الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 8
فهرس المحتويات
1-
أخبار الجامعة - مرسوم ملكي كريم
2-
من تاريخ المذاهب الهدامة- كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (5) : بقلم: محمد بن مالك اليماني
3-
الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح: بقلم الشيخ عبد المحسن العباد
4-
التخدير الجَماعي: بقلم الشيخ رمضان أبو العز
5-
الضّوابط الأخلاقيّة للاقتصاد الإسلامي: بقلم الدكتور محمود بابللي
6-
المدلسون (5) : بقلم الشيخ حماد الأنصاري
7-
المسؤولية في الإسلام: بقلم الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
8-
بين الرضى والغضب: للشيخ محمد المَجذوب
9-
تعليم الإناث وتربيتهن: بقلم الدُكتُور تقيِّ الدِّين الهلاليِ
10-
حكم الاستغاثة بغير الله سبحانه: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
11-
ندوة الطلبة- دراسات في الديانات الهندية (3) - بهكوت كيتا: بقلم: الطالب محمد ضياء الرحمن الأعظمي
12-
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (5) : لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
13-
في ظِلال سُورَةِ الأنْفَال (2) : بقلم الشيخ أبو بكر الجزائري
14-
معَ الصَحَافة - إنسان عالمنا الإسلامي الجديد: نقلا عن جريدة الرائد
15-
منجل: عبد العزيز القارئ
16-
نفح الطيب من مَدينَة الحبيب: بقلم الشيخ محمد المجذوب
17-
يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة االشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
أخبار الجامعة
مرسوم ملكي كريم
صدر المرسوم الملكي بتعيين فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيسا للجامعة الإسلامية.
وفيما يلي نص الأمر الملكي الكريم المبلغ إلى فضيلته من قبل سعادة رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء.
صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
بعد التحية: ـ
لقد صدر الأمر الملكي الكريم تحت رقم أ - 147 وتاريخ 15-9-1390هـ. بمايلي: ـ
بعون الله تعالى
نحن فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية بعد الاطلاع على المادة الخامسة من نظام الموظفين العام، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (42) وتاريخ 29-11-1377هـ.
وبناء على ما عرضه علينا نائب رئيس مجلس الوزراء
أمرنا بما هو آت: ـ
أولاً ـ يعين الشيخ (عبد العزيز بن باز) رئيسا للجامعة الإسلامية بالمرتبة الممتازة وبراتبها المقرر.
ثانياً ـ على نائب رئيس مجلس الوزراء تنفيذ أمرنا هذا.
وإني إذ أبلغكم هذه الثقة الغالية، أسأل الله أن يتولى الجميع بتوفيقه لما يحبه ويرضاه ودمتم.
رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء
التوقيع
صالح العباد
صورة لصاحب السمو وزير المالية والاقتصاد الوطني.
صورة لمعالي رئيس ديوان الموظفين العام.
صورة لسعادة نائب رئيس ديوان المراقبة العامة.
غادر المدينة المنورة فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي، الأمين العام للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لحضور المؤتمر الأول للمؤسسات الإسلامية في أمريكا اللاتينية الذي عقد في مدينة سان باول بالبرازيل ممثلا المملكة العربية السعودية في ذلك المؤتمر وقد ألقى فضيلته كلمة المملكة العربية السعودية في المؤتمر وبين فيها اهتمام المملكة وعلى رأسها جلالة الملك فيصل المعظم حفظه الله بفكرة التضامن الإسلامي وسعيها الحثيث إلى أن يلتقي المسلمون في كل مكان على صعيد العقيدة الصحيحة والأخوة والتعاون.
كما أشار فضيلته إلى أن المملكة تقدم كل ما تستطيعه من عون ومساعدة للمؤسسات الإسلامية وتقويتها لتتمكن من القيام بواجبها في خدمة الإسلام والمسلمين على الوجه الأكمل.
ويذكر أن سفر فضيلته كان بناء على أمر جلالة الملك فيصل المعظم حفظه الله، ونظراً لما كان لهذه الكلمة من أثر طيب في نفوس أعضاء الوفود المختلفة التي شاركت في المؤتمر فقد رأت مجلة الجامعة نشرها فيما يلي:
أيها الإخوة في الإسلام: أحييكم بتحية الإسلام تحية من عند الله مباركة طيبة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إننا نحمل إليكم هذه التحية الإسلامية من إخوانكم في المملكة العربية السعودية
…
إننا نحمل إليكم تحية عاهل البلاد السعودية، وقائدها الأمين المؤتمن على الحرمين الشريفين جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز حفظه الله.
إنها تحية عطرة من مهابط الوحي في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، من جوار الكعبة المشرفة ومن مسجد رسول الله سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
إنها تحية من المركز الذي تتجه إليه وجوه المسلمين جميعا في أنحاء العالم من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، ومن شماله إلى جنوبه خمس مرات في كل يوم وليلة، وإليه تهفو القلوب، وتهوي الأفئدة.
أيها الإخوة في الإسلام: إن المسافة الجغرافية الشاسعة التي تفصل بين المملكة العربية السعودية، وبين هذا الركن من أمريكا الجنوبية إنما تتحول إلى قوة اتصال هائلة إذا كانت الرابطة هي رابطة الأخوة الإسلامية، والعلاقة الإيمانية.
ذلك بأن الأخوة الإسلامية الصادقة لا تستطيع عوامل التفريق أن تفعل فيها شيئا، سواء أكانت تلك العوامل جغرافية، أو لغوية، فالإسلام لا يعرف إلا أخوة المسلمين جميعا في جميع أنحاء الأرض.
إخواني المسلمين: لقد أمر جلالة الملك فيصل - حفظه الله - بأن نأتي إلى هذه البلاد لنبلغكم تحيات جلالته، ولنشارككم في اجتماعكم، ونطّلع على أحوالكم، وشؤونكم.
أيها الإخوة المسلمون: لقد نادت المملكة العربية السعودية ولا زالت تنادي بأن يكون التضامن الإسلامي أساسا للعلاقات بين جميع المسلمين، أخذا من مدلول قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وأن يكون التعاون والتآخي هو السائد بينهم عملا بقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وقوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، وقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك بين أصابعه، وقال صلى الله عليه وسلم:"مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله ولايكذبه" الحديث، والرابطة الإسلامية بين المسلمين أقوى، وأمتن من رابطة النسب أو العنصر أو القومية، وسنسوق على ذلك مثلين اثنين فقط نرى أن فيهما الكفاية.
أولهما: قصة أبي لهب، وأبو لهب بن عبد المطلب هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم تنفعه قرابته من الرسول لأنه لم يؤمن به، ولم يستجب لدعوته الإسلامية أي: لأنه لم يكن مسلماً، وقد أنزل الله تعالى في ذمه سورة من القرآن تتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} إلخ السورة.
والمثال الثاني: في بلال بن رباح رضي الله عنه، وبلال بن رباح هو حبشي أي: إفريقي وقبل إسلامه كان مملوكا فأعتقه أبو بكر، وقد جعله الإسلام مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أفضل الصحابة، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنه سمع خشف نعلي بلال في الجنة" وقد قال عنه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا"يعني بذلك بلالا.
هذان مثالان على أن العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم أقوى من علاقة النسب أي: أقوى من علاقته بعمه أو بأخيه من النسب إذا لم يكن مسلما.
ذلك ما جاء به الإسلام، وما قرره، وأخذ به المسلمون الأوائل، وهذا ليس غريبا لأن رابطة الإسلام بين المسلمين رابطة روحية، وهي علوية سماوية، ورابطة القرابة بين الأقراب رابطة بدنية، والبدن من تراب فهي رابطة ترابية.
ولكن أيها الإخوة المسلمون: الشأن كل الشأن في أن يكون المسلم مسلما صحيح الإسلام، محققا للشروط التي يجب أن تتوفر في المسلم، لا أن يكتفي بأن يقول إني مسلم، ويظهر بمظهر المسلم ويقتصر على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"
…
فكون المرء مسلما يقتضي أن يتجنب ما نهى عنه الإسلام، ويأتي ما يستطيع أن يأتيه مما يأمر به الإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
أيها الإخوة: إن دعوة التضامن الإسلامي التي تنادي بها المملكة العربية السعودية لا تعني إلحاق الضرر بأحد، وإنما تستهدف نفع المسلمين، ورفع شأنهم، وتبادل المصالح الدينية، وغيرها فيما بينهم.
أيها الإخوة في الإسلام: إننا إذا نظرنا إلى المسلمين اليوم وجدنا حالة بعضهم ليست حالة مرضية، فما هو السبب؟
الجواب: السبب هو عدم التزام المسلمين بالإسلام الصحيح.
إن الإسلام رتب الجزاء على العمل، وقرن الثواب على الخير بفعل الخير لا بالدعوى وحدها، قال بعض السلف:"ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال".
إننا لنذكر، والأسى يقطع قلوبنا، والحزن يملأ نفوسنا ما عليه بعض المسلمين الآن من تفرق واختلاف ونزاع وشقاق مما سبب لهم كوارث، ومصاعب عظيمة لا يستفيد منها إلا عدوهم المتربص بهم، ونعتقد أنهم إذا رجعوا إلى دينهم، وحكموا شرع الله في خلافاتهم، ووكلوا أمورهم إلى عقلائهم وحكمائهم فإنهم سوف ينزعون عنها، ويعودون إلى أخوتهم، وتعاونهم.
وقد يقول أحدنا: كيف العمل لإصلاح المسلمين، ومن أين نبدأ بالإصلاح؟
الجواب: العمل أولا أن يبدأ كل منا بنفسه فيصلحها، ومعنى إصلاحها أن يأخذها بأوامر الإسلام، وينهاها عن نواهيه، ثم يعمل على إصلاح عائلته، وأهل بيته، ثم ينشر ما استطاع نشره من الوعي الإسلامي، والدعوة إلى الخير بين المسلمين، ولا شك أن ناشئة المسلمين يجب أن يكون لهم النصيب الأكبر من الرعاية، والعناية، والتنشئة على الخير وعلى حب السلام، والدعوة إليه.
أما أنتم أيها الإخوة المسلمون الذين حافظتم على إسلامكم في هذه الديار القصية التي لم يبلغها الإسلام إلا بواسطتكم فإننا لنرجو أن يكتب الله لكل واحد منكم أجر الصابرين على دينهم في آخر الزمان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل الصابر على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمر، له أجر خمسين"قالوا: يا رسول الله منا أم منهم؟ قال: بل منكم! " أي: له أجر خمسين رجلا من الصحابة رضي الله عنهم.
والذي نرجوه منكم - أيها الإخوان الأحباب - أن تتذكروا أن الإسلام دين دعوة وإرشاد، وأن الدعوة إليه ليست قاصرة على رجال العلم به أو من يقال لهم رجال الدين، بل إن على كل مسلم أن يدعو إلى الله، ويرشد إلى الإسلام حسب علمه وقدرته، قال تعالى مخاطبا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} يعني: إن سبيلي، أي طريقي، ومنهجي في الحياة أن أدعوا إلى الله على بصيرة من الأمر، وأن يكون كل من اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة، وقال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
إذا فإن كل مسلم يجب أن يكون مبشرا بالإسلام، وذلك بحسب قدرته، واستطاعته وعلمه.
