الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 29
فهرس المحتويات
1-
الحجاب والسفور: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
2-
من أعلام المحدثين - أبو عبد الله الذهبي (673 - 748 هـ) : بقلم الأستاذ عبد المحسن بن حمد العباد
3-
أضواء على التفسير: بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
4-
رسائل لم يحملها البريد: بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤف اللبدي
5-
من آثار معركة بدر: بقلم الأستاذ أحمد محمود الأحمد
6-
لا يزال الإسلام رافع الرأس شديد البأس: لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
7-
بحوث في تاريخ الأديان: بقلم فضيلة الشيخ محمد محمد أبو فرحة
8-
صرخة إشفاق: لفضيلة الشيخ محمد محمد خليفة
9-
نظرة في غزو أحد من خلال الآيات التي نزلت فيها:لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي
10-
النبأ الهائل: بقلم الشيخ محمد المجذوب
11-
مع العارفين أعلام الهدى: لفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان
12-
توحيد الله: بقلم الشيخ عبد الله أحمد القادري
13-
ترجمة القرآن: للأستاذ محمد بن محمد الأنصاري
14-
حول رسالة الجامعة - شباب الجامعات السعودية رواد حضارة وتقدم على طريق الإسلام: بقلم الأستاذ محمد أبو طالب شاهين
15-
رسالة لسماحة رئيس الجامعة: بقلم الأمين العام محمد صالح القزاز
16-
حقيقة طه حسين: لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان
17-
الغضب وماتلاه: بقلم الأستاذ محمد إسماعيل بطرش
18-
إلى جنة الرضوان: شعر سيد أحمد حسن الطوابي
19-
من إيجابية الإيمان: بقلم الأستاذ محمد بن إبراهيم بخات
20-
من روائع الكتب: اختيار العلاقات العامة من كتاب (دستور الأخلاق في القرآن)
21-
من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة
22-
ندوة الطلبة - الاشتراكيون في بورما يعملون على محو الإسلام: بقلم الطالب محمد صديق برماوي
23-
إلى الفتاة المسلمة: حسن بن يحيى الذاري
24-
أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة
25-
الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
الحجاب والسفور
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فلا يخفى على كل من له معرفة.. ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج الكثير من النساء وسفورهن وعدم تحجبهن من الرجال وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة ومن أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياة وعموم الفساد.
فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي سفهائكم وامنعوا نساءكم مما حرم الله عليهن والزموهن التحجب والتستر واحذروا غضب الله سبحانه وعظيم عقوبته فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه". وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} . وفي المسند وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم". وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
وقد أمر الله سبحانه في كتابه الكريم بتحجب النساء ولزومهن البيوت وحذر من التبرج والخضوع بالقول للرجال صيانة لهن عن الفساد وتحذيراً لهن من أسباب الفتنة فقال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية.
نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين وهن خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال وهو تليين القول وترقيقه لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا ويظن أنهن يوافقنه على ذلك وأمر بلزومهن البيوت ونهاهن عن تبرج الجاهلية وهو إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق ونحو ذلك من الزينة لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن فغيرهن أولى وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية: {وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن وقال عز وجل: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ} فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء وأبعد عن الفاحشة وأسبابها وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة وأن التحجب طهارة وسلامة.
فيا معشر المسلمين تأدبوا بتأديب الله وامتثلوا أمر الله وألزموا نساءكم بالتحجب الذي هو سبب الطهارة ووسيلة النجاة والسلامة. قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} والجلابيب جمع جلباب والجلباب هو ما تضعه على رأسها للتحجب والتستر به، أمر الله سبحانه جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى يعرفن بالعفة فلا يفتن ولا يفتن غيرهن فيؤذيهن، قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. وقال محمد بن سيرين: "سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى
…
".
ثم أخبر الله سبحانه أنه غفور رحيم عما سلف من التقصير في ذلك قبل النهي والتحذير منه سبحانه، وقال تعالى:{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَاّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يخبر سبحانه أن القواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة فعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها وأن عليها جناحاً في ذلك ولو كانت عجوزاً لأن كل ساقطة لها لاقطة ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزاً فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت لا شك أن إثمها أعظم والجناح عليها أشد والفتنة بها أكبر وشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح وما ذاك والله أعلم إلا أن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج بالزينة طمعاً في الأزواج فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانة لها ولغيرها من الفتنة ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف وأوضح أنه خير لهن وإن لم يتبرجن فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز وأنه خير لهن من وضع الثياب فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خيراً للشابات من باب أولى وأبعد لهن عن أسباب الفتنة، وقال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ
لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار وحفظ الفروج وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك ولهذا قال سبحانه: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمنين في الدنيا والآخرة وإطلاق البصر والفرج من أعظم أسباب العطب والعذاب في الدنيا والآخرة نسأل الله العافية من ذلك وأخبر عز وجل أنه خبير بما يصنعه الناس وأنه لا يخفى عليه خافية وفي ذلك تحذير للمؤمن من ركوب ما حرم الله عليه والإعراض عما شرع الله له وتذكير له بأن الله سبحانه يراه ويعلم أفعاله الطيبة وغيرها كما قال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} وقال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيه} .
فالواجب على العبد أن يحذر ربه وأن يستحي منه أن يراه على معصية أو يفقده من طاعته التي أوجب عليه ثم قال سبحانه: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} فأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج كما أمر المؤمنين بذلك صيانة لهن من أسباب الفتنة وتحريضاً لهن على أسباب العفة والسلامة ثم قال سبحانه: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال ابن مسعود رضي الله عنه: " {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} يعني بذلك ما ظهر من اللباس فإن ذلك معفو عنه"ومراده بذلك رضي الله عنه الملابس التي ليس فيها تبرج وفتنة. وأما ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفين فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك ما رواه علي ابن أبي طلحة عنه أنه قال أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق، وهو الحق الذي لا ريب فيه ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة وقد تقدم قوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ولم يستثن شيئاً وهي آية محكمة فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها والحكم فيها عام في نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء المؤمنين وتقدم من سورة النور ما يرشد إلى ذلك وهو ما ذكره الله سبحانه في حق القواعد وتحريم وضعهن الثياب إلا بشرطين: أحدهما كونهن لا يرجون النكاح.. والثاني عدم التبرج بالزينة، وسبق الكلام على ذلك وأن الآية المذكورة حجة ظاهرة وبرهان قاطع على تحريم سفور النساء وتبرجهن
بالزينة.. ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها خمرت وجهها لما سمعت صوت صفوان بن المعطل السلمي وقالت: إنه كان يعرفها قبل الحجاب. فدل ذلك على النساء بعد نزول آية الحجاب لا يعرفن بسبب تخميرهن وجوههن.. ولا يخفى ما وقع فيه النساء اليوم من التوسع في التبرج وإبداء المحاسن فوجب سد الذرائع وحسم الوسائل المفضية إلى الفساد وظهور الفواحش ومن أعظم أسباب الفساد خلوة الرجال بالنساء وسفرهم بهن من دون محرم.. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون زوجاً أو ذا محرم " رواه مسلم في صحيحه فاتقوا الله أيها المسلمون وخذوا على أيدي نسائكم وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج وإظهار المحاسن والتشبه بأعداء الله من النصارى ومن تشبه بهم واعلموا أن السكوت عنهن مشاركة لهن في الإثم وتعرض لغضب الله وعموم عقابه عافانا الله وإياكم من شر ذلك ومن أعظم الواجبات تحذير الرجال من الخلوة بالنساء والدخول عليهن والسفر بهن بدون محرم لأن ذلك من وسائل الفتنة والفساد وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".. وقال عليه الصلاة والسلام: "رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة". وقال صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها
الناس"وهذا تحذير شديد من التبرج والسفور ولبس الرقيق والقصير من الثياب والميل عن الحق والعفة وإمالة الناس إلى الباطل وتحذير شديد من ظلم الناس والتعدي عليهم ووعيد لمن فعل ذلك بحرمان دخول الجنة نسأل الله العافية من ذلك ومن أعظم الفساد تشبه الكثير من النساء نساء الكفار من النصارى وأشباههم في لبس القصير من الثياب وإبداء الشعور والمحاسن ومشط الشعور على طريقة أهل الكفر والفسق ووصل الشعر ولبس الرؤوس الصناعية المسماة (الباروكة) .. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم" ومعلوم ما يترتب على هذا التشبه وهذه الملابس القصيرة التي تجعل المرأة شبه عارية من الفساد والفتنة ورقة الدين وقلة الحياء فالواجب الحذر من ذلك غاية الحذر ومنع النساء منه والشدة في ذلك لأن عاقبته وخيمة وفساده عظيم ولا يجوز التساهل في ذلك مع البنات الصغار لأن تربيتهن عليه يفضي إلى اعتيادهن له وكراهيتهن لما سواه إذا كبرن فيقع بذلك الفساد والمحذور والفتنة المخوفة التي وقع فيها الكبيرات من النساء..
فاتقوا الله عباد الله واحذروا ما حرم الله عليكم وتعاونوا على البر والتقوى وتواصوا بالحق والصبر عليه واعلموا أن الله سبحانه سائلكم عن ذلك ومجازيكم على أعمالكم وهو سبحانه مع الصابرين ومع المتقين والمحسنين فاصبروا وصابروا واتقوا الله وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.. ولا ريب أن الواجب على ولاة الأمور من الأمراء والقضاة والعلماء ورؤساء الهيئات وأعضاء الهيئات أكبر من الواجب على غيرهم والخطر عليهم أشد والفتنة في سكوت من سكت منهم عظيمة ولكن ليس إنكار المنكر خاصاً بهم بل الواجب على جميع المسلمين ولاسيما أعيانهم وكبارهم وبالأخص أولياء النساء وأزواجهن إنكار هذا المنكر والغلظة فيه والشدة على من تسهل في ذلك لعل الله سبحانه يرفع عنا ما نزل من البلاء ويهدينا ونساءنا إلى سواء السبيل وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وأسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن يصلح ولاة أمرنا ويقمع بهم الفساد وينصر بهم الحق ويصلح لهم البطانة وأن يوفقنا وإياكم وإياهم وسائر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد في المعاش والمعاد إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا لله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
النبأ الهائل
بقلم: الشيخ محمد المجذوب
كُسِرَ السدُّ، فَلتُجَنَّ السيولُ
لم يعد في الحياة خطب يهولُ
ودعوني أذِبْ فؤادي فلم تبق
الرزايا في العين دمعاً يسيل
ولقد يحسن التجلدُ إلا
أن يكون الإمامَ ذاك القتيل
وضروبٌ هي المنايا، فألفٌ
كهباءٍ وربَّ فردٍ قبيل
وكثيرُ الأسى على فيصلِ الإسلام
والعرب في الوفاء ـ قليلُ
.. ليت شعري..درى المضلَّل لما
أطلق النار أيَّ قلب يغول!
أم تُرى الغيّ قد أطاح بعينيه
وقد عُمِيَت عليه السبيل!
فطوى عزَّه وهدَّ بناءً
هو للمسلمين مجدٌ أثيل
وسرت هِزةُ الفجيعة في الخلق
فكلّ بهولها مشغول
لَتَكَاد الدنيا تَميدُ من الرَّوع
وتبكي حتى الربى والسهول
وحقيقٌ بيوم فيصلَ أن تنهدّ
شُمّ القوى وتعشى العقول
أفليس الذي تُرَجَّى لديه
كلما استعصتِ الخطوب الحلولُ!
بصرٌ نافذٌ، وفكرٌ محيطٌ
ومقالٌ فصلٌ، وخُلْقٌ نبيل
وفؤادٌ يذوب من خشية الله
إذا مسَّ سمعَه التنزيل
عشق الحقَّ في رضاه، فكلَّ
الكون ـ إلا ما يرتضيه ـ فُصول
وبذاك اليقينِ حقق ما تَعجز
عن بعضه القنا والنصول
يا لَكهل منه تعلَّمت الفتيا
نُ ما فات عزمَها والكهول
أكلتْ لحمَة السنونَ فلم تُبق
سوى هيكلٍ براه النحول
يَتَحَدَّى الدنيا ويقتحمُ الأهـ
والُ حتى ترتدَّ وهي فُلول
وحكيم ما انفك يرتقب السا
سةُ في كل مأزق ما يقول
تقتفي نطقه المسامعُ شوقاً
وتَميلُ الأحداقُ حيث يميل
زلزلَ الأرضَ بالطغاةِ، فلا با
غيَ إلا وافاه وهو ذَلول
وهدى العربَ دربهم فتوارى
بعد لأي ليلُ الضيَّاعِ الطويل
وانتضى رايةَ التضامنِ في تيـ
ـه من الفُرقةِ التي لا تزولُ
وبرغم المثبطات اللواتي
تتهاوى أمامهنّ الفحول
لم يراوَدْ تصميمَه اليأس حتى
وَضَح الدربُ واطمأنّ الدليل
وأرى الكفرَ كيف ينتصر الإيـ
مانُ حتى يعنو له المستحيل
فإذا كلُّ ذي نصيب من الرشدِ
على نهجهِ قئول فعول
تتراءى له الأماني الكبيرات
بصبح لا يعتريه أفول
فتكاد الدنيا يُعاودُها
النورُ الذي شقَّ فجرَه جبريل
وعلى حين غرة يَخسِفُ البدرُ
ويغشى الآفاق كَرب ثقيل
إنها الصدمة التي تَرجفُ الأر
ضَ وينسى بها الخليل الخليل
وكذلك الآجال، وهي قضاء الله
إن أقبلت فلا تأجيل
وإذا أحُم يومُها فكما سُطّرَ
في اللوح ماله تبديل
ومشى النعي في الوجود كما هزَّ
البرايا بالصور إسرافيل
(فيصلٌ مات) .. لا..ولكن ورفقاً.
واغتلى الشك. ثم فاض العويل
واستوى في البكاء ذو الضعف والجلدْ
فلا عاذلٌ ولا معذول
وبحق من ذاب حزناً ومن عا
لجهُ الصعق أو عراه الخبول
إنه القائد المظفرُ مَهوى
كل قلب والمنقذ المأمول
وكأن الحياة مَاتت فراح الـ
ـيأس في غيبة الرجاء يصول
وإذا الشمس فارقت عالم الأر
ض تلاشى الضحى وغاض الأصيل
وتوارى الجمالُ، واختنق الشدُو
وأخنى على الرياض الذبول
واشرأبت تستكشف الأثر الأقصى
بُعَيْد الزلزال إسرائيل
تسأل الحظ كم أفاء عليها
من رياح ذاك الرصاص الضلول
وأحست في سكرة الحلم أن قدْ
زال عن صدورها البلاء الوبيل
فمضت ترفع الصُروح على الوهم
ويُملي لها الخيال الهزيل
خَسِئَتْ فالذي برا فيصل الحق
بتحطيم كل باغ كفيل
ولئن حال بين فيصل والقدس
قضاءٌ فنذرُه لا يحول
سيؤدّي عنه الصلاة ميامين
همو أسْدُ غيله والشبول
كلهم فيصل إذا حَزَبَ الأمر
وكلٌّ لنحرها مسلول
حملوا بعده اللواء، وآلوا
أن يزيلوا وجودها أو يزولوا
لا يبالون في قراع العوادي
(أطويلٌ طريقهم أم يطول)
ولعبدِ العزيز في عنق كلّ
منهم الدهرُ عهدُه المسئول
قد تلقوا من كفه راية التوحيد
والدولةُ التي لا تَدول
فهموا أثره على المنهج الأسمى
رَعيلاً يقفو خطاه رعيل
كل يوم لدعوة الله منهم
أثرٌ خالدٌ وفتح جليل
فهنيئاً لشرعةِ الله أنَّ الغا
ب كالأمس بالليوث حفيل
إن يَغبُ وجهَ فيصل عن حِماها
فلها خالدٌ ونعم البديل
وبفهد وللصيدِ من أسيفِ الملك
وأركانه العزاء الجميل
دوحةُ المجدِ من غراس أبي الفيصل
طابت فروعها والأصول
أبداً لن يُضامَ شعبٌ بفضل الله
منها عليه ظلٌ ظليل
وحريٌّ بنصر ربِّك رهطٌ
هم على خلقه الشهود العُدول
عزَّزوا دينَه وزادهمو عِزّاً
فنعم المولى ونعم الوكيل
مع العارفين أعلام الهدى
لفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان
رسالة ركن الإسلام الجويني
لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقيدة التوحيد صافية من شوائب الشرك والوثنية سواء في ذلك ما يتعلق بالعمل الذي هو توحيد العبادة أو ما يتعلق بالعلم وما ينطوي عليه القلب وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات مع أن النوعين متلازمان كما يظهر واضحاً لمن تأمل القرآن.
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا النوعين غاية البيان وأفصح القرآن عنهما كل الإفصاح لأن ذلك هو أصل دعوته ولباب رسالته وبالإعراض عن هذا الأصل يحصل الضلال والانحراف على حسب هذا الأعراض فكلما كان الأعراض أكثر كان الضلال والبعد عن الهدى أشد وأصعب وقد تلقى صحابة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم كل ما جاء به من غير اعتراض أو تردد فآمنوا بما جاء به من صفات الله مع اعتقاد ما دلت عليه وهم يتلقون ذلك عمن يخاطبهم بلسانهم وبما يعرفون ويفهمون ولم يقفوا أمام ما يسمعون منه في المناسبات الكثيرة شاكين أو مترددين في المعاني التي دل عليها الخطاب بل لم يسألوه مستفسرين مما يدل قطعاً على أن القوم علموا أن مراد مخاطبهم ما دل عليه ظاهر خطابه مع بعدهم عن التشبيه والتمثيل درج على هذا النهج القويم الصحابة والتابعون لهم حتى دخل في المسلمين من ليس منهم متستراً باسم الإسلام للطعن في صميم عقيدتهم وحربهم في أعز ما يملكون ومصدر قوتهم فبدء الانحراف والتحريف وشبت بين المسلمين حرب كلامية أوهنت قواهم وباعدت بين قلوبهم ومزقتهم كل ممزق حتى وصل الأمر إلى إرغام الناس على القول بخلق القرآن ولا يزال المسلمون يعانون من تلك المحدثات في جميع شئونهم وقد انضاف إلى تلك العوامل تيارات أخرى جارفة استهدفت أبعاد المسلمين عن عقيدتهم والله المستعان وسأنقل هنا بعض نصائح للأئمة الذين عاشوا المشكلة وعجموا عودها منهم الإمام الشيخ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين كان يلقب بركن الإسلام أوحد زمانه زهداً وتقشعاً.
قال شيخ الإسلام الصابوني في حقه: لو كان الجويني من بني إسرائيل لنقل إلينا شمائله ولافتخروا به توفي سنة 438هـ رحمه الله قال في رسالة كتبها نصحاً لإخوانه وأصدقائه وأحبابه بعد الخطبة
وبعد: فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء والإخلاص والوفاء لما تعين على من محبتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله عز وجل فإن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم". وعن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة ثلاثاً قيل لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". أعرفهم أيدهم الله تعالى بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده أنني كنت برهة من الدهر متحيراً في ثلاث مسائل، مسألة الصفات، ومسألة الفوقية، ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد وكنت متحيراً في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف فيها أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات وكذلك في إثبات العلو والفوقية وكذلك في الحرف والصوت ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستوى بالقهر والاستيلاء ويؤول النول بنزول الأمر ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين، ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم وأمثال ذلك ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائماً بالذات بلا حرف ولا صوت ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.
وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين لأني على مذهب الشافعي عرفت فرائض ديني وأحكامه فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام [1] لفضلهم وعلمهم ثم أنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقروناً بها فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره.
الحق أولى أن يتبع [2]
وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أجدها نصوصاً تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح بها مخبراً عن ربه واصفاً له بها وأعلم بالاضطرار أنه صلى الله عليه وسلم كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي والجافي ثم لا أجد شيئاً يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها لا نصاً ولا ظاهراً مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشائخي الفقهاء المتكلمين مثل تأويل الاستواء بالاستيلاء ونزول الأمر للنزول وغير ذلك ولم أجد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرها ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل فوقية القهر ويد النعمة والقدرة وغير ذلك، وأجد الله عز وجل يقول:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} وقوله تعالى: {ذِي الْمَعَارِجِ. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ..} الآية. ثم أجد الرسول صلى الله عليه وسلم لما
أراد الله تعالى أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتى كان قاب قوسين أو أدنى ثم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للجارية:"أين الله؟ فقالت: في السماء"، فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه كيلا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه بل أقرها وقال أعتقها فإنها مؤمنة. وفي حديث جبير بن مطعم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمائه وسماواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده مثل القبة"[3] وقوله صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.. وعن معاوية بن الحكم السلمي قلت يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: أدعها. . فدعوتها قال: فقال لها: أين الله قالت في السماء.. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة.." رواه مسلم ومالك في موطئه وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكى أخ فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على الوجع فيبرأ.."أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: بعث على من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل شك عمارة فوجد من ذلك بعض أصحابه من الأنصار وغيرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خير من في السماء صباحا ومساء ". أخرجه البخاري ومسلم وعن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها
النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبا فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقول فلان فيقولون مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فهيا الله عز وجل" الحديث [4] .
ثم ذكر حديث العباس وذكر حديث أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق.. إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش رواه البخاري ومسلم وذكر حديث سعد في حكمه في بني قريظة وحديث المعراج وحديث أبي هريرة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي" متفق عليه وذكر قصة أبي بكر حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وأنه ليس إلا جهتا العلو والسفل ثم اعتقد بينونة خالقه عن العالم فمن لوازم البينونة أن يكون فوقه لأن جميع جهات العالم فوقه لأن جميع جهات العالم أن يكون فوقها لأن جميع جهات العالم فوق وليس السفل إلا المركز وهو الوسط.
التأويل صنو التعطيل وأصله التشبيه والتمثيل وكله ضلال
إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصاً من شبه التأويل وعماوة التعطيل وحماقة التشبيه والتمثيل وأثبتنا علو ربنا سبحناه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته والحق واضح في ذلك والصدور تنشرح له فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره والوقوف في ذلك جهل وعي مع كون الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها فوقوفنا عن إثباتها أو نفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة فمن وفقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله.
ليس لله مثيل أو شبيه لا في ذاته ولا في صفاته وأفعاله
والذي شرح صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الأمر واليدين بالنعمتين أو القدرتين هو علمي بأنهم ما فهموا من صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين فما فهموا عن الله استواء يليق به ولا نزولا يليق به ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وعطلوا ما وصف الله تعالى به نفسه ونذكر بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
لا ريب أنا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله تعالى ونحن قطعنا لا نعقل من الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضا تقوم بجوارحنا فكما أنهم يقولون حياته ليست بعرض [5] وعلمه كذلك وبصره كذلك هي صفات تليق به لا كما يليق بنا فكذلك نقول نحن حياته معلومة وليست مكيفة وعلمه معلوم ليس مكيفا وكذلك سمعه وبصره معلومان كما يليق به، ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله ففوقيته معلومة أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر فإنهما معلومان ولا يكيفان كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة بل هي كما يليق به واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال [6] يليق بالمخلوق بل كما يليق بعظمته وجلاله وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معقولة من حيث التكييف والتحديد فيكون العبد بها مبصراً من وجه أعمى من وجه.. مبصراً من حيث الإثبات والوجود.. أعمى من حيث التكييف والتحديد وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله نفسه به وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف وذلك هو مراد الرب تعالى في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل ولا فرق بين النزول والبصر الكل ورد في النص فإن قالوا لنا في الاستواء شبهتم نقول لهم في السمع شبهتم ووصفتم ربكم بوصف المخلوق فإن قالوا لا تشبيه بل هو كما يليق به قلنا في الاستواء والفوقية لا تشبيه بل ذلك كما يليق به فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم فكما لا يجعلونها من جنس ما يوصف به المخلوق فكذلك نحن لا نجعلها من جنس صفات المخلوق وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف.
ولا يفهموا ذلك في الصفات السبع فإن فهموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في السمع والبصر وبقية ما يثبتونه من الصفات صفات المخلوقين فما يلزمونا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات وما ينزهون ربهم به في الصفات السبع وينفون عنه عوارض الجسم فيها فكذلك نحن نعمل في تلك التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقبل نصيحتنا ودان لله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك لأن الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وحرفنا هذه وأولناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله.
القول في الصفات واحد لا فرق بين صفة وأخرى
وإذا ظهر هذا وبان انجلت الثلاث مسائل بأسرها وهي مسالة الصفات من النزول واليد والوجه وأمثالها ومسألة العلو والاستواء ومسألة الحرف والصوت أما مسألة العلو فقد قيل فيها ما فتحه الله تعالى، وأما مسألة الصفات فتساق مساق مسألة العلو ولا نفهم منها ما نفهم من صفات المخلوقين بل يوصف الرب تعالى بها كما يليق بجلاله وعظمته فنزوله كما يليق بجلاله وعظمته ويداه كما يليق بجلاله وعظمته، ووجه الكريم كما يليق بجلاله وعظمته فكيف ننكر الوجه الكريم ونحرف وقد قال صلى الله عليه وسلم في دعائه:"أسألك لذة النظر إلى وجهك"وإذا ثبت صفة الوجه بهذا الحديث وبغيره من الآيات والنصوص فكذلك صفة اليدين والضحك والعجب ولا يفهم من جميع ذلك إلا ما يليق بالله عز وجل وبعظمته لا ما يليق بالمخلوقات.
وإذا ثبت هذا الحكم في الوجه فكذلك في اليدين والقبضتين والقدم والضحك والتعجب كل ذلك كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته فيحصل بذلك إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويحصل أيضاً نفي التشبيه والتكييف في صفاته ويحصل أيضاً ترك التأويل والتحريف المؤدي إلى التعطيل ويحصل بذلك عدم الوقوف بإثبات الصفات وحقائقها على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته لا على ما نعقله نحن من صفات المخلوقين.
وأما مسألة الحرف والصوت فتساق هذه المساق فإن الله تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد وبجميع حروفه فقال تعالى {ألم} وقال {المص} وقال {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} وكذلك جاء في الحديث: "فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب"[7] .
وفي الحديث: "لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"فهؤلاء ما فهموا من كلام الله تعالى إلا ما فهموه من كلام المخلوقين فقالوا إن قلنا بالحروف فإن ذلك يؤدي إلى القول بالجوارح واللهوات وكذلك إذا قلنا بالصوت أدّى ذلك إلى الحلق والحنجرة عملوا في هذا من التخبط كما عملوا فيما تقدم من الصفات والتحقيق وهو أن الله قد تكلم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا لهوات وكذلك له صوت كما يليق به يسمع ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس إلى الحلق والحنجرة. كلام الله تعالى كما يليق به وصوته كما يليق به ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه تعالى كما يليق به وصوته كما يليق به ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه سبحانه لافتقارهما هنا إلى الجوارح واللهوات فإنهما من جناب الحق تعالى لا يفتقران إلى ذلك وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان به من التعسف والتكلف بقوله هذا عبارة عن ذلك.
فإن قيل: فهذا الذي يقرأه القارئ هو عين قراءة الله تعالى وعين كلامه؟ قلنا: لا بل القارئ يؤدي كلام الله تعالى والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مؤدياً مبلغاً ولفظ القارئ في غير القرآن مخلوق وفي القرآن لا يتميز اللفظ المؤدى عن الكلام المؤدى عنه ولهذا منع السلف عن قول لفظي بالقرآن مخلوق لأنه لا يتميز كما منعوا عن قول لفظي بالقرآن غير مخلوق فإن لفظ العبد في غير التلاوة مخلوق وفي التلاوة مسكوت عنه كيلا يؤدي الكلام في ذلك إلى القول بخلق القرآن وما أمر السلف بالسكوت عنه يجب السكوت عنه والله الموفق.
ثمرة إثبات العلو لله تعالى
ثم قال: فصل
العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى ضائعاً لا يعرف وجهة معبوده لكن لو عرفه بسمعه وبصره وقدمه وتلك الصفات السبع بلا هذا كانت معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء فإذا دخل في الصلاة وكبر توجه قلبه إلى جهة العرش منزها ربه تعالى عن الحصر مفرداً له كما أفرده في قدمه وأزليته عالماً أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه وأزليته إلا بها لأنا محدثون والمحدث لا بد له في إشارته إلى جهة فتقع تلك الإشارة إلى ربه كما يليق بعظمته لا كما يتوهمه هو من نفسه.
ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه هو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته ومشيئته؛ وذاته فوق الأشياء فوق العرش؛ ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه فانشرح لذلك صدره وقوي إيمانه ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول وذاق حينئذ شيئاً من أذواق السابقين المقربين بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده وتكون الجارية راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت: "في السماء" عرفته بأنه على السماء فإن "في" تأتي بمعنى على كقوله تعالى: {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} أي على الأرض وقوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع النخل فمن تكون راعية الغنم أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال مظلم القلب لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان ومن أنكر هذا القول فليؤمن به وليجرب ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه مبصراً من وجه أعمى من وجه كما سبق مبصراً من جهة الإثبات والوجود والتحقق أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف فإنه إذا عمل ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى ووجد نوره وبركته عاجلاً وآجلاً ولا ينبئك مثل خبير والله سبحانه الموفق والمعين.
تقريب مسألة الفوقية من الأفهام بمعنى من علم الهيئة لمن عرفه [8]
لا ريب أن أهل هذا العلم حكموا بما اقتضته الهندسة وحكمها صحيح لأنه ببرهان لا يكابر الحس فيه بأن الأرض في جوف العالم العلوي وأن كرة الأرض في وسط السماء كبطيخة في جوف بطيخة والسماء محيطة بها من جميع جوانبها وأن أسفل العالم هو جوف كرة الأرض وهو المركز ونحن نقول جوف الأرض السابعة وهم لا يذكرون السابعة لأن الله تعالى أخبرنا عن ذلك وهم لا يعرفون ذلك وهذه القاعدة عندهم ضرورية لا يكابر الحس فيها أن المركز هو جوف كرة الأرض وهو منتهى السفل والتحت وما دونه لا يسمى تحتاً بل يكون تحتاً ويكون فوقا بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة لكان الخرق إلى جهة فوق ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق.
وبرهان ذلك أنا لو فرضنا مسافراً سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب وامتد مسافراً لعشى على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير وقطع الكرة كما يراه الناظر أسفل منه وهو في سفره هذا لم تبرح الأرض تحته والسماء فوقه فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض بالذات فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض من أي جهة فرضتها ومن أراد معرفة ذلك فليعلم أن كرة الأرض النصف الأعلا منها ثقله على المركز والنصف الأسفل منها ثقله على النصف الأعلا أيضاً إلى جهة المركز والنصف الأسفل هو أيضاً فوق النصف الأعلا كما أن النصف الأعلا فوق النصف الأسفل ولفظ الأسفل فيه مجاز بحسب ما يتخيل للناظر وكذلك كرة الماء محيطة بكرة الأرض إلا سدسها والعمران على ذلك السدس والماء فوق الأرض كيف كان وإن كنا نرى الأرض مدحية على الماء فإن الماء فوقها وكذلك كرة الهواء محيطة بكرة الماء وهي فوقها وإذا كان الأمر كذلك فالسماء التي تحت النصف الأسفل من كرة الأرض (في نظرنا) هي فوقه لا تحته لأن السماء على الأرض كيف كانت فعلوها على الأرض بالذات فلا تكون تحت الأرض بوجه من الوجوه وإذا كان جسم وهو السماء علوها على الأرض بالذات فكيف من ليس كمثله شيء وعلوه على كل شيء بالذات كما قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له فهو العلي بالذات والعلو صفته اللائقة به كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه والعلو والسفول حد بين الخالق والمخلوق يتميز به عنه، هو سبحانه على بالذات وهو كما كان قبل خلق الأكوان وما سواه مستقل عنه بالذات وهو سبحانه العلي على عرشه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فيحي هذا
ويميت هذا ويمرض هذا ويشفى هذا ويعز هذا ويذل هذا وهو الحي القيوم والقائم بنفسه؛ وكل شيء قائم به فرحم الله عبداً وصلت إليه هذه الرسالة ولم يعاجلها بالإنكار وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل والنهار وتأمل النصوص في الصفات وفكر بعقله في نزولها وفي المعنى الذي نزلت له وما الذي أريد تعلمها من المخلوقات؛ ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب تعالى بها والتوجه إليه منها وإثباتها له بحقائقها وأعيانها كما يليق بجلاله وعظمته بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا جمود ولا وقوف وفي ذلك بلاغ لمن تربد وكفاية لمن استبصر إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم والله أعلم، انتهت الرسالة.
اختيار وتقديم
عبد الله الغنيمان
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
يعني اعتقاد إصابتهم للحق إذ هم أهل علم واجتهاد.
[2]
هذا العنوان وما يأتي مشابهاً من كلام المؤلف.
[3]
رواه أبو داود انظر العلو للذهبي ص 38 من طبعة المكتبة السلفية.
[4]
رواه أحمد والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم والدارقطني.
[5]
العرض هو ما لا يقوم بنفسه بل لا يقوم إلا بغيره كالبياض والسواد. والعرض لا يجوز وصف الله تعالى به نفياً ولا إثباتاً فهو من الكلام المبتدع والله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله.
[6]
لفظ الحركة والانتقال لم يأت في صفات الله والله لا يوصف نفياً أو إثباتاً إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله.
[7]
رواه البخاري في صحيحه معلقا مجزما به ووصل غير انظر الفتح جـ13 ص 447 ومن خرجه هناك وجـ1 ص 174.
[8]
هذا العنوان من كلام المؤلف.
توحيد الله
بقلم الشيخ عبد الله أحمد القادري
مدير الإشراف الاجتماعي
أهميتها:
العقيدة: - أي عقيدة - هي منطق الإنسان - أي إنسان - في الحياة.
وكل إنسان يتصرف في حياته انطلاقاً من عقيدته.
ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة رئيسية:
1-
المؤمن: فالمؤمن بالله ينطلق في حياته من إيمانه، فهو يؤمن بالله، وبكل ما أخبر به تعالى في كتابه - أو على لسان رسوله - من الغيب، ويتقي ربه، ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه، يوالي فيه ويعادي فيه، وعن هذا الصنف قال تعالى:{الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
2-
الكافر: وينطلق الكافر في حياته من كفره، فهو كافر بالله جاحد له معاند لرسله، لا يؤمن بما أخبر الله به، ولا يمتثل أوامره ولا يجتنب نواهيه يرفض الحق بجرأة غير مبال بنتائج ذلك كله:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
3-
المنافق: وينطلق المنافق في حياته من نفاقه - والنفاق كفر لصاحبه الدرك الأسفل من النار - ولكن المنافق يظهر ذبذبة بين الكفر والإيمان حسب المصلحة التي تبدو له، إن رآها في إظهار الإيمان أظهره، وإن رآها في إظهار الكفر أظهر الكفر وطمأن الكافرين بأنه منهم، قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} .
وكلما كان الإنسان أكثر إيماناً كان أكثر استجابة للحق وأكثر نفعاً في الأرض، وكلما كان أوغل في الكفر والجحود كان أكثر عناداً وطغياناً، وكلما كان أكثر نفاقاً كان أكثر خبثاً ومكراً وفسداً.
العقيدة هي التي تحدد هدف الإنسان في حياته:
فهدف المؤمن هو رضا الله، ولذلك يسعى جاداً في الوصول إلى هدفه مهما تحمل من مشاق، مهما واجهته من عقبات، يستعذب في سبيل ذلك المر، ويستسهل الصعب، لا يثنيه عنه كيد كائد ولا تهديد مهدد، لأن الهدف عنده أعلى وأسمى من كل شيء - حتى من نفسه التي بين جنبيه - وهو يسعى إذ للوصول إلى هدفه معتمد على من هو أقدر وأقوى.
إن سحرة فرعون - الذين أراد التغلب بهم على نبي الله موسى عليه السلام عندما خالط الإيمان بشاشة قلوبهم تحدوا فرعون وملكه وجبروته - وقد كان يعتبر إلههم وإله غيرهم - في ثبات وإصرار معللين ذلك التحدي بهدفهم الذي قرروا السير إليه: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى. قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .
وفي قصة أصحاب الأخدود الدليل الواضح على استعذاب أشد أنواع التعذيب والتنكيل واستقبال الموت بصدر رحب في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف العظيم (من أراد ذلك مفصلاً فليراجع تفسير سورة البروج في تفسير ابن كثير وغيره) .
وهدف الكافر: تافه حقير لا قيمة له وهو قضاء وطره المادي العاجل من التمتع بالمأكل والمشرب والمركب والمنكح ضارباً بكل خلق حسن يميز الإنسان عن الحيوان عرض الحائط: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} .
والعقيدة هي التي تحدد الوسيلة الموصلة إلى الهدف - أي هدف -.
فالمؤمن مقيد باتخاذ الوسيلة المشروعة مبتعداً عن الوسائل المحظورة لأن عقيدته تحتم عليه ذلك.
فهدف المؤمن - الذي هو رضا الله لا يتم له إلا إذا والى في الله وعادى فيه فلا بد له من معاداة الكافرين، وهذه المعاداة تحصل بوسائل مشروعة مثل إظهار بغضهم وعدم محبتهم ومجاهدتهم بالنفس والمال وغير ذلك، وليس للمؤمن أن يتخذ وسائل غير مشروعة - كأن يظلم الكافر - قال تعالى:{وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
ووجه الدلالة من النص السابق أن الكافر - ولو كان والداً - تجب معاداته في الله وبغضه فيه، ولكن لا يتخذ لتلك المعاداة وسيلة غير مشروعة، وهي حرمانه من حقه فكما لا يطاع في معصية لا يحرم من بر ولده به ومصاحبته في الدنيا معروفاً وشنآن الكافر لا يجيز ظلمه قال تعالى:{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..} .
فالعدل واجب على المؤمن لعدوه الكافر والظلم محرم عليه.
وهكذا نجد المؤمن متقيداً في أعماله ومعاملاته بما هو مشروع لأن عقيدته حددت له الوسيلة كما حددت الهدف، فلا ظلم ولاغش ولا كذب ولا زنا ولا سرقة ولا تسلط ولا أي نوع من أنواع المحرمات فإن ارتكب شيئاً من ذلك عاد إلى الله تائباً نادماً مستغفرا.
والكافر لا يتورع عن اتخاذ أي وسيلة توصله إلى مراده حلالا كانت أم حراماً المهم عنده أن يقضي وطره.
وقد جسم ذلك مكيافلى في قاعدته الظالمة الآثمة التي صارت لأعداء الله دستور حياة، وهي:(الغاية تبرر الوسيلة) ، ومعنى ذلك أن الشخص إذا قرر الوصول إلى هدف ما فله أن يتخذ للوصول إلى هدفه أي وسيلة دون نظر إلى شرعيتها أو عدم شرعيتها، نافعة كانت أم ضارة، فله أن يكذب ويغش وينافق ويسفك الدم ويغصب المال وينتهك العرض.
والسبب في هذا المسلك المشين عقيدته التي تبيح له الخروج على سنن الخالق وأوامره ونواهيه، ولهذا قال أهل مدين في ردهم على نبي الله شعيب - كما حكى ذلك عنهم القرآن -:{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} .
وهكذا نجد الكافر يقدم على أي عمل يريد غير متقيد بأمر ولا نهي، فيقتل بدون حق، ويغصب ويسرق ويشرب الخمر، ويأكل الميتة ويرابي مستحلا كل ذلك وغيره من أنواع المعاصي، لأن عقيدته أطلقت له العنان.
التوحيد
التوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فهو - كما ترى - ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1-
توحيد الربوبية، 2- توحيد الألوهية - أو العبادة -،3- توحيد الأسماء والصفات.
1-
توحيد الربوبية:
فتوحيد الربوبية هو: الإقرار بوجود الله تعال، وأنه رب العالمين وخالقهم ومالكهم، مدبرهم والمتصرف فيهم، لا يخرج عن قدرته شيء ولا يشذ عن ربوبيته أحد، إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
والكون كله - ومنه الإنسان - مفطور على الإقرار بهذا القسم من التوحيد، وهو الذي عناه الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه القيم (مبادئ الإسلام) بقوله: (من المعلوم أن كل شيء في هذا الكون منقاد لقاعدة معينة وقانون خاص، فالشمس، والقمر والنجوم - وكذلك الأرض، مسخرات تحت قاعدة مطردة لا قبل لها بالحراك عنها والخروج عليها، والماء والهواء والنور والحرارة كلها مذعنة لنظام خاص، وللجمادات والنباتات والحيوانات ضابطة لا تنمو ولا تنقص ولا تحيا ولا تموت إلا بموجبها حتى إن الإنسان نفسه إذا تدبرت شأنه تبين لك أنه مذعن لسنن الله إذعانا تاما، فلا يتنفس ولا يحس حاجته إلى الماء والغذاء والنور والحرارة إلا وفقاً لقانون الله المنظم لحياته، ولهذا القانون ينقاد قلب الإنسان في حركته ودمه، وفي دورانه ونفسه، في دخوله وخروجه وله يستسلم جميع أعضاء جسده، كالدماغ والمعدة والرئة والأعصاب والعضلات واليدين والرجلين واللسان والعينين والأنف والأذن.
فليست الوظائف التي تؤديها هذه الأعضاء إلا حسب ما قررت لها من الطريق.
فهذا القانون الشامل الذي يستسلم له ولا ينفك عن طاعته شيء في هذا الكون من أكبر سيارة في السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض من وضع ملك جليل مقتدر، فإذا كان كل شيء في السموات والأرض وما بينهما منقاداً لهذا القانون فإن العالم كله مطيع لذلك الملك المقتدر الذي وضعه ومتبع لأثره.
ويتبين من هذه الوجهة أن الإسلام دين الكون طرا، لأن الإسلام معناه الانقياد والامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض كما عرفت آنفاً، فالشمس والقمر والأرض مسلمة، والهواء والماء والنور الظلام والحرارة مسلمة، والشجر والحجر والأنعام مسلمة، بل إن الإنسان الذي لا يعرف ربه ويجحد وجوده وينكر آياته، أو يعبد غيره ويشرك به سواء مسلم من حيث فطرته التي فطر عليها، وذلك أنه لا يولد ولا يحيا ولا يموت إلا وفقاً لما وضع الله تعالى من قانون لولادته وحياته وموته، وكذلك كل أعضاء جسده لا تدين إلا دين الإسلام، لأنها لا تنشأ ولا تكبر ولا تتحرك إلا حسب هذا القانون الإلهي نفسه بل الحق أن لسانه الذي يستخدمه في إبداء آراء الشرك والكفر جهلا وسفهاً لا يدين في نفسه إلا دين الإسلام.
وكذلك رأسه الذي يكرهه على الانحناء أمام غير الله لا يدين إلا دين الإسلام بسائق فطرته التي فطر عليها، وكذلك قلبه الذي يعمره بحب الآخرين من دون الله وإجلالهم جهلاً وسفهاً إن هو إلا مسلم من لدن فطرته وسجيته، فكل قد أسلم لله وانقاد..)
قلت: ولفظ الإسلام المعبر به في هذه الجمل ينطبق تماماً على توحيد الربوبية وهو الإسلام المعروف في اللغة العربية، وليس المقصود به الإسلام الشرعي كما هو واضح.
ويتضح من ذلك أن الإقرار بوجود الله وأنه رب العالمين وخالقهم والمدبر لشئونهم والمتصرف فيهم فطري في جميع المخلوقات حتى الإنسان الكافر الجاحد ولكن أيعترف كل الناس بذلك؟
كان المشركون الأولون - وهم يجحدون وحدانية الله في عبادته يقرون بوجود الله، وأنه خالق الخلق ومدبر الكون ومنزل المطر كما قال تعالى عنهم في كتابه الكريم:
ولهذا - أي لكون المشركين الأولين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية - لم يكن الرسل يدعونهم إلى هذا النوع من أنواع التوحيد، بل كانوا يدعونهم إلى النوع الذي ينكرونه، ويستدلون عليهم بتوحيد الربوبية هذا الذي يقرون به قال تعالى:{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وقال تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} والآيات من الكثرة بمكان في هذا المقام.
ومع تظافر الأدلة النقلية والعقلية على هذا النوع ومع إقرار الفطر به نجد من ينزلون أنفسهم منزلة الحيوان فيلغون عقولهم التي وهبها الله لهم ويصرحون متبجحين، شاذين عن الكون العظيم كله، بنفي وجود خالق ومدبر لهذا الكون، ولم يكن لهذه الطائفة الشاذة أهمية في الأرض من قبل، أما اليوم في القرن الرابع عشر الهجري - فقد قامت دول على أساس هذا الشذوذ المقيت، كروسيا والصين وغيرهما من دول المسكر الشرقي ومن دار في فلكهم - كما لا ينكر تفشي الإلحاد في المعسكر الغربي أيضاً، وهل المعسكر الشرقي إلا وليد الغربي؟!
ورغم أن هذا المذهب الشاذ لم يكن منتشراً في الزمن الماضي إلا أن الله الخبير بخلقه وما سيحدث منهم قبل أن يحدث قد ألقم أهله الحجة الدامغة التي لا تترك مجالا للهروب من الحق إلا العناد والمكابرة والمعان والمكابر لا ينفع معهما دليل قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ}
فالآية الكريمة تطلب من جاحد الربوبية الجواب على ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: هل خلق من غير خالق - أي من العدم؟
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أنه لا بد للمخلوق من خالق وأن العدم لا يمكن أن يكون خالقاً.
السؤال الثان: هل خلق الجاحد نفسه؟
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أن المخلوق لا يمكن أن يوجد نفسه والصنعة لا بد لها من صانع، والصانع لا بد أن يكون موجودا قبل صنعته وإلا لما صح أن يكون صانعاً لها.
السؤال الثالث: هل خلق الجاحد هذا الكون العظيم: سماءه وشمسه وقمره ونجومه وكل كواكبه، أرضه وجباله وسهوله وبحاره وأنهاره وأشجاره.
