المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 7 فهرس المحتويات 1- أيها الإنسان: عبد العزيز القارئ 2- أخبار الجامعة 3- - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٣

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌العدد 7 فهرس المحتويات 1- أيها الإنسان: عبد العزيز القارئ 2- أخبار الجامعة 3-

‌العدد 7

فهرس المحتويات

1-

أيها الإنسان: عبد العزيز القارئ

2-

أخبار الجامعة

3-

التروايح أكثر من ألف عام (3) : بقلم الشيخ عطية محمد سالم

4-

بحوث هامة حول الزكاة: نائب رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز

5-

الشمس في نصف الليل: للدكتور تقي الدين الهلالي

6-

الطريق الجديدة (قصة قصيرة) : بقلم الشيخ: محمد سعيد المولوي

7-

النبوة: اصطفاء وقدوة: للشيخ أحمد مختار البزرة

8-

بين التفوق والنجاح: بقلم: الدكتور محمود بابللي

9-

تتمة - النبوة: اصطفاء وقدوة: للشيخ محمد مختار البرزة

10-

حالة المسلمين في اليونان: بقلم الطالب: محمد جهاد حافظ رشاد

11-

حكم العمل بالحديث الضعيف: بقلم الشيخ: علي مشرف

12-

ندوة الطلبة - دراسات في الديانات الهندية - المصادر الأساسية للديانة الهندوسية (2)

بقلم: الطالب محمد ضياء الرحمن الأعظمي

13-

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (4) : لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

14-

رسائل لم يحملها البريد: بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

15-

في ظلال سورة الأنفال: للشيخ أبي بكر الجزائري

16-

فلا تدعو مع الله أحداً: بقلم الشيخ: عبد الله محمد الغنيمان

17-

محب الدين الخطيب - لمحات من حياته وقبسات من أفكاره: بقلم الشيخ: ممدوح فخري

18-

من طلائع الشيب: بقلم الطالب: عبد القادر محمد النيجري

19-

يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة الإسلامية

20-

مع الصحافة - يهودية وصهيونية: نقلا عن مجلة الوعي الإسلامي

21-

أضواء على المذاهب الهدامة - الشيوعية: بقلم الشيخ: عبد القادر شيبة الحمد

22-

بين الحياة والموت: للشيخ محمد المجذوب

23-

من تاريخ المذاهب الهدامة - كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (4) : بقلم محمد بن مالك اليماني

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 204

أيها الإنسان

عبد العزيز القارئ

ما لهذي النار تزداد جحيماً

أيها الإنسان: نار أججت

وسقوا قلبك بركاناً أثيما

ألبسوا جلدك ثوباً ناعماً

أحرقوك اليوم حتى لا تقاوما

هيكل أنت، أديم فارغ

هل تريني اليوم إنساناً سليما

أيها الإنسان: عيني يئست

أي جانٍ قذف الحقد رجوما

ما لأرضي بالرزايا ملئت

في ربى الشرق ولا الغرب رحيما

خففت الوطء فإنا لن نرى

هات كفيك، لنرتاد النجوما

أيها الإنسان: حطم سجنهم

لطخوا التاريخ فيه والقديماً

عالم يبنونه في أسفل

في الأعالي الشم، نبنيه عظيماً

هات كفيك لنبني عالماً

ونرى الدهر صباحاً مستديما

فهناك الشمس أزجت دفئها

قد تجلى وبدا النوم عقيما

أيها الإنسان هذا المنتهى

وغيوم الليل هذي لن تدوما

فانزع الأغلال فالفجر أتى

نجعل الدنيا وما فيها نعيماً

أعطني اليوم فؤاداً مؤمناً

نقلب الدنيا على البغي جحيما

أعطني اليوم حساماً مسلماً

ص: 205

حالة المسلمين في اليونان

بقلم الطالب: محمد جهاد حافظ رشاد

كلية الدعوة وأصول الدين

قبل أن أبدأ من تقديم بين يدي موضوعنا بالتحدث قليلاً عن مختلف أوضاع المسلمين في اليونان.

1-

دراسة جغرافية عن مسلمي اليونان:

يبلغ عدد المسلمين في اليونان حوالي 200 ألف نسمة من أصل تركي يعيشون في الجهة الشمالية الشرقية من اليونان بمنطقة تراقيا الغربية. وحدودها شرقاً: تراقيا الشرقية أو بتعبير آخر تركيا الأوربية وشمالا ً: بلغاريا وغرباً مقدونيا وجنوباً: البحر الأبيض المتوسط أو بحر إيجه.

ويجتمع مسلمو اليونان في منطقتين بصورة رئيسية، وعاصمة هاتين المنطقتين (كموتيني) باليونانية وبالتركية (كوملجنة) وبالقرب منها مدينة (كسانتي) باليونانية وبالتركية (إسكجة) ويبلغ عدد المسلمون في هاتين المدينتين النصف من مجموع السكان من المسلمين واليونانيين. كما يوجد المسلمون في ولايات أخرى ولكن بنسبه قليلة كما في (ألكساندر وبوليس) باليونانية و (دده آغاج) بالتركية. وبالقرب من السواحل الغربية التركية للبحر الأبيض المتوسط توجد بعض الولايات التي يقيم فيها المسلمون بنسبة ضئيلة، كما في جزيرة (رودس) بالقرب منها جزيرة (كوس) باليونانية (استانكوى) بالتركية حيث يبلغ مجموع المسلمين في هاتين الجزيرتين 15ألفاً تقريباً.

2-

الحالة الدينية:

ص: 206

أكثر المسلمين في اليونان متمسكون بعقائدهم وعباداتهم ويتحلون بالأخلاق الإسلامية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. ويضاف إلى ذلك نسبة عالية من الجيل الجديد الذي بدأ يتنكر لعقيدته الإسلامية كما في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، ومن الأسباب الرئيسية لتنكر هذه الفئة لدينها قلة الدعاة الذين يفهمون جوهر الإسلام ويجيدون الدعوة الصالحة إليه. أما حالة المسلمين الذين يعيشون على بعد 800ميل من ترقيا الغربية، أعني جزيرة (رودس) فلا تشجع أبدا بل تبعث الأسى والحسرة في النفوس؛ ذلك أن هذه المجموعة المسلمة تعيش شبه منعزلة عن كل ما يمت بصلة إلى الإسلام، حيث أنهم أصبحوا منعزلين بعد إنفصال جزيرتهم عن تركية وعاشوا هملاً. وأستطيع أن أقول أنه لم يصل إليهم داعية إسلامي منذ خمسين سنة في الوقت الذي لم يظهر بينهم خلال ذلك من يتعلم أصول دينه ويدعو الناس إليه حيث أصبح أبناء الجيل الجديد لا يفقهون من أمر إسلامهم شيئاً. اللهم إلا أن يكون مسلماً في حفيظة النفوس. ومن النتائج المؤلمة لهذا الجهل بالدين أن لا تتورع الفتاة المسلمة اسماً أن تتزوج من رجل نصراني. وفي جزيرة (رودس) خمسة مساجد من بقايا عهود الدولة العثمانية تبكي على الإسلام زوال دولته من هاتيك الديار ومحظوظ المسجد من بين هذه المساجد ما أقيمت فيه صلاة الجمعة والعيدين، وهذه المساجد تركت لتنهار وحدها وكأنها لم تبن ليعمرها المصلون، ومن الملاحظ أن حالة المسلمين في تراقيا الغربية تبعث الأمل في النفوس لدى مقارنة حالهم بحالة المسلمين في جزيرة رودس؛ حيث نرى أن في مدينة كوملجنه خمسة عشر مسجداً كبيراً إلى جانب المساجد الصغيرة الموجودة في الأحياء حيث تقام الصلاة في كل مسجد من هذه المساجد بأوقاتها الخمسة كما توجد في القرى التي يقطنها المسلمون الأتراك مساجد ترتفع مآذنها دالة على دين سكانها. كما يوجد في كل ولاية من ولايات تراقيا الغربية المسلمة فقيه، يتولى أمور

ص: 207

النكاح والطلاق والميراث والمعاملات الشرعية والإشراف على أئمة المساجد وخطبائها ومؤذنيها ومدرسيها. كما توجد في كل ولاية إدارة للأوقاف الإسلامية لا تخضع لأي إشراف من الحكومة اليونانية. ويشرف على هذه الإدارات هيئة منتخبة لمدة أربع سنوات تتولى صرف واردات الأوقاف على إصلاح شأن المساجد ومساعدة المدارس الإسلامية وصرف رواتب الأئمة والواعظين والمؤذنين.

3-

الحالة الاجتماعية:

يوجد في تراقيا الغربية ثلاث جمعيات أقدمها: أولاً: جمعية (اتحاد إسلام) اتحاد مسلمي اليونان التي أسست عام 1932ميلادي وبإشراف الشيخ مصطفى صبري أفندي رحمه الله رحمة واسعة - الذي كان شيخ الإسلام لعهد آخر سلاطين الدولة العثمانية السلطان وحيد الدين، وقد توقفت هذه الجمعية عن نشاطها أثناء الحرب العالمية الثانية والحروب الداخلية في اليونان، ثم عادت لتبذل جهد المقل. ومن الأهداف الرئيسية لهذه الجمعية: التمسك بأهداب الدين الإسلامي الحنيف، والأخوة الإسلامية، وتبليغ ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الناس وإيضاح ما نسب إلى الإسلام من بدع وضلالات والحث على العودة إلى منبع الإسلام الصافي في الكتاب والسنة، ويبلغ عدد الأعضاء المنتسبين إلى هذه الجمعية حوالي 5000 شخص ويتولى رياستها الشيخ حافظ علي رشاد الذي شارك في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس الشريف. كما شارك في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الأول الذي عقد في جدة، والثاني عقد في مكة المكرمة عام 1384هـ ومن أهم خدمات هذه الجمعية:

1.

بعد مناقشات طويلة مع الحكومة اليونانية نجحت في إحباط مشروع طرحته الفئات المنحرفة يقوم على إجبار الطلاب على لبس القبعات في المدارس.

2.

وفي إحباط مشروع يقضي بتبديل حروف العربية بالحروف اللاتينية في المدارس وخارجها.

ص: 208

3.

ووفقت الجمعية بنجاح في إعادة مئات الأوقاف الإسلامية من البيوت والدكاكين، والحقول والبساتين بعد استملاك الحكومة لها أثناء الحربين الأولى والثانية أو من استملاك الناس إلى حظيرة الأوقاف الإسلامية.

4.

نشر وتوزيع منشورات وكتب مدرسية دينية.

ثانياً: جمعية (انتباه الإسلام) تنبيه الإسلام وباعتبار هذه الجمعية لازالت حديثة العهد فإنها لم تقدم بعد للمسلمين خدمات تذكر وإن كنا نعقد عليها بعض آمال في خدمة مسلمي اليونان.

ثالثاً: (تورك كنجلر برلكي) جمعية شبان الأتراك، وهذه الجمعية أكثر إمكانية مادية من الجمعيتين السابقتين وهدفها الوقوف في وجه الجمعيات الإسلامية والحد من نشاطها. وتضم في عضويتها أناساً تنكروا لدينهم وضلوا عن السبيل السوي وجعلوا العصبية القومية فوق أخوة الإسلام. ونتيجة لإمكانات هذه الجمعية المادية وقيام أعداء الإسلام بتزويدها بالإمكانات اللازمة فإنها تقوم بإصدار ثلاث صحف أسبوعية كل صحيفة بورقتين وبأسماء (آقين-الهجوم -مليت –القومية -وتراقيا) في الوقت الذي تقوم فيه جمعية اتحاد مسلمي اليونان بإصدار صحيفة واحدة نصف شهرية وبورقة واحدة تحت اسم (محافظة كار_حفظ الدين أو المحافظون) مع قيام جمعية تنبيه الإسلام بإصدار صحيفة واحدة أسبوعياً وبورقة واحدة تحت اسم (ثبات_الثبات) ويمثل مسلمي اليونان ثلاثة أشخاص ينتخبون مرة كل أربع سنوات، يتولون رعاية مصالح المسلمين لدى الحكومة اليونانية.

4-

الحالة الثقافية:

توجد في تراقيا الغربية من المدارس الابتدائية أكثر من200 مدرسة يتعلم فيها أبناء المسلمين العلوم العصرية إلى جانب العلوم الإسلامية بنسبة قليلة ومدرستان متوسطتان وأخريان ثانويتان كما يوجد مدرستان تتوليان تدريس العلوم الشرعية بصفة خاصة وهما:

ص: 209

(المدرسة الرشادية الشرعية والمدرسة الخيرية الشرعية) علماً بأن الحكومة اليونانية هي التي تتولى الإنفاق على هذه المدارس وأكثر مدرسيها من المسلمين ويوجد بين أبناء المسلمين من يتابع تحصيله العالي في مختلف فروع الجامعات التركية واليونانية مثل أنقرة واستانبول وأثينا وسالونيك. ومنهم من يتابع دراسته العالية في العلوم الشرعية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والجامعة الأزهرية في القاهرة وكلية الشريعة في بغداد وكلية الهيات في أنقرة.

5-

الحالة الاقتصادية:

الحالة الاقتصادية للمسلمين الذين يعيشون في اليونان منحطة جداً وضعيفة إذا قورنت بالحالة الممتازة لليونانيين غير المسلمين الذين يعيشون في تركيا ويعمل غالبية مسلمي اليونان بالزراعة ومن محصولاتهم (القمح والشعير والعنب والزيتون) بالإضافة إلى الثروة الحيوانية. وتعتبر الجماعات الإسلامية في اليونان من أضعف الطبقات وأفقرها وينعدم نهائياً أصحاب الأعمال التجارية الضخمة أو الصناعات الشهيرة.

أكثر المناطق الإسلامية في تراقيا الغربية حاجة إلى الإرشاد هي المناطق المحاذية لبلغاريا وهي بالذات من المناطق العسكرية التي يحظر فيها التجول وهي القرى الجبلية في هذه المناطق التي قلما تصل إليها أقدام الدعاة، هذه المناطق التي لا يسمح لدعاة غير اليونانيين بالتجول فيها ولضعف سكانها اقتصادياً جعلتهم في معزل عن العالم وخاصة العالم الإسلامي، حيث توشك أن تنقطع صلتهم بالإسلام ومناطق جزيرتي رودس واستانكوى المذكورتين آنفاً.

ص: 210

وقد كان معروفاً لدينا سابقاً بعض الحقائق التي زادتها حوادث الأيام الأخيرة تثبيتاً وهي أن مسلمي اليونان يحتاجون إلى المساعدة من ثلاث نواح، ولو لم يكن مسلمو اليونان بحاجة إلى هذه المساعدات لكان وجودهم على صورة أقلية في دولة أوربية سبباً في انقراضهم شيئاً فشيئاً فمثلاً: كما ذكرت عن مسلمي رودس سابقاً لم يبق لهم من الإسلام إلا الاسم ومصير مسلمي اليونان لن يكون خيراً مما وصل إليه حال المسلمين الذين يقطنون في الدول المجاورة الشيوعية مثل بلغاريا ويوغسلافيا وألبانيا فيما إذا لم تمد إليهم يد العون. على أية حال فإن مسلمي اليونان قد ترك لهم نوع ما من الحرية ولكن لا يجب أن تنسينا هذه الحرية وجوب مد يد العون إليهم.

ونبدأ الآن بتوضيح عناصر المساعدة التي يحتاج إليها مسلمو اليونان:

أولاً: (التثقيف الديني) إن المسلمين في اليونان بحاجة إلى تثقيف ديني متين رغم وجود بعض المدارس الدينية والتي تكون عاجزة عن أداء رسالتها بوجه حسن نتيجة افتقارها إلى التوجيه المعنوي والمساعدة المادية. ولا تكاد تقوم بواجبها نحو أئمة المساجد وخطبائها ومؤذنيها إلا بشق النفس وعلاج هذه المشكلة فتح المدارس المتوسطة والثانوية بإمكانات قوية واختيار عناصر إسلامية ذات ثقافة عالية وصدق في العقيدة للتدريس فيها. حتى تصبح هذه المدارس قادرةً على تخريج دعاة صالحين للسير بالناس نحو دينهم الصحيح وذلك خلال فترة 5-10سنوات بحيث يصبح هؤلاء الخريجون أساتذة في المدارس ووعاظاً ومرشدين في المساجد وبين الناس.

وأن أقل ما علينا من واجبات نحو هذه الفئات الإسلامية تثقيفها بثقافة تجعل الفرد قادراً على معرفة ما يجب على المسلم أن يعرفه.

ص: 211

ثانياً: (التوجيه الديني) يكاد الدعاة من أبناء الجيل الحاضر ينعدمون في المجتمع الإسلامي في اليونان في حين أصبح الوعاظ المتقدمون في السن قلة يشار إليهم بالبنان، بالإضافة إلى سطحية ثقافتهم الدينية. ويوجد في الأزهر حالياً ما بين 15-20 طالباً يتلقون العلوم الإسلامية، وإذا قارنا عدد الطلبة من أبناء مسلمي اليونان الذين يتلقون العلم في الأزهر بالطلبة الخمسة الذين يدرسون في المملكة العربية السعودية وجدنا ارتفاع نسبة الأولين إلى الآخرين وتوصلنا إلى ضرورة قبول أكبر عدد ممكن من أبناء مسلمي اليونان في معاهد المملكة العربية السعودية.

ونتمنى أن تولي رابطة العالم الإسلامي ودار الإفتاء والجامعة الإسلامية عناية أكبر إلى مسألة إيفاد الوعاظ والدعاة إلى مسلمي اليونان.

ص: 212

ثالثاً: (توزيع النشرات الدينية) من المعلوم أن للدعاية وإصدار النشرات دوراً كبيراً في توجيه العالم في هذا العصر ونرى ضرورة إصدار النشرات التي تطلع المسلمين في اليونان على حقيقة دينهم وتساهم في الحد من تيار الإلحاد الذي يجرف الشباب خاصة. هذا الجيل الذي لم يطلع على العلوم الإسلامية ولم يحاول الاندماج في جمعية إسلامية، أليست النشرات السبيل الوحيد لنا للاتصال بهذا الجيل الذي ينفر من تعاليم دينه ومن الاتصال بنا؟ وفي اعتقادنا أن تأثير هذه النشرات إن أحسن اختيارها سيكون أكثر فعالية من بناء مسجد على ما في هذا العمل، أعني بناء المسجد من أهمية كبيرة، وبين أيدي مسلمي اليونان الآن خمسة صحف -كما أشرت آنفاً - تقف الثلاثة منها على قوة إمكانياتها لهدم ما تبنيه الأخرتان على قلة إمكانتها. مع ملاحظة افتقار الصحيفتين الإسلاميتين إلى جودة الطباعة وصعوبة تأمين الورق المطلوب لدرجة تجعلها مدينتين وعاجزتين عن الصدور بانتظام والوقوف على القدمين بصعوبة بالغة بالمساعدات المحلية المحدودة جداً. فأية مشكلة تستطيع كل واحدة من هاتين الصحيفتين معالجتها؟ وأي ألم من آلام المسلمين في اليونان تقدر على إيصالها إلى خارج اليونان بهذه الإمكانات الضئيلة؟ وأي تأثير لصحيفة نصف شهرية بين أناس يجرفهم تيار المادية الكافرة وبهرج الحضارة الأوربية؟

ص: 213

هذه العناصر الثلاثة التي أوضحتها، واقترحت بعض الحلول لمشاكلها تمس جميع المسلمين، لا مسلمي اليونان وحدهم. أما إمكانياتنا لمعالجة هذه المشاكل على الصعيد المحلي فتكاد تكون في غاية الضعف. وأملنا كبير أن نحظى بعناية كافية من قبل رابطة العالم الإسلامي ودار الإفتاء السعودية والجامعة الإسلامية وكل المنظمات الإسلامية العالمية لنتمكن من معالجة هذه المشاكل المصيرية بالنسبة لمسلمي اليونان، لأن نتائج معالجة مشاكلنا الآنفة الذكر لن تكون محصورة في حدود الجماعات الإسلامية في اليونان بل ستتعداها إلى إخواننا المسلمين الذين يعيشون في الدول الشيوعية المجاورة لنا والتي لا تألو جهداً في القضاء على الإسلام والمسلمين حيثما وجدوا ويمكن أن نكون نحن مسلمي اليونان قدوة صالحة لهؤلاء الإخوة. ولا بد لوصول قبس نور الإسلام إلى هؤلاء، رغم الحواجز التي تعترض سبيلنا إليهم فلن تقوى أجنحة الذباب أن تحجب نور الشمس.

وختاماً أملي كبير أن تنال اقتراحاتي ما تستحق من عناية وأرجو أن أكون قد وفقت لتشخيص المرض ووصف الداء تاركاً لرابطة العلم الإسلامي ودار الإفتاء والجامعة الإسلامية ولكل المنظمات الإسلامية تقديم الدواء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

يقولون لي فيك انقباض وإنما

رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم

ومن أكرمته عزة النفس أكرما

وما كل برق لاح لي يستفزني

وما كل من لاقيت أرضاه منعما

وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت

أقلب كفي نحوه متندما

ولم أقض حق العلم إن كان الأمر كلما

بدا طمع صيرته لي سلما

إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى

ولكن نفس الحر تحتمل الظما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي

لأخدم من لاقيت ولكن لأخدما

أأسقى به عزا وأسقيه ذلة

إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ص: 214

ولو عظموه في النفوس تعظما

ولكن أذلوه فهان ودنسوا

محياه بالأطماع حتى تجهما

الجرجاني

ص: 215

حكم العمل بالحديث الضعيف

بقلم الشيخ: علي مشرف

المدرس بالمعهد الثانوي

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، (رواه أحمد وأصحاب السنن الستة وغيرهم) وقال صلى الله عليه وسلم:"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين"، رواه مسلم.

عندما يسمع المؤمن مثل هذين الحديثين ترتعد فرائصه خشية أن يكون أحد هذين الرجلين:

أولهما: الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وثانيهما: الناقل للحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأما تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقع فيه المؤمن الصادق في إيمانه والذي ليس له هوىً يقوده إلى القول عليه ما لم يقله خصوصاً إذا سمع مثل هذا الوعيد الشديد أما الناقلون للحديث المكذوب على رسول الله - فما أكثرهم ويا للأسف - ويا ليت هذا مقتصر على طلاب العلم الصغار ولكن لا تكاد تسمع عالماً يتكلم في مسألة علمية ولا واعظاً يعظ ولا كاتباً يكتب إلا ويتحدث بالمكذوب أو بالضعيف دون أن يبين درجته- بل لا يكتفي بقوله يروى وإنما يقول قال رسول الله جازماً أنه قال، وهذا داء مستفحل في كثير من علماء المسلمين وخصوصاً المتأخرين منهم، وهذا منشؤه إما التكاسل عن البحث في سند الحديث والكشف عن صحته، أو التعصب الأعمى لمذهب معين فهم سمعوا الناس قالوا شيئاً فقالوه دون أن يبحثوا في ما قيل لهم هل هو ثابت أم لا؟

ص: 216

وإذا ناقشت أحدهم في حديث ما قال هذا في فضائل الأعمال ثم احتج عليك بقول بعض الأئمة- إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد، دون أن يعرف مدلول هذه العبارة من هؤلاء الأئمة وهذه العبارة هي: منسوبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك، ولو عرف هؤلاء مدلول هذه العبارة لما سولت لهم أنفسهم أن يحتجوا بهذا في إثبات حجتهم في العمل بالحديث الذي لا تقوم به حجة حتى ولو في فضائل الأعمال دون أن يدققوا النظر في معنى الضعيف عند هؤلاء الأئمة والذين قالوا بالتساهل فيه في فضائل الأعمال إذا شئت أن تعرف مدلول هذه العبارة عندهم فإليك أقوال بعض المحققين من العلماء. في مدلولها لدى أولئك الأئمة قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (ج18ص65) :"قول أحمد: "إذا جاء الحلال والحرام شدّدنا في الأسانيد وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد"وكذلك ما عليه العلماء بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به، فإن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملاً من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم".

ص: 217

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (ج1ص31) : "ليس المراد بالضعيف عند أحمد الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسم من الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب"، وقال العجاج في التعليق على هذه العبارة:"وفي بعض الضعيف عند أحمد الحسن في اصطلاح من جاء بعده"، وقال طاهر الجزائري في كتابه توجيه النظر إلى أصول الأثر، ص292:"قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب منهاج السنة النبوية – إن قولنا إن لحديث الضعيف خير من الرأي ليس المراد به الضعيف المتروك لكن المراد به الحسن كحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وحديث إبراهيم الهجري ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه وكان الحديث في اصطلاح من قبل الترمذي إما صحيح وإما ضعيف، والضعيف نوعان ضعيف متروك وضعيف ليس بمتروك، فتكلم أئمة الحديث بذلك الاصطلاح فجاء من لا يعرف اصطلاح الترمذي فسمع قول بعض أئمة الحديث الضعيف أحب إلي من القياس فظن أنه يحتج بالحديث الذي يضعفه مثل الترمذي"، وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على اختصار علوم لحديث لأبن كثير (ص92) .

ص: 218

"وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك ـ إذا روينا في الحلال والحرام شددنا وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا، فإنما يريدون به فيما أرجح والله أعلم أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم متقرراً واضحاً بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط". وقال الدكتور صبحي الصالح في كتابه علوم الحديث ومصطلحة ص (210) : "يتناقل الناس هذه العبارة (يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال) فيسوغون بها جميع ما يتساهلون في روايته من الأحاديث التي لم تصبح عندهم ويدخلون في الدين كثيراً من التعاليم التي لا تستند إلى أصل ثابت معروف وإن هذه العبارة ليست على مر العصور أكثر من صدى لعبارة أخرى مماثلة لها منسوبة إلى ثلاثة من كبار أئمة الحديث وذكرهم مع قولهم السابق، ثم قال ـ على أن عبارة هؤلاء الأئمة لم تفهم على وجهها الصحيح فغرضهم من التشديد ليس مقابلة أحدهما بالآخر كتقابل الصحيح بالضعيف في نظرنا نحن وإنما كانوا إذا رووا في الحلال والحرام يشددون فلا يحتجون إلا بأعلى درجات الحديث وهو المتفق في عصرهم على تسميته بالصحيح فإن رووا في الفضائل ونحوها مما لا يحتمل الحل والحرمة لم يجدوا ضرورة للتشدد وقصر مروياتهم على الصحيح بل جنحوا إلى ما هو دونه في الدرجة وهو الحسن الذي لم تكن تسميته قد استقرت في عصرهم وإنما كان يعتبر قسماً من الضعيف في اصطلاح المتقدمين وإن كان في نظرهم أعلى درجة مما اصطلح بعدهم على وصفه بالضعيف، ولو أن الناس فهموا أن تساهل هؤلاء الأئمة في الفضائل إنما يعني أخذهم بالحديث الحسن الذي لم تبلغ درجته الصحة، لما طوعت لهم أنفسهم أن يتناقلوا تلك العبارة السابقة (يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال) . فمما لا ريب فيه في نظر الدين أن الرواية الضعيفة لا يمكن أن تكون

ص: 219

مصدراً لحكم شرعي ولا لفضيلة خلقية لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، والفضائل كالأحكام من دعائم الدين الأساسية ولا يجوز أن يكون بناء هذه الدعائم واهياً على شفا جرف هار، لذلك لا نسلم برواية الضعيف في فضائل الأعمال ولو توافرت له جميع الشرط التي لاحظها المتساهلون في هذا المجال وذكر الشروط ـ ثم قال: لا نسلم برواية الضعيف رغم هذه الشروط لأن لنا مندوحة عنه مما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحسان وهي كثيرة جداً في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية ـ ولأننا رغم توافر هذه الشروط لا نؤنس من أنفسنا الاعتقاد بثبوت الضعيف ولولا ذلك لما سميناه ضعيفاً وإنما يساورنا دائماً الشك في أمره ولا ينفع في الدين إلا اليقين" انتهى كلامه. هذه أقوال بعض العلماء في مدلول كلمة أولئك الأئمة.

ولقد شنع الإمام مسلم في مقدمة صحيحه على رواة الأحاديث الضعيفة فقال: "أعلم وفقك الله تعالى إنه يجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الرواية وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه وأن ينفي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية وقوله: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، وقوله سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، فدل بما ذكرنا من هذه الآية أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول"وقد أطال الإمام مسلم في التشنيع على رواة الأحاديث الضعيفة والمنكرة في مقدمة صحيحة من أراد ذلك فليرجع إليه فإنه مفيد.

ص: 220

وقد نقل القاسمي في كتابه قواعد التحديث ص:113 "الذين قالوا لا يعمل بالحديث الضعيف لا في الأحكام ولا في الفضائل. قال حكاه ابن سيد الناس في عيون الأثر عن يحيى بن معين ونسبه في فتح الغيث لأبي بكر بن العربي ثم قال والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضاً. يدل عليه شرط البخاري في صحيحه وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفنا ـ وعدم إخراجهما في صحيحهما شيئاً منه وهذا مذهب ابن حزم رحمه الله أيضاً حيث قال في الملل والنحل ص83 م2 ما نقله أهل المشرق والمغرب أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن في الطريق رجلاً مجروحاً بكذب أو غفلة أو مجهول الحال، فهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه"انتهى. وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه صحيح الجامع الصغير. ج1ص45 قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح الترمذي (ق112-2) : "وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه، يعني الصحيح يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام) "قال الشيخ ناصر. قلت: "وهذا الذي أدين الله به وادعوا الناس إليه، أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقاً لا في الفضائل والمستحبات ولا في غيرهما ذلك لأن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح بلا خلاف أعرفه بين العلماء وإذا كان كذلك فكيف يقال يجوز العمل به، والله عز وجل قد ذمه في غير ما آية من كتابه ـ فقال تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} وقوله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" متفق عليه. ثم قال واعلم أنه ليس لدى المخالفين لهذا القول اخترته أي دليل من كتاب ولا سنة"ـ وقد أطال البحث في هذه المسألة في كتابة المشار إليه، وقال في كتابه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ص7: "قال رسول الله صلى الله

ص: 221

عليه وسلم: "اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم" فإذا نهي عن رواية الحديث الضعيف فبالأحرى العمل به، والحديث رواه ت، حم وغيرهما صحيح".

هذه بعض أقوال العلماء في عدم العمل بالحديث الضعيف مطلقاً لا في الفضائل ولا في غيرهما فعلى المؤمن إذا أراد أن يستدل بحديث في مسألة من المسائل أن يصحح ما سيبني عليه مسألته يقول الأستاذ سعيد حوى في كتابه المسمى الرسول صلى الله عليه وسلم ص37 ج1: "الملاحظة الأولى أن معرفة صحة الحديث وتأكيد ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يسبق دراسة المضمون لأن كثيراً من الكلام دس عليه وقد قام العلماء بتمحيص الصحيح من كل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم فلابد من الرجوع إلى ما أثبتوه أولاً ليكون تحليل المضمون قائماً على أساس سليم، وينبغي أن يتوفر هذا في كل دراسة لها علاقة برسول الله صلى الله عليه وسلم".

انتهى إن على المؤمن أن يتحرى صحة الحديث وثبوته عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هو المصدر الثاني من مصادر الإسلام فيجب أن يستدل بما ثبت منه سواء كان في فضائل الأعمال أو في غيرها، والفضائل كالأحكام من دعائم الدين وهي من الأحكام الخمسة المعروفة في أصول الفقه، ولأن البدع والخرافات وغيرها لم يأت غالبها إلا عن طريق الأحاديث الواهية أو الموضوعة أو الضعيفة ولو تتبعت ذلك لوجدت أن كل مخرف أو مبتدع إنما يستند إلى حديث موضوع أو ضعيف أو حكاية عن بعض الناس أو رئى مناميه.

نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه إنه على كل شيء قدير وصلى الله على نبينا محمدا وعلى آله وصحبه وسلم.

ص: 222

ندوة الطلبة

دراسات في الديانات الهندية

المصادر الأساسية للديانة الهندوسية (2)

بقلم الطالب ضياء الرحمن الأعظمي

إذا عرفنا أنهم لا يتقيدون بعقيدة رئيسية سهل علينا أن نقول: إن كل فرقة لها مصدر خاص ولا علاقة بينهما وبين غيرها.

فأساس الديانة البوذية هو تعليمات مقدسة وتجاوب مستمرة، وكذلك أساس الديانات السيخية (كروكرنتها) وأساس الديانة الجينية (كتب كثيرة لا تضبط ولا تحصى) . فكذلك أساس الديانة الهندوسية هو كما يلي:

1.

أربع ويدات.

2.

رواية علماء ويدات وعملهم.

3.

أسوة الصديقين والصالحين حسب زعمهم.

4.

نداء الضمير الإنساني.

ما هو ويدا؟

إن ويدا له أربعة أجزاء رك ويد - شام ويد - آثار ويد - ياجور ويد؛ ورك ويد هو الأصل الأساسي والثلاثة الباقية إما مأخوذة من الأصل أو أن فيها شيئاً غير مهم.

يقول العالم الهندوسي شردها نند: "وإذا أنعمنا النظر في رك ويد وجدنا أن غيره أخذ منه نقصاناً وزيادة؛ أما ياجور ويد فليس بشيء فكثير من المحققين أخرجوه من مجموعة ويدات هكذا جاء في الكتاب المقدس (كيتا) يعني أن ويدا ثلاثة - رك ويد - شام ويد - آثار ويد".

ثم هذه الوايدات كلهم تنقسم إلى قسمين:

الأول: المتون المسمى بـ (سمهثا) .

الثاني: الشروح المسمى بـ (براهمن) هكذا نقل عن كاتب ويد (ياسك) .

أما الذين قسموه إلى ثلاثة أقسام فزادوا قسماً ثالثاً وهو آرنيك [1] والأسفار المقدسة (أبا نشد) التي دونت بعدها فهي كلها مأخوذة من آرنيك وبعضها من براهمن، وقد بلغ عدد أبا نشد حوالي مائة وثمانية ولكن المعتبر منها الهندوس ستة عشر على حد تعبير (شنكر اجار)[2] .

ما هي حقيقة ويدات؟

ص: 223

يقول أصحاب وشنو: "إن ويد ألهم أولاً إلى العباد والزهاد (رشي ومنى) وأنه كان فيه مائة ألف أشلوك (آيات) ولكن غاب كثير منها بمرور الزمان فجاء رجل اسمه (وياس) (المولود سنة 950ق م كما علم من الآثار القديمة في هستنابور) ورتب ما بقي منه وجعله على أربعة أقسام ي ج – يجر – سامن – أتهرون".

تلخيص ما تقدم:

1.

إن ويدات على ثلاثة أقسام سمهت – براهمن - آرنيك.

2.

إن أبا نشد مأخوذ من آرنيك يسمى ويدانت (مصدر معروف للتصوف كما نبه عليه كثير من المحققين الجدد مثل الدكتور شاعر الشرق محمد إقبال) .

3.

بلغ أشلوك ويدا مائة ألف ولكن ضاع منه الكثير.

4.

إن عدد أبا نشد مائة وثمانين ولكن المعتبر منه ستة عشر والباقي كله مسروق مزور.

5.

رتب ويدا رجل اسمه (ويدو ياس)(معروف عند الهندوس هو الذي كتب لهم بهارت وكيتا وبران) وسيأتي تفصيله إن شاء الله.

الحمد لله الذي حفظ لنا كتابه الأخير من عبث العابثين وتحريف المدجلين وصدق الله العظيم: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحافظون} .

السمرتى:

ومن الكتب المقدسة المعتبرة عند الهندوس (إسمرتى) يعنون به القوانين له عدد كثير ولكن اتفقت آراء العلماء الهندوس على منو اسمرتى وهو قانون قديم كما جاء في الباب (1- 34- 35-36) بقدم العالم لأن برهما ألقى هذا إسمرتى في قلب (منو) .

والقوانين الهندوسية سواء تتعلق بالأمور الدنيوية أو الدينية كلها تؤخذ من هذا الكتاب، فإذن هو أساس لقضايا المحكمة الشرعية الهندوسية ولم تختلف واحدة من الفرق الهندوسية سواء البوذية أم الجينية أم السيخية في الأخذ منه بل كلها اتفقت في ذلك.

من أشهر تعليمات (منو اسمرتى) :

1.

البحث في خلق الكون.

2.

البحث في الطبقات الأربعة في المجتمع الهندوسي وتقسيم وظائفها.

3.

البحث في أعمار الإنسان.

ص: 224

أ - تفصيله طلب العلم من حين الولادة إلى خمس وعشرين يسمى برهما جاريه آشرما.

ب - الحياة العائلية من خمس وعشرين إلى خمسين يسمى (كرهستا آشرما)

ج - ترك الدنيا من خمسين إلى خمس وسبعين يسمى سنياس آشرما.

د - الإرشاد والتوجيه من خمس وسبعين إلى المنية.

بران:

كأنة ويد خامس عند العوام لأن فهم ويد متوقف عليه وهو موجود منذ القدم - كما هو الشأن في ويدا - فيه توضيحات وتماثيل لقصص ويدا فالذي يريد أن يعرف حقيقة ويدا فعلية بـ بران فأنة يوضح كل حكاية وقصة بالتمثيل.

يبلغ عدده حوالي ثماني عشرة وأعظمه رتبة وأكثره تداولا بين الناس (بهكوت بران) فالهندوس يتلونه كل يوم بعد الصبح بكل أدب واحترام.

اختلف الباحثون في عصر كتابته فذهب جلهم إلى أنه قديم قدم ويدا فمرتبه هو صاحب ويد يعنى ويدو ياس ولكن المتدبر يعرف كذب هذه النسبة إليه بكل سهوله ويسر بأسباب:

1.

لا يقدر أحد أن يؤلف في حياته القصيرة مثل هذه الكتب المقدسة الكثيرة يعنى أربع ويدات مها بهارت ثم ثمانية عشرة بران.

2.

إذا قارنا بعضه ببعض عرفنا أنه مصدر تضاد واختلاف فمثلاً أصحاب بران (شيوا) جعلوا شيوا إلها أعظم وغيره خداما له وأصحاب بران (وشنو) جعلوه إلها أعظم وغيره خداماً له وأصحاب بران (ديوى) جعلوا ديوى مصدر الخلق وغيرها خداماً لها وهلم جراً وصدق الله العظيم {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا} .

فهذه النصوص المذكورة تدل على أن ويد وياس لم يصنف بران كله بل أصحاب بران افتروا عليه. والرأي الصحيح هو أنه ألف بعد زمن ويدا واشترك في تصنيفه كثير من المصنفين المتأخرين، ولكن لما أرادوا له الاحترام والتقديس نسبوه إلى ويد وياس، إلى هذا أشار المحقق الكبير الهندوسي ديانند.

ص: 225

هذه هي حقيقة تاريخية لبران الذي يرتل ويتلى في الحفلات والمجامع وعند عقد الزواج كالقرآن والتوراة والإنجيل. فإذا تأملنا في مباحثه نجد أشياء ينفر منها العقل السليم.

من لي بإنسان إذا أغضبته

وجهلت كان الحلم رد جوابه

وإذا طربت إلى المدام شربت من

أخلاقه وسكرت من آدابه

وتراه يصغي للحديث بقلبه

وبسمعه ولعله أدرى به

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

فيه تعليمات للرهبان وتاركي الدنيا.

[2]

كان من أكبر شراح أبا نشد ومجدد للديانة الهندوسية وقد صمد أمام الدعوة البوذية صموداً عجيباً حتى أخرجها من مولدها ووطنها يقول بعض المحققين "لولا شنكراجار لاندرست الديانة الهندوسية ولم تستطع المقاومة أمام أفكار البوذية".

ص: 226

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (4)

لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

المدرس بالجامعة الإسلامية

سورة المائدة

قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} الآية، هذه الآية الكريمة تدل بعمومها على إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقاً ولو سموا عليها غير الله أو سكتوا ولم يسموا الله ولا غيره لأن الكل داخل في طعامهم وقد قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدى ومقاتل بن حيان أن المراد بطعامهم ذبائحهم كما نقله عنهم ابن كثير ونقله البخاري عن ابن عباس ودخول ذبائحهم في طعامهم أجمع عليه المسلمون مع أنه جاءت آيات أخر تدل على أن ما سمي عليه غير الله لا يجوز أكله وعلى أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يجوز أكله أيضاً، أما التي دلت على منع أكل ما ذكر عليه اسم غير الله فكقوله تعالى:{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} في سورة البقرة وقوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} في المائدة والنحل وقوله في الأنعام: {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} والمراد بالإهلال رفع الصوت باسم غير الله عند الذبح. وأما التي دلت على منع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فكقوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الآية وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ.. وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فإنه يفهم عدم الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه والجواب عن هذا مشتمل على مبحثين:

ص: 227

الأول: في وجه الجمع بين عموم آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} مع عموم الآيات المحرمة لما أهل به لغير الله فيما إذا سمّى الكتابي على ذبيحته غير الله بأن أهل بها للصليب أو عيسى أو نحو ذلك.

المبحث الثاني: في وجه الجمع بين آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} أيضاً مع قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فيما إذا لم يسم الكتابي الله ولا غيره على ذبيحته. أما المبحث الأول، فحاصله أن بين قوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} وبين قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} عموماً وخصوصاً من وجه تنفرد آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} في الخبز والجبن من طعامهم مثلاً وتنفرد آية {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} في ذبح الوثني لوثنه ويجتمعان في ذبيحة الكتابي التي أهل بها لغير الله كالصليب أو عيسى فعموم قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} يقتضي تحريمها وعموم {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يقتضي حليتها وقد تقرر في علم الأصول أن الأعمين من وجه يتعارضان في الصورة التي يجتمعان فيها فيجب الترجيح بينهما والراجح منهما يقدم ويخصص به عموم الآخر كما قدمنا في سورة النساء في الجمع بين قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} مع قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} وكما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:

وإن يك العموم من وجه ظهر

فالحكم بالترجيح حتما معتبر

ص: 228

فإذا حققت ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذين العمومين أيهما أرجح فالجمهور على ترجيح الآيات المحرمة وهو مذهب الشافعي ورواية عن مالك ورواه إسماعيل بن سعيد عن الإمام أحمد ذكره صاحب المغنى وهو قول ابن عمر وربيعة كما نقله عنهما البغوي في تفسيره وذكره النووي في شرح المهذب عن على وعائشة ورجح بعضهم عموم آية التحليل بأن الله أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون كما احتج به الشعبي وعطاء على إباحة ما أهلوا به لغير الله قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن عموم آيات المنع أرجح وأحق بالاعتبار من طرق متعدده: منها قوله صلى الله عليه وسلم: "والإثم ما حاك في النفس" الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم:"فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". ومنها أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح كما تقرر في الأصول وينبني على ذلك أن النهي إذا تعارض مع الإباحة كما هنا فالنهي أولى بالتقديم والاعتبار لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام بل صرح جماهير من الأصوليين بأن النص الدال على الإباحة في المرتبة الثالثة من النص الدال على نهي التحريم لأن نهي التحريم مقدم على الأمر الدال على الوجوب لما ذكرنا من تقديم درء المفاسد على جلب المصالح والدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة للاحتياط في البراءة من عهدة الطلب وقد أشار إلى هذا صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار المدلول بقوله:

وناقل ومثبت والآمر

بعد النواهي ثم هذا الاخر

على إباحة الخ

ص: 229

فإن معنى قوله: "والأمر بعد النواهي"أن ما دل على الأمر بعد ما دل على النهي فالدال على النهي هو المقدم وقوله: "ثم هذا الآخر على إباحة"يعني أن النص الدال على الأمر مقدم على الإباحة كما ذكرنا فتحصل أن الأول النهي فالأمر فالإباحة فظهر تقديم النهي عما أهل به لغير الله على إباحة طعام أهل الكتاب. واعلم أن العلماء اختلفوا فيها حرم على أهل الكتاب كشحم الجوف من البقر والغنم المحرم على اليهود هل يباح للمسلم مما ذبحه اليهودي فالجمهور على إباحة ذلك للمسلم لأن الذكاة لا تتجزأ وكرهه مالك ومنعه بعض أصحابه كابن القاسم وأشهب واحتج عليهم الجمهور بحجج لا ينهض الاحتجاج بها عليهم فيما يظهر وإيضاح ذلك أن أصحاب مالك احتجوا بقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} قالوا المحرم عليهم ليس من طعامهم حتى يدخل فيما أحلته الآية فاحتج عليهم الجمهور بما ثبت في صحيح البخاري من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مغفل رضي الله عنه على أخذ جراباً من شحم اليهود يوم خيبر وبما رواه الإمام أحمد ابن حنبل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز وشعير وإهالة سنخة أي ودك متغير الريح وبقصة الشاه المسمومة التي سمتها اليهودية له صلى الله عليه وسلم ونهش ذراعها ومات منها بشر بن البراء بن معرور وهي مشهورة صحيحة قالوا أنه صلى الله عليه وسلم عزم على أكلها هو ومن معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أو لا وقد تقرر في الأصول أن ترك الاستفصال بمنزلة العموم في الأقوال كما أشار له في مراقي السعود بقوله:

ونزلن ترك الاستفصال

منزلة العموم في المقال

ص: 230

والذي يظهر لمقيدة عفا الله عنه أن هذه الأدلة ليس فيها حجة على أصحاب مالك أما حديث عبد الله بن مغفل وحديث أنس رضي الله عنهما فليس في واحد منهما النص على خصوص الشحم المحرم عليهم ومطلق الشحم ليس حراماً عليهم بدليل قوله تعالى: {إِلَاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} فما في الحديثين أعم من محل النزاع والدليل على الأعم ليس دليلاً على الأخص لأن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص بإجماع العقلاء ومثل رد هذا الاحتجاج بما ذكرنا هو القادح في الدليل المعروف عند الأصوليين بالقول بالموجب وأشار له صاحب مراقي السعود بقوله:

والقول بالموجب قدحه جلا

وهو تسليم الدليل مسجلا

من مانع أن الدليل استلزما

لما من الصور فيه اختصما

ص: 231

أما القول بالموجب عند البيانيين فهو من أقسام البديع المعنوي وهو ضربان معروفان في علم البلاغة وقصدنا هنا القول بالموجب بالاصطلاح الأصولي لا البياني وأما تركه صلى الله عليه وسلم الاستفصال في شاة اليهودية فلا يخفي أنه لا دليل فيه لأنه صلى الله عليه وسلم ينظر بعينه ولا يخفي علية شحم الجوف ولا شحم الحوايا ولا الشحم المختلط بعظم كما هو ضروري فلا حاجة إلى السؤال عن محسوس حاضر وأجرى الأقوال على الأصول في مثل الشحم المذكور الكراهة التنزيهية لعدم دليل جازم على الحل أو التحريم لأن ما يعتقد الشخص أنه حرام عليه ليس من طعامه والذكاة لا يظهر تجزؤها فحكم المسألة مشتبه ومن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه وأما البحث الثاني: وهو الجمع بين قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} مع قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فيما إذا لم يذكر الكتابي على ذبيحته اسم الله ولا اسم غيره فحاصله أن في قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وجهين من التفسير أحدهما وإليه ذهب الشافعي وذكر ابن كثير في تفسيره لها أنه قوي أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو ما أهل به لغير الله وعلى هذا التفسير فمبحث هذه الآية هو المبحث الأول بعينه لاشيء آخر.

ص: 232

الوجه الثاني: أنها على ظاهرها وعليه فبين الآيتين أيضاً عموم وخصوص من وجه تتفرد آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فيما ذبحه الكتابي وذكر عليه اسم الله فهو حلال بلا نزاع وتنفرد آية {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فيما ذبحه وثني أو مسلم لم يذكر اسم الله عليه فما ذبحه الوثني حرام بلا نزاع وما ذبحه المسلم من غير تسمية يأتي حكمه إن شاء الله ويجتمعان فيما ذبحه كتابي ولم يسم الله عليه فيتعارضان فيه فيدل عموم {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} على الإباحة ويدل عموم {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} على التحريم فيصار إلى الترجيح كما قدمنا واختلف في هذين العمومين أيضاً أيهما أرجح فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الآية وقال بعضهم بترجيح عموم {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال النووي في شرح المهذب: "ذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله عليها أم لا لظاهر القرآن العزيز هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وحكاه ابن المنذر عن علي والنخعي وحماد بن سليمان وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم فإن ذبحوا على صنم أو غيره لم يحل"انتهى محل الغرض منه بلفظه. وحكى النووي القول الآخر عن علي أيضاً وأبي ثور وعائشة وابن عمر. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن لعموم كل من الآيتين مرجحاً وأن مرجح آية التحليل أقوى بالاعتبار أما آية التحليل فيرجح عمومها بأمرين:

ص: 233

الأول: أنها أقل تخصيصاً وآية التحريم أكثر تخصيصاً لأن الشافعي ومن وافقه خصصوها بما ذبح لغير الله وخصصها الجمهور بما تركت فيه التسمية عمداً قائلين أن تركها نسياناً لا أثر له وآية التحليل ليس فيها من التخصيص غير صورة النزاع إلا تخصيص واحد وهو ما قدمنا من أنها مخصوصة بما لم يذكر عليه اسم غير الله على القول الصحيح وقد تقرر في الأصول أن الأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً كما أن ما لم يدخله التخصيص أصلا مقدم على ما دخله وعلى هذا جمهور الأصوليين وخالف فيه السبكي والصفي الهندي وبيّن صاحب نشر البنود في شرح مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروى في شرح قوله:

تقديم ما خص على ما لم يخص

وعكسه كل أتى عليه نص

أن الأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً وأن ما لم يدخله التخصيص مقدم على ما دخله عند جماهير الأصوليين وأنه لم يخالف فيه إلا السبكى وصفي الدين الهندي.

والثاني: ما نقله ابن جرير ونقله عنه ابن كثير عن عكرمة والحسن البصري ومكحول أن آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ناسخة لآية {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وقال ابن جرير وابن كثير أن مرادهم بالنسخ التخصيص ولكنا قدمنا أن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ لأن التخصيص بيان والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل.

ويدل لهذا أن آية {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} من سورة الأنعام وهي مكية بالإجماع وآية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} من المائدة وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة. وأما آية التحريم فيرجع عمومها بما قدمنا من مرجحات قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} لأن كلتاهما دلت على نهي يظهر تعارضه مع إباحة وحاصل هذه المسألة أن ذبيحة الكتابي لها خمس حالات لا سادسة لها.

ص: 234

الأولى: أن يعلم أنه سمى الله عليها وهذه تؤكل بلا نزاع ولا عبرة بخلاف الشيعة في ذلك لأنهم لا يعتد بهم في الإجماع.

الثانية: أن يعلم أنه أهل بها لغير لله ففيها خلاف وقد قدمنا أن التحقيق أنها لا تؤكل لقوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ} .

الثالثة: أن يعلم أنه جمع بين اسم الله واسم غيره وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضاً لدخولها فيما أهل لغير الله.

الرابعة: أن يعلم أنه سكت ولم يسم الله ولا غيره فالجمهور على الإباحة وهو الحق والبعض على التحريم كما تقدم.

ص: 235

الخامسة: أن يجهل الأمر لكونه ذبح حالة انفراده فتؤكل على ما عليه جمهور العلماء وهو الحق إن لم يعرف الكتابي بأكل الميتة كالذي يسل عنق الدجاجة بيده فإن عرف بأكل الميتة لم يؤكل ما غاب عليه عند بعض العلماء وهو مذهب مالك ويجوز أكله عند البعض بل قال ابن العربي المالكي: "إذا عايناه يسل العنق الدجاجة بيده فلنا الأكل منها لأنها من طعامه والله أباح لنا طعامه" واستبعده ابن عبد السلام قال مقيده عفا الله عنه: هو جدير بالاستبعاد فكما أن نسائهم يجوز نكاحهن ولا تجوز مجامعتهن في الحيض فكذلك طعامهم يجوز لنا من غير إباحة الميتة لأن غاية الأمر أن ذكاة الكتابي تحل مذكاة كذكاة المسلم وما وعدنا به من ذكر الحكم ما ذبحه المسلم ولم يسم الله عليه فحاصله أن فيه ثلاثة أقوال. أرجحها وهو مذهب الجمهور أنه إن ترك التسمية عمداً لم تؤكل لعموم قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وإن تركها نسياناً أكلت لأنه لو تذكر لسمّى الله. قال ابن جرير: "من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول الحجة وخالف الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"قال ابن كثير: "أن بن جرير يعني بذلك ما رواه البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله"ثم قال ابن كثير: "أن رفع هذا الحديث خطأ أخطأ فيه بن عبيد الله الجزري والصواب وقفه على بن عباس كما رواه بذلك سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي ومما استدل به البعض على أكل ذبيحة الناسي للتسمية دلالة الكتاب والسنة والإجماع على العذر بالنسيان ومما استدل به البعض لذلك حديث رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله رأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي"فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسم الله على كل مسلم" ذكر ابن كثير هذا الحديث

ص: 236

وضعفه بأن في إسناده مروان بن سالم أبا عبد الله الشامي وهو ضعيف.

القول الثاني: أن ذبيحة المسلم تؤكل ولو ترك التسمية عمداً وهو مذهب الشافعي رحمه الله كما تقدم لأنه يرى أنه ما لم يذكر اسم الله عليه يراد به ما أهل به لغير الله لا شيء آخر وقد ادعى بعضهم انعقاد الإجماع قبل الشافعي عل أن متروك التسمية عمداً لا يؤكل ولذلك قال أبو يوسف وغيره: "لو حكم الحاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفته الإجماع"واستغرب ابن كثير حكاية الإجماع على ذلك قائلاً: "إن الخلاف فيه قبل الشافعي معروف".

القول الثالث: أن المسلم إذا لم يسم على ذبيحته لا تؤكل مطلقاً تركها عمداً أو نسياناً وهو مذهب داود الظاهري وقال ابن كثير: "ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين أنهما كرها متروك التسمية نسياناً والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيراً"ثم ذكر ابن كثير أن ابن جرير لا يعتبر مخالفة الواحد أو الاثنين للجمهور فيعده إجماعاً مع مخالفة الواحد أو الاثنين ولذلك حكى الإجماع على أكل متروك التسمية نسياناً مع أنه نقل خلاف ذلك عن الشعبي وابن سيرين.

