المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌شرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري): - مقارنة بين شروح كتب السنة الستة - جـ ٢

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌شرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري):

أيضاً المفاضلة بين الشافعي وأحمد وابن قتيبة والخطابي في غريب الحديث لفتة من الحافظ ابن رجب رحمه الله يقول: إذا اختلف مثلاً الشافعي وأحمد في جهة، إذا كان الشافعي وأحمد في جهة وابن قتيبة والخطابي في جهةٍ أخرى مثلاً، يقول:"وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته من مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة"، نعم اللفظة الواحدة يكون لها معاني في اللغة كثيرة، فقد ينتقي مثل ابن قتيبة والخطابي معنىً من المعاني ينزع به ويرجحه فيظن أنه هو المراد في الحديث أو في الآية، لكن إذا وجد من يجمع بين اللغة وبين الفن المخصوص كالسنة مثلاً لا شك أن اختيار الإمام أحمد لبعض الألفاظ دون بعض، أو الإمام الشافعي لما تحتمله اللغة من معاني لا شك أنه يكون أرجح مما يختاره الذي علمه خاص باللغة.

محمد بن سلام شيخ الإمام البخاري يقول: الصواب بالتشديد معروف عند أهل المصطلح قاطبةً أن كل ما جاء في الصحيحين من سلام فهو بالتشديد إلا خمسة، فذكروا منهم هذا أنه بالتخفيف، ذكروا منهم محمد بن سلام وعبد الله والد عبد الله بن سلام قالوا: أنهما بالتخفيف ومعهم ثلاثة، لكن ابن رجب -رحمه الله تعالى-يصوب التشديد، وله فيه مصنف في رسالةٍ خاصة.

يقول: "لا يجوز تفسير الحديث إلا بما قاله أئمة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم" .. إلى غير ذلك من الفوائد التي لا يمكن استيفاؤها واستقصاؤها، والكتاب مطبوع في عشرة أجزاء في إحدى طبعتيه، والأخرى في سبعة، والطبعة الثانية، طبعة المجموعة ثمانية أشخاص قاموا بتحقيقه طبعة جيدة لا بأس بها، الطبعة الأخرى طبعة طارق عوض الله أنا ما اطلعت عليها، إنما رأيتها لكن لم أعتنِ بها لسبق هذه فقرأتها كلها هذه، وعرفت قيمتها، وأنها جيدة في الجملة، وإن كان طارق عوض الله له يد في هذا الشأن، وهو من أهل التحري في التحقيق.

‌شرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري):

ص: 2

بعد هذا شرح الكرماني، مؤلفه شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني المتوفى سنة ستٍ وثمانين وسبعمائة، سماه كما نص على ذلك في نهاية المقدمة (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) الكرماني بكسر الكاف، وإن كان الدارج على ألسنة الكثير، وقاله النووي وغيره أنه بفتح الكاف الكَرماني، لكن الكِرماني نفسه ضبطها بكسر الكاف، ولما ورد ذكر كِرمان في الجزء التاسع صفحة (159) قال:"كرمان بكسر الكاف، وقال النووي: بفتحها، أقول: هو بلدنا وأهل البلد أعلم ببلدهم من غيرهم، وهم متفقون على كسرها"، وفي الجزء الرابع والعشرين صفحة (205) قال:"المشهور عند المحدثين بفتح الكاف، لكن أهلها يقولون: بالكسر، وأهل مكة أدرى بشعابها".

على كلٍ شرح الكرماني شرح متوسط ليس بالطويل مثل فتح الباري وعمدة القاري ولا بمختصر مثل شرح الخطابي، شرح متوسط مشهور بالقول يعني يأتي باللفظة المراد شرحها فيقول: قوله، وهو جامع لفرائد الفوائد، وزوائد الفرائد، افتتحه بمقدمةٍ أشاد فيها بعلم الحديث وأهله، وأن صحيح البخاري أجلّ الكتب الصحيحة نقلاً وروايةً وفهماً ودراية، وأكثرها تعديلاً وتصحيحاً وضبطاً وتنقيحاً واستنباطاً واحتياطاً، قال: وفي الجملة هو أصح الكتب المؤلفة فيه على الإطلاق.

