المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 85-100 فهرس المحتويات 1- التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ونماذج منه: للدكتور/ - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٣٥

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌العدد 85-100 فهرس المحتويات 1- التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ونماذج منه: للدكتور/

‌العدد 85-100

فهرس المحتويات

1-

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ونماذج منه: للدكتور/ أحمد بن عبد الله الزهراني

2-

دراسة أهل الكتاب

3-

معاني الأمر بالمعروف في القران الكريم

4-

تفسير الكتاب العزيز وإعرابه: لأبي الحسين عبيد الله بن أبي جعفر بن أحمد بن أبي الربيع القرشي الأموي الأندلسي الإشبيلى؛ تحقيق ودراسة الجزء الأول الدكتور علي بيت سلطان الحكمي

5-

استدراكات على كتاب ((تاريخ التراث العربي)) في كتب التفسير والقراءات: للدكتور حكمت بشير ياسين

6-

جولة في كتابي (الأغاني) و (السيف اليماني) : بقلم الشيخ محمد المجذوب

7-

تنبيه واعتذار: هيئة التحرير

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 389

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ونماذج منه

للدكتور/ أحمد بن عبد الله الزهراني

أولا: معنى التفسير لغة:

يطلق التفسير في اللغة على الكشف والبيان والإيضاح والتفصيل ومن ذلك قوله تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} الفرقان 33.

كما يطلق ويراد به التأويل ومنه قوله تعالى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِه} يوسف 36. يقوله ابن كثير في معنى قوله تعالى: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} .

أي ولا يقولون قولا يعارضون به الحق، إلا جئناك بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم (1) .

قال ابن فارس: "فسر" الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه. من ذلك فسر، يقاله: فسرت الشيء وفسرته "اهـ.

وجاء في القاموس: الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير.

ثانيا: معنى التفسير في الاصطلاح:

تنوعت عبارة المفسرين وكثرت أقوالهم في بيان حدّه وتعريفه والذي ظهر لي منها "أن التفسير علم جليل يفهم به كتاب الله سبحانه المنزل على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم.

وهذا التعريف ذكره الزركشي (2) ويندرج تحته التعاريف المتعددة في حدّ التفسير.

ثالثا: معنى موضوعي:

هذه نسبة إلى موضوع: الذي هو المادة التِي يؤخذ أو يتركب أو يبنى منها جزئيات البحث ويضم بعضها إلى بعض ليصير موضوعا.

يقول الدكتور محمد أحمد القاسم: "وموضوعي"نسبة إلى موضوع وإضافة "تفسير"إلى "موضوعي"لما صارت علما على هذا الفن بعد أن ركبت معها وصارت كلمة واحدة كتركيب "معد يكرب "لما فتنوسيت تلك الإضافة ".

رابعا: تعريف التفسير الموضوعي:

(1) تفسير القرآن العظيم6/118 ط الشعب.

(2)

البرهان في علوم القرآن1/13.

ص: 390

هو إفراد الآيات القرآنية التي تعالج موضوعا واحدا وهدفا واحدا، بالدراسة والتفصيل، بعد ضم بعضها إلى بعض، مهما تنوعت ألفاظها، وتعددت مواطنها - دراسة متكاملة مع مراعاة المتقدم والمتأخر منها، والاستعانة بأسباب النزول، والسنة النبوية، وأقوال السلف الصالح المتعلقة بالموضوع.

فوائد التفسير الموضوعي:

1-

أنه تفسير للقرآن بالقرآن، فما أطلق في مكان منه قيد في مكان آخر وما ذكر موجزا في موطن منه ذكر مفصلا في آخر.

2-

الوقوف على عظمة القرآن الكريم من خلال مواضيعه المتنوعة والتعرف على تشريعاته النيرة والمتعددة.

3-

بيان ما تضمنه القرآن الكريم من أنواع الهداية الربانية من خلال تلك المواضيع المتنوعة.

4-

التخلق بأخلاق القرآن والانتفاع به من حيث زيادة الإيمان.

5-

التمكن من فهم القرآن الكريم فهما جيدا.

6-

الاطلاع على أساليب القرآن الكريم المتنوعة.

7-

جمع الآيات المتناثرة في القرآن ذات الموضوع والهدف الواحد في مكان واحد ثم دراستها دراسة متكاملة.

8-

الرد على أهل الأهواء والشُّبه قديما وحديثا لكون دراسة مثل هذا النوع من التفسير يجمع شتات الموضوع الواحد ويحيط بجميع أطرافه فيمكن دراسته والرد على الآخرين.

9-

إزالة ما يوهم التعارض بين آيات القرآن الكريم وتوجيه ذلك توجيها سليما (1) .

نشأة التفسير الموضوعي:

قد يخيل للقارئ أو الباحث أن هذا العلم أو الاصطلاح "التفسير الموضوعي"لا يعرف لدى علمائنا الأقدمين، وإنما الكتاب المعاصرون هم الذين اعتنوا به وقدموا فيه جهودا قيمة بل صرح بعض الكتاب المعاصرين بهذا الرأي فقال:"هذا النوع لم نجد من عنى به من الأقدمين وإنما جهود متأخرة في الرسائل العلمية تقدم طرفا منه مثل الجهاد في القرآن، المشركون في القرآن، الآيات الكونية في القرآن إلا أننا ما نزال في أمسّ الحاجة إلى المزيد من ذلك" اهـ.

(1) انطر البداية في التفسير الموضوعي ص68-70 د/ عبد الحي الفرماويَ.

ص: 391

وهذا القول مجانب للصواب، بعيد عن الحقيقة. وهو من فضول الكلام الذي ألقي على عواهنه بدون دراسة ولا بحث ولا رؤية.

وبعضهم يذهب إلى عدم تحديد بداية لهذا الاصطلاح "التفسير الموضوعي"لما عند الأقدمين، كما في عصرنا الحاضر حيث يقول:"إذ إِنه حتى لو وجد هذا اللون من التفسير لدى بعض المتقدمين فإنه لم يكن معروفا وشائعا بينهم بهذا الاسم فيما أعلم"اهـ.

والذي يجدر التنبيه عليه حول هذا الرأي. أن لا مشاحة في الاصطلاح فكون هذا الاصطلاح "التفسير الموضوعي" ما عرف إلا في العصر الحاضر لا ينفي عدم وجود هذا العلم لدى الأقدمين، ولأن قوله "إذ إِنه حتى لو وجد"الخ يثير التشكيك في عدم وجوده وهذا غير وارد بل هو موجود كما سأبين ذلك- إن شاء الله تعالى-.

إن هذا الفن من التفسير اعتنى به العلماء الأقدمون جمعا وترتيبا ودراسة واستنباطا وجالوا فيه وصالوا. وكان من فرسان ميدانه العلم العالم مقاتل بن سليمان الأزدي ت 150 هـ حيث ألف فيه كتابا قيما سماه "تفسير الخمسمائة آية في الأمر والنهي والحلال والحرام " جعل ترتيبه على طريقة الفقهاء- رحمهم الله في تأليفهم، بدأه بتفسير الإيمان، ثم ذكر أبواب الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ثم المظالم، ثم المواريث، ثم الربا، ثم الخمر، ثم النكاح، ثم الطلاق، ثم الزنا، ثم ذكر بعض الآداب والمعاملات في دخول البيوت، ثم ذكر أبواب الجهاد.

ومقاتل رحمه الله وإن لم يستقص ذكر الآيات ذات الموضوع الواحد في مكان واحد، فهو بحق من أوائل العلماء الذين كتبوا فيما نحن بصدده من التفسير الموضوعي (1) .

(1) وكتابه حقق رسالة ماجستير وقام بتحقيقه عبيد الله لعلى السلمي بالجامعة الإسلامية وانظر ص 60 منه.

ص: 392

والمتتبع لجهود علمائنا الأقدمين في هذا الفن التخصصي يجد لهم جهودا قيمة، وأيادي علمية مشرقة وقد تعددت المواضيع القرآنية التي ألفوا فيها فمنها ما وصل إلينا، ومنها الذي لازال حبيسا بين جدران المكتبات وظلامها الدامس ومنها الذي فقد ولم نعلم عنه إلا من خلاله الكتب العلمية أو الثبت العلمي لصاحبها، ومن تلك المواضيع.

كتاب الوجوه والنظائر في القرآن الكريم. للحافظ مقاتل بن سليمان رحمه الله.

وهذا العلم الجليل علاقته بالتفسير الموضوعي واضحة وقد اعتنى به علماؤنا الأقدمون والمتأخر ون وألفوا فيه كتبا قيمة.

يقول الحافظ ابن الجوزي:

"وقد نسب كتاب في الوجوه والنظائر إلى عكرمة، وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وممن ألف في الوجوه والنظائر الكلبي، ومقاتل بن سليمان، وأبو الفضل العباسي بن الفضل الأنصاري، وروى مطروح بن محمد بن شاكر عن عبد الله بن هارون الحجازي عن أبيه كتابا في الوجوه والنظائر، وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش، وأبو عبد الله الحسن بن محمد الدامغاني، وأبو علي بن البناء من أصحابنا، وشيخنا أبو الحسن علي بن عبيد الله ابن الزاغوني، ولا أعلم أحدا جمع الوجوه والنظائر سوى هؤلاء" انتهى.

زاد الزركشي: "وأبو الحسن بن فارس وسمى كتابه "الأفراد" وزاد السيوطي: "ومحمد بن عبد الصمد المصري، ثم قالا وقد أفردت في هذا الفن كتابا سميته "معترك الأقران في مشترك القرآن ".

قلت: وقد سبق السيوطي في التأليف ابن العماد بن الحنبلي المتوفى سنة 887 هـ وعنوان كتابه "كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر"مطبوع وقد بين أهل العلم معنى أو المقصد بالوجوه والنظائر.

ص: 393

فقال ابن الجوزي: "واعلم أن معنى الوجوه والنظائر أن تكون الكلمة الواحدة ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد، وحركة واحدة وأريد بكل مكان معنى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضوع الآخر. وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الآخر هو الوجوه.

فإذا النظائر اسم للألفاظ، والوجوه اسم للمعاني، فهذا الأصل في وضع كتب الوجوه والنظائر.

والذي أراده العلماء بوضع كتب الوجوه والنظائر أن يعرفوا السامع لهذه النظائر أن معانيها تختلف، وأنه ليس المراد بهذه اللفظة ما أريد بالأخرى" انتهى.

وعلى هذا المنوال مشى الزركشي في البرهان فقال: "فالوجوه: اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ "الأمة". والنظائر كالألفاظ المتواطئة "وذكر غير هذا وتبعه السيوطي في الإتقان.

طريقة البحث في التفسير الموضوعي:

يرى الدارسون للتفسير الموضوعي أن الكتابة والبحث فيه له طريقان، وأن للدراسة أو البحث فيه منهجا محددا.

أما الطريق الأول لكيفية البحث فيه فهي أن ينظر الباحث إلى السورة القرآنية من أولها إلى آخرها على أنها وحدة متكاملة الفكرة والمنهج والموضوع وقد عالجت ذلك الموضوع العام من خلاله موضوعاتها المتعددة مثال ذلك: سورة المنافقين: موضوعها: فضح المنافقين والتحذير منهم.

وقد عالجت السورة هذا الموضوع من خلال موضوعاتها المتعددة نحو:

1-

بيان كذب المنافقين وأنهم يقولون مالا يعتقدون.

2-

جرأتهم على الأيمان الكاذبة تسترا على نفاقهم وخوفا على دمائهم.

3-

صدهم عن سبيل الله بأساليبهم الخبيثة الماكرة.

4-

سيطرة الجبن والخوف عليهم مع أن الناظر لهم يراهم أصحاب أجسام ضخام.

5-

إعراضهم عن الهدى وعدم الاستجابة لهم وصد الناس عنه.

6-

فضح دسائسهم ومناوراتهم وما تحمله نفوسهم اللئيمة من الخبث والغدر والخيانة للإسلام والمسلمين.

ص: 394

7-

تحذير المؤمنين من أن يقعوا في أدنى صفة من صفات المنافقين "وأدنى درجات النفاق عدم التجرد لله والغفلة عن ذكره اشتغالا بالأموال والأولاد، والتقاعس عن البذل في سبيل الله حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه البذل والصدقات".

والطريقة الثانية: هي أن ينظر الباحث إلى الآيات القرآنية المتنوعة في القرآن كله، بجمع تلك الآيات ذات الموضوع الواحد والهدف المشترك في موضوع واحد، ويقوم بدراستها دراسة متكاملة مراعيا ترتيبها حسب أسباب النزول لكي يعرف المتقدم منها من المتأخر مستعينا في ذلك بالسنة الصحيحة وفهم السلف لذلك. ومحاولا قدر جهده وطاقته الإحاطة بجوانب الموضوع كله.

وهذه "الطريقة الثانية هي المعمول بها في مجال البحوث العلمية الموضوعية، وإذا ما أطلقت كلمة "تفسير موضوعي"فلا يفهم منها إلا بحث موضوع من موضوعات القرآن الكريم على مستوى القرآن جميعه".

أهمية منهج الدراسة في التفسير الموضوعي.

وبناء على هذه الطريقة فلابد من تحديد منهج لدراسة الموضوع المختار، من أجل الإلمام بأطراف الموضوع، والربط بين أجزائه وإظهاره في صورة متكاملة تكشف للقارئ عظمة القرآن الكريم وأهدافه السامية. وتقضي على الدراسات المبتورة والدعاوى المضللة من المستشرقين وأتباعهم (1) .

تحديد المنهج:

أولا: اختيار الموضوع المراد دراسته.

ثانيا: جمع الآيات القرآنية المتعلقة به.

ثالثا: ترتيبها وفق أسباب النزول لمعرفة المتقدم من المتأخر منها.

رابعا: شرحها شرحا وافيا يجلي مضمونها ويكشف عن مكنونها ويربط بين أجزائها. وإزالة ما يتوهم أنه اختلاف وتناقض بينها أو ناسخ ومنسوخ أو خاص وعام أو مطلق ومقيد أو مجمل ومفسر.

(1) انظر البدايةَ في التفسير الموضوعي ص 57- 61.