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أنه لا خالق لهذا الكون من البشر ولا غيرهم من المخلوقات، وهل يقدر أحد أن يقول: نعم أنا خلقت السموات والأرض؟ لو قال ذلك - ولم يقله أحد - لتحداه المتحدي أن يخلق حبة شعير أو سمسم، أو ذرة ولا قدرة له على ذلك.
إن نمرود عندما لف ودار، وقال:{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} قال له إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} لم يقل له إبراهيم أوجد شمساً كهذه الشمس، بل طلب منه تحويل مجراها فقط، إذن فلا بد لهذا الكون من خالق فمن هو؟
جواب المؤمنين بوجود الله واضح فما جواب الجاحدين؟
لملحدي هذا العصر على هذا السؤال جوابان:
الأول: أن هذا الكون وجد صدفة، والثاني أن موجده هي الطبيعة.
ومعنى الصدفة أن هذا الكون كله وجد هكذا من العدم بدون موجد فما حظ هذا الجواب عند العقلاء؟!
لا يشك عاقل يؤمن بوجود عقله وسلامته في تفاهة هذا الجواب الساقط غاية السقوط، ومع ذلك فلا بأس بمناقشته مناقشة مختصرة ليزداد سقوطه وتفاهته وضوحا للصبيان والمعتوهين - لا المكابرين أو المجانين - ولذلك نسوق بعض الأمثلة التي يعترف بها الجاحد.
المثال الأول: أن يقال: هذا القصر الذي يناطح بطوله السحاب ويجثم على مساحة واسعة من الأرض فيه عدد كبير من الغرف المفروشة المزخرفة جمعت فيه كل دوائر المدينة - أي مدينة - الحكومية وضع على باب كل حجرة لوحة كتب بها وظيفة صاحبها من الأمير إلى أصغر موظف استكملت كل وسائل العمل والراحة - يقال: هذا القصر بهذه الضخامة والتنسيق وجد بنفسه لم تصرف فيه نقود ولم يفكر في بنائه مفكر ولم يصنع لبناته صانع ولم يبنه بان وجد هكذا صدفة في لحظة يصعب تمييزها لقصرها!! أترى عاقلا يصدق هذه الدعوى؟!!
إن كل العقلاء سيجزمون بأن قائل هذا الكلام فاقد العقل يهرف بما لا يعرف وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهذا القصر الذي يعتبر ذرة لا نسبة لها إلى بقية المخلوقات فما بالك بالسموات وما فيها، والأرض وما فيها أيعقل أن يقال إنها وجدت هكذا صدفة؟؟!!
المثال الثاني: أمامي كتاب يتكون من أربعة عشر مجلداً في كل مجلد ما يربو على ستمائة في كل صفحة ما يقارب عشرين سطراً في كل سطر عشرون كلمة.
قل لي بربك ما موقف هؤلاء الملحدين أنفسهم ثم موقف العقلاء من الناس من شخص - فضلا عن دول وشعوب - زعم أن هذا الكتاب بأجزائه، وصفحاته، وأسطره وكلماته وحروفه مع ما فيه من جمل متناسبة ومعان مترابطة، وأسلوب بديع، وأفكار عظيمة، وجد هكذا صدفة، بدون صانع ورق ولا طابع ولا مؤلف ولا كاتب ولا شيء سوى أنه وجد صدفة أيمكن أن يؤمن بهذه الدعوى أحد في الأرض من العقلاء حتى الملحد نفسه.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهذا الكتاب - مثلا - فما بالك بهذا الكون العظيم لمحكم المنسق من أرض وسماء وما فيهما وما بينهما، أيعقل أن توجد هكذا صدفة؟!! ألا يدل كل منها أن له موجداً مريداً حكيماً عليماً قوياً قادرا ً؟!
المثال الثالث:
لو قيل لك: إن باخرة عظيمة تعتبر أحدث البواخر في هذا العصر كبراً وتنظيماً وإتقاناً تبحر من طوكيو باليابان مارة بمدن الصين والهند وأفريقيا وبريطانيا في أوقات معينة ترسو بنفسها في كل مدينة وتنزل من بها وما بها في تلك المدينة ثم ترفع من تلك المدينة من المسافرين وما بها من الأمتعة إلى المدينة الأخرى بنفسها كذلك، هذه الباخرة وجدت بدون صانع، وليس لها ربان، ولا عمال ينزلون أو يرفعون ما بها، بل وجدت صدفة وتسير من مدينة إلى أخرى في وقت محدد صدفة أيضاً؟ أترى هذا الزعم يصدر من ذي عقل أو يصدقه ذو عقل، ألا يسخر من قائله كل الناس؟ بلى، أهذا لا يعقل في سفينة ويعقل في الشمس والكواكب السيارة بدقة وإحكام مع عظم الحجم ودقة السير {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}
وبهذا تعرف أن القول بالصدفة ما هو إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه.
وإذا كان هذا هو شأن الصدفة فما قيمة الطبيعة في ميزان العقلاء؟!
الطبيعة في اللغة السجية، وتطلق في اصطلاح أهل العصر على أمرين:
الأول: على الشيء نفسه فالمخلوقات هذه التي نشاهدها هي الطبيعة، فالشمس من الطبيعة والقمر من الطبيعة والنجوم من الطبيعة والأرض من الطبيعة، والأرض وما فيها من جبال وسهول وأنهار وحيوان من الطبيعة.
الإطلاق الثاني: على خصائص الأشياء، فحرارة الشمس من الطبيعة وإحراق النار من الطبيعة، وبرودة الثلج من الطبيعة، وشبع الطعام من الطبيعة، وري الماء من الطبيعة وهكذا.
فعلى الإطلاق الأول يكون معنى خلق الطبيعة للأشياء أن كل شيء خلق نفسه، فالشمس خلقت نفسها، وهكذا القمر والنجوم والجبال والبحار والأشجار والإنسان، وهل يعقل أن يخلق الشيء نفسه:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} .
وعلى الإطلاق الثاني تكون خصائص الأشياء خلقت الأشياء، فحرارة الشمس خلقت الشمس، والإحراق خلق النار، وبرود الثلج خلقت الثلج وري الماء خلق الماء، والشبع خلق الطعام، وهلم جرا.
وهو كما ترى لا يقدر على إطلاقه عاقل، ولكنه العمى: عمى القلب، بل وعمى البصر أيضاً، فالعقلاء يعرفون أن خصائص الأشياء لم تكن موجودة قبل الأشياء، بل إما أن توجد بعدها، أو مقارنة لها في الوجود، والموجود الذي يتأخر عن غيره أو يوجد معه كان معدوماً قبل وجود ذلك الشيء، والمعدوم لا يعقل أن يوجد غيره إذ فاقد الشيء لا يعطيه، فأين عقول هؤلاء؟! سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.
الخالق هو الله ولا خالق سواه
خلاصة الأدلة العقلية على وجود الله وأنه خالق الكون ولا خالق سواه:
1-
لكل فعل فاعل: كل حدث في الكون لا بد له من محدث، ولا يمكن قط أن يوجد حدث بدون محدث، فإذا رأيت بناء جديداً اليوم لم يكن موجوداً بالأمس جزمت أن بانيا أو بانيين أحدثوا هذا البناء، وإن هذا البناء لم يحدث بدون بان، وإذا رأيت جبلاً قد أزيل من مكانه جزمت أن آلات هدم قد دكته دكا وأن تلك الآلات قد استعملها ذوو خبرة بقيادتها، وإذا رأيت أن سيارة تتجه إلى مكان ما جزمت بأن محركاً قد حركها، وإذا كانت هذه السيارة تتجنب الاصطدام بالجدران والصخور والناس عرفت جازماً أن قائداً عاقلاً خبيراً يقودها ويسيرها، وإذا سمعت الجرس يدق في منزلك جزمت أن ضغطاً قد وقع على زره، وإذا سمعت جرس هاتفك يرن جزمت أن شخصاً قد اتصل به على نفس نمرتك، ومن المستحيل أن يحدث كل ذلك بدون محدث، وهذا يدل - دلالة عقلية قطعية - أنه لا بد لكل فعل من فاعل.
قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} وإذا كان الأمر كذلك فهل يعقل أن يوجد هذا الكون بهذه المخلوقات بدون موجد؟
2-
الفعل مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته:
إذا رأيت كراسة مسطرة تسطيراً دقيقاً مستوياً وبها كتابة جميلة متقنة مستقيمة دلك ذلك على أن شخصاً ما قد كان على علم بصنع الورق ومقدرة على صنعه، وأنه دقيق في تقدير المسافة التي تفصل بين كل سطر وآخر، وأنه - هو أو غيره - يجيد القراءة والكتابة وعنده قدرة على فعل ذلك كله، وتجزم بعد ذلك أن هذه الأمور تدل دلالة لا لبس فيها على قدرة ذلك الفاعل وعلامات واضحة لبعض صفاته، انظر بعد ذلك إلى هذه المخلوقات التي تشاهدها تسير بدقة وإحكام من أكبر مخلوق في السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض ألا تدل على قدرة الخالق وترسم لك صورة واضحة لبعض صفاته فتعرف من ذلك أنه قدير مريد حكيم عليم خبير مهيمن؟ قال تعالى:{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}
3-
(ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل) .
الذي لا يملك القدرة على الفعل لا يسند إليه ذلك الفعل، فإذا رأيت قتيلاً مرمياً على جانب الطريق وبجانبه طفل ولد لتوه ملقى على الأرض فهل تستدعي الجنود المسئولين عن الأمن لاحتجاز ذلك الطفل وتقيم الدعوى عليه بأنه قاتل ذلك القتيل؟ كلا! لماذا، لأن الطفل لا يملك القدرة على قتل ذلك الشخص أو غيره، وإذا رأيت قمراً صناعياً قد أطلق ليدور حول الأرض فإنك لا تسند إطلاق ذلك القمر إلى حيوان - كالثور مثلاً - لأن الحيوان لا يملك القدرة على إطلاق ذلك القمر، وهكذا....
ولننظر الآن إلى هذه المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض وما فيهما وما بينهما أيدور بخلدك إسناد خلقها وإيجادها إلى أي من هذه المخلوقات التي هي في افتقار ذاتي إلى من يوجدها؟ إنها كلها لا تملك القدرة على خلق نفسها ولا خلق غيرها، وهذا الإنسان الذي بلغ شأواً بعيداً في الابتكار والاختراع والاستفادة من كثير من هذه المخلوقات لم يقدر على أن يخلق حبة خردل أو جناح بعوضة.
فمن يستحق أن يسند إليه فعل هذه الأشياء وخلق هذه المخلوقات؟ إنه الله الخالق البارئ المصور القادر المريد الحكيم: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} .
(يتبع)
ترجمة القرآن
للأستاذ محمد بن محمد الأنصاري المدرس بمعهد الباحة العلمي
إن محولات هذا العصر في خنق الثقافة الإسلامية، فيما يتعلق بفكرها ولغتها كثيرة جداً، ومن نوافذ بعيدة المدى، وآفاق عميقة الجذور، تتستر أحياناً بما هو مطلوب من معتنقي الثقافة الإسلامية ولغتها الشاعرة (اللغة العربية) .
من هذه البدع المجازفة السيئة التي قام بها الأعداء مباشرة، أو غير مباشرة، من محاولة ترجمة القرآن، ترجمة حرفية يطلقون عليها قرآناً، وهذه الحماقة إن راودها بعض المسلمين أو المنافقين فلا نردها إلا إلى جهل تام وبعد واسع النطاق عن القرآن العظيم في نزوله والمنزل من عنده المتكلم به حقيقة والمنزل عليه في لغته وبلاغته التي لا تقاوم.. ولا ينال طرف منها، في حرف وجملة وكلمة، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً قال تعالى:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} بل إن كلاما أدنى منه وأسلوباً أقصر من نسجه على إرادته تقليداً أو محكمات، لا يمكنهم الإتيان به ولا تطاوعهم الملكة البيانية في فصل الخطاب وفي أوابد القوافي لمراميه، قال تعالى:{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} .
كأن الذين يحاولون ترجمة القرآن الحرفية، جاءوا ليصدقوا إعجاز القرآن في شانهم هذا المضحك، وهو نقل القرآن إلى لغة يمكن أن يعارض فيها ولا يعجز وهذه المحاولة نفسها إعجاز!!
ولا شك أن هذه العبقريات (اللافتة) يمكر من ورائها الغرب الغدّار والاستشراق الفتاك، إنها فتنة لا نشك أدنى شك في أن القرآن المعجز يلحق بها هزيمة ساحقة، مهما كاد الكائدون فهي لا تستحق العناية من حيث الموضوعية.. لذلك نقول في إجمال: إن ترجمة القرآن الحرفية لا تجوز إجماعاً ولا يمكن لأي أحد مهما أوتي من قوة علمية ولغوية وأدبية وفكرية، جمعت وفاقت كل العبقريات العالمية من آدم عليه السلام حتى آخر رقم في النسل البشري.. التعبير بجملة واحدة تماثل جملة قرآنية بلاغة وإعجاز.
إذا كانت الأمة العربية التي نزل القرآن بلغتها في يوم لم يمر على العربية ـ من قبل ومن بعد ـ مثله قوة وإبداعاً عجزت عن خطوة واحدة لمعارضة القرآن ومناقضته مع ما ألحقه بهم في التحدي وإعلان الذلة والجمود عليهم أمام صولته القاهرة وبيانه الساحر فكيف بلغات لا تذكر جانب العربية في خاصة واحدة من خصائص اللغات
…
؟!!
هذا وقد أثبتت الدراسات في اللغات.. الفرق الكبير بين حروف العربية وجملها الاسمية والفعلية، وأساليبها المتعددة وبين اللغات الأخرى كالفرنسية والإنجليزية.
فاللغة العربية لغة عالية بمعنى الكلمة ونزل بها كتاب أعلى منها في ذاتها، فكيف يوضح هذا الكتاب ويقرأ بلغات قاصرة ونازلة عن لغة كانت نازلة عن هذا الكتاب..!!؟
أما الترجمة المعنوية للقرآن الكريم وغيره من علومه العربية الإسلامية، فهي الأمر الذي يستدعي التأمل ويدعو الباحثين إلى التوقف والنظر في دنيا الإسلام وثقافته في يومنا هذا. لتردد هذا الدافع التربوي بين نفع كبير وضرر بعيد المدى في الحياة الإسلامية لمريدها حاضراً ومستقبلاً..
ولا شك أن الدعوة الإسلامية اليوم تتطلب هذا النوع من الترجمة في حوارها مع العالم في كابوسه الجاهلي لنشر الفكرة الإسلامية، وإيصال العنصر الإسلامي إلى أمم الأرض الحائرة التائهة.. كما أن الإسراف في الترجمة هذه ليس في صالح العربية لتكون لغة إسلامية عالمية يدين لها كل مسلم بالحق والأولوية إلى نفسه، وتأخذ طريقها إلى مقاليد العلم والفكر والاقتصاد والاجتماع والسياسة في كافة الدول الإسلامية وشعوبها، ليكون ذلك وسيلة لحاكية الإسلام في ربوع العالم الإسلامي وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إذا كان الأمر كذلك، فالترجمة المعوية للقرآن وكل ما هو إسلامي وعربي ونقل ذلك إلى لغات للأجانب أو إلى لغات لإخوة من الشعب الإسلامي الكبير، ذات حدين، عندما نمعن النظر فيها من خلال الحقائق الإسلامية التي جاوزت القرون وعبرت جسوراً من المصاعب، حتى وصلتنا في يومنا هذا والحقيقة الكبرى التي لا يساورنا فيها تردد وهي: أن الإسلام عربي اللسان فلما كان ذلك تحولت لغته الخالدة هذه من كونها لغة شعب وشعوب الدنيا في فترة من الزمان، إلى كونها لغة دينية لها طابع رباني، مختارة لتكون لغة للعالم من بين اللغات حتى نهاية الدنيا بل وفي الحياة الأخروية، كما اختير رجل واحد من بين الناس ليكون رسولاً للعالم كافة، حتى يوم الدين، وهي كفيلة بكل ما يطلبه العالم أدبيا ولغويا وحضاريا، كما أن رسالة الإسلام كفيلة بكل ما يطلبه البشر من حماية ورفاهية حضارياً.
هذا وإننا نؤمن إيماناً صادقاً ونجزم: أنه لا قرآن بلا عربية ولا علا جديا يظهر الإسلام في حقيقته في الحياة إلا بالعربية
…
فلتكن إذا الترجمات المعنوية مقدمات فقط يحدد لها وقت أقصر من سلافه الذباب، ريثما تبرز الشعلة العالية في زينتها الساحرة وقوتها العامرة، إنها أداء رسالة الإسلام وقرآنها بالأسلوب الذي نزل به وأعطى به.
أما الاندفاع الكلي في الترجمة المعنوية، فإنه وإن كان فيه حق يجب القيام به مقدمة للدعوة الإسلامية، فإنه يتصل اتصالاً وثيقاً ـ إن استمر ـ بما تدعيه أوربا من أن العربية لا تصلح لغة لحضارة معاصرة والإسلام متخلف لا ينهض في عصر التكنولوجيا، كما أنه يضعف طلب العربية وتعلمها من قبل المسلمين في المعمورة الأرضية.
وإذا رجعنا إلى الوراء وتأملنا صفحات التاريخ المشرقة بالأمجاد والمجد طيع في طولها وعرضها. استحضرنا ما كان للدولة الإسلامية من تقدم وأداء للدعوة، لما كانت قوية ومتمسكة بشخصيتها الأصيلة في عهودها الأولى لقابلتنا حقائق بارزة وناطقة تشهد لما ذكرت وبينت.
لقد استطاع المسلمون أن يترجموا لغات الأمم التي دخلت الإسلام إلى العربية فتصبح العربية لغة لهذه الشعوب المؤمنة وتنصرف عن لهجاتها التي لا تتصل بالقرآن في حال من الأحوال، وتعتنق العربية الوسيلة إلى قرآنهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ويدخل في هذا ترجمة الآداب والعلوم الفارسية والرومية واليونانية والهندية إلى العربية، ليتسنى للناس دراستها والاستفادة منها بأسلوب عربي، وتموت تلك اللغات وتحيى لغة الإسلام مسيطرة على الأمة فكريا وعلميا، وماذا نتج عن هذا؟!
هل نتج عنه أن الإسلام لم يصلها لا والله..؟ وإنما النتيجة أن تفجرت في آفاق الدنيا آلاف من العلماء حملوا لواء الإسلام في عربية، وكانوا منار الهدى في عصور الإسلام، ويظهر سيبويه ليكون إماماً للنحو العربي، والطبري إماماً للمفسرين والبخاري إماماً للمحدثين وأبو حيان وابن معطى وابن الرومي وأبو العتاهية وبشار وغيرهم من العلماء والشعراء والأدباء.
إن الحكمة كل الحكمة في هذا الجانب الهام للدعوة الإسلامية اليوم تكمن في التصرف والبداية التي تؤدينا إلى الغاية بدون إفراط ولا تفريط والغاية هي توضيح الفكرة الإسلامية نقية مهذبة لا تشوبها شائبة بدعية أو عصرية، ليكون ذلك منهجا قويا يضمن للوافدين إلى الإسلام استمرار رغبتهم فيه، وانفجار الاستراتيجية الإسلامية في كل الاتجاهات أمام المقبلين إليه، فلا يلمسون من عطائنا نحن المسلمين المبشرين بالإسلام شيئاً، يلوح من بعيد أو قريب، إلى قصر المنهج في إبراز الفكرة الإسلامية، واضحة متكاملة، وفي ذلك نجد النجاح المستمر من جانبين خطيرين:
الأول: الظفر بمن يخلص للعقيدة الإسلامية ومرافقها من مادة الإنسانية التي لا تخلو من خير ويصدق لها والعربية داخلة في ذلك، لأن العمل الجدي والأسلوب المخلص التربوي لا ينتج إلا جدياً ولا يقدم إليه إلا الصادقون "خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا"
الثاني: السلامة من عالم النفاق والنجاة من غدره الذي قد يكون غنيمة لمن يعطى الإسلام بأساليب هوجاء لا تزيد عن كونها فكرة تقال في مناسبة وكفى ـ وأنا أعتقد أن الأسلوب الذي كان دافعاً لوجود النفاق في العصر الأول للإسلام، مباين كل المباينة للأساليب التي قد تكون دافعاً لوجود النفاق في عصرنا هذا وهي كثيرة، إنما أخص منها ما أريده في هذه الكلمة الموجزة ـ ذلك أن النفاق في العصر الأول كان الدافع لوجوده، إنما هو قوة الإسلام في أدائه ودقة منهجه وبروز شخصيته الفعالة، فكان من الواضح أن ترى طائفة قليلة في المدينة الخطر يحيط بها من هذا السَّيْل الإسلامي الذي يعلو ولا يعلى عليه، فدافعت عن نفسها بأن اعتنقت الإسلام ظاهراً لا باطناً، ومع هذا فلم تلبث هذه الطائفة كثيراً حتى نبش القرآن المعجز قلوبها السوداء، وأظهرها على سطح بحر الكفر طافحة، وظلت في هوانها، حتى اندثرت سريعاً بين المد والجزر الإسلامي، فلم يكن لها مفعول وبقي الإسلام عالي الصوت قوي العواصف تجول راياته في الخافقين.
أما العامل لوجود النفاق في عصرنا هذا من دوافعه، أداء الإسلام بأساليب غير منهجية ضعيفة لا تحمل حقيقة حية ترغب وتلقى عبثاً ومسئولية على مُعْتَنقيه فكان من السهل جداً اعتناق هذا الإسلام مع بقاء إنسان العصر على ماديته وجاهليته فذلك النفاق الذي لا يرجى موته ولا تطول مدة الإسلام معه، لأنه هو الغلاب، إذ قدم صاحبه إليه ظناً منه أن هذا الدين لا يكلفه غير أن يسجل اسمه في سجله ليزيد ستمائة مليون مسلم وكفى، بلا تغيير في حياته، بينما لو علم حقيقة الإسلام لم يقدم إليه إلا راغباً وعاملاً.
إن كثيراً من المبلغين للإسلام قد يؤدونه بهذا المنطق المستسلم ولا يريدون إلا الخير واللطف لكنه ينبغي ألا تخفى عليهم حقيقة وهي أن الإكراه في الدين لا يجوز، وتلك الأساليب المرغبة والمسهلة في مسئوليات قد توفر عدداً كبيراً لتقبل الإسلام مذهباً شكلياً، فإن وجد هذا إكراه بعينه والإسلام نهى عنه لئلا يكون فيه من لا يقدر مسئوليته، ويعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو تنازل عن ميزة واحدة من ميزات الإسلام لما لقي من قومه عنفاً وشدة.
حول رسالة الجامعة
شباب الجامعات السعودية رواد حضارة وتقدم على طريق الإسلام [1]
بقلم الأستاذ محمد أبو طالب شاهين المدرس بالجامعة الإسلامية
الجامعات السعودية هي قمة المراحل التعليمية، وأعلى درجها، في أمة مسلمة رائدة وقدوة، ودولة قامت بشرع الله، وأقامت حدود الله على الأرض الطيبة التي شرفها الله ببيته الأول زاده الله تشريفاً وتعظيماً، ونبيه الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
والمملكة العربية السعودية هي أمل المسلمين كل المسلمين، ترمقها عيونهم، وتهفوا إليها نفوسهم، وتتجه إليها قلوبهم، فقد جعلها الله سبحانه مهوى الأفئدة ومقصد الحجيج، المسلمون كل المسلمين تقر عيونهم بأن يروا دائماً في أبناء المملكة وجامعاتها ومناهجها وكل اتجاهاتها القدوة، والرائد، والنموذج، والمثال، على طريق الإسلام والرقي العلمي معاً.
لقد أدت المملكة الأمانة على وجهها في سدانة الكعبة، وعظمت شعائر الله ومناسكه، وأمنت ويسرت سبيل الحرمين الشريفين.
ولما أفاء الله عليها من ينابيع الزيت عصب الحياة، ومادة السلم، ووقود الحرب صرفت عطاء الله داخل حدودها تعميراً وتعليماً وإصلاحاً ونهوضاً وتقدماً كما بذلته خارج حدودها عن رضا وإيمان عونا وانتصاراً لكل قضايا الإسلام والعروبة، حتى جاء اليوم التاريخي الذي وقف فيه عاهلها الفيصل العظيم ليقول للدنيا بعزة الله في إباء: لا!!!
فتهتز الدنيا وتقول له على تواضع واستحياء: نعم!!!
وقد سايرت المملكة ركب الحياة المتقدمة في نهضة عمرانية وتعليمية شاملة، وتوسعت في التعليم، وأنشأت الجامعات استجابة لتطور الحياة والتقدم العلمي والحضاري؛ وانطلاقاً من جو السمات الدينية التي تميزت بها المملكة كان طبيعياً أن تكون كلية الشريعة بمكة المكرمة هي الباكورة المبكرة للتعليم العالي والجامعي، ثم أنشئت كليتا الشريعة واللغة العربية بالرياض، ثم انشئت جامعة الرياض وجامعة الملك عبد العزيز وكرم الله دار الهجرة فأنشئت بها الجامعة الإسلامية لتستقبل أبناء العالم الإسلامي كله من جميع القارات في أفواج مثلت في العالم 85 جنسية.
إن الجامعة هي المرحلة العليا من التعليم تستقبل شبابها بعد أن يجتازوا مرحلة الثقافة العامة التي هي قدر مشترك بين الأمة، والتعليم الجامعي في عصر التخصص ذو نوعيات مختلفة من شعب العلوم النظرية والعملية، كالدراسات الدينية والأدبية والاقتصادية والطب والهندسة والعلوم وغيرها.
وشباب الجامعات هم أمل الأمة وعدة المستقبل ورجال الغد يرثون الماضي لينموه ويطوروه للحاضر، ويهدوه للمستقبل.
والتعليم الجامعي يعاصر من عمر الشباب طاقات جسيمة وعقلية قادرة على التحصيل والبحث واستيعاب المحاضرة ومتابعة الأستاذ في دراسات من أبرز خصائصها سعة الاطلاع والوقوف على المراجع والمصادر وتربية الملكات وتنميتها حتى ترقى إلى درجة الرأي والموازنة والترجيح والاختيار.
ومن هنا كان الأصل في الجامعة أن تخرج العالم لا أن تعد الموظف وأن تفتح أبواب المعرفة من مصادرها وأن تتيح لأبنائها فرص البحث الحر وتشبع رغباتهم وميولهم واستعدادهم قبل أي اعتبار آخر.
ولكن الواقع أصبح غير ذلك ـ على المستوى العالمي ـ فنحن في عصر الاقتصاد والتنمية، والحياة تعدو بأهلها في سباق مع الزمن صار صراعاً، والشباب يتعلم ليعيش، وكل دولة تنظر إلى جامعاتها بمنظار احتياجاتها، وفي ضوء متطلباتها.
ولهذا لم يكن غريباً أن تتضمن خطة المؤتمر الذي يعالج (رسالة الجامعة) طرح مسائل للبحث منها:
التفاعل بين الجامعة ومؤسسات الدولة ودور كل منها في دعم الآخر.
دور الجامعة في التنمية الاقتصادية.
دور الجامعة في التنمية الاجتماعية.
دور هيئات التخطيط والمواءمة بين الخطط وما يجري داخل الجامعة.
العلاقة بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية في الدولة وأثر كل منهما في الآخر.
الربط بين التخطيط الاقتصادي والدراسات الجامعية.
تنقية أساليب الحضارة وأنماط الحياة العصرية وتقديمها للمجتمع في صورة يساير بها التطور العالمي
…
ومن خلال هذه النظرة تبدو الجامعة وهي ليست (أكاديمية) لبحث علمي مجرد على مستوى رفيع متميز بقدر ما هي مصنع لطاقات بشرية تؤهل وتعد طبقاً لإحصائيات وعمليات حسابية لكي تفي بحاجات المؤسسات والخطة والتنمية وتسد الفراغ أو النقص في جوانب الحياة المختلفة للأمة ومرافقها ومتطلباتها.
أما الشباب فنظرته إلى الجامعة أنها مرحلة تهيئ مستقبلا سعيداً يفتح بابه الشاب بيمينه التي تحمل شهادته العليا.
والبحث، والعلم، والدرس، وسعة الاطلاع، والتخصص حسب الميول والاستعداد وما إلى ذلك كأني بها أصبحت في نظر الشباب لافتات قديمة على أبوب الجامعات حلت محلها لافتات أخرى صنعتها ظروف الحياة المعقدة وهذه اللافتات الجديدة هي ـ في الكثير والغالب ـ: المركز الأدبي ـ الوضع الاجتماعي أي الكليات أحسن مستقبلا؟ وأوفر ربحاً؟ وأسعد حظاً؟
وأي الكليات يعجل بالسيارة الفخمة والبيت السعيد؟
وماذا نريد من الجامعات؟
ماذا نريد من الجامعات أكثر من أن تطور حياتنا، وتقدم عمراننا واقتصادنا، وترقي معارفنا ومرافقنا، وتيسر وترفه عيشنا مشاركين في ذلك الأمم التي سبقتنا، ولاحقين بركب الحياة المتطورة المتقدمة؟
نعم إننا نريد ذلك، وما أحوجنا إلى ذلك ولكن على طريق الإسلام، مؤمنين كل الإيمان بأن الإسلام دين ودنيا وشريعة تامة ومنهج متكامل لا يعارض العلم ولكن يوجهه إلى الخير، ولا ينكر التقدم ولكن يضعه في إطار السلوك الفاضل، ونريد أن يذكر أساتذة الجامعات والكليات السعودية دائماً طلابهم بأن المملكة العربية السعودية أمة مسلمة رائدة وقدوة وأن المسلمين الذين تقر عيونهم بأن يروا في شبابها وجامعاتها واتجاهاتها النموذج والمثال يتفاءلون بأن السياسة العليا للمملكة تحتضن الإسلام ولا تدخر جهداً ولا بذلاً في تأييد دعوته ومناصرة كل قضاياه كما يتفاءلون بأن القائمين بأمر الجامعات والكليات في السعودية والمسئولين عن توجيهها صفوة مختارة من المؤمنين بربهم وبرسالة دينهم.
ومن أجل ذلك لا بد من العناية بالتربية الإسلامية في الجامعات السعودية كلها على اختلاف نوعياتها وتخصصاتها علماً وسلوكا ومنهجا وتطبيقاً.
والذين وضعوا (سياسة التعليم) في المملكة لم يفتهم هذا، بل إن الذي يقرأ (سياسة التعليم) في المملكة ليرى أن التربية الإسلامية في أوسع وأعمق معانيها هي الهدف وهي الغاية في كل مراحل التعليم.
ففي الباب الأول من (سياسة التعليم) الأسس العامة التي يقوم عليها التعليم تنص المادة 12 على ما يأتي:
(توجيه العلوم والمعارف بمختلف أنواعها، وموادها، منهجا وتأليفاً وتدريساً وجهة إسلامية في معالجة قضاياها، والحكم على نظرياتها، وطرق استثمارها، حتى تكون منبثقة من الإسلام متناسقة مع التفكير الإسلامي السديد) .
ولست أدعي لنفسي الحق في ترجمة هذه المادة إلى خطة أو صياغتها في منهج فغيري أقدر على ذلك وأولى به، ولكني ألمح في سطورها بعض تفسيرات أذكرها وأذكر بها على سبيل المثال:
أولاً: الربط بين العلم والدين في مجال الطب والعلوم وما يتصل بها:
هناك فرق بين التفسير المادي البحت والتفسير المؤمن الواعي لظواهر الكون وأسرار الخلق في جسم الإنسان، وتشريحه، وفي عجائب الأرض والنبات وبدائع الأفلاك والسموات، وفي العناصر وخواصها.
الطبيب المؤمن، والعالم المؤمن، والكيميائي المؤمن هؤلاء وغيرهم في كراسي الأستاذية يربطون بين الدين والعلم ربطاً يلفت إلى الله وقدرته وعجائب صنعته، وإلى أن بدائع الكون وما في المخلوقات من أسرار ـ هم أعلم بها من غيرهم ـ ما يمكن أن تكون مصادفة ولا طبيعية، بل لا بد أن تنتهي إلى القوة العليا إلى الله.
وتلك حقيقة توصل إليها علميا كثير من علماء العصر الذين لما يسعدوا بعد بالانتساب إلى الإسلام.
ولقد عالج أبو الأطباء في مصر المرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل موضوع (الإسلام والطب الحديث) في الثلاثينات ومن بعده اتجه بعض أساتذة الطب والعلوم ومعهم بعض المفكرين والكتاب من المسلمين إلى الربط بين العلم والدين.
والمكتبة العربية الآن بها مجموعة طيبة من الكتب التي عالجت هذا الموضوع وجميل جداً أن تزود مكتبات الكليات العملية بهذه الكتب، وأجمل من هذا أنه تبذل الحوافز التشجيعية لأبنائنا طلاب هذه الكليات مادياً وأدبيا ليقبلوا على هذه الكتب لدراستها واستيعابها.
وماذا يحدث إذا لم نربط بين العلم والدين بكل الوسائل المثمرة؟
والجواب هو أننا إذا لم نربط بين العلم والدين في الكليات غير المتخصصة في الدراسات الدينية، إذا حدث هذا واكتفينا بالتفسير المادي البحت لظواهر الكون والخلق حدثت نتائج سيئة منها:
أـ سنجد أن طالب الطب وطالب العلوم في الجامعات السعودية لا يختلفان عن طالب الطب وطالب العلوم في روسيا أو أمريكا أو أي بلد غير مسلم من حيث تناول موضوع التخصص ومن حيث الإطار العام لمادته وبحثها واتصالها بعقيدته وفكره الديني.
ب ـ سيباعد هذا الاتجاه بين الطالب السعودي في المرحلة الجامعية وبين ثقافته الإسلامية التي حصلها في المتوسط والثانوي.
ج ـ سيؤدي هذا إلى انفصام شخصية المجتمع السعودي، أو إلى ازدواج هذه الشخصية ووجود لونين متباعدين من الثقافة ونوعين غير منسجمين من الفكر والاتجاه أحدهما ديني والآخر بعيد عن ذلك قد يسمى:
جامعيا، أو مدنيا، أو علميا.
وهذا مع مرور الزمن سيكون خطراً على الوحدة الفكرية بين أبناء الوطن الواحد، وله عواقب غير طيبة.
ومن الأهمية بمكان أن أسجل في هذا الصدد أن الربط المنشود بين العلم والدين في نطاق مواد التخصص وعلى أيدي أساتذتها، هذا الربط لا يغني عنه أن نقرر في المنهج والخطة تدريس ثقافة إسلامية تخصص لها بعض المحاضرات، ويدفعني إلى هذا الحكم والجزم بهذه النتيجة تجربة علمية وقاسية مرت بها جامعات أخرى، انصرف فيها الطلاب إلى مواد التخصص لأهميتها وحساسيتها بالنسبة لمستقبلهم، وأهملوا ما سواها من المواد التي سموها إضافية.
إن هذا الذي أشرت إليه في موضوع الربط بين العلم والدين إذا دخل في تفسير المادة 12 من سياسة التعليم بوجه فإنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمضمون المادة 38 من هذه السياسة ونصها:
(بيان الانسجام التام بين العلم والدين في شريعة الإسلام فإن الإسلام دين ودنيا، والفكر الإسلامي يفي بمطالب الحياة البشرية في أرقة صورها في كل عصر) .
ثانياً: الاتجاه نحو فكر تربوي إسلامي ومنهج تربوي غير مستورد:
إن كليات التربية في المملكة جزء عظيم من الجامعات السعودية، وخطرها يتناسب مع رسالتها الجليلة، وهي إعداد المعلم الذي (يبني وينشئ أنفساً وعقولا) ولكليات التربية مع هذا أهميتها في مستقبل التعليم وأثرها في الخطة التي رسمت للتوسع فيه، ومن أجل ذلك فإن المملكة تولي كليات التربية عناية ملحوظة وتتوسع فيها وتبذل لها العون والحوافز وتشجع الإقبال عليها حتى تؤدي رسالتها على خير الوجوه.
ومن المادة 163 إلى المادة 172 من سياسة التعليم بالمملكة يبدو الإطار المشرق للصورة المضيئة التي ترجى من كليات التربية (ومعها معاهد إعداد المعلمين) :
وسأكتفي بذكر فقرات من نصوص تلك المواد:
(تكون مناهج إعداد المعلمين في مختلف الجهات التعليمية، وافية بالأهداف الأساسية التي تنشدها الأمة في تربية جيل مسلم يفهم الإسلام فهماً صحيحاً عقيدة وشريعة ويبذل جهده في النهوض بأمته) .
(يعنى بالتربية الإسلامية واللغة العربية في معاهد وكليات إعداد المعلمين حتى يتمكنوا من التدريس بروح إسلامية عالية، ولغة عربية صحيحة) .
توصي (سياسة التعليم) في باب (إعداد المعلم) بالتوسع في كليات ومعاهد إعداد المعلمين لتحقيق الاكتفاء الذاتي رأسيا من حيث العدد وأفقيا بالنسبة لجميع المواد وبأن يشجع طلابها بحوافز مادية واجتماعية لا يساويهم فيها غيرهم وبأن يوضع للمعلمين كادر خاص يشجعهم
…
ويحفزهم، ويضمن استمرارهم في مهنة التدريس وبأن يفسح المجال أمامهم لمتابعة الدراسة..
ولا شك أن المملكة بهذا قد سبقت أمماً كثيرة غيرها في تشجيع المعلم وتقديره وإعطائه حقه.
أما الفكر التربوي فينبغي أن يتطور، ولعله قد آن الأوان ليتجه التربويون العرب والمسلمون نحو فكر تربوي إسلامي مستقل تبرز فيه خصائص التربية الإسلامية ومصادرها في منهج أساسه القرآن والسنة وآراء المربين العرب والمسلمين، فإننا ما زلنا منذ أوائل هذا القرن نعيش في المشرق العربي على فكر تربوي مستور من الخارج.
وكثيراً ما كنت أسائل نفسي ورفاقي ونحن ندرس التربية وعلم النفس أنحن بحاجة مثلا إلى أن نستورد من الخارج تهدئة الانفعالات وتعلية الغرائز، وتقوية الإرادة، والله قد أنزل فينا الشفاء والهدى والرحمة: القرآن العظيم، وبعث فينا المثل الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق بقدوته وسننه وفعله وقوله؟ إن إخواننا وأبناءنا الذين بعثوا إلى الخارج مسلكيين قد عادوا بحمد الله مسلكيين سلوكيين لقد قال بعضهم بعد أن عاد من الخارج: يجب أن نعرف أبناءنا في كليات التربية من معلمي الغد ـ من غير تعصب أن كل مدارس التربية القديمة والحديثة في أوربا وأمريكا قد رسمت أمثلة متناقضة باعتراف أهلها، وهي مع هذا التناقض قد عجزت عن أن تحول المثال إلى واقع، وعلى العكس من ذلك تماماً فإن التربية الإسلامية بمنهجها المتكامل قد حققت ما يشبه المعجزات في تكوين الجيل المسلم الأول.
ثم إلى متى سنظل ننتزع أبناءنا انتزاعا من أحضان الفكر الإسلامي لتعلقهم في آفاق غربية لا يرون فيها إلا أشباح (روسو) و (بستالوتزي) و (ديوي) و (فرويد) وغيرهم.
ولعل الاتجاه إلى منهج إسلامي تربوي هو بعض ما تهدف إليه المادة 39 من سياسة التعليم وهي تنص على:
(تكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد ليصدوا عن تصور إسلامي موحد فيما يتعلق بالكون والإنسان والحياة وما يتفرع عنها من تفصيلات) .
وأخيراً الأستاذ أولا والمربي أولا.
الذين اهتموا مشكورين برسالة الجامعة، وعنوا بها حتى عقدوا لها مؤتمرا بذل فيه جهد ووقت ومال.
الذين صنعوا هذا الصنيع الجليل لا شك أن هدفهم نجاح الجامعات في أداء رسالتها.
والذين أدلوا بدلوهم في هذا الدلاء والذين يعنيهم الأمر من قريب أو من بعيد، كل هؤلاء قد يختلفون في الهدف من الجامعة أو يتفقون، وقد تتقارب أو تتباعد وجهات أنظارهم في خطة الجامعة أو منهجها أو في تنظيمها أو في الوسائل التي توصل إلى الغرض المرجو من الجامعة.
ولكن شيئاً واحداً سيتفقون عليه جميعاً لأنه حقيقة مؤكدة وواقعة ولا سبيل إلى خلاف فيها، حقيقة أثبتتها التجارب وأجمع عليها علماء التربية في القديم والحديث.
وهذه الحقيقة هي أن العنصر الأساسي والعامل الأهم في تحقيق الأهداف والرسالات الجامعية والعلمية والتربوية هو الأستاذ أولا
…
والمربي أولا.
وكاتب هذه السطور لا يعتلي منبراً ليلقي خطبة، وعظ وإرشاد في أساتذة أجلاء هو دونهم جميعاً، أستغفر الله فلست هنا ولا هناك ومن يدري؟ فلعل حديثي في هذا الموضوع مرجعه إلى شعوري بتقصيري وعيوب نفسي.
ولكن الذكرى تنفع المؤمنين.
إن المدري كما يقولون: مطبوع لا مصنوع.
والطلاب ينشدون في أساتذتهم القدوة والقوة، وإذا اهتز معنى القدوة أو القوة في شخصية الأستاذ، أو في سلوكه، أو في مادته، أو في معاملته، حدثت الهوة، وبعد القريب، وربما سد الطريق.
والأساتذة بشر من البشر، يختلفون ذكاء، وعلما، واستعداد.
ولكن رحمة الله الوهاب التي وسعت كل شيء تتجلى أسرارها في هذه المهنة العظيمة مهنة التربية والتدريس.
ومن أسرار هذه المهنة أن من أقبل عليها بقلبه، وعقله، ودينه، مستعيناً بالله، مؤمناً برسالته، راضياً عنها، سعيداً بها، مخلصاً فيها فتح الله له وفتح به، ومنحه ومنح به.
وما التوفيق إلا بالله.
ثم أما قبل وأما بعد:
فإن المملكة العربية السعودية هي واجهة الإسلام، يخفق عليها عاليا العلم الأخضر، تضيء فيه كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهي عنوان الإسلام المسطر المعطر بمقدساته، وهي أمل المسلمين كل المسلمين يسعدهم دائماً أن يروا في أبنائها وجامعاتها ومناهجها وكل اتجاهاتها الرائد والقدوة والنموذج والمثال على طريق الإسلام والرقي العلمي معاً كما يسعدهم دائما أن تظل السمات الدينية التي تميزت بها المملكة بكل أبعادها وأعماقها ووسائلها وغاياتها هي المظهر والمخبر، وهي الواجهة والعنوان، وهي الهدف والغاية.
والله من وراء القصد
وهو الهادي إلى سواء السبيل
والحمد لله رب العالمين
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
هذا البحث قدمته الجامعة الإسلامية إلى مؤتمر رسالة الجامعة الذي نظمته جامعة الرياض بين البحوث التي شاركت بها في المؤتمر..
رسالة لسماحة رئيس الجامعة
حضرة صاحب السماحة رئيس الجامعة الإسلامية الموقر
المدينة المنورة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
نظراً لتدهور الأوضاع في إريتريا ووصولها إلى طريق مسدود نتيجة للتعنت الذي تمارسه السلطة العسكرية الحاكمة في أديس أبابا وقيامها بأعمال بربرية وحشية ضد الإخوة المجاهدين المسلمين من أبناء إريتريا بما يتنافى مع مبادئ الأمم المتحدة وقرارات لجنة حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.. ونظراً لما يفرضه الواجب الإسلامي علينا من مناصرة لإخواننا في ميادين الجهاد لإيقاف النزف الدموي الإسلامي في هذا القطر الحبيب فإن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي تناشد كافة الشعوب الإسلامية بهيئاتها ومنظماتها وجمعياتها ومراكزها في جميع أنحاء العالم الرسمية منها والشعبية القيام بحركة توعية شاملة لإبراز هذه القضية على ضوء الحقائق والوقائع التي تحاول السلط العسكرية الحاكمة في أديس أبابا إقامة ستار مزيف من الدعايات الكاذبة حولها.
ولكي تتضح الحقائق أمام العالم فإن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي ترى من الواجب شرح هذه القضية ووضعها في ميزانها الصحيح وفيما يلي استعراض سريع لحقيقة الثورة الإريترية ودوافعها.
بدأت الثورة في إريتريا عام 1961م بثلاثة عشر رجلاً وتسع بنادق وكانت قضية الشعب الإريتري أن استخلاص أبسط الحقوق الإنسانية من دكتاتورية هيلاسيلاسي الشرسة لا يتم إلا بالقضاء على نظام الحكم الإمبراطوري المستبد الذي أكدت الأحداث فيما بعد أنه قام بابتزاز أموال الشعب لمصلحته الشخصية وهرب إلى بنوك سويسرا أموالاً طائلة وقام بتقسيم الشعب الأثيوبي إلى رعايا من الدرجة الأولى والثانية بينما كان يعامل الإريتريين باعتبارهم من الدرجة الثالثة ليست لهم أية حقوق وعليهم كل الواجبات.
ولم يكترث هيلاسيلاسي في البداية بقوة البنادق التسع حتى كان الانقلاب العسكري الذي أتى بالحكام العسكريين الجدد وأطاح (بأسد يهوذا الذي لا يقهر)
وكان لا بد لهؤلاء الحكام أن يوانموا بين مبادئهم المزعومة وبين حقيقة الأوضاع بالنسبة لإريتريا التي تناضل من أجل استخلاص حقوقها، وكان لا بد لهم من مواجهة المعادلة الصعبة على هذه الأرض.
