الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت
ــ
قوله: " باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت ".
عقد المؤلف هذا الباب لما تضمنه هذا الحديث من كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وذلك من صفات الكمال.
قوله: " اللهم " معناه: يا الله، لكن لكثرة الاستعمال حذفت يا النداء وعوض عنها الميم، وجعل العوض في الآخر تيمنا بالابتداء بذكر الله.
قوله: " اغفر لي " المغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، لأنها مشتقة من المغفرة، وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا بشيء ساتر واق، ويدل له قول الله عز وجل للعبد المؤمن حينما يخلو به ويقرره بذنوبه يوم القيامة:" قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ".
قوله: " إن شئت " 0 أي: إن شئت أن تغفر لي فاغفر، وإن شئت فلا تغفر.
في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له» .
ــ
قوله: " في الصحيح " سبق الكلام على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف، والمراد هنا الحديث الصحيح؛ لأن الحديث في " الصحيحين " كليهما قوله صلى الله عليه وسلم:" لا يقل أحدكم " لا ": ناهية بدليل جزم الفعل بعدها.
قوله: " اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني " ففي الجملة الأولى " اغفر لي " النجاة من المكروه، وفي الثانية:" ارحمني " الوصول إلى المطلوب، فيكون هذا الدعاء شاملا لكل ما فيه حصول المطلوب وزوال المكروه.
قوله: «ليعزم المسألة» اللازم لام الأمر، ومعنى عزم المسألة: أن لا يكون في تردد بل يعزم بدون تردد ولا تعليق و" المسألة ": السؤال، أي: ليعزم في سؤاله فلا يكون مترددا بقوله: إن شئت.
قوله: «فإن الله لا مكره له» تعليل للنهي عن قول: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت» ، أي: لا أحد يكرهه على ما يريد فيمنعه منه، أو ما لا يريد فيلزمه بفعله؛ لأن الأمر كله لله وحده.
والتحذير في التعليق من وجوه ثلاثة:
ولمسلم: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه»
ــ
الأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر.
الثاني: أن أقول القائل: " إن شئت " كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيما عنده، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس - والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة - أعطني مليون ريال إن شئت، فإنك إذا قلت له ذلك، ربما يكون الشيء عظيما يتثاقله، فقولك: إن شئت، لأجل أن تهون عليه المسألة، فالله عز وجل لا يحتاج أن تقول له: إن شئت؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:«وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» .
قوله: «وليعظم الرغبة» ، أي: ليسأل ما شاء من قليل وكثير ولا يقل: هذا كثير لا أسأل الله إياه، ولهذا قال:«فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» ، أي: لا يكون الشيء عظيما عنده حتى يمنعه ويبخل به سبحانه وتعالى كل شيء يعطيه، فإنه ليس عظيما عنده، فالله عز وجل يبعث الخلق بكلمة واحدة، وهذا أمر عظيم، لكنه يسير عليه، قال تعالى:{قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: 7] وليس بعظيم، فكل ما يعطيه الله عز وجل لأحد من خلقه فليس بعظيم يتعاظمه، أي: لا يكون الشيء عظيما
عنده حتى لا يعطيه، بل كل شيء عنده هين.
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، كأنه يقول: إن شئت فأفعل، وإن شئت فلا تفعل فأنا لا يهمني، ولهذا قال:«وليعظم الرغبة» أي يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك؛ لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر تعليقه بأنه مستغن عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أنه مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن الله ليس يعظم عليه شيء، بل هو هين عليه، إذًا من آداب الدعاء أن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، وما أشبه ذلك، وهل يجزم بالإجابة؟
الجواب: إذا كان الأمر عائدا إلى قدرة الله فهذا يجب أن تجزم بأن الله قادر على ذلك، قال الله تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: من الآية60] .
أما من حيث دعائك أنت باعتبار ما عندك من الموانع، أو عدم توافر الأسباب فإنك قد تتردد في الإجابة، ومع ذلك ينبغي أن تحسن الظن بالله؛ لأن الله عز وجل قال:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فالذي وفقك لدعائه أولا سيمُنُّ عليك بالإجابة آخرا، لا سيما إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة وتجنب الموانع، ومن الموانع الاعتداء في الدعاء، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم.
ومنها أن يدعو بما لا يمكن شرعا وقدرا.
فشرعا كأن يقول: اللهم اجعلني نبيا.
وقدرًا بأن يدعو الله تعالى بأن يجمع بين النقيضين، وهذا أمر لا يمكن، فالاعتداء بالدعاء مانع من إجابته، وهو محرم لقوله تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] وهو أشبه ما يكون
بالاستهزاء بالله سبحانه.
مناسبة الباب للتوحيد: من وجهين:
1.
من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى لأن تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل أن لا يسأل عما يفعل، كما قال تعالى:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .
