الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 17
فهرس المحتويات
1-
رفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
2-
من أعلام المحدثين - علي بن المديني 161 - 234 هـ: للشيخ عبد المحسن العباد
3-
أضواء من التفسير: لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
4-
حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في العصر الحديث: بقلم الشيخ محمد المهدي محمود
5-
من الصحف والمجلات - ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون: إعداد العلاقات العامة
6-
إلى البابا بولس السادس عظيم أهل ملته: بقلم الشيخ محمد مهدي استانبولي
7-
الزي الإسلامي للمرأة ومزاياه: بقلم الدكتور فاروق محمود ساهل
8-
الإسلام والحياة - فريضة التفكير في الإسلام: بقلم الشيخ: أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر
9-
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب قايد
10-
المسؤولية في الإسلام مسؤولية الرجل: للشيخ عبد الله قادري
11-
متى
…
متى! : للشيخ محمد المجذوب
12-
التطور البلاغي لمبحث الفصل والوصل: بقلم الأستاذ عبد الله عبد الرحيم عسيلان
13-
هل وجود السينما في هذه البلاد ضرورة؟ : عبد الرحمن سيف
14-
الإيمان نصر: للشيخ أحمد مختار البزرة
15-
إلى رياض العلم: للطالب عبد الله عارف الحسن
16-
الصفحة الأدبية: لأبي عاصم
17-
من هو الناقد الأدب: بقلم الطالب عبد الرحمن الأنصاري
18-
الوجه الحقيقي للإسلام: للطالب عبد الله عثمان الكوكي
19-
الشباب دعامة المستقبل: بقلم عبد العزيز يوسف بهزاد
20-
أخبار الجامعة
21-
يستفتونك: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المدرس بالجامعة
سورة الجمعة
قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} - فيه الإشكال والجواب مثل ما ذكرنا آنفا في قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} الآية. لا يخفى أن أصل مرجع الضمير هو الأحد الدائر بين التجارة واللهو لدلالة لفظة أو على ذلك ولكن هذا الضمير رجع إلى التجارة وحدها دون اللهو فبينه وبين مفسره بعض منافاة في الجملة. والجواب أن التجارة أهم من اللهو وأقوى سببا في الانفضاض عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم انفضوا عنه من أجل العير، واللهو كان من أجل قدومها مع أن اللغة العربية يجوز فيها رجوع الضمير لأحد المذكورين قبله.. أما في العطف فواضح لأن الضمير في الحقيقة راجع إلى الأحد الدائر الذي هو واحد لا بعينه. كقوله تعالى:{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً}
وأما الواو فهو فيها كثير. ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا} الآية - وقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} - وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا} الآية - وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْه} الآية - ونظيره من كلام العرب قول نابغة ذبيان: -
وقد أراني ونعما لاهيين بها
والدهر والعيش لم يهمم بامرار
سورة المنافقون
قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} الآية. هذا الذي شهدوا عليه حق لأن رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيها وقد كذبهم الله بقوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، مع أن قوله والله يعلم أنك لرسوله كأنه تصديق لهم.
والجواب أن تكذيبه تعالى لهم منصب على إسنادهم الشهادة إلى أنفسهم في قولهم نشهد وهم في باطن الأمر لا يشهدون برسالته بل يعتقدون عدمها أو يشكون فيه كما يدل للأول قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} إلى قوله: {وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} . ويدل للثاني قوله تعالى: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية ظاهر هذه الآية الكريمة أنه لا يغفر للمنافقين مطلقا وقد جاءت آية توهم الطمع في غفرانه لهم إذا استغفر لهم رسوله صلى الله عليه وسلم أكثر من سبعين مرة. وهي قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}
والجواب أن هذه الآية هي الأخيرة بينت أنه لا يغفر لهم على كل حال لأنهم كفار في الباطن.
سورة التغابن
قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم} تقدم رفع الإشكال بينه وبين قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} في سورة آل عمران
سورة الطلاق
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} . الآية. ظاهر في خصوص الخطاب به صلى الله عليه وسلم وقوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ} الآية يقتضي خلاف ذلك.
والجواب هو ما تقدم محررا في سورة الروم من أن الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم حكمه عام لجميع الأمة.
أفرد الضمير في هذه الآية في قوله يؤمن وقوله يعمل وقوله يدخله وقوله، وجمع في قوله خالدين.
والجواب أن الإفراد باعتبار لفظ من والجمع باعتبار معناها وهو كثير في القرآن العظيم. وفي هذه الآية الكريمة رد على من زعم أن مراعاة المعنى لا تجوز بعدها مراعاة اللفظ لأنه في هذه الآية راعى المعنى في قوله خالدين ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله قد أحسن الله له رزقا.
سورة التحريم
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِي} مع قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} يجري فيه من الإشكال.
والجواب ما تقدم في سورة الطلاق
قوله تعالى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} – لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن المرأة ليست من الرجال وهو تعالى لم يقل من القانتات.
والجواب هو إطباق أهل للسان العربي على تغليب الذكر على الأنثى في الجمع فلما أراد أن يبين أن مريم من عباد الله القانتين وكان منهم ذكور وأناث غلب الذكور كما هو الواجب في اللغة العربية ونظير قوله تعالى: {إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} . وقوله: {إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} .
سورة الملك
قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أنهم ما كانوا يسمعون في الدنيا ولا يعقلون وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً} .
وقوله: {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} .
وقد قدمنا الجواب عن هذا محررا في الكلام على قوله صم بكم وعلى قوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً} الآية.
سورة القلم
قوله تعالى: {لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} . الآية. تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء} . الآية.
سورة الحاقة
قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} تقدم رفع الإشكال بينه وبين الآيات الدالة على أن الظن لا يغني من الحق شيئا في الكلام على قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} في سورة البقرة قوله تعالى: {وَلا طَعَامٌ إِلَاّ مِنْ غِسْلِينٍ} ظاهر هذا الحصر أنه لا طعام لأهل النار إلا الغسلين وهو ما يسيل من صديد أهل النار على أصح التفسيرات كأنه فعلين من الغسل لأن الصديد كأنه غسالة قروح أهل النار أعاذنا الله والمسلمين منها. وقد جاءت آية أخرى تدل على حصر طعامهم في غير الغسلين وهي قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلَاّ مِنْ ضَرِيعٍ} وهو الشبرق اليابس على أصح التفسيرات ويدل لهذا قوله أبي ذؤيب:
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى
وصار ضريعا بان عنه النحائص
وللعلماء عن هذا أجوبة كثيرة أحسنها عندي اثنان منها ولذلك اقتصرت عليهما الأول- أن العذاب ألوان والمعذبون طبقات فمنهم من لا طعام له إلا من غسلين ومنهم من لا طعام له إلا من ضريع، ومنهم من لا طعام له إلا الزقوم ويدل لهذا قوله تعالى:{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} . الثاني – أن المعنى في جميع الآيات أنهم لا طعام لهم أصلا لأن الضريع لا يصدق عليه اسم الطعام ولا تأكله البهائم فأحرى الآدميون، وكذلك الغسلين ليس من الطعام فمن طعامه الضريع لا طعام له ومن طعامه الغسلين كذلك. ومنه قولهم فلان لا ظل له إلا الشمس ولا دابة له إلا دابة ثوبه يعنون القمل ومرادهم لا ظل له أصلا ولا دابة له أصلا وعليه فلا إشكال والعلم عند الله تعالى.
سورة سأل سائل
قوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} .
تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله في يوم كان مقداره ألف سنة وقوله: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} في سورة الحج وقوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأَُخْتَيْنِ} في سورة النساء.
سورة نوح
قوله تعالى: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَاّ فَاجِراً كَفَّاراً} هذه الآية الكريمة تدل على أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عالم بما يصير إليه الأولاد من الفجور والكفر قبل ولادتهم وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله كقوله: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ} وكقول نوح نفسه فيما ذكره الله عنه في سورة هود: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} . الآية.
والجواب عن هذا ظاهر وهو أنه علم بوحي من الله أن قومه لا يؤمن منهم أحد إلا من آمن كما بينه بقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَن} . الآية.
سورة الجن
قوله تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} – لا يعارض قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} لأن القاسط هو الجائر والمقسط هو العادل فهما ضدان.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ} . الآية. أفرد الضمير في قوله له وجمع قوله خالدين.
والجواب هو ما تقدم من أن الإفراد باعتبار لفظ من والجمع باعتبار معناها وهو ظاهر.
سورة المزمل
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلَاّ قَلِيلاً} . وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} إلى قوله: {وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} الآية يدل على وجوب قيام الليل على الأمة لأن أمر القدوة أمر لاتباعه. وقوله: {وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} دليل على عدم الخصوص به صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله ما يدل على خلاف ذلك في قوله:{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} . وقوله: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} . والجواب ظاهر وهو أن الأخير ناسخ للأول ثم نسخ الأخير أيضا بالصلوات الخمس.
قوله تعالى: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً} . لا يعارض قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} لأن قوله وكانت الجبال كثيبا مهيلا تشبيه بليغ والجبال بعد طحنها المنصوص عليه بقوله وبست الجبال بسا تشبه الرمل المتهايل وتشبه أيضا الصوف المنفوش.
سورة المدثر
قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} . الآية تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} الآية.
سورة القيامة
قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} . لا يعارض إقسامه به في قوله: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} . والجواب من وجهين:
أحدهما أن لا نافية لكلام الكفار.
الثاني أنها صلة كما تقدم وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعال.
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}
سورة الإنسان
قوله تعالى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} . لا يعارضه قوله تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} الآية ووجه الجمع ظاهر وهو أنهما جنتان أوانيهما وجميع ما فيهما من فضة، وأخريان أوانيهما وجميع ما فيهما من ذهب والعلم عند الله تعالى.
سورة المرسلات
قوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} .
هذه الآية الكريمة تدل على أن أهل النار لا ينطقون ولا يعتذرون وقد جاءت آيات تدل على أنهم ينطقون ويعتذرون. كقوله تعالى: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} . وقوله: {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} . وقوله: {بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً} . وقوله: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَاّ الْمُجْرِمُونَ} وقوله: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا} إلى غير ذلك من الآيات.
والجواب عن هذا من أوجه:
الأول: أن القيامة مواطن ففي بعضها ينطقون وفي بعضها لا ينطقون.
الثاني: أنهم لا ينطقون بما لهم فيه فائدة ومالا فائدة فيه كالعدم.
الثالث: أنهم بعد أن يقول الله لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون ينقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق. قال تعالى: {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ} . وهذا الوجه الثالث راجع للوجه الأول.
سورة النبأ
قوله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} تقدم وجه الجمع بينه هو والآيات المشابهة له كقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} مع الآيات المقتضية لدوام عذاب أهل النار بلا انقطاع كقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا} في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّه} الآية فقد بينا هناك أن العذاب لا ينقطع عنهم وبينا وجه الاستثناء بالمشيئة وأما وجه الجمع بين الأحقاب المذكورة هنا مع الدوام الأبدي الذي قدمنا الآيات الدالة عليه فمن ثلاثة أوجه:
الأول: وهو الذي مال إليه ابن جرير وهو الأظهر عندي لدلالة ظاهر القرآن عليه هو أن قوله لابثين فيها أحقابا متعلق بما بعده أي لابثين فيها أحقابا في حال كونهم لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق ويدل لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في قوله: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} . وغاية ما يلزم على هذا القول تداخل الحال وهو جائز حتى عند من منع ترادف الحال كابن عصفور ومن وافقه. وإيضاحه أن جملة: لا يذوقون: حال من ضمير اسم الفاعل المستكن ونعني باسم الفاعل قوله لابثين الذي هو حال ونظيره من اتيان جملة فعل مضارع منفي بلا حالا في القرآن قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً} أي في حال كونكم لا تعلمون.
الثاني: أن هذه الأحقاب لا تنقضي أبدا رواه ابن جرير عن قتادة والربيع بن أنس وقال إنه أصح من جعل الآية في عصاة المسلمين كما ذهب إليه خالد بن معدان.
الثالث: أنا لو سلمنا دلالة قوله أحقابا على التناهي والانقضاء فإن ذلك إنما فهم من مفهوم الظرف والتأبيد مصرح به منطوقا والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول. وقوله خالد بن معدان أن هذه الآية في عصاة المسلمين يرده ظاهر القرآن لأن الله قال وكذبوا بآياتنا كذابا: وهؤلاء الكفار.
سورة النازعات
قوله تعالى: {وَالأََرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} – تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إلى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} – في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأََرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} . الآية.
قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} .
تقدم وجه الجمع بينه وبين الآيات الدالة على عموم الإنذار كقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} في سورة يس وغيرها.
سورة عبس
قوله تعالى: {أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} . عبر الله تعالى عن هذا الصحابي الجليل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم بلقب يكرهه الناس مع أنه قال: {وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَاب} .
والجواب هو ما نبه عليه بعض العلماء من أن السر في التعبير عنه بلفظ الأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كالم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار لما قطع كلامه.
سورة التكوير
قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} ظاهر هذه الآية يتوهم منه الجاهل أن القرآن كلام جبريل مع أن الآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأنه كلام الله كقوله: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه} وكقوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} .
والجواب واضح من نفس الآية لأن الإيهام الحاصل من قوله أنه لقول يدفعه ذكر الرسول لأنه يدل على أن الكل ام لغيره لكنه أرسل بتبليغه فمعنى قوله رسول أي تبليغه عمن أرسله من غير زيادة ولا نقص.
سورة الانفطار
قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} . هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن الذي يعلم يوم القيامة ما قدم وما أخر نفس واحدة وقد جاءت آيات أخر تدل على أن كل نفس تعلم ما قدمت وأخرت كقوله: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} وقوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} – إلى غير ذلك من الآيات
والجواب – أن المراد بقوله نفس كل نفس والنكرة وإن كانت لا تعم إلا في سياق النفي أو الشرط أو الامتنان كما تقرر في الأصول، فإن التحقيق إنها ربما أفادت العموم بقرينة السياق من غير نفي أو شرط أو امتنان كقوله:{عَلِمَتْ نَفْسٌ} في التكوير والانفطار وقوله أن مثل نفس وقوله أن تقول نفس يا حسرتي والعلم عند الله تعالى.
سورة التطفيف
قوله تعالى: {كَلَاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم يوم القيامة وقد قدمنا وجه الجمع بين هذا المفهوم وبين قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأََبْصَارُ} .
سورة الانشقاق
قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن من لم يعط كتابه بيمينه أنه يعطاه وراء ظهره وقد جاءت آية يفهم منها أنه يؤتاه بشماله وهي قوله تعالى:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي} . الآية.
والجواب ظاهر وهو أنه لا منافاة بين أخذه بشماله وايتائه وراء ظهره لأن الكافر تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه.
سورة البروج
قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} تقدم وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} .
وقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من توهم المنافاة من لفظة الجنود مع لفظة فرعون لأن فرعون ليس جندا وإنما هو رجل لعينه.
والجواب ظاهر وهو أن المراد بفرعون هو وقومه فاكتفى بذكره لأنهم تبع له وتحت طاعته.
سورة الطارق
قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} . هذا الإمهال المذكور هنا ينافيه قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الآية.
والجواب أن الإمهال منسوخ بآيات السيف والعلم عند الله تعالى.
المسؤولية في الإسلام
مسؤولية الرجل
للشيخ عبد الله قادري
كانت الحلقات السابقة من هذا البحث تتحدث عن المسؤوليات المتعلقة بالحاكم والمحكوم، وقد ضربنا لذلك أمثلة بأربع مسؤوليات هي:
مسؤولية الإمام، ومسؤولية التعليم، ومسؤولية الإعلام ومسؤولية جند المسلمين، وهي كافية للتنبيه على المسؤوليات الحكومية الأخرى، كالقضاء والإدارة وغيرهما.
أما في هذه الحلقة وما يليها فيدور الكلام حول المسؤوليات المتعلقة بأشخاص بأعيانهم لأشخاص بأعيانهم.
1-
حقوق الوالدين
وقبل الكلام على حقوق الوالدين أحب أن أنبه على جوانب سؤال قد يعن للقارئ، وهو: كيف يكون الوالدان من رعية الولد مع أن العكس هو الصحيح حسب الظاهر؟
والجواب أنه لا غرابة في ذلك فإن الوالد قد يكون كبير السن عاجزا لا يقدر على القيام بمصالح نفسه فيقوم ولده بها، فيكون بذلك راعيا والوالد مرعيا، وقد يكون الولد متعلما عنده مؤهلات لتولي بعض المناصب الهامة في الدولة كالخلافة والإمارة والقضاء وأشباههما وليس كذلك الوالد فيكون الأب من جملة الرعية التي يتولى الولد أمرها.
وعلى أي حال فإن للوالدين على ولديهما حقوقا عظيمة اعتنت بها نصوص الشريعة الإسلامية من كتاب وسنة وقرنت حقوقهما بحقوق الله في القرآن الكريم لأهميتها كما قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}
سبب الاعتناء بحقوق الوالدين:
ولعل السبب في عناية الإسلام بحقوق الوالدين من الأمرين التاليين:
1-
أنهما السبب المحسوس المباشر في وجود الولد، ومن كان سببا في وجودك فحقه عظيم ولذا نرى القرآن يجمع بين حق الله وحقهما كما مضى ولما كان الله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات وهو مصدر وجود المخلوق كان حقه مقدما على حق كل أحد.
2-
ما يعانيانه من المشقات على ولدهما من حمل ووضع وإرضاع من قبل الأم ومن تربية وإنفاق وتنظيف وتمريض وإشفاق من قبلهما معا، وقد أشارت الآيات القرآنية إلى ذلك كما قال تعالى:{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} الآية من سورة لقمان.
وقال تعالى في سورة الإسراء بعد أن أمر الولد بالإحسان إليهما ونهاه عن أدنى ما يمكن أن يصدر عنه من عقوق لهما: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}
وبالتأمل في الآيات القرآنية يظهر أن الوالدين يشتركان في تربية الولد الدينية والعقلية والجسمية، وإن كان ببعض هذه الأمور، ولكن الأم تختص بتحمل مشاق لا يشاركها فيها الأب كالحمل والوضع والإرضاع. كما قال تعالى في الآية المتقدمة:{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ومن هنا كان حق الأم أكد على الولد من حق الأب، وقد أوضحت ذلك السنة الصحيحة تما الإيضاح، فقد سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.
شرك الوالدين لا يسقط حقهما
ومن عدل الشريعة الإسلامية الغراء أنها تعطي صاحب الحق حقه ولو كان مشركا يدعو إلى الشرك ولا يجيز إسقاط حقه بسبب شركه، كما قال تعالى في سورة المائدة على وجه العموم:{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} . ولذلك أمر الله الولد أن يقوم بحق والديه من الإحسان إليهما والبر بهما والإنفاق عليهما ومصاحبتهما بالمعروف مع بقائهما على الشرك، ولا يجوز له أن يعصيهما إلا إذا أمراه بمعصية الله تعالى، فلا طاعة لهما عليه في ذلك، لأن المقصود من طاعتهما الحصول على ثواب الله، وطاعتهما في المعصية يترتب عليها عكس ذلك وهو العقاب.
والقاعدة العامة ألا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقد أوضحت الآيات القرآنية ذلك إيضاحا تاما. قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
وقد روى مسلم في صحيحه أن هاتين الآيتين من سورة لقمان نزلتا في حق سعد بن أبي وقاص عندما حلفت أمه وكانت مشركة ألا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى يكفر بدينه، وقالت له: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. فمكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له عمارة، فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنز الله عز وجل في القرآن هذه الآية الكريمة:{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ}
وانظر تفسير ابن كثير، ج 3 ص 405-445، وقد دلت السنة أن حق الوالدين أكد على ولدهما من الجهاد – إذا كان تطوعا – ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال:"أحي والداك؟ " قال: نعم. قال:"ففيهما فجاهد". كما أن قصة جريج وهي في الصحيحين أيضا تدل على أن إجابة الولد المصلى – تطوعا – أمه إذا دعته واجبة عليه مراجع إن شئت كتاب اللؤلؤ والمرجان ج 3 ص 241-242 والأحاديث في ذلك كثيرة أكتفي منهما بما مضى وبالحديث التالي الدال على أن عقوقهما من أكبر الكبائر. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر – ثلاثا –؟ قالوا: بلى، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور". ويلاحظ أن القرآن ذكر حقوقهما الواجبة مع حقوق الله والسنة قرنت بين عصيانهما وعصيان الله، وكفى بذلك دلالة على وجوب البر والإحسان إليهما.
2-
حقوق الأولاد.
الأولاد اليوم أطفال ومرؤوسون، وغدا آباء كبار ورؤساء، وقد جرت سنة الله أن يسلم كل جيل أبناءه من يده قيادة عجلة الدنيا، وفي مدة لا تزيد عن مائة سنة في الغالب يرحل جيل ويخلفه آخر، وقد أراد الله تعالى من البشرية الإصلاح في الأرض لا الإفساد، أراد الإصلاح الشامل الذي يتناول الدنيا والدين، من قام بما أراد الله منه نال حظه الوافر في الدنيا من راحة واطمئنان وتمكين وثناء حسن في حياته وبعد مماته، وفي الآخرة من رضى الله وثوابه الذي يضاعفه له جزاء ما قدم من إصلاح، ومن فعل خلاف ذلك فعمل الفساد وفتح أبوابا وسهلا موصلة إليه فعليه وزر ما عمله هو وما عمله غيره من الفساد اقتداء به. وكانت عاقبته شر عاقبة عاجلا بما ينال في الدنيا من قلق واضطراب وسوء معاملة بينه وبين الناس، وذكر سيئ في حياته وبعد مماته، وآجلا بما أعده الله له من عقاب أليم جزاء ما اكتسب من فساد وإفساد، وأحسن الناس من خلف بعده أعمالا صالحة يستفيد منها المسلمون كما مضى في الحديث الصحيح "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به" وأسوأ الناس من كانت أعماله شرا، وخلف بعده آثارا سيئة، فيها ضرر على المسلمين في مصالحهم العامة أو الخاصة، ومثل هذا كمثل من قال فيه الشاعر:
رحلت بخزية وتركت عارا
وكنت إذا حللت بدار قوم
إذا عرفنا ما تقدم عرفنا أهمية حقوق الأولاد على الآباء، وهي كثيرة وخلاصتها السعي في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم عاجلا وآجلا، وحقوقهم في الحقيقة ليست حقوقا شخصية فحسب بل إنها فوق كونها نافعة لأشخاصهم نافعة للمجتمع كله.
واذكر من حقوق الأولاد على الآباء ما يلي على سبيل المثال:
1-
العناية بتربيتهم الجسمانية وقت الطفولة من غذاء منظم مفيد، ونظافة وعلاج عند الحاجة، ونحو ذلك مما يساعد على نمو أجسامهم وسلامتها، وقوة أعضائهم، فإن قوة الجسم مطلوبة مع غيرها من القوى المعنوية، كقوة العقل، وقد مدح الله تعالى طالوت عندما خصه بالقيادة بصفتين عظيمتين، احداهما قوة الجسم والثانية كثيرة العلم، فقال:{وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} والمؤمن القوي الجسم الذي يقدر على القيام بأعمال مفيدة نافعة له ولإخوانه المؤمنين خير من ضعيف الجسم الذي لا يقدر على ذلك وقد مضى ما يدل على هذا المعنى في الحديث الصحيح الذي فيه: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ".
2-
العناية بتنشئتهم على الأخلاق الفاضلة في وقت الصغر، فإن الأمور التي يطبع عليها الصغير قلما يفارقها في كبره، فيجب أن يمرن على الصدق والوفاء وعلى الشجاعة والكرم، وإكرام الضيف والجار والشفقة على الضعيف والاعتماد على النفس في جلب المعاش وغير ذلك من الصفات الحميدة، كما ينفر من أضداد تلك الصفات وأشباهها، ولا يتأتى هذا الأمر إلا إذا توفرت هذه الصفات الحميدة في الآباء وغيرهم من أهل البيت. فإن الطفل يكتسب من أهل البيت صفاتهم التي يراهم يلازمونها، حسنة كانت أم سيئة، فيجب أن يكون الكبار قدوة للصغار في أعمال الخير.
3-
العناية بتنمية مواهبهم العقلية بالتدريج، بحيث لا يحملون ما لا يطيقون ولا يهملون مطلقا، بل يبدأ معهم بتمارين مناسبة لعقولهم، وخير ما أرى أن تنمى به عقولهم في المرحلة الأولى تعريفهم بأن ما يشاهدون من هذا الكون من إنسان وحيوان وشمس وقمر ونجوم وسماء وأشجار كلها من مخلوقات الله، حتى ينشأوا على معرفة ربهم وأنه المتصرف في هذا الكون ليحتفظ لهم بفطرتهم التي فطرهم الله عليها.
4-
ملاحظتهم في أداء الشعائر التعبدية كالصلاة وما يتصل بها من وضوء ونحوه، والوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة هو السابعة من عمره، وهو بطبيعته سيحاول تقليد أبيه وأمه في صلاتهما ووضوئهما قبل ذلك، وسيرى الناس مع أبيه في المسجد يصلون باستمرار، فيرتسم في نفسه أن هذا أمر لا بد منه، فإذا بلغ العاشرة من عمره، وأمر بالصلاة ولم يصل، عندئذ يؤدب بالضرب حتى يصلي، وهذا العمل يعتبر حفاظا من الشريعة على الطفل، وتمرينا له على الطاعة قبل أن يبلغ السن التي يكون مكلفا فيها تكليفة إيجاب، وهو احتياط عظيم جدا، فإن الطفل إذا بدئ بتمرينه على الطاعة، قبل سن الرشد بأربع سنوات أو خمس لا يأتي وقت تكليفه إلا وهو يعمل ما كلف به عن طواعية واختيار، ولا يفوت شيئا مما يجب عليه، بخلاف ما إذا ترك دون تمرين حتى يصل إلى سن البلوغ فإنه سيتردد في فعل الواجب، وسيفوت بعضه في أول الأمر حتى يمرن مدة من الزمن كافية، وهذا من محاسن التربية الإسلامية التي لا توازيها أي تربية يكون مصدرها سوى الإسلام.
