبني) فلا ترث إخوته ولا أخواته لوجود الابن (الزور) الذي منع ببنوته الكاذبة إرثهم الشرعي، وبذلك تقع العداوة والبغضاء بينهم وبين مورثهم بهذا الدعي الذي تبناه المورّث وضيع به حقوقهم في التركة.

لما أبطل الإسلام التبني بالآية السابقة أراد أن يبطل آثاره، ويمحو نتائجه.

وكان من آثاره أن الولد المتبني يرث أباه المتبني له، فأبطل الله هذا بإنزال أحكام الميراث، وبيان أسبابه، وحصره هذه الأسباب في الأبوة، والأمومة، والبنوة، والأخوة كما سبق.

ص: 178

ومن آثاره أيضاً أن الرجل المتبني لا يحل له - في نظرهم - أن يتزوج زوجة متبناه إذا فارقها، كما لا يحل له أن يتزوج زوجة ابنه الحقيقي إذا طلقها، فأبطل الله هذا أيضاً، وأباح للرجل أن يتزوج مطلقة متبناه، وفرق بين زوجة المتبني، وزوجة الابن الحقيقي؛ حيث حرّم على الأب أن يتزوج حليلة ابنه الحقيقي إذا فارقها، وقد أشار إلى التفرقة بين زوجة الابن الحقيقي وزوجة المتبنّى قوله تعالى في سورة النساء:{وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} فقوله تعالى: {مِنْ أَصْلابِكُمْ} للاحتراز عن زوجة المتبنّى أبطل الله تعالى التبني، ومحا آثاره ونتائجه، ولكن من ذا الذي يقدر على أن يقتلع من نفوس العرب هذه العادة الراسخة في نفوسهم المتأصلة في دمائهم من قديم؟

ومن ذا الذي يستطيع أن يقدم على التزوج من مطلقة متبناه؟

مضت سنة الله تعالى في خلقة أنّ ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصّي منه، ولا الرغبة عنه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، وأعتقه من رق الشهوات، فلا يتحكم فيه إلف، ولا يسيطر عليه عرف، وذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان أول من يهدم العقائد الزائفة، ويقوض الخرافات السائدة، ويقيم في مكانها صرحاً من الحق والعدالة، ومناراً من الشريعة والاستقامة.

ومن أجل ذلك كان الشأن إذا نهى الله عن محرم كانت الجاهلية تفعله، أو أحلّ شيئاً كانت الجاهلية تحرمه أن يبادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى امتثال النهي بالكفّ عن المنهي عنه، والإتيان بضده، وأن يسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان المأمور به، حتى يكون قدوة حسنة، ومثالا صالحا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.

ص: 179

نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بحرمة الربا، وقال:"إن أول ربا أضعه هو ربا عمّي العباس ابن عبد المطلب"، حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه، فيسهل عليهم ترك مالهم، وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم في إبطال التبني. فقد كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم، وعزّ عليهم بالنسبة لهذا الإلف الشاق أن يخلعوا عنهم ربقته أو أن يزيلوا عن أفكارهم وطأته، لذلك ألهم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى خرق هذه العادة بنفسه، وأن ينفذ تطبيق ذلك التشريع الجديد في متبناه، لتسقط هذه العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل، وليكون ذلك باعثاً للأمة على الامتثال وحافزاً لها على المسارعة إلى القبول، دون تحرج من ترك ما ألفت، فأوحى الله إليه أن يزوج زينب بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب لمتبناه زيد، وأمره أن يتزوجها هو إذا طلقها زيد لمحق هذه العادة الشاذة محقاً، فخطب الرسول صلى الله عليه وسلم لمتبناه زيد ابن حارثة زينب بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب من زيد هذا! هو زيد بن حارثة، كان من قبيلة عربية، ولكنه سبي صغيراً في غارة أيام الجاهلية، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، فكان عبداً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولما بلغ أهله خبره قدم أبوه وعمه وأخوته مكة يطلبون شراء ابنهم زيد، وفداءه بتحريره من رقه، فالتقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه حارثة أبو زيد وقال له: يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، وإن ابني زيداً عبدك فامنن علينا بفدائه فإنا سنرفع لك في الفداء ما أحببت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعطيكم خيراً من ذلك"، قال: وما هو؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُخيّره، فإن اختاركم فخذوه بغير

ص: 180

ثمن ولا فداء، وإن اختارني فكفوا عنه"، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً وقال له:" أتعرف هؤلاء؟ "قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي وهذا أخي، فقال له الرسول: "فإن اخترتهم فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من عرفته"، فاختار زيد الرق مع النبي صلى الله عليه وسلم على الحرية بين قومه، وقال مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً، أنت منّي بمكان الوالد والعم، فقال له أبوه وعمه: أتختار العبودية على الحرية؟ فقال لهما: ما أنا بمفارق هذا الرجل أبداً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه، وأنه آثر أبوته على أبوة أبيه كافأه الرسول على ذلك فأعتقه وتبناه، وقال للحاضرين: "اشهدوا أن زيداً حُرٌ، وأنه ابني، يرثني وأرثه"، فطابت بذلك نفس أبيه وعمه وأخيه لما رأوا من كرامته على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفوا فرحين مسرورين ومن ذلك الوقت كان زيد يدعى (زيد بن محمد) وهو أول من آمن به من الموالي وأما زينب فهي بنت أميمة بنت عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه ولا يخفى على أحد مكانة عبد المطلب في قريش وفي سائر القبائل العربية.

خطب الرسول صلى الله عليه وسلم زينب لمولاه زيد من أخيها عبد الله، ولكن عبد الله هاله أمر تلك الخطبة، وعزّت عليه قرشيته وهاشميته، وكره أن تصبح أخته تحت عبد رقيق اشترى بالمال ثم أعتق مهما يكن من أمره، حتى ولو صار متبنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 181

رأى عبد الله أن ذلك الأمر عار عليه وعلى أخته، رآه خروجاً على تقاليد البيوت العريقة، والأسر الرفيعة وكانت أخته زينب تشاركه هذا الإباء، وهذه الأنفة، ضنّاً بنسبها العربي الكريم وما زالت زينب وأخوها عبد الله يتأبيان ويمتنعان حتى نزل الوحي بالأمر الحاسم في قوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا ً} الأحزاب.

فلا يصح بعد ذلك لرجل ولا لامرأة اختيار أمر من الأمر يخالف ما قضاه الله تعالى وقدره.

وهنا خضعت زينب وأطاعت وانقاد أخوها لأمر الله واستسلم، وتم الزواج فعلاً، وإن كان على كره من زينب وأخيها.

وكان هذا الزواج في حقيقته وجوهره مقدمة لتقرير تشريع جديد، وتنفيذ حكم إلهي عادل. وقع الاختيار على زينب بخصوصها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يحطم الفوارق بين الأُسر، ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلا بالعقيدة الصحيحة، وصالح العمل، فزوّج عبده زيداً من شريفة قرشية من بني هاشم ليحقق المساواة الكاملة بين الناس، ويسقط هذه الفوارق بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من الشدة والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم تتخذ منه الجماعة الإسلامية أسوة وتسير البشرية كلها على هداه.

ص: 182

وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول، ولم يَسْلَسْ قيادها، بل شمخت بأنفها، وذهبت تؤذي زوجها، وتطلق فيه لسانها، وتفخَرُ عليه بنسبها، وبأنها أكرم منه عرقاً، وأصرح منه حرية، إذ لم يجر عليها من الرق ما جرى عليه، فاشتكى منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم المرة تلو المرة، وكان رسول الله صلى عليه وسلم يهديء من نفس زيد ويقول له:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} إلى أن صَدر الحكم الإلهي بالتفريق بين زيد وزينب، وأذن الرسول لزيد بطلاقها، فطلقها، ثم بعد أن انقضت عدتها منه تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى ليمزق حجاب تلك العادة، ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقاً دون مخالفتها، وفي ذلك يقول الله تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} .

وبتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب تحددت الأمور، ووضحت الأحكام، فإذا ما طلق الابن المتبنّى زوجته فما على المتبنّى من حرج إذا هو بَنَى بتلك الزوجة لأنها أجنبية منه، حلال له.

ص: 183

ذلك هو الحكم الجديد، وهو يعارض العادة الجاهلية القديمة بنت الأجيال المتباعدة، التي لا تفرق بين الابن النسبي والابن المتبنّى بل تجعلهما في الحكم سواء. وبنزول هذه الآية مع الآية التي قدمناها في صدر المقال وهي {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُم} إلى آخرها مع الآية التي بعدها بطل هذا النوع من التبني، وصار محرماً على المسلم أن يلحق نسبه طفلاً يعلم أنه ابن غيره وليس ابناً له، سواء عَرَف أباه أم لم يعرفه.

موجز تفسير الآية

ذكّر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما وقع منه ليزيده تثبيتاً على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول، ومرضى القلوب فقال:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} أي بالإسلام، وبجعله تحت رعايتك {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالعنق والحرية، والتربية الفاضلة، والاصطفاء بالولاية والمحبة، وبتزويجك إياه من الشريفة القرشية ابنة عمتك {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} يعني: إخْش الله تعالى في أمر زوجك زينب وفي عشرتها ولا تتسرع في مفارقتها، فإن الطلاق يشينها، وقد يؤذي قلبها، وارع حق الله تعالى في نفسك أيضاً، فربما لا تجد بعدها خيراً منها.

ص: 184

وقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} وهذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم والذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم هو أن الله تعالى أوحى إليه أن زيداً يطلق زوجته زينب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يتزوجها بتزويج الله تعالى إياها، فلما اشتكى زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم حدة زينب وشماسها وأنه يرغب في طلاقها، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"أمسك عليك زوجك واتق الله"،وهو يعلم أن زيداً سيفارقها حتماً، وأن الرسول سيتزوجها لا محالة وتكون من أمهات المؤمنين ليتحقق بذلك التشريع المطلوب وهو حِلّ مطلقة المتبنىّ للمتبني، هذا هو الذي أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم في نفسه، وأبقاه في سريرته.

ص: 185

وسرّ ذلك الإخفاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم من فرط حيائه، ووفرة أدبه خشي أن ينتهز المنافقون وضعفاء الإيمان هذه الفرصة، ويرجعوا في المدينة، ويقولوا: إن محمداً ينهى أن يتزوج الإنسان مطلقة ابنه وقد تزوج هو زينب زوجة ابنه زيد متبناه بعد أن أمره بطلاقها، فخشية الرسول صلى الله عليه وسلم كلام الناس جعلته يتمهل في الأمر، ويخفي الحقيقة عن زيد عبده ومتبناه، فعاتبه الله تعالى على تريثه في الأمر، وإخفاء حقيقته عن زيد بن حارثة، وعد م السماح له بطلاق زوجه زينب، فكأنّ الله تعالى يقول له: كيف تقول لزيد حينما كان يشكو إليك زوجته {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} مع أنك قد علمت بالوحي من قبل الله عز وجل أن زيداً يطلقها وتتزوجها أنت بعد انقضاء عدتها منه، فكان ينبغي لك أن تمضي في الأمر من أول وهلة، وتصارح زيداً بالحقيقة، وتبادر بتنفيذ أمر الله تعالى وتقرير شرعه، ولا تخشى إلا الله تعالى ثم راده الله تعالى بياناً بقوله جل وعلاه {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً} أي حاجة وأرباً بالزواج، ولم يبق له هوى فيها، ولا ميل إليها، ولم يجد بداً من طلاقها طلقها راضياً مختاراً، غير عالم بما أعلم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فلما طلقها زيد، وانقضت عدتها منه تزوجها صلى الله عليه وسلم لإبطال هذه العادة المرذولة المتأصلة في نفوس العرب، وهي اعتقاد حرمة التزوج بنساء من تبنوهم كحرمة التزوج بنساء أبنائهم من الأصلاب.

ص: 186

وقوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا} أي تولينا تزويجها لك بدون وساطة عقد، ولا وكالة، ولا صداق، ولا شيء مما يكون في حقنا ركناً أو شرطاً أو غير ذلك، وهذه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشركه فيها أحد بإجماع المسلمين، ولهذا كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول:"ما من واحدة منكن إلا وقد زوجها أبوها، أما أنا فقد زوجني ربي من فوق سبع سماوات"، وقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل عليك بهن، إن جدي وجدك واحد، وإن الله زوجك إياي من السماء، وإن السفير بينك وبين الله تعالى في زواجي بك إنما هو جبريل عليه السلام".

ثم بيّن الله تعالى حكمة هذا الزواج بقوله: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} أي لترتفع الوحشة في نفوس المؤمنين، ولا يجدوا في أنفسهم حرجاً من أن يتزوجوا نساءً كن من قبل زوجات لأدعيائهم.

ثم قال الله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} أي وكان ما يريد الله تكوينه من الأشياء التي منها إبطال التبني، ونسخ ما يترتب عليه من منع التزوج من أزواج الأدعياء {مَفْعُولاً} نافذاً، وحاصلاً لا مرد له، ولا مفر منه، واقعاً محققاً لا سبيل إلى تخلفه، ولا إلى الحيدة عنه. والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ص: 187

كيف تكون مُدرسا ناجحا

بقلم فضيلة الشيخ عبد الرءوف اللبدي

المدرس بكلية الشريعة في الجامعة

كان لي ذات يوم تلميذ أحبه وأعجب به، كان ذكياً، وكان مجداً، وكان ذا خلق عظيم، قال لي ذات مرة: أودّ يا أستاذي أن أكون مدرساً في المستقبل، أود أن أكون مدرساً في المدارس الثانوية، ولا ضير أن أبدأ حياتي التعليمية في إحدى هذه المتوسطات، ولا يقعنّ في ظنك أنني قد اخترت هذا عن ضعف أو حاجة، فأبي _ والحمد لله _ لديه المال الكثير، وأنا كما ترى من الطلاب الأوائل في حياتي المدرسية، أستطيع التسجيل في أي كلية شئت، وأستطيع الدراسة في أي مادة أريد، ولكن الذي حداني إلى هذا أن التعليم _ فيما أظن _ أوسع مجال، وأفضل مكان، لمن أراد لأمته ولأبنائها الخير والنجاة والفلاح.

غير أني أودّ يا أستاذي أن أكون مفيداً مثمراً، أودّ أن أكون مدرساً صالحاً ناجحاً، ولا خير فيّ ولا في علمي إذا لم أكن ذاك، فكيف أكونه؟ وأنىّ لي ذلك؟

ص: 188

قلت له: بارك الله فيك من طالب ذي نوايا طيبة وغايات عظيمة، أسأل الله لك الخير فيما اخترت، وأسأله تعالى الرشاد والسّداد فيما اعتزمت، إني لأجد يا بنيّ فيما قلت وسألت ريح النجاح، وأشيم على غدك تباشير الخير والظفر، فمن أبرز عوامل النجاح في التدريس، رغبة صادقة في هذا العمل لا تفتر، وعزيمة ماضية فيه لا تنثني، تذكيها أهداف خيّرة تبتغى، وتبعثها نوايا خالصة لوجه الله، والذين يختارون وظيفة التدريس، ويكون الغرض منها كسب الرزق وحده، ويكون المرتب الذي يقبض في نهاية كل شهر هو الهدف الأول والآخر، ولا شيء بعده، مثل هؤلاء المدرسين قلما يكونون في تدريسهم ناجحين مخلصين صابرين. أما الذي يختار وظيفة التدريس، ولا يكون المرتب الشهري غاية الغايات، بل يكون هناك غايات أخر، إنه يريد نفعاً لهذه الأمة، يريد أن يخرج أبناءها من جهل إلى علم، ومن فساد إلى رشاد، يريد أن يجمع قلوبهم على الإيمان بالله والتمسك بدينه، يريد أن يبصرهم بما في هذا العصر من سموم وضلالات، ولا سيما ما توارى خلف أسماء خادعات، يريد أن يعدّ طلابه ليكونوا علماء عاملين في شتى الميادين.