مسائل مهمة تتعلق بهذه المباحث:

ص: 237

المسألة الأولى: اعلم أن كثيراً من العلماء من المالكية والشافعية وغيرهم يفرقون بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم وبين ما ذبحوه لعيسى أو جبريل أو لكنائسهم قائلين أن الأول مما أهل به لغير الله دون الثاني فمكروه عندهم كراهة تنزيه مستدلين بقوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} . والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه أن هذا الفرق باطل بشهادة القرآن الكريم لأن الذبح على وجه القربة عبادة بالإجماع فقد قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} الآية فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله فقد جعله شريكاً مع الله في هذه العبادة التي هي الذبح سواء كان نبياً أو ملكاً أو بناءً أو شجراً أو حجرً أو غير ذلك لا فرق في ذلك بين صالح وطالح كما نص عليه تعالى بقوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} ثم بين أن فاعل ذلك كافر بقوله تعالى: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} . وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية. فإن قيل قد رخص في كل ما ذبحوه لكنائسهم أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية والقاسم بن مخيمرة وحمزة ابن حبيب وأبو سلمة الخولاني وعمر بن الأسود ومكحول والليث بن سعد وغيرهم، فالجواب: أن هذا قول جماعة من العلماء من الصحابة ومن بعدهم وقد خالفهم فيه غيرهم وممن خالفهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والإمام الشافعي رحمه الله والله تعالى يقول: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ

ص: 238

فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} الآية فنرد هذا النزاع إلى الله فنجده حرم ما أهل به لغير الله وقوله: {لِغَيْرِ اللَّهِ} يدخل فيه الملك والنبي كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان وقد وافقونا في منع ما ذبحوه باسم الصنم وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك وبين الصنم والنصب فلزمهم القول بالمنع وأما استدلالهم بقوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} فلا دليل فيه لأن قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} ليس بمخصص لقوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} لأنه ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} .

ص: 239

وقد تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصص على الصحيح وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي ثور محتجاً بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام، فإذا حققت ذلك فاعلم أن ذكر البعض لا يخصص العام سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} أو ذكر كل واحد منهما على حدة كحديث الترمذي وغيره "أيّما إهاب دبغ فقد طهر" مع حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: "هلا أخذتم إهابها " الحديث فذكر الصلاة الوسطى في الأول لا يدل على عدم المحافظة على غيرها من الصلوات وذكر إهاب الشاة في الأخير لا يدل على عدم الانتفاع بإهاب غير الشاة لأن ذكر البعض لا يخصص العام وكذلك رجوع ضمير البعض لا يخصص أيضاً على الصحيح كقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} فإن الضمير راجع إلى قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} وهو لخصوص الرجعيات من المطلقات مع أن تربص ثلاثة قروء عام للمطلقات من رجعيات وبوائن وإلا هذا أشار في مراقي السعود مبيناً معه أيضاً أن سبب الواقعة لا يخصصها وأن مذهب الراوي ر يخصص مرويه على الصحيح فيها أيضاً بقوله:

ودع ضمير البعض والأسبابا

وذكر ما وافه من مفرد

....................................

ومذهب الراوي على المعتمد

وروي عن الشافعي وأكثر الحنفية التخصيص بضمير البعض وعليه فتربص البوائن ثلاثة قروء مأخوذ من دليل آخر أما عدم التخصيص بذكر البعض فلم يخالف فيه إلا أبو ثور وتقدم رد مذهبه ولو سلمنا أن الآية معارضة بقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فإنا نجد النبي صلى الله عليه وسلم أمر بترك مثل هذا الذي تعارضت فيه النصوص بقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".

ص: 240

المسألة الثانية: اختلف العلماء في ذكاة نصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة ونحوهم فالجمهور عل أن ذبائحهم لا تؤكل قال ابن كثير: "وهو مذهب الشافعي"ونقله النووي في شرح المذهب عن على وعطاء وسعيد ابن جبير ونقل النووي أيضاً إباحة ذكاتهم عن ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخرساني والزهري والحكم وحماد وأبي حنيفة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وصحح هذا القول ابن قدامة في المغنى محتجاً بعموم قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} وحجة القول الأول ما روي عن عمر رضي الله عنه قال: "ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم"وما روي عن علي رضي الله عنه: "لا تحل ذبائح نصارى بنى تغلب لأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل فصاروا كالمجوس لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تؤكل ذبائحهم"ذكر هذا صاحب المهذب وسكت عليه النووي في الشرح قائلاً: "إنه حجة الشافعية في منع ذبائحهم"ويفهم منه عدم إباحة أكل ذكاة اليهود والنصارى اليوم لتبديلهم لا سيما فيمن عرفوا منهم بأكل الميتة كالنصارى.

ص: 241

المسألة الثالثة: ذبائح المجوس لا تحل للمسلمين قال النووي في شرح المهذب: "هي حرام عندنا وقال به جمهور العلماء ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء"وقال: "وممن قال به سعيد بن المسيب وعطاء بن أبى رباح وسعيد ابن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد الله بن يزيد ومرة الهمذاني والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وقال ابن كثير في تفسير قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} : "وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعاً وإلحاقاً لأهل الكتاب فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم خلافا لأبى ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد ابن حنبل ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء حتى قال عنه الأمام أحمد: "أبو ثور كاسمه"يعنى في هذه المسألة وكأنه تمسك بعموم حديث روى مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ولكن لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر" ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل"انتهى كلام ابن كثير بلفظه واعترض عليه في الحاشية الشيخ السيد محمد رشيد رضا بما نصه فيه "أن هذا مفهوم لقب وهو ليس بحجة"، قال مقيده عفا الله عنه: الصواب مع الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى واعتراض الشيخ عليه سهو منه لأن مفهوم قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} مفهوم علة لا مفهوم اللقب كما ظنه الشيخ لأن مفهوم اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما علق فيه الحكم باسم جامد سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع وضابطه أنه هو الذي ذكر ليمكن الإسناد إليه فقط لا لاشتماله على صفة تقتضي تخصيصه بالذكر

ص: 242

دون غيره أما تعليق هذا الحكم الذي هو إباحة طعامهم بالوصف بإيتاء الكتاب صالح لأن يكون مناط الحكم بحلية طعامهم وقد دل المسلك الثالث من مسالك العلة المعروف بالإيماء والتنبيه على أن مناط حلية طعامهم هو إيتاؤهم الكتاب وذلك بعينه هو المناط لحلية نكاح نسائهم لأن ترتيب الحكم بحلية طعامهم ونسائهم على إيتائهم الكتاب لو لم يكن لأنه علته لما كان في التخصيص بإيتاء الكتاب فائدة ومعلوم أن ترتيب الحكم على وصف لو لم يكن علته لكان حشوا من غير فائدة يفهم منه أنه علته بمسلك الإيماء والتنبيه قال في مراقي السعود في تعداد صور الإيماء:

وذكره في الحكم وصفا قد ألم

كما إذا سمع وصفا فحكم

ومنعه مما يفيت استفد

إن لم يكن علته لم يفد

......................

ترتيبه الحكم عليه واتضح

ومحل الشاهد منه قوله: "استفد ترتيبه الحكم عليه"وقوله: "وذكره في الحكم وصفا أن لم يكن علته لم يفد"ومما يوضح ما ذكرنا أن قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} موصول وصلته جملة فعلية وقد تقرر عند علماء النحو في المذهب الصحيح المشهور أن الصفة الصريحة كاسم الفاعل واسم المفعول الواقعة صلة أل بمثابة الفعل مع الموصول ولذا عمل الوصف المقترن بأل الموصولة في الماضي لأنه بمنزلة الفعل كما أشار له في الخلاصة بقوله:

وغيره إعماله قد ارتضي

وإن يكن صلة أل ففي المضي

ص: 243

فإذا حققت ذلك علمت أن الذين أوتوا الكتاب بمثابة ما لو قلت وطعام المؤتين الكتاب بصيغة اسم المفعول ولم يقل أحد أن مفهوم اسم المفعول مفهوم لقب لاشتماله على أمر هو المصدر يصلح أن يكون المتصف به مقصودا للمتكلم دون غيره كما ذكروا في مفهوم الصفة فظهر أن إيتاء الكتاب صفة خاصة بهم دون غيرهم وهى العلة في إباحة طعامهم ونكاح نساءهم فادعاء أنها مفهوم لقب سهو ظاهر وظهر أن التحقيق أن المفهوم في قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} مفهوم علة ومفهوم العلة قسم من أقسام مفهوم الصفة فالصفة أعم من العلة وإيضاحه كما بينه القرافي أن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة تامة كوجوب الزكاة في السائمة فإن علته ليست السوم فقط ولو كان كذلك لوجبت في الوحوش لأنها سائمة ولكن العلة ملك ما يحصل به الغنى وهي مع السوم أتم منها مع العلف وهذا عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة وظهر أن ما قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى هو الصواب وقد تقرر في علم الأصول أن المفهوم بنوعيه من مخصصات العموم أما تخصيص العام بمفهوم الموافقة بقسميه فلا خلاف فيه وممن حكى الإجماع عليه الآمدي السبكي في شرح المختصر ودليل جوازاه أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ومثاله تخصيص حديث "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" أي يحل العرض بقوله مطلني والعقوبة بالحبس فإنه مخصص بمفهوم الموافقة الذي هو الفحوى في قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ} لأن فحواه تحريم إذاهما فلا يحبس الوالد بدين الولد وأما تخصيصه مفهوم المخالفة ففيه خلاف والأرجح منه هو ما مشى عليه الحافظ ابن كثير تغمده الله برحمته الواسعة وهو التخصيص به والدليل عليه ما قدمنا من أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما وقيل لا يجوز التخصيص به ونقله الباجي عن أكثر المالكية وحجة هذا القول أن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم ويجاب بأن المقدم عليه منطوق خاص لا ما هو من

ص: 244

أفراد العام فالمفهوم مقدم عليه لان إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما واعتمد التخصيص به صاحب مراقي السعود في قوله في مبحث الخاص في الكلام على المخصصات المنفصلة:

وقسمي المفهوم كالقياس

واعتبر الإجماع جل الناس

ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين شاة" الذي يشمل عمومه السائمة لا زكاة فيها فيخصص بذلك عموم في أربعين شاة شاة والعلم عند الله تعالى.

المسألة الرابعة: ما صاده الكتابي بالجوار ح والسلاح حلال للمسلم لأن العقر ذكاة الصيد وعلى هذا القول الأئمة الثلاثة وبه قال عطاء والليث والأوزاعيث وابن المنذر وداود وجمهور العلماء كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب وحجة الجمهور واضحة وهى قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} وخالف مالك وابن القاسم ففرقا بين ذبح الكتابي وصيده مستدلين بقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} لأنه خص الصيد بأيدي المسلمين ورماحهم دون غير المسلمين قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الاحتجاج لا ينهض على الجمهور وأن الصواب مع الجمهور وقد وافق الجمهور من المالكية أشهب وابن هارون وابن يونس والباجي واللخمي ولمالك في الموازية كراهته قال ابن بشير: "ويمكن حمل المدونة على الكراهة".

المسألة الخامسة: ذبائح أهل الكتاب في دار الحرب كذبائحهم في دار الإسلام قال النووي: "وهذا لا خلاف فيه"ونقل ابن المنذر الإجماع عليه.

قوله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ..} الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تحاكم إليه أهل الكتاب مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهى قوله تعالى:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ..} الآية.

ص: 245

والجواب أن قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} ناسخ لقوله: {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن اسلم وعطاء الخراساني وغير واحد قاله ابن كثير. وقيل معنى {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي إذا حكمت بينهم فاحكم بما أنزل الله لا باتباع الهوى، وعليه فالأولى محكمة والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى: {أو آخران من غيركم} الآية: هذه الآية تدل على قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} وقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} ، أي فالكافرون أحرى برد شهادتهم وقوله:{وأشهدوا ذوي عدل منكم} ، وقوله:{واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء..} الآية والجواب عن هذا على قول من لا يقبل شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر أنه يقول إن قوله: {أو آخران من غيركم} منسوخ بآيات اشتراط العدالة والذي يقول بقبول شهادتهما يقول هي محكمة مخصصة لعموم غيرها وهذا الخلاف معروف ووجه الجواب على كلا القولين ظاهر وأما على قول من قال أن معنى قوله: {ذوا عدل منكم} أي من قبيلة الموصي وقوله: {أو آخران من غيركم} أي من غير قبيلة الموصي من سائر المسلمين، فلا إشكال في الآية ولكن جمهور العلماء على أن قوله {من غيركم} أي من غير المسلمين وأن قوله {منكم} أي من المسلمين وعليه فالجواب ما تقدم والعلم عند الله تعالى.

ص: 246

قوله تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} . هذه الآية يفهم منها أن الرسل لا يشهدون يوم القيامة، على أممهم وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أنهم يشهدون على أممهم كقوله تعالى:{فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} وقوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} . والجواب من ثلاثة أوجه:

الأول: وهو اختيار ابن جرير وقال فيه ابن كثير: "لاشك أنه حسن"، أن المعنى لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا فلا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شئ فنحن وإن عرفنا من أجابنا فإنما نعرف الظواهر ولا علم لنا بالبواطن وأنت المطلع على السرائر وما تخفي الضمائر فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم.

الثاني: وبه قال مجاهد والسدي والحسن البصري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا لا علم لنا لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على أممهم.

الثالث: وهو أضعفها أن معنى قوله: {ماذا أجبتم} ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا بعدكم؟ قالوا لا علم لنا ذكر ابن كثير وغيره هذا القول ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن.

قوله تعالى: {قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} . هذه الآية الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك كقوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} وقوله: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} . والجواب أن آية {أدخلوا آل فرعون} وآية {إن المنافقين} لا منافاة بينهما لأن كلا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب وليس في الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابا من الآخر وأما قوله: {فإني أعذبه} الآية فيجاب عنه من وجهين:

ص: 247

الأول: وهو ما قاله ابن كثير أن المراد بالعالمين عالموا زمانهم وعليه فلا إشكال ونظيره قوله تعالى: {وأني فضلتكم على العالمين} كما تقدم.

الثاني: ما قاله البعض من أن المراد به العذاب الدنيوي الذي هو مسخهم خنازير ولكن يدل على أنه عذاب الآخرة ما رواه ابن جرير عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أنه قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون". وهذا الإشكال في المائدة لا يتوجه إلا على القول بنزول المائدة وأن بعضهم كفر بعد نزولها أما على قول الحسن ومجاهد أنهم خافوا من الوعيد فقالوا لا حاجة لنا في نزولها فلم تنزل فلا إشكال لكن ظاهر القول تعالى: {أني منزلها} يخالف ذلك وعلى القول بنزولها لا يتوجه الإشكال إلا إذا ثبت كفر بعضهم كما لا يخفى.

ص: 248

رسائل لم يحملها البريد

بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

أمّاه

لقد تركت الجامعة، وتركت الدراسة في كلية الحقوق، وأصبحت فدائيا، نعم

فدائيا! أقول هذا وأنا أعلم أي نبأ أسوقه إليك، وأية مصيبة ستحل بك، ولكن ماذا أصنع؟! ماذا أصنع يا أماه؟! علي أن أقوم بعمليات الفدائية، وأخشى أن تقضي عليك المفاجأة المروعة، حين تجدينني بين يديك جثة خرساء، جثة غارقة في التراب والدماء، وظنك أني أسرح وأمرح في أفناء الجامعة، وأفياء الحدائق.

حاولت في بداية هذا الأمر أن أكتب إليك ما أنا عازم عليه، وقضيتها ليلة تائهة النجوم، ضائعة القمر، أثبت وأمحو، وأمحو وأثبت، كم مرة كتبت إليك هذا النبأ ثم انثنيت، وكم مرة وضعت الرسالة في الغلاف ثم مزقتها، يا لله لتلك الليلة! لقد تنفس صباحها، ولكن الرأي عندي لم يتنفس.

أما اليوم فلا تردد ولا كتمان، ولا حيرة ولا تخوف، لقد برح الخفاء، وآن له أن يبرح، تدريباتي العسكرية قاربت النهاية، وعملياتي الفدائية في الأرض المغصوبة أوشكت أن تبدأ، والعام الدراسي يطوى أخريات لياليه وأيامه، وأبناء بلدتي الذين كنت زميلا لهم في الجامعة يحزمون أمتعتهم، ويطوفون بالأسواق يشترون الهدايا.

سوف يعودون إلى البلدة كما كنت أعود في السنوات الخالية، وسوف يطرقون الأبواب على أهليهم، فتتفتّح لهم ضاحكة مستبشرة، سوف تغمر الفرحة بيوتاً كثيرة هنا وهناك على مقربة منك ومبعدة، وسوف تغصّ هذه البيوت بالمهنئين مع النهار، وبالسامرين مع الليل.

ص: 249

أما أنت أيتها ألام الرائم، فلن يطرق الباب عليك ذلك الطارق الذي تتوقعين، إنه لن يعود مع هؤلاء العائدين، هذه الرسالة التي أكتبها إليك اليوم، هي التي ستعود هذا العام، وتقرع عليك الأبواب، لك الله يا أماه! لك الله! كم تحمّلتِ في سبيلي من متاعب ومصاعب، عشرون عاما تتابعت آخذاً بعضها بعناق بعض، وأنا أتقلب في أحضانك العاطفة، تحت أجنحتك الوارفة، دون أن يعينك على الحياة زوج، أو يقف إلى جانبك فيها البنون، إنما هي عشرات من غراس الزيتون لا يكاد جناها يفي بحاجات الحياة.

كم وفرت لي لذيذ الطعام والشراب، وحرمت منه جسمك الغرثان، لم يكن ليصدق من يراك ويراني صغيرا أمشي خلفك تارة، وأثب عن يمينك ويسارك تارة أخرى، ما كان ليصدق أن هذا الطفل الذي تسيل أعطافه صحة وحياة، ويطفح وجهه رفاهاً ونعمة -أنه ابن هذه المرأة الطاوية البطن، المعروقة العظام، العارية الأشاجع.

هذا الطفل الذي ربيته وأنفقت عليه من شبابك عشرين ربيعا، صابرة تنتظرين فيه العزاء والعوض عن أبيه، صادفة عن الخاطبين وهناء الزواج حرصا عليه وإبقاء على حب والدة، هذا الطفل الذي أوشكت أن تبلغي به ما كنت تؤملين، هذا الطفل الذي كنت تتوقعين أن يؤوب إليك هذه الأيام حاملاً شهادته العالية بدلا من أن يبعث إليك بهذه الرسالة يخيل إليك اليوم أنه قد ضاع من بين يديك، وأنك قد فقدته أبدا، أو أن يعود إليك كما عاد أبوه من قبل عشرين عاماً محمولاً من المعركة، قد نزفت دماؤه، ولمّا يمض على زواجكما سنه كاملة.

كنت تريدينني ذا مكانة تتيهين بها على سائر الأمهات، نسكن بيتاً جميلاً مطلاً على القرية من فوق رابية الزيتون، نغدو ونروح في سيارة فارهة كيفما نشاء وأنّى نريد، كنت تريدين أن تثأري لسنوات الحرمان الطويلة، كنت تريدين

وتريدين

وأريد

وأريد

ص: 250

أحلام جميلة طالما رأيناها، وأمال حلوة طالما عشناها، وهاهي ذي اليوم تتقشع كما يتقشع ضباب الصباح مع أشعة الشمس المشرقة.

يا إله السموات والأرض غفرانا ورحمة!! ويا أيتها الأم الصابرة معذرة إليك، وحنانا من لدنك!!

كان عليّ أن أبقى إلى جوارك براً بك وإحساناً، ولكن هذه المصيبة الحطوم التي حطمت داراً من ديار المسلمين لم يكن في مقدوري أن أقف حيالها متفرجاً من بعيد، أقرأ الصحف، وأسمع الإذاعات، ثم أصيح ملء شدقيّ: مرحى لهذا، وتعساً لذاك.

لم يعد في استطاعتي بعد هذا أن أقرأ كتاباً، أو أصغي إلى محاضر، أو أفهم شيئاً من هذه القوانين التي تتحدث عن حقوق الناس والشعوب والدول، هذه القوانين التي يخيل إلي أنها لم تكتب إلا لتدرس في الجامعات، وتنال بها الشهادات، ويتبارى فيها الخطباء على منابر هيئة الأمم المتحدة، أمّا التطبيق والعمل فله قوانين أخرى يعرفها وحش الغاب وحيوان البحر، تعرفها الدول القوية التي تقول للدول الضعيفة والشعوب الغافلة وهي تفترسها نريد أن نمدّك بأسباب الحياة، ونهديك سبيل الحضارة والتقدم.

يعرفها أناس في الشرق والغرب يتباكون علي الضحايا والفرائس، وهم الذين أحلوها دار البوار.

أية حقوق أدرس، وقد ضاعت حقوقي في الحياة باسم الحق والعدالة؟! وأي قانون أتعلم، قد ضاعت بلادي من فوق الأرض باسم قانون الأمر الواقع؟! يا لله من كيد الظالمين! ! ويا لله من خداع الأقوياء!!

ص: 251

كان لزاما أن أمضي قدما في الطريق الذي اختاره الله لي، وهداني إليه، وان أتنكب هؤلاء الناس: هؤلاء الشباب الذين يجوبون الشوارع تصيداً للفتيات، وبحثاً عن السوءى، ويقضون لياليهم في دور الخيالة والملاهي عابثين معربدين، أو على المقاهي يتساقون ما لذ وطاب من ألوان الشراب، يمضون الأحاديث الماجنة، ويتثاءبون من فراغ وكسل، ثم يهربون كما تهرب الفئران إلى جحورها كلما سمعوا هدير طائرة، أو دوي مدفع، أو طلقات رصاص.

شكراً لله رب العالمين الذي لم يعجل لي بالزواج، فأصبح ذا بنات وبنين، أتعلل بالسعي عليهم، والكسب لهم، والخوف على مستقبلهم من اليتم والفقر والضياع، كأنما اطلعت على الغيب، أو اتخذت عند الرحمن عهداً.

أحمدك يا إلهي حمداً كثيراً أن لم تجعلني ذرب اللسان، واسع الحيلة، ذا خلابة أخدع الناس بما أتلمس من معاذير، وأدلس في العلل، لأنجو من أداء الحقوق، وألقي عن كاهلي أثقال الواجبات.

لقد وضعت أصابعي العشر في آذاني وأنا أمر بأولئك الذين يثبطون العزائم صائحين! أنريق الدماء، ونكدس الجثث، لتكون منابر المجد لفلان وفلان؟! أنضحي بحياتنا في سبيل أناس لا يستحقون الحياة؟! مررت بهم وأنا أقول: إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى.

أمّاه:

إذا كان في الناس من يقاتلون من وراء مبادئ حزبية، أو زعامات سياسية، فلست منهم في شئ، لست قنبلة من هذه القنابل التي يطلقها أناس آمنون وراء الجدران راتعون في لذات النعيم.

لم يستخفني إلي الموت سراب مجد، ولا أماني الشهرة، ولا ضلالة عمياء من هذه الضلالات التي يتيه في ظلماتها شباب الضياع، وإنما هو الجهاد، أسير في طريقه، ولا أبتغي به غير الله، ولكل امرئ ما نوى.

ص: 252

تركت مسارح اللهو ومراتع الصبا، تركت فراشي الوثير، يغطيه الصوف والحرير، تركت الطعام الهنيء والشراب المريء، تركت أسمار الصيف الغافية على أضواء القمر ونسمات الليل المتبردة، تركت مجالس الشتاء الهادئة الدافئة على أنفاس المواقد، وتركت المحاضرات والمحاضرين ودراسة القانون، وكم تركت وتركت

تركت هذا كله غير آسف، تركته مسرعا إلى مسارح الوحش ووكنات الطير، أتنقل في الجبال، وأهبط الأودية، دون أن تضل بي الشعاب والثنايا، أو تتنكر لي المغاور والكهوف، لا أبالي أن افترش الثرى، وأن أتوسد الحجر، وأن أبيت على الطوى، أعدو في صبيحة كل يوم سبعة أميال أو تزيد، دون أن أشكو أو يسمح لي بالشكوى، لم أعد أعرف الكنّ في زمهرير الشتاء، ولا القيلولة في هواجر الصيف، وسيّان لديّ أن أسير في غسق الليل وأن أسير في وضح النهار.

لعلك تتساءلين من إشفاق وعجب، وأنت تضعين كفّاً على خد، وتقولين: أني لك هذا -يابنيّ- وأنت على ما أنت عليه؟!

ما أسرع ما تغيرت يا أمّ عمّا تعهدين!! إن فتاك الذي كان يمور في الشحم واللحم كخراف العيد المعلوفة قد سقط عنه شحمه ولحمه وأصبح عوداً صليبياً من عيدان السنديان، هيهات أن ينثني أو يتكسر.

لا شئ يستهويني هذه الأيام مثل إطلاق الرصاص، وضرب المدافع، وتفجير القنابل، والفتكات الخاطفة بالسلاح الأبيض.

ما أكثر ما أحتضن السلاح وأقلبه بين يدي! ثم أقبله بلهفة وحنان، وأنا أقول: غداً غداً سترسل المنايا إلى كل معتد كفّار، إلى أولئك الذين في آذانهم وقر، وعلى أبصارهم غشاوة، أولئك الذين لا يفهمون الكلمات المطبوعة، ولا الألفاظ المسموعة، غداً غداً ستكتب لهم سطوراً من الجثث وحروفاً من الأشلاء مغموسة بالدماء، ستكتبها على القمم والسفوح وفي بطون الأودية، على التلال والسهول وجوانب الطرق.

غداً غداً أيها السلاح ستريني ما وعدتني، وأريك ما وعدتك.

أمّاه:

ص: 253

كم تمنيت أن تكوني على مقربة، فتملئي عينيك وقلبك مني، وأملأ قلبي وعيني منك قبل أن أغادر أرض التدريب والتجارب.

أغلب الظن أني سأجتاز الحدود إلى أرض الصراع والعراك في خلال أسبوعين، ما أجملها صورة حين أرى الأعداء يتساقطون صرعى رصاصاتي، وأشاهد الأشلاء تطير بين السماء والأرض مما أقذفهم به من قنابل!!

لا تخافي عليّ من الموت، بل اسأليه تعالى أن يكتبه لي، أو أن يكتب لي النصر.

لم يبق لي في الحياة بعد هذه الهزيمة عزة، ولن يغسل العار إلا السيف، لماذا أخادع نفسي، وأخادع الناس، وثياب الخزي تجلّل جسدي كله؟!

إذا كنت من المؤمنين حقاً فهذا حق الله علي، وإذا كنت من الموقنين بالآخرة، فلم التعلق بهذه الدنيا على ذل وهوان، وحرق مساجد وتحريف قرآن، وهتك عرض، واغتصاب أرض؟! وإذا لم يحق علي الجهاد اليوم فمتى يكون حقا؟!

لا تجزعي علي أيتها الأم، واحتسبيني عملاً صالحاً تقدمينه بين يديك عند الله، وذخرا تدخرينه ليوم يقول فيه الإنسان: يا ليتني قدمت لحياتي.

لا تعدي نفسك في الثواكل، ولا تخالي ابنك قد ضاع سدى، دعي الناس يحسبون كيف يشاءون، ما عليك من حسابهم من شئ، فلله الأمر من قبل ومن بعد ويوم يقوم الحساب.

لا تنظري إلى الخلف يا أماه! فيطول ليلك، ويطول همك، وتذهب نفسك حسرات، ولكن انظري إلى الأمام، فذلك خير وأهدى سبيلا، انظري إلى الأمام بعيدا

بعيدا

انظري إلى ما بعد الموت

انظري إلى الدار الآخرة، انظري إلى جنات الله وإلى جوار الله، هنالك ستلاقين أبي هنالك ستلاقين ابنك الوحيد، هنالك سنلتقي جميعاً إن شاء الله.

ابنك الفدائي

ما على عثمان

ص: 254

خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها"، قال ثم نزل صلى الله عليه وسلم مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان:"عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها"فحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كالمتعجب وقال: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا".

أحمد والبيهقى وأبو نعيم في الحلية

ص: 255

في ظلال سورة الأنفال

للشيخ أبي بكر الجزائري

المدرس بكلية الشريعة والواعظ بالمسجد النبوي الشريف

{يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

هذه السورة أيها الإخوة الصالحون تسمى سورة الأنفال، لذكر لفظ الأنفال فيها، وسماها بعض السلف بسورة بدر لاشتمالها على ذكر جوانب عديدة من غزوة بدر.

وهي السورة الثامنة من الكتاب، وسابعة الطّوال إذا أخذنا برأي من يقول: إنها مع التوبة تكمل السبع الطوال، وذلك لاتحاد موضوعهما تقريبًا، ولعدم الفصل بينهما بالكلمة الشريفة، ولأن سورة يونس إلى المئين أقرب منها إلى الطول، وإن عدها بعضهم أو جمهورهم رحمهم الله من السبع الطوال.

والمواضيع التي تعالجها هذه السورة الكريمة هي إجمالا: العقيدة بتركيزها وتعميقها في النفوس المؤمنة. والسلوك بتهذيبه، وإصلاحه حتى يتلاءم مع العقيدة الإسلامية، ويكون دليلها، وبرهانا عليها. الجهاد بذكر قوانينه وطرف من آدابه. الغنائم وحكم قسمتها وطريق توزيعها بين المجاهدين الأبرار. المعاهدات الحربية والسلمية وكيفية إبرامها وحلها.

ص: 256

هذه السورة، أيها الإخوة الصالحون مفتتحة بكلمة: يسألونك عن الأنفال، وهي جملة متضمنة لسؤال وجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص ملكية غنائم بدر، واستحقاقها: أهي للشبيبة أم للشيوخ؟ للأنصار هي أم للمهاجرين؟ حيث وقع النزاع، ذلك كما سيذكر بعد. وهذا السؤال الذي تضمنته هذه الجملة في قائمة هذه السورة ليس هو الأول ولا الأخير، مما كان يوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أسئلة مختلفة يحكيها الله سبحانه وتعالى بلفظ يسألونك عن كذا.... ويلقن رسوله صلى الله عليه وسلم الإجابة عنها. وأعظم هذه الأسئلة كان يوجه من المؤمنين طلباً لشرح حكم، أو تفسيراً لإجمال، أو كشفاً لشبهة وذلك كسؤالهم عن القتال في الشهر الحرام، وعما ينفقون من أموالهم، وعلى من ينفقون، وعن حكم الخمر والميسر، وحكم خلط أموالهم بأموال يتاماهم، وعن مخالطة الحائض أيام حيضها إلى غير ذلك من التساؤلات والاستفسارات التي كان يتطلبها واقع المسلمين وهم في كل يوم يتلقون الجديد والمزيد من الأحكام والتشريع تكميلاً لهم وإعداداً للخلافة في الأرض والوصاية على البشر وقيادتهم.

كما كانت بعض الأسئلة توجه من المشركين تكذيباً لمضمونها، أو استبعاداً لوقوعه كسؤالهم عن الساعة، وعن موعد العذاب الموعدين به. كما كان البعض الآخر يوجه من اليهود تحدياً للرسول وتعجيزاً له، أو كشفاً عن حقيقة دعواه النبوة، ومدى صدقه فيها وذلك كسؤالهم إياه - فداه أبي وأمي - عن الروح، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، وعن قرى أهل الجنة: أول طعام يقدم لهم عند دخولهم الجنة. وعما يكسب الولد شبهاً بأمه، أو أبية، إلى غير ذلك من الأسئلة المعروفة في الكتاب الكريم، والمعلومة في السنة الشريفة.

ص: 257

وكون الحق تبارك وتعالى يتولى الإجابة عن رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأسئلة وفي غيرها تبياناً للأحكام، وإنارة الطريق، وإدحضا للباطل، ودفعاً للشبهات هو تحقيق ولايته تعالى لأوليائه. ومصداق قوله:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور} .

إنه ما عرضت شبهة لولي من الأولياء، ولا لنبي من الأنبياء إلا وأزالها الله ولي المؤمنين من قلوب أوليائه، وأحل محلها نور المعرفة واليقين. ولا عورضت دعوة الحق بحجة باطلة، أو طريقة ماكرة إلا ودحض الله حجة المبطلين، وأحبط كيد الماكرين. يشهد لهذا ما ذكر برهاناً على كونه تعالى يخرج أولياءه من الظلمات إلى النور وذلك في مواقف ثلاثة:

أولها: موقف إبراهيم ولي الرحمن، مع النمرود ولي الشيطان حيث حاج الثاني بباطله إبراهيم في حقه، فدحض الله الباطل بالحق فزهق، وبهت الذي كفر. وأخرج إبراهيم من ظلمة الباطل إلى نور الحق، وهو ظافر منتصر. وثانيها موقف النبي أو الولي الذي مر بقرية وهي خاوية على عروشها؛ متهدمة البنيان خالية من السكان، فغين على قلبه ما قال معه:{أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} ؟ فأخرجه الله من تلك الظلمة التي عرضت لقلبه بأن أماته ثم أحياه، وأراه من آيات قدرته ما أشبعه يقيناً ورواه، وهكذا جميل الله تعالى الولي مع من يتولاه.

ص: 258

وثالثها موقف الخليل مع ربه: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ، وكان الخليل لم يكتف في إيمانه بعلم اليقين فأراد الوصول به إلى عين اليقين. فكان كمن عرضت له شبهة في ظاهرة الحياة كيف تكون، وما كان أبداً من أهل الظنون أو الفتون بل سؤاله دال صراحة على صدق إيمانه بقدرة ربه إذا قال:{أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ، ولم يقل كيف تقدر على إحياء الموتى. وأجابه الله وليه ومولاه. وأراه من مظاهر قدرته ما طمأن قلبه، ودفعه إلى مقام عين اليقين. وسلام على إبراهيم في المرسلين، وكذلك يجزي الله المحسنين.

ووجه العبرة من هذا أيها الإخوة المسلمون أن العبد متى حقق ولايته لله بإيمانه الصادق، وتقواه لله، وتجرد لدعوة الخلق إلى الخالق ليعبدوا ربهم ويوحدوه ويسلموا له قلوبهم ووجوههم ويطيعوه. متى كان العبد هكذا لن يعدم من الله تعالى نصره ولا تأييده، ولا إرشاده، ولا توفيقه، إن تصدى له مبطل نصره عليه وهزمه بين يديه، وإن عرضت له شبهة كشفها له وأعقبه نوراً في قلبه، إن واجهته مشكلة ومهما كانت صعبة أو عويصة وفقه لحلها، وأخرجه منها معافى سليماً، وعزيزاً كريماً. والحمد لله ولي المؤمنين، ومنزل الكتاب ومتولي الصالحين هذا وأما الأنفال التي كانت مثار النزاع، والتي اقتضت مصلحة الجماعة المؤمنة في حكم الله وليهم ومتوليهم أن يرد شأنها إلى الله ورسوله، فيحكم الله فيها بما يريد. ولن يريد إلا الحق والخير ويقسمها الرسول حسب أمر ربه ووحيه إليه. فإن قول المفسرين فيها مختلف غير أن المعنى لا يخطئ.

ص: 259

إن الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية المعركة شجع المجاهدين بقوله من قتل كذا فله كذا

ومن أسر كذا فله كذا

ولما انتهت المعركة بنصر حاسم للمسلمين حاول بعض الغانمين الاستئثار بما غنموه دون غيرهم من إخوانهم المجاهدين مما أثار بعض الخصومة. والنزاع الأمر الذي لا يمكن أن تقر عليه جماعة الإيمان بحال من الأحوال من أجل ما قد يؤدي إليه من الفوضى والخلاف، وذلك مما لا يليق بهم، ولا يتفق وحقيقة جماعة تؤمن بالله، وتقاتل طول الحياة لحماية دين الله، وأولياء الله، ولتأمين دعوة الحق بين الخلق.

فلذا لما اختلفوا وتساءلوا أجيبوا برد القضية لله ورسول الله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} . وأمروا بتقوى الله عز وجل، وإصلاح ذات بينهم، وطاعة ربهم ونبيهم وهذه من مقتضيات إيمانهم وهم مؤمنون. وأما الغنائم وقسمتها وقد ردت إلى الله فسيحكم الله فيها بما هو الحق والعدل. وبما يحقق الخير للجميع.

قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

قد اشتملت هذا القدر من الآية على الأمر بثلاثة أشياء هي في غاية الأهمية بالنسبة إلى حياة الجماعة المسلمة وسعادتها في الدنيا والآخرة، تلك هي الأمر بتقوى الله عز وجل، وإصلاح ذات بين الجماعة عند وجود فساد فيها بالفرقة والخلاف بين أصحابها، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان بالله واليوم الآخر المهيأ لذلك والمعد له، والمساعد عليه.

ص: 260

أما التقوى فإن عليها مدار كل إصلاح يراد للفرد أو للجماعة، وبدونها لا يتحقق أي خير أو إصلاح أبداً، ومن هنا قدم الأمر بها على غيرها، وكانت هذه الآية وصيه الله الثابتة لهذه الأمة المسلمة، ولمن سبقها من أهل الكتاب قال تعالى في سورة النساء:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} .

ومعنى التقوى العام: خشية الله تعالى المالئة للقلب، المسخرة لجوارح العبد في طاعة الرب تبارك وتعالى فعلاً وتركاً. وقد تطلق ويراد بها معنىً خاص، فتكون في كل مقام بحسبه، ومن ذلك أنها هنا بمعنى توقي سنة الله تعالى في الإقبال على الدنيا، والتنافس فيها، والجري وراء حطامها الفاني، وما يجر ذلك من تحاسد وتقاطع، وخلاف يفضي بالجماعة إلى الهلاك والدمار.

وأما إصلاح ذات البين وبعد إصابتها بما أفسدها من الخلاف والنفرة، فإن الأمر به من أوجب الواجبات وألزم اللازمات، إذ لو يسمح لمرض الخلاف أن ينتشر في صفوف الجماعة، ولداء الحسد والبغضاء أن يستشري في جسمها. لأودى قطعاً بحياتها، وأفضى بها إلى هلاك محتم، وخسران مبين ومن هنا أمر الله تعالى الجماعة المسلمة على الفور ولأول خلاف بدر منها أمرها بإصلاح ذات بينها، وإحلال الوئام بين أفرادها محل الخلاف، والود والصفاء محل العداوة والبغضاء.

ص: 261

وأما طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم فإنها شعار الجماعة المؤمنة التي لا يمكن أن تتخلى عنه، أو تعيش بدونه، إذ منه تستمد نظامها وقوتها، وكامل مقوماتها في الحياة. إن الجماعة المؤمنة بدون الطاعة الكاملة لله ورسوله لا يمكن أن تكون شيئاً في الوجود، أو تحقق لها خيراً ما في الحياة. ولعل هذا هو السر في الأمر بها في هذا المقام بعد الأمر بالتقوى، والطاعة لله والرسول بعد الأمر بالتقوى مشعراً بأهمية الطاعة للجماعة المؤمنة، ومهيجاً لها على الاستعداد وتوطين النفس عليها لتؤديها كاملة في المنشط والمكره، والعسر واليسر.

وأخيراً قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فإن هذه الجملة الشرطية ذات مدلول خاص في هذا السياق من الكلام، فإنه يؤتى بها بعد الأمر أو النهي للتهييج على الطاعة والحمل المؤكد على الامتثال، لأن الإيمان هو الطاقة المحركة للمؤمن، والإرادة الموجهة له، فبدون الإيمان لا يتأتى للعبد أن يطيع ويخلص، أو يعمل ويصدق بحال من الأحوال، حتى صار في عرف قانون الإيمان لا يعرف إيمان حقيقي بلا عمل صالح، ولا عمل صالح بلا إيمان.

ومن هنا حسن أن تذكر هذه الجملة بعد الأمر بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، تذكيراً بالإيمان، وتهييجاً للنفوس على العمل، وتهديداً لها بسلب الإيمان الذي هو خاصيتها وأغلى ما تملك، إذا هو لم يوجد له أثره في الطاعة والسلوك.

ولذا يقدر جواب هذا الشرط محذوفاً استغني عن ذكره بذكر ما سيقت لتأكيده من امتثال الأمر، والتسليم بالطاعة. والتقدير: إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله.

ص: 262

هذا.. وموجز القول في هذه الآية الكريمة: أن المجاهدين من أهل بدر لما انتهت المعركة بنصرهم على أعداء لا إله إلا الله وأعدائهم اختلفوا في شأن قسمة الغنائم المعبر عنها في الآية بالأنفال حيث أراد الشبان الاستئثار بها دون الشيوخ بدعوى أن أثرهم في المعركة كان أكبر. ولم يرض لهم الشيوخ بذلك فرفع النزاع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} الخ

فرد الله ملكيتها إليه وإلى رسوله حسماً للخلاف وقطعاً لشجرته، وأمر المتنازعين فيها بتقواه عز وجل، وإصلاح ذات بينهم، وبطاعته وطاعة رسوله مذكراً إياهم بالإيمان الذي هو أصل كل خير ومفتاح كل سعادة. وبعد تسع وثلاثين من هذه الآية نزلت آية أربعين تبين قسمة ما اختلفوا فيه من الأنفال {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} الآية. فجعلت الغنيمة خمسة أقسام، قسماً لله ورسوله.. وأربعة أقسام للمجاهدين عموماً من كان له أثر في المعركة كبير أو لم يكون له سوى وجوده فيها بنية الجهاد.

ما في الآية من الهداية القرآنية:

نختم درس هذه الآية الشريفة ببيان بعض ما اشتملت عليه من الهداية القرآنية وذلك:

1-

الجماعة المؤمنة إذا اختلفت في شيء ترد أمره إلى الله ورسوله للحكم فيه بما هو الحق والخير قال تعالى في توجيه هذه الجماعة المؤمنة: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ، ولهذا ردوا أمر خلافهم إلى الرسول وحكم الله فيه بما هو الحق والخير لهم.

ص: 263

2-

الميل إلى الدنيا والرغبة فيها طبع هذا الإنسان، وعليه فإنه إذا لم يجد من التربية الإلهية والتوجيه النبوي ما يقوِّم به طبعه، ويخفف من حدته، ويقلل من تأثيره على سلوكه، أودى به طبعه وأهلكه، والعياذ بالله تعالى. فلولا عناية الله بأهل بدر، وما أولاهم من تربية وتوجيه لهلكوا بخلافهم أو لأفضى بهم إلى مشارف الهلاك على الأقل.

3-

الجماعة المسلمة المهيأة لقيادة البشر لا ينبغي لها أن تتورط في حب المال وجمعه، ولا الانغماس في الترف والشهوات، فإن ذلك يقعد بها قطعاً عن بلوغها أهدافها وغاياتها في إصلاح الخلق.

4-

تقوى الله عز وجل خير ما يوصف من دواء لعلاج النفوس وتطهير القلوب ولذا لما بدا من أهل بدر ما قد يرى أنه ناجم عن مرض الشهوة في حب المال والرغبة فيه، أمرهم الله بالتقوى، وحثَّهم على الطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم.

5-

الجماعة المسلمة لا بد لها من قيادة عليا تجمعها إليها عند كل خلاف، أو تصادم في أي أمر من الأمور الدنيوية والدينية على حد سواء.

6-

المبادرة إلى القضاء على كل سبب للفرقة أو الخلاف بين الجماعة المؤمنة إبعاداً لها من ورطة العداوات والبغضاء.

7-

إعداد أفراد الجماعة المؤمنة بطاعة الله والرسول لأن يكونوا أسرع إجابة لنداء الواجب، وأكثر تلبية لصوت الحق كلما قال هلم لجهاد ونصرة.

ص: 264

فلا تدعو مع الله أحداً

بقلم الشيخ: عبد الله محمد الغنيمان

المدرس في المعهد الثانوي

قرأت في إحدى المجلات الإسلامية قريباً قصيدة مما يسمى بالشعر الحر تحت عنوان: (يا سيدي) ولاحظت فيها كلاماً لا يتناسب وعقيدة الإسلام حيث أن الدعاء هو مخ العبادة كما في الحديث الذي يرويه الترمذي وغيره، وهذا قد وجه نداءه وشكايته إلى الرسول طالباً أن يدعوا لنا وأن يبارك لنا كما يقول:"يا سيدي يا مصطفى الإله ادع لنا"وكرر هذا المعنى ويقول: "يا سيدي شكاية الأتباع للمسود"، وهذه شكوى إلى رسول الله فيما لا يملكه إلا الله، ودعاء له، ومعلوم أن الدعاء من أخص العبادة التي لا يجوز صرفها إلى غير الله، لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لغيره. وقد ذكر الله في كتابه كفر الذين يدعون من دون الله من يزعمون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى مع اعتقادهم أن الله هو الخالق المتصرف بالكون وحده، كما ذكر تعالى دعاء الميت والغائب ونهى عنه وتوعد عليه قال تعالى:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} والظلم هنا هو الشرك الذي ذكر تعالى أنه لا يغفره، ومن مات عليه فقد حرم الله عليه الجنة، ولم يستثن أحداً من المدعوين، والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلّغ عن الله وقد حذّر عن هذا كل التحذير بل نهى عمّا هو أقل من ذلك بكثير لما قال له رجل:"ما شاء لله وشئت"قال: "أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده"، وقد قال تعالى:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . ومعروف ما فعله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} وقوله: "يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني من الله شيئاً" حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً"،

ص: 265

فكيف يجوز بعد هذا أن يجعل صلى الله عليه وسلم واسطة بين الله وعباده في ما لا يقدر عليه إلا الله من دعاء وغيره، وقد خاطبه الله تعالى بقوله:{فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} ، فليتأمل هذا الوعيد المرتب على دعوة غيره وخاطب به تعالى نبيه ليكون أبلغ في التحذير أفيظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أن الله ينهاه عن هذا ويذكر الوعيد عليه ثم يرضى أن يفعله أحد معه أو مع غيره؟ ، كلا، ودعوة غير الله تنافي الإخلاص الذي هو دينه ولا يقبل سواه {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} ، وقد ذكر الله تعالى اختصاصه بالدعاء في قوله:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} فأخبر أن دعوة الحق له خاصة وما ليس بحق فهو باطل لا يحصل به نفع لمن فعله بل هو ضرر في العاجل والآجل لأنه ظلم في حق الله وفي حق المدعو، يبين هذا توعده تعالى من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً} نزلت في الذين يدعون عيسى عليه السلام وأمه وعزيراً والملائكة باتفاق أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين والأئمة فلا يظن عاقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يرضي بشيء قد توعد الله من فعله مع عيسى وأمه والعزير والملائكة، وكونه صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموماً وخصوصاً بل هو مأمور أن ينهى عنه ويتبرأ منه كما تبرّأ منه المسيح ابن مريم عليه السلام كما في الآيات في آخر سورة المائدة (111) إلى (118) وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات في سورة سبأ (39) إلى (41) .

وليعلم أن الدعاء قسمان:

ص: 266

أ- دعاء الحي الحاضر ما هو في مقدوره واستطاعته، كسؤال الدعاء من الغير والنصر والإعانة بما يقدر عليه، فهذا جائز باتفاق المسلمين بهذه الشروط، والأدلة عليه كثيرة وظاهرة.

ب- دعاء الميت والغائب ما لا يقدر عليه إلا الله، مثل سؤال قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة الملهوف وهداية القلوب وإصلاح الشأن وما أشبه ذلك، فهذا من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ولم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان لا مع الرسول ولا مع غيره وهذا مما يعلم بالضرورة أنه ليس من دين الإسلام وبهذا يعلم خطأ القائل:"يا سيدي يا مصطفى الإله ادع لنا"، وقوله:"يا سيدي شكاية الأتباع للمسود"وأن هذا وما أشبهه مناف لدعوة الرسول، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

ص: 267

محب الدين الخطيب

لمحات من حياته وقبسات من أفكاره

بقلم الشيخ: ممدوح فخري

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين

في بقعة من أجمل بقاع القاهرة، في جزيرة الروضة السابحة في النيل الهادئ، كان يقيم ذلك الراحل العظيم محب الدين الخطيب الذي تناقلت الصحف نعيه في الأسبوع الماضي، أجل لقد مات محب الدين ذلك الكاتب الكبير والمفكر الجليل والعالم المحقق. والمسلم الغيور على عقيدته وتراثه وأمته، فرحمه الله وطيب ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه.

ص: 268

في تلك الجزيرة الجميلة وفي الأعوام الأخيرة من عمره المبارك الميمون كان لي الشرف التعرف على ذلك المسلم العظيم الذي كنت قد قرأت له وعنه قبل لقائه فعظم في عيني وسما في نفسي ووجدت لدي الرغبة العظيمة في التعرف عليه والالتقاء به، وكان ذلك أثناء دراستي في الجامع الأزهر حيث تشرفت بزيارته في مكتبته الكبيرة في شارع الفتح في الروضة في ذلك الحي الهادئ الحالم، وبين أكداس وتلال من الكتب وخلف نظارته الساقطة على أنفه وتحت طربوشه الأحمر وفي جلبابه الأبيض كان يجلس محب الدين وعلى محياه معالم الثمانين التي قضاها في جهاد دائم بقلمه ولسانه وقلبه ويده. وكانت زيارة مباركة تلك التي تلتها زيارات شبه دورية لسنوات أقمتها هناك. وكان على أثر ذلك أن توثقت به صلاتي وكثرت له زياراتي، وعدت من ذلك كله بحصيلة مباركة من توجيهاته القيمة وإرشاداته السديدة وتجاربه الكثيرة خلال عمره المديد أضف إلى ذلك مجموعه من الكتب النادرة التي وجدتها في مكتبته الكبيرة التي كانت تعلوها طبقة سميكة من الغبار لأنها لم تمسسها يد منذ سنين، لقد تعرفت على محب الدين رحمه الله في الوقت الذي تنكر له فيه المجتمع الذي كان يعيش فيه وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت بأني كنت الوحيد الذي كان يقصده في أيامه الأخيرة ولكني في كل مرة كنت أحرص على أن أصحب معي مجموعه جديدة من الشباب المسلم الذين كنت أحرص على أن يتعرفوا به ويأخذوا عنه، لقد كان يعيش أيامه الأخيرة رحمه الله في غربة قاتلة ولم يكن يتصل بالمجتمع الذي يعيش فيه إلا عن طريق بعض الصحف التي كان مشتركاً فيها. وحتى أصحاب المكتبات لم يكونوا على صلة به وبمطبوعاته القيمة التي كان يصدرها، وأذكر أني قد أحضرت كثيراً من مطبوعاته لبعض المشايخ والطلاب وأصحاب المكتبات التي كانوا يطلبونها مني لصلتي به.

ص: 269

وفي الأسطر التالية سأذكر لمحة عن حياته وصوراً من الخواطر والذكريات عنه وفاء بحق ذلك الرجل الذي كان لدينه ووطنه وأمته.

لمحة عابرة عن حياته: ولد رحمه الله عام 1305 في دمشق الشام من أسرة عريقة أصيلة النسب هاشمية تعود أصولها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان أبوه وجده عالمين جليلين وعنهما أخذ معلوماته الأولى، وبدأ تعليمه الأولى في دمشق وأتمه في بيروت، وأما شيخه الذي كان يجله كثيراً أو يذكره بخير دائماً فهو المرحوم الشيخ طاهر الجزائري وكان يقول رحمه الله:"منه تعلمت عروبتي وإسلامي"، وقد مدحه بقصيدة جميلة في شبابه لا يتسع المجال لذكرها، ثم سافر رحمه الله إلى استانبول والتحق هناك بكليتي الحقوق والآداب وفي تلك الأثناء التقى بمجموعة من المثقفين العرب الذين كانوا يدرسون في استانبول ورأى منهم انهيارا في شخصيتهم وذوباناً في غيرهم وتزلفاً إلى غير العربية والعرب، فأسس جمعية النهضة العربية، لتذكر العرب بأصالتهم وبدورهم القيادي في حياة البشرية.

وبعد إتمام دراسته هناك عاد إلى دمشق ولكن لم يطلب له المقام فيها من جراء مضايقات بعض الجهات المسؤولة فسافر إلى بيروت ومنها إلى استانبول ثم قصد أخيراً إلى القاهرة، وحينما تأزمت الأوضاع في الجزيرة العربية وفي بلاد الشام وقامت الثورة العربية الكبرى التحق بها محب الدين وأشرف على تحرير جريدة القبلة التي كان يصدرها الشريف حسين، ولكن سرعان ما تبيّن حقيقة الشريف حسين أنه لم يكن يريد ثورة إصلاحية مسلمة شاملة وإنما قام بثورته للحفاظ على منصبه وطمعاً في منصب أعلى تخلى عنه، وكان يقول:"إن الشريف حسين وأولاده يريدون الأوطان مزارع للملوك".

ص: 270

لقد قامت في تلك الفترة في البلاد العربية حركات وجمعيات كثيرة وساهم محب الدين رحمه الله في نشاط الكثير منها، ولكنه كان مخالفاً لكثيرين من رواد تلك الحركات، لقد وجد يومئذ نوعان من الحركات العربية، نوع عنصري قومي يريد تحطيم الأخوة الإسلامية وضرب الخلافة وتهديم الدولة العثمانية بسلاح النعرات القومية والعصبيات الوطنية، وهذا النوع كان يلقي التأييد الكلي من المستعمرين ومن النصارى والملاحدة بين المسلمين ونوع يؤمن بخصائص الأمة العربية الأصيلة وجدارتها بحمل رسالة الإسلام وقيادة الأمة الإسلامية وزيادتها بهذا الدين مع الإبقاء على الخلافة الإسلامية والرابطة الإيمانية في نوع من الحكم الذاتي الذي يبرر خصائص كل قطر وكل أمة أو الأمة العربية بالذات، ومن دعاة هذه الحركة كان محب الدين رحمه الله. وقد دعا لفكرته هذه في بلاد الشام إلى أن دخلت القوات الفرنسية دمشق وغادرها فيصل ابن الشريف حسين قبل دخول تلك القوات فاضطر محب الدين أيضاً إلى مغادرتها متخفياً في زي تاجر جمال عربي، إلى أن وصل إلى القاهرة بجواز سفر مزور حصل عليه من يافا في طريقه إلى مصر.

وبعد أن ضرب محب الدين رحمه الله في أرجاء الوطن الإسلامي الكبير من الأستانة إلى اليمن إلى العراق إلى مصر في مهمات عظيمة رأى أخيرا أن يستقر في مصر، ويجعل منها منطلقاً لدعوته وميداناً لجهاده لما لمصر من المكانة والتأثير في العالم الإسلامي كله.

وفي هذه المرحلة الجديدة مرحلة الاستقرار توضحت معالم شخصية محب الدين وتحددت مبادئ دعوته، وبرزت آراؤه وأفكاره بشكل واضح ومركز واستمر يدعو لها بعزيمة لا تعرف الكلل وبهمة لا تعرف الملل إلى أن وافاه الأجل وهو صابر محتسب.