ص: 3

ثم تحدث باختصار عن الشروح السابقة كابن بطال والخطابي ومغلطاي، ثم ذكر منهجه في كتابه، وأنه يشرح المفردات، الألفاظ غير الواضحة، ويوجه الإعرابات النحوية غير اللائحة، يتعرض لبيان خواص التراكيب بحسب علوم البلاغة، ثم يذكر ما يستفاد وما يتعلق بالحديث من المسائل الكلامية على حد زعمه، ثم يذكر ما يتعلق بأصول الفقه من الخاص والعام والمجمل والمبين وأنواع الأقيسة، ثم يذكر ما يتعلق بالمسائل الفقهية والمباحث الفروعية، ثم يذكر ما يتعلق بالآداب والدقائق، ثم ما يتعلق بعلوم الحديث واصطلاحات المحدثين، ثم يذكر اختلاف النسخ، فيرجح بعضها على بعض ثم يتعرض لأسماء الرجال، ثم يوضح الملتبس ويكشف المشتبه، ويبين المختلف والمؤتلف من الأسماء والأنساب وغيرها، ثم بعد ذلك يؤلف بين الأحاديث المتعارضة حسب الظاهر، ثم يبين مناسبة الأحاديث التي في كل باب، ثم بعد ذلكم ذكر في المقدمة رواة الصحيح كالسرخسي والكشميهني وأبي ذر الهروي وترجم لهم، ثم ترجم للإمام البخاري ترجمةً متوسطة، ثم ختم المقدمة بموضوع علم الحديث وحده، وعدد كتب الجامع وأحاديثه.

ص: 4

الكتاب لا شك أنه جيد ومفيد في الجملة، واشتمل على غالب ما يحتاج قارئ الصحيح بأسلوبٍ واضح شيق، يهتم بالرواة فيذكر اسم الراوي كاملاً وما يستطرف من أخباره بإيجاز، يعني الشرح لا شك أنه ممتع، يذكر من أخبار الرواة ما يستطرف بإيجاز ليس مثل انتقاء وانتخاب النووي لا، لكنه فيه طرافة، ينبه على لطائف الأسانيد كالعلو والنزول وأوطان الرواة وصيغ الأداء وغير ذلك، يقول الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة:"هو شرح مفيد على أوهامٍ فيه في النقل؛ لأنه لم يأخذه إلا من الصحف"، يقول العيني بعد أن تعقب الكرماني في الجزء الأول صفحة (101) قال:"وهذا إنما نشأ منه لعدم تحريره في النقل، واعتماده من هذا الفن على العقل"، ولا شك أن الكتاب عمدة لمن جاء بعده من الشراح، لا تكاد تخلو صفحة واحدة من فتح الباري أو عمدة القاري أو إرشاد الساري من نقل عن هذا الكتاب، الكتاب عمدة بالنسبة لمن جاء بعد الكرماني، الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- نقل عنه كثيراً في مئات المواضع، وتعقبه أيضاً في كثير من المواطن، وأوهام الكرماني نبه عليها الحافظ لا سيما ما يتعلق بعلم الحديث وما يتعلق بالصحيح نفسه، لكنه لم يتعقبه فيما يتعلق بالعقيدة؛ لأن الحافظ أيضاً منتقد في هذا الباب على ما سيأتي، من انتقادات الحافظ، يقول الحافظ -رحمه الله تعالى- في الجزء الأول صفحة (57):"الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي جوز أن يكون تعليقاً أو معطوفاً على قتادة فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئاً من علم الإسناد" نعم هذا كلام الحافظ بعد أن نقل عن الكرماني وتعقبه بهذا.

