الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
"
الكلام في النبوة من جنس الكلام في الخبر
، فقول القائل:(إني رسول الله إليكم) خبر من الأخبار، والخبر تارة يكون مطابقا لمخبره كالصدق المعلوم أنه صدق، وتارة لا يكون كالكذب المعلوم أنه كذب ".
فإن لم يقم دليل صدقه أو كذبه بقي ما لا نصدقه ولا نكذبه، ولهذا قال - تعالى -:
…
{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}
…
.
فأمر بذلك، لأنه قد يصدق، فدل على أنه لا يجوز تصديقه بمجرد إخباره، ولا يجوز - أيضا - تكذيبه قبل أن يعرف أنه كذب.
وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا، وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» ".
وهذا مأثور عن غيره من الأنبياء، كما جاء عن المسيح - عليه
السلام - أنه قال: " الأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه ".
وعامة عقلاء بني آدم على هذا، وهو مما يجب معرفته.
فإن كثيرا من الناس لا يميز بين ما ينفيه لقيام الدليل على نفيه، وبين ما لم يثبته لعدم دليل إثباته، فينفي ما ليس له به علم.
…
{وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}
…
.
وكثير من الناس يعلم بالاستدلال والنظر صدق شخص معين.
كما أن كثيرا منهم يعلم بالأخبار والنقل والاستدلال بذلك أمورا كثيرة، ومن لم يشاركهم فيما سمعوه، وفيما عرفوه من أحوال المخبرين، وأحوال المخبر به لا يعلم ما علموه.
فلهذا كان لأهل النظر العقلي طرق لا يعرفها أهل الأخبار.
ولأهل الأخبارالسمعية طرق لا تعرف بمجرد العقول.
ولهذا كان لهؤلاء من الطرق الدالة على صدق الرسول ونبوته، والاستدلال على ذلك أمور كثيرة لا يعرفها أهل الأخبار.
وعند أهل الأخبار من الأحاديث المتواترة عندهم، والآيات المستبينة ما يعرفون به صدق الرسول، وإن كان أولئك لا يعرفونها.
والناس قد يعلمون أن الخبر الواحد قد يقوم الدليل على كذبه، فيعلم أنه كذب وإن أخبر به ألوف، إذا كان خبرهم عن غير علم أو عن تواطؤ.
مثل أخبار أهل الاعتقادات الباطلة بها.
وأما إذا أخبروا عن علم منهم فهم صادقون في نفس الأمر.
ويعلم صدقهم تارة بتواتر أخبارهم من غير مواطأة، ولو كانا اثنين.
فإن الاثنين إذا أخبرا بخبر طويل أسنداه إلى علم، وقد علم أنهما لم يتواطآ عليه، ولا هو مما يتفق في العادة تماثلها فيه في الكذب أو الغلط، علم أنه صدق.
وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل وبقرائن تقترن به تكون صفات في المخبر من علمه ودينه وتحريه الصدق، أو تكون صفات في المخبر به مختصة بذلك الخبر أو بنوعه، كحاجب الأمير إذا قال بحضرته لعسكره: إن الأمير قد أذن لكم في الانصراف، وأمركم أن تركبوا غدا، أو أمر عليكم فلانا، ونحو ذلك.
فإن العادة كما قد تمنع التواطؤ على الكذب، فإنها قد تمنع التواطؤ على الكتمان وإقرار الكذب، فما توفرت الهمم والدواعي على ذكره يمتنع أن يتواطأ أهل المكان على كتمانه.
كما يمتنع في العادة أن تحدث حادثة عظيمة تتوافر الهمم والدواعي على نقلها في الحج أو المجامع أو العسكر.
وإذا امتنع السكوت عن إظهارها، فالسكوت عن تكذيب الكاذب فيها أشد امتناعا.
وقد تكون الدلائل صفات في المخبر تقترن بخبره.
فإن الإنسان قد ترى حمرة وجهه، فيميز بين حمرته من الخجل والحياء وبين حمرته من الحمى وزيادة الدم، وبين حمرته من الحمام وبين حمرته من الغضب.
وكذلك يميز بين صفرته من الفزع وصفرته من الحزن وصفرته من المرض.
حتى إن الأطباء الحذاق يعلمون حال المريض بمجرد رؤيته لا يحتاجون مع ذلك إلى نبض وقارورة.
وكذلك تعرف أحواله النفسانية هل هو فرح أو محزون، وهل هو محب مريد للخير أو مبغض مريد للشر؟
كما قيل:
تحدثني العينان ما القلب كاتم
…
من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
وكما قيل:
والعين تنظر من عيني محدثها
…
هل كان من حزبها أو من أعاديها
ثم إذا تكلم مع ذلك دل كلامه على أبلغ مما تدل عليه سيما وجهه.
وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: " ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه ".
وقال عمر بن الخطاب للعابث في صلاته: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ".
والرجل الصادق البر يظهر على وجهه من نور صدقه وبهجة وجهه سيما يعرف بها، وكذلك الكاذب الفاجر.
وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا فيه، حتى إن الرجل في صغره يكون جميل الوجه، فيظهر في آخر عمره من قبح وجهه ما أثره باطنه وبالعكس.
وروي عن ابن عباس أنه قال: " إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة ظلمة في القلب، وسوادا في الوجه، ووهنا في البدن، وبغضة في قلوب الخلق ".
وقد يكون الرجل ممن لا يتعمد الكذب، لكن يعتقد اعتقادات باطلة في الله ورسله ودينه وعباده الصالحين، ويكون له زهادة وعبادة واجتهاد مع ذلك، فيؤثر ذلك الذي ظنه صدقا وتوابعه في باطنه، ويظهر ذلك على وجهه، فيعلوه من القترة والسواد ما يناسب حاله. كما قال بعض السلف:
" لو ادهن صاحب البدعة كل يوم بدهان فإن سواد البدعة لفي وجهه ".