5-
العناية بتعليمهم قراءة القرآن، وإذا تيسر تحفيظهم إياه فلا ينبغي أن يفرط في ذلك، وإذا لم يتيسر حفظ الجميع فما تيسر منه، مع تفهيمهم أن هذا القرآن كلام الله الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المطلوب من تعلمه وقراءته وحفظه وتعليمه هو العمل بأوامره واجتناب نواهيه، وأن يكون هو الدستور والمرجع الذي يحتكم إليه، وإنه هو الحق وما خالفه هو الباطل لا يجوز العمل به، حتى يكون القرآن معظما في نفوسهم ومنهجهم وإمامهم في اعتقادهم وسلوكهم وشريعتهم ونظامهم فإن شباب المسلمين لم يتركوا تعاليم دينهم ولم يبتعدوا عنها إلا بعد أن ذهب تعظيم هذا الكتاب من نفوسهم إذ هجروه إلى غيره من الكتب التي يشكك أغلبها في أحكامه العادلة وأخباره الصادقة، كما يجب أن يوجهوا بعد كتاب الله إلى سنة رسوله الصحيحة، وأن يختار لهم في صغرهم بعض الأحاديث التي تشتمل على الأخلاق الحسنة والدعوة إليها والتنفير من أضدادها حتى ينشأوا محبين للخير متصفين به كارهين للشر مبتعدين عنه.
6-
وعند ما يبلغون السن التي يحصل معها الفهم الكافي يجب أن يعلموا الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة من حلال وحرام وما يتصل بهما، مع الاستعانة بتفاسير القرآن الكريم وشروح السنة المعتمدة، وكتب الأئمة الفضلاء دون أن يؤمروا بالتعصب لأي مذهب معين، بل ينبغي أن يبث فيهم روح الاجتهاد والبحث عن الأحكام من مصادرها الأصيلة، ويجب أن يعرفوا فضل أئمة الإسلام – كالأئمة الأربعة وغيرهم – واحترامهم وأن يكون موقفهم من أولئك الأئمة موقف المنصف الذي ينزل كل شخص منزلته اللائقة به، دون إفراط أو غلو، كما يفعل المتعصبون لبعض الأئمة، حيث يصرح الكثير منهم أنهم لا يأخذون الأحكام من كتاب ولا سنة، بل يأخذون الأحكام من أقوال إمامهم المعين، ولو خالفت صريح القرآن وصحيح السنة، فإن في هذا غلوا يخشى على صاحبه الفتنة، ودون تفريط في حق أولئك الأئمة رحمهم الله تعالى، كما يفعل بعض المتطرفين الذين يذمونهم، ويستدلون عليهم بالآيات التي تذم الخلاف والتفرق، كقوله تعالى في سورة الأنعام:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} الآية وهذا الاستدلال غير صحيح بالنسبة بالأئمة رحمهم الله، فإنهم لم يقصدوا الخلاف، وإنما اجتهدوا في فهم نصوص الكتاب والسنة، وكل منهم عمل لما بلغه اجتهاده وهو الواجب عليه، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، كما ثبت ذلك في السنة. والأئمة أنفسهم حذروا أتباعهم من أخذ آرائهم بدون دليل فما ذنبهم بعد هذا؟
والذي يجب على طالب العلم، أن يعرف حقهم، وأنهم خدموا الإسلام خدمة عظيمة وأن أغلب آرائهم صواب وخطأهم قليل، وأن الواجب أن يأخذ طالب العلم ما قام عليه الدليل في أي مذهب كان، فإن الله تعالى لم يتعبدنا بالتسليم لقول أي أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب التسليم له لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وما عداه فهو محل أخذ ورد، وما اختلف فيه وجب رده إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا حاكم غيرهما في أمور الدين. هذا هو الواجب مع احترام الأئمة والاطلاع على أقوالهم واستدلالهم، لأن لهم باعا طويلا في فهم الوحيين. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة قيمة في هذا الموضوع لا ينبغي لطالب العلم أن يغفل عن مطالعتها تسمى:(رفع الملام عن الأئمة الأعلام) . وينبغي أن يسبق حث الطالب على الاجتهاد والبحث عن الأدلة وطرق الاستدلال تزويده بثروة كافية من علوم اللغة العربية وعلوم الآلات الشرعية كأصول الفقه والتفسير والحديث وغيرها حتى يكون له استعداد للبحث وفهم مراد الله من النص ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم. أما قليل الفهم والعلم الذي لا يتمكن من ذلك فليس له ترجيح قول على قول لعدم أهليته، وإنما عليه أن يسأل العلماء والمجتهدين عن حكم الله تعالى، ويعمل بذلك، وما يفعله كثير من الجهال الذين لا أهلية عندهم لفهم ولا علم من إصدار الأحكام من تحليل وتحريم أمر لا يجوز ويجب أن يؤخذ على أيديهم، لأن التحليل والتحريم ليس من وظيفتهم، وإنما هو من وظيفة العلماء الفاهمين الذين لهم اطلاع واسع على نصوص الشريعة وعلومها، فلا يحلون إلا ما أحله الله، ولا يحرمون إلا ما حرمه الله، وقد نهى الله الجهال عن الحكم على شيء بأنه حلال أو حرام بدون علم كما قال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} وقال: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}
7-
ومن أهم الأمور التي يجب أن يعتني بها الآباء اختيار المدارس التي عرفت بالعناية بعلوم الدين والتربية الإسلامية، لا سيما في المراحل الأولى والثانية والثالثة من مراحل التعليم فإن في ذلك إعانة للوالد على الحصول على مراده من تربية ولده، ومن المؤسف أن كثيرا من الآباء لا يهمه إلا أن يحمل ولده شهادة في المستقبل يتسلم بها وظيفة راقية سواء أبقى له شيء من دينه أم لا، فيرميه في أي مدرسة دون أن يعرف وجهة مديرها ومدرسيها وما يهدفون إليه، وهذا أمر خطير، وذنب عظيم يتحمله الوالد، حيث يلقى بولده في صغره في أحضان قوم قد يكون همهم الوحيد التشكيك في الدين وإفساد اللأب بإخراجهم عن تعاليم دينهم، والله يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة}
ورزق الله تعالى مكتوب لا تأتي به شهادة ولا يمنعه عدمها، وإذا أراد الوالد أن يتخصص ولده في علم من العلوم فلا مانع من ذلك بعد أن يؤمن عليه بمعرفة دينه والعمل به، وكذلك يجب أن يختار لولده معلما يلازمه يكون قدوة له تتوفر فيه أسباب الفلاح بحيث يكون متقيا ورعا محافظا على شعائر الدين، متحليا بالأخلاق الفاضلة، من إخلاص وصدق وأمانة وكرم وشجاعة ومثابرة على البحث والتحقيق العلمي، فإن اختيار مثل هذا المدرس الصالح لملازمة ولده يساعده مساعدة عظيمة على تربيته الصالحة، لأن المرء بقرينه كما قيل، والجليس الصالح من أعظم الأسباب لصلاح جليسه، كما أن الجليس السيئ من أكبر الأسباب لفساد جليسه وكما يجب أن يختار له ملازما صالحا يجب أن يحول بينه وبين وملازمة الأشرار من مدرسين وطلاب وغيرهم لئلا يكتسب من صفاتهم الخبيثة فيصبح مثلهم، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن الذي يصاحب أهل الشر فيضلونه عن سبيل الله يندم يوم القيامة على ما فعل، ويتمنى أن لا يكون فعل ذلك، كما يتمنى أن يكون قد صاحب من يهديه إلى طريق الخير قال تعالى:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} الفرقان، وذكر تعالى أن رؤساء الضلال والاضلال يتبرأون يوم القيامة من أتباعهم، وأن أتباعهم يتمنون لو يعودون إلى الحياة الدنيا فيتبرأون من أولئك الرؤساء كما تبرأوا منهم، قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ
حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم حسن مجالسة الصالحين وقبح مجالسة الفاسدين أتم إيضاح بمثالين، ففي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مثل جليس الصلاح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة"
فاحذروا أيها الآباء على أولادكم من مجالسة الأشرار وحافظوا علهم بمجالسة أهل الخير، والموضوع في حقيقته عام لكل مسلم يجب أن يصحب الأخيار ويبتعد عن الأشرار، وإنما ذكرت ذلك هنا لأن الأولاد أكثر استجابة لأي مبدأ من الكبار، والكلام هنا في شأنهم.
قد يقال إن وجود المعلم الذي تتوفر فيه تلك الصفات نادر، وأغلب المعلمين لا يوجد فيهم إلا بعضها ومنهم من يتصف بأضدادها فهل تعني أن نمنع أولادنا دخول المدارس؟
والجواب: لا، لم أرد ذلك، وإنما أردت المعلم الذي ينبغي أن يلازمه الطالب، في أغلب أوقاته، سواء كان من مدرسيه في المدرسة أو من غيرهم والمهم صلاحه.
8-
وينبغي أن يهتم الوالد بتعليم ابنه بعض الحرف التي تكون سببا لطرق كسبه كالتجارة والصناعة والزراعة وغيرهما، حتى يكون معتمدا في كسبه وانفاقه على ربه ثم على عمل يده، ولا يكون عالة على المجتمع يتكفف الناس، ولنا في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام أسوة حسنة فقد كان بعضهم نجارا، كما صنع نوح عليه السلام السفينة التي كانت السبب المحسوس في نجاته ونجاة قومه، وكان زكريا عليه السلام نجارا كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان داود عليه السلام يصنع الدروع كما قال تعالى عنه:{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ولقد فضل الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل أن يجمع الحطب ويحمله على ظهره ويبيعه وينفق على نفسه ليستغني عن الناس ويتصدق منه، فضل له ذلك على تكفف الناس وسؤالهم، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه ويستغني به عن الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه"
والأحاديث الصحيحة في ذم السؤال كثيرة جدا، فيجب أن يحث الوالد ولده على الشهامة والمروءة وعزة النفس والابتعاد عن الأمور، التي تجعله ذليلا أمام الناس.
9-
ومما ينبغي التنبه له أنه يجمل بالأب أن يوجه ولده إلى تفهم مشاكل المجتمع التي تعترضهم سواء كانت أخلاقية أو سياسية أو اقتصادية أو غيرها، والبحث عن الحلول المناسبة حتى يكون عضوا عاملا يهمه ما يهم مجتمعه، ولا يقف متفرجا على ما يحدث من المشاكل، فإن الذي يقف من مشاكل أمته هذا الموقف يعتبر بمنزلة العضو المقطوع من الجسد. وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على تعاون المسلمين فيما بينهم وجعلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وقال:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" والله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
ومن هنا وجب على المعلمين أن يتعاونوا مع الآباء في توجيه الأولاد، لأن كثيرا من الآباء ليسوا أهلا للتوجيه في كثير مما مضى.
متى
…
متى!
للشيخ محمد المجذوب
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
أيها الحسناء
…
كفى من ضلالك
واسمعي النصح يجنبك المهالك
ذلك العري الذي آثرته
رجعة للغاب
…
لو تدرين ذلك
خلفه أيدي "الكواهين "التي
لا يروي غلها غير اغتيالك
قد دروا إنك ميزان القوى
فإذا اختل هوى الخزي بآلك
وقديما يئسوا من قهرنا
حينما أعياهمو لمح خيالك
غير أن الذل قد دمرنا
منذ أن خضت بنا تلك المسالك
فمتى العود إلى الله وقد
وضح الدرب، ولا عذر لسالك
أنت إن لم ترحمي أمتنا
فارحمي نفسك، وارثي لمآلك
التطور البلاغي لمبحث الفصل والوصل
بقلم: الأستاذ عبد الله عبد الرحيم عسيلان
المدرس بالمعهد العلمي بالمدينة
1-
تمهيد:
يعتبر بحث الفصل والوصل من المباحث الهامة، وقد احتل منزلة كبيرة في تقدير علماء البلاغة إلى درجة أن بعضهم حد البلاغة بأنها معرقة الفصل والوصل، وما ذلك إلا لما يتميز به من دقة في المأخذ وصعوبة في المسلك بحيث (لا يحيط علما بكنهه إلا من أوتي في فهم كلام العرب طبعا سليما ورزق من ادراك أسراره ذوقا سليما)[1]
ويعتبر الجرجاني معرفة الفصل والوصل سبيلا إلى معرفة سائر معاني البلاغة يقول: "وإنه لا يكمل الإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة"[2] وفصحاء العرب وبلغاؤهم كانوا حريصين كل الحرص على مراعاة مواطن الفصل والوصل في كلامهم وخطبهم، وينصحون بذلك بقول أبو العباس السفاح لكاتبه:"قف عند مقاطع الكلام وحدوده وإياك أن تخلط المرعى بالمهمل"[3] ويقول معاوية: "يا أشدق قم عند قروم العرب وجحاجحها فسل لسانك وجل في ميادين البلاغة وليكن لمقاطع الكلام منك على بال فإني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى على علي ابن أبي طالب رضي الله عنه كتابا وكان يتفقد مقاطع الكلام كتفقد المصرم صريمه"
وقصارى القول أن مبحث الفصل والوصل من المباحث الهامة في البلاغة العربية، ونحن هنا نحاول أن نتبين الأطوار التي مر بها إلى أن استوى على سوقه.
2-
تعريفه:
إذا تلمسنا تحديدا للفصل والوصل في الكتب التي تبحث في الأدب والبلاغة والتي تمثل أدوار نشأة البحث البلاغي كالبيان والتبيين للجاحظ، وقواعد الشعر لثعلب والبديع لابن المعتز فإننا لا نظفر بشيء، ومن الممكن أن نقف على تعريف بدائي له عند أبي هلال العسكري في الصناعتين، فقد اهتم به وعد معرفته معرفة للبلاغة كلها وبين مدى ضرورة الكاتب والخطيب والشاعر إلى معرفة مواضع كل من الفصل والوصل إلا أنه درسه دراسة أدبية لا أثر فيها للتنظيم والتحديد والتعريف ومع ذلك كله يمكن أن نستخلص من خلال ما ذكره المقاييس البلاغية التي تخص الفصلة والوصل فمن ذلك ما أورده عن أكثم بن صيفي أنه إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول لكتابه "أفصلوا بين كل معنى منقض وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض"[4]، وما أورده عن الحارث بن شمر الغساني إذ يقول لكاتبه:"إذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه فافصل بينه وبين تبعيته من الألفاظ فإنك إن مذقت ألفاظك بغير ما يحسن أن تمذق نفرت القلوب عن وعيها وملته الأسماع واستثقلته الرواة"[5] وحينما نتفحص قول أكثم والحارث على ضوء المقاييس التي وضعها البلاغيون بعده نجد أنها تقترب مما يقررونه في باب الفصل والوصل، أو لم يقرروا بأن التباين التام باختلاف الجملتين خبرا وإنشاء أو عدم وجود التناسب بينهما مما يوجب الفصل حسب ما هو معروف فيما سموه (كمال الانقطاع) ، وهناك لفتة وردت في قول أكثم تشعر بوصل أجزاء الكلام إذا كان معجونا بعضه ببعض، وهذه اللفتة تتفق مع ما قرره البلاغيون فيما بعد من وجوب الوصل إذا قصد اشتراك الجملتين في الحكم الإعرابي أو إذا اتفقا خبرا وإنشاء وكانت بينهما مناسبة ولنتخطى أبا هلال إلى الجرجاني لنجد أنه وضع معالم بحث الفصل والوصل بقوله: "اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجملة من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى من
أسرار البلاغة" [6] وننتقل إلى السكاكي فنجده يعرفه بقوله "ومدار الفصل والوصل هو ترك العطف وذكره على هذه الجهات وكذا طي الجمل عن البين ولا طيها" [7] ثم جاء ملخصوا المفتاح وشراح التلخيص وكلهم يدورون حول تعريف واحد هو: "أن الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه"وقد استفاض شراح التلخيص في التعليق على هذا التعريف وتوضيحه.
3-
مادة الفصل والوصل:
من خلال دراستنا لتاريخ البلاغة العربية نجد أن ثمة مؤلفات أولية تمثل أدوار النشأة الأولى للبلاغة العربية من مثل قواعد الشعر لثعلب، والبديع لابن المعتز، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ونقد الشعر لقدامة وغيرها من الكتب التي تعني بجمع النصوص الأدبية والشوارد اللغوية كالبيان والتبيين للجاحظ والكامل للمبرد، ولو قلبنا صفحات تلك الكتب وسبرنا أغوارها فإننا لا نتمكن من العثور على شيء ذي بال يتعلق بمباحث الفصل والوصل بل إن بعضها يخلو تماما من مجرد الإشارة إليه، ولعل الجاحظ فيما يبدو لي يعتبر أول من أشار إلى الفصل والوصل في كتابه البيان والتبيين حينما نقل عن الفارسي قوله:"إن البلاغة معرفة الفصل والوصل"، ولم يزد على ذلك بمعنى أنه لم يحدثنا عنه أو لم يعطنا فكرة عن مباحثه، ويمكن القول أن أبا هلال العسكري هو أول من اعتنى بمبحث الفصل والوصل فقد أفرد له بابا في كتابه الصناعتين جمع فيه نصوصا وشواهد كثيرة تحث على مراعاة مواطن الفصل والوصل في الكلام والكتابة، وساق شواهد من الشعر والنثر على أحواله، فاستشهد لما سماه المأمون [8] في قوله باسم المحلول والمعقود ووضح المقصود بالمحلول والمعقود بقوله:"هو إنك إذا ابتدأت مخاطبة ثم لم تنتبه إلى موضع التخلص مما عقدت عليه كلامك سمي الكلام معقودا وإذا شرحت المستور وأبنت عن الغرض المنزوع إليه سمي الكلام محلولا"[9] واستشهد لما لم يبن موضع الفصل فيه وللمقطع الحسن في الشعر [10] ولجودة الفاصلة وحسن موقعها وتمكنها في
موضعها، وقسم ذلك إلى ثلاثة أضرب: الأول أن يضيق على الشاعر موضع القافية فيأتي بلفظ قصير قليل الحروف فيتم به البيت كقول زهير:
ولكنني عن علم ما في غد عمي واعلم ما في اليوم والأمس قبله
والثاني أن يضيق به المكان أيضا ويعجز عن إيراد كلمة سالمة تحتاج إلى إعراب ليتم بها البيت فيأتي بكلمة معتلة لا تحتاج إلى إعراب فيتمه به مثل قول امرئ القيس:
كذئب الفضا يمشي الضراء ويتقي بعثنا ربيبا قبل ذاك محجلا
الثالث أن تكون الفاصلة لائقة بما تقدمها من ألفاظ الجزء من الرسالة أو البيت من الشعر وتكون مستقرة في قرارها متمكنة في موضعها حتى لا يسد مسدها غيرها وإن لم تكن قصيرة قليلة الحروف كقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} وقوله تعالى: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فأبكى مع أضحك وأحيا مع أمات، والأنثى مع الذكر والأولى مع الآخرة والرضا مع العطية في نهاية الجودة وغاية حسن الموقع [11] ، وهنا نقف على لفتة بلاغية من لفتات أبي هلال حيث نبه على التناسق البديع في السياق القرآني للآيات السابقة، على أن أبا هلال العسكري حشد هذه المادة الكثيرة حول الفصل والوصل معالجا الموضوع معالجة أدبية دون العناية بالترتيب والتقنين والتحديد ولهذا لا نجد فيما ذكره ما يضع بين أيدينا مقاييس بلاغية واضحة المعالم لمبحث الفصل والوصل، وكأني بسائل يسأل وعبد القاهر الجرجاني ما هو شأنه مع الفصل والوصل فنجيب بأنه كان في طليعة من بحثوه بحثا منسقا مفصلا يعتمد التقسيم والتحليل، والتعليل والتعريف وحينما تحدث عنه وضع نصب عينه نظريته في النظم فربطه بباب العطف، واستفاض في الحديث عنه، وفي نهاية المطاف أجمل مواضع الفصل والوصل بقوله:"وإذا قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها فاعلم أنا قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب، جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد فلا يكون العطف البتة لشبه العطف بها لو عطفت بعطف الشيء على نفسه".
وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم يكون غير الذي قبله إلا أنه يشاركه في حكم ويدخل معه في معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه فيكون حقها العطف.
وجملة ليست في شيء من الحالين بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع الاسم لا يكون منه في شيء فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى بل هو شيء إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء في حالة لعدم التعلق بينه وبينه رأسا، وحق هذا ترك العطف البتة، فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال، والعطف هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين الحالين فاعرفه" [12] ولا نبعد عن الصواب إذا اعتبرنا عبد القاهر الواضع الأول لأصول وقوانين بحث الفصل والوصل، وقد انتفع بجهوده من جاء بعده من علماء البلاغة، فاختصروا بحثه ونسقوه، وقسموه، وخرجوا منه بمقاييس بجهوده من جاء بعده من علماء البلاغة، وقواعد للفصل والوصل حددت معالمه أكثر مما هو عند الجرجاني، ويقع السكاكي في طليعة الذين تابعوه بل إن الدكتور أحمد مطلوب يعتقد (أن السكاكي سطا سطوا عجيبا على بحث الفصل والوصل عند الجرجاني، وأدخله في كتابه بعد أن طبعه بطابعه الخاص، ولكن روح الجرجاني لم تفارق بحث الفصل والوصل في المفتاح فمواضع الفصل والوصل والكلام على جملة الحال والأمثلة هي كلام عبد القاهر في قصر البلاغة على هذا الباب يتابعه فيه)[13] وقد جمع القزويني بين طريقتي عبد القاهر والسكاكي عند حديثه عن الفصل والوصل في كتابه الإيضاح بمعنى أنه يرسم القاعدة ويحددها من جهة ويشرح ويعلل من جهة أخرى، أما بحث الفصل والوصل في شرح التلخيص فقد جاء بحثا مطولا مستفيضا مثقلا بالتعليلات ويبدو أن السبكي صاحب ((عروس الأفراح)) كان أكثر شراح التلخيص دقة وأحسنهم عرضا وأجودهم مادة فقد تأمل ما كتبه غيره فوجد (أقساما متداخلة بين كثير منها عموم وخصوص من وجه، وبعضها يدفع بعضا ووجدتهم قرروا فيه قواعد لا تخلو عن اشكال، وذكروا أمورا على غير الصواب من جعل ما ليس له محل من الإعراب ذا محل وعكسه إلى غير ذلك)[14] ويرى أن هذا الخلل لم يكن في كلام صاحب
المفتاح وإنما في كلام من بعده لأنهم لم يتأملوا كلامه [15] .
الخاتمة:
فيما سبق رأينا أن مبحث الفصل والوصل لم يوجد له تعريف محدد المعالم في كتب البلاغة أو الأدب التي عاصرت دور نشأة البحث البلاغي، ورأينا أن من الممكن استخلاص تعريف بدائي مما ذكره أبو هلال العسكري في الصناعتين كما تبين أن الجاحظ أول من أشار مجرد إشارة إلى مبحث الفصل والوصل، وأن الجرجاني قام بوضع الأسس الأولى لمباحث الفصل والوصل بشكر منظم ومحدد معولا على التحليل والتعريف، وقد استفاد البلاغيون بعده من بحوثه وبخاصة السكاكي الذي تأثر كثيرا بالجرجاني واستفاد منه ثم جاء شراح التلخيص فوسعوا دائرة البحث بالتعليقات والتعليلات والحواشي.
مراجع البحث:
الإيضاح – للقزويني – تحقيق وتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد – مطبعة السنة المحمدية
1-
كتاب الصناعتين – لأبي هلال العسكري – الطبعة الأولى عيسى البابي الحلبي 1371 – 1952
2-
دلائل الإعجاز – للجرجاني – تصحيح وتعليق محمد رشيد رضا 1381-1361
3-
المفتاح للسكاكي – الطبعة الأولى بالمطبعة الأدبية 1317
4-
عروس الأفراح – من شروح التلخيص – الطبعة المصورة عن طبعة عيسى البابي الحلبي
5-
البلاغة عند السكاكي – للدكتور أحمد مطلوب – مكتبة النهضة بغداد – الطبعة الأولى 1384
6-
قواعد الشعر لثعلب – دار المعرفة 1966.
7-
البيان والتبين للجاحظ – طبعة السندوبي.
8-
المطول – لسعد الدين التفتازاني – مطبعة أحمد كامل – بايزيدة 1330
9-
البديع لابن المعتز – طبعة الخفاجي.
10-
نقد الشعر لقدامة بن جعفر – الطبعة الأولى – مطبعة لجوانب
11-
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
الإيضاح ص 147، وكتاب الصناعتين ص 438
[2]
الإيضاح ص 147
[3]
دلائل الإعجاز ص 146 وكتاب الصناعتين ص 438
[4]
الصناعتين ص 440
[5]
المصدر السابق ص 440
[6]
دلائل الإعجاز ص 146
[7]
مفتاح العلوم ص 134
[8]
الصناعتين ص 441
[9]
المصدر السابق ص441
[10]
المصدر السابق ص441
[11]
الصناعتين ص 449
[12]
دلائل الإعجاز ص 159-106
[13]
البلاغة عند السكاكي ص 217
[14]
عروس الأفراح ص 4ج 3
[15]
المصدر السابق ص 4 ج 3
هل وجود السينما في هذه البلاد ضرورة؟
عبد الرحمن سيف
اطلعت على مقالة الأستاذ فايز البخيت المنشورة بصحيفة المدينة المنورة في عددها رقم 2493 الصادر بتاريخ 4/5/1392 تحت عنوان (أين دور السينما في بلادنا) وتأسفت كثيرا من جرأة الكاتب ودعوته الصريحة إلى فتح دور للسينما في هذه البلاد المقدسة مهبط النور ومنطلق الرسالة وموطن الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، هذه البلاد التي ينظر إليها المسلمون على أنها المعقل الوحيد للإسلام الأمينة على نشر رسالته المؤهلة للذود عنه وصد خصومه ورد مفتريات أعدائه هذه البلاد التي ألمحنا إلى شيء من الحياة ودورهم القيادي في الدعوة إلى الإسلام ومحاربة أعدائه لا زال البعض يتجاهل هذه المكانة ويريد أن يساويها بالبلاد الأخرى ثم هو يسلك في سبيل ذلك طرقا متنوعة ومعاذير شتى كان يقول أن السينما أداة تثقيفية هامة ووسيلة من وسائل الترفية وأنه بالإمكان التحكم في نشر الصلاح من أفلامها وترك ما سوى ذلك وأن وجود هذه الدور في بلادنا سيحد من كثرة المسافرين إلى الخارج إلى غير ذلك من الدعاوى الكثيرة التي يريدون عن طريقها الوصول إلى أهدافهم وأغراضهم المشكوك في سلامتها ونبل مقاصد أصحابها مهما تظاهروا به من أقوال ذلك أن السينما لم تكن في يوم من الأيام أداة من أدوات التهذيب والإصلاح ولم تستعمل لبناء الخلق الكريم والهدف الصلاح والاتجاه السليم والغاية الشريفة المثلى كما يزعم البعض وإنما كانت وسيلة من وسائل الهدم والتخريب وإفساد العقائد والأخلاق والاستهتار بالقيم ونشر الرذائل بين الناس والأمثلة على ذلك كثرة وشاهد الحال خير دليل على ما نقول والسبب في ذلك واضح ومعروف لدى أكثر الناس ذلك أن أصحاب شركات الأفلام في العالم لا يخرجون عن أحد قسمين القسم الأول غرضه تجاري محض فهو لا يهتم بنوع المادة المعروضة سواء كانت صالحة أم طالحة وأغلب هؤلاء ممن
لا يفرق بين الإيمان والإلحاد والأخلاق الفاضلة الكريمة من الأخلاق الفاسدة وإنما همه الوحيد هو كسب المادة فقط.