ص: 395

خامسا: الاستعانة في الموضوع بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قاله من السنة الصحيحة المبينة لما أجمل، والمفسرة لما أشكل والمقيدة لما أطلق. والمخصصة لما جاء عاماً (1) .

سادسا: الاستعانة في هذا كله بفهم السلف الصالح لنصوص الوحيين. وعدم الاتكال على العقل أو الاجتهاد الشخصي إلا بعد استكمال أسباب الأهلية.

أولا: العقائد في القرآن الكريم

الإسلام هو دين الأنبياء والرسل جميعاً لا يقبل الله سبحانه من أحد ديناً سواه قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإسْلامُ} آل عمران 19. وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران 85.

والله سبحانه أكمل هذا الدين وأتم به على الأمة النعمة ورضيه لهم ديناً فقال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً} المائدة 3.

واختار سبحانه محمداً صلي الله عليه وسلّم أن يكون خاتما لجميع الأنبياء وأن تكون رسالته خاتمة كذلك لجميع الأديان وناسخة لها. فقال تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ" الأحزاب 40.

وأمر الله سبحانه الناس جميعاً أن يؤمنوا بالله ورسوله وأن يتبعوه فقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالله وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الأعراف 158.

(1) انظر البداية في التفسير الموضوعي ص 61 للفرماوي والتفسير الموضوعي ص 17، 18 للدكتور محمد القاسم. والتفسير الموضوعي ص 23/ 24 للدكتور أحمد الكومي ومحمد القاسم.

ص: 396

ووصف الله سبحانه دينه بأنه الحق وأن من تمسك به أظهره الله ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} الصف 9.

وجعل الله سبحانه لهذا الدين الهيمنة على من سبقه من الكتب والتصديق بها. قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} المائدة 48.

وأول واجب على المكلف فرضه الله عليه هو معرفة ربه الذي خلقه من العدم وهو ليس بحاجة إليه، تكفل سبحانه برزقه لعبده مع عصيان المخلوق لخالقه قال تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى الله رِزْقُهَا} هود 65.

ومعرفة الرب سبحانه لا تكون إلا بتوحيده، الذي خلقهم سبحانه من أجله وفطرهم عليه، وأخذ الميثاق عليهم وهم في الأصلاب، وشهدوا بذلك وأقروا.

ص: 397

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الأعراف (172-174) . فهذا إخبار منه سبحانه في استخراج ذرية بني آدم من ظهور آبائهم وأصلابهم وأنه أخذ عليهم الإِقرار والشهادة بأنه ربهم غير غافلين، ولا مقلدين لمن أشرك من آبائهم وأنهم أقروا بذلك. وقال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم.3. وإقامة الوجه هنا بمعنى الاستمرار على الدين الذي شرعه الله سبحانه لخلقه والعزم على الثبات عليه.

قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله من الحنيفيّة ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكمّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره".

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة".

وفي رواية لمسلم "ما من مولود يولد إلا وهو على الملة".

وفي رواية له أيضا "إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه ".

ص: 398

وفي رواية "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبر عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:{فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (1) .

وفي رواية لمسلم "كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم، كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها"(2) .

وعن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته:

"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً فقلت ربي إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك (3) ..الخ.

(1) رواه البخاري في الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات1/417 وباب ما قيل في أولاد المشركين 1/424 وفي التفسير باب لا تبديل لخلق الله3/275 وفي كتاب القدر باب الله أعلم بما كانوا عاملين 4/209 ورواه مسلم في كتاب القدر باب معني كل مولود يولد على الفطرة 4/2047 رقم 22، 23،24،25.

(2)

رواه مسلم في القدر4/2048رقم 25.

(3)

رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها 4/3197رقم 63.

ص: 399

ومن أجل التوحيد وتحقيقه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب وشرع الجهاد تحقيقاً للحق وإزهاقا للباطل فبالتوحيد يسعد الإنسان ويدخل الإسلام، وتكون له النجاة في الأولى والآخرة وببعده يشقى ويخرج من الإِسلام، وتكون عاقبته الخزى والعار.

والإسلام له جانبان متلازمان ومترابطان لا ينفك أحدهما عن الآخر الأول العقائد والثاني التشريع. إذاً الإسلام عقيدة وشريعة والترابط بين العقيدة والشريعة ترابط قوي لا ينفصل أحدهما عن الآخر فلا شريعة بلا عقيدة، ولا عقيدة بلا شريعة فالفصل بينهما فصل لوجهين لعلمة واحدة.

أصول العقيدة:

أما أصول العقيدة فهي المعروفة والمشهورة بأركان الإيمان وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره:

والدليل على هذه الأركان قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} الآية177 البقرة.

ودليل القدر قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} القمر (49-50) وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} الفرقان 2 وقولهتعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} الإنسان 3.

ص: 400

قال الثوري في تفسير آية البقرة {لَيْسَ الْبِرَّ} "هذه أنواع البر كلها". قال ابن كثير معلقا على قوله هذا: "وصدق رحمه الله فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسوله، والكتاب وهو إسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرافها وهو القرىن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي إنتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين".

وقال ابن كثير في تفسير آية القمر: "ولهذا يستدل بهذة الآية الكريمة أئمة السنة على قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها الخ".

وفي الحديث الصحيح أن جبريل عليه السلام سأل النبي له عن الإيمان فقال: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت (1) فهذه ستة أصول للعقيدة الإسلامية نص عليها كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم. وكل أصل من هذه الأصول يندرج تحته أمران.

الأول: ماذا يتضمن كل أصل.

الثاني: ما هي ثمرة الإيمان بهذا الأصل.

الإيمان بالملائكة:

الإيمان بهذا الأصل يتضمن أربعة أمور:

ا- الإيمان بوجودهم جملة أو إجمالا.

2-

الإيمان ببعضهم تفصيلا.

3-

الإيمان بصفاتهم التي وردت فيهم.

4-

الإيمان بأعمالهم التي يقومون بها.

وثمرة الإيمان بهذا الأصل يتلخص في الآتي:

1-

زيادة الإِيمان بالله سبحانه.

2-

العلم بعظمة الله سبحانه فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.

3-

شكر الله على آلائه ونعمه الذي أوكل ببني آدم من يحفظهم بالليل والنهار ويكتب أعمالهم ويحفظون لهم.

(1) رواه مسلم في الإيمان 1/37 رقم 1.

ص: 401

4-

محبة الملائكة واحترامهم وتقديرهم لما يقومون به من العبادة لله رب العالمين.

5-

الاطمئنان النفسي على حفظ أعمال الإنسان وعدمِ ضياعها.

6-

الخوف من الله سبحانه مادام يعلم أن عليه كراماَ كاتبين.

7-

أن من آمن بأحدهم يلزمه الإِيمان بكلهم وأن من كفر بأحدهم كفر بجميعهم.

تفصيل القول في هذا الأصل:

1-

تعريف الملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم الله من نور وهم عباد مكرمون يسبحون الله بالليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون ولا يستكبرون بريئون مما وصفهم به الظالمون، لهم أوصاف وأعمال متنوعة وعددهم لا يعلمه إلا الله سبحانه.

2-

الإِيمان بهم: الإِيمان بهم ركن من أركان الإِيمان، ومن أنكرهم كفر. قال تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} الآية 177 البقرة.

وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} الآية 285 البقرة.

ص: 402

وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لايرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي فيها فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإِسلام؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعث إليه سبيلا. قال صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه قال أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. الحديث (1) .

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية الأولى: "اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعد عميقة، وعقيدة مستقيمة

فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل فما عرى الإِسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإِيمان بالله، وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله".

3-

أسمائهم: ورد في القرآن الكريم ذكر الملائكة عليهم السلام مجملا في مواطن عديدة كثيرة، وورد في بعض المواطن منها ذكر بعض أسماء الملائكة خصوصاً. فمن ذلك.

أ- جبريل عليه السلام:

قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} البقرة/97،98. ومن أسمائه عليه السلام.

أ- الروح الأمين:

(1) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان 1/36 رقم 1.

ص: 403

قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} . الشعراء192-194.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية (نزل به الروح الأمين) : "وهو جبريل عليه السلام قاله غير واحد من السلف: ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريح وهذا مما لا نزاع فيه. قال الزهري: وهذه كقوله: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} (1) .

ب- روح القدس:

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..} الآية 87 البقرة.

وقال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..} الآية 253 البقرة.

وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} الآية 102 النحل.

والدليل على أن روح القدس هو جبريل عليه السلام ما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بحسان بن ثابت رضي الله عنه وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ فقال: اللهم نعم (2) .

(1) تفسير الَقرآن العظيم 5/205 دار الفكر.

(2)

رواه البخاري في بدء الخلق باب ذكر الملائكة 4 /304، ومسلم في فصائل الصحابة4/1933رقم151، 153.

ص: 404

وفي رواية: أن رسول الله صلي الله وسلم قال لحسان: "أهجهم أو هاجهم وجبريل معك"(1) .

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منبراً في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك"(2) .

قال ابن كثير رحمه الله:.

"فهذا من البخاري تعليقاً، وقد رواه أبو داود في سننه عن ابن سيرين والترمذي عن علي بن حجر وإسماعيل بن موسى الفزارى ثلاثتهم عن أبي عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن هشام بن عروة كلاهما عن عروة عن عائشة به. قال الترمذي حسن صحيح وهو حديث أبي الزناد".

والقول بأن روح القدس هو جبريل عليه السلام نص عليه من السلف رحمهم الله عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم ومحمد بن كعب، وإسماعيل ابن خالد والسدى والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة. وجبريل عليه السلام موكل بالوحي الرباني من دون الملائكة إلى الرسل أجمعين عليهم السلام.

ج: وصفه:

"وقد ذكر الله سبحانه شأن جبريل عليه السلام في كتابه ووصفه بأنه قوى شديد.

قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} النجم (4-9) . وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} . التكوير (19-21) .

(1) المصدر السابق.

(2)

رواه البخاري في المغازي باب حديت الإفك 7/436، ومسلم في فضائل الصحابة4/1933رقم155،154.

ص: 405

وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله عليها مرتين. الأولى رآه في الدنيا على خلقته وله ستمائة جناح كما ورد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي علميه رأى جبريل له ستمائة جناح (1) .

والمرة الثانية رآه عند سدرة المنتهى. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ولقد رآه نزلة أخرى: قال رأى جبريل (2)

وسأل مسروق عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسوله الله صلي الله عليه وسلم فقال:"إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء سادا عظيم خلقه ما بين السماء إلى الأرض"(3) .

أما بقية الأوقات الأخرى فكان يراه على صورة رجل كما ورد يا الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لايرى عليه أثر السفر، لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه (4) الحد يث.

2-

ميكال:

قال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} الآية 98 البقرة.

(1) رواه مسلم في الإيمان1/158 رقم 0280، 282، 283، 287، وانظر صحيح البخاري كتاب التفسير8/606 مع الفتح، وانظر تفسير ابن كثير 6/ 444،451،450 ط الفكر ومعارج القبول 1/64.

(2)

المصدر السابق.

(3)

المصدر السابق.

(4)

انظر تخريجه ص 23.

ص: 406

وهو موكل بالقطر وتصاريفه إلى حيث أمره الله عز وجل وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، ويصرفون الرياح، والسحاب، كما يشاء الله عز وجل. وقد جاء في بعض الآثار: ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض.

وفي حديث ابن عباس عند الطبراني أنه صلي الله عليه وسلم: "قال لجبريل: على أي شيء ميكائيل؟ قال على النبات والقطر".

ولأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم: "أنه قال لجبريل- عليه السلام مالي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط؟ فقال عليه السلام ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار"(1) .

3-

مالك:

وهو خازن النار كما ذكر ابن كثير قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} الزخرف (74- 78) . وفي الحديث الصحيح عن يعلي بن أمية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلي الله وسلم يقرأ على المنبر {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ

} (2) .

قال ابن كثير عقبه: "أي يقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه فإنهم كما قال تعالى: لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها".

4-

ملك الموت:

ورد في بعض الآثار اسمه عزرائيل. وأيا كان فإنه ورد في القرآن باسم ملك الموت. قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} السجدة 11.

(1) معارج القبول 1/ 65. وحديث أنس رواه أحمد في المسند 3/ 224.

(2)

رواه البخاري في كتاب التفسير تفسير سورة الزخرف 8/568.

ص: 407

قال ابن كثير: "الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم. وقد سمى في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، قال قتادة وغير واحد وله أعوان، وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم، تناولها ملك الموت ".

قلت: حديث البراء بن عازب حديث طويل والشاهد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد لبصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه

الحديث" (1) .

رابعا: صفاتهم:

للملائكة صفات متعددة ومتنوعة منها ما هو خاص بذواتهم. ومنها ما يشاركهم فيه غيرهم. وسأقتصر في هذا الموضوع على ما ورد به نص صحيح.

أ- أنهم يحملون الأشياء. قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 248 البقرة.

وهذا فيه رد على الذين يقولون إن الملائكة ليسوا أجساما وإنما هم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات.

(1) رواه أحمد في المسند 4/287.

ص: 408

2-

أنهم يتكلمون مع البشر. ودليل هذا من الكتاب والسنة المطهرة. أما الكتاب فقوله تعالى في قصة زكريا عليه السلام:. {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ الله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ الله وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران 39. وقال تعالى في شأن مريم عليها السلام: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} آل عمران (42-43) . وقال تعالى: {قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} الذاريات 28. وقال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران (45-46) . وقال تعالى: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} هود 81.

ومن السنة: مساءلة جبريل عليه السلام للنبي صلي الله عليه وسلم عن الإِيمان والإِسلام والإحسان. ومخاطبته له بعد غزوة الأحزاب أن لا يضع السلاح

ص: 409

3-

أنهم يتمثلون أحياناً في صورة البشر وهذا ثابت بالقرآن والسنة. أما القرآن فقال تعالى في شأن مريم عليها السلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً} مريم16-21. وقال تعالى في قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} هود (69-71) .

وقال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} الذاريات (24-28) .