وكذلك فيه من ناحية الربوبية من جهة أخرى وهو أن الله يتعاظم الأشياء التي يعطيها، فكان فيه قدح في جودة وكرمه.
2 -
من ناحية العبد، فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات.
فإن قلت: ما الجواب عما ورد في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» ، وكذا ما ورد في الحديث المشهور:«اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي» .
فالجواب: أنني لم أعلق هذا بالمشيئة، ما قلت: فاقدره لي إن شئت،
لكن لا أعلم أن هذا الخير لي أو شر والله يعلم، فأقول إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير فاقدره لي، فالتعليق عندي مجهول لا أعلم هل هو خير لي أو لا؟ وكذا بالنسبة للحديث الآخر؛ لأن الإنسان لا يعلم هل طول حياته خير أو شر؟ ولهذا كره أهل العلم أن تقول للشخص: أطال الله بقاءك؛ لأن طول البقاء لا يعلم، فقد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن يقال: أطال الله بقاءك على طاعته وما أشبه ذلك حتى يكون الدعاء خيرا بكل حال، وعلى هذا، فلا يكون في حديث الباب معارضة لحديث الاستخارة ولا حديث:«اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي» ؛ لأن الدعاء مجزوم به وليس معلقا بالمشيئة، والنهي إنما هو عما كان معلقا بالمشيئة.
لكن لو قال: اللهم اغفر إن أردت وليس إن شئت، فالحكم واحد لأن الإرادة هنا كونية، فهي بمعنى المشيئة، فالخلاف باللفظ لا يعتبر مؤثرا بالحكم.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة» . الرابعة: إعظام الرغبة.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. والمراد بالاستثناء هنا الشرط، فإن الشرط يسمى استثناء بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير «حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت» (1)، ووجهه أنك إذا قلت: أكرم زيدا إن أكرمك، فهو كقولك: أكرم زيدا إلا ألا يكرمك، فهو بمعنى الاستنثناء في الحقيقة.
الثانية: بيان العلة في ذلك. وقد سبق أنها ثلاث علل:
1-
أنها تشعر بأن الله له مكره، والأمر ليس كذلك.
2-
أنها تشعر بأن هذا أمر عظيم على الله قد يثقل عليه ويعجز عنه، والأمر ليس كذلك.
3-
أنها تشعر باستغناء الإنسان عن الله، وهذا غير لائق وليس من الأدب.
الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة» . تفيد أنك إذا سألت فاعزم ولا تردد.
الرابعة: إعظام الرغبة. لقوله صلى الله عليه وسلم: «وليعظم الرغبة» ، أي: ليسأل. ما
(1) البخاري: كتاب النكاح / باب الأكفاء في اليدين، ومسلم: كتاب الحج / باب جواز اشتراط المحرم.
وقوله صلى الله عليه وسلم:" (فإن لك على ربك ما استثنيت) اخرجه النسلئي: كتاب المناسك / باب كيف يقول إذا اشترط.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
ــ
بدا له فلا شيء عزيز أو ممتنع على الله.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر. يستفاد من قوله: «فإن الله لا يتعاظمه شيء، أو لا مكره له» وقوله: «وليعظم الرغبة» ، وفي هذا حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيئا قرنه بعلته.
وفي ذكر علة الحكم فوائد:
الأولى: بيان سمو هذه الشريعة، وأنه ما من شيء تحكم به إلا وله علة وحكمه.
الثانية: زيادة طمأنينة الإنسان؛ لأنه إذا فهم العلة مع الحكم اطمأن، ولهذا لما «سئل صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر لم يقل حلال أو حرام، بل قال: " أينقص إذا جف؟ " قالوا: نعم. فنهى عنه» . (1)
«" والرجل الذي قال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود - لم يقل صلى الله عليه وسلم الولد لك - بل قال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ الأورق: الأشهب الذي بين البياض والسواد؟ قال: نعم.
»
(1) الإمام أحمد في (المسند)(1/175-176)، وابو داود: كتاب البيوع / باب في التمر بالتمر، والترمذي: كتاب البيوع / باب اشتراء التمر بالرطب، وابن ماجة: كتاب التجارات / باب بيع الرطب بالتمر، والحاكم في (المستدرك)(2/38) وصححه ووافق الذهبي، وصححه أحمد شاكر في (المسند)(1515) .
ــ
«قال: من أين؟ قال: لعله نزعة عرق» ، قال لعل ابنك نزعة عرق، فاطمأن، وعرف الحكم، وأن هذا هو الواقع، فقرنُ الحكم بالعلة يُوجب الطمأنينة ومحبة الشريعة والرغبة فيها.
الثالثة: القياس إذا كانت المسألة في حكم من الأحكام، فليحق بها ما شاركها في العلة.