ص: 5

في الفتح أيضاً في الجزء الأول صفحة (79 و80) قال: "هذا تعقب مردود" ثم بيّن وجه رده، وفي صفحة (82) قال:"هذا ليس بطائل" ثم ذكر علة قوله، وفي الفتح صفحة (193) من الجزء الأول قال:"هذا مردود لأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلاً لا لهذا الحديث ولا لغيره"، لكن أكثر الهفوات أو كثير منها وقع من الكرماني في الربط بين الحديث والترجمة، وقد تهجّم الكرماني على البخاري في مواضع، الكرماني في الجزء الثاني صفحة (183) يقول:"البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد"، البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد.

ص: 6

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "العجب من دعوى الكرماني أن البخاري لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحدٍ من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره، حتى قال جمع من الأئمة: فقه البخاري في تراجمه"، هناك هفوة من الكرماني، قال في الجزء العاشر صفحة (183) يقصد كلام الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يقول:"لا يخفى ما في هذا التركيب من التعجرف"، يقول الحافظ في الجزء الرابع صفحة (485):"التعجرف من عدم فهم المراد"، إذا قصر الفهم ولم يعترف صاحبه بالقصور نشأ عنه مشاكل، حينما يقصر فهم الكرماني عن إدراك الرابط بين الحديث والترجمة يقول: لا يحسن ترتيب الأبواب، أو يقول: هذا تعجرف؟ لا شك أن سببه القصور، وقد أبدى العلماء من المناسبات ما يبهر العقول وألفت في تراجم البخاري الكتب المستقلة في بيان الرابط بين الحديث والترجمة في كل باب، وأحياناً في ذكر الرابط قد يخفى حتى على ابن حجر والعيني ومن جاء بعدهم، وأحياناً يقولون: المناسبة ظاهرة، وهي في الحقيقة ليست بظاهرة، وأخشى أن يكون هذا من التخلص، الشارح مع كل ما ذكر من هذه الملاحظات، وما قيل قبل ذلك من أن هذا الشرح نفيس، ولا يستغنى عنه، واعتمد عليه من جاء بعده من الشراح أيضاً الشارح في باب الاعتقاد جرى على طريقة الأشاعرة، ونكب عن طريقة السلف، قال في الحادي عشر صفحة (72):"إطلاق الغضب على الله تعالى من باب المجاز، إذ المراد لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب"، وقال في الثاني عشر صفحة (123):"فإن قلت: ما معنى الضحك ها هنا؟ قلت: أمثال هذه الألفاظ إذا أطلقت على الله يراد بها لوازمها مجازاً، ولازم الضحك الرضا"، وقال في الجزء (22) صفحة (124):"والاعتراف بالصفات السبع التي هي الصفات الوجودية" ثم ذكرها، والصفات السبع المراد بها ما يثبته الأشاعرة من صفات الله سبحانه وتعالى وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر.

ص: 7

أيضاً هو في توحيد العبادة عنده شيء من الخلل، يقول في الثاني والعشرين صفحة (149):"وقد كنت متشرفاً عند شرح هذا الباب بابتداء مجاورة قبره المبارك -يعني قبر ابن عباس- بالحرم المحرم بوج الطائف"، نقل عن الأشعرية في مواضع مقراً لأقوالهم ففي صفحة (197) من الجزء الأول وصفحة (88) من الجزء الثاني والعشرين، صفحة (106) من الجزء الرابع والعشرين يقول:"يجوز أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس ولا يرى ما حولها".