الذي يختار هذه الوظيفة وقد اعتزم مثل هذه الأهداف، فقد أخذ بسبب متين من أسباب النجاح والفلاح في هذا العمل.

ولا تظنّ أيها الطالب العزيز أن حبك التدريس واتخاذه وسيلة لغايات شريفة، وأهداف طيبة صالحة مثلى، لا تظن ذل كافياً لأن تكون مدرساً ناجحاً، فأنت في حاجة إلى أشياء كثيرة أخر، هاأنذا أقصها عليك:

ص: 189

لا بد أن تكون قوياً في مادتك العلمية التي سوف تدرسها في المستقبل، وأن تكون ذا ميل طبيعي إليها، ولا بدّ لك على الأقل من أربع سنوات دراسية تخصصية تقضيها في دراسة تلك المادة بعد المرحلة الثانوية، على أن تبذل في خلال هذه السنوات جهدك في التحصيل والفهم والإطلاع والبحث والمناقشة، وإذا لم تكن مجداً في التحصيل، حريصاً على الفهم والتعمق، ذا ميل طبيعي إلى تلك المادة، فلن تكفيك أربع ولا سبع ولا عشر، وسوف تتخرج ضعيفاً في علمك وفهمك، وسوف يكون طلابك مثلك ضعفاء، وسوف يكتشفون ضعفك مهما حاولت أن تخفيه عنهم، وحينئذ تفقد ويفقدون ثقتهم فيك وفي علمك، وتسقط شخصيتك وهيبتك، ولن ينفعك يومئذ حسب ولا نسب ولا نشب ولا شهادة عالية ولا سيارة فارهة ولا ثوب جديد، ولا قصص جميلة مسلية تقصها عليهم لتملأ الفراغ، وسوف تشعر بالنقص، وتلك مصيبة أخرى، وإذا شعر المدرس بالنقص عامل طلابه بقسوة، وأخذهم بالعنف، وعاقبهم على ذنوب صغيرة تافهة، أو على ذنوب متخيلة يظنها لشعوره بالنقص أنها واقعة وما هي بالواقعة.

ومما يؤسف له أن في البلاد العربية الإسلامية كثيراً من هؤلاء المدرسين الضعفاء، يسرحون ويمرحون في أمن وطمأنينة، وينامون نوماً عميقاً طويلاً ليس فيه أحلام مزعجة، غير عابئين بما ينشأ عن ضعفهم من شر مستطير.

فحذارِ حذارِ يا بنيّ أن تكون واحداً من هؤلاء في المستقبل، فتضيع على المئات والآلاف من أبناء المسلمين أوقاتاً ثمينة كان ينبغي أن تكون ذات ثمر، وتحرمهم علماً كان ينبغي أن يزودوا به، ثم أنت بهذا تكتسب إثماً تحسبه هيناً، وهو _ فيما أظن _ عند الله عظيم.

ص: 190

ولقد عرفت فيك _ يا بني _ الذكاء والفطنة، والذكاء صفة رئيسية من صفات المدرس الناجح، فهي التي تعينه من بعد عون الله على أن يكون قوياً في مادته العلمية، قادراً على أن يعالج بسرعة وكياسة مشكلات علمية وسلوكية قد تفجؤه في غرف التدريس، فإذا لم تكن على حظ من الذكاء والفطنة أسقط في يديك، واضطرب النظام في فصلك، وفقدت المكانة التي ينبغي أن تكون لك.

ثم أنت في حاجة إلى الذكاء في مواقف كثيرة، أنت في حاجة إليه حين تضع أسئلة الامتحان لطلابك، تلك الأسئلة التي أرجو أن تكون اختباراً لقدرتهم على الفهم، لا اختباراً لقدرتهم على الحفظ والاستظهار.

وأنت في حاجة إلى الذكاء يا بني لتعرف الفروق الفردية بين طلابك، فتعاملهم على أساسها، وتدرسهم بمقتضاها.

ثم أنت في حاجة إلى الذكاء لتعالج ما عساه أن يكون في المنهج المقرر من اضطراب أو تفاوت، وما عساه أن يكون في الكتاب المدرسي من أخطاء ونقص.

وما أكثر الأشياء التي تحتاج إلى ذكاء المدرس، ولولا أنك ذكي فطن يا بنيّ لنصحت لك أن تبحث عن عمل آخر غير التدريس.

التدريس يا بني قيادة، ولن تنجح قيادة بدون ذكاء.

ثم إنك أيها التلميذ العزيز لا مفر من أن تدرس التربية وعلم النفس وطرق التدريس، ومع اعترافي بأن المدرس مطبوع لا مصنوع، وأن المدرس يولد مدرساً بالفطرة، مع ذلك لا غناء لأي مدرس عن هذه الدراسة، غير أنه يمكن أن يقال في مثل هذا المقام: إن المدرس المطبوع لا يحتاج إلى طويل دراسة وكثير تمرين، وإن المدرس المصنوع يحتاج إليهما طويلاً، وربما لا يفيدانه إلى قليلاً.

ص: 191

وليس الغرض من هذه الدراسة أن يكون المدرس مستعبداً لها مقيداً بها، وإنما الغرض أن يستعين بها ويجربها، ويطبقها مرة بعد مرة، ليصل إلى ما يراه مناسباً لتلاميذه، وقد يزيد في بعض الطرق وقد يختصر، وقد ينوع في استعمالها من موقف إلى آخر. وبهذه الدراسة يا بني تستطيع أن تعرف أشياء كثيرة من خصائص الطلاب الجسمية والعقلية والنفسية التي تساعدك على النجاح في تدريسك، وتساعدك على فهم الدوافع التي تكمن وراء تصرفات بعض الطلاب، قد تبدو غريبة لبعض المدرسين، فيظنونها حيناً تمرداً وعصياناً، ويظنونها حيناً كسلاً وعبثاً وضعفاً، وما هي في واقع الأمر من هذا ولا ذلك في شيء.

وإذا كان المدرس قوياً في مادته ذكياً ذا اطلاع جيد في التربية وعلم النفس وطرق التدريس، محباً لطلابه حريصاً على إفادتهم، إذا كان على هذه الصورة استطاع بسهولة أن يختار الطريقة المناسبة لطلابه ومادته، دون أن يضيع وقتا طويلا أو يقوم بتجارب كثيرة.

واختيار الطريقة المثلى من أعظم صفات المدرس الناجح، ولقد قال أحد رجال التربية: إن الطريقة الصحيحة في التعليم تطيل العمر، ومعنى هذا أن الطرق الصحيحة توفر الوقت والجهد على الطالب، فيزداد انتفاعه بأيام حياته، ويجني الفهم الكثير والعلم الغزير في زمن قصير، وبذلك تصبح حياته مضاعفة الفوائد عظيمة الأجر.

ولست الآن يا بنيّ بحاجة إلى أن أعرض عليك طرق التدريس وما فيها من محاسن ومساوئ وأن أبين المجالات الصالحة لكل طريقة، فهذا شيء سوف تدرسه إن شاء الله فيما بعد، غير أن هناك ما لا أستطيع إلا أن أعجل به، هناك يا بني ثلاثة أشياء، لا تكاد تخلو منها أية مادة، أو يتجافى عنها أي درس جديد.

ص: 192

أولها المقدمة: وهذه المقدمة تكون في أول الحصة، وتقوم على أسئلة يوجهها المدرس إلى طلابه عن معلومات سابقة ذات صلة بموضوع الدرس الجديد أو ذات إثارة وتطلع إلى ذلك الدرس، على ألا تزيد هذه المقدمة على خمس دقائق ومن الخطأ أن يأتي المدرس بمقدمة لا تقوم على أسئلة موجهة إلى الطلاب، أو أن يبدأ درسه الجديد من غير مقدمة تنبه أذهان الطلاب التي كانت عنه غافلة، وتهيئ نفوسهم التي كانت عنه في شغل.

الشيء الثاني: أن يناقش طلابه مناقشة سريعة موجزة في نهاية كل مرحلة من مراحل درسه الجديد، ليطمئن إلى فهمهم ومدى استيعابهم، وليجدد فيهم النشاط والحياة، وليحول بينهم وبين شرود الأذهان وسروح الخواطر، والمعروف في علم النفس أن الطالب الإعدادي والثانوي في الكثير الغالب لا يستطيع أن يركز انتباهه بصورة مستمرة طوال الحصة، فبعد مضي فترة من الحصة تقارب خمس عشرة دقيقة يشرد ذهنه في عالم آخر، أو ينام، أو يعبث بالنظام، ولذلك كان على المدرس ألا يسمح بشرود الأذهان، وألا يتيح الفرص للنوم والعبث، ذلك بأن يسأل الطلاب من حين إلى حين عماّ درس لهم، وأن يشركهم في البحث والمناقشة في معلومات الدرس الجديد، وألا يتركهم طلاباً مستقبلين فقط، عليهم أن ينصتوا ويستمعوا ولا شيء غير ذلك، بل عليه أن يتيح لهم الفرص ليكونوا مستقبلين حيناً ومرسلين حيناً آخر، ينصتون حيناً وينصت إليهم حيناً آخر، يسألهم مرة ويسألونه مرة أخرى.

الشيء الثالث: أن تخصص الدقائق الخمس الأخيرة أو ما يقاربها من الحصة لتلخيص الدرس الجديد، على ألا يكون التلخيص من قبل المدرس، ولا أن يكلف به طالب واحد، ولكن يكون التلخيص بأسئلة متسلسلة تنظم أهم ما في الدرس الجديد، يقوم المدرس بتوجيهها إلى طلاب متفاوتين في القوة غير متجاورين في المقاعد، وبهذه الأسئلة يعرف المدرس مقدار ما فهمه طلابه، ومستوى ما حصلوه، ومقدار نجاحه في عمله.

ص: 193

أما المدرس الذي يقضي حصته كلها يتكلم ويشرح، والطلاب سامعون ينظرون، لا يسألهم عن شيء، ولا يسألونه عن شيء، مثل هذا المدرس قد نسميه خطيباً مفوّهاً، وقد نسميه متحدثاً فصيحاً، ولكننا لا نستطيع بأية حال أن نسميه مدرساً ناجحاً، فنجاح المدرس لا يقاس بمقدار ما يشرح ويتحدث، ولكن بمقدار ما يفهم الطلاب من درسه، وبمقدار ما يشاركونه في ذلك الدرس.

الطالب بعد تخرجه سيعرض له كثير من المسائل العلمية التي ليس له بها علم من قبل، وسوف يسأله طلابه أو الناس عن أمور لم تمرّ به ولم يمرّ بها، فإذا لم يكن قد درب في أثناء الدراسة على البحث العلمي، والملاحظة الدقيقة، والتفكير المنظم، وعلى الوصول إلى المعلومات بجده وكده ومناقشاته _ وقف عاجزاً ضعيفاً في ميادين العلم والدعوة والتعليم، يبكي ولا يجد من يمسح دموعه، ويندم ولات ساعة مندم.

أما الطلاب الذين دربوا في أثناء دراستهم على أن يسألوا مدرسهم ويسألهم، ويناقشوه في قضايا العلم ويناقشهم، وعلى أن يحصلوا العلم بالبحث والتنقيب في الكتب والمكتبات، أما هؤلاء فسوف يكونون في المستقبل بعون الله علماء أقوياء، ولا يكونون عاجزين ضعفاء.

ومن الملاحظ أن كثيراً من ذوي الشهادات العالية في البلاد العربية الإسلامية ليس في إنتاجهم عمق ولا جدة، وربما كان من أعظم الأسباب في ذلك أن الطريقة التي تعلموا بها كانت طريقة سيئة تقوم على الحفظ والاستظهار، لا على البحث والمناقشة ودقة الملاحظة وتحمل المسئولية في تحصيل العلم.

ولن يتم نجاح المدرس يا بني إلا بالعقيدة الصادقة والخلق الكريم، لا يتكلف ذلك تكلفاً، ولا يلبس له ثياب الممثلين على المسارح.

ص: 194

ومن الثابت لدى علماء التربية أن الطالب يتأثر بسلوك مدرسه وأعماله وتصرفاته أكثر من تأثره بما يلقيه عليه من نصائح ومواعظ، ولهذا ولأشياء أخرى كثيرة غير هذا، كان عليه أن يكون قدوة صالحة في أعماله وتصرفاته وسلوكه وأقواله قبل أن يتقدم إلى الطلاب بمواعظه ونصائحه.

وعليه أن يثبت في قلوب طلابه عقيدة صافيه عميقة، وأن يغرس في نفوسهم أخلاقاً كريمة حميدة مبنية على تلك العقيدة منبعثة منها، فتشيع في نفوسهم الأمن والطمأنينة والراحة التي ينعم بها المؤمنون، وتلقى عنهم القلق والشك والحيرة التي يشقى بها الملحدون الضالون.

ولن أستطيع في مثل هذا الموقف أن أعدد الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة التي ينبغي أن تكون في المدرس الناجح، ولكن أقربها صلة إلى عمله، وأوثقها ارتباطاً بوظيفته، وأبعدها أثراً في نجاحه_ أن يكون عادلاً في معاملته لطلابه، فلا يقبل على بعض ويعرض عن بعض، ولا يعامل طالباً بعطف ولطف وطالباً آخر بجفاء وفظاظة، ولا يختص بأسئلته ومناقشاته الأقوياء، دون أن يعنى بالمتوسطين والضعفاء.

أن يكون عادلاً في أسئلة الامتحانات، فلا يكون فيها تعسف ولا إعنات، وأن تكون في مستوى ما كان يعلمه لطلابه، ومن الظلم أن يكون المدرس مترفقاً سهلاً في تدريسه، يمرّ بمسائل العلم مرّاً ليّناً ليس فيه تعمق ولا سعة، حتى إذا جاء الامتحان كانت الأسئلة عميقة دقيقة كثيرة الثنايا والعقبات، على مستوى لم يعرفه طلابه في دروسه، ولم يدربهم عليه من قبل.

وأن يكون عادلاً في تصحيح الإجابات، فلا يخشى مجد أن يضيع له حق، ولا يطمع كسول أن يأخذ أكثر مما يستحق.

وأن يكون متواضعاً ليّن الجانب، بعيداً عن العجب والكبر والمخيلة، لا يتهيب الطلاب أن يسألوه كلما غامت عليهم مسألة، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً أن يستعينوا به كلما عرضت لهم مشكلة.

ص: 195

أن يكون محباً لطلابه عطوفاً عليهم، يتألم لآلامهم، ويأسى لما يلحق بهم من أذى، يعنى بضعفائهم ولا يسخر من أخطائهم ويتخذ منها وسيلة للاستهزاء والزراية، ولا يدخر جهداً في سبيل إفادتهم وتعليمهم وإرشادهم إلى ما يفيدهم في حياتهم الدراسية، وفي حياتهم اليومية، وفي حياة المستقبل بعد التخرج.