ص: 410

4-

الله سبحانه يصطفي منهم رسلا: قال الله تعالى: {الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ} الحج 75. قال ابن كثير: "يخبر الله تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته" واصطفاء الله من الملائكة رسلا المراد منه أن يكونوا رسلا بينه سبحانه وبين أنبيائه من عباده، ليبلغوا ماكلفوا به.

قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً} فاطر آية (1) . قال ابن كثير: "وقوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً} أي بينه وبين أنبيائه".

وقوله تعالى في حق جبريل عليه السلام: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} التكوير 19.

وقال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} الأنعام 61.

5-

أن الرسل من الملائكة لهم أجنحة. ذكر الله سبحانه في سورة الفرقان أنه سبحانه يصطفي من الملائكة رسلاً. وذكر سبحانه في هذه الآية أن أولئك الرسل من الملائكة لهم أجنحة وتلك الأجنحة متعددة منهم. قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فاطر آية (1) .

ص: 411

قال ابن كثير رحمه الله: "وأولي أجنحة أي يطيرون بها ليبلّغوا ما أمروا به مثنى وثلاث ورباع أي منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلي الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة الإسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب ولهذا قال جل وعلا:{يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1) .

6-

إنهم غلاظ شداد. وهذا وصف لنوعيّة منهمِ وهم القائمون على جهنم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم 6.

قال ابن كثير:"أي طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله شداد أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج ".

7-

تنفيذهم لأمر الله وعدم عصيانه. قال تعالى: {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم آية 6.

قال ابن كثير "مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه وهؤلاء الزبانية- عياذاً بالله منهم- ".

وقال تعالى: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} الأنبياء آية 27.

قال ابن كثير: "أي لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم لا يخفى عليه منهم خافية ويعلم ما بين أيديهم وما خلفهم".

(1) تفسير القرآن العظيم5/567. ط دار الفكر.

ص: 412

8-

النزول والمعراج: قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} القدر (4،5) . وقال تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} المعارج آية 4. ونزولهم وعرجهم بمهمات متنوعة فبعضهم ينزل بالوحي والآخر يصعد بالأرواح والثالث بلا عمل وغير ذلك مما نقل إلينا ومما لم ينقل وربك يخلق ما يشاء ويفعل. وله الحمد في الأولى والآخرة.

9-

الاصطفاف بين يدي الرحمن يوم القيامة: قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} يقول ابن كثر: "فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفاً صفا. وقال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} النبأ آية 38.

10-

لا يتكلمون إلا بعد الاستئذان: قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} النبأ آية 38. وقال تعالى: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} الأنبياء آية 27.

11-

إنهم عباد مكرمون: ووصفهم بالعبودية من الله سبحانه فيه تشريف وتكريم لهم، ثم فيه تنزيه لهم عمن اتخذهم آلهة تعبد من دون الله. قال تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} الأنبياء27-29.

ص: 413

12-

إن لهم أيادي: قال الله تعالى: {إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} الأنعام آية 93. وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} الأنفال آية50. وقد ورد في معنى الآية الأولى أن الملائكة تضرب العصاة الفجار وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال! والسلاسل والجحيم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه لا جسده، وتعصي وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ} الآية.

خامسا:أعمالهم:

هذا الخلق من خلق الله والذين وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون يسبحون له بالليل والنهار ولا يفترون لهم أعمال يقومون بها طاعة لله سبحانه وتنفيذاً لأمره. لا يسبقونه بالقول وهم يعملون. فمن ذلك:

1-

العبادة

أ- التسبيح: والتسبيح هو تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن العيوب والنقائص.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة آية 35.

وهذا السؤال الصادر من الملائكة لربهم سؤال استكشاف واستعلام عن الحكمة من خلق بني آدم كما قرر هذا ابن كثير: "فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك

الخ".

ص: 414

وقال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} البقرة 31. قال ابن كثير: "هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئاً إلا ما علمهم الله تعالى ولهذا قالوا: {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} وهو أي العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام وقال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} الرعد آية 13. وقال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} الأنبياء آية.20. وهذا إخبار من الله سبحانه عن حال الملائكة وعبوديتهم له سبحانه وأن دأبهم طاعته ليلا ونهارا دون تعب ولا ملل (1) وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} سبأ (40، 41) .

(1) تفسير القرآن العظيم4/556. ط دار الفكر.

ص: 415

وهذا موقف من الملائكة يوم يقوم الأشهاد وتقف الخلائق بين يديه سبحانه وتكون الخصومة والمسألة فلما تسأل الملائكة عن صنيع البشر في عبادتهم إياهم يهرعون إلى الله بالتنزيه والتقديس والتعالي والتوحيد أن يكون معه إله يعبد بل العبادة لك وحدك ونحن عبيدك الطائعون نبرأ إليك مما ألصق بنا واتهمنا به ونتبرأ من كل من أشرك مع الله غيره (1) وقال تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} الصافات (164-166) . إجمال ثم تفصيل. هذا الخلق له مقام معلوم يقوم بما كلف به دون إخلال به أو التجاوز والتعدي فيه بل هم يقفون صفوفاً في طاعتهم وفي هذه الهيئة من الجمال في أداء الطاعة ما لا يستطيع الوصف بيانه. ولذا شبهت صفوف المسلمين في الصلاة في الحياة الدنيا كصفوف الملائكة.

عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال صلي الله عليه وسلم: "فضلنا عن الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء"(2) .

واصطفاف الملائكة هنا من أجل تسبيح الله سبحانه وتعظيمه وتنزيه عن العيوب والنقائص.

يقول ابن كثير في معنى قوله {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} أي نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه (3) .

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الملائكة يوم القيامة يحفون بالعرش مسبحين لله وحامدين ومنزهين لله تعالى من الجور والنقائص.

قال تعالى: {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الزمر 75.

(1) تفسير القرآن العظيم 5/559 ط دار الفكر

(2)

رواه مسلم في كتاب المساجد 1/371 رقم 4

(3)

تفسير القرآن العظيم 6/ 40 ط دار الفكر

ص: 416

قال ابن كثير: "أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور وقد فصل القضية وقضي الأمر وحكم بالعدل".

وفصل القول سبحانه فيمن يحمل العرش ومن حوله في آية غافر فقال سبحانه

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} الآيات 7-9.

وفي هذه الآية وآية الزمر جمعت أو قرنت الملائكة بين التسبيح والتحميد.

وحكمة ذلك أن التسبيح يتضمن تنزيه الباري عن العيوب والنقائص.

والتحميد يتضمن إثبات صفة المدح والثناء عليه (1) . وهذا النص في سورة غافر يتضمن عدة أعمال تقوم بها الملائكة غير التسبيح وهي الحمد لله سبحانه والإيمان به والاستغفار للمؤمنين ودعاء الرب سبحانه بالمغفرة لمن تاب واتبع سبيله والشهادة لله سبحانه أن رحمته وسعت كل شيء وأن علمه محيط بكل شيء كما أنه سبحانه عزيز فيما يفعل وحكيم فيما يفعل وحكيم فيما يصنع.

وقال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ الله هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الشورى هـ.

وقد امتدح الله سبحانه الملائكة في أداء عملهم وأنهم يقومون بأدائه دون سآمة أو ملل وعاب على الذين يستكبرون عن عبادته. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} الأعراف 206.

(1) انظر تفسير القرآن العظيم 6/1241

ص: 417

وقال تعالى: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} فصلت 38.

قال ابن كثير: "وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم".

وقال ابن العربي: "هذه الآية مرتبطة بما قبلها ومنتظمة مع ما سبقها وهي إخبار من الله تعالى عن الملائكة بأنهم في عبادتهم التي أمروا بها دائمون وعليها قائمون وبها عاملون فلا تكن من الغافلين فيما أمرت به وكلفته وهذا خطابه والمراد جميع الأمة".

ب- الحمد: والحمد هو إثبات صفة المدح لله تعالى والثناء عليه سبحانه وقد سبق ذكر الآيات التي تنص على حمد الملائكة عليهم السلام لربهم في الفقرة السابقة.

ج- السجود: ورد السجود في القرآن بالنسبة للملائكة على صورتين:

الأولى: أن من عمل الملائكة عليهم السلام السجود - لله سبحانه - المستمر الدائم فهم به قائمون وعاملون دون فتور أو ملل.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} الأعراف 206.

الثانية: أنهم مأمورون بالسجود لغير الله سبحانه وهو السجود لآدم عليه وعليهم السلام.

قال تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} الأعراف 11.

وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} الحجر (28- 31) .

ص: 418

وقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} الإسراء 61. وقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} الكهف 50.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} طه (115-117) .

وقال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين} ص (71-74) .

وتنفيذ الملائكة لهذا السجود لآدم عليه السلام هو تنفيذ لأمر الله وامتثالا له وتعظيماً واحتراماً لما أمر به سبحانه وهو في الوقت نفسه كرامة من الله سبحانه امتن بها على أبينا آدم حيث أسجد له ملائكته. كما ورد في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ِ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك

" الحديث.

قال قتادة "فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته".

د- قبض الأرواح:

ص: 419

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً} النساء (97-99) .

وقال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} الأنعام 61.

والمراد بالرسل هنا الملائكة الموكّلون بقبض الأرواح.

قال ابن عباس: "لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم".

قال ابن كثير: "وقوله (لا يفرطون) أي في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين عياذاً بالله من ذلك "

وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا َنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} الأنعام 93.

وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} الأنفال 51.

ص: 420

وقال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ

} الآية28 النحل.

وقال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ

} الآية النحل (31-33) وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} السجدة آية 11.

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية. "الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة كما هو المتبادر من حديث البراء

وقد سُمّي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور قاله قتادة. وغير واحد وله أعوان وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت (1) اهـ وقد ذكر بعض الآثار عن ملك الموت فتراجع.

وقال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} محمد آية 27. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية. "أي كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعاصت الأرواح في أجسادهم واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب".

هـ- الحفظ:

وهذا العمل من الملائكة نوعان:

(1) تفسير القرآن العظيم 5/407 ط دار الفكر

ص: 421

الأول: حفظهم للعبد في حله وترحاله وفي نومته ويقظته من كل سوء وحدث. قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الرعد آية 11. قال ابن عباس: "المعقبات من الله هي الملائكة. وعنه قال "ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه" وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال له: "الملك وراءك إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه" وقال تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} الأنعام آية61". قال ابن كثير: "أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان (1) قلت ويحتمل أن المراد منها أيضا حفظ أعمال بني آدم خيرها وشرها. فإن لفظ حفظة نكرة. وقد وردت في سياق الإثبات فهي تفيد الإطلاق.

قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} الأنبياء42.

وقال تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} قال ابن كثير: "أي كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات كما قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ الله} "(2) .

(1) تفسير القرآن العظيم 3/33.ط دار الفكر

(2)

تفسير القرآن العظيم 7/365.ط دار الفكر.

ص: 422

الثاني: حفظ أعمال العباد خيرها وشرها. قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} الأنعام 61. وسبق أن ذكر أن الحفظة هنا يحتمل الأمرين حفظ الإِنسان، وحفظ أعماله. لكن ورد ما هو نص في حفظ الأعمال. قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} الانفطار (10-12) . قال ابن كثير "يعنى وإن عليكم لملائكة حفظة كراماً فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم". وقال تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق آية 17-18.

وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} الزخرف.8. قال ابن كثير: "أي نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها".

و الشفاعة:

قال الله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} الأنبياء28.

وقد ورد في الحديث القدسي: "فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين" وفي رواية "فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي"(1) .

ز- القتال مع المؤمنين:

(1) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 13/421 مع الفتح.

ص: 423

إن مشاركة الملائكة للمؤمنين في القتال ثابتة بالقرآن والسنة وهي منة عظيمة من الله على عباده المؤمنين ونصرة لهم على عدوهم وكرامة لهم قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} آل عمران (123-125) . وقال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الأنفال 10.

وعن معاذ بن رفاعة الزرقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما تعدون أهلِ بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين- أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدراَ من الملائكة"(1) .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب"(2) .

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض"

فأمده الله بالملائكة

(1) رواه البخاري في المغازي باب شهود الملائكة بدرا 3/90/91.

(2)

رواه البخاري في المغازي باب غزوة أحد 3/102.

ص: 424

قال أبو زميل فحدثني ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمَ أنفه، وشق وجهه كضربة السوط فاخضّر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين" (1) الحديث. قال ابن كثير:

"المشهور ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أيد الله نبيه خيالها والمؤمنين بألف من الملائكة وكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، ميكائيل في خمسمائة مجنبة".

والمراد بالمجنبة هي التي تكون في الميمنة والميسرة.

وهذه المشاركة القتالية من الملائكة مع المؤمنين بأمر الله سبحانه تفيد أيضاً تثبيت المؤمنين وتقوية عزائمهم وقد بين الله ذلك في كتابه وامتن به على المؤمنين فقال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الأنفال 12.

قال ابن كثير: "وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها وهوانه تعالى وتقدس وتبارك وتمجد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنن يوحى إليهم فيما بينه وبينهم أن ثبتوا الذين آمنوا".

ح- النزول:

أولا: النزول بالوحي:

سبق البيان أن الله سبحانه اصطفى من الملائكة رسلا. وكذلك من الناس قال تعالى: {الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} وهو ومهمة أولئك الملائكة المصطفين النزول بالوحي.

(1) رواه مسلم في الجهاد 3/1383 رقم 58،واحمد في المسند 1/30

ص: 425

قال سبحانه {أَتَى أَمْرُ الله فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ} النحل (1-2) .

وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} الشعراء (192- 195) .

قال ابن كثير في معنى قوله {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} : "وهو جبريل- عليه السلام قاله غير واحد من السلف. ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك والزهري وابن جريح، وهذا مما لا نزاع فيه".

وقال تعالى: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً. فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً. عُذْراً أَوْ نُذْراً} المرسلات 4- 6.

نقل ابن كثير في معناها عن السلف أنها الملائكة ثم قال: "قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتاة والربيع بن أنس والسدي والثوري ولا خلاف هاهنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحياً فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره".