قد يقال: إنه ليس من الممكن أن يكون كل مسلم عالما بأمور الإسلام على وجه الشرح، والتفصيل، وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن هذا لا يمنع من الدعوة إلى الإسلام بما يعرفه منه، فإذا احتاج الأمر إلى معرفة تفصيل العبادات، ودقائق المعاملات فذلك واجب العلماء بالدين الذي قال الله تعالى فيهم:{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وأهل الذكر العلماء بأمور الدين.
ثم إن الدعوة إلى الإسلام كما تكون بالقول والبيان، فإنها كذلك تكون بالأفعال.
فيجب على كل مسلم أن يكون مثالاً للأخلاق الفاضلة، وأن يكون متحلياً بالسلوك الحميد حتى تكون حالته تلك خير دعوة للإسلام، وأفضل تعريف بالإسلام لمن لا يعرفون عنه شيئا.
ذلك لأن كثيراً من الناس أو أكثرهم ينظرون إلى الأشياء نظرة عاجلة، ويزنون المرء بأفعاله لا بأقواله، وكم من مسلم جنى على الإسلام بتخليه عن خصلة واحدة من الخصال التي يأمر الإسلام بالتزامها، مثل الصدق في المعاملة، والمحافظة على الوعد، وعدم الغشّ في البيع، والشراء، والأخذ، والعطاء.
وكم من أناس كرهوا الدخول في الإسلام لما شاهدوه من بعض ممن ينتسبون إلى الإسلام من تهاون بالأخلاق الفاضلة أو عدم شعور بالمسؤولية.
إن عدم تمسك المسلم بالآداب، والأخلاق الإسلامية الصحيحة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل الناس من غير المسلمين يفهمون الإسلام على غير حقيقته، بل ويحملون عنه فكرة خاطئة، وصورة مشوهة ليس في صالح الدعوة الإسلامية بطبيعة الحال.
لقد حث الإسلام على الخصال الحميدة، ونهى عن الخصال الذميمة، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد أدّبني ربي فأحسن تأديبي" وقال الله مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} لقد حث الإسلام على صدق الوعد قال الله تعالى عن نبيه إسماعيل عليه السلام: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
فذكر في هذا الحديث خصالاً ثلاثاً تجعل الرجل منافقاً وليس مؤمناً كامل الإيمان وهي الكذب في الحديث وخلف الوعد، وخيانة الأمانة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم محرماً الغشّ: "من غشنا فليس منا".
وقال محرّما أذى الجار: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" والبوائق: الغوائل والشرور فلا يكون أحدكم مؤمنا كامل الإيمان إلا إذا كان جاره آمنا من شره.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
وإكرام الجار، والمعاملة بالإحسان تشمل المسلمين وغير المسلمين، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة" والمعاهد هو غير المسلم الذي بينه وبين المسلمين عهد أو ذمة، وقوله عليه الصلاة والسلام:"لم يرح رائحة الجنة" وهذا من باب الوعيد والتحذير.
هذه أمثلة موجزة على أن الإسلام جاء بالحث على الأخلاق الفاضلة، والتزام الخصال الحميدة، ولو حاولنا استقصاء ذلك لطال الكلام.
إخواني في الإسلام: إن الإسلام في هذه البلاد قد دخلها بواسطتكم وواسطة إخوان بررة لكم. وإنه الآن أمانة في أعناقكم، ولا نشك أنكم تجتهدون في أن تؤدوا الأمانة ما استطعتم إن شاء الله، وإن لكم على إخوانكم في المملكة العربية السعودية التي ترعى الأماكن الإسلامية المقدسة أن يبذلوا كل ما يستطيعون بذله من مساندة، وتعضيد
…
فالله الله في إسلامكم، والله الله في أبنائكم من ناشئة المسلمين في هذه البلاد إنكم إن فرطتم - لا قدر الله - في تربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة فإن ذلك قد يكون معاول لهدم الإسلام وعدم انتشاره في هذه البلاد، وإنكم إن شاء الله ستكونون عند حسن الظن بكم، وستقومون بما تستطيعونه.
وفقكم الله وسدد خطاكم، وجعلنا وإياكم هداة مهتدين إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
…
(علام الهم؟)
مر إبراهيم بن أدهم على رجل ينطق وجهه الهم والحزن، فقال إبراهيم: يا هذا إني سائلك عن ثلاثة فأجبني: فقال له الرجل: نعم. فقال إبراهيم: أيجري في هذا الكون شيء لا يريده الله؟ قال: كلا. قال: أفينقص من رزقك شيء قدره الله؟ قال: كلا. قال: أفينقص من أجلك لحظة كتبها الله لك في الحياة؟ قال: كلا. فقال إبراهيم: فعلام الهم".
زوار الجامعة لإسلامية
زار الجامعة الإسلامية صاحب المعالي فضيلة الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وشئون الأزهر الشريف في الجمهورية العربية المتحدة وكان في استقبال معاليه فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية الشيخ محمد العبودي وبعض الأساتذة وكبار الموظفين وقد زار معاليه مكتبات الجامعة وكليتي الشريعة والدعوة والمعهد الثانوي فيها. ثم قدمت له الجامعة هدية لسيادته مجموعة من الكتب والمطبوعات التي تتعلق بتاريخ المدينة المنورة والمملكة العربية السعودية والتي كان بعضها من تأليف أساتذة الجامعة الإسلامية بالإضافة إلى أعداد مجلة الجامعة الإسلامية.
ـ كما زار الجامعة صاحب الفضيلة الشيخ الشاذلي النيفر المدرس بالجامعة التونسية ومن كبار علماء تونس، وقد زودته الجامعة بكمية من الكتب والمطبوعات وأعداد مجلة الجامعة.
ـ وكذلك زار الجامعة الإسلامية الأستاذ محمد غالي وكيل مفوضية الشعوب الإسلامية في الجمهورية الموريتانية وقد زود بكمية من الكتب والمطبوعات وأعداد مجلة الجامعة.
ـ وأيضا زار الجامعة فضيلة الشيخ الأمين بن الشيخ مدير مدارس ابن عامر في موريتانيا، وقد ألقى فضيلته محاضرة قيمة بالجامعة الإسلامية حضرها طلاب الجامعة والأساتذة وقد زود بالكتب والمطبوعات وأعداد مجلة الجامعة الإسلامية.
ـ وقد زار الجامعة الإسلامية الأستاذ أمين أحمد الكاظمي رئيس القسم العربي بكلية بتنة بالهند وقد طلب من الجامعة تزويده بالمناهج الدراسية فيها بغية الاستفادة منها لوضع مناهج بالكلية المذكورة.
بيان بالمكتبات التي زودتها الجامعة الإسلامية بالكتب والمطبوعات وأعداد المجلة في داخل المملكة
مكتبة إدارة نادي المجد الريفي في ينبع ـ المنطقة الغربية.
مكتبة مدرسة مرات الابتدائية.
مكتبة مدرسة صلاح الدين الأيوبي بالزلفي.
مكتبة المدرسة السعودية في بيشة.
مكتبة المسجد الريفي بعنيزة.
مكتبة التوعية الإسلامية بغامد بلجرشي.
مكتبة مدرسة صلاح الدين بعنيزة.
مكتبة نادي الربيع بالوجه.
مكتبة المتوسطة السابعة / القعقاع بن عمرو.
مكتبة مدرسة الصحراء بالمسيجيد.
مكتبة مركز التنمية الاجتماعية.
مكتبة مدرسة القويعية الابتدائية.
مكتبة معهد النور بالمدينةالمنورة.
بيان بالمكتبات التي زودتها الجامعة الإسلامية بالكتب والمطبوعات وأعداد المجلة في خارج المملكة
المركز الرئيسي لجماعة النصر الإسلامي ـ كادوني نيجيريا. بواسطة فضيلة الشيخ أبو بكر جوبي عضو رابطة العالم الإسلامي بمكة.
الملحق الثقافي بتونس.
الملحق الثقافي في الجزائر.
الملحق الثقافي بكراتشي.
إتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية.
المدير العام للمركز الإسلامي في نيجيريا ـ كامل حسين.
أمين مكتبة جامع الهاشمي العامة بالكاظمية ـ العراق.
مدير مدرسة ابتدائية في نيجيريا الشيخ عباس يونس.
مدير مدرسة نور الإسلام في أجيبو - نيجيريا - الشيخ صلاح الدين.
مدير معهد التعليم العربي بنيجيريا الحاج خضر صلاح الدين.
مكتبة جامعة البصرة ـ العراق.
مكتبة محمد بن القاسم في باكستان الغربية.
مكتبة الجمعية العلمية بصنعاء ـ اليمن.
مكتبة معهد رأس الخيمة العلمي.
المكتبة السلفية الريحانية ببني ظبيان.
مكتبةالحركة الاجتماعية في بعلبك الأستاذ مرتضى الحسيني.
مكتبة مدرسة النور الإسلامية في كينيا ـ الشيخ عيدروس بن علوي الرفاعي.
جمعية الشباب المسلمين في نيروبي بكينيا.
مكتبة معهد العين وعجمان بالخليج العربي.
مدير المدارس العربية في نيامي بنيجيريا.
الجزولي نوح مدير مدرسة العلوم العربية في النيجر.