وأن يكون قوي الإرادة ضابطاً لنفسه، لا يسرع إليه غضب ولا ثورة، ولا يستغل قوانين المدرسة وأنظمتها لإيقاع العقوبة وإظهار السلطة كلما مرّ طالب بعبث عابر، أو صدر عن طالب صغير ذنب، أو وقع طالب في تقصير غير معتاد.

على أنه ينبغي ألا يفهم الطلاب من تسامحه وسعة صدره وحلمه أنه ضعيف عاجز، فيستخفوا به، ويستهينوا بأمره، وتفلت الأمور من بين يديه، وهذا موقف دقيق يحتاج إلى كياسة وفطنة وحزم.

ولا بدّ للمدرس الناجح أن يحافظ على ثلاثة أشياء محافظة شديدة:

الشيء الأول: أن يحافظ على المواعيد التي يضربها لتلاميذه، كتصحيح دفاتر الإنشاء والتطبيق، أو مناقشة مسائل علمية، أو إجراء بعض الاختبارات، أو القيام بنشاط لا صفي، وإن إخلاف الموعد أكثر من مرة يحط من قدره، ويجعله قدوة سيئة لطلابه، ولا ينبغي للمدرس أن يستهين بهذا الأمر ظاناً أن هذه أشياء ليست بذات أهمية، أو أنهم طلاب لا يقدرون المسئولية.

الشيء الثاني: أن يحافظ على أوقات طلابه، وأن يحرص عليها جد الطاقة، وليحذرن أن يخادع نفسه أو يخدع الناس بمعاذير واهية، هو يعرف حق المعرفة أنها لا تنفعه شيئاً عند الله، فوقت الحصة ليس ملكاً للمدرس، وليس من حقه أن يتصرف به تصرفاً ليس للطلاب من ورائه نفع ولا صلاح، فخمس دقائق إذا اعتاد المدرس أن يختلسها من كل حصة ومن كل طالب هي شيء كثير جداً إذا جمعت في نهاية العام.

ص: 196

ومن ضياع الوقت على الطلاب أن يخرج المدرس عن موضوع درسه إلى أمور أخرى ليس بينها وبين الدرس نسب ولا صلة رحم، وقد يعرف الطلاب فيه هذا العيب، فيأخذون يستدرجونه إليه من حيث لا يدري، كلما سنحت فرصة، عابثين به مستخفين بقدره، وبذلك يفلت الزمام من يديه، ويسقط في ميدان القيادة عاثراً، دون أن يجد أحداً يقيله من هذا العثار.

ومن ضياع الوقت على الطلاب أن تعمل في داخل الفصل شيئاً يمكن أن تقوم به خارج الفصل، دون أن تضيع على الطلاب فائدة تذكر.

الشيء الثالث: أن تحافظ على النظام داخل الفصل فيكون شرحك وأسئلتك مسموعة لكل طالب، ويكون كل طالب منتبهاً إليك، دون أن تسمح لطلابك بأن يشغل بعضهم ببعض في حديث أو جدل أو تهامس، فيكون في ذلك تشويش عليك وعلى سائر الطلاب، وانصراف ومشغلة عن موضوع الدرس، ولذلك ينبغي أن تقف في مكان في الفصل يراك فيه الطلاب جميعاً، وتراهم منه جميعاً، ومما يعاب على المدرس أن يمشي في الفصل أمام الطلاب ذهاباً وجيئة، مقبلاً مدبراً، أو يجوس خلال المقاعد، لأن هذا يعطي فرصة مواتية لعبث العابثين منهم، ويجعلهم يملون ملاحقته بأبصارهم من جهة إلى جهة.

ولا بد للمدرس الناجح أن يكون متعاوناً، فيبذل ما يستطيع من وقته وجهده وعلمه وخبرته فيما يتطلب المسؤولون عنه من أعمال إضافية عابرة، وفيما يحتاج إليه إخوانه المدرسون من حل مشكلة تعليمية أو تربوية، ومن مشاركة في نشاط لا صفي، وفيما يحتاج إليه طلابه خارج الفصل من فهم مسألة علمية، أو إعطاء بعض حصص إضافية للضعفاء، إذا اتسع لديه الوقت وأسعفه الجهد، ومن الأنانية الذميمة أن يتهرب المدرس من المسؤولية العامة، وأن يقصر جهده على حصصه المقررة في جدول الدروس الأسبوعي.

ص: 197

ولا بد للمدرس الناجح أن يكون كثير القراءة واسع الاطلاع، ومن المؤسف حقاً أن كثيراً من المدرسين لا يقرءون، مكتفين بما قرءوه أيام كانوا طلاباً في الجامعة أو دور المعلمين، والمدرس الذي لا يقرأ إنما هو مدرس يموت عقله يوماً بعد يوم، ويموت علمه مسألة بعد مسألة، ولن يمضي عليه طويل وقت حتى يصبح في مستوى طلابه، لا يعرف أكثر مما في الكتاب المقرر، وربما كان بعض طلابه الأذكياء ذوي قراءات خاصة وحسن اطلاع، فيكونون أكثر منه علماً وأوسع منه معرفة، وقد يوقعونه في مآزق لا يدري كيف تكون فيها النجاة، ويسوقونه إلى مواقف علمية حرجة تسقط فيها هيبته ومكانته وراية القيادة من يده.

ولا ينبغي للمدرس أن يقتصر قراءته واطلاعه على مادة اختصاصه، وما يتصل بمهنته، فإنه إن فعل هذا ظل أفقه ضيقاً، وتفكيره محدوداً، على الرغم من أنه قد يكون واسع الاطلاع عميقاً في مادة اختصاصه.

إن عصرنا هذا يموج بأنواع العلوم والثقافة، فينبغي أن يلم المدرس بأطراف نافعة صالحة منها، ما اتسع له الوقت وأسعفه الجهد، وأن يرشد طلابه إلى كل نافع مفيد، وكلما شعر الطلاب أن مدرسهم أوسع منهم علماً، وأكثر منهم اطلاعاً، وأعمق منهم تفكيراً، ازدادوا ثقة فيه، ورغبة في الاستماع إليه، وتأثراً بما يقول، واقتداء بما يعمل.

ولا بد للمدرس الناجح من صحة جيدة تمكنه من القيام بواجبه على أفضل وجه، فيستطيع أن يشرح ويناقش دون أن تبح حنجرته وتنهج رئتاه، ويستطيع أن يظل واقفاً في حصصه مشرفاً على طلابه دون أن تنوء به ساقاه، ويستطيع أن يحضر دروسه اليومية في البيت قبيل أن يأخذه النعاس ويستولي عليه التعب.

والصحة سبب من أسباب النشاط، ودعامة قوية من دعائمه، ولكنها لا تستلزمه ولا تستوجبه، فلدى بعض المدرسين صحة جيدة، ولكن الكسل طبيعة فيهم وخلق، ولدى بعض المدرسين شيخوخة سن ووهن عظام، ولكنهم يأبون على أنفسهم القعود عن الواجب والإخلاد إلى الأرض.

ص: 198

والمدرس الناجح لا بد أن تكون لغته سليمة من العيوب اللسانية، مبرأة من اللهجات العامية، واضحة الكلمات والحروف، مسموعة في أرجاء الفصل، لا تصخ الآذان ولا تخافت، ليس فيها إسراع يضيع المعنى، ولا إبطاء يبعث على الملل.

وينبغي أن يكون الأسلوب جذاباً يثير الانتباه ويبعث على الارتياح، غير عابس ولا جاف، يفسح للفكاهة المهذبة العابرة إذا دعت إليها مناسبة.

وهناك علاقة قوية وصلة وثيقة بين لغة المدرس وبين شعوره نحو طلابه وحبه لمادته ودرسه، فإذا كان المدرس قوياً في مادته، محباً لطلابه، يحس بالراحة والأنس في غرف التدريس، رأيت ذلك واضحا في حركاته ولفتاته وشرحه، وأحسست أن في لغته وأسلوبه تياراً من الكهرباء يضيء ولا يحرق، ورائحة ذكية تنعش أرواح الطلاب دون عطر ولا زهر.

أما إذا كانت لغة المدرس رديئة، تغلب عليها العامية، أو كانت مضطربة قلقة، يبدئ فيها ويعيد دون أن يفهم شيئاً، أو كان المدرس يأكل بعض الحروف، أو ينطق بها محرفة، إذا كانت لغة المدرس على شيء من هذا أو نحوه، مجتها آذان الطلاب، وضاقت بها صدورهم، وفرت منها آذانهم، وتجهمت لها الوجوه، أي شيء يغريهم بالاستماع إلى ما يقول وهو لا يفهمون عنه شيئاً ولا يعقلون؟!

وقد أجري استفتاء عام على طلاب المدارس الثانوية في إحدى الدول المتقدمة الكبرى، استفتاء يذكرون فيه الصفات التي يفضلونها في المدرس، فكان من تلك الصفات التي أجمعوا على تفضيلها في المدرس أن تكون لغته سليمة واضحة متخيّرة.

وقد أجري استفتاء آخر على الموجهين التربويين في إحدى الدول العربية عن الصفات التي يقاس بها نجاح المدرس، فكان من تلك الصفات التي أجمعوا عليها أن تكون لغته فصيحة مفهومة.

ص: 199

ولا بدّ للمدرس الناجح أن يكون نظيفاً حسن البزة دون تكلف ولا مبالغة، والمدرس الذي لا يعنى بحسن مظهره ولا أناقة هندامه، ظاناً أن القيمة كلها لعلمه وأخلاقه وحسن إفادته، هو مدرس لم ينظر إلى الطرف الآخر في هذه القضية، فإن الناس وفيهم الذين يعنيهم هذا الأمر، لهم فيه رأي آخر، فالمظاهر الحسنة كانت ولا تزال لها قيمة تذكر، وسحر يؤثر، ونفوذ عجيب، وإنك لتجد هذا واضحا في شتى شؤون الحياة: في غلف الكتب والمجلات التي تطبع وفي أجسام السيارات التي تصنع، وفي هندسة البيوت التي تبنى، وفي قصائد الشعر وقطع النثر التي تروى، وفي زخرفة الآنية التي نأكل بها ونشرب، وفي الثياب التي نختارها ونلبس، الحقائق وحدها يا بني لا تكفي، لابدّ للحقائق من أن تلبس ثوباً جذاباً يلفت الأنظار ويجذب الأبضار، ولكن إياك إياك والمبالغة والتكلف وتجاوز حدود الاعتدال، فإن لذلك آثاراً سيئة جداً.

هذا يا بني ما أردت أن أقوله لك اليوم، كي تكون مدرساً ناجحاً في المستقبل، وسوف تمدك الدراسة المسلكية والتجارب العملية، والقراءة الدائبة والاطلاع الواسع، بأكثر من هذا وأوسع.

وإني لأسأل الله تعالى أن يهيئ لك البيئة الصالحة والجو الملائم، كي تجد هذه الصفات التي ذكرت طريقها إلى العمل والأثمار، فأسأله تعالى أن يهيئ لك في المدرسة التي سوف تدرس فيها إدارة حازمة عادلة تقول للمحسن قد أحسنت وتقول للمسيء قد أسأت، فيزداد المحسن إحساناً على إحسانه ويرجع المسيء عن التمادي في ضلاله وبهتانه.

وأسأل الله تعالى أن تجد أمامك مناهج على مستوى طلابك، وعلى قدر الحصص المقررة في العام الدراسي، وكتباً جيدة الطباعة، وافية بالمنهج، محضرة بين أيدي الطلاب في بداية السنة الدراسية، وبذلك توفر وقتك وجهدك للتعليم والإفادة، فلا تشقى ولا يشقى من معك من الطلاب في معالجة عيوب المنهج، ولا في تصحيح الكتب المقررة.

ص: 200

وأسأله تعالى أن تجد أمامك فصولاً دراسية ليست مزدحمة بالطلاب، ذات أعداد يرضى عنها رجال التربية، وأن تجدغرفاً دراسية واسعة، تشرق فيها الشمس، ويتجدد فيها الهواء، وتفيض أرجاؤها بالنور، قد أثثت بمقاعد مريحة، وسبورة واسعة صالحة.

وأسأله تعالى أن يهب لك مرتباً حسناً، يوفر لك حياة كريمة، وبالاً ناعماً، كي تتفرغ للقراءة والدراسة والتربية والتعليم، بجهد خالص، ونفس راضية مطمئنة.

وبعد هذا كله، وقبل هذا كله، أسأل الله تعالى أن يرعاك وأن يسدد خطاك، وسلام الله عليك يا بني، وسلام الله عليكم أيها الإخوة المستمعون الكرام. . .

ص: 201

معارك الدعوة الإسلامية

بقلم فضيلة الشيخ د. محمد حمد خليفة

المدرس بكلية الشريعة في الجامعة

تعرضت الدعوة الإسلامية عبر القرون والأجيال لأنواء المحن، وألوان الإحن، وتيارات من عواصف الفتن، ما سكن هياجها إلا لتلتقي ريحها كما تلتقي زعازع النكباء فتحاول اجتثاث جذور كلّ ما ساخ وأوغل ورسخ في الأعماق.

ناوأتها الوثنية، ودارت معاركها مع اليهودية، واجتمعت عليها جحافل الصليبية اللادينية وأخيراً كان أبناؤها شراً عليها من أعدائها:

لقد عانت أول ما عانت من الوثنية حين هتف أول صوت للحق على جبل الصفا يدعو إلى عبادة الواحد الصمد، فعارضه صوت الوثنية يتفجر من قلب أبي لهب يواجه داعي الحق: تَبّاً لك ألهذا جمعتنا؟ ومنذ ذلك بدأت معركة الدعوة تعاني محناً كظلمات الليل، وتختلس الخطى إلى من أراد الله لهم الخير، وعبأت قريش لتلك المعركة كل سلاح: فتارة تحارب الدعوة بسلاح التشكيك في كتاب الله فترميه بالشعر حين رأت الفصحاء يخرون أمام بيانه، وتارة تتهم الداعي الأمين بالسحر لأن قوة إقناعه بالدعوة تستلب الرجل من أحضان زوجته، فيؤمن بالله وتؤثر المرأة وثنية أهلها فيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه الساحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، فلما هزمت أسلحة التشكيك أمام منطق الدعوة اتخذت قريش سلاح التعذيب ولكنه تحطم على صلابة الإيمان، وكان في صبر آل ياسر الدليل الدامغ على أن العذاب لا يروع قلوب المؤمنين، بل إن الموت اشهى لهم من حياتهم في ظل الوثنية، وقَدْمَتْ سميةُ زوجة ياسر أول بذل للحياة في سبيل الإسلام.

ص: 202

وبعد ثلاثة عشر عاماً قضتها الدعوة الإسلامية في معارك صاخبة مع الوثنية في مكة هاجرت إلى المدينة لتتخذ منها قاعدة للانطلاق بعيدة عن تحدي الوثنية وظلمها غير أنها انتقلت من ميدان الوثنية لتلاقي في المدينة عدواً جديداً تمثل في اليهودية المنحرفة التي وقف أصحابها يرقبون لعل العرب يأكل بعضهم بعضاً، فلما قويت شوكة المسلمين بعد بدر اشتد قلقهم، وحينما هزموا في أُحد دبروا إيقاع الفتنة بين المسلمين فقالوا لهم: ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم؟ فارجعوا إلى دينكم فهو خير لكم فأنزل الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} .

واشتدت عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم حينما تحولت قبلة المسلمين عن بيت المقدس إلى البيت الحرام فراحوا يتساءلون: {مَا وَلَاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ؟.