إنهم لا يريدون في حقيقة الأمر أن يتخلوا عن إريتريا لأنهم يدركون أن استقلال إريتريا معناه حرمانهم من منافذ على البحر الأحمر تعتبر بمثابة امتداد للعالم العربي والذي خاض هيلاسيلاسي من أجله معركة جنوب السودان لتكريس انفصاله حتى يمنع النفوذ العربي من التعمق داخل أفريقيا، ولأن إريتريا هي المنفذ الأثيوبي إلى البحر الأحمر فقد دعم هيلاسيلاسي علاقاته مع إسرائيل حتى يمارسا سويا نوبات الحراسة عند مداخل هذا البحر وحتى ميناء إيلات.
وحكام أديس أبابا الحاليون يدركون أن حرمانهم من هذه الميزة الاستراتيجية يضعف الكثير من سيطرتها الاستعمارية بالإضافة إلى كونه سيشجع قيام حركات انفصالية أخرى في الأقاليم التي يعيش فيها النيجريون وفي إقليم الأمهرة وإقليم الجالا الأمر الذي سيمزق سيطرتها أربا أربا.
ولكي يداووا هذا الوضع راحوا يعلنون للعالم أنهم قد اختاروا طريق الاشتراكية باعتبارها واجهة يمكنهم عن طريقها الضرب على نغمة المساواة لامتصاص ما قد يظهر من حركات انفصالية غير أن هذا الأمر قد أوقعهم في ورطة سياسية إذا المعروف أن الاشتراكيين يزعمون أنهم يؤمنون بحق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى هذا الأساس لا بد لهم من أن يعترفوا بحق الشعب الإريتري في الاستقلال حتى لا يكونوا متناقضين مع أنفسهم.
ولقد أدرك ثوار إريتريا هذه الحقيقة منذ البداية وأدرك معها أن المؤامرة بدأت تتخذ الآن أبعاداً جديدة غاية في المكر والخداع وكان لا بد لهم من قطع السبيل على المخطط التأمري الذي يحبكه القادة العسكريين في أديس أبابا.. فأعلنوا في صراحة ووضوح أنهم يرفضون أية حلول وسطية تكرس الاستعمار الأثيوبي وأنهم لا يرضون بديلا عن الاستقلال.
ووقع المخططون في أديس أبابا في ورطة سياسية في الوقت الذي يشعرون فيه أنه لا بد من التحرك السريع لاحتواء إريتريا قبل أن يستفحل الأمر ويفلت الزمام من أيديهم.. وهكذا اختاروا طريق الدماء ولم يكن في بالهم أن يلقوا مثل هذه المقاومة الصلبة والصمود الرائع مما جعلهم يستخدمون كل وسائل الإبادة والدمار والوحشية في محاولة للسيطرة على الوضع.. ولما لم يتحقق هذا الهدف وبدأت القضية تستقطب الاهتمامات العالمية على الصعيدين الرسمي والشعبي لم يجدوا بدا من فرض حصار على أبناء القتال في إريتريا حتى يمكنهم عن طريق هذا الحصار ممارسة الوحشية بكل حرية وأمان.
هذه لمحة سريعة جداً لحقيقة الأوضاع السائدة في إريتريا وما زال النزف الدموي الإسلامي يجري هناك في كل يوم وكل ليلة بل وكل ساعة.. وما زال إخوانكم المسلمون يشردون من بيوتهم وديارهم تحت الحراب الأثيوبية.
ورابطة العالم الإسلامي تناشدكم أن تهبوا لنصرة إخوانكم في الدين والعقيدة بكل ما يتاح لكم من وسائل الدعم والتأييد.
والله الموفق وهو نعم المولى ونعم النصير.
الأمين العام
محمد صالح القزاز
حقيقة طه حسين
لفضيلة الشيخ عبد العزيز الربيعان
كتب سعادة الأستاذ عبد العزيز الربيع كلمة للنشرة التي يصدرها معهد النور بالمدينة المنورة، وجعل عنوانها (من النماذج الفريدة) وقد استهلها بقوله:
"كانت صورته غفر الله له أول صورة مثلت أمام مخيلتي وأنا أهيئ نفسي لكتابة هذه الكلمة القصيرة للمجلة التي يصدرها معهد النور بالمدينة المنورة، وكان اسمه أسبق الأسماء التي خطرت في ذهني منذ اللحظات الأولى..
أعتقد أنكم عرفتموه.. فقد انتقل إلى رحمة ربه ونحن نخوض حرب رمضان المبارك ويرى ببصيرته لا ببصره إنه الدكتور طه حسين رحمه الله.. لقد شخص بذهني وأنا أعد هذه الكلمة لأنه بالرغم من أخطائه الفكرية كان أحد النماذج الرائعة لعبقرية أمتنا فقد استطاع بطموحه وكفاحه وجهده المتواصل أن يحقق الهدف الذي يتطلع إليه والغاية التي عمل على تحقيقها"
ثم وصف طه حسين بأنه أنموذج من الألوف الذين تغلبوا بقوة إيمانهم وصدق عزيمتهم وحسن يقينهم بالله على الظروف والعقبات.. وأنه أحد الأفذاذ الذين صنعوا المعجزات لأمتنا وبلادنا..الخ.
ولما كان سعادة الكاتب في منصب من مناصب التوجيه والتأثير الفكري في بلادنا رأيت أن أبين حقيقة طه حسين ذلك النموذج الفريد حقاً ولكن في غير ما وصف سعادة الكاتب بل في الانحراف بالأمة عن السبيل السوي والصراط المستقيم والسير بها في متاهات الضلال.
فأولا أسأل سعادة الكاتب ما علاقة طه حسين بحرب رمضان أو غيرها من الحروب؟ هل كان زعيماً سياسياً أو قائداً عسكريا أو محرضاً في شعره أو نثره على محاربة الأعداء وتحرير الأراضي؟
والسؤال الثاني نقول فيه: كيف علمت أن طه حسين انتقل إلى رحمة الله ولم ينقل إلى ما يستحقه؟ أليس هذا أمر غيبي علمه عند الله وحده؟ وهذا لو كان من تعنيه مسلماً ومن خيار الصالحين فكيف وهو طه حسين؟
ثم أعود فأقول: ما كان طه حسين إلا عميلاً من عملاء الغرب ووكيلاً من وكلاء الاستعمار الفكري والغزو الثقافي الموجه ضد عقيدتنا وشريعتنا ولغتنا وأمتنا وتراث أسلافنا، ومعول هدم تخرج في إحدى جامعات فرنسا وتتلمذ على شرار المستشرقين الحاقدين علينا وعلى نبينا وديننا من اليهود والنصارى وعب من معين أفكارهم المنتن القذر ثم جاء يفخر بما تلقاه هناك من شبهات التضليل وأساليب المكر والتدجيل، يتبنى أفكارهم وينتحل مؤلفاتهم ويردد ترهاتهم ويدعو إلى منهجهم وسلوك سبيلهم، جاء ليجعل من نفسه ابنا باراً وتلميذاً وفياً لأساتذته وأصدقائه من المستشرقين الذين وقفوا حياتهم لتضليل أبناء المسلمين ومحاولة طمس معالم الحق أمام البشرية ليصدوا عن سبيل الله، فكم يكتف طه حسين هذا العميل الملقب بـ (عميد الأدب العربي) بإنكار رسالة محمد عليه السلام، وإنكار نزول القرآن من عند الله هدى للناس كما صرح بذلك في كتابه (في الشعر الجاهلي) وكذا في دروسه التي كان يلقيها على طلاب جامعة القاهرة وإذ كان مدرساً فيها للأدب فكان يقول لهم: قارنوا بين أسلوب محمد صلى الله عليه وسلم إذ كان في مكة وبين أسلوبه بعد أن هاجر إلى المدينة وتأثر بثقافة أهل الكتاب، ويمثل لهم بسور القرآن مكية ومدنية.. أقول لم يكتف (طه حسين) بذلك بل أنكر وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وكذب التوراة والإنجيل، فقد قال في كتابه (في الشعر الجاهلي) : للقرآن أن يحدثنا عن وجود إبراهيم وإسماعيل وللتوراة أن تحدثنا وللإنجيل أن يحدثنا، ولكن ليس علينا أن نصدق.. وتكذيبه للتوراة والإنجيل ليس مقصوداً لذاته وإنما هدفه تكذيب القرآن فقط، والتقرير بأنه عبارة عن أساطير ملفقة كثير منها كان العرب يعرفونه قبل قرآن محمد عليه السلام ومن هذه الأساطير التي كان العرب يتناقلونها - على حد زعمه الخاسر - كون الكعبة بيت الله وكون إبراهيم وإسماعيل قاما ببنائها بأمر الله - تبارك
وتعالى – فـ (طه حسين) يقرر أن هذه أسطورة خرافية وأن إبراهيم وولده لم يوجدا فضلا عن أن يكونا نبيين فضلا عن أن يقوما ببناء الكعبة بوحي وأمر من الله - هكذا - ولما كان يعلم أن التوراة والإنجيل ذكرا ذلك قبل القرآن اضطر إلى تكذيبهما حتى لا يحتج عليه بهما.
أقول: إن (طه حسين) لم يكتف بهذا كله بل أضاف إلى ذلك عداءه المكشوف للغة العربية التي هو عميد أدبها!! بتنصيب من أساتذته المستشرقين ووحي من سادته الغربيين - فقد نادى بأعلى صوته بوجوب استبعاد اللغة العربية ودفنها في مقابر التاريخ، أو نقلها إلى متاحف الآثار البائدة، وقد دعا أبناء العربية إلى التنكر لها واستبدالها باللغة اليونانية أو اللاتينية، وزعم أنها لغة بدوية لا تناسب عصر العلم والاختراع والصحيح أن ذنبها كونها لغة الإسلام الذي ظل هو إلى أن مات يحاربه ويثير حوله الشكوك والشبهات، ومن أراد الوقوف على صحة ما ذكرت عن (عميد الأدب العربي) - دعوى - وعميل الفكر الغربي حقيقة وواقعا - فليقرأ كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) وفي هذا الكتاب يقرر أن مصر ليست دولة عربية ولا إسلامية بل ولا حتى شرقية، ويطالبها بأن تنفض يدها من العرب والمسلمين وكل ما يمت إليهم بصلة وأن تيمم وجهها نحو الغرب تستقي آدابه وتقلده في أفكاره وسلوكه وأخلاقه وثقافاته، وأن تأخذ من أوربا كل ما فيها وما لديها من غير تفريق بين الخير والشر وبين النافع والضار والحسن والقبيح، ويعلل لذلك بأننا محتاجون إلى ما عند الغرب من علم ومدنية وما سبقونا إليه من صناعة واختراع وأنه لا يمكننا أن نستفيد مما عندهم من نافع إلا إذا أخذنا معه الضار، ولا يمكننا تقليدهم في ميدان العلم والاكتشاف إلا إذا قلدناهم في كل شيء من الأخلاق وفي السلوك والتفكير والتصور وغير ذلك ولما ظن أن قبول هذه الاقتراح صعب وأن رواج هذه الفكرة بعيد خلط معها فكرة أخرى وهي الدعوة إلى الفرعونية القديمة والرجوع إليها
والاعتزاز بتاريخها وقال: إننا معشر المصريين أصحاب حضارة وماض مجيد قبل مجيء العرب إلى بلادنا وبعد مجيئهم وإن عروبتهم وإسلامهم لم يؤثرا علينا بشيء فما زلنا كما كنا متمسكين بفرعونيتنا معتزين بأمجادنا وتاريخنا منذ سبعة آلاف سنة وإذا أردت أيها القارئ الكريم أن تقف على ما ذكرته لك عن (عميد الأدب العربي) وتتحقق من صحته بل وتعرف عنه أكثر مما ذكرت لك بأضعاف مضاعفة فاقرأ كتابيه (مستقبل الثقافة في مصر) و (الشعر الجاهلي) وإن لم يتيسر لك الوقوف على هذين الكتابين فيكفيك أن تقرأ الكتب التالية: (المعركة بين القديم والجديد تحت راية القرآن) للرافعي، والاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين، والفكر الإسلامي المعاصر (دراسة وتقويم) لغازي التوبة، (والفكر الإسلامي المعاصر وصلته بالاستعمار) للدكتور محمد البهي، وكتاب (حصوننا مهددة من داخلها) للدكتور محمد حسين أيضاً.
فإذا كان هذا بعضاً من حقيقة (طه حسين) وأنموذجاً من عمالته لأعدائنا ودورانه في فلكهم ونسجه على منوالهم، وتلك صور من مخازيه ومواقفه ضد ديننا ولغتنا وأمجاد أمتنا وتراث أسلافنا الكرام، الذين نعتز بذكرهم ونفخر بالانتساب إليهم وذكر مآثرهم، فهل يسوغ لأدبائنا ومثقفينا ومن يعدون من رجال الفكر في أمتنا يرفعوه فوق النجوم، وأن يصفوه بالبطولة والعبقرية والنبوغ، وأن يشهدوا له بقوة الإيمان والثقة بالله وما إلى ذلك من عبارات الإطراء وأساليب الغلو التي ينبغي أن يترفع العاقل عن إطلاقها بجانب الرجال المخلصين والزعماء المصلحين فكيف العملاء والأذناب!.
إن الأستاذ الربيع أطلق على ممدوحه (طه حسين) نعوتاً قل أن تصدق في شخص مهما كان، بل قد يستحيل تحققها إلا في الخيال أو في نبي من أنبياء الله ومن سلك سبيلهم من أئمة الهدى فكيف بزنديق مارق ودجال منافق، وملحد زائغ وعميل مبالغ، فقد كان الواجب أن يغنى منه موقف المسلم الغيور والمجاهد المخلص لربه الناصح لأمته، موقف الرجل الشجاع الذي لا يجامل الناس على حساب عقيدته أو على حساب أمته وأفكار شبابها الذين ينتظرون منه توجيها سليما، وإنارة للطريق أمامهم، وكشفا لشبهات المشبهين وزيف المزيفين وتعرية للمغرضين المنافقين المندسين في الصفوف والجالسين على كراسي التربية والتوجيه لينفذوا مخططات الأعداء وليضلوا عن سبيل الحق ويصرفوا الناشئة عن طريق الهدى، فهذا هو الواجب وهذا هو المعقول وهو المنتظر ولكن الواقع مع شديد الأسف - جاء على العكس فإننا لا نعلم أحداً من أدبائنا ومفكرينا وقف من مثل (طه حسين) الموقف الذي يتناسب مع موقفه هو من ديننا ولغتنا وتاريخنا سوى (مصطفى صادق الرافعي) رحمه الله وإن كان بعضهم قام ببعض الواجب مثل الدكتور (محمد محمد حسين) في كتابيه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، وحصوننا مهددة من داخلها) فإنه بذل جهداً لا بأس به لكشف حقيقة هذه الدمية المسماة (طه حسين) والملقبة ب- (عميد الأدب العربي) بل إنه استطاع بما قام به من هذا الكشف أن يثبت لمن قرأ كتابيه أن الخداع وأساليب المكر لا تنطلي على كل الناس، بل إن فيهم من يسبر الأمور ويعرف المقاصد ويستجلي الحقائق.
أما الأستاذ غازي التوبة فقد قام أيضاً ببعض الواجب وركز على ما يسمى بإسلاميات (طه حسين) والتي يزعم عشاقه ومريدوه أنها برهان على توبته من زندقته التي ذكرنا شيئاً من مظاهرها وأنه تحول إلى كاتب إسلامي يعنى بالسيرة النبوية وغيرها من موضوعات التاريخ الإسلامي، يقولون هذا إما غافلين أو متغافلين عن حقيقة هذه الإسلاميات، فقام الأستاذ غازي بدراسة لها وكشف لما تنطوي عليه من خبث وتمويه ولف ودوران مقنع.
أما الأستاذ محمد البهي فقد تعرض في كتابه (الفكر الإسلامي المعاصر وصلته بالاستعمار) تعرض فيه لـ (طه حسين) وكشف كثيراً من مخازيه من خلال كتبه وبين هدفه وهدف أساتذته المستشرقين من وراء إنكارهم للشعر العربي الجاهلي وقرر أن كتاب (في الشعر الجاهلي) كان في الأصل لأحد مشاهير المستشرقين وهو هاملتون جب في كتابه المذهب المحمدي وأن أساتذة (طه حسين) رغبوا إليه أن يترجمه للعربية ويتبناه ففعل وحقق رغبتهم فلما قامت الضجة في مصر حول هذا الكتاب وعانى بسببه ما عانى - رغم مساندة أذناب الغرب وعملائه له - اضطر أن يغير أن يغير فيه بعض التغيير أو أن يستر منه ما كان مكشوفاً، وأن يموه ما كان صريحاً، ويسميه (في الأدب الجاهلي) بدل (في الشعر الجاهلي) وأعتقد أن الذي يحمل أكثر المنسوبين إلى الأدب والزعامة الفكرية على أن يعتبروا (طه حسين) إماماً وبطلاً ومجاهداً ومثالاً رائعاً للعبقرية العربية النادرة وأن القدر جاء به على هذه الأمة أحوج ما كانت إلى العباقرة المصلحين كما صرح بهذا (حمد الجاسر) وكما صرح بمثله أو قريب منه (عبد العزيز الربيع) أقول: إنني أعتقد أن لذلك أسباباً منها إعجابهم بالمكانة التي احتلها (طه) في عالم الأدب على أيدي مستخدميه - بكسر الدال - من الغربيين الذين خلعوا عليه أثواباً فضفاضة من التعظيم والتبجيل ورأوه أهلا للزعامة الفكرية فنصبوه عميداً للأدب العربي، ورشحوه لجائزة (نوبل) للآداب عدة مرات ثم
أعطوه إياها ساعة هلاكه [1] .
ومنها أنهم يعتقدون أن الاعتراف بمكانة (طه حسين) الأدبية - المزعومة ووصفه بالبطولة والعبقرية دليل على المقدرة الأدبية والتنور الفكري والذوق الثقافي الرفيع.
يقول الشيخ (محمد متولي شعراوي) في محاضرة ألقاها في الكويت في رمضان عام 94 نشرتها مجلة (المجتمع) في عددها 226 - وقد ذكر أثناء هذه المحاضرة كيف أن الناس يخدعون وتضلل أفكارهم وتسحر عيونهم وآذانهم ثم قال: ولأضرب مثلاً بقطاع مصر فإنا نجد العشرينات وفي الثلاثينات طائفة من القوم الذين شهد لهم الناس بالتفوق والنبوغ، وأصبحت لهم مدارس تسيطر على صياغة عقول الشباب وأفكار الناشئين، ولهم معجبوهم ومريدوهم، ثم مثل بـ (طه حسين) (ومنصور فهمي) (وإسماعيل مظهر) (وقاسم أمين) ثم استطرد إلى أن قال: هؤلاء القوم فتنوا بزعامتهم وغروا بالثناء عليهم، وخدعهم المعجبون بهم، ثم جاءت الصحافة التي يسيطر عليها الاستعمار فنفخت في تلك الدُّمى نفخاً جعل منهم قادة وجعل منهم صواغ فكر وصناع نفوس إهـ أما الشيخ علي الطنطاوي فقد حضر محاضرة لطه حسين ألقاها في جامعة دمشق، إذ دعته هذه الجامعة ليلقي مثل هذه المحاضرة وليخرج طلابها من ظلمات الجهل إلى نور العلم -!!
وبعد انتهاء سعادة الدكتور من محاضرته تقدم مدير الجامعة ليعلق عليها وليجزل المديح بل يقدمه جزافاً لفخامة عميد الأدب العربي!! وكيف لا يفعل وقد تواضع فخامته فقبل الدعوة وتحمل متاعب السفر ليروي غلة هؤلاء الطلاب العطاش إلى العلم والمعرفة من ينابيع علومه التي لا تنضب وإن كانت قيحاً وصديداً وبعد انتهاء مدير الجامعة الدمشقية من تقديم عبارات الإطراء التي لا يدفع لها ثمناً ولا يخشى سؤالاً عن مدى صحتها قام الشيخ الطنطاوي معقباً على التعليق فقال:
"الواقع أن ما قاله طه حسين في هذه المحاضرة يعرف طلاب الصف الخامس والصف السادس الابتدائيين وأن 95 في المائة من الحاضرين يعلمون ذلك ولكنهم لا يصدقون عقولهم، بل إن بعضهم ليضع يده على فيه حذراً أن تبدر منه بادرة تكشف للحاضرين عن رأيه في محاضرة عميد الأدب العربي ثم قال: هذا بالنسبة للمحاضرة أما بالنسبة للمحاضر (طه حسين) فإنه حين وضع عمامة الأزهر عن رأسه وولى وجهه شطر فرنسا خلع معها دينه وعقله، وبقي إلى اليوم بلا عقل ولا دين".إهـ من مجلة البلاغ الكويتية وأظن عشاق أفكار طه حسين ومريديه لا ينكرون مكانة الشيخ الطنطاوي الأدبية إلا أنه مسلم لا ينفخ الغرب في صورته ولا يحيطه بهالات التمجيد والتقديس كما يصنع بعملائه وأذنابه ومأجوريه، لذلك لا نسمع ذكراً لكبار الأدباء الإسلاميين عندما يتحدث متحدث عن الأدباء العرب المعاصرين في إذاعة أو كتاب أو صحيفة ولا ذنب لهم ولا عيب فيهم سوى أنهم يؤمنون بالإسلام قولاً وعملا ويصرحون بأنه وحده سبيل النجاة وطريق السعادة، وربما حاولوا تنبيه المسلمين إلى ما يحيط بهم من أخطار وما يدبر ضدهم من مكائد
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
والآن نتوجه بهذه الأسئلة إلى سعادة الأستاذ عبد العزيز الربيع لعله يتكرم مشكوراً بالجواب عليها فتقول:
ذكرت سعادتك أن (طه حسين) يمثل أنموذجاً رائعاً لعبقرية أمتنا وأنه استطاع بطموحه وكفاحه وجهده المتواصل أن يحقق الهدف الذي يتطلع إليه والغاية التي عمل على تحقيقها ووصفته بأنه قوي الإيمان قوي الثقة بالله، كما أشرت إلى أن له أخطاء فكرية إلا أن تعبيرك يوحي بأن هذه الأخطاء لا تستحق الذكر بجانب صوابه ونتاجه الفكري الرفيع وتراثه الفائق.
فنقول في سؤالنا: ما حقيقة هذه العبقرية التي نسبتها لأمتنا وجعلت ممدوحك أنموذجاً رائعاً لها؟ أهي الكفر والزندقة؟ وإلى أي شيء كان طموحه؟ إلى غير تضليل شباب المسلمين؟ وفي أي سبيل كان كفاحه؟ أفي غير سبيل الاستعمار الفكري والغزو الثقافي لبلادنا وشباب أمتنا؟ وما هو الهدف الذي قلت إنه حققه؟ أهو تنفيذ أغراض المستشرقين وتحقيق أهداف أعدائنا من الغربيين؟ أم هو محاولاته تضليل المسلمين عن سبيل الله؟ وبذله قصارى جهده لإقناع العرب بالتخلي عن لغة الإسلام واستبدالها باليونانية أو اللاتينية أو اللهجات العامية؟ وما هي الغاية التي قلت إنه عمل على تحقيقها؟ هل تعني محاولته إقناع المصريين بأنهم أبناء الفراعنة فليسوا بعرب ولا مسلمين وأن بلادهم فرعونية أوربية؟ هل تستطيع أن تثبت لطه حسين هدفا أو غاية أو كفاحاً أو عبقرية في غير هذه الأمور؟
وسؤالنا الأخير هو: هل يجوز تسمية الإلحاد والزندقة وتكذيب الله وجحد رسله وإنكار كتبه أخطاء فكرية؟ إن كان هذا يجوز في نظر سعادتكم فهل تظن أن أحداً من ذوي الفكر الرشيد يوافقك؟ وفرع لهذا السؤال نقول: هل تذكرت وأنت تسطر هذه الكلمات وتدبج تلك العبارات في مدح وإطراء (طه حسين) أنك موقوف أمام الله ومسئول عن كل ما قلت؟ وإذا كانت كلمتك لمجلة معهد النور - وطلابه كما قلت - يربطهم (بطه حسين) رابطة فقدان البصر أما كان الأجدر بك والأليق ببلدك ومنصبك أن تمثل برجل مسلم فاضل صالح الباطن والظاهر ممن وصفهم الله تعالى بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} .
وأمامك سماحة مفتي البلاد السعودية الشيخ محمد إبراهيم رحمه الله فهناك العلم والتقوى والحلم والورع والذكاء ورزانة العقل وسداد الرأي وقوة الشخصية، مع فقدان البصر وقوة البصيرة، ثم عندك شخصية ممتازة أخرى وأنموذج من نوادر الرجال وأفذاذهم لا يزال حياً - نبتهل إلى المولى جل شأنه أن يطيل في حياته على خير لأن المسلمين في أمس الحاجة إلى مثله - أعني به رجلاً ليس مسكنه ومقر عمله منك ببعيد مع فقدان البصر وتوافر نور البصيرة أيضاً.
فلماذا اخترت واحداً عاش عمراً طويلاً ولا هدف له ولا غاية سوى تدمير أمتنا وإفساد عقول شبابها وتعبيدهم لأفكار الغرب وإغرائهم بتعشق مبادئه الضالة فلقد عمل (طه) جاهدا ومستخدما كل الوسائل التي تمكن من استخدامها على زعزعة عقائد أبناء المسلمين وتشكيكهم في إسلامهم وتزهيدهم بماضي وأمجاد وتراث أسلافهم وما علمنا لطه حسين - مستندين إلى أثاره ومؤلفاته إلا الزندقة والكفر الصريح والتفاني في خدمة أعداء الله ورسوله ودينه وتكذيب رسل الله وإنكار كتبه وكان طه حسين كلما سئل عن آرائه المنحرفة وهل رجع عنها يقول في كبرياء: (أنا لا أرجع عن قول قلته وإنما الناس هم الذين لم يفهموا عني) إ هـ.
وأخيراً نوجه نصيحتنا إلى جميع إخواننا المسلمين ونخص بها الأدباء من كتاب وشعراء ومن بينهم الأستاذ الربيع بأن يصرفوا جهودهم ويولوا عنايتهم وينفقوا قدراتهم في سبيل نصرة الحق وخدمة العقيدة وأن يقفوا بالمرصاد بحزم وشجاعة ضد كل مجترئ على الإسلام ومحاول النيل من جناب المصطفى عليه السلام أو زرع الشكوك وإلقاء الشبهات أمام أبناء المسلمين، وأن يزنوا الناس بميزان الله ويقفوا منهم حسب مواقفهم من الإسلام حتى يعلم جند الشيطان أن للإسلام حماة وأبناءً بررة يذودون عن حياضه ويصارعون أعداءه ويزيفون ترهاتهم ويكشفون أباطيلهم، كما نحثهم على أن يميزوا بين العدو والصديق وبين الحقائق الثابتة والدعاوى الكاذبة، وبين المقاصد النبيلة والأغراض المشبوهة الرذيلة وأن لا تخدعهم الألقاب ولا يستعبدهم حب الظهور فيحملهم على أن يرضوا الناس بسخط الله
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل
إلا نعيم الآخر {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً} وليعلموا أن من شر الأقوال عند الله وأشدها خطراً على الإنسان مدح الفجرة والثناء على المنافقين المحادين لله، ومن العجائب التي لا يجد المرء لها تفسيراً مهما تنازل عن رأيه الخاص أن مريدي (طه حسين) وعشاق أفكاره إذا أخذ أحدهم يصفه خيل إليك أنه يعني بطلاً مشهوراً ومصلحاً كبيراً معترفاً بفضله وعظمته ممن نفع الله به الأمة وكتب على يديهم نصرا للحق وإنصافاً للمظلومين أو طردا للغزاة المستعمرين أو هزيمة لجيوش المعتدين يخيل إليك أنه يعني مثل الإمام محمد بن سعود أو ابنه عبد العزيز أو فيصل بن تركي أو عبد العزيز بن عبد الرحمن أو كأنه يعني واحداً من أئمة الهدى ورجال الملة ودعاة التوحيد أمثال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، وإذا هو يعني زنديقاً اسمه (طه حسين) ولقبه عميد الأدب العربي لقباً للبطولة حصل عليه من الاستعمار واليهودية العالمية - وما أكثر الألقاب التي يصدرها الغرب من أجل مصلحته فتنطلي علينا فنصفق لأصحابها ما بين غافل ومتغافل وما بين جاهل مخدوع ومتجاهل متخادع.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
وقد ذكر الأستاذ مالك بن نبي في (إنتاج المستشرقين) أن كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي) جاء على غرار بحث للمستشرق اليهودي مارجليوت ص 9.
الغضب وماتلاه
بقلم الأستاذ: محمد إسماعيل بطرش
كان فلاسفة اليونان يميزون في النفس قوى ثلاث أو يجدونها ثلاثة أنفس هي النفس العاقلة والنفس الشهوانية والنفس الغضبية، والغضب هيجان يفيض وراء أسوار العقل فيكون كالسيل الهادر أو كالحمم المتدفقة يأكل بعضها بعضاً فتحيل المدن آثاراً والحقول اليانعة هباءً منثورا، وكان العرب يرون في الغضب انتصاراً للحق ونصرة للضعيف وثأراً للكرامة ويقول الشاعر:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
ويتردد في جوانب التاريخ أصداء انتصار المعتصم للمرأة التي صرخت وا معتصماه عندما سباها الروم وتم فتح عمورية بما يصوره لنا أبو تمام:
لقد تركت أمير المؤمنين بها
للنار يوماً ذليل الصخر والخشب
حتى يقول:
لقد تركت بني الإسلام في صعد
والمشركين ودار الشرك في صبب
وقد ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين مسرحية في إنكلترا تهافت عليها الشباب تهافت الذباب على جيفة منتنة وعنوان المسرحية (انظر إلى الخلف بغضب) Look Back in Anger.
تلك المسرحية التي يدرسها مختصو الآداب الأجنبية على أنها أنموذج من الإنتاج الأدبي للجيل الحديث؛ ذلك الجيل الذي يطلقون عليه منذ ذلك التاريخ اسم (الجيل الغاضب) Angry Generation.
ولا يعنينا في هذا المجال التعرض لتلك المسرحية التي تمثل ذلك النمط من الشباب الشقي الخاسر لدينه ودنياه والذي يربطه فيما بينه نزوع التكالب: فتجد كل فرد منهم يمسك بأنثاه إمساك اثنتين من بنات عرس كل واحدة منهما تشد بأسنانها على عنق الأخرى حتى تستنزفها آخر قطرة من دمائها كما يقول أحد النقاد الأدبيين في تلك المسرحية.
أقول: ليس الغرض عرض تلك المسرحية وإنما الهدف دراسة ما تلى تلك النزعة من تطورات في الغرب، وما انعكست به من ظلال على بعض من شبابنا الذين يستهويهم سراب الضلال، ولو استنزف منهم ميعة الصبا وعنفوان الرجولة ويعرف الجيل الغاضب في الغرب أنه ذلك الجيل الذي اشترك آباؤهم في الحرب العالمية الأولى وفتحوا هم أعينهم على جحيم الحرب العالمية الثانية، هم ذلك الجيل الذي خلفته الحروب التي لم يكن من غاية لها سوى الفتك والتسلط وامتصاص الدماء، فكفر بحكمة الأولين من آبائه وأجداده، الذين لم يخلفوا له سوى الضياع، وكان ذلك الجيل (اللامنتمي) الذي نراه اليوم يعيش على قارعة الطريق كالسوائم وهو يتمرغ على مزابل (الحضارة) المادية التي هيأتها له حكمة الغرب ونتاجه الحضاري المادي، والذي ينظر إليه أحد النقاد الغربيين إليوت T.S.eliot نظرته إلى أرض بباب عقيم (Waste Land) لا ينتظر منه أي خير أو إنتاج. تلك هي (الموضة) التي يحاول تبنيها البعض من شبابنا ويا للأسف، وهي وإن لم تشكل بعد ـ والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه غيره ـ سوى قشرة واهية على السطح والتي ـ كما أرجو ـ لا يمكن أن تبلغ أعماق الإنسان المسلم ـ إلا أنها ولا بد تشوه مظهره وتسيء إلى سمعته.
غير أن هناك بعض (المبشرين) والمروجين لهذه الغلالة الرخيصة الزائفة ممن يحاولون تشويه حقيقة الجيل العربي الحديث، بإبعاده عن المنابع التي تجلت فيها أصالته وتركزت فيها عزته ألا وهي الشخصية الإسلامية.
وأحب في هذا المجال أن أتناول بالبحث شخصيتي شاعر ومتفلسف.
أما الشاعر فهو نزار القباني في محاضرة ألقاها في الكويت في حفل للخريجين بعنوان (نزار قبل وبعد النكسة) . وأما المتفلسف فهو الشيوعي الوقح (جلال صادق العظم) في كتابه (نقد الفكر الديني) .
ويجتمع الاثنان في تهافتهما على مصادر الغرب الفكرية والثقافية، حتى اصطبغت بها شخصيتهما وأصبحا غريبين عن جيلنا وشعبنا وأصولنا بل ومفاهيمنا ويفترقان في أن نزاراً شاعر تستهويه رؤى الغرب لأنه بدأ ماجنا ولم يهده الله بعد، فهو وراء التجديد حتى ولو خالف الطبيعة أو الفطرة وأما جلال فهو عبد ذليل من رقيق التصنيع الشيوعي الذي يسلب الإنسان إنسانيته ويحيله جهازاً آلياً كالدمية التي تسيرها المدخرة.. في تلك لمحاضرة يعرض نزار شعره، ويظن أن ما مر به من تحول يجب أن يكون مماثلاً لما يمر به كل شخص في بلادنا، ثم ينظر إلى الغرب فيستلهم من حالته لبوساً يحاول شد أستاره علينا، ولكننا نرفض ونرفض أن نقبل رفضه، لأنه رفضه رافضي وغصبه أجنبي، والحالة التي يعبر عنها ليست منا ولا هي فينا.
يقول نزار إن أجيالنا كانت تعيش في دوامة فراغ طاحونة ما طحنت قط سوى الهواء، وأن شعبنا كان مجمداً مسمراً في المساجد ليس له من أمره سوى ترديد الدعاء على اليهود، وأن هذا ما حدا به إلى (قتل) الإمام، وأن حكوماتنا ما كانت ترى في قضية فلسطين أكثر من دجاجة تبيض ذهباً، أو هي قميص عثمان يزايدون عليه. وخلاصة ما يصل إليه إعلان نفسه رافضاً شأن الغاضبين من الغرب، وهو يتنكر حتى لجلده وعظمه ولحمه ودمه!.
هذا نزار بعد النكسة.
أما جلال صادق العظم فهو بالأصل غريب عن عالم الدين، فتراه يهرف بما لا يعرف ويستعير من مفاهيم الغرب عن ديانات الغرب حللاً يدعي لها اسم الإسلام، فتراه يأخذ من جحيم (Inferno) وانتي وخرافات القرون الوسطى في أوربا، وصور الفردوس المفقود والفردوس المكتسب (Paradise lost&Paradise Regained) لملتون Milton، ودكتور فارستوس Dr.Faustus لكريستفر مارلو Marlowe ويحيل كل ذلك لوحة خلفية يدعي أنها الإسلام الذي هو منه براء، ثم ينتهي جلال صادق العظم إلى متاهة الزمان والمكان في الفصل الأخير من كتابه، ليؤدي طقوس الشرك والوثنية وعبدة الطاغوت، في دوامته التي لم تطحن سوى المارقين أمثاله ولن تستقطب سوى عبدة الشيطان.
كان اليونانيون في القديم يعبدون وثنا يسمونه هيدس Hades ـ عندهم ـ أي (إله) الجحيم، مملكته تحت الأرض يسودها الظلام، وقد اتخذ مسيحيو القرون الوسطى وطلبة (عصر النهضة) نفس الفكرة عن الجحيم، فكان وانتي يعتقد أن هنالك سرداباً مظلماً تحت بيت المقدس يصل إلى مركز الأرض، يمر به الموتى فيما يسمونه (المطهّر) Purgatory وكان ملتون الضرير يفكر في هبوط آدم وحواء من الجنة لارتكابهما (الخطيئة الأصلية) وفقدهما فردوسهما، وأن الله تأسى عليهما فنزل إلى الأرض جسداً هو المسيح، كي يعاني آلام الموت على الصليب، محرراً بذلك بني البشر من زور (الخطيئة الأصلية) التي ارتكبها آدم وحواء في الاقتراب من الشجرة المحرمة.
أما الدكتور فارستوس للشاعر الإنكليزي مارلو فهو إنسان يبيع نفسه لإبليس لقاء أن يكون له كل ما يريد ويشتهي خلال فترة زمانية محددة، ويستهوي صورة الفردوس المفقود وصورة إبليس متمرداً على أمر ربه فيراه جلال صادق العظم أول الثائرين المتمردين من (الجيل الغاضب) لأنه لم يقبل حكم الله، أو بالأحرى لأنه كان له طمعه وجشعه غروره ما جعله ملعوناً في الدنيا والآخرة، من هذه الصور يتخذ جلال لبوساً للدين الإسلامي، ويدعي أن هذا هو الدين الإسلامي الذي يرى فيه سبباً لنكسه حزيران، ومن ثم يجد أن طريق إبليس هو طريق الخلاص والتحرير.
وينتهي جلال صادق العظم إلى بيت القصيد ليقيم من المادة إلهاً يملأ الزمان والمكان، والناس فيه دمىً تسير بلا هدف ولا غاية ولا حرية، وما كان أجدره أن يثور على ذلك العالم القميء الذي لم يترك له من إنسانيته شيئاً.
ويظهر لنا مما سبق أن كلاً من نزار وجلال كانا غريبين في فكرهما وتصورهما عن حقيقة ما يتعرضان له ويجترئان عليه ألا وهو الإسلام، والإسلام من ذلك كله براء، فهما كانا يكتبان لإنسان الغرب الذي تتبرأ منه المسيحية نفسها.
وأما الصورة الحقيقية لواقعنا ما يلي:
إن الله اصطفى رجلاً من البشر اسمه محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه، فحمَّله عبء الرسالة وثقل الأمانة، فوقف صلى الله عليه وسلم يدعو للإسلام الذي جعل الله به للإنسان قيمة وللحياة معنى وغاية وللتاريخ كياناً، نظام رباني تناول الحياة وما بعدها، والكون وما حواه، والمسلمون موحدون يصدقون الحديث ويؤدون الأمانة، ويصلون الرحم ن ويحسنون الجوار، ويكفون عن المحارم والدماء، يعبدون الله لا يشركون به شيئاً ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان وذلك دين القيمة.
يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، فاللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وألهمنا طريق الرشاد.
لو تتبعنا الشخصية الإسلامية الحقة لوجدنا فيها حقيقة ما خلق الإنسان له، وأين منها أجيال الضياع! ولو تسائلنا كيف وصلت الأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه في انتصارها وسؤددها لوجدنا الجواب صريحاً بيناً، لقد كان المسلمون مخلصين فيما قصدوا إليه لا ترهبهم في الحق لومة لائم، نصروا الله فنصرهم وثبت أقدامهم، أما اليوم قمن أين يأتي الضياع؟ ..
الجواب بسيط وواضح أيضاً.. إن بعض المسلمين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وأن طريق الهدى الحقيقي والقوة الحقيقية هي العودة إلى تفهم الإسلام والعمل به، فأهل الغرب ما نالوا منا إلا بمحاولاتهم الدس علينا في ديننا، وماذا ينفعنا لو ربحنا العالم كله وخسرنا أنفسنا، أما ما نستطلعه اليوم في المنعطفات المهملة من جادة الحياة في بلادنا فليست سوى جيف لا تستهوي غير الذباب.
إلى جنة الرضوان
شعر: سيد أحمد حسن الطوابي
المدرس بدار الحديث المكية
رثاء لفقيد العروبة والإسلام (صاحب الجلالة الملك فيصل آل سعود)
إلى جنة الرضوان يا فيصل الندى
إلى جنة الرضوان يا فيصل الهدى
إلى جنة المأوى إلى الله راضيا
فقد عشت مرضي الخلال مسددا
فقد كنت ـ حقا ـ للشريعة حاميا
وكنت ملاذا. في المكارم. مفردا
وكنت محبا للكنانة مخلصا
وكنت مثالا للوفاء مجسدا
وكنت لكل المؤمنين مؤازرا
وكنت لنا في أزهر الله منجدا
وكنت تقود السلم بالرأي صائبا
وكنت تقود الحرب شهما ممجدا
فحققت نصراً للعروبة حاسماً
وقوضت ظلما بالبغاة معضدا
أبا العرب. لو تفدى النفوس محبة
لطابت نفوس أن تكون لك الفدى
فقدنا بفقد الفيصل البر والحجا
ففقدنا بفقد الفيصل الحلم والجدا
فقدنا بفقد الفيصل الود صافيا
فقدنا بفقد الفيصل العزم موقدا
فهذي هي الدنيا عليك حزينة
وعالمنا قد بات بعدك مسهدا
فلا جفن إلا قد تقرح حسرة
ولا طرف إلا صار بعدك أرمدا
بكاء. وتسليم. وحزن على النوى
وصبر على ما قدر الله إذ غدا
حبيب إلى الأقوام بر بشعبه
فكم كنت تشقى في الحياة ليسعدا
جواد لعون المستحقين نهضة
على بذل ما فيه الصلاح تعودا
تواسي إذا حلت بقومي نكبة
لتخمد من ضرائها وتبددا
إذا أمسكوا فاضت يداك سجية
وإن بذلوا مالا فأكرمهم يد
رزين. وأحلام الرجال خفيفة
جريء إذا المقدام خاف من الردى
أمين على التوحيد تحمي ذماره
وتغضب للتوحيد إن مسه العدى
خلال بها سست الأنام مبجلا
وعشت بها في الناس سيدا
سيبكي عليك العرب أعليت ذكرهم
بنيت لهم مجدا عريقا وسؤددا
فمن يرأب الصدع الذي قد أهمنا
ومن يمحق البغي الذي بلغ المدى
سيبكي عليك القدس فيصل في جوى
وكان يرى فيك النصير المؤيدا
وأهلوه أما من أقام فإنه
يقيم على ضيم. يسام مقيدا
وإما طريد فارق الأهل مرغما
فراح يعاني في الحياة مشردا
ولكنه شعب أبي مناضل
يخوض غمار الموت، لن يترددا
وكنت له يا فيصل العرب ناصرا
وكنت له يا فيصل الحق معضدا
سيبكي عليك المسلمون جميعهم
فقد كنت للإسلام سيفا مهندا
فكم ذدت عنه إذ تقاعس أهله
تصون ذماراً كان قبل مهددا
حميت حمى الإسلام في كل بقعة
لتبعث عزا تالدا وتجددا
تنادي بدستور السماء شريعة
لتدمغ زورا قد فشا وتعددا
فلا هدى إلا من تراث رسولنا
وقرآننا قد ظل للمجد موردا
توحد حول الدين كل شعوبنا
لتجمع شملا كان قبل مبددا
ورابطة الإسلام شيدت صرحها
بمهبط وحي كي تصون وتنجندا
لتسترجع العز التليد لأمة
وتصنع باسم الله شعباً موحدا
وتعلي لواء للعقيدة خالد
وترفع مجدا كان كالطود أيدا
فمن غيره نادى الشعوب لوحدة
ومن غيره راد الطريق وأرشدا
وكم مسجد في كل قطر بنيته
لتنشر بين الناس وحياً من الهدى
رفعت لواء العلم في دار هجرة
فصار مناراً للإله مشيدا
لينشر هدى الله في كل بقعة
ويعلي دين الله في كل منتدى
جزاك إله الكون خير جزائه
وطيب مثوى فيصل وتغمدا
أيطوي لواء كان للحق ناصراً
ويخبو شهاب كان للدين فرقد
فصبراً إله الكون قد جل رزؤنا
فكيف لهذا القلب أن يتجلدا
فقد كان نبراساً مضيئا ومشرقا
وكان لهدى الله في الكون مرشدا
فمن للألى باعوا الحنيفة بالهوى
ومن للذي خان العهود وأفسدا
ومن يقهر الإلحاد شاع مدمرا
فقد كنت للإلحاد بالحق موئدا
ومن يرغم الأذناب عاثوا بأرضهم
وصار كتاب الله فيهم مهددا
نذرت تصلي بالمقدس قربة
وقد صار بعد المجد هونا مهودا
فأوف بهذا النذر (خالد) أنه
يئن وترديه القيود مصفدا
(أخالد) حقق وعد فيصل للورى
لتقهر أعداءا وتكبت حسدا
بخالد مخزوم قهرنا جحافلا
وأقبلت الدنيا إلينا لتسعدا
وآل سعود كالليوث شهامة
إذا راح منهم سيد رمت سيدا
رعاك إله الكون تحفظ شرعه
وسدد (فهدا) للمكارم والهدى
فمن ينصر الرحمن يحظى بنصره
فيرى عدوا قد تجنى وعربدا
من إيجابية الإيمان
بقلم الأستاذ: محمد بن إبراهيم بخات
مما يدل على صدق الاعتقاد والإيمان – أقصد الاعتقاد في وحدانية الله والإيمان بدينه – البرهان الحق على هذا الثنائي المُنجي المحيي من لدن هذا الإنسان، فهو ينجي لأن ملتزمه استثناه الله من الخسر.
وهو يحيي في هذه الدنيا وفي تلك الآخرة بحسن العمل من المستجيب له أي لهذا الثنائي عملياً وواقعياً في دنياه، وإحياؤه في أخراه يكون مصيرياً وجزائياً بالفوز بنعيم الجنة والزيادة.
وهذا الإحياء مضمون وملازم لكل من عاش بنتيجة هذا الثنائي وهي تتجسم دوماً وأبداً في إيجابية إيمان المؤمن، متمثلة في استقامة دائمة منه، وهذه الاستقامة التي هي حياة له ووقاية له ما هي في الحقيقة إلا إيجابية ناتجة عن هذا الإيمان.
إيمان كما يريد القرآن وكما بين رسول الإسلام، لا يكون ولا يتحقق إلا على ضوئهما وبوحي منهما وباعتراف وتوجيه منهما، وإلا فحيثما كانت المخالفة لهما والإنحراف عنهما فلا إيمان ولا إسلام، وإنما هما جاهلية جامعة لكفران وانحراف الجاهلين في القديم والحديث.