ص: 271

بعد أن استقر محب الدين رحمه الله في مصر عمل بعض الأعمال الفرعية ثم أسس المكتبة السفلية الكبرى ومطبعتها، وجعلها كبرى وسائله في جهاده الطويل المدى وكفاحه الطويل النفس وجعل ينشر فيها من كنوز التراث الإسلامي عشرات الكتب، ويطبع فيها رسائل من تأليفه وتأليف كبار العلماء والمفكرين من إخوانه، ثم أصدر منها مجلته الأولى (الزهراء) والتي استمرت عدة سنوات، ثم أصدر مجلته الأسبوعية (الفتح) التي تعتبر إلى يومنا هذا من أقوى المجلات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي، لقد استمرت مجلة الفتح تصدر خمسة وعشرين عاماً في مرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية في تاريخها الحديث، وقد تبنت الفتح في تلك المرحلة العصيبة قضايا العلم الإسلامي واستقطبت حولها كتاب العلم الإسلامي كله، وتصدت للدفاع عن حقائق الإسلام وحقوق المسلمين.

وقد بين رحمه الله الفكرة الداعية إلى إصدار الفتح في إحدى افتتاحياتها فقال: "إن الفتح أنشئت لمماشاة الحركة الإسلامية وتسجيل أطوارها ولسد الحاجة إلى حاد يترنم بحقائق الإسلام مستهدفاً تثقيف النشء الإسلامي وصبغه بصبغة إسلامية أصيلة يظهر أثرها في عقائد الشباب وأخلاقهم وتصرفاتهم وحماية الميراث التاريخي الذي وصلت أمانته إلى هذا الجيل من الأجيال الإسلامية التي تقدمته"(العدد الأول من عام 1353) .

ص: 272

ومن هذه الكلمة الجامعة يبدو أن الفتح كانت مدرسة كبرى تعنى بتثقيف الجيل المسلم وتربيته ومعالجة قضايا واقعه على اختلاف أنواعها. وفي مدة ربع قرن من الزمان والفتح تفتح آفاقاً جديدة أمام المسلمين من الوعي الإسلامي الصحيح والفكر السياسي النير والمعالجة السليمة لقضايا العالم الإسلامي على ضوء هذا الدين الحنيف، وبعد هذا الجهاد المرير مع مختلف أعداء الإسلام في الحاضر والماضي على صفحات الفتح اضطر محب الدين رحمه الله إلى إيقافها وحينما سئل عن سبب ذلك قال:"أوقفتها حينما أصبح حامل المصحف في هذا البلد مجرماً يفتش ويعاقب"، ولكن إذا توقفت الفتح فإن محب الدين لم يتوقف وإنما استمر في طريقه الذي اختطه لنفسه من نصرة هذا الدين حتى الرمق الأخير. فإلى جانب التحقيق والتعليق وكتابة الرسائل والإشراف على ما يطبع في مطبعته الكبيرة تولى رئاسة تحرير مجلة الأزهر لمدة ست سنوات من 952 إلى 985/م وقبل ذلك كان قد أسس جمعية الشبان المسلمين بالتعاون مع عدد كريم من شخصيات مصر وعلمائها وعلى رأسهم العلامة المحقق أحمد تيمور والشيخ الجليل محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق وغيرهما.

ص: 273

وعن غايته من تأسيس هذه الجمعية يقول رحمه الله: "كنت أنا وأحمد تيمور باشا والسيد محمد الخضر حسين حريصين على أن تكون هذه المؤسسة الأولى للإسلام في مصر قائمة على تقوى من الله وإخلاص، وكنا حريصين على أن يتولى إدارتها رجال يعرفون كيف يصمدون لتيار الإلحاد الجارف بعد أن استولى المتابعون للإستعمار على أدوات الثقافة والنشر في العالم الإسلامي وفي مصر على الخصوص"، ويقول أيضاً:"وكانت الجمعية حدثاً كبيراً من أحداث الحركة الإسلامية لأن دعاة الإلحاد والتحلل كان قد استفحل أمرهم وظنوا أن قيادة الأمة قد أفلتت من أيدي ممثلي الإسلام وانتظمت إلى أيديهم". وهذه الجمعية وإن انحرفت عن كثير من الغايات التي وجدت لأجلها فإنها لا تزال قائمة إلى يومنا هذا ولها مجلتها الناطقة باسمها، ومن على منبرها وفي مواسمها الثقافية قد استمعنا لعدد كبير جداً من علماء مصر ومفكريها.

ص: 274

وعلى أثر سوء تفاهم مع القائمين على الأزهر استقال رحمه الله من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، وكان ذلك آخر عمل رسمي له، ثم انزوى في مكتبته ومطبعته وقطع تقريباً كل صلة له بذلك المجتمع وانكب على التأليف والتحقيق، وحتى الأعمال التجارية الصرفة كانت شبه مقطوعة مع المكتبات المصرية وكان جل تعامله في آخر أمره مع المؤسسات والمكتبات السعودية. واليوم الوحيد الذي كان يخرج فيه إلى المجتمع من جزيرته الهادئة القصية هو يوم الجمعة بعد العصر حيث يذهب إلى سوق الكتب المقامة على سور حديقة الأزبكية في القاهرة ويشتري من الكتب المختلفة القديمة والحديثة وكان يحملها بيديه الكليلتين وعلى كاهله أعباء الثمانين ويتمايل في مشيته ويتعثر حتى يجد سيارة تقله إلى بيته وقد ثابر على هذه العادة الكريمة إلى ما قبيل وفاته رحمه الله، وقد جمع من ذلك مكتبة ضخمة خاصة به فاقت على ما أعتقد كل مكتبة خاصة في مصر ماعدا مكتبة العقاد، حيث بلغ تعداد كتبه الخاصة ما يزيد على عشرين ألف كتاب وكانت فهارسها تبلغ خمسة وستين مصنفاً. وكان رحمه الله قد جعلها قبل وفاته وقفاً على أهل العلم من ذريته وقد بنى ولده قصي داراً جديدة في محلة الدقى في القاهرة وخصص الطابق الأول منها لتلك المكتبة، كما قال ذلك هو رحمه الله.

ولقد كان رحمه الله محتفظاً بحيويته حتى أواخر أيام حياته وكان يعزو ذلك إلى اعتداله في حياته كلها في مأكله ومشربه ومنكحه. وكان ذا صبر وجلد على العمل لا يعرف معهما السامة والملل. وكان منظماً في شؤونه كلها عصامياً في تدبير أمره وتكوين ثروته وبناء حياته وشخصيته.

ص: 275

ولقد ترك رحمه الله ثروة فكرية كبيرة وتتمثل في مجموعة الكتب والرسائل والتعليقات، والتحقيقات التي كتبها في مراحل عمره المختلفة، وجميع كتاباته تتميز بالأسلوب الأدبي الرفيع والبيان البديع والحرارة الصادقة في العاطفة والفكرة العلمية المحققة. ومن أهم الآثار الفكرية التي خلفها رحمه الله هي ما يلي:

1-

كتاب توضيح الصحيح، وهو شرح الصحيح البخاري بقلمه، وقد رأيت منه مجلدات في بداية طبعة له حيث كنت هناك، ولا أدري في كم جزء تم الكتاب أو لم يتم ولكن الأستاذ أنور الجندي قال في كتابة مفكرون وأدباء بأنة في ثمانية أجزاء كبار وهو قطعا قد اطلع عليه بعدي.

2-

كتاب الحديقة، وهو مختارات في الأدب الإسلامي في مختلف العصور وفي مختلف الموضوعات وهو في أربعة أجزاء.

3-

كتاب مع الرعيل الأول.

4-

كتاب اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب.

5-

كتاب البهائية.

6-

رسالة الجيل المثالي.

7-

حملة رسالة الإسلام الأولون.

8-

الغارة على العالم الإسلامي - ترجمة -.

9-

تاريخ مدينه الزهراء.

10-

الأزهر ماضيه وحاضره.

11-

الخطوط العريضة للديانة الاثني عشرية الأمامية.

وله تعليقات قيمة على كتب عديدة منها:

1-

تعليقاته الرائعة على كتاب العواصم من القواصم لابن العربي المالكي. وهي أكبر وأهم من الكتاب.

2-

وكذلك تعليقات على كتاب المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي.

3-

وتعليقاته على مختصر التحفة الاثني عشرية للألوسي.

4-

وتعليقاته المفيدة على كتاب الإكليل للهمداني.

ص: 276

وقد طبع كتاب الأدب المفرد للبخاري مع تخريج أحاديثه، وكذلك طبع فتح الباري بشرح البخاري لابن حجر مع الإشارة إلى الأبواب التي تفرقت فيها الأحاديث بالتعاون مع محمد فؤاد عبد الباقي. وما نشر كتابا إلا وكتب مقدمة علمية عن المؤلف وعن الكتاب ثم هناك مئات من المقالات التي كتبها في موضوعات شتى خلال عمره المديد في الزهراء والفتح والأزهر وغيرها من الصحف والمجلات.

وكان رحمه الله يجيد اللغات العربية والتركية والفارسية والفرنسية.

تلك هي لمحة عن حياة ذلك الرجل الراحل العظيم اقتصرنا فيها على ما حضرنا، وما أجدره رحمه الله أن يكتب عنه كتابة مستفيضة للوقوف على مراحل حياته والاستفادة من تجاربه وخبرته.

وأريد الآن في الشطر الثاني من هذه الكلمة أن أقرب للقراء الكرام أبرز النواحي الفكرية من اتجاهات محب الدين.

لقد كان يدعو باختصار شديد إلى الإسلام الصحيح الذي جاء به محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. وفي هذا المجال يقول رحمه الله: "إنني من أنصار الإصلاح الإسلامي وكنت ولا أزال أفهم هذه الكلمة الاصطلاحية أن الإسلام هو الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما فهمه منهم التابعون". فالإصلاح الإسلامي من البدع الطارئة وتخليصه من الدخيل الذي يحسب الجاهلون أنه منه وما هو منه. ومن الإصلاح الإسلامي بث روح النشاط بين المسلمين لإحياء مقاصد دينهم وتحقيق أغراضة وحسن التعبير عنه من الدعوة إليه وتأليف الكتب عن حقائقه وأحكامه وتاريخه. ومع هذه الدعوة إلى الإسلام بجملته فقد كانت هناك نقاط هي أبرز من غيرها في تفكيره وهو أشد اعتناء بها من غيرها وأهم هذه النواحي هي ما يلي:

ص: 277

السلفية الصافية: كان رحمه الله من أشد أنصار السلفية النقية في العقيدة والعبادة، وهذه سمة بارزة في كل كتاباته، وقد تحصلت لديه هذه الفكرة ونما عنده هذا الاتجاه لأنه قرأ في شبابه في دمشق كثيراً من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية المطبوع منها والمخطوط في المكتبة الظاهرية وذلك بواسطة شيخه المرحوم الشيخ طاهر الجزائري، وظل مقتنعاً بهذا الاتجاه قوي الإيمان به، مدافعاً عنه بقلمه ولسانه، متصدياً لكل من يتعرض له، مروجاً للكتب المهمة التي تدعوا إليه، وقد كان له فضل كبير في تنمية هذا الاتجاه لدي ورعايته في نفسي، فجزاه الله عني وعن المسلمين وعن الإسلام خيراً.

ص: 278

الوقوف في وجه الباطنية والرافضة: من أهم المواضيع التي فازت بالكثير من اهتمام المرحوم موضوع الرافضة والباطنية ولقد كان شديد العناية بهذا الموضوع متتبعاً لمراحل كيد الرافضة للإسلام، واقفاً على الأصول التي يقوم عليها باطلهم مدركاً خطرهم العظيم على الإسلام في الماضي والحاضر، ودورهم الكبير في تحريف العقيدة الإسلامية الصحيحة، وتشويه التاريخ الإسلامي المشرق، وكانت لديه الأصول الخطية والمطبوعة من كتب الرفض والباطنية، وكثيرا ما أطلعنا على مخازيهم من كتبهم، وفي اعتقادي أن محب الدين رحمه الله كان يسقط عن المسلمين فرض كفاية في تصديه لحملات الباطنية على الإسلام وفي وقوفه على الدوافع الحقيقة لتلك الحملات وإحاطته مراحل سريان سرطان هذه الفرق الصالة وسمومها في عقيدة المسلمين وتاريخهم، وكان يقول: "إن الرفض والباطنية تعبير عن الحقد الدفين والمرير في قلوب المجوس واليهود على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم أقاموا المسجد الأقصى على أنقاض هيكل سليمان، وأخمدوا نار المجوس إلى الأبد، وحينما جبنوا عن مجابهة الإسلام وجها لوجه دخلوا في سراديب تحت الأرض وأعلنوا على الإسلام وحملته حربا ضروسا دامية مازالت تتوقد نارها ويزداد أوراها على مدى هذه القرون المتطاولة من تاريخ الإسلام، وفي السنوات الأخيرة استطاع الرافضة في ظروف أن يفتتحوا في القاهرة دارا سموها دار التقريب، وهي أجدر أن تسمي بدار التخريب لأن غايتها الأولي والأخيرة هي تخريب عقائد المسلمين وتقريبهم نحو ضلال الرافضة وتهديم الجامع الأزهر كما صرح بذلك يوماً ما رئيس تلك الدار - القحى - في مجلس خاص نقله عنه أحد أصدقائنا الثقات، وقد استطاعت هذه الدار أن تشتري مجموعة من علماء السوء ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أُجراء لديها ومروجين لأباطيلها. وحينما توصل بعض هؤلاء إلى مراكز عالية في بعض المؤسسات العالمية الإسلامية حاولوا فرض تدريس مذهب الرافضة رسميا

ص: 279

وسارع بعض المرتزقة من العلماء للتأليف فيه فعلا، وحينئذ توجه نفر كريم من علماء الأزهر الغيورين على رسالة الإسلام إلى الأستاذ محب الدين رحمه الله وقالوا له:"إن الكتابة في موضوع الرفض ومحاولات فرضه للتدريس أصبحت فرض عين عليك"وطلبوا منه أن يكتب في ذلك فكتب يومئذ كتابه النفيس جداً وهو: (الخطوط العريضة للديانة الاثني عشرية) ، وأبان فيه الأسس التي يقوم عليها دين الرافضة من كتبهم ومراجعهم التي كانت بحوزته، وأتى بنقول مخزية لا مجال لرفضها لأنها من أمهات كتبهم مع تحديد الكتاب والمجلد ورقم الصفحة أو مكان الطبع وتاريخه، وأظهر فيه بكل جلاء كيف أن الرافضة في حقيقية أمرهم يعبدون آل البيت، وفي غيبة هؤلاء يعبدون مجتهديهم، وكيف يحكمون بارتداد جميع الصحابة ما عدا خمسة فقط، وكيف يجعلون من أصول دينهم التبري من الشيخين أبى بكر وعمر رضي عنهما، ويعتبرون لعنهما من القربات ويسمونهما بالجبت والطاغوت، وبصنمي قريش، ويجعلون لعنهما من جملة أوراد ختم الصلاة، ويسمون قاتل عمر (بابا شجاع الدين) ، ويحتفلون بيوم مصرع عمر رضي الله عنه، ويتهمونه رضي الله عنه في عرضه، ويقولون بتحريف القرآن الكريم وبنقصه، ولهم في ذلك كتاب:(فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) ، وكيف يؤمنون بعقيدة الرجعة، وهي القيامة الصغرى، وكيف يطعنون في عرض عائشة رضي الله عنها، مع بيان الأصول اليهودية التي لا شك فيها لذلك الدين الزنيم. كل هذا وغيره قد كشف عنه محب الدين رحمه الله بأسلوب علمي محقق لا مجال للشك فيه، وأذكر أنه قد أعارني يومئذ إحدى نسختيه الوحيدتين اللتين لم يكن في مصر غيرهما لأن الكتاب طبع خارج مصر. ولقد كنت شديد الإشفاق عليه رحمه الله من كيد الباطنية وأن تناله أيديهم بسوء وهي الأيدي المجرمة القذرة التي نالت شخص الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعرضه وأشخاص أصحابه الكرام وأعراضهم وعقيدة الإسلام وشريعته وتاريخه.

ص: 280

تحقيق حوادث التاريخ الإسلامي وتنقيته مما لحق به من الدس والافتراء:

لقد سألته مرة رحمه الله عن أفضل كتاب في التاريخ الإسلامي؟ فأجاب: بأن التاريخ الإسلامي لم يكتب بعد، وأفضل ما كتب فيه: تاريخ البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله، وكان يعتقد بأن تشويه تاريخ الإسلام والمسلمين كان مقصودا كتشويه عقائده وشرائعه، وكان يؤمن بأن إدراك الأمة لأمجاد ماضيها مفاخرة من أعوانها على تقويم حاضرها. ولنفي الدسائس والافتراءات اللصيقة بتاريخ المسلمين، وللإجلاء عن عظمة ذلك التاريخ وصانعيه كان يدعو إلى دراسة التاريخ على طريقة المحدثين بالتثبت من الروايات التاريخية وأسانيدها الصحيحة، على ضوء ما هو مشهور ومعروف من سلوك صانعي التاريخ من الصحابة والتابعين، ولابد من تجريد التاريخ من الخبث الذي لحقه على أيدي أعداء الإسلام وعلى رأس هؤلاء: الرافضة، وفي هذا المجال يقول رحمه الله: "والإسلام الذي لم تفتح الإنسانية عينيها على أعلى منه رتبة وأعظم منه محامد يجتهد مؤرخوه في تشويه صفحاته والحط من قدر رجاله لأن الذين دونوا تاريخ الإسلام كانوا أحد رجلين: رجل جاء بعد سقوط دولة فتقرب إلى رجال الدولة الجديدة بتسويء محاسن الدولة القديمة، ورحل اتخذ من الشموس الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، مثلا أعلى، فكل قمر من أقمار العرب مذموم عنده موصوفا بالضآلة والنقص؛ لأنه لا يراه إلا على نور تلك الشموس التي لا تقاس مواهب غيرهم بهم، بل إن عثمان وتضحياته الملائكية محيت فضائلها من أدمغة المسلمين لسوء بيان المؤرخين، ومعاوية الذي تتمنى أية أمة من عظام الأمم أن يكون لها رجل يتصف بعشر مواهبه وفضائله، صرنا نسمع ذمه من أقذر الناس وأحط السوقة، والأمين الذي كان كبار الصحابة يجاهدون تحت قيادته طائعين مختارين لصقت به أكاذيب تقرب الكثيرون بها إلى الله جهلا وتعصبا، أقول هذا وأنا علوي، ولكنى أخاف أن يقوض المسلمون صروح فضائلهم وأن

ص: 281

يهدموا قلاعا هي من دواعي الفخر، بينما أبناؤنا يتعلمون من الأوربيين وصنائعهم تمجيد رجال لو كشف الغطاء عن تاريخهم الحقيقي لشممنا نتنه" (مقدمة ديوان مجد الإسلام) .

ويبين أهمية تصحيح التاريخ فيقول: "أنا مؤمن من صميم قلبي أن رسالة الإسلام جديرة بأن تستقبل من مظاهر العظمة في تهذيب الإنسانية أبهر وأزهر مما كان لها في الماضي ولن تستوفى هذه الرسالة مهمتها إلا بإرجاع الإنسانية كلها إلى نظام الفطرة الطاهرة وذلك متقف على شيء واحد هو أن يعرف العرب والسلمون من هم وممن هم وما هي رسالتهم في الحياة. ولن يكون ذلك إلا إذا بنوا مناهج تعليمهم وأسس ثقافتهم ومعالم أدبهم على هذه المعرفة والإيمان بلوازمها وتعميم طريقهم نحو أهدافها. ورأس ذلك وعموده تصحيح تاريخ العروبة والإسلام وتجريد مما دس فيه. لقد كان محب الدين رحمه الله فخورا جدا بأمجاد الإسلام ومفاخر المسلمين وكان يحزن كثيرا لبقاء بلك الأمجاد والمفاخر بعيدة عن أذهان الشباب المسلم خاصة والمسلمين عامة، وله في مجال تخليد الأمجاد الإسلامية وإظهارها بثوبها القشيب اللائق عمل عظيم لا يجوز أن يذكر محب الدين إلا ويذكر معه، هذا العمل العظيم هو ديوان مجد الإسلام للشاعر الكبير أحمد محرم، وقصة هذا الديوان يلخصها محب الدين رحمه الله في مقدمة الديوان بما مضمونه باختصار: لقد كان يقرأ في المدارس العثمانية شيئا من اللغة الفارسية وآدابها من جملة مقرراتها، وكان أستاذ تلك اللغة يبالغ أمامهم في وصف (الشاهنامة) للفردوسي، وبيانها المنظوم المعجز، ويحدثهم عن صاحبها وكيف أنه أحاط بتاريخ الفرس القديم ثم اتصل بأحد ملوكهم فأعطاه جناحا في قصره وكلفه بأن ينظم أمجاد الفرس فأقام في ذلك القصر ثلاثين عاما وهو ينظم الشعر الرائع في أمجاد فارس حتى بلغت الشاهنامة وهي الديوان الذي وضعه لذلك (ستين ألف بيت) . كان يسمع محب الدين ذلك ويقول: "أليس في دنيا العروبة والإسلام من يقوم

ص: 282

للعروبة والإسلام بمثل هذا العمل الأدبي الكبير ليتعرف شبابنا إلى أكمل قومية برأها الله في الدهر الأول وأعدها للقيام بأكمل رسالات الله، أيكون للمجوسية وظلمات الظلم كتاب يخلدها ولا يكون للفطرة السليمة الكاملة ورسالة الله العظمى من يدل عليها ويدفع الناس في طريقها (أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع ديوان مفاخر يغطي فيه البيان على العيوب ويلون ذا الوجهة منها بألوان زاهية ويسلط على ضئيل الخير منها شعاعا قويا مكبرا بأعظم المكبرات فتكون من ذلك (شاهنامة الفردوس) وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم لصبيانية ديوان مفاخر كالإلياذة تتغنى بها الانسانية إلى يوم الناس هذا والإسلام الذي لم تفتح الدنيا عينيها على أعلى منه رتبة، وأعظم منه محامد يجتهد مؤرخوه في تشويه صفحاته والحط من قدر رجاله". لقد بقيت هذه الفكرة تعمل عملها في نفس محب الدين رحمه الله حتى التقى بالشاعر أحمد شوقي رحمه الله وتحدث معه عن الشاهنامة والإلياذة واقترح على أمير الشعراء أن يكون اعظم أحداث امارته في الشعر إهداء مثل هذه الهدية إلى العروبة والإسلام وأدبهما وعظمتهما من ماضيهما وحاضرهما ومستقبلهما (وهذا كلامه) ، واستمع شوقي إلى هذا الحديث ولم يعد ولم يرفض ثم زار شوقي وفد في منزله لتجديد الحديث معه فبقي عند موقفه من الصمت والابتسام ثم ظهر بعد ذلك كتيبه عن دول الإسلام وعظماء التاريخ، ولعله كان من أثر ذلك الاقتراح.. ولكن المطلوب (كما يقول رحمه الله كان أعظم من ذلك وقديما قيل: (اذا عظم المطلوب قلّ المساعد) ، ثم اتصل الأستاذ المرحوم بالشاعر الكبير أحمد محرم وقويت بينهما الصلة والمحبة فاقترح عليه ما اقترح على شوقي من تسجيل أمجاد الإسلام في ديوان من الشعر الرائع وقال له: "لعل الله قد ادّخر لك هذه المهمة واختارك لها لأنك أقرب شعرائنا إلى إخلاص القول والعمل وأكثرهم توخيا لمرضاته"، فاستجاب أحمد محرم

ص: 283

رحمه الله لهذه الدعوة، وكان من ذلك ديوان مجد الإسلام أو الإلياذة الإسلامية التي نظمها أحمد محرم رحمه الله وهو ديوان كبير يقع في 450 صفحة نظم فيه الشاعر أهم أحداث السيرة النبوية والغزوات والوفود، ويقول محب الدين رحمه الله في وصف هذا الديوان في مقدمتة:"إن أمجاد العروبة والإسلام أعظم من أن يحيط بها شاعر ولاسيما وأكثرنا لايزالون متأثرين بما شوهت الشعوبية من تاريخنا ومع ذلك كان ديون مجد الإسلام أعظم ما ظهر للناس حتى الآن مجموعا في كتاب واحد من ومضات هذه الأمجاد وستتمتع به نفوس محبي الأدب الرفيع والنظم البليغ أزمانا".

وأقول إن مما يؤسف له أن ديوان مجد الإسلام بقي طوال ثلاثين عاما مخطوطا ومحبوسا في الأدراج، والشاعر الكبير لا يجد من ينشره بتمامه رغم المحاولات الكثيرة مع المسؤولين الا ما كان من نشر محب الدين نفسه لفقرات منه في صحيفته الفتح وفي مجلة الأزهر، إلى أن مات أحمد محرم رحمه الله قبل نشره وكادت تضيع أجزاء منه إلى أن قامت مكتبة دار العروبة بنشره قبل حوالي ثمان سنوات تقريبا. إن ديوان مجد الإسلام من أعظم الأعمال الأدبية والشعرية في تاريخنا وهو عمل أدبي رفيع وشعر رائع بليغ، ومع ذلك فإني أكاد أجزم بأن ثلاثة أرباع المثقفين في البلاد العربية لا يعرفون شيئا عن ديوان مجد الإسلام ولا عن الشاعر الكبير أحمد محرم الذي نظمه وكذلك لا يعرفون شيئاً عن الديوان المستقل الذي نظمه أحمد محرم لسائر شعره. لقد حرصت الجهات المعادية للإسلام في الأوساط الأدبية والثقافية على إهمال الشعراء والأدباء الإسلاميين وحارب الأقلام المؤمنة وأعطت مكان الصدارة فيها للأدعياء من المارقين والملاحدة وذلك حرصا منها على تضليل الأجيال المسلمة وتسميم أفكار النشء وتشويهها.

إيمانه بامتزاج العروبة والإسلام:

ص: 284

يقول الأستاذ أنور الحندي في كتابه (أدباء ومفكرون) : "ولست أعرف كاتبا كان أوضح رأيا في ربط الإسلام بالعروبة على النحو الذي يحقق فلسفة اليقظة وبناء النهضة كما يفعل السيد محب الدين الخطيب منذ سنوات طويلة فهو مؤمن بامتزاجهما واستحالة انفصامهما وهذه عبارته: "إن العروبة ظئر الإسلام وإن العروبة والإسلام كلاهما من كنوز الإنسانية وينابيع سعادتها، إذا عرف أهلها قيمتها وإذا أتيحت لهما أسباب الظهور للناس على حقيقتهما. وإذا ذلت العرب ذل الإسلام". ويقول:"إننا عرب قبل أن نكون مسلمين، وهذا حق، ولكن لم نكن شيئا قبل الإسلام".

ص: 285

كان المرحوم قوي الإيمان بخصائص الأمة العربية وأصالتها واستعدادها للخير وجدارتها بحمل رسالة الله وبطيب عنصرها ونقاء جوهرها، وصفاء فطرتها. ولقد أدرك محب الدين رحمه الله انهيار الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية، وعاش في مرحلة من أحرج مراحل التاريخ الإسلامي الحديث وهي مرحلة خضوع العالم الإسلامي الضعيف للغزو الصليبي القوي وحضر احتضار (الرجل المريض) كما كان يسمي الأعداء الدولة العثمانية في أخريات أيامها وشهد النقلة الخطيرة في حياة المسلمين في تاريخهم الحديث من معالم الحياة الإسلامية وتقاليدها الأصيلة إلى الطراز الجديد من الحياة القائمة على أساس الحضارة الغربية الغازية والقائمة على الإلحاد والإباحية مع الانسلاخ التام من كل القيم والمثل والأخلاق وشهد إفلاس العنصر التركي وعجزه عن المضي في تحمل أعباء الرسالة الإسلامية، وشهد دعاة القومية الطورانية من ملاحدة الترك يتسلقون إلى مراكز السلطة في الدولة العثمانية وينهون الخلافة ويحاولون فرض القومية التركية على الشعوب الأخرى الخاضعة للدولة العثمانية في حركة عنصرية تحاول إذابة تلك الشعوب في العنصر الحاكم دون أية مميزات أو مؤهلات للقومية المتحكمة سوى القهر والغلبة وخاصة بعد تنكرها للإسلام. في هذا الجو افتقد محب الدين رحمه الله الأمة العربية والدور الذي يمكن أن تلعبه وقدراتها وخصائصها التي ترشحها للقيام بذلك الدور. لذلك تغنى بالأمة العربية وباستعداداتها ولكنه لم يفهم من العربية يوماً ما شيئا غير الإسلام، وكان ينال من الكتاب المسلمين الذين يفرقون بين العروبة والإسلام ويعتبرهم من جملة من ساهم في نجاح الحركة القومية البعيدة عن الدين. ولم يكن يوما ما قوميا عربيا، وكان يغضب إذا وضع في صف القوميين العرب الذين ساهموا في القضاء على الخلافة الإسلامية، وإنما كان يدعوا كما قال: "إلى الحكم الذاتي الذي يبرز خصائص الأمة العربية في ظل الإسلام

ص: 286

والخلافة".

لقد كان رحمه الله يؤمن بالسر العظيم الكامن وراء اختيار الله تعالى للعربية لغة لكتابه وللأمة العربية حاملة لأكمل رسالاته، يقول رحمه الله:"وأمجاد العروبة لا ينفك تاريخها من تاريخ الإسلام بحال فإذا حيل بين الإسلام والعروبة كانت العروبة جسما بلا روح، وكان الإسلام روحا بلا جسد، وهذا تاريخنا العربي من بدايته إلى اليوم لا نراه ازدهر وانتعش، وكان مظهر العز والقوة إلا في الأدوار التي كان الإسلام يزدهر فيها وينتعش ويأخذ نصيبه من العز والقوة ويكذب من يظن أن العرب تنمو عزتهم بروح أجنبية غير روح الإسلام". (مقدمة مجد الإسلام) .

ويقول رحمه الله في تعليقه على ديوان مجد الإسلام: "وستتمتع به نفوس محبي الأدب الرفيع والنظم البليغ أزماناً وأزماناً إلى أن يوجد الشاعر الذي يكتشف سر الله في اختياره العربية لغة لتنزيله، والعروبة بيئة لأكمل رسله، وأهلها أصحابا وأعوانا على حمل رسالته إلى آفاق آسيا وأفريقية ثم إلى أوروبا".

وفي حديثه عن شيخه طاهر الجزائري رحمه الله يقول: "من هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي، منه عرفت أن المعدن الصدئ الآن الذي برأ الله منه في الدهر الأول أصول العروبة ثم تخيرها ظئراً للإسلام إنما هو معدن كريم لم يبرأ الله أمة في الأرض تدانيه في أصالته وسلامته وصلابته وعظيم استعداده للحق.

وإلى هذا كان يدعو رحمه الله إلى الأخذ بأسباب القوة وبكل نافع من نتاج الحضارة الحديثة مع المحافظة على المثل والقيم والأخلاق القديمة لأن الخير كله قديم، وكان يركز على إصلاح المدارس ومناهج التعليم ووسائل الإعلام.

ص: 287

هذه قبسات من أفكار محب الدين رحمه الله ولمحات من حياته حاولت فيها قدر الإمكان أن أقدم خلاصة عن الناحيتين اللتين قصدتهما. وقبل أن أختم كلمتي هذه أتوجه بهذا النداء الحار إلى كل من قصي بن محب الدين الخطيب نجل المرحوم، وفضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز، والوجيه الفاضل السيد محمد نصيف صديقي المرحوم الكريمين أن يبذلوا كل ما في وسعهم لجمع المقالات المشتتة التي كتبها المرحوم في مختلف الصحف وخاصة في الزهراء والفتح والأزهر ونشرها للعالم الإسلامي حصيلة فكرية رائعة وثروة ثقافية كبرى تعتبر من عيون ما أنتجه الفكر الإسلامي الحديث، وكذلك طبع مذكراته إن وجدت.

ونصيحتي للشباب المسلم أن يقرأ كل كتاب أو رسالة أو تعليق كتبه محب الدين رحمه الله.

وأخيرا وبعد جهاد مضن كريم استمر قرابة قرن كامل أعطى خلاله محب الدين رحمه الله للإسلام نور عينيه وحياة قلبه وثمرة قلمه وفكره وأسهر ليله وأعمل نهاره، بعد كل هذا فقد سكن ذلك القلب الكبير الذي كان يخفق بحب الإسلام وخبا نور تينك العينين، وهدأت تلك اليد المرتعشة التي حملت القلم للدفاع عن الإسلام والمسلمين دهرا طويلا وسقط ذلك اليراع وتحطم، لقد مات محب الدين.

ص: 288

من طلائع الشيب

بقلم الطالب: عبد القادر محمد النيجري

في شبابي كرعت كاس التهاني

وتعاطيت كل ما قد عناني

راح عني الشباب والتفت الشـ

ـيب سريعا وحل في أذقاني

إنه منذر يقول وضيف

لا يساويه سائر الضفيان

مستحق التكريم فوق احترام

لضيوف الورى عظيم الشان

قلت ما الشأن قال شأني اتعاظ

ثم وعظ لسائر الشبان

لا يغرنكم الشباب فكم من

قارع سنه بفوت الأوان

جاهدوا أنفساً تميل إلى ما

هو شر لها بغض العيان

واغنموا من أوقاتكم كل غال

إنما الوقت صارم هندوان

وإذا الشيب لا ح في فود مرء

أنذرته الحياة بالهجران

وإذا حل في السواد مشيب

صبغته أصابع السلوان

وأطل المنون من كوة السطح

وأرخى الإياس سبط البنان

وتقوت مطامع اللحد فيه

واستكانت مطامع الشيطان

كل من ينثر الغبار عليه

دهره فلينفضه بالإذعان

من أتاه الوقار فليشكرنه

وشكور الوقار كف اللسان

وإذا النور لاح فيك قشيباً

إنه من كرامة المنان

من ينل رغوة الشباب فسعيا

مدّ من عيشه لقسمٍ ثان

قيل في الشيب إنه ليس نورا

مستضاء به مقالا شجاني

كم بكى من طلوعه وتباكى

جامد العين فلقد الاتزان

لا أرى منهج القويم اتعاظ

واتباع الرسول والقرءان

فكرة الشائب السليم لقاح

سبقتها تجارب الأزمان

والذي شب عاقلا في أناس

من ذوي العلم والتقى والبيان

وأتاه المشيب بعد اغتنام الوقت والنيل من جميع الأماني

فهنيئاً له بما ناله من

كرم العيش وارتفاع المكان

والذي ينفع البرية في مجتمع القوم سالم البنيان

لم يكن ينفع البرية عضو

فاسد شؤمه على الأركان

أيها الشبل كن فتياً نزيهاً

يتولى العمران بالعمران

لا تكن هادما لما شيدته

من بناياتها يد الإخوان

ص: 289

والذي تبغيه أحببه للنا

س ولا تنحرف عن الميزان

والذي تبتغيه إن كنت شيخاً

فأته اليوم مع ذوي الأسنان

ما تدنهم به يدينك به النا

س كذا حكم سائر الأديان

والقضايا مسلمات لمن شا

ء ومن شاء خاض في النكران

وختام المقال مسك وما نر

جوه حسن الختام بالإيمان

ص: 290

يستفتونك

يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز

نائب رئيس الجامعة الإسلامية

هل يوجد الرسول عليه الصلاة والسلام في كل مكان، وهل كان يعلم الغيب؟

الجواب: قد عُلم من الدين بالضرورة وبالأدلة الشرعية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوجد في كل مكان وإنما يوجد جسمه في قبره فقط في المدينة المنور، أما روحه ففي الرفيق الأعلى في الجنة، وقد دل على ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عند الموت:"اللهم في الرفيق الأعلى"ثلاثاً ثم توفي، وقد أجمع العلماء الإسلام من الصحابة ومن بعدهم أنه عليه الصلاة والسلام دفن في بيت عائشة رضي الله عنها المجاور لمسجده الشريف ولم يزل جسمه فيه إلى حين التاريخ، أما روحه وأرواح بقية الأنبياء والمرسلين وأرواح المؤمنين فكلها في الجنة لكنها على منازل في نعيمها ودرجاتها حسب ما خص الله به الجميع من العلم والإيمان، والصبر على حمل المشاق في سبيل الدعوة إلى الحق، أما الغيب فلا يعلمه إلا الله وحده، وإنما يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الخلف من الغيب ما أطلعهم الله عليه مما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة بيانه من أمور الجنة والنار وأحوال القيامة وغير ذلك مما دل عليه القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة كأخبار الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونزول المسيح عيسى بن مريم في آخر الزمان وإثبات ذلك لقول الله عز وجل في سورة النمل:{قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون} وقوله سبحانه: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} الآية من سورة الأنعام، وقولة سبحانه في سورة الأعراف:{قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسي السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد

ص: 291

صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ما يدل على أنه لا يعلم الغيب منها ما ثبت في جوابه لجبريل لما سأله عن الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل". ثم قال: "في خمس لا يعلمهن إلا الله"وتلا قوله سبحانه: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث} الآية من سورة لقمان، ومنها أنه عليه الصلاة والسلام لما رمى أهل الإفك عائشة رضي الله عنها بالفاحشة لم يعلم براءتها إلا بنزول الوحي كما في سورة النور، ومنها أنه لما ضاع عقد عائشة في بعض الغزوات لم يعلم صلى الله عليه وسلم مكانه وبعث جماعة في طلبه فلم يجدوه فلما قام بعيرها وجدوه تحته، وهذا قليل من كثير من الأحاديث الواردة في هذا المعنى.

أما ما يظنه بعض الصوفية من علمه بالغيب وحضوره صلى الله عليه وسلم لديهم في أوقات احتفالهم بالمولد وغيره فهو شيء باطل لا أساس له وإنما قادهم إليه جهلهم بالقرآن والسنة وما كان عليه السلف الصالح فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية مما ابتلاهم به، كما نسأله سبحانه أن يهدينا وإياهم جميعاً صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.

ما حكم ما يتعاطاه بعض الناس من الاجتماع على آلات الملاهي كالعود والكمان والطبل وأشباه ذلك وما يضاف إلى ذلك من الأغاني ويزعم أن ذلك مباح؟

قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ذم الأغاني وآلات الملاهي والتحذير منها وأرشد القرآن الكريم إن استعمالها من أسباب الضلال واتخاذ آيات الله هزوا كما قال تعالى: {ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} .

ص: 292

وقد فسر أكثر العلماء لهو الحديث بالأغاني وآلات الطرب وكل صوت يصد عن الحق وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف". والمعازف هي الأغاني وآلات الملاهي. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي آخر الزمان قوم يستحلونها كما يستحلون الخمر والزنا والحرير وهذا من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم فإن ذلك وقع كله والحديث يدل على تحريمها وذم من استحلها كما يذم من استحل الخمر والزنا والآيات والأحاديث في التحذير من الأغاني وآلات اللهو كثيرة جداً. ومن زعم أن الله أباح الأغاني وآلات الملاهي فقد كذب وأتى منكراً عظيماً نسأل الله العافية من طاعة الهوى والشيطان وأعظم من ذلك وأقبح وأشد جريمة من قال إنها مستحبة ولا شك أن هذا من الجهل بالله والجهل بدينه بل من الجرأة على الله والكذب على شريعته وإنما يستحب ضرب الدف في النكاح للنساء خاصة لإعلانه والتمييز بينه وبين السفاح ولا بأس بأغاني النساء فيما بينهن مع الدف إذا كانت تلك الأغاني ليس فيها تشجيع على منكر ولا تثبيط عن واجب ويشترط أن يكون ذلك فيما بينهن من غير مخالطة للرجال ولا إعلان يؤذي الجيران ويشق عليهم وما يفعله بعض الناس من إعلان ذلك بواسطة المكبر فهو منكر لما في ذلك من إيذاء المسلمين من الجيران وغيرهم ولا يجوز للنساء في الأعراس ولا غيرها أن يستعملن غير الدف من آلات الطرب كالعود والكمان والرباب وشبه ذلك بل ذلك منكر وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك لا في الأعراس ولا في غيرها وإنما شرع الله للرجال التدرب على آلات الحرب كالرمي وركوب الخيل والمسابقة بها وغير ذلك من أدوات الحرب. كالتدرب على استعمال الرماح والدرق والدبابات والطائرات وغير ذلك كالرمي بالمدافع والرشاش والقنابل وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين

ص: 293

وأن يوفقهم للفقه في دينه وتعلم ما ينفعهم في جهاد عدوهم والدفاع عن دينهم وأوطانهم إنه سميع مجيب.

ص: 294

أخبار الجامعة

· بدأت الجامعة موسمها الثقافي لعام 89/90هـ وذلك مساء الاثنين الموافق 20/10/

89 بمحاضرة عنوانها (من أسرار الحج) ألقاها فضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز وذلك في مقر دار الحديث بالمدينة وقد استمع إلى المحاضرة جمع غفير من أهل العلم ورجال التربية والمدرسين وطلاب العلم.

وفي الأسبوع التالي وفي 27/10/89هـ ألقى فضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري المدرس بكلية الشريعة بالجامعة.. المحاضرة الثانية وكانت بعنوان (الجهاد في الإسلام) .

· صدر العدد الأول من السنة الثانية من (مجلة الجامعة) وهو حافل بالبحوث والمقالات

بأقلام نخبة من علماء الجامعة والمفكرين من سائر البلاد. والجدير بالذكر أن الدار السعودية للنشر والتوزيع بجدة استلمت كمية كبيرة منها، لتوزيعها على المكتبات في سائر أنحاء البلاد. بصفتها المتعهد بتوزيع المجلة. هذا بالإضافة إلى كميات كبيرة أخرى ترسلها إدارة الجامعة إلى المؤسسات والجمعيات الإسلامية في سائر أنحاء العالم الإسلامي.

· من زوار الجامعة في الأسابيع الأخيرة الماضية:

زار الجامعة: السيد سي.إيم. محمد السكرتير بوزارة الخارجية الهندية وقد اجتمع بالمسئولين ولقي منهم كل ترحيب.. ثم قدمت له الجامعة هدية لسيادته مجموعة من الكتب والمطبوعات باللغة الإنجليزية والعربية.

كما قام بزيارة الجامعة سعادة السفير الفلبيني حيث استقبله أعضاء البعثة الفلبينية بالجامعة في المطار.. وقد اجتمع سعادته بفضيلة نائب رئيس الجامعة والمسئولين..

وزار الجامعة أيضاً الأستاذ حسن إدريس رئيس قسم التربية والتعليم بالمجلس الإسلامي في كلنتان..

· وفي 28/10/89هـ قام بزيارة الجامعة وفد رسمي من الاتحاد العام لكليات المغرب

ص: 295

يرافقهم سعادة مدير التعليم بالمدينة الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير ومدير التربية الفنية بوزارة المعارف الأستاذ محمد الحجار والأستاذ أحمد غلام.

هذا وقد اجتمع أعضاء الوفد بفضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز وفضيلة الدكتور تقي الدين الهلالي المدرس بكليات الجامعة ودام الاجتماع حوالي نصف ساعة قام بعدها أعضاء الوفد بالتجول في أقسام الجامعة وشاهدوا منشئاتها الحديثة وزاروا الطلاب في فصولهم الدراسية في كليتي الشريعة وأصول الدين..

وبعدها تلقوا كميات من الكتب والمطبوعات وأعداداً من مجلة الجامعة وذلك هدية من إدارة الجامعة الإسلامية.

· أرسلت الجامعة كميات من الكتب باللغة الإنجليزية والعربية إلى جمعية التبليغ بزامبيا..

وذلك بعد أن رفع الحاج إبراهيم منش من زامبيا إلى إدارة الجامعة طلباً بذلك.

· في 1/11/89 هـ زار الجامعة أعضاء البعثة الطبية وبعثة الحج الإندونيسية برئاسة الأستاذ

سمعون.. يرافقهم الأستاذ محمد عمر مراد المشرف على شؤون الحج بالسفارة الإندونيسية بجده.

وكان من زوار الجامعة أيضاً:

· السيد مختار شور السكرتير العام بوزارة التجارة في الجمهورية الموريتانية السيد مكه حبيب

تال زعيم الشباب المسلمين في السنغال.

· السيد محمود دي سل ضابط متقاعد من الجمهورية الموريتانية.

· السيد تجان نذير سل. من دكار.

· وفد جمعية رابطة العلماء بالعراق محافظة الرمادي.

· محمد البغى جه الأمين العام لنقابة مدرسي اللغة العربية في السنغال.

· محمد منير الزبير من باكستان الغربية محرر جريدة الاعتصام وسكرتير مدرسة أهل

الحديث.

· الوفد الموريتاني:

رئيس الوفد: معالي وزير التربية أحمد بن عمر.

ص: 296

وعضوية كل من: محمد بن غالي حاكم منطقة بو تيلميت. الحاج الحسن بن ملاوي من كبار التجار في نواكشوط. عبد بن محمد فال من كبار التجار في نواكشوط. بيكر باه من رؤساء القبائل.

· محمد شاكر الناق- عبد الغني أبو بكر مدرسان للغة العربية في بورتو نوفو بداهمي.

· السيد الأستاذ محمد بن أسلم سكرتير جمعية دعوة تبليغ الإسلام (تييم خانه بمليبار) .

· الدكتور لطفي روغان من أنقرة من تركيا عضو المجلس الديني والأستاذ بكلية الإلهيات.

صدر حديثا كتاب (منهاج المسلم) الطبعة الثانية للشيخ أبي بكر جابر الجزائري المدرس بكلية الشريعة بالجامعه. وتمتاز هذه الطبعة بزيادات وتنقيحات من المؤلف كما أنها بدت فاخرة جيدة فيما يقارب الستمائة صفحة..

كما صدر أيضاً كتاب (دخول الإسلام إلى حضرموت) . لمؤلفه الأستاذ صالح بن هلابي وهو يطبع لأول مرة. ويعتبر دراسة فريدة من نوعها لهذا الحدث العظيم في تاريخ هذا الجزء الهام من الجزيرة العربية.. والجدير بالذكر أن المؤلف لا يزال طالباً في السنة الثالثة من كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة.

نشاطات الندوات

قرر مجلس الجامعة تعليمات للإشراف الاجتماعي وفيها القيام بندوات تربوية تحت إشراف المشرف الاجتماعي يدعى لكل اجتماع مدرسان أو أكثر لإلقاء كلمات توجيهية والإجابات على أسئلة الطلاب التي تعد لهم في شتى المواضيع والمناسبات.

وقد قام المشرف الاجتماعي بمباشرة هذه الندوات في آخر السنة الدراسية 88 الماضية حيث حصلت خمسة ندوات وفي مطلع السنة الدراسية الحالية 89 بدأت الندوات كالتالي:

1-

الندوة الأولى في البناء الأول من المباني السكنية لطلاب الجامعة في 4/8/1389هـ وحضر هذا الاجتماع من المشايخ:

- الدكتور تقي الدين الهلالي وألقى كلمة بعنوان (هدف طالب العلم الناجح) .

ص: 297

- الشيخ عبد المحسن العباد وألقى كلمته بعنوان (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .

- الشيخ محمود الطحان وألقى كلمة بعنوان (الأخوة) .

- كما ألقى أحد طلاب المبنى كلمة بعنوان (أحوال الصحابة) .

2-

الندوة الثانية في المبنى الثاني في 10/8/1389هـ وحضر هذا الاجتماع من المشايخ:

- الشيخ إبراهيم السلقيني وألقى كلمة بعنوان (واجب طالب العلم) .

- الشيخ ممدوح فخري وألقى كلمة بعنوان (الجانب الروحي في حياة الطالب) .

3-

الندوة الثالثة في البناء الثالث في 18/8/1389هـ وحضرها من المشاي:

- الشيخ ربيع هادي المدخلي وطلب منه الحاضرون أن يتكلم عن حالة المسلمين في الهند فألقى كلمة في ذلك، والجدير بالذكر أنه كان عضواً في بعثة الجامعة العلمية إلى مدارس الهند.

- الشيخ سعيد المولوي وألقى كلمة بعنوان (صلة الأدب بالدعوة)

- كما ألقى الطالب الموريتاني خليل جاكيتي كلمة بعنوان (رمضان شهر الصيام ومدرسة النفوس)

- وألقى الطالب سالم باكوين من حضرموت قصيدة (القدس) .

4-

الندوة الرابعة في المبنى التاسع في 25/8/1389هـ وحضر من المشايخ:

- الشيخ علي مشرف العمري وألقى كلمة بعنوان (حكم العمل بالحديث الضعيف) .

- والشيخ رامز عبد الفتاح وأجاب على أسئلة عامة مختلفة.

- كما ألقى الطالب محمود صالح عبد الرحمن من كينيا كلمة بعنوان فوائد الاجتماعات.

- وألقى الطالب جمعة باشا من السنغال كلمة بعنوان العلم وفوائده.

5-

الندوة الخامسة وحضرها من المشايخ محي الدين القضماني وألقى كلمة بعنوان (التاريخ الإسلامي وأثره في حياة المسلمين) .

- كما ألقى الطالب محمد خير من الصومال كلمة بعنوان الأخوة في الإسلام.

ص: 298

- وألقى الطالب أحمد الحصين كلمة بعنوان الماركسية والغزو الفكري. ومن الجدير بالذكر أن أسئلة كثيرة منها المشايخ الذين يحضرون الندوة في جو رائع مفعم بالأخوة والمحبة.

في تاريخ 10/11/89 عقدت الندوة الأولى في الموسم الثاني في قاعة مبنى الإدارة القديمة وكان البرنامج كما يلي:

1-

قراءة ما تيسر من القرآن.

2-

كلمة فيها بيان أهداف الندوات وفوائدها للطالب عبد الحميد أبو زنيد الذي يعتبر رئيس اللجنة المباشرة لإدارة الندوات.

3-

كلمة بعنوان: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) للطالب: الصديق الأمير من السودان.

4-

التعريف ببلد إسلامي وكان البلد المعرف في هذا الاجتماع: (إندونيسيا) للطالب: الإندونيسي مغفور عثمان.

5-

كلمة فضيلة الشيخ محمد الشريف الزبيق بعنوان (نحن والحضارة الغربية) تناول فيها واجب المسلمين نحو هذه الحضارة بأن يأخذوا النافع منها ويتركوا الضار.

ويلاحظ أن كلمات أصحاب الفضيلة تؤخر إلى نهاية البرنامج حتى تتسنى لهم الفرصة لملاحظة أبنائهم الطلبة وإعطاء الإرشادات اللازمة.

6-

ثم الإجابة على الأسئلة وتولاها الشيخ الزيبق أيضاً.

7-

ثم شكر وتعليق للمشرف الاجتماعي. وانفضت الجلسة.

في 11/1189 عقدت الندوة في قاعة المبنى الثاني، وكان برنامجها كما يلي:

1-

قراءة ما تيسر من القرآن.

2-

كلمة بعنوان: (الدعوة في أرض الوطن) للطالب أبي هريرة عبد الرحمن من الفلبين.

3-

كلمة بعنوان: (التقوى) لأحمد القبيسي من العراق.

4-

التعريف ببلد إسلامي (نيجيريا) للطالب النيجيري: يوشع صادق.

5-

الخطر الصهيوني والصليبي لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد.

6-

الإجابة على الأسئلة تولاها فضيلة الشيخ المذكور.

8-

تعليق المشرف وكان حضا للطلاب على اغتنام فرصة هذه اللقاءات وما فيها من فوائد.

ص: 299

في 25/11/89 عقدت الندوة الثالثة في المبنى الثاني وكانت كما يلي:

1-

قراءة ما تيسر من القرآن.

2-

واجب الشاب المسلم للطالب عبد الرحمن عثمان من الصومال.

3-

قصيدة للطالب أحمد صياصنه من سوريا بعنوان: هذا هو الطريق.

4-

كلمة قيمة جداً بعنوان: صياغة المسلم وبناء المجتمع لفضيلة الشيخ أحمد حسن فرحات.

5-

التعريف ببلاد تايلاند لأحد طلابها.

6-

الإجابة عن الأسئلة تولاها فضيلة الشيخ أحمد حسن.

7-

شكر من المشرف وإجابة عن بعض الأسئلة التي وجهت إليه.

نشاطات الرحلات

من النشاطات التربوية التي يقوم بها الإشراف الاجتماعي نشاط الرحلات والهدف منها هو:

1-

التعريف على الأماكن التاريخية لتطبيق المعلومات التي تدرس عنها.

2-

زيادة المعلومات التي لم تتح الفرص لاستيعابها في فصول الدراسة.

3-

حل بعض المشاكل العلمية حين التقاء المشايخ بأبنائهم الطلبة.

4-

تحقيق التعارف بين الطلاب.

5-

الاستجمام والراحة العقلية والتمتع بالسياحة في الفضاء والقيام ببعض الألعاب الرياضية.

6-

القيام بالدعوة والإرشاد في المساجد التي تتوجه الرحلة إلى منطقتها.

وفي خلال السنة الدراسية 88/1389هـ قام الطلاب بالتعاون مع الإشراف الاجتماعي بعدد من الرحلات. وآخرها رحلة قاموا بها إلى منطقة (أحد) .. اشترك فيها فضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز ابن باز ومن المدرسين الشيخ عبد القادر شيبة الحمد والشيخ حماد الأنصاري.

وكان من أهم فقرات برنامج هذه الرحلة:

1-

تلاوة القرآن الكريم.

2-

كلمة توجيهية لفضيلة نائب رئيس الجامعة.

3-

كلمة للشيخ عبد القادر شيبة الحمد عن الجهاد في سبيل الله.

4-

قام الشيخ حماد الأنصاري على رأس فريق من الطلاب بتمثيل صلاة الخوف عملياً.

ص: 300

5-

كلمة ألقاها الطالب صالح ابن سعيد بن هلابي بعنوان محنة الإسلام في القرن الرابع عشر.

6-

قصيدة عن غزوة أحد ألقاها الطالب سليمان العمري.

هذا بالإضافة إلى زيارة منطقة الغزوة والاستماع إلى شرح مفصل على أرض المعركة ثم زيارة قبور الشهداء الزيارة الشرعية.

وقد كانت رحلة ممتعة حافلة إلى جانب ما ذكر بألوان شتى من مظاهر البهجة تظللها الأخوة والمحبة بوارف الظلال.. وعندما عاد الجميع إلى المدينة كانت القلوب تحمل معها ذكريات جميلة جليلة عن هذه الرحلة.

ص: 301

مع الصحافة

يهودية وصهيونية

تنقلا عن مجلة الوعي الإسلامي

مقال للشيخ محمد الغزالي الكاتب المعروف نشرته مجلة الوعي الإسلامي في عددها الصادر بتاريخ ذي القعدة 1389هـ يناير 1970م ننشره بتصرف.