القسم الثاني: وهو أعظم خطرا وأخبث مقصدا ووسيلة وغاية فهي تلك المؤسسات التي تستخدم هذه الآلة بقصد الوصول إلى أهدافها الاستعمارية الخبيثة وعقائدها المحرفة وأكثر القائمين على مثل هذه المؤسسات هم من الصهاينة والمفسدين في الأرض الذين يريدون نشر باطلهم تحت ستار الثقافة والمعرفة ومحو الجهل والأمية إلى غير ذلك وهذه حقيقة لا أظنها تحتاج إلى جدال، وإلا فقل لي بربك أين هي تلك المؤسسات والأفلام السينمائية التي تخدم الدين وتنشر الفضيلة وتحمي الأخلاق وتساهم في إشاعة المعرفة الصحيحة بين الناس، إن أحدا لم يرها ولم يسمع بها حتى الآن وعليك أن تقدم الدليل الواضح على ذلك، وأكبر شاهد على ما نقول ما نشاهده وما نسمع عنه في البلاد العربية المجاورة مع الأسف الشديد، ولست أعتقد خفاء ذلك على مثلك وإنما هو جب التقليد ومسايرة الركب والغشاوة التي طمست على أعين فحجبتها عن الرؤية الصحيحة والبصيرة النافذة لحقائق الأمور هذا هو واقع تلك الأفلام المستوردة بدون تجن ولا مغالطة – وأنا لست الوحيد في إصدار هذا الحكم وإنما يشاركني في ذلك أغلب من شاهد تلك الأفلام ويؤيد ذلك ما صرح به مسئول كبير في وزارة الإعلام هو الدكتور عبد الرحمن الشبيلي مدير عام التلفزيون حيث ذكر في ندوة تلفزيونية أذيعت قبل أيام في برنامج حديث الأصدقاء ضمت الأساتذة محمد علي حبشي من أسرة جامعة الملك عبد العزيز، وعباس عبد المجيد من أسرة تحرير صحيفة المدينة في الحديث عن البرامج التلفزيونية والأفلام والمسلسلات التي تعرض بالتلفزيون وما يناسب المشاهد منها وما لا يناسب ذكر الدكتور عبد الرحمن أن 90% من الأفلام والمسلسلات الأجنبية والعربية على السواء لا تصلح للعرض في هذه البلاد لمنافاتها للمبادئ الدينية والأخلاق الإسلامية التي تلتزم بها هذه
البلاد حكومة وشعبا وإن جهاز الرقابة بالوزارة يعاني صعوبات كبيرة ويمضي موظفوه أوقاتا كثيرة لاختيار الأفلام المناسبة وقلما يعثرون على الصالح منها وهذا الكلام هو عين الحقيقة والواقع يصرح به مسئول كبير في جهاز وزارة الإعلام وهذا الجهاز هو أكثر الناس خبرة ومعرفة بالأفلام التلفزيونية الأجنبية والعربية على السواء هذا في الوقت الذي يحرص فيه المسئولون في أكثر بلاد العالم على أن تكون مادة التلفزيون أنزه وأسلم من الأفلام السينمائية حيث أن التلفزيون يشاهده الناس في بيوتهم وعلى كافة المستويات بخلاف السينما التي لها جمهورها الخاصة والتي يندر أن يوجد بها أفلام نزيهة خالية من الخلاعة والعرى والمجون بعد هذا يمكنك أن تقول أن بإمكان المسئولين في هذه البلاد عمل الأفلام محليا، وهذا في الوقت الحاضر شبه مستحيل لأنه يحتاج إلى أيد فنية كثيرة وخبرة أجنبية وإمكانيات كبيرة ومبالغ طائلة يجب أن نصرفها ونستغلها في مشاريع نافعة ومجالات أخرى هامة أنفع للعباد والبلاد من السينما بكثير.
إن بلادنا ككل البلاد النامية لا زالت في أول الطريق وهي تحتاج إلى الجهود المخلصة والتضحيات العظيمة من قبل أبنائها في شتى مجالات الحياة للرفع من مستواها والوصول بها إلى الأهداف الكريمة والحياة السعيدة التي ننشدها جميعا.
ثم إن حكومتنا السنية لم تدخر وسعا أو طاقة في سبيل إشاعة المعرفة الصحيحة والثقافة الواعية والتسلية البريئة بين الناس فقد أوجدت الإذاعات ومحطات التلفزيون الكثيرة لهذه الأغراض مع حرص الدولة التام على تقديم المادة النافعة والبرامج المفيدة التي لا تتعارض مع تعاليم الدين ومبادئ الأخلاق وواجب الشباب عامة والمثقفين منهم خاصة أن يكونوا عونا لهؤلاء المسئولين في بناء هذا المجتمع ورفعة شأن هذه الأمة وصيانة مقدراتها ومثلها العليا للوصول بها إلى المكانة اللائقة.
إن واجب أبناء هذه البلاد عموما هو الشعور بالمسئولية الكبيرة الملقاة على عواتقهم في الدعوة إلى الإسلام ومحاربة المذاهب والدعوات المضللة والنظريات المعوجة.
فآمال المسلمين في أنحاء المعمورة معلقة على أبناء هذه البلاد الذين أكرمهم الله بتحكيم شرعه وخدمة بيته والذود عن مقدساته ثم أن المسلمين والعرب يمرون بمرحلة عصيبة من أشد المراحل وأقساها فهناك العدو الإسرائيلي الذي يسيطر على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين والأراضي العربية الأخرى وهناك الصهيونية العالمية الواسعة النفوذ في أكثر بلاد العالم قوة وحضارة وهي تؤيد هذا الباطل وتدعمه بكافة الإمكانيات والقدرات وتعمل بكافة الوسائل لتشكيك المسلمين في دينهم وبث الشحناء والعداوة بين دولهم وشعوبهم لتمزيق وحدتهم وإضعاف قوتهم حتى يستسلموا لأعدائهم ويحقق المستعمر آماله في استعباد هذه الشعوب وامتصاص خيراتها ومسخ تاريخها وحضارتها ومجدها وأما هذه المصائب والدسائس والمؤامرات والحروب المختلفة الأغراض والغايات من الصهيونية والاستعمار ولا يجد الرجل العاقل المفكر الحريص على دينه ومستقبل أمته ووطنه متسعا من الوقت لمشاهدة الأفلام السينمائية ولا غيرها من الملهيات الأخرى لتقضية الساعات والأوقات الكثيرة فيما لا فائدة فيه ولا نفع من ورائه كما يتمنى ذلك الكاتب.
فلقد ذكر في كلمته أن الشاشة التلفزيونية لا تفي بالمقصود لكون زمن البث محدودا وبرامجه غير كافية بخلاف الشاشة السينمائية فإن مجالها أرحب وأوسع.
وأخيرا فكم كنت أود لو أن الكاتب استخدم فكره وقلمه لمعالجة موضوع هام غير هذا الموضوع مما يعود بالخير والازدهار لهذه الأمة الكريمة فذلك أجدى وأنفع مما دعا إليه والله الهادي إلى سواء السبيل.
الإيمان نصر
للشيخ أحمد مختار البزرة
عندما تكتسح الأرض موجة الإلحاد مجترئة على الله بما أعطى من عناصر القوة وأسبابها، لا يسع المؤمن إلا أن يجابه الموجة العاتية بصلابة الإيمان وثبات العلم، فإن القوة في هذا العصر لا تستكمل إلا بعميق العلم وبعيده ونحن بها مأمورون لحفظ الديار وحمل الأمانة وحماية الإيمان في الأرض:
إذا استنهض الصور أهل الحضر
فهبوا ولبوا النداء زمر
وفجرت الأرض أرحامها
وألقت بما ضمنتها العصر
وجاشت بحار تزجي بحارا من الخلق مهرعة في ذعر
كما دفع السيل مستعليا
إلى خفضة طاميا مسبطر [1]
وجاء الزمان بأشتاته
فلاقى أوائله بالأخر
وأخرج من كهفه ما تظل
له النفس من عجب تنبهر
لقد حسر الوهم عن مثله
وزاغ الخيال كليل البصر
فيا روعة السر في جعبة الد
هر أغفى فلما تجلى بهر
لقد وصل البعث ما قطع الـ
ردى من سلاسل صلب البشر
وجاؤوا على موعد كم تمارى
به المنكرون فلجوا فجر
أزال الغشاوة عن أعين
تفاداه بالنظر المنكسر
وقد حدق الغيب في وجههم
فيا خزية جللت من كفر
ومن يجعل الأرض فوق السماء
تحجب عن قلبه كل سر
إذا حطم المرء وجدانه
بفاس الجحود هوى واندثر
متى أغلق اللحد لم يبق ركز
يظل صدى بعده يدكر
يجيء ويمضي ولا يشهر الكو
ن منه ضياء يزين السير
غدا بأكل الترب جثمانه
ويفني سوى الصالحات الغرر
حياة إذا لم تفض بالجميل
وبالخير كانت هباء نثر
إذا رمت يوم المعاد النجاة
فلا تنس زادك قبل السفر
ومهما تراخت حبال المنون
فأنت على موعد مستقر
تباكرك الشمس مختالة
ويرخي عليك الظلام الستر
وأنت على الدرب إما الورود
جنيت وإما جنيت الإبر
فراشك في القبر ذلك الحصاد
وذخرك في الوزن هذا القدر [2]
فعمرك أما ادكرت ابتلاء
فإما الجنان وإما سقر
فإن كنت تخشى مساس الجحيم
غدا فاعتنق مله كالقمر
فوحد وكبر وقل: لا إله
سوى الخالق البارئ المقتدر
وشق عن النفس ثوب القنوط
ولا تخش لله أن تنتصر
وسارع فناد إلى المأثرات
وخل الخنوع لقلب الحذر
وفض عن العلم أختامه
وسابق بميدانه الناس طر
وغص في البحار وطر في الفضاء
ليعلم إنك القوي الخطر [3]
وصابر فلا تغلبنك الصعاب
فإما غلبت فإنك حر
هو الكون يهوي الجريء الغيور
ويرفض كل ذليل دحر
ويفتح للخلق أبوابه
يطالعـ أسراره المبتدر [4]
تعوذت بالله من أمة
ترامت قواها سماء وبر
وسال لديها اليباب كنوزا
خزائن تجبي نضارا نضر
أثارت من الأرض ما خبأ الله
- م- فيها لكل طلوب صبر
وراح بها شغف في العلو
إلى النجم تسأله: ما الخبر؟
وقد ركبوا اللهب المستشيط
إلى قمر قبلهم لم يزر
وجابوا الفضاء كجوب الخيال
من الليل أرجاء قفر هجر
تراءت لهم معجزات الإله
وآلاؤه باهرات كبر
هو الكون..يا لصنع القدير 5
رحيب المجال بعيد المقر
يظل له اللب في روعة
ويكبو حسيرا لديه النظر
كواكب جابت بحار الفضاء
به ترتعي سربها ما ذعر
حباها الإله رحاب السلام
ولم يعتل الظهر منها أشر
إذا حيت الأرض في سيرها
تناوحها بالدموع الغزر
وتأسي لها أن علاها كفور
ينغصها بالمآسي الكثر
يعب من الخير ما قد أفاض
بها الله ثم الجحود بطر
ينكس راياتها المشرقات
بنور الإله ويدعو النكر
وما مؤمن عنده آمن
ولا مسلم القلب إلا سخر
كأن من المنكرات العظا
م قولك: ربي الوجود فطر
أغرك أن فتق الله سرا
لديك عن الخلق قبل أسر
وماذا من العلم في جعبة الكو
ن نلت؟ لقد نلت ما قد نذر
ومن يمتح البحر مهما استزاد
فما نقص البحر بعض القطر
فدع عنك هذا الغرور الغشوم
وانصت إلى الله في كل سر
تعاظمت لما ملكت القوى
من النار والمعدن المنصهر
وركبت منها العجيب الرهيب
بعقل حباك الإله المبر
فيا كرم الله كم يعظم الفضل
-م- منه ويغوي الجحود المصر
أئن أمر الله آفاقه:
ألا فافتحي الباب للمختبر
لعل المعاند اما ارتقى
فشام الروائع للذقن خر
وأجهش في عبرات اليقين:
(تباركت من خالق مفتطر)
عتوت كأن قد سمكت السماء
وأنجمها الزاهيات الزهر
وغلفت قلبك بالكبرياء
وطرفك في النكر طرف النمر
ومن قبل كان أبو الأنبياء الـ
ـخليل-إذا ساح-جم الفكر
يقلب في الكون أنظاره
ووجدانه باليقين عمر
على الأرض ثمة لا مرصد
لديه ولا طائر بالشرر
رأي الناس في لجة غارقين
لبازغة عبدوا أو حجر
فناداهم أين فضل النهي
-ظلمتم- أليس الدليل أبر
تعالوا لنعبد من لا يزال
له الحول والطول المستمر
ولما رأى النجم أهوى بهم
إليه وللبدر لما بدر
وللشمس بازغة كالعروس
- تطل من الأفق – فيها خفر
وغابوا جميعا فما بالهم
يسيرون في نهج مستطر
أما يملكون – على عظمهم-
بقاء ثوان على ما سطر
فلله وجهي الذي خلق الكو
ن بدءا وأعطى لكل قدر
ويا قوم لا تسفهوا بعدها
لقد حصحص الحق للمفتكر
متى أخلص المرء وجدانه
لرب السماء راى واعتبر
ولاحت له في كتاب الوجود
حقائق مسطورة كالسور
وليس بنافعه أن يرود
عباب الفضاء بقلب كدر
فكم آية تبهر المستريد
ولكن ناظره قد سكر
تباركت ربي الحليم الغفور
بسطت من الفضل للخلق ثر
مننت على العابدين الحديد
- م – والسائل اللاهب المنفجر
لترفعها حجة كالنهار
على منكر في عماه سدر
ألفنا السبات ومن حولنا
يمورون كالمارج المستعر
وكل أبي إذا شاقه
من المجد نور أعد السهر
غدا يسأل الله اما وقفنا
يحاسبنا عن حصاد العمر
علام رضيتم لراياتكم
بدار السباق بأن تندحر
ألستم رجال الكتاب المبين
متى جاءه مخلص لم يبر
فإن خفت خزي العقاب الأليم
-م- قبل الفوات وقبل الحسر
فشق إلى النور درب الجهاد
وصح للعلا بالأباة الصبر
فما هتك المعتدين الغزاة
سوى مؤمن كالشهاب أعر
إذا رفع الكفر أعلامه
ففي عصب المؤمنين خور
ولو زأر الليث في غيله
لولى لفيف الذئاب الدبر
ولكنها غمة في الفؤاد
أماتت حمية من يستعر
وبات الملهب في غيظه
لخذلانه ساعدا قد بتر
أنعطي الدنية في أمرنا
ونصبر إذ ذم من يصطبر
وتسحب من تحتنا أرضنا
كما سلب الثوب عن ذي سكر
ونرقص والعار وسم الجبين
وأعداؤنا راصدون غدر
وما كان في شيم الأولين
إذا مسهم نائب من صغر
كأن لم يلدنا مثنى الحروب
ولم يفتح الأرض فينا عمر
ولكننا قد كرعنا الهوا
ن حتى نكرنا مجاج الظفر
ولكن قومي وإن أسرفوا
لهم في المعالي قديم الأثر
لعلي بهم بالعدي يعصفون
كما تنزع الريح رأس الشجر
فتطهر من رجسهم قدسنا
وتشدو مآذنها في السحر
وترفل بالنصر مغترة
مرابعها والمقام الطهر
ومن عاش للثأر لم يغتمض
ولم يهدر الحق كان الظفر
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
مستعمل: ذو ارتفاع ومسبطر: ممتد.
[2]
الوزن: الحساب، والقدر: المقدار
[3]
انك: مخففة
[4]
المبتدر: السابق
إلى رياض العلم
للطالب عبد الله عارف الحسن
الطالب بالسنة الثالثة بالمعهد الثانوي بالجامعة
أقول فكن لي مصغيا في مقالتي
أخا العلم قم واشهد حدائق روضة
(وقد أينعت) للمجتني كل فينة
هي الروضة الخضراء تعطي ثمارها
لقلت هي الفردوس من غير فرية
فوالله لولا خلت إني مبالغ
فصلوا عليه في الضحى والعشية
بطيبة إذ فيها الحبيب محمد
وياليت قومي يعلمون وجيرتي
فأحسن بدار الوحي صيفا ومربعا
يقولون: لو أضحى بأرض عشيرتي
تطيب نفوس المولهين بحسنها
هل النجم في الأفق المنير كحلكة؟
أخا العلم لا تفتر ودم في طلابه
وكم من جهول لم يزل في الجهالة
فكم من وضيع ساد بالعلم وارتقى
بكل نشاط للعلي وبهمة
وشمر عن الجد السواعد والتمس
بأنواره سبل الهدى والهداية
ولا تطلبن العلم إلا لتهتدي
ولا تسلكن يوما سبيل الغواية
وكن عاملا للدين تحظ بنيله
بشيرا نذيرا أزهق الكفر باللتي
تأس بمبعوث إلى الخلق رحمة
عليه صلاة الله في كل حالة [1]
نبي تسامي خلقه وخلاقه
وأمته فاقت على كل أمة
فنعم المربي كان للناس أحمد
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
جمع الناظم بين التأسيس وعدمه في القافية، وهذا لا يدركه إلا أهل العروض، ولعله يعني به ليتجنب مخالفة قوانين الخليل فيما بعد. (الجامعة الإسلامية)
الصفحة الأدبية
لأبي عاصم
روينا بأسانيد عن أبي الفتح شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي: أن الغضبان لما كان راجعا من خراسان نزل برملة كرمان في شدة الصيف والقيظ فضرب قبته وحط رواحله، فبينما هو كذلك إذا بأعرابي قد أقبل على بعير قاصدا نحوه، وقد اشتد الحر وحميت الشمس وقت الظهيرة وقد ظمئ ظمأ شديدا، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال الغضبان: هذه سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم وردها فريضة فرضها النبي صلى الله عليه وسلم قد فاز قائلها وقد خسر تاركها.
قال الأعرابي: أصلحك الله إن الرمضاء وشدة الحر قد أصابتني وإن الظمأ قد قتلني فتيممت قبتك أرجو بركتها. فقال الغضبان: هلا تيممت قبة أكبر منها وأعظم؟ قال: أيتهن تعني؟ قال: قبة الأمير ابن الأشعث. قال: تلك لا يوصل إليها. قال: فهذه أمنع منها.. فقال الأعرابي: ما اسمك يا عبد الله. قال: آخذ. قال: وما تعطي. قال: أكره أن يكون لي اسمان. قال: بالله من أين أنت. قال: من الأرض. قال: وأين تريد؟ قال: أمشي في مناكبها. فقال الأعرابي وهو يرفع رجلا ويضع أخرى من شدة الحر: أتقرض الشعر؟ قال: إنما تقرض الفأرة. قال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة. فقال: يا هذا ائذن لي أدخل قبتك قال: خلفك أوسع لك. قال: قد أحرقتني الشمس. قال: مالي عليها من سلطان. فقال: إني لا أريد طعامك ولا شرابك. قال: لا تتعرض إلى ما لا تصل إليه ولو تلفت روحك. فقال الأعرابي: سبحان الله. قال من قبل أن تطلع أضراسك. قال الأعرابي: بالله من أنت؟ قال: أنا الغضبان بن القبعثرى. قال اسمان منكران إني لأظنك حروريا. قال: اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير. قال: إني لأظن عنصرك فاسدا. قال: ما أقدرني على إصلاحه.. فولى الأعرابي وهو يقول:
إني أظنك والرحمن شيطانا
لا بارك الله في قوم تسودهم
فأظهر الشيخ ذوالقرنين حرمانا
أتيت قبته أرجو ضيافته
قال أبو عاصم: وقد أذكرتني هذه الحكاية حكاية ابن أبي سنان قال كنا جلوسا نتذاكر شئون العلم والإيمان ونستثير في القلوب الأحزان والأشجان على ما سلف من المسلمين وما خلف وما أصابهم من الفساد والتلف إذ أقبل إلينا إنسان فجلس على ركبتيه وأرخى جفنيه وقال بصوت كسير وقلب حسير: إني سائلكم يا معشر المتعلمين عن مصيبة حلت بهذا المسكين؟ ما قولكم في رجل حميت عليه امرأته فصبت من لسانها عليه العذاب صبا ففار الدم في خلايا رأسه ودماغه فقذفها (بطلقة) كأنها شهاب ثاقب، ثم لم يشف ذلك غله فعاد من عند الباب ورماها (بطلقة) أعظم شررا من أختها فصاحت المنكوبة وولولت ولم تترك له أبا ولا جدا ولا نسبا ولا صهرا فعزز طلقاته (بطلقة) ثالثة لم تبق في المسكينة من عقل يذكر.. وهما الآن على ما فرطا نادمان وللتلاقي متلهفان.
قال ابن أبي سنان فماج القوم موجة ومد والله كل عنقه وفتح عقيرته فإذا بذلك الشاكي المستفتي يسمع في لحظة واحدة عشرين جوابا وفتوى. وبلع المسكين ريقه وكفكف حريقه واشتغلوا عنه ببعضهم يشرح كل واحد رأيه وفتواه، والذي أدى إليه اجتهاده وتقواه، فمن قائل: يعود بعضهما لبعض وقائل: لا يعودان وقائل: هي طلقة واحدة وقائل: طلقتان، فما زالوا على صخبهم وضجيجهم والمسكين لا يدري ماذا يصنع، وقد أخذه الرعب والعجب وتملكته الحيرة والسورة، فلما طال به المقام ولم ينته اللجاج والخصام أشفق على نفسه منهم، وعليهم من نفسه وقال: ياقوم يا قوم أنا أكفيكم المسألة وأطفئ عنكم نار المشكلة، امرأتي والله طالق ثلاثين لا ثلاثا فلا رجعها الله أبدا
…
ثم ولى وهو يجمع أطرافه ويلملم ثيابه مستعيذا مستجيرا وخائبا محسورا.
قال أبو عاصم: فما كان أغنى هؤلاء عن كل هذا الجدال والمراء، وكلهم لو كان صادقا في تقواه لكان على نصيب من الحق في فتواه، لأن المجتهد لا يخلو من أحد القسمين من الأجر أو الأجرين.. وقد صار هذا شأن كثير من المتعلمين، ولع بالمبارزة والمناظرة والمداورة والمحاورة كأنهم فرسان في حلبة قتال أو معترك نزال، يخوضون في كل سؤال وإشكال ما بين تقرير واعتراض وتقدير وافتراض وما تكاد تفتح فمك لخطاب حتى يفتح لك في كل كلمة باب وتشرع لك في كل مسألة حراب..
والويل ثم الويل لمن يشرح لهم حكما ما: إنها ليست أمرا مسلما ولا دليلا محكما، ومن أين لك هذا الحكم وكيف؟
وما دليله وكيف؟
ومن رواه وكيف؟
فإن قلت: هو من بنات أفكاري ونتيجة اجتهادي وابتكاري..
قال لك قوم: ومن أذن لك بالاجتهاد ألا يكفيك أن تكون من الإتباع؟
أنى لك النظر والاستنباط يا قليل الاطلاع يا ضيق الباع!
وإن قلت: ليس من ابتداعي ولا اختراعي بل هو قول العلماء وسبقني إليه الفقهاء..
قال لك قوم: كل إنسان نأخذ منه وترد.. العلماء؟ ومن هم العلماء؟ هل هل خلقوا من ذهب أم هو خلق آخر؟ إنهم رجال ونحن رجال ولله وحده الكمال.
فما تزال المعارك دائرة، والدماء فائرة، والمسائل متناثرة، لا تدري الحجة عند هذا الصائح أم عند ذاك المنادى؟
وأيم الله ما بلغ مثل هؤلاء غاية، ولا أصابوا حقا، ولا استفادوا علما وما هدوا إلى رشاد..
العلم إنما يتوصل إليه بالإحسان في الطلب وكمال الأدب.
ولطافة السؤال والبراعة في الجواب من غير بغي أو تعد على الحدود ولا بعد عن المطلوب والمقصود.
إني والله رأيت علامة العلم في العالم وسمة الفضل المتكامل أن سكوته يكون أكثر من كلامه..
لأن العلماء يزنون الكلمات ويتخيرون الحجج ولا ينطقون إلا إذا سئلوا، ولا يفتون إلا إذا انتدبوا، فإذا قالوا سمعت الحكمة الرائعة والبرهان الساطع.
وإني رأيت علامة الجهل في الجاهل كثرة سرده وتراكم عباراته وتزاحم كلماته من غير نظام ولا إحكام.. هو أول القائلين والمتكلين وآخر الصامتين..
قال أبو عاصم: وما سمعت فيما سمعت أبلغ أثرا ولا أقطع للمشكلة من حجة أبي مهدية الأعرابي، وكان ولى إحدى الإمارات في اليمامة وكان بها يهود أهل خبث وجدل
…
فكثر كلامهم حول عيسى عليه السلام وادعوا قتله وافتخروا بذلك.. وتركوا الناس في حيص بيص فدعا بهم وقال:
أنتم قتلتم عيسى بن مريم؟
قالوا: نعم يا أبا مهدية.
قال: لتدفعن ديته أضعافا مضاعفة لأنه كان نبيا صالحا وإلا قتلتكم به جميعا..
فما تخلصوا حتى بذلوا له الأموال الطائلة.
من هو الناقد الأدب
بقلم عبد الرحمن الأنصاري الطالب بالسنة الرابعة بكلية الدعوة بالجامعة
للنقد الأدبي طرائق إذا حاد عنها الناقد عد نقده من هذر القول ولغوه، ولم تكن نسبته عند ذلك إلى الأدب ونقده إلا كنسبة الشيء إلى ضده.
وقبل التطرق إلى الناقد الأدبي ومهامه أود في المستهل أن أذكر العمل الأدبي ما هو فأقول: هو: (التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية)[1] . وعلى قد تتبعي المتواضع فإني لم أعثر على تعريف جامع كهذا.
هل للنقد الأدبي قواعد لا يحيد عنها الناقد؟
يرى بعض الأدباء أن قواد النقد الأدبي ينبغي أن تكون حرة كما خلقها الله.. وإذا وجد هناك معايير معينة فإنها ترجع إلى (ذوق الناقد وحصافته)[2] .