وهذه تظهر يوم القيامة ظهورا تاما، قال - تعالى -:{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ}
…
الآيتين.
وقال - تعالى -: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}
…
الآيتين.
والمقصود أن ما في القلب من قصد الصدق والمحبة والبر ونحو ذلك قد يظهر على الوجه، حتى يعلم ذلك علما ضروريا من أبلغ العلوم الضرورية، وكذلك العكس.
وإذا كان كذلك؛ فمن نبأه الله واصطفاه لرسالته كان قلبه من أفضل القلوب صدقا وبرا.
ومن افترى على الله الكذب كان قلبه من أشر القلوب كذبا وفجورا.
كما قال ابن مسعود:
" إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاتخذهم الله لصحبة نبيه. فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون سيئا فهو عند الله سيئ ".
وإذا كان من أعظم زمانه صدقا وبرا فلا بد أن يظهر على لسانه وعلى صفحات وجهه ما يناسب ذلك.
كما أن الكاذب الكافر لابد أن يظهر عليه ما يناسبه.
وهذا يكون تارة حين إخباره، وتارة في غير تلك الحال.
فإن الرجل إذا جاء، وقال: إن الأمير أرسلني إليكم بكذا، فقد يقترن بإخباره من كيفيته وحاله ما يعلم به أنه صادق أو كاذب.
وإن كان معروفا قبل ذلك بالصدق أو الكذب، كان ذلك دلالة أخرى.
وقد يكون ممن يكذب، ولكن يعرف أنه صادق في ذلك الخبر.
دع من يستمر على عادة واحدة بضعا وعشرين سنة مع أصناف الناس واختلاف أحوالهم.
والمقصود أن العلم بصدق الصادق، وكذب الكاذب كغيرهما من المعلومات، قد يكون ضروريا، وقد يكون نظريا.
وهو ليس من الضروريات الكلية، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين.
بل من العلم بالأمور الغيبية، كالعلم بحمرة الخجل، وصفرة الوجل، وعدل العادل، وظلم الظالم، مما يعرفه الخبير به علما ضروريا، وإن كان استدلاليا.
وإذا كان القائل: إني رسول الله، إما أن يكون من خيار الناس وأصدقهم وأبرهم وأفضلهم، وإما أن يكون من شرار الناس وأكذبهم وأفجرهم، فالفرق بين هذين يكون من وجوه كثيرة لا تكاد تنضبط.
وقد تحصل المعرفة عند سماع خبر هذا ورؤية وجهه وسماع كلامه، وما يلزم ذلك، ويقترن به من بهجة الصدق ونوره، ومن ظلمة الكذب وسواده وقبحه.
فتبين بذلك أن كثيرا من الناس إذا رأوا الكاذب وسمعوا كلامه، تبين لهم كذبه، تارة بعلم ضروري، وتارة باستدلالي، وتارة بظن قوي.
وكذلك النبي الصادق إذا رأوه وسمعوا كلامه، تبين لهم صدقه بعلم ضروري أو نظري قبل أن يروا خارقا.
وقد يكون أولا بظن قوي، ثم يقوى حتى يصير يقينا، كما في المعلوم بالأخبار المتواترة والتجارب.
قال أبو العباس:
وهذه الطريقة سلكها طوائف، منهم القاضي عياض، فقال:" إذا تأمل المنصف أحوال نبينا صلى الله عليه وسلم من جميل أثره، وحميد سيرته، وبراعة علمه، ورجاحة عقله، وحلمه، وكماله، وشاهد حاله وصواب مقاله لم يمتر في صحة نبوته وصدق دعوته ".
قال: وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به، فروينا عن الترمذي وابن قانع وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام قال:
" «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئت لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أنه ليس وجه كذاب» ". رواه غير واحد عن عوف الأعرابي عن زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام.
وعن أبي رمثة قال: " «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي»
وعن جامع بن شداد قال: " «كان رجل منا أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. فقال: هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: هذا البعير. قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقا من تمر، فأخذ بخطامه، وسار إلى المدينة. فقلنا: بعنا من رجل لا ندري من هو. ومعنا ظعينة، فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير، رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر؛ لا يخيس بكم، فأصبحنا، فجاء رجل بتمر، فقال: أنا رسول رسول الله إليكم؛ يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر، وتكتالوا حتى تستوفوا، ففعلنا» ".
وفي خبر الجلندي - ملك عمان - لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام.
قال الجلندي: " والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي ".
وقال نفطويه في قوله - تعالى -:
…
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}
…
: " هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول: يكاد منظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنا، كما قال ابن رواحة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة
…
لكان منظره ينبيك بالخبر
"
انتهى.
وقد كان إيمان خديجة وأبي بكر وغيرهما من السابقين الأولين قبل انشقاق القمر، وإخباره بالغيوب، وتحديه بالقرآن.
لكن كان بعد سماعهم القرآن الذي هو نفسه آية، ونفس إخباره أنه رسول الله، لما يعرف من أحواله المستلزمة لصدقه، إلى غير ذلك من آيات الصدق.
كما قالت خديجة رضي الله عنها لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لقد خشيت على نفسي» " وذلك أول ما جاءه الملك: أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ".
فاستدلت بما فيه من الأخلاق والصفات الفاضلة والشيم الكريمة على أن من كان كذلك لا يخزى أبدا.
فعلمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والشيم الشريفة تناسب أشكالها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، لا تناسب الخزي والخذلان، وإنما يناسبه أضدادها، فلذلك بادرت إلى الإيمان والتصديق.
وأبو بكر كان من أعقل الناس وأخبرهم، فلما تبين له حاله علم علما ضروريا أنه نبي صادق.
وكان أتم أهل الأرض يقينا، علما وحالا.