وإيجابية الإيمان واستقامة المؤمن تحققتا ماضياً وتتحققان حاضرا ومستقبلا لمن رغب فيهما واستجاب لهما من مؤمني عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة وعهد التابعين ومن تبعهم بإحسان من الذين قال فيهم تعالى مقدراً وشاهداً، ومن ينطبق عليهم قوله سبحانه راعياً لهم وهاديا ممن كان منهم حسن الإيمان وصدق الإخلاص.
فكان أن ألتزموا هذا الدين واستقاموا به، فمن هم؟ وماذا قال فيهم أحسن القائلين؟
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌْ}
{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم
…
}
{إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}
ولأهمية الاستقامة للأحياء من بني آدم لأنها حياة طيبة لهم، ولقيمة الاستقامة بالنسبة للمؤمن في كل زمان ومكان نزلت تلك الآيات موجهة إنسان الإسلام، ومقيمة الحجة على إنسان الجاهلية، وهاديه لكل خير، وواقيه من أي ضلالة في كل الأزمنة والأمكنة.
إنها حياة نظيفة وقيمة صحيحة من قيم هذا الدين، وبرهان صادق على صدق الإنتماء إليه، وإيجابية دالة على صدق الإهتداء به، لذلك كانت وصية رسول الله للصحابي سفيان بن عبد الله الثقفي في كلمتين من جوامع كلمه الرائدة القائدة التي تهدي وتقي: تهدي لمحاسن الإسلام وفضائل هذا الدين، وتقي من ضلالات ومفاسد ورذائل أي جاهلية كيفما كانت قديمة أو جديدة.
إنها وقاية الإيمان بالله وهداية التزام دينه، إنها فقط الاستقامة إليه سبحانه بتوحيده والعيش بدينه القيم:{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} .
إن الوصية الجامعة هي قوله صلى الله عليه وسلم: ".....قل: آمنت بالله ثم استقم"وبما أن الاستقامة ينتج عنها على الدوام فضائل ومحاسن الأعمال، فمن هذه الفضائل والمحاسن حسن وتحسين الأخلاق.
وقد بين وأكد رسول الله بأن حسن الخلق من نتائج الاستقامة، فمن لم يكن حسن الأخلاق فليس بمستقيم، وذلك ما دعا إليه صلى الله عليه وسلم أي التزام هذه النتيجة وهي تحسين الخلق فوجه معاذ بن جبل إليها وهو يوصيه:"استقم ولتحسن خلقك".
وبما أن اللسان كجارحة يعتبر المفتاح الخارجي الذي يعبر عن الاستقامة أو انحراف المفتاح الداخلي وهو القلب من حيث صحة الاعتقاد أو فساده، وحسن القول أو قبحه، وصالح العمل أو طالحه بالنسبة لباقي الجوارح فقد أفهمنا الرسول وأقام الحجة في الرواية الثانية [1] لهذه الوصية بهذه الزيادة وهو يجيب سفيان بن عبد الله الثقفي بعد تخوفه:"يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا".
وانطلاقاً من هذا المفهوم وتأكيداً لهذه الحقيقة أي استقامة وانحراف جارحة اللسان ينبه ويوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة استقامتها ويخوف من انحرافها وذلك في الحديث المرفوع عن أبي سعيد الخدري [2] : "إذا أصبح ابن آدم: قالت الأعضاء للسان اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا".
وفي الختام أرى لزاما علي أن أجمل ما تدعوا إليه هذه الوصية:
"قل: آمنت بالله ثم استقم" وما تفهمه وما تبرهن عليه، ليس على لساني ولكن على لسان الشيخ الجرداني رحمه الله، يقول:
"هذا الحديث موقعه عظيم، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه جمع لهذا السائل في هاتين الجملتين جميع معاني الإسلام لأنه توحيد وطاعة، فالتوحيد حاصل بالجملة الأولى، والطاعة بجميع أنواعها ضمن الجملة الثانية فيصح أن يقال فيه إنه كل الإسلام".
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
للترمذي - عن شرح الجرداني على الأربعين النووية، ص:153-.
[2]
شرح الجرداني على الأربعين النووية ص: 154.
من أعلام المحدثين
أبو عبد الله الذهبي (673 - 748 هـ)
بقلم: الأستاذ عبد المحسن بن حمد العباد
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
نسبه:
هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي شمس الدين الذهبي.
نشأته:
ولد الإمام الذهبي في اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة (673) هـ- بدمشق وسمع بعد التسعين وستمائة وأكثر عن ابن غدير وابن عساكر ويوسف الغسولي وغيرهم ثم رحل إلى القاهرة وأخذ عن الأبرقوهي والدمياطي وابن الصواف والقرافي وغيرهم وشيوخه في السماع والإجازة في معجمه الكبير أزيد من ألف ومائتي نفس.
ثناء العلماء عليه:
الإمام الذهبي يعتبر مؤرخ الإسلام وقد لقب بذلك كما أنه أحد أعلام الحفاظ الذين برزوا في علم الحديث رواية ودراية فلا عجب أن يكون محل ثناء الخاص والعام ولا غرو أن تنطلق الألسنة بذكره بالجميل وقد أتى بالجميل الجليل.. وقد قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية:
"الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين وقال: وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه".. وقال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات: الشيخ الإمام العلامة الحافظ حافظ لا يجارى ولافظ لا يبارى أتقن الحديث ورجاه ونظر علله وأحواله وعرف تراجم الناس وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس.
جمع الكثير ونفع الجم الغفير وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف، وقال أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ:"الشيخ الإمام العلامة شيخ المحدثين وقدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده".
وقال: "وخرج لجماعة من شيوخه وجرح وعدل وفرع وصحح وعلل واستدرك وأفاد وانتقى واختصر كثيراً من تأليف المتقدمين والمتأخرين وكتب علماً كثيراً وصنف الكتب المفيدة ". وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية:
"شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ محدث العصر"، وقال الشوكاني في البدر الطالع:"الحافظ الكبير المؤرخ صاحب التصانيف السائرة في الأقطار".
وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: "ومهر في الحديث وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفً وجمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على من تقدم بتحرير أخبار المحدثين خصوصاً".
وقال البدر النابلسي: "كان علامة زمانه بالرجال وأحوالهم حديد الفهم ثاقب الذهن وشهرته تغني عن الإطناب فيه".
وقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ: "الإمام الحافظ محدث العصر خاتمة الحفاظ ومؤرخ الإسلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة" وقال: "والذي أقوله: إن المحدثين عيال الآن على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر.."
قال أبو المحاسن الحسيني: "وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين".
آثاره:
وقد خلف الحافظ الذهبي للأمة الإسلامية ثروة هائلة من المصنفات القيمة النفيسة التي هي المرجع في بابها وعظمت الفائدة بهذه المؤلفات ونالت حظاً كبيراً من الثناء وكان لها القبول التام لدى الخاص والعام.
قال الشوكاني في وصفها: وجميع مصنفاته مقبولة مرغوب فيها رحل الناس لأجلها وأخذوها عنه وتداولوها وقرأوها وكتبوها في حياته.. وطارت وقرأوها في جميع بقاع الأرض وله فيها تعبيرات رائعة وألفاظ رشيقة غالباً لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره ولا من قبله ولا قبلهم ولا أحد بعدهم.. وبالجملة فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه ولا حرره كتحريره، قال الحافظ ابن حجر: ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة ونسخاً وسماعاً.
وقال أبو المحاسن الحسيني: وصنف الكتب المفيدة فمن أطولها تاريخ الإسلام ومن أحسنها ميزان الاعتدال في نقد الرجال.. وقال: مصنفاته ومختصراته وتخريجاته تقارب المائة وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان انتهى.
ومن أشهر مؤلفاته المطبوعة:
كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) وكتاب (المشتبه في الأسماء والأنساب) وكتاب (العبر في خبر من غبر) وكتاب (تذكرة الحفاظ) وكتاب (طبقات القراء) .
وفاته:
توفي الحافظ الذهبي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.. وصلّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق ودفن بباب الصغير أرخ وفاته بهذا ابن كثير في البداية والنهاية وابن السبكي في طبقات الشافعية.
من ترجم له:
1 ترجم له ابن حجر في الدرر الكامنة
3 -
336
2
وابن كثير في البداية والنهاية
14 -
225
3
وابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات
2 -
370
4
وابن العماد في شذرات الذهب
6 -
153
5
وابن السبكي في طبقات الشافعية
5 -
216
6
وابن تغرى بردى في النجوم الزاهرة
10 -
182
7
وصديق خان في التاج المكلل
411
8
والسيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ
347
وفي طبقات الحفاظ
517
9
والحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ
34
10
وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين
8 -
289
من روائع الكتب
اختيار العلاقات العامة
مواجهة إحدى العادات السيئة، التي تنوقلت على مدى الزمن، من جيل إلى جيل.. وغرست جذورها عميقة في الجهاز العصبي، بل وفي كيان أولئك الذين مردو عليها وأدمنوها.. نريد أن نتحدث عن ذلكم الخيال، وتلكم الآفة الإنسانية التي هي الخمر ـ والآيات ـ التي نجد فيها إرشارات إلى حالة السكر، وإلى الأشربة المتخمرة المسكرة ـ بلغت أربعاً، كانت رابعتها وأخيرتها هي التي نصت على تحريم الصريح لهذه الشريعة.
أما الثلاثة الأولى فلم تكن سوى مراحل تدريجية لتهيئة الاستعداد النفسي لدى المؤمنين حتى يتقبلوا هذا التحريم.
وقد تمت الخطوة الأولى في هذه الطريق في كلمة نزلت بمكة، كلمة واحدة مسَّت المسألة مسَّاً رقيقاً، فمن بين الخيرات التي استودعها الله سبحانه في الطبيعة يذكر القرآن:{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ} ويضيف إليها {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} فهو لم يقصد إلا إلى الموازنة بين (السكر) والثمرات الأخرى التي يصفها بأنها (حسنة) دون أن يصف هذا السكر نفسه، وبذلك صار لدى المؤمنين دافع إلى الإحساس ببعض التحرج والوسوسة تجاه هذا النوع من الشراب:
ولكن هاهم أولا، بعد قليل من وصولهم إلى المدينة يفاجأون مرة أخرى بنص ثان، من شأنه أن يقوي تحرجهم ووسوستهم، وهو يعقد مقارنة موجزة بين منافع الخمر والميسر، ومضارهما ويختم القرآن تلك المقارنة بهذه العبارة {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}
فإذا كان حقاً ألا شيء في هذه الدنيا بخير مطلق، أو شر محض، وأن ما يسمى خيراً وشراً ليس في جملته إلا ما يحتوي على نسبة أكبر من هذا أو ذاك، فإن النتيجة التي نخلص إليها لا بد أن تكون الأمانة لحقيقة بيد أن الذي حدث هو أن التحريم لم يكن واضحاً بدرجة كافية لجميع العقول، ولذلك ظل عدد من المسلمين يشربون، ولعلهم كانوا هم الغالبية، على حين بدأ آخرون منذ ذلك الوقت الامتناع عن الشرب، ومن ثم كان لازماً بعض الأوامر الأكثر صراحة، كيما تصل جميع العقول إلى الاقتناع الكامل ومع ذلك إن هذا كله لم يكن بلا تأثير على جانب اللاشعور في المجتمع حتى إن بعض ذوي العقول الراجحة كانوا يتوقعون نزول حكم نهائي يؤيد وجهة نظرهم، وقد حدث مثلا أن نزل حكم ولكنه لم يكن الحكم النهائي، وإنما سوف نجده يمثل مرحلة متوسطة في المرحلة الثالثة لم يقل القرآن:(لا تشربوا) بل قال: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} وهنا نلاحظ التقدم الذي منها حققته هذه الخطوة، إذا ما ذكرنا أن الصلاة تعتبر الفريضة الأولى في الإسلام لا لأنها الفريضة الدينية الأولى التي يجب أداؤها في أوقاتها، ولكن لأنها كذلك المناط الخارجي، والعلاقة المميزة للمؤمن - هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، يجب أن تقام خمس مرات في اليوم والليلة أربع مرات ما بين الظهر إلى الليل، وينتج عن ذلك أن الذي يشرب أثناء هذه الفترات يكاد يخلّ بالفريضة، بل بأكثر الفرائض قداسة:
وهكذا كان هذا التحريم الجزئي غير المباشر منهجاً علمياً لتوسيع فترات انقطاع التأثير العوني، وفي نفس الوقت تقليل رواج الأشربة، وتجريدها من سوقها بالتدريج، دون إحداث أزمة اقتصادية بالتحريم الشامل والمفاجئ، وحين تم هذا، وتخلصت التجارة من تأثيرها لم تبق سوى خطوة واحدة: وهي الخطوة التي أنجزتها الآية الرابعة، والأمر الأخير {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} هذا المسلك اليسير المتدرج يدعونا إلى أن نتذكر الطريقة التي يستخدمها الأطباء المهرة العلاج مرض مزمن، بل أن نتذكر، بصفة عامة، المنهج الذي تلجأ إليه الأمهات لفطام أولادهن الرضع، ذلك أن هذه الوسائل التي خلت من العنف والمفاجأة تدعو الجهاز الهضمي إلى أن يغير نظامه شيئاً فشيئاً ابتداء من أخف الأطعمة حتى أعسرها، ماراً بجميع الدرجات الوسيطة ألا ما أعظم رحمة الله التي ترفقت بالعباد على نحو لم يبلغه فن العلاج ولا حنان الأمهات!!
من كتاب (دستور الأخلاق في القرآن)
للدكتور محمد عبد الله دراز
من الصحف والمجلات
مظالم الاستعمار الغربي
"إن الاستعمار الغربي على الرغم مما صبّه على المسلمين من البطش والتنكيل، وما أنزله من ضروب الفتن وما دمر من حكوماتهم واحتل من أراضيهم إلا أن كل هذه الجرائم الاستعمارية لا تساوي ظلماً ارتكبه الاستعمار الغربي حين فرض على العالم الإسلامي أنظمته التربوية الغريبة عن معتقداتنا وعاداتنا فأنشأ بذلك أجيالاً من شبابنا تنكرت لشخصيتها الإسلامية، وأبغضت دينها، واحتقرت تاريخها ورسم في أذهانها وأفئدتها أنه إذا كانت حضارة فهي التي تدون في الغرب وإذا كانت هناك حضارة فهي التي أنشأها الغرب، وإذا كانت هناك أخلاق فهي التي يتحلى بها الغرب"
أبو الأعلى المودودي
عن مجلة دعوة الحق عدد 8 السنة 16
العظيم الذي فقدناه
ألقى الدكتور اشتياق حسين قريشي أحد العاملين البارزين في النشاطات الاجتماعية والدينية للمسلمين (كلمة الترحبة) بصفته رئيس لجنة الترحيب والاستقبال استنكر فيها العاطفية والحماسة المفرطة التي أصبحت شعار المسلمين وخاصة الشرق، وحث على التخطيط والتدبر والتفكير والعمل في ضوئه، وضرب مثلين للقيادة، قيادة العاطفية والغطرسة التفكرية التي مثلها جمال عبد الناصر فغشيت العالم الإسلامي موجة من الجنون حيث لم يبق مجال للفكر والجد وخاصة في الشباب الذي كان أكبر فريسة لسياسته فكان بمثابة أسد زئير من الغرطاس، وكانت نتيجة هذه السياسة الهزيمة النكراء التي منيت بها الأمة العربية والسخرية التي تعرضت لها الأمة الإسلامية فباد مع البائدين، والمثال الثاني مثال جلالة الملك فيصل الذي تجنب كل نوع من الدعاية الصحفية واحتمل كل مكروه، وتهمة التعامل مع الغرب لكنه وجه لطمة قاضية إلى الكيان الغربي، وحول مجرى التاريخ، وقال عندما وجهت إليه تهمة التعامل:(إني أشتري من الغرب حديداً ولا أشتري منها الأفكار) فعد الفيصل أعظم قائد عام 1974.
عن صحيفة الرائد
عهد مسلمي الهند
إنا عاهدنا أن نعيش في هذه البلاد بكل خصائصنا الملية وحضارتنا الإسلامية وشعارنا الدينية وبأخلاقنا الاجتماعية وشخصيتنا المسلمة لا نتخلى عن شعيرة من شعائرنا، ولا نتنازل عن جزء من أجزائها يحرم علينا أن نعيش مجردين عن هذه الخصائص وعن هذه الحضارة وعن هذه الشخصية.
ولا لذة في الحياة ولا خير فيها بعد ذلك فإذا لم يكن لنا أن ننقل عقيدتنا وتراثنا الحضاري إلى أجيالنا وأولادنا. وأن نعلمهم كما تفرضه علينا مبادئنا وعقائدنا الإسلامية. وإذا لم يكن لنا كذلك أن نقر عيناً بإسلاميتهم ونشأتهم الدينية، فليست هذه الحياة حياة الأشراف الأحرار فضلاً عن أن تكون حياة المسلمين الأبرار. إنما هي حياة البهائم والسائمة. حياة الثيران والحمير والكلاب.. إن الكلب يكفيه أن ينال راتبه من أكل وشرب وأن يكون مصوناً عن الأعداء وأن يكون حراً في الإنتاج وأن ينال شبعه وريه على يد سيده.
عن صحيفة الرائد
شاهد من أهلهم
التاريخ يسجل بأن بدأ العلاقات بين العرب واليهود حدث أيام النبي صلى الله عليه وسلم عندما حارب اليهود مدينة خيبر إلا أن التاريخ يسجل أيضاً أن الإسلام كان أكثر تسامحاً مع اليهود من المسيحية التي اضطهدت اليهود وحاربتهم في قسوة بعد زوال الإمبراطورية الرومانية.. بل إن يهود أسبانيا استفادوا كثيراً من احتلال العرب
…
وفي عام 1912 زرت الإمبراطورية العثمانية ورأيت الطوائف اليهودية تعيش في سلام ووئام تحت حكم الإسلام.. ومن هنا فإن سجل معاملة العرب لليهود سجل رائع - خلافاً لسجل المسيحيين في الغرب الذين عاملوا اليهود بقسوة لقرون عدة.
عن صحيفة الرائد
العبرة من سقوط فيتنام الجنوبية وكمبودية
إن سقوط (سايجون) عاصمة فيتنام الجنوبية درس للمظلومين، كما هو درس للعملاء.. درس للمظلومين ينفخ فيهم روح الأمل والكفاح، ويزودهم بيقين راسخ أن الظلم وإن تسلح بقاذفات القنابل، وتدرع بأحدث مبتكرات التكنولوجيا فهو زائل لا محالة، وأن إرادة الحرية أقوى من التصميم على الظلم والطغيان، وأن الكفاح مهما طال طريقه وكثرت ضحاياه لا بد أن يبلغ أهدافه.
إن الفلسطينيين وغيرهم يمكن أن يفيدوا من هذا الدرس إلى أقصى حد ممكن، وهذه الإفادة تقتضي قبل كل شيء نفض اليد من المساومات المنومة لإرادة الكفاح.. والتخلي تماماً عن فكرة استرداد فلسطين عبر حوار في الصالونات وعبر صور تنشر في الصحف، أو تصريحات تطلق بإسراف.
وسقوط (سايجون) درس للعملاء الذين يتعلقون بأمريكا ويتوكلون عليها!
إن الرأي الذي يقول: إن الأمريكان قد انسحبوا من فيتنام نتيجة للوفاق الدولي أو التزاماً به.. هذا الرأي لا قيمة له في ذاته.. ولا قيمة له باعتبار مصدره، فالعملاء هم الذين يروجون هذا الرأي تفادياً من تفسير الانسحاب بأنه هزيمة قهرية، ولكنهم ورطوا أنفسهم في مأزق جديد.. فإذا كانت أمريكا تخلصت من حلفائها في كمبوديا وفيتنام بناء على اتفاقات بينها وبين روسيا، فمعنى ذلك أنها مستعدة لبيع حلفائها في السوق الدولي بأي ثمن وفي أية لحظة.
إن المفارقات لا تكاد تنتهي، فأمتنا ليست محرومة من الحياة في ظل إسلامها وقرآنها فحسب ولكنها محرومة من حقها البشري الطبيعي.. محرومة من الكفاح وملاقاة عدوها، إن هذه الأمة لم تجد من الفرص ما وجده الفيتناميون والكمبوديون.. وهذا الحرمان المتعمد ليس تدميراً للمعنى العقائدي الذي يوجب على المسلمين الجهاد باستمرار.. وإنما هو كذلك تدمير لمعنى الآدمية المجردة وهو معنى مشترك بين بني آدم جميعاً:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} .
وي!! إن الحق الآدمي الذي تمتع به أهل فيتنام حرمت منه هذه الأمة، ومن غير خجل مازال بعضهم يجر الأمة إلى الاستسلام للعدو والاعتراف بوجوده الباطل.
إلغاء البغاء والرقص
ومن القرارات التي لفتت النظر أن أول أعمال الحكم الفيتنامي الجنوبي الذي أسقط حكم (ثيو) قرار بإلغاء البغاء والرقص وكل الأعمال المنافية للأخلاق والدوافع السياسية واضحة في هذا القرار فبيوت البغاء وصالات الرقص والاستهتار إنما هي أثر من آثار الوجود الأمريكي هناك، صحيح أن الخطيئة موجودة في كل أرض، لكن قيام فساد منظم تلبية لنزوات جنود أمريكا.. يأخذ إلى جانب الاعتبار الأخلاقي بعداً سياسياً.
إن (بانكوك) عاصمة تايلاند اشتهرت بأنها (عاصمة الخطيئة) والذي جعلها هكذا هو الوجود الأمريكي العسكري في تايلاند، وفي تركيا فعلوا نفس الشيء، وفي اليابان أيضاً، وسيفعلون ذلك في كل بلد عربي إسلامي يفتح لهم أبوابه، وتنظيم شبكات البغاء، وتأسيس صالات الرقص والخمور وبروز عصابات منظمة تدير تجارة البغاء وارقص.. هذا كله مرتبط بالاحتكارات الأمريكية، وبالمؤسسات الربوية، وبالطمع في الربح من أي طريق وبأي وسيلة، فالأموال الأمريكية تنساح إلى فيتنام الجنوبية لا لإقامة المصانع الإنتاجية، ولكن لتوظف في تجارة البغاء.. وتجارة الرقص والابتذال.. تهدم أخلاق الناس من جانب.. وتمتص ما في جيوبهم من جانب آخر.
والذين يأخذون الأموال الأمريكية بفوائد خيالية لاستثمارها يتجهون إلى توظيفها في الدعوة.. حتى يغطوا الفوائد الأمريكية الباهضة، وحتى يكون لهم من الربح الشيء الوفير بواسطة الزنى..
إن دروس (سايجون) تحرج المسلم مرتي: تجرحه لأن القيادة البوذية الشيوعية تكافح وتحرر أرضها، بينما القيادات المحسوبة على الإسلام.. لا تزال تهرول وراء خرافة الحل السلمي والتعايش مع الاستعمار الصهيوني في فلسطين المحتلة.
وتحرجه لأن غير المسلمين قرروا في حزم منع البغاء والرقص والفساد، بينما نجد هذا الفساد منتشراً بصورة مفجعة في بلاد تسمى عربية ـ إسلامية!! وبينما نجد وزارات مهمتها تقديم (تسهيلات الفساد) بكل أنواعه، وتسمى نفسها وزارات سياحة نجدها خاصة في مواسم الصيف تخرج برامج تلفزيونية وسينمائية تبثها في تلفزيونات الكويت ودول الخليج وغير ذلك.. وتعرض في هذه البرامج أجساد النساء في شكل بالغ الابتذال كطعم.. يجتذب السياح ويغريهم بالسفر حيث يجدون على الطبيعة ما رأوه في التلفزيون!
إن مشاهدة هذا الواقع الفاسد، والسكوت عليه مشاركة فيه بطريقة أو أخرى، والعبرة في ذلك كله أن تتشدد الحكومة هنا وأن تتشدد الحكومات الأخرى في العالم العربي ـ الإسلامي في مكافحة الفساد والمفسدين، حتى لا تأتي الطامة فتلف الجميع وتطويهم في دوامتها:{فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} .
عن مجلة (المجتمع) الكويتية
ندوة الطلبة
الاشتراكيون في بورما يعملون على محو الإسلام
بقلم الطالب: محمد صديق برماوي
يبلغ عدد المسلمين في بورما حوالي ثلاثة ملايين، ويبلغ عدد سكان تلك البلاد ثلاثين مليونا، ولكن الحكومة الاشتراكية البوذية في بورما تتبع معهم سياسة القمع والاضطهاد واستعمال الحديد والنار وهتك أعراض المسلمات العفيفات فإن الحكومة البورمية جعلت حياة المسلمين هناك في غاية التعاسة والشقاء، وفي كل يوم تصدر الحكومة تعليمات جديدة تحول دون تمكن المسلمين من القيام بالتزاماتهم الدينية.
كما أن هذه التعليمات قادت إلى إيقاف المصادر المالية للجوامع والمدارس الإسلامية الخاصة التي خدمت المسلمين سنوات طويلة، ونتيجة للتضييق على الجوامع والمدارس الإسلامية وكذلك على المعلمين المسلمين والعلماء فقد سلب النشء الإسلامي الجديد حق الحصول على الثقافة الإسلامية، ونتيجة لسياسة التمييز فإن المسلمين كذلك دمروا اقتصاديا وأن ممتلكاتهم جميعاً قد استولت عليها الدولة، وأن الهدف الرئيسي للدولة الاشتراكية في بورما على ما يظهر هو قطع كل وسائل الحياة على المسلمين لإرغامهم في النهاية على هجرة بلدهم.
وبالفعل فإن هناك عشرات آلاف من المسلمين البورميين قد تشردوا من بورما إلى الباكستان، ويبدو أن سياسة الحكومة البورمية أيضاً تهدف إلى محو الإسلام والمسلمين عن طريق القتل والتشريد وإرغامهم على الهجرة من وطنهم الأصلي بورما إلى الخارج.
أخي المسلم إني أسوق لك الدليل على صحة ما أقول:
1-
في شهر نيسان من عام 1967م قامت قوات الحكومة بتهجير ألفين من المسلمين إلى جهة غير معروفة بحيث لم يعرف مصيرهم، وعندما فرضت عليهم مغادرة بيوتهم لم تسمح لهم بحمل أي شيء مما كانوا يملكون من المأكل والملبس والمشرب وقد لوحظ مؤخراً أن بعضهم قد وصل إلى حدود بنجلاديش مشردين يستجدون المأوى والأكل.
2-
وفي شهر مارس من نفس العام قامت القوات الحكومية أيضاً بإبعاد حوالي ألفين من المسلمين ورميهم على حدود بنجلاديش تحت رحمة السماء، وقد أعلنت إحدى الصحف البورمية حينذاك أن أولئك المبعدين من أصل باكستاني ولكن الخبر لم يكن صحيحاً لأنهم جميعاً كانوا يحملون هويات بورمية.
3-
وفي شهر حزيران من نفس العام قامت الحكومة أيضاً بطرد حوالي ثلاثة عشر ألفا من المسلمين من بيوتهم وذلك في مناطق مختلفة وتركتهم دون مساكن أو طعام وما كان منهم إلا الهلاك جوعاً وعطشاً والبعض منهم وصلوا إلى الباكستان.
4-
وفي هذا العام 1975م قامت الحكومة البورمية بقتل المسلمين وسبي نسائهم وهتك أعراضهن وحبس شبابهم ومن ثم تشريدهم ورميهم على حدود بنجلاديش، وقد كتبت (جريدة أخبار العالم الإسلامي التي تصدر من رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة) على صفحتها السادسة من العدد 419 بتاريخ 5 ربيع الأول 1395هـ الموافق 17 مارس 1975 بعنوان (الهاربون من جحيم الاشتراكية) فقالت: "أكدت الصحف الصادرة في دكا أن عدداً كبيراً من مسلمي بورما يلجأون إلى بنجلاديش
…
وأشارت إلى أن معظم هؤلاء الهاربين من جحيم الاشتراكية في بورما يعيشون في الخيام بالقرب من الحدود مع بنجلاديش".إ هـ
نعم والله إن هذا هو الحق، والأوضاع الراهنة في داخل بورما بالنسبة للمسلمين سيئة جداً وحالتهم يرثى لها وهم في حاجة شديدة لمن يهتم بأخبارهم وأحوالهم ومساعدتهم، فهم الآن يستجدون الأكل والمأوى، وقد فعلت حكومة بورما أكثر من هذا من التقتيل والتشريد ولكن الصحف العالمية تغض النظر عنهم لأن الكفر ملة واحدة يحاولون ستر الحقائق عن اضطهاد المسلمين في بورما، وجزى الله المسئولين بأخبار العالم بأخبار العالم الإسلامي خير الجزاء على ما قامت بنشر تلك الحقائق فكانت وما زالت تؤدي واجبها على الوجه الأكمل، نتمنى كل تقدم وازدهار لجريدة أخبار العالم الإسلامي وللرابطة التي لا تألوا جهداً لإقناع حكومة بورما للسماح للمسلمين بأداء فريضة الحج.
تدنيس المساجد ومنع الحج: إن نهب القرى وتدميرها وتدنيس أماكن العبادة وتخريب المزارع أصبحت كلها مظاهر عادية ومتكررة، وكذلك حرق المساجد وقفلها، والاجتماعات التي تعقد لأغراض دينية منعت كليا، وأن السلطات العسكرية والحكومية تتخذ من المساجد مركزاً لها عند تجوالها في المنطقة بالإضافة إلى ذلك فإن المنكرات ترتكب في هذه المساجد، لقد منع المسلمون من أداء الصلوات الخمس وكذلك فإن الأئمة والمؤذنين لم يسلموا من القتل والتعذيب حتى إن الوعظ والدعوة إلى الإسلام في بورما أصبحا كالجريمة، وأن فريضة الحج عطلت أيضاً منذ عام 1962م.
لقد صادرت الدولة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة كما سحبت هوياتهم التي هي من حق كل بورمي، وكثيراً ما تتعرض قراهم لهجمات بعض المجموعات العسكرية التي تسلبهم ما يملكون وتأخذ الرجال إلى السجون ثم تهتك أعراض المسلمات.
إن السلطات البورمية قتلت معظم علماء المسلمين وزعمائهم وبعضهم يقضون نحبهم في السجون وأصبح تعذيبهم وتعذيب نسائهم وهتك أعراضهن عملاً من الأعمال الروتينية البسيطة، فهل للضمير العالمي والأمم المحبة للسلام أن تحول دون هذه الأعمال البربرية والجرائم الوحشية التي ترتكب ضد هذه الأقليات التي لا ذنب لها إلا أنها مسلمة {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
إن الضمير الإنساني يجب أن لا يقبل الظلم، فإذا كان المسلمون مجرمين أو أن نساءهم وأطفالهم عاثوا فساداً وأخلوا بالقوانين البورمية فلماذا لا تقوم السلطات البورمية الرسمية بمحاكمتهم أمام محاكم نظامية حيث تصدر بحقهم أحكام عادلة، ثم أليس من واجبات الدول الإسلامية في العالم أن تحاول ضغطها المعنوي على حكومة بورما الظالمة لإنقاذ هذه الأقلية المسلمة من البؤس والفقر الذي هي فيه؟
أليس من واجب الأقطار الإسلامية الحرة في العالم مساعدتهم؟
إلى الفتاة المسلمة
حسن بن يحيى الذاري
بين أعاصير الانحلال الفاجر اللئيم التي تجتاح أخطاره ديار المسلمين محاولة فرض جراثيم التحلل على شباب المسلمين وفتياتهم ليسهل على الشيوعية المدمرة والصهيونية الحاقدة تحقيق هدمهما الإجرامي، نسجل هذه الأبيات كإنذار وتحذير للفتاة المسلمة عسى أن تجد آذاناً صاغية وقلوباً واعية:
شيدي عالم البنا في رحابه
من نظام الإسلام من آدابه
وأعلى من شأنها في كتابه
فلقد أعلن الكرامة للأنثى
ورأت للشقاء مر عذابه
بعد أن واجهت ظلام جحود
جاهلي يروع في أتعابه
في جحيم الظلام في كل عهد
في عالم طغى في ثيابه
واستهانت بقدرها بدع الأوثان
واستلهمي الهدى من صوابه
فاسعدى بالحياة في ظل دين اللـ هـ
انحلال يبث من أوصابه
واحذري يا ابنة الفضيلة طوفان
إلا برفضه واجتنابه
عللاً لا خلاص من دائها القاتل
ـراء رخيص والبعد عن أسبابه
وارتفاع النفوس عن كل إغـ
ـلاح فهو القويم في إيجابه
واتخاذ الإسلام قاعدة الإص ـ
ـلاح أسمى في شأنه في سداده
يا فتاة الإسلام دورك في الإصـ
لمن ترتضيه في إفساده
من شذوذ التبرج المخجل المزري
لانحراف السلوك في أبعاده
مثلاً للسلوك وهو مثال
يبذلون الجهود في إيجاده
كم هوى في الحضيض تفكير قوم
ـد أو للخضوع لاستبعاده
نحن لسنا في حاجة للتقليـ
ن وهو الحكيم في إعداده
ولدينا النظام من فاطر الأكوا
ن عن نور نهجه عن رشاده
لن تحيد الفتاة فينا عن القرآ
ـل حتى يسود في أمجاده
وبوحي من هديه سوف تبني الجيـ
كم غدا أسوة لنا في جهاده
ونرى فيه صورة لرعيل
ما رواه التأريخ في أسفاره
يا فتاة الإسلام حسبك مجداً
ـد والسابقات في مضماره
عن نساء الإسلام عن رئدات المجـ
ـق واستبسلت بخوض غماره
عن جهاد حمت (خديجة) فيه الح
يتباهى بها العلى في ازدهاره
فغدن للفخار قمة مجد
ـراء من فاق فضلها في اشتهاره
أنجبت للإسلام (فاطمة) الزهـ
حي وبيت طال السها في فخاره
حين أعلى من شأنها شرف الوَ
ـة من فيض علمه من تماره
يا لسر الإيمان كم جنت الأمـ
للحق كل اعتباره
قيماً زانت الحياة بميزان صحيح
ـر وأعلى من شانه من قنا
خلد الوحي في طهارته الذكـ
فكم في الوجود من أنواره
أنجب الرائدان في العلم والفقه
ففاقت في الفهم من أسراره
من حديث روته بنت أبي بكر
ورعاها الصديق من أنصاره
نشأت في رحاب أكرم زوج
حسن بن يحيى الذاري
الجامعة الإسلامية كلية الدعوة
أخبار الجامعة
إعداد العلاقات العامة
قام جلالة الملك خالد بن عبد العزيز حفظه الله بزيارة المدينة المنورة يوم الثلاثاء الموافق 25-4-1395هـ وقد تشرف بالسلام على جلالته في القصر الملكي وفد الجامعة الإسلامية برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة وقد ضم الوفد كبار المسئولين في الجامعة ونخبة من أعضاء هيئة التدريس في كليات الجامعة، كما تشرف بالسلام على جلالته طلاب الجامعة وقد مثلهم 78 طالباً يمثلون 78 قطراً من أقطار العالم وقد ألقى فضيلة نائب الرئيس الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد بين يدي جلالته كلمة رحب فيها بجلالة الملك وصحبه الكرام وتحدث فيها عن الجامعة ثم تلاه أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الدعوة وأصول الدين الدكتور أحمد عبد الله هاشم فألقى كلمة عن أعضاء هيئة التدريس ثم ألقى الطالب بالسنة الرابعة سفر بن عبد الرحمن الحوامي الغامدي قصيدة وفيما يلي نص الكلمتين والقصيدة:
كلمة نائب رئيس الجامعة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:
أما بعد:
فإنه ليسرني كثيراً أن أقف بين يدي جلالتكم لأعرب باسم الجامعة الإسلامية عن الغبطة والسرور بمقدمكم الميمون إلى هذه المدينة المباركة طيبة الطيبة التي يأرز إليها الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بجلالتكم وصحبكم الكرام وعلى رأسهم سمو ولي عهدكم الكريم، وأسأل الله تعالى لكم طيب الإقامة والصحة والسلامة في الحل والترحال.
جلالة الرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية:
إن الجامعة الإسلامية ترفل بحلل السعادة إذ يتشرف ممثلون لأساتذتها ولطلبتها الذين ينتمون إلى ما يقارب الثمانين قطراً من أقطار العالم باللقاء بجلالتكم والسلام عليكم وهم جميعاً يشعرون بالسرور إذ يؤكدون مبايعتهم لجلالتكم إماماً للمسلمين ولسمو الأمير فهد ساعدكم الأيمن ولياً للعهد ويسألون الله أن يكون لكم ناصراً ومعيناً وأن يجعل عهدكم الزاهر عهد أمن واستقرار وعز للإسلام والمسلمين.
أيها الملك الكريم:
كيف لا يشعر الجميع بالسرور بمبايعة جلالتكم ومبايعة سمو ولي عهدكم وأنتم امتداد لبنيان أرسى قواعده على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الإمامان الجليلان.. الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب عليهما من الله الرحمة والمغفرة، فمنذ التقينا على الإيمان وأعطيا العهد لله على نصرة الدين وهذه البلاد تنعم بالسعادة وتتبوأ المكانة المرموقة وصدق الله العظيم إذ يقول:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .
وإن من وفاء جلالة الملك فيصل رحمه الله للإمام محمد بن سعود المؤسس الأول لهذه الدولة الميمونة إطلاق اسمه على الجامعة الإسلامية التي حولت إليها الكليات الشرعية بالرياض وهي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وإن من وفائكم لجلالة الملك فيصل رحمه الله تفضل جلالتكم بالتوجيه الكريم بإطلاق اسمه على أول جامعة تنشأ في المملكة بعد وفاته رحمه الله.
أيها الملك الكريم:
إن الجامعة الإسلامية إحدى المآثر العظيمة لهذه الدولة الجليلة وواحدة من حسناتها الكثيرة فقد هيأت أدام الله توفيقها بإنشاء هذه الجامعة السبيل لأبناء المسلمين من كل مكان ليتفقهوا في دين الله وبعد تخرجهم يعودون إلى بلادهم ألسنة صدق لهذه البلاد وسفراء مخلصين لحكومتها ودعاة خير ومشاعل هداية لبني قومهم وبهذا يتجلى بوضوح مصداق قول الله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}
وقد زاد في حسن هذه الجامعة وشدة تعلق المسلمين بها وإقبالهم عليها اختيار هذه المدينة المباركة لتكون مقراً لها فاجتمع لها بذلك إلى شرف الغاية وسمو الهدف شرف المكان.
أيها الملك الكريم:
لقد بلغ عدد طلبة الجامعة في الوقت الحاضر ما يقارب ألفي طالب ينتمون إلى ما يقارب الثمانين قطراً من أقطار العالم وقد ضم مجلسكم العامر هذا ثمانية وسبعين طالباً كل واحد منهم يمثل قطراً من الأقطار التي ينتمي إليها طلبة الجامعة وفدوا إلى جلالتكم مؤيدين ومؤكدين البيعة لإمام المسلمين وخادم الحرمين الشريفين.
أيها الملك الكريم:
لقد مضى من عمر هذه الجامعة المديد أربعة عشر عاماً تخرج خلالها تسعمائة وثمانية وأربعون جامعياً ينتمون إلى ما يقارب الستين قطراً من أقطار العالم.
وفي السنة النهائية في العام الدراسي الحالي مائة وستون طالباً يتوقع تخرج الكثير منهم بحول الله ليلحقوا بإخوانهم الذين سبقوهم إلى العمل في ميدان الدعوة إلى الله والتوجيه إلى الخير والتدريس والقضاء وغيرها من الميادين العظيمة النافعة وأسأل الله تعالى أن يديم النفع بهذه الجامعة وأن يكتب لجلالة الملك فيصل رحمة الله ولجلالتكم ولسمو ولي عهدكم ولكل من كان عوناً لهذه الجامعة على تحقيق أهدافها مثل أجور طلبتها وأجور كل من استفاد خيراً بسببها إنه سميع مجيب.
جلالة الرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية..
إني إذ أختم كلمتي هذه بالشكر لله أولا ثم لجلالتكم ولسمو ول عهدكم على إتاحة هذه الفرصة للتحدث عن الجامعة أسأل الله تعالى أن يسدد خطاكم وأن يعينكم على كل خير وان يعز بكم دينه ويعلي كلمته إنه ولي ذلك والقادر عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
كلمة الدكتور أحمد عبد الله هاشم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والداعين بدعوته والمهتدين بهديه إلى يوم الدين.
حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم خالد بن عبد العزيز رعاه الله وأطال في عمره.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
…
وبعد:
إنه لمن الشرف العظيم لي أن أقف بين يدي جلالتكم موقف المتحدث بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن زملائي وإخوتي أصحاب الفضيلة أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية فأحيي جلالتكم أجمل تحية وأرحب بكم وبصحبكم الأخيار في مدينة الرسول المنورة. وارفع إلى جلالتكم تحية زملائي أساتذة الجامعة.. تلكم الجامعة الفتية التي أسس بنيانها على تقوى من الله ورضوان فكانت صرحاً شامخاً ومعقلاً أميناً للدين الإسلامي الحنيف وحصناً حصيناً لكتاب الله والسنة النبوية المطهرة، تنطلق منه صيحة الحق لتزلزل أقدام الطغاة المضللين، ويستأنس بها الخائف المستجير ويتقوى بها كل مضطرب ضعيف.
والجامعة الإسلامية يا صاحب الجلالة دوحة فينانة نبتت في هذه البقعة المباركة من أرض المملكة العربية السعودية وشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وإنها لمأثرة خالدة من مآثر الحكومة الرشيدة لهذه البلاد تولت غرسها الطيب وتعهدتها بالعناية والرعاية حتى نمت وترعرعت وامتدت أغصانها الوارفة على العالم الإسلامي كله يتفيأ ظلالها وينعم بخيراتها.
وليس بخاف على ذي بصيرة ما كان للمدينة المنورة من مجد إسلامي تليد حين نشأ بها أول معهد علمي في الإسلام، التقى فيه الكبار والصغار والكهول والشباب جلسوا في رحابه يتلقون الشريعة الغراء على يد معلم الإنسانية الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلقوا في مشارق الأرض ومغاربها أئمة دعاة يحملون إلى العالم خير شريعة وأسمى رسالة فهدى الله بهم من اتبع رضوانه سبيل السلام وكانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، وما أشبه اليوم بالأمس والليلة بالبارحة.
فها هي ذي الجامعة الإسلامية تعيد للمدينة المنورة سيرتها الأولى وتسترجع لها مكانتها العلمية السامية إذ تهوي إلى رحابها أفئدة أبناء المسلمين من شتى بقاع الأرض طلباً للعلم والمعرفة. ولئن كانت الجامعة الإسلامية تحظى اليوم بشرف استقبال جلالتكم فإنما تفد إليكم بأساتذتها وبسفراء نيف وثمانين دولة نفروا إليها من كل صوب وحدب ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.. يبلغونهم رسالة الإسلام خالصة من كل زيف أو تضليل نقية من كل زيغ أو تحريف سندهم في ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يا صاحب الجلالة، إننا نعيش اليوم في عالم مضطرب تتصارعه القوى المادية الشريرة، وتتكالب فيه ذئاب البغي والضلال لتنقض على الإسلام والمسلمين.
وإن الجامعة الإسلامية بفضل الله تعالى ثم بفضل رعايتكم لها ورعاية سلفكم الصالح جلالة الملك المعظم فيصل رحمه الله، لهي الدروع الواقية من طعنات الطاعنين والجنة التي يتحصن بها من سهام الباغين المعتدين، وإن أعضاء هيئة التدريس بها جند في سبيل الدعوة الإسلامية يحمون حماها ويرعون حرمات الله فيها ويعملون مخلصين تحدوهم الرغبة الصادقة في إعداد دعاة مزودين بسلاح العلم وعتاد المعرفة يكونون لسان حق للدعوة ورسل خير إلى الإنسانية.
وإنه لمن يمن الطالع لهذه الجامعة الراسخة أن يكون على رأس العمل فيها يرود ركبها ويحدو مسيرتها شيخ جليل وعالم فاضل أراد الله به خيراً ففقهه في الدين، وشرح صدره لكتاب الله وسنة رسوله فحفظهما ووعاهما وعمل بهما ودعا إليهما مترسما خطى السلف الصالح ذلك هو سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية حفظه الله مثلا أعلى للعالم العامل الذي يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم.
يا صاحب الجلالة من خير ما أراد الله للمسلمين عامة أن تكون المملكة العربية السعودية منطلقاً للدعوة الإسلامية ومنارة للعلم والمعرفة تضيء على العالم كله وموثلا أمينا ينل إليه طلاب العلم الصحيح ليتلقوه في هذه الجامعة وغيرها من جامعات المملكة.
وإننا ليحدونا الأمل الكبير في أن تحتل جامعتنا الإسلامية المكان المرموق في ظل عهد جلالتكم الميمون، زادكم الله قوة إلى قوتكم ومكن لجلالتكم ولسمو ولي عهدكم الأمين وأطال في عمركم وأسبغ عليكم جميعاً نعمه ظاهرة وباطنة.