وسيد قطب رحمه الله تعالى خصص فصلا في كتابه (النقد الأدبي) أسماه: مناهج النقد الأدبي.
وهو رحمه الله لا يقصد من هذه المناهج التي حددها: أن تكون قواعد دقيقة، دقة القواعد العلمية البحتة إنما الغرض منه هو توضيح الاتجاهات وإعطاؤها سمة خاصة تفرقها من غيرها قدر الإمكان، وكل مغالاة في التحديد الحاسم منافية بطبعها لطبيعة الأدب المرنة [3]
ومع احتراسه رحمه الله من تحديد قواعد للنقد، فقم رسم مناهج هي منائر للسالكين في هذا الدرب الطويل الشائك، ولعل من أمتع هذه الفصول: الجانب التحليلي للمنهج النفسي.
بماذا يختلف الأدبي الحديث عن الأدب في القرن الرابع مثلا؟
مما لا شك فيه أن مجالات النقد الحديثة أوسع من المجالات الموجودة أمام الناقد في العصور الأولى من صدر الإسلام لقربها من تدوين النقد. إن صح هذا التعبير. ولأن (الأسباب التي دعت إلى تنظيم النقد الأدبي منذ آخر القرن الأول هي عين الأسباب التي دعت إلى تدوين اللغة، ووضع العلوم اللسانية المختلفة)[4]
ومع الأسف فإنه مع تكامل تدوين النقد وسائر فروعه فإن دقة الأوائل لم ينلها حتى الآن اجتهاد الأواخر.
مهمة الناقد:
إن مهمة النقد لمن المهمات القيمة التي لا يضطلع بأعبائها إلا ذوا الحصافة ومقدرة معينة على التبصر من خلال الزوايا العميقة المتطلبة لدقة وعمق.
والناقد الأدبي يختلف عن كثير من النقاد لما لحرفته من مهام وسمات متصلة بالنفس البشرية لا يمكنه ازاحتها عن نفسه الملتصقة به إلا إذا وعى حقيقة النقد الأدبي، وآثرها على كل الاعتبارات المجلبة للرضى والغضب.
ملاحظة هامة: وثمة ملاحظة أعتبرها جديرة بالاهتمام، وعلى إخواننا من هواة الأدب ومحبيه أن يتنبهوا لها حتى لا يقعوا في حبائلها، وفي أسلاكها الشائكة وهي أن كثيرا ممن راجوا على الوسط الأدبي وعرفوا بأنهم نقدة أدب اتخذوا مقياس التجرد الذي أشرت إليه في صدر حديثي مرتقى إلى التزامهم بالمبادئ المعينة التي يدعون إليها، والتي قد تكون نقيض ما نؤمن به من مثل عالية، هي فيض الهامنا، وزاد مسيرتنا الطويلة في تحقيق الأهداف العالية.
وهذه الملاحظة بدورها تدعوني إلى تفنيد دعوى عدم الالتزام المنبثة من الصهيونية العالمية، لنخرج من شباك الالتزام لنفسح لهم الدخول من أوسع أبوابه..!!
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
النقد الأدبي أصوله ومناهجه لسيد قطب
[2]
انظر ما يفيد هذا المعنى في الجزء الثالث من حديث الأربعاء.
[3]
النقد الأدبي أصوله ومناهجه لسيد قطب.
[4]
تاريخ النقد الأدبي عند العرب للأستاذ طه أحمد إبراهيم ص 50
الوجه الحقيقي للإسلام
للطالب عبد الله عثمان الكوكي
هذا كتاب صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته المائة والخمسين ولكنه عظيم الفائدة، بالغ الأهمية، وحجة قوية تدحض مزاعم خصوم الإسلام الناعقين في الفراغ الجاهلين لمبادئه الرائعة التي تسمو بالإنسانية إلى أسمى الدرجات.
ومؤلف هذا الكتيب النفيس هو الدكتور صلاح الدين كشريد الشهير، الذي جند قلمه الفرنسي الرائع منذ سنوات طوال لخدمة الإسلام، فكان خير داعية إلى الإسلام وخير مفند لأباطيل وأكاذيب أعداء الحق وعبيد اللذة والمادة، فقد نشرت له الصحف التونسية والأجنبية الكثير من مقالاته البناءة الداعية إلى الله، وهو المشرف على القسم الفرنسي بمجلة جوهر الإسلام التونسية لصاحبها فضيلة الشيخ الحبيب المستاوي الداعية الإسلامي الكبير والشاعر البارع.
والكتاب مجموعة بحوث قيمة في غاية العمق والجدال الرصين والدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة. وقد تم طبعها سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف بمطبعة (النجاح) بتونس العاصمة.
ولقد توقع المؤلف أن يوجه له القارئ سؤالا عن غرضه من الكتابة بلسان غير لسانه العربي فأجابه بقوله (جوابي بسيط ذلك لأني أتوجه بكتابتي إلى قوم تواقين لكل ما هو جديد، قوم حسب رأيي فيهم أنهم يتصفون بعدم الاهتمام والعدول عن كل شيء يألفونه، وهذا يحز في نفسي، إذ هم لم يحاولوا أن يحاجوا الشعوب الأخرى بما عندهم من حق تلك الشعوب التي أمكنني التعرف عليها والتوصل إلى الوقوف على أخطائها المؤدية لا محالة إلى التدهور وسوء المصير للعالم بأسره. وتلك هي عاقبة الأمور ثم قال إننا نعلم كلنا: أنه لا يكرم نبي في قريته، غير أنه على الأقل أوجه بحوثي هذه إلى كل من يتمتع بصبر وقدرة على متابعة خطابي حتى نهايته، ثم لا يحاول نقض الحق إلا بما هو أحق منه وأن لا ينظر إلى الأمور إلا نظرة علمية وواقعية ثبتت صحتها وقبلتها الفطرة
فتعال أيها القارئ الكريم نبحث معه هذه الفصول البالغ عددها سبعة عشر فصلا هي: العلم وتحديات الطبيعة، مولد الدين، تاريخ الديانات، محمد نبي ورسول من الله، القرآن، الإسلام والرق، تعدد الزوجات، الشريعة الإسلامية، قواعد الإسلام الخمس، الصلاة، الصدقة العادلة أو الزكاة، صوم رمضان، الحج إلى بيت الله الحرام، المحظورات في الإسلام، الخمر والمخدرات، الجهاد في سبيل الله، موقف الإسلام من الرأسمالية.
وفي فصل العلم وتحديات الطبيعة بين لنا المؤلف عجز الإنسان عن إدراك كنه جميع الأشياء وكيف أن الإنسانية في القرن العشرين تجاوزت اعتبار أهمية العلوم بالنسبة لكل شيء وهي حقيقة رائعة تمنعنا مهما كانت درجة معرفتنا أن نقول في شيء ما، يجب أن يقع هكذا. ولكن يجب أن نقول لهذا الشيء أنه وقع هكذا، وكما قال سقراط رغم عقليته الجبارة وكان يحتضر:"أعرف أنني لا أعلم شيئا"ذلك لأنه يعرف أن عقل الإنسان متعطش دوما إلى المعرفة وتواق إلى الذي هو أكثر حقيقة وعلما، فقوانين المادة وأكبر النظريات الحسابية والفزيائية تتقدم باطراد، وكل نظرية جديدة تهدم التي سبقتها ثم تنهدم هي بدورها. ومثال ذلك أن أقيسة الأشعة غير ثابتة وأسماؤها تتغير دائما، ولم تثبت حتى الآن، وهذا تسببه طبعا اكتشاف نظريات حديثة تظهر لنا حقائق أخرى أكثر جدية وفاعلية.. وإذن فما هي المادة؟ أو ما هي الطبيعة، وما حالاتها في واقع العالم، ثم ما هو موقف عالم فذ مثلا من علماء القرون الوسطى إزاء مذياع أو حتى كشاف كهربائي بسيط مما هو معروف في زمننا هذا؟ لا شك أن هذا العالم سينسب هذه الصناعة إلى السحر أو الأمور الخارقة للعادة، وكذلك نحن أيضا فمهما تكن قدراتنا العقلية فهي عاجزة عن استيعاب ما يفوقها نظريا، لأن النظريات العلمية تساير واقع حضارتنا وقدرة عقولنا، فهي تشبه الحذاء تتسع اليوم حسب طاقتنا وتضيق غدا عند تقدمنا حضريا، وعند تطور النظريات العلمية، لذلك لا يمكننا أن نعتمد على العلم في اثبات حقائق راسخة. وهذا ليس غريبا ولكن الغريب أن نزعم أنه يمكننا تفسير كل الأشياء أو ترك بعضها على حدة باعتبارها غير محسوسة، ثم نقول إنها الطبيعة، خوفاً من أن نقول إنها من صنع الله تعالى!. ثم إنه إذا كانت القاعدة الصحيحة أن اثنين مع اثنين يساويان أربعة، وأنه ليس هناك دخان من غير نار فما نقول في مسألة تناسق هذا الكون؟ وماذا نقول في الشمس والقمر والليل والنهار؟ ثم
لماذا الكواكب في نظام محكم عجيب؟ أليس من السخف أن نقول إنها الطبيعة؟!.. إننا نعلم أن كل نظام لا بد له من منظم، فكيف لا نعلم أن الله منظم هذا المدار الشمسي؟ هذا الذي لا يفوق حبة خردل ملقاة في محيط واسع، ولكن كفر الإنسان وما أجهله!.. إنه يحب أن يكون إلهه في متناول يده حتى يمكنه التحكم فيه، وكما قال المؤلف في فصل مولد الدين:"ما كان ذنب إبراهيم الخليل عليه السلام سوى أنه صرح بالحقيقة التي صدمت العقول فكان أن ألقاه قومه في النار، كذلك نحن في هذا القرن فإننا نفتش عن غير الله، ذلك لأن الله لا تدركه الأبصار ولا يشاركه أحد في ملكه، ونحن منذ بدء الخليقة نحاول اخضاع جميع الأمور في سبيل أهوائنا ولكن هيهات أن يحصل ذلك أبدا! ".
وأما القرآن الكريم فهو ليس مجرد كتاب يقرأ من حين لآخر للتسلية، ولكنه دستور يحمل بين طياته مقررات تهم المرء وعلاقته مع خالقه. وتهم أخص خصوصياته، فهو يعلمنا حتى كيفية الأكل وكيفية الاغتسال ويعطينا الحلول الناجعة لكل المشاكل التي تعترضنا، ثم هو ينظم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وينبه على حسن معاملة حتى الحيوان وبما أن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية فإنه حوى الصيغة النهائية التي يجب أن يسير عليها العالم بأسره، ولم يسمح بتغيير أي بند من بنوده، ومزق غشاوة جهلنا، ووضح لنا أهمية المخلوقات في هذا الوجود، ففيه بيان كيفية خلق الأرض والسماوات، وفيه حقائق عن القمر والشمس والجبال، مع أن العلم لم يصل حتى الآن إلى اكتشاف جريان الشمس في الفضاء، إلا أنه توصل إلى معرفة أن مدار الشمس كله يسبح في الفضاء، ولنتل قول الله تعالى من سورة (يس) :{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
وهكذا صدق أعلم العالمين، وعجز عباده العاصون، كما يذكر المؤلف شيئا هاما لم يقل العلم فيه كلمته الثابتة وهو مسألة تعاقب الليل والنهار فيذكر لنا كلمة للعالم الذري التونسي الدكتور البشير التركي جاءت في محاضرة له أمام علماء الذرة وهي أن تعاقب الليل والنهار ليس من جراء اختفاء الشمس خلف الأرض فحسب لأن النور المنبثق من النجوم يمكنه أن يغمر الأرض ويكون أشد ضياء ولكن بماذا نفسر هذه المعضلة؟ إلا أن المهم هو أن المعارف الجديدة التي كشف عنها العلم لم تدع مجالا للشك في وجود مدبر جبار وراء ظواهر الطبيعة ألا وهو الخالق جل شأنه.
وأما رد المؤلف على المعارضين لتطبيق القانون الإسلامي فإنه صاغه في صورة احتجاج عليهم لأنهم يستطيعون قطع عوض أو حتى جزء كامل من الإنسان للحد من سريان المرض في بقية جسده، أو ربما لإجراء تجربة عليه دون اعتبار لقيمته، ثم هم لا يسمحون بالقصاص أو الخلاص من عضو أفسد المجتمع ونخر هيكله!.. ولو طبق قانون رب العزة والجلال لما تجرأ أحد على خلع عين غيره أو انتهك حرمات الناس، وعندنا المملكة العربية السعودية وما يتمتع به أهلها من اطمئنان على ممتلكاتهم خير شاهد على نجاعة القانون الإلهي، فمنذ قيام المغفور له عبد العزيز بن سعود ظهرت نتيجة الحكم العادل، حتى أن الزائر لهذه البلاد اليوم يشاهد أروع ما في العالم.. يشاهد الأمتعة الثمينة في المحطات والأمكنة العمومية للمسافرين من غير حراسة ولا يفقد منها شيء، كما يشاهد دكاكين المجوهرات مفتوحة وقد توجه أصحابها إلى الصلاة وتركوها وراءهم مطمئنين أنها لن ينقص منها ذرة.. واسمعوا هذه الواقعة: كان ذلك سنة 1935 م عندما نزل جدى بميناء جدة وكان غرضه أداء فريضة الحج، وفجأة فقد حزامه الذي به كامل ماله فاضطرب اضطرابا شديدا، ولم يدر ماذا يفعل!.. ولكن نصحه أحد الحجاج المرافقين له بإبلاغ الأمر إلى الشرطة فعمل بهذه النصيحة، وتوجه نحو مكة المكرمة، ولما وصلها جاءه آمر الشرطة وسلمه حزامه وبداخله كل ماله.
وفي مكة المكرمة والمدينة المنورة وغيرهما انتشر الصرافون على القرعة وقد وضعوا أمامهم مختلف العملات من غير حاجز يحميها من اللصوص لأن أصحابها لا يخافون تفجير المفرقعات مثلما يحدث في البلاد المتمدنة عند محاول الاستيلاء على أحد البنوك!.
وأما ما جاء في الفصل الأخير الذي عنوانه موقف الإسلام من الرأسمالية والشيوعية فهو قوله: "إذا كانت الرأسمالية كما يدل عليها اسمها هي كون السلطة بكاملها بأيدي الأغنياء والمال مقسم بينهم على قاعدة أن المال يأتي بالمال، فإن إله هذا المجتمع لا يشبه إلا العجل الذهبي إذ أن المجتمع فيه يخضع لأفاكين منحطين ولهم أفكار دنيئة، ذلك لأنهم يعتبرون ما للفرد من رصيد في البنك ولأن المال لا تفوح منه رائحة عفنة. أما الرجل العادي النظيف الشريف الذي ليس له مال فإنهم يحقدون عليه وينظرون إليه على أنه متخلف متهور إنسان غير مرغوب فيه، ولذ فإنه يمكن لهؤلاء الرأسماليين أن يستغنوا ببيع الفضلات للأمم الضعيفة وبأخذ أموالهم عن طريق الربا، وأنه مهما يكن الواحد منهم فإنه توهب له الجنسية والجنسيات العديدة ويرقى إلى أعلا مراتب القومية، ويدخل أي مجموعة كانت كل ذلك لأجل أشباع نهمه وتحقيق أغراضه السافلة.. العدالة ومراكز الرآسة والصحافة وكل وسائل الإعلام بأيدي الأغنياء، فهذه الرأسمالية، العدو الذي يمتص دم الناس وعرق الفقراء".
ونتيجة لهذه الحالة يتكون البغض والحقد بين طبقات المجتمع ويوجد أناس يرفعون من قيمة اليد العاملة إلى درجة سيادتها على بقية الطبقات الأخرى، وتحطيم هذا النظام البرجوازي ليعوض عنه بنظام غير عادل أيضا ألا وهو الشيوعية، التي تأخذ بزمام الأمور وتوجه حربها ضد أي غني ولو كان ماله حلالا حصل عليه بعرق جبينه بدعوى التسوية بين البشر!. وهي لا شك نظرة خاطئة لأن الناس لا يولدون متساوين، وإذا أردنا أن نسوي بينهم فلنبدأ بخلقهم متساوين في القدرات العقلية والطاقات الجسدية، وهذا طلب للمحال، ثم لنفرض أن هذه الاشتراكية جاءت على أساس حب العدالة للمجتمع، فهل يلزم أن يكون الذي بيده السلطة مثالا لهذه العدالة؟ أو ليس امتياز العامل على غيره هو امتياز طبقة على أخرى؟.. وهيمنة المطرقة والمنجل على الإنسان؟!.. وإذن فلا المال ولا المعول يقدر قيمة هذا الإنسان لأنه يكون عبدا لهما، ويستمر العامل هكذا ممتلئا بالمشاكل والبؤس لأن كلا من الرأسمالية والشيوعية استغلال طبقة لأخرى، الأولى عمادها الثراء والثانية عمادها الذكاء، وهي أخطر من الأولى لأنها تطعمنا السم ممزوجا بالعسل وهذه حقيقة مزيفة لواقع الإنسان.
فيا أيها الإنسان تعال نتعاون لنتخلص من هذه العبودية غير العادلة تعال نوفق بين الأجناس ولا نفرق بين الأبيض والأسود، ونعدل بينهم بإتاحة الفرصة لجميع الناس حتى يعمل كل حسب طاقته ونتخلص من هذه السرقات الخفية التي تخنق الإِنسان. ولنمتثل لقول الله تعالى:{وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
ذلك هو كتاب الدكتور صلاح الدين كشريد الداعية الإسلامي الكبير وقد حاولت استعراض بعضه للقارئ الكريم تنبيها إلى أن الإسلام في حاجة إلى دعاة بجميع لغات العالم وأننا مقصرون في هذه الناحية فنسأل الله الإعانة على خدمة الحق ونصرة الإسلام.
الشباب دعامة المستقبل
بقلم: عبد العزيز يوسف بهزاد
خريج كلية الشريعة بالجامعة
إن الشباب هم عماد الدين وأساس بنائه ولبنات المستقبل، ففي ارتفاع مستواهم يسمو مستوى الأمم والمجتمعات، ويعلو إلى أعلى الدرجات وبانخفاضه يهبط المجتمع وينخفض إلى الحضيض. وإن ما نراه اليوم من عدم اهتمام الشباب بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم شيء مؤسف جدا لأن الشباب هم الذين سيتحملون المسؤولية الكبرى وتبعاتها غدا، وأما الموجودون اليوم فهم لا شك لن يبقوا لنا بل سينتهي أمرهم – سنة الله في خلقه – إما إلى الموت والفناء أو إلى الشيخوخة والعجز.
وإن ضلال الشباب وانحرافاته التي نشاهدها اليوم في كثير من الدول الإسلامية من السير خلف التقليعات وقشور الحضارة الحديثة من تخنفس وتخنث وتعر وميوعة وعدم شعور بالمسؤولية واللامبالاة.. والاهتمام بالملابس المزركشة، والضيقة، وذات الألوان الصارخة، وتطويل الشعور وتقصير الملابس أو الفساتين، والسير خلف تقاليع اليهود والنصارى والكفرة والملحدين وغيرهم من الشرق والغرب وتقليدهم تقليدا أعمى وتشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال
…
كل ذلك له مسؤول بل مسؤولون وهم:
أولا – الآباء وأولياء الأمور حيث تقع عليهم المسؤولية الكبرى والتبعة.
ثانيا – المسؤولون في الحكومات، وعليهم شطر المسؤولية أيضا، وكل ما حدث ويحدث في هذا الوقت هو مصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذا؟ " أو كما قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال" دليل على علمه صلى الله عليه وسلم بما سيقع في هذا الزمان وما قبله وما بعده بما علمه الله وأوحى إليه.
فمما لا شك فيه أن الآباء هم المسؤولون أولا حيث أول ما يشاهد الطفل في هذه الدنيا والداه ويسير على حسب ما يسيرانه، ويتخذ منهم القدوة فكيف السبيل لاصلاحهم؟ إننا لا يجب علينا الضغط على الأبناء لأن ذلك يسبب الانفجار والضلال والإصرار على الغواية بدل الهداية، وكذلك لا يجوز إطلاقهم على أهوائهم دون إرشاد أو تنوير فذلك يجعل الشباب ضالا فكلا هذين الأمرين لا يجوزان، بل يجب على الوالد اختيار الوسط بإرشاده أحيانا، وبضربه أحيانا أخرى إذا اقتضى الأمر، بنصحه وزجره وتوبيخه مرات أخرى وتنوير طريقه بالنصائح والإرشادات، وتبيان الضار من النافع والطريق القويم المستقيم، وما يدل عليه من أدلة وأمثلة. وكذلك الطريق الفاسد غير المستقيم وأضراره ومفاسده المترتبة عليه، وضرب أمثلة وأدلة على كل ذلك ليكون لدينا جيل قوي مستقيم.
وهكذا إنني أحمل الآباء مسؤولية ضلال الجيل الناشئ الجديد، لأنه خرج إلى الحياة على الفطرة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" وهم مسؤولون أمام الله الواحد القهار في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ومما يقطع القلوب أننا نرى كل يوم الخنافس وأشباه الرجال في تزايد مع شعورهم الطويلة التي تشبه القرود في تقليدها الأعمى والخنازير في قبحها، وتشمئز أنفسنا من مشاهدة المناظر البشعة في معظم الدول الإسلامية. وكذلك عادة تطويل السوالف المأخوذة من اليهود الصهاينة خاصة، كما هو معروف عندنا وفي أوربا وأمريكا والدول العربية أن اليهود يتميزون بتربية السوالف وشبابنا صغارا وكبارا وحتى بعض المربين يقتدون بهم طواعية، أحد الأصدقاء كان له سوالف وأخبرني أنه زار بعض الأقطار العربية واستغرب أحدهم منه فسأله بدهشة واستغرب: هل أنت مسلم؟ وكان يظنه يهوديا. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من تشبه بقوم فهو منهم ومن أحب قوما حشر معهم، ونحن لا نأخذ أحكامنا ومبادئنا إلا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ونعود إلى المسؤول الثاني وهو الحكومات والمسئولين فيها، فعليهم مثلنا مسئولية كبرى وباستطاعتهم وضع ما يرونه من عقوبات على هذه الأشياء المخالفة والنافية للشرع.
وليت جميع الدول والحكومات الإسلامية تتخذ أوامر صارمة بمنع تربية السوالف والشعور الطويلة وتفرض العقوبات على أي شخص يخالف ذلك.
وقد بادرت كثير من الدول باتخاذ قرارات مشابهة ومقاربة لما ذكرته، وأذكر أن إحدى هذه الدول قد قامت باعتقال جميع الخنافس وحلقت رؤوسهم وساقتهم إلى الجبهة لتجنيدهم وتدريبهم على الأعمال العسكرية الخشنة تدريبا إجباريا، فهذا أيضا من الأدوية الناجعة لمعالجة طيش الشباب المسيطر على الكثيرين منهم.
وبلغني أن أحد مديري المدارس منع جميع الطلاب الخنافس من دخول المدرسة ورفض أن يقبل أي واحد منهم.
بعد كل ذلك ينبغي أن نعلم بأنه يجب أن يكون هناك تعاون يبدأ بالبيت والأسرة ثم المدرسة وينتهي بالسلطة الحكومية، حتى نخرج جيلا ناهضا يستطيع القيام بأداء واجبه على أكمل وجه وينفع وطنه وأمته.
وختاما نسأل الله التوفيق للجميع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا والله ولي التوفيق والقادر على ذلك.
من أعلام المحدثين
علي بن المديني 161 – 234 هـ
للشيخ عبد المحسن العباد
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
نسبه:
هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد، هكذا نسبه الخطيب في تاريخ بغداد.
كنيته ونسبته:
كنيته أبو الحسن، واشتهر بابن المديني – بفتح الميم – وكسر الدال – نسبة إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسبة إليها بهذه الصيغة قليلة وأكثر ما ينسب إليها المدني بدون ياء، وإنما نسب إليها لأن أصله منها كما ذكر ذلك البخاري في التاريخ وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وابن الأثير في اللباب وكانت ولادته ونشأته بالبصرة، ولهذا ينسب إليها فيقال له: البصري، ويقال له: السعدي من بني سعد بن بكر نسبة إليهم نسبة ولاء وهو مولى عروة بن عطية السعدي كما في تهذيب الأسماء واللغات للنووي.
ولادته:
ولد ابن المديني سنة احدى وستين ومائة نقله الخطيب في تاريخه عن علي بن أحمد بن النضر وقال الخطيب: "كان مولده بالبصرة"وكذا أرخه الذهبي في تذكرة الحفاظ وابن السبكي في طبقات الشافعية.
ابن المديني من بيت علم:
الإمام ابن المديني أحد أعلام المحدثين الذين اشتهروا بحفظ الحديث ومعرفة علله، وأبوه وجده من حملة الحديث ونقلته فأبوه عبد الله محدث مشهور روى عن غير واحد من مشيخة مالك بن أنس وجده جعفر بن نجيح روى عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ذكر ذلك الخطيب في تاريخه.
ممن روى عنهم:
سمع الحديث من كثير من المحدثين فرواه عن أبيه وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وابن علية وأبي ضمرة وبشر بن المفضل وحاتم بن وردان وخالد بن الحارث وبشر بن السري وأزهر بن سعد السمان وحرمي بن عمارة وحسان بن إبراهيم وشبابة وسعيد بن عامر وأبي أسامة ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن زريع وهشيم بن بشير ومعاذ بن معاذ وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الله بن وهب وعبد العزيز العمى والفضل بن عنبسة وفضيل بن سليمان وغندر ومحمد بن طلحة التيمي ومرحوم بن عبد العزيز ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي ومعن بن عيسى وأبي النضر وهشام بن يوسف وعبد الرزاق ويوسف بن يعقوب الماجشون وأبي صفوان الأموي وجعفر بن سليمان وعبد العزيز الدراوردي ومعتمر بن سليمان وجرير بن عبد الحميد والوليد بن مسلم وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الوهاب الثقفي وأبي الوليد الطيالسي وغيرهم، وكتب عن الشافعي كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن ابن مهدي فأعجب بها ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ص 103.