حكم الاستغاثة بغير الله سبحانه
رئيس الجامعة الإسلامية
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد فقد نشرت صحيفة المجتمع الكويتية في عددها 15 الصادر في 19/4/1390هـ. أبياتا تحت عنوان (في ذكرى المولد النبوي الشريف) تتضمن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم والاستنصار به لإدراك الأمة ونصرها وتخليصها مما وقعت فيه من التفرق والاختلاف بإمضاء من سمّت نفسها (آمنة)، وهذا نص الأبيات المشار إليها:
يا رسول الله أدرك عالما
يشعل الحرب ويصلى لظاها
ي ارسول الله أدرك أمة
في ظلام الشك قد طال سراها
يا رسول الله أدرك أمة
في متاهات الأسى ضاعت رؤاها
إلى أن قالت:
يا رسول الله أدرك أمة
في ظلام الشك قد طال سراها
عجل النصر كما عجلته
يوم بدر حين ناديت الإله
فاستحال الذل نصرا رائعا
إن لله جنودا لا تراها
هكذا توجه هذه الكاتبة نداءها واستغاثتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم طالبة منه إدراك الأمة بتعجيل النصر ناسية أو جاهلة أن النصر بيد الله وحده ليس ذلك بيد النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من المخلوقات كما قال الله سبحانه في كتابه المبين: {وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} ، وقال عز وجل:{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} . وقد علم بالنص والإجماع أن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان تلك العبادة والدعوة إليها كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} ، وقال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ، وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} . وقال عز وجل: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} . فأوضح سبحانه في هذه الآيات المحكمات أنه لم يخلق الثقلين إلا ليعبدوه وحده لا شريك له وبيّن أنه أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للأمر بهذه العبادة والنهي عن ضدها وأخبر عز وجل أنه أحكم آيات كتابه وفصلها لئلا يعبد غيره سبحانه، والعبادة هي توحيده وطاعته بامتثال أوامره وترك نواهيه وقد أمر الله بذلك في آيات كثيرات منها قوله سبحانه:{وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} الآية، وقوله عز وجل:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ} ، وقوله سبحانه:{فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} ، والآيات في هذا المعنى الكثيرة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه من الأنبياء وغيرهم، ولا ريب أن الدعاء من أهم أنواع العبادة وأجمعها فوجب إخلاصه لله وحده كما قال عز وجل:{فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ، وقال عز وجل:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَداً} ، وهذا يعم جميع المخلوقات من الأنبياء وغيرهم لأن (أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم كل من سوى الله سبحانه، وقال تعالى:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} ، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الله سبحانه قد عصمه من الشرك، وإنما المراد من ذلك تحذير غيره ثم قال عز وجل:{فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} ، فإذا كان سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام لو دعا غير الله يكون من الظالمين فكيف بغيره. والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر كما قال الله سبحانه:{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، وقال تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، فعلم بهذه الآيات وغيرها أن دعاء غير الله من الأموات والأشجار والأصنام وغيرها شرك بالله عز وجل ينافي العبادة التي خلق الله الثقلين من أجلها وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها، وهذا هو معنى لا إله إلا الله - فإن معناها لا معبود حق إلا الله فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها لله وحده كما قال الله سبحانه:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} ، وهذا هو أصل الدين وأساس الملة ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، وقال سبحانه:{وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده، والثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم أو دعا الأصنام أو الأشجار أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات أو استغاث بهم أو تقرب إليهم بالذبائح والنذور أو صلى لهم أو سجد لهم فقد اتخذهم أربابا من دون الله وجعلهم أندادا له سبحانه وهذا يناقض هذا الأصل وينافي معنى لا إله إلا الله كما أن من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله لم يحقق معنى شهادة أن محمدا رسول الله وقد قال الله عز وجل:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} ، وهذه الأعمال هي أعمال من مات على الشرك بالله عز وجل وهكذا الأعمال المبتدعة التي لم يأذن بها الله فإنها تكون يوم القيامة هباء منثورا لكونها لم توافق شرعه المطهر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق على صحته. وهذه الكاتبة قد وجهت استغاثتها ودعاءها للرسول صلى الله عليه وسلم وأعرضت عن رب العالمين الذي بيده النصر والضر والنفع وليس بيد غيره شيء من ذلك ولا شك أن هذا ظلم عظيم وشرك وخيم، وقد أمر الله عز وجل بدعائه سبحانه ووعد من يدعوه بالاستجابة وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم كما قال عز وجل:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ، أي صاغرين ذليلين، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة وعلى أن من استكبر عنه فمأواه جهنم، فإذا كانت هذه حال من استكبر عن
دعاء الله فكيف تكون حال من دعا غيره وأعرض عنه، وهو سبحانه القريب المجيب المالك لكل شيء والقادر على كل شيء كما قال سبحانه:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الدعاء هو العبادة وقال لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:"إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" أخرجه الترمذي وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم:"من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" رواه البخاري، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنه سئل أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك"، والند: هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة سوى ما تقدم فقد اتخذه ندا لله سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك من المخلوقات، أما سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه والاستعانة به في الأمور الحسية التي يقدر عليها فليس ذلك من الشرك بل ذلك من الأمور العادية الجائزة بين المسلمين، كما قال تعالى في قصة موسى:{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} ، وكما قال تعالى في قصة موسى أيضا:{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأمور التي تعرض للناس ويحتاجون فيها إلى أن يستعين بعضهم ببعض، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا فقال في سورة الجن:{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً، قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً} ، وقال تعالى في سورة الأعراف: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً
وَلا ضَرّاً إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا ربه ولا يستغيث إلا به وكان في يوم بدر يستغيث بالله ويستنصره على عدوه ويلحّ في ذلك ويقول:"يا رب أنجز لي ما وعدتني"، حتى قال الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه:"حسبك يا رسول الله، فإن الله منجز لك ما وعدك"، وأنزل الله سبحانه في ذلك قوله تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} ، فذكرهم سبحانه في هذه الآيات استغاثتهم به وأخبر أنه استجاب لهم بإمدادهم بالملائكة ثم بين سبحانه أن النصر ليس من الملائكة وإنما أمدهم بهم للتبشير بالنصر والطمأنينة وبين أن النصر من عنده فقال:{وَمَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ} ، وقال عز وجل في سورة آل عمران:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، فبين في هذه الآية أنه سبحانه هو الناصر لهم يوم بدر فعلم بذلك أن ما أعطاهم من السلاح والقوة وما أمدهم به من الملائكة كل ذلك من أسباب النصر والتبشير والطمأنينة وليس النصر منها بل هو من عند الله وحده، فكيف يجوز لهذه الكاتبة أو غيرها أن توجه استغاثتها وطلبها النصر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتعرض عن رب العالمين المالك لكل شيء والقادر على كل شيء.
لا شك أن هذا من أقبح الجهل بل من أعظم الشرك فالواجب على الكاتبة أن تتوب إلى الله سبحانه توبة نصوحا وذلك بالندم على ما وقع منها والإقلاع منه والعزم على عدم العود إليه تعظيما لله وإخلاصا له وامتثالا لأمره وحذرا مما نهى عنه، هذه هي التوبة النصوح وإذا كانت من حق المخلوقين وجب في التوبة أمر رابع وهو رد الحق إلى مستحقه أو تحلله منه، وقد أمر الله عباده بالتوبة ووعدهم قبولها كما قال تعالى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، وقال في حق النصارى:{أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً} ، وقال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تجب ما كان قبلها" ولعظم خطر الشرك وكونه أعظم الذنوب وخشية الاغترار بما صدر من هذه الكاتبة ولوجوب النصح لله ولعباده حررت هذه الكلمة الموجزة وأسأل الله عز وجل أن ينفع بها وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين جميعا وأن يمن علينا جميعا بالفقه في الدين والثبات عليه وأن يعيذنا والمسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه
…
ندوة الطلبة
دراسات في الديانات الهندية (3)
بهكوت كيتا
بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي.
هذا الكتاب يحتوي على إرشادات (كرشنا)[1] في المسائل الحربية فهو بحث (أرجن)[2] للخروج إلى ساحة القتال.
قد نال هذا الكتاب مقاما عظيما في الديانة الهندوسية فتأثرت به حياتهم ويتمنون أن يمثلوا سيرة كرشنا في الخلق والشجاعة وانقاذ البشر من أيدي الطغاة والظلام، يقول غاندي:
"إن كيتا كتاب مقدس لا يماثله غيره ولا يحاذيه، فيه عقيدة صالحة وأخلاق حسنة لجميع أصحاب الفكر والدعوة أن يعرفوا قدر هذا الكتاب ويحترموه ويوقروه ويجعلوه مصدرا لأصولهم الدينية" هندوم هرم. Hindud Haram.
كأن غاندي ظن أن الأديان الأخرى خالية عن العقيدة الصالحة كالديانة الهندوسية فأشار عليهم بأخذ كيتا مصدرا وأصلا وهذا يدل على قلة علمه وعدم تفكييره، بل على شدة تعصبه.
وقد طعن بعض المحققين الجدد على هذا الكتاب لأنه سبب الحرب الهندية الكبرى (مهابهارت) التي أكلت عددا كبيرا من المواطنين وأغرقت أموالا طائلة لا تحصى.. وينادي هذا الكتاب إلى يومنا هذا بالحرب والجدال، وهذا ينافي أصل الديانة الهندوسية القائلة في أصولها (أهنسا يرمودهرما)(أفضل الدين ترك القتال والحرب) وكان غاندي من أكبر الدعاة لهذه الأصول، فنقديسه لكيتا يوقعنا في الشك والتضاد.
يقول الدكتور رادها كرشنا: "إن كيتا من أحسن الكتب في فلسفة الدين والأخلاق مع أنه ليس إلهاميا مثل أسمرتي، ولكن إن قلنا إن ميزان الحسن والقبح هو التأثير الجميل فأقول: هذا الكتاب أحسن من الجميع لأن له تأثيرا حسنا في الأفكار الهندية. indian inheritance.
فإذا عرفنا قدر هذا الكتاب فلنعرف حقيقته التاريخية:
يقول غاندي [3] : "أنا لا أعتقد في كيتا صحة وجوده التاريخي بل هو كتاب تمثيلي وتخيلي وضعه المصنف لتقريب معاني (مها بهارت) لأنه لم يثبت عندي وجود كرشنا تاريخيا". هندوم هرم ص18.
رامائن [4]
هذا الكتاب مقدم على كيتا وغيره فيه سيرة راما جندر وعصره سابق على عصر كرشنا، وله مرتبة رفيعة جدا، الهندوس يحتفلون كل سنة بحياته التمثيلية التي تستغرق حوالي شهر كامل في جميع نواحي الهند ـ وهي من أكبر الاحتفالات للديانة الهندوسية تسمى بـ (دسهره) .
وينقسم رامائن إلى قسمين:
1ـ بالميكي رمائن: هذا هو الأصل المكتوب بالسنسكرتية، وكان بالميكي معاصرا له فكلما كتب شيئا عرضه على راما وإخوانه وهم يقرونه.
ومن أهمية بالميكي أن (تارومني) سمع هذا الكلام بنفسه وصدقه ثم جاء (برهما) إلى (بالميكي) وأمره بكتابة (رامائن) وهدده إن أخفى منه شيئا أو كذب عليه (باب بالكاند بالميكي رامائن) .
مع هذا الاهتمام التام والسعي الكامل لم ينتشر رامائن هذا في أقطار الهند لأنه مكتوب بالسنسكرتية وهي من اللغات الميتة.
2 ـ (تلسي رامائن) نقل هذا الكتاب من السنسكرتية إلى الهندية قبل أربعمائة سنة - في ظل الدولة الإسلامية في عهد جلال الدين أكبر [5] فانتشر في جميع المقاطعة الهندية وتوجه الناس إليه أكثر من بالميكي فأخذ مقاما عظيما في قلوبهم.
أما من الناحية التاريخية فقد عده بعض المحققين من الكتب المكذوبة حتى قال غاندي: "أفلا تنظرون إلى (تلسى) كيف استهزأ بالنساء وحقرهن ومدح (بليشن) الذي خان أخاه الشقيق وأرشد (راما) إلى فتح وطنه وجعله بمثابة الإله الذي ظلم زوجته" هندود هرم ص33.