وإنني أعود، فأكرر التحية لجلالتكم باسمي وباسم أعضاء هيئة التدريس بالجامعة داعين الله الكريم لكم بالتوفيق وأن يسدد على طريق الخير والهدى والرشاد خطاكم وأن يكلأ جلالتكم وصحبكم الأخيار برعايته وعنايته إنه نعم المولى ونعم النصير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قصيدة الطالب بالسنة الرابعة من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية سفر بن عبد الرحمن الحوالي:
الخطب جل وضاق عنه بياني
والحادثات يرعن كل جنان
ولقد غلبت على فؤادي موجع
أمر الدموع بمقلتي ونهاني
كفكف دموعك إن هذا موقف
فيه العناء محلل بتهاني
الحمد لله المهيمن وحده
ملك البقاء وكل شيء فاني
مضت الحياة على الأنام كأنها
يوم وآلاف القرون ثواني
لم يبق في الدنيا النبي محمد
خير الأنام وغرة الأكوان
حكم الإله على البرية نافذ
يجري بما لا يشتهي الثقلان
لله من أرض الجزيرة راحل
يبكي عليه الحل والحرمان
ملك عليه من المهابة حلة
ومن الطهارة والتقى تاجان
يا عاهلا ملك القلوب بحبه
هطلت عليك سحائب الغفران
من أجل هذا الدين عشت مجاهداً
ومن الجهاد إغاثة اللهفان
فلذاك يبكي المسلون جميعهم
قاضيهم في لوعة والداني
يبكون من كشمير حتى دجلة
ومن الرباط إلى جبال فطاني
لما أتاهم نعي رائد مجدهم
هز القلوب وهد كل كيان
ولقد دعوت إلى التضامن أمة
قد مزقتها لوثة الأوثان
ورفضت كل عقيدة هدامة
في أيما لون من الألوان
أثبت أن الدين يرفع أهله
ويقي الشعوب مرارة الطغيان
وبنيت من فوق الرمال حضارة
شهدت بأنك أنت نعم الباني
ما كنت تطمح أن تحقق كل ما
حققت لولا قوة الإيمان
تلك الحنيفة من تقلد أمرها
بالحق حل من العلا بمكان
والدين من بعد الفقيد أمانة
قد قام يحمل عبئها كفان
جند العقيدة علقوا آمالهم
بعد الشهيد على المليك الثاني
أبناء جامعة المدينة كلهم
علم التقى ومنارة العرفان
قدموا إليك يبايعون على الهدى
وعلى الجهاد كبيعة الرضوان
عادت إلى الأذهان عند وقوفهم
ذكرى الخلافة في الزمان الفاني
جاءوك من كل البلاد وبعضهم
يمشون في الدنيا بلا أوطان
الكفر شردهم وبدد جمعهم
ورمت منازلهم يد العدوان
وتكالب الأعداء شرق ملحد
شرس وغرب حاقد نصراني
لجأوا إلى أرض الجزيرة إنها
مهوى القلوب ومنبع العرفان
قد أخبر الهادي محمد أنها
لا يلتقي أبداً بها دينان
دول الضلال ستنتهي أيامهم
حتماً وتبقى دولة القرآن
والله رب البيت مظهر دينه
حتى ولو كرهت قوى الشيطان
والله أقدر أن يظفر رأيه
خضراء دائبة على الخفقان
فاحمل - هديت - لواءها يا خالد
واضرب بسيف الله كل بنان
ستقيم الجامعة بمشيئة الله في ليلة الإثنين الموافق 21-6-1395هـ. حفلا لتوزيع الشهادات على الخريجين والجوائز على المتفوقين، ومن الجدير بالذكر أنه صدر مؤخراً قرار مجلس الوزراء القاضي بمنح ألف ريال لكل طالب في المرحلة الجامعية يحصل على تقدير ممتاز.
بناء على موافقة المقام السامي ستبعث الجامعة وفوداً من أساتذتها إلى كل من السودان ومالي والنيجر والباكستان للقيام بالدعوة إلى الله في هذه الأقطار خلال العطلة الصيفية.
الجامعة تطبع كتباً مفيدة للتوزيع
حرصاً من الجامعة على نشر التوعية الإسلامية وجعل الكتب والرسائل المفيدة في متناول الراغبين في الإفادة بها والاستفادة منها فقد قامت بتأمين كميات كبيرة من هذه الكتب والرسائل للتوزيع كما قامت في العام الماضي بطباعة كتب سبعة مفيدة لتوزيعها ويجري حالياً في مطابع في مكة وجدة طباعة ستة عشر كتاباً بكميات كبيرة تبلغ الخمسين ألف نسخة في بعضها ولا تقل عن عشرة آلاف نسخة في البعض الآخر وفيما يلي أسماء هذه الكتب:
1-
الإبانة لأبي الحسن الأشعري.
2-
تطهير الاعتقاد للصنعاني.
3-
مبادئ الإسلام بالعربية والإنجليزية.
4-
أصول الدين الإسلامي بصيغة السؤال والجواب.
5-
كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
6-
شرح الصدور للشوكاني.
7-
التحف في مذاهب السلف للصنعاني.
8-
شرح مسائل الجاهلية للألوسي.
9-
مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ونظمها لابن مشرف.
10-
دراسات في الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
11-
كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
12-
التحقيق والإيضاح كثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة لسماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
13-
رسالة في الحجاب والسفور لسماحة رئيس الجامعة.
14-
الأدلة العقلية والنقلية على سكون الأرض وجريان الشمس لسماحة رئيس الجامعة.
15-
الأربعون حديثاً النووية مع زيادة ابن رجب.
16-
عمدة الأحكام في الحديث للمقدسي.
وتبلغ تكاليف طباعة هذه الكتب مائتي ألف وثلاثين ألفاً تقريباً.
- بدأت في يوم الأربعاء24-5-1395هـ اختبارات الدور الأول في كليات الجامعة ومعاهدها وقد تقدم لامتحانات الشهادات والنقل ما يقارب ألفي طالب ينتمون إلى ما يقارب الثمانين قطراً من أقطار العالم بينهم مائة وستون طالباً تقدموا لامتحان الشهادة العالية في كليتي الشريعة والدعوة وأصول الدين في الجامعة.
- تمت ترسية إنشاء مهاجع لسكن طلبة الجامعة على مؤسسة بخيت للتجارة والمقاولات وتبلغ تكاليف إنشاء هذا المشروع أكثر من ثمانية عشر مليون ريال.
ستمائة وثمانون منحة دراسية جديدة تقدمها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لأبناء العالم في عامها الدراسي 95-1396 هـ
صدرت موافقة المقام السامي على اعتماد المبالغ اللازمة لتقديم ستمائة وثمانين منحة دراسية جديدة في الجامعة الإسلامية موزعة على ما يزيد عن مائة وسبعة أقطار من أقطار العالم وذلك في العام الدراسي القادم 95 -1396هـ.
وهذه المكرمة العظيمة والمنحة السخية تعكس مدى اهتمام حكومة المملكة أيدها الله بالجامعة الإسلامية وتمكينها من أداء رسالتها السامية وتحقيق أهدافها النبيلة في استيعاب أعداد كبيرة من أبناء العالم يتفقهون في دين الله وينهلون من منهله الصافي في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهبط الوحي ومنطلق الأشعاع.
الفتاوى
يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة
السؤال الأول: هل كتابة التعاويذ من الآيات القرآنية وغيرها وتعليقها في الرقبة شرك أو لا؟
والجواب: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه وأخرج أحمد أيضاً وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"وأخرجه أحمد من وجه آخر عن عقبة بن عامر بلفظ "من تعلق تميمة فقد أشرك" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والتميمة هي ما يعلق على الأولاد أو غيرهم من الناس لدفع العين أو الجن أو المرض ونحو ذلك ويسميها بعض الناس حرزاً ويسميها بعضهم الجامعة وهي نوعان: أحدهما ما يكون من أسماء الشياطين أو العظام أو الخرز أو المسامير أو الطلاسم وهي الحروف المقطعة أو أشباه ذلك وهذا النوع محرم بلا شك لكثرة الأدلة الدالة على تحريمه وهو من أنواع الشرك الأصغر لهذه الأحاديث وما جاء في معناها وقد يكون شركاً أكبر إذا اعتقد معلق التميمة أنها تحفظه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضر من دون إذن الله مشيئته، والنوع الثاني ما يعلق من الآيات القرآنية والأدعية النبوية أو أشباه ذلك من الدعوات الطيبة فهذا النوع اختلف فيه العلماء فبعضهم أجازه وقال إنه من جنس الرقية الجائزة وبعض أهل العلم منع ذلك وقال إنه محرم واحتج على ذلك بحجتين: إحداهما عموم الأحاديث في النهي عن التمائم والزجر عنها والحكم عليها بأنها شرك فلا يجوز أن يخص شيء من التمائم بالجواز إلا بدليل شرعي يدل على ذلك وليس هناك ما يدل على التخصيص أما الرقى فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ما كان منها بالآيات القرآنية والأدعية الجائزة فإنه لا بأس به إذا
كان ذلك بلسان معروف المعنى ولم يعتمد المرقى عليها بل اعتقد أنها سبب من الأسباب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً" وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم، ورقى بعض أصحابه، وقال:"لا رقية إلا من عين أو حمة" والأحاديث في ذلك كثيرة أما التمائم فلم يرد في شيء من الأحاديث استثناء شيء منها فوجب تحريم الجميع عملاً بالأدلة العامة، الحجة الثانية سد ذرائع الشرك، وهذا أمر عظيم في الشريعة ومعلوم أنا إذا جوزنا التمائم من الآيات القرآنية والدعوات المباحة انفتح باب الشرك واشتبهت التميمة الجائزة بالممنوعة وتعذر التمييز بينهما إلا بمشقة عظيمة فوجب سد الباب وقفل هذا الطريق المفضي إلى الشرك وهذا القول هو الصواب لظهور دليله، والله الموفق.
السؤال الثاني: يقول كثير من علمائنا أنه من الممكن أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأن رؤيته في المنام حقيقة لأن الشياطين لا يستطيعون أن يتمثلوا بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وهل مثل هذه العقيدة شرك أم لا؟
الجواب: هذا القول حق وهو من عقيدة المسلمين وليس فيه شرك لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي" متفق على صحته.. فهذا الحديث الصحيح يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قد يرى في النوم وأن من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون الرائي من الصالحين ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي صلى الله عليه وسلم من أوامر أو نواهي أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول صلى الله عليه وسلم على الكتاب والسنة الصحيحة فما وافقهما أو أحدهما قبل وما خالفهما أو أحدهما ترك لأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقبل من أحد من الناس ما يخالفهما علم من شرع الله ودينه سواء كان ذلك من طريق الرؤيا أو غيرها وهذا محل إجماع بين أهل العلم المعتد بهم أما من رآه عليه الصلاة والسلام على غير صورته فإن رؤياه تكون كاذبة كأن يراه أمرد لا لحية له أو يراه أسود اللون أو ما أشبه ذلك من الصفات المخالفة لصفته عليه الصلاة والسلام لأنه قال عليه الصلاة والسلام فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي فدل ذلك على أن الشيطان قد يتمثل في غير صورته عليه الصلاة والسلام ويدعي أنه الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل إضلال الناس والتلبيس عليهم ثم ليس كل من ادعى رؤيته صلى الله عليه وسلم يكون صادقاً وإنما تقبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه وقد رآه في حياته صلى الله عليه وسلم أقوام كثيرون فلم يسلموا ولم ينتفعوا برؤيته كأبي جهل وأبي لهب وعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وغيرهم فرؤيته في النوم عليه الصلاة والسلام من باب أولى.
السؤال الثالث: هل الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره أم لا وهل يعلم في قبره بأمور الدنيا وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟
الجواب: قد صرح الكثيرون من أهل السنة بأن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا الله سبحانه وليست من جنس حياة أهل الدنيا بل هي نوع آخر يحصل بها له صلى الله عليه وسلم الإحساس بالنعيم ويسمع بها سلام المسلم عليه عندما يرد الله عليه روحه ذلك الوقت كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام" وخرج البزار بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" وأخرج أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهذه الحياة البرزخية أكمل من حياة الشهداء التي أخبر الله عنها سبحانه بقوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وفي قوله عز وجل: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} وروحه عليه الصلاة والسلام في أعلا عليين عند ربه عز وجل وهو أفضل من الشهداء فيكون له من الحياة البرزخية أكمل من الذي لهم ولكن لا يلزم من هذه الحياة أنه يعلم الغيب أو يعلم أمور أهل الدنيا بل ذلك قد انقطع بالموت لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" خرجه مسلم في صحيحه وقوله عليه الصلاة والسلام: "يذاد رجال يوم القيامة عن
حوضي فأقول يا رب أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد" متفق على صحته والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب في حياته فكيف يعلمه بعد مماته وقد قال الله سبحانه: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} وقال عز وجل آمراً نبيه أن يبلغ الناس: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} وقال تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} والآيات الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب كثيرة، وهكذا غيره من الناس من باب أولى ومن ادعى أنه يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ولما قذف بعض الناس زوجته عائشة رضي الله عنها في بعض غزواته وأشاع ذلك بعض المنافقين ومن قلدهم لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم براءتها حتى نزل القرآن بذلك ولو كان يعلم الغيب لقال لها وللناس: إنها بريئة ولم ينتظر نزول الوحي في ذلك وهكذا لما ضاع عقدها في بعض أسفاره بعث أصحابه يلتمسونه فلم يجدوه ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم مكانه حتى أقاموا البعير الذي كانت تحمل عليه فلما أقاموه وجدوه تحته والأحاديث في ذلك كثيرة وفيما ذكرت إن شاء الله كفاية.
السؤال الرابع: هل يكون من الشرك إذا قال أحد في أي بقاع الأرض يا محمد يا رسول يناديه.
الجواب: قد بين الله سبحانه في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم أن العبادة حق الله ليس فيها حق لغيره وأن الدعاء من العبادة فمن قال من الناس في أي بقعة من بقاع الأرض يا رسول الله أو يا نبي الله أو يا محمد أغثني أو أدركني أو انصرني أو أشفني أو انصرني أو أشفني أو انصر أُمتك أو أشف مرضى المسلمين أو اهد ضالهم أو ما أشبه ذلك فقد جعله شريكاً لله في العبادة وهكذا من صنع مثل ذلك مع غيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غيرهم من المخلوقات لقول الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} .
ولقوله في سورة الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وقوله سبحانه {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} قوله عز وجل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} فسمى الدعاء عبادة وأخبر أن من استكبر عنها سيدخل جهنم داخراً أي صاغراً وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} وقال سبحانه {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وقال عز وجل: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} وقال سبحانه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} وهذه الآيات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن العبادة حق الله وحده وأن الواجب تخصيصه بها لكونه خلق العباد لذلك وأمرهم به كما تدل على أن جميع المعبودين من دون الله لا يسمعون دعاء من يدعوهم ولو فرض سماعهم لم يستجيبوا له كما دلت أيضاً على أن المعبودين من دون الله يتبرأون من عابديهم يوم القيامة وينكرون عليهم ذلك ويخبرونهم أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم
إياهم وبين سبب البيان بيان لطالب الحق وقد بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يدعون الناس إلى عبادة الله وحده ويحذرونهم من عبادة ما سواه كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وقال عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وقال عز وجل في سورة الرعد آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم ما أمره به: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" متفق عليه من حديث معاذ رضي الله عنه، وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" وقال عليه الصلاة والسلام: "الدعاء هو العبادة" وفي لفظ آخر "الدعاء مخ العبادة" وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" وفي صحيح مسلم أيضاً عن طارق الأشجعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" والأحاديث في هذا الباب كثيرة ولا شك أن المستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأولياء والأنبياء والملائكة أو الجن إنما فعلوا ذلك معتقدين أنهم يسمعون دعاءهم ويقضون حاجاتهم وأنهم يعلمون أحوالهم وهذه أنواع من الشرك الأكبر لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل ولأن الأموات قد انقطعت أعمالهم وتصرفاتهم في عالم الدنيا سواء كانوا أنبياء أو غيرهم ولأن الملائكة والجن غائبون عنا مشغلون
بشئونهم.
وليس لنا أن نصرف لهم شيئاً من حق الله أو ندعوهم مع الله عز وجل لأن الله سبحانه أمرنا أن نعبده وحده دون ما سواه وأخبر أنه خلق الثقلين لذلك كما تقدم ذكر الآيات في هذا المعنى ولأن جميع المعبودين من دون الله لا يستطيعون قضاء حاجات عابديهم ولا شفاء مرضاهم ولا يعلمون ما في نفوسهم وإنما الذي يقدر على ذلك ويعلم ما في الصدور هو الله وحده وسبب ذكر الآيات الدالة على هذا المعنى مثل قوله سبحانه: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} فسمى سبحانه في هذه الآية دعاء غيره شركا وفي آية أخرى سماه كفرا كما في قوله عز وجل: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}
وبين عز وجل في آية أخرى أن المعبودين دون الله من الأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عن داعيهم ولا تحويله من حال إلى حال ولا من مكان إلى مكان أو من شخص إلى شخص آخر كما قال عز وجل في سورة الإسراء: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} والآيات في هذا المعنى كثيرة.
تنبيه هام:
ليس من عبادة غير الله التعاون بين العباد الأحياء القادرين بمقتضى الأسباب الحسية كطلب الإنسان من الإنسان الحي القادر الحاضر أو الغائب بالمكاتبة ونحوها أن يعينه على تعمير بيته أو إصلاح سيارته أو أن يقرضه شيئاً من المال أو يساعده في الجهاد أو على التحرز من اللصوص أو قطاع الطريق أو نحو ذلك وهكذا خوف الإنسان من عدوه الحي أو من اللصوص أو من المؤذين طبعاً كالسباع والحيات والعقارب ونحو ذلك ومن الأدلة على ذلك قول الله سبحانه في سورة القصص في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وقوله عز وجل: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} وقوله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} وقل النبي صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة فينبغي التنبه لهذا الأمر والعناية به لأن كثيراً من الجهال والمشركين يلبسون على بعض دعاء التوحيد بمثل هذه الأمور والله المستعان.
السؤال الخامس: إذا جاء أحد عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي ويسلم عليه هل يسمعه ويراه وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟
والجواب: المشروع للمسلم إذا زار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بالصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام وإذا أمكن أن يكون ذلك في الروضة الشريفة فهو أفضل ثم يتوجه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقف أمامه بأدب وخفض صوت ثم يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما.
وقد أخرج أبو داود بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام". وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم يسمع سلام المسلمين عليه إذا ردت عليه روحه، وقال آخرون من أهل العلم ليس هذا الحديث صريحاً في ذلك وليس فيه دلالة على أن ذلك خاص بمن سلم عليه عند قبره بل ظاهر الحديث يعم جميع المسلمين عامة وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد حسن، وسبق قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تجعلوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" أخرجه أبو داود بإسناد حسن، وسبق أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم:"إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم يبلغ صلاة المصلين عليه وسلامهم وليس فيها أنه يسمع ذلك فلا يجوز أن يقال إنه يسمع ذلك إلا بدليل صحيح صريح يعتمد عليه فإن هذه الأمور وأشباهها توقيفية ليس للرأي فيها مجال وقد قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} وقد رددنا هذه المسألة إلى القرآن العظيم وإلى السنة الصحيحة فلم نجد فيهما ما يدل على سماعه صلى الله عليه وسلم صلاة المصلين وسلامهم وإنما في السنة الدلالة على أنه يبلغ ذلك وفي بعضها التصريح بأن
الملائكة هي التي تبلغه ذلك والله سبحانه أعلم، أما كونه صلى الله عليه وسلم يرى المسلم عليه فهذا لا أصل له وليس في الآيات والأحاديث ما يدل عليه كما أنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم أحوال أهل الدنيا ولا ما يحدث منهم لأن الميت قد انقطعت صلته بأهل الدنيا وعلمه بأحوالهم كما تقدمت الأدلة على ذلك وما يروى في هذا الباب من الحكايات والمرائي المنامية وما يذكره بعض أهل التصوف من حضوره صلى الله عليه وسلم بينهم واطلاعه على أحوالهم وهكذا ما يذكر بعض المحتفلين بمولده عليه الصلاة والسلام من حضوره بينهم فكل ذلك لا صحة له ولا يجوز الاعتماد عليه لأن الأدلة الشرعية محصورة في كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع أهل العلم المحقق أما الآراء والمنامات والحكايات والأقيسة فليس لها مجال في هذا الباب ولا يعتمد على شيء منها في إثبات شيء مما ذكرنا، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أضواء على التفسير
بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المناسبة:
بعد أن ذكر استبعادهم للبعث، ورد عليهم بتحقيق قدرته تعالى وعلمه، وبين أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم، أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه لا محالة من الموت والبعث وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال.
القراءة:
قرأ الجمهور: {سَكْرَةُ} .. بالإفراد، وقرأ ابن مسعود {سكرات} بالجمع، وقرأ الجمهور بفتح التاء في {كُنْتَ} والكاف في {عَنْكَ} و {غِطَاءَكَ} و {فَبَصَرُكَ} وقرئ بكسر التاء والكاف. وقرأ الجمهور {عَتِيدٌ} بالرفع وقرئ بالنصب.
المفردات:
{سَكْرَةُ الْمَوْتِ} شدته الذاهبة بالعقل عند النزع. {بِالْحَقِّ} أي بحقيقة الأمر الذي نطقت به كتب الله ورسله أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته. أو بالأمر الثابت الذي لا بُد أن يكون. {تَحِيدُ} تهرب منه وتنفر عنه، تقول أعيش كذا وأعيش كذا فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه عنه وأمل طول الأجل.
{الصُّورِ} القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل {الْوَعِيدِ} أي يوم إنجاز العذاب الموعود للكفار. {سَائِقٌ} حاث على السير من الملائكة. {شَهِيدٌ} أي مخبر بأعمالها. قيل هو ملك آخر يشهد عليها بما فعلت. وقيل الشهيد الكتاب الذي يلقاه منشوراً. وقيل السائق والشهيد ملك واحد جامع بين الوصفين كأنه قيل معها ملك يسوقها ويشهد عليها. {غَفْلَةٍ} لهو وسهو. {فَكَشَفْنَا} أزحنا. {غِطَاءَكَ} حجاب غفلتك. {حَدِيدٌ} نافذ قوي. {قَرِينُهُ} الملك الذي يسوقه أو الملك الموكل بتعذيبه من زبانية جهنم. {عَتِيدٌ} معد حاضر.
التراكيب:
قوله: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} الواو للعطف على إذ يتلقى، والباء في بالحق للتعدية أي أحضرت سكرة الموت الحق، ويجوز أن تكون الحال أي متلبسة بالحق، والتعبير بالماضي في هذا والذي بعده للإيذان بتحقق الوقوع.
وقوله: {ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} على تقدير القول أي يقال له في وقت الموت: {ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} والإشارة فيه إلى الموت، والخطاب للإنسان الذي جاءته سكرة الموت. وقوله {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} معطوف على قوله {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} والمراد النفخة الثانية. وقوله {ذَلِكَ} الإشارة فيه إلى الزمان المفهوم من نفخ فإن الفعل كما يدل على الحدث يدل على الزمان. أي يوم النفخ. وقيل الكلام على حذف المضاف أي وقت ذلك، وإنما قال:{يَوْمُ الْوَعِيدِ} مع أنه يوم الوعد أيضاً لتهويله ولذلك بدئ ببيان حال الكفرة. وقوله {مَعَهَا سَائِقٌ} معها خبر مقدم وسائق مبتدأ مؤخر والجملة في حل جر صفة لنفس. وجوز أن تكون في محل رفع صفة لكل. وأنكر أبو حيان على الزمخشري إنكاراً شديداً لما جعلها في محل نصب على الحال من كل لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة، قال أبو حيان: هذا كلام ساقط لا يصدر عن مبتدئ في النحو لأنه لو نعت كل نفس لما نعت إلا بالنكرة. فهو نكرة على كل حال فلا يمكن أن يتعرف كل وهو مضاف إلى نكرة.
وقوله: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} محكي بإضمار قول هو إما صفة أخرى وإما على سبيل الاستئناف البياني كأنه قيل: فماذا يفعل بها! فقيل: يقال: لقد كنت في غفلة من هذا، وقرأ الجمهور بفتح تاء الخطاب حملاً على لفظ كل من التذكر أو على التأويل بالشخص كما في قول جبلة بن حريث:
يا نفس إنك باللذات مسرور
فاذكر وهل ينفعك اليوم تذكير
وأما من قرأ بكسر التاء فالخطاب للنفس. وكذلك فيمن قرأ: {غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ} على التذكير والتأنيث.
وقوله: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} معطوف على {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ ٌ} وإنما عطفت هذه الجملة لأن المقصود التشريك مع ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع السائق والشهيد وقول قرينه هذه المقالة. والإشارة فيه يجوز أن تكون للكافر إن قلنا إن القرين هو الملك الموكل بسوقه، والتعبير عنه بما التي لغير العاقل، لأنه لم ينهج نهج العقلاء. والتقدير هذا الكافر الذي أسوقه لدى حاضر، ويجوز أن تكون الإشارة للعذاب إن قلنا إن القرين من زبانية جهنم والتقدير هذا العذاب لدي لهذا الكافر الحاضر ويجوز أن تكون الإشارة إلى صحيفة عمله إن قلنا إن القرين هو الملك الموكل به في الدنيا، والتقدير هذا الذي سجلته عليه حاضر مهيأ للعرض. و {ما} إن جعلت نكرة موصوفة فعتيد صفتها وإن جعلت موصولة فعتيد بدل منها أو خبر بعد خبر أو خبر لمبتدأ محذوف. ومن قرأ {عَتِيدٌ} بالنصب فهو على الحال والأولى حينئذ أن تكون ما موصولة.
المعنى الإجمالي:
وأحضرت شدة الموت الذاهبة بالعقل عند النزع حقيقة الأمر الذي نطقت به كتب الله ورسله، ذلك الموت الذي كنت تنفر عنه وتهرب منه، وصوت إسرافيل في القرن الصوت الثاني، ذلك الوقت يوم إنجاز العذاب الموعود للكفار، وأتت كل نفس يصحبها ملك يسوقها، وشهيد يخبر بأعمالها، لقد كنت أيها الإنسان في لهو وسهو من هذا النازل بك، فأزحنا عنك حجاب غفلتك فبصرك اليوم حاد قوي نافذ.
وقال الملك الموكل به: هذا الذي عندي مهيأ حاضر.
ما ترشد إليه الآيات:
1 -
إن للموت سكرات.
2 -
عند سكرة الموت يظهر الحق لمن عمي عنه.
3 -
يصحب كل نفس إلى المحشر سائق وشهيد.
4 -
عند القيامة لا توجد نفس تكذب بها.
5 -
حب الله للعدل في القضاء حتى على الكافرين.
المناسبة:
بعد أن أقيمت البينة العادلة على إجرام المجرم أمر الله بإلقائه في النار، وبين كيف يتبرأ القرين من قرينه في هذا الموقف الخطير.
القراءة:
قرأ عامة القراء {أَلْقِيَا} بالألف، وقرأ الحسن البصري شاذاً {ألقين} بنون التوكيد الخفيفة، وقرئ {يوم نقول} بالنون، وقرئ {يقول} بالياء، وقرئ {يقال} مبنياً للمجهول.
المفردات:
{أَلْقِيَا} اطرحا وارميا. {عَنِيدٍ} مجاف للحق معارض للدين {لِلْخَيْرِ} قيل المال وقيل الإسلام. {مُعْتَدٍ} ظالم متجاوز للحد في الإثم {مُرِيبٍ} شاك في دينه. {قَرِينُهُ} شيطانه ومغويه في الدنيا. {أَطْغَيْتُهُ} أضللته. {بَعِيدٍ} طويل لا يرجع عنه إلى الحق. {لا تَخْتَصِمُوا} لا تعتذروا. {بِالْوَعِيدِ} بمجازاة العصاة {مَا يُبَدَّلُ} ما يغير {بِظَلَاّمٍ} بذي ظلم.
التراكيب:
قوله {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} خطاب من الله تعالى للملكين السائق والشهيد، وقيل للملكين من ملائكة العذاب، والألف فيه لضمير الاثنين. وقال مجاهد وجماعة: هو خطاب للواحد وهو إما السائق وإما أحد زبانية جهنم واعتذر لهذا القول عن مجيئه على صورة خطاب الاثنين بأن المقصود منه تثنية الفعل وتكريره، كأنه قيل (ألق ألق) على حد قول القائل:
فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر
وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا
أو بأن الألف ليست للتثنية لا حقيقة ولا صورة بل هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة والأصل ألقين على حد قوله:
وأبدلنها بعد فتح ألفا
وقفا كما تقول في قفن قفا
ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، قالوا ويؤيد هذا قراءة الحسن البصري الشاذة، وظاهر اللفظ يؤيد أن الخطاب لاثنين لا لواحد وليست هناك ضرورة تدعو إلى الخروج عن ظاهر اللفظ، وارتكاب هذه التمحلات.
وقوله: {الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} الذي مبتدأ متضمن لمعنى الشرط، وقوله {فَأَلْقِيَاهُ} خبره، ودخلت فيه الفاء لأن المبتدأ فيه معنى الشرط، ويجوز أن يكون منصوباً بدلاً من كل كفار، وجوز أن يكون مجروراً بدلاً من كفار، ومن أعرب الموصول بدلا جعل {فَأَلْقِيَاهُ} توكيداً، وقوله {قَالَ قَرِينُهُ} جاءت هذه الجملة بلا واو لأنها قصد بها الاستئناف كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كأن الكافر قال: ربي هو أطغاني. قال قرينه ربنا ما أطغيته، فهو جواب لمحذوف دل عليه المذكور فإنه منبيء عن سابقة كلام اعتذر به الكافر.. وهذا بخلاف قوله فيما تقدم:{وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} فإنها عطفت على ما قبلها بالواو الدالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول يعني مجيء كل نفس مع السائق والشهيد وقول قرينه هذه المقالة. وقوله: {قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} استئناف بياني وقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال الله؟ فقيل: قال: {لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} والفاعل في قال هو الله. وقوله: {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} الجملة حال فيها تعليل للنهي على معنى لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين فاتبعتموه معرضين عن الحق فلا وجه للاختصام في هذا الوقت. ولا تكون الجملة حالا إلا
على هذا التأويل إذ لولاه لاختلف الزمانان: زمان التقديم وزمان النهي عن الاختصام. فإنه إنما صح التقديم عندهم في الآخرة فاجتمعا بذلك في زمان واحد، واجتماعهما في زمن واحد واجب، والباء في قوله {بِالْوَعِيدِ} إما مزيدة أو للتعدية إن كان قَدَّم بمعنى تقدم. وقوله:{مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ} الخ يجوز أن يكون استئنافاً لتيئيسهم وتقرير عدله سبحانه، ويجوز أن يكون معمولاً لقدمت. وعلى هذا فقوله {بِالْوَعِيدِ} متعلق بمحذوف هو حال من المفعول أو من الفاعل والتقدير: قدمت إليكم هذا القول ملتبساً بالوعيد مقترناً به أو قدمته إليكم موعداً لكم به. وقوله: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ} يوم منصوب بظلام، ونفي الظلم عنه في هذا اليوم دليل على نفي الظلم عنه في غيره من باب أولى. ويجوز أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: اذكر أو أنذر. وقوله {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} المقصود من الاستفهام الأول تحقيق وعده بملئها إذ قال: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّم} والاستفهام الثاني يجوز أن يكون بمعنى النفي يعني أفي موضع للزيادة ومعناه لا أحتاج إلى زيادة، وعلى هذا فالسؤال والجواب بعد امتلائها.
وبهذا قال الحسن وبعض أهل العلم. وقيل: المراد من الاستفهام الرغبة في الزيادة والاستكثار من الداخلين فهو بمعنى الطلب أي زدني. وعلى هذا فالسؤال والجواب قبل امتلائها. وحينئذ فمزيد مصدر يعني هل من زيادة! فإني لم أمتلئ بعد. وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط وعزتك! فينزوي بعضها على بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة".
وهذا لفظ مسلم. وهذا السؤال والجواب منها حقيقة وليس على منهاج التمثيل والتخييل والله أنطق كل شيء.
المعنى الإجمالي:
اطرحا في النار المحرقة البعيدة القاع كل جحود مخالف للحق معارض للدين، كثير الحيلولة بين الخير وأهله متجاوز للحد في الإثم، مشكك في الإسلام الذي أشرك بالله فطرحناه في العذاب القاسي الأليم.
قال شيطانه المقارن له في دنياه متبرئاً منه معتذراً إلى ربه: سيدنا ومالكنا ما أضللته ولم أقهره على تجاوز حده في الإثم، ولكن كان هو بذاته في تحير طويل! قال الله: لا تعتذروا عندي الآن وقد صح عندكم الآن أنه سبق أن خوفتكم هذا العذاب. فما أنا براحمكم، ولست بذي ظلم، يوم نقول للنار المحرقة البعيدة القاع هل تحتاجين إلى زيادة وتقول: ليس بي متسع! أو تقول: زدني فأزيدها حتى تقول قط قط قد امتلأت.
ما ترشد إليه الآيات:
1 -
تخويف الكفار من هذا الموقف الخطير.
2 -
تبرؤ قرين الشر من قرينه.
3 -
سب الشيطان لقرينه.
4 -
لات ساعة مندم.
5 -
نفي الظلم عن الله عز وجل.
6 -
لا بُد من امتلاء جهنم.
المناسبة:
بعد أن بين الله حال الكفار عند النفخ في الصور وما يلاقونه من أهوال عظام يشيب لها الولدان. شرع في بيان حال المؤمنين، وما يلاقونه من السلام والتكريم. وإنما بدأ بأحوال الكفار لأن المقام للتخويف والتهويل.
القراءة:
قرأ الجمهور {مَا تُوعَدُونَ} بالتاء وقرئ بالياء أيضاً.
المفردات:
{وَأُزْلِفَتِ} قربت. {لِلْمُتَّقِينَ} للمتخذين لأنفسهم وقاية باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه.
{أَوَّابٍ} رجاع إلى الله. {حَفِيظٍ} صائن لحدود الله {خَشِيَ} خاف. {الرَّحْمَنَ} المتصف بالرحمة الواسعة {بِالْغَيْبِ} أي في الخلوة حيث لا يراه أحد، أو خافه ولم يره. {مُنِيبٍ} مقبل على طاعة الله {بِسَلامٍ} أي مسلمين أو مسلماً عليكم من الله وملائكته. أو سالمين من العذاب. {الْخُلُودِ} الدوام في الجنة. {يَشَاءُونَ} يريدون ويطلبون {مَزِيدٌ} زيادة. قال أنس وجابر هي النظر إلى وجه الله الكريم.
التراكيب:
قوله {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} عطف على نفخ. وقوله {غَيْرَ بَعِيدٍ} صفة لموصوف محذوف أي إزلافاً غير بعيد وإنما جاء بقوله {غَيْرَ بَعِيدٍ} للتأكيد من باب قوله (هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل) . والإشارة بقوله {هَذَا} إلى نعيم الجنة. وقوله {مَا تُوعَدُونَ} بالتاء على الالتفات إلى الخطاب لكمال العناية بهم. وقوله {أَوَّابٍ حَفِيظٍ} بدل من قوله {لِلْمُتَّقِينَ} بإعادة الجار وعليه فقوله {هَذَا مَا تُوعَدُونَ} اعتراض. {ومَن} في قوله: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} بدل من كل، بعد اعتبار كون كل بدلا من المتقين. قالوا ولا يصح أن يكون بدلاً من المتقين لأن تكرار البدل مع كون المبدل منه واحداً لا يجوز. ويصح أن يكون مَن خبراً لمبتدأ محذوف أي هم من خشي الرحمن أو مبتدأ خبره ادخلوها بسلام بتأويل يقال لهم، والجمع باعتبار معنى من. وقوله {بِالْغَيْبِ} حال من المفعول أي خشيه وهو غائب عن بصره ولم يره. ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل أي خشي الرحمن في خلوته والتعرض لعنوان الرحمانية للثناء على الخاشي حيث علم أنه رحمن ومع هذا لا يصده ذلك عن خشيته تعالى. وإنما وصف القلب بالإنابة لأنه العمدة في اعتبار الرجوع إلى الله تعالى. وقوله {بِسَلامٍ} حال من فاعل ادخلوها. والإشارة في قوله:{ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} إلى الزمان المفهوم من ادخلوها فإن الفعل كما يدل على الحدث أي يوم الدخول المقرون بالسلام وقيل الكلام على حذف مضاف أي وقت ذلك يوم الخلود. وهذا معادل لقوله في الكفار {ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} فيما تقدم. وقوله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا} لهم خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر ويشاءون صلته والعائد محذوف وفيها متعلق بيشاءون. وقيل بمحذوف حال من الموصول أو من عائده.
المعنى الإجمالي:
وقربت الجنة للمتخذين لأنفسهم وقاية من عذاب الله باتباع أوامره سبحانه واجتناب نواهيه.. وأدنيت لهم إدناء غير بعيد. هذا الذي يعد لكم وقد سبق به الوعد من أنبياء الله وفي كتبه.. لكل رجاع إلى طاعة الله تعالى صائن لحدود الله، من خاف من واسع الرحمة ولم يره، أو خاف منه في خلوته وأتى إلى الله في القيامة بقلب مقبل على الله، ادخلوا الجنة مسلماً عليكم من الله تعالى وملائكته أو يحيي بعضكم بعضاً أو سالمين من العذاب. يوم الدخول المقرون بالسلام هو يوم الإقامة الدائمة الأبدية بجنات عدن لهؤلاء السعداء ما يطلبون في الجنة.
وعندنا زيادة فوق ما يطلبون، لا تخطر بالبال، ولا تندرج تحت مشيئتهم، من معالي الكرامات، التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ما ترشد إليه الآيات:
1-
تحقيق وعد الله لعباده الصالحين.
2-
تكريم المتقين وتأمينهم عند فزع الناس.
3-
قدرة الله على إدناء الأماكن المحبوبة للمحبين.
4-
العبرة برجوع القلب.
5 -
يلقى المؤمن عند دخول الجنة تحية وسلاماً.
6-
يعطى المؤمنون فيها ما يطلبون وفوق ما يطلبون.
دعاة جهنم
قال حذيفة كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: "يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم، فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر، قلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا".
رواه البخاري ومسلم
رسائل لم يحملها البريد
بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
صديقي العزيز:
بشراك يا صديقي! لقد أحلت على التقاعد، التقاعد الذي كنت أتمناه على الله مذ سنين، مذ أكل جسمي مرض السكر، ولبست عيناي نظارات القراءة، وناءت ساقاي بالوقوف الطويل في غرف التدريس.
جاءني كتاب الإحالة، فوجف القلب لأول وهلة، وجف الحلق بعد القراءة الأولى، واضطربت ساقاي من تحتي فهبطت إلى الأرض أحملها ثقلي وأقول: ويحك يا نفس! ألم يك هذا ما تطلبينه وتواصلين فيه الطلب، وتلحين فيه وتضربين على الإلحاح؟؟! فما عدا مما بدا؟! ما هذا الخفقان المجنون في القلب؟! وما هذه الرعدة المحمومة في الفرائص؟!
الوظيفة التي تقاعدت عنها لم تجيء بالهيل والهيلمان، ولم يكن لها في الناس رهبة ولا سلطان، وما كانت تُمِرّ ولا تحلى لدى كثير من أناسيّ هذا المجتمع.
لم يكن لك من تلك الوظيفة تعظيم جماهير تختالين فيه وتمسين، ولم يكن لك منها نفاق مذبذبين تستنيمين إليه وتستعذبين، ما كان لك من تلك الوظيفة مصاهرات حرص عليها الناس لتقربهم إلى السلطة العليا زلفى، حتى إذا تقاعدت تخلوا عنها وكانوا فيها الزاهدين، فما هذه الغاشية التي تغشاك؟! وما هذا الزلزال الذي يهزّك هزّاً؟! تكلمي، ما بالك صامتة لا تقولين شيئاً ولا تهمسين؟!
أما كنت تتمنين ليلاً ونهاراً، وتضرعين إلى الله سراراً وجهاراً، تسألينه أن يخلصك من حياة الوظيفية والموظفين، وما في تلك الحياة من شوائب النفاق والخداع والكذب والزلفى، وما في تلك الحياة من الحدود والقيود والأنظمة التي تضيق بها الصدور، وترخص فيها الأنفس، ويستذل بها الأحرار؟! فما هذا الخوف الذي تخافينه، وفيم هذا القلق الذي تقلقين؟!
ألم تشتر هذه الكتب التي تنطح برأسها السقف، وتزحم بمنكبيها الزوايا؟! ألم تعديها حين الشراء بالقراءة والدراسة وطول السهر وجميل الصحبة، ثم اعتذرت بضيق الوقت وأعباء الوظيفة، وضربت لها موعداً آخر هو سنوات الإحالة وحياة الشيخوخة؟! هاهو ذا الموعد قد حان، وهاهي ذي سنوات الإحالة قد أقبلت، فلم لا تفرحين بأكرم لقاء؟! ولم لا تنجزين أثمن موعد، ولم لا تنجزين؟!
انظري إلى هذه الكتب، ثم ارجعي البصر إليها كرتين، بعضها قد نام وعلاه الغبار من طول الإهمال والانتظار، وبعضها يقظان غضبان ينظر إليك بعتب وزراية، ألا تصغين إلى ما تقوله وتسمعين!
تقول إذا كنت لا تريدين لنا صحبة، ولا تجدين في مجالسنا أنساً، فأطلقي سراحنا وافتحي لنا الأبواب، إن أناساً كثيرين سوف يفتحون لنا آذانهم وأعينهم والقلوب، وسوف نجد عندهم كريم صحبة وصادق إلف وجميل إحسان.
لم نؤلف نحن - معاشر الكتب - لنكون على الجدران زينة وجمالاً، ولا لنكون في البيوت أثاث تفاخر ومباهاة، وإنما نحن زاد عقول ونور قلوب، وأصدقاء أوفياء لمن كان لنا وفيا.
لقد لقينا نحن - معاشر الكتب - منك أيتها النفس جفاء غير حميد، واستقبالا غير ودود، وإعراضاً وصدا طال عليهما الأمد، أمن الحق أن تقضى الساعات الطويلة تصغين إلى المذياع، وتنظرين في التلفاز، وتجترين الأحاديث المكرورة في مجالس القهوة والشاي، حتى إذا نبهناك إلى حقنا عليك، وإلى نصيبنا من جهدك وأوقات فراغك، رحت تزعمين التعب والإرهاق، وتدعين الحاجة إلى النوم والراحة.
لو كنت ذات صناعة أو تجارة أو عمل، ولم تكوني منسوبة إلى العلم وأهله، لكان لك شيء من عذر، ولكنك - وا أسفاه - تنسبين إلى العلم وذويه، وتعدين فيهم حين يدعو الداعي إلى مغنم أو وليمة.
ألا تثوبين إلى الرشد وترجعين عن هذا الضلال!! ألا تحمدين الله وتشكرينه على هذه النعمة الجديدة المرتجاة منذ أزمان طويلة!! ألا تحمدين الله - أيتها النفس - وتشكرين!!؟
وبهذه النجوى الصامتة وهذا الهمس الهامس، استطعت - يا صديقي - أن أعود بنفسي إلى دنياها، فأخذت تتنفس بسهولة، وتتحرك بنشاط، وتشعر بما يشعر به الأحياء من جوع وعطش، وشبع وريّ وحرّ وقرّ، وليل ونهار.
ولكنني - يا صديقي - لا أزال في حيرة من هذا الذي أصاب نفسي ودهاها، وهي التي كانت تسعى إلى هذا التقاعد وتتمناه، ولا يكاد يفتر لها شوق إلى لقياه، حتى إذا جاءها فجأة - وما هو بالفجاءة - اضطربت له وزلزلت زلزالا شديداً.
فإلى أي شيء تعزو ذلك، وبماذا تعلله؟!
أترى ما حلّ بي عائداً إلى ضعف اعتمادي على الله وقلة توكلي عليه؟ وإلى أن صلاتي وصيامي وسائر عباداتي إنما هي عادات قمت بها أول أمري تقليداً لوالديّ وطاعة لهما، ثم تمكنت فيّ بكرّ الزمن وطول الممارسة، دون أن يكون لها أقوى أثر وعميق صدى في تصرفاتي المعاشية وسلوكي في الحياة، حتى إذا ما ابتلاني ربي أو خيّل إليّ أنه قد ابتلاني نسيت نفسي حق الله وحق عبادة الله وحق أن تسلم أمرها إلى ربها وتقول في اطمئنان وثقة: إنا لله وإنا إليه راجعون.
أم ترى ذلك راجعاً إلى سوء الطريقة التي بها تعلمت، لقد كانت طريقة تقوم على تلقين المعلومات تلقيناً وسردها سرداً، وما عليّ إلا أن أحفظ دروسي حفظاً أصم لا تعقل فيه ولا فهم، لا أشارك في أي جهد علمي، ولا أتحمّل أيّ مسؤولية في الكتساب أي معرفة، فتخرجت أتردد في إبداء الآراء، وأقلد غيري في قضايا العلم والأدب، وأكره أشد ما يكون الكره أن أستقل في أداء الأعمال.
أم ترى ذلك عائداً إلى ما يغشى هذا العالم هذه الأيام من قلق وذعر وجوع وفقر، فالناس لا يطمئنون إلى شيء، ولا يستقرون على حال، يصبحون وهم يخشون شيئاً يأتي به الليل، ويمسون وهم لا يستبشرون بما يطلع به النهار، ليس في صدورهم إيمان يبعث الطمأنينة والأمن، وليس في قلوبهم عقدة تكل الأمور إلى الله بعد أخذ بأسباب الحياة.
أم ترى ذلك راجعاً إلى أنه قد غبر من عمري دهر طويل وأنا عبد وظيفة، لي رزق معلوم أجده محضراً في آخر كل شهر، لا أخشى عليه ضياعاً، ولا أخاف فيه نقصاً، ولي عمل مرسوم لا أملك أن أحيد عنه أو أجتهد في تغييره، ولي وقت محدود لا أستطيع له تقديماً ولا تأخيراً، ومن حولي أشياء كثيرة يباح فيها القول فأقول فيها ليلا ونهارا، وأشياء قليلة لا يباح فيها القول فأكون ممن يحسبهم أيقاظاً وهم رقود، وبينهما أمور مشتبهات أصمت فيها صمت أهل القبور.
ما كان أكثر ما يخدع الناس بهذا الصمت فيظنونه حكمة وحسن بصر في الأمور، وما هو من هذا ولا ذاك في شيء، ولكنه..
وحب العيش أعبد كل حر
وعلّم ساغباً أكل المَرار
أم ترى ذلك راجعاً إلى هذه التربية السهلة الضعيفة العاجزة التي ينشأ عليها كثير من الأبناء في بلادنا، وقد كنت منهم، يتربون كلولا على والديهم، يأكلون ويشربون ويلبسون ويتعلمون دون أن يكسبوا لقمة خبز أو جرعة ماء، إلى أن يحصلوا على الوظيفة لاهثين يتصببون عرقاً، أو تأتيهم وهم متكئون على الأرائك منقادة إليهم تجرّر أذيالها.