ممن رووا عنه:
روى عنه البخاري وأبو داود، والذهلي وإبراهيم بن الحارث البغدادي والحسن بن علي الخلال وأبو مزاحم سباع بن النضر وأبو بكر عبد القدوس الحبحباني وأبو بكر بن أبي عتاب الأعين ومحمد ابن عمرو بن نبهان الثقفي وإبراهيم الجوزجاني وحميد بن زنجويه وأبو داود الحراني ومحمد بن عبد الله ابن عبد العظيم ومحمد بن جعفر بن الإمام وهلال بن العلاء الرقي وعباس بن عبد العظيم العنبري، وروى عنه سفيان بن عيينة ومعاذ بن معاذ وهما من شيوخه وأحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وهما من أقرانه وابنه عبد الله بن علي وأحمد بن منصور وإسماعيل بن إسحاق القاضي وحنبل بن إسحاق وصالح جزرة وأبو قلابة وأبو حاتم والصاغاني والفضل بن سهل الأعرج ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة ويعقوب بن شيبة وأبو شعيب الحراني وأبو الحسين بن البراء وصالح بن أحمد بن حنبل ومحمد بن علي بن الفضل المديني فستقة وأبو خليفة الجمحي ومحمد بن يونس الكديمي ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي والبغوي وعبد الله بن محمد بن الحسن الكاتب وآخر الذين رووا عنه موتا عبد الله بن محمد بن أيوب الكاتب وأقدمهم شيخه سفيان بن عيينة وبين وفاتيهما مائة وثمان وعشرون سنة ذكره الخطيب وهذا من أمثلة السابق واللاحق.
من خرج حديثه:
خرج حديثه البخاري في صحيحه وروى عنه فيه ثلاثمائة وثلاثة أحاديث نقل ذلك الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب وخرج حديثه أبو داود في سننه وقد روى عنه البخاري وأبو داود بدون واسطة، وروى عنه أبو داود أيضا بواسطة وخرج حديثه الترمذي والنسائي في سننهما وابن ماجة في التفسير رووا عنه بواسطة.
ثناء الأئمة عليه:
وكان علي بن المديني موضع تقدير كبار المحدثين أثنوا عليه في حفظه وفي علمه وتبحره وبصره في علل الحديث وأثنوا عليه بوجه عام.
فمن الثناء عليه بوجه عام:
قال أبو حاتم الرازي: "وكان أحمد لا يسمه إنما يكنيه تبجيلا له"قال: "وما سمعت أحمد سماه قط".
وقد بلغ مبلغا عظيما قال فيه عباس العنبري: "كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه وكل شيء يقول ويفعل".
وقال البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني".
وقال النسائي: "كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن".
وقال النووي: "وأجمعوا على جلالته وإمامته وبراعته في هذا الشأن وتقدمه على غيره".
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: "وأما علي بن المدين فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن بل لعله فرد زمانه في معناه".
وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: "ثقة ثبت إمام".
حفظه:
وكان علي بن المديني من الحفاظ المبرزين قال فيه الذهبي: "حافظ العصر وقدوة أرباب هذا الشأن"وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: "الحافظ المبرز"، وقال الخطيب في تاريخه:"هو أحد أئمة الحديث في عصره والمقدم على حفاظ وقته".
علمه:
ومن ثناء الأئمة عليه في علمه قول عبد الرحمن بن مهدي: "ابن المديني أعلم الناس". وقول أبي عبيد القاسم بن سلام: "انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له".
بصره بعلل الحديث:
ومن ثناء الأئمة عليه وإشادتهم بمعرقته التامة بعلل الحديث قول أبي حاتم: "كان ابن المديني علما في الناس في معرفة الحديث والعلل".
وقال ابن حجر في التقريب:"أعلم أهل عصره بالحديث وعلله".
وقال الذهبي في الميزان: "إليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي".
وقال ابن الأثير في اللباب: "وكان من أعلم أهل زمانه بعلل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال أبو داود: "ابن المديني أعلم باختلاف الحديث من أحمد بن حنبل".
وفي تارخ الخطيب: سئل الفرهياني عن يحيى بن معين وعلي وأحمد وأبي خيثمة فقال:
"أما علي فأعلمهم بالحديث والعلل، ويحيى أعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء".
وقال صالح بن محمد: "أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأفقههم في الحديث أحمد ابن حنبل، وأمهرهم في الحديث سليمان الشاذكوني".
دخوله في محنة القول بخلق القرآن وأثر ذلك وكيف انتهى أمره:
وكان علي بن المديني رحمه الله ممن دخل في محنة القول بخلق القرآن دخول الخائف على نفسه ولم يصبر كما صبر الإمام أحمد بن حنبل وغيره بل هاب الإرهاب والقمع الذي حصل لمن لم يوافق دعاة القول بخلق القرآن إلى ما يريدون ومن أجل ذلك لم يرو عنه بعض المحدثين كالإمام مسلم. ولكنه تاب وأناب واتضح من قوله وقول غيره أن دخوله لم يكن عن عقيدة وإنما كان خوفا على النفس. وقد صرح بذلك عن نفسه وصرح به غيره، وقد أورد الذهبي علي بن المديني في كتابه الميزان لكون العقيلي أورده في كتاب الضعفاء وأنحى باللوم على العقيلي لذلك وذب عن هذا الإمام وأشاد بذكره والثناء عليه قال في كتابه الميزان (3/138) :"أحد الأعلام الأثبات وحافظ العصر ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، فبئس ما صنع، فقال: جنح إلى ابن أبي دؤاد والجهمية وحديثه مستقيم إن شاء الله"، ثم ذكر الذهبي بعض ثناء الأئمة عليه ثم قال:"وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها وهذا أبو عبد الله البخاري – وناهيك به – قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن الديني، ولو ترك حديث علي وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وذكر أناسا آخرين سماهم، لغلقنا الباب وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أفما لك عقل يا عقيلي أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك فهذا مما لا يرتاب فيه محدث".
وقال الذهبي في الميزان أيضا: "كان ابن المديني خوافا متاقيا في مسألة القرآن مع أنه كان حريصا على إظهار الخير فقد قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: سمعت يحيى بن معين يقول: كان ابن المديني إذا قدم علينا أظهر السنة وإذا ورد البصرة أظهر التشيع ثم قال الذهبي: قلت كان ذلك بالبصرة ليؤلفهم على حب علي رضي الله عنه، فإنهم عثمانية". انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "عابوا عليه إجابته في المحنة لكنه تنصل وتاب واعتذر بأنه كان خاف على نفسه"، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ بعد أن ذكر كثيرا من ثناء الأئمة عليه:"قلت مناقب هذا الإمام جمة لو ما كدرها بتعلقه بشيء من مسألة خلق القرآن وتردده إلى أحمد بن أبي دؤاد إلا أنه تنصل وندم وكفر من يقول بخلق القرآن، فالله يرحمه ويغفر له". انتهى.
وقد جاء عنه الثناء على الإمام أحمد في صبره في المحنة وقال: "إن الله أعز هذا الدين برجلين، أبو بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة".
وقال ابن أبي حاتم الرازي في كتاب الجرح والتعديل: "وترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل ما كان منه في المحنة وكان أبي يروي عنه لنزوعه عما كان منه".
وفي تاريخ بغداد أن عباس العنبري روى عنه أنه قال: "قوي أحمد على السوط وأنا لا أقوى"وقال ابن عمار: "ما أجاب إلى ما أجاب ديانة إلا خوفا"، وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية:"وكان علي بن المديني ممن أجاب إلى القول بخلق القرآن في المحنة فنقم ذلك عليه وزيد عليه في القول، والصحيح عندنا أنه إنما أجاب خشية السيف"قال ابن عدي: "سمعت مسددا ابن أبي يوسف الفلوسي يقول:
قلت لابن المديني: مثلك في علمك يجيب إلى ما أجبت إليه. فقال يا أبا يوسف: ما أهون عليك السيف"، وعنه: "خفت أن أقتل ولو ضربت سوطا واحدا لمت".
وهكذا نجد أن ابن المديني رحمه الله دخل في المحنة خائفا على نفسه لا معتقدا صحة ذلك كما صرح بذلك عن نفسه وصرح غيره كما في النقول المذكورة وإن دخوله هذا أثر في إعراض بعض المحدثين عن الرواية عنه ولما كان قد تاب واعتذر بأن الذي حمله على الدخول الخوف على نفسه لم يلتفت إلى ما سلف منه كثير من المحدثين فرووا عنه وعلى رأسهم الإمام البخاري الذي شحن صحيحه بالرواية عنه وبلغ جملة ما رواه عنه في الصحيح ثلاثمائة وثلاثة أحاديث.
شيوخه يستفيدون منه:
وكما كان ابن المديني يستفيد من شيوخه فهم أيضا يستفيدون منه وقد صرح بعضهم بذلك. قال شيخه يحيى بن سعيد القطان: "كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا"وقال سفيان بن عيينة: "يلومونني على حب علي، والله كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني".
آثاره:
ألف ابن المديني في الحديث مصنفات كثيرة العدد جليلة القدر.
قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: "وكان علي أحد أئمة الإسلام المبرزين في الحديث صنف فيه مائتي مصنف لم يسبق إلى معظمها ولم يلحق في كثير منها".
وقد أورد الحاكم أبو عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث – ص 89 – فهرست مؤلفاته نقله عن شيخه محمد بن صالح الهاشمي قال: "سمعت الشريف القاضي أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي قاضي القضاة يقول: هذه أسامي مصنفات علي بن المديني:
1-
كتاب الأسامي والكنى ثمانية أجزاء.
2-
كتاب الضعفاء – عشرة أجزاء.
3-
كتاب المدلسين – خمسة أجزاء.
4-
كتاب أول من نظر في الرجال وفحص عنهم – جزء.
5-
كتاب الطبقات: عشرة أجزاء.
6-
كتاب من روى عن رجل لم يره – جزء.
7-
كتاب علل المسند – ثلاثون جزءا.
8-
كتاب العلل لإسماعيل القاضي – أربعة عشر جزءا.
9-
كتاب علل حديث ابن عيينة - ثلاثة عشر جزءا.
10-
كتاب من لا يجنح بحديثه ولا يسقط – جزءان.
11-
كتاب الكنى – خمسة أجزاء.
12-
كتاب الوهم والخطأ: خمسة أجزاء.
13-
كتاب قبائل العرب – عشرة أجزاء.
14-
كتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان – خمسة أجزاء.
15-
كتاب التاريخ – عشرة أجزاء.
16-
كتاب العرض على المحدث – جزءان.
17-
كتاب من حدث ثم رجع عنه – جزءان.
18-
كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال – خمسة أجزاء.
19-
كتاب سؤلاته يحيى – جزءان.
20-
كتاب الثقات والمثبتين – عشرة أجزاء.
21-
كتاب اختلاف الحديث – خمسة أجزاء.
22-
كتاب الأسامي الشاذة – ثلاثة أجزاء.
23-
كتاب الأشربة – ثلاثة أجزاء.
24-
كتاب تفسير غريب الحديث – خمسة أجزاء.
25-
كتاب الإخوة والأخوات – خمسة أجزاء.
26-
كتاب من يعرف باسم دون اسم أبيه – جزءان.
27-
كتاب من يعرف باللقب – جزء.
28-
كتاب العلل المفرقة – ثلاثون جزءا.
29-
كتاب مذاهب المحدثين – جزءان.
هكذا سردها الحاكم وقد أضفت إليها الترقيم، وبعد فراغه من سياقه قال:"إنما اقتصرنا على فهرست مصنفاته في هذا الموضع ليستدل به على تبحره وتقدمه وكماله". انتهى.
أقول: "وإن مما يؤسف له أن هذه المكتبة الكبيرة لا وجود لها في الوقت الحاضر، بل إن ذكر أسماء هذه المصنفات قليل في كثير من المصنفات فما رأيت أحدا من مؤلفي المصادر التي رجعت إليها في ترجمته - والتي أثبتها في نهاية الترجمة - تعرض لتسميتها اللهم إلا العليمي صاحب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد المتوفى سنة 928هـ فقد أورد هذا الفهرس الذي سقته هنا عن الحاكم دون أن يشير إلى المصدر الذي استمده منه. ويوجد من آثاره كتاب علل الحديث ومعرفة الرجال مخطوطا في خزانة أحمد الثالث في تركيا وصورته في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة رقم 743 فهرس التاريخ.
وفاته:
قال البخاري: "مات علي بن المديني ليومين بقيا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين". وقال الحارث بن أبي أسامة وغير واحد: "مات بسر من رأى في ذي القعدة"، وكانت وفاته في يوم الاثنين كما في التاريخ الكبير للبخاري.
ممن ترجم له:
1-
ترجم له الحافظ الذهبي في العبر 1-418 والميزان 3-138 وتذكرة الحفاظ 2-15.
2-
وابن حر العسقلاني في التقريب 2-39 وتهذيب التهذيب 7-349
3-
البخاري في التاريخ الكبير 2-3-284
4-
الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 11-458
5-
الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال 133
6-
ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين 356
7-
ابن العماد في شذرات الذهب 2-81
8-
السمعاني في الأنساب 516 مخطوط
9-
ابن الأثير في اللباب 3-115
10-
ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة 1-225
11-
العليمي في المنهج الأحمد 1-97
12-
أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء 103
13-
ابن السبكي في طبقات الشافعية 1-266
14-
النووي في تهذيب الأسماء واللغات 1-350
15-
ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1-3-193 وفي مقدمته 319
أخبار الجامعة
للإشراف الاجتماعي بالجامعة نشاطات ملموسة من حيث تنظيم الاجتماعات واللقاءات الخيرة بين مختلف الجنسيات بالجامعة. هذا ويبذل المشرف الأستاذ عبد الله قادري جهودا موفقة في هذا المضمار.
هذا وقد عقدت في الأشهر المنصرمة ثلاث ندوات نوقش فيها ما يلي:
1-
حث الطلاب على التآخي.
2-
إقامة ندوة خاصة بالتعارف، وذلك ليتسنى للطلاب معرفة إخوانهم المستجدين.
3-
معرفة المذاهب الهدامة التي تحاك ضد الإسلام.
4-
التعرف على مشاكل الطلاب السكنية ووضع حل لها.
5-
اقتراحات الطلاب.
وقد قام الطلاب بعدة رحلات تحت مراقبة وإشراف المشرف الاجتماعي بالجامعة.
* وصل للمدينة المنورة قادما من نيجيريا فضيلة الشيخ عمر محمد مساعد الأمين العام للجامعة الإسلامية، والمدرس في المسجد النبوي الشريف وذلك بعد أن اشترك مع مندوب دار الإفتاء الشيخ محمد بن إبراهيم بن قعود مدير قسم نشر الدعوة والإرشاد في تفقد أحوال المدارس في نيجيريا لمعرفة مدى تمشي مناهجها مع مناهج الجامعة ليتم قبول الطلاب على ضوء ذلك.
هذا وقد اتصل المندوبان بالجمعيات الإسلامية والهيئات الدينية لمعرفة نشاطها ومتطلباتها، وقد استغرقت المهمة حوالي ثلاثة شهور، وهذا مثل تضربه حكومة جلالة الملك وعلى رأسها الفيصل في تفقد أحوال المسلمين والاهتمام بأمورهم.
* زار الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ ضياء الدين بن خان مدير الإدارة الدينية ورئس المسلمين في الاتحاد السوفياتي قادما من القاهرة بعد أن اشترك في مؤتمر مجمع البحوث الذي عقد في القاهرة في الآونة الأخيرة، يرافقه كل من مدير العلاقات الخارجية بالإدارة الدينية ورئيس تحرير مجلة (المسلمون) هناك. وقد قام الوفد بزيارة لكليات الجامعة ومنشآتها، واجتمع مع فضيلة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز والأمين المساعد.
هذا وفي ختام الزيارة قدمت الجامعة للوفد بعض الكتب والمناهج المجلات هدية منها.
* عقد مجلس الجامعة الموقر أولى جلساته مساء الأحد 16-8-1392 هـ بعد إجازة دامت حوالي شهرين، وقد بحث المجلس عدة مواضيع هامة.
* في صبيحة يوم السبت الموافق 29-8-1392 هـ قام سمو ولي العهد ووزير الدفاع في دولة البحرين الشقيقة بزيارة للجامعة الإسلامية بالمدينة، وكان في استقبال سموه ومرافقيه صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية وكبار المسئولين في الجامعة، وبعد تناول المرطبات والقهوة العربية في مكتب سماحة رئيس الجامعة اتجه سموه ومرافقوه إلى كلية الشريعة بالجامعة حيث اطلع سموه عن كثب على سير الدراسة في هذه الكلية، واستمع إلى بعض المحاضرات التي ألقاها بعض كبار مدرسي الجامعة.
هذا وفي ختام زيارة الضيف قدمت الجامعة لسموه بعض الكتب القيمة هدية منها لسموه الكريم.
* الشركة المسئولة عن سفلتة شوارع الجامعة الإسلامية تعمل هذه الأيام بجد ونشاط، ومن المتوقع إن شاء الله أن السفلتة ستتم قبل موسم حج هذا العام.
* المشرف الاجتماعي، والمشرف الرياضي بالجامعة الإسلامية يقومان في هذه الأيام بنشاطات ملموسة مع بداية العام الدراسي الجديد.
وقد نظمت الندوات والاجتماعات، وكذلك جرت بعض المباريات في السباق وغيره.
* باشر يوم الاثنين 9-9-1392 فضيلة الأمين العام للجامعة الشيخ محمد ناصر العبودي عمله بالجامعة الإسلامية بعد إجازة دامت قرابة شهر قام خلالها بجولة في العديد من العواصم العربية، وذلك لوضع الترتيبات اللازمة لاجتماع المجلس التنفيذي لجمعية الجامعات الإسلامية بالمدينة المنورة قبل موسم هذا الحج 1392هـ. هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن المجلس المذكور سيشارك فيه ممثلون عن أكثر من عشر من الجامعات والكليات الإسلامية.
* وجه سماحة رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز الدعوة إلى أعضاء المجلس التنفيذي لجمعية الجامعات الإسلامية لحضور الدورة الثالثة التي ستعقد بمقر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ومن الجدير بالذكر أن جدول أعمال هذا المؤتمر قد أرسل للسادة أعضاء المجلس قبل عقد المؤتمر بمدة كافية وذلك ليتسنى لهم إبداء رأيهم في إضافة شيء لهذا الجدول.
هذا ومن المقرر أن يقوم أعضاء المجلس بزيارة للجامعات والكليات الجامعية في مدن المملكة وفقا لمنهج معد للزيارة المذكورة وجرى اتخاذ الترتيبات اللازمة لذلك مسبقا.
ومما تجدر الإشارة إليه أن فضيلته يزمع هذه الأيام دفع بعض مؤلفاته إلى المطابع.
* عقدت لجنة توزيع الكتب في الجامعة أولى جلساتها برئاسة فضيلة الأمين العام المساعد وعضوية كل من: مساعد الأمين العام لشئون التعليم، ومدير العلاقات العامة ورئيس التحريرات.
* اجتمع فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن ناصر العبودي بمكتبه مع كل من مساعده الشيخ عمر محمد، ومدير العلاقات بالجامعة الأستاذ أحمد عبد الحميد عباس.
* اجتمع بمقر دار الحديث التابعة للجامعة مجلس الجامعة وذلك قبل سفر سماحة الرئيس. هذا وقد بحث المجلس عدة مواضيع هامة.
* من المتوقع أن تبدأ إجازة آخر شهر رمضان وعيد الفطر بالنسبة للمدرسين والطلاب يوم السبت 21 رمضان، وذلك ليتسنى للطلاب الغير سعوديين زيارة أهاليهم وذويهم خارج المملكة.
* اجتمع فضيلة الأمين العام للجامعة الإسلامية يوم أمس الأول في مكتبه مع كل من مساعد الأمين العام، ومدير الشئون المالية ومدير شئون الموظفين بالجامعة وذلك لدراسة بعض الموضوعات الهامة ثم اجتمعت لجنة الترقيات في الجامعة التي اتخذت محضرا بترشيح بعض الموظفين.
* بمناسبة قرب الإجازة بالنسبة للطلاب والمدرسين فقد اجتمع كل من مجلس كلية الشريعة برئاسة فضيلة عميدها وكذلك مجلس كلية الدعوة برئاسة فضيلة عميدها وذلك لدراسة بعض الأمور المتعلقة بالكليتين وبما يكفل استمرار سير الدراسة بها.
يستفتونك
يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
س 1 – إذا صلى الإمام الصلاة وقام ولم يتشهد التشهد الأول ونبه ولم يرجع وعندما سلم من الصلاة نبه وسلم ولم يسجد وبعد السلام قال له بعض المأمومين لمَ لم تسجد فقال ذهب محله فماذا عليه هل عليه الإعادة لأنه ترك واجبا عمدا، وإذا كان جاهلا والمأمومون يجهلون الحكم فماذا عليهم أفتونا مأجورين؟.
ج 1 – التشهد الأول إذا تعمد المصلي تركه بطلت صلاته في أصح قولي العلماء إذا كان عالما بالحكم ذاكرا فإن كان جاهلا فلا شيء عليه وإن تركه ناسيا وجب عليه السجود للسهو فإن تعمد تركه بطلت صلاته أما إذا نسي وسلم قبل أن يسجد ثم نبه أو ذكر فإنه يجب عليه أن يسجد بعد السلام للسهو ثم يسلم كالحال وسجود السهو الذي محله بعد السلام فإن لم يفعل فقد اختلف في بطلان الصلاة بذلك أي بترك سجود السهو بعد السلام سواء كان محله بعد السلام أو قبله فنسيه فصار بعد السلام. قال أبو محمد ابن قدامة رحمه الله في المغني: "فإن ترك الواجب عمدا فإن كان قبل السلام بطلت صلاته لأنه أخل بواجب في الصلاة عمدا، وإن ترك الواجب بعد السلام لم تبطل صلاته لأنه جبر للعبادة خارج منها فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج، وسواء كان محله بعد السلام أو قبله فنسيه فصار بعد السلام"وقد نقل عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة ونقل عنه التوقف انتهى المقصود.
وبهذا يعلم أن الصواب صحة الصلاة وعدم وجوب الإعادة على الجميع إلا إذا كان الإمام قد تعمد الترك لما يشرع الإتيان به قبل السلام مع العلم بالحكم الشرعي فإنها تلزمه الإعادة لكونه ترك واجبا بدون عذر شرعي، أما المأموم فعليه أن يسجد للسهو إذا لم يسجد إمامه بعد السلام في قول الأكثرين كما في المغني لأن السهو ينقص صلاة الجميع فإذا لم يسجد الإمام لجبران النقص الحاصل بالسهو وجب على المأمومين السجود سواء سجدوا فرادى أو عينوا من يؤمهم في ذلك لأن الإمام لما امتنع من الواجب انقطعت تبعيتهم له ووجب عليهم الاستقلال بأداء الواجب كما لو سلم عن نقص ونبهوه فلم يرجع للصواب فإنه يلزمهم أن يكملوا صلاتهم فرادى أو بإمام منهم لوجوب تكميل الصلاة على الجميع، فلما امتنع منه الإمام انقطعت تبعيتهم له فإن لم يسجدوا لم تبطل صلاتهم لأنه واجب خارج الصلاة فلم تبطل الصلاة بتركه كالأذان والإقامة وكجبرانات الحج والله سبحانه وتعالى أعلم.
س2 – إذا صلى الإمام بعض الصلاة ثم قطع الصلاة وقام محله آخر وأتم الصلاة بغير استخلاف وبعد انقضاء الصلاة حصل عند المأمومين تشويش هل استخلف أم لا؟ وبعضهم سأل الإمام الآخر هل استخلفك الإمام قال لا فهل يلزم المأمومين إعادة الصلاة؟ وهل يلزم البحث إذا كانوا لم يعلموا الحال؟ وهل في المسألة أقوال لأن بعض طلبة العلم أفتى بصحة الصلاة وبعضهم ببطلانها؟.
ج2- إذا قدم الإمام رجلا من المأمومين عند احتياجه إلى قطع الصلاة جاز في أظهر أقوال أهل العلم. وقد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما وفعله عمر رضي الله عنه لما طعن وهو في الصلاة فإنه قدم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ليتم الصلاة والقصة في صحيح البخاري وكذا لو قدم المأمومون أحدهم إذا كانوا قلة أو قدمه بعضهم إذا كانوا كثيرا وكذا لو تقدم أحدهم أتم الصلاة دون أن يقدمه أحد. قال أبو محمد بن قدامة رحمه الله في المغني بعد أن استدل للرأي الراجح وهو جواز الاستخلاف: "إذا ثبت هذا فإن للإمام أن يستخلف من يتم بهم الصلاة كما فعل عمر رضي الله عنه، وإن لم يستخلف فقدم المأمومون منهم رجلا فأتم بهم جاز، وإن صلوا وحدانا جاز قال الزهري في إمام ينوبه الدم أو يرعف أو يجد مذيا: "ينصرف وليقل أتموا صلاتكم" انتهى. ولا شك أن تقدم أحد المأمومين ليتم بهم الصلاة أولى من إتمامهم الصلاة فرادى وليس الاستخلاف من الإمام ولا من المأمومين شرطا في صحة الصلاة بعد خروج الإمام منها فإنه لو تقدم أحد الجماعة عند إقامة الصلاة وصلى بهم دون أن يقدمه أحد منهم فإن صلاته وصلاتهم وراءه صحيحة فكذا لو تقدم في اثناء الصلاة ليتم الصلاة بعد خروج الإمام وإن لم يقدمه أحد لأن تقدمه يتضمن نية الإمامة ومتابعتهم له تتضمن قصدهم الإتمام به، ولأن الصلاة جماعة مطلوبة شرعا فما كان محققا لها أولى من عدمه والله ولي التوفيق.
س 3 – إذا كان عند رجل رأس مال يتجر به ويستدين من هذا ويأخذ من هذا حتى يصفى التجارة فإذا حال عليه الحول هل يلزمه أن يزكي جميع ما عنده أو يحسب ما عليه من الدين ويزكي الباقي وما هو الراجح لديكم من أقوال العلماء؟.
ج 3 – اختلف العلماء في كون الدين مانعا من وجوب الزكاة على أقوال أحدها أن الأموال الباطنة كالنقدين وعروض التجارة لا تجب فيها الزكاة إذا كان الدين ينقصها عن النصاب لأن الزكاة شرعت للمواساة ومن عليه دين ينقص النصاب أو يستغرقه لا يوصف بالغنى بل هو أهل لدفع الزكاة إليه، أما الأموال الظاهرة كالمواشي والثمار فإنه لما كان المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم إرسال السعاة لأخذ الزكاة منها دون أن يؤثر عنهم الاستفسار هل على أهلها ديون أم لا فإن الحكم فيها يختلف عن الأموال الباطنة، وبهذا قال مالك والأوزاعي وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد في الأموال الظاهرة، والقول الثاني لا تجب فيها كالأموال الباطنة لما سبق، والقول الثالث تجب الزكاة في الجميع لما ذكرنا من الأدلة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة ولو كان على أربابها دين ولأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة ليس فيها ما يدل على مراعاة الدين فوجب التعميم وهذا قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن وحماد بن أبي سليمان والشافعي في الجديد وهو الصواب، وعلى هذا فمحل السؤال تجب فيه الزكاة عملا بعموم الأدلة وعدم المخصص الذي يحسن الاعتماد عليه والله أعلم.