وكذلك أن (تلسى) يحقر المنبوذين [6](الطبقة الرابعة تسمى بـ شودر) ومهد الطريق إلى ضربهم بدون أي ذنب.
أما النقطة المهمة فهي: ما مقام راما في بالميكي رامائن وتلسى رامائن؟
فالأمر الذي لا غبار عليه هو أن تلسى جعل راما في مقام الإله نزل بصورة البشر لإنقاذ الناس من ظلم الملك (راون)(ملك سيلان) وهذا أمر جلي لا خفاء فيه يعرفه كل من له أدنى مسكة من علم بالديانة الهندوسية، والاختلاف هو في بالميكي رامائن لأنه أول تصنيف في حياة رامائن بل هو المصدر الوحيد الذي تعرف به حياته.
وقد اختلف الباحثون في هذه المسألة فأنكر المحققون الجدد وجود راما بصورة الإله [7] ولكن نجد في أول الكتاب مايلي:
"إن الملائكة اجتمعت عند (وشنو) (الرازق) وألحت عليه أن يهبط إلى الأرض بصورة (راما) لإنقاذ البشر من ظلم راون".
ثم بعد النصر جاء برهما مع الملائكة في حفلة الفتح وأثنى عليه بقوله: "إن راما إله نزل على الأرض للحرب مع راون". Indian Inheritation
هذه هي حقيقة رامائن الذي جعل راما بمثابة الإله وسيأتي النقد على هذه العقيدة في باب (أوتار) إن شاء الله.
عقيدة أوتار
معنى كلمة أوتار في اللغة السنسكرتية (النزول) واصطلاحا عند الهندوس: نزول الرب إلى الأرض بصورة الإنسان لإصلاح الناس كما ورد في كيتا.
"إذا تزلزل الحق أمام الباطل وغلب الفساق على الصالحين نزل بهكوان (الإله) لإحقاق الحق وحفظ الصالحين".
والأوتار له أربعة مقاصد:
1-
تغليب النساك والزهاد على الفجار.
2-
فلاح الدنيا وإهلاك الدجالين.
3-
رفع ثقل الأرض.
4-
إظهار الأسوة الحسنة (شرى بهكوت كيتا) .
وأوتار له أربعة أقسام:
الأول: بورن أوتار، يعنون به النزول الكامل، ومن شرطه أن تكون قوة المرسل غير متناهية تساوي قوة برهما مثل أوتار (راما) و (كرشنا) .
الثاني: أنسن أوتار الذي يرسل لغرض خاص وهو دون الأول مثل أوتار (نرسنك) .
الثالث: (كلا أوتار) الذي يكون أدنى من أنسن مثل أوتار (منو كشيب) .
الرابع: (أوهياكارى أوتار) الذي يعطي في فترة من حياته قوة كقوة برهما ثم تزول عنه كما كان شأن أوتار ويدوياس الذي منح قوة كقوة برهما في حين تأليفه (ويدا) ثم سلبت منه.
هذه هي العقيدة المعروفة لدى الهندوس يعتقدها كبيرهم وصغيرهم، ولكن لما رجعنا إلى كتابهم المقدس (ويدا) رأينا أنه لا يصدق بما ذهب إليه جمهور الهندوس بل إنه يدعى إرسال الرسل من بني آدم كما في عقيدة الإسلام، فقد جاء في الباب الثاني عشر اشلوك رقم 1 من رك ويد ما نصه:
(أكنن دوتن ورى ماهى) Agni Dutan Viri Mahi
يعني (نحن نتنخب أكنى رسولا) أكنى اسم الرسول.
(دوتن) : رسول.
(ورى ماهى) ننتخب صيغة المتكلم والجمع للتعظيم The Massanger [8]
فقد فصلت لكم أيها القراء هذا التفصيل لأن علماء الهندوس يتخبطون في تفسير هذا الأشلوك (الآية) فيفسرونه حسب شهواتهم إرضاء لعوام الهندوس ومعاندة لعقيدة الإسلام فيقولون: "دوتن بمعنى الإله وأكنى بمعنى إله النار"مع أن ويدا نفسه يرد عليهم فقد جاء فيه:
(منو شياسو أكنمن) يعني إنما أكنى بشر ولكن ذهب الله بأبصارهم ففسروا هذا الأشلوك على غير معناه لأن الشيطان استحوذ عليهم فأضلهم عن الصراط المستقيم، ولأن خاتم الرسل وأفضل الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لم يبعث من بني جلدتهم فكفروا به ظلما وعدوانا، مع أن أوصافه عليه الصلاة والسلام مذكورة في كتابه المقدس (ميران) فقد جاء فيه:
"أن رجلا جاء في المنام إلى الملك (بهرج) ملك السند فقال: "أيها الملك إن دينك آريا وهرم صحيح في مكانه ولكن عليك أن تلحق بدين رجل ظهر في الصحراء" (يعني أرض العرب) وهو مختون (خلاف للهندوس) ليس له جوتى (إرخاء الشعر وربطه على الرأس مثل العقاص كما يفعل نساك الهندوس) وعنده لحية طويلة له كلام يسمع (انتشار الإسلام) اصطفاه برهما (للرسالة) يأكل الطيبات من اللحوم (خلافا لنساك الهندوس والجليتية) تظهر على يديه معجزات كثيرة (مثل انشقاق القمر) [9] وهو محفوظ من أعدائه "إشارة إلى مؤامرات قريش"اسمه (محامد)(يعني جامع الفضائل) إشارة إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه الشهادة موجودة في كتابهم المقدس ولكن لما جاء إليهم رسول من الله يتلو عليهم آياته ويزكيهم كفروا به. فأين إيمانهم بدينهم آريا وهرم، والله لو كانوا مؤمنين صادقين بدينهم لكانوا مؤمنين بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
(منابع الشرك)
قدمنا هذه الاقتباسات من الكتب المقدسة التي تدعى ألوهية أوتار ثم رددنا عليها باقتباس من كتابهم المقدس الأصلي (ويدا) وهنا يسأل السائل ما سبب الاختلاف وجعل الرسالة آلهة؟ فيجاب: إن الديانة الهندوسية قد تخلت عن العقائد الصالحة كما تقدم البحث، لأجل هذا صار الهندوس أحرارا في أعمالهم ومعتقداتهم، لأن ميزان العدل والحق قد ارتفع عنهم فهم ما زالوا مختلفين في المسائل الدينية بدون مرجع يرجعون إليه، ولما ظهرت على أيدي الأنبياء والصالحين المعجزات وخوارق العادات ظنوا أنهم ليسوا بشرا بل هم آلهة نزلوا من السماء فصاروا يعظمونهم ويعبدونهم من دون الله!
وكذلك وجود الخالق عندهم فهو ذات مبهمة لا تتصف بصفة من الصفات، وهو موجود في مكان وزمان يعجز الإدراك البشري عن تصوره فاحتاج الإنسان إلى معبود ظاهر وإله محسوس يستغيث به عند النازلة ويدعوه في الأوقات الحرجة، فجعلوا يبحثون عن الذوات النافعة مثل الأنهار التي تسقي الزرع والأشجار التي تعطي الثمرة، والنار التي ينتفع بها في طبخ الطعام، والبقرة التي تدر اللبن. وهكذا فهذه المظاهر كلها بمثابة الإله المعبود مما لا يقره كتابهم المقدس ويدا، وهذا أقبح الشرك الذي ينفر منه كل لبيب من الهندوس ولكن تغلغل في عقولهم فلم يستطيعوا خلاصا منه.
إلى هذا أشار العالم الهندوكي (دنكر) في كتابه (العناصر الأربعة للحضارة الهندية) .
كان من عقيدة ويد وهرم أن قدرة الخالق منقسمة إلى أشخاص متعددة (ديوتا) فكان الإنسان يتوجه في دعائه إلى هؤلاء الأشخاص لقضاء الحاجة التي يملكها هذا الشخص. فمثلا كانوا يتوجهون في استنزال المطر إلى (اندرا) وفي إشعال النار إلى أكنى، وفي طلب الأولاد إلى (كامديو) وهكذا.
هذه هي فلسفة تعدد الآلهة عند الهندوس فنحمد الله الذي أخرجنا من هذه الظلمات بعضها فوق بعض، ومهد لنا الطريق إلى التوحيد الذي وصفه بقوله:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} وصدق الله العظيم.
--------------------------------------------------------------------------------
-[1] سيأتي بيانه في باب عقيدة الأوتار.
-[2] اسم رجل معروف بالشجاعة والبطولة.
-[3] وهو الذي ابتدع دينا جديدا مخلوطا بمبادئ الإسلام والعقيدة الهندوسية سماه "الدين الإلهي"فأدخل في عقيدة الإسلام من الخرافات الهندوسية ما لا يرضى بها الإسلام والمسلمون فقام أمام دعوته بعض العلماء الكبار منهم الداعية الكبير أحمد السرهندي الملقب (مجدد الألف الثاني) .
-[4] إله عندالهندوس له علم بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها.
[5]
- أخو الملك راون الظالم الذي انتصر عليه راما انتصارا عظيما سيأتي بعض تفصيله في باب الشخصيات الكبرى إن شاء الله.
-[6] عددهم في الهند مائة وعشرون مليونا يعني ضعف المسلمين، هذه الطبقة المظلومة فيها تجاذب شديد بين الإسلام والمسيحية والبوذية فكل فرقة تدعوها إلى دينها ولكن أكثر ميلانها إلى الديانة البوذية لسبب خاص أريد ان أذكره لأن فيه عبرة للمسلمين.
قبل ثلاثين سنة ترأس عليهم الدكتور (أمباوكر) - أحد واضعي قانون الجمهورية الهندية - فتوجه إلى دراسة الديانات ليخرج الطبقة الراعية من ظلم الهندوس وعدوانهم فبعد بحث وتحقيق تأثر بالإسلام أكثر من غيره وأعلن في الصحف الهندية أنه لا يوجد دين أفضل من الإسلام على وجه الأرض، ولكن المسلمين فرقوا هذا الدين إلى فرق كثيرة يكفر بعضهم بعضا فلا فائدة لنا بالدخول في الإسلام لأننا نبقى كما كنا كافرين، فأمر أصحابه أن يدخلوا في الديانة البوذية جريدة (زيندار) سنة 1936.
أوردنا هذا النص ليتفكر ويتدبر كل من له أدنى معرفة بأحوال المسلمين ليرى كيف أن بعض المسلمين يصدون عن سبيل الله ويمنعون الناس عن الدخول في الإسلام.
فندعوا أصحاب الفكر والرأي إلى أن يعتبروا هذه النقطة الحساسة ويغيروا سلوكهم ومناهجهم ويفتحوا صدورهم لكل من توجه إليهم بكل مودة ورحمة ويعللوا التنافر فيما بينهم من المسائل الخلافية الفرعية التي لا توافق عقيدة الإسلام وما يدريكم لعل الله يريد بالمسلمين خيرا.