ولم ينم تدبيرهم عن فتنة المسلمين وتشكيكهم في دينهم فدعوا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباع دينهم وكشف الله موقفهم في قوله: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} .

وتواطأ بعض اليهود فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك النبي وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه، فإذا فعلتم شكّ أصحابه في دينه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم فأخبر الله نبيه بالمكيدة وأنزل: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .

ص: 203

وشطوا في عناد محمد صلى الله عليه وسلم، وكشف الله موقفهم وعناد آبائهم لنبيهم موسى عليه السلام فقالوا لمحمد صلوات الله وسلامه عليه: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب من السماء كما أتى به موسى فأنزل الله قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} .

ثم ظهر عدو ثالث للدعوة وصاحبها تمثل في نصرانية نجران والتقاء اليهود بهم في عداوة رسول الإسلام حيث اجتمع أبو رافع اليهودي وبعض نصارى نجران على لقاء صاحب الدعوة الإسلامية ومحاولة فتنته أو إغرائه وكان فيما سألاه: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني"، وأنزل الله في الرد عليهم:{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} .

واجتمعت الوثنية واليهودية على حرب الإسلام والمسلمين والتقى وفد اليهود برياسة كعب ابن الأشرف بالوثنيين برياسة أبي سفيان وأجمعوا أمرهم على القضاء على الإسلام، وكانت موقعة الخندق وأرسل الله عليهم ريحاً أطارت خيامهم ومزقت أحلامهم وقد قص القرآن قصتهم في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً. .} الخ ما جاء في الآيات.

ص: 204

ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طهرت الجزيرة العربية من الوثنية واليهودية إلا ممن تظاهروا بالإسلام من اليهود وكانوا الخطر الداهم على الإسلام والمسلمين في عهد عثمان فأشعلوا الفتنة التي راح ضحيتها الخليفة الثالث وقد أذكى أتّونها عبد الله بن سبأ اليهودي وحمل لواء الدعوة للتشيع لآل البيت وتستر وراء تلك الدعوة لينتقم لليهودية.

وفي القرن السابع الهجري زحف التتار اللادينيون من الصين تحت قيادة جنكيز خان فغزوا بخارى وسمرقند وخوارزم وخراسان، وفي عهد هؤلاء دخل التتار بغداد وقضوا على التراث الإسلامي الذي خلفته الحضارة الإسلامية، وزحف على الشام حتى وصل غزة وقد هزم المسلمون التتار في عين جالوت، وعاد تيمولنك لغزو سوريا ثم هزم التتار، وعادوا إلى الشرق الأقصى بعد أن دمروا الكثير من الآثار والتراث الإسلامي، ثم تحركت الصليبية الأوروبية فجمعت الملوك الصليبيين لغزو الشرق الإسلامي وقيض الله للإسلام جيوشاً من المؤمنين مزقت جموع الصليبيين وردتهم عن مهد الرسالات فعاد السلام يرفرف على أرض السلام حيناً، وأخيراً مُنيت الدعوة الإسلامية ومُني المسلمون بتحرك اليهودية وتذؤب أطماعها في هذا الشرق، وكان لدهاء اليهود وأموالهم الأثر البالغ في كسب بعض الدول الصليبية العظمى، والتقت الإلحادية اللادينية مع هؤلاء وأولئك للنيل من الإسلام.

فاللادينية تبذل أقصى ما وسعها من الأساليب وما تملك من الضغط لاجتثاث أصول الإسلام من نفوس المسلمين وباسم الحرية تتحرك للقضاء على الإسلام في الشرق الإسلامي، واليهودية تتخذ في معركتها مع الإسلام أكثر من سلاح كالتشكيك والانحلال والإباحية وإفساد النفوس وتمزيق الروابط التي ربطت بين شعوب الشرق وإثارة الفتن بين تلك الشعوب وكل هذه أسلحة لها خطرها على الإسلام.

ص: 205

والمسيحية العالمية عبأت مئات الآلاف من المبشرين لغزو الإسلام في إفريقيا وآسيا وكل هذه الآلاف تلتقي في تشكيك الناس في الإسلام في مبادئه وكتابه ورسوله.

وقد لقيت اللادينية واليهودية والمسيحية من أبناء الشرق الإسلامي أبواقاً تنفخ فيها، فتنعكس أصداء نفثاتها على نفوس المسلمين تشكيكا في دين الله وفي عدم صلاح شريعته لتطورات المجتمعات واستأجرت اللادينية واليهودية والمسيحية عقولاً إسلامية وأقلاماً إسلامية وألسنة إسلامية لتخوض بها معاركها مع الإسلام، وعظمت مصيبة الإسلام في أبناء الإسلام من المأجورين لتخريب النفوس وتدمير العقول.

وإن أنكى ما يواجه الإسلام في هذه الأيام ذلك العدوان الصارخ على أصوله وكتاب من الرئيس التونسي الذي ينكر قول الحق في الميراث {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} فيأبى إلا أن يشرع للمرأة حقاً ينكره ما فرضه الله لها، بل أنكر جحودُه القصص القرآني الذي أوحاه الله وادعى أنه من وضع محمد صلى الله عليه وسلم وما كان لرسول الله أن يفتري على الله.

ونهجت نهجه حكومة الصومال فسوت بين المرأة والرجل في الميراث وقتلت المعارضين من العلماء وكانت ثالثة الأثافي مظاهرات الشيوعية في اليمن الجنوبي، التي قامت تحت سمع حكومتها وبصرها بتمزيق كتاب الله وبهتافها الأحمر الأحمق: لا دين بعد اليوم. .

فأين أنتم أيها المسلمون من هذه الفتن الضارية التي يؤججها رؤساء وحكومات تلك الدول في هذه الفترة العصيبة التي تنشب فيها معركة المصير بين العرب واليهود؟

وهل من مؤتمر قمة إسلامي تقول فيه الغيرة الإسلامية كلمتها لتأخذ على المارقين طريق التحلل الغربي ووساوس اللادينية وفتن الصهيونية العالمية؟

وأخيراً أين موقف تلك الشعوب من أولئك الرؤساء وليس بين المسلمين من لا يعلم أنه: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". . .

ص: 206

مع المجاهد الأعظم. . ومنهجه في الجهاد

بقلم فضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

وقد جرت سنة الله تعالى أنه لا يبعث رسله إلا إذا استفحل الضلال، واستشرى الشر وتفاقم الفساد واحلولك ليل الناس فيرسل الله إليهم من ينير لهم السبل ويهديهم إلى الجادة المستقيمة.

والطريق أمام رسل الله، ودعاة الإصلاح ليس معبداً مفروشاً بالورود بل هو مليء بالأشواك محفوف بالمكاره ومن الواجب عليهم وعلى كل داعية أن يوطنوا أنفسهم على الصبر والجهاد، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان مثلاً أعلى ونموذجاً فريداً، وقدوة حسنة لكل مصلح يأتي من بعده، لقد جاهد أهل الضلال والفجور بالكلمة الطيبة ثم بالقوة المرهبة.

قدم إليهم قارورة الدواء فعافوها، وردوا عليه أسوأ رد، وظل يتودد إليهم ويعرض الدواء عليهم، وظلوا ينفرون منه، ويصدون الناس عنه، ويكيدون له، وتذرع بالصبر، وتجمل بالحلم، وبقي في مكة يجاهد هم بالقول الكريم والأسلوب الحكيم حتى دان له بعضهم، وانقاد له قليل منهم، ونال هؤلاء ما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الظلم والاضطهاد، وصبروا واحتسبوا أجرهم عند الله، ورغبوا أن ينالوا رضاه، وفتح الله لهم باب الخلاص، ونافذة الأمل فهاجروا إلى المدينة ولحق بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن شرب في مكة كأس الأذى حتى الثمالة.

وفي المدينة لم يهدأ عليه الصلاة والسلام، ولم يركن إلى الراحة بل ظل يحمل راية الجهاد، ويرفع علمه واتخذ جهاده لوناً جديداً، ومنهجاً أخاذاً، فقد بدأ يجاهد الكفار بالقوة المرهبة بعد أن كان في مكة يكتفي في جهادهم بالكلمة الطيبة، وقديما قيل:"لا يفل الحديد إلا الحديد".

فالحرب أجدى على الدنيا من السلم

والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا

ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسم

ص: 207

والشر إن تلقه بالخير ضقت به

بدأ يقابل القوة بالقوة، ويرد على السيف بالسيف (والشر بالشر والبادئ أظلم) .

لقد أسرف كفار مكة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به حتى اضطروهم إلى الهجرة، وترك ديارهم وأموالهم، حرصاً على دينهم، فهل يطلب من المسلمين بعد هذا أن يتقلبوا مزيداً من الاضطهاد؟

لقد نفذ صبرهم، وذهب حلمهم، وأصبحوا يرتقبون من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسمح لهم بالجهاد ونزلت الآيات:

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .

أذن الله لهم في القتال درءاً للظلم ومنعاً للفتنة، ودفاعاً عن الدين، ونصرة للمستضعفين ونشراً لشريعة الحق والعدل والخير والأمن.

قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} ، وقال:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ} .

ص: 208

والقتال من أجل هذه الغايات الشريفة واجب على المسلمين قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} . وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من أصل الإيمان الكف عمّن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار".

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً" أخرجهما أبو داود.

على هذا الأساس قاد رسول الله صلى الله عليه وسلم جيوش المسلمين تحفه عناية الله،، وتؤازره معونته قادها لدفع العدوان، وقمع الطغيان، ونشر الإيمان، قادها تحت راية إسلامية سداها ولحمتها قول الله تعالى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} .

ولهذا خط لقادة الحروب من بعده منهجاً إنسانياً تتخلله الرحمة، وتسري فيه سريان الروح في الجسم والماء في العود والكهرباء في الحديد، نهى عن قتل من لا شأن له في القتال ولا رأي له في الحروب.

أخرج مسلم بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على الجيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً".

ص: 209

وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال فيه: "ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً". وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: " ألا لا يجهزن على جريح ولا يتبعن مدبر ولا يقتلن أسير ومن أغلق عليه بابه فهو آمن " أخرجه عبد الرزاق في الجامع وابن أبي شيبة والبيهقي وأبو عبيد في الأموال. هذه هي سنته في الحروب، حروب لا تشن إلا لضرورة ولخير الإنسانية وحين تنشب تسير في اتجاه حكيم، وفي دائرة مغلقة لا تتجاوز أهل العدوان والطغيان وتترفق بالضعفاء والولدان.

وعندما يجنح خصوم الإسلام إلى السلام يسارع إلى قبول دعوتهم، ويكلهم إلى نيتهم إعلاناً منه عن رغبته في تجنب إراقة الدماء قال تعالى:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} .

ص: 210

وعندما يتم صلح على معاهدة يتم توقيعها في ظروف مناسبة يطلب الإسلام من أتباعه أن يفوا بها ويلتزموا بشروطها قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

وحين تفوح من العدو رائحة الغدر يطلب منابذتهم وبشرط أن يكونوا على سواء قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} . وقبل المنابذة لا يرتضي الإسلام أن نخيس بالعهد ولو لنصرة المسلمين قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} .

في هذا الاتجاه السليم وفي ظلال هذه المبادئ كانت حروب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بقي أن نعرف كيف أعد الرسول صلى الله عليه وسلم جيشاً تحققت على يديه هذه الانتصارات الرائعة التي سجلها التاريخ، وأذهلت عباقرة العالم.

إن الفضل في إعداد النبي صلى الله عليه وسلم لجيشه الظافر يرجع إلى قوة العقائد والتعاليم الإسلامية وأثرها في النفوس، وتأمّل معي هذه العقائد وهذه التعاليم لتعرف ما لها من أثر بليغ في بناء الجيش الإسلامي.

ص: 211

1-

دعا الإسلام إلى الإيمان بإلهٍ واحد قوي قدير سميع بصير حكيم خبير ومن شأن هذه العقيدة أن تجمع قلوب المؤمنين وتوحدها، من شأنها أن تنفخ فيهم روح العزة والكرامة فلا يرضوا بأن يتأله عليهم مخلوق، ولا يقبلوا أن يخنعوا لصنم حجري كمناة أو نباتي كالعزى أو حيواني كعجل أبيس أو إنساني كفرعون.

من شأنها أنها تشحذ العزائم وتلهبها وتمد الجنود بقوة غلابة يستمدونها من القوي العزيز فيقبلون على المعارك إرضاء لله بروح مؤمنة لا يتسرب إليها يأس ولا يتسلل إليها خور، مطمئنة إلى الله معها يمدها بنصره ويؤيدها بجنود من عنده {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ} ، {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ، {وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .

2-

دعا الإسلام إلى الإيمان بأنه لا بقاء إلا لله، وأن الموت مكتوب على كل من عداه قال تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} .

تعددت الأسباب والموت واحد

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

والمولى وحده قد حدد الأجل، لكل حي منذ الأزل، فلا ينقص العمر باقتحام الحروب ولا يزيد بالفرار والهروب قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وقال:{لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} ، وقال:{الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، وقال:{قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} .

ص: 212

ووقائع الحياة تشهد بهذا وتؤكده، فهذا خالد بن الوليد سيف الله المسلول يموت على فراشه، وكان يتمنى أن يموت وهو يجاهد في سبيل الله، ويدافع عن دينه، ورغبة في الشهادة وحرصاً عليها شهد مائة حرب أو زهاءها، وبارز الأبطال، وركب الأهوال، حتى لم يبق في جسمه شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ومع هذا لم يقتل في ميدان، بل مات على فراشه كما شاء الله وما شاء الله كان.

وكثير من الناس بالغوا في أخذ الحيطة لأنفسهم حذر الموت فلقوا مصرعهم في حوادث مؤسفة ما كانت تخطر لهم على بال أو تدور في حسبان.

هذه العقيدة إذا استقرت في قلب إنسان نزعت منه الخوف والجبن، فإذا ما سمع الهائعة أسرع إليها وأقبل عليها في هدوء وسكينة وارتياح وطمأنينة، ولا يقف أثرها عند هذا الحد بل إنها لتمده بقوة تدفعه إلى الإمام وتحول بينه وبين الانسحاب دون نظام تمده بقوة تجعله يكر ولا يفر، يقدم ولا يحجم، لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه ينشد بلسان حاله:

فمن العجز أن تكون جبانا

وإذا لم يكن من الموت بد

يوم لا يقدر أم يوم قدر

أي يومي من الموت أفر

ومن المقدور لا ينجو الحذر

يوم لا يقدر لا أرهبه

من الأبطال ويحك لن تراعى

أقول لها وقد طارت شعاعاً

على الأجل الذي لك لم تطاعي

فإنك إن سألت بقاء يوم

فما نيل الخلود بمستطاع

فصبرا في مجال الموت صبراً

3-

دعا إلى الإيمان بالبعث والحياة الأخروية والتصديق بما في اليوم الآخر من جنة ونار وثواب وعقاب، وحساب أساسه العدالة التي لا تعرف المحاباة قال تعالى:

ص: 213

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} ، وقال:{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ} ، وقال:{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً} ، وقال:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} .

ومن شأن هذه العقيدة أنها تحمل كل إنسان على أن يحاسب نفسه ويسارع إلى أداء ما أوجبه الله عليه والابتعاد عمّا نهى الله عنه.