س4 – إذا بيعت الصبرة من الطعام كل صاع بريال وزيادة على جميع الصبرة عشرة أريلة مثلا والصبرة مجهولة فهل هذا يكون من بيع المجهول أولا؟ وإذا كان الناس يتعاملون بمثل ذلك فهل ينهون عنه أم لا؟.
ج4- إذا بيعت الصبرة من الطعام كل صاع بريال وزيادة على جميع الصبرة عشر أريل مثلا والصبرة مجهولة فإن البيع صحيح وليس من بيع المجهول الذي لا يجوز لأن البيع معلوم بالمشاهدة والثمن في حكم المعلوم ويدل لذلك أن عليا رضي الله عنه أجر نفسه من امرأة على أن يمتح لها من بئر كل ذنوب بتمرة فمتح ست عشرة ذنوبا فعدت له ست عشرة تمرة فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأكل منها والحديث أخرجه أحمد وقال فيه الشوكاني في نيل الأوطار "جود الحافظ – يعني ابن حجر – إسناده"وأخرجه ابن ماجة بسند صححه ابن السكن انتهى، وبجواز بيع الصبرة كل قفيز بدرهم قال الأئمة أحمد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد صاحب أبي حنيفة رحمهم الله ولأن الأصل في المعاملات الصحة فلا يبطل منها إلا ما قام الدليل على بطلانه وهذه المعاملة ليس فيها غرر ولا ما يقتضي بطلانها فوجب أن تكون صحيحة والله ولي التوفيق.
س5 – إذا أراد رجل أن يستدين من آخر هل يجوز له أن يقول بعني العشرة باثني عشر؟ وهل يجوز أن يتفقا على مبلغ معلوم والسلعة ليست موجودة لدى التاجر؟ وما معنى حديث حكيم ابن حزام "ولا تبع ما ليس عندك"؟.
ج5- قول من يريد الاستدانة للدائن، بعني العشرة باثني عشرة معناه، بعني السلعة التي تساوي عشرة حالة باثني عشر مؤجلة ومثل هذا القول بهذا المعنى لا بأس به لأن العبرة بالمعاني، والبيع بثمن مؤجل أزيد مما تباع به السلعة نقدا جائز عند الجمهور والأدلة الدالة على حل البيع تشمله ويدل له أيضا قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} فإنه شامل لما كان فيه الثمن مساويا للبيع نقدا وما كان زائدا عنه ويدل عليه أيضا ما خرجه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة قال: "فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة"ذكره الحافظ في بلوغ المرام وهو صريح في هذه المسألة وقد ألف في جواز ذلك العلامة الشوكاني رحمه الله رسالة ذكرها في كتابه نيل الأوطار.
وإذا كانت السلعة ليست في ملك الدائن أو في ملكه وهو عاجز عن التسليم فليس له أن يبرم عقد البيع مع المشتري وإنما لهما أن يتواطآ على السعر ولا يتم بينهما بيع حتى تكون السلعة في حوزة البائع لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم خرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم، قال ابن القيم في تهذيب السنن في شرح حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه "لا تبع ما ليس عندك" وقال: (وبيع ما ليس عنده إنما نهى عنه لكونه غير مضمون عليه ولا ثابت في ذمته ولا في يده فالمبيع لابد أن يكون ثابتا في ذمة البائع أو في يده وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما فالحديث باقي على عمومه هذا بعض كلامه في تهذيب السنن وانظر إيضاح معنى الحديث أيضا في زاد المعاد لاين القيم وإعلام الموقعين له أيضا.
س6 – إذا اشترى شخص من آخر طعاما إلى أجل فهل يجوز له بيعه قبل قبضه وما هو القبض الشرعي الذي جاء الحديث بالنهي عن البيع قبله وهل إذا اشترى منه سلعا من طعام أو غيره وعدها وهي في محل التاجر هل هذا يعتبر حيازة شرعية وقد أفتى بعض طلبة العلم بجواز ذلك فهل له حجة شرعية أم لا وقد أصبح كثير من الناس يتعاطون ذلك وربما تباع السلعة عدة مرات وهي في محل التاجر الأول خصوصا إذا كان سكرا أو أرزا أفتونا مأجورين ووضحوا ذلك أثابكم الله.
ج6 – إذا اشترى شخص من آخر طعاما أو سلعة أخرى بثمن حال أو مؤجل فلا يجوز له بيعه قبل قبضة وذلك بحيازته إلى منزله أو متجره أو غير ذلك ولا يكفي في القبض عدها وإبقاؤها في محلها دون حيازتها ومن الأدلة على ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام حتى يستوفا وفي لفظ حتى يقبض وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عند مسلم، كنا نبتاع الطعام جزافا، فيبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، وحديثه في الصحيحين وغيرهما قال:"كانوا يتبايعون الطعام جزافا فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه"وحديثه فيهما أيضا قال: "رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون جزافا يعني الطعام يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم" وحديثه في سنن أبي داود والدارقطني والمستدرك وصحيح ابن حبان قال: ابتعت زيتا في السوق فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت فقال:"لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم"، والحديث في إسناده محمد ابن إسحاق قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث مستدلا به على تعميم الحكم في الطعام وغيره، وإن كان فيه محمد بن إسحاق فهو الثقة الصدوق انتهى، وقال عنه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، أحد الأئمة الأعلام حديثه حسن، وقال الحافظ في الفتح، ما ينفرد به محمد بن إسحاق وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكره معه.
وقال شمس الحق العظيم آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني، الحديث أخرجه أبو داود بإسناد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه وقال في التنقيح وسنده جيد فإن ابن إسحاق صرح بالتحديث انتهى، قلت قول الشيخ شمس الحق أن ابن إسحاق صرح في رواية أبي داود بالسماع فيه نظر فقد راجعت السنن فلم أجده صرح بالسماع فلعل ذلك وقع في نسخة الشيخ شمس الحق ولكن رواه الإمام أحمد في المسند من طريق ابن إسحاق مختصرا وصرح بالسماع فالحديث جيد وصريح في الموضوع، على أن السلع أيا كانت لا يجوز بيعها قبل حيازتها ومثله في إفادة العموم حديث حكيم بن حزام عند البيهقي بسند جيد قال قلت يارسول الله إني ابتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم قال:"يابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه" ومما يدل على أن الحكم عام في الطعام وغيره حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" قال ابن عباس ولا أحسب كل شيء إلا مثله، وقد حكى الخطابي في معالم السنن وابن المنذر كما عزا إليه ابن القيم في تهذيب السنن الإجماع على عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه أما غير الطعام فقد حكى الخطابي وكذا ابن القيم للعلماء فيه أربعة أقوال رجح ابن القيم منها القول بتعميم حكم المنع في الطعام وغيره لحديث حكيم بن حزام وزيد بن ثابت الدالين على ذلك وقال إن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه ويغره الربح وتضيق عينه منه وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلما والى الخصام والمعاداة والواقع شاهد بهذا فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه إلى آخر كلامه رحمه الله وما تمسك به القائلون بالتفريق بين الطعام وغيره من أن التنصيص على المنع
جاء في الطعام في أغلب الأحاديث لا يفيد حصر الحكم عليه بل ذلك مع ما ورد في تعميم الحكم يدخل تحت القاعدة المشهورة وهي أن إثبات حكم العام لبعض أفراده لا يفيد قصره عليه والله أعلم، ويؤيد ذلك كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله أن المنع إذا جاء في الطعام مع شدة الحاجة إليه فمنعه في غير الطعام من باب أولى، أما إذا كان الطعام أو غيره بيع بالكيل أو الوزن فإن قبضه يكون باكتياله أو وزنه لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله" انتهى، والمبيع بالوزن في معنى المبيع بالكيل ولكن الأحوط والأكمل أن لا يتصرف المشتري فيما اشتراه بالكيل أو الوزن حتى ينقله إلى رحله لعموم الأحاديث الصحيحة الكثيرة المخرجة في الصحيحين وغيرهما المضمنة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبض، ولا شك أن القبض الكامل إنما يكون بالنقل والحيازة لا بمجرد الكيل والوزن والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
أضواء من التفسير
لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة
المناسبة:
بعد أن عرف بصاحب القصة ووصفه في الآيات السابقة وأثنى عليه ذكر القصة التي سبقت الآيات السابقة تمهيدا لها.
القراءة:
قرئ {لا تُشْطِطْ} بضم التاء وكسر الطاء الأولى، وقرئ {تَشْطُطْ} بفتح التاء وضم الطاء الأولى، وقرئ {وَعَزَّنِي} – بتشديد الزاي. وقرئ {وعَازَّنِي} بألف بعد العين وتشديد الزاي. وقرء {لَيَبْغِي} بسكون الياء التي بعد الغين، وقرئ:{ليبغيَ} – بفتح الياء الأخيرة – وقرئ: {ليَبغِ} – بحذف الياء – وقرئ: {فَتَنَّاهُ} – بفتح الفاء والتاء وتشديد النون – وقرئ – بفتح الفاء والتاء والنون الخفيفة – وقرئ: {فتَّناه} – بتشديد التاء – وقرئ: {حُسْنَ} – بالنصب – وقرئ: {حُسْنُ} وقرئ: بالرفع.
المفردات:
أتاك: جاءك. نبأ: خبر. الخصم: هو في الأصل مصدر خصم بمعنى خاصم وأصل المخاصمة على ما قال الراغب: أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي بجانبه، ولذا يستعمل الخصم للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، والمراد هنا الجمع {تَسَوَّرُوا} يقال: تسور السور أو الحائط تسنمه وعلا ذروته والسور الجدار المرتفع. والمحراب: البيت المرتفع أو القصر الشامخ أو مكان العبادة، ويقول الذين يفسرون المحراب بالقصر أنه سمي بذلك لأنه يحارب من أجله. وأما المحاريب المعروفة الآن بما يدخل في الحائط على سمت القبلة ليتبين الناس منها جهة القبلة فيقول المفسرون: أنها شيء لم يكن قد عرف في الصدر الأول، فزع: ذعر وفرق. خصمان: فريقان متخاصمان. بغى: تعدى وجار. فاحكم: فافصل. بالحق: بالعدل. ولا تشطط – بضم التاء – من اشطط يشطط اشطاطا إذا تجاوز الحد والمعنى: ولا تجر.
قال أبو عبيدة: شططت في الحكم وأشططت إذا جرت. فهذا مما اتفق فيه فعل وأفعل، وأما من قرأ: تشطط – بفتح التاء وضم الطاء الأولى – فهو من شط بمعنى أشط.
كما قال أبو عبيدة: واهدنا: وأرشدنا. سواء الصراط: وسط الطريق والمراد طريق الحق ونهج العدل. أخي: أي في الدين أو في الصحبة أو في الشركة والخلطة. نعجة: شاة، وهي الأنثى من الضأن وبقر الوحش والمراد بها هنا أنثى الضان. أكفلنيها: أعطنيها وضمها إلي حتى أكفلها وأرعاها. وعزني: وغلبني. ومنه قول الشاعر:
تجاذبه وقد علق الجناح
قطاة عزها شرك فباتت
ومن قرأ وعازني، فالمعنى وغالبني. الخطاب: الكلام. ظلمك: تعدى عليك. بسؤال نعجتك إلى نعاجه: أي إضافة شاتك إلى شائه على سبيل السؤال. الخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم وما شيتهم. ليبغي: ليتعدى. وظن: وقام بنفسه ورجح في خاطره. فتناه: بلوناه واختبرناه وأوقعناه في الفتنة. فاستغفر: فطلب المغفرة. خر: هوى إلى الأرض. راكعا: أي ساجدا كما قال الشاعر:
وتاب إلى الله من كل ذنب
فخر على وجهه راكعا
وأناب: ورجع إلى ربه عز وجل. غفرنا: سترنا ومحونا. لزلفى: درجة عالية ومنزلة رفيعة. وحسن مآب: وجميل مرجع.
التراكيب:
قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ} الواو قيل للعطف على إنا سخرنا من قبيل عطف القصة على القصة وقيل على اذكر، ويجوز أن تكون للاستئناف فبعد أن أثنى على داود استأنف ذكر قصته. وهل للاستفهام المقصود به التشويق إلى ما بعده لكونه أمرا بديعا عجيبا غريبا وقوله:{إِذْ تَسَوَّرُوا} إذ ظرف لمحذوف تقديره نبأ تخاصم وتحاكم الخصم إذ تسوروا. قال أبو حيان وغيره: وليس ظرفا لأتاك لأن اتيان النبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود وليس ظرفا للنبأ لأن النبأ واقع في عهد داود لا في عهده صلى الله عليه وسلم وإن أريد بالنبأ القصة في نفسها لم يكن ناصبا فتعين أن يكون ظرفا لمحذوف.
وقوله: {إِذْ دَخَلُوا} إذ بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا. والفاء في {فَفَزِعَ} للسببية. وقوله: {قَالُوا لا تَخَفْ} استئناف بياني نشأ عن سؤال مقدر مرتب على فزعه عليه السلام كأنه قيل: فماذا قال الخصم عند مشاهدتهم لفزعه؟ فقيل: قالوا: لا تخف. وقوله {خَصْمَانِ} يحتمل أن يكون هذا موصولا بقوله: {لا تَخَفْ} مبادرة بإخباره عليه السلام بما أتيا من أجله، ويحتمل أن يكون سألهم: ما شأنكم؟ فقالوا: خصمان. وخصمان خبر لمبتدأ محذوف أي نحن خصمان وجملة بغى بعضنا على بعض في موضع رفع صفة لخصمان، وقد ثنى هنا باعتبار الفوج والفريق، وجمع في قوله {قَالُوا} لملاحظة أفراد الفريقين. والفاء في قوله {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا} فصيحة وقوله {وَلا تُشْطِطْ} تأكيد لمعنى الجملة قبله، وكذلك قوله:{وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} . وقوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي} استئناف لبيان ما فيه الخصومة. وقوله: {أَخِي} يجوز أن يكون بدلا أو عطف بيان أو خبرا لأن. وقوله تعالى: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} جواب قسم محذوف جيء به لقصد المبالغة في إنكار فعل المدعى عليه وتهجين طمعه في نعجة ليس لصاحبها سواها مع أن له قطيعا من الغنم. والسؤال مصدر مضاف لمفعوله، وإنما عدي إلى نعاجه بإلى لأنه متضمن لمعنى الضم والإضافة وقوله:{لَيَبْغِي} بسكون الياء الأخيرة في محل رفع خبر إن واللام للتوكيد وأما على قراءة فتح الياء الأخيرة فقد خرجت على تقدير حذف النون الخفيفة وأصله ليبغين على حد قول طرفة بن العبد.
ضربك بالسيف قونس الفرس
اضرب عنك الهموم طارقها
يعني اضربن. ويكون الكلام حينئذ على تقدير قسم محذوف وهو وجوابه خبر لأن. وأما قراءة ليبغ فإنها بحذف الياء للتخفيف على حد قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ومنه قول الشاعر:
إذا ما خفت من أمر تبالا
محمد تفد نفسك كل نفس
وقوله: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} استثناء من الجنس والمستثنى منه بعضهم. وقوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} ، الجملة اعتراضية، تذييلية للتأسف على قلة المؤمنين والتعجب من هذه القلة. وقليل خبر مقدم وما صلة لإفادة التعجب وهم مبتدأ مؤخر وإنما أفادت التعجب لأن الشيء إذا بولغ فيه بإبهامه كان مظنة للتعجب منه قيل: ما أقلهم.
وما في قوله: {أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} هي الكافة وهي التي تهيئ إن وأخواتها للدخول على الأفعال فهي صلة والمعنى وظن داود أنا فتناه. والفاعل على قراءة تشديد النون هو الله تعالى، وعلى قراءة التخفيف هو الخصمان. والفاء في قوله:{فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} لإفادة مسارعته عليه السلام إلى التوبة وتعقيب الفتنة بالاستغفار، {رَاكِعاً} حال مقدرة. و {ذَلِكَ} مفعول غفرنا وقيل خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. والإشارة إلى ما فتن به. و {وَحُسْنَ مَآبٍ} على قراءة النصب بالعطف على اسم إن وبالرفع مبتدأ والخبر محذوف تقديره له.
المعنى الإجمالي:
وهل جاءك يا محمد خبر تخاصم وتحاكم المتخاصمين إذ تسنموا حائط قصر داود عليه السلام وقت أن أرادوا الدخول عليه، لقد أخافه دخولهم على هذه الصورة الغريبة، فلما رأوه ذعر منهم طمأنوه بقولهم له: لا تخف أيها الملك: نحن فريقان متخاصمان تعدى بعضنا على بعض فافصل بيننا بالعدل ولا تجر في حكمك، وأرشدنا إلى طريق الحق ومنهج العدل. ثم تقدم إليه المظلوم وقال – مشيرا إلى من ظلمه – إن هذا شريكي له تسع وتسعون شاة ولي شاة واحدة فطلب مني أن يكفلها وقهرني في طلبه. فقال داود: لقد تجاوز حده، وتعدى عليك بسبب طلب ضم شاتك إلى شاءه، ثم وعظهم عليه السلام فقال:"وإن كثيرا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما أقلهم؟ "
ولما خلا داود إلى نفسه أنبها على الفزع منهم ولامها على الخوف من الخلق، وقام بخاطره أنه فتن للفزع من البشر فطلب من ربه المغفرة وسقط إلى الأرض ساجدا، فتجاوزنا عن فزعه، وإن لداود عندنا لدرجة رفيعة ومنزلة عالية وجميل مرجع.
هذا وقد ساق الله تعالى هذه القصة الكريمة لينبه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يفزع من كفار مكة الذين يتوعدونه ولا يخاف منهم ويقول له: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود التقي الصالح صاحب القوة في الدين الأواب إلى الله تعالى، الذي سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب لما فزع عند دخول الخصمين عليه وتسورهما المحراب ظن أنه فتن وأنه قصر في حق سيده العظيم فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فلا تفزع ولا تخف.
وقد ذكر جمهور المفسرين هنا قصة عجيبة غريبة نقلا عن اليهود لعنهم الله تعالى فقالوا إن داود كان في المحراب فوجد طائرا جميلا فمشى خلفه حتى صعد فوق المحراب فوجد امرأة أوريا تغتسل فأعجب بجمالها وأراد أن يضمها إليه فبعث زوجها أوريا إلى الحرب حتى قتل وأخذها لنفسه وكان له تسع وتسعون امرأة غيرها وليس لأوريا إلا هذه المرأة فقط فأرسل الله تعالى له ملكين في صورة متخاصمين وتسوروا المحراب على داود ففزع منهم فقالوا له: {لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} إلى قوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} – وقصدوا بالنعاج النساء – فقال: أكفلنيها وعزني في الخاطب فقال داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن رام ذلك ضربنا منه هذا وهذا وأشار إلى أنعه وأصل جبهته. فقال الملكان – وهما صاعدان إلى السماء – حكمت على نفسك، أنت تستحق أن يفعل بك ذلك، فأيقن أنه ابتلى بسبب امرأة أوريا واستغفر ربه وخر راكعا وأناب، وبكى بكاء مرا حتى خرج العشب من أثر دموعه وكان يسبح في سجوده الطويل المرير حتى تاب الله عليه.
وهذه القصة لا أصل لها من الصحة بل هي مختلقة وباطلة لأنها لو صحت لجاز وقوع الكبائر من الأنبياء عليهم السلام مع أنهم معصومون من ذلك، فضلا عن أنه لو نسب إلى رجل من العوام لتبرأ منه فكيف يحدث من نبي عظيم كداود عليه الصلاة والسلام؟.
حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في العصر الحديث
بقلم الشيخ محمد المهدي محمود المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة
الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ورضي الله عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. .
وبعد..
فقد سعدت الدنيا بالنور المنزل على المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فكانت رسالته رحمة عامة شاملة مباركة، رحمة في الدنيا والآخرة. رحمة في العقيدة، والتشريع، والقانون، والأخلاق، والنظام العام في الأسرة والمجتمع والشعوب. رحمة للفرد والجماعة. قال الله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} فسعدت البشرية التائهة في بيداء الظلم والضلال، واهتدت بنور خالق الأرض والسماء سبحانه وتعالى. ما أجمل الدنيا وقد سعدت بنور الله تبارك وتعالى.
لقد شهدت الإنسانية نورا عاما في مناحي الحياة منبعثا من كتاب الله نورا في العقيدة، وضياء في المعرفة الكونية، وهداية لأقوم السبل. بأسلوب معجز. يتحدى الناس جميعا في كل العصور على اختلاف ثقافتهم ومعارفهم وعلومهم.
إن إعجاز القرآن عام في كل أنواع المعرفة.
إن القرآن بحر لا ساحل له، وتقدم العلوم والمعارف، إنما يكشف لنا عن بعض ما في كتاب الحق تبارك وتعالى من معان تتحدى أساطين الكشف والاختراع. قال الله تبارك وتعالى:
{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} صدق الله العظيم.
فالقرآن العظيم من أي ناحية ارتشفت من رحيقه وشهده وجدت الشفاء والهداية. وجدت الأعجاز العام الخالد الذي يتحدى الزمن. يقرؤه البليغ فيجد فيه الأعجاز البلاغي، ويقرؤه العالم الاجتماعي فيجد فيه أسباب سعادة المجتمع، ويقرؤه الطبيب فيخر ساجدا أما أسراره التي لا تقف عند حد، وهكذا كان القرآن الكريم المعجزة الخالدة. قال الحق تبارك وتعالى:
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} وقد كشف العلم الحديث عن معنى بعض الآيات القرآنية، وكلما تقدمت العلوم كلما زاد اكتشاف جواهر القرآن، وأسراره وكنوزه، وسيأتي الوقت الذي يكون فيه العلماء الماديون أقرب الناس إلى الدين وإلى الإيمان بالله.
ومن أجل أن نلقي بعض الضوء على موضوع الاعجاز العلمي للقرآن الكريم في العصر الحديث نحتاج إلى تقديم أمثلة ونماذج لكي نضع أمام القارئ الكريم صورة عن هذا الاتجاه من هذا البيان لتوضيح إعجاز القرآن. بيد أن الأمثلة لا يمكن أن نوفيها بعض حقها في مقالة واحدة فأرجو أن يكون لنا لقاءات بعد تقديم هذا النموذج من الشرح والإيضاح في مقالات أخر ونسير بمشيئة الله في تسخير العلم لفهم بعض آيات الله في الكون وإبداعه في الخلق، وبذلك نوضح للعالم شرقا وغربا بعضا من نور الإسلام وإعجاز القرآن. إننا في حاجة إلى أن نتسلح بالأسلحة العلمية لكي نبرز بعضا مما في كتاب الله من كنوز وجواهر ولآلئ علمية في هذا العصر.. إن القرآن معجز في هدايته.. هدايته في الآيات الكونية، وفي الآيات التشريعية، وفي الآيات الخلقية، وهدايته في كل بيان جاء به.
لقد وردت في القرآن الكريم آيات بينات اشتملت على حقائق علمية كشفها العلم الحديث وبينها ووضحها، وصدق الله سبحانه وتعالى القائل:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} .
وسنذكر قطرة من بحر لنسترشد بها في بان بعض نواحي الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.
يقول الله تبارك وتعالى عن عسل النحل:
اشتملت الآية الكريمة على كثير من النواحي الطبية التي اكتشفها الطب الحديث والتي تعتبر من معجزات القرآن العلمية لقد أثبتت جميع المعامل الطبي العالمية أن عسل النحل يشتمل على مواد تعالج الكثير من الأمراض. كما أن له مفعولا كبيرا في شفاء الكثير من الأمراض لأنه يقتل الكثير من الميكروبات. ثم هو يحتوي على نسبة عظيمة من الفيتامينات والجلوكوز. على أنه ضد التسمم الناشئ من أمراض التسمم البولي، والاضطرابات المعدية، والمعوية، وأكبر منشط للكبد، ومن أجل أن نشرح هذا الموضوع شرحا وافيا لا بد أن نفصل الكلام على وجه البسط حتى تتضح الحقائق العلمية العظيمة التي أثبتت بعض ما يحتويه عسل النحل من عناصر – وما فيه من فوائد وأن التحليل العلمي للآية الكريمة يقتضي منا أن نتحدث عن مشتملات العسل على الترتيب الآتي:
أولا – الخمائر.
ثانيا – الأملاح المعدنية الموجودة في العسل.
ثالثا – العسل قلوي.
رابعا – الفيتامينات الموجودة في العسل.
ثم بعد ذلك نتحدث عن الأمراض التي يستعمل العسل في علاجها.
اكتشف الإنسان منذ أقدم العصور ما لعسل النحل من أهمية غذائية عظمى وبتقدم علم الكيمياء أمكن تحليل العسل ومعرفة تركيبه الكيماوي بدقة كبيرة. فالعسل يتكون أساسا من سكرى العنب والفواكه، وعدد كبير من الأملاح المعدنية، والخمائر والفيتامينات، والمركبات النباتية الفعالة ونسبة من الماء.
وجميع السكريات التي تدخل الجسم معقدة التركيب ولا يمكن للجسم أن يستفيد منها إلا بعد تحليلها.. أما عسل النحل فإن الجسم ستفيد منه سريعا.
1-
خمائر العسل: الخمائر أو الإنزيمات هي مركبات فعالة تستطيع القيام بعمليات التحليل الكيميائي للمكونات الغذائية بكفاءة مذهلة تعجز عنها أعظم المعامل الكيميائية.
وقد اتضح أن العسل يحتوي على الخمائر الآتية:
أ- الخميرة التي تحول النشا إلى سكر. ب – الخميرة التي تحول سكر القصب إلى سكر عنب وسكر فواكه. جـ – والخمائر التي تهضم المواد الدهنية.
من هنا نعلم السر في القدرة الهائلة على إزالة عسر الهضم وأمراض الجهاز الهضمي الموجودة في العسل بسبب احتوائه على الخمائر التي ذكرنا بعضا منها.
2-
الأملاح المعدنية الموجودة في العسل:
يحتوي العسل على عدد كبير من الأملاح المعدنية بنسبة دقيقة بحسب احتياجات تركيب جسم الإنسان، من هذه الأملاح ما يأتي:
أملاح أالكالسيوم ب والحديد ج والكلور د والفسفور هـ والكبريت وواليود، وتكاد نسبة الأملاح المعدنية في العسل تعادل نسبتها في دم الإنسان.