وقال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} القدر آية (4-5) . وهذا النص ذكر تنزيل الملائكة عموماً ثم تنزيل الروح - وهو جبريل عليه السلام خصوصاً وهو من باب عطف الخاص على العام ونزول الملائكة أو تنزيلهم مشروط بإذن الله سبحانه لهم. قال تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} مريم آية 64.

ص: 426

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} (1) وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدارس القرآن مع جبريل عليه السلام كل عام مرة إلا في العام الذي قبض فيه فإنه عرض القرآن مرتين.

ثانيا: النزول عند تلاوة القرآن الكريم:

عن أسيد بن حضير رضي الله عنه قال: "بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف

وكان ابنه يحي قريباً منها فأشفق أن تصيبه فلما أجتَّره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال له اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير. قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحي، وكان منها قريباً فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها قال: وتدري ما ذاك؟ قال لا قال "تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحتْ ينظر الناس إليها لا تتواري منهم"(2) .

ثالثا: النزول عند حلق الذكر والقعود معهم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلاء يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء". الحديث هذه رواية مسلم.

(1) رواه البخاري في التفسير باب وما نتنزل إلا بأمر ربك 9/428 مع الفتح.

(2)

رواه البخاري في فضائل القرآن باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن 9/63 مع الفتح.

ص: 427

وفي البخاري "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا". وعن أبي مسلم الأغر أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده"(1) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"

ومن سلك طريقاً يلتمس فيها علماً سهل الله بها طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (2) .

رابعا: النزول لشهود الصلاة ورفع أعمال العباد:

قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين يأتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وآتيناهم وهم يصلون"(3) .

(1) رواه مسلم في الذكر والدعاء باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 4/2074 رقم 39.

(2)

رواه مسلم في الذكر والدعاء باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 4/2074 رقم 38.

(3)

رواه البخاري في مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العصر 2/33 مع الفتح.

ص: 428

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار، وتثبت ملائكة الليل. فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون فاغفر لهم يوم الدين"(1) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. قال أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} ".

قال ابن حجر: وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} قال تشهده ملائكة الليل والنهار.

الإِيمان بالرسل

الرسل جمع رسول: وهو كل من أوحى إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه.

والإيمان بهم أحد أركان الإِيمان الستة وهو يتضمن الآتي:

1-

الإِيمان بجميعهم تفصيلا فيما فصل، وإجمالا فيما أجمل

2-

الإِيمان بأن دعوتهم جميعا متفقة في الأصل وهي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه ونفي ما يضاد ذلك.

3-

الإِيمان بأنهم صادقون فيما قالوا وفيما دعوا الناس إليه وأنهم على الحق المبين والصراط المستقيم. يقول ابن تيميه: "ولهذا أجمع أهل الملل قاطبة على أن الرسل معصومون فيما يبلغونه عن الله تبارك وتعالى، لم يقل أحد أن من أرسله الله يكذب عليه، وقد قال تعالى ما يبين إنه لا يقر كاذبا عليه بقوله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} الحاقة 44-47.

4-

الإِيمان بأنهم بلغوا رسالة ربهم كما أوحاها الله إليهم بدون زيادة أو نقص.

(1) رواه ابن خزيمة في صحيحه 1/165 وانظر فتح الباري 2/36.

ص: 429

5-

الإيمان بأن الله بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده.

آ- الإيمان بأن الله سبحانه فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم على بعض درجات.

7-

الإيمان بأن الله سبحانه خص بعضهم بخصائص دون بعض فخص إبراهيم ومحمد بالخلّة وموسى بالتكليم، وإدريس بالرفع في المكان العلي، وعيسى روح منه، حيث خلقه من غير أب، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم.

8-

الإيمان بأن من كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع.

9-

الإيمان بأن خاتمهم هو محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لا نبي بعده.

10-

العمل بشرعيته عليه السلام دون من سواه.

11-

الإيمان بكل ما أخبروا به.

أما ثمرة الإيمان بهذه الركن العظيم فتتمثل في الآتي:

أ- العلم بعناية الله سبحانه بخلقه ورحمته بهم حيث خلقهم ورزقهم ولم يتركهم هملا. بل أرسل إليهم رسولا منهم بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. قال تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة 128.

2-

شكر الله سبحانه والثناء عليه على تفضله وإنعامه على خلقه ورعايته لهم.

3-

محبة الرسل وتقديرهم وتعظيمهم والثناء عليهم لما قاموا به من تنفيذ الأوامر الإلهية. ولما تحمّلوه من الأذى والتعب والمشقة في سبيل ذلك من أقوالهم.

4-

الاتباع وعدم الابتداع {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} آل عمران 31.

{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} آل عمران 32.

5-

معرفتهم ومعرفة ما يدعون إليه وعدم الإعراض عنهم فإن الإعراض ناقض من نواقص الإسلام.

6-

التمسك بهديهم وعدم الخروج عنه {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنعام 90.

ص: 430

ولفظ الرسل ورد في القرآن الكريم والمراد به معنيان.

الأول: الرسل من البشر ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} الحاقة 40-41. فالمراد بالرسل هنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الثاني: الرسل من الملائكة. وقد نص الله سبحانه على اتخاذ الرسل منهم في قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً} الحج 75. ونص سبحانه على جبريل عليه السلام ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} التكوير19-20 فالمراد بالرسل هنا جبريل.

وأول الرسل من البشر نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم (1) .

قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} النساء163.

وقال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} الأحزاب 40.

وثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: "أن الناس يذهبون إلى نوح، فيقولون: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهلِ الأرض" الحديث.

فهذا نص صحيح وصريح في أن نوحاَ عليه السلام أول الرسل.

وقد ذكر الله سبحانه من أخبارهم وقصصه وأنبائهم مافيه ذكرى للذاكرين، وموعظة للمتعظين.

ورسل الله سبحانه كثر لا يحصيهم عدداً إلا خالقهم ولذا قال سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} النساء164.

(1) انظر معارج القبول 1/80 ودروس وفتاوى من الحم المكي ص201 لابن العثيمين وتفسير القرآن العظيم 3/182.ط دار الفكر.

ص: 431

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ} الآية غافر 78.

وخص الله سبحانه منهم خمسة بالذكر في سورتي الأحزاب والشورى.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} الأحزاب 7.

وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} الشورى 13.

وهؤلاء الخمسة يسمون أولي العزم من الرسل. "لما تميزوا به الحزم والجد والصبر وكمال العقل، ولم يرسل الله تعالى من رسول إلا وهذه الصفات فيه مجتمعة، غير أن هؤلاء الخمسة أصحاب الشرائع المشهورة هم الذين يتراجعون الشفاعة بعد أبيهم آدم عليه السلام حتى تنتهي إلى نبينا محمد عليه السلام فيقول: أنا لها

والقول! بأن أولي العزم هم هؤلاء الخمسة هو قول ابن عباس وقتادة ومن وافقهما وهو الأشهر".

ص: 432

وقد أخذ الله تعالى العهد على النبيين جميعا بأن يصدق بعضهم بعضا، ويؤمن بعضهم ببعض، وبنصر اللاحق السابق، وأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} آل عمران 81،82.

وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} الأحزاب 7.

وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} الشورى 13.

والدين الذي يبلغونه ويدعون إليه واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء25. وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} الزخرف 45. وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل 36.

ص: 433

وفي الحديث "نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد"(1) .

أولا: نوح عليه السلام

تنوع أساليبه في الدعوة.

أ- دعا قومه إلى عبادة الله وحده.

أول ما بدأ به قومه عليه السلام دعوتهم إلى توحيد الله سبحانه وعبادته وحده لاشريك له وهذا هو أساس استقامة أمر الناس في حياتهم، والنجاة لهم بعد مماتهم. قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} الأعراف 59.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} هود 25-26.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} المؤمنون 23.

وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} الشعراء106-110.

وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} نوح 1-4.

(1) قال ابن كثير "أي وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا وذلك معنى قوله أولاد علات وهم الإخوة من أمهات شتى والأب واحد"3/517.

ص: 434

2-

حرصه عليه السلام على نجاة قومه من العذاب، وتخوفه عليهم، وشفقته بهم.

قال تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} الأعراف 59. وقال تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} هود 26.

3-

تذكيره إياهم أنه عليه السلام لا يطلب منهم أجرا فيما يدعوهم إليه فلا تتولوا وتبتعدوا فإن أجري على من أرسلني.

وقال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ} يونس 72.

وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ} هود 29.

وقال تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} الشعراء109.

4-

إخباره إياهم أنه مرسل من رب العالمين نذير مبين ورسول أمين، ليكون من المسلمين، ومبلغا لهم ما أرسل به من ربهم، وناصحا لهم أمين، وأنه عليه السلام يعلم من الله مالا يعلمون.

قال تعالى: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} الأعراف 61-62.

وقال تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يونس 72.

وقال تعالى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} هود 25.

وقال تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} الشعراء107.

5-

تجهيله لقومه لكونهم لا يعرفون القيم الحقيقية التي يوزن بها الناس عند الله سبحانه وتذكيره عليه السلام إياهم بعقاب الله إن أجاب إلى قيمهم الجاهلية الأرضية.

قال تعالى: {

وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} هود 28-29.

ص: 435

6-

تذكيره عليه السلام لهم بالقيم الحقيقية الصحيحة. في شخصه الكريم ورسالته الطاهرة بعيدا عن كل ما يشوبه أو يشوه رسالته من المظاهر الزائفة ونحوها قال تعالى: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} هود 31.

يقول سيد قطب: "وهكذا ينفى نوح عليه السلام عن نفسه وعن رسالته كل قيمة زائفة، وكل هالة مصطنعة يتطلبها الملأ من قومه في الرسول والرسالة، ويتقدم إليهم بها مجردة إلا من حقيقتها العظيمة التي لا تحتاج إلى مزيد من تلك الأغراض السطحية، ويردهم في نصاعة الحق وقوته، مع سماحة القول وودّه إلى الحقيقة المجردة ليواجهوها ويتخذوا لأنفسهم خطة على هداها بلا ملق ولا زيف ولا محاولة استرضاء على حساب الرسالة وحقيقتها البسيطة فيعطي أصحاب الدعوة في أجيالها جميعا نموذجا للداعية، ودرسا في مواجهة أصحاب السلطان، بالحق المجرد، دون اسزضاء لتصوراتهم ودون ممالأة لهم مع المودة التي لا تنحنى معها الرؤوس".

7-

السخرية بهم مع التوعد لهم بالعذاب المخزي والمقيم.

قال تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} هود 38-39.

ص: 436

"وهنا ينبغي أن نقف وقفة لها مغزاها عند قوله "عذاب يخزيه"لننبه القارئ إلى أن من العذاب ما هو مشرف لذات المعذب رافع له فوق الهامات، كالعذاب الذي يحل بالرسل عند قيامهم بواجبهم، وعذاب المصلحين، وأرباب المبادئ الحقل حينما يدعون الناس إلى عقائدهم فأولئك عذابهم مر على الأجساد، حلو على القلوب، عذابهم رافع لدرجاتهم، وتمحيص لنفوسهم، وهذا عذاب المجاهدين في سبيل الله، والمقاتلين لإعلاء كلمته، يتقدم إليه المؤمنون، وشمارع إليه المخلصون، لا لأنه حلو المذاق، لذيذ الطعم، بل لأن من ورائه من النعيم مالا عين رأت ولا أذن سمدت، ولا خطر على قلب بشر، ذلك هو العذاب، العذاب الذي يجعل صاحبه مثلا كاملا في الفضيلة، ونكران الذات.

أما عذاب أعداء الحق، وحزب الشيطان، وأنصار الشهوة والهوى، فذلك هو العذاب الذي يخزي صاحبه، ويفضح من وقع به، ذلك هو عذاب أعداء الرسل، وخصوم الحق" اهـ.

8-

دعوته إياهم إلى تقوى الله وطاعته.

قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} الشعراء 108 وقال تعالى: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} نوح 3.

9-

تذكيرهم بالأجل المسمى لهم قبل مجيئه.

قال تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} نوح 4

15-

دعوته لقومه بالليل والنهار والسر والعلن دون يأس ولا قنوط. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً} نوح هـ.

وقال تعالى: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} نوح 9.

ص: 437

11-

الترغيب في طاعة الله سبحانه وذلك بتذكيرهم بفضل الله سبحانه وإحسانه إليهم وعظيم آياته في أنفسهم وفي الكون المشاهد. قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} .

12-

الترهيب من عدم الاستجابة لله. وذلك بتذكيرهم إلى خلق الله سبحانه وآياته في أنفسهم وفي الآفاق. قال تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً ، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} نوح 13-20.

موقف الملأ منه:

ا- تكذيبه ووصفه بالضلال البين والافتراء.

قال تعالى: {قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} الأعراف 65.

وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} الأعراف 64.

وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ} يونس 73.

وقال تعالى: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} هود 27.

وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} هود 25.

وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} الشعراء105.

وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} الشعراء117.

ص: 438

إنها مواقف مخزية، وهي مواقف الفجار ضد الأبرار في كل زمان ومكان فالأبرار يدعونهم إلى النجاة والفجار يدعونهم إلى النار، وما يستوي الأعمى ولا البصير، ولا الظلمات ولا النور.

2-

اتهامهم لنوح أنه بشر مثلهم وهذا بزعمهم أنه لا يصح أن يكون مرسلا. بل الأولى أن يكون ملكا.

قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَراً مِثْلَنَا} هود 27.

وقال تعالى: {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} المؤمنون 24.

3-

إن اتباعه هم من أراذل القوم أصالة وعقلا ومكانة قال تعالى: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي} هود 27.

وقال تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} الشعراء111.

وهذه قولة أهل الباطل فيمن سلك طريق الحق والصواب، ويدفعهم في ذلك الكبر والاستعلاء بغير حق ولا برهان وإلا فالحق في ذاته صحيح سواء اتبعه وأخذ به الأشراف من القوم أو الأراذل كما يزعم الظالمون.

يقول ابن كثير رحمه الله: "هذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام وأتباعه، وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لاشك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته" اهـ.

ص: 439

وشاهد هذا الكلام الرصين ما ورد في الحديث الصحيح أن هرقل سأل أبا سفيان فقال له: "فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت ضعفاؤهم. قال أيزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون

وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل الحديث.