على كلٍ الكلام في الكتاب كثير جداً، أيضاً من الناحية الاصطلاحية قرر أن شرط البخاري في صحيحه أن لا يروي إلا ما رواه اثنان عن اثنين .. إلى آخره، تابعاً في ذلك الحاكم فيما يفهم من كلامه والبيهقي وغيرهم، من العرب أيضاً زعموا أن شرط البخاري أنه لا يقبل رواية الواحد، بل لا بد من التعدد في الرواية؛ لكن لا شك أن هذا جهل بالكتاب الذي يشرحه، أول حديث في الصحيح من رواية فرد عن فرد عن فرد .. الخ، فيه أربع من طبقات، حديث (الأعمال بالنيات) تفرد به عمر رضي الله عنه في بروايته عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم تفرد به عنه علقمة بن وقاص، ثم تفرد به عنه محمد بن إبراهيم التيمي، ثم تفرد به عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومثله آخر حديث في الصحيح، حديث:((كلمتان خفيفتان على اللسان)) .. الخ، تفرد به أبو هريرة، وعنه أبو زرعة ابن عمرو بن جرير البجلي، وعنه عمارة بن القعقاع وعنه محمد بن فضيل، وعن محمد بن فضيل انتشر الحديث، كما أن الحديث الأول انتشر عن يحيى بن سعيد، المقصود أنهما من الغرائب التي لم يروها إلا الواحد عن الواحد، وهما كفيلان بالرد على من يزعم أن العدد شرط للصحة مطلقاً، أو شرط للبخاري في صحيحه، وغير ذلك من المسائل التي يمكن مناقشته فيها، ولو ذهبنا نستطرد ونذكر كلما لوحظ على الكتاب لطال بنا المقام جداً.

ونقف على فتح الباري للحافظ ابن حجر ومعه أيضاً عمدة القاري مع ذكر ما بينهما من المناقشات الطويلة والردود، ثم نختم الكلام بالنسبة لما يتعلق بصحيح البخاري بإرشاد الساري غداً -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 8

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا السائل يقول: ما المقصود بقولكم: بالربط بين الحديث والترجمة؟

الرابط بين الحديث والترجمة المراد به المناسبة والعلاقة بين الحديث والترجمة، قد يكون الرابط بينهما والعلاقة واضحة، كقوله:"بعض قول الرجل: ما صلينا" فجاء في الحديث ما وقع في غزوة الخندق من قوله عليه الصلاة والسلام: ((وأنا والله ما صليتها)) هذه ظاهرة، علاقة ظاهرة، لكن مثل باب القسامة في الجاهلية، ثم ذكر تحت هذه الترجمة القصة التي ذكرها عمرو بن ميمون من أن قردةً في الجاهلية زنت فاجتمع عليها قردة فرجموها، القسامة في الجاهلية، الرابط لا يكاد يدرك في مثل هذا.

يقول: ذكر أحد المختصين في علوم الحديث أن فتح الباري لابن رجب -رحمه الله تعالى- والمطبوع بتحقيق ثمانية من المحققين يوجد فيها سقط في عدة مواضع.

نعم المطبوع من فتح الباري فيه سقط بلا شك، فيه خروم في أثنائه، اعتمدوا على نسخ وتتفق هذه النسخ على كثيرٍ من المواضع التي فيها الخروم، أما أنه يقول: يوجد فيها سقط في عدة مواضع مع العلم بأن المخطوط لا سقط فيه.

هذا الكلام ليس بصحيح، جميع النسخ الموجودة الآن فيها خروم.

موسوعة الأطراف لزغلول تحيل على الفتح، يقول: فما الرأي بطريقة زغلول بالإحالة عليه؟

أولاً: الفتح لنعرف كما سيأتي قريباً أنه ليس فيه متن، الحافظ لم يذكر المتن، والمتن المطبوع معه ملفق كما ستأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى-.

يقول: يحتج بعض الأخوة عندما ينصحون بدراسة علم مصطلح الحديث بأنه من علوم الآلة لا من العلوم الأساسية التي يحتاجها الفرد؟

نعم، هو من الوسائل التي تخدم هذا العلم العظيم، فالهدف من مصطلح الحديث معرفة المقبول والمردود من السنة، ووسيلة إلى معرفة ما يقبل وما يرد من السن، لكن كيف نعرف المقبول لنعمل به والمردود لنجتنبه إلا بواسطة هذا العلم؟! فهو من أهم المهمات، يقاربه مصطلح أو قواعد التفسير أو أصول الفقه كذلك، كلها تخدم وإن كانت من علوم الآلة ومثلها علوم العربية بفروعها، إلا أنها مما يضطر إليه طالب العلم.

ص: 9