أم ماذا ترى يا صديقي؟! لقد عهدتك ذا نظر ثاقب وبصر في الأمور حديد، فأرجو أن ترى لي الرأي في هذه الظاهرة العجيبة التي ألمت، وهذه الصدمة التي عميت فيها الأسباب.
ولعلك تسألني من بعد هذا وتقول: أي شيء تحسّ وقد ألقيت الطباشير من بين أصابعك، وماذا تجد بعد أن قلبت لسبورة الفصل ظهر المجن، وماذا خلفت وراءك بعد هذا السفر الطويل الجاهد؟
حنانيك يا صديقي!! لم ألق الطباشير بعد، ولا أزال صديقاً وفيا لسبورة الفصل، أحييها كل صباح، وأودعها وعلى أطراف أصابعي وأعطاف ملابسي آثار وغبار.
لقد كنت من قبل الإحالة مدرس تقاعد، وهأنذا اليوم قد صرت مدرس تعاقد، غير أني لا أكتمك أن شعوري قد تبدّل وأن إحساسي قد اختلف، ما أبعد الفرق بين طائرين: طائر قيده في جناحيه، وطائر قيده في رجليه.
لقد وقفت طويلاً أسرح الطرف إلى الطريق التي سرت عليها خمسة وعشرين عاما أغذّ السير وأواصل السرى والكلال، لا أعرف الراحة في وضح النهار ولا في غسق الليل، ولا أجد الظل البارد ولا الماء الفرات في حمارة القيظ، ولا أملك الكنّ الدفيء ولا الحساء السخين في صبارة القرّ.
لم أستطع يا صديقي أن أرى الطريق جميعاً على الرغم من أني وقفت أطل عليها من فوق ربوة عالية بعضها كان ضبابا، وبعضها كان أودية وشعاباً، وبعضها كان يغطيه الثلج، وبعضها كان قد جرفته الأمطار والسيول، والقليل القليل الذي استطعت أن أراه كان بهيجاً يسر الناظر، ويهيج الأشواق والمشاعر، كان زهره ذا عطر، وكان شجره ذا ثمر، وما أظنني أنساه مدى الحياة، أو تغيب عن مخيلتي ذكراه.
وجدت الذين قالوا: (إن المعلم شمعة تحترق لتضيء لغيرها) كانوا صادقين يصدرون عن واقع وينطقون عن تجربة، غير أن (تحترق) هذه ليست دقيقة التعبير ولا صادقة التصوير، ولو أنهم قالوا بدلاً منها (تُحرق) بالبناء للمجهول لكانوا أصدق وأدق.
الناس الذين تحترق لهم الشمعات يمضون لطياتهم مبصرين، ويسيرون على دروبهم لا يعترون، أما الشمعات فكيف حالها، وماذا كان مآلها؟! ما أكثر ما تصبح (رماداً) يا صديقي!! يمر بها أحياناً أولئك الذين استضاءوا بنورها، فيقفون عليها كما كان شعراء الجاهلية يقفون على الدمن التي لا تتكلم، ولا يعرفونها إلا بعد لأي وتوهم، فيخاطبونها بشعر فيه رثاء وعطف، وفيه ذكريات وُد وسرور.
لعلك فهمت من كلامي هذا أني ساخط على التدريس متبرم به، نادم على العمل في ميدانه، لا وربك يا صديقي!! فلو استقبلت من أمري ما استدبرت، وأعطيت الخيار في العمل، ما اخترت غير التدريس عملا، ولا رضيت من ميدانه بديلا، فأنا خلقت معلما بالفطرة، وإن هذه هي الوجهة التي أنا موليها، وإن هذا هو المنبر الذي أستطيع أن أقول من فوقه كلمة حق تجد لها أذنا واعية.
وإني لأشكر الله على ذلك وأحمده حمداً كثيراً، ولكن لا بُد للمصدور أن ينفث ويقول: لماذا هؤلاء المدرسون؟! ولماذا لا يضيئون من غير أن يصبحوا رماداً؟!!
عبد الرءوف اللبدي
هل تملك لسانك؟؟
قال أسود بن أصرم المحاربي: "قلت: يا رسول الله أوصيني؟ قال: هل تملك لسانك؟ قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: فهل تملك يدك؟ قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلا إلى خير".
رواه الطبراني.
من آثار معركة بدر
بقلم الأستاذ: أحمد محمود الأحمد
المدرس في كلية الدعوة وشعبة اللغة بالجامعة الإسلامية
لقد كانت معركة بدر معركة (فاصلة) حقا، لأنها غيرت مجرى الأحداث بعدها أيما تغيير، وتركت آثارها البعيدة بل الحاسمة في قريش وفي المدينة، وفي قبائل العرب ولاسيما المحيطة بها، وناهيك بآثارها في مستقبل العالم كله.
أولاً: آثار بدر في قريش.
لقد كانت الآثار التي تركتها بدر في قريش متعددة النواحي، ومن أبرزها ما يلي:-
أ: الناحية النفسية:
1-
كانت معركة بدر ضربة موجعة مفاجئة لقريش، هزتها من الناحية النفسية هزا عنيفا وأشعرتها أن المسلمين أصبحوا قوة غالبة وأنهم مؤيدون بقوة أخرى لا يستطيعون حيالها شيئاً، وجعل بعضهم يعتذر بهذه القوة عن هزيمتهم، يقول أبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب، وقد سأله أبو لهب عما حصل في بدر:"والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، الله ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شيء"[1] ولا شك أن مثل هذا الكلام، وما ينطوي عليه من اعتراف بتأييد المسلمين بقوة غير عادية - وهي الملائكة - ليدلان على مبلغ اهتزاز نفسية قريش نتيجة معركة بدر العظيمة.
2-
لقد أذهلت نتائج بدر رجالات قريش، حتى الذين لم يحضروا المعركة وأذلتهم يدل على ذلك أنه لما قدم الحيسمان بن عبد الله الخزاعي مكة بهذه النتائج، وجعل يعدد أشراف قريش الذين قتلوا، ذهل القوم، وشكوا في صدقه بل في عقله [2] فقال صفوان بن أمية ابن خلف: والله إن يعقل هذا فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالساً في الحجر، والله لقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا.
وفي مقابل هذا الذهول الذي منّي به رجالات قريش جعل المسلمون المستضعفون في مكة يعزون، وجعلت معنوياتهم ترتفع بما أفاء الله سبحانه على الدعوة وأهلها من النصر والتأييد، حتى سمت بهم مشاعرهم إلى الوقوف في وجه جبابرة قريش، ومواثبتهم، وما كانوا ليجرأوا على هذا من قبل بدر، ومما يدل على ما ذكرناه من ذلة رجالات قريش وعزة المؤمنين المستضعفين بسبب معركة بدر، ما يرويه أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه كان غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وأنه كان رجلاً ضعيفاً ينحت الأقداح في حجرة زمزم، ولما أخبر أبو سفيان الحارث أبا لهب أنهم لقوا في المعركة رجالاً بيضاً على خيل بلق كما أوردنا في الفقرة السابقة قال أبو رافع: تلك والله الملائكة، فصفعه أبو لهب صفعة شديدة، فما كان من أبي رافع إلا أن هجم على أبي لهب وثاوره، وانتهى الأمر بأن نهضت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب لتدافع عن أبي رافع، فأخذت عموداً من عمد الحجرة، وشجت به رأس أبي لهب شجة منكرة، فقام موليا، ولم يعش بعدها إلا سبع ليال، فرماه الله بالعدسة، ومات ذليلاً مغموراً [3] .
ولولا ما ألحقت غزوة بدر من ذل وهوان برجالات قريش، لما كان من الممكن أن يجرؤ أبو رافع رضي الله عنه على أبي لهب وهو سيد من سادات الوادي.
3-
إن نتائج غزوة بدر أحزنت قريشاً، وعذبتهم عذاباً معنوياً أليما، وذلك أنه لما تحقق أهل مكة من نتائج بدر ناحوا على قتلاهم، وقطعت النساء شعورهن، وعقرت خيول كثيرة ورواحل [4] وكان يؤتى براحلة الرجل منهم أو بفرسه فيجتمع الناس حولها ويأخذون في البكاء [5] ثم تناهوا عن البكاء كيلا يسمع ببكائهم المسلمون فيشمتوا بهم، كما تناهوا عن السعي في فداء أسراهم كيلا يأرب المسلمون في فدائهم هم
…
فكان إمساكهم عن البكاء، وبقاء أسراهم في أيدي المسلمين مما زاد في عذابهم المعنوي حتى كادت أكبادهم تنصدع، لأن البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين، وكذلك عودة الأسرى مما يخفف المصاب.
والخلاصة أن غزوة بدر قد هزت قريشاً هزة نفسية عنيفة، وأذهلتها أيما ذهول، وآلمتها إيلاماً معنويا بليغاً، وفي مقابل ذلك جعلت المسلمين يحيون في آفاق نفوسهم بالعزة وارتفاع المعنويات، وزيادة الثقة بالنصر الذي هو آت.
ب: الناحية الاقتصادية:
من المعلوم أن حياة قريش تقوم - في معظمها - على التجارة، ولتجارتها رحلتان أساسيتان، رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، وإن كلتا الرحلتين تكمل الأخرى، فليس لأحدها - وحدها - كبير جدوى على قريش لأن البضاعة التي يؤتى بها من الشام تحمل إلى اليمن، والعكس بالعكس
…
وجاءت غزوة بدر، وما سبقها من معاهدات عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم مع القبائل التي تمر تجارة قريش في أراضيها، لتسد الطريق في وجه هذه التجارة مما أوقع قريشاً في حرج شديد، وجعلها على عتبة أزمة اقتصادية خانقة، يدل على ذلك تصريح صفوان بن أمية أحد رجالات قريش وأغنيائها، إذ وقف يوماً يحدد معالم الأزمة الاقتصادية التي أمست قريش على عتبتها ويقول:"إن محمداً وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟! لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟! وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه مالنا فيها بقاء، وإنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء"[6] .
وهنا يتقدم رفعة بن الأسود [7] ليدل صفوان بن أمية على رجل يسلك به طريق العراق إلى الشام على أن هذا الطريق أطول من الطريق الأول، وأشق مسلكا، ولكن لا بد منه، لأن الأول قد سيطر عليه الصحابة، وأضحى سلوكه غير مأمون على تجارة قريش
…
وكان هذا الرجل فرات بن حيان من بني بكر بن وائل، فاستأجرته قريش، وجهزته عيراً عظيمة، خرج معها - فيمن خرج - أبو سفيان بن حرب
…
وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروج هذه العير، فبعث زيد بن حارثة في مائة راكب ليعترضها [8]
فأدركها على ماء في نجد يدعى (القردة) قريب من الربذة، ففر الرجال الذين كانوا يحرسون العير واستاقها زيد رضي الله عنه وأسر دليلها فرات بن حيان، وكان أسره من حسن حظه، لأنه أسلم وحسن إسلامه.
ثم خمس الرسول صلى الله عليه وسلم هذه العير، فبلغ خمسها خمسة وعشرين ألفاً.
وكانت غزوة القردة هذه بعد بدر بستة أشهر [9] .
وهكذا نجح المسلمون في ضرب حصار اقتصادي على قريش، مما سيكون له أثره في إضعافها كقوة كبيرة تقف بعناد وإصرار على رأس قوى الشرك العربية المناوئة للدعوة.
جـ: الناحية القيادية:
لقد أودت معركة بدر بعدد من كبار قادة قريش، وذوي الرأي فيها، كعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام، وأبي البختري العاص بن هشام، ومما يدل على القيمة القيادية لهؤلاء القتلى في مجتمع قريش أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لسلمة بن سلامة: أي ابن أخي، أولئك الملأ (الأشراف والرؤساء)، وذلك حين قال سلمة للمسلمين الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروحاء يهنئونه بما فتح الله عليه: ما الذي تهنئوننا به؟ إن لقينا إلا عجائز صلعا، كالبدن المعلقة فنحرناها [10] .. وكذلك يدل على قيمتهم القيادية أيضاً قول الأسود بن المطلب يبكي قتلى بدر [11] :
ولولا يوم بدر لم يسودوا
ألا قد ساد بعدهم رجال
ولا شك أن مصاب قريش بملئها هؤلاء قد كان رزءاً عظيماً عليها، وقد أسهم في زج مجتمعها وأضعافه في حلبة الصراع وبين دعوة الحق.
د: الناحية العسكرية:
إن هزيمة قريش في بدر طامنت من كبريائها العسكرية، وخفضت من ثقتها بنفسها إزاء المسلمين، خصوصاً، وأن هذه الهزيمة قد نكبتها - كما ذكرنا آنفاً - بعدد كبير من ملئها، وقادتها وسادتها، وكلهم ذو مكانة في حياتها العسكرية.
وما زلت حالتها العسكرية بعد هذه النكبة بين مد وجزر ضمن اتجاه عام آخذ في الانحدار حتى بلغ حضيضه يوم جلا المشركون عن الخندق ـ وعادوا إلى بلادهم يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم"[12] .
وقد يعترض على هذا الرأي بغزوة أحد، وأقول في الجواب عن هذا الاعتراض: إن غزوة أحد ليست في حقيقتها - سوى مد أعقبه جزر ضمن الاتجاه العام المنحد المذكور، وهي بالنسبة إلى قريش إخفاق عسكري محقق [13] أو هي على أحسن تقدير نصر جزئي أطاحت به هزيمتان: أحدهما في بداية المعركة، والأخرى عقب حمراء الأسد، حين بلغهم مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ففت ذلك في أعضادهم وكسرهم، وتمادوا في الانسحاب إلى مكة، وقد كانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين [14] ، وسيأتي تفصيل ذلك في حينه إن شاء الله.
محاولة:
لم تستسلم قريش لما حل بها نتيجة وقعة بدر، وليس من المتوقع أن تستسلم وهي راس القبائل العربية، وإمامتها في مناوءة (دعوة الحق) ، ولا بُد لها من أن تحاول أعمالا تشفي بهذه الأعمال غيظها وتسترد بها شيئاً من قيمتها التي تزلزلت في نظر القبائل العربية.
ومن ثم نذر أبو سفيان - ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو النبي صلى الله عليه وسلم وينتقم لما أصابه في بدر، ويسترد اعتباره في دنيا القبائل العربية. وقد استطاع أن يجهز جيشاً قوامه مائتا فارس، وتوجه به نحو المدينة، ونزل إلى جبل يقال له (نيب) يبعد عنها نحواً من بريد 22،176كم [15] ثم خرج من الليل واتصل بسلاّم بن مشْكل سيد من سادات بني النضير، وتدارسا الموقف العام إزاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتذاكرا فيما يجب عمله للقضاء على دعوة الحق، وفي آخر الليل رجع إلى جيشه، وبعث رجالاً إلى المدينة، فأتوا ناحية تسمى (العريض) فحرقوا نخلاً، وأصابوا رجلاً من الأنصار في حرث له هو وحليفه فقتلوهما،
…
وبعد ذلك انصرف أبو سفيان بمن معه راجعاً إلى مكة.
علم الرسول صلى الله عليه وسلم بهؤلاء، فخرج في أثرهم، ولكنهم امعنوا في الغوار، حتى أنهم اضطروا إلى إلقاء أزوادهم تخففاً، والتماساً للنجاة
…
وطاردهم المسلمون إلى قرقرة الكدر فلم يظفروا هم، لمبالغتهم في الهرب، وكان أكثر ما اطرحوه من أزوادهم السويق، وقد أصاب المسلمون منه شيئاً كثيراً وسميت هذه الغزوة (غزوة السويق) لكثرة ما طرح الكفار منه وهم فارون أمام جيش النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد كانت هذه الغزوة لخمس خلون من ذي الحجة، أي بعد بدر بشهرين وأيام.
وأنت ترى أن أبا سفيان أخفق في تحقيق هدفه، فهو لم يستطع أن يقوم بأي عمل يعتبر شيئاً إزاء ما أصاب قومه في بدر، وجل ما هناك أن جيشه في غزاته هذه أغار إغارة اللصوص وفر فرار الجبناء فلم يشف غيظا، ولم يستعد اعتبارا، ولم يغسل عاراً، بل لعله قد جدده بغواره وأكده.
غزوة أحد:
إن غزوة السويق - كما عرفنا - لم تجد على قريش شيئاً، وأنى لها أن تجدي؟!
لذلك بقيت قريش تجتر أحقادها على المسلمين، وتتذكر كما أصابها في بدر، وقد أذكت هذه الأحقاد، والهبت هذه الذكريات أمور منها إخفاقها في غزوة السويق،
واستياق زيد بن حارثة عيرهم في غزوة القردة، وقد سلفت الإشارة إليها، زد على ذلك تحريض كعب بن الأشرف المرابي اليهودي لهم وبكاؤه قتلاهم [16] ، وقد اجتمع في أنفسهم من هذه الأسباب ما حفزهم إلى غزو المدينة، فاستفرغوا وسعهم في حشد جيش قوامه ثلاثة آلاف، منهم ومن أحابيشهم، ومن أطاعهم من قبائل كنانة، وأهل تهامة [17] ثم قصدوا المدينة وكانت بينهم وبين المسلمين معركة أحد المشهورة، غير أن عاقبتها كانت بالنسبة لقريش - كما قلنا آنفاً - إخفاقاً عسكريا، أو كانت على أحسن تقدير نصراً جزئياً بين هزيمتين وسيأتي الكلام مستوفى - إن شاء الله - في هذه الغزوة في حينه.
وهكذا نرى أن آثار معركة بدر بقيت عالقة بكيان قريش دون أن تستطيع إزالتها، بالرغم من محاولتها الجادة وهيهات أن يستطيع الإنسان دفع شيء أنزله الله به ومن يهن الله فما له من مكرم.
ثانياً: آثار بدر في المدينة.
كان سكان المدينة المنورة لما جرت معركة بدر أربع طوائف هي: المسلمون، والمشركون والمنافقون، واليهود، واختلف وقع نتائج هذه المعركة الحاسمة باختلاف هذه الطوائف.
أ - المسلمون:
لقد فرح المسلمون بنتائج هذه المعركة فرحاً عظيماً، وازدادوا إيماناً بما هم عليه من الحق والهدى ويقيناً بأن الله سبحانه ناصر من يجاهد فيه مهما كثر العدد، وتكالبت الظروف، وارتفعت معنوياتهم ارتفاعاً ترك أثره في الأسلوب الذي يعالجون به علاقاتهم بالطوائف الأخرى التي تساكنهم المدينة، لقد كانوا قبل بدر يصبرون على ما يلاقون من أذى هذه الطوائف وتعرضها لهم ولدعوتهم بما لا ينبغي [18] أما بعدها فقد آن الأوان لإعمال مشرط الطبيب في إزالة العلل المستعصية، وبتر الأعضاء المريضة التي لا سبيل إلىشفائها من جسم ذلك المجتمع
…
ومن هنا رأيناهم يقومون بعدة عمليات بتر، منها ما يلي:
1ـ بتر أبي عفك:
كان أبو عفك شيخاً من بني عمرو بن عوف، بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الشعر في إيذاء المسلمين، والصد عن سبيل الله
…
وقد صبر عليه المسلمون غير أنه لم يرعو، ولم ينجح فيه سياسة الصبر والرفق، وحين لم يبق في القوس منزع، وأضحى لا بُد من بتره نذر سالم بن عمير، وهو أحد البكائين، ليقتلنه أو ليموتن دونه
…
وجعل سالم رحمه الله يطلب غرة أبي عفك، حتى كانت ليلة من ليالي الصيف الحارة، ونام أبو عفك بفناء داره، فأقبل سالم البطل فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى نفذ إلى الفراش، وخش فيه وصاح عدو الله والإسلام، فثاب إليه ناس ممن هم على مثل رأيه، فأدخلوه منزله وقبروه، وهكذا بتر هذه العضو المزمنة علته لم يكن بد من بتره، وكان ذك في شوال على رأس عشرين شهراً من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم [19] .
وعاش سلم بن عمير رضي الله عنه حتى في خلافة معاوية بن أبي سفيان رحمه الله، بعد أن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً [20] .
2-
بتر عصماء بنت مروان:
كانت عصماء هذه يهودية [21] ، وكانت تعيب الإسلام وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول الشعر وتحرض عليه، وقد نافقت بعد مقتل أبي عفك، ولما استمرت في إيذائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعيبها الإسلام جاءها عمير بن عدي في جوف الليل، ودخل عليها بيتها وكان حولها نفر من ولدها يتام، وإلى جانبها رضيع، فجسها بيده - وكان أعمى - فلما تحقق منها نحى الرضيع، ووضع سيفه على صدرها، واعتمد عليه حتى أنفذه من ظهرها.
ثم صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقال صلى الله عليه وسلم له:"أقتلت ابنة مروان؟ قال: نعم، فهل علي في ذلك شيء؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان"[22] وأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد قتله عصماء، فأقبل على الناس وقال:" من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله فلينظر إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"انظروا إلى هذا الأعمى الذي يرى" فقال صلى الله عليه وسلم: "مه يا عمر فإنه بصير، وسماه البصير لما رأى من كمال إيمانه وقوة قلبه في الله [23] ".
ولما رجع عمير إلى قومه بعد قتل عصماء وجد بنيها وهم خمسة رجال في جماعة يدفنونها، فقال: أنا قتلتها، فكيدوني ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما قلت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم [24] .
وبعد إزالة هذه العقبة من طريق الدعوة وبتر هذا العضو الفاسد من المجتمع المدني، ظهر الإسلام في بني خطمة، واستعلن بإسلامه من كان يستخفي من مستضعفيهم، وأسلم يومئذ رجال لما رأوا عز الإسلام [25]
…
وقد كانت هذه الخطوات التي خطاها المسلمون أمراً لا بد منه في وقته وبحسب الظروف التي كانت تواجه الدعوة.
ب - المشركون والمنافقون:
لقد أستاء مشركو المدينة ومنافقوها لما سمعوا زيد بن حارثة - وهو على القصواء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بالفتح، ويعدد أسماء قتلى قريش، وبعض أسراها، وجعلوا يقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلاً، وقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد: قتل صاحبكم ومن معه، وقال آخر لأبي لبابة: قد تفرق أصحابكم تفرقاً لا يجتمعون فيه أبداً
…
قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلا.
غير أن الموقف قد انجلى، إذ لم يمض طويل وقت حتى سبق الأسرى إلى المدينة وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم [26] ولما صدم المشركون بالحقيقة الواقعة التي لا تدفع، استكانوا، وصانعوا المسلمين، ونافق كثير منهم، فأظهروا الإسلام، وهؤلاء كانوا فريقين فريقاً بقوا على شركهم القديم، وفريقاً انحل بالكلية، فلم يبق على شركه، ولم يعتنق الإسلام إلا ظاهراً، بل مضى في طريق الذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم الله تعالى بقوله:{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [27](سورة النساء - 143)
هذا هو الموقف الإجمالي للمشركين والمنافقين في المدينة بعد غزوة بدر فالمشركون - كما قلنا آنفاً - منهم من بقي على شركه، ومنهم من نافق، وهؤلاء كانوا طائفتين: طائفة انحلت تماماً، وأضحت مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وطائفة أقامت على شركها في الباطن وإن تظاهرت بالإسلام.
أما المنافقون سواء من نافق قبل بدر أو بعدها فقد غاظهم انتصار المسلمين، وضاقوا به أيما ضيق، واستمروا - على ما كانوا عليه - يتآمرون على الدعوة في الخفاء، ويتعاونون مع إخوانهم، بل شياطينهم اليهود، ولم يكتفوا بذلك بل انحدروا إلى مستوى العمالة لقريش، والروم، ونصارى العرب
…
على أن من المشركين من أدركتهم عناية الله، فثابوا إلى رشدهم، ودانوا بالإسلام، كحويصة ابن مسعود أخي محيصة الذي قتل ابن سبينة [28] التاجر اليهودي، وبتره من جسم المجتمع المدني حين أهدر الرسول عليه الصلاة والسلام دماء يهود [29] عقب اغتيال عدو الله، كعب بن الأشرف كما سنرى، وقد كان إهدار دمائهم ضرباً من الإجراءات الرادعة ساق إيه تآمرهم المستمر الخطر على كيان الدعوة ودولتها.
جـ - اليهود:
لقد كان وقع نتائج غزوة بدر شديداً على نفوس اليهود المقيمين في المدينة شدة الصواعق، واستغربوها وريعوا لها ولما انتهت هذه النتائج إلى كعب بن الأشرف قال: أحق هذا؟ أترون أن محمداً قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان، يعني زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة [30] فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها [31] .
ولما تحقق اليهود صحة ما سمعوا من أنباء معركة بدر خضعوا واستكانوا، وأظهر فريق منهم الإسلام رياء ونفاقاً [32] وأخلدوا في جملتهم إلى مثل الهدوء الذي يسبق العاصفة، وفي النفوس ما فيها من الحقد والحسد يغليان غليان القدور
…
غير أن هذا الهدوء لم يدم، وما كان من المنتظر أن يدوم بل انكشف عن مؤامرات وتحركات وألوان من الاستعداد لضرب الدعوة ضربات قاضية.
فهذا عدو الله كعب بن الأشرف لما تحقق من صحة ما أذاعه زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة لم يطق صبراً، بل شد الرحال إلى مكة، وجعل يحرض على الرسول صلى الله عليه وسلم، وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب الذين أصيبوا ببدر [33] ، ولما رجع إلى المدينة من رحلته الآثمة هذه جعل يمعن في الإساءة للمسلمين، والتطاول على كرامتهم وأعراضهم، فشبب بنسائهم وآذاهم إيذاء لا يحتمل، وعندئذ لم يكن بد من وضع حد نهائي لنشاطه الهدام المعادي، بل لم يكن بد لمصلحة الدعوة التي هي في الحقيقة مصلحة الإنسانية قاطبة من بتره، وإزالته من عالم الوجود، وهذا ما حصل فعلا في ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهراً من هجرته صلى الله عليه وسلم [34] وبعد قتل هذا الأثيم الذي أكثر من الصد عن سبيل الله ومن الوقوف في وجه الدعوة، أهدر عليه الصلاة والسلام دماء اليهود جميعا، وأذن في قتل من ظفر به منهم جزاء وفاقاً لكيدهم للإسلام ونقضهم الميثاق الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم بين أهل المدينة قاطبة بعيد الهجرة وتآمرهم على الدعوة وأهلها [35] وعلى أثر إهدار دمائهم قتل محيصة ابن سبينة كما قلنا سابقاً.
إن كل ما ذكرناه آنفاً من بتر أبِي عفك، وعصماء بنت مروان، وكعب بن الأشرف، وإهدار دم من ظفر من اليهود، إنما كان تأديباً لهم على مستوى الأفراد، وكان هناك نوع آخر من التأديب، وهو التأديب على مستوى القبائل وذلك ما تحكيه لنا غزوة بني قينقاع
…
كان بنو قينقاع أشجع يهود المدينة، وأشدهم بأساً، وكانوا صاغة وتجاراً [36] يقيمون داخل المدينة على مقربة من وادي بطحان.
ولما كانت غزوة بدر، أظهروا البغضاء والحسد، والتحدي للمسلمين، والجرأة على الله ورسوله والشقاق لهما يدل على ذلك أنهم لما جمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر في سوقهم وقال لهم:"يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم"، قالوا له:"يا محمد إنك ترى أنا قومك! لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس". فأنزل الله تعالى فيهم قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ} [37] .
وإلى هنا نرى أن اليهود قد جاءوا بكثير من الأعمال التي من شانها أن تجعل تأديبهم أمراً ضروريا لا مناص منه، وتهيئ الجو للإيقاع بهم، وفي هذه الظروف المؤذنة بالانفجار جاءت حادثة المرأة المسلمة التي أساء إليها الصائغ اليهودي، وشرذمة من قومه، فكانت هذه الحادثة بمنزلة عود الثقاب الذي فجر الموقف
…
وبعد هذه الحادثة أنزل الله تعالى قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [38] فقصدهم النبي عليه الصلاة والسلام وحاصرهم خمسة عشر يوماً حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وبإلحاح كبير شفعه فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقن دماءهم [39] وكان حكمه النهائي فيهم أن يجلوا عن المدينة ولهم النساء والذرية ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال والسلام ولحقوا بأذرعات من أرض الشام، فما لبثوا فيها إلا يسيراً ثم هلكوا [40] .
وكانت هذه الغزوة في النصف من شوال سنة اثنتين من الهجرة.
هذه لمحة خاطفة عن آثار غزوة بدر في اليهود في المدينة، وقد كانت جزاء وفاقاً لخيانتهم العهود، وتآمرهم على الدعوة، ومحاولتهم - أبداً - الوقوف في سبيلها، ومشاقتهم الله ورسوله
…
على أن كل ما قد رأينا لم ينههم عن غيهم
…
وسيبقون على ما هم عليه من الطباع والأعمال حتى تحيق بهم سيئاتهم، ويجنوا على أنفسهم، فيخرج بنو النضير من المدينة بعد وقعة أحد، ويقضي على بني قريظة القضاء العادل الرادع بعد وقعة الأحزاب، بل حتى تنتهي وجودهم في الحجاز كله، وهذه قصة يهود عبر تاريخهم كله مع شعوب العالم كافة، استغلال هذه الشعوب، وتآمرهم عليها وجحودهم لمعروفها
…
وأخيراً تتنبه هذه الشعوب لخطرهم، فتنتفض في وجوههم، وتأخذهم بما جنت أيديهم
…
ثالثاً: آثار بدر في القبائل العربية:
كانت القبائل العربية قبل بدر لا تعير المسلمين الاهتمام الذي يستحقونه، لقد كانت تنظر إليهم - بوجه عام - كأناس مستضعفين يهاجرون من بلادهم، ويلتمسون لهم ملجأ في يثرب، أما بعد بدر، وبعد أن أوقعوا بقريش، فقد أدركت أنهم صاروا قوة خطيرة، يجب ألا يتغاضى عنها، بل يجب أن يقضى عليها.
وقد أذكى هذا الشعور لدى هذه القبائل ما اعتادته من احترام قريش، أهل الحرم، وسدنة البيت وصريح ولد إسماعيل عليه السلام، وكونها تجتمع وإياهم على نهج ديني واحد
…
وهناك عامل آخر شارك في إذكاء هذا الشعور، وهو ما كانت تجنيه هذه القبائل أو بعضها من فوائد مادية من جراء مرور قوافل قريش التجارية في أراضيها، وهذه الفوائد كانت تأتي عن طريق نظام (الإيلاف)[41] وعن طريق اشتغال رجال منها لحساب قريش، حتى إن منهم من كانوا عيوناً وجواسيس لها، كمجدي بن عمرو الجهني الذي كان عيناً لأبي سفيان [42] وعن طرق أخرى أيضاً.
وبانتصار المسلمين في بدر أضحت هذه القبائل - فيما تراءى لها - مهددة بأخطار جسيمة اقتصادية، ودينية، وسياسية، ومن ثم جعلت تتحفز للقضاء على الدعوة وازدهارها، مما جر على المسلمين حرجاً غير قليل، غير أنهم ارتفعوا إلى مستوى الظروف المواجهة، وقاموا بعدد من الغزوات التلاحقية، يفاجئون بها القبائل قبل أن تتحرك نحوهم، حتى ردوها إلى الصواب كارهة أو طائعة
…
ومن هذه الغزوات ما يلي:
(1)
غزوة بني سليم.
وكانت هذه الغزوة بعد قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم من بدر بسبع ليال، وقد أراد بها النبي صلى الله عليه وسلم بني سليم، وسار حتى نزل ماء من مياههم يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا [43] ولما غادر الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة استعمل عليها سباع بن عرفطة الغفاري أو عبد الله بن أم مكتوم.
(2)
غزوة ذي أمر.
وقد كانت هذه الغزوة بعد عودته صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق والتي جرت - كما علمنا سابقاً - لخمس خلون من ذي الحجة سنة اثنتين للهجرة.. وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بقية ذي الحجة أو قريباً منها، ثم غزا نجداً يريد غطفان، فأقام في نجد صفر كله أو قريباً منه ثم عاد إلى المدينة دون أن يلقى حرباً، واستعمل على المدينة مدة غيابه عنها عثمان بن عفان رضي الله عنه [44] .
(3)
غزوة بحران.
يذهب ابن هشام إلى أن هذه الغزوة أريدت بها قريش، ويذهب ابن سعد إلى أن بني سليم هم الذين كانوا هدفها، فقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعاً كبيراً منهم قد اجتمع في بحران من ناحية الفرع، فقصدهم في ثلاثمائة من أصحابه، ولما خرج من المدينة لم يبين الوجهة التي يريد، حتى إذا كان دون بحران بليلة لقي رجلا من بني سليم فأخبرهم أن القوم افترقوا، ولكن يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدقه، ولذا حبسه مع رجل من الصحابة، وسار حتى أتى بحران فألفاهم قد تفرقوا، فعاد ولم يلق كيداً.
ولما خرج صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، وكان خروجه من المدينة عند ابن هشام في شهر ربيع الآخر، أو في شهر ربيع الأول وأقام فيها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى [45] أما ابن سعد فيذهب إلى أنه خرج من المدينة لست خلون من جمادى الأولى، وإلى أنه غاب في هذه الغزوة عشر ليال [46] وهكذا نرى أن ابن سعد، وابن سعد هشام يختلفان فيمن قصدوا بهذه الغزوة، وفي زمن خروجه صلى الله عليه وسلم إليها، وفي مقدار غيبته وليس هذا بضائر مادام جوهر الغزوة متفقاً عليه، وهو مباغتة الحادقين والأعداء المتربصين قبل أن يتمكنوا من القيام بأي عمل عدائي ضد الدعوة وأهلها.
وهكذا نلاحظ أن المسلمين قد كانوا بالمرصاد لجميع القبائل التي همت بإيذائهم أو الوقوف في وجه الدعوة، فباغتوها، وحالوا بينها وبين ما تريد من الشر، وبرهنوا على أنهم - أبداً - في مستوى الظروف مهما اختلفت، ومهما تكالب عليهم الأعداء.
صدى بدر:
لقد تجاوز صدى بدر مداها الكافي، كما تجاوز مداها الزمني، لقد بلغ صداها أرض الحبشة، وغيرها من الدول المجاورة، وتغلغل فيما تلاها من القرون..
أخرج ابن كثير في البداية والنهاية [47] نقلا عن الحفاظ البيهقي أن النجاشي أرسل ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان - ثياب - جالس على التراب، فأشفقوا منه حين رأوه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوههم قال لهم: إني أبشركم بما يسركم، أنه جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه صلى الله عليه وسلم وأهلك عدوه. وأسر فلان وفلان، وقتل فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر، كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى لسيدي رجل من بني ضمره إبله، فقال له جعفر: ما بالك جالس (كذا) على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه أخلاق قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن حقا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عندما يحدث لهم من نعمه، فلما أحدث الله لي نصر نبيه صلى الله عليه وسلم، أحدنت له هذا التواضع.
ولا شك أن الدول المجاورة الأخرى كالروم وفارس كان لها - أيضاً - عيون في بلاد العرب، ومنها الحجاز، تنقل إليها أخبارها، وليس ذلك بالمستغرب نظراً لما كان لهذه الدول من مصالح في جزيرة العرب
…
يدل على ذلك أن ملك غسان سرعان ما علم بمقاطعة المسلمين لكعب بن مالك من جراء تخلفه عن غزوة تبوك، فأرسل رسالة مع نبطي من أهل الشام قدم بتجارة إلى المدينة، وفي هذه الرسالة قال له: "أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك (كذا) ، ولكنه رضي الله عنه، ألقى هذه الرسالة في تنور فأحرقها دون أن يعيرها اهتماما [48] .
ومما يلهم وجود عيون الروم وصنائعهم الغساسنة قول كعب نفسه في بدر [49] :
وأخبر شيء بالأمور عليهما
ألا هل أتى غسان في نأي دارها
معد معا جهالها وحليمها
بأن قد رمتنا عن قسيء عداوة
لمنخر سوء من لؤي عظيمها
ضربناهم حتى هوى في مكرنا
سواء علينا حلفهما وصميمها
فولوا ودسناهم ببيض صوارم
فهذه الأبيات تشعر أن الأصحاب رضي الله عنهم كانوا يتوقعون أن تصل أنباء بدر إلى ما وراء حدود الجزيرة، إلى الدول المجاورة ذات المصالح في أرض العرب، ولا شك أن الشعور الذي يستقبل به الناس فيما وراء الحدود هذه الأنباء يختلف عن شعور النجاشي، لأن هذا موال وأولئك كفرة مناوئون
…
وعلى كل فإن أصداء بدر وآثارها ستبلغ في المستقبل داني البلاد وقاصيها.
أسباب النصر:
ترجع أسباب انتصار المسلمين في هذه المعركة التاريخية الفاصلة من حيث الجوهر إلى السنن التي تشير إليها الآيات الكريمة:
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (سورة الحج -40) .
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد -4)
{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (سورة آل عمران -160) .
{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (سورة الروم - 47) .
وأما من حيث التفصيل فيرجع هذا النصر إلى أمور منها:
1 -
شوق المسلمين إلى الشهادة في سبيل الله، وطلبهم الجنة ببذل الطارف والتليد في مرضاة الله البارئ عز وجل مما يورث روحا معنوية لا تبارى، وليس بخاف أثر الروح المعنوية في تحقيق النصر.
2 -
شدة انضباط المسلمين، وتنفيذهم تعليمات قائدهم صلى الله عليه وسلم بكل رغبة وإخلاص.
3 -
صدق القيادة، وحكمتها، وكونها قيادة من خلال مشاركة الجنود في تحمل مختلف ألوان الأعباء، فلقد شاركت هذه القيادة النبوية جنودها في السير إلى الأعداء، وفي عمليات الاستطلاع وفي خوض المعركة ولقاء العدو لقاءاً مباشراً والقتال في أوجه، روي عن علي رضي الله عنه [50]"كنا إذا حمى البأس.. اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا".
4 -
شدة اجتذاب القيادة بكفاياتها العظيمة لقلوب الجنود حتى قال قائلهم للرسول صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، أمض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه"[51] .
5 -
لقد طلع النبي صلى الله عليه وسلم على الأعداء بأسلوب جديد في القتال. وهو أسلوب الصف، فكان له أثره في تحقيق النصر، والتاريخ الحربي يشهد بأن تطبيق القادة العظام أساليب جديدة غير معروفة في القتال كان له أثره في الانتصارات التي أحرزوها.
وهكذا نرى أن أسباب الانتصار العظيم الذي حققه المسلمون في بدر كانت تكمن في اتباع سنن الله التي علمنا إياها القرآن العظيم، وسننه هذه تقضي بأن النصر هو لمن اتقاه، وتوكل عليه، وتفوق في اتخاذ الأسباب الموضوعية الممكنة، ولا غرو فالله تعالى كما ورد في السنة يحب من أحدنا إذا عمل عملا أن يتقنه.
والخلاصة أن معركة بدر كانت تاريخية فاصلة حقاً، لا في تاريخ الإسلام وحده بل في تاريخ العالم الذي تأثر جد التأثر بظهور الإسلام وانتصاره، وما انبثق منه من حضارة باذخة أثرت، وما تزال تؤثر في حياة الإنسان
…
إن هذه المعركة كانت كبيرة الآثار في قريش، وفي جماعة المسلمين، وفي الطوائف التي كانت في المدينة وفي قبائل الجزيرة العربية، وقد تمكنت الدعوة أيما تمكين، ولكنها في الوقت نفسه أثارت في وجهها صعابا جسيمة، وأورثتها مسؤوليات كبيرة، غير أن الدعوة نهضت بواجبها خير نهوض في وجه هذه الصعاب والمسؤوليات
…
وخرجت من حومة الصراع ظافرة غالية
…
وقد علمتنا هذه المعركة أن الله سبحانه يؤتي المسلمين نصره، حين يحققون الإسلام في أنفسهم عقيدة وسلوكا، دون أن يتشاغلوا عنه بما ليس منه، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.
والحمد لله رب العالمين
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
ابن هشام، جـ1، ص 339.
[2]
ابن هشام المرجع السابق، ص 338، وابن كثير البداية والنهاية، جـ3، ص 308، والواقدي مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص 89، القاهرة 1367 ـ 1948 م.
[3]
ابن هشام، المرجع السابق، ص 340، ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك جـ2 ص 160، وابن كثير المرجع السابق ص 310.
[4]
ابن كثير المرجع السابق، ص 308، 309.
[5]
الواقدي، المرجع السابق ص 91.
[6]
الواقدي المرجع السابق ص 155.
[7]
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، جـ1، ص 182.
[8]
ابن سيد الناس عيون الأثر جـ1، ص 305.
[9]
ابن كثير المرجع السابق، جـ4، ص 4.
[10]
ابن هشام المرجع السابق، ص 334.
[11]
ابن هشام، المرجع السابق، ص 341.
[12]
متن البخاري بحاشية السندي، جـ3، ص 33، ط عيسى البناني الحلبي.
[13]
اللواء، محمود شيت خطاب ـ مجلة التمدن الإسلامي العدد 6، المجلد 41، ص: 522، 94 / 74 م.
[14]
ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير، ص 67.
[15]
ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير، ص 148 وحاشية المحقق في الصفحة ذاتها.
[16]
ابن هشام، جـ2، ص 502، وابن عبد البر المرجع السابق ص 150 وابن كثير المرجع السابق ص 6 وابن سيد الناس المرجع السابق جـ1 ص 298.
[17]
ابن هشام، جـ3، ص 4، وابن عبد البر، المرجع السابق ص 153، وابن كثير المرجع السابق جـ4، ص 10.
[18]
كان هذا الأذى يختلف عن أذى كفار قريش في مكة نوعاً وكما.
[19]
الزرقاني على المواهب، جـ1 ص 456.
[20]
ابن سيد الناس، المصدر السابق جـ1 ص 300.
[21]
الزرقاني على المواهب ج1، ص 453.
[22]
ابن سيد الناس، المرجع السابق، ص 293، وابن هشام، السيرة جـ2، ص 637.
[23]
الزرقاني على المواهب جـ1، ص 454.
[24]
الزرقاني على المواهب المكان نفسه، وابن هشام، السيرة جـ2، ص 638.
[25]
ابن كثير المرجع السابق ص 354 ـ 305.
[26]
ابن كثير المرجع السابق ص 354 ـ 305.
[27]
ابن كثير المرجع السابق ص 304.
[28]
ويقال ابن سنينة.
[29]
ابن هشام جـ2، ص510 ـ 512.
[30]
هما البشيران اللذان قدمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبشرا المسلمين بما فتح الله عليه في بدر.
[31]
ابن هشام المرجع السابق، ص 502، وابن كثير، المرجع السابق، ج4 ص 6، وابن خلدون، كتاب العبر ديوان المبتدأ والخبر.. جـ2 ص 200، ط فاس: 1355هـ.
[32]
ابن كثير المرجع السابق، ج3 ص 347.
[33]
ابن هشام، المرجع السابق ص 502، الواقدي المرجع السابق، ص 145.
[34]
الواقدي المرجع السابق، ص 144، الطبري، تاريخ الأمم والملوك، جـ2، ص 177، وانظر صحيح البخاري بحاشية السندي جـ3 ص 17،وابن هشام المرجع السابق، ص 502ـ510.
[35]
ابن القيم، زاد المعاد، ج2 ص 91 (بيروت 1392 ـ 1973 م)
[36]
ابن القيم المكان نفسه.
[37]
سورة آل عمران ـ 12، 13.
[38]
سورة الأنفال ـ 58 (انظر الواقدي، المرجع السابق، ص 141.
[39]
ابن عبد البر، المرجع السابق ص 149.
[40]
الواقدي المرجع السابق.
[41]
كانت قريش بمقتضى هذا النظام تتجر لبعض القبائل بسلعها دون عمولة، على أن تتولى هذه القبائل حراسة تجارتها حين تمر في أراضيها.
[42]
ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير، ص 112.
[43]
ابن القيم زاد المعاد ج2 ص 90، وابن هشام ج2 ص 492،وابن سيد الناس، المرجع السابق.
[44]
ابن هشام، جـ2، ص 496، وابن القيم، المرجع ص 91.
[45]
ابن هشام جـ2، ص 496.
[46]
الزرقاني على المواهب، جـ، ص 1 6.
[47]
ـ جـ3 ص: 307 ـ 308.
[48]
ابن كثير، البداية والنهاية، جـ5، ص 25.
[49]
ابن كثير، البداية والنهاية، جـ3 ص 335.
[50]
ابن كثير، البداية والنهاية جـ5، ص 279.
[51]
ابن كثير، البداية والنهاية جـ3، ص 262.
لا يزال الإسلام رافع الرأس شديد البأس
لفضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية
في هذه الأيام كثيراً ما يتساءل الناس يقولون:
لقد وعد الله بأن تكون الغلبة للإسلام، وأن يظهره على الدين كله، ولكن أين دلائل النصر في هذا العصر؟
لقد أصبح أتباع الإسلام يقاسون الهوان في كل مكان، وجواباً عن هذا السؤال، ودفعنا لهذه الشبهة نقول:
إن الله وعد بنصر الإسلام وتكفل به دون قيد أو شرط فقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ..
أمّا نصر أتباعه والمعتنقين له فقد علقه على استجابتهم لدين الله، وصدق إيمانهم وحسن بلائهم قال تعالى:{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} وقال: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .
وقد وفى الله بوعده: {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} فلا يزال يتعهد الإسلام بعنايته، ويحوطه برعايته، ويصونه ويحميه وينصره ويعليه، ويرد عنه كيد الكائدين، ويبعد عنه شر المبطلين.