4-

تنكرهم لنوح- عليه السلام ومن معه وزعمهم أنه ليسن لهم فضل عليهم لا في خلق وغير ذلك بل وصموه زيادة على هذا الزعم بالكذب قال تعالى: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} هود 27.

5-

استعجالهم نقمة الله وعذابه وسخطه.

قال تعالى: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} هود 32.

6-

السخرية والاستهزاء به عليه السلام قال تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} هود 38.

7-

اتهامهم له عليه السلام بالجنون والتربص به قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} المؤمنون 25.

8-

اللجوء إلى القوة بعد أن أعوزتهم الحجة. قال تعالى: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} الشعراء116.

9-

الإصرار والاستكبار عن سماع دعوته.

قال تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً} نوح 7.

ص: 440

15-

العصيان والمكر الكبار مع الإصرار على الآلهة الباطلة وتضليل الناس قال تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالاً} نوح 21-24.

مواقف نوح عليه السلام.

لقد اصطفى الله سبحانه نوحا عليه السلام كما اصطفى غيره من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام- على سائر أهل الأرض لما قام به من الدعية إلى دين الله، والصبر على ما لاقى من ذلك مع رباطة في الجأش وحزم في الرأي وقوة في الإرادة وثبات في الطريق، ووضوح في المنهج ونصح في القول، وتخوف على القوم، وتحد للباطل وأهله مع قوة توكل على ربه ولجوء إليه من البدء حتى النهاية.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} آل عمران 33-34.

يقول ابن كثير: "واصطفى نوحا عليه السلام وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن أخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به " اهـ.

وإن هذا المقام الذي قام به نوح عليه السلام في قومه مع ما وجد منهم لمقام عظيم لا يقوم به إلا المصطفون الأخيار ألف سنة إلا خمسين عاما وهو يتودد إليهم ويدعوهم بالليل والنهار والسر والعلانية. وما آمن معه إلا قليل.

ص: 441

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} العنكبوت 4 1-15.

ومع هذا العمر الطويل والمليء بالمشاهد والأحداث العظيمة والاستمرار على التبليغ والبيان بالليل والنهار في حالتي الجهر والأسرار لم يسلم معه ويؤمن به إلا قليل.

قال تعالى: {

وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ} هود 40.

يقول ابن كثير: "أي نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما".

وبعد هذا العمر الطويل لنوح عليه السلام ودعوته الطاهرة، وما لاقاه من الكرب العظيم من أولئك الممحوقين الذين تنكبوا الطريق المستقيم ووصموه بكل قول مشين، عرفوا أنه فعلا دعا ربه فاستجاب له، وجعل له ذكرا في الآخرين.

قال تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} الأنبياء76-77.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} الصافات 75-82.

ص: 442

وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} القمر 9-15.

وقال تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً} نوح 26-27.

مواقفه من قومه:

1) الحلم والأناة وعدم الرد بالمثل.

قال تعالى: {قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} الأعراف 62-65.

2) الحوار الهادئ الودود والمقنع المفيد:

أ- الإِنكار عليهم في عدم قبولهم الموعظة الربانية والتي جاء بها نوح عليه السلام من ربه.

قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأعراف 63.

قال ابن كثير: "أي لاتعجبوا من هذا فإن هذا ليس بعجب أن يوحى الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفاً وإحساناً إليكم لينذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به".

2-

عدم استطاعته هدايتهم إلى ما جاء به وهم له كارهون.

ص: 443

قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} هود 28.

وقال تعالى: {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} هود 34.

3) تقديمه دعوته وشخصه لا صفاء ونقاء بعيداً عن كل ما يشوهها أو يكدر صفوهما. ويتجلى ذلك في الآتي:

ا- عدم طلب الأجر على تبليغ دعوته.

قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ} الآية هود 29.

2-

عدم الاستجابة لقومه في طرد المؤمنين.

قال تعالى: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} هود 29.

3-

بيان قدر نفسه والبعد عن الادعاء أو الكمال الزائف.

قال تعالى: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} هود 31.

4) شجاعته عليه السلام مع ثقته المطلقة بربه وتوكله عليه.

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} يونس 71.

موقفه من أهله:

من سنن الله سبحانه في خلقه أنه سبحانه يبتليهم ليعلم من يطيعه أويعصاه وهو أعلم بكل شيء والابتلاءات متعددة ومتنوعة.

ص: 444

ومن أعظم والابتلاءات. الابتلاء بالأهل الملاصقين بالمبتلى ليل نهار ولذا أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز بعداوتهم وفتنتهم وحذر منهم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} التغابن 14.

وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} التغابن 15.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المنافقون 9.

ومع أنهم عدو وفتنة فهم زينة ومتاع الحياة الدنيا.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} آل عمران 14.

وقد ابتلى رسول الله نوح عليه السلام بأمرين في أهله.

الأمر الأول: ابتلى في زوجته حتى أصبحت مثلا يضرب بها في الخيانة في الإِيمان وفي نقل أخبار زوجها ونشر أسراره.

قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} التحريم 15.

وإنها لإحدى الكبر أن تصبح حليلته في الفراش وضجيعته والمخالطة للمسلمين بالليل والنهار، عوناً لأعداء زوجها وبوقاً ينفخ فيه، وعيناً للأعداء على الأقرباء.

ص: 445

أما الأمر الثاني: فهروب ابنه منه عليه السلام ولجوءه إلى أهل الضلالة والغاوية وعلى مرأى ومسمع من أبيه، وإنها لهي الكبرى الثانية التي ابتلى بها نوح في فلذة كبده، وقرة عينه، لكن قضاء الله نافذ لا مرد له يضل من يشاء ويهدي من يشاء لقد انعزل الابن عن أبيه في حالة يلزم منها عادة الإتمام حول بعضهما وحتى لا ينكشف ما وقع بهم.

قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} هود 42-43.

وانطلق نداء نوح عليه السلام صاعداً من الأرض إلى عنان السماء تحدوه عاطفة الأبوة إنه من أهله راجياً رحمة ربه ولطفه في قضائه وقدره ومعزفا بالوعد الحق من الله والحكم الحكيم.

قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} هود 45.

ولكن جاء الرد من الرب تبارك وتعالى واضحاً جليا يبين لنوح عليه السلام – إن هذا الابن ليس من أهلك. لأنه كافر وخارج من دائرة الإسلام فلا تنفعه أبوتك ولاتشفع له لأن الرابطة بينك وبينه هي رابطة العقيدة الإيمانية. وهي مفقودة فيما بينكما ثم يبين الرب سبحانه إنه عمل غير صالح ومادام الأمر كذلك فلا تحرص عليه بل تبرأ منه فلا لقاء بينك وبينه لأن القول قد سبق عليه بالغرق كما تبؤ به من الكفر بالله والعصيان لأبيه.

قال تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} هود 46.

ص: 446

وفوق هذا يأتي النهي الصارم لنوح عليه السلام أن يتجاوز في الدعاء أو أن يسأل ما ليس له به علم فإن من فعل أو صدر منه شيء من ذلك فإنه من الجاهلين.

الإيمان بالبعث

الإيمان بالبعث جزء من الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، وقد كثر الاستدلال القرآني على البعث حساً وعقلاً وشرعاً وقبل الشروع في بيان ذلك لابد لنا من بيان معنى البعث وتعريفه:

فالبعث في اللغة بمعنى الإرسال والإشارة، يقال بعثه وابتعثه: أي أرسله.

وقال ابن فارس: "الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة، ويقال بعثت الناقة، إذا أثرتها".

وقال الأزهري: "والبعث في كلام العرب على وجهن: أحدهما: الإرسال، كقول الله تعالى:{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى} الأعراف 103 ويونس 75. معناه أرسلنا. والبعث أيضا الإحياء من الله للموتى، ومنه قوله عز وجل:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} البقرة 56، أي أحييناكم.

وأما البعث في الشرع: فهو إحياء الله سبحانه للموتى مرة ثانية من قبورهم، وإخراجهم منها، وعرضهم للحساب يوم القيامة ثم جزاؤهم إما الجنة وإما النار. والإيمان بالبعث يتضمن أموراً عدة:

ا- الإيمان بأن الله سبحانه يحي الموتى مرة ثانية، كما قال تعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء104، وقال تعالى:{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} الحج 7.

2-

الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب عباده، ويجازيهم على ما عملوا إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قال تعالى:{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} الغاشية 25-26، وقال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} الأنعام 165.

ص: 447

3-

الإيمان بالجنة والنار، وأن مآل العباد بعد الحساب إليهما، فالجنة للمتقين، والنار للمجرمين.

4-

الإيمان بما يحدث بعد البعث من الأهوال والمواقف.

5-

الإيمان بأن الله سبحانه لا يظلم أحداً، قال تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} الأنبياء47.

أما ثمرة الإيمان بهذا فتتلخص في الآتي:

1-

إن المسلم يعيش بين حالتين: الرجاء لما عند الله من الخيرات والخوف مما عنده من العذاب.

2-

الجد في فعل الطاعات، والاستكثار منها.

3-

الجد في الابتعاد عن المعاصي والإِقلاع عنها.

4-

محاسبة النفس في كل ما تقدم عليه.

5-

الإيمان بعظمة الله في إحياء الموتى.

الكلمات المرادفة لكلمة البعث.

ورد في القرآن كلمتان مترادفتان لكلمة البعث ومعناهما واحد.

الأولى: المعاد قال ابن فارس: "والمعاد: كل شيء إليه المصير، والآخرة معاد للناس، والله تعالى المبدي والمعيد، وذلك أنه أبدأ الخلق ثم يعيدهم" ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} القصص85.

قال الأزهري: "وأكثر التفسير في قوله "لرادك إلى معاد"لباعثك، وعلى هذا كلام الناس"أذكر المعاد أي اذكر مبعثك في الآخرة قاله الزجاج.

قال الأزهري: "ومن صفات الله سبحانه وتعالى: (المبدء المعيد) بدأ الله الخلق أحياء ثم يميتهم ثم يحييهم كما كانوا قال الله جل وعز: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وقال: إنه هو يبدأ ويعيده بدأ وأبدأ بمعنى واحد".

والثانية "النشور: قال الزجاج: "نشرهم الله أي بعثهم كما قال تعالى: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (1) ونشر الله الموتى فنشروا، أنشروا الموتى أيضا قال تعالى:{ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} (2) .

(1) تهذيب اللغة 11/338.

(2)

معجم المقاييس اللغة 5/420.

ص: 448

إطلالات كلمة البعث في القرآن:

والبعث يطلق في القرآن على عدة معان متنوعة:

ا- يطلق ويراد به الاهام، كما في قوله تعالى:{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} المائدة 31.

2-

يطلق ويراد به الإحياء في الدنيا، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} البقرة. وكقوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} البقرة.

3-

يطلق ويراد به اليقظة من النوم، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً} الأنعام 60.

4-

يطلق ويراد به التسليط، كما في قوله تعالى:{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} الإسراء هـ.

5-

يطلق ويراد به الإرسال، كما في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} الجمعة 2. وكما في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} البقرة 129، وكما في قوله تعالى: {َابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} الكهف 19.

6-

يطلق ويراد به النصب والبيان، كما في قوله تعالى:{فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} النساء35. وكما في قوله تعالى: {ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} البقرة 246. وكما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} البقرة 247.

7-

يطلق ويراد به النشور من القبور، كما في قوله تعالى:{وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} الحج 7.

والبعث حق ثابت، لا مرية فيه ولاشك، وقد دل الدليل عليه من الكتاب والسنة والإجماع:

قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} المؤمنون 15-16.

ص: 449

وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} المؤمنون 115.

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} القصص 85.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا" متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها (1) .

منهج القرآن الكريم في الاستدلال على البعث:

يتلخص المنهج القرآني في الاستدلال على البعث في ثلاثة أمور:

الأول: الشرع. والثاني: الحس. والثالث: العقل.

أما الشرع: فإن القرآن اعتنى بهذا المبدأ عناية عظيمة، وعرضه عرضا جليا لا خفاء فيه، وأكثر من ذكره حتى لا تكاد تقرأ سورة من سور القرآن الكريم إلا وتجد للبعث فيها ذكرا، سواء كان ذلك بعبارة صريحة، أو غير ذلك. وقد أقسم الله سبحانه على وقوع البعث والمعاد في عدة مواطن في كتابه فمن ذلك:

أ- قال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وهو يونس 53-56.

(1) رواه البخاري في الرقاق باب الحشر 11/378،377 مع الفتح. ورواه مسلم في كتاب الجنة باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة رقم 56.

ص: 450

2-

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} سبأ 3-5 وقال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} التغابن 7.

وهذه الآيات الثلاث لا رابع لهن في القرآن الكريم ولا نظير لهن، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهن، حيث أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد ووجوده، ولاشك في ذلك {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1) .

وأما الاستدلال بالحس على البعث، فيتلخص في الآتي:

أولا: إن الله سبحانه أرى عباده إحياء الموتى عيانا في الحياة الدنيا وقد ورد بيان ذلك في القرآن الكريم.

1-

ما ذكره الله سبحانه في شأن بني اسرائيل مع موسى عليه السلام عندما امتنعوا عن الإيمان بالله تعالى حتى يروا الله جل شأنه جهرة - أي علانية - أو عيانا، فأرسل الله عليهم صاعقة تأخذهم، وهم ينظرون، ثم منّ الله تعالى عليهم بالإحياء والبعث مرة ثانية، قال تعالى:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} البقرة 55،56.

ص: 451

2-

ما ذكره الله سبحانه في شأن القتيل المختلف فيه من قتله، فأبان الله تعالى أمره، حيث أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ثم يضربوه بعضو منها ولما فعلوا ذلك قام من مقامه وأوداجه تشخب دما، فسألوه: من قتلك؟ فقال فلان. فكان في هذا الصنيع أكبر دليل على عظمة الله تعالى، وقدرته على بعث الموتى، بما رأوا وشاهدوا، كما فيه الحجة القاطعة عليهم في وقوع البعث والمعاد مرة ثانية. قال تعالى:{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} البقرة 72-73.