وكذلك هرقل لما سأل أبا سفيان عن تلك المسائل في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه أبو سفيان، استدل بذلك على نبوته.
والحديث في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني أبو سفيان بن حرب، قال: " انطلقت في المدة التي كانت
بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام، فبينما أنا بها إذ جيء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، جاء به دحية الكلبي، فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى عظيم الروم هرقل.
فقال هرقل: هل ههنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
فقالوا: نعم، فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا عليه، فأجلسنا بين يديه.
فقال: أيكم أقرب نسبا منه؟ فقلت: أنا. فأجلسني بين يديه وأصحابي خلفي، ثم دعا ترجمانه.
فقال: قل لهؤلاء: إني سائل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه.
قال أبو سفيان: وأيم الله، لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبته.
ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو حسب.
فقال: هل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: فهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.
قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قلت: لا.
قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: كيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، يصيب منا، ونصيب منه.
قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها.
قال أبو سفيان: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه.
قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا.
فقال لترجمانه: قل له:
إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا. فقلت: لو كان في آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه.
وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. وهم أتباع الرسل.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا. فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله.
وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا. فكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب.
وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا؛ ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة.
وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله.
ثم قال: بم يأمركم؟ قلنا: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
فقال: إن يك ما تقول حقا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه.
ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.
ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه: " «بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين، و {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .
»
«فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، فأمر بنا، فأخرجنا.
فقلت لأصحابي: لقد أمر أمر
ابن أبي كبشة؛ أنه ليخافه ملك بني الأصفر. فمازلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام» ".
المقام الرابع
قال النصراني:
" فصل في تمييز الأسباب التي بواسطتها انتشرت كلتا الشريعتين، قد قلنا في شأن الشريعة المسيحية: إنها انتشرت بواسطة الآيات والمعجزات التي صدرت، لا عن المسيح وحده، بل وعن تلاميذه، وبواسطة الصبر على الشدائد وأنواع العذاب في طاعة الله. أما الذين نشروا دين محمد فإنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات، ولم يقاسوا شيئا من البلايا الشديدة، ولا من أنواع القتل الشنيعة من أجل اعتقادهم، بل تبعت الشريعة حيث سهل السيف طريقها قدامها، فإنها متعلقة بالكلية بالسيف والقتال ".
الجواب - والله الموفق -:
هذا الكلام يدل إما على الجهل المفرط، وإما على العناد والمكابرة في إنكار ما استفاضت به الأخبار، وتضمنته كتب السيرة، وتلقاه الخلف عن السلف من شدة ما عاناه المؤمنون من أذى المشركين، إذ كانوا بمكة مع النبي صلى الله عليه وسلم وما قاسوه من الضيق والبلاء، تارة بالضرب الشديد، وتارة بالقتل الشنيع، وتارة بالحصار وقطع الميرة عنهم، وعدم اتصال أحد بنافعة إليهم، إلى غير ذلك من إخراجهم من ديارهم وإزعاجهم من أوطانهم.
وهم في كل ذلك صابرون على دينهم متابعون نبيهم صلى الله عليه وسلم لا يبالون بما أصابهم في ذات الله.
قال الإمام محمد بن إسحاق في السيرة:
" إنهم - يعني المشركين - عدوا على أسلم وبايع واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر.
فمن استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصبر، ويعصمه الله منهم.
فكان بلال - مولى أبي بكر - لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب.
فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى.
فيقول - وهو في ذلك البلاء -: أحد أحد. حتى مر به أبو بكر الصديق يوما وهم يصنعون ذلك به، فاشتراه، وأعتقه ".
قال ابن إسحاق: "ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب
…
منهم زبيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذبوا، ما تضر اللات والعزى وما ينفعان. فرد الله إليها بصرها.
ومر بجارية لبني عدي، وكان عمر بن الخطاب يعذبها، لتترك الإسلام - وهو يومئذ مشرك - وهو يضربها، حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة، فابتاعها أبو بكر، فأعتقها.
وكان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه -
وكانوا بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة ".
قال ابن إسحاق:
" فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول فيما بلغني: "«صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة» ". فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام.
وكان أبو جهل الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه، فقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به ".
قال: " وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه، ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي كان به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ".
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه
من البلاء، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من ذلك قال لهم:" «لو خرجتم إلى إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» ".
فخرج إليها كثير منهم ممن لم يطق المقام بمكة، وصبروا على الجلاء ومفارقة الأوطان والعشائر والإقامة في دار البغضاء البعداء، حتى أنجز الله لهم ما وعدهم.
ثم حصرت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين في شعب أبي طالب، ومعهم أبو طالب ومن تابعه على النصرة من مشركي بني هاشم وبني المطلب.
وتعاقدت قريش على أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يتركوا أحدا يصل إليهم بنافعة، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد الأمر عليهم، ودام ذلك ثلاث سنين حتى نقض الله ما عقدوه، وأعز رسوله وحزبه.
فهذا بعض حال المهاجرين من أهل مكة.
وأما الأنصار فإن الذي دعاهم إلى الدخول في الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم بعد عناية الله بهم وسابقة الحسنى أن
اليهود كانوا جيرانهم بالمدينة، وكانت تقع بينهم الحروب في الجاهلية. فكانت اليهود تستفتح عليهم، وتقول: هذا زمان نبي يبعث، فنتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد. فقدم طائفة منهم مكة في بعض المواسم، وسمعوا ما يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاسن الشريعة وما يتلوه من القرآن الذي دلتهم عقولهم أنه ليس من قول البشر، وعلموا أنه رسول الله، وأنه الذي كانت توعدهم به اليهود، فآمنوا به، وصدقوه، وبايعوه على الإيمان والنصرة.