سمعته يقول: اليهودية شيء والصهيونية شيء آخر.. اليهودية دين سماوي كالنصرانية والإسلام أما الصهيونية فنزعة سياسية متطرفة استغلها الاستعمار الغربي لبلوغ مآربه اليهودية دين قديم له مصادره المقدسة أما الصهيونية فحركة حديثة ولدت في نهاية القرن التاسع عشر للميلاد وغذتها ونمتها ظروف عنصرية ودولية طارئة.

قلت له: تعني أن اليهودية لا أطماع لها في فلسطين وأنها لم تبيت عدوانا على العرب الآمنين، وأن التوراة والتلمود وسائر الأسفار المقدسة بريئة مما تفعله الآن دولة إسرائيل وأن الحرب المعلنة علينا من خمسين سنة ليست دينية؟!

قال: نعم هذا بدقة ما أريد أن أذكره.. قلت: أو لو قرأت عليك من نصوص الكتب المقدسة ما يدحض هذه الأوهام. قال: كيف؟ يستحيل أن تتضمن هذه الكتب استباحة أرضنا وجنسنا والاستهانة بحقوقنا المؤكدة.

قلت بل سأقرأ عليك من الكتب المقدسة المتداولة بين أيدي القوم ما يزيح هذه الغشاوة عن الأعين وما يشرح أن فلسطين كانت ملكاً لبني إسرائيل خاصا بهم وأنهم أجلوا منها عقاباً إلهياً للآثام التي ارتكبوها وأن الإله الذي عاقبهم تجاوز بعد عن سيئاتهم وقرر إعادتهم إلى أرضهم الأولى كي تفيض عليهم سمناً وعسلاً وخمراً. وإن هذا الإله ندم على ما فعل بشعبه المختار ورد إليه مجده ووطنه كي تتوطد سلطته وسيادته على أنقاض غيره من الأمم.

هكذا تقول صحائف التوراة والتلمود وإصحاحات العهد القديم التي يتعبد اليهود في المشرق والمغرب بتلاوتها والتي يستَوْحون منها سياستهم في القديم والحديث على السواء!!

ص: 302

وعلى ضوء هذه السطور المقدسة، بل على نارها المحرقة أكلت حقوق العرب وتواصى الأوربيون والأمريكيون باجتياحها.

ثم جاء اليهود في الوقت المناسب ليتسلموا أرض الميعاد التي حدثتهم كتبهم عنها، وباشروا حرب الإبادة التي لابد منها ليسود جنسهم وتقوم مملكتهم!!

وقد كانوا في إقبالهم من شتى القارات إلى فلسطين معبئين بشعور ديني عارم تعمل من ورائه هذه النصوص، كما أنهم في بنائهم دولة إسرائيل ومقاتلتهم العرب أصحاب الأرض كانوا مفعمين بهذه العاطفة الدينة المتركزة على كلمات التوراة والتلمود وإصحاحات العهد القديم.

إننا معشر المسلمين نؤمن بموسى وتوراته أما ما دونه جامعوا العهد القديم ونسبوه إلى الله فأمر آخر يتجاوز فيه الحق والباطل والجد والهزل!!

ونحن نجزم بأن الله لعن بني إسرائيل لعصيانهم وعدوانهم، ونستفيد هذه الحقيقة من كتابنا الوثيق قبل استفادتها من أي شيء آخر فهل تغير من خلائق اليهود ما استحقوا من أجله اللعن؟

لقد مرت آلاف السنين على هذا الشعب المطارد، قاتل الأنبياء المتمرد على وحي السماء!

وبعث الله عيسى إليهم فكذبوه وحاولوا قتله وبعث إليهم محمداً من بعده فكذبوه وحاولوا قتله.

وتتابعت الأعصار وهم حيث حلوا في أرض الله نماذج للأثرة والقسوة وأكل الربا وإشاعة الخنا بيد أن كاتب العد القديم وَعَد اليهود بأنهم سيعودون إلى فلسطين التي نفوا منها وتوارث القوم هذا الأمل، وأحسوا كأن هذا القطر إرث لابد أن يؤول إليهم، وأن غيرهم طارئ عليه يجب أن يزول، وعلى هذا الأساس عومل العرب وعولج وجودهم التاريخي والديني!

ص: 303

ولنقرأ هذه الكلمات من العهد القديم: "برائحة سروركم أرضي عنكم حين أخرجكم من بين الشعوب وأجمعكم من الأراضي التي تفرقتم فيها وأتقدس فيكم أمام عيون الأمم فتعلمون أني أنا الرب حيث آتي بكم إلى أرض إسرائيل إلى أرض التي رفعت يدي لأعطي آبائكم إياها". (41-42) من الإصحاح العشرين حزقيال أيُّ نشوة دينية تغمر اليهود وهم قادمون من كل فج صوب أرض فلسطين؟ وهذا النص الديني يسوقهم! وقبل أن أستطرد في إيراد النصوص الدينية التي تحدث اليهود عن أرض الميعاد وعن قيام دولة جديدة لهم لابد من أن أقف لأشرح وأشرح!

إن بني إسرائيل لم يحدثوا توبة يستحقون بها الرحمة العليا، فهم تائهون عن الحق في مجال الاعتقاد والعمل، وهم وراء أزمات الإيمان والأخلاق التي تزلزل الكيان البشري وتهدده بالدمار الفاشل.

وعودتهم الجزئية إلى فلسطين ترجع أولا وآخرا إلى طبيعة الجبهة المناوئة لهم أو إلى أحوال الأمة التي ورثت الدعوة من بعدهم. إن العرب تخلوا عن قيادة الدعوة العالمية للإسلام بل تجردوا من جملة فضائله وعزائمه بل تسلمت السلطة في بعض أقطارهم حكومات ترفض الإسلام دولة وتكرهه نظاماً (!) في هذا الليل المعتكر من الفتن المتلاحقة قد يأذن الله لليهود بعودة لا قرار لها لأن اليهود لا يحملون بذور رسالة إنسانية صالحة ولأن حملة الرسالة الإسلامية الباقية سوف يستفيقون من غفلتهم أو يتغلبون على هزائمهم ويستأنفون مقاتلة اليهود حتى يجهزوا عليهم.

أليس من تعاجيب الليالي أن تتخلى الأمة العربية عن الإسلام؟ عن الحق الذي رفع الله به قدرها؟ وتزعم وسائل الإعلام بها أن قضية فلسطين ليست إسلامية! وذلك في الوقت الذي يتشبث العبريون فيه بتوراتهم ويعدون فيه فلسطين قسمة إلهيه لهم؟

ص: 304

وهل يبحث عاقل عن سر هزائم العرب بعد هذا التفاوت الهائل في الروح المحرك لكلا الفريقين؟ فلنقرأ عن أرض الميعاد لا كما يتحدث كتاب الصهيونية، بل كما يتحدث العهد القديم نفسه لنقرأ هذا النص الطويل:

"لذلك فقل لبيت إسرائيل هكذا قال السيد الرب ليس لأجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل بل لأجل اسمي القدوس الذي بخستموه في الأمم حيث جئتم، فأقدس اسمي العظيم المبخس في الأمم، والذي بخستموه في وسطهم، فتعلم المم أني أنا الرب يقول السيد الرب: حين أتقدس فيكم قدام أعينهم وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم في جميع الأراضي وآتي بكم إلى أرضكم وأرش عليكم ماء طاهراً فتطهرون من كل نجاساتكم ومن كل أصنامكم أطهركم وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحا جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها وتسكنون الأرض التي أعطيت آباءكم إياها وتكونوا لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً.. وأخلصكم من كل نجاستكم.

وأدعو الحنطة وأكثرها ولا أضع عليكم جوعاً وأكثر ثمر الشجرة وغلة الحقل لكيلا تناولوا بعد عار الجوع بين الأمم فتذكرون طرقكم الرديئة وأعمالكم غير الصالحة وتمقتون أنفسكم أمام وجوهكم من أجل آثامكم وعلى رجساتكم لا من أجلكم أنا صانع - يقول السيد الرب - في يوم تطهيري إياكم من كل آثامكم أسكنكم في المدن فتبنى الخرب وتفلح الأرض الخربة عوضاً عن كونها خربة أمام عيني كل عابر، فيقولون هذه الأرض صارت كجنة عدن والمدن الخربة والمقفرة والمهدمة محصنة معمورة فتعلم الأمم الذين تركوا حولكم أني أنا الرب بنيت المنهدمة وغرست المقفرة أنا الرب وتكلمت وسأفعل هكذا قال السيد الرب.

بعد هذه أطلب من بيت إسرائيل لأفعل لهم أكثرهم كغنم أناس كغنم مقدس كغنم أورشليم في مواسمها، فتكون المدن الخربة ملآنة غنم أناس فيعلمون أني أنا الرب" (22-38) الإصحاح السادس والثلاثون حزقيال.

ص: 305

وهذا نص أيضاً: "هوذا عينا السيد الرب على المملكة الخاطئة وأبيدها عن وجه الأرض غير أني لا أبيد بيت يعقوب تماماً - يقول الرب - لأنه هاأنذا أمر فأغربل بيت إسرائيل بين جميع الأمم كما يغربل في الغربال وحبة لا تقع إلى الأرض. بالسيف يموت كل خاطئ شعبي من القائلين لا يقترب الشر ولا يأتي بيننا في ذلك اليوم أقيم مظلة داود الساقطة وأحصن شقوقها وأقيم روحها وأبنيها كأيام الدهر لكي يرثوا بقية أدوم وجميع الأمم الذين دعي اسمي عليهم - يقول الرب الصانع هذا -.

ها أيام تأتي يقول الرب يدرك الحارث الحاصد ودائس العنب بأذر الزرع، وتقطر الجبال عصيراً أو تسيل جميع التلال وأذر سبي شعبي إسرائيل فيبنون مدناً خربة ويسكنون ويغرسون كروماً ويشربون خمرها ويصنعون جنات ويأكلون ثمارها وأغراسهم في أرضهم ولن يقلعوا بعد أرضهم التي أعطيتهم قال الرب إلهك.." (8-15) الإصحاح التاسع، عاموس ونختم بهذا النص:

"هكذا قال رب الجنود: هاأنذا أخلص شعبي من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس وآتي بهم فيسكنون في وسط أورشليم ويكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلها بالحق والبر"(7-8) الإصحاح الثاني، زكريا.

هذه نصوص لم يكتبها موسى ديان في هذا القرن ولم يكتبها هرتزل في القرن الماضي ولم تتمخض عنها مؤتمرات الصهيونية المنعقدة في سويسرا أو فرنسا.. إنها عند ذويها آيات وحي يتلى ومعالم دين يتبع.

وليس اليهود وحدهم الذين يوفون بهذه الوعود السماوية لبني إسرائيل بل كثير من النصارى الذين يجعلون إصحاحات العهد القديم أجزاء من الكتاب المقدس، خصوصا الكنائس الإنجيلية (البروتستانت) الذين يمثلون أكثر شعوب إنجلترا والولايات المتحدة!!.

ولكن عصابة من الكتاب العرب أخذت على عاتقها تغطية هذه الحقائق الدينية والزعم بأن (إسرائيل) تمثل الصهيونية ولا تمثل اليهودية وإن الدين لا علاقة له بهذه الحرب الناشبة لإبادة العرب وتهويد فلسطين!.

ص: 306

أهو الجهل الأعمى؟

ربما. ومن البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه لا لمن يبصره.

أهو الإقصاء المتعمد لدور الإسلام في المعركة؟

ذلكم أغلب الظن، بل هو جملة اليقين وعمل أولئك الكتاب هو تسميم الفكر العربي حتى يدخل العرب معركتهم الحاسمة بلا روح أي بلا إيمان ديني واضح دافع.

ربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل:

ولكن الخير كذلك.

وبأنه مخالف:

ولكن الحق كذلك.

وبأنه محير:

ولكن الحسن كذلك.

وبأنه كثير التكاليف:

ولكن الحرية كذلك.

الرافعي

ص: 307

أضواء على المذاهب الهدامة

الشيوعية

بقلم الشيخ: عبد القادر شيبة الحمد

المدرس بكلية الشريعة

أطلق العرب على المذهب الاقتصادي الذي تسير عليه روسيا ومن نحا نحوها (الشيوعية) وهي في أصل اللسان العربي من قولهم سهم شائع إذا كان غير مقسوم. وهذه المادة استعملت في اللسان العربي في عدة أحوال كذلك وكلها تدور على الذيوع والانتشار فمن ذلك قول العرب (الشاع) للمنتشر من بول الناقة.

(تاريخ)

مزدك:

عرف العالم القديم الشيوعية في صور شتى ومن ذلك ما أثر عن (مزدك) الفارسي الذي ظهر في عهد الملك (قباد) ملك فارس، وكان هذا الملك ضعيفاً مهيناً فسدت في عهده الرعية فزعم مزدك أنه نبي، وأخذ ينهى الناس عن المباغضة والمخالفة والقتال وأعلن أن سبب هذه الفتن هي النساء والأموال لذا رأى أن تباح النساء لكل راغب، وأن تباح الأموال لكل طالب حتى يشترك فيها الناس اشتراكهم في الماء والهواء.

وقد انتشر مذهبه في عامة بلاد فارس ودخل فيه (قباد) نفسه.

وقام الفقراء بتقتيل الأغنياء، وصار الجماعة منهم يدخلون على الرجل فيقتلونه ويثبون على أمواله ونسائه فغضب لذلك بعض عظماء فارس وبخاصة أنو شروان بن الملك قباد وزعيم آخر يقال له_ ساجور_ وتآمروا على مزدك وقتلوه وخلعوا قباد وعينوا أخاه_ جاماسب_ ملكاً عليهم وحاولوا القضاء على الفتنة المزدكية، غير أن قباد استطاع أن يعود إلى الملك وأن يحبس أخاه.

فقوى بذلك شر المزدكية من جديد واستمرت إلى أن قتل قباد وتولى بعده ابنه انو شروان الذي ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلما استقل بالملك وجلس على السرير وقال لخواصه:

"إني عاهدت الله إذا صار إليّ الملك ألا أبقي على أحد من المزدكية الذين أفسدوا أموال الناس ونسائهم".

وكان عند سريره رجل مزدكي فقال لانو شروان:

ص: 308

أتقتل أتقتل الناس جميعاً؟

فنظر إليه انو شروان وقال له:

"أتذكر يا ابن الخبيئة يوم طلبت من أبي أن يأذن لك بالمبيت عند أمي فأذن لك، ولما ذهبت إلى حجرتها لحقت بك وقبلت رجلك التي أثر نتن جوربها في أنفي وتضرعت إليك حتى وهبتها لي ورجعت؟ "

فأقر الرجل أمام الحاشية بما قال الملك، فأمر بقتله فضربت عنقه وأحرقت جثته، ثم أمر انو شروان باستئصال شأفة المزدكية وقضى عليهم.

(كارل ماركس)

كما عرفت الشيوعية في العصر الحديث في صورة متقاربة بزعامة رجال تكاد تتشابه ظروف حياتهم مع حياة مزدك الفارسي وأشهر هؤلاء الزعماء (كارل ماركس) .

حياته:

وقد ولد كارل ماركس 1818من أبوين يهوديين غير أن أباه لم يستقر على دين آبائه اليهود، فقد تنصر وترك دين اليهودية. أما كارل ماركس فقد ظهر في أول شبابه حريصاً على الدين فقد أثر عنه أنه كان يقول آنذاك:

"الدين أساس الحياة الإنسانية، وهو يلقننا الحكمة والخير".

نفسيته:

بيد أن خبيثة ماركس كانت تعلن عن نفسها في كثير من الأحيان. وقد كان هذا الإعلان يبدو تناقضه في كثير من الأحوال، ويعلل ذلك (اوتورهل) الماركسي إذ يقول:

"إنه كان نموذجياً فيما كان يعانيه من اختلال نشاطه الروحي وكان على الدوام متقلباً حقوداً لا يزال في تصرفه عرضة لتأثير سوء الهضم والانتفاخ وهياج الصفراء وكان موسوساً يغلو كجميع الموسوسين في الشعور بمتاعبه الجسدية".

وقد عثر على رسالة كتبها والد ماركس يصف فيها حل ولده بأنه يقضي جل لياليه مرهقاً جسده وعقله في دراسة لا لذة فيها معرضاً عن جميع الملهيات في طلب المشكلات الغامضة ليهدم غداً ما بناه اليوم.

ص: 309

وقد كان ماركس يهمل دروسه ويتقطع عن معهده الأسابيع المتواصلة متابعاً لما شذ من الآراء التي يبنيها اليوم ويهدمها غداً أو باحثاً عن اللذة الجنسية والمتاع الجسدي. وقد شغف أولا بدراسة المذاهب الاقتصادية وحصل على شهادة الدكتوراه بالمراسلة من جامعة جينا الألمانية عام 1841م.

وكان ماركس أيام حياته الدراسية عالة على أبيه –هرشل- فلما مات أبوه صار عالة على أمه وأخته حتى عجزتا عن مواصلة الإنفاق عليه، فصار يلجأ إلى الاستدانة من أقربائه وأصدقاءه وبخاصة من - انجلز - قرينه في الدعوة على الشيوعية.

وكان أصدقائه إذا ضاقوا من طلباته حاولوا أن يكلفوه ببعض الأعمال التي قد تدر عليه بعض الرزق ولكنه كان يبوء بالفشل في كل عمل يسند إليه.

وكان ماركس قد تعرف على فتاة بارعة الجمال أثناء دراسته للحقوق في جامعة بون تدعى جيني ولم يكن أحد قد اشتم منه رائحة نزعته الشيوعية إلى ذلك الحين وكان عمره لا يتجاوز العشرين. وقد وقعت الفتاة في قلبه وهام بها، ولم يكن في أول أمره ذلك يفكر في الزواج منها نظراً لأنها من طبقة فوق طبقته أهله، والتقاليد تقف حجر عثرة في سبيله غير أن الفتاة بادلته الحب ورغبت في الزواج منه ولم تعبأ بالفوارق الطبقية التي توجد بينهما.

وقد بذل ماركس وجيني كل ما يستطيعان لتحقيق حلمهما في الاقتران الرسمي وتمكين عواطفهما المشبوبة من الحصول على ثمرة طويلة، حتى تمكنا من ذلك إذ أعلنت الفتاة في عزم وإصرار أنها لن تتخلى عن ماركس مهما كانت الفوارق الطبقية بينهما، وأنها راضية به على أية حال.

وعلى الرغم من تحقيق هذا الحلم فقد بدأ ماركس يشعر بالحقد الثائر نحو نظام الطبقات الذي كاد يحول بينه وبين حبيبته جيني، وقد بدأت مشكلة المعاش له ولزوجته تتعقد أمام ماركس فقد زادت نفقاته ولم يتحسن إنتاجه ولا سيما بعد أن صار ذا أولاد.

ص: 310

وقد صورت زوجته جيني ماصارت إليه هي وزوجها من البؤس في كتاب إلى صديق لها تطلب منه أن يمد لها يد المساعدة قالت فيه:

"أئذن لي أن أصف لك يوماً من أيام هذه الحياة، وسترى أن غيرنا لم يقاس ما قاسيناه، فأنا مريضة سقيمة ومع أن ثديي وظهري بهما أوجاع وآلام بالغة فإنني مضطرة إلى أن أرضع طفلي الرابع الحديث الولادة لأنني لا أستطيع أن ادفع أجرة مرضعة، ولكن كان طفلي يرضع الحزن والألم والوجع فيتلوى من المرض ليلاً ونهاراً. ومع هذا الفقر والحاجة فقد دخلت علينا صاحبة المنزل وطلبت منا أجرة البيت كما طالبت بما علينا لها من القروض، ولما كنا عاجزين عن الدفع فقد حجزت على كل ما نملك في البيت حتى فراش الطفل وباعته بما لها علينا من الدين، ثم طردتنا إلى الشارع والمطر ينهمر بغزارة، والبرد القارس لا يرحم، وبذل زوجي ماركس كل ما في وسعه من جهد فلم نجد من يقبل إيواءنا".

كما كتبت جيني مرة أخرى تصف إحدى ليالي البؤس التي مرت بها وبماركس فتقول:

"أحست ابنتنا بنزلة شعبية، وصارعت الموت ثلاثة أيام ثم ماتت وأخذنا نبكي عليها ولم يكن لدينا ما نجهزها ونكفنها به، وأبقينا الجثة حتى نجد ما نستعين به على دفنها، ومضيت إلى جار فرنسي مهاجر فأعطاني جنيهين!..

واأسفاه!.. وفدت أبنتنا إلى الدنيا فلم تجد مهداً وعندما غادرت الدنيا لم نجد كفناً".

من هذه الصور نستطيع أن نعرف الدوافع التي حدت بماركس أن يكون داعياً لمصارعة الطبقات ثائراً عنيداً في الدعوة إلى الشيوعية، عبداً ضارعاً أمام محراب المادية.. ينفث سمومه في نواح متعددة من أوربا ولاسيما في إنجلترا حتى مات عام 1883م.

ولما قامت الثورة الروسية ضد القياصرة من أسرة_ روما نوف_ بعد الحرب العالمية الأولى وتسلم قيادة الثورة لينين أحد الماركسيين ظهرت الشيوعية الرسمية الأولى مرة في العصر الحديث.

(المذهب الماركسي)

روحه وصورته:

ص: 311

للمذهب الماركسي روح وصورة، أما روحه: فهي فلسفته في الكون وأنه لا أثر فيه لغير المادة فلا إيمان إلا بالمادية.

وأما صورته: فهي المخططات الرئيسية التي لا بد منها القيام المجتمع الشيوعي.

المادية:

أعلن ماركس بأنه لا يؤمن بغير المادة، وأن كل شيء في الوجود إن هو إلا أثر من آثار المادية والمادية في نظر كارل ماركس تعني عدم الإيمان بالغيب كما تعني الكفر بالله فاطر السماوات والأرض، وإنكار جميع المظاهر الدينية والمذاهب الروحية، والمنازع الأخلاقية، والتقاليد ونظام الزواج والأسرة، وكذلك إنكار العواطف والتأثيرات النفسية والوجدانية، والعلوم والمعارف والآداب فهذه كلها في نظره من تضليلات أصحاب الثروة (الرأسماليين) لاستغلال الفقراء والمساكين. وليس هناك إلا المادة فهي التي تكون وقائع التاريخ وما المظاهر الكونية كلها إلا مادة بحتة.

الدين:

يزعم ماركس أن الدين وسيلة من وسائل الاستغلال، اخترعه أصحاب الثروة والمسيطرون على مصادر الإنتاج ليخدروا به الشعب حتى يسهل استغلالهم وتتيسر سرقتهم وقد اضطرب ماركس في شأن الدين اظطراباً عنيفاً فمرة يقول فيه: أنه "أفيون الشعب"الذي يخدرها عن رؤية الحقائق المادية. ومرة يزعم أنه انعكاس القوى الظاهرية التي تسيطر على معيشة الإنسان اليومية على معنى أن الإنسان يرى في المناظر الطبيعية قوة جبارة لا مناص له من الخضوع لها، فتراه يعبد منها ما لا يدركه. وطورا يصفه بأنه تزلف من واضعيه إلى أرباب السلطان وأصحاب رؤوس الأموال. وحينا يقول:

"إنه الغذاء الخادع للضعفاء لأنه يدعوهم إلى احتمال المظالم في الوقت الذي لا يتمكن من إزالتها". وأحياناً يقول: "هو خمرة الشعوب يروضها على الفقر والمسكنة ويلهيها بما يغريها من نعيم الآخرة عن نعيم الدنيا ليستأثر به سادة المجتمع ويغتصبوا منه علانية أو يسرقوا منه خلسة ما يطيب لهم أن يغتصبوه أو يسرقوه".

ص: 312

وموقف ماركس المظطرب في الدين قرينه لاظطرابه النفسي، وعجز ظاهر عن مقارعة الشرائع وقد فاق ماركس الدهريين في إنكار ما وراء المادة إذ قالوا:{مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَاّ الدَّهْر} .

فإن ماركس حاول أن يفسر المظاهر الدينية بهذه الآراء المظطربة.

فأين الرأسماليون الذين أتى وحيهم بالإسلام؟ وهل علم ماركس والماركسيون بقصة الملأ من قريش حينما أرسلوا أحد زعمائهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له:

"إن كنت تريد المال جمعنا لك منه ما تريد حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا، وإن كان بك شيء عالجناك".

وحينما انتهى سفير قريش من هذا الخطاب يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

"انتهيت يا عم؟ ثم يقرأ أول سورة فصلت حتى يبلغ {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} .

وحينئذ تتسرب أنوار الحقيقة إلى قلب ذلك السفير ويخاف على نفسه فيضع يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: "ناشدتك الرحم أن تكف". ثم يأتي إلى قومه وينصحهم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول:

"إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليس من كلام البشر".

وهل علم ماركس والماركسيون قصة الملأ من قريش حينما اجتمعوا في بيت أبي طالب يقولون له:

"إما أن تنهى محمداً عن تسفيه أحلامنا، وتضليل معتقداتنا أو تخلى بيننا وبينة"حتى يقول له عمه:

"يا ابن أخي لو أبقيت على نفسك فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

ص: 313

وهل يظن ماركس والماركسيون الملأ من قوم فرعون هم الذين أوحوا إلى رسول الله موسى عليه السلام بالدين الفذي جاءهم به ودعاهم إليه فيقول فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟} فيقول: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} .

فيقول لمن حوله: {أَفَلا تَسْمَعُونَ؟}

حتى يقول موسى: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} فيقول فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} . فيقول موسى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} حتى يقول فرعون: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} فيقول موسى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} .

وهل يظن ماركس والماركسيون أن الملأ من قوم فرعون أو من بني إسرائيل هم الذين أوحوا إلى موسى بتحريم المراباة وأن يقاد للنفس بالنفس، والعين بالعين، والأذن بالأذن والسن بالسن، وأن الجروح قصاص.

وهل يظن ماركس أن أغنياء اليهود والرومان هم الذين أوحوا إلى عيسى بن مريم حتى جاء بالإنجيل وهو الذي أثر عنه أنه يقول:

"إن دخل إلى مجمعكم رجل واحد بخواتيم الذهب في لباس بهي ودخل معه فقير بلباس وسخ فنظرتم إلى اللابس اللباس البهي وقلتم له:

- أجلس هنا حسناً.

- قف أنت هناك أو أجلس تحت موطئ القدمين.

فهل لا ترتابون في أنفسكم وتصيرون قضاة أفكار شريرة؟ ".

وهل علم ماركس أن رجلاً من فقراء المسلمين مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع بعض أصحابه رضي الله عنهم فقال ما تقولون في هذا قالوا:

"حري به إن خطب ألا يخطب، وإن قال ألا يستمع، وإن شفع أن لا يشفع، ثم مر رجل من أغنياء المسلمين فقال ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري به إن خطب أن يخطب، وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يستمع". فقال عليه الصلاة والسلام:

ص: 314

"هذا- يعني الفقير - خير من ملء الأرض مثل هذا - يعني الغني -".

ولا شك أن ماركس يجهل هذه الحقائق ولا يدري عنها شيئاً ولو أدعى معرفتها لكانت البلية أخطر والمصيبة أعظم:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

الأخلاق والآداب:

يحارب الماركسيون جميع الأخلاق التي قد يتصف بها شعب من الشعوب أو فرد من الأفراد، بدعوى أن هذه الأخلاق سواء كانت فردية أو جماعية ما هي إلا أثر من الآثار التي أوحى بها (الإقطاعيون) وإن هي إلا خداع وتضليل للعمال والفلاحين من قبل الملاك وأصحاب الأموال.

والخلق الوحيد الذي آمن به الشيوعيون هو وجوب مخالفة سائر الأنظمة الأخلاقية ومحاربة عموم أنواع الآداب المرعية في المجتمعات الإنسانية وبخاصة ما كان منها نتيجة للأوامر الإلهية.

وقد قادهم هذا الشذوذ الخلقي إلى هتك الأسرة ومحاربة ناموس الزواج ورأوا أن هدم ذلك من أقوى دعائم الشيوعية فتساوى الزواج والزنى في نظامهم، وحسن في أعينهم وقاع أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم وعماتهم وخالاتهم. وانحطوا في سلوكهم الأخلاقي عن كثر من الحيوانات العجماوات.

وقد أصبحت لفظه (الكرامة) عندهم لفظه مرذولة فالمحبوب لديهم أن يطوروا بالرفقاء الأنذال. وأضحت كلمة (الشرف) من الألفاظ المدسوسة على الإنسانية بواسطة أصحاب الإقطاع فيجب أن تداس بالأقدام، و (الأمانة) دسيسة خبيثة من دسائس المحافظة على رؤوس الأموال.

المعارف والعلوم:

كما ينكرون أشد الإنكار أن تأتي من طريق السماء، وإنما تكون فقط وليد حاجته المادية ومطالبه الحيوانية.

أما العلوم والمعارف والنظريات التي لا تخضع لهذا التفسير الشيوعي فهي في نظرهم:

تضليلا

وتخيلات

وأوهام

(المخططات الرئيسية لقيام المجتمع الشيوعي) :

يرى ماركس أنه لا بد لقيام المجتمع الشيوعي_ من خمسة أركان يبنى عليها وهي:

ص: 315

1-

استيلاء الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين على مقاليد الحكم في أول الأمر.

2-

تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثورة.

3-

القضاء على رأس المال.

4-

القضاء على الطبقات.

5-

ثم القضاء على الحكومة.

1 -

(استيلاء الطبقة الكادحة على مقاليد الحكم)

يرى ماركس أن (الأجراء) ولا سيما الأجراء في الصناعة قابلون (للثورة الاجتماعية) لأنهم لا يملكون شيئاً في المصانع، ولعلهم كذلك يحملون في الغالب قلوباً مملؤة بالحقد والضغينة على أصحاب الأموال، وهم الأداة السهلة اللينة التي تؤثر فيها مختلف الدعايات لذلك اعتبر ماركس أن أول المخططات الضرورية لقيام المجتمع الشيوعي هو قيام الطبقة الكادحة_ البروليتاريا_ من العمال الصناعيين والأجراء الزراعيين بالاستيلاء على مقاليد (الحكم) ومناصب الدولة حتى يهدم بهم الحكومات القائمة.

ونحن لا نرى عيباً في هذه القاعدة من حيث أن تكون الحكومة من طبقة الفقراء فإن الفقر والغنى في نظرنا أعراض غير ذاتية بل تتغير وتتبدل، إذ المال ظل زائل وعارية مستردة، والمرء عندنا بأخلاقه وآدابه لا بأمواله وكثرة متاعه.

وما المال والأهلون إلا ودائع

ولابد يوماً أن ترد الودائع

غير أننا لا نرى أن يكون المسيطرون على مقاليد (الحكم) ولابد من طبقة الفقراء، إذ الغالب عليهم الفوضى والجهل ولله در الشاعر إذ يقول:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

غير أن نظام الماركسيين ينص على:

(أن قيام حكومة العمال والفلاحين هو شيء (مؤقت) وأنه حركة انتقالية إلى مرحلة الشيوعية الحقيقية التي لا تبقى فيها حكومة وإنما ينطلق الشعب حراً بلا حكومة ولا سلطان) .

ص: 316

بيد أن واقع الحياة الشيوعية لم ير هذه النظرية مطبقة في أي قطر من الأقطار التي بليت بهذا النظام. فجميع البلاد التي صالت إلى الشيوعية قامت حكومتها من جنس الحكومات التي كانت في تلك البلاد قبل الحكم الشيوعي.

ولم يقع أبداً أن صارت حكومة شيوعية من طبقة العمال والفلاحين ففي روسيا مثلاً كان الدور الذي قامت به الطبقة الكادحة هو إشعال نار الثورة ضد الحكم القيصري والقضاء عليه، ولما تم لرؤساء الحزب الشيوعي ما أرادوا من سقوط عرش آل (روما نوف) قبض رؤساء الحزب الشيوعي على زمام الحكم وأزاحوا العمال والفلاحين من الطريق وردوهم مدحورين إلى مصانع والمزارع ليقاسوا تحت سخط الحزب الشيوعي أشد ألوان المهانة والإرهاق.

وقد قام العمال والفلاحون بعدة ثورات كانت تقابل بأنكى صنوف القمع والإرهاب، ولم تمنع وسائل التعذيب الإجرامية هؤلاء من أن يقوم الكثير منهم بإحراق المحاصيل وتبديد الماشية والأموال حتى لا تقع في يد هؤلاء الحكام المستبدين.

وقد حاول (ستالين) أن يقضي على ثورات الطبقة الكادحة بألوان شتى من أنواع القتل والحبس والنفي في مجاهل (سيبيريا) والتهديد والوعيد فلم يفلح.

وفي منشور له في هذا الصدد يقول:

"لكي يضمن الكولخوزيون المزارعون لأنفسهم الحياة والعيشة يتطلب ذلك منهم أن يعملوا في (الكولخوزات) المزارع التعاونية ويحافظوا عليها ولا ينسوا مسئوليتهم تجاهها"ولما قال العمال لستالين:

"لقد انتقلت السلطة وتركزت في يد حزب واحد هو حزبنا ولن يشاركنا في توجيه الدولة أي فئة أخرى، وهذا ما يعنيه بالدكتاتورية العمالية".

وهكذا نرى المخطط الأول من المخططات التي رسمها ماركس للمجتمع الشيوعي لم تكن إلا حبراً على ورق كما يقولون، بل صار العمال والفلاحون في المجتمع الشيوعي أحط أنواع العمال والفلاحين في العالم.

2-

(تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة) :

ص: 317

يرى الماركسيون أن السبب الرئيسي لتكوين الطبقات هو وسائل الإنتاج ومصادر الثروة فلابد للقضاء على (نظام الطبقات) من القيام:

أولاً: بتأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة، وجعلها بدل أن تكون ملكاً لبعض الأفراد أن تصير ملكاً لجميع الأمة.

وهذا التأميم كذلك يعتبر خطوة أولى لخطوة تليها هي القضاء التام على رؤوس الأموال والملكيات الفردية مهما كان نوعها وهذه النظرية لا ترى أية حرمة لمن بيده شيء من مصادر الثروة ووسائل الإنتاج، كما لا ترى أية قيمة لما بذله الأفراد في سبيل مشروع ولو في الأصل على الأقل للحصول على ما بأيديهم من أموال.

ولسنا نجادلهم بالأدلة الدينية التي توجب مراعاة الحرم والمحافظة على حقوق ذوي الحقوق فإن الدين في نظرهم هو "أفيون الشعوب" وإنما نقول لهم:

لقد أممتم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج، فماذا فعلتم بهذه الأموال المؤممة، وكان المفروض بناء على دعواكم الأساسية أن تصير ملكاً للمجموع يتساوون في الانتفاع بها. فهل صار في متناول كل فرد من أفراد أمتكم أن يحصل على شيء من هذه الأموال يسد بها عازته ويقضى منها وطره وحاجته؟

والواقع أن الأموال المؤممة إنما انتقلت من ملك أربابها ومكتسبيها إلى خزينة الدولة ليتصرف فيها الحكام حسب أغراضهم وأهوائهم وليبذلوا ما شاءوا في سبيل امتداد حكمهم وسلطانهم ولينغمسوا بها في الشهوات والملاذ إلى حلوقهم وأذقانهم. وقد كانت نتيجة هذا التأميم سلب أسباب الغنى من الأغنياء وإدامة الفقر والمسكنة للمساكين والفقراء.

3-

(القضاء على رأس المال) :

والمخطط الثالث من المخططات اللازمة لقيام المجتمع الشيوعي هو القضاء على (رأس المال) بدعوى أن رأس المال يشكل العمود الرئيسي للظلم الواقع على رأس (الطبقة الكادحة) .

ص: 318

أما كيفية هذا الظلم فيقرر الماركسيون بأن قيمة كل شيء هو العمل الإنساني الذي بذل فيه، وإذا لم يكن هناك استغلال وجب أن يأخذ العامل ثمرة العمل كلها، إلا أن أصحاب رأس المال (يستغلون) اضطرار العامل فلا يعطيه من قيمة عمله إلا جزاءً يسيراً قد لا يفي بكفايته ولا يقوم بحاجته الضرورية من القوت ثم يأخذ صاحب رأس المال الزيادة لنفسه، ويصرفها في توسيع ثروته فيزداد إمعاناً في الظلم وإغراقاً في سرقة حقوق العامل.

وهذه الزيادة بين رأس المال الأصلي وقيمة الإنتاج يسميها كارل ماركس (القيمة الفاضلة) .

وهذه القيمة الفاضلة قد ذهب أكثرها إلى صاحب رأس المال، وقد كان من حق العامل أن يستولي على هذه القيمة الفاضلةكلها، لأنها في الواقع عند (ماركس) قيمة عملة وثمرة كده لذلك رأى ماركس من الضروري القضاء على رأس المال حتى تتحطم السلاسل والأغلال التي يكبل بها الرأسماليون العمال والكادحين، ولا بد أن يسري على الجميع بعد ذلك قانون قاطع هو:

"إن لكل حسب حاجته، ومن كل حسب طاقته"ومعنى ذلك أن الدولة تكفل لكل إنسان قدر ما يحتاجه في معاشه من مطعم وملبس ومسكن، وتكلفه في نظير ذلك أن يبذل للدولة ما يطيقه من العمل!

هذا.. ودعوى الماركسيين أن رأس المال يشكل العمود الرئيسي للظلم الواقع على رأس الطبقة الكادحة هي دعوى فاسدة بل رأس المال قد يكون سبباً في كثير من الأحيان في مد يد المساعدة والعون للطبقة الكادحة وتيسير أسباب المعايش لهم.

كما أن دعوى الماركسيين أن قيمة كل شيء هو العمل الإنساني الذي بذل فيه، وأن العدالة تقتضي أن يحصل العامل على جميع القيمة الفاضلة هي دعوى منافية للعدل والإنصاف كذلك لما فيها من إلغاء اعتبار الأدوات والآلات التي بذلها صاحب رأس المال والتي يسرت للعامل هذا العمل، كما أن أبسط قواعد الاقتصاد تبرهن على أن قيمة الشيء ليست العمل الإنساني الذي بذل فيه.

ص: 319

فالسلعة الواحدة قد يصنعها عامل في يوم ويصنعها عامل آخر في يومين، وقد يباع كتاب في سنة ما بدينار واحد ولا يساوي في سنه أخرى أكثر من ربع دينار، وهذا الصنف من الشراب قد يرتفع سعره في بلد وينخفض في بلد آخر في نفس الوقت مع أن العمل الإنساني الذي بذل فيه إنما هو عمل واحد.

بل قيمة الشيء غالباً تخضع لنظام (العرض والطلب) .

كما أن القانون الذي قرروا أن يكون لكل حسب حاجته ومن كل حسب طاقته، هو قانون خيالي، لأن حاجات الناس متفاوتة كتفاوت طبائعهم، أي أن هذا العامل قد يكفيه قليل من الخبز والادام لتوليد طاقة العمل في بنيته، وقد يزامله عامل آخر في نفس العمل ولا يكفيه ضعفه من الخبز والادام لتوليد طاقة العمل لديه، كما أن بعض العمال قد يستطيع مباشرة عمله في الشتاء بلباس خفيف ولا يستطيع زميله في العمل أن يباشر إلا بلباس ثقيل قد يكلفه ضعف ما يحتاجه زميله السابق.

ومما يبين فساد هذه النظرية ومجافاتها لنظام الطبيعة والفطرة هو: عجز الشعوب التي سقطت في براثن دعاة الشيوعية عن تطبيقها، كما أنهم صاروا المثل الأسوأ في ظلم الطبقة الكادحة من الفلاحين والعمال.

فقد صار العامل في روسيا - مثلاً - يطلب منه أن يقدم أقصى ما يستطيع تقديمه من طاقة في مدة معينة، ثم تبيع الحكومة مجهود هذا العامل بأكثر مما كلفته حاجته التي فرضت أنها مساوية لمجهوده.

فمجهود العامل الذي يساوي ألف ريال كان ينبغي أن يحصل في نظيره على قدر حاجته التي يرى نفسه محتاجة إليها وقد تصل إلى ألف ريال مثلاً.

.. غير أن الحكومة هي التي حددت حاجته بنفسها دون أن يحددها المحتاج نفسه، فقد قدرت له –مثلاً- ستمائة ريال فسرقت منه إذا أربعمائة ريال.

ص: 320

وبهذا يكون هؤلاء الماركسيون قد وقعوا في انحس مما عابوه على أصحاب رؤوس الأموال. على أن الدعوة للقضاء على رأس المال قد فشلت عند التطبيق لدى الشيوعيين فقد اضطرت روسيا –مثلاً- إلى أن تبيح للفلاحين أن يمتلكوا قطعاً صغيرة من الأراضي يستثمرونها لاستهلاكهم بشرط أن لا يعاونهم في استثمارها آخرون، كما نصت على ذلك المادة (السابعة والتاسعة) من الدستور السوفيتي كما أباحت الحكومة للفرد (تملك) أشياء أخرى كالماشية والبغال وإن كانت الحكومة قد فرضت على الملكيات الفردية الصغيرة ضرائب باهظة حتى تتلاشى وتموت.

(3- القضاء على الطبقات) :

ذكرنا في بحث تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة أن الماركسيين يرون أن السبب الرئيسي لتكوين الطبقات وجود وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وأنهم قرروا أن لابد للقضاء على نظام الطبقات من القيام بتأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وكأنهم بهذا يقررون أن القضاء على (الطبقات) لازمة من لوازم النظام الشيوعي بل هو أشد ضرورة من التأميم. لذلك أذاعوا وأشاعوا أنهم يركبون كل صعب وذلول لتحقيق ذلك الأمر الخطير.

تعريف الطبقة:

الطبقة في نظر أكثر الباحثين هي الفئة من الناس التي تختلف في مركزها الاجتماعي عن باقي الفئات التي تشكل معها مجتمعاً ما.

فالعمال الزراعيون والصناعيون طبقة، وصغار الملاك طبقة، والمتوسطون في الأملاك طبقة، وأصحاب الثراء الواسع والملك العريض والإقطاعيون طبقة، والمهرة العسكريون طبقة، والأمراء والنبلاء طبقة، ورجال الدين طبقة.

وقد يصير الإنسان في طبقة من هذه الطبقات بسبب النسب كما قد يصير إليها بسبب العلم، ولا مانع أن ينتقل الإنسان من طبقة إلى طبقة أسفل، على حد قول القائل:

وعرفته الكر والإحجاما

نفس عصام سودت عصاما

وصيرته بطلاً مقداما

وقول القائل:

أبوك أب حر وأمك حرة

وقد يلد الحران غير نجيب

ص: 321

وهذا التعريف (للطبقة) لا يمنع وجود تعاون بين طبقة وأخرى إذ هذا التفاوت الطبقي ضرورة من ضرورات العمران وسبب وجوده تفاوت الفطر. ولذلك يقال (الإنسان مدني بالطبع) قرر الله تعالى في القرآن الكريم هذه الحقيقة إذ يقول:

{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .

تعريف الطبقة عند ماركس:

أما كارل ماركس فقد عرف الطبقة: "أنها الطائفة التي تكون لها مصالح معارضة لمصالح طبقة آخرى"وعلى هذا التعريف لا بد ن فرض الشقاق والنزاع ودوام الصراع بين عموم الطبقات ولذلك زعم الماركسيون أنه من الضروري القضاء على نظام الطبقات وإيجاد مجتمع ديمقراطي على مستوى واحد تنعدم فيه جميع الفورق الطبقية على أية حال. وقد سعى الشيوعيون جهدهم وبذلوا كل ما يمكن بذله لتحقيق هذه الغاية فهل انعدم من المجتمع الشيوعي نظام الطبقات؟!

وجود الطبقات في المجتمع الشيوعي:

ص: 322

والواقع أن المجتمع الشيوعي يتمثل فيه ما يتمثل في غيره من الطبقات فلا يزال في روسيا – مثلا – طبقة العمال والفلاحين، وطبقة القادة العسكريين، وطبقة رجال البوليس السري، والمخابرات، وطبقة العلماء والرجال الأكاديمين، وطبقة المهندسين، وطبقة الفنانين والرقاصين، وطبقة زعماء الحزب الشيوعي. وقد وجدت هذه الطبقات في المجتمع الشيوعي بحسب تفاوت الدخل الذي قدرته الحكومة لهؤلاء حسب ميزان الاحتياج الذي صنعوه. فقد جعل المعدل الوسط لحاجة العمال والفلاحين ما بين 600 – 700 روبل، كما جعل المعدل الوسط للفنانين والرقاصين يتراوح ما بين 1400 إلى 2000 روبل. وجعل المعدل الوسط للقادة العسكريين والعلماء والمهندسين يتراوح بين4000 إلى 7000 روبل. وقد عمدت الحكومة بعد الحرب العالمية الثانية إلى بناء منازل لأعضاء الأكاديمية ومنحت كل واحد منهم سيارة وسائقا خاصا، وبهذا تكون الشيوعية الرسمية قد أو جدت نظاما طبقيا انحس مما عند غيرهم من نظام الطبقات، ولا شك أن محاربة أساس النظام الطبقي ما هو إلا الوقوف في وجه الطبيعة التي طبع الله الناس عليها، وحرب للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

وقد سجلت حوادث التاريخ أن محارب الفطرة مدحور والمتصدي لقهر الطبيعة مقهور.

ولسنا بهذا نقرر ترفع وتعالي طبقة على طبقة، أو بغي فئة على فئة، فنحن لا نري فضل الرجل بماله، ولا نرى فضله بوظيفية، ولا نرى فضله بنسبه، وإنما الفضل عندنا بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والمرء في الواقع بأصغريه قلبه ولسانه.

(5 – القضاء على الحكومة)

الدعامة الخامسة من دعائم النظام الشيوعي هي القضاء على الحكومة والدولة. والشيوعيون يعتبرون أن القضاء على الحكومة هو النهاية الحتمية للنظام الشيوعي وفي ذلك يقول ماركس:

ص: 323

-"...... وبعد أن تزول المنازعات بين الطبقات زوالا نهائيا خلال التطور وبعد أن يتركز الإنتاج كله في أيدي الأفراد المتشاركين عندئذ تفقد السلطة العامة طابعها السياسي"ثم يقول أيضا:

-"..... والدولة هي سلطة الطبقة المنظمة تزول بزوال الطبقة وعندئذ يكون عهد الشيوعية بكل ما تعني الكلمة". وكأن ماركس يقول إن وجود الحكومة مهما كانت من العوامل التي تقيد الشعب وتحول دون صبغته بكامل حريته فلا بد من زوال الحكومة لينطلق الشعب في طريق حريته إلى أقصى الحدود. وكأن ماركس يرى أن حقيقة الشيوعية لا يمكن أن تتكامل ما دام على رأس الشعب حكومة تدبره وفي ذلك يقول:

-".... الشيوعية هي عهد تسوده الحرية وعصر يزدهر فيه الإنسان أكمل ازدهار فهو يحتم مع زوال الطبقات زوال الحكومة".

ونحن لا نستطيع أن نجزم هل كان ماركس جادا فيما يقول حينما يقرر هذه الحقيقة على أنها من دعائم النظام الشيوعي؟ وهل كان ماركس متمتعا بقواه العقلية حينما يخرج على الناس بمثل هذه النظرية التي لم يعرفها التاريخ البشرى في مجتمع ما من المجتمعات المتمدنة والهمجية على حد سواء؟ وحتى لو فرض وجودها في مجتمع بدائي همجي فهل يجيز العقل وجود مثلها في مجتمع ذي حاجات متفاوتة بل وإلحاح في طلب الكماليات. وهل ظن ماركس أن فطر الناس المتباينة وطبائعهم المتنازعة سيئول بها الحال إلى الزوال فيعيش الناس في الأرض يأكلون من نباتاتها المختلفة ولحوم حيواناتها المتغايرة الطبائع، ثم يصيرون في نفس الوقت كملائكة السماء؟!

ص: 324

ولا نذهب بعيدا لنراجع نحن أو غيرنا في ذلك حوادث التاريخ وإنما نلقي نظرة عابرة على واقع الحكومة في (المجتمع الشيوعي) فالمعروف الذي لا يشك فيه من عنده أدنى إطلاع أن الحكومة في بلاد الشيوعيين ومن ينحو نحوها تسير في طريق (الدكتاتورية) إلى حد لا نظير له في المجتمعات الأخرى: فمن مقررات ستالين: "أن تقرير المصير لأي فرد أو أمة أو جماعة يجب ألا يتضارب مع حق الحزب الذي يمثل الجماهير الكادحة في أن يحكم حكما دكتاتوريا".

بين الشيوعية والاشتراكية

يستعمل الكثيرون الشيوعية والاشتراكية على معنى واحد غير أن بعض الناس يفرق بين الاشتراكية والشيوعية في الجملة من وجوه:

1-

أن الاشتراكية هي الخطوة الأولى للشيوعية.

2-

أن الاشتراكية لا تمانع في قيام حكومة من طبقة العمال والفلاحين بخلاف الشيوعية الحقيقية فإنها لا تجيز أي نوع من الحكومات.

3-

أن الشيوعية لا تبيح أي نوع من الملكيات بخلاف الاشتراكية فإنها تجيز وجود بعض الملكيات الفردية في حدود ضيقة وعلى قواعد تؤدي في النهاية إلى تلاشي هذه الملكيات.

الإسلام والاشتراكية

هذا ولم يزعم زاعم – مهما كان أن الإسلام والشيوعية قد يلتقيان، فلم نسمع إلى الآن صوتا واحدا يقول (أن الإسلام لا يتنافى مع الشيوعية) إذا أصل الشيوعية هو إنكار الألوهية والدين وإنما سمعنا أن بعض الناس – قد يكونون من المنتسبين للإسلام أو للعلم – يزعمون أن الإسلام لا يتنافى مع الاشتراكية وقد يتعامون عن أن الاشتراكية مذهب، خاص ذاتية هذا المذهب تخلف ذاتية الإسلام في روحه وصورته، كما يتجاهلون أن الإسلام دين الله الحق قد أتى بجميع ما يسعد الناس في معاشهم ومعادهم.

ص: 325

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك بابا من أبواب الخير إلا دل الناس علية ولا بابا من أبواب الشر إلا حذر الناس عنه بيد أنهم يقولون: أن بعض نصوص القرآن كقوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} . وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء في ثلاثة في الماء، والنار، والكلأ". تدل على صحة المذهب الاشتراكي وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جهل هؤلاء بحقيقة الإسلام عموما، وبمعنى هذه الآية وذلك الحديث خصوصا فالآية نزلت تشرح مصرف الفيء، وهو نوع خاص له طابع خاص من بين الأموال الإسلامية. وأما الحديث فقد بين موضع الشركة وهو الماء، النار، والكلأ، ولفظ الحديث يدل مفهومه على أن ما عدا هذه الأشياء الثلاثة من الأشياء التي يمكن أن يتملكها الإنسان لا اشتراك فيها، ولو سلمنا جدلا أنه قد يفهم من هذه الأدلة الدلالة على صحة المذهب الاشتراكي – وإن كانت لا تدل بظاهر ألفاظها على ذلك كما أشرنا – فإن صريح الكتاب وصحيح السنة يدل بما لا مجال للشك فيه على حفظ ممتلكات الناس وأموالهم فيستمعوا إلى قوله تعالى:{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

وإلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا"، ثم يؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فيقول:"اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد".

ولا يختلف اثنان من أهل العلم في صحة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "من غضب شبرا من أرض طوقه الله بسبع أرضين يوم القيامة" فهذا هو دين الإسلام. {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

ص: 326

موصفات خيالية

جاء رجل إلى نخاس فقال له: "اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق، وان كثر الزحام ترفق، لا صادم السراري ولا يدخلني تحت السواري، إن أقللت علفه صبر، وإن زدته شكر، وان ركبته استقام، وان ركبه غيري هام". فقال له النخاس: "إصبر فان مسخ الله أحدهم حمارا شريته لك".

ص: 327

بين الحياة والموت

للشيح محمد المجذوب

رباه.. حار الطبيب

وانهار صبري العجيب [1]

ومل وقع أنيني

حتى الفراش الكئيب

إذا تشكيت كرباً

ثارت هناك كروب

وهل يطيق قراراً

من احتواه اللهيب!

فمعدتي في التهاب

أكاد فيه أذوب

وفي الجوانح هول

منه الوليد يشيب

يزلزل الظن منه

وتستغيث الجنوب

وكلها في عراك

حصاده التعذيب

والقلب من ذا وهذا

في محنة لا تغيب

ولست أدري ولا الطب

ما العلاج المصيب

لكنني رغم ضري

راضٍ فلا أستريب

عسى يخفف فيه

من عاتقي الذنوب

تحب فهو الزبيب

والضرب إن جاء ممن

يا علةً لم تذرني

مذ ذر هذا المشيب

كم زاغ عنها خبير

وضل فيها لبيب

فخاب كل علاج

لأنهم لم يصيبوا

حتى أطل (ابن مُلا)

فاستعلن المحجوب

قال: المرارة فيها

حجارة وندوب

وبالجراحة يرجى

لك الشفاء القريب

وكل جهد سواها

فضائع أو جديب

وصدق الرسم ما قد

جلاه ذاك الأريب

فحبذا مبضع فيه

غوثي المطلوب

وهاك جسمي فأعمل

به المُدى يا طبيب

فإن توفق فهذا

ما تشتهيه القلوب

وإن قضى الله أمراً

فليس منه هروب

وساعة ثم يأتي

ما خبأته الغيوب

يسار بي نصف ميتٍ

حيث المصير الرهيب

فليت شعري حياة

وراءها أم (شعوب)

وما يقدره ربي

فهو الأثير الحبيب

ومن رجا رحمة الله

مخلصاً لا يخيب

فيا ملاذ البرايا

ص: 328

إذا الرزايا تنوب

إليك أسلمت أمري

وقد برتني الخطوب

ورق لي ورثى لي

حتى الخلى المريب

وقال كل محب

هنيهة ويذوب

فارأف بمن بات إلا

لقاك لا يستطيب

واغفر فإن الخطايا

ضاقت بهن الدروب

فإن يكن غير أهل

لعفوك (المجذوب)

فبحر فضلك وردٌ

لكل جانٍ يثوب

وهو الذي غمر الكون

فيضه المسكوب

لو لاه ما كان للخلق

في الوجود نصيب

ولم تقدر لحي

على التراب دبيب

فكيف يحرم منه

هذا الكسير الغريب

ألم تقل (يا عبادي

ادعوني فإني قريب!)

وقد دعوتك يا رب

والبلاء عصيب

فإن تخيب رجائي

فأين أين المجيب!