3-

ما أخبر الله سبحانه به عن القوم الذين فروا من الوباء بعدما استوخموا أرضهم، وأصابهم منه وباء شديد، ففروا إلى مكان آخر من البرية هربا من الموت، فلما تكاملوا جميعا كتب الله عليهم الموت، فماتوا ثم أحياهم الله مرة ثانية، وفي هذا أكبر دليل على وقوع المعاد، وإعادة الأجسام وبعثها بعد فنائها. قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} البقرة 243.

ص: 452

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فرارا من الموت هاربين إلى البرية، فنزلوا وادياً أفيح فملأوا مابين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين: أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، ففنوا وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر، مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما وعصبا وجلدا فكان ذلك، وهو يشاهده ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت، وكان في إحيائهم عبرة، ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة".اهـ

4-

ما أخبر الله سبحانه به من قصة الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فلما تفكر فيما آل إليه أمرها بعد بنائها وعظمتها استبعد إحياءها مرة ثانية، فجعل الله تعالى له العبرة منه وفيه وفي من حوله فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فرأى بأم عينيه أعظم آية تدل على المعاد.

ص: 453

قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 259.

5-

ما أخبر الله به سبحانه من قصة إبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة التي أُمِرَ عليه السلام بتقطيعهن، وجعلهن أجزاء على عدد من الجبال ثم دعوتهن، فعدن أحياء مرة ثانية كما كن من قبل، قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} البقرة 260.

6-

ما حكاه الله سبحانه في شأن قصة أصحاب الكهف، حيث كتب الله عليهم النوم في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ثم بعثهم بعد ذلك لم يتغير منهم شيء.

قال ابن كثير رحمه الله: "ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث، في أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح، ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك.

ص: 454

وقد سطر الله أمرهم في كتابه العزيز فقال سبحانه {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} الآية الكهف 19.

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا} الآية الكهف 12.

7-

ما أخبر الله سبحانه - به عن عيسى بن مريم عليه السلام في قصة إحيائه للأموات، قال تعالى:{وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ} الآية آل عمران 59. وقد ذكر أهل العلم بالتفسير أن عيسى عليه السلام أحيا أربعة أنفس بإذن الله وهذه من الآيات المعجزات والتي لا سبيل لأحد في إيجادها إلا بتأييد من الله تعالى، وفي الوقت نفسه برهان واضح على أن الله تعالى قادر على الإِحياء للخلق مرة ثانية فما دام أن المخلوق استطاع بإذن الله على ذلك فالخالق من باب أولى.

ثانيا: الاستدلال القرآني على البعث بالنشأة الأولى:

وذلك في عدة مواضع من القرآن الكريم:

1-

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئا..} الخ الآيات سورة الحج هـ.

ص: 455

يقول ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "وهذا احتجاج من الله على الذي أخبر عنه من الناس أنه يجادل في الله بغير علم، اتباعا منه للشيطان المريد، وتنبيه له على موضع خطأ قيله، وإنكاره ما أنكر من قدرة ربه، قال يا أيها الناس إن كنتم في شك في قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم استعظاما منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم عليه السلام من تراب، ثم إنشائنا لكم من نطفة آدم، ثم تصريفنا لكم أحوالا حالا بعد حال، من نطفة إلى علقة ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرا ومتعظا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك، فغير متعذر عليه إعادتكم بعد فنائكم، كما كنتم أحياء قبل الفناء".

2-

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الروم 27.

قال ابن جرير: "والذي له هذه الصفات تبارك وتعالى، هو الذي يبدأ الخلق من غير أصل فينشئه، ويوجده بعد أن لم يكن شيئا، ثم يفنيه بعد ذلك، ثم يعيده كما بدأه بعد فنائه، وهو أهون عليه".

3-

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} يس 77-79.

ص: 456

وقد ورد في سبب نزولها أن بعض منكري البعث من المشركين حمل في يده عظما باليا ففته أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذراه في الهواء ثم سأله سؤال استنكار واستهزاء وسخرية: هل يستطيع ربك بعث هذا وإحياءه؟، وذكرت الروايات أن النبي عليه السلام أجابه بقوله:"نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم"، وفي رواية:"نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار"(1) .

4-

قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء104.

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قام فينا رسول الله عليه السلام خطيباً بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} "(2) الخ الأنبياء 104.

5-

قال تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً، قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلاً} الاسراء49-52.

6-

قال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} ق 15، ومعنى الآية أن الخلق الأول للإنسان لم يعجزنا، أو يعيينا، فالخلق الجديد الثاني يكون أهون وأسهل.

(1) تفسير القرآن العظيم 5/631.ط دار الفكر.

(2)

رواه مسلم في صفة الجنة رقم 58 والبخاري في الرقاق باب الحشر 11/377.

ص: 457

7-

قال تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ} الواقعة 57-62. يقول ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى مقررا للمعاد ورادا على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد من الذين قالوا: {قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وهو وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد".

8-

قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة 36-40.

نقل ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات معان لأهل العلم، فقال السدي:"يعني لا يبعث"، وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم:"يعني لا يؤمر، ولاينهى". قال ابن كثير: "والظاهر أن الآية تعم الحالين، أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملا لا يؤمر ولاينهى، ولابترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى مستدلا بالبداءة، فقال تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين، ثم قال: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه" أهـ.

ص: 458

9-

قال تعالى: {وَيَقُولُ الأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً. أَوَلا يَذْكُرُ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} مريم 66-67.

قال ابن كثير: "يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة، يعني أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئا، أفلا يعيده وقد صار شيئا".

10-

قال تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} الرعد هـ

ثالثا: الاستدلال القرآني على البعث بإحياء الأرض بعد موتها:

قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة 22.

وإحياء الأرض بعد موتها من الأمثال التي يكثر ذكرها في القرآن، وتعتبر من البراهين المشاهدة المحسوسة على البعث بعد الموت، فأرض قحلة وخاشعة ومجدبة ينزلق عليها الماء فإذا هي جميلة المنظر تسر الناظرين، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

2-

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فصلت 39.

ص: 459

قال ابن كثير في تفسيرها: وقوله {وَمِنْ آيَاتِهِ} أي الدالة على قدرته على إعادة الموتى {أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً} أي هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} أي أخرجت من ألوان الزروع والثمار {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} اهـ.

3-

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَْ} الأعراف 57. قال ابن كثير: "أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، ينزل الله سبحانه وتعالى من السماء ماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض، وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قال: {َلعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَْ} (1) .

4-

قال تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} الروم 19.

5-

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الروم 24.

6-

قال تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الروم 50.

(1) تفسير القرآن العظيم 3/181.ط دار الفكر.

ص: 460

7-

قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} يس 33.

8-

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} الحج 5-7.

9-

قال تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} فاطر 9.

10-

قال تعالى: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} الزخرف 11.

11-

قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} ق 9-11.

رابعا: الاستدلال القرآني على البعث بآيات الله العظمى كالسماوات والأرض:

ص: 461

أ- قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُوراً} الا سراء98- 99.

2-

قال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يس 81-83

3-

وقال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} غافر 57.

4-

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الأحقاف 33.

خامسا: الاستدلال القرآني على البعث بأسمائه وصفاته وآثارهما:

ص: 462

فمن أسمائه: الحكيم والعدل، فمن حكمة الله وعدله أنه يحق الحق ويبطل الباطل ويميز الخبيث من الطيب ويعطي كل ذي حق حقه {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} ، وقد قال سبحانه:{أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} والخلق في الحياة الدنيا يظلم بعضهم بعضا فمنهم من يموت ظالما ومنهم من يموت مظلوما، فلابد إذن من يوم يحضر الجميع فيه بين يدي الله ليقتص من الظالم للمظلوم ولينال كل من المحسن والمسيء جزاءً، كما قال تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} ، وقال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (1) .

(1) محاضرات في التفسير الموضوعي ص 47-48 لعبد اللطيف نصار.

ص: 463

دراسة أهل الكتاب

أولا: عقيدة أهل الكتاب في الله جل جلاله:

إن عقيدة أهل الكتاب في ربهم عقيدة فاسدة تنبئ عن طوية سيئة، وقول مشين، وضلال مبين، ولولا أن القرآن ذكرها لما تجرأ القلم بذكرها خجلا وحياء وخوفا وذلا ورغبة ورهبة من فاطر السماوات والأرض. وإن قولهم المشين لتنشق منه السماء وتنهد منه الجبال لما فيه من الكذب الصراح والبهتان الواضح، فاستحقوا غضب ربهم ولعنة خالقهم ومسخهم قردة وخنازير.

إن أهل الكتاب أخفوا كثيرا مما أنزل إليهم ظلما وعدوانا وقد نبه عنه سبحانه فقال جل شأنه {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} المائدة 15-16.

وإن أهل الكتاب أعظموا الفرية على ربهم فيما نسبوا إليه من الولد والصاحبة وغير ذلك من الزور والبهتان فمن عقيدتهم في ربهم: ادعوا أن لله سبحانه ولدا.

قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} البقرة 116-117.

ص: 464

وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} مريم 88-93. وقال تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} الصافات 152. نعم إن قولهم هذا لأفك عظيم والذين تولوا كبره هم أهل الكتاب عليهم لعائن الله، وقد ورد تفصيل نوعية ذلك الولد المزعوم في مواطن من القرآن الكريم.

فاليهود زعموا أن عزيرا هو ابن الله سبحانه والنصارى زعموا أن عيسى هو ابن الله. وهذا صادر من أهل الكتاب مضاهاة لقول الكافرين من قبلهم.

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة 30.

إنها مقالة شنيعة، وفرية كبيرة تعالى الله عما يقولون علواً عظيماً ثم تطور هذا الزعم الباطل إلى أن جعلوا أنفسهم هم الأنبياء والأحباء لله دون غيرهم.

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} المائدة 18.

ص: 465

قال ابن كثير: "ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري فحملوا هذا على تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ربي وربكم ".

ثم تطور هذا الزعم الكاذب إلى أن ادعى النصارى أن عيسى ابن مريم عليهما السلام هو الله سبحانه قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المائدة 17. وقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} التوبة31. وزعمهم أن الله سبحانه فقير وادعاؤهم أنهم أغنياء.

قال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} آل عمران 181.

زعموا أن الله فقير وأنه سبحانه بحاجة إليهم وزعموا أنهم ليسوا بحاجة إليه سبحانه فرد الله عليهم قولهم.

وصف اليهود الله سبحانه أن يده جل شأنه مغلولة. أي بخيلة.

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} المائدة 64.

ص: 466

وفسر السلف قولهم المشين {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} أي بخيلة.

قال ابن عباس: لايعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

قال ابن كثير: "وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى والضحاك " وقد رد الله تعالى عليهم هذه المقالة المزعومة بقوله سبحانه: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} .

فهم البخلاء بأموالهم كما قال في حقهم {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً} النساء53.

ثانيا: موقفهم من الملائكة:

إن عقيدة اليهود في الملائكة عقيدة كافرة لا خير فيها لكونهم كفروا ببعض وادعوا بعضا آخر فقالوا: جبريل عدونا وميكائيل ولينا. وهذا تفريق بين المتماثلات بدون بيان ولا برهان، وإنما بناء على زعمهم الباطل أن جبريل يأتي بالشدة وسفك الدماء وميكال يأتي بالخير والرخاء والخصب والمطر.

قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. مَنْ كَانَ عَدُوّاً لله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} البقرة 97-98.

قال الطبري "أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم وأن ميكال ولي لهم..".

ص: 467

قال ابن كثير: "من عادى جبرائيل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} أو الآيتين. فحكم عليهم بالكفر المحقق إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدو لله لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه وإنما ينزل بأمر ربه كما قال:{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (1) انتهى.

كشف حال أهل الكتاب:

شدة عداوة أهل الكتاب للمؤمنين:

قال تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَالله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} البقرة 105. هذا النص يثبت لنا عداوة اليهود والنصارى لعباد الله المؤمنين عداوة قلبية، وهي أشد وأنكى من العداوة القولية. وإن كان قد اجتمع في أهل الكتاب العداوات الثلاث، القلبية والقولية والفعلية، كما يتبين إن شاء الله.

(1) تفسير القرآن العظيم (1/ 231) . ط دار الفكر.

ص: 468

ولقد حكم الله عليهم بالكفر لجحدهم وسترهم ما من الله به عليهم من الحق والهدى والنعمة والعطاء وهذا اللؤم والخبث المتمكن من قلوبهم المغلفة ونفوسهم الملتوية جعلهم لا يحبون ولا يتمنون أي خير ينزل على عباد الله المؤمنين بل يكرهون ذلك ويبغضونه ولذا صدر هذا النص ب (ما) النافية. وقوله سبحانه {مِنْ خَيْرٍ} نكرة وردت في سياق النفي فتعم.

قال الشوكاني: "والظاهر أنهم لايودون أن ينزل على المسلمين أي خير كان، فهو لا يختص بنوع معين كما يفيده وقوع هذه النكرة في سياق النفي، وتأكيد العموم بدخول (من) المزيدة عليها، وإن كان بعض أنواع الخير أعظم من بعض فذلك لا يوجب التخصيص ".

حرصهم على فتنة المؤمنين في دينهم والتشكيك فيه والتربص بهم.

قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 109.

وقال تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وهو آل عمران 69.

وقال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} آل عمران 72.

ص: 469

إن هذا الخبر من الله سبحانه يحمل في طياته التحذير لعباده المؤمنين من عباده الجائرين الذين جبلت نفوسهم على الخبث والحسد، واللؤم والنكد، والعداوة والبغضاء لمن خالفهم أو امتاز عنهم بشيء من فضل الله ورحمته {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} محمد 28. والتحذير من سلوك طريقهم، أو الوقوع في شراكهم، فإن عداوتهم معلومة في الظاهر والباطن، وقد علل الله سبحانه تمنيهم الخاسر بالحسد المتأصل في نفوسهم للخير الذي أنزل على المؤمنين من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء من الهدى والطريق المستقيم.