ولما أرادوا بيعته ليلة العقبة - وكانوا سبعين رجلا - قال لهم أسعد بن زرارة - وهو أحد ساداتهم - وقد أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم: " رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وجزاؤكم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله.
فقالوا: يا أسعد، انقل عنا يدك، فو الله لا ندع هذه البيعة، ولا نستقيلها. فبايعوه، وأعطاهم بذلك الجنة ".
ومن المعلوم أن ما تحملوه من ذلك هو من أعظم ما يشق على النفوس؛ فإنهم نابذوا العرب قاطبة، بل الخلق كلهم، وقاطعوا من لم يدخل معهم في ذلك من أهليهم وعشائرهم، وقطعوا الحبال بينهم وبين الناس.
وهكذا المهاجرون من غير أهل مكة، قد أسلم منهم كثير، وهجروا أوطانهم وعشائرهم، وهاجروا إليه في المدينة وصبروا على ما كابدوه من الجوع والعري والشدة ومفارقة المألوفات قبل أن يقوم الجهاد.
وإنما دخلوا بالدعوة والقرآن، وإلا فلم يكن له صلى الله عليه وسلم ما يستميل به القلوب من مال، فيطمع فيه، ولا قوة يقهر بها الرجال، ولا أعوان على الأمر الذي أظهروه، والدين الذي دعا إليه.
وكانوا حين دعاهم مجتمعين على عبادة الأصنام وتعظيم الأزلام، مقيمين على ما هم عليه من عبية الجاهلية في العصبية والحمية والتمادي والتباغي وسفك الدماء وشن الغارات.
لا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم عن سوء أفعالهم نظر في عاقبة ولا خوف عقوبة ولا لائمة، فألف الله بنبيه صلى الله عليه وسلم بين قلوبهم، وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء، وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدي.
فصاروا إلبا واحدا في نصرته، وعنقا واحدا إلى طاعته،
وهجروا أوطانهم وبلادهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها عليهم، ولا أموال أفاضها إليهم، ولا عوض في العاجل أطمعهم في نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه.
بل كان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يجعل الغني فقيرا والشريف أسوة الوضيع.
فهل تلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد؟.
وهذا سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبر الفكري، لا والذي بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور لا يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سمائي، ناقض للعادات ويعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
وبهذا يتبين أن قيام دينه صلى الله عليه وسلم إنما كان بالحجة. ولكنه شرع الجهاد لتبليغ الأدلة، وإيصال الحجة، وإنفاذ البيان إلى المخاطبين. ومن أجل ذلك كان أكثر الداخلين بالسيف لما سمعوا القرآن وعرفوا الإسلام انفتحت بصائرهم، وصلحت عقائدهم، واستبصروا فيما كانوا عنه من قبل ذلك عمين.
ولهذا المعنى لما وقعت الهدنة التي عقدها النبي - صلى الله عليه
وسلم - بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن وخلى كل بأهله وأصدقائه، وأخبروهم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وأعلام نبوته وحسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، دخل في الإسلام في مدة هذه الهدنة كثير من الناس، ولهذا سماه الله فتحا مبينا.
والمقصود التنبيه على ما نال المسلمين من الشدائد، وما كانوا عليه من الصبر في طاعة الله ورسوله ونصرة دينه، وأن ذلك إنما كان باليقين الذي اقتضاه ما شاهدوه من آيات النبوة، وأعلام الرسالة، وأن دين الإسلام اشتهر وانتشر في القبائل بالدعوة والبيان قبل أن يفرض الجهاد. وسيأتي تتمة لهذا المعنى إن شاء الله تعالى.
فصل
وأما قول النصراني:
" لأنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات ".
فجوابه:
أن معجزات نبيهم صلى الله عليه وسلم غنية عن غيرها فإنه قد حصل بها قيام الحجة والدلالة على أنه رسول الله، فلا حاجة بعد ذلك إلى ظهور الخوارق على يد أصحابه وأتباعه.
ومع ذلك فقد ظهر على أيديهم من الخوارق والآيات الدالة على أن متبوعهم رسول الله ما لا يحصى.
واعلم أن كثيرا من أهل الكلام لا يسمي معجزا إلا ما كان للأنبياء فقط. وأما ما يجري على يد الولي فيسمونه كرامة.
ونقل عن السلف أنهم كانوا يسمون هذا معجزا، وذكر ذلك عن الإمام أحمد.
ثم ما يجري على يد غير النبي من الخوارق، إن ظهر على يد صالح متبع للسنة قائم على قدم العبودية المرضية فهو المسمى كرامة.
وإن كانت حال من ظهرت له الخوارق بضد ذلك فهو استدراج، وخيال شيطاني، وليس من حال أولياء الله وكرامتهم.
قال بعض الأئمة:
"اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء، ومشى على الماء لم يغتر به حتى تنظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه".
فأولياء الله المتقون هم المهتدون المقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم فيفعلون ما أمر، وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم الله - تعالى - بملائكته، وروح منه، ويقذف في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين.
وخيار أولياء الله تكون كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين مثل ما كانت معجزات نبيهم كذلك.
فكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباعهم رسوله، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن الكرامات والخوارق والمعجزات المنقولة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من صلحاء الأمة وعلمائها كثيرة جدا.
مثل ما كان لسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكسرت سفينة في البحر هو فيها، فركب لوحا منها، فطرحه في الساحل بأرض فيها أسد، قال: فخرج إلي الأسد يريدني، فقلت:
يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم، ودلني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني، ورجع.
وكان أسيد بن حضير وعباد بن بشر تحدثا عند النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب بعض الليل.
ثم خرجا من عنده وكانت ليلة شديدة الظلمة وفي يد كل واحد منهما عصا، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، فلما فرق بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، حتى بلغ منزله. والقصة في صحيح البخاري وغيره.