ودلائل النصر في هذا العصر، أقوى وأوضح منها في أي عصر وكفى الإسلام مجداً أنه ثبت وحده في وجوه الأعداء فما تقهقر وما لان، وما ضعف وما استكان، وخرج من المعارك أقوى مما كان، ولو كان غير الإسلام لقضت عليه هذه الضربات القاتلة وما استطاع أن يقف على رجليه، ولا نقلب على عقبيه، لكنه بقي في الميدان وحده يناضل بقوته الذاتية، ويعود - كما اعتاد - بالفوز والغلبة {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .
لقد حاول الغربيون بإيعاز من رجال الدين المسيحي أن يحاربوا الإسلام في عقر داره، فشنوها حرباً صليبية على بلاد الإسلام وجندوا جنودهم، وأعدوا عدتهم، ودفعوهم إلى الميدان يحمسهم رجال الدين، ويعدونهم بالجنة والمغفرة، ولكنهم باءوا بالفشل، ورجعوا يجرون ذيول الخيبة والهزيمة.
ومن هذه اللحظة بدءوا يفكرون تفكيراً جدياً في الانتقام من الإسلام، والثأر من هذا الدين الجديد، فرأوا أنه لا بد من تغيير عقلية المسلم أولا، ولا بد من زعزعة عقيدته حتى تفتر همته، وتهن عزيمته، وتضعف غيرته، فلا يستميت في الذود عن دينه والدفاع عن كيانه ومن هنا نبتت فكرة التبشير بعد أن رجع الغربيون من الحروب الصليبية بخفي حنين.
يقول المستر أدوين بلس: "إن ريمون لول الأسباني هو أول من تولى التبشير لعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها فتعلم لول اللغة العربية بكل مشقة وجال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة".
وكان من الطبيعي بعد ذلك أن تعقد المؤتمرات، وتناقش المقترحات، وتقرر القرارات كل ذلك في سبيل نصرة المسيحية وإضعاف الإسلام، ومادام القسس بيدهم الجنة وصكوك الغفران لا بد أن يستجيب لهم المسيحيون بأنفسهم وأموالهم، ومن هنا تكدست الأموال وجندب الرجال، وانطلق المبشرون يبشرون بالمسيحية، ويهيئون أدوات العمل.
يقول القسس أناتوليكوس في أحد تقاريره: "وصفوة القول أننا حصلنا على نتيجة واحدة جوهرية وهي أننا أعددنا آلات العمل فترجمنا الإنجيل ودربنا الوطنيين على مهنة التبشير، وأتممنا تهيئة الأدوات اللازمة وهي الكنائس والمدارس والمستشفيات والجرائد والكتب ولم يبق علينا إلا أن نستعمل هذه الأدوات".
والغرض من هذه الأدوات هو زعزعة العقيدة بما يطرأ عليها من أفكار ونظريات جديدة تعرض في صورة ثقافة، وتقدم في كأس دواء.
يقول المسيول شاتليه: "ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية كاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها، ولا يتم ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يتحكك الإسلام بصحف أوربا، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها".
ويقول أيضاً: "إن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم دائماً للمجهودات التي تبذل في سبيل التربية النصرانية"كما يقول: "إن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال جسيمة وتدار أعمالها بتدبير وحكمة تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث إنها تبث الأفكار الأوربية"، ويقول أيضاً:"والتعليم المدرسي والتربية الأخلاقية اللذين يعني بهما المبشرون قد أسفرا عن نتائج جمة وأثمرا ثمرات نافعة في الأطفال والمراهقين على السواء". ويصرح بأن هذه الحملات التبشيرية قد أنبتت في الشرق وشملت كل دولة.
ويقول بصدد مصر: "في سنة 1882 م تأسس في مصر معهد علمي للتبشير تابع لجمعية تبشير الكنيسة وله أربعة فروع الأول قسم طبي والثاني مدرسة للصبيان والثالث للبنات والرابع لنشر الإنجيل، وينشر مبشرو هذا المعهد مجلة أسبوعية وكراسات ولهم مكتبة خاصة بهم والنتيجة الأولى لمساعي هؤلاء هي تنصير قليل من الشبان والفتيات والثانية تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار المسيحية" ويبين: "أنهم أسسوا أيضاً مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة والغرض من ذلك استجلاب الزبائن ومحادثتهم في أثناء البيع"
ويصرح القسيس زويمر بأن المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكك بالمسلمين. ويقول القسيس أناتوليكوس: "إن من أهم الوسائل التي يستخدمها المبشرون التبشير من طريق الطب لأن ذلك في مأمن من مناوأة الحكومة له والمسلمون يلجأون بأنفسهم إلى مستشفيات المبشرين ومستوصفاتهم".
ويقول المستر هاربر: "يجب الإكثار من الإرساليات الطبية لأن رجالها يحتكون دائماً بالجمهور ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين".
ويقول الدكتور أراهارس: "يجب على طبيب إرساليات التبشير ألا ينسى ولا في لحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك".
ويقول الأستاذ (سمبسون) : "إن المرضى والذين ينازعهم الموت بوجه خاص لا بد لهم من مراجعة الطبيب وحسن أن يكون هذا الطبيب المبشر في جانب المريض عندما يكون في حالة الاحتضار التي لا بد أن يبلغها كل واحد من أفراد البشر".
وينصح القسيس هاريك بوجوب تحلي حياة المبشر بمبدأ المسيحية قبل أن يعنى بالأمور النظرية كيما يظهر للمسلم أن النصرانية ليست عقيدة دينية ولا دستوراً سياسياً بل هي الحياة كلها وأنها تحب العدل والطهر وتمقت الظلم والباطل، نفتح للمسلم مدارسنا ونتلقاه في مستشفياتنا ونعرض عليه محاسن لغتنا ثم نقف أمامه منتظرين النتيجة بصبر وتعلق بأهداب الأمل إذ المسلم هو الذي امتاز بين الشعوب الشرقية بالاستقامة والشعور بالمحبة ومعرفة الجميل.
أرأيت أيها السلم كيف يحارب الإسلام وكيف ينبث أعداؤه بين المسلمين متنكرين في أزياء مختلفة تارة ثياب المعلمين الذين يربون الناشئة ويتعهدون الشبيبة.. وتارة يظهرون في صورة أطباء يداوون المرضى، ويعالجون الجرحى، ويعينون على نوائب الدهر، والله يعلم أن هؤلاء وهؤلاء إنما يسممون الأفكار، ويفسدون العقائد ويضللون الناس، ويدسون السم في العسل.
وكل همهم أن يتوصلوا إلى زحزحة المسلم عن عقيدته، وإضعاف همته، وتوهين عزيمته، وقتل غيرته، وقد مرت تصريحاتهم تنطلق بسوء نيتهم للإسلام وليس فيها غموض تحمل على الارتياب ومن غير شك أن هذه الأساليب الملتوية قد انتهت بنتائج ضعيفة لا يمكن أن تقارن بحال ما مع المصاريف الباهضة التي صرفت في سبيلها.
ولو أتيح للإسلام عشر ما أتيح للمسيحية المعاصرة من مكر ودهاء ونفاق سياسي وغير ذلك من الأسلحة الظاهرة والمستورة لحصل على أضعاف ما حصلت عليه المسيحية، لا أقول ذلك متحيزاً أو متعصباً ولكني أسطر هنا شهادة سجلها المستر كاين تيلز، وقد ألقاها في حفل جامع على رؤوس الأشهاد مبيناً قوة الإسلام وشبابه وقدرته على مواجهة ظروف الحياة ومصرحاً بقصور المسيحية وشيخوختها وضعفها، ويقول في صراحة:
"إن الإسلام قد سبق النصرانية بمراحل شاسعة من أكثر جهات العالم همهمة ودمدمة ليس فقط من جهة المسلمين الذين كانوا وثنيين وأسلموا أكثر من الذين تنصروا بل لأن النصرانية في بعض الجهات أخذت في التقهقر إلى الوراء أمام الدين الإسلامي في حين أن الوسائل التي تستعملها لتنصير الأمم الإسلامية يفشل أمرها، والشباك التي تنصبها لهم تنقطع حبالها فإننا لا نرجع فقط بصفة المغبون بل ربما خسرنا رأس المال ويصدق علينا قول من قال: "على نفسها جنت براقش"والدين الإسلامي يمتد الآن من مراكش إلى يافا، ومن زنجبار إلى الصين ويخطو في داخل أفريقيا خطوات كبيرة وتعتنقه أمم كثيرة والبحث في سرعة انتشاره يرجع إلى عدم الخلط والخبط في أصوله وبنيانه الأمر الذي جعل له مكاناً ثابتاً في قلوب أهله، وكل من تدين به بخلاف النصرانية فإنها مزعزعة الأركان قلما يكون لها ثبوت عند الإنسان لما فيها من التبديل والتغيير والتحريف والتحوير.
أجل، فقد اعتنق الإسلام أمة بحذافيرها في أفريقيا صفقة واحدة ولم ترتد إلى الوثنية قط، الإسلام أفاد التمدن أكثر من النصراية ونشر راية المساواة والأخوية وهذه الأدلة نذكرها نقلاً عن تقارير الموظفين من الإنجليز وعما كتبه أغلب السياح عن النتائج الحسنة التي نتجت من الدين الإسلامي وقد ظهرت آياتها منه فإنه عندما تتدين به أمة من الأمم السودانية تختفي من بينها في الحال عبادة الأوثان واتباع الشيطان والإشراك بالعزيز الرحمن وتحرم أكل لحم الإنسان وقتل الرجال ووأد الأطفال وتضرب عن الكهانة ويأخذ أهلها في أسباب الإصلاح وحب الطهارة واجتناب الخبائث والرجس والسعي نحو إحراز المعالي وشرف النفس ويصبح عندهم قرى الضيف من الواجبات الدينية وشرب الخمر من الأمور غير المرضية، ولعب الميسر والأزلام محرمة والرقص القبيح ومخالطة النساء اختلاطاً دون تمييز منعدمة يحسبون عفة المرأة من الفضائل ويتمسكون بحسن الشمائل أما الغلو في الحرية والتهتك وراء الشهوات البهيمية فلا تجيزه الشريعة الإسلامية، والدين الإسلامي هو الذي يعمم النظام بين الورى ويقمع النفس عن الهوى، ويحرم إراقة الدماء، والقسوة في معاملة الحيوان والأرقاء ويوصي بالإنسانية، ويحض على الخيرات والأخوية.. الإسلام ينشر المدنية القائلة بالاحتشام في الملبس الآمرة بالنظافة والاستقامة وعزة النفس فمنافع الدين الإسلامي منافع لا ريب فيها، وفوائده من أعظم أركان المدنية وحتام لا ننظر إلى المصاريف الباهضة والأنفس الغالية التي ذهبت سدى في سبيل تنصير أفريقيا؟! والنصرانية إذا اعتنقها ألف فالإسلام يعتنقه مليون".
هذه شهادة قيمة ذكرناها بطولها ليعلم من لا يعلم أن ديننا الحنيف غالب غير مغلوب، منصور غير مخذول، مهما تحالف عليه الأعداء، وتآمر عليه خصومه الألداء {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} .
ونذكر شهادة أخرى تؤكد هذا المعنى، قال المسيو (شارل ديرموزه) كما روت جريدة المنبر التونسية "لم يكن بالعلم ملة أشد يقيناً وثباتاً من ملة الإسلام فالارتداد عن هذا الدين يكاد يكون مجهولاً بالمرة ولهذا نرى رسوخ الدين المحمدي قد أعيا المبشرين حتى إنهم يئسوا من تنصير المسلمين وقد أحسوا أنهم مثل من يريد مصادمة الجلمود أو اقتفاء أثر الخيالات. إلى أن يقول:
وقد جاء في بعض المجلات الأوربية أن الدين المحمدي هو الآن أكثر الأديان انتشاراً في حين أن الأديان الأخرى ناكصة على عقيبها أو لازمة الوقوف فالإسلام يتقدم وينتشر ويمتد انتشاره بأفريقية وآسيا وبجزائر المحيط الهادي، وهذا أمر لا يتصوره العقل، ومحل الغرابة هو مقدرة الإسلام على الظهور والاستقرار بالبلاد الغربية الأوربية وهذا الأمر صار من القضايا التي لا مراء فيها.. فترى منهم رجالا ذوي مدارك عالية يلتجئون إلى التلفظ بالشهادتين بغاية الإخلاص بعد أن كلت عقولهم من الخرافات والخيالات البشرية ولأسباب مختلفة نرى آخرين لم يصلوا إلى ذلك الحد ولكنهم يبدون نحو محمد صلى الله عليه وسلم ميلاً قلبياً يعادل التصاقهم بالدين المحمدي وشريعته الغراء فمن أين ولماذا يا ترى هذا الأمر العجاب".
هذه شهادة أخرى تؤكد أن دين الإسلام قد تعهده الله بأتم عناية، وحاطه بأكمل رعاية، وضمن له أن يخترق الحدود، ويقتحم الحصون، وإن لم يكن لديه مبشرون وهاهو ذا الإسلام عام 1393 هـ يجذب إليه بروعة مبادئه وقوة منطقه رئيس جمهورية الجابون (البرت برنارد بونجو) ويجذب معه كثيراً من وزرائه وأبناء شعبه، وعندما سئل عن سبب اعتناقه للإسلام قال:
"إن ذلك تم عن اقتناع وإيمان بالدين الذي يعز الإنسان ولا يفرق بين البشر إلا بالتقوى ويحترم الإنسانية ويدعو إلى الحريات".
قلت: إن الإسلام يزحف وإن لم يكن لديه مبشرون، وهذه حقيقة.
ومن قبل اعتذر الكونت هنرى دي كاستري في كتاب الإسلام ص 95 عن استعمال كلمة المبشر الإسلامي فقال: "وليلاحظ أن هذا الاسم غير صحيح عند المسلمين إذ ليس لديهم مبشرون منقطعون لهاذ الأمر كالمسيحيين".
ويؤكد القسيس ورتز هذا المعنى فيقول: "ومن الخطأ أن يقال إن الجامع الأزهر يرسل ألوف المبشرين إلى أفريقية الوثنية للدعوة إلى الإسلام لأن الأزهر ليس معهد تبشير كما هي مدارس اللاهوت في أوربا ويقال مثل ذلك عن كل المدارس الإسلامية في شمال أفريقية".
ويتحدث ورتز عن الجامعة الإسلامية التي يعلق عليها المسلمون آمالهم فيقول: "ولكن عبثاً يبني هؤلاء آمالهم على الجامعة الإسلامية لأن التربية النصرانية قد انبثت في دمائهم بفضل مدارس التبشير".
أيها القارئ الكريم:
لقد أجهدت المسيحية نفسها - كما رأيت - في سبيل المحافظة على كيانها ووقف الإسلام في عصرنا هذا وحيداً أعزل تحيط به معاول الهدم وأدوات التدمير من كل جانب وقد انضم إلى المسيحية في حربها للإسلام عدوان خبيثان هما الشيوعية والصهيونية وكلها تتفنن في صرف المسلمين عن دينهم، وتتخذ كل وسائل الترغيب والترهيب لتنفيرهم منه وإبعادهم عنه وتعمل بكل ما لديها من طاقات على طمس محاسنه وحجب نوره، ومع هذا فقد خرج من المعركة صحيحاً لم يكلم، سليما لم يجرح، قويا لم يضعف، عزيزاً لم يهن، وأصبح موضع دهشة ومحل إعجاب، وصدق الله العظيم إذ يقول:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .
إنه لا يكاد يمر شهر من الشهور حتى نسمع عن إسلام أفراد وجماعات في مختلف بقاع العالم، وليس لدى الإسلام مبشرون كما علمنا، ولا تتوفر له أدوات التبشير البارزة والمستترة التي تغري الناس باعتناقه.
وسر إقبال الناس عليه أنه دين الفطرة، دين الإنسانية الرشيدة، دين العقل، فكل ما فيه يتمشى مع طبيعة الإنسان وغرائزه، ويتفق مع عقله وفكره، ويستجيب لكل مطالبه، من أجل هذا شق طريقه إلى الإمام مجتازا العقبات، مخترقاً الحصون، متعدياً الحواجز، إذا قصر أهله في معونته، فالله قد تكفل بنصرته.
ولعل من المستحسن أن نضع تحت بصر القارئ قصة أميرة أسلمت ليتأكد عنده أن الإسلام يغزو القلوب ويأسر الأفئدة دون أن يكون بيده سيف أو مدفع، أو ذهب.
أسلمت الأميرة الإنجليزية (ديانج مودا) أميرة سرواك زوجة ولي عهد الراجا بروك يوم 19 فبراير سنة 1932م أثناء سياحتها في طيارة وقد أعلنت في أجواء الفضاء عن سبب إسلامها قالت: سئلت مراراً عن سبب مفارقتي الكنيسة الكاثوليكية والدخول في الإسلام وها أنذا أتحدث إليكم عنه بواسطة اللاسلكي بناء على طلب شركة الراديو الاستعمارية فأقول:
لما زرت بلادي سرواك لأول مرة منذ عدة سنين وهي بلاد تبلغ مساحتها 52،000 ألف ميل مربع أو مثل مجموعة مساحة إنجلترا وويلز تقريباً أتاحت لي هذه الزيارة فرصة لدراسة معيشة الطوائف الدينية المختلفة المقيمة في هذه البلاد فإن في سرواك 80000 ألف مسلم ضمن سكانها الذين يبلغ عددهم 600000 ألف نسمة يوجد بينهم أيضاً بوذيون وبرهمانيون ووثنيون ومسيحيون وقد جذبتني كثيراً الرعايا المسلمين أحوالهم الخلقية وأدركت لأول مرة جمال هداية الإسلام.
إني ولدت بروتستانتية غير أني لم أجد نفسي عماداً خلقياً في هذه العقيدة الباردة وبعد أن درست علم الديانة المسيحية مدة خطوت خطوة جريئة ودخلت في المذهب الكاثوليكي ومنحني قداسة البابا جلسة خاصة ولكني ما لبثت أن شعرت بأني لم أخلق لهذه الديانة ولو أني كنت كثيرة الإعجاب بالعمل العظيم الحسن الذي قامت به كنيسة روما للحضارة ذلك لأن فيها أموراً يصعب على نفسي كثيراً قبولها ولبثت في الكثولكة سنتين بذلت في خلالهما جهوداً صادقة لتفهم تعاليمها الشاقة على أني شعرت بأن المسيح لم يحرم على أحد مطلقاً أن يناجي ربه بلا واسطة ولا أمر أحداً أن يجثو في قفص الاعتراف، فالقليل من المعترفين هم الذين يقولون الحق.
وفي أثناء ذلك الزمن كان لي اهتمام بدراسة بلاد الإسلام، والهداية العظمى لمحمد عليه الصلاة والسلام دراسة أدق مما سبق وقد دهشت لما في هذا الدين من الطهارة والحكمة واليسر وشعرت بأن قلبي كله وروحي جميعها مغموران بهذه الهداية التي في غاية الملاءمة للبشر والعقول وقد دعاني القرآن لأتباعه باعتبار أنه خطاب الله تعالى الصادر منه مباشرة إلى رجل هو خاتم الأنبياء، وأننا لعلى علم بحياة هذا الرجل من أولها إلى آخرها وبمقدار الخير الذي أداه دينه إلى العالم وقل من الناس من يعلم أنه بينما كانت أوربا غارقة في ظلمات القرون الوسطى المخيفة كانت الحضارة الإسلامية تنشر نورها فتتقدم به العلوم والفنون والآداب تقدماً مجيداً، وإذا كانت أوربة قد استطاعت أن تجد لها طريقاً إلى التجديد فإنما الفضل في ذلك يرجع إلى خلفاء أسبانية المسلمين المستضيئين بنور الفرقان ومن المؤسف ألا يعلم برقي الشعوب الإسلامية في بلادها إلا النزر اليسير بين غيرهم وإني آنس من نفسي الثقة بأن هذه البلاد سيكون لها في المستقبل القريب عمل ذو شان في التاريخ وهذا السبب مشفوعاً بميلي إلى البلاد الإسلامية هو الذي دعاني إلى إصدار مجلة في مدينة باريس تسمى (جملة الأخبار الإسلامية) هذه هي المجلة الوحيدة المستقلة الموجودة التي تخبر عن رقي البلاد الإسلامية وحياتها أخباراً صادقة وقد تلقاها بالترحاب الشديد جميع الذين يعنيهم العلم بأحوال هذه الحقيقة ورجائي أن هذه الصحيفة المتجردة للمعنويات ستؤدي خدمة كبرى لا إلى المسلمين وحدهم بل للعالم كله..
كلنا يعلم أن أساس الحياة الخلقية قد تداعى لتأثير الإلحاد الشديد ولهذا كان حقاً علينا من أجل التمكين من وقف تأثيره المفسد أن نقيم في وجهه مثلا أعلى من الأخلاق العالية والآداب الراقية، وسينقل الشرق إلى بلاد الغرب قبس الإسلام الذي يؤسفنا أننا كدنا أن نطفئه وعلينا أن ندرس هداية الحسنة وقد قال با نادشو وأنا موافقة له تماما الموافقة فيما قال:(إن الإسلام هو دين المستقبل..) . وإني مرسلة آخر تحياتي لجميع إخواني وأخواتي في الإسلام الذين يستمعون قولي خصوصاً أهل سرواك".
هذه قصة أميرة آمنت بالإسلام عن طريق الدراسة لا عن طريق الوراثة آمنت به نتيجة للاقتناع بحججه الغراء، ولم يحصل نتيجة لوعيد أو إغراء، وفي نفس الوقت كشفت هذه الكلمة عن جاذبية الإسلام وسر قوته وأثبتت عجز المسيحية بمذاهبها عن إقناع ذوي العقول الناضجة بتعاليمها ومبادئها كما أثبتت عجزها عن صد تيار الإسلام الكاسح.
بربك خبرني أيها القارئ أليس هذا كله يقوم شاهداً على تأييد الله للإسلام في جميع الأزمان وفي كل مكان..؟ أليس هذا يؤكد صدق الآية: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .
وأخيراً فهل تحسب أن تأخر المسلمين واضمحلالهم، وتدهورهم وانحلالهم ينال من الإسلام أو يضعف من شأنه. لا فذلك دليل آخر على صحته، وبرهان جديد على صدقه وسلامته كيف وهو تأييد لسجل الإسلام الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقد وعد المؤمنين الذين ينفذون تعاليمه، ويطبقون مبادئه بالاستخلاف في الأرض والتمكن منها فقال:
وقد تحقق وعد الله وصدقت كلمته ونفذت مشيئته، فاستولى أسلافنا على الأقطار، واستحوذوا على الأمصار، وحكموا أكثر بلاد العالم حتى كانت لهم الكلمة في آسيا، والسيطرة في أفريقيا، والهيبة في أوربا، وظل ذلك في أيديهم حتى خلف من بعدهم خلف نقضوا العهد، وبعدوا عن الدين، فصدقت فيهم آيته الأخرى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
وهكذا يتجلى صدق الإسلام، وينجلي للناس فضله، ويتبين للعالم أن هذا الدين ينتصر بقوة مبادئه، ولا يتوقف مجده على مجد أتباعه، على حين يتوقف مجد أتباعه على التحلي به فلا ينالون العزة إلا في رحابه، ولا يسودون إلا بتطبيق تعاليمه وآدابه، فلا حجة لأحد عليه بل له الحجة القاهرة، والأدلة الباهرة.
محمود عبد الوهاب فايد
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
بالجامعة الإسلامية [1]
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
أعلن الإسلام الدكتور جوهانس ليمان وهو قسيس كاثوليكي من ألمامنيا جاء ليبشر في ماليزيا لكنه بعد دراسة مقارنة اعتنق الإسلام وقال: إنه اقتنع بأن الإسلام هو القوة الأخلاقية التي ستقود الإنسان للوحدة الأخوية وترشده إلى الله وقال: إنه آمن بوحدانية الله وقد حصل على الدكتوراه من جامعة بون في الأديان المقارنة. كذلك أشهر 106 مائة وستة أشخاص إسلامهم في سيراليون، 104 مائة وأربعة أشخاص في ليبيا كما ذكرت مجلة المجتمع الكويتية في عددها 247 الصادر في 18 ربيع الآخر سنة 1395 هـ
كذلك نشرت مجلة المجتمع الكويتية العدد 245 الصادر في 4 ربيع الآخر سنة 1395 صفحة 4 ـ أعلن 300 ياباني في أواخر مارس الماضي وأول أبريل الحالي سنة 1975 أعلنوا إسلامهم ودخلوا في دين الله أفواجاً ـ وفي مجلة الوعي الإسلامي (الكويتية) عدد ربيع الثاني سنة 1395 ص 111 "اعتنق 6000 ستة آلاف شخص مسيحي بالويات الشرقية في نيجيريا الدين الإسلامي الحنيف بعد أن تخلوا عن مسيحيتهم.
وفي مجلة أخبار العالم الإسلامي (السعودية) العدد 245 الصادر يوم الاثنين 17 من ربيع الآخر 1395 ـ 28 أبريل 1957 الصفحة الأولى (قاضي برازيلي كبير يعتنق الدين الإسلامي أسلم الدكتور نيوتون جيمارايس قاضي محكمة الجنايات في منادوش بولاية أمازونا البرازيل أمام ملأ من المسلمين بعد مناقشات طيبة) .
بحوث في تاريخ الأديان
بقلم فضيلة الشيخ محمد محمد أبو فرحة
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
الحمد لله والصلاة على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد: فهذه بحوث في تاريخ الأديان أنوي (مستعيناً بالله) متابعة الكتابة فيها فيما اشتهر من أديان البشر ومللهم محاولاً أن أجمع فيها ما لأسلافنا الكرام من آراء وبحوث إلى ما محصه المحدثون من تاريخ المادة في الملل والنحل على ما جد من أساليب هذا البحث وطرق ذلك الدرس. وإنه لطريق لم يعبد وسبيل لم يمهد؛ نعم هو طريق وعر، كؤود العقبات كثير الشعاب مليء بالمتاهات.
فكتب الأقدمين في هذه المادة يختلط فيها القول الصحيح ببعض الآراء التي لم تحرر عن الأديان القديمة والنحل الأولى لاستغلاق أمر الأمم السابقة عليهم ولاستعجام آثارهم واستبهام نقوشهم، فاستقوا معلوماتهم عن الأديان من أهلها وكان منهم المخلصون الصادقون أدوا الأمانة وصدقوا الرأي، وكان منهم من تعمدوا التضليل يريدون بذلك {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} وعلى رأس هذا الفريق بنو إسرائيل..
فلما فك المتأخرون رموز تاريخ الأمم وحلوا طلاسمها واستخرجوا كنوزها واطلعوا على ما أخفاه المغرضون: ظهر لهم من خبرها الصحيح الأوفى وإن كانت لا تزال رهن الكشف المتجدد وقيد البحث المتتابع ولا يزال علماء الآثار يكشفون الجديد النافع ويهتدون إلى التليد الضائع..
وكما أن كتب الأقدمين قد تباينت في تحديد التواريخ الدقيقة المتصلة بالأحداث: فإن كتب الغربيين (المترجمة) في هذا الموضوع إنما كتبت لبلادهم في ثقافتها وبيئاتها وعقيدتها ثم هي بعد ذلك لا تبرأ في كبريات الملل كالإسلام من الهوى ولا تخلص من الغرض ولا تسلم من تحامل تصبغه بصبغة العلم وتلونه بلون البحث النزيه لتقبله النفوس المتهافتة على كتاباتهم فيضيع في زحمة الصواب والحق ويختلط فيها الصحيح بغيره عن تعمد مقصود وغرض سيء.
وبهذه المناسبة فإنني أذكر القارئ بأن المستشرقين وإن درسوا اللغة العربية وفهموا قواعدها فما هم بكاشفين أسرارها ولا غائصين إلى أغوارها ولا مدركين دقيق خصائصها فكيف إذا دق مع ذلك كله اصطلاح أهل العلوم واستبهمت أمامهم عبارات كتب العقول فقد يوجز العلماء أحياناً ويبهمون أحياناً مما تصعب الإفادة منه على أهل اللغة أنفسهم وهم الوارثون لمعرفة أسمائها ومسمياتها والعارفون لحقيقة كلامها واستعاراتها.
إن لهؤلاء المستشرقين مع الأهواء أخطاء، ومع الأخطاء تغليق لها باللفائف اللامعة والأوراق المصقولة والطباعة الجيدة والتنظيم المتقن مما يغري بالقراءة ويستهوي الكثير من النفوس لاقتنائها ومن أجل ذلك كانت القراءة فيما يكتبون شديدة الحاجة إلى التبصر والتثبت والتدقيق.
ثم لا ينسى الكاتب قبل ذلك كله وبعد ذلك كله أن ما يكتب للجامعة الإسلامية يجب أن يتصل بحاضر الجامعة الإسلامية وبرسالتها ويعرض كذلك في صورة ما ألف أهل الجامعة وينسج على منوالهم وبأسلوبهم في دقة البحث وسلامة النقل حتى يتهيأ الانتفاع الحق بما يكتب فلا يتنافر فيه ماضٍ وحاضر. ولا يهاجم جديد طائش قديماً صالحاً.
وليس يقبل من الكاتب أن يكون مؤرخاً يقوم مقام الواصف فقط، بل لا بد من مناقشته وبحثه لما يخالف المقررات الإسلامية أو يبدو عليه ذلك من تفسير لظاهر الحياة الاعتقادية الإنسانية أو حياة ملة بعينها أو نحلة خاصة أو بيان لمعتقد أو بحث عن أصوله مما استطالت به اليوم يد العلم واستشرقت إلى تناوله في جرأة تختلف باختلاف الكاتبين وتتجاوز حدها في كثير من الأحايين. وهو مقام دقيق وجاد لأنه وقفة بين العلم والدين يصاول فيه يقين الإيمان شك العلم وإنها لكبيرة إلا على الموفقين الذين يمدهم الحق ويسعفهم الصبر فلا يمكنون الهوى من نفوسهم ولا يغترون بمقدرة العقل ولا يمنعون ما اعتقدوه على البحث ولا يمكنون منه الجدل المتعنت.
في ذلك كله يلوذ الإنسان بالحق ويستمد من الحق ويهتف من أغوار نفسه يا حق نستعينك ونستهديك بحرمة هذا الاسم الكريم. يا حق جنبنا زلل من زل وضلال من ضل ويسر لنا يا حق توفيق من وصل إنك أنت أحكم الحاكمين.
(تاريخ الأديان) أو (تاريخ الملل والنحل)
والتسمية بهذا الاسم معروفة لدى العرب من قديم ولكنها لم تعرف لدى الغربيين إلا في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي
…
وموضوع هذه المادة يطلق على معنيين: قديم وحديث.
أولاً: فالقديم هو وصف لحياة الأديان ومعتقداتها وفرقها وحياة تلك المعتقدات والفرق المعتقدة لها وأحداثها وما تولد منها وما انشق عليها، وقد كتب في ذلك كثير من سلفنا الكرام وقد امتازت كتاباتهم بميزتين لم يسبقهما أحد فيهما.
أما الميزة الأولى: فهي إفراد هذا العلم في دراسة مستفيضة وصفية وواقعية شاملة لكافة الأديان التي عرفت في عهدهم منفصلة عن العلوم الأخرى فكان لهم فضل السبق في تدوينه علماً مستقلاً عن غيره من العلوم بعد أن كان لدى الأمم الأخرى من يونان ورومان وفرس وغيرهم ممتزجاً بغيره من العلوم الأخرى تتقاذفه الأمواج فتارة يأتي مع علوم الجدل وأُخرى مع علوم الفلسفة وهكذا..
أما الميزة الثانية: فهي أنهم اعتمدوا في تحرير كتاباتهم عن الأديان الأخرى على المصادر الموثوق بها وتجنبوا الكتابة بالظن والاستنتاج ولم يأخذوا بالأخبار العامة التي يتناقلها الناس من غير بحث ولا تمحيص ولا اعتمدوا على الجاهلين بالدين ولا على أعداء أهله ممن لا يسلمون من الهوى والغرض فجاءت كتاباتهم وافية وصادقة بقدر الاستطاعة البشرية ثم اتخذوا له منهجاً علمياً سليماً متجرداً عن الهوى خالصاً من خطر التعصب فسلم فيه الموضوع وسلم فيه التطبيق.
ومن هذه المؤلفات العربية المشهورة:-
1) جمل المقالات لأبي الحسن الأشعري المتوفى سنة 330 هـ وقد جمع فيه مقالات الإسلاميين ومقالات غير الإسلاميين.
2) المقالات في أصول الديانات للمسعودي المتوفى سنة 346 هـ
3) الفَرْق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرائيني المتوفى سنة 429هـ
4) كتاب الفصل في الملل والنحل لابن حزم المتوفى سنة 456 هـ
5) كتاب الملل والنحل للشهرستاني المتوفى سنة 548 هـ
6) كتاب اعتقادات المسلمين والمشركين للفخر الرازي المتوفى سنة 606 هـ
ولكل من هؤلاء طريقته التي قد يتفق فيها مع غيره أو يختلف عنه مما سأعرض له عند البحث في مناهج المؤلفين إن شاء الله تعالى.
ثانياً: أما الحديث فهو بحث تحليلي عن التدين ومنشئه في الحياة الإنسانية وتدرجه مقابلة ذلك عند الأمم المختلفة، بعضه ببعض بياناً للقوانين العامة التي خضعت لها حياة الإنسانية الدينية وبياناً للعلاقات الفكرية والعملية بين الأديان المختلفة وتفاعلها وانفعالها، وكذلك الحديث عن عقائد كل دين وكتبه المقدسة عند أهله وحياته على هذا النحو من التعليل والتحليل.
وهو بحث أشبه ما يكون بفلسفة التاريخ إذا حسبنا البحث القديم (التاريخ العادي)
وهذا البحث الحديث حديث الظهور بدأ في أول القرن التاسع عشر (كما مر) تحت اسم علم الأديان، على يد عالمين: أحدهما وهو صاحب الفضل فيه يدعى فردريك ماكس مولر F.M.Muller ألماني الجنسية ولد سنة 1823 وتوفي سنة 1900م والثاني إنجليزي ويسمى (أدوارد تيلور) R.Tylor ولد سنة 1832 وتوفي سنة 1917م
وقد استفاد الحديث من القديم وزاد عليه وأفاد الدارسون لهذه المادة بتوسع من دراسة المنهجين: من القديم بوصفه ودقته ومن الحديث باستقصائه كل ملة وربط الديانات بعضها ببعض واستنباط العنصر أو العناصر المتحدة فيها ووجوه التشابه بينها، ومعرفة أن التدين ظاهرة وجدت في كل الجماعات البشرية مشتركة بين الأمم المتحضرة والبادية والحاضرة والماضية والبائدة والباقية حتى اليوم مما يجد الباحث نفسه أمام لافتة كتب عليها {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} .
وقد اتسعت جوانب البحث في هذه المادة فشملت القارات الخمس وذهب الباحثون ينقبون في أدغال أفريقية وأستراليا كما شمل البحث الأمم البدائية والأمم البائدة وامتد إلى ما وراء التاريخ المعروف ولم يعد قاصراً على الأمم ذات التاريخ والتدوين وجند له علوم طبقات الأرض والآثار وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأجناس البشرية وعلم اللغات المقارن وعلم التصوير والتمثيل الرمزيين
ذلك العلم هو:
تاريخ الأديان أو تاريخ الملل والنحل
ويقتضينا البحث المنطقي إذا أردنا أن نتعرف حقيقة هذا المركب الإضافي الذي نتكلم عنه أن نتعرف أولاً مفرداته التي تركب منها ثم ننتقل إلى حقيقة ومميزات ما تركب من المتضايفين وإذا عرفنا كل عنصر على حدة سهل معرفة الوليد من اجتماعهما.
أما العصر الثاني فهي: (دين)(ملة)(تاريخ)
أولاً: الدين في اللغة:
أما كتب اللغة العربية فكانت كالتاجر الغني اليقظ الذي جمع في متجره لكل صنف عديد الأنواع والألوان والمقاسات ومختف الخامات بحيث لا يحتاج المشتري إلى سواه فقد حشدت جيشاً من المعاني التي يصدق عليها أنها مسميات لاسم الدِّين (بكسر الدال) ليختار القارئ من بينها ما يوصله إلى ضالته المنشودة وهدفه المطلوب.
وإذاً فلا نطالب كتب اللغة بما هو فوق اختصاصها وجزى الله من ألفوها خير الجزاء، وإنما نطلب منها الدلالة على الطريق الموصل لنسلكه مستعملين ما وهبنا الله من عقل عسانا نصل إلى المرغوب.
وكلمة الدين التي نحن بصدد تعريفها ـ تطلق ـ في كتب اللغة على ما يلي:
العادة، والعبادة، الطاعة، الجزاء، القضاء، المجازاة، الحساب، الحكم، الإكراه، الإحسان، الحال، الداء، السيرة، الورع، الاستيلاء، السلطان، الملك، الذل، العز، الخضوع، الإسلام، التوحيد، كل ما يتعبد به.....الخ
ونستطيع أن نرجع هذه المعاني كلها إلى ثلاثة أصول يرتبط بعضها ببعض بأوثق روابط المودة والتلازم، فإن كلمة (دان) وردت في كلام العرب إما متعدية بنفسها وإما متعدية بحرف الجر، وحرف الجر هو إما اللام وإما الباء:
1ـ فإذا تعدت بنفسها إلى مفعولها كما يقال: دانه، يدينه، ديناً.. فيكون المراد أن الأول أعلى من الثاني تسلط عليه وقهره وأذله وحاسبه وجازاه.. وملكه..الخ.. ما يشعر بغلبة الأول وتسلطه على الثاني وسلطانه عليه ومنه قوله تعالى:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .
2ـ وإذا تعدت باللام كما يقال: (دانه فدان له) فيكون مطاعاً للمعنى الأول ونلحظ فيه الانقياد والخضوع من المفعول للفاعل.
3ـ وإذا تعدت بالباء كما يقال: (دان بكذا) فيكون المعنى اتخذ الفاعل ذلك الشيء مذهباً وعقيدة ومنهجاً ودستوراً يلتزم به ويسير على نهجه.
وعلى هذا يكون معنى كلمة (الدين) بالنسبة لله سبحانه وتعالى.. القهر والسلطان والعظمة والعزة وكل ما يدور في فلك هذه المعاني من التعظيم ويكون الدين بالنسبة للفرد المتدين: الخضوع والانقياد لمن دان له، ويكون المعنى بالنسبة للمعتدي بالباء: هو الرباط والشريعة والدستور الذي التزم به المتدين والتزم بالسير على قواعده وهو المتعبد به.
ومن هذا التفصيل نرى كذب ادعاء المستشرقين الذين قالوا: (إن الدين بمعنى القضاء مأخوذ من اللغة الآرامية بواسطة اللغة العبرية، والدين بمعنى المتعبد به مأخوذ من الفارسية، والدين بمعنى العادة عربي أو مأخوذ من الكلمة الفارسية التي في معنى المعتقد، والدين بمعنى الغرض مأخوذ من اللغة اليونانية)[1] .
أما في الاصطلاح:
أولاً: فقد عرفه علماء المسلمين بتعريفات كثيرة نقتصر منها على أربعة تعريفات خوف الإطالة وهي:
1ـ عرفه السيد الجرجاني في التعريفات فقال: (الدين، وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول صلى الله عليه وسلم .
2ـ وعرفه ابن قَطْلوبْغا في شرحه على المسايرة فقال: (الدين وضع إلهي سائق بذاته لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير) .
3ـ وعرفه البهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون فقال: (الدين، وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل) .
4ـ وعرفه الراغب الأصفهاني في المفردات فقال: (الدين، ما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله تعالى) .
تعليق على هذه التعريفات
وبالنظر في هذه التعريفات يتبين ما يلي:
1) التعريفان (1 و 2) متساويان على وجه التقريب لا فرق بينهما إلا في قيد الذاتية في السوق. وعلى كل حال فوجهة التعريفين واحدة.
2) التعريفان (1،2) مبينان لقوة التدين أو لقابلية التدين وهي القوة النفسية التي تدفع الإنسان إلى تقبل الرسالات السماوية وهي القوة المسماة في عرف المحدثين (غريزة التدين) .
3) التعريفان (3،4) يتفقان في أنهما تصوير الدين مراداً به التكاليف والشرائع الإلهية المبينة على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولا يخدعنك ما يظهر من توافق التعريض (2،3) في أكثر ألفاظهما فلكل منهما اتجاهة عند التحليل.
ثانياً: وفي اصطلاح الغربيين، فقد عرف الغربيون الدين بتعريفات كثيرة نقتصر منها على أربعة تعريفات هي:-
(ديوان الفضيلة والطراز العالي للحياة) .
(جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكنا مع الله ومع الناس وفي حق أنفسنا) .
(رباط خضوع يربط الإنسان بالله) .
(شعورنا بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية) .
موازنة بين تعريفات الشرقيين والغربيين
لو أردت الموازنة بين تعريفات الشرقيين وتعريفات الغربيين لتبين لك ما يلي:
أـ أن قصد التعريفات الإسلامية إلى بيان الدين الصحيح أو الإسلام بخاصة أو قوة التدين من حيث هي هادية إلى اختيار الدين الصحيح السماوي.
ب ـ أن قصد التعريفات الغربية إلى بيان التدين أو الدين بمعنى عام يشمل الدين السماوي والدين الأرضي وبمعنى أدق يشمل الدين الصحيح والدين الزائف والذي نقصد إليه في تاريخ الأديان إنما هو دراسة الأديان بوجه عام ويستوي في ذلك الأديان الصحيحة حتى الآن أو التي كانت صحيحة في أصلها ثم دخلها التحريف والتزييف، والأديان الباطلة من أصلها سواء بقيت باطلة أو مالت إلى الصحة متأثرة بدين آخر صحيح..
وقد أطلق القرآن الكريم اسم الدين على الصحيح وعلى الدين الفاسد الباطل من ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} 24 آل عمران.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ..} الآية 85 آل عمران.
وقوله تعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم} الحجرات 16.
وقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الكافرون 6.
وبالله التوفيق..
محمد محمد أبو فرحة
مدرس الأديان بالجامعة الإسلامية
للبحث بقية
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
انظر كلمة دان في دائرة المعارف الإسلامية المترجمة إلى اللغة العربية طبع القاهرة.
صرخة إشفاق
لفضيلة الشيخ محمد محمد خليفة
لقد انتاب شباب الأمة العربية والإسلامية التمزق، وشدت أفكاره ومشاعره تيارات تاهت حياته في عوالمها وبين أمواج ظلماتها، وانتهبته عواصف هوجاء من الانحلال أنسته عقيدته، وفَتَّتْ في صلابة رجولته، وقطعت الصلة بينه وبين أمجاد تاريخه، فضاع الشباب أو كاد، وتطايرت روحه في مهاب الفتن.
ومن ثم تضاعفت مسئولية كل عربي عن هذه الأجيال التي تتخبط في الحياة وقد وصمت أسماعها وختم الله على قلوبها فلم يبلغها نذير منذر، أو تطرقها صيحات مصلح، أو تؤثر فيها عبرات مرشد، بل لقد استسلمت هذه الأجيال لغرور المظهر ففتنها عن مستقبلها، ومسئولياتها عن ذلك المستقبل.
وعاشت هذه الأجيال للحيوانية التي تتحكم في دنياها: للأثرة القاتمة، لزخارف الحياة الزائفة، لكل ما يقوض بناء مجتمعها الذي ستقبض على مقاليده في غدها.
وأبصر المشفقون ذلك الشباب وهو يهوي في هاوية لا قاع لها، لا يمسك بشيء، ولا ترده حتى إلى حافة الهاوية صرخات، وعلى شفاه المشفقين أسئلة حائرة: متى؟، ومتى؟، ومتى؟
متى يفيق الشباب من غمرة الفتن، ويفكر في المنزلق الذي أسلم إليه حياته؟
ومتى تبدأ الأمة العربية في مختلف الأقطار تفكيرها في مسئولياتها عن أبنائها، وعن المستقبل الغامض الذي تقف على أبوابه هذه الأجيال؟
ومتى تتحرك الأفكار والأنظار إلى الشباب لتضع له المشاعل على الطريق؟
ومتى تجند الشعوب قواها لتدرأ عن الشباب مخالب الشر التي تمزق كيانه؟
ومتى يكرس المصلحون الجهود لتخطيط مؤمن، ومتابعة يقظة، واستغلال جاد لكل وسائل الإعلام للعمل على بناء نفوس قوية تعرف كيف تؤمن مستقبلها، وتقود مسيرتها في الحياة وتحميها من الأنواء، وتصونها من عبث الأهواء؟
ومتى تنفض الشعوب عنها الغطاء الذي غطَّت تحته طويلا، واسترسلت في كواذب الأحلام؟
ومتى يؤمن المسئولون عن مستقبل الشباب بأن الدين هو أرسخ القواعد وأقواها وأصلبها على احتمال بناء الغد إذا عاش ذلك الدين في القلوب عقيدة قادرة على نفي الشوائب وتنحية العوائق التي تعترض مسيرة الإيمان؟ متى يكون كل هذا لنحقق للأجيال القادمة المستقبل المأمون؟
إن بناء صرح الغد يعتمد أول ما يعتمد على تربية النفوس.
وإن بناء الأجيال الجامحة قد تكون أعتى ما يواجهه المصلحون، غير أن براعة التخطيط لهذه التربية وإعداد المنهج الصالح بعيداً عن المؤثرات الغربية، ومتابعة تنفيذه في صبر، وتعبئة كل الوسائل المعينة على تحقيقه، وحمايته من المناوآت التي قد يشنها المتطرفون أنصار التحرر من كل قيد حتى قيد الدين، وأخيراً يجيء دور الإحساس بل الإيمان بالمسئولية والخوف من حساب الله.
كل ذلك يحقق ما تنشده الأمة من تلك التربية التي تعتمد عليها صروح المستقبل.
ومنهج التربية السماوية ذلك المنهج الذي اعتمد عليه معهد التربية المحمدية، فقضى به على باطل العادات وضلال التقاليد الموروثة يجب أن يضعه المصلحون نصب أعينهم ليتخذوا منه الإشراق الذي ينير سبيل الدالجين.