ومما أوجبه الله أن نجاهد في سبيل الحق ونقبل عليه، وممّاحرمه أن نتثاقل عن الجهاد بعد أن يدعو الداعي إليه ومن شأن هذه العقيدة أيضاً أنها تزكي النفوس بدفعها إلى الخير وإن جل وحجزها عن الشر وإن قل، وإبعادها عن الظلم وإن كان مثقال ذرة.

وإذا تمكنت هذه العقيدة تآلفت الأرواح وتماسكت الأمة وارتبطت وارتبط جنودها بعضهم ببعض، وارتبطوا جميعاً بالله، واستحقوا عونه ورضاه، وأمكن لهم أن يتغلبوا على أعدائهم ويظفروا بهم.

فإن ضعفت وانحل عراها، ورثّت قواها صاركل إنسان عبداً لهواه، وسار على ما يهواه، واستحل ظلم عباد الله، وحينئذ تضعف روح الأمة وتتمزق وحدتها وتتبدد قوتها، ويسهل على عدوها أن يكتسحها ويلتهمها، ويغنم كل ما عندها من سلاح وعتاد.

ص: 214

4-

دعا الإسلام إلى الجهاد ونوه به وأشاد بفضله، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} ، بشر المجاهدين بالنصر في الدنيا والفوز في الآخرة، وضمن للشهداء حياة طيبة، قال تعالى:{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} .

وأخرج مسلم ج3 ص1495 بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفسي محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه مسك والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل".

ولم يكتف الإسلام بهذا بل حذر أولئك الذين يتخلون عن دعوة الجهاد من سوء المغبة، ووخامة العاقبة.

ص: 215

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} .

بشر المجاهدين وأنذر المتقاعسين، وقد أثمرت هذه الدعوة ثمرتها، فتسابق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد.

في غزوة بدر استنهض الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى عير قريش، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد، إنه لا بد لأحدنا أن يقيم فآثرني بالخروج وأقم أنت مع نسائنا فأبى سعد وقال: لو كان غير الجنة لآثرتك به إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهما فخرج سهم سعد فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فاستشهد وفي غزوة أُحد خرج خيثمة داعياً الله أن يستشهد ويلحق بابنه في الجنة فقتل شهيداً.

وفي غزوة أُحد خرج أهل بيت بأجمعه إلى الجهاد في سبيل الله، خرجت نسيبة بنت كعب مع زوجها زيد بن عاصم وولديهما عبد الله وخبيب وقد أبلوا جميعاً بلاءً حسناً وقال صلى الله عليه وسلم:"بارك الله فيكم أهل بيت"، وقال:"اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة"، وقال في نسيبة:"ما التفت يوم أُحد يميناً ولا شمالاً إلا وأراها تقاتل دوني"، وقد ضربها ابن قميئة وهي تدافع عن النبي فأصاب عاتقها بجرح أجوف غائر، وجرحت في هذا اليوم اثني عشر جرحاً من بين طعنة وضربة.

ص: 216

وفي هذه الغزوة استعرض الرسول صلى الله عليه وسلم كما جرت عادته في كل عام - غلمان الأنصار فمرّ به رافع بن خديج وسمرة بن جندب فردهما وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل له: يا رسول الله إن رافعاً رام فأجازه فقال سمرة: يا رسول الله: لقد أجزت رافعاً ورددتني ولو صارعته لصرعته فقال له صلى الله عليه وسلم: "فصارعه"، قال سمرة: فصارعته فصرعته فأجازني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

5-

دعا الإسلام إلى أخذ العدة والتسلح بالسلاح الديني والمادي وفي هذا يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} ويقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ويقول: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} ، ويقول صلى الله عليه وسلم:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" أخرجه أبو داود والنسائي عن أنس ويقول: "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" أخرجه الشيخان عن زيد بن خالد، ويقول:"إن الله عز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله" أخرجه أبو داود والترمذي عن عقبة بن عامر.

ص: 217

6-

دعا إلى توطيد دعائم المحبة بين الحاكم والمحكوم، وبين الجنود والقادة بالتزام قواعد العدالة، وإرساء أسس الإخاء والتعاون والحرية والمساواة حتى يكون جميع من في الدولة على قلب رجل واحد وبمستوى واحد في الشعور بالتعب والراحة والفرح والحزن والجوع والشبع كما يقول صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أخرجه مسلم عن النعمان بن بشير.

وقدوتنا في هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي غزوة بدر مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسواد بن غزية وهو متقدم في الصف فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بقدح في يده وقال: "استو يا سواد"فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال:"استقد"فاعتنقه سواد وقبّله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على هذا؟ " قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك"، سيرة ابن هشام ج1 ص626.

ص: 218

وفي غزوة الخندق يحدثنا البراء فيقول:"لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه". أخرجه البخاري ج5 ص140. ويحدثنا جابر فيقول:"أنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية [1] شديدة فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً [2] ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول [3] فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم، فقلت يا رسول الله: ائذن لي إلى البيت فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق [4] ، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة [5] ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة في الأثافي [6] قد كادت أن تنضج فقلت: طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: "كم هو؟ " فذكرت له قال: "كثير طيب"قال:"قل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي " فقال:"قوموا"فقام المهاجرون والأنصار فلما دخل على امرأته قال ويحك: جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز، ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال: كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة". أخرجه البخاري ج5 ص138،139.

وعن علي رضي الله عنه قال:"كنا إذا احمرّ الناس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه"أخرجه أحمد.

ص: 219

بهذا ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الأمثال للقادة والحكام وعلمهم بالفعل لا بالقول وحده أن يكونوا مع الجنود في المعركة ويشاركوهم التعب والراحة والجوع والشبع علّمهم أن يعسكروا مع الجيش ولا يغيبوا عنه، ليواجهوا بالحكمة ما يطرأ من مشكلات تتطلب الحل السريع، علمهم أن يعدلوا ويدركوا أن المناصب وإن تفاوتت درجاتها لا تسمح لصاحب المنصب الكبير أن يتعالى ويستبد بمن دونه ويجور عليه في حقه علمهم أن يكونوا على استعداد إن صدرت منهم هفوة لتقبل القصاص بصدر رحب، هذه المبادئ إذا سادت الأمة ونعمت بها جعلت كل فرد فيها يحرص على كيان الدولة ويتحمس في الدفاع عنها فلا يضعف أمام عدوه ولا يتقهقر بل ينقض عليه ويواصل السير إليه حتى يكسر شوكته ويطفئ جمرته.

7-

لا يفوت الإسلام أن يقوى روح الأمل في أتباعه ويجتث بذور اليأس من قلوبهم فيقول سبحانه: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، ويقول:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

وبعد: فقد كان كثير من العرب يندفع إلى القتال بدافع العلو ورغبة في النهب كما قال عمير بن شييم:

وأعوزهن نهب حيث كانا [7]

وكن إذا أغرن على جناب

وضبة أنه من حان حانا [8]

أغرن من الضباب على حلول

إذا ما لم نجد إلا أخانا

وأحياناً على بكر أخينا

ص: 220

لكن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قتال شريف قتال في سبيل الله لا في سبيل الهوى والشيطان، والتسلط والعدوان، قتال لخير البشرية قتال يتبع قوانين أخلاقية يغلب عليها طابع الرحمة والحكمة تتمنى البشرية خصوصاً في عالم اليوم أن تطبق حتى تنجو من خطر محقق يهددها بالفناء التام والموت الزؤام.

فهل آن للعالم اليوم أن يعود إلى منهاج النبي صلى الله عليه وسلم لينعم ويسعد وينهض ويرقى؟ نسأل الله أن يبصرنا جميعاً طريق الهدى والرشاد، والخير والسداد

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

كدية: صخرة صلبة لا تعمل فيها الفأس.

[2]

ذواقا: طعاما يذاق.

[3]

المعول: الفأس.

[4]

عناق: أنثى المعز قبل بلوغ سنه.

[5]

البرمة: القدر.

[6]

الأثافي: الحجارة التي تنصب القدر عليها.

[7]

كن: أي كانت الخيل والمراد أربابها المغيرون، أعوزهن نهب: تعسر عليهن ما ينتهب، جواب (إذا) أغرن في البيت التالي.

[8]

الضباب جمع ضب، والحلول الذين يحلون في مكان واحد يقول: إنهم لاعتيادهم الغارة لا يصبرون عنها ويتقدمون للأقارب إذا تعسر الأباعد ومن هلك بغزونا هلك هلاك محققا.

ص: 221

الدعوة العامة لتحديد النسل ينكرها الإسلام

بقلم: فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف

مفتي الديار المصرية سابقاً

تحديد النسل أو كما يسمونه تنظيم النسل ودعوة الأمة إليه بصفة عامة مشروع خطير تجذبته الأفكار والأقلام منذ سنين ولم يثره بادئ الرأي عندنا إلا الاستعماريون حين أفزعهم تزايد السكان وأقلقهم نموّ الأمة ويقظة الشعور العام فيها إلى أساليب الاستعمار في البلاد المستعمرة والتنبه العام إلى ما له من فادح الأخطار على البلاد ومناداة الشعوب في كل الأقطار العربية بضرورة تحريرها وتخلصها من شروره ومفاسده، فنادوا في طول البلاد وعرضها بالخوف من المجاعة الجائحة إذا استمر تزايد السكان ولم يحدد النسل بطريقة حاسمة وعمدوا إلى خداع العامة (باسم الدين) فزعموا أن الإسلام يبيح هذا التحديد بصفة عامة، بل قال قائلهم وهو مدرس جامعي عن عمد أو خطأ:"إن إباحة الإسلام العزل من الزوجات شرعاً دليل على إباحته تحديد النسل بصفة عامة.

فبينّا لهم في أكثر من مقال: أن من أهم مقاصد التشريع الإسلامي تكثير سواد الأمة ونموها على ممر الدهور حتى تواجه الأحداث والخطوب بقوى عاملة وتستثمر خيرات البلاد بكثرة كادحة وتقف في وجوه الأعداء بجيوش حاشدة على التوالي إمداد متتابعة إذا جد الجد، وقديماً قالوا: إنما العزة للكاثر.

لذلك أوجب الإسلام على أهله الكسب والعمل والجد في الحياة وفي استنباط وسائل العيش الرغيد للأمة بطريق الزراعة والتجارة والصناعة والتوسع فيها واستخدام أقوى الوسائل وأفضلها إلى غاية الطاقة، وجعل كل فرع من فروعها من فروض الكفايات حتى تستغني الأمة بخيراتها ومنتجاتها عن كثير مما تستورده من غيرها، وتعز بكثرتها أمام تلك القوى التي تنافسها أو تنصب لها العداوة وتدبر لها الشرور والمكائد وعوامل الضعف والذلة.

ص: 222

ولما كان ذلك لا يتم إلا بالأيدي العاملة والعقول المفكرة والجماعات القوية المتعاضدة رغب الشارع في كثرة النسل وحث فقال صلى الله عليه وسلم:"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم"وقال: "تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" ونهى عن الجب والخصاء والترهب وهجر النساء تبتلا لمنافاة ذلك للغرض الأسمى الذي دعا إليه.

ورغّب في الزواج وأباح تعدد الزوجات بشرطه المشروع.

فحين دعا الإسلام إلى كثرة النسل لهذه الحكم والمقاصد قرر بجانب ذلك وجوب العمل بمختلف الوسائل لإنماء الموارد الاقتصادية في البلاد علاجاً لما يتوقع من تزايد عدد السكان وهو العلاج الصحيح الذي يجمع بين قوة الأمة والعمل على توفير حاجتها الضرورية للحياة.

وإن الأمة لا تسعد إلا بهما ولا تهنأ إلا في ظلهما.

وإن في دعوة الأمة إلى تحديد النسل بصفة عامة إذا هي استجابت لها (وما أظنها تفعل) كل الخطر عليها، فيها ضعفها وانكماشها، فيها ذلتها، واستصغارها، فيها إغراء الأعداء بها، وتمكين الاستعمار من الطمع فيها، بتوالي الزمن والعجز عن استثمار خيرات البلاد بأيدي أبنائها لقلة العدد ووفرة الخيرات كما هو واقع في بعض الأقطار العربية.

ونكرر مرة أخرى أننا حينما نريد للأمة نمواً في العدد نريد منها جداً واجتهاداً في العمل وعلماً نافعاً ينير لها الطريق فيما تعمل وإن تضاعف الجهود كلما تزايد العدد فإذا سلكت هذا السبيل لا يضيرها تزايد عددها بل يعينها على ما هي بسبيله.

أما الكلام عن العزل الذي أشار إليه بعض الكاتبين وحسبه حجة له فمع أن في جوازه خلافا (كما يعلم من مراجعة أقوال الفقهاء والمحدثين فيه) لم يكن في الإسلام دعوة عامة إليه في أي عصر من العصور من عهد النبوة إلى الآن، كما يدعون اليوم إلى التحديد بصفة عامة وهذا كاف في رد الاحتجاج به في هذا الموضوع.

ص: 223

وقد قلنا مراراً أن هناك حالات فردية خاصة تدعو إلى منع الحمل كما تدعو إلى العزل وهذه لا شك في إباحتها فإن الضرورات تبيح المحظورات شرعاً كما أباحت للمريض الفطر في رمضان والصلاة قاعداً عند العجز عن القيام وترك الحج لعدم الاستطاعة الجسمية مع وفرة المال، وكما رخصت في أكل الميتة للمضطر ونحو ذلك.

ولا يمكن أن تكون هذه الإباحيات والرخص إلا خاصة بأرباب الأعذار.

وهل يعقل أن الشارع يدعو دعوة عامة إلى كثرة التناسل وفي الوقت نفسه يبيح الدعوة العامة إلى تحديد النسل؟

أليس هذا تناقضاً محالاً عليه؟

والأجدر بالقائمين بهذه الحملة الصاخبة لتحديد التناسل أن يوجهوا جهودهم للدعوة إلى الاستزادة من العلم والإنتاج والقوى والجهود لاستخراج كنوز الأرض وذخائرها ومقاومة أعداء الإسلام وهم الكثرة المتعاضدة المتساندة في القضاء عليه وعلى أهله في أقطارهم.

والله يوفق الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح.

حول الدعوة العامة الضالة لتحديد النسل

(السؤال) : نشر هذا السؤال وجوابه بجريدة منبر الشرق في 23 مارس سنة 1956م.

فضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي الديار المصرية السابق.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ص: 224

وبعد: قلما كان من الصعب العسير على النفس المؤمنة التي لا تقبل الحكم على الأشياء إلا عن عقيدة وإقناع، قبول القول بجواز تحديد النسل خشية الفقر بعد قول الله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} وقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} ، وقوله:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} ، وقوله في أولي الألباب:{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} ، وقوله:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ، وقوله:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ شيئاً} ، وقول النبي الكريم:"تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم"، وقوله:"تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة"، وقوله:"سوداء ولود خير من حسناء عقيم"، إلى غير ذلك من النصوص الصريحة التي توجب تفويض أمر الخلق إلى الله رب الخلق والأمر، فهو يعلم ما في الأرحام ويخلق ما يشاء ويختار {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً} ، ثم هو يحيى ويميت ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.