ومن ذلك قصة أبي بكر الصديق - وهي في الصحيحين - لما ذهب
بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا أسفلها أكثر منها، فشبعوا، وصارت أكثر مما كانت عليه قبل ذلك.
فنظر إليها أبو بكر وامرأته، فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء إليه أقوام كثيرون، فأكلوا منها.
وكان خبيب بن عدي أسيرا عند المشركين بمكة، فكانوا يرون عنده العنب وما على وجه الأرض يومئذ عنب.
وعامر بن فهيرة من شهداء بئر معونة التمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع.
قال عروة: فيرون أن الملائكة رفعته.
وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر - وكانت صائمة - سمعت حسا على رأسها، فرفعته فإذا دلو برشاء أبيض معلق، فشربت منه حتى رويت، فما عطشت بقية عمرها.
والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله أبر قسمه. فكانت الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، أقسم على ربك، فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم. فيهزم العدو.
فلما كان يوم اليمامة قال: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا.
وخالد بن الوليد حاصر حصنا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم. فشربه فلم يضره.
وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، ما دعاه قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق.
وعمر بن الخطاب ظهرت له الكرامات الكثيرة.
منها أنه أرسل جيشا، وأمر عليهم رجلا يدعى سارية. فبينما عمر يخطب إذ جعل يصيح وهو على المنبر:" يا سارية، الجبل، يا سارية، الجبل ". فقدم رسول ذلك الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح: يا سارية، الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله.
ودعا سعيد بن زيد على أروى، حين كذبت عليه، فقال:" اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها ". فعميت، ووقعت في حفرة من أرضها، فماتت.
والعلاء بن الحضرمي كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم -
على البحرين، وكان يقول في دعائه:" يا عليم ويا حليم يا علي يا عظيم " فيستجاب له.
دعا الله بأن يسقوا فيتوضؤوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم، فأجيب.
ودعا الله لما اعترضهم البحر، ولم يقدروا على المرور، فمروا كلهم هو والعسكر بخيولهم على الماء، ولم تبتل سروج خيولهم.
ودعا الله ألا يروا جسده إذا مات، فلم يوجد جسده في اللحد.
وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي في قوة مدها، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة. فقال: اتبعني، فاتبعه، فوجدها قد تعلقت بشيء، فأخذها.
وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار، فألقي فيها، فوجدوه قائما يصلي فيها، وقد صارت عليه بردا وسلاما.
وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.
ووضعت له جاريته السم في طعامه، فأكله، فلم يضره، وخببت عليه امرأة زوجته، فدعا عليها، فعميت، فجاءت إليه وتابت، فدعا الله، فرد عليها بصرها.
وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه في كمه ألفي درهم، وما يلقاه سائل إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته، فلم يتغير عددها أو وزنها.
ومر بقافلة وقد حبسهم الأسد، فجاء حتى مس بثيابه فم الأسد، ووضع رجله على عنقه، وقال: إنما أنت كلب من كلب الرحمن، وإني أستحي من الله أن أخاف شيئا غيره. ومرت القافلة.
ودعا الله أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء له بخار. ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان، فلم يقدر عليه.
وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله ألا يروه؛ فلم يروه.
ودعا على بعض الخوارج، وكان يؤذيه؛ فخر ميتا.
وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة، ودعا الله فأحياه له. فلما وصلوا إلى بيته قال لابنه: يا بني، خذ سرج الفرس؛ فإنه عارية، فأخذ سرجه، فمات.
وجاع مرة بالأهواز فدعا الله واستطعمه، فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل، وبقي الثوب عند زوجته زمانا.
وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع. فولى الأسد وله زئير.
ورجل من النخع كان له حمار، فمات في الطريق، فقال أصحابه: هلم نتوزع متاعك، فقال: أمهلوا هنيئة، ثم توضأ، فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين، ودعا الله، فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه.
ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكعانا لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد من صخرة، فدفنوه فيه، وكفنوه في تلك الأثواب.
وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر، فأظلته غمامة.
وكان السبع يحميه، وهو يرعى ركاب أصحابه؛ لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أن يخدمهم.
وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته. وكان هو وصاحب له يسيران بالليل، فأضاء لهما طرف السوط.
ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره، فأهوى ليأخذها، فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر.
وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا.
وخرج يمتار لأهله طعاما، فلم يقدر عليه، فمر بسهلة حمراء، فأخذ منها، ثم رجع إلى أهله، ففتحوها، فإذا هي حنطة حمراء.
فكان اذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا.
وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتا حسنا، ودمعا غزيرا، وطعاما من غير تكليف. فكان إذا قرأ بكى، وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله، فيصيب فيه قوته، ولا يدري من أين يأتيه.
وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج، فسأل ربه أن يطلق
له أعضاءه وقت الوضوء، فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه، ثم تعود بعده.
وهذا باب واسع جدا لا يمكن أن يؤتى منه في هذا الموضع بأكثر مما ذكرناه.
وكلها قضايا عامتها مشهورة في كتب الحديث والأثر، وقد سقناها كما ساقها شيخ الإسلام أبو العباس.
ثم قال: " ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، إذا احتاج إليها الضعيف الإيمان، أو المحتاج، آتاه منها ما يقوي إيمانه، ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته.
ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من تجري على يديه الخوارق لهداية الخلق أو لحاجاتهم، فهؤلاء أعظم درجة ".
وهذا بخلاف الأحوال الشيطانيه كأحوال الكهان الذين يكون لأحدهم القرين من الشياطين، يخبره بكثير من المغيبات، مما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما دل على ذلك
الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، وغيره.
وكان للأسود العنسي الذي ادعى النبوة من الشياطين من يخبره ببعض الأمور الغائبة.
فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون أن تخبره الشياطين بما يقولون فيه حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره، فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون، مثل: الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة.