وقد ظهر من التحليلات التي أجريت على عسل النجل أنه يحتوي على عناصر المنجنيز ب والألومنيوم ج واليورون وغيرها، هذه الأملاح المعدنية لها أهمية عظمى بالنسبة لجسم الإنسان.
3-
العسل قلوي: يصاب جسم الإنسان باضطرابات خطيرة نتيجة لكثرة الأحماض الناتجة من كثرة المواد الزلالية أو الاجهاد العصبي المرهق، ولما كان العسل طعاما قلويا لاحتوائه على عناصر البوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم والمغنسيوم لذلك كان أثره عظيما في إيجاد توازن قلوي في الجسم وتخليص الجسم من الأحماض التي تفت في عضد الإنسان وتقتل حيويته وتصيبه بالفتور والملل ولذلك يشعر الإنسان بعد تعاطيه للعسل بحيوية كبيرة وميل إلى النشاط والحركة.
4-
فيتامينات العسل: الفيتامينات هي مركبات كيميائية توجد في طعام الإنسان، وتوجد في الخضروات والفواكه بكثرة، ولها أهمية ضخمة في حسن انتظام سير العمل في أعضاء الجسم المختلفة، ووقايتها من الأمراض، ويصاب الجسم بكثير من الأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان في حالة خلو طعامه من أنواع معينة من الفيتامينات وذلك مثل مرض فقر الدم والكساح والبلاجرا.
وقد اتضح من التحليلات العلمية للعسل أنه يحتوي على الفيتامينات الآتية:
1-
فيتامين ب بأنواعه.
ب1 – الذي يساعد على قوة الإبصار وب2 الذي يساهم في التمثيل الغذائي الخاص بالنشويات والسكريات والدهون والزلاليات وفي امتصاص سكر العنب من الأمعاء ولذلك يعتقد بعض الأطباء أن العسل من عوامل المناعة غير المحدودة ضد الأمراض، وفيتامين ب 3 يمنع من التهابات الجلد ويساهم في التمثيل الغذائي الخاص بالسكريات.
وفيتامين هـ يساهم في التمثيل الغذائي الخاص بالدهون والزلاليات ويساعد على بناء الجسم، وهذا الفيتامين يحفظ الجسم من الإصابة بأمراض الاكزيما والقوباء والدمامل والصدفية، وفيتامين ك يستعمل في وقف النزيف خصوصا النزيف الداخلي، وفيتامين ج يزيد في مناعة الجسم ضد العدوى ويساهم في عمليات تكوين الدم.
استعمال العسل:
يستعمل العسل من أزمان بعيدة في علاج كثير من الأمراض وكتب مشاهير الأطباء القدامى من المصريين والإغريق والهنود والعرب مملوءة بالوصفات التي تحتوي على عسل النحل وبعد اكتشاف التركيب الكيميائي للعسل، أصبح يستعمل في علاج كثير من الأمراض بدرجة لا تقف عند حد، فلا يكاد يخلو كشف جديد في جميع أنحاء العالم من استعمال لعسل النحل في علاج مرض خطير أو داء مستعص، ونبدأ بالخواص العلاجية لأهم مكونات عسل النحل، وهو سكر العنب أو الجلوكوز، الذي يستعمل بكثرة لعلاج أمراض الدورة الدموية وزيادة التوتر والحساسية والنزيف، خصوصا المعدى وقرح المعدة وأمراض أمعاء الأطفال والأمراض المعدية مثل التيفوس والدوسنتاريا والملاريا والتهاب الحلق والحمى والحصبة التسمم. والجلوكوز علاج هام لأمراض الكبد ويزيد من مقاومة الكبد لحالات التسمم، على أن الجلوكوز من المصادر الحيوية لزيادة النشاط عند الإنسان ولعمليات بناء الأنسجة والتمثيل الغذائي.
أهم الأمراض التي يستعمل العسل في علاجها:
1-
علاج الجروح: أوصى الحكيم العربي ابن سينا باستعمال لبخة من العسل المخلوط بالدقيق في علاج الجروح واستعمل الأطباء اليوم الكثير من المراهم التي يدخلها عسل النحل في شفاء الجروح المستعصية وكانت النتيجة مذهلة بسبب سرعة التئام الجروح وشفائها.
علاج أمراض الجهاز التنفسي استعمل العسل في شفاء أمراض المسالك التنفسية قديما واستعمل حديثا على هيئة محلول يستنشق منه المريض.
وفي علاج الزكام ينصح الأطباء باستعمال العسل مع اللبن الدافئ مع الراحة لمدة يومين.
وفي علاج السل ينصح الرئيس ابن سينا بتناول مزيج العسل مع خلاصة الورد، وستعمله في الصباح وفي المساء وقد تأكد الأطباء في العصر الحديث من أن العسل له أثر عظيم في زيادة مقاومة الجسم للسل.
وفي علاج أمراض المعدة والأمعاء تدل الأبحاث العلمية الحديثة على أن تناول عسل النحل يقلل من الحموضة العالية في المعدة وهو علاج قوى للذين يشكون من قرح المعدة والأثنى عشر وفي هذه الحالة يجب أن يؤخذ العسل قبل الأكل بساعة ونصف وأفضل الأوقات لتناوله هو قبل الإفطار، وأحسن النتائج تحدث عند تناول العسل في كوب ماء دافئ، ونحن نقرر بكل اعتزاز وفخر أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان بتناول العسل بالماء وهكذا يخضع العلم الحديث أمام تعاليم نبي الإسلام وأمام عظمة القرآن.
وأما علاج أمراض الكبد فيستعمل العسل على نطاق واسع في علاج أمراض الكبد ويرجع أثره الطبي إلى أنه يزيد مخزون الكبد من السكر وينشط عملية التمثيل الغذائي في الأنسجة، وتقوم الكبد بعمل المرشح فتكون ترياقا من السموم وتدل التقارير الطبية على أن الانتظام في تناول العسل يأتي بالشفاء من التهاب الكبد المزمن والتهاب المرارة، وفي علاج الأمراض العصبية أوصى الرئيس ابن سينا بتناول القليل من العسل، وفي الطب الحديث اتضح أن عسل النحل المذاب في الماء الدافئ علاج ناجح للأمراض العصبية، وأجريت التجارب في هذا الصدد، وكانت النتائج مرضية جدا، واختفى الصداع والأرق وقل تهيج المرضى وزادت بهجتهم ويرجع ذلك إلى احتواء العسل على مقدار كبير من سكر العنب.
وأيضا أجريت تجارب كثيرة ناجحة في علا الأمراض الجلدية وأمراض العيون وكان العسل أهم عناصر تلك المراهم الشافية، وأخيرا تحسين حال مرضى السكر – لوحظ في تجارب عديدة أن كثيرا من مرضى السكر استفادوا كثيرا من تعاطى العسل حيث انخفضت نسبة السكر في دمهم، فأصبحت مقاربة لنسبتها في دم الأصحاء، ويرجع ذلك إلى وجود مواد في العسل تجعل تمثيل السكر أكثر سهولة في الجسم، فلا يظهر بنسبة مرتفعة في الدم.
ومجمل القول لقد استخدم الأطباء قديما وحديث عسل النحل في كثير من المستحضرات الطبية، ولعلاج حالات مرضية، ونذكر منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر علاج الصداع العصبي، لجلب النوم، لتغذية الأطفال، لتغذية الناشئين والناقهين من الأمراض في مقاومة أمراض الشيخوخة، لمنع شلل الأطفال، لتزويد أصحاب الأعمال الفكرية بالطاقة اللازمة للعمل، لمساعدة الحوامل أثناء الحمل، استعماله لمساعدة الأطفال عند التسنين في حالات الاضطرابات الجلدية والحساسة في المسالك التنفسية عامة في حالات فقر الدم في أمراض الكبد والمعدة والأمعاء والقولون والمرارة والبنكرياس والقلب والمسالك البولية، ومن الجميل أن بعض الأطباء ينادي باستعمال العسل وترك السكر ويبرر طلبه الأدلة العلمية التي منها:
1-
لا يسبب عسل النحل اضطرابات لأغشية القناة الهضمية الرقيقة.
2-
يحدث تمثيل العسل في الجسم سريعا وسهلا.
3-
لا يضر عسل النحل بالكلي ولا يسبب تلف أنسجتها.
4-
يزود عسل النحل الإنسان بأعظم قوى النشاط بأقل مجهود للجهاز الهضمي.
5-
يساعد الرياضيين على استعادة قواهم سريعا، ورغم ظهور هذه المزايا فما زال في العسل مواد غير معروفة تبلغ 73ر3 في المائة عجز العلم عن اكتشافها للآن وهكذا يقرأ المسلم بكل فخر على مسامع الدنيا صباحا ومساء {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} .
ويا حبذا لو أن الأثرياء والأغنياء وأهل الأموال والبساتين يقومون بتربية النحل على نطاق واسع لأجل أن يستفيد الناس من هذا الشفاء المبارك تحقيقا لقول الله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} فالمسلمون أحق الناس بالانتفاع بتوجيهات الإسلام الخالدة العظيم.
يقول الله سبحانه وتعالى في قصة السيدة مريم أم عبد الله ورسوله سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّا}
أثبت التحليل العلمي للرطب أنه يحتوي على مادة تخفف ضغط الدم عند السيدات الحوامل، وتؤثر تأثير كبيرا في مساعدة السيدات الحوامل على سهولة الولادة وقد قدم الدكتور عبد العزيز شرف بحثا علميا عن الرطب وتأثيره على الحامل أثبت فيه أن التمر يقوي انقباضات عضلات الرحم وخصوصا في الشهور الأخيرة من الحمل ويقول الدكتور شرف أنه استرشد في بحثه هذا بالآية القرآنية الكريمة من سورة مريم وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا.
ويقول أيضا أن الرطب له تأثيره الخاص على حركة الأمعاء على أن الرطب يعادل اللحم في قيمته الغذائية ويتفوق عليه بما يعطيه من سعرات حرارية ومواد معدنية وسكرية وذلك بالإضافة إلى أنه غني بالكلسيوم والفسفور والحديد ويحتوي على غالبية الفيتامينات الهامة، كما أنه يفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر والأمراض الجلدية والأنيميا ولين العظام.
ولننتقل بكم إلى مثل آخر من أمثلة إعجاز القرآن العلمي: لقد حرم الإسلام الخمر.
وقد ثبت طبيا أن الخمر أساسها مادة الكحول وهذه المادة إن دخلت المعدة سببت فيه الالتهابات الحادة والقروح المعوية التي تؤدي في نهاية الطريق إلى السرطان. كما أنها تحدث التهابا في الأعصاب وفي الكلي وتصلبا في الشرايين وتحجرا في الكبد.
ولما كان الكبد هو بمثابة المعمل الكيميائي في الجسم فإن ما ينتج من تحجر أو تليف في الكبد لهو إنذار صادق بالفناء ولهذا حرم الإسلام من الخمر القليل والكثير والقاعدة العامة "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
إن الحديث عن إعجاز القرآن العلمي في العصر الحديث: لا يمكن أن ينتهي.
إن كتاب الله سبحانه وتعالى اشتمل على كل شيء ينفع الإنسان في حياته في الدنيا والآخرة، والهدف من هذه المقالة أن يعرف المسلمون بعض ما في القرآن من أسرار وعجائب خالدة باقية وأن يرجع المسلمون عامة في مشارق الأرض ومغاربها إلى كتاب الله وإلى نوره الذي أنزله هداية للناس أن يرجع المسلمون إلى كتاب الله في عقائدهم وتشريعاتهم وأخلاقهم وآدابهم وثقافتهم حتى تعود لهم السيادة ويعود النصر الذي كتبه الله للمؤمنين الصادقين في إيمانهم.
كتب الله للمسلمين عودة كريمة إلى نور الإسلام وهدايته ووفق الله المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للاعتصام بكتاب الله ونصر دين الله وجمعهم تحت راية الإسلام.
المراجع
1-
كتب التفسير والحديث.
2-
كتاب نحل العسل وشفاء الأمراض للدكتور أحمد لطفي عبد السلام.
3-
نحل العسل للدكتور عبد الخالق وفا.
4-
كتاب الإسلام والطب.
من الصحف والمجلات
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون
إعداد العلاقات العامة
في الولايات المتحدة تجاوزت الجريمة أكثر أضعافها في السنوات الأخيرة وأصبح معدل الجريمة: جريمة قتل كل دقيقة، سرقة مسلحة كل دقيقة. جريمة اغتصاب كل عشرين دقيقة. جرائم دون اغتصاب أي بالتفاهم بين المجرمين على حساب الأسرة والمجموع البشري، تتم دون أن يتم حصرها.
والعنف المنظم جزء لا يتجزأ من العلاقات الاجتماعية في هذا المجتمع، ومن الملحوظ أن جرائم القتل الحادة تكثر بين الشبان من سن 15- 35 أي هؤلاء الذين تتضخم لديهم الطاقات الباحثة عن الإشباع دون أن يجدوا متنفسا حقيقيا للتفريغ.
وفي روسيا تعتبر الحياة كلها جريمة، فالأسرة مفقودة بالمعنى الطبيعي للأسرة، والإنسان آلة لا تحس
بحركتها الذاتية، ولأنه لا يستطيع التفريغ في المجتمع الحديدي، فهو يقوم بالتفريغ في ذاته وفي من هو حوله.
وأخيرا طالب الروس بمزيد من حرية الاستهلاك وبمزيد من الحرية التي لم تكن موجودة أصلا لأنهم بدوا يبحثون عن أنفسهم بعد سجن أكثر من نصف قرن، وهم – وبعدهم الصينيون – سيصلون إلى نفس المحط لأنهم بالطبع لا يحتمل أن يسيروا في طريق الإسلام والحضارة الحقيقية.
وفي ألمانيا تضاعفت جرائم القتل الناري عشرة أضعاف، وفي عام 1969م سجلت إحصائيات الإجرام أكثر من ألفي جريمة قتل. وفي عام 1970م وصلت إلى ألفين وخمسمائة وفي عام 1971م وصلت إلى ثلاثة آلاف وزيادة مطردة.
وفي بريطانيا ارتفع إحصاء الجريمة في السنوات الأخيرة من 15759 إلى 41088 عام 1970م وربما وصلت الآن إلى خمسين
…
وجرائم السطو ارتفعت في عامين لتبلغ نصف مليون جريمة.
وفي فرنسا زادت نسبة الجريمة إلى 32% لاسيما عملية السطو المسلح ولا مجال للاستطراد والنتيجة سيئة للغاية تنبئ بمستقبل مظلم للإنسان، الإنسان المجرد من الروح والعقل والضمير والإحساس لأنه – وهذه هي الحقيقة الأبقى والأخلد؛ لأنه بدون مناخ إسلامي يهيمن بروحه على الحياة لا يوجد بديل إلا عالم الجريمة.
نقلا عن مجلة المجتمع الكويتية
إلى البابا بولس السادس عظيم أهل ملته
بقلم: الشيخ محمد مهدي استانبولي
سلام على من اتبع الهدى، أما بعد اطلعت على رسالتك التي وجهتها إلى كافة الرجال الخيرين على حد – تعبيرك – من أجل تحقيق السلام في العالم، وذلك في يناير (شباط) عام 1968 م عن طريق الاحتفال في اليوم الأول من كل عام بيوم السلام، فأشكرك شكرا كثيرا على اهتمامك في السعي لسعادة البشرية وسلامها وأهم ما أود أن ألفت نظرك إليه أن السلام الصحيح لا يتحقق ما لم نسع لإيقاظ الشعور الإنساني في ضمائر الناس ونذكرهم بأنهم أسرة واحدة، تمت بالأصل إلى أبوين اثنين كما تقول جميع الأديان السماوية فلا فرق بين أبيض ولا أسود، ولا أصفر إلا بالمنافسة في الأعمال المفيدة والبناءة للبشرية جمعاء.
ولا شك أن هذه الالتفاتة نحو الأخوة الواحدة من شأنها أن ترقق القلوب القاسية، فلا يعتدي فرد على فرد ولا شعب على شعب مهما كان قويا، ما دام يؤمن بأن البشر جميعا أخوة من أصل واحد مهما تباعدوا في الديار ومهما اختلفوا في الأجناس والألوان واللغات، وحتى في الأفكار وكل ضرر أو مصيبة تصيب جماعة تنتقل إلى الجماعات الأخرى.
ووسائل النقل الحديثة من طائرات وغيرها تساعد جدا على تحقيق هذه الفكرة، أكثر من أي وقت سابق فقد أصبح العالم نتيجة ذلك كأنه بلد واحد أو حي واحد، أو أسرة واحدة إذا أصيبت بسوء أو أزمة، انتقلت أزمتها وبلاؤها إلى الآخرين.
والغريب – والغريب جدا – أن الخيرات والمنتوجات التي أودعها الله تعالى على الأرض، بدلا من أن تكون نعمة على البشرية جميعا، يتقاسمونها فيما بينهم قسمة أخوية إنسانية، كل حسب جهده، ومساعدة الفقراء والذين لا يكفيهم دخلهم، إذا بهم جعلوها سببا للقتال والحروب وسفك الدماء مما تشمئز منه النفوس الكريمة وتأباه الضمائر الحية، وترفضه العقول السليمة أن نجعل من النعم نقما تسبب شقاء البشرية بدلا من سعادتها وكل ذلك نتيجة فقدان الشعور الديني الإنساني السليم من التعصب.
ولو كان البشر – شعوبا وحكومات – تشعر بالأخوة الإنسانية بوعي ويقظة لما كان هذا المصير المؤسف الذي هدد ويهدد البشرية بالانهيار والفناء.
ومن أهم أسباب تحقيق السلام أيضا علاوة على أحياء الشعور الأخوي وجود تشريع سماوي واحد وصحيح يصلح لكل زمان ومكان بين هؤلاء البشر الأخوة، فلا يدع مجالا للنزاع والخصومة بينهم، كما هو الشأن الآن في التشريعات القومية واللادينية المعاصرة التي تمزق الشعوب وتثير الاختلافات كل ذلك بسبب عجز البشر أن يضعوا التشريعات لأنفسهم كعجزهم عن وضع القوانين الطبيعية.
فكما أن الله سبحانه وضع هذه القوانين المادية بين البشر وبين الطبيعة ولا بد من الخضوع لها حتى يفيد الناس من هذه الطبيعة، كذلك أنزل تشريعات دينية بين البشر أنفسهم، فلا بد لهم كي يسعدوا ويعيشوا بسلام من الخضوع لها.
لقد أنزل الله سبحانه الأديان لتحكم بين الناس بالحق والعدل، وأذكرك بهذه المناسبة بالدين الإسلامي العظيم، وهو امتداد لشريعة المسيح عليه السلام كما أن المسيحية امتداد لشريعة التوراة فقد قال المسيح:"ما جئت لأنقض الناموس، بل جئت لأتمم"كذلك قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" بل إن الإسلام مسيحية مصححة بعيدة عن الانحرافات التي طرأت عليها عبر القرون كما أعلن هذه الحقيقة مؤرخو وعلماء النصارى أنفسهم أمثال (الهرارنست دي يونس) في كتابه (الإسلام: أي النصرانية المصححة) .
لقد بشر المسيح عليه السلام بهذا النبي في فقرات كثيرة من الأناجيل، فقد جاء في إنجيل يوحنا (12:16 و 13) "إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقولها لكم، ولكن لا تستطيعون أن تتحملوا الآن، وأما متى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية".
وكان المسيح يعبر عن محمد المبشر به بلفظ (النبي) ، وبلفظ (فارقليط) وهو تقريب لفظ (بيريكلتوس) اليونانية ومعناها (الذي له حمد كثير) أي محمد. وقد جاء في أسفار التوراة والمزامير بشارات كثيرة بالنبي محمد اكتفي بذكر أسمائها وأرقام فقراتها (سفر التثنية – الإصحاح 18) والمزمور التاسع والأربعين بعد المائة، والعاشر بعد المائة، وأشعيا في الإصحاحات (8 و 9 و 6 و 35 و 42 و 43) ودانيال في الإصحاح (2 و 7) وحبقوق إصحاح (2) ، وزكريا إصحاح (3) وملاحي إصحاح (3) .
إن المسيحيين لا يزالون إلى الآن بانتظار هذا النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل ليبقى معهم إلى الأبد – أي خاتم الأنبياء – وقد سئل المسيح عن صفاته لتميزه عن الأنبياء الكذبة فقال لرعيته: "من ثمارهم تعرفونهم"وهل أعظم من الثمار التي جاءت في تشريع محمد التي أصلحت العرب ووحدتهم بعد نزاعهم وانطلقت بهم في العالم فقضوا على وثنية الفرس والرومان وفتحوا الدنيا من المحيط إلى المحيط بأقل من قرن.
لقد شهد بعظمة الإسلام وصلاحه لكل زمان ومكان وقدرته على سعادة البشرية كلها، وحل جميع مشكلاتهم الاقتصادية والخلقية والسياسية كثير من مفكري وساسة الغرب المنصفين.
إن العالم يعيش اليوم على فوهة بركان مدمر في اضطراب وفوضى وخطر داهم بسبب التشريعات الوضعية القاصرة التي كانت من أهم أسباب نزاعه وحروبه.
ولما كانت المسيحية لا تملك تشريعا مفصلا كالإسلام، وكانت شريعة إقليمية لعصر معين مضى كما أعلن المسيح نفسه ذلك بقوله "إنما بعثت لشياه بني إسرائيل الضالة" وهي تقتصر على نصائح ووصايا لم يعد أكثرها صالحا للحياة والتطبيق وفيها كثير من المتناقضات مما كان سببا في نفور الغربيين منه وانسلاخهم عنه في تشريعاتهم ومدنيتهم وحياتهم العملية. ولكنهم غدوا مع كل ذلك بلا زمام ودون قيود فتكالبوا على المادة حتى أوشكت أن تقضي عليهم وتعرضهم للمهالك وكل ذلك كانت نتيجة رد الفعل للطقوس النصرانية التي تتنكر للعلم والمدنية كما تتنكر للحياة فتحض حتى على ترك الزواج والعزوف عنه. إن المدنية المعاصرة خطر مدمر بسبب تجردها عن الروحانية الصحيحة الموجودة فعلا في الإسلام الذي جمع بين المادة والروحانية في تعاليمه وحض عليهما.
وأذكرك – يا عظيم ملته – بهذه المناسبة أن العالم اليوم ينقسم إلى معسكرين، معسكر الرأسمالية، ومعسكر الشيوعية، معسكر الفردية ومعسكر الجماعية، ويمثل هذين المعسكرين: الدول الغربية والدول الشرقية. وبقاء هذين المعسكرين يهدد السلام بالخطر وليس هناك حل سوى الإسلام فهو وسط بين الفردية والجماعية، ووسط بين الروحية والمادية، قد جمع بين كل منها في أروع نظام وأجمل تناسق.
وهذا يجعل الفاتيكان إذا اعتنق الإسلام، يتقدم إلى العالم بالحل السلمي الصحيح الذي يرضى جميع المعسكرات المتطاحنة فيتحقق على يده السلام والسعادة الحقيقين. فمن الواجب المحتم إنقاذا للبشرية بالمسارعة إلى اعتناق الإسلام ودعوة الناس إليه.
ومن هذه المتناقضات والأدلة على بطلان عقيدة الصلب ما جاء في (سفر التثنية)"لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل! "
إن الإسلام أشاد بعظمة المسيح وأمه مريم الصديقة، وأن الله أنقذه من الصلب ونصره على أعدائه من اليهود ورفعه إليه، وهذا بخلاف ما يزعمه النصارى الذي يعتقدون بأن اليهود أهانوه وعذبوه وصلبوه، ولا أدري كيف تتفق عقيدة الصلب هذه مع قول التوراة:"ملعون من وضع على خشبه"فأي العقيدتين ترفع من شأن المسيح وتشيد بعظمة الله.
وكذلك يعتقد المسلمون بأن الله سبحانه واحد لا شريك له، ليس له والدة ولا زوجة ولا ولد شأن البشر، فأين هذا من عقيدة النصارى من احتقار الله وسبه وأنه حمل وولد، وكان يأكل ويشرب ويتغوط وينام، هو الله وابن الله، وأن الله أو ابنه حل فيه، ثم تركه يصلب من قبل اليهود ليكفر عن خطيئة آدم، مع أن الله يقول بأن آدم طلب المغفرة من الله بعد خطيئته فغفر له وانتهت القضية دون أن تلحق أحدا من البشر كما تقتضي أبسط مبادئ العدل الإلهي والبشري.
ولا يخفى ما سببته عقيدة الخطية من تعذيب البشر وخاصة النساء والأطفال منهم وليس لهم ذنب، ولا يخفى أن هذه العقيدة شأن عقيدة التثليث والصلب عقيدة وثنية موجودة في تاريخ الهند القديم وغيرها من الأمم السابقة للمسيحية. وكم أتمنى لو يطلع زعماء النصارى على كتاب (العقيدة الوثنية في الديانة النصرانية) فيرون العجب العجاب وكيف أنهم يدينون بالوثنية وهم يشعرون أو لا يشعرون وهم يعتقدون أنهم لا يزالون يدينون بالمسيحية التي جاءت من عند الله.
كل ذلك يدعوك – أيها البابا بولس السادس- عظيم أهل ملته إلى دعوة المسيحيين في العالم لاعتناق الإسلام والدخول فيه إجابة لدعوة المسيح الذي بشر به، وإنقاذا للبشرية مما تعانيه اليوم من اضطراب وفوضى بسبب نظمها الوضعية العاجزة والقاصرة والمجحفة. وأذكركم بهذه المناسبة تمهيدا لانتشار الإسلام والسلام بوجوب دراسة الاختلافات الدينية بين المسيحية والإسلام لإزالتها فما كان دين الله ليتناقض، وليفرق، بل ليجمع ويوحد.
إن المسيح أعلن في فقرات كثيرة في الإنجيل أنه عبد الله ورسوله، وأن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن الله هو الإله الحقيقي وحده، وأن المسيح رسوله (يوحنا 17/3) حتى أنه لم يقبل أن يقال له (السيد) فقال لحواريه:"السيد هو الله وحده"وهناك عشرات من الآيات سواء في التوراة أو الإنجيل تعلن هذه الوحدانية لله وقد جاء في إنجيل مرقس فأجابه يسوع: أن أول كل الوصايا هي: "اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا واحد"(الفصل 12 العدد 39) ويبقى بعدها فقرات قليلة جدا فهم منها بعض المسيحيين ألوهية المسيح، وقد تكون مدسوسة أو محرفة ويجب تأويلها لتتفق مع جميع ما جاء في التوراة والإنجيل خشية أن يقال أن هذا الإنجيل فيه اختلاف وتناقض.