ص: 225

ولا تسمح النصوص بجعل الفقر سبباً لتحديد النسل لأنه عرض زائل والأيام دول بين الناس، وإنما تدعو إلى السعي وعدم التواكل والعمل على تكثير النسل وتوجيهه في رحاب الدين إلى العمل المنتج لخير البلاد والعباد. وبهذا يضع الإسلام الحل العادل لمشكلة تزايد السكان التي قذفت في قلوب المستعمرين الرعب وأطاحت بأطماعه، تلك التي شاءوا بها القضاء على وحدة العرب وقوتهم، والله غالب على أمره. ولما كانت الدعوة إلى تحديد النسل خشية الفقر يُراد أن تكون دعوة عامة إليه لوجود الأغنياء قلة بين الأغلبية العظمى من الفقراء، وهو أمر مشهود معروف مع توافر النسل في الفقراء وقلته بين الأغنياء، وفي هذا التحديد شبه العام قضاء على كيان الأمة وإذهاب لريحها، وعدوان صارخ على حرية الإنسان وحق الأسرة لم يقل به قرآن ولا سنة ولا إجماع.

ولما كان قصر التحديد فيما قالوا على الفقراء بحجة وجود الفساد والتشريد في نسلهم، وَوَلَدان في رأيهم خير من ثمانية، وهذا أمر لا يستسيغه عقل، فقد نرى الأكثرية من الفقراء أحرص الناس على حياة دينهم ودنياهم وفي نشئهم الأمل الوضّاء الحافل بجمال العلم ونهضة العمل وجلال الإيمان والجهاد، بينما نرى العكس في أغلبية نشء الأغنياء على قلته، وكم رأينا الأيتام ذوي الفقر والفاقة قد أصبحوا سادة وقادة، بينما انتكس الحال في غيرهم من ذوي اليسار والقوة والجاه.

ص: 226

على أننا لا ندري كيف السبيل إذا ما أصيبت المرأة ذات النسل بعد إجراء التحديد بعقم ثم مات نسلها. . . علّنا نظفر بعقار جديد ضد الموت. . . وبهذا نُبقي على عُدة الوطن وأجيال المستقبل، - ويا ترى هل التحديد يكون قصراً على زوجة ذات نسل طلقت أو عاشت ما قدر الله لها أن تعيش ثم قضت نحبها بالموت، أم يتناول الأخرى بعد أن تأتي بما فوق العدد؟ . . . أم تستأصل منها عوامل الحمل منذ بدء حياتها الزوجية فتحرم النسل وحينئذ ما ذنبها؟ . . لعل أيسر طريق أن يعيش من فقد زوجته ذات نسل في رهبنة. . ولكن لا رهبانية في الإسلام.

وإذا كان يرى بعض القائلين بجواز التحديد ما يصيب فكرة القائلين بعدمه استنتاجاً من قول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} ، وقوله:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} ، فإن الذي نلقى الله عليه أن المأخوذ من هذا القول الكريم تصوير الدنيا في صورتين:

ص: 227

أولاهما: مذمومة حقير شأنها إذا ما كاثر الناس فيها بالأموال والأولاد ابتغاء الافتخار والخيلاء والاسترسال في الشهوات والسخرية من الناس وتعدي الحدود إلى كل ما يوجب سخط الله وغضبه وعقابه. والحياة بهذه الصورة فتنة ومتاع الغرور والخسران، وفي هذا يقول الله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، والأخرى محمودة لدى العقلاء مرغوب فيها، يدعو إليها ربنا بقوله:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.. الخ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ.. الخ} . وهي دعوة صريحة إلى المبادرة للحصول على مغفرة الله والرضوان باتخاذ وسائل الحياة من الأنفس والأموال قربات عند الله شكراً له على ما أنعم، واستمتاعاً بتلك الزينة التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق اعترافاً بفضله وواسع كرمه. وإذا لم يكن كذلك فعلى أي أساس يقوم العمران، وبأي وسيلة يكون التعاون على البر والتقوى، وما الذي يؤخذ من قوله تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} .

ألم يكن القصد واضحاً في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ..الخ}

وهو إنذار واضح لكل من لم يتوجه بكل هذه الوسائل إلى الله حباً فيه ووقفاً على الخير في سبيل مرضاته.

ص: 228

ولما كان العزل مختلفاً في حكمه وعند القائلين بالإباحة رخصة في الحالات الفردية الاضطرارية كما في حالة ثبوت عدم قدرة الزوجة على احتمال الحمل ثبوتاً طبياً صحيحاً، فهو إذن رخصة جزئية لا يمكن أن تكون عامة أو شبه عامة، كإباحة التحديد خشية الفقر لغلبة حاله على عموم الأمة إلا النسبة الضئيلة من الأغنياء.

وإذا صح قول عمرو بن العاص الصحابي:"وإياكم وكثرة العيال فإنهم يثقلون الظهر"، على فرض حمله على هذا الوجه فإن أبا بكر الصديق وهو من عُرف برجاحة إيمانه في الأمة وعلو كعبه بين صحابه الرسول قد كره العزل، لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة، ومن القائلين معه بالكراهة من الصحابة الأجلاء عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود. (راجع المغني لابن قدامة جزء 7/ صفحة23) .

فلهذا. . . أرفع إلى فضيلتكم وأنتم من حماة الدين وعلمائه الأبرار هذا الخطاب، رجاء التكرم بكشف اللثام عن هذا الأمر الخطير ببيان قاطع في الموضوع على صفحات (منبر الشرق){لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابنكم

نظمي متولي أحمد العسال

بميت غمر بالديار المصرية

الجواب:

ورد إلينا هذا السؤال وطلب محرره الفاضل الجواب عليه، وما أتممت قراءته حتى وجدت في طيه الجواب الشافي والبيان الكافي، ووجدته مطابقاً لما سبق لنا بيانه ونشره في هذا الموضوع الخطير من الوجهة الشرعية والاجتماعية، ولا بأس أن نلخص ما بيناه في ما يلي:

ص: 229

1-

فكرة تحديد النسل بصفة عامة في الأقطار الإسلامية التي لا يزال للدول المستعمرة نفوذا فيها أو طمع في الاستئثار بخيراتها فكرة غريبة دخيلة تخفي وراءها كيداً استعمارياً خبيثاً لم يتفطن له الكثير من الناس، ومنهم من يأبى أن يتفطن، والسر عند علام الغيوب، فليس أبغض للمستعمرين، ولا أعود على سياستهم بالفشل من تزايد عدد المسلمين الذي من شأنه أن يحملهم على الكدح في الحياة والسعي للحرية وتحطيم أغلال الاستعمار لينعموا بخيرات بلادهم ويعيشوا رافهين.

وقد قرأت أخيراً في بعض الصحف أثر اجتماع الأقطاب الثلاثة العظام ما يرمي إلى فزع الدول الكبرى من كثرة عدد العرب وقلة عدد اليهود، ولتزايد عدد في الدولة رهبته وقوته وآثاره ونتائجه، فلنكثر رغم ما يدبرون، ولنتسلح بالقوة ولنشق طريقنا إلى الحياة الحرة، وإن الدول التي هصرتها الحروب وأكلتها الشدائد لتسعى جاهدة في تنمية عددها ومضاعفة قوتها لتواجه المستقبل بعدة الكفاح المثمر.

2-

وإننا في الوقت الذي نعارض فيه تحديد النسل بصفة عامة نستوجب على الحكومات العربية أن تتظافر فيها القوة لاستغلال جميع موارد البلاد زراعياً وصناعياً لتنعم بخيراتها وهي والحمد لله وفيرة وبلادها من أخصب البلاد وفيها كنوز وذهب أحمر وأسود، ومعادن وخيرات حسان، وفيها ما يحتاج لأضعاف أضعاف أيدي أهلها الآن لاستثمار هذه الخيارات الوفيرة، فلنعد لهذا الجهاد أبناءنا لنستغني بهم عن الأجانب عنا، ولندع هذه الفكرة الماكرة فهي معول هدم وسوسة تنخر في العظم.

ص: 230

3-

ومع أننا نعارض بقوة فكرة التحديد بصفة عامة نقرر في صراحة أن الشريعة السمحة تبيح اتخاذ وسائل منع الحمل، بل وسائل الإجهاض قبل نفخ الروح في بعض الحالات وهي حالات فردية اضطرارية يكون فيها الضرر محققا بالحاملة أو غالبا بشهادة الطب الصادقة لا بالوهم والخيال. وهذا كما تبيح للمريض الفطر في رمضان إذا كان الصوم يضره وقرر الطبيب الحاذق ذلك أو دلت عليه تجربة صحيحة أو ظهرت له أمارة صادقة، وكما تبيح للحامل والمرضع الفطرة إذا خافتا على نفسهما أو ولدهما على التفصيل المبين في الفقه.

4-

والخلاف بيننا وبين دعاة التحديد ليس في هذه الجزئيات الاضطرارية، وإنما هو في الدعوة العامة إلى التحديد، لا فرق بين حالة الضرر وحالة الاختيار كما أشير إليه في السؤال.

وبعد: فلعل في هذا ما يرشد بعض الباحثين إلى أن الأولى والأحق بجهودهم وإمكانياتهم أن توجهوا الشعوب في الأقطار العربية إلى التوفر على العمل المنتج، ويعدوا لهم ما ليس في إمكان الأفراد من الوسائل التي بها تسعد الأمم وتبقى في رغد العيش ورفاهة النعيم، والله أعلم.

ص: 231

شعر شوقي في ميزان النقد

بقلم: فضيلة الشيخ محمد المجذوب

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

ولد أحمد شوقي في مصر عام 1285 هـ وفيها توفي عام 1351 هـ، وتعتبر هذه الفترة مطلع النهضة في حركة الشعر العربي الحديث، ويعد شوقي أكثر شعراء العربية إنتاجاً، وقد أوتي شاعرية فياضة ومخيلة قوية دعمت بالعلم وغذيت بالأسفار، ووراء ذلك طموح شديد إلى بلوغ أعلى ذرى القريض، فهو يحاكي عددا من أكابر شعراء العربية والفرنجة ففي شعره قوة المتنبي وروعة البحتري، وعمق أبي تمام، ورقة ابن زيدون. ويجاري من شعراء الفرنجة فيكتور هيجو في السياسة والتاريخ والأساطير، ولافنتين في الحكايات الخرافية، وكرناي في المآسي التمثيلية هو يريد أن يبلغ شأوهم جميعاً.

لذلك تعددت أغراض شعره، ففيه التاريخ والسياسة والاجتماع والدين والوصف والغزل والمدح والرثاء والفخر والحكمة. وفيه الشعر التعليمي والتمثيلي. وهو في كل أغراضه ذو طابع خاص يميزه عن جميع الشعراء، الذين حاول محاكاتهم، وإن كان يشبههم في كثير من الخصائص.

1-

شعره السياسي:

تتفاوت نظرة شوقي السياسية تبعاً لظروفه الشخصية وظروف الحياة العامة.

ففي المرحلة الأولى من حياته - حياة القصر - يدور مع رأي ولي أمره فيعادي خصومه ويصادق مؤيديه. لذلك نراه يحمل على أحمد عرابي ويعده خائناً:

أهذا كل شأنك يا عرابي؟

صغار في الذهاب وفي الإياب

وهو يعبر بذلك عن نظرة البلاط إلى عرابي. وبمثل ذلك يواجه (رياض باشا) رئيس الوزارة لأنه أثنى على اللورد كرومر بكلمة أساءت إلى مصر وإلى الخديوي عباس الذي كان شوقي شاعره:

أضيف إلى مصائبنا العظام

خطبت فكنت خطباً لا خطيباً

وجرحك منه لو أحسست دامي

لهجت بالاحتلال وما أتاه

ص: 232

ولنستمع إليه يحمل على الأمير حسين واللورد كرومر والشيخ عبد الكريم سلمان بمناسبة سفر كرومر إلى بلاده، وقد خطب هذا في حفلة أقيمت لوداعه فهاجم الخديوي عباساً والمصريين على مسمع من حسين والشيخ دون أن يحركا ساكناً:

فكأنك الداء العياء رحيلا

لما رحلت عن البلاد تشهدت

أدب لعمرك لا يصيب مثيلا

أوسعتنا يوم الوداع إهانة

مثلت فيه المبكيات فصولا

في ملعب للمضحكات مشيد

وتصدر الأعمى به تطفيلا

شهد الحسين عليه لعن أصوله

والمرء إن يجبن يعش مرذولا

جبن أقل وحط من قدريهما

ولكن من العجائب أن ينسى شوقي إساءة الأمير حسين هذا بعد حين، فيمدحه ويمدح معه الإنكليز، الذين خلعوا سيده عباساً وجاءوا بحسين سلطاناً مكانه على مصر. فيعتبر عمل الإنكليز هذا خدمة لمصر وحفظاً للوائها، ويشبههم بالمسلمين الأولين ويسميهم الأحرار العادلين:

أرقى الشعوب عواطفاً وميولا

حلفاؤنا الأحرار ألا إنهم

ساروا سماحاً في البلاد عدولا

لما خلا وجه البلاد لسيفهم

ملكاً عليها صالحاً مأمولا

وأتوا بكابرها وشيخ ملوكها

والأغرب من ذلك أن يتوارد في كلتا القصيدتين على رويّ واحد وبحر واحد دون أن يتذكر تناقضه العجيب!

ولكن شوقي لا يفوته أن يعتذر عن هذا التناقض بين أمس واليوم، فالذي يهمه هو أن يظل الحكم في آل محمد علي لا فرق بين واحد وواحد منهم. لذلك يرى من الوفاء أن ينصر كل ذي سلطان يقوم من أبناء إسماعيل:

ولقد ولدت بباب إسماعيلا!

أأخون إسماعيل في أبنائه

ص: 233

وهكذا كان موقف شوقي من الأتراك فهو بدافع من عرقه التركي يرى الخلافة لا تصلح إلا لهم، ويؤيد سياسة عبد الحميد فيعتبر عهده عهد الرحمة والعدالة والخير، إلاّ أنه لا يرى بأساً أن تنتقل الخلافة إلى أخيه محمد رشاد بعد ذلك، فيبايع هذا ويمدح الدستوريين الذين خلعوا عبد الحميد!. . لأن المهم في نظره أن يبقى السلطان للأتراك، ولذلك نقم شوقي أول الأمر من الشريف حسين لثورته وتعاونه مع الإنكليز، ولما ألغى مصطفى كمال الخلافة خشي أن توسد إلى الشريف حسين، فأخذ يحذر المسلمين من ذلك، ويصف الشريف حسيناً بالمعجز والإضرار للمسلمين:

عزل يدافع دونه بالراح

لا تبذلوا برد النبي لعاجز

واليوم مدّ لهم يد الجراح

بالأمس أوهى المسلمين جراحة

وعلى الرغم من انقطاع علاقة الأتراك بمصر والبلاد العربية ظل شوقي متصل القلب بهم يراقب حوادثهم، وبهذا الحافز اندفع إلى مدح مصطفى كمال عند انتصاره على اليونان، بقصيدة عارض بها (عمورية) أبي تمام، فكانت صورة عن عواطفه نحو الأتراك، وترجماناً عن شعوره العميق بالأخوة الإسلامية التي لا تفرق بين جنس وجنس:

يا خالد الترك جدد خالد العرب

الله أكبر كم في الفتح من عجب!