وكانت الشياطين تخرج رجله من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ فيه.
وكان يري الناس بجبل قاسيون رجالا ركبانا على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة. وإنما كانوا جنا.
ولما أمسكه المساك ليقتلوه، طعنه الطاعن بالرمح، فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله؛ فسم الله. وطعنه، فقتله.
وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها مثل: آية الكرسي.
والمقصود عند ذكر هذه الخوارق التنبيه على الفرق بين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية؛ فإن بينهما فروقا متعددة.
منها: أن كرامات أولياء الله سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية يكون سببها ما نهى الله ورسوله عنه، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ورسوله.
وتجد كثيرا ممن ضعفت بصيرته، وقل علمه بالكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح يكون عمدته في اعتقاده في شخص كونه وليا لله، أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة.
مثل: أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، وأن يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو أن أحدا استغاث به وهو غائب أو ميت
فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما يسرق لهم أو بحال غائب لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور.
وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه.
وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور.
وهذه الأمور وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين، وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، فتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان فيه شيء من هذه الأمور يكون وليا لله.
بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والإقرار بحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة.
ومثال ذلك أن هذه الأمور المذكوره وأمثالها قد توجد في أشخاص، ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات والمزابل التي هي مأوى الشياطين، ولا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «لا تدخل الملائكه بيتا فيه كلب ولا جنب» ".
وقال عن الأخلية: " «إن هذه الحشوش محتضرة» " أي: يحضرها الشياطين.
وقال: " «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» ".
وقال: " «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» ".
وقال: " «إن الله نظيف يحب النظافة» ".
وقال الله - تعالى -:
…
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}
…
إلى قوله:
…
{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}
…
الآية.
فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي تحبها الشياطين، يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين.
أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق.
أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي تحبها الشياطين.
أو يدعو غير الله، فيستغيث بالمخلوقات، ويتوجه إليها.
أو يسجد إلى ناحية قبر الشيخ، ولا يخلص الدين لرب العالمين.
أو يلابس الكلاب، أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة.
أو يأوي إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين.
أو يكره سماع القرآن، وينفر عنه، ويقدم على سماع الأغاني، والأشعار، فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن.
قال ابن مسعود: " ولا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ".
وقال عثمان بن عفان: " لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله ".
فإذا كان الرجل خبيرا بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال الشيطانية والأحوال الرحمانية، قد قذف الله في قلبه نوره.
كما قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ}
…
.
ففرق بين حال أولياء الرحمن وحال أولياء الشيطان، كما يفرق
الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزائف. وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء.
وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب.
ففرق بين محمد الصادق رسول رب العالمين، وموسى والمسيح وغيرهم.
وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي، ونحوهم من الكذابين.
فكذلك يجب الفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشياطين الظالمين، وبسط ذلك لا يتسع له هذا الموضع.
ولشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية في ذلك مصنف سماه: " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " أتى فيه بالعجب العجاب، فجزاه الله خير الجزاء، وأثابه خير الثواب.
فصل
قال النصراني:
" وإنما تستدل علماؤهم على صحتها - يعني الشريعة - بكثرة الغلبات والفتوحات، وعظم الملك، وهذا مما ليس شيء أقل يقينا منه، فإن مع أن عبادات الوثنيين في غاية الشناعة ترى كم من البلاد فتحت على أيدي الفرس واليونانيين والروم، حتى اتسعت ممالكهم في الأرض ".
الجواب - ومن الله التأييد -:
إن استدلال علمائنا على صحة الشريعة ليس محصورا في هذا الدليل - كما اقتضاه كلامه - فإن طرق الأدلة على صحتها لا تنحصر.
فإن الله - تعالى - جعل لمحمد صلى الله عليه وسلم الآيات البينات قبل مبعثه، وفي حياته وموته، إلى هذه الساعة، وإلى قيام الساعة.
فإن ذكره، وذكر البشارة به موجود في الكتب المتقدمة، كما قدمنا بعض ذلك.
ولما ولد اقترن بمولده من الآيات ما هو معروف في كتب الأخبار والسير، كارتجاس إيوان كسرى، وسقوط شرافات منه وانصداعه.
وما اقترن به من رؤيا الموبذان، التي أولها سطيح الكاهن بخمود نار فارس التي يعبدونها، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة، وغيض بحيرة ساوة.
وحفظ السماء بالشهب رجوما للشياطين المسترقة للسمع، وجرى ذلك العام قصة أصحاب الفيل.
وكل ذلك إرهاص بين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما كان يحصل في مدة نشأته من الآيات والدلائل مثل ما حصل لمرضعته لما كان عندها، ومثل ما شوهد منه في صغره من شق
صدره، وتظليل الغمامة له، ومعرفه جماعة له بعلاماته، كما في قصة بحيرى الراهب.
وأما ما في أيام نبوته فظاهر، كما تقدم ذكر بعضه. وأما بعد موته فمثل نصر أتباعه، وإهلاك أعدائه، وإعلاء ذكره، ونشر لسان الصدق له، وإظهار دينه على كل دين باليد واللسان، والدليل والبرهان. وهذا مما يطول وصف تفصيله.
وهكذا آيات غيره من الأنبياء متنوعة قبل المبعث، وحين المبعث، وبعد موتهم، لكن آيات نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر، وبراهين نبوته أظهر، ثم إن غير الفتوحات من آياته أبلغ في الدلالة وأبهر في المعجزة، وأكبر في البرهان من التمكين في الأرض ووراثتها من
أيدي الأمم الذين عصوه وخالفوا أمره، مع أن هذا - أيضا - دليل ظاهر وبرهان قاطع.
وللاستدلال به طرق:
الطريق الأول:
ما تقدمت الإشارة إليه من إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك، ثم وقوعه على وفق ما أخبر، قال الله - تعالى -:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} .