وقد وردت روايات في السيرة تبين بعض مواقف الملأ من يهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم من جلامدة الكفر وصناديد الظلم (وهذه عند المؤمن أشد من كل أذى ومن كل سوء يصيبه باليد أو اللسان، فالذي يود له أن يخسر هذا الكنز العزيز الإيمان ويرتد إلى الكفر، هو أعدى من كل عدو يؤذيه باليد واللسان) ومع هذا أمر المسلمون بالعفو والصفح عنهم والصبر على ما يلاقونه من أهل الظلم والطغيان حتى يفتح الله بينهم جميعا وهو خير الفاتحين.

ص: 470

أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 109. وكان رسوله الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل فقتل الله به من قتل من صناديد قريش" إن هذه الأساليب الماكرة، والصادرة من الكثرة أو القلة أو الطائفة من أهل الكتاب عائدة نتائجها على أصحابها، إنهم يمكرون بغيرهم، وهم ممكور بهم {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} إنهم حاولوا إضلال المسلمين مجاهرة لكنهم لم يستطيعوا فحاولوا إضلالهم بالمخادعة ليلبسوا على الضعفاء من المسلمين أمر دينهم فاشتوروا ورأوا أن يؤمنوا أول النهار بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ويكفروا آخره حتى يزعزعوا الثقة في قلوب المسلمين ويوقعوا الإرجاف في صفوفهم {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً} الكهف هـ.

يقول ابن كثير "هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين ولهذا قالوا:{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (1) .

وذكر نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة والسدى والربيع وأبي مالك.

(1) تفسير القرآن العظيم 2/56، 57. ط دار الفكر.

ص: 471

كما عقدوا العزم، وتواصوا بالباطل ألا يكشفوا أسرارهم ويطمئنوا إليه إلا لمن تبع دينهم وسلك طريقهم ووقع في ضلالهم خوفا من إقامة الحجة عليهم بما عندهم، وكفرا بالآيات البينات الواضحات وحسدا من عند أنفسهم أن يمتاز عليهم غيرهم.

قال تعالى: {وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الله أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} آل عمران 73-74.

وقد رد الله سبحانه عليهم مؤامراتهم الكاذبة وبين أن الهدى والفضل بيده سبحانه

وأن الأمور كلها تحت تصرفه فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا راد لما قضى، ولا مانع لما أعطى بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

يقول ابن كثير عند قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} .

"أي الأمور كلها تحت تصرفه وهو المعطي المانع، يمن على من يشاء بالإِيمان والعلم والتصرف التام، ويضل من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة التامة والحكمة البالغة".

التعنت والعناد والكفر والإِلحاد:

إن المتتبع لسيرة أهل الكتاب من خلال النصوص القرآنية وغيرها يجد أنهم أهل نفوس ملتوية، وقلوب مجخية، عنادهم ظاهر وتعنتهم باهر، وكفرهم واضح، وإلحادهم جلي وخفي.

قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} الآية النساء153.

ص: 472

وهذه الآية تفسرها آية البقرة وهي قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة 55، 56. إنهم قوم يجهلون عظمة الله سبحانه وعظيم آياته، وانظر إلى موقفهم المشين عندما منّ الله تعالى عليهم بمجاوزة البحر قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأعراف 138-139.

ومن تعنتهم وجهلهم اتخاذهم من حليهم عجلا نصبوه إلاها يعبدونه من دون الله، قال تعالى:{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ. وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الأعراف 148 -149. وقد توعد الله تعالى هؤلاء المماحكين بالغضب من عنده وبالذل والصغار في الحياة الدنيا جزاء ما افتروه.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} الأعراف 152.

الغلو والإطراء في الدين:

ص: 473

قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى الله إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا الله إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلاً} النساء 171.

يقول ابن كثير: "ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاها الله إياها، فنقلوه من خير النبوة إلى أن اتخذوه من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيه العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالاً أو رشادا أو صحيحا أو كذبا، ولهذا قال تعالى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله} الآية. انتهى.

وخوفا من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب من الغلو والإطراء جاء التوجيه النبوي من المصطفى عليه الصلاة والسلام بقوله "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله "(1) .

(1) رواه البخاري في الأنبياء باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} 6/478 مع الفتح عن عمر.

ص: 474

وفي رواية "أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل "(1) . ولذا حكم الله سبحانه بكفر الذين جعلوا الله سبحانه هو المسيح ابن مريم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المائدة 17.

قال ابن كثير: "يقول الله تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم وهو عبد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

التبديل والتحريف والتأويل الباطل والافتراء الكاذب:

إن هذه الكلمات الأربع (التبديل، والتحريف، والتأويل، والافتراء) في أهل الكتاب سمة واضحة ولذا قال الله تعالى مبيناً عوارهم وكاشفا فضائحهم وأسرارهم. {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} المائدة 15، 16.

(1) رواه أحمد في المسند 3/153، 241 من حديث أنس رضي الله عنه، ورواه أيضاً في المسند 4/ 25 وأبو داود في الأدب باب كراهية التمادح 5/ 154 من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير.

ص: 475

وقد أخرج الحاكم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} فكان الرجم مما أخفوه. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المائدة 19.

وقال تعالى منكرا على المؤمنين أو متعجبا من طمعهم في إيمان أهل الكتاب بقوله سبحانه: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} البقرة 75.

ومن تحريفهم ما ورد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} البقرة 104.

وقوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً} النساء 46.

ص: 476

وكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلّموا إنما يقولون السام عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بوعليكم، وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا (1) انتهى.

إنهم يوهمون السامع أنهم يقولون حقا فإذا تمعنت فيما قالوا علمت فساد قولهم الناتج عن فساد قصدهم وخراب فهمهم.

ولقد حرفوا كلمة راعنا وجعلوها مشتقة من الرعونة أو من السخرية، كما حرفوا كلمة السلام إلى السام. ولذا غضبت عائشة رضي الله عنها لما سمعت منهم ذلك وشتمتهم ولعنتهم كما ثبت عنها ذلك في الصحيحين قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم قالت عائشة ففهمتها فقالت: وعليكم السام واللعنة قالت: فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم: "مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله" فقالت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قلت وعليكم؟ (2) .

(1) تفسير القرآن العظيم 1/ 259- هـ 26. ط دار الفكر.

(2)

رواه البخاري في الأدب باب الرفق في الأمر كله 10/ 449 مع الفتح وهو في مسلم أيضاً.

ص: 477

لقد فسدت فهومهم وساءت تصرفاتهم في آيات ربهم فتأولوا كتاب الله على غير ما أراده الله وأنزل فاستحقوا لعنة الله تعالى فقال سبحانه: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} المائدة 13. قلوب قاسية، وخيانة مستمرة إلا من عوفي منهم وقليل ما هم فلا تلين لموعظة ولا تسمع لنداء ولا تستجيب لأمر ولا تقف عند نهى. ومن تبديلاتهم الكاذبة ما ورد في قصة الرجم في حق الزانيين قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة 41.

قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلالوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والاركاب على حمار مقلوبن، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم، تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوه عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك" اهـ.

ص: 478

وقال القرطبي: "قال علماؤنا رحمة الله عليهم- نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} الآية، وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعية علمائهم وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله ليقبلوها عنهم، فتتأكد رياستهم، وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها.. " اهـ.

وهذا التبديل والتحريف كما هو ثابت عنهم في القرآن الكريم، كذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبدا لله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة". وهذا لفظ البخاري.

ص: 479

وفي رواية له "فقال لليهود ما تصنعون بهما؟ قالوا نسخم وجوههما ونخزيهما. قال "فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " فجاءوا فقالوا لرجل منهم مما يرضون أعور: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه فقال: ارفع يدك فرفع فإذا آية الرجم تلوح. قال يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما". وعند مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسوله الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال:"ماتجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا نسود وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال: "فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقن " قال: فجاؤا بها فقرءوها حتى إذا مر بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ مابين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما.

قال عبد الله بن عمر: "كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه".

ص: 480

وعن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم فقالوا نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال لا والله ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقالوا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. قال فأمر به فرجم قال فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وهو قال في اليهود {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قال في الكفار كلها".

ومن افتراءاتهم الكاذبة وتأويلاتهم الباطلة تحريفهم لكتاب الله تعالى وينسبون ذلك الكلام المحرف إلى الله سبحانه تمويها للناس وتضليلا عليهم.

قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران 78.

ص: 481

يقول ابن كثير: "يخبر الله تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله ولهذا قال الله تعالى:{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (1) اهـ.

الادعاءات الكاذبة والأماني الفاسدة:

عندما يظهر الانهزام على شخص ما أو جماعة أو دولة ما يبحث عن مبرر لإثبات وجوده في محاولة إقناع الآخرين من خلال ذلك المبرر الذي اختاره أو التهويش الذي لا يأوي إلى ركن شديد خوفا على سقوط مكانته الاجتماعية وإصرارا منه على عدم تطويع نفسه على قبول الحق والانقياد له حسدا وكبراً. وهذا ما وقعت فيه اليهود لما رأت محمدا صلى الله عليه وسلم ينشر دعوته بوضوح وبرهان ورأوا إقبال الناس والوفود عليه مستسلمين طائعين بدأوا ينشرون التغرير الكاذب في صفوف الناس ويدعون الأماني الكاذبة، فمن ذلك:

أولا: ادعوا أنهم أهل الجنة فقط ولا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى.

قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة 111.

ثائيا: ادعوا أنهم أهل الهداية والملة القويمة. ويريدون من محمد صلى الله عيه وسلم وأتباعه اتباعهم لكي يهتدوا.

قال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} البقرة 134.

(1) تفسير القرآن العظيم 2/26. ط دار الفكر.

ص: 482

أخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عبد الله ابن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عيه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك فأنزل الله عز وجل: {وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} (1) .

ثالثا: ادعاؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لا يغرهم ذنب ارتكبوه، وهم كاذبون فيما ادعوا ومحرفون لما نطقوا به.

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} المائدة 18.

أخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن آصا، وبحر بن عمرو، وشاس بن عدي فكلموه. وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته.

فقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى. فأنزل الله فيهم {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ..} إلى آخر الآية.

رابعا: ادعاؤهم أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة كذباً وزورا.

قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 80، 81.

(1) تفسير ابن كثير 1/328 ط دار الفكر.

ص: 483

أخرج ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن اليهود كانوا يقولون هذه الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة فأنزل الله تعالى:{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً} ، إلى قوله {خَالِدُونَ} (1) .

ويقول ابن كثير: "يقول تعالى: (إخباراً عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم ينجون منها فرد الله عليهم ذلك بقوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} أي بذلك؟ فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى ب "أم "التي بمعنى. بل أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.

خامسا: ادعاؤهم وزعمهم أنهم أغنياء وأنهم ليسوا بحاجة إلى الله سبحانه بل الله جل شأنه بحاجة إليهم فوصموه سبحانه بالفقر، وافتروا عليه أنه أباح لهم الربا.

قال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} آل عمران 181، 182.

(1) تفسير ابن كثير 1/206 ط دار الفكر.

ص: 484

أخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل أبو بكر الصديق- رضي الله عنه المدراس فوجد من يهود أناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه جد يقال له أشيع فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص. اتق الله وأسلم فو الله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر وإنه إلينا لفقير ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ينهاكم عن الربا ويعطنا ولو كان غنياً ما أعطانا الربا.

فغضب أبو بكر- رضي الله عنه فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً وقال والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله فاكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبصر ما صنع بي صاحبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ما حملك على ما صنعت؟ فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عدو الله قد قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص وقال ما قلت ذلك فأنزل الله فيما قال فنحاص رداً عليه وتصديقاً لأبي بكر:{لَقَدْ سَمِعَ..} . الآية.

إن هذا سوء تصور عن الله سبحانه وسوء أدب معه جل شأنه.

سادسا: افتراؤهم على الله سبحانه أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسوله حتى يأتي بقربان تأكله النار ثم بعد ذلك يؤمنوا.

وهذا فيه كغيره تغرير بالأميين منهم ومن غيرهم وتشكيك في صحة وصدق نبوة محمد صلى عليه وسلم حتى يأتي ويتحقق ما قذفوه في روع السذج ولن يتحقق لأنه باطل وزور وبهتان.

ص: 485

قال تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} آل عمران 183.

يقول ابن كثير: "يقول تعالى تكذيبا- أيضاً- لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا برسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما".

ويقول سيد قطب: "وهي مجابهة قوية تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر وتبجحهم بعد ذلك وافترائهم على الله ".

سابعا: قولهم الباطل "ليس علينا في الأميين سبيل ".

ويقصدون بالأميين. العرب وهذه الفرية المكشوف عوارها والأكذوبة الموتورة أرادوا من ورائها أكل أموال الناس بالباطل وأنها حلال لهم.

قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران 75.

يقول ابن كثير:

"يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم فإن منهم (من إن تأمنه بقنطار أي من المال (يؤده إليك)

ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما أي بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه ".

ثامنا: ادعاء كل طائفة من أهل الكتاب أن إبراهيم- عليه السلام منهم.

ص: 486

قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران 65-66.

يقول ابن كثير: "ينكر تبارك وتعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل- عليه السلام ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم ".. وقال "هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم، وأمرهم برد مالا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها".

تاسعا: ادعاؤهم أنهم قتلوا المسيح- عليه السلام.

قال الله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} النساء158.157.

ص: 487

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قالت أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب فقال اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا فقالت: هو أنت ذاك فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قالت: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق فقالت فرقة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية.

وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية.

وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام.

قال ابن كثير "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحو وكذا ذكره غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة.

إن الدافع لهم على قتله عليه السلام كونه ذكر لهم أنه رسول الله فدفعهم الحسد دفعاً إلى التخلص منه ولذا قالوا من باب التهكم والسخرية والاستهزاء فيما حكاه الله تعالى عنهم {إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه} .

عاشرا: دعواهم أن الله سبحانه هو المسيح- عليه السلام تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولذا حكم الله بكفرهم.

قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} المائدة 72.

ص: 488

إن المسيح عليه السلام أول كلمة نطق بها وهو في المهد صغيرا قال إني عبد الله، وطلب عليه السلام من بني إسرائيل عبادة الله وحده وعدم الإشراك به في حال نبوته وكهولته فيهم. قال تعالى:{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} المائدة 72. ففي حال صغره وحال كهولته ديدنه عليه السلام المناداة بالعبودية لله بدءا بنفسه عليه السلام ودعوة لغيره.