على الصعيد وخيل الله في السحب

يوم كبدر فخيل الحق راقصة

بدرية العود والديباج والعذب

غر تظللها غراء وارفة

من سكرة النصر لا من سكرة النصب

نشوى من الظفر العالي مرنحة

مشي المجلى إذا استولى على القصب

حتى تعالى أذان الفتح فاتأدت

2-

التطور في أفكاره السياسية:

ص: 234

على أن تبدل الأوضاع السياسية في البلاد العربية والإسلامية عقيب الحرب العالمية الأولى أثر في عقلية شوقي تأثيراً كبيراً، فقد عاد شوقي من منفاه في الأندلس بعد الحرب، فوجد كل شيء قد تغيّر، فقل اتصاله بالقصر، ويئس من موقف الأتراك بعد إلغائهم الخلافة، فأتيح له بذلك أن يلتفت إلى الشعب المصري وأن يتأثر بحوادث النضال الوطني في البلاد العربية. وهكذا بدأ مرحلته الجديدة كشاعر [1] للمجتمع، ومذ ذلك العهد أقبل شوقي على الاهتمام بقضايا الشعب المصري والأمة العربية، يسجل آلام العرب وآمالهم وكفاحهم في شعر وجداني رفيع.

وقد تفتقت بواكير حنينه إلى وطنه أثناء نفيه عنه، ففي المنفى نظم شوقي طائفة من أروع شعره الوطني الخافق بالعواطف:

أو أسا جرحه الزمان المؤسى!

وسلا مصر: هل سلا القلب عنها

نازعني إليه في الخلد نفسي

وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه

وهكذا اتجه همّ شوقي إلى الدفاع عن مصر وحريتها، فيرسل أشعاره الثائرة هجوماً على الأجنبي وتنديداً بأعماله، وإثارة للأحزاب المصرية إلى التعاون ونبذ التخاصم:

وهذي الضجة الكبرى علام؟

إلام الخلف بينكم إلام

وتبدون العداوة والخصاما؟

وفيم يكيد بعضكم لبعض

وفي هذا الجو الجديد من حياة شوقي ينسى حملته على الشريف حسين بالأمس، ويرثيه بقصيدة من خير شعره، حتى ليَشغَل بمأتمه السماء والأرض:

قام فيها أبو الملائك هاشم

لك في الأرض والسماء مآتم

وبديل التهم الجارحة التي وجهها إليه في خروجه على الخلافة يعود الآن ليفرغ على عمله طابع القداسة، فيشبهه بالحق الذي يؤلف بين المؤمنين:

ن وزاد ائتلافهم وهو نائم

أنت كالحق ألف الناس يقظا

ويعتبر ثورته إلى جانب الإنجليز موقفاً يستحق أحسن المديح:

لم يقفه للعرب قبلك خادم

حبذا موقف غلبت عليه

ص: 235

ولذلك لا يرى كفؤاً لغسله إلا وضوء النبيين، ولا لتكفينه إلا رقعا من مواضع صلواتهم، ولا يصلح لضم جثمانه إلا نعش مؤلف من أعواد المنبر النبوي، ولا لحمله إلا ظهر البراق الذي كان مركب الرسل من قبل:

سل كالورد في رباه البواسم

اغسلوه بطيب من وضوء الر

رقعة كفنوا بها فرع هاشم

وخذوه من وسادهم في المصلى

عوداً ومن شريف القوائم

واستعيروا لنعشه من ذرى المنبر

فقد جل عن ظهور الرواسم

واحملوه على البراق إن اسطعتم

على أن أروع ما انطوت عليه تلك القصيدة حديثه عن واقع المسلمين تحت أوزار الاستعمار، وما خبره من مغامرة المرثي في نصرة هؤلاء الأراقم:

كيف غامرت في جوار الأرقم

قم تحدث أبا علي إلينا

حمل في وليمة الذئب طاعم

كلنا وارد السرّاب، وكل

ووردنا الوغى فكنا الغنائم

قد رجونا من الغنائم حظاً

وأكثر ما يتجلى هذا التطور في قصائده التي يسجل بها كفاح دمشق وسورية في طلب الحرية، ومن أشهر شعره الجديد قصيدتاه عن دمشق (سلام من صبا بردى..) و (قم ناج جلق. .) وفي كليتيهما يقف شوقي موقف المؤرخ الواصف الناصح المحرض:

ومرضعة الأبوة لا تعق

ألست دمشق للإسلام ظئرا

وألقوا عنكم الأحلام ألقوا

بني سورية اطّرحوا الأماني

بألقاب الإمارة وهي رق

فمن خدع السياسة أن تغروا

فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا

وقفتم بين موت أو حياة

بكل يد مضرجة يدق

وللحرية الحمراء باب

وهكذا أصبح شعر شوقي وتراً حساساً يسجل جميع الاهتزازات التي تعتري البلاد العربية فلا تجد حادثة من حوادثها السياسية إلا تركت آثارها في قلبه وشعره، فهو بذلك صاحب فكرة توجيهية تستهدف بعث الحمية بتذكير العرب ماضيهم المجيد، ودفعهم إلى بناء حاضرهم الجديد، وإلى هذا يشير بقوله:

ق وكان العزاء في أحزانه

كان شعري الغناء في فرح الشر

ص: 236

وليس الشرق في نظر شوقي إلا وطن العرب والإسلام، تربطه به روابط اللغة والتاريخ ثم الآلام والآمال المشتركة:

ولكن كلنا في الهم شرق

نصحت ونحن مختلفون داراً

بيان غير مختلف ونطق

ويجمعنا - إذا اختلفت بلاد-

3-

شعر شوقي الاجتماعي:

والاجتماعيات عند شوقي ممزوجة بشعره السياسي والتاريخي أو مستقلة في قصائد خاصة، وقد أفرد لهذه الأغراض الثلاثة باباً خاصاً في ديوانه.

وتتفاوت أساليب شوقي في الاجتماعيات، فبعضها أناشيد للأحداث، وبعضها حكايات خرافية على ألسن الحيوان، وبعضها الآخر يتناول موضوعات عامة ممّا يتصل بحياة المجتمع مباشرة، كالمرأة والتعليم والعمال والأخلاق والعلاقات الدينية وغير ذلك.

أ- المرأة: كان موضوع المرأة:تعليمها وحجابها وسفورها من مشاكل العصر أيام شوقي، لذلك لم يجد مندوحة عن الكلام في هذا الشأن فهو يرى أن تعليم المرأة أمر لابد منه لإنشاء الجيل الصالح:

رضع الرجال جهالة وخمولا

وإذا النساء نشأن في أمية

هم الحياة وخلفاه ذليلا

ليس اليتيم من انتهى ابواه

أماً تخلت أو أباً مشغولا

إن اليتيم هو الذي تلقى له

ويا ليته وقف عند مثل هذه الجوانب الهامة من قضية المرأة، فوعظ وأرشد وأصلح، ولكنه لم يستطع فزج بنفسه إلى مواقف لم يحسن التخلص منها، إذ راح أولاً يؤيد ميول البلاط بالدفاع عن الحجاب، ثم لم يلبث أن انساق في التيار الذي ألفه في أوروبة والبوسفور، فانقلب يزين للمرأة سبيل الزيغ، الذي بدأ في مصر منذ الاحتلال الفرنسي، ثم استأنف سيرته على يد السافرة الأولى هدى شعراوي

ص: 237

ب-الدين في شعر شوقي: ويرى شوقي كيف يستغل الأجنبي الفوارق الدينية بين أبناء وطنه، فيهاجم التعصب ويدعو إلى الأخوة، ويلفت نظر المواطنين إلى الأهداف الإنسانية المستركة بين المسيحية والإسلام، صيانة للمجتمع من التفكك الذي يسهدفه العدو. وكثيراً ما يكرر شوقي هذه المعاني توكيداً لها، كما يفعل في مدح السيد المسيح والإشادة برسالته الإنسانية القائمة على المحبة والرحمة:

والمروءات والهدى والحياء

ولد الرفق يوم مولد عيسى

من الفجر في الوجود الضياء

وسرت آية المسيح كما يسري

وكما تعثر شوقي في ميدان المرأة أخذه (الشطح) في ميدان التزلف إلى أصدقائه من النصارى، فأكثر من التعابير النصرانية، وخص الصليب بالكثير من الرعاية في أكثر من قصيدة.. حتى إن المدقق في معانيه هذه لا يكاد يحس فرقاً بين لهجته تلك ولهجة أي نصراني يؤمن بهذه المصطلحات.

ولا غرابة فشوقي مأخوذ بجواذب البيئة التي افتعلها السياسة في مصر وغير مصر من البلاد العربية، التي حاول رجال السياسة المسلمون فيها إحباط المساعي الاستعمارية لاستغلال الأقليات المسيحية، فراحوا يتزلفون إلى هذه الأقليات بكل ما يظنونه محققاً لأهدافهم الوطنية. . . ولو أدى ذلك إلى تقديس ما يعتبر في عقيدتهم الإسلامية من المنكرات بل المكفرات. . .

وبمثل هذا الاندفاع غير الواعي استسلم شوقي لبعض الأفكار غير السليمة في مدائحه النبوية، فشوه جمالها بتلك الانحرافات، التي التقطها من ألسنة (الدراويش) وكتبهم. . دون أن يسمح لعقله بالتفكير في محتوياتها الشاردة عن نطاق التوحيد. . وحسبنا أن نشير من ذلك إلى قوله - في نهج البردة - مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مفرج الكرب ف الدارين والغُمَمِ

ألقى رجائي - إذا عز المجير - على

قدمت بين يديه عبرة الندم

وإن تقدم ذو تقوى بصالحة

ص: 238

وقد نسي شوقي في غمرة التقليد ألا مفرج لكرب إلا الله، وأن عبرة الندم لا تكسب إلا بين يديه سبحانه.. كما علمنا رسوله صلوات الله وسلامه عليه.

وأبعد في التقليد من ذلك قوله في همزيته:

ومن المديح تضرع ودعاء

ما جئت بابك مادحاً بل داعياً

في مثلها يلقى عليك رجاء.

أدعوك عن قومي الضعاف لازمة

ومثل شوقي لا يعذر إذا جهل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الدعاء هو العبادة "، و "الدعاء مخ العبادة "، ولكنه التقليد الضرير الذي يحشر العقلاء في زمرة السفهاء.

ولعل وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهمزية بمثل قوله:

لولا دعاوى القوم والغلواء

الاشتراكيون أنت إمامهم

لا يقل تخبطاً عن زلاته تلك، فهو بهذا النعت يسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث يظن أنه يمدحه، كأولئك {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} . وليت شوقيّا تأخرت به الأيام إلى عهود (الثوريات الاشتراكية) وشاهد ما لقيت أمته على أيدي هؤلاء الاشتراكيين من الذل والعار والضياع. . إذن لعض يديه ندماً على ما فرط. . ولحاول تدارك ما تفلت به لسانه بقصائد تكفر بعض هاتيك السيئات.

ومما يلفت النظر ف هنوات شوقي هذه أنها تلاحقه في معظم إسلامياته حتى ليقول للسلطان عبد الحميد عليه رحمة الله:

وحمدك يا أمير المؤمنينا

بحمد الله رب العالمينا

فيسوي في استحقاق المحمدة بينه وبين الله عز وجل، دون أن يفطن لخطر التعبير، الذي حذر منه رسول الله عليه وسلم أشد التحذير، حين قال للرجل الذي سوى بين مشيئة الله ومشيئة رسوله:"أجعلتني لله ندا؟ . . . قل ما شاء الله ثم شئت".

4-

شوقي والعمال:

ص: 239

ويدعو شوقي لإتقان العمل، ويرى أن العمال المتقين هم عمار الأرض، لذلك يحث عمال مصر على الجد والإتقان، ويذكرهم بماضي أجدادهم وما تركوه من آثار عمرانية رائعة، ليستعيدوا بعزائمهم ذلك العهد المجيد:

أيها العمال: أفنوا العمر. . . . . كداً واكتساباً

واعمروا الأرض فلولا. . . سعيكم أمست يبابا

إن للمتقين عند الله والناس ثوابا

أرضيتم أن ترى مصر من الفن خرابا

بعدما كانت سماء للصناعات وغابا

5-

الأخلاق في نظر شوقي:

كان شوقي كثير الدعوة إلى الأخلاق يراها الأساس الأول لقوة الأمة، وقد حرص على تريد هذه الدعوة في كثير من قصائده، ومن مشهور أقواله في ذلك:

فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

وهذا الرأي في قيمة الأخلاق دعاه إلى مخافة القول المألوف (الحق للقوة) إذ راح يذكر القائد الصليبي الجديد، اللورد (اللنبي) بأن للحق لا للقوة الغلبا. .

وهناك قصائد عديدة من شعر شوقي الاجتماعي يتغلغل بها إلى صميم القضايا الاجتماعية الوطنية والإنسانية تتفاوت في مقدار حظها من الجمال. ومن أروعها قصيدة (مصاير الأيام) وفيها يتحدث عن حياة الطفولة والمدرسة، و (مملكة النحل) وفيها يضرب المثل للجد وأثر العمل في ميزان الحياة.

وبالإجمال فشوقي في شعره الاجتماعي مصلح يريد الأمة قبل الفرد. وقد بلغ من أمره هذا ما جعله شاعر الشعب بل شاعر الشرق الإسلامي كما يقول أحد دارسيه.

6-

شعره الوصفي:

للوصف في شعر شوقي نصيب كبير وفي وصفه روائع حلق بها إلى آفاق بعيدة، ويعتبر من أبرع الوصافين في عصر النهضة وبخاصة من حيث الصور المادية التي كان بها أكثر توفيقاً منه في الصور المعنوية.

ص: 240

ومن وصفه القديم كوصف الخمرة والمرأة والطبيعة، ومنه الحديث كوصف الرقص والطيارة والغواصة وحضارة الغرب، وقد تناول في وصفه بعض الموضوعات المطروقة من قبل فأخرجها في صور جديدة بارعة،، كوصفة آثار الفراعنة والحرب والمدن المنكوبة، وهو غني الصور في وصفه يمتاز بسعة الخيال ووفرة الألوان، ولعل أفضل وصفه ما قصد به إلى العبرة والموعظة، كوصفه نكبة دمشق والمسجد الأموي وقصر الحمراء.

ولقد فتن شوقي بجمال دمشق فهو يراها جنة من جنان الله، بل هي بالنسبة للأرض حديقتها التي تسكب عليها الجمال، وبردى في نظره حارس هذه الجنة، يخرج مصفقاً لاستقبال نزلائها، أما غوطتها فهي زمردة خضراء، وليست منتزهاتها إلا ملاعب ومسارح. . .

كما تلقاك دون الخلد رضوان

جرى وصفق يلقانا بها بردى

والشمس فوق لجين الماء عقيان

دخلتها وحواشيها زمردة

حُور كواشف عن ساق وولدان

والحَوْر في دمّر أو حول هامتها

الساق كاسية والنحر عريان

وربوة الواد في جلباب راقصة

لدى ستور حواشيهن أفنان

وقد صفا بردى للريح فابتردت

هكذا يمضي شوقي في هذا الوصف المترف لدمشق، فيجمع فيه من الألوان والظلال وصور البهجة واللهو ما يعبر عن طبيعته المشبعة بالترف النزاعة إلى اللذائذ.