-[7] بمعنى GDOS
-[8] أي: International - Sancrit - Dictionary
-[9] قد ثبتت هذه المعجزة في الهند حين وقوعها فإن (السامري) ملك مليبار رأى شق القمر بنفسه وأمر بتسجيل هذه الحادثة في سجله الرسمي فسافر من الهند وقابل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ومات في الطريق عند رجوعه إلى الهند (تاريخ فرشته) .
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (5)
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
المدرس الجامعة
سورة الأنعام
· قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ..} الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن الله مولى الكافرين ونظيرها قوله تعالى:{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} . وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} . والجواب عن هذا أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء، ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين أي ولاية المحبة والتوفيق والنصر، والعلم عند الله تعالى. وأما على قول من قال: إن الضمير في قوله: {رُدُّوا} ، وقوله:{مَوْلاهُمُ} عائد على الملائكة فلا إشكال في الآية أصلاً، ولكن الأول أظهر.
· قوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ، هذه الآية الكريمة يفهم منها أنه لا إثم على من جالس الخائضين في آيات الله بالاستهزاء والتكذيب. وقد جاءت آية تدل على أن من جالسهم كان مثلهم في الإثم وهي قوله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} إلى قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} .
اعلم أولا أن في معنى قوله: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} وجهين للعلماء:
الأول: أن المعنى: وما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شيء، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في الآية أصلا.
الوجه الثاني: أن معنى الآية وما على الذين يتقون ما يقع من الكفار في الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من شيء، وعلى هذا القول فهذا الترخيص في مجالسة الكفار للمتقين من المؤمنين كان في أول الإسلام للضرورة ثم نسخ بقوله تعالى:{إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} ، وممن قال بالنسخ فيه مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير. فظهر أن لا إشكال على كلا القولين. ومعنى قوله تعالى:{وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} على الوجه الأول أنهم إذا اجتنبوا مجالستهم سلموا من الإثم ولكن الأمر باتقاء مجالستهم عند الخوض في الآيات لا يسقط وجوب تذكيرهم ووعظهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لعلهم يتقون الله بسبب ذلك، وعلى الوجه الثاني فالمعنى أن الترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير لعلهم يتقون الخوض في آيات الله بالباطل إذا وقعت منكم الذكرى لهم وأما جعل الضمير للمتقين فلا يخفى بعده والعلم عند الله تعالى.
· قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} ، يتوهم منه الجاهل أن إنذاره صلى الله عليه وسلم مخصوص بأم القرى وما يقرب منها دون الأقطار النائية عنها لقوله تعالى:{وَمَنْ حَوْلَهَا} ، ونظيره قوله تعالى في سورة الشورى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ} . وقد جاءت آيات أخر تصرّح بعموم إنذاره صلى الله عليه وسلم لجميع الناس كقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} ، وقوله تعالى:{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ، وقوله:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} ، وقوله:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاس} ، والجواب من وجهين:
الأول: أن المراد بقوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} شامل لجميع الأرض كما رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس.
الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن قوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة - حرسها الله - كجزيرة العرب مثلا فإن الآيات الأخر نصت على العموم كقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه عند عامة العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو ثور، وقد قدمنا ذلك واضحا بأدلته في سورة المائدة، فالآية على هذا القول كقوله:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} ، فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم كما هو واضح والعلم عند الله تعالى.
· قوله تعالى: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} ، وقوله أيضاً:{وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} ، أثبت في هاتين الآيتين التشابه للزيتون والرمان ونفاه عنهما.
والجواب: ما قاله قتادة رحمه الله من أن المعنى متشابها ورقها، مختلفا طعمها، والله تعالى أعلم.
· قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ، هذه الآية الكريمة توهم أن الله تعالى لا يرى بالأبصار، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يرى بالأبصار، كقوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وكقوله:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله:{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} على أحد القولين، وكقوله تعالى في الكفار:{كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ، يفهم من دليل خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن المعنى: لا تدركه الأبصار أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة.
الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة، وهذا قريب في المعنى من الأول.
الثالث: وهو الحق: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه، أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.
وحاصل هذا الجواب أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية لأن الإدراك المراد به الإحاطة، والعرب تقول:"رأيت الشيء وما أدركته"، فمعنى لا تدركه الأبصار: لا تحيط به كما أنه تعالى يعلمه الخلق ولا يحيطون به علما، وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية مع أن الله تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق، والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا:"حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقا. والحاصل أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة؛ لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلا، وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الآخرة ممتنعة في الدنيا، ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا:"إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة والعلم عند الله تعالى.
· قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ، لا يعارض آيات السيف لأنها ناسخة له.
· قوله تعالى: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ} ، هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا ونظيرها قوله تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك} ، وقوله تعالى:{لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} ، وقد جاءت آيات تدل على أنّ عذابهم لا انقطاع له كقوله:{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} .
والجواب عن هذا من أوجه:
أحدها: أن قوله تعالى: {إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ} معناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن بعض أهل النار يخرجون منها وهم أهل الكبائر من الموحدين، ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة والضحاك وأبي سنان وخالد بن معدان واختاره ابن جرير وغاية ما في هذا القول إطلاق ما ورد ونظيره في القرآن {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} .
الثاني: أن المدة التي استثناها الله هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في مصيرهم قاله ابن جرير أيضا.
الوجه الثالث: أن قوله {إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ} فيه إجمال وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون فيها أبداً، وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له، والظهور من المرجحات، فالظاهر مقدم على المجمل كما تقرر في الأصول.
ومنها: أنّ "إِلاّ" في سورة هود بمعنى: "سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض". وقال بعض العلماء: إن الاستثناء على ظاهره وأنه يأتي على النار زمان ليس فيها أحد، وقال ابن مسعود:"ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون أحقابا"، وعن ابن عباس:"أنها تأكلهم بأمر الله". قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن هذه النار التي لا يبقى فيها أحد يتعين حملها على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين كما جزم به البغوي في تفسيره؛ لأنه يحصل به الجمع بين الأدلة، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وقد أطبق العلماء على وجوب الجمع إذا أمكن، أما ما يقول كثير من العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أن النار تفنى وينقطع العذاب عن أهلها، فالآيات القرآنية تقتضي عدم صحته، وإيضاحه أن المقام لا يخلو من إحدى خمس حالات بالتقسيم الصحيح وغيرها راجع إليها:
الأولى: أن يقال بفناء النار وأن استراحتهم من العذاب بسبب فنائها.
الثانية: أن يقال إنهم ماتوا وهي باقية.
الثالثة: أن يقال إنهم أخرجوا منها وهي باقية.
الرابعة: أن يقال: إنهم باقون فيها إلا أن العذاب يخف عليهم. وذهاب العذاب رأسا واستحالته لذة لم نذكرهما من الأقسام لأنا نقيم البرهان على نفي تخفيف العذاب، ونفي تخفيفه يلزمه نفي ذهابه واستحالته لذة، فاكتفينا به لدلالة نفيه على نفيهما، وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه.
أما فناؤها فقد نص تعالى على عدمه بقوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} ، وقد قال تعالى:{إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك} في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} ، وبقوله:{إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} ، وقوله:{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ} ، وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} ، فمن يقول إن للنار خبوة ليس بعدها زيادة سعير رد عليه بهذه الآية الكريمة. ومعلوم أن (كُلَّمَا) تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها، ونظيرها قوله تعالى:{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} الآية. وأما موتهم فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} ، وقوله:{وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} ، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح، وإذا ذبح الموت حصل اليقين بأنه لا موت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ويقال:"يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". وأما إخراجهم منها فنص تعالى على عدمه بقوله: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} ، وبقوله:{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} .
وأما تخفيف العذاب عنهم فنص تعالى على عدمه بقوله: {وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} ، وقوله:{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَاباً} ، وقوله:{لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} ، وقوله:{إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} ، وقوله:{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} ، وقوله تعالى:{فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ} ، وقوله:{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} . ولا يخفى أن قوله: {لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} وقوله: {لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} كلاهما فعل في سياق النفي فحرف النفي ينفي المصدر الكامن في الفعل فهو في معنى لا تخفيف للعذاب عنهم ولا تفتير له، والقول بفنائها يلزمه تخفيف العذاب وتفتيره المنفيان في هذه الآيات، بل يلزمه ذهابهما رأسا، كما أنه يلزمه نفي ملازمة العذاب المنصوص عليها بقوله:{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} وقوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} وإقامته النصوص عليها بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} .
فظاهر هذه الآيات عدم فناء النار المصرح به في قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} وما احتج به بعض العلماء من أنه لو فرض أن الله أخبر بعدم فنائها أن ذلك لا يمنع فناءها لأنه وعيد وإخلاف الوعيد من الحسن لا من القبيح، وأن الله تعالى ذكر أنه لا يخلف وعده ولم يذكر أنه لا يخلف وعيده وأن الشاعر قال:
وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فالظاهر عدم صحته لأمرين:
الأول: أنه يلزم جواز ألاّ يدخل النار كافر لأن الخبر بذلك وعيد وإخلافه على هذا القول لا بأس به.
الثاني: أنه تعالى صرح بحق وعيده على من كذب رسله حيث قال: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد} ِ ، وقد تقرر في مسلك النص من مسالك العلة أن الفاء من حروف التعليل كقولهم "سها فسجد"أي سجد لعلة سهوه، و"سرق فقطعت يده"أي لعلة سرقته فقوله:{كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد} أي وجب وقوع الوعيد عليهم لعلة تكذيب الرسل ونظيرها قوله تعالى: {إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} .
ومن الأدلة الصريحة في ذلك تصريحه تعالى بأن قوله لا يبدل فيما أوعد به أهل النار حيث قال: {لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ} ، ويستأنس لذلك بظاهر قوله تعالى:{وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقّ} ، وقوله:{إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} فالظاهر أن الوعيد الذي يجوز إخلافه وعيد عصاة المؤمنين لأن الله بيّن ذلك بقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع هذه الأقسام تعيّن القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبداً بلا انقطاع ولا تخفيف بالتقسيم والسبر الصحيح، ولا غرابة في ذلك لأن خبثهم الطبيعي دائم لا يزول فكان جزاؤهم دائما لا يزول، والدليل على أن خبثهم لا يزول قوله تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} الآية، فقوله:{خَيْراً} نكرة في سياق الشرط فهي تعم، فلو كان فيهم خير ما في وقت ما لعلمه الله، وقوله تعالى:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} ، وعودهم بعد معاينة العذاب لا يستغرب بعده عودهم بعد مباشرة العذاب لأن رؤية العذاب عيانا كالوقوع فيه لا سيما وقد قال تعالى:{فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} ، وقال:{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} الآية. وعذاب الكفار للإهانة والانتقام لا للتطهير والتمحيص كما أشار له تعالى بقوله: {وَلا يُزَكِّيهِمْ} ، وبقوله:{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} . والعلم عند الله تعالى.
· قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} الآية، هذا الكلام الذي قالوه بالنظر إلى ذاته كلام صدق لا شك فيه؛ لأن الله لو شاء لم يشركوا به شيئا ولم يحرموا شيئا مما لم يحرمه كالبحائر والسوائب وقد قال تعالى:{وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا} ، وقال:{وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} ، وقال:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} ، وإذا كان هذا الكلام الذي قاله الكفار حقا فما وجه تكذيبه تعالى لهم بقوله:{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ} ، ونظير هذا الإشكال بعينه في سورة الزخرف في قوله تعالى:{وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ} .
والجواب أن هذا الكلام الذي قاله الكفار كلام حق أريد به باطل فتكذيب الله لهم واقع على باطلهم الذي قصدوه بهذا الكلام الحق، وإيضاحه: أن مرادهم أنهم لما كان كفرهم وعصيانهم بمشيئة الله وأنه لو شاء لمنعهم من ذلك فعدم منعه لهم دليل على رضاه بفعلهم فكذبهم الله في ذلك مبيّنا أنه لا يرضى بكفرهم كما نص عليه بقوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} ، فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية يلزمها الرضى وهو زعم باطل بل الله يريد بإرادته الكونية ما لا يرضاه بدليل قوله:{خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} مع قوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} والذي يلازم الرضى حقا إنما هو الإرادة الشرعية والعلم عند الله تعالى.
· قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآية.
هذه الآية تدل على أن هذا الذي يتلوه عليهم حرّمه ربهم عليهم فيوهم أنّ معنى قوله: {أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أن الإحسان بالوالدين وعدم الشرك حرام والواقع خلاف ذلك كما هو ضروري وفي هذه الآية الكريمة كلام كثير للعلماء وبحوث ومناقشات كثيرة لا تتسع هذه العجالة لاستيعابها منها: أنها صلة كما يأتي، ومنها: أنها بمعنى أبينه لكم لئلا تشركوا ومن أطاع الشيطان مستحلا فهو مشرك بدليل قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ، ومنها - أن الكلام تمّ عند قوله:{حَرَّمَ رَبُّكُمْ} وأنّ قوله: {عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا} : اسم فعل يتعلق بما بعده على أنه معموله. منها غير ذلك. وأقرب تلك الوجوه عندنا هو ما دل عليه القرآن لأن خير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك هو أن قوله تعالى:{أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} مضمن معنى ما وصاكم ربكم تركا وفعلا، وإنما قلنا إن القرآن دل على هذا لأن الله رفع هذا الإشكال وبين مراده بقوله:{ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فيكون المعنى: وصاكم ألا تشركوا ونظيره من كلام العرب قول الراجز:
حج وأوصى بسليمى إلا عبدا
أن لا ترى ولا تكلم أحدا
ومن أقرب الوجوه بعد هذا وجهان:
الأول: أن المعنى: يبينه لكم لئلا تشركوا.
الثاني: إن (أن) من قوله: {أَلاّ تُشْرِكُوا} مفسرة للتحريم والقدح فيه بأن قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} معطوف عليه وعطفه عليه ينافي التفسير مدفوع بعدم تعيين العطف لاحتمال حذف حرف الجر فيكون المعنى: ولأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه كما ذهب إليه بعضهم ولكن القول الأول هو الصحيح إن شاء الله تعالى وعليه فلا إشكال في الآية أصلا.
سورة الأعراف
· قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن الله يسأل جميع الناس يوم القيامة ونظيرها قوله تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقوله:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} ، وقوله:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} ، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله:{فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} ، وكقوله:{وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} .
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: وهو أوجهها لدلالة القرآن عليه وهو أن السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع، وأداته غالبا (لم) ، وسؤال استخبار واستعلام وأداته غالبا (هل) فالمثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع، والمنفي هو سؤال: الاستخبار والاستعلام، وجه دلالة القرآن على هذا أن سؤاله لهم المنصوص في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ، مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ} ، وكقوله:{أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ} ، وكقوله:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} ، وكقوله:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} ، إلى غير ذلك من الآيات، وسؤال الله للرسل ماذا أجبتم لتوبيخ الذين كذبوهم كسؤال الموؤودة بأي ذنب قتلت لتوبيخ قاتلها.
الوجه الثاني: أن في القيامة مواقف متعددة ففي بعضها يسألون وفي بعضها لا يسألون.
الوجه الثالث: هو ما ذكره الحليمي من أن إثبات السؤال محمول على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، وعدم السؤال محمول على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه، ويدل لهذا قوله تعالى فيقول:{مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} والعلم عند الله تعالى.
· قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} الآية.
في هذه الآية إشكال بين قوله: {مَنَعَكَ} مع (لا) النافية؛ لأن المناسب في الظاهر لقوله: {مَنَعَكَ} بحسب ما يسبق إلى ذهن السامع لا ما في نفس الأمر هو حذف (لا) فيقول: "ما منعك أن تسجد"دون "ألا تسجد"وأجيب عن هذا بأجوبة؛ من أقربها هو ما اختاره ابن جرير في تفسيره وهو أن في الكلام حذفا دل المقام عليه وعليه فالمعنى: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد إذ أمرتك وهذا الذي اختاره ابن جرير قال ابن كثير: "إنه حسن قوي".
ومن أجوبتهم أن (لا) صلة ويدل له قوله تعالى في سورة (ص) : {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} الآية، وقد وعدنا فيما مضى أنا إن شاء الله نبيّن القول بزيادة (لا) مع شواهده العربية في الجمع بين قوله:{لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} وبين قوله: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} .
· قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} هذه الآية الكريمة يتوهم خلاف ما دلت عليه من ظاهر آية أخرى وهي قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} الآية، الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: وهو أظهرها أن معنى قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي بطاعة الله وتصديق الرسل ففسقوا أي بتكذيب الرسل ومعصية الله تعالى فلا إشكال في الآية أصلا.
الوجه الثاني: أن الأمر في قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أمر كوني قدري لا أمر شرعي، أي قدرنا عليهم الفسق بمشيئتنا، والأمر الكوني القدري كقوله:{كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} ، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، والأمر في قوله:{قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} أمر شرعي ديني فظهر أن الأمر المنفي غير الأمر المثبت.
الوجه الثالث: أن معنى {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} : أي كثرناهم حتى بطروا النعمة ففسقوا، ويدل لهذا المعنى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد مرفوعا من حديث سويد بن هبيرة رضي الله عنه:"خير مال امرئ مهرة مأمورة أو سكة مأبورة"فقوله مأمورة أي كثيرة النسل وهي محل الشاهد.
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} الآية، وأمثالها من الآيات كقوله:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} ، وقوله:{وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} ، وقوله:{وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ} الآية، لا يعارض قوله تعالى:{لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} ، ولا قوله:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} ، لأن معنى {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} ونحوه أي نتركهم في العذاب محرومين من كل خير والله تعالى أعلم.
· قوله تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} الآية، هذه الآية تدل على شبه العصا بالثعبان وهو لا يطلق إلا على الكبير من الحيات وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى:{فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} الآية، لأن الجان هو الحية الصغيرة، والجواب عن هذا أنه شبهها بالثعبان في عظم خلقتها وبالجان في اهتزازها وخفتها وسرعة حركتها فهي جامعة بين العظم وخفة الحركة على خلاف العادة.
في ظِلال سُورَةِ الأنْفَال (2)
بقلم الشيخ أبو بكر الجزائري
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
يقول الله تعالى:
بسم الله، والحمد لله وبعد، لقد ذكرنا عند دراستنا للآية السابقة: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأنْفَالِ
…
} الآية، إن المواضيع التي تعالجها هذه السورة القرآنية الكريمة إجمالا هي:
1-
العقيدة بتركيزها في النفوس المؤمنة وتعميقها.
2-
السلوك بتهذيبه، وإصلاحه حتى يتلاءم مع العقيدة الإسلامية، ويكون دليلا لها، وبرهانا عليها.
3-
الجهاد بذكر قوانينه، وطرف من آدابه، وعوامل النصر أو الهزيمة فيه.
4-
الغنائم، وحكم قسمتها، وطريقة توزيعها بين المجاهدين.
5-
المعاهدات الحربية والسلمية، وكيفية إبرامها ونقضها.
6-
حكم الأسرى، والهجرة والموالاة في الإسلام.
والآن وقد أشرنا إلى هذا ليتمكن القارئ الكريم من تفيء ظلال هذه السورة من أول مده إلى نهايته، نعود لندرس هذه الآيات الثلاث، ويحسن أن نشير أولا إلى المناسبة بين الآية السابقة، وبين هذه الآيات فنقول: لما كان الإيمان هو السلطان الذي يحكم تلك الجماعة المؤمنة، ويخضعها للقيادة النبوية، والمنهاج الإلهي، يوجهها إلى حيث كمالها وسعادتها، ولم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم وهو قائدها ما يعتمد عليه في أمرها ونهيها، وقيادتها وتوجيهها إلا إيمانها وإيمانها فقط، إذ هو الذي قامت عليه حقيقتها، وانبنى عليه كيانها فصارت به أمة مستعدة للفوز متهيئة للكمال، فبموجبه تؤمر، وبموجبه تنهى، وعلى أساسه تدعى إلى الخير فتقبل مسرعة، وتزجى عن الشر فتنفر منه خائفة مذعورة، ألم تر أنها يوم اختلفت في الأنفال، وكاد الخلاف يفضي بها إلى القتال والانحلال لم يكن لها ما تقاد به إلى وحدة الصف، وجنة الوئام إلا الإيمان فبه أمرت فانقادت، وبه دعيت فأجابت:{فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
ولما كان الإيمان بهذه المثابة ناسب أن يبين لها مزيدا من آثار الإيمان في نفوس المؤمنين، وسلوكهم وأحوالهم، وليكون ذلك بمنزلة وضع مرقاة جديدة لهم ليرتقوا بها إلى منازل الإيمان الكبرى، ويبلغوا الغاية من الكمال البشري في هذه الدار، ويصبحوا بذلك أهلا لجوار الله تعالى وكرامته. فقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..} في ثلاث آيات بينات اشتملت على خمس صفات رسمت بها الصورة الكاملة للمؤمن الحق الذي يستحق الإنعام والتكريم.
وأولى هذه الصفات هي وجل القلب عند ذكر الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ، والوجل: رقة القلب، واضطراب النفس للوارد القوي الذي تضعف معه، ويكون بالشوق والحب، كما يكون بالخوف والرهبة، ويعقبه عادة طمأنينة القلب كالأثر لازم له، يشهد لهذا مثل قوله تعالى:{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ..} ، وقوله تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} . ومن مظاهر الوجل القوية أن تفيض روح العبد عند ذكر الله تعالى بأسمائه أو صفاته، أو وعيده رهبة وخوفا أو حبا وشوقا، الذين فارقوا هذه الحياة بهذا الوارد القوي خلق قد لا يحصون كثرة. ودون هذا المظهر قشعريرة الجلد، وذرف الدمع، وهدوء النفس وسكون القلب، وأدنى مظاهر وجل القلب عند ذكر الرب: أن يقال للعبد: اتق الله في واجب تركه أو مكروه ارتكبه، فيقع في الحال فيأتي الواجب الذي تركه، أو يترك الحرام الذي ارتكبه. وليس وراء هذا مطمع في وجود الإيمان.