أركان الداعية

إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال تحتاج إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:

إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدوا عليه تلون، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع أو بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والخديعة عنه والخديعة بغيرة.

الشهيد حسن البنا

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

كان الشيخ الشاعر قد أدخل المستشفى العام بالمدينة محمولا وبعد أن أجرى الطبيب فحوصاته عليه قرر وجوب إجراء عمليه في أسرع وقت.. وفي الدقائق التي سبقت إدخاله غرفة العمليات جادت قريحته بهذه الأبيات الرائعة.

ص: 329

من تاريخ المذاهب الهدامة

كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (4)

بقلم محمد بن مالك اليماني

باب ذكر علي بن فاضل بن أحمد الجدني لعنه الله:

كان من خبره أنه لما افترق هو والمنصور بغلافقة وخرج إلى اليمن أيضاً وفيها جعفر بن إبراهيم المناخي وخرج إلى جعفر من (أبين وفيها رجل من الأصابح يقال له محمد بن أبي العلاء فخرج القرمطي إلى جيشان ثم خرج إلى (سرويافع) فتفرسهم فعلم أنهم أسرع الناس إلى إجابته فطلع رأس جبل وبنى فيه مسجداً وأخذ بالنسك والعبادة، فكان نهاره صائماً وليله قائماً، فأنسوا إليه وأحبوه وافتتنوا به، ثم إنهم قلدوه أمرهم وجعلوا حكمهم إليه فسألوه أن ينزل من ذلك الجبل ويسكن بينهم. فقال:"لا أفعل هذا ولست أسكن بين قوم جهال ضلال إلا أن يعطوني العهود والمواثيق أن لا يشربوا الخمر"ففعلوا له ذلك وإنهم ينكرون المنكر وينكرون أهل المعاصي بأجمعهم فلم يزل يخدعهم بعبادته حتى بلغ إرادته وأمرهم ببناء حصن في ناحية (سرويافع) فأطاعوه وسمعوا لأمره ثم إنه انهبهم أطراف بلدان ابن أبي العلاء وأراهم أن ذلك جهاد لأهل المعاصي حتى يدخلوا في دين الله طوعاً أو كرهاً، وأمرهم أن يتخطفوا بلاد ابن أبي العلاء فاشتد بأسهم فكانوا لا يلقون جمعاً إلا هزموا وظفروا عليهم وذلك لما سبق من علم الله من فتنة المسلمين على يديه لعنه الله، فلما شاع ذكره وسمع به جعفر ابن إبراهيم كاتبه وفرح به وذلك لشحناء بينه وبين ابن أبي العلاء لقرب القرمطي إليه فكاتبه جعفر على مطابقته على حرب ابن أبي العلاء ووجه من عنده عسكراً إلى القرمطي وتعاقدا أن يكون جميع ما يفتح من بلدان ابن أبي العلاء بينهما نصفين، فخرج القرمطي لحرب ابن أبي العلاء بقبائل يافع وعسكر جعفر فهزمهم ابن أبي العلاء وقتل منهم قتلا كثيرا وانهزم القرمطي إلى (سبأ صهيب) فلما كان الليل جمع أصحابه وقال لهم: "إني أرى رأياً

ص: 330

صائباً أن القوم قد أمنوا منا وقد علمتم ما فعلوه بنا وأرى أن نهجم عليهم فإنا نظفر بهم فأجابوه إلى ذلك وهجم عليهم إلى (حنفر) فقتل ابن أبي علاء وعسكره واستباح ما كان له، وأخذ من خزائنه تسعين ملحماً في كل واحد عشرة آلاف، فلما رجع إلى بلاد يافع عظم شأنه وشاع ذكره وأجابه قبائل مذحج بأسرها وزبيد ومالا يحصى عدده، فلما بلغ ذلك جعفر أغتم غماً شديداً وسفر إليه ينظر ما عنده فسأله أن يقسم ما أخذ من (حنفر) فجمع القرمطي القبائل والعساكر ولقي السفير في أعظم زي من العدة والعدد، فلما عرفه السفير بما جاء به جمع العساكر وقال:"إن جعفر أرسل إلي لما بيني وبينه من العهد بقسمة ما غنمت وقد أحضرتكم شهوداً على تسليمه إليه لأني لا رغبه لي في المال إنما قمت لنصرة الإسلام" فشكروه على ذلك، ثم احضر المال فقسمه شطرين وسلم إلى السفير وقال::انصرف إلى صاحبك ليلتك وقل له: يستعد لحربي"وكتب معه كتاباً إليه يذكره فيه أنه بلغني ما أنت عليه من ظلم المسلمين وأخذ أموال الناس "آنا قمت لأميت المظالم وأرد الحق إلى أهله، فإن أردت تمام ما بيني وبينك فرد الظلامات إلى أهلها وأدفع لأهل دلال دية ما قطعت من أيديهم". وذلك أن جعفرا قطع أيدي ثلاثمائة رجل من أهل دلال على حجر بالمذيخرة [1] يقال أن أثر الدم على الحجر إلى اليوم، فلما كان العام المقبل خرج القرمطي بالجمع الكثير فدخل المعافر فأمر جعفر بلزوم نقيل بردان عند التعكر [2] وخرج في لقائه أكثر من ألف فارس فانهزم القرمطي مولياً إلى بلاد يافع فجمع جموعاً كثيرة ورجع لهزم جموع جعفر إلى المذيخرة فتتبعه جعفر بصاحب تهامة فأنجده بغسكر عظيم فطلع حتى صار في موضع يقال له الراهدة بناحية (عبهة) فلما سمع به القرمطي خرج إليه في جنح الليل فظفر به وقتل جعفراً في الحوالة بنحلة.

ص: 331

قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى: وكان هذا جعفر بن إبراهيم ظلوماً غشوماً سفاكاً للدماء وأنه قال في شعر له طويل قدر مائتي بيت في حرب كانت بينه وبين جعفر الحوالي في شيء من شعره:

إذا ما تجعظروا بطشنا بقدرة

ونفعل ما شئنا وما نتجعظر

فما قبلنا ولا بعد بعدنا

لمفتخر فخراً إذا عد مفخر

سوى الطيبين الطاهرين الذين هم

من الرجس والعاهات والسوء طهر

سلالة إسماعيل ذي الوعد والوفا

ودعوة إبراهيم والبيت يعمر

محمد الهادي النبي وصنوه

على وسبطاه شبيرو [3] شير

ونسلهم الهادين بالحق والتقى

بطاعتهم رب السماوات يأمر

ومولاتي الزهراء التي عدل مريم

وصهر الرسول مولاي حيدر

رويدك عني بالملامة أنني

بها وبهم أزهو وأعلوا وأفخر

الأكل مجد ما خلا مجد أحمد

وعترته من دون مجدي يقصر

وكل امرء والى سوى آل أحمد

فذاك الذي الدنيا مع الدين يخسر

بهم زادني الرحمن عزا ومفخراً

فأحمده حمداً كثيراً وأشكر

أنا ابن أبى إسحاق منصور حمير

وفارسها والشعشعان المظفر

فلولاي لم يخلق سرير ممهد

ولولاي لم ينصب على الأرض منبر

أنا قمر الدنيا وعمي سراجها

وجدي الذي كانت الأرض تعمر

هم أنزلوني منزل العز حيث لا

يراني إلا دوني الطرف يحسر

أصول ولا يعدي علي واعتدي

وأخمد نيران الحروب وأسعر

وطعمي للأعداء مر وعلقم

وطعمي لأهل السلم شرب معنبر

ألم تر أن البغي مهلك أهله

وأن الذي يبغى عليه سينصر

رجع الحديث إلى علي بن فضل القرمطي لعنه الله أنه لما قتل جعفراً أظهر كفره وادعى النبوة وأحل البنات والأخوات وفي ذلك يقول الشاعر على منبر الجامع في الجند:

خذي الدف يا هذه والعبي [4]

وغني هزاريك ثم أطربي

تولي نبي بني هاشم

وهذا نبي بني يعرب

لكل نبي مضى شرعه

ص: 332

وهذي شرائع هذا النبي

فقد حط عنا فروض الصلاة

وحط صيام ولم يتعبض

إذا الناس صلوا فلا تنهضي

وإن صوموا فكلي وأشربي

ولا تمنعي نفسك المعرسين

من أقربي ومن أجنبي

فكيف تحلي لهذا الغريب

وصرت محرمة للاب

أليس الغراس لمن ربه

وسقاه في الزمن المجدب

وما الخمر إلا كماء السماء

حلال فقد ست من مذهب

والشعر طويل وكله تحليل محرمات الشريعة والاستهانة بها ثم خرج يريد الحوالي وخرج قبل ذلك إلى بلاد (يحصب)[5] فدخل (منكث)[6] فأحرقها ثم خرج يريد الحوالي صاحب صنعاء فلما بلغ بلد (عنس) وكان للحوالي مأمور في هران [7] فأرسل إليه القرمطي يدخل فيها هم عليه فأجابه إلى ذلك فنزل إليه ودخل في ملته وقرمطته وكان معه خمسمائة فارس رجع منهم إلى صنعاء إلى الحوالي مائة وخمسون وخرج القرمطي يريد صنعاء فلما سمع به الحوالي وبالجموع التي معه وعلم أنه لا طاقة له به خرج من صنعاء هارباً إلى الجوف فدخل القرمطي صنعاء فأقام فيها الفحشاء وأمر الناس بحلق رؤوسهم ثم التقى هو وصاحب مسور الحسن بن منصور ويقول إنما أنا سيف من أسيافك والمنصور يهابه ويخافه على نفسه لما يرى من شهامته وإقدامه فعزم على الخروج إلى مخالف (البياض) فنهاه المنصور وقال له قد ملكنا اليمن بأسره ولم يبقى إلا الأقل فعليك بالتأني والوقوف في صنعاء سنة وأنا في (شبام) فيصلح واحد ما استفتح ثم بعد ذلك يكون لنا نظرة فإنك إن خرجت من صنعاء خالف أهلها وفسد علينا ما ملكناه فلم يقبل منه وقال لابد من الخروج واستفتح تهامة فخرج إلى مخاليف البياض وهي بلاد وعرة فلما توسط بينهم ومعه قدر ثلاثين ألفاً أحاطوا وقطعوا عليه الطرق ولم يقدر على التخلص فلما سمع المنصور خاف عليه وأغار إليه واستنقذه فرجع إلى شبام وعاد إلى صنعاء وخرج إلى جبال حضور ثم إلى احراز ثم إلى ملحان ونزل المهجم وقتل صاحبها هو إبراهيم

ص: 333

بن علي رجل من عك [8] واستفتح الكدرى [9] ورجع إلى ملحان [10] وسرى بالليل إلى الزبيد وفيها المظفر بن حاج ومعه ستمائة فارس وهجم عليهم في أربعين ألفاً فاحاط بعسكره فقتل المظفر بن الحاج وكان المنصور مأموراً لصاحب بغداد وسبى القرمطي من زبيد أربعة آلاف عذراء ثم خرج منها إلى الملاحيط وأمر صائحه وعسكره يا جند الله يا جند الله فلما اجتمعوا إليه قال قد علمتم أنا مجاهدون وقد أخذتم من نساء الخصيب ما قد علمتم من نساء الحصيب تفتن الرجال فيشغلنكم عن الجهاد فليذبح كل رجل منكم ما في يده فسميت الملاحيط والمشاحيط لذلك قم رجع إلى المذيخرة دار مملكته وأمر بقطع الحج وقال: حجوا إلى الحرف واعتمروا إلى الثاني موضعان معروفان هنالك.

فلما أصبحت اليمن بيده وقتل الأضداد مثل المناخي وجعفر بن الكرندي والرؤساء وطرد بني (زياد) وكانوا رؤساء مخلاف جعفر ولم يبق له ضد يناوئه عطل المنصور وخلع عبيد بن الميمون الذي كان يدعوا إليه فيكتب إليه المنصور يعاتبه ويذكره ما كان من إحسان القداح وقيامه بأمرهما وما أخذ عليهما من العهد لأبنه فلم يلتفت إلى قوله وكتب إليه إنما هذه الدنيا شأن من ظفر بها افترسها ولى بأبي سعيد الجنابي أسوة لأنه خلع ميموناً وابنه ودعا إلى نفسه وأنا ادعوا إلى نفسي فما نزلت على حكمي ودخلت في طاعتي وإلا خرجت إليك وقد كان [11] سعيد الجنابي دخل مكة في ذي الحجة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاثة عشر ألفاً وقطع الركن يوم النحر وهو القائل لعنه الله:

فلو كان هذا البيت لله ربنا

لصب علينا النار من فوقنا صبا

لأنا حججنا حجة جاهلية

مجللة لم تبق شرقاً ولا غربا

وأنا تركنا بين زمزم والصفا

كتائب لا تنبغي سوى ربها ربا

ولكن رب العرش جل جلاله

لم يتخذ بيتاً ولم يتخذ حجبا

ص: 334

في شعر طويل [12] وقد كان الخليفة ببغداد كتب إليه يذكر له ما فعل ويتوعده على ما استحل فأجابه أبو سعيد [13] القرمطي:

(بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين، من أبي الحسن الجنابي الداعي إلى تقوى الله القائم بأمر الله والآخذ بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قائد الإرجاس المسمى بولد العباس.

أما بعد عرفك الله مراشد الأمور وجنبك التمسك بحبل الغرور_ فأنه وصل كتابك بوعيد وتهديدك وذكرك ما وضعته من نظم كلامك ونمت به من فخامة أعظامك من التعلق بالأباطيل والإصغاء إلى فحش الأقاويل_ من الذين يصدون عن السبيل فبشرهم بعذاب أليم على حين زوال دولتك ونفاذ منتهى طلبتك وتمكن أولياء الله من رقبتك وهجومهم على معاقل أوطانك صغراً وسبيهم حرمك قسراً وقتل مجموعتك صبر أولئك حزب الله إلا أن حزب الله هم المفلحون وجند الله هم الغالبون هذا قد خرج عليك الإمام المنتظر كالأسد الغضنفر في سرابيل الظفر متقلداً سيف الغضب مستغنياً عن نصر العرب لا يأخذه في الله لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم قد اكتنفه العز من حواليه وسارت الهيبة بين يديه وضربت الدولة عليه سرادقا والقت عليه قناعها بوائقها وانقشعت طخاء الظلمة ودجنة الضلالة وغاضت بحار الجهالة ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون.

قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى يرجع الحديث إلى قصة صاحب مسور وعلي بن فضيل لعنهما الله تعال.

ص: 335

وذلك ان صاحب مسور لما علم ان على بن فضل غير تاركه لما ذكر في كتابه عمد الى جبل مسور فحصنه واعد فيه جميع ما يحتاج اليه للحصار وقال لاصحابه انى لأخاف هذا الطاغيه ولقد تبين لي في وجهه الشر حيث واجهته في (شبام) فلم يلبث علي بن فضل أن خرج لحرب المنصور واختار لحربة عشرة آلاف مقاتل من يافع ومذ حج وزبيد وعنس وقبائل العرب فدخل قرية (شبام) وخرج المنصور بلقائه ألف مقاتل إلى موضع يقال له المصانع من بلد حمير فضبطوا ذلك الجبل فزحف اليهم فقتتلوا من اول النهار إلى الليل فخرج علي بن فضل على طريق العصد ودخل (لاعة) مصعد إلىجبل الجميمة مقاتلا للمنصور فضرب فيها مضاربه ورجع إلى أصحاب حضور المصانع [14] فلزموا بيت ربيته وضبطوا الجبل فأقسم الا يبرح حتي يستنزل المنصور فحاصرة ثمانيه اشهر وقيل أن المنصور حمل من سوق طمام خمسمئة حمل ملح قبل وصول علي بن فضل وعق له في الجبل عقا واسع في موضع كثير التراب واوقدوا فوقه الحطب اياما حتي استملح الجبل فصار ملحا كله ثم نقله إلى الخزائن ثم إن علي إبن فضل مل المقام فلما علم منه المنصور ذلك دس عليه أمر الصلح فقال لست ابرح وقد علم اهل اليمن قصدي لمحاصرته الا ان يرسل إلى بعض ولدة فيكون ذلك لي مخرجا عند الناس ويعلمون انه قد دخل في طاعتي فأرسل اليه ولدة ودفعه بالتي هي احسن فرجع إلى (مذيخرة) فأقام عنده ولد المنصور سنه ثم ردة إلي ابيه وبرة وطوقه بطوق من الذهب ثم اقام بمذيخرة يحل الحرمات وير تكب الفواحش وامر الناس باستحلال البنات والاخوات وكان يجمع اهل مذهبه في دار واسعه يجمع فيها الرجال والنساء بالليل ويأمر بإطفاء السرج وأخذ كل واحد من وقعت يده عليه وروى أن عجوزاً محدوبة الظهر وقعت مع رجل منهم فلما تبين بها خلاها فتعلقت بثيابه وقالت (دوبد من ذى الحكم الأمي ر [15] ) فجرت مثلاً.

ويقال إن أيامه لعنه الله كانت سبع عشر سنة ومات مسموماً سنة ثلاثة وثلاثمائة.

ص: 336

وكان سبب موته لعنه الله أن رجلاً من أهل بغداد يقال أنه شريف وصل إلى الأمير أسعد بن أبي [16] يعفر الحوالي وكان في ذلك الوقت هارباً من القرمطي في الجوف من بلد همدان مستجيراً ببني الدعام وأن ذلك البغدادي وهب نفسه لله وللإسلام وقال الأمير تعاهدني وأعاهدك أني ‘ذا قتلت القرمطي كنت معك شريكاً فيما يصل إليك فعاهده على ذلك وكان طبيباً حاذقاً فخرج فكان مع كبار أهل دولة القرمطي يفتح لهم العروق ويسقيهم الدواء ويعطيهم المعجونات حتى وصفوه للقرمطي بالحذق بالطب وفتح العروق وقالوا أن مثلك لا يستغني أن يكون في حضرة مثلة ثم إنه احتاج إلى إخراج الدم فأمره أن يفصده فعمد إلى السم فجعله على شعر رأسه فدخل على القرمطي فسلم عليه فأمره أن ينزع ثيابه ويلبس غيرها ثم أخرج المبضع ثم مصه وعلي بن فضل ينظر إليه ثم مسحه برأسه فتعلق به من السم حاجته ثم فصده وخرج من ساعته فركب دابته وخرج هارباً فلما أحس عدو الله بالموت أمر بقتل الطبيب فلم يوجد فلحقوا به دون (نقيل صيد)[17] بازاء قينان [18] فقتلوه هناك رحمه الله تعالى ومات القرمطي لا رحمه الله.

وولى الأمر من بعده ولده فأفأ وشاع موته في الناس ووصل إلى الحوالي جماعة من رؤساء الناس بنو المحابي والأنبوع وغيرهم فزحف بالعسكر الغليظ لحرب القرامطة فدخل الدعكر [19] ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة فدخل الدعكر ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة وسلط الله سبحانه وتعالى عليهم سيف النقمة لا يخرج لهم جمع إلا هزموا أو قتلوا وأيد أسبحانه وتعالى امسلمين بنصره.

قال تعالى: {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} . فأقام يحاصر القرامطة سنة ويقال إن من شدة عزمه وحزمه وتقصيه أنه ما حل عدته ولا سلاحه بل يصلي وعليه عدته وسلاحه حتى فتح الله عليه وقتل القرامطة وأحيا الإسلام.

ص: 337

ليس كولاة الأمر من أهل زماننا الذين غرقوا في الملذات واتبعوا الشهوات ولم يرغبوا في المكارم والنجدات وعظوا فلم يتعظوا وناموا فلم يستيقظوا ونظروا ما حل بغيرهم فلم يعتبروا. وقد قيل في المثل السائر:

أوشكت بعد أخيك تصبح أصلعا

وإذا رأيت أخوك يحلق رأسه

ومن عجز عن رعاية رعيته وجار علبيها في حكمه وقضيته، ودل على زوال مملكته وتعجيل منيته، وقد قال الأول:

ونام عنها تولى رعيها الأسد

ومن رعى غنما في أرض مسبعة

وإذا فرط الراعي في أمر رعيته وطاوع نفسه الدنيه، وذهب عنه الآنفة والحمية فقد عظمت عليه البلية. وقال الأفواه الأودي:

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم

فإن تولت فبالأشرار ينقادوا

تهدي الأمور بأهل الرأي ما ضحلت

ص: 338

رجع الحديث إلى محاصرة الأمير الحوالي فروي أنه نصب المنجنيقات فهدم الذخيرة بعد سنة ودخل على القرامطة فقتلهم وأخذ من الغنائم مالا يحصى وسبى بنات القرمطي وكن ثلاثا فصار اثنتين في رعين وواحدة وهبها الأمير لابن أخيه قحطان أباد الله القرامطة على يد الأمير الحوالي بمنة وسعادته، وجعل لا يسمع بأحد منهم إلا قتله، ورجع إلى صنعاء وقد أطفأ جمرة الشك وملك جميع البلاد وزالت الفتنة وأراح الله من القرامطة وطهر منهم البلاد وأمن منهم العباد، وسار الأمير في الناس بأحسن سيرة وعدل في الرعية ورد بني المحابي إلى مخلاف جعفر، وجرت المكاتبة بين الأمير الحوالي والأمير إبراهيم بن زياد [20] والناصر أحمد بن يحي الإمام الهادي صاحب صعده [21] وتعاقدوا على المعاضدة والمناصرة وقتل القرامطة حيث ما وجدوا. وذكروا أنه كان يوجد عنوان كنتم بركة في بركه ونعمة مشتركة والأرض فيما بيننا قد حصلت في شبكة وكان الخارج إذا خرج من بلد أحدكم لذنب أذنبة كاتب فيه وسأل الصفح عنه. وصفت لهم المعيشة واستقامت لهم الدولة ولزم كل واحد منهم بلده ولم يطمع واحد على صاحبه. ألف الله بين قلوب المسلمين ولم يبق من القرامطه إلا شرذمة قليلة من أولاد المنصور في ناحية مسور وأبادهم الله تعالى على يد الدعام بن إبراهيم والناصر بن يحيى وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

المذيخرة: ناحية في قضاء العدين.

[2]

التعكر: حصن من أشهر حصون اليمن بجوار مدينة الجند.

[3]

هما اسمان لابني هارون عليه السلام، ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى بهما سبطيه.

[4]

في نسخة اليافعي "واضربي".

[5]

يحصب: مخلاف كبير من مخالف اليمن يضم كثير من القبائل اليمانية ومنه بلاد (تريم) و (عنس) و (صنعاء) و (همدان) .

ص: 339

[6]

بليدة في بلاد عنس.

[7]

حصن من حصون ذمار في اليمن.

[8]

عك: قبيلة في تهامة اليمن.

[9]

الكدرى: مدينة قديمة في تهامة اليمن وقد اندثرت.

[10]

ملحان: جبل من جبال السراة في اليمن.

[11]

هكذا الأصل والصحيح "وقد كان أبو طاهر أخو سعيد".ز.

[12]

ومن قوله:

يخلق الخلق وأفنيهم أنا

أنا بالله وبالله أنا

[13]

هكذا في الأصل، وقد سبق أنه قتل سنة 301هـ فالصواب "فأجابه أبوطاهر سليمان بن أبي سعيد".

[14]

حضور المصانع: جبل عظيم في اليمن وهو غير جبل شعيب.

[15]

وفي نسخة البهاء الجندي مؤرخ اليمن "دوبد من ذي حكم به الأمير"ثم قال: " (دو) بمعنى (لا) في بعض لغات اليمن و (ذي) بمعنى (الذي) "وقال البهاء الجندي: "سألت جمعاً منهم عن جمع النساء مع الرجال هكذا فأنكروه"أهـ لكنه غريب منه أن ينظروا منهم الاعتراف بمثل هذه الشناعة البالغة وهي معروفة في فروعهم إلى اليوم. ز.

[16]

هكذا في الأصل، والصواب حذف (أبي) قال الجندي قال الطبيب لأسعد الأمير:"إن أنا عدت تقاسمني ما يصير إليك من الملك" لكنه قتل ولم يعد. ز.

[17]

النقيل في لغة اليمن العقبة وهي الأكمة المرتفعة.

[18]

بوادي السحول المعروف بقينان وقد زاره الجندي سنة696هـ. ز.

[19]

وفي بعض الكتب (التعكر) .ز.

[20]

أحد ملوك بني زياد في زبيد.

[21]

أحد أئمة الزيدية في اليمن وهو الذي خرج من المدينة المنورة إلى اليمن وسيرته معروفة.

ص: 340

التراويح أكثر من ألف عام

بقلم الشيخ عطية محمد سالم

القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة

الحلقة الثالثة

إلى حضرات القراء الكرام قدمنا في الحلقات السابقة من هذا البحث التراويح في العهد النبوي وعهد الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم الآن نقدم ما بعد عهدهم إلى نهاية الألف عام: ما جرى على التراويح في المسجد النبوي من زيادة أو نقص ومن صورة أو شكل.

وقد أبدينا الرأي أنه بحث تاريخي فقهي وأنه للجميع وقد التمسنا من كل من يقف على هذا المبحث سابقاً أو لاحقاً أن يتكرم بإبداء ما عنّ له من توجيه ويهدي إلينا ما وقف عليه مما لم نطلع عليه في المراجع التي بين أيدينا أو مما لم يصل إلينا. ولاسيما مع ضيق الوقت وكثرة العمل وضعف الجهد مما يجعلنا نلتمس من الجميع المشاركة في هذا العمل وبالله التوفيق.

المائة الثالثة..

مضت المائة الثانية والتراويح ست وثلاثون وثلاثة وتر فيكون المجموع تسع وثلاثون. وكان هناك من يرى إحدى وأربعين ركعة كما تقدم.

ودخلت المائة الثالثة وكان المظنون أن تظل على ما هي عليه تسع وثلاثون بما فيه الوتر.

ولكننا وجدنا نصاً للترمذي رحمه الله المتوفى في أواخر المائة الثالثة في سنة 279أن التراويح بلغت إحدى وأربعين ركعة بالوتر. فقال: "واختلف أهل العلم في قيام رمضان فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر وهو قول أهل المدينة. والعمل على هذا عندهم بالمدينة".

فقوله: "والعمل على هذا عندهم بالمدينة"ظاهر في بقاء هذا العمل أو وجوده بالفعل عند حكاية له.

ص: 341

فهل زادت التراويح في المائة الثالثة إلى إحدى وأربعين ركعة أي عمل بأحد الأقوال المتقدمة. أم أنهم اعتبروا التسع والثلاثين تراويح وزادوا لها ثلاثاً فصارت إحدى وأربعين كما تقدم بحث هذه المسألة في أول الكلام على عدد الركعات في زمن عمر بن عبد العزيز وزمن مالك رحمه الله على كل فإن الستة والثلاثون مؤكد وجودها والباقي بين تتمة التسع والثلاثين أو الإحدى والأربعين.

المائة الرابعة والخامسة والسادسة

عادت التراويح في تلك الفترة كلها إلى عشرين ركعة فقط بدلاً من ست وثلاثين كالسابق.

لأن المنطقة كلها أي منطقة الشرق الأوسط بل من مصر والحجاز والعراق قد شهدت اضطراباً شديداً بسبب نزاع العبيديين مع العباسيين.

وقد بدأ حكم العبيديين في مصر سنة 359 تسع وخمسين وثلاثمائة أي في منتصف المائة الرابعة، وظل منبر الحجاز مؤرجحاً بين العباسيين في العراق والفاطميين في مصر حوالي مائتي سنة إلى أن توفي آخر خليفة عبيدي سنة 567 سبع وستون وخمسمائة أي منتصف القرن السادس.

وباستيلاء الفاطميين على الحجاز تغيرت الأوضاع تغيراً شديداً، ولاسيما من جهة الأمن، والسنة وظهور البدع لأنهم لم يكونوا على مذهب أهل المدينة آنذاك.

قال ابن جبير في رحلته وقد وصل المدينة سنة 580 ثمانين وخمسمائة وصور ما شاهده من بدع هؤلاء آنذاك في المدينة، ملخصة من رحلته سنة 179 قال: "وفي يوم الجمعة وهو السابع من محرم سنة 580 شاهدنا من أمور البدع أمراً ينادي له الإسلام يا لله يا للمسلمين، وذلك أن الخطيب وصل للخطبة وصعد منبر النبي صلي الله عليه وسلم وهو ما يذكر على مذهب غير مرضي وكان ضد الشيخ الإمام (العجمي) الذي كان ملازما لصلاة الفريضة في المسجد المكرم فالإمام الراتب على طريقة من الخير والورع لائقة بإمام مثل ذلك الموضع الكريم.

ص: 342

فلما أذن المؤذنون قام هذا الخطيب أي الذي قدم للخطبة وهو من الشيعة وقد نفد منه الرانيان السوداوان وقد ركزنا بجانبي المنبر الكريم فقام بينهما فلما فرغ من الخطبة الأولى جلس جلسة خالف فيها جلسة الخطباء المضروب بها المثل في سرعة وابتدر الجمع (مردة) من الخدم يخترقون الصفوف ويتخطون الرقاب كدية (أي شحاذة) على الأعاجم والحاضرين لهذا الخطيب القليل التوفيق، فمنهم من يطرح الثوب النفيس ومنهم من يخرج الشقة الغالية من الحرير. فيعطيها وقد أعدها لذلك، ومنهم من يخلع عمامته لينبذها.

ومن النساء من تطرح خلخالها إلى يطول الوصف، والخطيب جالس على المنبر يلحظ هؤلاء المستجدين بلحظات يكرها الطمع إلى أن كاد الوقت ينقضي والصلاة تفوت، وقد ضج من له دين واجتمع له من ذلك السحت كوماً عظيماً أمامه.

فلما أرضاه قام وأكمل خطبته وصلى بالناس، وانصرف أهل التحصيل باكين على الدين، يائسين من فلاح الدنيا متحققين من أشراط الساعة"اهـ بإيجاز.

فمن هذا يظهر لنا الوضع في المسجد النبوي مما يؤكد طروء تغيير الأوضاع العامة في المسجد عما كانت عليه من قبلهم.

وقد أكد ذلك ما قاله ابن فرحون في مخطوط له أثناء حديثه عن المسجد النبوي ما نصه: "ولم يكن لأهل السنة خطيب ولا إمام ولا حاكم منهم"، أي من أهل السنة، ثم قال:"والظاهر أن ذلك منذ أن استولى العبيديون على مصر والحجاز فإن الخطبة بالمدينة كانت باسمهم إلى سنة 662 اثنتين وستين وستمائة أي إلى منتصف القرن السابع حيث تغلب العباسيون على الحجاز وأقيمت الخطبة لهم من ذلك العهد إلى يومنا هذا"اهـ. أي إلى يوم المؤلف.

ثم قال: "وكان أخذ الخطابة من آل سنان سنة 682 أثنين وثمانون وستمائة"اهـ.

ص: 343

ويشهد لهذا ما وقع في مكة من وهن علمي، كما جاء في كتاب السيد السباعي في تاريخ مكة ج1 ص 165 في حديثه عن الناحية العلمية في مكة في العهد العباسي الثاني قال:"ثم ما لبث أن توزع أعلام مكة في الأمصار فضعف النشاط العلمي فما وافى القرن الرابع الهجري حتى كانت علامات الضعف قد زادت وضوحاً في البلاد. وكان العالم الإسلامي قد زخر في هذا العهد بالاختلافات الدينية فاشتدت دعوة الخوارج وشاعت أقوال المعتزلة، والمرجئة، وذاعت المذاهب الشيعية على اختلاف أنواعها"، إلى قوله:"أما المذهب الشيعي فقد وجد على خلاف غيره من يناصره في مكة والمدينة وبعض مدن الحجاز في أوقات مختلفة".

ومما يؤيد القول بوجود مناصرين للمذهب الشيعي في مكة والمدينة ما ذكره السيد السباعي في تاريخ مكة أيضاً قوله: "وما لبث الأشراف في مكة على إثر اتصالهم بالفاطميين أن أضافوا إلى الآذان عبارة (حي على خير العمل) وهو تقليد كان يتبعه الفاطميون. وكان ذلك في عام 358أي في المائة الرابعة".

فقد نص على وهن الحالة العلمية، وعلى مناصرة الأشراف للمذهب الشيعي تبعاً للسياسة آنذاك في كل من مكة والمدينة وهو بعد المنطقة عن مقر الحكم العباسي في بغداد. والحكم الفاطمي في مصر. وتنازع الطرفين لمنبر الحرمين رغبة في التأييد لمكانة الحرمين من العالم الإسلامي وأن من استولى عليهما فقد أصبح أحق بالخلافة. ومن وراء ذلك يستدر الحاكمون بمكة والمدينة عطاء كلا الجهتين. وهكذا دواليك ثم قال:"وقد ظل الوهن العلمي على ذلك أي في مكة والمدينة طيلة القرن الرابع والخامس والسادس للهجرة".

فتصوير السباعي لوهن الحالة العلمية وتصوير ابن جبير لحالة الجمعة مما يؤكد حتماً وقوع تغير في صلاة التراويح في المسجد النبوي في تلك الفترة وهي مدة حكم الفاطميين على الحجاز. وقد امتد حكم الفاطميين على العالم الإسلامي إلى سنة 567 وانتهى بموت الخليفة العاضد آخر خلفاء العبيدين.

ص: 344

ولكن على أي صورة كان التغيير إلى مذهب الشيعة أنفسهم أصحاب الحكم أم إلى مذهب الشافعي الذي كان سائداً بمكة ثم نقلوه إلى المدينة والجدير بالذكر أن مذهب الشيعة في التراويح هو كما قال الحلي وغيره من أئمتهم ما نصه: "نافلة شهر رمضان، والأشهر في الروايات استحباب ألف ركعة في شهر رمضان زيادة على النوافل المرتبة يصلي في كل ليلة عشرين ركعة ثمان بعد المغرب. واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء على الأظهر. وفي كل ليلة من العشر الأواخر ثلاثين على الترتيب المذكور. وفي ليالي الأفراد الثلاث في كل ليلة مائة ركعة زيادة على ما عليه"ولهم تفصيلات في ذلك فمن أرادها فليراجعها في ج1 ص 65 من كتاب الشريعة للحلي. والذي يظهر أن التغيير الذي وقع للتراويح كان على مذهب الشافعي رحمه الله لما جاء في أقوال أبي زرعة عن أبيه ما نصه: "ولما تولى والدي إمامة المسجد النبوي أعاد إليها سنتها أي في التراويح بست وثلاثين ركعة. ولكنه كان يصلي التراويح في أول الليل عشرين ركعة كالمعتاد وستة عشر ركعة بعد منصف الليل مراعاة للخلاف"فقوله: "يصلي التراويح أول الليل عشرين ركعة"يدل على أنه أخذ بمذهب الشافعي بقرينه قوله: "مراعاة للخلاف"وقوله "كالمعتاد"يدل على أنه العدد الذي كان معتاداً من قبله وأبو زرعة من أعيان القرن الثامن وشافعي المذهب.

ومما يدل على أن مذهب الشافعي هو الذي كان مقدماً في مكة والمدينة في عهد الفاطميين ما نقله ابن جبير عن صورة الختم في رمضان في التراويح بمكة في القرن السادس. وكان الحكم بها للفاطميين كما أفاده قوله ما ملخصه: "أن هلال شهر رمضان استهل ليلة الاثنين التاسع عشر من ديسمبر وصيام أهل مكة ليوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح، لكن أوصى الأمير بذلك ووقع الإيذان بالصوم ليلة الأحد المذكور لموافقة مذهبه ومذهب شيعته العلويين ومن والاهم". لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضاً حسبما يذكره.

ص: 345

ثم قال: "وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقاً فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماماً لها في ناحية من نواحي المسجد، والحنبلية كذلك، والحنفية كذلك والزيدية

"الخ اهـ.

وقد بين أن صلاة أهل مكة كلهم عشرون ركعة فقط حيث قال: "والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهاد وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل في الطواف مع الجماعة". وذكر طوافهم وعودتهم إلى أن قال: "هكذا إلى أن يفرغوا من عشر تسليمات فيكمل لهم عشرون ركعة ثم يصلون الشفع والوتر وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئاً". اهـ.

فظهر بذلك كله أن التراويح في تلك الفترة وهي فترة حكم العبيديين عادت إلى عشرين ركعة عملاً بمذهب الشافعي إلى أن أعادها أبو زرعة مع تغيير في صورة الأداء كما سيأتي إن شاء الله في المائة الثامنة.

المائة الثامنة

عادت التراويح فيها إلى ست وثلاثين ركعة ولكن مع اختلاف في الأداء وهذا ما يفهم مما وجد في كتاب (طرح التثريب في شرح التقريب) للإمام زين الدين أبي الفضل والد الحافظ ولي الدين أبى زرعة العراقي المولود في عام 725 خمس وعشرين وسبعمائة، والمتوفى ولده عام818 ثمانية عشر وثمانمائة أي أنهما عمّرا ما بين أوائل المائة الثامنة إلى أوائل المائة التاسعة.

ساق أبو زرعة على حديث صلاته ذات ليلة في المسجد في رمضان فصلى بصلاته أناس..الخ فذكر الشرح وما يتعلق بفقه الحديث ثم تعرض لذكر عدد الركعات في التراويح والخلاف فيها، ومناقشة كلام الناس في الزيادة على العشرين ركعة وأنها سنة أهل المدينة، ثم قال وهو محل الشاهد:

ص: 346

"ولما ولى والدي رحمه الله إمامة المسجد النبوي أحيا سنتهم القديمة في ذلك مع مراعاة ما عليه الأكثر فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد. ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين واستمر على ذلك عمل أهل المدينة بعده فهم عليه إلى الآن". اهـ. راجع طرح التثريب ج1ص98.

فقوله رحمه الله: "ولما ولي والدي إمامة مسجد المدينة أحيا سنتهم القديمة"يدل على أنه طرأ على التراويح تغيير في الفترة التي قبل والده.

وقوله: "فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد"يدل أيضاً على أنها كانت قبله عشرين ركعة وهو العدد المعتاد عندهم من قبله.

وقوله: "واستمر على ذلك عمل أهل المدينة"أي على عشرين ركعة أول الليل وستة عشر بعد منتصف الليل تتمة الستة والثلاثين ركعة السابقة.

وقوله: "فهم عليه إلى الآن"نص على وجود ذلك العمل إلى حياة المؤلف في أوائل المائة التاسعة في سنة 818 ثمانية عشر وثمانمائة.

المائة التاسعة

وبناء على ما تقدم من كلام أبي زرعة تكون التراويح قد استمرت على ست وثلاثين ركعة مفصلة كالسابق عشرين في أول الليل وستة عشر في آخره. وقد استمر هذا العمل إلى نهاية المائة التاسعة وأوائل المائة العاشرة كما ينص عليه السمهودي في الآتي:

المائة العاشرة وهي تمام الألف سنة

دخلت المائة العاشرة والتراويح في المسجد النبوي ست وثلاثون ركعة كما جاء عند السيد السمهودي في كتابه (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) ج1 ص84 في المسألة (الثمانون) فيما اختصت به المدينة عن غيرها من البلدان ما نصه:

ص: 347

"الثمانون: اختص أهلها في قيام رمضان بست وثلاثين ركعة على المشهور عند الشافعية، قال الرافعي والنووي: قال الشافعي: رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة، منها ثلاث للوتر، قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة ذلك لشرفهم بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره"اهـ. وقد توفي السمهودي سنة 911 وهو شافعي المذهب أيضاً وسيأتي أن ولده كان من أئمة الشافعية في المسجد النبوي.

ثم قال في المرجع نفسه ص85: "والقيام بهذا العدد بالمدينة باق إلى اليوم إلا أنهم يقومون بعشرين ركعة عقب العشاء، ثم يأتون آخر الليل فيقومون بست عشرة ركعة". هـ فنص على وجود العدد والكيفية التي أعادها أبو زرعة رحمه الله.

تنبية: تقدم ذكر الشافعي رحمه الله عدد التراويح (تسع وثلاثون) منها ثلاثة للوتر ولم يفصل نوع وكيفية الصلاة للوتر والمعروف عند الشافعي رحمه الله أنه ثلاث مفرقات. ولكن السيد السمهودي أشار إلى تغيير في الكيفية حيث قال عقب كلامه الأول ما نصه: "فوقع له خلل في أمر الوتر نبهنا عليه في كتاب (مصابيح القيام في شهر الصيام) وكنت قد ذكرت لهم ما يحصل به إزالة ذلك ففعلوه مدة، ثم غلبت الحظوظ النفسية على بعضهم فعاد الأمر كما كان".

قوله هنا: "فوقع لهم خلل في أمر الوتر نبهنا عليه

إلخ"لم نعلم ما نوع هذا الخلل وما هو تنبيهه عليه. والمعلوم أنه لا يوجد خلاف في الوتر إلا في صورته ما بين الجمع والتفريق كما هو بين الأحناف يجمعون الثلاثة كالمغرب، والجمهور يفرقون بينهما يسلمون من اثنتين ويأتون بواحدة مفردة.

والأحناف يقنتون في الوتر إلا أن الحنابلة يجهرون فيه والأحناف يسرون والشافعية والمالكية يقنتون في الصبح إلا أن الشافعية بعد الركوع والمالكية قبله.

ص: 348

ولعل الخلل هو بسبب تعدد الأئمة وتعدد صور الوتر كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله عند الكلام عن المائة الثالثة عشرة وإيراد رسالة الشيخ سليمان العمري في الوتر وكلام أئمة وعلماء المسجد النبوي أنذاك في هذا الموضوع.

ما بعد الألف المائة الحادية عشرة:

يغلب على الظن أنه لم يطرأ تغيير على التراويح في المائة الحادية عشرة لأننا وجدنا كلام السيد السمهودي المتوفى سنة 911 أن التراويح كانت ستاً وثلاثين ركعة وثلاثة وترا فالمجموع تسع وثلاثون وأنهم كانوا يصلونها على فعله أبو زرعة رحمه الله.

ثم وجدنا للشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته التي كتبها عن المدينة في المائة الثانية عشرة أن التراويح أيضاً تسع وثلاثون ركعة مما يؤكد أنها مضت في طريقها إلى عهده وشاهدها على ما جاء عنه تفصيله كالأتي:

المائة الثانية عشرة

ص: 349

دخلت المائة الثانية عشرة والتراويح على حالها كما كانت قبل الألف عشرون ركعة في أول الليل وست عشرة ركعة في آخره وتسمى الستة عشرية كما جاء من وصف الشيخ النابلسي في رحلته إلى المدينة وما نقلته مجلة العرب عن الرحلة في عدد ذي القعدة الجزء الخامس من السنة الأولى للمجلة سنة 1386ص430 نقلاً عن الشيخ النابلسي قوله: "كنا نصلي عند الشيخ السيد علي السمهودي، وولدي يصلي إماما وكان ولد السمهودي إماما من أئمة الشافعية أنذاك وقال: "إن عادة أهل المدينة بعد فراغ الصلاة التراويح يخرجون من الحرم، ويقفلون أبوابه، فإذا مضى وقت من الليل نحو الثلاث ساعات أو أربع يعود كثير منهم، فيفتحون أبواب الحرم ويوقدون القناديل، ويصلون ست عشرة ركعة جماعة يسمونها الستة عشرية"اهـ. وهذا هو محل الشاهد على بقاء التراويح على ما كانت عليه زمن السمهودي في المائة العاشرة ولم يطرأ عليها تغيير إلا أنهم يسمون الصلاة التي في آخر الليل الستة عشرية أي نظراً لعدد الركعات ست عشرة ركعة وهذا مما يؤكد أن التراويح ظلت بعد الألف تسع وثلاثون ركعة منها ثلاثة وتراً وتصلى عشرين أول الليل وست عشرة آخره. غير أنه قد وجد أو كان موجوداً من قبل تعدد الأئمة للتراويح حسب تعدد الإمامة للفريضة والذي كان موجوداً آنذاك أئمة لمذهبين فقط هما الشافعية، والحنفية وكان عدة خطباء للائمة الثلاثة أي بزيادة المذهب المالكي، كما جاء في مجلة العرب أيضاً في الجزء الرابع من سنتها الأولى عدد شوال سنة 1386هـ ص334 نقلاً عن رحلة النابلسي أيضاً ما نصه: "وللحرم الشريف خمسة عشر إماما منهم الحنفيون ومنهم الشافعيون وله واحد وعشرون خطيباً، منهم اثنا عشر خطيباً حنفيين، وثمان خطباء شافعيين، وخطيب واحد مالكي.

ص: 350

فالأئمة يصلون بالنوبة في كل يوم إمام واحد من الحنفية، وإمام واحد من الشافعية فيبدؤون من الظهر إلى الصبح والإمام الشافعي يصلي أولاً، ثم الإمام الحنفي إلا في المغرب فيتقدم الحنفي لكراهة تأخير المغرب عنده.

ويصلي الإمام الحنفي يوماً في محراب النبي صلى الله عليه وسلم الذي في الروضة الشريفة فيصلي الإمام الشافعي ذلك اليوم في المحراب الذي خلف المنبر (محراب السلطان سليمان عليه الرحمة والرضوان) ثم في ثاني يوم يصلي الإمام الشافعي كذلك. ويصلي الحنفي مثل ما صلى هو أول يوم". وهؤلاء يصلون التراويح أيضاً في وقت كل لجماعته إلا في ليلة الختم للشافعي فإنهم يصلون جميعاً العشاء والتراويح خلف إمام واحد هو إمام الشافعية وكان إمام الشافعية هو المقدم آنذاك. في الفريضة يصلي أولاً وفي التراويح يختم هو أولاً أيضاً في حفل وحفاوة بالغة كالآتي:

صورة الختم بالمدينة في المائة الثانية عشرة

قال النابلسي يصف حضوره لختم القرآن العظيم في صلاة التراويح في الروضة الشريفة مع السادة الشافعية. وما شاهده بنفسه كالآتي:

"جاء في مجلة العرب ج9 من سنتها الأولى سنة 1387 عدد ربيع الأول. نقلاً عن رحلة النابلسي ما نصه: وذكر أي النابلسي: "أنهم يختمون في كل رمضان في صلاة التراويح ختماً كاملاً، يجعلونه ليلة السابع والعشرين من رمضان وأن الحنفية يجعلون الختم ليلة التاسع والعشرين من رمضان". والنابلسي حنفي المذهب.

ص: 351

ثم قال: "وجلسنا في الروضة الشريفة حين أذن العشاء، واجتمع الناس وحضر العلماء والأعيان، والأكابر على طبقاتهم، كل واحد منهم له سجادة مبسوطة في مرتبته، وحضر مفتي الحنفية، ومفتي الشافعية، وقاضي المدينة، وشيخ الحرم، وخدام الحجرة المطهرة، والخطباء والأئمة كلهم، وكان الشريف سعد بن زيد أمير الحجاز قد سافر قبل ذلك مع أولاده وعساكره إلى جهة مكة"أي أنه لم يحضر لسفره. ولعل هذا يشير إلى حضور الأمير في مثل ذلك اليوم.

قال: "وحضر المؤذنون كلهم فأقاموا الصلاة، وصلى الإمام بالناس كلهم صلاة العشاء". أي أنهم جميعاً صلوا بصلاة إمام واحد فريضة العشاء على غير المعتاد في بقية الأيام. وذلك تمهيداً لصلاتهم جميعاً التراويح بإمام واحد ولذا قال: "وكانت النوبة في الإمامة للشاب الفاضل حادي الفضائل السيد عمر بن السيد السمهودي الشافعي". أي أن إمامة الشافعية موزعة على عدة أشخاص من الشافعية أنفسهم ويتناوبون الصلاة بالشافعية وكذلك الحال عند الأحناف لهم عدة أئمة كما تقدم بيان عدد الجميع.

ثم قال - وهو محل شاهد -: "ثم صلى بهم التراويح إلى أن فرغ منها". أي أن الإمام الشافعي وهو السيد عمر بن السيد السمهودي شافعي المذهب صلى بالجميع التراويح تلك الليلة إلى أن فرغ منها.

ثم قال مبيناً صورة الختم وحفاوتهم به: "فاجتمع المؤذنون في الروضة الشريفة وأنشدوا القصائد النبوية المشتملة على المديح، وذكر الروضة، والمنبر والحجرة المطهرة وحصل الخشوع والبكاء. وأنشدوا القصائد في وداع شهر رمضان، وضج الناس بذلك، وكانت الهيبة العظيمة والجلال والخشوع.

ص: 352

وقد أشعلوا الشموع الكثيرة، وصفوها في الروضة الشريفة والقناديل العديدة موقدة ومباخر الطيب بالعنبر والعود دائرة، وماء الورد كأنه سحابة هامرة وكل جماعة من الحاضرين قدامهم طبق موضوع من الزهور والفل والفاغية، وأنواع الرياحين، حتى أرسل شيخ الحرم إلى الإمام بعد فراغه بالخلعة السنية الفضية الذهبية. وقام الناس يباركون له الختم الشريف وهو جالس في محراب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك المقام المنيف وقد حصل لنا كمال الثواب والأجر في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وزرنا النبي صلى الله عليه وسلم"ثم ذكر رجلاً من أهل اليمن مجذوب الحال كان يحمل قربة ماء من البئر الذي في صحن الحرم النبوي ويقول شقا شقا ولا يأخذ شيئاً من أحد. ثم ذكر انتهاء ذلك الحفل وانصرف ذلك الجمع واطفئت القناديل والشموع.

وبهذه المناسبة فإن عمل الاحتفال المذكور لختم القرآن في رمضان كان معمولاً به في مكة من القرون السابقة حيث جاء عند ابن جبير في رحلته وصف عمل الحفل المذكور بأعظم وأكبر من هذه الصورة سنوردها آخر البحث إن شاء الله.

كما أنه كان موجودا أيضاً بالمدينة في نهاية العهد التركي وعلى أوضاع متعددة سيأتي ذكرها عند الكلام على القرن الرابع عشر إن شاء الله في أواخر عهد الأتراك والأشراف. ولا نستبعد أن تكون صورة الختم تلك ممتدة من ذي قبل وليست وليدة القرن الثاني عشر فقط. ولا سيما وأن المقدم فيه هو ختم الشافعية الذين لهم الأولوية في الإمامة من زمن مسبق من على عهد الأتراك أنفسهم والذين يناصرون المذهب الحنفي مما يدل على أن هذا الحفل ليس من مبتكرات الأتراك بل لعله من بقايا الفاطميين والله أعلم.

المائة الثالثة عشرة أواخر العهد التركي

ص: 353

دخلت المائة الثالث عشرة والتراويح على حالتها الأولى حيث لم يطرأ ما يستوجب تغييرها تبعاً لوضع المنطقة كلها؛ لأن المدينة ومكة ظلتا تحت حكم الأشراف حكماً مباشراً وإن كانت تبعاً للخلافة العثمانية في تلك الفترة.

وتقدم لنا أن الحجاز ظل تحت حكم الأشراف من قبل وإن كان مؤرجحا بين الفاطميين والعباسين إلى أن قامت الخلافة العثمانية التركية، ابتداء من السلطان سليم بمصر، سنة 922 ودعا له منبر مكة سنة 923 وظلت الحجاز أيضاً بأيدي الأشراف تحت سلطان الخلافة العثمانية. إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى وانتهت الخلافة بانتهائها وكان آخر قائد تركي بالمدينة هو فخري باشا، قائد الحامية التركية، وسلم المدينة سنة 1337هـ.

وآخر أمير للأشراف بمكة الشريف الحسين، وبالمدينة الشريف علي. وفي سنة 1345 نودي بالشريف الحسين ملكا على البلاد العربية.

فلم تخرج المدينة في تلك الفترة عن الحكم المباشر للأشراف سواء كان ذلك في أوائل العهد التركي أو في أواخره. فلم يطرأ في المائة الثالث عشرة أي تغيير على التراويح إلى أن دخلت المائة الرابع عشرة أي هذا القرن الحالي. وقد شاهد المعاصرون التراويح على ما كانت عليه إلا أنه تعددت لها الأئمة في المسجد النبوي على النحو الآتي بيانه في الكلام على القرن الرابع عشر إن شاء الله.

ص: 354

بحوث هامة حول الزكاة

نائب رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه. أما بعد فإن الباعث لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير بفريضة الزكاة التي تساهل بها الكثير من المسلمين فلم يخرجوها على الوجه المشروع مع عظم شأنها وكونها أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يستقيم بناؤه إلا عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمسٍ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" متفق على صحته. وفرض الزكاة على المسلمين من أظهر محاسن الإسلام ورعايته لشئون معتنقيه لكثرة فوائدها ومسيس حاجة فقراء المسلمين إليها فمن فوائدها تثبيت أواصر المودة بين الغني والفقير لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها ومنها تطهير النفس وتزكيتها والبعد بها على خلق الشح والبخل كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ومنها تعويد المسلم صفة الجود والكرم والعطف على ذوي الحاجة ومنها استجلاب البركة والزيادة والخلف. كما قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "يقول الله عز وجل: يا ابن آدم أنفق ننفق عليك" إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.

ص: 355

وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها أو قصر في إخراجها قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} فكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الإبل والبقر والغنم الذي لا يؤدي زكاتها وأخبر أنه يعذب بها يوم القيامة وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول أنا مالك كنزك" ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .

ص: 356

والزكاة تجب في أربعة أصناف، الخارج من الأرض من الحبوب الثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام، والذهب والفضة وعروض التجارة، ولكلٍّ من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود لا تجب الزكاة فيما دونه فنصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق والوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مقدار النصاب من التمر والزبيب والحنطة والأرز والشعير ونحوها ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أربع حفنات بيدي الرجل المعتدل الخلقة إذا كانت يداه مملوئتين. وأما نصاب السائمة من الإبل والبقر والغنم ففيه تفصيل مبين في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي استطاعة الراغب في معرفته سؤال أهل العلم عن ذلك ولولا قصد الإيجاز لذكرناه لتمام الفائدة.