…
الآية.
ووردت الأحاديث الصحيحة بهذا الوعد - كما قدمنا ذكر بعضها - وقد وقع ذلك كله كما أخبر، فإن الله - تعالى - أظهر دينه على سائر الأديان بحيث أنه لم يبق أهل دين يخالف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون، فظهروا عليهم، وإن لم يكن ذلك في كل المواضع، وفي جميع الأزمان.
فقد قهروا اليهود، وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد مصر والشام وما والاها إلى ناحية الروم، إلى ما ورائها، وغلبوا
أهل المغرب، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا كثيرا من عباد الأصنام على كثير من بلادهم، مما يلي الترك والهند، وذلك سائر الأديان، فثبت أن الذي أخبر الله به في قوله:
…
{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} .... قد وقع.
وقيل في معنى الظهور المذكور في الآية: إنه الظهور بالحجة.
والكل حق. فإن الله أظهر دين الإسلام بالاعتبارين على أكمل الوجوه، فجعل لأهله الظهور بالحجة والبيان، والسيف والسنان، وقد وقع ما وعدهم من الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين، وتبديل الخوف بالأمن، وبلوغ ملك هذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها، وقد أخبر بذلك - وهو خبر عن الغيب - وأصحابه في غاية القلة، فوقع كما أخبر، فكان معجزا.
الطريق الثاني:
أن الفتوحات الإسلامية وقعت خارقة للعادة، بحيث لم يقع قبلها ولا بعدها نظيرها، وهذا يدل على عناية الرب - تعالى - بذلك، وعلى تأييده لمن جاء بهذه الشريعة بأمر سمائي، لا من قبيل قوة البشر وتغلبات الملوك.
وذلك يعرف بوجوه:
منها قلة من قام به في أول الأمر، وضعفهم وقوة عدوهم وكونهم في غاية الكثرة ونهاية الحنق عليهم والبغض لهم، والجد في عداوتهم بكل ممكن، فأيدهم الله عليهم وأظهرهم، فدل على أن هذا النصر من السماء.
ومنها: أن أعداءه مع كون حالهم ما وصفناه، كانوا على أديان وجدوا عليها آباءهم، ونشأوا عليها، وألفتها طباعهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى تركها، وأن يتبعوا ما جاء به من الشريعة والمنهاج. وكان أول من دعا إلى ذلك العرب الذين هم أقوى الناس نفوسا، وأقساهم قلوبا، وأشدهم توحشا، وأمنعهم جانبا، وأحبهم لأن يغلبوا، ولا يغلبوا، وأعسرهم انقيادا للملوك، وأجفاهم أخلاقا، وأقلهم احتمالا للضيم والذلة، فما كانوا ليجيبوا إلى ما طلبه منهم إلا لما رأوه من الآيات وشاهدوه من المعجزات الدالة على أنه رسول الله، أو بأمر خارق للعادة، ليس من صنع البشر، فكان معجزا، فدل على أنه من عند الله.
ومنها: أن تلك الفتوحات وقعت في مدة قريبة، ففتحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جزيرة العرب كلها إلى ما يليها من أرض الشام في مدة عشر سنين، فدخلوا في طاعته، والتزموا دينه، وتركوا أديانهم، سوى من قبلت منه الجزية والصغار، وهذا ما لم يعهد له نظير.
وكذلك الفتوحات الواقعة في أيام خلفائه الراشدين في المشارق والمغارب، كان ذلك في أقرب مدة، وكانت أعداؤهم في غاية الكثرة والشجاعة، والقوة والنجدة، ولم يكن للمسلمين إذ ذاك من العدد والعدة والقوة ما يكون له نسبة بجنب ما عند أعدائهم من ذلك، فكيف بما كافأتهم؟ فلا يرتاب عاقل أن ما أعطوه من الظهور والغلبة ليس إلا بالنصر الإلهي والتأييد السمائي، الخارق للعوائد، الدال على صدق من جاء بهذه الشريعة، وأنها مرضية لله.
الطريق الثالث:
ما أشرنا إليه فيما تقدم، بما حاصله أن محمدا صلى الله عليه وسلم قام بهذه الشريعة ناسخا شرائع الأنبياء قبله، مستحلا دماء من خالفه من أهل الكتاب وغيرهم، وأموالهم ونسائهم، قائلا: إن الله أمرني بذلك. ومع ذلك أيده الله - تعالى - بأنواع التأييد، وصدقه بأكمل انواع التصديق، ومكنه في الأرض، وأظهر دينه على كل الأديان، وجعل لأمته من التميكن في الأرض ما لم يكن لغيرهم، فدل ذلك على أنه رسول الله، وأنه إنما فعل ذلك عن أمر الله له بذلك، وإلا لكان ذلك طعنا في الرب - تعالى - حيث زعم أعداؤه أنه سلط جبارا كاذبا عليه، وعلى أوليائه وأتباع رسله، ويمكن له غاية التمكين، ويؤيده أعظم التأييد. فمن آمن بربوبية الله لهذا الخلق، ورأى ما ذكرنا لم يرتب في صدق محمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله، وأن ما أعطاه من النصر والتأييد هو من آيات نبوته، كما كان من آيات الأنبياء إهلاك الله مكذبيهم ونصرة المؤمنين بهم، كإغراق قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.
وقد ذكر الله قصصهم في القرآن في غير موضع، وبين أنها من آيات الأنبياء، كما في سورة الشعراء، يختم كل قصة من تلك القصص بقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} .
ومن ذلك ما جعله من اللعنة التابعة لمن كذبهم، ومن لسان الصدق والثناء والدعاء لهم ولمن آمن بهم، كما قال في قصة نوح:{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} ، وكذلك في قصة إبراهيم، أي: تركنا هذا القول يقوله المتأخرون. وكذلك في قصة موسى وهارون وإلياس.