وقد قال الله في حقه وحق أمه: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} المائدة 75.

وقال سبحانه أيضا: {إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ} .

الحادي عشر: دعواهم أن الله سبحانه ثالث ثلاثة.

قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} المائدة 73.

ورد في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال.

الأول: أنها نزلت في اليهود والنصارى. وذلك عندما قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وصار الله سبحانه ثالثهم. تعالى الله عن هذا علوا عظيما. واستغرب هذا القول الحافظ ابن كثير في تفسيره وهو مروي عن أبي صخر عند ابن أبي حاتم.

الثاني: أنها نزلت في النصارى خاصة وهذا قول مجاهد وغيره وصححه ابن كثير في تفسيره.

ومرادهم الأقانيم الثلاثة، أقنوم الأب ثم الابن ثم أقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن.

ص: 489

الثالث: أنها نزلت في كونهم جعلوا المسيح وأمه الصديقة الاهين مع الله جل شأنه. فصار الله ثالث ثلاثة.

قال ابن كثير: "وهذا القول هو الأظهر. وهو مروى عن السدي واستشهد له بقوله تعالى في آخر سورة المائدة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ} المائدة 116.

الزكاة

في القرآن الكريم

تعدد ذكر الزكاة في القرآن الكريم في مواطن كثيرة مما يدل على أهميتها والعناية بها. والمتتبع لسور القرآن، المكي منها والمدني، يجد أن الزكاة ذكرت في النوعين، أعني: المكي والمدني، فهي من آكد العبادات بعد الشهادتين والصلاة، وقد قرنت بالصلاة كثيرا، كما سيأتي بيان ذلك.

قال ابن جرير: قال قتادة: وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإِسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك، وقد كان أهل الردة بعد نبي الله قالوا: أما الصلاة، فنصلي، وأما الزكاة، فوالله لا تغصب أموالنا، قال أبو بكر: والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه (1) .

ويقول ابن تيمية: وجعل الإِسلام مبنيا على أركان خمسة، ومن آكدها الصلاة، وهي خمسة فروض، وقرن معها الزكاة، فمن آكد العبادات: الصلاة وتليها الزكاة ففي الصلاة عبادته وفي الزكاة الإحسان إلى خلقه، فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آية، ولم يذكره إلا وقرن معها الزكاة (2) .

وقال تلميذه ابن كثير:

(1) تفسير ابن جرير (24/93) .

(2)

الفتاوى (25/6) .

ص: 490

كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإِنفاق من الأمواال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإِنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات الأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ، ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت"، والأحاديث في هذا كثيرة. انتهى.

وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} النساء77.

كان المؤمنون في ابتداء الإِسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم.

ويقول المراغي في تفسيره ما نصه:

"وقد فرضت الزكاة المطلقة في أول الإسلام، وكانت اشتراكية، والباعث عليها القلوب والضمائر، لا إكراه الحكام، ثم جعلت معينة محددة عندما صار للإسلام دولة، وسرُّ الوضع الأولى: أن جماعة المسلمين في مكة قبل الهجرة كانوا محصورين، ومنهم الموسر والمعسر، وصاحب الثروة وذو الفقر المدقع، فوجب أن يقوم أغنياؤهم بكفالة فقرائهم وجوبا دينيا إذا كانت الزكاة المعينة لا تكفيهم.

ويقوله رشيد رضا:

فرضت الزكاة المطلقة بمكة في أول الإسلام، وترك مقدارها ودفعها إلى شعور المسلمين وأرحيتهم، ثم فرض مقدارها من كل نوع من أول الأموال في السنة الثانية على المشهور.. اهـ.

ص: 491

ويشهد لهذا قول الضحاك: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المثبتات.

ولقد وردت الزكاة في القرآن مجملة غير مفصلة ولا معروفة المقدار والأنصبة، لكن ثبت في السنة تفاصيلها وبيان مقدارها.

ولقد اعتنى القرآن بهذا الركن العظيم وتنوعت صيغه يا الدلالة عليه كما سيأتي بيانه، وكيفية الاعتناء بهذا الغرض في كتاب الله تتضح لنا وتتجلى الأمور التالية:

أولا: أهمية الزكاة في القرآن والعناية بها:

إن الله سبحانه تولى بنفسه العظيمة قسمتها وبيان حكمها، قال تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة. 6. وأخرج أبو داود في سننه بسند فيه ضعف من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك (1) . وقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:

لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم ولمزهم إيّاه في قسم الصدقات، بيّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء المذكورين.

ثانيا: أنها أحد أركان الإسلام الخمسة:

(1) رواه أبو داود في كتاب الزكاة باب من يعطي الصدقة 2/ 281 رقم 1630 وفي سنده الأفريقي فيه ضعف.

ص: 492

فإن الزكاة المفروضة أحد مباني الإسلام الخمسة، كما ثبت ذلك النقل الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان (1) .

بل هي الركن الثالث من أركان الإسلام، جعلها الله قرينة للصلاة في مواطن كثيرة من كتابه الحكيم.

قال ابن زيد: افترض الله الصلاة والزكاة وأبى أن يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة.

ثالثا: إن المرء يستحق أخوة الِإيمان والدخول في جماعة المسلمين إذا حقق ثلاثة أمور وهي: الشهادة والصلاة والزكاة، قال تعالى:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} التوبة 11.

قال الزين ابن المنير معلقا على هذه الآية: لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة. أهـ (2) .

رابعا: إن الله سبحانه لا يقبل توبة المشرك به إلا إذا حقق الثلاثة الأمور السابقة، وهي الشهادة والصلاة والزكاة.

قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التوبة هـ.

يقول ابن كثير رحمه الله ت 774 هـ.

(1) صحيح البخاري كتاب الإيمان باب دعاؤكم إيمانكم (1/ 49) مع الفتح طبعة السلفية من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(2)

تفسير القرآن العظيم (3/ 65) . ط دار الشعر.

ص: 493

"ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه لا قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة التي هي حق الله عز وجل، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد للفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة". ويقول القرطبي رحمه الله:

"والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة، وهذا بين في هذا المعنى، غير أن الله تعالى ذكر التوبة، وذكر معها لشرطين آخرين، فلا سبيل إلى الغائهما".

خامسا: إن البيعة على الإسلام لا تتم إلا بإيتاء الزكاة:

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب البيعة على إيتاء الزكاة، ثم ساق حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.

يقول الزين ابن المنير رحمه الله معلقا على ترجمة البخاري: هذه الترجمة أخص من التي قبلها لتضمنها أن بيعة الإسلام لا تتم إلا بالتزام إيتاء الزكاة وأن مانعها ناقض لعهده، مبطل لبيعته (1) أهـ.

سادسا: كونها معلومة في كل دين من الأديان:

ا- قال الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} مريم 31.

2-

وقال تعالى في شأن إسماعيل عليه السلام: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} مريم 55.

(1) فتح الباري (3/267) .

ص: 494

3-

وقال تعالى في حق إبراهيم وذريته عليهم السلام: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} الأنبياء73.

4-

وقال تعالى في أخذ الميثاق على بني إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا} البقرة 83.

5-

وقال تعالى أيضاً: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} المائدة 12.

6-

وقال تعالى في أهل الكتاب عامة: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} البينة هـ

سابعا: إن القرآن حدد المصارف التي تصرف فيها الزكاة:

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة 65.

ص: 495

وهذا النص يبين لنا أن الله سبحانه تولى أمر صرف الزكاة بنفسه العليّة وقسّمها وبين حكمها، ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فجزأها سبحانه بين هذه الأصناف الثمانية، وهذا يدل على العناية بأمر الزكاة وعظم شأنها، وأنه لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتصرف في هذه الفريضة وفق استحسانه أو هوا5 أو رغبته سواء كان المعطى قريباً أم بعيداً.

وعن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك (1) .

ثامنا: كونها وردت في القرآن الكريم بصيغ متنوعة ومتعددة:

فقد وردت صراحة بلفظ الزكاة في عدة أماكن من القرآن الكريم.

ومرة وردت بلفظ الصدقة.

ومرة وردت بلفظ النفقة.

ومرة وردت بلفظ العفو.

وسيأتي بيان هذا كله إن شاء الله تعالى في باب معاني الزكاة في القرآن الكريم.

تاسعا: كونها مفروضة في العهد المكي جملة، ومفصلة في العهد المدني حيث ذكرت الزكاة صراحة في بعض السور المكية، مثل قوله تعالى في سورة المزمل:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} . وفي سورة المؤمنون: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} .

(1) رواه أبو داود في الزكاة باب من يعطي الصدقة وحد الغنى رقم 1630، وفي سنده الأفريقي فيه ضعف. وانظر تفسير ابن كثير (4/ 105) .

ص: 496

ووردت في بعض السور الأخرى بغير لفظ الزكاة، كما في سورة الأنعام:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ، وفي سورة الذاريات:{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ، وفي سورة المعارج:{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} إلى غير ذلك من السور المكية التي ذكرت فيها الزكاة صراحة، إلا أن الزكاة في ذلك العهد لم تفصل أحكامها، وتتضح مقاديرها، وتذكر شروطها، ويعرف مستحقها، لكن جاء في الآيات المدنية بيان مستحقيها، والحث على ايتائها. وبينت السنة المطهرة أحكامها ومقاديرها وشروطها. يقول ابن كثير في أول سورة المؤمنون ما نصه:

وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه} آية 141.

وقال في آخر سورة المزمل ما نصه:

وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} : أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله تعالى أعلم.

معاني الزكاة في القرآن الكريم

ص: 497

تكرر لفظ الزكاة في القرآن الكريم حوالي اثنين وثلاثين مرة، وردت معرفة بالألف واللام في ثمانية وعشرين موضعا، ووردت منكرة في بقية المواضع، وفي أحد هذه المواضع المعرفة وردت في سياق واحد مع الصلاة، وإن كان يفصل بينهما آية واحدة، وذلك في أول سورة المؤمنون، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} .

وقرنت الزكاة بالصلاة في ستة وعشرين موضعا.

ووردت في القرآن الكريم بغير لفظها الصريح، كالإنفاق والصدقة والعفو وهي بمعنى الزكاة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

والقرآن الكريم لما عبر عن الزكاة بلفظها الصريح، لم يقصره ويحصره على الزكاة المفروضة، بل جعل له دلالات ومعان أخر، كما أنه لم يحصر أو يقصر التعبين عن الزكاة المفروضة بلفظ الزكاة الصريح، بل عبر عنها بألفاظ أخرى كما أشير إليه أعلاه.

يقول ابن العربي رحمه الله: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو. (1)

وقال: والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض.

ولنبدأ الآن في الشروع في بيان معاني لفظ الزكاة الواردة في القرآن الكريم بلفظ الزكاة أو مشتقاتها:

أولا: أطلق القرآن الكريم لفظ الزكاة، وأريد بها معان عدة

المعنى الأول: الزكاة المفروضة:

وهذا المعنى تكرر في القرآن في أغلب المواطن التي ذكر فيها لفظ الزكاة خاصة إذا كانت مقرونة بالصلاة، ومن ذلك:

ا- قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} البقرة 43.

قال قتادة: فريضتان واجبتان فأدوهما إلى الله. (2) .

وقال الطبري: أما إيتاء الزكاة، فهو أداء الصدقة المفروضة.

وقال الحسن: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها مع الصلاة.

(1) نقلاً عن فتح الباري (3/262) .

(2)

تفسير ابن جرير (1/257) .

ص: 498

وقال أبو محمد بن أبي حاتم وكذا روى عن عائشة.

وقال البغوي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة وقال ابن عطية: والزكاة في هذه الآية هي المفروضة بقرينة إجماع الأمة على وجوب الأمر بها.

وقال القرطبي: أمر أيضاً يقتضي الوجوب. والإيتاء: الإعطاء، ثم قال: واختلف في المراد بالزكاة هنا، فقيل: الزكاة المفروضة لمقارنتها بالصلاة (1) ، وحكى أن هذا قول أكثر العلماء.

2-

وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} البقرة 83.

روى ابن جرير بسند فيه ضعف عن الضحاك عن ابن عباس قال: إيتاء الزكاة ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها فكان ذلك تقبله، ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمر الله به وبينه له.

وقال أبو الليث السمرقندي: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} : المفروضة.

3-

وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} البقرة 115.

قال مقاتل بن سليمان: يعني: أعطوا الزكاة المفروضة (2) .

4-

وقوله تعالى: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} البقرة 177.

قال سعيد بن جبير: {وَآتَى الزَّكَاةَ} : يعني الزكاة المفروضة (3) .

وكذلك قال مسلم بن يسار.

وقال مقاتل بن سليمان: {وَآتَى} : وأعطى، {الزَّكَاةَ} : المفروضة (4) وكذلك فسرها أبو الليث السمرقندي.

(1) الجامع لأحكام القرآن (1/343-344) ، وابن كثير (1/ 85) .

(2)

تفسير الخمسمائة آية ص 135.

(3)

الدر المنثور (1/ 416-417) .

(4)

تفسير مقاتل (1/ 157) .

ص: 499

5-

وقوله تعالى: {وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 277

قال ابن جرير: وآتوا الزكاة المفروضة عليهم في أموالهم (1) .

وقال مقاتل بن سليمان: يعني: وأعطوا الزكاة من أموالهم (2) .

6-

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة

الآية} النساء77.

قال ابن جرير: "ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شق ذلك عليهم، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه.

وهذا السبب الذي ذكره ابن جرير ساقه بإسناده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا فأنزل الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ

الآية} .

وهذا الحديث رواه ابن أبي حاتم والنسائي والحاكم وابن مردويه كما ذكر ذلك ابن كثير.

المعنى الثاني: المراد به الشهادة:

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} فصلت 6-7.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الذين لا يشهدون لا إله إلا الله.

وقال عكرمة: الذين لا يقولون لا إله إلا الله.

(1) تفسير ابن جرير (3/106) .

(2)

تفسير مقاتل (1/226) .

ص: 500