وأذكر على الدوام أن جميع الكتب السماوية والأنبياء كلهم جاءوا بالتوحيد وأن التثليث جاء طارئا على ديانة المسيح بسبب قسطنطين وبولس وأن مجمع (نيقية) الذي قرر التثليث وهو عقيدة وثنية كانت قبل المسيح بضغط من الملك قسطنطين بينما كانت أكثرية أعضائه تنادى بوحدانية الله وأن المسيح عبده ورسوله.
وإنني ألفت نظركم بعدد خطير أصدرته مجلة لايف الأمريكية عام 1955 كما أظن تثبت فيه ما طرأ على التوراة والإنجيل من تحريفات حتى خرجا عن أصلهما الأول، فأدعوكم إلى مطالعته فإنه قد يكشف عن أمور هامة.
وقبل الخاتمة، إنني أذكرك أيا الباب بولس السادس عظيم أهل ملته بالتبعة الخطيرة الملقاة على عاتقك أمام الله وأمام البشرية وأمام التاريخ في إعلان هذه الحقيقة ودعوة الناس للدخول في الإسلام واعتناقه دينا وتشريعا لتحقيق العدالة والسعادة والسلام. فهو – وحده – كما أعلن ذلك المنصفون من مؤرخي وعلماء الغرب الكفيل بإنقاذ البشرية مما تعانيه من شقاء وما يتهددها من خطر حرب هيدروجينية يمكن وقوعها بين لحظة وأخرى تضيع نتيجتها الحضارة الإنسانية وتفني معظم البشر.
وأذكرك أيضا بأن الله العظيم مطلع على القلوب وأن الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة لا تساوي شيئا مذكورا، فالحذر الحذر من إضاعة جنة الله، والدخول في ناره إلى الأبد من أجل متاع قليل.
وهذه وصايا المسيح نبي الله، ومن قبله ومن بعده من المرسلين، كلها تأمر بالعمل للدار الآخرة وعدم الاغترار بالحياة الدنيا. وآمل أن تمثلوا دور ملك الحبشة المسيحي، فإنه لما بلغه خبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه الذين هاجروا إليه وسمع سورة مريم بكى هو والرهبان ولما سأل المسلمين ماذا يقولون في المسيح صدقهم وقال:"إن هذا والذي جاء به موسى وعيسى ليخرج من مشكاة واحدة" فآمن به.
هذا وإني أعلمك أن هذا اليوم في دخول العالم في الإسلام آت لا محالة كما أخبرت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية العديدة، وقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن روما نفسها – ولعله الفاتيكان – ستدخل في الإسلام. ولعلكم تمهدون لهذا اليوم عقب هذا النداء الذي أوجهه إليكم والذي فيه كل الخير للمسيحية نفسها قبل أن يتقلص ظلها حتى عما عليه الآن في (الفاتيكان) .
وما أحسن ما قاله أحد المفكرين: "يمكننا أن نخدع كل الناس نصف الزمن، ويمكننا أن نخدع نصف الناس كل الزمن ولكن لا يمكن أن نخدع كل الناس كل الزمن". ويومئذ تستيقظ شعوب العالم من غفلتها وتنتقم من المضللين الانتهازيين الذين أخفوا الحقائق كل الحقائق، وسيرى الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون في الدنيا ويوم القيامة.
ألا قد بلغت ......... اللهم أشهد.
الزي الإسلامي للمرأة ومزاياه
بقلم الدكتور فاروق محمود ساهل
نقلا عن مجلة المجتمع الكويتية
يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} .
يأمر الله نبيه الكريم – صلوات الله وسلامه عليه – أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة إذا خرجن لحاجتهم أن يغطين أجسامهن ورءوسهن وجيوبهن – وهي فتحة الصدر من الثوب – بجلباب كاس فيميزهن هذا الزي ويجعلهن في مأمن من معابثة الفساق أو ممن في قلوبهم مرض فلا يتعرضون لهن بأذى أو ريبة.
والزي الإسلامي للمرأة هو أن تلبس ما يستر جسدها جميعه بملابس واسعة غير ضيقة ولا شفافة حتى لا تظهر ثنيات الجسم وتفاصيله مع السماح لها بكشف الوجه والدين حتى الرسغين.
ولا يخفى ما يبلغه مجتمع من العفة والطهارة إذا خرجت فيه النساء لقضاء حاجتهن حيث سمح لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لعائشة رضي الله عنها "أنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" على أن تكن محتشمات الملبس.
ولقد عزى كثير من المصلحين والباحثين فساد كثير من شباب العصر إلى تعمد المرأة الخروج كاشفة أجزاء من عورتها ظلت تزيد وتزيد فلم يبق إلا القليل المستور من جسدها. وانبرى هدامون عديدون يفسرون ظاهرة كشف المرأة لعورتها وربطوها بنفسية المرأة وحبها للظهور والتبرج وعرض أجزاء من جسدها ثم استمتاعها بما يقع على سمعها من كلمات الغزل والاطراء من العابثين والفاسقين.. ووجدت المرأة من يقوم على تشجيعها بعدم ستر عورتها بجهاز ضخم منظم يشتمل على مصممين للأزياء الحديثة ودور للملبوسات الخليعة ومجلات ومسابقات وعروض وأفانين، وكلها تخضع لتمويل وإشراف اليهود طبقا لما ورد في بروتوكولاتهم من إفساد العباد وملء أوقاتهم بالفارغ من القول وجذب انتباههم بالتافة من العمل باسم التطور والرقى والمدنية و (آخر خطوط الموضة) ليظلوا بعيدين عن أمورهم الهامة ومشاكلهم الملحة، فضلا عن امتصاص الأموال الطائلة.
والغريب أن تكاليف الثياب القصيرة أغلى بكثير من تكاليف الثياب المحتشمة البسيطة.. ولكن: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} .
وصدق الله العظيم.. ثم تكون عليهم حسرة..
فبالإضافة إلى مجتمع يسيطر عليه الفساد والانحلال حين تتخلى المرأة عن ثياب العفة والنظافة، وما يخسره هذا المجتمع نتيجة سلوك نسائه ثم شبابه، بالإضافة إلى ذلك فإن الإحصائيات الحالية تشير إلى انتشار مرض السرطان الخبيث في الأجزاء العارية من أجساد الفتيات اللائي يلبسن الملابس القصيرة..
وقبل أن أذكر تفاصيل ذلك أود أن أقدم له بأن الله جلت قدرته خلقنا وهو أعلم بخلقه وأمرنا باتباع أمور تجلب لنا النفع ونهانا عن أشياء تجر علينا الخراب والعذاب، وفوق نفعها أو ضررها لنا فهي اختبار لمدى طاعتنا لله سبحانه وتعالى.. قد لا يبدو لنا من الوهلة الأولى مدى النفع أو الضرر من أمر إلهي ولكن المؤمن الحق يؤمن به ويتبعه دون جدل أو نقاش، وبمرور السنين أو الدهور تتجلى الحكمة الإلهية فيما أمرنا باتباعه أو اجتنابه، ذلك هو الإيمان بالغيب {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فالمعروف أن العقل يعتمد على الحواس التي هي محدودة مقيدة ومالا تدركه الحواس لا يدركه العقل. وليس معنى ذلك أن نلغي نعمة العقل والتفكير فلم نؤمر بذلك بل على النقيض أمرنا بالتدبر والتفكر واستعمال عقلنا في غير ما شطط أو ضلال، ونلزم العقل الأصول والقواعد خشية التردي في الهاوية (كما يحدث الآن للحضارات الأجنبية في أوروبا وأمريكا وآسيا) .
(ومع ذلك كله تجد فينا من لا يصيخون السمع إلى صوت الدين، وهم يلحدون في آيات الله فيميلون بها عن وجهها حينا، ويجادلون فيها أشد الجدال حينا آخر. ولكنهم يخضعون لهذه المزاعم الداعرة ويرونها فوق النقاش والمراء. هؤلاء قوم لا تقوم عندهم الحجة بالقرآن، ولكنها تقوم بهذه الظنون والأوهام فإذا عارضتهم بالثابت من قول الله سبحانه وتعالى – وهم يزعمون أنهم مسلمون – لووا رءوسهم وقالوا: نحدثك في العلم فتحدثنا في الدين؟ كأن هذه الأوهام أثبت عندهم من القرآن) وعلى كل فسنحدثهم بالعلم لعل فيه عبرة لهم وهداية، فلقد نشر في المجلة الطبية البريطانية أن السرطان الخبيث (الميلانوما) الخبيثة.
والذي كان من أندر أنواع السرطان أصبح الآن في تزايد وإن عدد الإصابات في الفتيات في مقتبل العمر يتضاعف حاليا حيث يصبن به في أرجلهن وأن السبب الرئيسي لشيوع هذا السرطان الخبيث هو انتشار الأزياء القصيرة التي تعرض جسد النساء لأشعة الشمس فترات طويلة على مر السنة، ولا تفيد الجوارب الشفافة أو (النايلون) في الوقاية منه، وناشدت المجلة أطباء الأوبئة أن يشاركوا في جمع المعلومات عن هذا المرض وكأنه يقترب من كونه وباء.
ولقد حل العذاب الأليم – أو جزء منه – في صورة السرطان الخبيث بل أخبث أنواع السرطان. وهذا المرض ينتج من تعرض الجسم لأشعة الشمس وأشعة فوق البنفسجية فترات طويلة وهو ما توفره الملابس القصيرة في الحياة العادية أو أزياء البحر على الشواطئ ويصيب كافة الأجناس بنسب متفاوتة ويظهر أولا كبقعة صغيرة سوداء وقد تكون متناهية الصغر غالبا في القدم أو الساق (وأحيانا بالعين) ثم يبدأ بالانتشار في كل مكان واتجاه بينهما هو يزيد وينمو في مكان ظهوره الأول، فيهاجم العقد الليمفاوية بأعلى الفخذ ويغزو الدم ويستقر في الكبد ويدمرها وقد يستقر في كافة الأعضاء ومنها العظام والأحشاء بما فيها الكليتان ولربما يعقب غزو الكليتين البول الأسود نتيجة لتهتك الكلي بالسرطان الخبيث الغازي.. وقد ينتقل للجنين في بطن أمه.
ولنا أن نتصور حالة إنسان مصاب بكل هذا يتمنى الموت فيه خلاصا من الآلام والدمار.
ولا يمهل هذا المرض صاحبه طويلا ولا يمثل العلاج بالجراحة فرصة للنجاة كباقي أنواع السرطان الخبيث.
علما بأن هذا السرطان الخبيث لا يستجيب اطلاقا للعلاج بجلسات الأشعة.
وبعد، فعلى الرغم من أن التدخين يسبب سرطان الرئة وسرطان المثانة وأمراض القلب والتهاب الشعيبات الهوائية المزمن إلا أن، نسبة المدخنين ثابتة بل لربما في تزايد وأقصى ما فعلته الجهات الصحية في أوروبا أن أجبرت شركات الدخان أن تكتب عبارة (التدخين قد يضر بالصحة!) وذلك على كل علبة من الدخان.
وعلى الرغم من أن أمراض الخمر كثيرة جدا وقاتلة فأقصى ما فعلته الجهات الصحية المسؤولة في بعض البلدان أن حذرت الناشئة من تعاطيها..
وعلى الرغم من أن أمراض الزنا (الأمراض السرية) أبادت ملايين الناس رجالا ونساء عبر السنين إلا أن الزنا منتشر.
وعليه فلا نتوقع أن يبدأ المسؤولون في نصح الفتيات بعدم ارتداء الملابس القصيرة إلا بعد أن تسقط الضحايا منهن بالآلاف.. ضحايا للاستغلال والمصالح الخاصة والكسب الحرام على حساب أرواح البشر.
فإلى فتياتنا ولمن يشجعهن على التخلي عن زيهن الإسلامي محاكاة وتقليدا ها قد تبين لنا أن التقليد ضار بل يؤدي للهلاك في الدنيا وفي الآخرة.. فسواء من الناحية المادية فالأثمان باهظة ومرتفعة.. أم من الناحية الاجتماعية تفكك وميوعة وضلال.
أم من الناحية الصحية فالعذاب البدني والموت المحقق.. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى..
وعلى فتياتنا المسلمات أن يفوتن الفرصة على دعاة الفساد وأن يتمسكن بتعاليم دينهن الحنيف يكسبن رضاء الله ويسلمن دنيت وينجين آخرة.
الإسلام والحياة
فريضة التفكير في الإسلام
بقلم الشيخ: أحمد عبد الرحيم السايح من علماء الأزهر
.. والوسائل التي اتخذها الإسلام لنشر العلم تعتمد على عدة خطوات أهمها:
أولا – التأمل والدراسة والتدبر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من كائنات.
ثانيا- البحث العملي بالانتشار في أقطار الأرض لدراسة الجبال والأنهار والصحاري والبحار ومعرفة النبات والحيوان ووسائل الاستفادة من كل هذه الكائنات {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} ، {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} ، {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
فالله سبحانه وتعالى لم يخلق هذه الكائنات عبثا وإنما سخرها لنا لننتفع بها بعد دراسة أساليب هذا الانتفاع، على أن نستخدم العقل والحواس معا في سبيل استنباط أيسر السبل وأسهل الوسائل لهذا الانتفاع، وكثيرا ما يلفتنا إلى أن وسيلة العلم هي البحث والتفكير {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقد يغفل الناس عن أمر فيلفتهم إليه ليستغلوه {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}
ثالثا – الاستفادة مما تركه السابقون من معارف وعلوم وآثار ليمحصوها ثم يضيفوا إليها ما يهديهم إليه البحث من حقائق ونظريات {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} ، وللاتعاظ بما وقع فيه السابقون من أخطاء {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}
وكثيرا ما يضرب لهم الأمثلة بالأمم السابقة {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}
وكثيرا ما يلفتهم إلى أن الحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} ثم يقرع الغافلين عن البحث والدرس والملاحظة التجريبية {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} ثم يدعو إلى سؤال علماء الأمم السابقة أو من ورثوا عنها هذه العلوم للمعرفة والتثبت {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ}
رابعا – الرحلة في طلب العلم: قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً} وأوصى نبيه موسى عليه السلام بأن يرحل في طلب العلم إلى الخضر ويتنقل معه دارسا متعلما.
ويقول الرسول صلوات الله عليه: "من سلك طريقا يطلب فيها علما سلك الله به طريق من طرق الجنة"
وتلبية لهذا الأمر شد المسلمون الأولون الرحال وقطعوا الفيافي وجابوا البحار في طلب الحديث والفقه وعلوم الدين فنشروا العلم في أنحاء الأرض ونهضوا بالثقافة الإنسانية إلى عنان السماء وأسسوا حضارة عملية سيطرت على العالم كله مئات السنين.
والإسلام حين جعل العلم فريضة واجبة الأداء ألزم العلماء بنشر العلم وبث المعرفة دون انتظار مثوبة أو جزاء قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} كما توعد الله من حرف الحقائق العلمية ليتخذها وسيلة إلى الضلال. قال تعالى في بني إسرائيل: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}
وقد ورد في الحديث الشريف: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} وقال جل شأنه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} ومن هذا كله نستطيع التأكيد أن الإسلام هو دين العلم والمعرفة والحق.
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب قايد
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [1] ، هكذا قال الله في كتابه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [2]
والشواهد على رسالته صلى الله عليه وسلم كثيرة لا يحصيها العد، ولا تقف عند حد، ويكفينا أن نلم بطرف منها، ولنعد إلى العصر الذي ظهر فيه، والى البيئة التي نشأ فيها، ولنعد إلى سيرته وقد اهتم بها المحدثون والمؤرخون فسجلوا بكل دقة وعناية كل ما يتعلق بها، سجلوا أقواله وأفعاله، سجلوا صفاته وحركاته وسكناته وإشاراته، سجلوا كل ما بدر منه أو صدر عنه.
ومن يفحص هذا التراث الضخم، ويتأمل ما يطويه وما يحتويه، يخرج منه مستيقنا بصدق رسالته، وصحة نبوته.
نعم.. لقد نشأ عليه الصلاة والسلام في عصر سادت فيه الجهالة، وعمت فيه الضلالة، وشاعت فيه الغواية، شب بين قوم أميين، وثنيين غير موحدين، يكفرون باليوم الآخر، ويحيون حياة اللهو والمجون، يتعصبون للأهل، يفتخرون بالأنساب، ويتقاتلون لأتفه الأسباب، كانوا قبائل متفرقة، وعشائر متمزقة، لا تربطهم رابطة، ولا تجمعهم جامعة، لم ينصهروا ليعيشوا أمة واحدة، ولم يكن لهم دولة لها مقومات الدولة من حكومة لها سلطان، وجيش يدفع عنها العدوان، ودستور يفصل الحقوق والواجبات وقانون يبين العقوبات.
في هذا العصر، وفي هذه البيئة نشأ عليه الصلاة والسلام.
ويجمع المؤرخون على أنه صلى الله عليه وسلم كان راجح العقل، ثاقب الفكر، سديد الرأي، طاهر القلب، عظيم النفس، صافي الروح، نقي السريرة، كريم الخلق، عالي الهمة، يترفع عن السفاسف والنقائص، ويبتعد عن الدنايا والرذائل، وكان طول حياته حسن السمعة، نابه الذكر، معروفا بين قومه بالصدق والأمانة. والميل إلى حياة الجد، والبعد عن أماكن اللهو، والعزوف عن عبادة الأوثان. وهنا ينبغي أن نسأل أيمكن لهذا الذي عرف بالأمانة، واشتهر بالصدق فيما بين الناس أن يتجرأ على الكذب، وأن يكون أول من يتجرأ عليه، الإله الذي يدعو الناس إليه، ويرهبهم بعقابه، يخوفهم من عذابه، الإله الذي يسيطر على شعوره، ويمتلك كل أموره؟
كذلك ينبغي أن نسأل، ولماذا خرج على حكم البيئة، وللبيئة سلطانها وتأثيرها؟
لقد عاش أربعين سنة كاملة وسط قوم مغرقين في الجهالة، منهمكين في الضلالة فلم تنتقل إليه عدواهم ولم تصبه بلواهم، فنهج منهجا فذا لا يشبه منهجهم، وسلك مسلكا بريئا لا يتفق ومسلكهم، وفي جواب السؤال الأول يقضي علينا المنطق السليم أن نقول: إن محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يتحرى الصدق في أقواله وأخباره، ويتحاشى الكذب على الناس أربعين سنة لا يمكن أن يفتري على الله، ولا يمكن أن يجترئ على الكذب على مولاه.
وفي جواب السؤال الأخير لا مناص أن نقول: إن هناك قوة عليا كان لها – دون شك – سلطان عظيم على قلبه وحوك شديد في صدره، وأثر بالغ في نفسه، انمحى أمامها كل أثر للبيئة وصاحب هذه القوة هو الذي صنعه وصقله وهذبه وأدبه، وهو الذي طبعه على ما نشأ عليه من صفات كريمة، واتجاهات سليمة، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [3]{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [4]
ومما يستوقف النظر، ويسترعي الانتباه،أنه صلى الله بدأ فجأة وبعد أربعين سنة يعلن أنه رسول من عند الله،ويتحمس في دعوته، لا يثنيه عنها وعد أو وعيد، ولا يصرفه عنها إغراء أو تهديد عرضوا عليه المال والملك، وآذوه وبالغوا في إيذائه،واضطهدوه وأسرفوا في اضطهاده ومع هذا ظل صابرا محتسبا، يؤمل الخير ويرجوه لنفسه ولاتباعه، وتحقق فعلا ما أمله ورجاه وكلل الله بالظفر مسعاه.
نعم. لقد مرت عليه أربعون سنة لا يخطر بباله، ولا يتطرق إلى ذهنه، ولا يجول بخاطره أن يمتن الله عليه بما امتن عليه به قال تعالى:{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [5] . {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [6]{وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ} [7]
مر عليه شرخ الشباب، وهو الوقت الذي تجيش فيه الصدور بالآمال والأماني فلم تبد منه كلمة فيها تلميح برسالة، أو إشارة لنبوة، وفي الوقت الذي تهدأ فيه النفوس الثائرة، وتسكن فيه الآمال الفائرة بدأ يعلن دعوة غيرت مجرى التاريخ أعلن أنه رسول الله، ورسالته لا تقتصر على العرب وحدهم، ولا على أهل عصره دون سواهم بل رسالته عامة، تشمل كل الذي في عهده، وكل الذي يجيئون من بعده.
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} . [8]{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} . [9]
ونبحث عن مفهوم هذه الدعوة، ويثير الانتباه أن الذي جاء بها أمي نشأ بين أميين مغرقين في الأمية لكن أول كلمة وجهت إليه، وأنزلت عليه كلمة (اقرأ) ، نعم. إن أول ما نزل عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} . [10] " ونعجب بل يعجب هو لهذا الأمر ولكن دهشته تزول على الفور حين يحس بفيوضات من الله تحل به، ونفحات منه تتنزل على قلبه، وبعدها منح من مالك الملك وملك الملوك شهادة فخرية، رشحته بحق ليكون أستاذ البشرية، ومعلم الإنسانية، وهادي البرية، يرشدها إلى كل خير تحتاجه في حاضرها ومستقبلها، وصدق الله العظيم إذ يقول {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [11]
هذه الدعوة التي جاء بها يجب أن نتعرف عليها، ونبحث عن هدفه منها، وقصده من تبليغها، ونبحث أيضا عن آثارها في نفوس الذي آمنوا بها وأخيرا نعرف ما حققته لهم من عز وظفر وسلام ووئام، وسيادة وسعادة.
لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليربط بين الناس وإله الناس، وليوثق العلاقة بينهم وبين ربهم عن طريق العقيدة الصحيحة، والعبادة الخالصة فدعاهم إلى الإيمان بالله وحده وحذرهم من أن يشركوا مع الله أحدا ودعاهم أيضا إلى الإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ودعاهم كذلك إلى إخلاص العبادة لله.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} [12] . وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [13] .
كذلك جاء عليه الصلاة والسلام يدعو إلى عمارة الكون، والإحسان إلى خلق الله، وربط الناس بعضهم ببعض عن طريق المعاملة الكريمة، والسياسة الحكيمة، والعمل الصالح، والتعاون المثمر والعدل النزيه، والإحسان المجدي، فلا بطالة ولا تواكل، ولا تعاون على الشر، ولا تعصب للباطل ولا عكوف على الشهوات والمنكرات، ولا انتهاك للحرمات، ولا إهمال للحقوق والواجبات.
وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [15] وقال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [16] وقال: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [17] . وقال: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [18]
وهنا نسأل:
أكان يمكن أن يتلقى دعوة التوحيد من مجتمع وثني يقول:
{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [19]
أكان يمكن أن يتلقى عقيد البعث والإيمان باليوم الآخر من مجتمع يقول:
{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [20]
ويقول في سخرية واستنكار:
أكان يمكن أن يتلقى الأمر بأن للفقير حقا على الغني يجب أن يسلمه، من مجتمع يقول:
{أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَه} [22]
أكان يمكن أن يتلقى هذا التوجيه الكريم:
أكان يمكن أن يتلقى مثل هذا التوجيه الكريم من مجتمع يباهي بالأحساب، ويفاضل بين الأنساب ولا يسوي بين بني آدم ويقول كبراؤه في صلف وكبرياء:"لن نؤمن لك حتى تطرد من معك من الفقراء والضعفاء"؟
أكان يمكن أن يتلقى الدعوة بالوقوف إلى جانب الحق عن وعي وبصيرة وتقليم ظفر العصبية الجاهلية من مجتمع يعيش عليها ويفاخر بها ويحارب في سبيلها؟
أكان يمكن أن يتلقى الأمر بمحاربة المنكرات من مجتمع يمارس الشرور ويعاقر الخمور، ويبالغ في الفجور؟
لقد كان كل شيء يدل على أنه صادق في دعواه وأنه – كما كان يقول – رسول من عند الله أميته ودعوته:
أمي يعلم الأميين بل يعلم المتعلمين إلى يوم الدين.
وفي كشف ما جاء به من علوم ونظم وقوانين وذخائر ورائعات يتخصص النوابغ ليظفروا بأرقى الشهادات:
كفاك بالعلم في الأمي معجزه
في الجاهلية والتأديب في اليتم.
في العلم إن دانت لك العلماء
يا أيها الأمي حسبك رتبة
أمي يتخرج من جامعته الإسلامية حكام وساسة وجنود وقادة، وفقهاء وحكماء وحساب وكتاب، ومحدثون ومدرسون، ووعاظ ومفتون، وقضاة عادلون.
خرجت هؤلاء وهؤلاء وما كان سقفها سوى الجريد وفراشها سوى الحصباء.
ودعوة جامعة لكل خير، مانعة من كل شر، صالحة لكل زمان ومكان، يستبعد العقل أن تنبثق من أرض تموج بالشهوات والمنكرات والأهواء، ويؤكد الفكر الحصيف الواعي أنها وحي تنزل من السماء.
وبعد..
فيكفي برهانا على صدق الرسول ورسالته، ودليلا على عظم دعوته، أنها أخرجت العرب من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الخصام إلى الوئام ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن العداوة إلى الألفة ومن الجمود إلى الحركة، يكفي أنها أقامت للعرب في أقل من قرن إمبراطورية واسعة الأنحاء، شاسعة الأرجاء لا يستطيع البليغ أن يبين مداها بأبلغ ولا بأوجز مما قاله أحد الخلفاء وقد رأي سحابة في السماء:(امطري حيث شئت فإن خراجك سيحمل الينا)
إمبراطورية لها حاسم يقوم على شؤونها، وجيش يسهر على رعايتها وتأمين حدودها، ويعمل على مصلحة الدولة والدعوة، ودستور يتحاكم إليه الحاكم والمحكوم، وقانون ينصف كل مظلوم:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [24]
نسأل الله أن يزيدنا إيمانا برسالته، ويوفقنا للعمل بدعوته إنه سميع قريب مجيب الدعاء وهو نعم المولى ونعم النصير.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
سورة الفتح – آية 29
[2]
سورة النساء آية 123
[3]
سورة الجمعة آية 2
[4]
سورة الجمعة آية 21
[5]
سورة يونس آية 16
[6]
سورة يوسف آية 3
[7]
سورة القصص آية 86
[8]
سورة الفرقان آية 107
[9]
سورة الأنبياء آية 107
[10]
سورة اقرأ الآية الأولى
[11]
سورة البقرة الآية 151
[12]
سورة النساء الآية 136
[13]
سورة البينة الآية 5
[14]
سورة التوبة آية 105
[15]
سورة النحل آية 90
[16]
سورة المائدة الآية 2
[17]
سورة المائدة آية 8
[18]
سورة الممتحنة آية 8
[19]
سورة ص آية 5
[20]
سورة ق آية 3
[21]
سورة سبأ آية 7
[22]
سورة يس أية 47
[23]
سورة الكهف آية 28
[24]
سورة الأحزاب آيات 45-47