وقد كانت الحكمة طريق الدعوة بل كانت أول كلمة تؤذن في أول الطريق فترن في أسماع الدعاة وتدوى في قلوب المصلحين تلك الحكمة التي نادى بها الحق:
وتجلت حكمة إله السماء في التدرج في علاج بعض الأدواء التي كان يعانيها المجتمع الجاهلي كالخمر التي هام بها المترفون فنزل في شأنها أولاً: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}
ثم نهاهم عن الاقتراب من الصلاة وهم سكارى فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}
وبعد أن استجابت نفوس المؤمنين إلى نداء الله دعا الله بعضهم أن ينزل فيها شيئاً أو أمراً ينتشل المسلمين من حيرتهم في شأن الخمر، فكان النداء الأخير الذي تجلى فيه حكم الله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
فليكن الرائد عند إعداد منهج التربية هو ذلك المنهج الذي ربى الله عليه خير أمة أخرجت للناس وليس إعداد المنهج كل شيء، وليس إعداد الدعاة كل شيء ولكن إيمان الدعاة بواجبهم وبالأمانة التي في أعناقهم وبخوفهم من المسئولية بين يدي الله في يوم الدين هو الذي يستطيع أن يحقق كل شيء "وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وإن هذا الشباب الجامح لا يعجز جموحه وسائل الردع والإصلاح لو برزت سياط القانون وحسنت نوايا المصلحين، وجندوا لذلك الإصلاح كل الوسائل وانتزع الدعاة أغوال اليأس من نفوسهم تلك التي قد تحمل على الانطواء وترك مسيرة الشباب تتعثر في الحياة كما يشاء لها المنحرفون والشامتون.
إن حاضر الشعوب العربية يجب أن يتغير وجهه بل يجب أن تتغير أعماقه فتزول الرواسب التي تعيش في سلوكه ومشاعره، ويجب أن تبرز في ذلك الحاضر الشخصية الشرقية العربية الإسلامية التي توارت وراء التقليد المجنون.
وإن ثورة التغيير يجب أن تستهدف حملاتها النفوس، وأن تكون لديها الطاقات القادرة على التطهير: فتطهر النفوس، وتطهر العقول، وتطهر السبل، وتنحى عنها كل أسباب الفتنة والإغراء والانحلال حتى تربى للحياة أجيالاً جديدة تستطيع أن تحقق للإسلام تاريخاً جديداً، ولن يتحقق وجود هذا التاريخ إلا إذا كان الدين هو القاعدة التي ينطلق منها التغيير.
إن مستقبل الشعوب العربية يتطلب صحوة تنقض الجمود، وتنطلق من الركود إلى عمل واع مؤمن يحدد الطريق لطريق المستقبل معالمه، ويعبد مجراه، ويحمل الأجيال على سلوك النهج الذي سلكته مسيرة الإسلام الأولى فحققت للأمة الإسلامية العزة التي عنت لها كبرياء المتوجين من الفرس والروم.
فهل يحقق الله للأمة العربية الإسلامية هذه الصحوة؟
هذه أمنية كل غيور فمتى تتحقق.
الدكتور: محمد محمد خليفة
كلية الشريعة ـ الجامعة الإسلامية
يرجى من فضيلة الكاتب أن يحول الحديث من الأمة العربية إلى الأمة الإسلامية مشكوراً.
أعز الأشياء
قال الشافعي:
أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف.
نظرة في غزو أحد من خلال الآيات التي نزلت فيها
لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي
الصلاة والسلام على رسول الله
نظرة في غزو أحد من خلال الآيات التي نزلت فيها
سماحة الإمام رئيس الجامعة، حضرات المسئولين معه، بقية الجمع الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حديثي عن غزوة أحد سيكون من جانب واحد بمثابة جواب عن سؤال، هل حقاً هزم المسلمون فيها بما استغله اليوم بعض ذوي الغرض؟، ونقول: أولاً إن هذه الغزوة واحدة من جهاد حربي طويل، خاضه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر علماء السيرة أنه سير صلوات الله عليه ستين سرية، وقاد بنفسه الشريفة سبعة وعشرين جيشاً، قاتل بسيفه في تسعة منها، وإذا كنا نتحدث الآن في غزوة أحد، فإننا نُحِس ببهجة تغمرنا ونحن في البلد الذي وقعت فيه هذه الملحمة العظيمة، وساحتها على مرمى أبصارنا، وقائدها العظيم ثاو في حجرته الشريفة على خطوات منا، وكأني به الآن وقد وقف يومها بهيئته المهابة وكلمته المطاعة ينادي إلى النزال كرام الرجال من صحابته المغاوير، وأتصورهم أمامي رضي الله عنهم، وهم يهرولون سراعاً خلال الدروب المحيطة بنا صوب نبيهم الآمر بالوحي {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} ..
نعم كأني بهم هكذا الآن، وهم الذين وصفهم صلوات الله عليه: بأنهم يقلون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع، إنه لمسعد للنفس حقاً أن نتصور هذه المعركة مجسمة من حولنا نتفاعل معها، على أنه لا بد أولا أن ندير أبصارنا إلى السنة التي بين بدر وأحد، لنأخذ من الكثير قليلاً يتصل بموضوعنا، اشترك فيه المشركون واليهود على السواء، فكان بعد الهجرة وقبل بدر معاهدة بين الرسول صلى الله عليه وسلم ويهود، من أهم بنودها: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ أي (لا يهلك) إلا نفسه وأهله، وأن بين المسلمين ويهود النصر على دهم يثرب، وأن بينهم النصر على من حارب أهل الصحيفة (لكن لما انتصر المسلمون في بدر، عادت إلى اليهود الخسة التي طُبعوا عليها، وأول من نكث منهم بنو قينقاع، وهم أقوى يهود في المدينة فقرروا اتخاذ عمل عسكري سريع يمحون به نصر بدر، وتلك هي النظرية العدوانية لليهود إلى يومنا هذا، بما تسميه إسرائيل بالحرب الوقائية، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو النذير، أنذرهم أولا قبل أن يمتشق الحسام بمغبة نقضهم للعهد، ولكنهم بالصلف المعروف عنهم أجابوه: يا محمد، لا يغرنّك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وكأنها كانت فرصة له صلوات الله عليه ليريهم من هم الناس، وبدأ الأمر بالرد على قولهم هذا بنزول قوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، ومع هذا أسرعوا إلى سلاحهم وحصونهم للقتال، فهاجمهم النبي برجاله وضيق عليهم الخناق بحصار خانق، لم يتحملوه أكثر من خمسة عشر يوماً، واستسلم بنو قينقاع جميعاً، ثم عفا عنهم على أن يخرجوا من المدينة، فرحلوا إلى الشام، وهلكوا إثر وصولهم بقليل، بوباء سلطه الله عليهم، وهكذا عرفوا من هم الناس، ولكن طاغوتاً من طواغيتهم لم يكفه ما رأى
من خزي قومه، وهو كعب بن الأشرف، فشد الرحال إلى مكة، يثير في أهلها حمية الجاهلية لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، واستطاع بفصاحته تحريك كوامن الصدور، واختار بالطبع الضرب على وتر بدر، ومشى ينوح في جنبات مكة بهذا البيت:-
طحَنَتْ رحى بدر لمهلك أهله
ولمثل بدر تَسْتهل وتدمَعُ
ويؤكد للمشركين أنهم أهدى من محمد سبيلا وهو عدو لهم، ولكن عداوته للرسول أشد، فأنزل الله ما يفضح هذا الشرير بقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} ، لهذا ولغيره أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمه، وتقدم محمد بن مسلمة رضي الله عنه لتنفيذ حكم الإعدام فيه، وفصل رأس التنين اللعين في حصنه بما هو مفصل في كتب السيرة، وشبيه بطريقة كعب كان من امرأة هي عصماء الخطمية، وكانت أخطر من كعب في تأثيرها على الرجال باعتبارها امرأة، فاختار لها النبي صلى الله عليه وسلم عمير ابنَ عدي، وهنا العجب، لأن عميراً رضي الله كان ضريراً، ولكن الرسول كان يعلم أنها لا تعمى الأبصار مع نور البصائر، فيذهب عمير ويدخل على عصماء في الظلام، يقوده نور قلبه إلى حيث تنام، فيكتم بشماله فمها ويغمد بيمينه السيف في صدرها حتى نفذ من ظهرها، وعاد إلى المدينة في صبح صلاه خلف الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره، فسر منه الرسول وقال عنها:"لا ينتطح فيها عنزان "، أي لا يختلف فيها اثنان بأن دمها هدر، وأيضاً كان من آثار بدر أن أبا سفيان قال: النساء والطيب عليّ حرام حتى أثأر من محمد، وكان ثأراً مضحكاً حقاً، فقد جاء من مكة ليكتفي بالوقوف بعيداً هو ومن معه بثلاثة أميال من المدينة، وبإحساس الخائف أحرق بعض نخيلات،
وقتل فلاحاً بريئاً من الأنصار، ثم ولى الأدبار فرقا من مجرد أن يبلغ النبأ محمداً الذي جاء ليثأر منه، وطاردهم الرسول وهم أمامه كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، لدرجة أن تخلصوا من طعام السويق الشهي، وآخر ما اخترناه مما هيَّا لأُحُد، غزوة قردة، حينما تظاهر المشركون بأن هزيمة بدر لن تحول دون رحلاتهم التجارية كما يريدون، وكانت ضربة اقتصادية موجعة تلك التي وقعت في قردة، حيث غنم المسلمون بقيادة زيد بن حارثة رضي الله عنه من العير فقط دون التجارة ما بلغ الخمس الواحد والرسول يخمسه خمسةً وعشرين ألف درهم، وكانت هذه المصيبة التي حاقت بهم كافية لأن يفيض إناء غيظهم، فكانت السبب المباشر لحرب أحد، وسنرى بعد أن ننتهي من الحديث عن الجانب الذي قصدته، كيف ظلمت هذه الغزوة ظلماً مبيناً، من كثير من الذين كتبوا عنها في الداخل أو في الخارج عمداً أو خطأ أو جهلاً، فالصورة العامة التي تنتهي منها بعد أن تقرأ ما كتبوا، هي أن معركة وقعت يوما بين المسلمين والمشركين، بدأها المسلمون بالانتصار ثم انتهت بالنصر للمشركين، ولكن الأجل من ذلك كله، هو أن يتلقف بعض الدهماء هذا، فيتحدثون بأنه لا ضير إذا هزمنا اليوم أو غداً، فقد سبق أن هزمنا في معركة قادها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، والمتحدثون بهذا إما مهانة وذلة، أو أعداء مندسون بيننا يخفون حقداً على الإباء الإسلامي وعزته، وسنحتكم فيما بعد إلى كتاب الله، لنعلم أنه سبحانه لم ينزل ستين آية في غزوة أحد لمجرد أنها بدأت بانتصار وانتهت بانهزام.
الإخوة الأفاضل: نحن الآن في مكة وقد حشد عُبَّاد الحجارة ما لديهم من كره وحقد، بأكثر ما لديهم من عَدد وعُدد، وهكذا كان أعداؤنا وسيظلون ما بقيت الدنيا تجمع بين إسلام ولئام، إن المشركين لم يحشدوا الرجال فقط، بل خرج أكبر عدد من النساء سمع به في حرب وقتئذ، وعلى رأسهن نساء القادة، فأبو سفيان خرجت معه زوجته هند، وعكرمة خرجت معه زوجته أم حكيم، وصفوان خرجت معه زوجته برزة، وعمرو بن العاص خرجت معه ريطة زوجته، وكثيراتٌ غيرهن، والقصد واضح، فالقلوب الخاوية من الدافع لا تدفع إلا بمؤثرات حِسِّي، والمؤثر النسوي أقواها لديهم، لهذا اصطحب المشركون معهم نساءهم والقواد منهم خاصة ليحرِّضْنَهم بدناءة الشهوة (إن تقبلوا نعانق، ونفرش النمارق) . إلى آخر ما تعرفون، أما القلوب المدفوعة بالعقيدة فتأبى عار تحريض النساء، ثم عجب أن يقول لنا أهل السير أنهم شُغلوا وهم لا زالوا في مكة كيف يُقتل حمزة رضي الله عنه، فهم يعلمون تماماً أن الذي يواجه حمزة في الميدان لم يوجد بعد، فتاريخ حمزة معهم طويل فعل بهم الأفاعيل حتى قبل بدر، بل ذكروا أبياتاً قالها وهو بين أظهرهم بمكة إثر إسلامه، قالها وهو جاد وسمعوها وهم هازلون، ماذا قال:
حمدت الله حين فؤادي
إلى الإسلام والدين الحنيف
لدين جاء من رب عزيز
خبير بالعباد بهم لطيف
إذا تليت رسائله علينا
تحدر دمع ذي اللب الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها
بآيات مبينة الحروف
وأحمد مصطفى فينا مطاع
فلا تفشوه بالقول العنيف
فلا والله نسلمه لقوم
ولما نقض فيهم بالسيوف
أبيات قالها وجعلها حرفية التنفيذ، ولهذا استحق رضي الله عنه لقباً ما كان يجرؤ النبي نفسه أن يضيفه على عمه مع حبه الشديد له، فثابت أن كل ما حدَّث به الرسول صلى الله عليه وسلم فيه اسم الله، قرآناً أو غيره، هو من عند ربه لقوله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} وكان هذا اللقب هو أسد الله، حتى بعد أن مات ناداه الرسول به، "يا حمزة يا أسد الله وأسد رسوله"، ولقد بدأت بحمزة لأن المشركين بدأوا به وهم في مكة، فأردت أن أكمل منه قصدي وليس القصة، فقصته معروفة للجميع، فأقول إن صح ما قيل عن تدبير قتل حمزة، كان من جبير بن مطعم وليس من هند بنت عتبة، وإن كانت قد فعلت بحمزة بعد قتله من الفحش ما فعلت، فقد دعا ابن مطعم عبدَه وحشياً وقال له: إن أنت قتلت حمزة بعمي طُعَيمة فأنت عتيق، وعرْضُ قتلْ حمزة على رقيق يدل على ذكاء جبان من جبير بن مطعم، فهو لن يستطيع أن يعرض قتل حمزة على أحد ولا على نفسه، ويعرف بأن الأسد حمزة لن يقبل منازلة عبد رقيق، وعرف وحشي ذلك أيضاً فقبل مطمئناً، وتم القتل بأدنى طريقة يقتل بها إنسان، لكنه إن كان وحشي قد قتل على طريقة ما يَقْتُل الأرقاء، فإن الأسد حمزة قد قتل على طريقة ما تُقْتَل الآساد، فالصياد عندما يريد اقتناص أسد، لا يظهر نفسه للأسد إطلاقاً، فلا يصطاد الليث إلا إذا اختفى وراء شجرة أو صخرة كما فعل الرقيق وحشي تماماً، لذلك كان القاتل لحمزة صياداً رعديداً، وكان المقتول حمزة أسداً غُدِرَ به، وهكذا أضفى الله على حمزة صفة الأسد يوم أن سماه ويوم أن أفناه، وكأنه في قبره في عرينه يتحفز، كيف وسيثب منه سيداً للشهداء، تلك واحدة من مخلدات أحد، والبقية تأتي.
السادة الفضلاء: عودوا إلى البداية حيث علم النبي صلى الله عليه وسلم أن شراً يدبر في مكة، فأعد الأمر على عجل، وأصبح المهاجرون والأنصار في أعلى درجات الاستنفار، لا يفارقهم السلاح حتى وهم في الصلاة، وتترامى الأنباء سافلة وضيعة عن الجيش الزاحف نحو المدينة، فكيف بإحساسكم الآن إذا سمعتم ما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم، من أن هنداً اقترحت إمعاناً في حقدها على الرسول نبش قبر أمه أثناء مرورهم عليه قائلة: لو بحثتم قبر أم محمد، فإن أسر منكم أحد فديتم كل إنسان بإرْب من آرابها -أي بجزء من عظامها- ورأي هند له في القوم قدره، ولكن الله تعالى دفع عن نبيه حزناً عظيماً لو تم هذا الأمر البشع، فصرفهم عن ذلك حين قالوا لهند: لو فعلنا لفعلوا بموتانا مثل هذا، فانصرف النبي صلوات الله عليه للإعداد للقاء الأعداء، وعرض خطته على أصحابه بالتدرج بالمدينة قائلاً:"فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مُقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وزادوا فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم ورُمُوا من فوق البيوت"وذكروا أن ذلك تأويل لرؤيا رآها صلى الله عليه وسلم، وبالإيمان المتحمس رأوا الخروج على غير ما رأى الرسول، وذلك حتى في الاصطلاح الحربي غير مألوف، ولكن المقطوع به أنهم لم يقصدوا العصيان ولا مجرد التردد بدليل أنهم طلبوا أكثر من ذلك، طلبوا الخروج إلى العراء ليلقوا بأنفسهم مباشرة في أحضان الموت، فلا احتماء وراء جدر ولا حصون، وإنما دفعهم التغالي في إرضاء الله ورسوله، إلى طلب التعجيل بلقاء العدو حيث يوجد، لكن الأحسن بلا شك هو الطاعة المطلقة للقاعد وخطة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة، فالمدينة كلها ستشترك في القتال رجالا ونساء وصبيانا، الرجال من تحت، والنساء والصبيان من فوق، فتصبح المدينة مصيدة عظيمة لقطعان الجرذان، وهذه الخطة يسمونها الآن نظرية حرب الشوارع، وآخر ما نُفذت كان
بمدينة السويس في الحرب الأخيرة، فكانت أمنية إسرائيل بعد حادث الثغرة الاستيلاء على المدينة الكبيرة، فعجزوا لتطبيق نظرية اختطها الرسول في غابر، وقال الذين لا يعلمون أنها حديثة أتتنا من الخارج.
السادة الفضلاء: وسرعان ما أدرك أصحابه رأي الخروج إلى أُحُد تصحيح رأيهم مع نبيهم، فأبى صلى الله عليه وسلم بقولته المشهورة:"ما كان لنبي لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله، والصبر عند البأس وانظروا ما آمركم به فافعلوا" فالرسول بكلماته هذه تمسك بكرامة القائد الذي لا يكون على هوى المقودين، فالقيادة خاصة في هذه المواقف لها هيبتها وجلالها، ثم ليزدادوا اقتناعاً عندما يقع لهم من رأيهم ملا يشتهون فيكون الدرس أوقع وأنفع، وتدبروا معي قوله لهم:"وانظروا ما آمركم به فافعلوا". فكأنه صلوات الله عليه يقول لهم لا تعيدوا هذه الغلطة، فإذا كان أساس الخطة قد تغير، فليكن العمل من بعد على تفادي نتائج هذا التغيير، وما توقعه الرسول وقع، فقد تكرر في حادث الرماة، ولكن بصورة أجرأ على القائد من الأولى، لأن القرآن تعرض للأول برفق، في قوله تعالى:{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} لكن اعتبر الثانية معصية، بقوله تعالى:{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} . أي النصر، وسنعود إلى هذه الآية بكاملها إن شاء الله، فلما وقعت المعصية وقع درس الموعظة، وأنا مصر على هذا المعنى، فعندما صوره البعض هزيمة، فلم تخطر هذه الكلمة في آيات أحُد الستين، وإنما قالت إحداها في أشد ما وصفت الأمر: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ} وإنما وردت كلمة الهزيمة في غير آيات أحد تحمل معناها الصريح في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت} ، وحديثي عن أُحُد ليس سرد وقائع مرتبة، وإنما أنتقي منها ما أرد به على المشوهين لأمرها، مؤيداً ردي بالأدلة تأتي في مواضعها إن شاء الله.
الجمع الكرام: وتحرك من المدينة جيش الإيمان للقاء جيش الكفران، وبعد ثنية الوداع بقليل، ألقى صلى الله عليه وسلم نظرة وراءه على رجاله فرأى كتيبة حسنة المظهر، فقال:"ما هذا؟ "قالوا كتيبة من اليهود خرجوا مع حليفهم عبد الله بن أبي، يرغبون في تأييد المسلمين، فسأل:"أسلموا؟ "قالوا: لا، يا رسول الله، فقال:"مروهم فليرجعوا، فإنا لا ننصر بأهل الكفر على أهل الشرك"فرجعوا، ومن عجب أن هذا الأمر وقع للمسلمين منذ سبع سنين، دخلوا الحرب معتمدين على دولة كافرة بالله، لينتصروا بها على عدوهم فخذلتهم، وكانت النكسة النكراء، فلما عاودوها بسواعدهم مدرعين بصيحة (الله أكبر) أثخنوا العدو يوم العبور، مما أسال دمه عسكرياً وسياسياً، واحترمنا العالم بما رُئي وسُمع، فيا ليتنا نستمر في المسيرة مع التكبيرة قولا وعملاً، وقد ذقنا لذتها وعزتها، فصلى الله وسلم عليك يا قدوة العالمين، وما كاد ابنُ أبي رأس الخبث يصل إلى مكان تراءى فيه الجمعان، حتى قال كلماته المعروفة "ما ندري علام نقتل أنفسنا، ارجعوا أيها الناس"، فرجع ومنافقوه الثلاثمائة، وصاح فيهم عبد الله بنُ حرام رضي الله عنه محسناً بهم الظن: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند من حضر من عدوهم، فرد ابنُ أبي: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فقال رضي الله عنه أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه، وفي هذا الحوار نزلت الآية:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} وانظروا كيف بيتها ابنُ أبي في ليل نفاق، فهو لم يفعل ذلك إلا عندما تراءى الجيشان ليعطي المشركين جرعة معنوية.
عندما ينظرون كيف بدأ جيش محمد تنفك أواصره خوفاً منهم، ثم عنا المسلمين بكلمات تقطر سُمّاً لما قال:"ولكنا لا نرى أنه يكون قتال"يعني أن المسلمين عدلوا عن القتال لما رأوا قوة عدوهم، وقد سرى سمه فعلاً في طائفتين، هما بنو حارثة وبنو سلمة، فخيب الله ما عناه وثبتهما بقوله:{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وتلك فائدة أخرى من الفوائد الجمة لأحد، فتصفية المقاتلين من المتخاذلين شيء ضروري في الحروب، ولو أن اليهود والمنافقين اشتركوا في المعركة لتحولت أُحُد من عظات إلى نكسات، بمثل ما قالت آية من غير آيات أحد:{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ، والمبدأ واحد، في أحد وفي غيرها.
أيها الحضور الأكرمون: وقصة الرماة في هذه المعركة هي جوهرها وملاك أمرها، نصر في البداية غير حاسم في النهاية، وقد قرأت للعسكريين يوماً تحليلاً، لماذا اهتم الرسول الكريم في أول تنظيمه لجيشه لوضع الرماة هكذا؟ ومؤداه أنه صلوات الله عليه قد لاحظ أمرين: أولهما أن المكان المسمى الآن بجبل الرماة، نقطة ضعف ميدانية، يمكن الولوج منها خاصة وهي من خلف جيشه، ثانيهما ما رآه من تفوق مطلق في سلاح الفرسان لدى العدو، يقود جياده رجل يعرف الرسول أنه بطل مقدام هو خالد بن الوليد، الذي سيجعل هذا المدخل السهل بخيوله السريعة المدربة مطمحه العظيم، فلم يغب ذلك عن العقل النبوي الذي فسد الثغرة بخمسين منتقين من أمهر الرماة، بقيادة بطل رام هو عبد الله بن جُبير رضي الله عنه، واختارهم من سلاح الرماة لعلمه بأنهم لن يهاجموا إلا بالخيول لتي من خصائصها ترهب رشق النبل هذا تحليلهم، وعندما نسمع الأوامر النبوية للرماة نرى دقة هذا التحليل، فقد ذكر أهل السير أربع روايات، الأولى:"احموا لنا ظهورنا، لا يأتونا من خلفنا، ارشقوهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم" والثانية "انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا" والثالثة: خص بها رئيسهم عبد الله "انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا" الرابعة "إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا اللهم إني أشهدك عليهم" الله أكبر، يا من في كل الدنيا تعلموا من رسول الدنيا، هل سمعتم قديماً أو حديثاً أوامر تصدر من قائد مفصلة صارمة هكذا؟ ونسدد النظر في جملتين أولاهما " وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا" فهو يعلم أن أكثر ما يغري في تلك المواقف هي
الغنائم، وأنها قد تحول دون النصر أو طلب الشهادة، والدليل موافقة القرآن له صلى الله عليه وسلم في ذلك، واعتبر من عصوه من أجل الغنائم مريدي دنيا، ومن ثبتوا مع ابن جبير طلاب آخرة، فقال سبحانه عنهم:{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} ولنا عودة مع هذه الآية أيضاً إن شاء الله، وثاني الجملتين قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أشهدك عليهم"، فالإشهاد من شأنه إعفاء المشهد من مسئولية المشهَد عليه، أي أشهد يا الله أن المبلغ قد أدى، فلا تؤاخذه بعمل المبلغين إن لم يؤدوا، ولهذا كررها في حجة الوداع، فإنه وإن كان قد أدركه صلى الله عليه وسلم لهيب عملهم بما نعلم جميعاً، لكن ذلك لا يهمه بقدر ما يخشى أن يلام من ربه على ما قد يحدث، فكان أن نسب الله تعالى إليهم المعصية وليس إليه، فلما أطاعوا في البداية صدقهم، ولما عصوا بعد ذلك سلبهم، وهذا هو أساس التعامل مع الله تعالى إن أردنا، وتلك أيضاً من أهم محاسن أحد، ونعيد الآية لنأخذ من بعضها قصدنا:{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وتحسونهم: تغلبونهم، وفي عامة التفسير، تظهرون عليهم ظهوراً بيناً {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} والابتلاء في الغالب يكون بالشر، والامتحان يكون بالخير، فهو سبحانه امتحنهم بحسهم، وابتلاهم بالصرف عنهم، وقد حدث فعلاً نتيجة لقوله تعالى:{لِيَبْتَلِيَكُمْ} أن قال بعضهم: من أين لنا هذا ونحن مسلمون ورسول الله فينا، فردت الآية: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ
أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} أي أصبتم مثليها في بدر، قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، وهم الآن قتلوا منكم سبعين ولم يأسروا أحداً، والأسر عند العرب أعظم من القتل {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} تساءلتم ونسيتم السبب، قل لهم أيها الرسول {هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} أي لما عصيتم بترك أماكنكم بغير إذن.
الإخوة والأبناء: لكن فرقة الرماة هذه، قد حمل عليها من بعض من ادعوا تأريخ التاريخ إجحافاً بغير إنصاف، وقد جهلوا أمرين هامين: أولهما أن القرآن أنصفهم بمنة عظيمة مع الممتن عليهم من جند أحد، فمعصية الرماة لم تكن معصية تعمد، وإنما معصية تأول، فالمتحاملون على الرماة لم يعلموا قوله تعالى:{وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، فالعفو هنا شامل للكل بما فيهم الرماة، وأنهم لا زالوا مؤمنين مستحقين لفضل الله والتصوير الطبيعي للبلبلة التي وقعت في أحد، يمكن أن تقع لكل إنسان مهما كانت رباطة جأشه، فإذا مزح معك صديق وجاءك من الخلف وصرخ فجأة، ينخلع قلبك وتقفز هلعاً، وذلك وضع بشرى وقع لرجال أحد وهم في نصر ما تصوروا معه هزيمة من الأمام فكيف من الخلف، وما تصوروا أن ثغرة الرماة ستفتح أبداً بعد الأوامر المشددة الموجهة إليهم.
ومن حدة المفاجأة حدث شعور يستحيل منعه، وإلا لنفذ فيهم حكم التولي عند الزحف، ولحرموا من شرف الجهاد وبعد ذلك مع الرسول، كما حدث في نحو فرقة ابن أبي في قوله تعالى لنبيه:{فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً} وعفا عن كل الأحديين أيضاً بقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} ، وبعض ما كسبوا، عندما لم يوافقوا نبيهم على التدرع بالمدينة ولما ترك أكثر الرماة مكانهم، فكان الدرس وكان العفو بعده، ومما عجبت له ترديد كثير ممن كتبوا عن هذه الغزوة أن المسلمين فيها أخذ يقتل بعضهم بعضاً لما اختلط الحابل بالنابل، وإذا بي يزداد عجبي بعد بحث، أنه لم يقتل خطأ يومها بأيدي المسلمين إلا واحد وهو (حسيل بن جابر) والد حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، وفي ذلك تقول عائشة:"لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت مع أخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه، فنادى، أي عباد الله، أبي، أبي، قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة، يغفر الله لكم "رواه البخاري.
فلم تذكر عائشة في حديثها غير والد حذيفة، ولو قتل غيره لأشارت إليه بعبارة ما، وهي العالمة الفصيحة رضي الله عنها، وإن كان هناك سواه فأنا في انتظار من يقدمه إليّ مشكوراً، أما الأمر الثاني بالنسبة للرماة، والذي ما أظنه إلا أنهم استحقوا به عفو الله، فقد قدمهم الكثير على أنهم أخطأوا فقط، والثابت باليقين أن الانتصار الكاسح في البداية، هم الذين قدموه لإخوانهم، لما وقفوا يصدون ثلاث هجمات عاتية من جحافل خيل المشركين بقيادة خالد وعكرمة بما تنبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم ولما يئس خالد وعكرمة ومن معهما لما نالهم من الرماة، ظنوا رضي الله عنهم أن النصر قد انعقد للمسلمين، فتأولوا أمر القائد، ولكن ذلك لم يعفهم من أنها كانت معصية، ثم غفرت لهم جزاء ما قدموا في البداية.
الجمع الفاضل الكريم: كان لا بد أن أُقدم بعضاً من نماذج أُحديّة غير حمزة الذي ذكر أنه كان رضي الله عنه يقاتل في أحد بسيفين [1] ، لذى هل مثل هؤلاء كانوا في هزيمة؟ فقد اندفع طلحة العبدري المشرك، وكانوا يلقبونه بكبش الكعبة تشبيهاً بحامي القطيع لشدة فتكه، وصاح متحدياً بالمبارزة وهو على ظهر جمله، فبرز له الزبير بن العوام رضي الله عنه، وقبل أن ينزل من فوق جمله قفز الزبير وركبه معه، واحتضنه وألقى به وهو فوقه، ثم فصل رأسه عن جسده، فأصبح كبش الكتيبة كبش الذبيحة، وعلى إثر ما فعل الزبير صاح النبي مكبراً وكبر معه المسلمون، وقال:"لو لم يبرز إليه الزبير لبرزت أنا إليه، إن لكل نبي حوارياً وحواريّ الزبير" ومن نماذجنا لما رفع النبي صلى الله عليه وسلم سيفاً في يده وعرضه للبيع، وتسابق الرجال إلى شرائه، ورسا العطاء على أبي دجانة رضي الله عنه، وكان ثمنه كما طلب الرسول "أن يضرب به في وجه العدو حتى ينحني"يقول الزبير: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبي دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني، والله لأنظرن ما يصنع أبو دجانة، فاتَّبعته، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، واتجه نحو المشركين يتبختر، فقال صلى الله عليه وسلم "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" وأخذ أبو دجانة يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي
ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أظل الدهر في الكبول
أضرب بسيف الله والرسول
فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله، أما كعب بن مالك رضي الله عنه فيقول: كنت فيمن خرج من المسلمين، فإذا رجل من المشركين يجوز المسلمين وهو يقول: استوثقوا كما استوثقت جزر الغنم، أي شدوا وثاق بعضكم، وإذا رجل من المسلمين ينتظره، ولكن الكافر أفضل منه عدة وهيأة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال كيف ترى يا كعب؟! أنا أبو دجانة، وشيء مضحك يقصه أبو دجانة رضي الله عنه، يقول: رأيت يوم أحد إنساناً يُحمس الناس حمساً شديداً، فصمدت له، فلما حملت عليه بالسيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة، وكانت المرأة هي هند بنت عتبة، ومن نماذج أحد سعد بن أبي وقاص، رمى رضي الله عنه يوم أحد بألف سهم، ولهذا جمع له الرسول أبويه قائلاً:"يا سعد ارم فداك أبي وأمي" ورأى صلى الله عليه وسلم أم أيمن تسقي الجرحى، وإذا بعلج مشرك يرميها بسهم، وهو حبان ابن العرقة فلم يصب منها مقتلا ولكنها وقعت وتكشفت، فأغرق عدو الله في الضحك، ولننظر أمر أبي دجانة وهند وأم حبان وأم أيمن، نجد خلق الإسلام في الأول، وخلق الكفر في الثاني، ولكن شق على الرسول صلى الله عليه وسلم رؤية من قال لها يوماً:
"أنت أمي بعد أمي" أن يقع لها ذلك، فدفع صلى الله عليه وسلم إلى سعد سهماً لا نصل له، وقال: ارم به، فرمى به سعد فغاص في نحر حبان، وسقط وتكشف أيضاً، فضحك صلوات الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال:"ستقاد لها سعد، أجاب الله دعوته" وعاش بعد ذلك سعد لا ترد له دعوة، ومن نماذج أحد عبد الله بن جحش رضي الله عنه، كيف لا، وهو أول من لقب بأمير المؤمنين، هو أول من أسر وغنم في الإسلام لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في رجب، على رأس سرية للقاء ابن الحضرمي ورجاله ببطن نخلة، فقهرهم وقتل ابن الحضرمي فعاب المشركون على المسلمين القتال في رجب الحرام، فنزل قوله تعالى يقر فعل المسلمين لما سئل النبي في ذلك:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي أمر كبير {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} فسر رضي الله عنه وقال هذه الأبيات الثلاثة:
تعدون قتلاً في الحرام عظيمة
وأعظم منه لو يرى ذلك راشد
صدودكم عما يقول محمد
وكفركم به والله راء وشاهد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا
بنخلة لما أوقد الحرب واقد
ولهذا مثلوا به بعد أن صال وجال في أحد، ودفنه الرسول بجانب خاله حمزة، فضم المكان الأسد والشبل معاً، ومن نماذجنا في هذا اليوم حاطب بن أبي بلتعة، يقول حاطب: لما رأيت ما فعل عتبة بن أبي وقاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أدمى وجهه، سألته، أين توجه عتبة؟ فأشار النبي إلى حيث توجه، فمضيت حتى ظفرت به، فضربته بالسيف فطرحت رأسه، ثم نزلت فأخذت فرسه وسيفه، وجئت به إلى سول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي:"رضي الله عنك، رضي الله عنك، مرتين"، وآخر الأمثلة امرأة هي أم عمارة نسيبة بنت كعب، ويكفينا من قصتها الطويلة قول النبي صلى الله عليه وسلم عنها:"ما التفت يميناً ولا شمالاً يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني"، وقد خرجت يوم أحد مع زوجها وابنيها، فقال لهم الرسول:"بارك الله فيكم أهل بيت "فقالت أم عمارة: أدع الله أن نرافقك في الجنة، فقال:"اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة" وهنا قالت أم عمارة ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا، أصيبت يومها رضي الله عنها باثني عشر جرحاً، أما الكبار والمشاهير في أحد فالكل يعرفهم، وكفا ناساً مثلنا.
إخواني وأبنائي: ولما ركد غبار المعركة على كثيب الرمال وصخور الجبل العتيد، ظهرت هند على صخرة منه، وقالت على مسمع من رجالنا تشفي ما بصدرها الموتور:
نحن جزيناكم بيوم بدر
والحرب بعد الحرب ذات سعر
فشكر وحش عليّ عمري
حتى ترم أعظمي في قبري
شفيت وحشيا غليل صدري
أدركت ثأري وقضيت نذري
تقصد بالنذر ما فعلت بحمزة، فترفع الأباة عن الرد على امرأة، فانبرت لها هند أخرى مؤمنة، هي هند بنت أثاثة المنافية، قالت بنفس الروي:
خزيت في بدر وبعد بدر
يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر
بحمزة الليث وعلى الصقر
بكل قطاع حسام يفري
فنذرك السوء وشر نذر
فدخلت مع الهنديين بنحو ما للذكر حظ الأنثيين، وإن كان بعض الحكام الذين يقال إنهم مسلمون، قد سلبوني هذا الحق وجعلوني كالمرأة، ومن يدري فقد يجعلون يوماً للأنثى مثل حظ الذكرين، وأظن ساعتها لو طالبت أن أتساوى بالمرأة لقتلوني وأحرقوني، ولكن لا مانع لديهم من مثل حظ الأنثيين في قول أبيات، لأن قصدهم خراب القلوب والبيوت، وليس الأبيات (نعود إلى موضوعنا مذكراً إياهم بما تعنيه هند المنافية بقولها خزيت في بدر وبعد بدر فقلت:
تعنين يا هند ببعد بدر
ما كان من عصماء رمز الشر
شق الضرير صدرها بالسيف
لم تعصم العصماء من عمير
وبعد بدر صار قينقاع [2]
هلكى جميعاً تلك عقبى الغدر
وبعد بدر حزَّ رأس الحقد
كعب بن غير الأشرف الأشر
وبعد بدر خلية السويق
عادت قريش بالأيادي الصفر
وبعد بدر ضربة في قرده
منها غنائمنا فاقت عن الحصر
لو قلت أيضاً بعدما في أحد
قد كان خيراً كامنا في ضر
من يومها يا هند عز الزند
لجند ربك في بر وفي بحر
فإن تريْ يا هند ثم رأيت
بنت الذي أرواه ليث البدر
في غزوة الفتح العظيم هلعى
فأمنها عفو الرسول البر
إن تسمعي أختاه ثم سمعت
قول النبي في حج أعز [3]
لن يعبد الشيطان بعد اليوم
في أرضكم وذاك وعد النصر
أيها الجمع الفاضل: وبعد فراغ المسلمين من دفن شهدائهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يصطفوا ومعظمهم جرحى، قائلاً:"استووا حتى أُثْني على ربي فاستووا فقال: "اللهم لك الحمد، لا قابض لما بسطته، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، وملا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم أبسط علينا من بركاتك ورحمتك، وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعت منا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق" رواه البخاري وأحمد، ولو لم يكن من مآثر أحد غير هذا الدعاء لكفى.
الجمع الفاضل الكريم: لا نكابر معاذ الله فنقول: إن وهج معركة أحد لم يفلح وجوه أبطالنا، {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} وحتى لا يدرك الغرور المؤمنين بنصر دائم، بل منهم من اتخذه الله شهيداً، ومنهم من حصل على وسام شرف بجرح بل بجراح، كما نقر بأن انهزاماً وقع كما أسلفنا، والانهزام غير الهزيمة كما قلت، فالانهزام هو التراجع لأمر ما يقع أثناء القتال مع الاستمرار في المعركة، وهذا ما وقع في أحد، والهزيمة هي القهر والغلبة، فتستحيل المقاومة ويتم الاستسلام، وإلا فهل يسمى جيش أحد مهزوماً ولم يؤسر منه أحد، والمغلوب يسهل أسره، وإذا كنا قد أصبنا في أحد بقرح، فقد أصبناهم فيها أيضاً بقرح، وقد أثبتها القرآن بقوله:{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} وأنا لست مع الذين فسروا {مِثْلُهُ} يعني في بدر، لأن الذي وقع في بدر كان مثلين نصّاً ولن يكون المثلان مثلاً واحداً، وإنما أنا مع الذين يقولون إنه في أحد، فمثله أي شبهه ونوعه، فإن كانوا قد قتلوا منكم فقد قتلتم منهم، وقتلى المشركين في أحد بلغوا سبعة وثلاثين، وإن كان قد وقع منكم انهزام أثناءها، فقد انهزموا أمامكم أولها، وهذا هو القرح الذي وقع للطرفي، قتل وانهزام، وهل يسمى هذا الجيش مهزوماً والنبي صلوات الله عليه يعطي لفاطمة رضي الله عنها سيفه، وهو ملوث بالدم النجس ويقول:"اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني في هذا اليوم"، وعلي يعطيها سيفه وهو يقول:"هاك السيف حميداً"وهل يكون هذا الجيش مهزوماً وقد زحف ليستأنف القتال مع نفس الجيش الذي كان يقاتله ثاني يوم في حمراء الأسد، إنهم هزموا في بدر، ولم يستطيعوا القتال إلا بعد سنة، والعرب هزموا أخيراً في معركة سبعة وستين، ولم يستأنفوا القتال إلا بعد سنوات، ولكن جيش أحد اندفع بقوة ليقاتل نفس العدو وبعد ساعات، وحرص صلى الله عليه وسلم ألا يخرج معه إلا من كان
في أحد، حتى لا يقال إنه جهز جيشاً جديداً أو دعمه بجنود أُخر، ولقد صدق عسكريوا اليوم عندما وصفوا أبا سفيان بأنه قائد فاهم لأسرار الحرب، لما لم يهاجم المدينة عقب معركة أحد، مع أنها أمنيته ليقضي على المدينة مصدر غيظهم، فأحجم عن هذا لعلمه بأن هزيمة بحقيقتها لم تقع، فجيش محمد لا زال سليماً وما هي إلا غلطة رماة ما يظنها تتكرر، ولهذا قال الرسول لعلي:"يا علي، اخرج في آثار القوم، فإن كانوا جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم". قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة، ولكن أبا سفيان توقف في حمراء الأسد، لينظر في قول مغروري جيشه عندما قالوا: لا محمد قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة وشوكة، وقبل أن يجمعوا أمرهم، كان النبي أسرع منهم يعسكر بجانبهم، وعندما علموا بذلك، كان الإجماع على الفرار وليس على الكرار وهكذا صنعت العقيدة بنحو سبعمائة ليخيفو أكثر من ثلاثة آلاف، واستحقوا عن حمراء الأسد ثناء ربهم عليهم بقوله:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} الآيات.
الإخوة والأبناء: ونختم محاضرتنا بما نتم به قصدنا، فإن أفراداً معينين من المشركين كانوا هدفاً عظيماً لسيوف الصحابة، ولكن الله كف أيدي الصحابة عنهم، وكان ذلك من غيب أحد أظهره الله بعد، والآن نقدم بعض المثل، فخالد بن الوليد حال الله دون قتله ليكون بعد ذلك سيفه المسلول الذي لم يغمد أبداً، حتى إنه عند موته تحسر لأنه لم يلق الله شهيداً، وهكذا أفلت وهو مشرك، ليخلد وهو مسلم، وحال الله دون قتل عمرو بن العاص ليصبح فيما بعد داهية الحروب، وفاتح أرض الكنانة مصر، ومضيئها بنور الإسلام، وعكرمة ينجو من سيف أحد، ليخوض جهاداً رائعاً حتى يلحق بالشهداء الأحياء في اليرموك، وكثير من نوعه شمله هذا الحديث الشريف:"يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب على القاتل فيُسلم، فيستشهد". رواه كل من البخاري ومسلم، بل وصاحب الجريمة الشنعاء وحشي، يسلم ويجاهد، حتى يأتي يوم اليمامة فيقول: "اللهم اجعلني أقتل مُسَيْلِمَة في حمزة، وتستجاب دعوته، ويشترك في قتل مسيلمة ثم يقول: قتلت بحربتي هذه خير الناس بعد رسول الله، وقتلت بها شر الناس، يقصد حمزة ومسيلمة وقائد الشر يومها أبو سفيان، يأتي عليه يوم يشكوه أحد ضعفاء مكة إلى عمر بأنه حول ماءه إلى بستانه، فيأمره عمر بأن يضع يده في الطين ويحول الماء إلى صاحبه فيطيع، فيقول عمر مسروراً: الحمد لله الذي جعل أبا سفيان يطيع عمر ببطن مكة، فيجيب أبا سفيان أيضاً، والحمد لله الذي جعل أبا سفيان يطيع عمر بالإسلام، ولم يقف الأمر عند الرجال، فالمرأة التي كاد سيف أبي دجانة يشقها نصفين، بقيت لتبايع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وتنصرف من لدنه لتهشم صنماً لها في بيتها قائلة له: كنا منك في غرور وكما ذهبت يوم أحد لتحرض على قتل المسلمين، ذهبت إلى اليرموك لتحرض على قتل الكافرين، وأم حكيم التي كانت مع زوجها عكرمة
استشهدت في اليرموك بعد أن قتلت سبعة من الروم بعمود خيمة، وبقية اللواتي كن في أحد، أسلمن وأصبحن صحابيات كريمات، كل ذلك وغيره، من عجائب أحد وغيبها الذي ظهر بعدها ألم يقل سبحانه لنبيه لما اشتد غضبه صلوات الله عليه منهم ساعتها.
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ثم ألم يقل تعالى عن يومها أيضاً {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} ولقد علمنا الآن بعض غيب أحد، وبقية غيبها عند ربها فلنلزم مع غيبه الأدب.
سماحة الإمام رئيس الجامعة حضرات المسئولين معه، بقية الجمع الكريم من الأساتذة والضيوف والطلاب، بهذه الكلمات، حاولت أن أرد على الذين خاضوا في هذه الغزوة، منتهزين الظرف الصعب الذي يمر الآن بالأمة الإسلامية، ولكم أتمنى أن تنبري أقلام هي أقدر منا على تصحيح ما شوهه الجهل أو سوء القصد من تاريخنا، فنسد المسالك على مثل من ابتلوا بهزيمة العقيدة قبل أن يلصقوها بأحد، فحرب الكلام اليوم أصبح أقوى من حرب السهام، وكلمة حق أقولها إن جامعتنا هذه لها من ذلك جولات موفقة لا تنكر، رغم ظهورها في زمان أصبح السلطان فيه للشيطان، وهاهي تكبر وتعظم، ومسئولية القائمين عليها تكبر وتعظم، والمستعان هو الله، يمدهم ويمدنا جميعاً بما يرضيه عنا.
فيا رسول الله تقديراً منا وإكباراً لجهادك وجهاد أصحابك الميامين، وقتل الخراصون، ومن يريدون أن نعطى الدنية في ديننا، وسلام على إبطال أحد في العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
على العاقل
قال أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان في صحف إبراهيم: "وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله تعال، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.
وعلى العقل أن لا يكون ظاعناً إلا لثلاث، تزود لمعاد، أو حرفة لمعاش، أو لذة في غير محرم.
وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه".
رواه ابن حيان في صحيحه
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
هكذا في الأصل ولعل الصواب قل لي.
[2]
على تقدير المضاف (بنو)
[3]
حجة الوداع.