وثاني هذه الصفات زيادة الإيمان بسماع الآيات: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وتلاوة الآيات قراءتها من خطيب على منبر، أو واعظ، أو مرشد، من قارئ يتهجد بليل، أو متعلم يرتل بالنهار، فذو الإيمان الحق لمجرد سماعه آيات الله تتلى ترتفع درجة إيمانه إلى مستوى أدناه أن يخف معه لقضاء الواجب، وترك المكروه، وأعلاه أن يصبح الغيب عنده شهادة، والمعقول كالمحسوس، ويوضح هذا المعنى الذي في زيادة الإيمان رؤية المرء شخصا عند طلوع الفجر، ثم رؤيته مرة أخرى عند الإسفار، ثم ثالثة عند طلوع الشمس وارتفاع النهار، أليست الرؤى الثلاث قد اختلفت اختلافا كبيرا، فالأولى لم تعد أكثر من رؤية شبح أو شخص غير معروف، والثانية كانت رؤية شخض عرف بها معرفة إجمالية، أما الثالثة فإنها رؤية عرف معها الشخص بكامل سماته وخصائصه وفوارقه؟؟
فإذا كانت الرؤية واحدة واختلفت آثارها باختلاف قوة الضوء وضعفه، فكذلك الإيمان يقوى ويضعف ويزيد وينقص، والدليل على ذلك آثاره في قوة اليقين وصلاح الحال، والاستقامة في السلوك. فالمؤمن الحق هو الذي يزيد إيمانه لسماع كلام ربه جل جلاله ومن لم يجد أثر الزيادة في إيمانه عند سماع كلام ربه فليشك في وجود إيمانه وليفتش عنه ليتعرف أي العواصف المادية ذهبت به.
إن الإيمان أيها الإخوة القارئون بمثابة محرك السيارة الآلية، فإنه متى كان صالحا حرك السيارة ودفع بها إلى الأمام، وبقدر ما يصب عليه الوقود تزداد حركته وسرعته، وبقدر ما ينقص الوقود تنقص قوته وسرعته وكذلكم الإيمان سواء بسواء. فالإيمان الذي لا يقوى على دفع المؤمن إلى أعلى المراتب كالجهاد بالنفس والمال، أو أدناها كترك الشر والبعد عن الإثم ليس بإيمان، والمؤمن الذي يدعى إلى خير فتتلى عليه الآيات الداعية إليه والحاضة عليه فلا يتحرك ولا يجيب يستحي العاقل أن يقول فيه: مؤمن، أو يصفه بالإيمان، إذ للإيمان حقيقته ككل الأشياء، فإذا لم توجد تلك الحقيقة فمن المكابرة أو المغالطة أن يسمى هذا إيمانا وصاحبه مؤمنا.
وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرّ ذات مرة يوم بحارثة الأنصاري فقال له - بعد السلام -: "كيف أصبحت يا حارثة؟ "قال: "أصبحت مؤمنا حقا"، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال حارثة: "عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمات نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني انظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصياحون)"، فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: "يا حارثة عرفت فالزم- ثلاث مرات -".
والشاهد من إيراد هذا الأثر إثبات هذه الحقيقة العلمية وهي أن لكل شيء حقيقة من طريق الاستدلال بالسنة النبوية.
وثالث هذه الصفات: التوكل على الله دون سواه {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فإيمان العبد بأن الله حي لا يموت، وأنه لا يخرج شيء عن سلطانه وقهره وتدبيره، وأن شيئا لا يكون إلا بإذنه ومشيئته، وأنه لا يملك عطاء ولا منعا سواه، ولا ضرا ولا نفعا غيره، وإيمان العبد بهذا يحتم عليه التوكل على الله دون سواه {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} ، وبعدم التوكل على الله تعالى يكون العبد عرضة لنفي الإيمان عنه، إذ من حقيقة الإيمان بالله تعالى وصفاته التوكل عليه دون غيره. هذا وما هو التوكل؟ التوكل: صفة تفويض إنجاح المساعي، وإثمار الأعمال وإنتاج المقدمات إلى الله تعالى، إذ هو الذي يملك ذلك على الحقيقة دون غيره من خلقه، وثمرة التوكل العاجلة الإقدام على العمل في حزم، وإتيان الأسباب في غير توان، ووضع المقدمات في غير حيرة ولا تردد، مع طمأنينة القلب، وهدوء البال، واستراحة الضمير، فلا قلق للمتوكل على الله، ولا مخاوف تنتابه في الحياة، يؤمر بالجهاد فيرمي بنفسه في معاركه ومعامعه في غير هيبة ولا وجل، يكفر بذره في التربة ولا يفكر في الحصاد، ويضع رجله في الفرز أو على درجة سلم الطائرة وهو مسافر بإذن الله ولا يفكر في الوصول غايته ومنتهاه، إذ ذاك ليس له، وإنما هو لله، والله قد أمر العبد وقد فعل، فلم إذن يفكر العبد في غير ما هو له، وإنما هو لله.
هذه بعض ثمرات التوكل: عمل، وأمل، وهدوء بال وطمأنينة خاطر. وأما غير المتوكلين فلا تسأل عن مدى المخاوف التي تنتابهم والقلق والحيرة والهم الذي يصيبهم في كل ساعة من ساعات حياتهم، وقد يقعد بأحدهم خوفه من عدم تحقيق الهدف أو الوصول إلى الغاية ما يقعد به عن العمل مرة واحدة، فتمشي عليه الحياة وتخلفه مواكبها ملوما محسورا.
ولعل القارئ قد لمح من هذه الكلمات أن التواكل غير التوكل، وأن ترك الأسباب معصية لله تعالى وفسق عن أمره، وتفص من النظام الذي وضعه للكون وربط به الحياة. كما أن الاعتماد على الأسباب وتجاهل الحقيقة فيها وأنها ليست هي الخالقة المنتجة، وإنما الخالق هو الله متى شاء أثمرت، ومتى لم يشأ لها ذلك لم تثمر، فجهل هذه الحقيقة شرك في ربوبية الله وهو أقبح الصفات وأسوأ أنواع الشرك والكفر والعياذ بالله.
ومن علامات كفر المؤمنين بالأسباب، الكافرين بالخالق بها والمسبب لها، أنهم يحرصون على إعدادها وإحضارها حرصا يعصون معه الله الذي سخرها لهم ووفقهم لإتيانها، فيترك أحدهم الصلاة، أو يترك حج بيت الله، أو يتعامل بالربا، أو يتعاطى الخنا، أو يمنع الحقوق الواجبة، أو يظلم غيره ويتعدى على سواه حرصا منه على أسباب النجاح وتوفيرها حتى يصل إلى غايته ويفور ببغيته.
والذي ألفت النظر إليه هنا هو خفاء معنى التوكل على الناس، حتى أصبح الكثير لا يفرق بين التوكل الذي هو أخص صفات المؤمن، وأقوى دعائم الإيمان، وبين التواكل الذي هو الجبن والمهانة والضعف.
وقد سرى هذا الجهل بالتوكل في المسلمين أزمنة طويلة حتى صار عدوهم الذي مكنوه من رقابهم في شتى ديارهم وأقطارهم يعيبهم بالتوكل، وينسب كل ضعف فيهم إلى عقيدتهم وحتى انخدع له الكثير فتفصوا من الإسلام، وخرجوا من الدين! وهذه إحدى نتائج جهل الأمة بأصول دينها، وحقائق شريعتها، وساءت الحال اليوم بين المسلمين أكثر، فبعض آمن بالأسباب وكفر بالله مسببها، فجرى وراءها يعدها ويحضرها غير مبال بالمأذون فيه المشروع منها، وغير المأذون ولا المشروع، فعبد الأسباب وأطاعها، وتمرد على الله وعصاه، وبعض كفر بالأسباب وتجاهلها وقعد عن إحضارها وإعدادها ومنى نفسه بأنه المتوكل على الله. وسدر في غيه وجهله حتى فاتته قافلة الحياة ولم يؤب بأكثر من ضياع الحياة، وسخط الله، إذ تجاهل أمر الله وعصاه.
معَ الصَحَافة
إنسان عالمنا الإسلامي الجديد
نقلا عن جريدة الرائد
إن هذا الجيل الناهض الذي تغافل وأهمل أولياؤه في بنائه بناءا حازما شريفا، قد نشأ على غير أخلاق أمته ووطنه، وقد غزي في عقر داره بالعقلية الأجنبية المارقة، حتى أصبح خاضعا خضوعا تاما ومتهافتا أمام العقائد الغربية المتطرفة، فهو الآن لا يملك من زمام نفسه وعقله شيئا، كما أنه لا يريد لنفسه، ولا للجيل الذي يأتي بعده طريقا موافقا لطريق أمته وقومه، بل إنما يريد أن يكون إنسانا غير الإنسان السابق، إنسانا لا يجتمع مع سلفه إلا في تراب الوطن وألفاظ اللغة فحسب، وأنها لمؤامرة ناجحة من الغرب لإفساد أمة كان لها تاريخ، وكان لها سبق في مجالات الحياة.
إن هذا الإنسان الجديد الذي نشأ وتربى على الصورة التي أرادها له الغرب، أصبح لا يرضى للدين أن يبقى في مكان عزيز في هذا الوطن ولا يرضى للإسلام أن يعيش محترما في هذه الأرض التي لم يعزها ولم يرفع مكانتها إلا الإسلام، لقدسيته ولعظمته ثم لا يكتفي هذا الجيل الجديد بالسخط على الإسلام، بل وكأنه يخفي في نفسه هذه أشد أنواع العداوة والحقد، فهو يريد أن يقوم معه ومع أفكاره بمعركة فاصلة في كل المجالات التي بقي الإسلام يقوم فيها بنشاطه، إن هذا الإنسان الجديد لا يتلكأ للوصول إلى هذا الغرض عن الاتيان بأخبث الأعمال وأسوأ أساليب الغزو والجدال، إنه لا يتلكأ في أن يملأ الأمة الإسلامية، والأمة العربية، وهي جزء منها إلا عذابا ونكبات ما وراءها من نكبات.
إن هذا الإنسان الجديد الذي بدأ ينشأ في العالم الإسلامي اليوم، ويقوم بأعماله التعسفية في الحياة الخاصة والعامة في أقطار عالمنا، قد أصبح أصل الداء ورأس الفساد في بيئتنا الحاضرة، وبه بدأت قيمنا تفسد ومقومات اجتماعيتنا تضيع، وجهتنا الفكرية والشعورية في الحياة بدأت تتغير تغيرا هائلا.
لقد كنا قبل اليوم نملك لأنفسنا شخصية متميزة في كل مجالات الحياة وكنا أمة قائدة معلمة، أمة بناءة، معطية غازية وسيدة، أمة أنارت العقول والقلوب، وقادت الجماعات البشرية الضالة والجاهلة إلى ما فيه خيرها وصلاحها في الدينا والآخرة.