ص: 357

وأما نصاب الفضة فمائة وأربعون مثقالاً ومقداره بالدرهم العربي السعودي ستة وخمسون ريالاً. ونصاب الذهب عشرون مثقالاً ومقداره من الجنيهات السعودية أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه والواجب فيها ربع العشر على من ملك نصاباً منهما أو من أحدهما وحال عليه الحول والربح تابع للأصل فلا يحتاج إلى حول جديد كما أن نتاج السائمة تابع لأصله فلا يحتاج إلى حول جديد إذا كان أصله نصاباً. وفي حكم الذهب والفضة الأوراق النقدية التي يتعامل بها الناس اليوم سواء سميت درهماً أو ديناراً أو دولاراً أو غير ذلك من الأسماء إذا بلغت قيمتها نصاب الفضة أو الذهب وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة ويلتحق بالنقود حلي النساء من الذهب والفضة خاصة إذا بلغت النصاب المتقدم وحال عليها الحول فإن فيها الزكاة وإن كانت معدة للاستعمال أو العارية في أصح قولي العلماء لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار" الخ الحديث المتقدم. ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد امرأة سوارين من ذهب فقال: "أتعطين زكاة هذا"قالت:"لا"قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار"فألقتهما وقالت: "هما لله ولرسوله" أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن وثبت عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فقالت: "يا رسول الله أكنز هو"فقال صلى الله عليه وسلم: "ما بلغ أن يزكى فزكي فليس بكنز"مع أحاديث أخرى في هذا لمعنى. أما العروض وهي السلع المعدة للبيع فإنها تُقوَّم في آخر العام ويخرج ربع عشر قيمتها سواء كانت قيمتها مثل ثمنها أو أكثر أو أقل لحديث سمرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع" رواه أبو داود. ويدخل في ذلك الأراضي المعدة للبيع والعمارات والسيارات والمكائن الرافعة للماء وغير ذلك من أصناف السلع المعدة

ص: 358

للبيع. أما العمارات المعدة للإيجار لا للبيع فالزكاة في أجورها إذا حال عليها الحول أما ذاتها فليس فيها زكاة لكونها لم تعد للبيع وهكذا السيارات الخصوصية والتكاسي ليس فيها زكاة إذا كانت لم تعد للبيع وإنما اشتراها صاحبها للاستعمال وإذا اجتمع لصاحب سيارة الأجرة أو غيره نقود تبلغ النصاب فعليه زكاتها إذا حال عليها الحول سواء كان أعدها للنفقة أو للتزوج أو لشراء عقار أو لقضاء دين أو غير ذلك من المقاصد لعموم الأدلة الشرعية الدالة على وجوب الزكاة في مثل هذا والصحيح من أقوال العلماء أن الدَّين لا يمنع الزكاة لما تقدم. وهكذا أموال اليتامى والمجانين تجب فيها الزكاة عند جمهور العلماء إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول ويجب على أوليائهم إخراجها بالنية عنهم عند تمام الحول لعموم الأدلة مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ لما بعثه إلى أهل اليمن: "إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم"والزكاة حق الله لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً أو يدفع ضراً ولا أن يقي بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة. بل يجب على المسلم صرف زكاته لمستحقيها لكونهم من أهلها لا لغرض آخر مع طيب النفس بها والإخلاص لله في ذلك حتى تبرأ ذمته ويستحق جزيل المثوبة والخلف.

ص: 359

وقد أوضح الله سبحانه في كتابه الكريم أصناف أهل الزكاة فقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وفي ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين العظيمين تنبيه من الله سبحانه لعباده على أنه سبحانه هو العليم بأحوال عباده ومن يستحق وهو حكيم في شرعه وقدره فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وإن خفي على بعض الناس بعض أسراره حكمه ليطمئن العباد لشرعه ويسلموا لحكمه والله المسئول أن يوفقنا والمسلمين للفقه في دينه والصدق في معاملته والمسابقة إلى ما يرضيه والعافية من موجبات غضبه إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

ص: 360

الشمس في نصف الليل

للدكتور تقي الدين الهلالي

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين

كنت قرأت منذ زمن طويل أخبار القبائل التي تسمى (إسكمو) وأحوال معيشتهم، ومساكنهم وأسفارهم وحالة الجو في بلادهم، وذلك معروف في كتب الجغرافية، والذي يهمنا هنا من أخبار الأراضي القطبية ما شاع أن السنة عندهم يوم واحد، نهار وليلة، ستة أشهر للنهار، وستة أشهر لليل.

ولم أؤمل قط أن أرى تلك الأراضي، لما قرأته من شدة البرد وتراكم الثلوج هناك، وأنهم يلجئون إلى لبس الجلود والاختباء في بيوت يحيط بها الثلج من كل جانب، إلى غير ذلك من الأخبار.

وفي صيف سنة 1936اجتمعت بالدكتور/ زين العابدين خير الله الحلبي وكان أستاذاً في مستشفى الأمراض الخاصة بالنساء في جامعة مار بورك بألمانيا، فأخبرني أن الأراضي القطبية واسعة، وليست محصورة في الأراضي التي يسكنها قبائل (إسكمو) وأنه هو نفسه زار الأراضي القطبية في شمال النرويج، وأن سكانها متمدنون، وأنه أقام هناك نحو اثني عشر يوماً لم ير فيها ظلمة ولا ليلاً، بل كلها كانت نهاراً.

ص: 361

ومن ذلك الحين عزمت على زيارة هذه الأراضي في أقرب وقت ممكن. فلما أشرفت السنة الدراسية على نهايتها ذهبت إلى السفارة النرويجية في الرباط، وسألتها عن الأراضي القطبية التي لا تغيب فيها الشمس بضعة أشهر، فأخبروني أن الأمر كذلك، وأن هناك نواحي تابعة للحكومة النرويجية تبقى الشمس فيها مشرقة مدة ثلاثة أشهر من أول مايو (أيار) إلى آخر يوليو (تموز) فتأهبت للرحلة وتوجهت من مكناس في سيارتي يسوقها الحاج أحمد هارون في اليوم الثاني من يوليو، وسرنا متوكلين على الله من مكناس إلى تطوان، ثم عبرنا البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، ثم سرنا عبر إسبانيا ففرنسا فألمانيا، فالدانمارك، فالسويد فالنرويج، وتركنا السيارة في مدينة (أوسلو) عاصمة النرويج، وركبنا القطار والسيارات مدة يومين، فوصلنا مدينة (ناروك) ، وشاهدنا الشمس مشرقة مدة أربعة وعشرين ساعة.

أوقات الصلاة في الأراضي القطبية

كنت عازما قبل أن أصل إلى تلك البلاد أن أصلي خمس صلوات في مدة اثنتي عشر ساعة، ثم أترك الصلاة اثنتي عشر ساعة، فتكون خمس صلوات في أربع وعشرين ساعة.

فلما وصلت إلى تلك البلاد تغير رأيي، وظهر لي أن تُتبَع أوقاتُ الصلاة في تلك البلاد الأراضي الجنوبية من البلاد النرويجية، فيصلي المصلي صلاة الصبح وقت طلوع الفجر في الجنوب، ويصلي الظهر حين تزول الشمس في الجنوب، وهكذا الشأن في جميع الصلوات، بناء على قاعدة:"ما قرب من الشيء يعطي حكمه"، وكذلك يفعل الصائم في رمضان إذا جاء في وقت الشمس، أو في وقت الظلام.

هل في الأراضي القطبية فصول؟

ص: 362

ينبغي أن يعلم أن في تلك البلاد ما يشبه الفصول الأربعة، وقد تقدم أن الشمس تستمر مشرقة من أول مايو (أيار) إلى آخر يوليو (تموز) ثم تغيب غياباً جزئياً في أول غشت (آب) في كل يوم تبقى غائبة أكثر من اليوم الذي قبله، فيكون الليل قصيراً والنهار طويلاً، ولا يزال الأمر كذلك، يزداد الليل طولاً والنهار قصراً إلى آخر أكتوبر (تشرين الثاني) فتغيب الشمس وتبقى ثلاثة أشهر غائبة.

وفي أول فبراير (شباط) تطلع الشمس، ثم لا تلبث أن تغيب، فيكون النهار قصيراً والليل طويلاً، ولا يزال النهار يطول، والليل يقصر إلى آخر إبريل (نيسان) ثم ينعدم الليل. فهذه مدد تشبه الفصول الأربعة في البلاد التي يكون فيها الليل والنهار طول السنة.

وقد عرفنا حكم أوقات الصلاة في الأشهر الثلاثة الشمسية، ومثلها الأشهر الثلاثة المظلمة. بقي حكم أوقات الصلاة في ربيع تلك البلاد وخريفها، وهما مدتان، يكون فيهما ليل جزئي ونهار جزئي، فكيف الحكم في أوقات الصلاة والصيام؟

لا يمكن أن نفكر في هذه المسألة ثم نبدي رأينا فيها إلا إذا أحطنا علماً بليلها ونهارها، كيف يطول وكيف يقصر، فالليلة الأولى بعد انتهاء مدة الشمس، وهي أول ليلة من غشت (آب) كم طولها؟

فإذا كان طولها نصف ساعة أو أقل، فهل يحكم عليها بأنها ليلة تصلى فيها المغرب والعشاء والصبح عند نهايتها، ويفطر الصائم ويتسحر فيها، ويصوم نهارها، ويصلي الظهر والعصر في وسطه، أم يستمر على اعتبار توقيت العاصمة (أوسلو) ويعتبر الليل ليلاً، والنهار نهاراً؟ وما مقدار الساعات التي يبلغها الليل طولاً حتى يعتبر أنه ليل، وإذا مضى أكثر الأشهر الثلاثة وقصر النهار جداً يعود السؤال نفسه. وهكذا يقال في المدة الثانية التي تبتدئ من شهر فبراير (شباط) وتنتهي في آخر إبريل (نيسان) .

ص: 363

فإن قيل: أنت أول من بدأ هذا البحث، فعليك أن تجيب عن أسئلتك، وتبدي رأيك؟ قلت: يمنعني من ذلك أنني من أهل الحديث المتبعين للسلف الصالح المتجنبين للرأي، المعتبرينه كالميتة لا يجوز الأكل منها إلا بقدر الضرورة. فما نزل من المسائل وتحقق وقوعه، وسئلنا عنه أفتينا فيه بالرأي قائلين: إن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنا، والله بريء منه، كما قال عبد الله بن مسعود.

أما مدة الشمس فقد وجب علينا أن نجتهد في حكم أوقات الصلاة فيها، لأن ذلك وقع ونزل، وقسنا عليه مدة الظلام، لأنهما سواء. أما المدتان الأخريان فندعهما حتى يحتاج بعض المسلمين إلى معرفة الحكم، فييسر الله له من يفتيه.

وقد كان السلف الصالح، إذا سئل أحدهم عن مسألة استحلف السائل بالله، أنها وقعت، فإن حلف له أفتى فيها برأيه، وإلا قال: دعها إذا نزلت ييسر الله لها من يفتي فيها.

وما زعمه بعض المتقدمين من أن بلاد بلغار يقصر فيها الليل والنهار جداً وهم، وقد لاحظت أن الليلة الأخيرة التي مضت قبل وصولنا إلى بلاد الشمس في نصف الليل، كما يسمونها، لم تكن مظلمة، حتى أني مع ضعف بصري، وأنا راكب في السيارة كنت أرى الأشجار، وأغصانها ولا توجد ظلمة أصلاً، إلا أن الشمس مختفية، ومن حين يتوسط الإنسان بلاد النرويج متوجهاً من الجنوب إلى الشمال تقل ظلمة الليل شيئاً فشيئاً حتى تنعدم بانعدام الليل نفسه. فسبحان الخلاق العليم.

ص: 364

ولاحظت أيضاً: كما لاحظ من معي أن الشمس في نصف الليل تكون قريبة من الأرض كأنها تريد أن تغيب، لكنها لا تغيب، بل تأخذ في الارتفاع وتدور في السماء، فتشكل دائرة من نصف الليل إلى نصف الليل. قال الله تعالى في سورة الحج:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} فأخبر سبحانه وتعالى أن السير في الأرض يزيد في العقل والعلم المكتسب بالتجارب، وقل ربي زدني علماً.

وهناك في تلك الناحية قبائل بدوية تسكن الخيام، ولها ماشية، وهي الأيائل، وهي نوع من الحيوان يشبه الظباء، إلا أنها أكبر منها، وقرونها متشعبة -كالأشجار- يحلبونها ويأكلون لحومها، وينتفعون بجلودها. ولا يستطيع شيء من سائر الحيوان كالبقر والغنم أن يعيش في تلك البلاد غير الأيائل، لشدة بردها، وكثرة ثلوجها، ولتلك القبائل لباس خاص.

وسمعت أنهم وثنيون، لا يدينون بالنصرانية التي يدين بها أهل تلك البلاد، ولا أعلم مقدار هذا الخبر من الصحة، وليس هذا الجو خاصاً بشمال النرويج، بل يعم كذلك شمالي السويد.

وقد علمت أن من أراد أن يشاهد الأراضي القطبية التي في شمال السويد يستطيع أن يسافر إليها بالقطار.

أما مدينة ناروك التي تقدم ذكرها فقد سافرنا إليها من (أوسلو) ، بعض المسافة بالقطار، وبعضها بالسيارة، وكنا في كل بضع ساعات نجتاز خليجاً من خلجان البحر، بمعدّية، وهي باخرة كبيرة، تدخلها السيارات، فتبقى فيها نصف ساعة أو أكثر حتى تصل إلى البر، فتخرج السيارة منها وتستأنف سيرها.

وقد رأيت القطار نفسه يعبر البحر في معدّية بين ألمانيا الشرقية والدانمارك في مدة ساعتين. وتلك المعدّية الضخمة عظيمة الحجم، ذات ثلاث طبقات، يصعد إلى الطبقة العليا بالمصعد الكهربائي.

ص: 365

وهناك معدّية رأيتها تستعمل بين سبتة والجزيرة الخضراء، وهي أيضاً عظيمة، ولكنها دون تلك، وليس مقصودي أن أصف هذه الرحلة، لأن وصفها يحتاج إلى مؤَلَّف مستقل، وإنما ذكرت ما تقدم استطراداً.

من وحي الأندلس قصيدة من بحر جديد

لما مررنا بأرض الأندلس في رحلتنا إلى شمال أوروبا تذكرت أهل الأندلس المسلمين، وما كان لهم من المجد والسؤدد، فقلت هذه القصيدة، وهي من بحر جديد اخترعته. وأجزاؤه أربعة: مستفعلاتكم مستفعلين مرتين. له عروض واحدة صحيحة، لها ضربان، أولهما مذيل، والثاني عار عن التذييل.

وكل هذه التفاعيل بفتح العين ومعناها: مستخرجاتكم مستخرج أيها المسلمين، فالزموا مستخرجاتكم ولا تهملوها.

وقد أحدث العرب المولدون أوزاناً شعرية زائدة على بحور الشعر بعد زمان العرب الأقحاح، ونظموا عليها شعراً كثيراً، ثم جاء زمان الموشحات والأزجال، فاشتغل بها العرب في الشرق والغرب، واشتملت على أدب جم. ونظم بهاء الدين زهير شعراً أخترع له وزناً خاصاً، وهو قوله:

يا من لعبت به شمول

ما ألطف هذه الشمائل

فلا غرابة إذا اقتديت به، وألقيت دلوي في الدلاء. وهذا نص القصيدة:

لما بدا لنا جمالكم

أضحت قلوبنا أسرى الغرام

وانبعثت بها مودة

تنمو وتزدهي على الدوام

قد طال هجركم وصدكم

وما رثيتم للمستهام

ولم نزل نفي بعهدكم

وما رعيتم لنا ذمام

فهل سمعتم بقاتل

لمن يحبه هذا حرام

هبوا أسيركم لو نظرة

صلوا عميدكم لو بالكلام

أما ترونني متيماً

لم تدر مقلتي أي منام

محبتي لكم عفيفة

غدت بريئة من كل ذام

وعاذل أتى يلومني

كلامه غدا مثل الكِلام

فقلت: يا فتى ويك اتئد

فأنت طالب مالا يرام

عذلك زادني صبابة

فكف أو فزد من الخصام

ص: 366

يا موطناً غدا مفتخرا

بخير أمة من الأنام

بالعرب إذ علوا مراتبا

قد بلغوا بها أقصى المرام

أندلساً دعيت في الورى

وجنة سمت خير المقام

معجزة فلم ير الورى

لها مماثلا لو في المنام

كيف افتخارنا بمجدهم

ونحن لم نزل بلا نظام

والخلف ما لهم مفتخر

لكن عليهم بالاحتشام

إلا إذا حيوا واتحدوا

وارتجعوا إلى نهج الكرام

واتبعوهم في دينهم

دين محمد بدر التمام

فالعرب مالهم معتصم

إلا بحبله ولا التئام

والعز عنهم مبتعد

إلا إذا اقتدوا بذا الإمام

فهو حياتهم في بدئهم

وهو حياتهم على الدوام

وكلما اقتفوا خلافه

فهو ضلالة وهو الحسام

صلى عليه من أرسله

هدى ورحمة يجلو الظلام

ما غردت ضحى حمامة

وأشرقت ذكا بعد غمام

والآل والصحاب كلهم

أزكى صلاته مع السلام

وقد اطلع على هذه القصيدة الأديب الكبير العالم المحقق العبقري عبد الله كنون فأعجبته وأثنى عليها.

وفي الإياب من هذه الرحلة عرجنا على قرطبة وزرنا مسجدها، فاعتراني شعور فيه روعة وإجلال وإعجاب، وحزن، لا أقدر أن أصفه بلسان ولا أظن أن شخصاً له شعور إنساني يرى ذلك المسجد ولا يعتريه مثل ذلك الشعور، سواء أكان مسلماً أم غير مسلم.

وصف جامع قرطبة

من أمثال العرب: "أن الحديث لذو شجون"، وقد بدا لي أن أنقل هنا وصف مسجد قرطبة الجامع من كتاب مدينة المور في الأندلس الذي ترجمته بالعربية من أصله الإنجليزي لمؤلفه (جوزيف ماك كيب) ليرى القارئ العربي المسلم شيئاً من مجد أسلافه. وهذا نص ما قاله في وصف مسجد قرطبة:

ص: 367

"لم يبق من آثار قرطبة في القرون الوسطى إلا أثر واحد، وهو جامعها الذي لا يزال إلى اليوم، جميع أطفال قرطبة يسمونه مسجداً، ولولاه ما تجشم أحد عناء السفر لمشاهدة قرطبة، ولو كانت خمسة أميال منه، ولكن الناس من جميع أنحاء الدنيا يسافرون إليها ليشاهدوه.

وهو أعظم معبد في الدنيا بعد كنيسة (سنت بيترس) ، وهو آية لا نظير لها من الهندسة والبناء، وظاهر هذا المسجد لا يستولي على اللب، ولم يكن المور الذين كانوا يفضلون الإقامة داخل البيوت أكثر من خارجها يعتنون كثيراً بالظاهر.

وأما الداخل فهناك العجائب، إذا دخلت الجامع من أي باب من أبوابه التسعة عشر يخيل إليك أنك تائه في غابة من أشجار المرمر، ففيه ثمانمائة وستون سارية من المرمر والرخام واليسر، وفيه غير ذلك ألف واثنتي عشرة سارية. وفيه تسعة عشر رواقاً، ينتهي كل منها بباب من الأبواب التسعة عشر، وله سقف خشبي منخفض نسبياً، وقد زخرف أحسن زخرفة بالأرجوان والذهب.

وفي الأعياد الكبيرة توقد مائتان وثمانون ثرياً من الفضة والنحاس، يحترق فيها الزيت والعطر، وتتلألأ فيها آلاف كثيرة من المصابيح، فتلقي أنوارها على ذلك المشهد. وأكبر ثرياً منها كان محيطها ثمانية وثلاثين قدماً (فوت) يحمل ألفاً وأربعمائة وأربعاً وخمسين مصباحاً، ولها مرآة تعكس النور، فيزيد شعاعه تسعة أضعاف. وفيها (6000) ألف طبق من الفضة مسمرة بالذهب، ومرصعة باللؤلؤ.

وكان الجامع قد شُيِّد مع مضافته في القرن الثامن والتاسع والعاشر. والمحراب الذي هو أقدس محل في مسجد المور، كان فيه حنيتان، وكان أعظم زخرفاً من سائر المساجد. وآخر المحراب يشبه صدفة من رخام، وله مدخل يتلألأ كالذهب الخالص أو الديباج بفسيفسائه الجميلة، وأحيل القارئ على كتب زخرفة البناء أو كتب الاستدلال، ليرى عجائب هذا الجامع العظيم.

ص: 368

وكان بناؤه من النصارى المنتمين إلى الكنيسة اليونانية، وكانت بينهم وبين المور مودة، فجلبوهم لبنائه، وهو أثر لمدينة زاهرة، لا يضاهيها اليوم شيء في الدنيا كلها وكان عبد الرحمن الأول مؤسس هذه الدولة، قد جعل مدينة قرطبة على مثال مدينة دمشق التي قضى فيها أوائل عمره، وهو الذي ابتدأ بناء الجامع وأتمه الخلفاء الذين جاءوا بعده. وبلغت نفقاته على ما حدث به مؤرخو العرب (300.000.000) دولار، وكان هذا آخر عمل عمله في حياته، وقد شيد غير هذا هو وخلفاؤه ورجال دولتهم قصوراً فخمة، ومساجد كثيرة، كانت تزيد المدينة في كل سنة جلالة وبهاء". اهـ

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

لكن لا ينبغي لنا أن نقتصر على الافتخار بمجدهم، بل ينبغي لنا ويتحتم علينا أن نعمل بقول من قال:

لسنا وإن أحسابنا كرمت

يوماً على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونفعل مثل ما فعلوا

فنسأل الله أن يوفقنا لإحياء ذلك المجد الشامخ، إنه على ذلك قدير.

ص: 369

الطريق الجديدة

(قصة قصيرة)

بقلم الشيخ: محمد سعيد المولوي

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين

كان كل شيء ذلك اليوم رائعا وجميلا في نظري، فالشمس مشرقة دافئة حلوة تحن الأرض إلى أشعتها تنفض بها عن شعرها قطرات الندى التي صبها عليها الليل قبل أن يرحل وكانت الأشجار تهتز طرية فرحة على أنغام الطيور والعصافير، وقد اكتست من خضرة الثوب ما راق وتوشى بدنانير الذهب ورق الخريف، وكان النسيم يهب ناعما رقيقا لينا وكأنه أم تمر بيدها على خد وليدها تداعبه وتخشى عليه، وكانت دمشق لا تزال تستقبل الوافدين إليها للالتحاق بجامعتها فتفتح لهم يديها وتضمهم إلى صدرها ضمة حنان ورأفة فتمسح عنهم غبار السفر وتضفي عليهم من رونقها ما يأخذ بالعقول ويسرح الألباب.

وكانت السيارة تنطلق بنا منحدرة من تلال الزبداني تعجب من حال شباب ما عرفوا في حياتهم سوى الضحك والمزاح، وما حملوا من هموم الحياة شيئاً وما أدركوا معنى المسئولية، وأصوات هؤلاء الشباب تعلو وتنخفض مع كل ضحكة لطيفة ونكتة حتى وصلت بنا إلى مشارف دمشق ثم مالت نحو الجنوب لتقف أمام مستشفى المجتهد، ثم تقذف ما في صدرها فتتعالى أصداء الضحكات وبقايا الابتسامات أمام باب المستشفى ثم تخفت لتنتقل إلى الردهة الخارجية حيث كان يقف صف طويل من الشباب ينتظرون نتائج فحوص صدورهم الشعاعية.

وقفت في الرتل الطويل، وكنت لا أزال أضحك وأفرح وأعلق على كلام أصدقائي وأنا انتظر دوري حتى صرت أمام الكوة الصغيرة ودفعت بالورقة المرقومة إلى الموظف وأنا مطمئن النفس إلى أنه سيمهرها بخاتمه كما يمهر غيرها وأنطلق مع الأصحاب عائدين ولكن الموظف قلب أوراقا أمامه ثم قال: انتظر قليلاً.

ص: 370

أحسست ببعض القلق في نفسي، ومال عليّ صديقي فاروق يقول:"ما باله؟ "قلت: "لست أدري ولكنه طلب أن أنتظر قليلاً"، قال:"لا بأس سنسبقك إلى نادي الجامعة ونلقاك هناك"قلت: "حسناً"، وبقيت أنتظر قرابة نصف ساعة وكلما أطللت على الرجل كان يستمهلني حتى ضاق صدري وفرغ صبري، وأخيراً جاءني رجل يلبس قميصاً أبيض فنادى علي باسمي ولبيت متلهفاً وأخذني جانباً ثم قال: أتسعل؟

- نعم، عندما أصاب بالبرد، قال: ليس ذلك أعني.

- ماذا تعني إذن..

- هل تسعل سعلاً خفيفاً متقطعاً؟

- لا..

- لابد..

- لكن ذلك لا يحصل.

- هل تحس بوجع في خاصرتك؟!

- لا..

- أبداً..

- أحياناً عندما أركض وأكون أكثرت من شرب الماء..

- ليس هذا ما أعني.

- إذن ماذا..؟

- هل تؤلمك خاصرتك في الليل؟

- لا.

- هل تعرق..؟

- نعم، في الصيف وعندما أو عندما ألعب الملاكمة أو كرة القدم..

- أيضا ليس هذا ما أريد..

- ماذا تريد..هل تعرق في الليل..؟

- ليس دائما وإنما في وقت الحر.

وضاق ذرع الرجل بي فتركني ومال على نافذة صغيرة فأخذ منها علبة زجاجية صغيرة ثم قال: خذ هذه وابتعد جانباً ثم تقشع فيها.

وما فهمت كلامه فقلت: وما معنى تقشع؟

- أسعل سعالاً شديداً ثم ابصق فيها ما تخرجه من صدرك.

- ولكن كيف أسعل وأنا لا أحس بحاجة للسعال..

- جرب..

وانتحيت جانباً وتساعلت حتى تعبت ثم أتيته بما وضعته في العلبة.

فقال: هذا لعاب.. ولا يصلح.

قلت: وما أصنع هذا ما استطعته؟

- انتظر، ثم أخذ ملقطاً حديدياً بيده اليسرى وآخر بيده اليمنى قد لقط قطناً ثم أمسك لساني بالأيسر ودس القطن في سقف حلقي، وأخرجه يحافظ عليه كما يحافظ على جوهرة ثم رمى به في علبه زجاجية صغيرة.

ص: 371

كان صبري قد فرغ وبدأت أحس أن الأمر جد وأنه لابد لي معرفة ما يريد.. فقلت: قل لي ما الأمر..؟

- قال: لاشيء إلا أننا نشك أن تكون مصاباً بالسل..

ضحكت ضحكة صفراء ولكني أحسست أن الأرض قد مادت من تحت قدماي ونظرت إلى الرجل أمامي فرأيته يترنح يمنة ويسرة فأمسكت بالحائط واستندت عليه وتماسكت أنفاسي، حتى إذ هدأت قليلاً قلت: ولكن هذا غير معقول فمن أين يأتيني السل؟ فإن البيئة التي أعيش فيها بيئة صحية وبيتنا لا تغيب عنه الشمس من الصباح حتى المساء وطعامي جيد، وأيامي أمضيها بالرياضة والسرور.

وأجابني الرجل بجفاء: لا ندري، وعلى كل حال فسنصور لك صدرك صورة شعاعية كبيرة للتثبت، وقد أخذنا من حلقك جراثيم سنزرعها لتحقق من الأمر..

ثم التفت وقال: اتبعني..

سرت وراءه وقد عقدت يدي وراء ظهري وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع. أيمكن أن يكون ما يقوله حقيقة..؟

لا، هذا غير معقول.. ولكن من أين له أن يتهمني بمثل هذا الاتهام لولم يكن صحيحاً.. لا.. لا أصدق.. وقطع على تصوراتي أمره لي بخلع ملابسي والوقوف وراء لوحة التصوير.

كانت الغرفة مستورة النوافذ في ستائر سوداء جعلتني أحس برهبة في نفسي فأحسست بالضيق يملأ على أنفاسي فكدت أختنق ووقفت وراء اللوحة وأنا شارد الذهن مسلوب الإرادة، وأصبحت كالآلة، فما انتهيت حتى لبست ملابسي ثم وقفت بجانبه أنتظر منه الأمر.. وخطر لي أمل في الرجاء فقلت: السنة الماضية كنت مسجلاً بالجامعة وقد أجريت الفحص الشعاعي فما قالوا لي شيئاً.

قال: ليس شرطاًً ثم إن قسمنا حديث التأسيس وآلاتنا جديدة.

وقطع بحديثه خيط العنكبوت ونظرت إليه فأردف: اليوم السبت تحضر يوم الأربعاء لأخذ النتيجة ثم التفت ودخل الحجرة.

ص: 372

خرجت من المستشفى وأنا لا أكاد أصدق ما حصل ورحت أفرك عيني هل أنا في حلم؟.. لا فهي الحقيقة، وزال كل جمال للدنيا من عيني فما عدت أرى أمامي إلا سواداً ومشيت وأنا أترنح يمنة ويسرة ونظرت إلى الشمس فإذ هي لا تثير بي إحساساً ولا تحرك شعوراً وكان جبل قاسيون يجثم أمامي شامخاً فأحسست به وكأنه على صدري وحاولت أن أستنشق الهواء فإذا الهواء جامد قاسي لا يدخل رئتي واندفع سعال بسيط يهز كياني كله.. لقد كان الرجل صادقاً فها أنا أسعل سعالاً خفيفاً.. ولكن مدافعة عنيفة ثارت في نفسي.. لا يمكن أن يكون هذا.. وكان ثقل رأسي قد بلغ مني مبلغه وكأن مطارق عنيفة تهوى على جمجمتي تكاد أن تحطمها.

كان منظر الأشجار أصفر باهت تعلوه سمة الموت ومغادرة الحياة!.. وكانت زقزقة العصافير ضوضاء مزعجه ترهق الشعور وتدعوا إلى الضيق، وكان النسيم بارداً ثقيلاً تمجه الصدور وتخشاه، وكانت سحن الناس كئيبة مقترة لا تفتر عن بسمة ولا تنم عن تفاؤل.

وصلت البيت فأدرت المفتاح ودخلت كان البيت موحشاً مقفراً لا أثر فيه للحياة أو الحركة، فالأهل كلهم في الزبداني، وأكببت على فراشي وترغرغت الدموع في عيني، وغلبني سعال خفيف، وأحسست بعرق غزير يبل جسدي، فبكيت وبكيت.. وقمت فوقفت أمام المرآة أنظر في وجهي.. وثارت في نفسي تساؤلات: أيمكن أن يكون هذا الوجه الأزهر وجه مسلول.. وجاء الجواب: ألا ترى الشمعة قبل أن تذوي يشتد لهيبها. أيمكن أن يكون هذا الصدر الذي ينم عن قوة، وهذان الساعدان المفتولان قطعة من جسمي المسلول.. وكان الجواب: كم من أشياء ننخدع بها في الحياة، أنسيت أنك في مسبح بولدان في الأسبوع الماضي شعرت بوهن وضيق في صدرك شديد، وأن أصدقائك عزوا ذلك إلى شدة برودة الماء.

ص: 373

وانهزمت مقاومتي واقتنعت أنني مسلول.. وعدت إلى فراشي فاستلقيت على ظهري ورحت أحدق في السقف.. وقفزت إلى ذهني أسماء أصدقائي الذين ماتوا فمأمون دهسته السيارة ونحن نلعب الكرة أمام المدرسة، وموفق غرق في مسبح المزة، وسالم أصيب بالتهاب السحايا.. وطن في أذني صوت راح يعلو ويعلو حتى صرت لا أسمع غيره، وغداً سيقولون: يونس مات بالسل عليه رحمة الله.

ووضعت إصبعي في أذني، وعبثاً حاولت أن أخلص من هذه الهواجس ومر أمامي شريط حياتي قصيراً. سريعاً فما وجدت فيه ما يسر.. وكدت أصيح وأصرخ وغلبني الخوف والرهبة وقمت مسرعاً وفتحت الباب وانطلقت إلى الشارع. كان اليأس قد ملك على نفسي وحرت أين أذهب، وقررت أن أعود إلى الزبداني وخطر في بالي أن أصدقائي قد يكونون بانتظاري بالجامعة وأحسست بقرف شديد ونفور عنيف من الجامعة ومن فيها، وأي أمل لي وراءها.. وبدأت أشعر بالكراهية لها، فلولاها لما عرفت أنني مسلول.. لو بقيت جاهلاً ما أنا عليه لكان خيراً لي فإنني سأبقى متمتعاً بالحياة.. ولكن الآن انتهى كل شيء ولم يبق من الحياة إلا القليل.

وسرت وكأني أجر رجلي حتى وصلت منطلق السيارات وامتطيت واحدة وجلست بجانب النافذة، وأسندت رأسي إلى الزجاج..

ص: 374

لست أدري كم بقيت منتظراً، ومتى سارت السيارة، لكن الذي لا أزال أذكره أن المستقبل.. كان يبدو أمامي مظلماً قاتماً، فكم سمعت أن المسلول يعيش شهرين أو ثلاثة ثم يموت.. وقفزت إلى ذهني جنازة ابن جارنا صلاح الذي مات مسلولاً وهم يخرجونها من الدار وأخوه محمد متهالك القوى وأبوه منكس الرأس وأمه تصيح من النافذة يا ولدي صلاح وتكاد تلقي بنفسها، ثم غابت لتظهر بدلا منها صورة جنازتي وهم يخرجونها من الدار ووالدي المسكين يتكئ على عصاه ودموعه تنهمر على لحيته وأمي تصيح من وراء الباب وأخوتي قد انتفشت شعورهم، وأصدقائي ينكسون رؤوسهم يتظاهرون بالحزن والأسى.. ورسخ في نفسي أن النهاية قريبة لابد منها وتنوعت الأفكار التي اعترضتني، فإني فيما تبقى لي من الآيام سأعتزل الناس والأصدقاء وسأجعل لي صحنا خاصا وملعقة خاصة وسأمنع أمي وإخوتي من القرب مني، وسأترك الدنيا وما فيها، ولكن ماذا أصنع بهذه الآيام المتبقية ستبدو مملة متعبة لا أرى فيها جمالاً، ولا متعة ولا روعة! ولم أجد جواباً، كنت أدور بذهني وأدور ثم أعود إلى نفس الأفكار حتى وصلت السيارة الزبداني فترجلت منها، وسرت نحو البيت..

لم يعد مصيف الزبداني الآن يعني لي شيئاً وقد كان بالأمس الروضة الغناء، والجمال الطبيعي الرائع، والمتعة المتفجرة والسعادة المتجددة. كان انعدام المسؤولية والبحث عن اللهو، كان الرحلة والغناء والضحكة، كان المرأة الجملية والنكتة الحلوة، والسير اللطيف كان الهواء العليل، والماء البارد وثمار الطبيعة اللذيذة، كان الجبل في شموخه والجدول في خريره والمغارة في سرها والدرب بترابه، والغصن في ترنحه وميلانه، والآن كلمة الزبداني كلمة فارغة لا معنى لها.

وصلت البيت وقرعت الباب وفتحت لي أمي ونظرت في وجهي، وانحنيت على يدها أقبلها.. وأحست بجمودي.. قالت: ما بك؟ .. وأجبت بانكسار وضعف: لا شيء ابتعدي عني..

- ما بك هل جرى شيء..؟

ص: 375

- لا.. أتركيني، وغلبني البكاء وهرعت إلى والدتي تضمني إلى صدرها بحنان وتكرر السؤال عليّ، وأنا أدفعها برفق وأسعى ألا أجعل أنفاسي تلاقي وجهها.. وبعد حين:

- قلت: إنني مصاب بالسل..

- ونظرت أمي إليّ نظرة هي نسيج من الحنان والشفقة والاستغراب، ثم قالت: ومن قال لك ذلك..

- الطبيب..

- أعوذ بالله.. لا يا بني لا تستمع إلى هذا الكلام فمن أين يأتيك السل.

- لقد قالوا لي ذلك في المستشفى وهم يعتمدون على التصوير الشعاعي.. ورحت أقص على أمي ما جرى.. وأنا مضطرب أرتجف وكان خطان من الدموع يغادران عينيها، وبصمت ليرسما طريق الحنان والمحبة على وجنتيها.

ومدت أمي يدها إلى صدري فوضعتها عليه ثم راحت تقرأ سورة الانشراح وما حفظت من الأدعية والتعويذات ورأسي موضع على صدرها في اطمئنان فلما انتهت أمسكت وجهي بيديها ثم قبلتني في رأسي وقالت:

إسمع يا ولدي.. إن ما قيل لك كلام فارغ لا تصدقه فليس بك شيء وإن كنت تثق بي فصدقني، ثم لو كان بك شيء فلا تذكر ذلك لأحد فسأكون في خدمتك وسأقدم إليك ما تحتاجه من طعام مغذ وأستأجر لك دارا في الشتاء هنا وسأوفر لك سبل الراحة حتى يشفيك الله.. ألا تعرف ابنة خالتي سلمى لقد كانت مثلك زهرة في مقتبل العمر وأصيبت بالسل.. بسبب سوء التغذية والحياة البائسة التي كانت تحياها والتعب الشديد الذي كانت تقوم به لسد نفقات أسرتها.. لقد بذلت أمها كل ما تستطيع من أجلها، فمنعتها عن الناس وقدمت لها كل ما تحتاجه من طعام ودواء حتى باعت أكثر ما تملك ولم يبق سوى الفراش الذي تنام عليه البنت وقد شفاها الله، وهي في صحة جيدة.. ألم ترها.

كان كلام أمي مقنعا ولكنه انزلق في أذني ليخرج من الثانية وأجبتها إرضاء.. نعم رأيتها..

ص: 376

لست أدري كيف أمضيت يومي ذاك فقد انعزلت في فراشي وامتنعت عن الطعام وأبعدت عني إخوتي ورحت أفكر في كل لحظة في ثلاثة أشياء: السعال، العرق، ألم الخاصرة.. وما أن أظل المساء حتى كانت فكرة خطيرة قد سيطرت عليّ وملأت عليّ تفكيري، لا أمل في الحياة فلم أتحمل العذاب بقية عمري لم لا أنتحر! إن مغارة النابوع التي كنا نتباهى فيها بإطلاق الرصاص منذ يومين قريبة من البيت ومسدس أخي لا يزال في مكانه الذي وضعته فيه بعد أن استعرته منذ يومين لأفتخر أمام أصحابي أني أحسن إطلاق الرصاص، وإذا انتحرت هناك فلن يراني أحد ولن يحس بي أحد فنادراً ما يدخل المغارة إنسان.

مضى علي الليل طويلاً كئيباً مملا متعبا، كنت أسعى إلى النوم فلا أستطيع وأتقلب يمنة ويسرة بلا فائدة، حتى ضجرت، فقمت من فراشي وخرجت من الغرفة.. كان سهل الزبداني مغموراً بضوء القمر الساطع الذي يحتجب أحياناً بمرور بعض الغيوم البسيطة، وكانت الأرض تتبدد متنوعة الظلال والألوان ولكن ذلك لم يثر بي إحساساً مع أني كم أمضيت من الليالي ساهراً أرقب مثل هذا المنظر وأتمتع به وأتمتم بأغنية أو أستمع إلى المذياع.. وهبت نسمة باردة لفحت صدري فأهويت بيدي على منامتي أجمعها على صدري، ثم عدت إلى الغرفة.

جلست على طرف السرير وأطرقت برأسي إلى الأرض وتساءلت: كم بقي للصباح؟ ثم نظرت في ساعتي، لا يزال بيني وبين الفجر أربع ساعات.. ما أطولها.. مع انقضائها سأستريح.. سأنتحر.. سأموت..

وانتفض جسدي عند ذكر الموت وبدا لي وحشا فظيعا فاغرا فمه يريد أن يبتلعني.. ولكن تماسكت وتصوّرت وقع النبأ على أمي وأبي، والحزن والأسى الذي يسيطر عليها وترغرغت الدموع بعيني، وتصورت أصدقائي يحفون بالجنازة ويقفون على القبر والخطباء يؤنبونني وتصورت مجالس الصحب وقد عادت إلى ما كانت عليه من الهرج والمرج وقد خلا مكاني فيها فلا يذكرني أحد إلا نادراً.

ص: 377

وأحسست بجسدي منهكاً والتعب يأخذ مني مأخذه فاضطجعت على طرف السرير وأخذتني سنة من النوم ثم أفقت ضيق الصدر مكروب النفس مظلم الإحساس ونظرت في ساعتي فإذا الفجر قريب، وتذكرت الموت فأحسست بالعرق يغمر جسدي.. وطاف في ذهني.. ألم يسألك الطبيب: هل تعرق؟ .. ها هو ذا العرق.. وأحسست بألم في خاصرتي، وانطلق من صدري سعال خفيف ضعيف.. لا ريب أنها كل العلامات والإشارات.. فلا مجال للمراهنة.. إذن لابد من الموت.

وراعني خاطر الموت.. كيف أموت وإلى أين أمضي.. إلى المقبرة. أيصبح هذا الجسد الغض الطري تحت التراب تلعب فيه الديدان، تتوسد التراب ليس له من كساء إلا قطعة من كفن أبيض رخيص، وإذا نزل المطر ورشحت قطراته على وجهي فمن يزيح تلك القطرات.. وهاتان العينان الجميلتان من يبعد عنهما القذى، وهذا الشعر المصفف الحلو الذي كنت أقضي زمناً طويلاً أمام المرآة أمشطه وأرجّله وأتباهى به بين الأصدقاء من سيزيح عنه التراب وينظف شعراته؟.

كنت سارحاً في تأملاتي حين فجأني صوت المؤذن يصيح من على المئذنة: يا أرحم الراحمين..

كنت كمن مس شريطاً من الكهرباء فاختلج جسدي كله.. وثاب عقلي: يا أرحم الراحمين.. يا أرحم الراحمين، ووجدتني أقولها وأرددها، وانتبهت إلى نفسي فأين كنت؟ السل.. الانتحار.. هل نسيت رحمة الله؟ هو الذي خلقني وهو الذي يتصرف بي وأين الرضا بالقضاء؟، ثم ما هي نتيجة الانتحار.. جهنم وهل أطيقها.. أخر الدنيا والآخرة..وهل الانتحار مما يخلصني مما أنا فيه؟.

ص: 378

ثاب إلى عقلي وأدركت أن ما كنت فيه كان للشيطان فيه حظ كبير، صحيح قد أكون مريضا.. ولكن أليس الله هو الشافي ألم يسأله أيوب الشفاء فشفاه، أوليس هو الذي شفى الأبرص والأكمه.. ثم إذا لم يشفني أو ليس المرض كفارة للذنوب وإذا كنت سأموت بعد بضعة أشهر من الداء واستعجلته الآن فما هو الكسب أخاف من الموت لأقع فيه سريعا، والنظرة الباسمة إلى الحياة أليست تنبع من الداخل وكذلك النظرة المظلمة البائسة.. فكثير من التصورات والأفكار تكون انعكاسا لرأي ثابت أو عاطفة خاصة أو حالة معينة للإنسان..ثم من أين أحدد أنني سأموت في غضون أشهر وهل أعطاني الله علمه في هذا، ولكن..ربما يكون السل قد بلغ مبلغه وأكون على أبواب الوفاة؟!

ص: 379

ولمع في ذهني خاطر برقت له جوانب نفسي وأضاءت ظلمات قلبي وأحسست بالراحة الشديدة وكنت كالمجنون الذي أحس بالهواء أو كالغريق تحسس يد المنقذ.. لم لا أتوب إلى الله وأستغفره مما فرطت فيه وأستأنف حياة جديدة تقوم على التقى والعبادة وتمثل أوامر الله.. وثار سؤال في نفسي.. وهذه الذنوب الكثيرة والمعاصي ماذا تصنع بها وأنت لا تتوب للتوبة وإنما خروجا مما أنت فيه.. وعرفت بفطرتي أن هذا السؤال من عمل الشيطان.. وتذكرت قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} ، وملأ قلبي نور القرآن بقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وتبسمت ثم انفجرت باكياً وأنا أرفع يدي عاليا وأقول: الحمد لله.. الحمد لله يا أرحم الراحمين. رضيت بقضائك يا أرحم الراحمين، وعلا صوت المؤذن يصيح: الله اكبر فانتفضت وقلت: الله أكبر الله اكبر.. ثم قمت فاتجهت نحو البحرة المتوسطة لباحة الدار فتوضأت ثم قلت: اللهم إني قد أسرفت من الذنوب الكثير وأنت الغفور الرحيم..اللهم إني أعاهدك وأشهدك أنني استغفرك وأتوب أليك.. ثم اتجهت نحو الغرفة أريد ردائي ومفتاح الدار.. ووقعت عيني على الكوة التي وضعت فيها المسدس فأشحت بوجهي عنها، وقلت: أستغفرك اللهم.. كانت المرة الأولى في الزبداني التي أهبط فيها المسجد مصليا صلاة الصبح، دخلت المسجد الرحب فأحسست بالنور يملأ نفسي والبهجة تغمر قلبي، والسعادة تسيطر علي.. وطفرت الدموع من عيني فتركتها تسيل وأردتها أن تشفع لي ذنوبي ووقفت خاشعاً متذللا فصليت السنة ثم انطلقت في الدعاء وغلبني الوجد فيما شعرت بنفسي ولا بمن حولي.. غير أن يداً نحيلة لجسد شيخ متهدم كانت تربت على كتفي لتقول: بارك الله فيك يا بني.. لا تنسني من دعائك.

ص: 380

مضى ذلك اليوم على خلاف أمسه فقد عمدت إلى الطعام كما كنت أصنع قديما، وبديت باشا ضاحكا أمام أمي وإخوتي، ولعلهم استغربوا حالي، إلا إنهم رأوا مني عزوفا عن مزاح بارد كنت أعكف عليه، وأغنيات تافهة كنت أرددها، ورأوا مني منظرا ما عهدوه في حياتي إلا قليلا، ذلك أني صاحبت المصحف وعنيت بالتزام صلاة الجماعة.

وعادت السيارة بعد أيام لينطلق بي منحدرة من تلال الزبداني نحو مدينة دمشق، فموعد الصورة الجديدة الصوري وزرع الجراثيم في هذا اليوم، لكن السيارة كانت هادئة فلم يكن فيها صخب ولا هرج ولا مرج، وإنما تمتمة بسيطة لشاب هادئ وادع يسرج نظره في المصحف حينا وفي المناظر حينا آخر.

كان كل شيء ذلك اليوم رائعا وجميلا في مظهري، فالشمس باسمة مشرقة دافئة حلوة تحن الأرض إلى أشعتها تنفض بها عن شعرها قطرات الندى التي صبها عليها الليل قبل أن يرحل، وكانت الأشجار تهتز طربة فرحة على أنغام الطيور والعصافير، وقد اكتست من خضرة الثوب ما راق، وتوشي بدنانير الذهب وورق الخريف، وكان النسيم يهب ناعما رقيقا لينا، وكأنه أم تمر بيدها على خد وليدها تداعبه وتخشى عليه.. دخلت المستشفي وقلبي تسيطر عليه السكينة التي يدافعها الأمل بالشفاء والخوف من المرض، ووقفت على كوة الموظف فدفعت إليه بالورقة المقومة للصورة.. وأخرج الرجل ظرفا كبيرا، راح يقرأ ما كتب على غلافه باللغة الأجنبية، ثم استأذنني قليلا ودخل غرفة الطبيب.

ص: 381

انتابني شعور من القلق يشابه ما ينتاب الطالب الذي ينتظر نتيجة امتحانه، فلا يزال هناك أمل يتردد قد يخبو فقد لا أكون مصابا إصابة شديدة، ولكن الأمل بالله قائم ورحت أرقب الباب بلهفة من ساعات عديدة، وأخذت أتحرك قليلا فلا أكاد أغادر النافذة حتى أعود إليها وعيناي مسمرتان على الباب لا تفارقانه. وظهرت قامة الرجل فاتحا الباب فحدقت في وجهه لكنه لم يعرني انتباها وإنما صاح على الخادم أن يذهب إلى المختبر وأن يحضر تقرير الطبيب الجرثومي، ثم عاد إلى الغرفة ومر الخادم بعد قليل يحمل ورقة بيده فاخترق ألي الغرفة المغلقة

كان قلبي يدق.. وكانت نفسي مضطربة، ومع هذا فكنت أحس براحة شديدة، فتعلقي بنتيجة التصوير والفحص لم يذهب طمأنينتي إلى الله، ورحت أتضرع إلى الله وأدعو وأتذلل، وكنت في حالة من الانكسار ندر أن تمر في حياة الإنسان وندر أني مررت بها.

وأخيرا جاء الرجل.. ونظرت إلى شفتيه كما ينظر المتهم المظلوم إلى شفتي قاض ظالم ونظر إلي باسما ثم قال: اطمئن.. فلقد فحصنا الصورة الكبيرة فما وجدنا بها شيئا وقد كبرناها مقاطع مقاطع فما وجدنا شيئا ونظرنا في نتيجة الزرع الجرثومي فوجدناها سلبية فاذهب واطمئن..

وقلت: لكن كيف تعلل الصورة الأولى وما فيها؟..

ضحك، وقال: لا هذه قضية بسيطة فكثيرا ما يتفس الإنسان وقت لقط الصورة فتأتي مشوشة وقد تفسد عند تحميضها فنضطر إلى إجراء ما رأيت للتأكد من المرض والسلامة..

لست أدري ماذا انتابني وأنا أسمع كلام الرجل بسلامتي، كدت أصفق، أصيح، أقفز، أنادي على الناس ليشهدوا أني معافى، أضمه، وأقبله، أبكي، عواطف متعددة اجتاحتني.. ولكني تذكرت فضل الله علي فخررت على الأرض ساجدا، وقلت: الحمد لله والدموع تترغرغ في عيني..ثم انطلقت مسرعا أريد أن أخرج على الناس والأهل والصحب ليعلموا أن ما قيل عني كان غير صحيح..

ص: 382

انطلقت من باب المستشفى والسعادة تغمرني، والطرب مسيطر عليّ يستفزني، وكانت خطواتي سريعة غير متزنة، وانتبهت إلى نفسي أنني أدندن بأغنية قديمة.. وتوقفت عن الغناء وقلت: أستغفر الله، فالوقت وقت حمد واستغفار ثم انطلقت أتمتم: الحمد الله.. الحمد الله.

وصلت البيت وكان فارغا كما تركته منذ أربعة أيام فلا يزال الأهل في الزبداني، ومدت يدي إلى جيبي أبحث عن المفتاح، ولاحت مني نظرة إلى شباك سلوى، صديقة الأيام الماضية، وابتسمت ولوّحت لي بيديها كعادتها وأحسست أن يدي ترتفع لترد على التحية، وأن شفتي بدأتا تفتران عن ابتسامة وفي نفس اللحظة كان صوت المؤذن لأذان الظهر قد انطلق: الله أكبر.. وتذكرت التوبة وعهدي لله.. فارتخت يدي.. وجمد وجهي وقلت: الله أكبر ثم نظرت نحو المسجد فرأيت مئذنة سامقة في الجو تذكر بالصعود والتسامي والارتفاع عن كل ما في الدنيا من مغريات.. رددت مرة أخرى: الله اكبر، فقد وضحت الطريق وظهرت السبيل.. فلا مجال للعودة أو التردد وتركت المفتاح في جيبي وأدرت ظهري لسلوى وما تعنيه من مغريات الدنيا ثم اتجهت نحو المسجد للصلاة فما أحلى التوبة، وما أحلى الطريق الجديدة!!

ص: 383

النبوة: اصطفاء وقدوة

للشيخ أحمد مختار البزرة

المدرس بكلية الدعوة

إن العالم يتطلع في هذا العصر إلى أمة تتحمل الواجب المقدس في الدفاع عن الإنسان، هذه الأمة يجب أن تصير قدوة، ولا تصير قدوة إلا إذا عرفت في تاريخها مثلاً يحتذى.

المحاضرة الرابعة في الموسم الثقافي لعام 89-90 الذي تقيمه الجامعة الإسلامية بالمدينة. وقد ألقاها المحاضر على جمع غفير من رجال العلم والحجاج وطلاب الجامعة بمقر دار الحديث.

يعيش إنسان العالم المعاصر أياماً شداداً؛ تظله غيوم التشاؤم، ويملأ نفسه اليأس، إنه في عالم العصر الحديث؛ عصر المدنية الغربية الذاهبة شرقاً وغرباً؛ مدنية المعجزات العلمية والمخترعات الباهرات، مدنية شقَّ صانعوها أجواء الفضاء وحزموا الحقائب للسفر إلى الكواكب؛ مدنية فتحت لأعينها آيات رائعات على عظمة قدرة الله الخالق ودلائل على البارئ المقدر الحكيم! ومع ذلك فإن إنسان هذه المدنية في قنوط وعجز وخوف؛ خوف من مدنيته التي شيدتها يداه، ينظر في كل مكان فيرى رؤوس القنابل النووية في البر والبحر والجو مشرعة تريد أن تنقضَّ، فيغمض عينيه ويهرب بنفسه إلى دنيا الوجوديين والعراة والخنافس والمخدرات؛ خوف على خوف إذا وضع يده على قلبه أنكره. إنسان هذه المدنية يلوك خيبة مريرة، لقد قضى قروناً بحثاً عن السعادة والمعرفة والحق والخير والجمال، وأقام دهراً طويلاً يتشدق بالحرية والعدالة والمساواة، لكنه أخفق في تحصيلها، وأخذ بنفسه وبالآخرين لما فرض نفسه وحضارته عليهم دليلاً وقيما. فأشقى نفسه وألقى على أمم الأرض الشقاء.

ص: 384

إنسان هذه المدنية - على عديد تجاربه في الحياة وضخامة وسائله وإمكاناته - ليس كالإنسان الذي كرمه الخالقة أول مرة وأمر الملائكة بالسجود له. إنه إنسان فقَدَ نقاء الفطرة، وانحط عن مرتبة الكمال الأمثل، إنسان رضي بالأرض قسما وباع السماء بيعة وكس، وقطع بينه وبينها الأسباب وعاش في الأرض للأرض لا لربه ولا لنفسه، ومنها اشتق معناه الوجودي معنى مادياً بحتاً، ووزن نفسه بترابها؛ بذهبها أو حديدها أو نحاسها أو زينتها أو حبها فلم يعرف لنفسه قدراً وقيمة إلا بمقدار ما جمع منها وما حاز. وكان الوزن عند الله الحق والعدل والخير والأمانة.

كان هذا انحرافا كبيراً عن الصراط المستقيم الذي هدى الله إليه الإنسان؛ انحرافاً قذف به إلى الجانب المظلم الداكن من الحياة؛ إلى الخوف بعد الأمن.. إلى الظلم بعد العدل.. إلى العبودية بعد الحرية.. إلى الشقاء بعد السعادة.. إلى القلق بعد الطمأنينة.. إلى الكفر بعد الإيمان.. إلى الحرب بعد السلام.

ويقف هذا الإنسان وقد أعد كل شيء للحرب والفتك ليخادع نفسه كما خدعها مراراً وليبحث ويتحدث في السلام.

يالها من أغنية حلوة عذبه! كذلك يتغنى السجناء بأناشيد الحرية من وراء القضبان.