وإذا وقف شوقي أمام آثار مصر القديمة غَمَره الخشوع، وتفاعلت نفسه بذكريات حزينة على مجد ضائع، فيعرض ما يراه من تلك الآثار ممزوجاً بأحاسيسه النفسية، في صور دقيقة تفرغ الحياة على تلك الجمادات. فلنستمع إليه يصف هيكل أنس الوجود بأسوان وقد غرق بعضه في الماء، وانتصب بعضه في الفضاء:

كالثريا تريد أن تنقضا

أيها المنتحي بأسوان داراً

لا تحاول من آية الدهر غضا

اخلع النعل واخفض الطرف واخشع

ممسكاً بعضها من الذعر بعضا

قف بتلك القصور في اليم غرقى

وشباب الفنون ما زال غضا

ص: 241

شاب من حولها الزمان وشابت

وليست أطلال العرب بأقل أثراً في نفس شوقي من أطلال الفراعنة، ففي كلتيهما ما يوقظ أساه على هذه الأمة، التي خسرت أمجادها، فلم يبق لها منها سوى هذه الأطلال المحركة لعميق الذكريات.

هاهو ذا يصف قصر الحمراء في الأندلس، فتكاد تلمح الدموع تجول في مقلتيه، وتسمع الآهات تسيل على شفتيه:

ء مَشْيَ النعِيِّ في دار عرس

مشت الحادثات في غرف الحمرا

سدة الباب من سمير وأنس

هتكت عزة الحجاب وفضت

مقفر القاع من ظباء وخُنس

وترى مجلس السباع خلاء

كلة الظفر لينات المجس

مرمر قامت الأسود عليه

وكدأبه في مثل هذا الموقف تتداعى في خياله صور الماضي ممزوجة بعبر الحاضر، فيعرض هذا المشهد التاريخي الرهيب لخروج آخر فوج لمسلمي الأندلس:

عن حفاظ كموكب الدفن خُرس

خرج القوم في كتائب صم

تحت آبائهم هي العرش أمس

ركبوا بالبحار نعشاً وكانت

فهذا وصف دقيق عميق، تمتزج فيه المعنويات بالمحسوسات، امتزاجاً حياً مؤثراً يبعث الروح في أطلال الماضي بما فيها من الروعة والرهبة.

أما وصفه لمظاهر المدنية الحديثة، فلا نكاد نلمس من خلاله ما ألفناه من ذلك التأثر العميق الذي نحسه في وصفه لآثار العرب والفراعنة، أنظر إليه يصف الغواصة تجده يدقق في وصف خطرها، وتتبع حركاتها، وسرعة عملها، دون أن تحس بحرارة العاطفة:

لجج السند وخلجان الخزر

بعث البحر بها كالموج من

ليس دون الله تحت الليل سر

ضربتها وهي سر في الدجى

ونزت جنباً وناءت من أُخر

وجفت قلباً وخارت جوء جؤاً

فأتاها حَيْنها فهي خبر

طُعنت فانبجست فاستصرخت

فهو وصف معركة بين الغواصة والسفينة يروعنا بقوة تعبيره دون تأثيره.

ص: 242

ومثل ذلك ما نراه في وصفه للطائرة، فهي لا تخرج عن كونها مركباً عجيباً، أشبه بالجواد، ملجماً مهيأ للركوب في كل لحظة:

كان إحدى معجزات القدماء

مركب لو سلف الدهر به

يا لها إحدى أعاجيب القضاء

نصفه طير ونصف بشر

كامل العدة مرموق الرواء

مسرج في كل حين ملجم

7-

الرثاء في شعر شوقي:

أكثر شوقي من الرثاء حتى عيب عليه ذلك فرد عن نفسه مدافعاً:

أأملت عند الراحلين الجوازيا؟

يقولون: يرثي الراحلين فويحهم

لم يتكسب برثائه ولكنه لم يرث بدافع من الحزن وحده، بل هناك دوافع شتى، كالمجاملة وحب الشهرة، ومرثيوه من طبقات مختلفة، سياسيون وأدباء وأجانب. . ومن خصائص رثائه ضعف العاطفة - حتى في أبويه - ثم التفلسف وكثرة الحكم، تقليداً للقدامى. فهو رثاء عقلي واعٍ، يقوم على هذه العناصر مضافاً إليها تعداد المناقب والمآثر، لنستمع إليه يرثي والده فينسى وصف حزنه بهذا التفلسف البارد:

لقي الموت كلانا مرتين

أنا من مات ومن مات أنا

ثم صرنا مهجة في بدنين

نحن كنا مهجة في بدن

وتموت أمه وهو منفي فلا يتمالك أن يتخذ من موتها فرصة لمعارضة قصيدة المتنبي في جدلة قافية ووزناً ومعنى، فيصيبه الإخفاق لما يبدو على قصيدته من التقليد الباهت، وبخاصة في الحكمة التي حاول أن يحاكي بها المتنبي، فجاءت فارغة جوفاء أو مسروقة محرفة:

أصاب سويداء الفؤاد وما أصمى

إلى الله أشكو من عوادي النوى سهما

ولا كلقاء الموت من بينها حتما

ولم أرَ حكماً كالمقادير نافذاً

سبيل يدين العالمون به قدما

إلى حيث آباء الفتى يذهب الفتى

لي اليوم منها كان بالأمس لي وهما

زجرت تصاريف الزمان فما يقع

وهكذا تخون العاطفة شوقياً في رثاء أقرب الناس إليه، فلا ينتظر أن يكون أشد عاطفة في رثاء الآخرين.

ص: 243

ولكن هذا لا يمنعه أن يجعل من بعض مراثيه صوراً بارعة، تهز النفوس بما فيها من قوة الحبك وروعة العبرة، كالذي نجده في رثائه لسعد وعمر المختار والحسين وفوزي الغزى، ولقد يبالغ في بعض هذه المراثي كما يصنع في سعد على طريقة أبي تمام:

وانحنى الشرق عليها فبكاها

شيعوا الشمس ومالوا بضحاها

يوشع همت فنادى فثناها

ليتني في الركب لما أفلت

ولكنها مبالغات مقبولة في هذا الموقف، إذ تمثل هول الفاجعة بقائد ركزت عليه الدعاية أنظار مصر والبلاد العربية جميعاً. . ثم يأخذ في تعداد مناقب سعد وأثر موته. . .

من رحيق الوطنيات سقاها

طافت الكأس بساقي أمة

ساحر رن ملياً فشجاها

عطلت آذانها من وتر

ودها الأجيال منه ما دهاها

قدر بالمدن ألوى والقرى

ومن خصائص شوقي في رثائه أنه يتحدث إلى الأموات فيسألهم ويخبرهم، فهو يخاطب الحسين بن علي فيسأله عن السبب الذي دفعه إلى التعاون مع الإنكليز:

كيف غامرت في جوار الأراقم

قم تحدث أبا علي إلينا

ويسأل رياض باشا عن أسرار الموت:

حديث الموت تبد لي العظات

رهين الزمن حدثني ملياً

وكيف مذاقها، ومن السقاة!

سألتك: ما المنية، أي كأس

ويلاحظ أن شوقياً إنما يلجأ إلى ذلك التهويل وهذه التساؤلات والتأملات ستراً لنقصه العاطفي في مواقف الرثاء، على أن أجمل رثائه ما بكى فيه ممالك المسلمين ومدنهم المنكوبة كالحمراء ودمشق وأدرنة، وما بكى فيه زوال الخلافة على يد أياتورك. ففي هذه المراثي يذوب قلب شوقي حسرة وألماً، فيأتي رثاؤه نابضاً بالحس مائجاً بالحياة. وأنى لشاعر غير شوقي أن يعرض مسجد بني أمية في مثل هذه الصورة الحزينة العميقة الباكية:

هل في المصلىّ أو المحراب مروان؟

مررت بالمسجد المحزون أسأله

على المنابر أحرار وعُبدان

تغير المسجد المحزون واختلفت

ص: 244

إذا تعالى، ولا الآذان آذان

فلا الأذان أذان في منارته

وأنىّ لغير الأعلين من فحول الشعراء أن يرتفعوا بمعانيهم وأخيلتهم وصياغتهم إلى مستوى الكارثة الكبرى المتمثلة بسقوط الخلافة، كما صنع شوقي؟

لقد أنشد في انتصار الطاغية على أوشاب اليونان أحفل قصائده بألَق البهجة والاعتزاز، فلما فوجئ بانقلابه المجرم على خلافة المسلمين، لم يستطع أن يحبس مشاعره الثائرة، فانطلق يندب تلك العروس التي اغتيلت ليلة الزفاف، بأيدي الذين تظاهروا بإنقاذها من أيدي أعدائها، وقد أعماهم الهوى حتى نسوا أن التي بها يفتكون إنما هي وشيجة فخرهم ومرتكز مآثرهم وأمجادهم، فعزهم يهدمون، وشرفهم يثلمون، ووحدة المسلمين يمزقون:

قتلت بغير جريرة وجناح

يا للَرجال لحرة موءودة

قتلتك سلمهمو بغير جراح

إن الذين أست جراحك حربهم

مَوْشِيةً بمواهب الفتا.

هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم

كانت أبر علائق الأرواح

وعلاقة فصمت عرى أسبابها

في كل غدوة جمعة ورواح

نظمت صفوف المسلمين وخطوهم

وفي غمار النكبة لا يفوته أن يوجه إلى العالم الإسلامي، وبخاصة الشعب التركي، بعض ما يستحقه من التقريع، على ما أحاط به ذلك الغادر من أمواج الحب والإعظام، التي أوهمته أن المسلمين سيصفقون لكل قرار يصدره ولو كان فيه تخريب الكيان الإسلامي بأسره:

لم تسلُ بعد عبادة الأشباح

تركته كالشبح المؤلّهِ أمة

حتى تناول كل غير مباح

هم أطلقوا يده كقيصر فيهمو

ويا لها وثبة عبقرية تلك التي تطل بشوقي على ما وراء مصرع الخلافة من فتوق، تفتح على العالم ما لا يمكن حصره من الآفات والكوارث، التي كانت الخلافة الناظمة لوحدة المسلمين هي الحاجز الواقي دونها، فبزوالها سيكون المسلمون فريسة لكل طامع، ونهبة لكل فتنة يثيرها الدجالون من المتقاتلين على تركة الخلافة:

ص: 245

لم يوحها غير النصيحة واحي

مَن قائل للمسلمين مقالة

يدعو إلى (الكذاب) أو لـ (سجاح)

فَلَتَسمعُنّ بكل أرض داعياً

فيها يباع الدين بيع سماح

وَلَتَشهدُنّ بكل أرض فتن

ويأبى القدر إلا أن تتحقق توقعات شوقي فتمتلئ دنيا المسلمين خلال نصف قرن بالعشرات من أمثال (مسيلمة) وصاحبته (سجاح) . . . ولا حول ولا قوة إلا بالله!. . .

8-

شعر شوقي التمثيلي:

كان اللبنانيون أسبق الجميع إلى معالجة الفن المسرحي تقليداً للغربيين، وقد سبقوا إلى ترجمة المسرحيات الغربية، وإلى تمثيل بعضها، ثم ما لبثوا أن اتجهوا إلى وضع المسرحيات نثراً وشعراً.

ولما جاء شوقي كان الشعر التمثيلي العربي لا يزال يحبو في دور الطفولة، وكان شوقي قد تشبع بهذا الفن بما قرأ من التمثيليات الغربية وبما شهد منها على المسارح الأجنبية، مما أحدث في نفسه ميلاً إلى معالجة هذا الفن، فكانت أولى محاولاته في فرنسة، إذ وضع أول تمثيلية ولكنه لم ينشرها، وانصرف عن ذلك الاتجاه زمناً حتى أتيح له أن يعود إليه بعد عودته من المنفى، وهنا أخذ شوقي في وضع تمثيلياته الشعرية التي قفزت بشهرته إلى الأوج، وكانت بنفسها حدثاً أدبياً كبيراً في عالم الشعر العربي الحديث، دفعه إلى ما نحسه اليوم في هذا الفن من حيوية تضمن له البقاء. ويمكن حصر هذا التأثير في ثلاثة أشياء:

أ - في الوزن: كان الشعر التمثيلي قبل شوقي مقيداً بوحدة البحر في مجموع التمثيلية، فحطم شوقي هذا القيد، وجعل تمثيليته متعددة الأوزان يتنقل بها بين البحر والبحر، فيكسبها مرانة وحرية.

ب - القافية: وكانت القافية في الشعر التمثيلي قبله واحدة في مجموع المسرحية، مما يبعث الملال في نفس القارئ والناظر، فحطم شوقي هذا القيد الآخر، إذ خرج بأشعار التمثيلية من القافية الواحدة إلى القوافي التعددة، في رشاقة محببة تبعث في التمثيلية القوة والحياة.

ص: 246

ج - الحوار: وكذلك كان الحوار قبل شوقي في جمود يخالف طبيعة الحياة، وذلك أن شخص القصة لا يتم عبارته في أقل من بيت، فأجهز شوقي على هذا القيد الأخير، فإذا هو يتصرف في الحوار تصرفاً بارعاً، فيوزع البيت الواحد أحياناً بين عدة متكلمين من شخصيات القصة.

وهكذا نرى لشوقي فضلاً لا يجحد في إخضاع الشعر لفن التمثيل، فقد حرره من ثقل القيود فخالف في أنواعه، وخالف في أوزانه، وخالف في قوافيه، وذلل مطية الحوار، فقربه من طبيعة الواقع، وبذلك اتسع أمامه مجال القول وانطلق له عنان الفكر والخيال، وقد ساعدت شوقياً على مهمته هذه شاعريته المتدفقة، التي حجبت الكثير من نواحي ضعفه في هذا الفن، فقد ينقصه التوفيق الفني في بعض مشاهد تمثيلياته، ولكنه يعوض عن ذلك بوثبات شعرية رائعة تأخذ باب السامع والقارئ. . .

ومن خصائصه في تمثيلياته أن شعره يتلاءم مع مواقفه العاطفية فيلين موضع اللين، ويشتد موضع الشدة، ويغرق بالصور البدوية عندما يعالج الموضع البدوي - كمجنون ليلى - وبالصور المصرية القديمة عندما يعالج الموضوع المصري القديم - مثل كليوباترة - وفي جو هذه الألوان المتوافقة المنسجمة يكاد الناقد ينسى مواطن الضعف في النواحي التمثيلية من شعر شوقي.

9-

مسرحيات شوقي:

بدأ شوقي ينشر مسرحياته منذ عام 1929 م فأخرج منها (كليوباترة، وعلي بك الكبير، ومجنون ليلى، وقمبيز، وأميرة الأندلس) . وقد بنى شوقي مسرحياته كلها على حوادث التاريخ، وأدخل في بعضها الأساطير، وجميعها من نوع المأساة الذي يقوم على الطابع الجدي المحزن.

وبعض مآسيه مستمد من التاريخ المصري (كليوباترة. . قمبيز. . علي بك الكبير) وبعضها من التاريخ العربي: مجنون ليلى. . أميرة الأندلس. . عنترة) .

ص: 247

ولكن شوقي لا يتقيد في تمثيلياته بحقائق التاريخ، بل يتصرف فيها تصرف المِفنّ، فيغير ويبدل في الوقائع، ويدخل إليها أحداثاً من اختراعه، فيوفق حيناً ويخفق أحياناً، وقد أخذ عليه إدخال حوادث طفيلية على بعض مسرحياته كان من الخير لو تجنبها.

وهو في مجموع هذه المسرحيات يستهدف أغراضاً أخلاقية ومبادئ سامية كخير المجتمع، وتغليب الواجب على شهوات النفس. والحب عنصر رئيس في كل مآسيه، ولكن الواجب هو الذي ينتصر دائماً على الحب، كما هو الشأن في مآسي كورني.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

الكاف زائدة، والاسم المجرور بها محله الحال، وهو من فصيح الكلام.

ص: 248