وذلك لأننا كنا نملك في كل مجالات حياتنا مصابيح ساطعة الضياء تنير لنا ولغير نا طرق الهدى والتقدم، قد كنا سمحاء، رحاب الصدور أيضا، نقتبس من غيرنا ما كان ينقصنا من معارف الدنيا، نستفيدها من غير تضايق أو تحجر، ثم لا نحبسها ولا نبخل بها أيضا، يعرف ذلك عنا الشرق والغرب، فكم من معارف وعلوم نقلناها من القدماء وأدينا أمانتها إلى الأجيال القادمة بدقة وأمانة، من غير أن يؤثر اقتباسنا واستفادتنا هذه على مقومات حياتنا أو يرزأ مقدسات تراثنا أو يغير من طرازنا بل إنما كان موقفنا من كل ثروة إنسانية أو سماوية رفيعة أن نستفيد من أصل لبابها، وننقلها إلى غيرنا بأمانة وكرامة، دون أن نذوب تحت شمس أي حضارة أو ثقافة، نجدها في حظيرة الحضارات والثقافات، بخلاف ما أصبحنا اليوم وصرنا إليه من التهافت والذوبان أمام الحضارة التائهة الأوروبية، لقد تهافتنا أمام هذه الحضارة المغرورة الفاسقة كل التهافت، وجعلنا أنفسنا من أذنابها، ومن السائرين وراء ركبها متقنعين بما ترميه إلينا مصحوبا بشعور الاحتقار والمقت من فتات مائدتها، صابرين على أذى المن والإهانة منها.
إنها أسوأ حالة مرت على العالمين العربي والإسلامي جميعا، كان يجب علينا أن نتقزز من أهونها وأدناها تقززا، لو كان فينا قليل من الحياء والإيمان.
لقد صبرنا على الذلة والمهانة وعلى الهزائم والنكبات، ولم نجترئ على أن نترك التشبث بأذيال أوروبا، وأن نعود إلى ركبنا الإسلامي، الذي انتصرنا فيه، وبلغنا إلى المجد الخالد وسعدنا فيه بالتربع على مناصب القيادة الزعامة العالميتين، قد يقولون إن ذلك يعود إلى سوء حظنا، نعم، ولكنه يعود إلى سوء تدبيرنا وسوء حكمتنا أيضا، فقد أهملنا تربية أجيالنا وناشئتنا وتركناها هملا تتخبط في متاهات كل عقيدة باطلة، ونظرية متطرفة فاسدة، وترتع في كل حقل من الإباحية والتحلل والضلال، وتنشأ على أرذل الأخلاق، بعيدة عن إسلامها مستغنية عن دينها، مجردة عن خصائصها وسماتها، متحررة عن أخلاقية أسلافها وبلادها، زاهدة في الحياة العصامية والرجولية القوية التي عاش فيها أبطالنا منذ القديم.
بعد أن كان الموجهون والمشرفون على التربية والتعليم، وآباء الأجيال الناشئة في كل بلاد الإسلام قبل يومنا هذا، يعرفون مسئوليتهم تجاه تربية النشء والأجيال الناهضة، وكانوا يقومون بها خير قيام، فاستمرت الأمة الإسلامية بجهودهم وإخلاصهم محتفظة بقيمتها المعنوية والإنسانية العظيمة، ثم خلف من بعد ذلك خلف أضاعوا مسئوليتهم، وتناسوا واجبهم وتكاسلوا في عملهم، وتركوا هذا الجيل الجديد نهبة لكل نوع من الأفكار والنظريات والعقائد، تغزوه وتنتصر عليه، فكان ما كان من سوء العاقبة وفساد الحال مما يجأر بشكواه كل صغير وكبير في العالم الإسلامي.
نقلا عن جريدة الرائد التي يصدرها النادي العربي بندوة العلماء، لكهنو (الهند) في عددها 19 من السنة 11 وتاريخ 22 محرم 1390هـ أول أبريل 1970م.
منجل
عبد العزيز القارئ
أيها الناس أعِدّوا للردى
واستفيقوا فاللظى يستعرُ
قامت النارُ من الشرق فهلْ
تعلمون اليوم ما يُنتَظرُ
والضحايا الكُثْرُ في تلك الرُبا
والدمارُ الزاحف المنتشر
(منجلٌ) يهدم في عالمكمْ
لو ترون اليوم ما يَسْتتر
حملوا الناس على (مِطْرقةٍ)
فالورى من بأسها منقهر
بدماء البؤس خاضوا ثورةً
سوف تُفْنى الأرضَ لو تقتدر
شاع نارُ الذل في آفاقكم
من يريد الذلّ؟ من ينتحر؟
يا شعوبَ الأرض غُضّوا طَرْفكمْ
يا بني آدمَ لا تعتبروا
أطبقوا اليوم على أجفانكمْ
ليس في الأيام أمرٌ خَطَرُ
لا تثيروا ساكناً مُنْقبراً
في قفا الغفلة لن تنقبروا
والضحايا لَمْلِمُوا أكفانَهمْ
قَدّمُوا أشلاءكمْ يا بشر
أتخافون إذا الذئبُ عَوَى؟
إنه ذئبٌ جميل (أحمر) !
يا قطيعاً ضاع في أوهامه
سوف يُؤْويك صديقٌ أشِرُ
يادعاةَ الكفر إما نلتقي
في بحار الموت أو ننتصرُ
أوقدوا النارَ فأنتمْ أهلُها
واشحذوا السكين فيكم تُكْسَرُ
لو ملأْتمْ كلّ أرضٍ فجأةً
بالردَى فاللهُ منكمْ أكبر
قد ملأنا الأمس من أشلائهمْ
عندما هاجَ المغولَ الظفرُ
وكسرناه صليباً غازياً
حينما جارَ الصليبُ الأصفر
يا بني الملة فيكمْ حَرّها
في رباكم نارُها تنتشر
اتركوا الحلمَ على أعقابكمْ
ليس ُيجْدي في لظاها النظر
ليس (للمنجل) إلا بطشةٌ
فادفنوه قبل أن تندثروا
إن للبغي دواءً ناجعاً
عزمةٌ مؤمنةٌ لا تَغْفِرُ
نفح الطيب من مَدينَة الحبيب
بقلم الشيخ محمد المجذوب
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
لعل أفضل تعريف للسعادة أنها لحظات انخطاف تحلق بالنفس البشرية وراء حدود المكان والزمان، فتضع عنها آصار التراب، وتحررها من أغلال الحقد والأثرة، فلا ترى إلا الجمال، ولا تستشعر سوى الحب.
وإذا كان لهذا التعريف ظل من الحقيقة فأنا سعيد، ولكن سعادتي لا تتقيد بلمعات تبرق ثم تمحي، بل هي جلوات متصلة، بدأت منذ حطت بنا ماخرة الهواء في مطار المدينة المنورة، ثم لم تنقطع.. وليس ذلك بعجيب..إنها مدينة المصطفى التي حقق بها الله دعوة حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حين أوحى إليه أن يسأله (مدخل صدق) فكانت طيبة هي المدخل الذي سأل.
والدار والإيمان مدخل الصدق..إنما هي إشارات إلهية إلى معان لا يدرك مدلولها إلا القلب الذي تفتح في جو الوحي، فهو يطل من خلال حروف القرآن على عوالم لا سبيل إلى وصفها بقلم أو لسان.
وفي كل مكان كلام عن السلام، ولكنه كلام منطوق بلغة الحرب، وادعاء مكذوب تفضحه روائح الحقد، الذي يمزق وشائج الأرحام، ويحطم وحدة الإنسانية، حتى ليستحيل الإنسان في جحيمها خنجرا يفتك، أو ثعلبا يراوغ..ولكن في هذه الأرض التي باركها الله تسترد تلك الكلمات مضمونها السليب، فإذا هي واقع يعيشه المؤمن، وطهرا روحيا لا يتسلل إليه ضغن.. فكأنه شريد انتزع من مرابع أنسه، فراح يضرب في الأرض على غير هدى، فما إن احتواه عالم المدينة حتى وجد ضالته، فاستراح بعد عناء، وسعد بعد شقاء، وأدرك في عمق معنى الحديث النبوي الصحيح "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها"، ولا غرو.. فهو هنا يتفاعل مع حقائق هذا الخبر النبوي بكل وجوده، بعد أن كان منه على حدود الألفاظ، يؤمن بها دون أن يستطيع لمدلولها تحديدا..
في (طيبة الطيبة) يعيش المسلم الحق تاريخ الدعوة الإلهية في مرحلتها الثانية، مرحلة التنظيم والجهاد والبناء، يعشه حياة حارة خافقة، ترجمت فيها الكلمات المكتوبة إلى أشعة وظلال وأنسام وألحان، يحسها في كل خفقة هواء، وفي كل ذرة هباء
…
هذه الروضة المطهرة بين المنبر والقبر المنور، قد طالما احتوت شخص الحبيب، ساجدا ومعلما ومبلغا.. فما أسعد المؤمن حين يضع جبهته في البقعة المباركة التي طالما شهدت سجداته
…
ويتنفس في الجو نفسه الذي طالما مازح نفحاته، ويمس الأرض نفسها التي طالما سعدت بخطواته!
وأية غبطة يمكنها أن تضاهي تلك التي يستشعرها المؤمن هناك، وهو يرى إلى جانبه تلك الروضة الأخرى التي شرفها الله، بأن جعلها مسكن حبيبه في حياته ومثواه في مماته.!
ثم أليس هنا قد وقف صاحبه في الغار وصديقه المفضل يعالج صعقة المسلمين يوم الكارثة الكبرى، إذ سرى في القوم نبأ وفاته صلى الله عليه وسلم فزلزلت المدينة زلزالها، وذهلت العقول، وانهار الجلد، حتى أقبل عليهم يذكرهم بخبر السماء الذي صرفتهم عنه فجأة الهول!. أليس ها هنا قد سالت دماء الفاروق بيد القومية الحاقدة.. التي آثرت المجد الجنسي على الحق الرباني، فرفضت دعوة الله، ثم حاولت اطفاء شعلته، بالقضاء على الرجل الذي صنع الإسلام منه مثل العدالة الأعلى للعالمين
…
أليس من هنا.. من هذا الحرم الأطهر بدأت كتائب الإسلام زحفها لاسئصال النكسة الجاهلية، التي تخبط فيها أهل الردة، فأماطت عن أبصارهم العمى، وأعادتهم إلى جنة الإسلام نادمين منيبين، بعد أن تبينوا أن الإسلام دين الأبد، ونظام اليوم والغد، لا يموت بموت أحد!..
أوليس من قلب هذا الحرم بدأت الانطلاقة الأولى بمشعل الإسلام إلى خارج حدود الجزيرة، تبدد الظلام، وتوقظ النيام، وتنشر أنى توجهت بذور الأمن والسلام
…