قالت خديجة رضي الله عنها: "الله السلام ومنه السلام"1. وحق ما قالت، فمن أراد السلام فليلتمسه في حمى الله؛ في شريعته ومبادئه.

وأية جدوى في البحث عنه في قلوب خاوية من تعاليم الرب لم تبق فيها شهوة المادة شعاعاً من نور، ولا نبضة من رحمه؟.

إن السلام ينبثق من المحبة، والمحبة تتفجر من الإيمان. وأن الحرب تلدها البغضاء، والبغضاء سليلة الكفر والإلحاد. إذن لا أمل للإنسانية في سلام ونجاة وللكفر والإلحاد في الأرض دولة وسلطان.

ص: 385

إن خلاص الإنسانية الحقيقي أن تجد سبيلاً إلى محبة؛ محبة خالصة منزهة وليست هي في المادة! فإن المادة تستولي على قلب الإنسان ولا تورثه إلا أثرة وشحناء. وليست المحبة في الإلحاد، فإن الإلحاد في حقيقته حقد جاحد؛ حقد مخلوق متكبر على الخالق المنعم. وكيف يعطى قلب خلا من الإيمان جاحد بموجده، حاقد على ربه محبة صادقة نقية معينة؟ وهل يجتمع نقي الحب وأسود الحقد في قلب واحد؟.

إن مستنقع الحقد لا ينبت فيه إلا الخبيث، وإن الإلحاد فحمة الحقد على نور السماء.

تعيش البشرية هذه الأيام الشداد، وعلى الذين يستطيعون أن يقدموا لها شيئاً في إنقاذها أن يسرعوا في أداء واجبهم قبل أن تحق من الله كلمة العذاب.

إن الدول الكبرى قدَّمت ما عندها للآخرين؛ القوة المادية الجبارة التي لا ترحم وقالت هذه الدول كلمتها "البقاء والحق للأقوى"فقضت بذلك على آمال الإنسانية التاريخية بالعدالة والإخاء لقد قالت هذه الدول كلمتها الأخيرة، وما في كلمتها إلا الاستعباد والظلم والاضطهاد وخنق الروح والضمير. وإن الواجب يفرض على أولئك الذين عرفوا في تاريخهم وشريعتهم قانوناً غير مظلم والاستعباد أن يقولوا كلمتهم.

إن الدول الكبرى قالت كلمتها، وحيل بيننا نحن المسلمين وبين كلمتنا أن نقولها في حاضرنا ومستقبلنا وفي حاضر الإنسانية ومستقبلها. وأني لأقول - وما قولي بادعاء - ما على ظهر الأرض أمة غيرنا عندها للحق بيان ومنهج، فإن كتابنا يحتفظ بكلمة السماء في صفائها الأزلي الأوَّلي، وإن تاريخنا يشهد بواقع تطبيقي حسن لهذه الكلمة.

ص: 386

إن العالم يتطلع في هذا العصر المضني إلى أمة تتحمل الواجب المقدس في الدفاع عن الإنسان وإخراجه من الظلام إلى النور؛ أمة تستطيع بما فيها من ذخر روحي، وما عندها من قيم إلهية أن تكون أرقى بني الإنسان فكرا وشعورا وأنبله غاية وهدفا، وأقدره على تسلم القيادة في معمع الأخطار. هذه الأمة يجب أن تصير قدوة ولا تصير قدوة إلا إذا عرفت في تاريخها مثلا يقتدى، فريدا كاملا من البشر؛ كاملا في إنسانيته، في حبه الخير وبغضه الشر، لا عوج في طريقته ولا انحراف في شخصيته، تجده كتلة من المعاني الخالدة المتجسدة كلمات وعمل وتنظيم. إذا اتبعته أمته، وتبنت أهدافه ورفعت شعاره، وانطلقت في دروب سيرته صارت حياتها أشبه شيء بحياته.

هذه الأمة التي تستطيع ذلك بإذن ربها هم المسلمون، وذلك المثال الرفيع هو محمد صلى الله عليه وسلم.

إنه لم يبق لنا في هذه الأيام الشداد إلا أن نعود على نبع الفطرة الصافي نستقي منه؛ إنه لابد من العودة إلى الأنبياء.

ولقد جاء كبار الرسل أممهم على حال لا تختلف بما فيها من قلق وظلم وفساد والإلحاد وانحدار في القيم الإنسانية عن عصرنا. فلنقف إذن لحظات مع:

1-

مع عصر النبوة.

ولننظر:

2-

في اصطفاء الذات النبوية.

ولنتأمل:

3-

في إعداد الله للرسول:

أ- إعداداً نفسياً.

ب- التمهيد لظهوره تاريخياً.

ج- والتهيئة له اجتماعيا.

فإذا أحطنا بذلك بدت لنا

4-

ضرورة القدوة.

عصر البعثة النبوية:

ص: 387

لا مراء في أن عصر البعثة النبوية عصر ممتاز بين الأعصر الزمنية له في علم الله ميعاد معلوم كسر من أسرار الغيب، حتى يأذن الله بإنزال رسالته على عبده المختار. (ولوددت لو يتسع للقول مجال للحديث عن خصائص عصر النبوة، لكن المحاضرة تضيق عن هذا القصد. حتى الحديث الفائض عن عصر البعثة المحمدية يزيد على حظنا من الوقت. ومن ثم أجتزئ بالكلام عن العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله علية وسلم، لعلنا نظفر بفائدة وحكمه) .

فليس من شك إذن أن الله يختار للنبي عصره، ويؤقت له: ميلاده، ومبعثه، ووفاته. ولقد قال تعالى لموسى عليه السلام بعد أن ذكره بأطوار ماضيه وكلاءته له فيه {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} 1 وكذلك فإن ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم على قدر وموعد إلهي مع الزمان، وكان عام الفيل الذي ولد فيه عاما حافلا في تاريخ الإنسانية، عاما مليئا بالأحداث الضخام. أقبل فيه أبرهة الأشرم يريد هدم الكعبة بعد أن نجح الأحباش في احتلال اليمن. وكان أبرهة قائداً جلدا طموحا بعيد الأهداف، قد أزمع أن يجعل من اليمن قاعدة ملك له تنطلق منها عساكره للسيطرة على جزيرة العرب سيطرة سياسية وعسكرية واقتصادية، وأن يشد إليه قبائل العرب المتنافرة المتدابرة بخيوط وأوتار يحركها ويضرب عليها كيفما شاء. وأعمل أبرهة الفكر وكان ذا نظرة استعمارية داهية، لا يعوزها شيء من حنكة المتخصصين باستعمار الشعوب في العصر الحديث، فصمم خطته لتحويل العرب تحويلا دينيا يجعل الطريق أمامه معبدا ذللا لتحقيق أغراضه الاستعمارية. وهو أمر لا يختلف في عن الغزو الفكري وأهدافه الذي يستهدف العرب والمسلمين اليوم.

وكان أبرهة نصرانيا فأراد حمل العرب على اعتناق النصرانية بالمكر والسيف، فكان صاحب أول حمله صليبيه في التاريخ على بلاد العرب.

ص: 388

وهذا ما أدركه العرب واضحا من غرض تحركاته العسكرية، وأفصح عنه عبد المطلب وهو أخذ بحلقة باب الكعبة يستغيث الله:

لاهم أن العبد يمنع

رحله فامنع حلالك

لا يغلبن صليبهم

ومحالهم غدوا محالك 2

وكانت الكعبة منذ أغوار الزمن مثابة العرب وأمنهم ومهوى أفئدتهم يلتفون حولها بمشاعرهم وشعائرهم في جو من الرضا العضوي والتقديس لمقام إبراهيم من منزلة في قلوبهم، وارتقت مطامع أبرهة إلى القضاء على أسباب وحدة العرب الروحية المجتمعة في الكعبة واستبد به التفكير في تهديمها فجاءت خطته تعد في الحقيقة تغيير جذري في مرافق العرب ومستقبلهم (خطة لا تختلف في كثير عن خطة اليهود في تحريق المسجد الأقصى وزعزعة قواعده لقطع صله المسلمين بمسجد يشدون إليه الرحال) . وقدَّم أبرهة لهذه الخطة النكراء ببناء القليس - كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض - 3 وأوضح الغرض منها في تقرير أرسله إلى سيده ملك الحبشة يقول فيه:"لست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب" 4 ولما عرضها للعرب لم تهو إليها أفئدتهم وأنكروا مضاهاتها لمقام إبراهيم عليه السلام، وأحدث بناؤها رد فعل عنيف في نفوسهم تجلى في إعراضهم عنها ونهوض بعضهم للتعبير عن سخطهم ونقمتهم وهوانها عليهم بأساليب خاصة فردية فأيقن أبرهة بإفلاس القليس ما دام للعرب حول الكعبة مقام فبيَّت غزو مكة وتهديم كعبتها المشرفة، وعبأ جيشه وأعلن بالزحف.

ص: 389

ولم يكن طريقه إلى مكة لا أشواك فيه، إذ من العسير على العرب أن يتسامعوا بغزو بيت الله الحرام فلا يستثارون ولا يثورون. فهب فريق ممن أوتوا حمية وغيرة يعترضون جيش أبرهة اللجب. وكانت أولى المقاومة من قوة يمانية على رأسها الملك ذو نفر 5 صمد لأبرهة بقبيلته وجماعات من العرب، ولم يكن ثمة تكافؤ بين الفريقين، فأحاط به أبرهة وأسره وكبَّله وسيره في الجيش تشهيراً وتخويفاً وردعاً للآخرين. على أن مصير ذي نفر لم يمنع قوة عربية أخرى للمقاومة من قبيلة خثعم بقيادة سيدها نفيل بن حبيب 6 فلم يلبث إلا يسيرا حتى أسر وأدني للقتل ولكنه أعلن ولاءه وولاء قبيلته الكبيرة لأبرهة وتطوع أن يكون دليله في طريق مخوف، فرضي أبرهة من ذلك ليأمن ظهر الجيش وليستفيد من حصر القوى العربية معه. وكان من خطته أن يتحاشى سفك الدماء ما استطاع حتى يأمن الثارات والحزازات ويضمن للمستقبل صفاء القلوب، ولما حاصر ثقيفاً في الطائف خرجوا إليه وأعلنوا الطاعة والعبودية لأبرهة ورضوا بأن يهدم بيت الله على أن يسلم لهم بيت اللات 1 وقد كشف إخفاق المقاومة العربية عن نواح خطيرة في واقع العرب:

1-

عظم مكانة الكعبة في نفوسهم واستعداد العرب للقتال في سبيل بقائها. ولكن هذه النية الحسنة لم تظفر بالقدرة المنفذة.

2-

عجز قوى المقاومة عن اجتماع بعضها البعض وتنسيق خططها.

ص: 390

3-

انشغال غالبية العرب في الجزيرة وخارجها بخصومتهم المحلية، وعداوتهم القبلية وأحقادهم التاريخية عن الاحتشاد لقضية كبرى في حياتهم ومستقبل وجودهم، وجعلها فوق العداء القبلي والخصومات السياسية. وقد عانت جزيرة العرب قبل الإسلام عبر أمد مديد حروباً وغزوات فيما بين القبائل، فاستنزفت قواها في غير طائل، وغرقت في الحروب حتى كادت تتفانى، ولهذا، ولم تستطع أن تتناسى الخصام العنيد والعداء المميت وأن تنسلخ من أضعاف وأحقاد تتوارثها جيلاً بعد جيل. فبات تلاقيها أمراً مستحيلاً استحالة التقاء الماء والنار. ولعل هذه الحال تكشف عن معنى العظيم في معجزة الله في قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:{) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 2 هكذا كانوا يوم أصحاب الفيل في استعصاء على الالتقاء في سبيل أية قضية حتى ألفت بينهم كلمة التوحيد ورسالته الله.

4-

ضعف القوة المعنوية وانخفاض المستوى النفسي لدى المقاومين منهم؛ إذ سرعان ما ألقوا بأيديهم إلى الاستسلام وحرصوا وكانوا أشد حرصاً على الحياة، ورضوا بأن يكونوا عبيداً وأعواناً وعملاء في صفوف الأعداء يكشفون لهم الطريق ويتحسسون لهم أحوال القبائل الأخرى مما يدل على أن الحياة لديهم كانت بشكلها الرفيع أو الوضيع، الذليل أو العزيز أحب إليهم وأغلى عندهم من أية قضية لهم، بل لا أجحد التاريخ إذا قلت أن العرب قبل محمد صلى الله علية وسلم لم يكن لهم قضية يضحون في سبيلها إلا قضايا خفيفة جزئية تأكل منهم ولا تعطيهم، قضايا العداء والثأر المحلي.

ص: 391

ويظهر جلاء الأمر إذا قابلنا بين موقفهم من أبرهة وموقف العرب المسلمين من أعدائهم الكفرة؛ قيل لزيد ابن الدثنة وهو يقدَّم للقتل: "أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة. . تؤذيه، وأني جالس في أهلي"1.

وكان قياصرة الروم أحياناً يروزون حرص المسلمين على دينهم فيغرونهم الإغراء المذهل ليفتنوهم، فما ينفصمون من دينهم شعرة فيلبس القياصرة من ثباتهم ويقينهم، ذلك أن صار للعرب قضية يعيشون لها، ولا يجدون شيئاً باهظاً أن يستشهدوا في سبيلها. ولا يفلح عرب ولا مسلمون لا قضية لهم، وخير القضايا طراً قضية السماء.

ص: 392

5-

الانقسام والسطحية في العقيدة: ولعل أفدح العوامل في مأساة العرب عام الفيل - وفي كل مأساة من مآسي تاريخهم كله - خمود نيران الحمية الدينية في القلوب، وفقدان الأشداء من المؤمنين: أعمدة الثبات والتثبيت في الملمات والحروب. فبينما كان أعداءهم الأحباش يتقدمون إلى بيت الله الحرام بحمية صليبيه طاغية، كانت أفئدة العرب خلواً من شعور ديني مقدس دفاق قادر على دحر الموجة الصليبية. ولو فتشنا قلوبهم يوم ذاك لما وجدنا فيها حقيقة من حقائق الدين، ولا معنى واضحا من معانية يعتصبون به وينطلقون منه. كل ما فيها يوم ذاك ظلال من دين إبراهيم غمرها من الوثنية غبار كثيف. . أفسدت عليهم الأصنام دين التوحيد وباعدت بين معتقداتهم وقلوبهم وألقت البغضاء بينهم إذ ذهبت كل قبيلة بصنم، تعبده دون القبائل الأخرى، فكان هذا الانقسام في الدين عاملا خطيرا في تفتيت وحدتهم كأمة لها دور في التاريخ. حتى صارت بعض القبائل لا تجد ضيرا في تهديم الكعبة إذا سلم لها إلهها كما رضيت ثقيف بذلك على أن تبقى لها اللات وجرى العرب في عبادة الأوثان على تقليد ذميم وليس لها في طباعهم وتفكيرهم أصالة واستقرار. ولم يكن في مقدور الأوثان أن تلهب القلوب بحمية ما. فاجتمع لهم إلى الانقسام السطحية في الدين، وهو داء عياء خذال قتال في المواقف الكبرى التي يتقرر فيها المصير، وكان العرب يوم ذاك بما هم عليه من هذا على شفا الضياع والهلاك؛ لئن لم يخلعوا الأصنام التي قسمتهم والوثنية التي أماتت شعورهم وحميتهم ذهبوا وضاعوا وهلكوا. ولهذا لما أراد الله بهم خيرا بدلهم بعقائدهم المشتتة الباهتة المميتة عقيدة التوحيد المجمعة المتألقة بالنور الدفاقة بالحياة. قال تعالى يذكرنا بهذه النعمة الكبرى والمنة العظمى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ

ص: 393

عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [1] ، ولا غرو أن المعجزة الرائعة التي حققها المسلمون في مجال الفتوح والدعوة ما كانت لتنجز على أيديهم لولا العقيدة الجديدة؛ عقيدة التوحيد التي وحدت القلوب والصفوف والخطط والعمل.

لما كر أبرهة الأشرم في الطائف إلى مكة يتقدمه أبو رغال الثقفي دليلا علم أن قد صفى المقاومة العربية بأدنى وأبخس ثمن. والحق أن أبرهة لم يعوق مسيره من اليمن إلى مكة حرب ضروس، وإنما مناوشات يتبعها استسلام وخضوع وتبعية.

ص: 394

ورضي أبرهة عن هذه النتائج أيما رضا إذا وفرت عليه الوقت والجهد والدماء، ولم يخامره شك في أنه أوفى على بلوغ مأربه عندما أنزله أبو رغال بالقرب من مكة. وقد طمع أن يظفر من قريش بمثل ما ظفر من ثقيف وغيرها، بتسليم كلي ليبلغ ما أراد من تهديم الكعبة برضا من أهل الحرم على مشهد من العرب وعلى أسمع العالم وبصره ليدعي هوان أمره على أهله، إمعانا في الامتهان لسكانه والمهانة لحجاجه وقاصديه. وانطلاقا من هذا القصد أرسل دورية تأديبية هجمت على أموال لقريش فساقته إلى المعسكر، ثم بعث رسولاً إلى قريش يطلب إليهم أن يرسلوا إليه بسيدهم لمباحثته. فوجهت إليه بسيدها عبد المطلب بن عبد مناف بن هاشم، شيخ وقور مهيب جاوز المئة من عمره، جرب الأيام وجربته فطن يضع القول مواضعه مخلص للبيت ولرب البيت، فسلك أبرهة مسلكاً لإرهابه وإدخال الوهن على نفسه ليسهل فرض رغباته وطلباته عليه، فأعوز إلى رجاله أن يطوفوا بعبد المطلب على الأسرى من أسياد العرب وملوكهم، فأدخل على ذي نفر وكان في حديد، ورأى نفيلاً الحنفي وآخرين مقهورين على أمرهم يقومون بخدمة أبرهة ورجاله، فحزت المرارة في نفسه إذ رأى رجالات العرب قد هزموا نفسياً وعسكرياً. وعرف عبد المطلب أنه مقبل على معركتين مع أبرهة؛ نفسية وعسكرية. وأيقن أن الثانية لا نفع في خوضها فرغب عنها غير مستسلم وأما الأولى فصمم على الثبات فيها. ولما أذن له بالدخول على أبرهة دخل ميدان الحرب النفسية ونظر أبرهة في وجه عبد المطلب بحثاً عن معاني الخوف والفرق والتخاذل فلم يجد شيئاً ووجد مهابة وصرامة وحفاظاً. وفرضت شخصية الشيخ المهيب الثابت الوقور نفسها على الغازي فانحط عن عرشه وجلس على البساط وأجلس سفير قريش وسيدها إلى جانبه، لعل اللين والتواضع أجدى إذ لم ينفع التخويف والترهيب.

ص: 395

كانت هذه مظاهر من الحفاوة والإكرام اصطنعها الداهية ليستميل إليه عبد المطلب وليبعث فيه ثقة واطمئناناً إذ بدا لأبرهة أن مقدرات مكة وكعبتها أمست بين أنامله وأن قريشاً في قبضته؛ رجالها ونساءها وأموالها، وإن جيشه قادر على الفتك وإنزال العار. وكان أبرهة يريد الكعبة لا قريشاً وأستقدم عبد المطلب ليهب أبرهة له قريشاً وليأخذ منه الكعبة فيظفر بما أراد وقد من على قريش وسيدها وأفضل. وأما عبد المطلب فقد جاء أبرهة وهو يحمل معه أمانتين؛ أمانة الله فهو حاجب الكعبة وساقي الحجيج، وأمانة قومه فهو نائب قريش وصاحب كلمتها في هذا الموقف الصعب. ولقد توقع أبرهة أن يتهالك عبد المطلب على كرسيه يطلب رحمته كما فعل من قبله، وأدرك عبد المطلب ما في نفس أبرهة فصمت، ولم يفتح الحديث تجاهلا منه للأمر العظيم الذي يريده أبرهة، وتحاشيا أن يطلب مطلبا يتخذ منه أبرهة ركيزة للمساومة على الكعبة. لقد كان عبد المطلب في موقف ضنك فإن أية كلمة تحمل معنى الاسترحام لقريش والإبقاء عليها تنطوي على تنازل خطير في حق بيت الله الحرام. ومن ثم آثر ألا يتكلم في منجاة قومه حتى ألا يضيَّع أمانة الله ولما ضاق أبرهة بصمته سأله عن حاجته فقال:"حاجتي أن يرد علي الملك مئتي بعير أصابها لي"أهذا المَطْلَب كان همَّ عبد المطلب ومصدر قلقه؟ ألهذا طيف به في الجيش وعلى الأسارى واستقدم إلى الملك؟ وماذا يفعل بالشاء والبعير ومكة كلها في خطر داهم، كلا لم يكن هذا المطلب من واقع الحساب في شيء، ولكن عبد المطلب عمد إلى تجاهل مراد أبرهة تجاهلا تاما ليعلمه أن لا تنازل عنده في حق بيت الله الحرام ولو قيد شعرة، وأن التسليم بتهديمه ليس موضوع بحث على الإطلاق ولا مساومة فيه. وفهم أبرهة ما في طلب القرشي من معنى فاستشاط غضباً وعمد إلى إثارة الموضوع من قبله قائلا - وهو مغيظ -: "قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك،

ص: 396

وتترك بيتاً هو دينك، ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه [2] وأجاب عبد المطلب بقول مرهف حاسم لا مجال بعده لجدال أو ادهان:"إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه"[3] . وخرج من عند أبرهة إلى قومه خرج من المعركة النفسية منتصراً، ولم يظفر منه بطائل، ولقد كان في الكلمات الموجزة الحادة كل ما أراد عبد المطلب أن يفصح عنه وأن يفهم الغازي. قال له:"أنا رب الإبل؛ الإبل مال اكتسبتُه واكتسبتْه قريش فلي ولهم الحق أن يطلبوه. وإذا كان لي ولهم الحق في طلب أو مباحثة أو جدل فيما هو ملك لنا ومن حقنا. وأما البيت فهو بيت الله وليس لي ولا لأحد فيه من الحق كما في الإبل، ولا يحل لي بحال من الأحوال أن أتكلم فيه، أو أساوم عليه، أو أتذلل لك في أمره فإن ربه أولى به وبحمايته". إن عبد المطلب قد أوضح في هذا القول البليغ الحدود التي تقف عندها صلاحيات الزعامة، والموقف العدل الحق الذي إن التزمه الزعيم كان من الموفقين. فبيَّن فيه أن ثمة حقوقا كبرى في حياة الأمة وذمما تاريخية وإلهية لا يحق لأي ذي سلطان أو نفوذ أن يمسها وأن يجعل في مهب أهوائه ومصالحه إن شاء أخفرها أو ساوم عليها. وإن التاريخ يشهد بأن النصر يقف دائما حيث يقف أولئك الزعماء الذين يلتزمون الحق الأعلى لا يجاوزنه ولا يقبلون به عدلا أو حلا وسطا. وقد رضي الله لعبد المطلب صلابته في حرمة بيت الله وثباته فأرسل على الغزاة العتاة جنداً من السماء:{طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [4] وما كان هذا التوفيق الإلهي في تلك الساعة لعبد المطلب نفسه وإنما لجنين في رحم آمنة بنت وهب قد بلغ منه سبعة أشهر وكان أبوه في تلك الأثناء في يثرب يلفظ أنفاسه الأخيرة وأمه تجلس في بيتها تنتظر عودة زوجها الغائب وتترقب مع الناس قلقة أوبة حميها في معسكر أبرهة: هذا الجنين الذي أذن الله له أن يتنسم أنسام مكة بعد خمسين يوما

ص: 397

من غزوة أصحاب الفيل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، به قد وفق الله جده وأكرمه وأكرم العرب والعالمين.

كانت هزيمة أصحاب الفيل وما زالت آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته جعلها بين يدي مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت المنة بها على أهل مكة عظيمة، ولكن القوم كانوا في جاهلية ظلماء فما أن ذهب عنهم الروع وفزع عنهم حتى عادوا يسدرون في غيهم ومظالمهم ومفاسدهم. ولم تكن الإشارة التي حملتها المعجزة لتنزعهم من الغي والضلال، فأتم الله عليهم وعلى العالمين فضله بمعجزة أعلى وأسمى فأرسل إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم ليبوئهم مكانا عزيزا كريما؛ في عام الإنقاذ هذا ولد المنقذ الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء العرب وهم أعجز الناس عن حماية حوزتهم وحرمهم ورد الغزاة فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى صنع الله منهم فاتحي العالم ومنائر الحق والحكمة.

هكذا كان ماضي أجدادنا عام الفيل ما أردنا من تفصيل الحديث فيه إلا الذكرى والاعتبار. وأيم الله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [5] .

2-

اصطفاء الذات النبوية.

الاصطفاء انتخاب الله صفوة البشر ليكونوا المثال الواقعي الحي للمثل الإلهية والقيم الربانية التي ارتضاها للبشرية شرعة ومنهاجا، تخوض بها تجربة الحياة والابتلاء بغية النجاة والظفر بمرضاة الله تعالى.

ص: 398

إن تجسيد القيم في أفعال وخطط يعطيها معناها الإمكاني الحق إذ يتعرف الناس على هذه المثل في واقع حياتي حي، فلتلتحم الفكرة العلوية بصورتها الأرضية، وتجري الأفكار والتعاليم الإلهية ملموسة دفاقة في الأرض جريان السيل لا ظن ولا توهم ولا مراء. ومن ثم ينتخب لها أولئك الذين تبدو العقيدة فيهم رائعة الجلاء والنقاء كما ينم البلور ذو الصفاء عما حوى، حتى إنك لا تميز بين الوعاء وما وعى. هؤلاء الصفوة يتولى الله سبحانه اختيارهم وهو العليم الخبير، ويجعل فيهم بقدرته ومشيئته الاستعداد للنبوة ليكونوا حقائق العقيدة المتحركة على الأرض. هذه النخبة يمكن أن يقال فيها: "أنها ليست وليدة بيئتها ولا من صنع مجتمعها، أنها جنس منفصل وجد كالغريب في بقعه نائية. وأنها لتحس بغربتها قبل أن يأتيها خبر السماء وتتجافى عن ضلال الناس كأن عالمها غير عالمهم وكأن قوة علوية تجتذبها إليها -تلمس آثارها وتشعر بتأثيرها فيما يجري لها ولكن تبقى محجوبة عن السر حتى يكشف الحجاب ويأتيها الوحي - فيتصل حبلها المقطوع بالعالم الذي كانت تستشعر وجوده ولا تدري كنهه، وتجد نفسها بعد ضلال {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى} [6] وتعرف حقيقتها ومهمتها فيزول عنها الإحساس بالغربة، وتستشعر نفسها وكيانها بقوة وتمكن، وتأخذ في التلقي من الله تلقيا تلقائيا آنيا فلا تتردد ولا تتحرج ولا تجادل ولا تماري، وإنما تستجيب للأمر وتتمثل للأمر للكلمة الإلهية آنيا كما ينبثق النور آنيا لا يدري أول شعاعه من أخره لسرعته تلك الاستجابة التي تلمس حقيقتها في إبراهيم. . {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [7] ولم لا يسلم للحظته وقد بحث طويلا عن ربه في ملكوت السموات والأرض فلما اجتباه ربه وكشف حيرته وهدى ضلاله لم يبق إلا الامتثال والتلبية. عندها يعلم المصطفى المختار أسباب عزوفه عن قومه ونفوره من

ص: 399

تقاليدهم وعباداتهم، ويوقن أن عناية الله كانت تلاحظه قبل الوحي الصريح والخبر الوثيق فيلجأ إلى ربه ليستمد منه وليستضيء بنوره ويغرف من معين هديه. وتتمايز نفسه تمايزا كليا عما حولها وتصبح قوة فعاله تأتي بالمعجزات ولا تبالي بالمعوقات. فلا تهاب أن تدخل معبد الوثنين الفأس بيدها تهزأ بالأصنام وتجعلها جذاذ ثم تقف وحدها تتحدى صخب الجمهور الضال، وطغيان الحاكم الجبار والتحريق بالنار، وتقابل التحدي صخب العجاج بتحد صليب مرهف نافذ. ولا عجب أن تقف وحدها على الصفا لتقول كلمتها المأمورة بها وتبلغ رسالته المنوطة بها، وليس عجيبا أن تقول:"والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته"[8] لأنها أيقنت أن معنى وجودها هو أداء رسالة الله، فإن لم تؤديها فلا معنى لبقائها. ولهذا تبلغ في الاستبسال مدى لا تحتمله النفوس الأخرى، وفي الصبر شأوا يعجز عنه أولو العزم في غير الأنبياء، وتصبح شجاعتها وصبرها موضع الدهشة من الخصوم. وهذا التحدي المنتصر؛ تحدى فرد وحده لأمة أو مم لا يصدر عن أفراد عاديين، إذ لا يملك فرد مستضعف أعزل أن يغير نظام العقيدة، والمجتمع والتاريخ لأُمة إلا إذا أيدته قوة قاهرة على القوى فاستمد من ذخرها للصمود والهجوم والانتصار إن هؤلاء الأفراد الذين اختارهم الله وخلق فيهم هذه القدرات والإمكانيات هم وحدهم أمم، فإن كلا منهم مبدأ أمة جديدة وتاريخ محدث، جمع الله له في نفسه القوى اللازمة للمستقبل الجديد، فسرت منه إلى قلوب الأجيال قال تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [9] .

ص: 400

وفي القران الكريم إشارات واضحة إلى تلك الصفوة المختارة في ملايين البشر المبعوثين في الأرض قال تعالى مخبرا عن طريقته في الإرسال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [10] وهو يعلم أولئك الذين يطيقون النهوض بتبعاتها إذ: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [11] ومن ثم كان اصطفاؤه لأفراد مخصوصين متميزين ذهبوا بخلود الذكر في الدنيا والآخرة: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [12] .

ص: 401

وهؤلاء الأصفياء - على تباعد الزمان فيما بينهم - بعضهم من بعض، فإن بينهم نسبا هو دين الإسلام الذي ارتضاه الله للبشر منذ أبيهم آدم، ولما بعث خاتم الأنبياء وسيد المرسلين كان اختياره من صفوة الصفوة؛ إن محمدا صلى الله عليه وسلم خير نسمة برأها الله بين سابق البشر ولاحقهم. إن أكمل الرسالات وخاتمتها تستلزم رسولا هو أكمل ما خلق الله من بشر وأطهر. وهذا أمر هيأ الله له الأسباب منذ آدم عليه السلام، قال عليه الصلاة والسلام:"بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت في القرن الذي أنا فيه"[13] وفي هذا الحديث الذي رواه البخاري دلالة كافية على انتخاب إلهي مستمر خلال أجيال البشرية حتى استخرج منهم محمدا صلى الله عليه وسلم وكان استخراجه من بيت أوله النبوة قال عليه الصلاة والسلام -في حديث رواه مسلم-: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم"[14] وكان علية الصلاة والسلام يقول: "أنا دعوة أبي إبراهيم"[15] فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء نفسه وجسده الطهر، إذ اختاره ربه من أطهر نطفة في الأصلاب. روي عن عائشة رضى الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم:"ولدت من نكاح غير سفاح"[16] وثبت في الصحيح قوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر"[17] ولا عجب فهو مصطفى الأصفياء: طاهر مطهر، وسيد الأنبياء.

3-

إعداد الله لعبدة للرسالة:

ص: 402

إذا كان لبعث النبي عند الله ميعاد معلوم فإن أحواله وأوضاعه في مختلف مراحل حياته جارية على تقدير وتدبير من الله العزيز الحكيم؛ يختار له الوسط الذي يكتنفه، والمؤثرات التي تحيط به، ويفاعل بين نفسه وبين ما وضعه فيه، فيخلق فيها ردود الفعل المناسبة للمستقبل القريب. إن الله هو الذي يصنع الأنبياء، وينشئهم النشأة المواتية للرسالة، إنه رب العالمين الذي تقبل مريم:{بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [18] وهو الذي صنع موسى على عينه، ووضعه في قصر فرعون آية كبرى من آيات التحدي لطغيان سادر، غير مرعو، لينشأ في حجور الجبابرة، ويخرج من عندهم أكبر ناقم، وأشد ساخط على الظلم وتعبيد الشعوب.

ومن ثم لم يكن شئ في حياة محمد صلى الله عليه وسلم قبل المبعث إلا بتدبير الله الخالص وتهيئته وقد يبدو أن كلامنا هذا تحصيل حاصل فكل ما في الوجود إنما هو بتقديره عز وجل. ولكن قلنا ما قلناه لنوجه الأنظار إلى أهميه الظروف والحوادث التي عاشها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لنكتنه مغزاها العميق ،ولنطيل الفكرة في هذه التنشئة التي انتهت إلى تفجير الحكمة الخالدة في فوائده تلك الحكمة التي رفعها الله نبراسا هاديا مشعا للبشرية إلى يوم الدين.

إن حياة تتفتح عن الحكمة الكلية الأخيرة للإنسانية لجديرة بالتفكر والتدبر والاعتبار وبأن تتأمل في شكلها ومضمونها والأحداث التي صنعت مادتها.

أ- الإعداد النفسي:

ص: 403

كان أول وحي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء شديد الوطأة. لقد عانى حادثة غير عادية ولا مألوفة ، خفية العلة، ولا يفسر حدوثها بسب من الأسباب الظاهرة (كما ينشأ الغيث في السحاب ، مثلا) فإن مصدرها ليس عالم الشهادة بل عالم الغيب. هنالك لا يسع الإنسان إلا أن يتلقى بالقبول المطلق والتصديق الكلى ، لأن أحداثه فوق منطق الأرض المحدود بالسبب والنتيجة. لذلك لا يقدر على احتمال الوحي إلا الأنبياء الذين أعدهم الله للثبات عند رؤية الملاك، وتصديق ما جاءهم من خبر السماء. ولم يصادف الوحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسا لم تهيأ لاستقباله ، بل جاءه بعد إعداد طويل من رب العالمين، عرف فيه حوادث غيبية المنشأ، لم يدر لها علة ظاهرة. فكانت مقدمة صالحة لاستقبال الوحي، رفقا من الله برسوله، ورحمة بنفسه البشرية.

ص: 404

وكأن بعض هذه الحوادث كانت تقول له قبل مبعثه: لست وحدك، ولا لنفسك وإنما أنت للذي يعدك ويرعاك لتكون امرأ غير الآخرين، وإن في غدك لأمرا فترقبه، فتبعث فيه تساؤلا وتطلعا وترقبا، وربما كان من شأنها أن حببت إليه العزلة والتحنث في حراء. واستقبل أولاها وهو طفل مسترضع في بني سعد يوم جاءه الملكان فشقا صدره واستخرجا قلبه وغسلاه بالثلج والبرد. حادثة فوق إمكان العقل الإنساني ولكنها على الله هينة لذلك لم يكد أبواه في الرضاع يستمعان خبرها من فم الطفل البريء الصادق حتى طارا به إلى أمه في مكة فزعا أن يكون بدأ به عرض مرضي إذ لم يستطيعا أن يصدقا طفلا في أمر لم يألفاه. ومن أدراهما أن من بين أيديهما نبي منتظر؟ ولكن الطفل لم ينس الحادثة، ومرت في شعوره خفيفة الوقع وهو صغير، فلما شب على الأيام تألقت في ذاكرته وإحساسه، ولا شك أنها شغلت تفكيره حتى مبعثه، فلما جاءه الملك ليلة الإسراء، وشق صدره للمرة الثانية وغسل قلبه بماء زمزم استعدادا للسفر به إلى الملأ الأعلى والمثول بين يدي الله تيقن أن حادثة الطفولة كانت إحدى براهين النبوة ليتعرفها في نفسه، وليثبت يوم يزعزع كيانا في غار حراء والملك يفته ويقول {اقْرَأْ} [19] ويوم يقول لخديجة رضي الله عنها:"مالي أي شيء عرض لي؟ لقد خشيت على نفسي"[20] في هذه الساعات من الزعزعة الحيرة كان تذكر هذه الحادثة وما أشبهها أنفع شئ في الثبات واليقين، وتستبين حقائق الحاضر بدلائل من الماضي. وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مغزاها الكامل إذ سئل خبرنا عن نفسك يا رسول الله [21] فجعلها عليه الصلاة والسلام إحدى أربع علامات للنبوة عرفها في نفسه. ومن يدري؟ ربما ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال حياته يستشعر العذوبة والراحة النفسية التي أحس بها عندما استخرج الملكان من قلبه علقة سوداء وغسلاه بالثلج والبرد: إننا لنسمعه يقول في دعاء له "اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج،

ص: 405

والماء، والبرد" [22] وثمة حوادث تقصد مع تنبيه النفس إلى حينانتها وحياطتها من الوسط الجاهلي. وللبيئة أثر في النفس لا يدفع، وقد تولى حفظ نفس نبيه صلى الله عليه وسلم من أقذارها وإخطارها، حتى يتم له الطهر ويسلم له النظر السليم، والإحساس اليقظ وليفرق بين القيم الحقيقة التي هي كمال الإنسان وبين القيم التي هي النقص والخسران ولقد شاء الله - ومشيئته حق ونور - أن تتمايز هذه النفس عن محيطها لتبصر مساوئه وتنقده نقدا دقيقا عادلا حرا تنقده وهي تنظر فيه بنور الله نقدا لا يعرف الادهان ولا أنصاف الحلول فإن الحق لا يتجزأ أو لا يجزئ بعضه عن بعض؛ إننا لنجد الله قد حمى نبيه أن ينكشف إزاره عن العورة إذا تعرى الصبيان أو الرجال وهم يحملون الأحجار للعب أو لبناء الكعبة [23] وفي هذا صيانة لنفسه النبوية من أن تتأذى بما يبعث في النفس من أحاسيس غير كريمة. وحماه من حضور مجالس اللهو والغناء وكان حييا. وكانت الكعبة تزخر بالأصنام وقريش تذبح لها في الأعياد، فحال الله بين نبيه وبينها فلم يمس حياته صنما ولم يحظر عيدا لها. لقد فارق قومه في باطلهم مفارقة كبيرة عرفتها عشيرته فيه قبل النبوة، ومن أعجبها وقوفه بعرفة مع الناس، على حين كانت قريش مما يقفون في المزدلفة.

ذلك أن الله أنعم عليه بالحس السليم الذي يميز بين الحق والباطل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد في قومه فضلا نوَّه به ومِنْ هذا ثناؤه على حلف الفضول الذي تعاقدت قريش فيه على رد الحقوق للمضطهدين وعلى حماية الضعفاء منها ومن غيرها، فقال فيه:"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت"[24] ولعل هذه العدالة في الحكم ظاهرة الدلالة في قوله: "بعثت لأتمم حسن الأخلاق"[25] .

ص: 406

هذه الحوادث وإضرابها من إرهاصات النبوة لم يمنحها المحدثون من كتاب السيرة ما تستحق من عناية وبحث فتجاوزا عن كثير منها، ولم يتلبثوا عندها إلا يسيرا. ولو أمعنوا النظر وتتبعوا أحوال المصطفين والأنبياء لو جدوا فيها سنة من سنن الله في أعداد أنبيائه.

فمن ذلك رؤيا آمنة بنت وهب حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم إنه: "خرج منها نور أضاء لها قصور الشام"[26] .

وحدثت آمنة وحيدها وأثيرها محمدا صلى الله عليه وسلم برؤياها قريرة متفائلة بمستقبل ولدها. فلما أوحي إليه أدرك أنها إحدى أمارات النبوة فحدث بها [27] .

فهل نجد ما يشبه هذه البشارة لدى أمهات الأنبياء والرسل؟ هل كانت تصدر إليهن الإشارات الإلهية بمستقبل الصغير المنتظر؟ نعم، كانت هذه الإشارات إلى بعضهن أبلغ في الدلالة وأجلى في الصراحة، بل كانت إعلاما وإخبار مكشوفا. فأخبر الله أم موسى عليه السلام وموسى في أيامه الأولى {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [28] وأعلم الصديقة مريم بمستقبل عيسى قبل أن تلقى إليها الكلمة. . {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [29] ولا شك أن وضع الصديقة الفريد كان أحوج إلى وضوح الإعلام من آمنة ومن أم موسى، إذ كانت تحتاج إلى أن تصدق نفسها في أمرها حتى تقوى على الصمود في وجه تكهنات الناس وتخرصاتهم. ومن ثم حمل عيسى عليه السلام معه آيه خلقه ونبوته عندما نادى أمه من تحتها حين وضعته [30] وفي مخاطبته المجتمع المستنكر المتهم وهو في المهد [31] .

كذلك بشرت الملائكة نبي الله زكريا بحيي عليه السلام [32] ، ومن قبل جاءت إبراهيم البشرى بإسحاق ويعقوب [33] .

ص: 407

هذه الدلائل هنا صريحة ولإعلام أم موسى بها، ومريم وزكريا وإبراهيم وزوجه إعلاما مكشوفا، أسباب لا تخفى، ولم يكن سبب منها لآمنة. فكان رؤياها النور الذي أضاء لها القصور من بصرى الشام رمزا للمستقبل. ولو أن الأمر يتطلب ما فوق الرمز لجاءها من الله بيان. ولكنها أعطيت ما يكفيها لتتنبه لشأن وليدها. ولم يعترض حياتها وحياة وليدها من الظروف النادرة أو الخطرة أو المغايرة للمألوف - كظرف إبراهيم وزكريا - ما يقتضي الوحي. فكان الرمز هو القدر المناسب الكافي ليبعث في نفس آمنة التوقع والتفاؤل.

ب- التمهيد التاريخي للرسول:

وتلك التوطئات غرضها إعداد الرسول لقبول الرسالة ليطمئن بها قلبه، وليعلم أنه قد جاءه الحق من ربه. وهي لا تعدو في أثرها نفس الرسول ولا تستهدف غيره ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم قد سبق أمر الله أن تختم به الرسالات، وأن يقضي على آثار المرسلين أجمعين، وأن يجعل دعوته عامة لكل عاقل على ظهر الأرض. وهو أمر لم يكتمه الله عن البشر. وإنما هيأ له الأذهان، ووجه إليه الأنظار منذ زمن بعيد، إعلاء لشأنه وإظهارا لأهمية رسالته، وليكون الناس معها على وعد غير مكذوب ولتشرئب نفوسهم إلى الكمال المرتقب وليتشرفوا إلى الانتساب إلى الرسالة الخالدة، وليعلموا أن كمال النبوة وتمام الحق فوق ما حضرهم أو عرفوا من أمر الأنبياء والرسل وليحيي الأمل نفوسا كانت تألم وتتأذى من جهل منتشر وباطل مستمر.

وإرسال الأنبياء عموما أمر لم يكتمه الله عن خلقه، فأعلنه لهم منذ أبيهم آدم وأخبرهم أنه قارب الإنقاذ والنجاة. قال تعالى لما اقترف آدم الخطيئة وهبط من الجنة:{قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [34] ثم أصدر الله لرسله إعلاما غيبيا بمبعث نبي يتمم به الله الرسالات فكان هذا إرهاصا وتمهيدا تاريخيا لمحمد صلى الله عليه وسلم.

ص: 408

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [35] فصار الناس بذلك على موعد مع الزمان بمبعث نبي نوه الله بذكره، وأخذ العهد له عليهم منذ الزمن السحيق. وفي الآية دلالة بينة على علو مكانة النبي الموعود به، والحقبة الزمنية المبعوث فيها. ومن ثم ألح بدعوته منذ أجيال وأجيال. وبهذا يجعل الله ميعاد مبعثه منارة تاريخية، يجمل أن نتخذه حدا فاصلا في التاريخ البشري؛ ما كان منه قبل محمد وما يكون منه بعد محمد صلى الله عليه وسلم. وكان احتفاء الله به عظيما؛ لأنه في تقديره عز وجل وتوقيته له، حدث ثقيل في حياة البشر ومستقبلهم. وكيف لا يكون شيئا ثقيلا وحاضرهم في الدنيا، ومستقبلهم الأخير يوم القيامة مرهونان بما حققا من اقتراب منه، وتصديق به، أو ابتعاد عنه وتكذيب. وبهذا يتجلى المعنى التاريخي الإنساني العظيم في الآية التي تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، على جبل الرحمة، في حجة الوداع:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [36] كان يوما مشهودا فاضلا تمت فيه الكلمة الإلهية والنعمة الرحمانية على بني آدم. وكان الله جعل من هذا اليوم قبلة زمانية اتجهت إليها أفئدة الأنبياء والمؤمنين بهم، إقرارا منهم على أنفسهم بأن كلا منهم مرحلة في تاريخ النبوات، وحلقة في سلسلة المرسلين. وشاء الله فأتم السلسلة بمحمد صلى الله عليه وسلم فجاءت رسالته لا يجهلها المؤمنون الصادقون من أهل الكتاب، يعرفونها {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} ، وهي تحمل الإيمان بالرسل

ص: 409

السابقين، والتقدير لجهودهم في تبليغ الكلمة الربانية إلى الناس، والثناء على صدقهم، وتضحياتهم في سبيل إنقاذ الإنسان من براثين الشيطان، وباركت جهادهم، وحيث إخلاصهم:{وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [37] .

ويبدو أن الأنبياء الذين بعثوا في الزمن المبكر، لم يتجاوز علمهم بالنبي صلى الله عليه وسلم سوى الإخبار بمبعثه، وأخذ العهد عليهم، أو دعوة حارة تجري على لسان إبراهيم عليه السلام فتفتح لها أبواب السماء، وتلتقي بما قدر الله منذ الأزل:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [38] فلما تأخر الزمان وأنزلت التوراة والإنجيل، توضحت الإشارات وذكرت العلامات، وصار الذين عندهم علم الكتاب على بينة من مجيء رسول {اسْمُهُ أَحْمَدُ} [39] لا يخطئونه. إن رأوه أدركوا يومه. فقد وضح الله لهم كثيرا من علاماته؛ مكان بعثه، مهاجرة، وصفاته. ثم أتى على التوراة والإنجيل ما أتى من التبديل والتغير. وأفسدت الوثنية الدين الذي جاء به عيسى، ودخل أتباعه من بعده في الشرك إذ قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. واختفى دين التوحيد فلم يستمسك به إلا رهبان أو أساقفة قلة، منقطعون في الصوامع، أو الكنائس يتجافون عن الناس في شركهم، وفساد عقيدتهم، ولا يجرؤون على النعي عليهم خوفا من بطشهم وتنكيل الحكام بهم. وأغلب الظن أن هؤلاء النفر القليل احتفظوا بصفاء دين عيسى عليه السلام، بما خبؤوا في صوامعهم من صحف الإنجيل الذي كان أقرب شيء إلى الأصل الذي أنزل على نبي الله عيسى عليه السلام. قال ابن هشام لما ذكر الراهب بحيرى: "فلما نزل الركب المصري من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرى في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم

ص: 410

عن كتاب فيها، فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر" [40] . ويلتقي هذا الحديث بحديث سليمان الفارسي رضي الله عنه الذي تقلب في كنائس عدد من الأساقفة الصالحين قبل أن يصير إلى أرض العرب قبيل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال له أسقف عمورية وهو على فراش الموت، وكان آخر أسقف رافقه: "والله ما أعمله أصبح اليوم أحد على مثل ما كان عليه الناس، آمرك به أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي، وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين فيهما نخل به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل". فكان هؤلاء ينتظرون الوعد الحق؛ ظهور النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل [41] .

وكانت القراءة المجردة عن الهوى في التوراة والإنجيل كافية لأن تحمل أهل الكتاب على إيمان: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [42] .

لقد نزلت التوراة والإنجيل يحملان الشهادة التاريخية الواضحة الثابتة على سر من أسرار الغيب العظمى لم يكتمه الله، ولم يجمله، عن اليهود والنصارى أعذارا لهم، وليكونوا السابقين إليه. ومن أولى بنصر كلمه الله ممن يعرفها؟ ولكنهم كانوا قوما فرقوا دينهم شيعا وأحزابا وأتت عليهم عصور من الحسد والبغضاء والعصبية فلم يفلحوا في التجرد من ذلك، والإخلاص للحق المنزل، فمنَّ الله بالدين على قوم أميين سلمت فطرهم من رسوبات الخلاف الديني ومن العقد النفسية، والصيغ المنطقية الموات، فلم يلبثوا أن صاروا به خير الأمم- والحمد لله والمنة -.

ج- التهيئة الاجتماعية:

ص: 411

هذه توطئات بالنبوة، منها نفسية ذاتية، ومنها تاريخية لتعد النفس النبوة والفكر الإنساني الديني فلا يبدو الوحي غريبا للموحى إليه. ولا إلى الذين عرفوا الكتب المقدسة قبل، فهي بذلك تصل النبي صلى الله عليه وسلم بالأفق العلوي وتجعله على شفا الوحي والرسالة، وتضعه حيث وضعه الله في السلم الزماني من تاريخ النبوات.

غير أن الرسالة لابد لها من ظرف اجتماعي تملؤه وتتحرك في أنحائه، وتنتشر فيه. ومن ثم كانت التوطئة الاجتماعية، وإعداد من حول النبي للتصديق بنبوته أمرا يتسق والتوطئة النفسية والتاريخية.

ص: 412

ولو نظرنا باقي المجتمع القرشي، قبل المبعث لوجدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم، ملحوظ المكانة فيه، ظاهر الشخصية، مرضي السيرة، مرجوا للخير، يدل علي ذلك لقب (الأمين) الذي أضفوه عليه. وهو لقب - لو سبرنا بعيد مدلولاته - ضخم المحتوي، فالأمانة سجية تجمع لصاحبها سلامة السريرة والسلوك، وصدق الطوية والفعل، فلا تناقض بين مظهره ومخبره، بل يصدق فعله قوله، ويصدق قوله وجدانه وخبيئة نفسه. فالأمانة أول معني لها الاطمئنان والثقة؛ اطمئنان الآخرين إلى شخص الأمين، وثقتهم بما يصدر عنه. وهي سجية لا يشهد بها لامرئ إلا بعد التجربة والاختبار المتواتر [43] المستمر. ويمكن أن يقال بحق: إن الأمين من أمن الناس لسانه ويده. وهكذا كانت قريش قبل المبعث لا تخشى من رسول الله صلى الله عليه وسلم معرة، ولا يتخوفون منه كذبا، ولا يتوقعون منه إلا استقامة، وخطة حميدة، ولا يعرفون فيه إلا نبلا وشرفا ووفاء. ولا نكاد نجد لقبا أجمع لخصال المروءة والرجولة والعدالة من لقب الأمين. وهي خلال ترشح صاحبها لسيادة الرئاسة والزعامة. وهو لقب ينطوي خصال نابعة من الذات، ومن جوهر النفس ولا ينم عن صفة جسدية - كلقب أبي لهب مثلا - أو على خصلة وحيدة غالبة، منفصلة عن مجموع الخصال التي تؤلف التكامل في الخلق والنفس، - كلقب الفيض والفياض مثلا للكريم المترف - ولا أظن أنه لقِّب في قريش غير محمد بهذا اللقب. ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم في قومه زعيما، ولا طالب زعامة، ولم تعرف له - قبل النبوة - فئة تدعمه ولا شاعر يمدحه. فيكون لقبه منهم وإنما هو لقب فاز به بإجماع قريش كلها رجل كان أبعد الناس عن حياة ذات قصد نفعي، أو إشادة بالذات، وأزهد الناس في تقدم الصفوف، بلد الرئاسة والشرف. وبهذا يكون مجتمع مكة قد شهد على نفسه، وشهد عليه التاريخ بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي كان وحيد قومه في خصال الخير، وأسباب الفضل والعدل،

ص: 413

ومؤهلات الزعامة. ولو تحرينا الإنصاف قلنا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ولم يزل وحيد الناس، قاطبة، فيها.

ونحن الذين نؤمن بالله ربا وبمحمد نبيا لا نطلب الدليل على صدق ذلك. ولكن الله أقام الأدلة - على ما ذكرناه - في أحداث اجتماعية هامة، لمن شاء أن يتفكر ويتدبر لتظهر هذه المزايا على حقيقتها في مجال التطبيق والعمل في أصدق مظهر في الواقع. وخير حادثة اجتماعية يحيط إطارها بهذه المزايا حادثة الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع الركن إلى مكانه من الكعبة، عند تجديد بناءها قبل المبعث بخمس سنوات.

ص: 414

لما بنى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بيت الله الحرام، وأذن إبراهيم في الناس بالحج، وجاءه المؤمنون من كل فج عميق، وعبرت على ذلك قرون، احتلت الكعبة مكانها الأقدس في قلوب العرب، وعلت مكانة الذين حولها يتعهدون الحجابة، والسقاية، والرفادة، والعمارة والشعائر. وتمتعوا بنفوذ وسلطان وأمن، وأصابوا سؤددا وغنى. فتنافس المتنافسون من جرهم ثم خزا عة على مكة وبيتها الحرام، واستضعفوا أبناء إسماعيل، وغلبوهم على أمر البيت. فاعتزل أبناء إسماعيل السلطة والحكم، وصاروا قطعا حلولا وصرما في قومهم بني كنانة [44] في السهول والبوادي والجبال، فيما حول مكة، يكاثرون، ويظهرون على مناوئيهم حتى رث أمر خزاعة، فجمع أحد رجالهم الأشداء، قصي بن كلاب، القبائل من فهر، وهي التي تؤلف بمجموعها قريشا، واستعان بقوة من اليمن [45] ، وضرب خزاعة ضربة قاصمة خلصت مكة بعدها له، وانتهي إليه الحكم فيها بغير منازع. وكان قصي بن كلاب أول جد قرشي، لرسول الله صلى الله عليه وسلم حكم مكة فاجتمع له ما للملوك من أسباب الملك، ومن المهابة والسلطان، فدانت له قريش كلها بالسمع والطاعة وجمع في يده السلطة السياسية والدينية فأتاح ذلك لأبنائه [46] فرصاً للنبوغ والظهور والشرف والثراء. ولم يكن له في قريش كلها منافس، وما كان أبناؤه يخشون من بعده مزاحماً، وبدأ البيت الحاكم في مكة في أحسن أحواله منعة جانب، واتحاد رأي ومذهب. ولكن قصياً قبل وفاته أحدث فيه أول زعزعة، إذ جعل الأمر من بعده لابنه عبد الدار، وهو أقل أولاده حظاً من شرف وسؤدد. وكانت الأنظار تتجه إلى عبد مناف لما أصاب من شرف في حياة أبيه، ولكن الأخوة أذعنوا لأمر الأب المهيب، والأمر الحازم، فقد كان قصي لا يخالف ولا يرد عليه بشيء صنعه. واستطاعت هيبة قصي، ومراعاة أبنائه لحقه، واحترامهم لكلمته فيهم ولذكراه أن تحفظ الأمر بينهم من بعده كما أراده أبوهم من غير شقاق أو خصام، وحكم عبد الدار

ص: 415

واكتنفته أخوته يساعدونه يعملون لبيتهم ولأنفسهم، لا خلاف ولا نزاع، ولكن أبناءهم من بعدهم لم يكونوا مثلهم في ضبط النفس، والحفاظ على وحدة الحكم فحمي وطيس المنافسة بين أبناء العمومة: بين بني عبد مناف وبين بني عبد الدار. وكان لكل فريق أنصار، ومؤيدين متكافئون وأتى على قريش يوم إذا البيت الحاكم فيه بيتان، وإذا القبيلة قبيلتان، قد تعاقد كل فريق على الموت والفناء فلم يبق إلا السيف والدم، وكانت هذه اللحظة شديدة الحرج، بالغة الخطورة في حياة قريش، ومستقبلها كله، فكان الضياع والخسران والغدر الماحق في انتظارهم جميعاً. وإذا تكافأت القوى المتصارعة وخاف الخطر الناس جميعاً أتيح للعقل دور، وللحكمة مكان. وهكذا كان إذ تداعى الفريقان إلى الصلح، وانتهى الاتفاق إلى إشراك بني عبد مناف في حكم مكة. ثم لم يلبث بنو عبد مناف أن عزوا بني عبد الدار بمكارمهم ومآثرهم، فأخملوا ذكرهم وانصرفت السيادة لبني عبد مناف، وارتفع المجد والشرف بهم. وتعلقت بهم قلوب قريش من غير إكراه وظفروا بتقدير واحترام غيرهم من الأمم بما أوتوا من كياسة وخطة حكيمة نفعوا بها بلدهم وقومهم.

والحق أن البيت المنافي ظهر فيه شخصيات لم يظهر لها نظائر في بيوتات قصي الأخرى. كان هاشم بن عبد مناف من أقواها، وعبد المطلب بن هاشم من أعلاها قبل الإسلام. وقد أقرت قريش كلها بالسيادة لهما. ولكن النزاع الأول خلف وراءه مضاعفات نشأت منها أعراض خطيرة في قريش: لا شك أن قريشاً عند النزاع لم تختلف فيما بينها على زعامة آل قصي إذ كانت تسلم بزعامة هذا البيت تسليما، وما كان فيها أحد على مستوى المنافسة، وإنما كان الخلاف على أبناء قصي يكون زعيماً. ولكن الخلاف بعث في قريش حركة سياسية: دبت خفية، ثم حبت خفيفة. ثم سمعت عاملة نشيطة:

ص: 416

لما انقسمت قريش حول أبناء قصي فريقين يختصمان فيهم، كان هذا - ولأول مرة - إشراكاً فعلياً لها في السياسة الداخلية للحكم، وإسهاماً عمليا في اختيار الزعيم، أو الاتفاق عليه. وقد وقف كل بطن منها في السلاح في وجه الآخر يوم ذاك وحمل هذا معه روح الانشقاق والتنافس.. وإذا كان الصلح قد رد السيوف في أغمادها، فإنه لم يرد إلى القلوب صفاءها ورضاها، وأصبح من العسير أن يرضى بطن من البطون، بحظ من الشرف والمكانة أقل من حظ خصومه، فنشطت حركة من التنافس الداخلي بين بطون قريش، ظلت في غلوائها حتى فتح الله على محمد صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، وقد دفع أحقاد قصي وهاشم وإخوته هذا التنافس الاجتماعي قدماً في طرق مأمونة، ففتحوا لقومهم مجالات السعي والكسب الوافر، وعقدوا لهم الاتفاقيات التجارية مع الأمم المجاورة ومهدوا لهم السبل، ونظموا لهم رحلة الشتاء والصيف، فانطلقت قريش من قبيلة تكتسب من التبادل المحلي، إلى بيوتات تجارية يضربون في الآفاق وتنصب في أوعيتهم الأموال. وتفتحت مواهبهم، واتسعت مداركهم وعرفوا الخطأ من المجتمعات. ورفع هذا من قدرهم عند العرب جميعاً، وصرفهم هذا السعي الخارجي عن التنازع والصداع في الداخل. فلم تلق قريش من تسويد أبناء قريش إلا خيراً ولم تنازعهم على ما في أيديهم من أمر البيت، بل أولتهم أمورها، ورضيت عن سياستها فيها، وأجلت قريش بعد قصي رجلين من أحفاده هاشماً، وابنه عبد المطلب، أقرت لهما بالسيادة وأعظمت مكانهما. وأتت على قريش في تطورها الاجتماعي عشرات السنين، تبدلت فيها المنازل الاجتماعية تبدلاً ملحوظاً - كما هو الشأن في التطور الاجتماعي لكل أمة - فاغتنى كثير كانوا فقراء، وافتقر قوم كان أهلوهم ذوي مال. ونبه من كان خاملاً، وتقدم إلى القمة كثيرون لم يكونوا شيئاً مذكوراً. وصارت أكثر بطون قريش أفراس رهان، وقد نزلوا كلهم إلى الحلبة بعد موت عبد المطلب - آخر سيد في قصي قبل الإسلام - ولم

ص: 417

يستطع ولده أبو طالب من بعده أن يحتل مكان أبيه (فكانت أمور البيت بينه وبين أخيه العباس) وإن كانت قريش تجل مكانه، وترعى جانبه، وتعلي قدره. فكان أبو طالب سيد بني هاشم وبني عبد مناف. ولم تكن سيادته في قريش كلها. بشهد بذلك أن أبا جهل استطاع أن يؤلب عليه قريشاً، ففرضت عليه الحصار الاقتصادي، والعزلة الاجتماعية في الشعب، حين استشرى العداء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين.

لقد ظهرت أزمة سياسية حادة بعد موت عبد المطلب نتيجة الحركة السياسية الاجتماعية السابقة، هي أزمة الزعامة: لمن السيادة في مكة بعد عبد المطلب؟ كان كثير من البطون على قدر متقارب من الوجاهة الاجتماعية، مما جعل الأزمة عسيراً حلها. وهذه الأزمة وإن لم تعلن عن نفسها في شعر أو ندوات أو تكتلات سياسية، فقد كانت كامنة في الأنفس على أهبة الظهور، عند أية بادرة، فيها للتنافس مجال. وهذا ما حدث حقاً عندما اختصمت قريش فيمن يرفع الركن إلى موضعه، وهم يبنون الكعبة؟ إن من يرفع الركن يوم ذاك هو السيد المطاع. ربما ما كانوا ليختلفوا على عبد المطلب لو كان حياً ولكن قريشاً فقدته ولم تتفق على غيره، وكانت أزمة حادة قسمت مرة أخرى قريشاً إلى فريقين، وكادوا يحتكمون إلى السيوف، لقد فقدوا السيد الزعيم، وودوا لو يظفرون به حتى لا تراق دماءهم على جدران الكعبة المقدسة المشرفة، وانتظروا، وقلبوا بينهم أمرهم، وقالوا: ليقض بيننا أول من يطلع علينا من باب الصفا. وطلع عليهم الزعيم؛ طلع محمد بن عبد الله. وكان صوت واحد مجلجل، كله فرح ورضا وقبول:"هذا الأمين رضينا، هذا محمد"[47] .

لقد كان محمد بن عبد الله - إذ كان رجل مواقف - كان الزعيم المرتجى؟ فما سبب هذا الرضا الجماعي؟

ص: 418

لن تتعب أنفسنا بالتنويه بنسبة العريق. وهو وإن كان من أسباب الرضا. لكنه لم يكن السبب الأساسي فلو كان ذلك، فإن أبا طالب كان بين ظهرانيهم، وهو أسن منه، وسيد عشيرته يوم ذاك، ولكن السبب في شخصه لا في نسبه - مع إحترامنا البالغ لنسبه الزكي صلى الله عليه وسلم. لقد قالوا:"هذا الأمين"فأشاروا إليه باللقب، ولم يشيروا إليه بالنسب.

كانت الأمانة سر الرضا، وهي صفة أوضحنا مدلولها ومضمونها، وتفرد رسول الله بها. وكانت قريش تبتغي حكماً، مجرداً من الهوى، قادراً على أن يلقي عواطفه العصبية جانباً، وأن يعلوا على خصومتهم، فيقضي بينهم ولا يدخل فيها. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قرشياً هاشمياً من البيت الذي يلي شؤون الكعبة، وما هو بالغريب عن قضايا قومه، وما يحزبهم، ومع ذلك رأت فيه مختلف البطون من قريش ضالتها المنشودة، ومفتاح الفرج في أزمتها العصبية، فهذا الأمين في اعتبارها إذن فوق العصبية المحلية؛ رجل يستطيع كل قرشي أن يجد عنده الإنصاف والعدل والنزاهة. لا يخشى منه تحيز، ولا ميل عن الحق إلى القريب، أو صديق، أو نصير. حقاً قد احتكمت قريش إلى رجل منها، ولكنه في هذا التقدير فوقها كلها؛ رجل لا يعبد ما تعبد، وليس من دينها في شيء هو عندها مثال العدالة والاستقامة والصدق.

وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في نفوس القوم، وما هم فيه من خلاف، وحضره الحل المرضي توفيقاً من الله وعوناً. أمر بثوب، فبسط ووضع الركن فيه، وجعل ممثلي البطون على أطرافه، وأمرهم أن يرفع كل من ناحية، حتى إذا حاذوا مكانه، رفعه بيديه الطاهرتين، ووضعه في مكانه وبنا فوقه.

لقد كان رافع الركن إلى موضعه ابن إبراهيم عليه السلام، الذي دعا ربه مخلصاً {ربنا وأبعث فيهم رسولاً منهم} [48] فوضعه محمد صلى الله عليه وسلم في المكان الذي وضعه فيه أبوه من قبل أول مرة عندما رفع البيت.

ص: 419

ورضيت قريش أن يفوز كل منها من الشرف بنصيب، وبردت بذلك أكبادها ولكنها رضيت بأمر أعلى وأبعد مغزى؛ رضيت أن يفوز بالشرف كله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إذ كان هو الرافع للركن حقيقة.

لقد كان في هذه الحادثة معتبر، لو استطاع خصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردعوا نفوسهم بعد المبعث، وأن يحكموا المنطق والعقل، كما فعلوا عند تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أطلقوا لغرورهم ولهواهم العنان، وركبوا الشر، فانتهى من لم يسلم منهم إلى سوء المصير.

إن الدرس البليغ الذي كان بإمكان قريش أن تتعلمه من نجاح رسول الله، صلى الله عليه وسلم في حل أزماتها في الجاهلية هو أن هذه القبيلة ذات الحيوية والإمكانات لا يمكن أن يستقيم أمرها وتتحد كلمتها، وتبلغ الفلاح، حتى تتخلى عن العصبية الضيقة وتذعن للحق وتنقاد للناصح الأمين، ولقد دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سنوات ثمان من بناء الكعبة إلى الحق، فاستنفرت عنه، فذاقت ما ذاقت من الويل والخسارة، ولم يصلح شأنها ولم تبلغ عزها الحق إلا عندما أسلمت له يوم الفتح وانقادت والتفت حوله كما التفت حوله يوم رفع الركن.

4-

القدوة:

ولكن لم خص الله أنبياءه بتلك العناية الكبرى والحفاوة العظمى، وصنعهم كما أراد، كما قال لموسى عليه السلام:{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [49] .

لأي دور عظيم أعدهم الله إذا صاغهم الصياغة النبوية الفريدة؟

لو علمنا جلال المهمة الملقاة إليهم لعرفنا بعض السر.

لقد ألقى إليهم واجب ثقيل ليس مثله في المهمات العظام شيء أبداً، إنه الواجب الذي يملي عليهم أن يبدؤوا عصراً جديداً ملءه النور، ومدنية محدثة شعارها العلم والتقدم وأن يكونوا أمة هادفة إلى إنقاذ الإنسان وإسعاده بالبلوغ به مرضاة ربه.

إن الله يختار للنهوض بهذه المهمة التي تنوء بأمم الأرض كلها رجلاً فرداً.

ص: 420

فكيف أدى النبي ما عهد به إليه، وأنفذه على وجهه، فتوفاه الله وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة فجعله في الخالدين؟

إن الإلمام بذلك يعين سبلاً وحدها تسلك، وطرقاً وحدها تتبع في إحياء حضارة الإنسان بالعلم والإيمان، وما من مؤمن يطلع على مواقف الرسول الخالدة صلى الله عليه وسلم في القرآن والسيرة إلا يتقن أن استيعاب روح هذه المواقف وتمثلها هو الخطة الوحيدة في تكوين مجتمع إسلامي صحيح سليم.

إنه وجب الاقتداء إذ ثبت الاصطفاء وإذا كان العسير علينا أن نحيط بتلك المواقف في هذه العجالة فلإشارة إلى بعضها كافية:

أ - الاقتراب:

وأول هذه المواقف وأعظمها خطراً هو انفصال الرسول صلى الله عليه وسلم نفسياً وروحياً عن عصر الجاهلية والاتجاه بالقلب والنفس إلى العالم الأعلى، إلى الله، وهذا المسلك مبدأ الانطلاق في تكوين الأمة وبزوغ حضارة الإسلام وقد سمى الله تعالى هذه الطريقة بالاقتراب. قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم:{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [50] ويغدوا النبي بانفصاله عن الوقع الجاهلي مركز إشعاع متجدد ويجتذب إليه عناصر مجبولة على الخير نافرة من أذى الجاهلية فتسبح في فلك النبي وتخضع لجاذبيته وتستلم منه القيم، والمثل فتتفجر إمكانياتها بتأثيره في طريق الخير، وتنصرف قلوبها إلى الله تريد وجهه. إنهم الرجال المعرفون بالصحابة الذين صنعوا بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تاريخ الدعوة الأول، وقد صدر الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم بالتزام هذه الفئة التي هي نواة المجتمع الإسلامي:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [51] .

ص: 421

وأوصى الله نبيه والمؤمنين بالانقطاع إليه فقال: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [52] فكان التبتل فعال الأثر في سيرة الرسول الكريم إذ جعله في منأى عن الزلل والخطأ. فجاءت سيرته عليه الصلاة والسلام وحياته في المقام الأسمىمن الكمال والتمام، والبعد عن النقصان والانحراف. ولم يفارق هذه التبتيل مرحلة من مراحل الدعوة وموقفاً من مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم العامة، والخاصة، ألم تكن قرة عينه في الصلاة ألم يكن يقوم الليل حتى تتورم قدماه؟

ولقد سرت هذه الروح إلى الصحابة، رضوان الله عليهم فحققوا خالد المآثر وكانت عندهم شيئاً قليلاً فيما عرفوا الله من حق عليهم.

ومن ثم لا تبعث الروح الإسلامية وقادة كما كانت في الصدر الأول إلا بجلاء النفوس وتنقيتها وإعدادها لاستقبال الإشعاع الثاقب الحي، الذي نتلقاه من الرسول صلى الله عليه وسلم، إن أوغلنا في سيرته وعشنا في ظل مواقفه، وفي صميم مبادئه ومقاصده ولا ينشأ جيل كالجيل المحمدي الأول إلا إذا جليت القلوب من صدأ القرون، ومن أوزار المبادئ الدخيلة، والأفكار الغازية، والمفاهيم المخالفة للفطرة، فإذا نجحنا في التحرر والاقتراب من مركز الإشعاع الروحي أحيا الله فينا ما أحياه في الصحابة، وبعث منا جيلاً كجيلهم، ولهذا نرى في فترات متباعدة من تاريخنا رجالاً متميزين لا يشبهون غيرهم، يعيشون كالأغراب، في عصورهم روحهم وأسلوبهم روح الصحابة وأسلوبهم لا يخافون بأساً ولا يخشون رهقاً، يُرهبون ولا يرهبون ينتصرون ولا يُهزمون، وإن ضاقت بهم أنفس الطغيان فسجنتهم أو عذبتهم، أو قتلتهم فإن في موتهم النصر إذ يسجلون بذلك على الطاغية هزيمته النفسية أمام مبادئ الإسلام والحق والعدل.

إن أبا جهل لما غيب حربته في حشا سمية أم عمار بن ياسر رضي الله عنهم كان قد تردى من الهزيمة النفسية في (غور) سحيق.

ص: 422

إن استشهاد رجال الحق يزيد شعلة الإيمان توهجاً، وليل الطغيان وحشة وهولا.

--------------------------------------------------------------------------------

1 ** سورة طه، الآية: 40

2 ** ابن هشام: السيرة م1 ص51.

3 ** ابن هشام: السيرة م1 ص 43.

4 ** المصدر نفسه: م1 ص 43.

5 ** المصدر نفسه: م1ص46

6 ** المصدر نفسه: م1 ص46

1 ** المصدر نفسه: م1 ص47

2 ** الأنفال: الآية 63.

1 ** السيرة لأبن هشام: م2 ص172 والقائل هو أبو سفيان بن حرب.

[1]

آل عمران: 103.

[2]

السيرة لابن هشام م1 ص500.

[3]

المصدر نفسه. وكان التحدي أعظم إذ قال له أبرهة: "ما كان ليمتنع مني". فقال له عبد المطلب: "أنت وذاك".

[4]

سورة الفيل.

[5]

سورة ق: 37.

[6]

الضحى: 6- 7.

[7]

البقرة: 121.

[8]

السيرة لابن هشام: م1 ص266.

[9]

النحل: 120.

[10]

الحج: 75.

[11]

الأنعام: 124.

[12]

آل عمران: 24.

[13]

ابن كثير في البداية والنهاية: ج2 ص256 عن صحيح البخاري.

[14]

البداية والنهاية ج2 ص256 لابن كثير: عن صحيح مسلم.

[15]

السيرة لابن هشام م1 ص166 رواه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد. وقال فيه ابن كثير في المرجع السابق: هو إسناد جيد.

[16]

البداية والنهاية ج2 ص256 رواه الزهري عن عروة عن عائشة. رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى عن ابن عباس: "ولدت من لدن آدم من نكاح غير سفاح".

[17]

المصدر نفسه ص257.

[18]

آل عمران: 37.

[19]

سورة العلق: 1.

[20]

البداية والنهاية لابن كثير: ج3 ص7.

[21]

ابن هشام: م1 ص166.

ص: 423

[22]

الأذكار للنووي: ص43. ومن هذا القبيل ما كان يومئ بالرسالة المقبلة بصريح اللفظ. قال عليه الصلاة ولسلام: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" رواه مسلم وصدق رسول الله فإن تسليم الحجر عليه قبل الوحي كان لتنبيه فكره وإثارة شعوره وتوجيهه إلى استشراف ما هو غيبي المصدر.

[23]

تقرأ البداية والنهاية ج2 ص287.

[24]

السيرة لابن هشام: م1 ص134.

[25]

رواه مالك في الموطأ في ص 904 تحقيق فؤاد عبد الباقي وهو حديث مدني صحيح متصل في وجوه صحاح.

[26]

السيرة لابن هشام: م1 ص166.

[27]

المصدر نفسه.

[28]

القصص: 7.

[29]

آل عمران: 45.

[30]

مريم 23: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} .

[31]

مريم 31: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} .

[32]

آل عمران 39: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ} .

[33]

هود 71: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} .

[34]

البقرة: 28.

[35]

آل عمران 81.

[36]

المائدة: 3.

[37]

الصافات: 181.

[38]

البقرة: 129.

[39]

الصف: 6.

[40]

السيرة لابن هشام: ص181.

[41]

المصدر نفسه: ص218.

[42]

البقرة: 121.

[43]

لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا وقال لقريش: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ "قالوا: "نعم". من حديث رواه ابن كثير في البداية والنهاية ج3 ص38 عن الإمام أحمد.

ص: 424

[44]

ابن هشام: م1 ص117.

[45]

قضاعة وكان عليها رزاح بن ربيعة أخو قصي لأمه. انظر ابن هشام م1 ص118.

[46]

انظر ابن هشام: م1 ص130- 137.

[47]

ابن هشام م1 ص197.

[48]

البقرة: 129.

[49]

طه: 39.

[50]

العلق: 19.

[51]

الكهف: 28.

[52]

المزمل: 8.

ص: 425

بين التفوق والنجاح

بقلم: الدكتور محمود بابللي

الفرق الواضح بين التفوق والنجاح، لأن التفوق أبعد غاية من النجاح، ولأن تأمين النجاح لا يعني تحقيق التفوق إن لم يصل النجاح إلى مرتبة عليا تقصر عنها المتقاعسين.

والنجاح أمر مرغوب فيه عند طلاب النجاح في كل ما ينشدونه من أمورهم الحياتية، وحدود النجاح قد تكون قريبة المنال من كل مجد ودؤوب، غير أن التفوق لا يناله إلا من أصاب حظاً كبيراً من النجاح.

وإذا ضربنا مثلاً على الفارق بين التفوق والنجاح علامات المتخرجين من أحد المعاهد العليا نجد أن من يحصل على نسبة 50% يعتبر ناجحاً.

وقد يحصل المتفوق على نسبة أعلى إذ قد تقارب أحياناً العلامات التامة. فهل يصح التساوي بين النجاح وبين من قارب الغاية في التفوق؟

إن هذه المقدمة توضح أن النجاح أمر نسبي وأن التفوق أمر نسبي، وشتان ما بينهما وأن مثلهما في المدرسة أو المعهد مثل قياسي يراد منه تقريب المفهوم لمعنى التفوق ومعنى النجاح. فهنالك من يفرض نفسه فرضاً بتفوقه في ميدان اختصاصه وهنالك من يجر نفسه جراً. ليدرك أدنى مستوى للنجاح. وشتان بين الاثنين.

وشبابنا في ميدان العلم والعمل إن لم يكن التفوق غايتهم فإن واقعنا سوف لا يتغير كثيراً عما نحن عليه، لأنهم أمل المستقبل وبناته، ولهم من مثلهم الأعلى - وهو الإسلام - خير حافز لأن يدفع بهم إلى أعلى المستويات في كل منطلق وفي كل ميدان.

ص: 426

والأمة هي مجموعة الأفراد الذين تتألف منهم، فإن تحقق في هؤلاء الأفراد ما يرتفع بهم عن المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى ارتفعت الأمة بهم وعرفها الجميع بأنها أمة مجدة عاملة ذات مستوى عال ومقام محترم، وتمكنت هذه الأمة من فرض احترامها على الغير بما يتحلى به أفرادها من صفات سامية وهمم عالية ومثل أعلى رفيع المنال بعيد الغاية.

والأمة الإسلامية اليوم في بداية يقظة وقد أدركت أنها متخلفة عن ركب الحضارة، وأن منطلقها إن لم يكن بمثل القوة التي تدفع بالغير للتفوق في ميادين العلم والعمل، بقيت مستذلة مستضعفة، لأن العلم - بمفهومه الواسع - يحتاج إلى شباب يؤمنون بضرورته، ويعملون على تحقيقه لينتج أثره فيهم. ولن يتم لهم ذلك إن لم يكن التفوق مبتغاهم وهدفهم في كل حقل وفي كل ميدان.

والتفوق يحتاج إلى همم عالية وعزم شديد وإقدام ودأب، ويجب أن لا يكون التفوق مقصوراً على فئة دون أخرى أو على ناحية دون ناحية، لأن أمور الحياة متشابكة ومتداخلة، ولابد من التفوق في كل ميدان وفي كل منطلق حتى نتدارك ما فات، ونلحق بالركب الحضاري ومن ثم نكون له هداة ومثلاً أعلى.

وبداية المنطلق في خط التفوق تبدأ في كل طالب وعامل، فإن جعل هدفه قريب المنال تباطأت همته وقصرت خطواته وإن جعله بعيد المنال وعزم على أن يناله اطرح الملاذ والشهوات جانباً وعمل بجد ودأب، وبإخلاص وعزم وإذا به بعد فترة من الزمن يجد نفسه مقصراً، وهو المجد، ويجد نفسه أنه لا يزال جاهلاً وهو الذي قطع شوطاً كبيراً في التعلم، لأن بعد الغاية يستتبع التعالي على الدنايا والنظر إلى ما سبق من جهد أنه قليل ولابد من مضاعفته، وهكذا تنطلق الأمة بانطلاق أفرادها في كل ميدان إذ كانت غايتهم تحقيق المثل الأعلى وهو التفوق والوصول إلى أعلى مراتب النجاح في شتى المنطلقات.

ص: 427

ولما كانت الأمم هي الصورة الصادقة لواقع أفرادها، لذلك فإن مثل الأفراد ينطبق على الأمم، فإن كانت الأمة مقصرة في إدراك ما تبتغيه يكون التقصير من هؤلاء الأفراد، لأنهم لم يعملوا في رفع مستوى أمتهم لهبوط مستواهم.

لذلك نجد أن بعض الأمم إذ تحاول أن تدرك خطا من النجاح تدفع بأفرادها إلى أن يعملوا بوعي ودأب، وبمقدار ما يتكون عندهم مثل هذا الوعي والدأب يتحقق للأمة إدراك بعض مستويات النجاح، فما هو مقياس التفوق وما هو مقياس النجاح بين الأمم؟!

إن النجاح يمكن أن نعبر عنه بأنه إدراك أولى مستويات الحياة الحرة، ومن هنا يخرج من نطاق البحث الأمم المستذلة أو المستضعفة، إذ أن حياة الأمم رهن بحريتها وبمقدار ما تحققه لأبنائها من مستويات النجاح، وهذا يعني أن الأمة لا بد لها أولاً من الحرية لكي يعمل أبنائها في مصلحة أنفسهم ولابد لها ثانياً من العمل لإدراك بعض مستويات النجاح.

وهنالك من الأمم - الحرة طبعاً - من قطعت أشواطاً بعيدة في مستويات النجاح وبلغت درجة من التفوق لم تدانيها فيها أمة أخرى، فمثل هذه الأمة تبقى سيدة نفسها وسيدة كثير من الأمم ما دامت - هذه الأمم - في حاجة إليها.

وليس النجاح إلا مفتاحاً للتفوق فيما ذا كان المثل الأعلى للأمة أبعد شوطاً من أن يتحقق بسهولة، لأن بعد الغاية يستتبع بعد الهمة، وعلو الهمة من الإيمان، وليس أتفه في نظر (الهمام) من أن يجد نفسه قد حقق بغيته، وانقطعت غايته، لأنه بذلك يقضي على قوة الاندفاع فيه ويخمد جذوة هذه القوة ويعود القهقرى فيهرم ويموت. وهذا المثل ينطبق على الأمة أيضاً فما هو نصيب أمتنا من التفوق أو قل من النجاح؟.

ص: 428

إن هذا النصيب أمر موضع نظر، وليس أدل على ذلك من واقع التخلف الذي نعيشه بالنسبة للنهضة المعاصرة. ومقياس التفوق لا يقصر على الحضارة المادية فقط، لأن مدلوله يشمل مفاهيم الحياة بجميع مرافقها.

وأمامنا الآن منظمات عالمية منبثقة عن هيئة الأمم المتحدة لها أوسع النشاطات في المجالات التنظيمية والتوجيهية اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وما إلى ذلك من الشؤون الأخرى التي توليها عنايتها الخاصة.

وهذه المنظمات فيها ممثلون عن بعض الأمم المنضمة إلى هيئة الأمم المتحدة وفيها عاملون مختصون متفرغون لإدارة أمور هذه المنظمات.

وإذا تعرفنا على عناصر هؤلاء العاملين المختصين في هذه المنظمات نجد نسبة ضئيلة جداً تعمل فيها من أبناء أمتنا ونجد غالبية العاملين من العناصر الأخرى.

وقد قيل بأن نسبة العاملين من الصهاينة في هذه المنظمات كبيرة جداً، ومن هذه النسبة نستطيع أن نستنتج أثر هؤلاء في هذه المنظمات وما يمكن أن يفعلوه أو يقدموه لأمتهم من خدمات، وما يمكن أن يحصلوا عليه من عون أو تأييد لدى الكثير من الأمم (المتخلفة أو النامية) التي يكثر فيها أمثال هؤلاء الخبراء، وما لهم من أثر ونفوذ لدى الدول المتقدمة الأخرى.

فهل توصل هؤلاء الخبراء إلى إشغال هذه المناصب الحساسة دون جدارة أو تفوق؟

أن الأصل في تحقيق الهدف صحة المنطلق، ويعني هذا القول أن وصول أمثال هؤلاء إلى مثل هذه المناصب قد تم في بداية أمره نتيجة لما عندهم من كفاءات واختصاصات عالية، ومن ثم قد يكون من المحتمل وقوع مساعدة أو مساندة هؤلاء المتفوقين الأوائل لبعض عناصرهم بغية تقريبهم وجلبهم إلى هذه المنظمات مع العمل على استبعاد غيرهم.

ص: 429

وهذا أمر واقعي ومؤكد، وهو في مصلحة هؤلاء الصهاينة، لأنهم يهدفون من ورائه توسيع دائرة نفوذهم في هذه المنظمات، والوصول من وراء هذا النفوذ إلى تحقيق أغراضهم عن طريقه.

وإذا أردنا تقليص نفوذ هؤلاء الصهاينة من هذه المنظمات، فهل من الممكن أن يكون مردود هذا التقليص في مصلحة أبنائنا، أو أنه بإمكان أبنائنا إشغال مناصبهم؟

إن الواقع يجعلنا نستبعد هذه الفرضية، إذ أن إمكانات أبنائنا العلمية لا تؤهلهم لأن يملؤوا فراغ هؤلاء، ولابد لإِشغال هذه المناصب من عناصر علمية أخرى، لذلك فسيتقدم إليها من تتحقق فيه الشروط المطلوبة من أية أمة من الأمم الأخرى.

وبعض أبناء الأمم الأخرى قد لا يقل عداؤهم لأمتنا عن عداء الصهاينة، وقد تكون الصهيونية ذات نفوذ عليهم أيضاً، لأن عناصر التفوق اليهودي في عالم المادة بارزة في كل نشاطات الأمم، لذلك فإن المشكلة تبقى دون حل.

وإن أقرب طريقة لكي تفرض نفسك على الغير وتفرض عليهم احترامك هو أن تكون كفؤا لهذه المناصب وأجدر بها من غيرك، وأن يكون عندك من التفوق ما يساعدك على التقدم عن غيرك، وإزاحة كل من يحرص على منافستك على هذه المكانة.

وهذا أمر لا يتحقق إن لم يكن في أمتنا علماء كثيرون جداً، وأن يبرز فيهم نبغاء متفوقون تعترف لهم الأمم الأخرى بهذا التفوق، وترى أنها بحاجة لأمثالهم حتى نتمكن من إشغال هذه المناصب الحساسة الخطيرة.

وهل يتحقق لنا ذلك، إن كانت غاية شبابنا من الدراسة أن ينجحوا - جراً - أو أن يحصلوا على الشهادة المطلوبة في أدنى الدرجات، وأن تنتهي دراستنا عند انتهاء تقديم الفحص إلى هذه الشهادة، وأن نتوقف عن كل نشاط علمي بعد نيل هذه الشهادة وأن لا يدفع بنا علو الهمة إلى متابعة الدراسات العلمية والإسهام فيها بكل ما هو جديد ونافع؟!

ص: 430

إن واقع امتنا - علي ما فيه من مظاهر اليقظة - واقع مؤلم. وقد يدعو إلى اليأس أحيانا؛ لأن مظاهر الحضارة التي تغمر بلادنا لا تعنى أننا أربابها، وإنما نحن من المستهلكين لنتاج هذه الحضارة.

ولو انقطع عنا مورد هذا النتاج لعدنا إلى تخلفنا السابق حتى في مظاهر هذه الحضارة لأننا ما دمنا بعيدين عن الإبداع وجاهلين مبادئ الإيجاد والصنع، فنحن عالة على غيرنا حتى ننتقل من هذه الحالة إلى حاله تمكننا من الاعتماد على أنفسنا عند الملمات.

ولإيضاح هذه الفكرة أورد مثلاً عليها: حالة ألمانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، فإن هذه البلاد قد تهدمت منشآتها ومصانعها وتضررت في مواردها واقتصادياتها، وحتى في أبنائها الشيء الكبير فهل ماتت هذه الأمة أم أنها عادت إلى الحياة أقوى مما كانت عليه من قبل؟

إن واقع القوة الألمانية يؤكد أنها استعادت مكانتها الأولى، وأنها تفوقت حتى على المتغلبين عليها في شتى الميادين العلمية إلا في النواحي الممنوعة عليها بحكم شروط المنتصر.

فلو أن هذه الأمة كانت صفراً من ناحية الإبداع الفني والتطبيق العلمي وكان جل أبنائها منصرفين إلى القيل والقال، وإلى إضاعة الوقت والمال في اللهو والعبث، وإلى قتل حيوية شعبها في التافه من الأمور، فهل كانت حققت منجزاتها العلمية الحالية؟

وكذلك أمة اليابان التي تسابق دول العالم في التقدم العلمي والصناعي، باستثناء ما هو محظور عليها، فهل تقهقرت لخسرانها الحرب العالمية الثانية وخضوعها للولايات المتحدة الأمريكية.

إن واقع الأمة اليابانية يؤكد أن مبدأ التفوق عندها هو الأصل حتى استطاعت أن تتغلب على الصعوبات العديدة التي اجتاحتها أثناء الحرب وبعدها بزمن قليل.

ص: 431

ولولا الجد والإخلاص في العمل والوعي الصادق عند أبناء هاتين الأمتين وتحقيق التفوق في ميدان العلوم والفنون لما كانت توصلت هاتان الدولتان إلى هذه المكانة العلمية الفريدة بين الأمم.

إن التفوق ليس أمنية تبتغي فحسب وإنما هو غاية تقصر عن تحقيقها بغاث الطير، ولابد لتحقيق هذا التفوق من نفوس كبار وعزائم جبارة وتعاون مثمر وإخلاص صادق وتفان وبذل، وإيثار وتضحية.

وليست هذه كلمات مثالية يصعب تحقيقها، وإنما هي مفتاح النهضات عند كل أمة تبتغي الحياة لأبنائها، وعندما تحلت بها أمتنا في غابر أيامها حققت التفوق على من يعاصرها من الأمم، وحققت معنى ما جاء في الأثر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنتم بين الأمم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود أو كالشامة السوداء في جلد البعير الأبيض".

فهذا التمايز الواضح الصارخ لما أرادنا الرسول أن نكون عليه هو التفوق المقصود في بحثنا هذا في أن نكون متفوقين في كل شيء. وأن لا نكون عالة على غيرنا من الأمم ولولا ذلك لما صح معنى هذا التمايز مطلقاً.

والتفوق في شتى الميادين لا بد له من منطلق، وأولى منطلقاته هو العلم [1] والتزود منه بخير زاد، لأن العلم هو أساس كل نهضة وحضارة وصدق الله العظيم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} .

والعلم لا يأتي بمجرد التمني والمزاعم، وإنما لابد له من عمل، ولابد له من إخلاص، ولابد له من همة من تعب وسهر، ولابد له من أخلاق، ولابد له من سلطان يأطر الناس عليه أطراً.

وإن لم يتحقق في أمتنا مفهوم التفوق فستبقى دون غيرها من الأمم وسيتغلب عليها من يسلك سنن الحياة، وسنكون مستذلين مستضعفين عاجزين عن أن نتبوأ المكانة اللائقة بنا كخير أمة أخرجت للناس.

ص: 432

ولكل مجتهد نصيب، ومن طلب العلا سهر الليالي، ومن سار على الدرب وصل، والله الموفق والهادي إلى الصراط المستقيم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

وردت في هذا المقال بعض المصطلحات العامة الشائعة كـ (العلم) و (النهضة) و (الحضارة) ، ولاشك أن مدلول هذه المصطلحات في الثقافة الغربية يختلف عنه في ثقافتنا، ولاشك - أيضاً – أن كاتبنا يكتب بروح إسلامية، ومن هنا فهو حينما يتحدث عن (العلم) و (النهضة) و (التخلف) و (الحضارة) ، فهو يقصد مضمونها الإسلامي البعيد عن كل شوائب المادية والإنحراف. وحبذا لو حدد علماؤنا وكاتبنا مصطلحاتهم، إذن لخرجنا من دائرة اللبس والتشابه. ودخلنا في دائرة الوضوح والإحكام.

ص: 433

تتمة - النبوة: اصطفاء وقدوة

للشيخ محمد مختار البزرة

لقد كان لكل من هؤلاء الأبطال عالم مستقل، منفصل عن حاضرهم متصل بعالم الرسول والصحابة. حققوه بإخلاصهم وانقطاعهم إلى الله.

ب - الحب:

والاقتراب كما أوضحنا عملية نفسية خالصة لا بد في استمرارها من قوة في القلب ذات ديموية وتوهج وهذه القوة هي الحب؛ حب الله والرسول حبا يغمر سائر العواطف والنزاعات ويتألق صدقا ونقاء. وهو حجر الأساس في الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين"[1] .

ذلك أن حب الرسول هو حب للعقيدة التي أمر بنشرها في الأرض وقد قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [2] .

إن حب العقيدة في الإسلام فوق حب النفس والحياة.

ج - العقيدة فوق الثروة والمال:

فلا غرو من أن يجعل الله العقيدة فوق المادة والدعوة فوق المال.

ص: 434

إن الثروة والموارد الاقتصادية لا بد منها في الإنشاء والتعمير اللذين هما ثمرة من ثمار العقيدة. ولكن الله يرد أن يهيمن الدين على القوى المادية وأن يسخرها فيما ينفع الناس ويأبى أن يعلو الشغف بالثروة على حب الله والرسول ويغضب أن يتخذ الدين مطية استغلال يصرفه أصحاب المصالح الخاصة فيما يعود عليهم بنفع شخصي. ولعل هذا يفسر لنا حكمة الله في اختيار الأنبياء والقادة من غير ذوي الثروات الذين يرفعون المصلحة الخاصة على العقيدة والمصلحة العامة وينفصلون عن الأمة في قضيتها الكبرى. ولهذا قال نبي بني إسرائيل لأغنيناهم: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} [3] وكان منهم ما توقعه إذ اعترضوا على ملكية طالوت ولم يعرهم الله اهتمامه فنصر عبده طالوت من غير مدد فيهم ومن غير ثرواتهم. وإن بعضهم ليحارب النبي المختار حفاظاً على مصلحته أو مصلحة عشيرته وهل يسفر موقف أبي سفيان قبل الفتح، وموقف أبي جهل بغير هذا؟.

ص: 435

والإسلام لا يحرم الغنى ولا يزهد فيه ولكن يجعله في خدمة العقيدة، وقد رضي الله الغني لبعض أنبيائه والملوك الصالحين عندما جعل نفوسهم فوق المال، فخلت قلوبهم من محبة الثروة، وسمت على المادة فجعلوا العقيدة فوقها وكانت عندهم للدين خادماً وتبيعاً. هذا نبي الله سليمان سأل ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه العجب العجاب، وفجر الكنوز بين يديه واستخرجت له الثروات من جوف الأرض، ومن قاع البحار فكانت عنده كلها خارج قلبه، ولم يشغله إلا بحب الله وكلمة التوحيد ولم تستطيع هذه الأموال الخلابة أن تظفر من قلبه بشيء وكان هذه ابتلاء لسليمان أيما ابتلاء. وظهر هذا جلياً في موقفين من مواقفه: أولاً إذ جاءه وفد بلقيس بهدية ثمينة ظناً منها أن سليمان ملك كسائر الملوك يرضي المال طموحه فكان جوابه.. {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [4] ولو كان سليمان جماعاً شَرِهاً لارتضى بها، فإن من تسلط عليه حب المال لا يشبعه إلا التراب. والموقف الثاني: إذ لام نفسه على انشغاله باستعراض خيل الجهاد حتى توارت الشمس بالحجاب أو فاتته الصلاة فأدب نفسه أيما تأديب؛ أكب بنفسه على سوق الخيل وأعناقها وكان قد أجهدها الجري والسباق ونضحت بالعرق فطفق يمسحه عنها، يفعل ذلك وهو الملك بين يديه الإنس والجن تخدمه، قهراً لنفسه التي استمتعت بالخير برهة فنسيت ذكر ربها وإذلالا لها وتأديبا.

ص: 436

وتتجلى هذه الظاهرة أيضاً في موقف الفاتح الصالح ذي القرنين إذ عرض عليه أهل ما بين السدين مالاً عظيماً يؤدونه سنوياً له ليبني لهم سداً يحميهم من غارات يأجوج ومأجوج فرفض العرض ودعاهم إلى الاعتماد على أنفسهم ومساعدته بالرجال والمعادن لينفعهم بخبرته ويقيم لهم ردماً خير من السد: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} [5] .

لقد كان سليمان وذو القرنين عليهما السلام أغنى أهل الأرض في يومهم وكان المال لا يدخل في حسابهما في شيء إلا بما ينفع عباد الله وبما يرضي الله. واختاره الله محمداً صلى الله عليه وسلم نبياً لا نشب عنده ولا متاع وقال الأثرياء من العرب: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [6] ولما رأوا الدعوة تنتشر انتشار البرق علموا أن ليس معدن العظمة المال، وأن العظمة الحقيقية في القيم الربانية وفي الشرع الإلهي الذي يستقر في قلب ويجري عملا صالحاً وقد تدفقت الأموال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعلق بقلبه شيء منها ولا تزود بغير زاد سنة. نهض مرة بعد التسليم مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته قال:"ذكرت شيئاً من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته"[7] .

ورأت أمهات المؤمنين الأموال تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتاقت نفوسهن إلى التوسعة ورغبن فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى الرسول إلا أن يكون هو وبيته مثلاً على الرضا بالكفاية وجاءهن من الله التخيير؛ إما الصبر على رسول الله على ما أراد الله له من تقديم الآخرة على الدنيا وإما التسريح والتمتيع، فاخترن الله ورسوله.

ص: 437

ومن ثم كانت دعوة الأنبياء خالصة لله لم يبتغوا بها منفعة لأنفسهم أو جزاء دنيويا. وما من رسول إلا قال لقومه: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلآَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [8] .

د - الصبر والثبات والبطولة:

وإن تأنس بالرسل فلتأنس بما كانوا عليه من صبر وثبات وإقدام.

رجل أعزل نازل وحده أمه حتى انقادت له على الإسلام. فبأي سلاح فرق النبي صفوف الخصوم الألداء؟ إنه الصبر والثبات وإني لأحسبه أمضى سلاح في دك أسوار الجاهلية والوثنية.

كانت معركة الرسول صلى الله عليه وسلم بين فئتين غير متكافئتين كما قضت حكمة الله أن ينازل الرسول وحده قوة مناوئة ذات عدد، فلابد من الصمود في وجهها صموداً باسلاً يكشف عن ثبات الحقيقة التي يدعو إليها. ويفضح زيف العقائد التي يتشبث بها الجاهليون وما من نبي إلا جعل الله في عزيمته من الثبات ما تزول منه الجبال وما يزول؛ موقف راسخ، ملءه الحزم والتصميم والإقدام يريد أن يفتح قلوباً مغلقة، وأن ينفذ إلى ضمائر مظلمة وفي نفسه قوة لا تقهر وإرادة لا تنثني، إذ آمن أن الله معه، هذا التحدي نجده في إنذار هود قومه:{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [9] .

ص: 438

فالصبر إذا ميدان التجربة، وهو الكاشف الحقيقي للأفكار المتصارعة وفائدتها الكبرى هو هذا الالتحام والنزال بين العقيدتين وكان من الهين على رسول الله أن ينسحب بالفكرة، والرسالة إلى أرض، لا يلقي فيها مقاومة ولكنه عندئذ لا يربح المعركة، وما يكون كسب المعركة إلا باللقاء، ولهذا أمر محمد صلى الله عليه وسلم بنوع خاص من الصبر هو الصبر الجميل. وهذا الصبر جميل في أسلوبه وفي عواقبه اتصال بالمناوئين وهجوم على قلوبهم بالعقيدة ومجابهتهم بالحق، بما لدى الرسول من الحكمة والموعظة الحسنة حتى إذا طاشت أحلامهم وثاروا به ثبت لهم ولم يتراجع حتى يرهبهم صبره وتهزمهم عقيدته ولا أبلغ من تصوير هذا الواقع من انهزام الكفار انهزام عقيدة ونفس من قوله تعالى فيهم:{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [10] .

ومن ثم تبدو مواقف النبي صلى الله عليه وسلم خارجة عن طاقة أي إنسان، ولو كان شديدا ولعل هذه البطولة هي التي تكسبه الأنصار بل تنتزع الرجال من صفوف الخصوم إلى صفوف الأنصار تأخذهم روعة الموقف البطولي، فيعبرون البرزخ إلى معسكر النبي صلى الله عليه وسلم. ألم يعبر عمر وخالد وغيرهما البرزخ جهارا.

إن هذه المواقف الخالدة في عالم البطولة فرضت احترام النبي على الأعداء، فقال فيه أحد معارضيه:"هو القرم الذي لا يقدع أنفه"[11] وهي التي بعثت الإعجاب في عمه أبي طالب وعشيرته، فاحتملوا من أجله ما احتملوا.

ص: 439

ولكني - معذرة - إذا أطلقت اسم البطولة على صبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أظفر بكلمة أبلغ في الدلالة منها، فإن بطولة محمد والأنبياء عليهم السلام، ليست كبطولة الرجال الممتازين الأقوياء ليست كبطولة القياصرة والأباطرة، وقادة الجيوش من قيصر روما ونابليون إلى مونتغمري ورومل وغيرهم، فإن أمثال هؤلاء كانوا أبطالاً لأنفسهم. صفق لهم الناس لحظات، فما زالوا أو سقطوا لم يبق منهم إلا أشباح باهتة، ولم يبق من بطولاتهم إلا ذكرى كالصدى الضائع في مجاهيل الأرض، أما محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكن بطلاً لنفسه، وإنما لخير الإنسانية وهداها، فما في بطولته صلف، ولا كبرياء، ولا طغيان ولا تمجيد لذاته بل كانت بطولته العدالة، والحق والإنصاف والتقوى. ولذلك ما زالت مواقف صبره وجهاده، تفيض من القيم الإنسانية البطولية، ولم تستطع العصور، ولن تستطيع أن تفقدها من جدارتها شيئاً.

وخير من كلمة البطولة اسم النبوة؛ فالنبوة فوق البطولة، وما بينهما، كما بين الأرض والسماء، ولأمر ما لقبه أحد كتاب الغرب "بطل الأبطال"[12] .

هـ - المسؤولية والعهد:

كان استبسال الرسل في نشر الدعوة، والتمكين، وفاء منهم بعهد الله، ذلك لأنهم قد واثقوا الله على الإخلاص له ومنح حياتهم كلها للرسالة قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} .

وعلى هذا لم يعرفوا لوجودهم معنى ولا غاية غير إنفاذ كلمة الله على أتم وجه وأصدق أداء وهذه المسؤولية في الحفاظ على الدين والاستمساك به ونشره في الأرض، تنتقل إلى المؤمنين من بعدهم قال تعالى بعد تلك الآية:{لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} .

ص: 440

والمؤمنون الصادقون لا يدخرون جهداً في اتباع الطريقة المثلى لإعلاء كلمة الله، والوفاء بعهده حتى يفدوا الدين المأثور الخالد والمطلب الأسنى لهم. به يحيون ومن أجله يحيون، فأي تضييع لجانب منه خسارة لا تعوض، فيكون الجهد الإيجابي البناء في حياة الأمة أن يحتفظوا بالدين صافياً خالصاً لا ينفصلون عنه في صغيرة أو كبيرة من شؤون دنياهم أو آخرتهم حتى لا يرتدوا إلى النقصان وفي النقصان الانحطاط والخسران.

إن العقيدة الإسلامية تبعث في نفوس أتباعها تسامياً رائعاً يدركون به معنى إنسانيتهم وتكاملها الصاعد في سبيل الله، لذلك كان أشد ما يخشاه الأنبياء هو الابتعاد أو التراجع أو انتهاء الحياة على غير شريعة الله، فتكون في ذلك مأساة الإنسان الحقيقية، مأساة ضلاله وضياعه وخسرانه في دار الابتلاء فكانت وصية إبراهيم لأبنائه أن يستمسكوا بالدين حتى الرمق الأخير، قال تعالى:{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [13] .

لقد تمت نعمة الله على الإنسان بالإسلام، به يعرف غاية وجوده وسبيله إلى الفوز والكمال، فإن أنف منه واستعلى على نعمة الله أضاع حقيقته وخسر نفسه قال تعالى:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [14] .

وكان مما يقلق بال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحدر المسلمون في سلم القيم الربانية التي بلغوها بالإسلام فكان يقول: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"[15] .

ص: 441

وربما كان مصدر هذا القلق ما علمه الرسول من أن المؤمنين في موقف دقيق، يتطلب منهم أن يقيموا التوازن العادل بين تعاليم الله ورغبات النفوس، فإن أي ترجيح للأهواء ينتهي إلى تغلب قيم الأرض على قيم السماء فكان عليه الصلاة والسلام ينبه إلى الأعراض الخطيرة التي تنشأ من ذلك في حياة المسلمين فقال:"ما نقض قوم عهد الله ورسوله إلا تسلط عليهم عدو من غيرهم، يأخذ بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"[16] . ولا يعوزنا الدليل في حياتنا الحاضرة على صدق الخبر.

فلم كتب علينا أن نقاسي سريعاً مما صنعته أيدينا، وجلبناه على أنفسنا؟ ألسنا بمسلمين، ألسنا أحق الناس برحمة الله ورأفته؟

بلى، ولكن الله قال:{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [17] وإن الله قد وعد هؤلاء رفيع المنزلة، وسنى الجوائز وعالي المقامات وعظيم الثواب، ولكن ليس وعداً جزافاً، إن هو إلا جزاء الواجبات العظيمة والمهمات الشاقة التي كلف بها المؤمنين.

إننا نجد في شرع الله كله أن هؤلاء الذين حباهم ربهم بالفضل العظيم والمسؤولية الكبرى في موقف بالغ الدقة والحساسية، وإن أساءوا عوقبوا ضعفين، قال تعالى:{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} [18] .

ذلك أن الله يجعل الثواب والعقاب مكافئاً لأحوال المكلف ومقدار التكليف، والإحسان أو الإساءة فيه.

ص: 442

ألا ترى أن فرعون {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [19] لأنه المسؤول عن استخفافه قومه، وإيرادهم النار! ، وأن امرأة فرعون بنى الله لها قصراً في الجنة، إذ استطاعت أن تنجو بقلبها من الوسط الكافر، وهو أمر لا بد فيه من الجهد والعناء، ومكافحة الموانع والحوائل مكافحة مريرة، في سبيل استنقاذ النفس من براثن الكفر الحاكم؟

لقد استبان الأمر، إذ حصحص الحق، إننا عهد إلينا بالقوامة على الناس والشهادة عليهم في اتباع شرع الله، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [20] .

لقد كرمنا الله بمسؤولية الشهادة على الناس ما حكمنا بشريعة الله والرسول.

فبذلك نكون من المحسنين ومن رحمة الله قريبين، وأجرنا بإذن الله أجران: أجر الإسلام وأجر القيام على الناس بالإسلام.

فإن أبينا الكرامة وتخلينا عن الواجب وقع علينا ما أنذرنا الله به ورسوله نالتنا عقوبة الله مضاعفة وخسرنا خسرانا كبيراً خسرنا أنفسنا وخسرنا حق الشهادة على الناس، فلم يعترف لنا به الأمم، بل صرنا موطئ أقدامهم وقصعة أكلهم، وموضع المهانة والإذلال إن اصطفاء الأمة الإسلامية لرسالة الله، تضعها في هذا الموقف الدقيق الحساس، وتجعل منها أمة نسيج وحدها: أمة من شجرة مباركة طيبة لا شرقية ولا غربية تولي وجهها شطر المسجد الحرام، فلا تدور في فلك أحد، بل تدور في فلكها الأمم، لأنها منحت دور الشهيد في تنفيذ شرع الله، والقائم بهذه المهمة لا يستوحي من غيره، ولا يقبل خضوعا، ولا تبعية، ولا تتم له الرسالة إلا بالاستقلال عن المؤثرات الغريبة، وبامتلاك قوة التأثير والتوجيه.

خاتمة:

ص: 443

وهكذا يتحقق الاقتداء بالأخذ من عالم الاصطفاء والتأثر بالمصطفين الأخيار تأثراً يتفاوت عمقاً بتفاوت استعداد المتأثرين وإخلاصهم، وحرصهم على التمثل والانفصال والضرب من المثل المصطفى، ثم تجري عملية التمثل الذاتي والتربية الوجدانية، يأخذ المؤمن بها نفسه.

فإذا انتقلت إليه الصفات والأخلاق وصارت في سلوكه وأفعاله ظهر أثرها في المجتمع وانتفعوا بها، واصطبغت بها أعمال الأمة إذا كثر المعتقدون، وغلبوا على الخبث، وبهذا ترتقي الأمة، وتبدأ عصراً جديداً ومدنية جديدة، أركانها الأخلاق والمبادئ الإلهية التي لا تحد من نشاط الإنسان ولا تضيق عليه المجال بل تفتح ملكاته وإمكانياته، على ما في هذا الوجود من الأسرار والعجائب ليزداد يقينا على يقين، وتقدما على تقدم وكمالا على كمال.

لا هزيمة في الاسلام

عن علي رضي الله عنه قال: "لما انجلى الناس عن رسول الله صلى لله عليه وسلم يوم أحد نظرت في القتلى فلم أر رسول الله فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى ولكن أرى الله غصب علينا بما صنعنا فرفع نبيه فمالي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم بأفرجوا إلي فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم".

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

رواه مسلم والبخاري والإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجة.

[2]

آل عمران: 31.

[3]

البقرة: 246.

[4]

النمل: 26.

[5]

الكهف: 95.

[6]

الزخرف: 31.

[7]

رواه البخاري. انظر رياض الصالحين ص57.

[8]

الشعراء: 109.

[9]

هود: 56.

[10]

المدثر: 50.

[11]

ينسب هذا القول لأبي سفيان قبل إسلامه وينسبه بعضهم لورقة بن نوفل وكان من المشجعين للرسول. انظر لسان العرب ق. ع.

ص: 444

[12]

هو توماس كارليل مؤلف كتاب الأبطال.

[13]

البقرة: 132.

[14]

البقرة: 130.

[15]

رواه أحمد في مسنده ومسلم والبخاري والنسائي وابن ماجة.

[16]

في حديث رواه ابن هشام في السيرة م2 ص631 عن عبد الله بن عمر رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظ مختلف وقال حديث صحيح. وهو خمس بخمس؛ ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنز ل الله إلا فشا فيهم الفقر، وظهرت فيعم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، طففوا المكيال إلا منعوا الثبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر.

[17]

الأعراف: 56.

[18]

الأحزاب: 31.

[19]

هود: 98..

[20]

البقرة 143.

ص: 445