وقال في قصة فرعون وقومه: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً} . وقال في عاد: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً}
…
.
ولهذا قال - تعالى -: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} وقال:
…
{فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} .
وكل واحد من هذه الطرق التي ذكرناها كاف في الدلالة على صحة الشريعة، وصدق من جاء بها، فكيف وهي كلها متفقة متظاهرة على ذلك، مضافة إلى ما لا يحصى من الأدلة والبراهين التي هي أظهر من شمس الظهيرة لأولي الألباب والبصيرة.
وأما اعتراض النصراني بتمكين من مكن في بعض البلاد من الوثنيين ونحوهم من ملوك الكفار، فهو اعتراض فاسد، فإن أولئك لا يشبهون
المسلمين فيما ذكرناه من قوة التمكين في مثل هذه المدة اليسيرة، ولم يحصل لهم ما حصل لهم، ولا ما قاربه، ولم يدع أحد منهم أن ذلك عن أمر الله له بذلك، ولم يشرع شريعة يحمل الناس عليها مدعيا أنها من عند الله.
فإن سنة الله في المتنبئين الكذبة على الله أن يهتك أستارهم، ويظهر للخلائق عارهم، ويهزم أنصارهم، ويدمر ديارهم. كما جرى لمسيلمة والأسود وطليحة وأضرابهم من الكذبة. فإن الله أظهر لخلقه من الدلالة على صدق رسله - بما جرى لهم وما عرف من أحوالهم وسيرهم الباطلة، وتدمير الله إياهم - ما هو من الحكم الباهرة والمصالح العظيمة، فإن الضد يظهر حسنه الضد.
وكذلك من سبر أحوال ملوك الكفار رأى العبرة في هذا الباب. فإنهم وإن انتصروا على أتباع الرسل - أحيانا - فإن أولئك لا يقول مطاعهم: إنه نبي. ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطالبون منهم أن يتبعوهم على دينهم، بل يصرحون: إنا نصرنا عليكم بذنوبكم، وإنكم لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم.
وأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم، ثم يهلك الظالمين جميعا.
وليس قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت.
فهذا وأمثاله مما يظهر به الفرق، ويبين أن ظهور محمد صلى الله عليه وسلم وأمته على أهل الكتاب من جنس ظهورهم على عبدة الأوثان، فإن من أهل الكتاب من يقول: سلطتهم علينا بذنوبنا مع صحة ديننا، كبخت نصر.
وهذا قياس فاسد، فإن ذلك من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة. وهذا من جنس خرق العادات التي لم تقترن بدعوى النبوة وما لم يقترن بدعوى النبوة لا يكون دليلا عليها، وقد يغرق في البحر أمم كثيرة فلا يدل على نبوة نبي، بخلاف غرق فرعون وقومه.
وهذا موافق لما أخبر به موسى عليه السلام: " إن الكذاب لا يتم أمره "، وذلك أن الله حكيم لا يليق به تأييد الكاذب على كذبه، من غير أن يبين كذبه.
ولهذا إن أعظم الفتن (الدجال) لما اقترن بدعواه خوارق كان معها ما يدل على كذبه، كدعوى الإلهية، وهو أعور مكتوب بين عينيه " كافر "، يقرؤه كل مؤمن، والله لا يراه أحد حتى يموت.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة.
فأما تأييد الكاذب دائما فهذا لم يقع قط، فمن يستدل على ما يفعله الرب - تعالى - بالعادة والسنة، فهذا هو الواقع، ومن يستدل بالحكمة فحكمته تناقض أن يفعل ذلك.
فصل
قال النصراني:
" ثم إنه لم يكن للمسلمين النصر والغلبة دائما، فإن من المشهور أنهم انهزموا عدة مرات في البر والبحر، وأنهم طردوا عن جميع بلاد الأندلس وغيرها من البلاد، ولا يمكن الأمر الذي هو كثير الانقلاب من حال إلى حال، والذي يشترك فيه أهل الصلاح والطلاح أن يكون دليلا على صحة الدين ".
الجواب - والله الهادي إلى سواء السبيل -:
أن انهزام المسلمين في بعض المواطن غير قادح في صحة الدليل لوجوه:
الأول: أن ذلك لم يمنع حصول الظهور على الأعداء وتمام الوعد الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم بل مع وقوع ذلك في بعض المواطن كان الظهور للمسلمين على جميع أهل الملل، ولما كان الأمر كذلك بطل الاعتراض.
الوجه الثاني: أن سنة الله - تعالى - في رسله وأتباعهم أن يدالوا مرة، ويدال عليهم مرة أخرى، ثم تكون العاقبة لهم.
وبهذا أجاب هرقل أبا سفيان في حديثه الذي قدمناه، حيث قال له هرقل: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجالا، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال هرقل: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة. فصار هذا من أعلام الرسل، فهو دليل لنا لا علينا، ولله الحمد والمنة.
فإن قيل: ففي الأنبياء من قتل، كما أخبر الله أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير حق، وفي أهل الفجور من يؤتي سلطانا، ويسلط على قوم مؤمنين كبخت نصر. أجيب بأن من قتل من الأ نبياء فهو كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد، كما قال -تعالى-:{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
ومعلوم أن حال هؤلاء أكمل من حال من يموت من المؤمنين حتف أنفه. كما قال - تعالى -: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} الآية.
ثم الدين الذي قاتل عليه الشهيد ينتصر ويظهر، فتكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، ومن قتل منهم كان شهيدا.
وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه، بخلاف من يهلك هو وطائفته فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والشهداء قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا، فهم اختاروا الموت، إما أنهم قصدوه، وإما قصدوا ما به يصيرون شهداء، عالمين بأن لهم السعادة في الآخرة وفي الدنيا بالانتصار لطائفتهم، وبقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء.
بخلاف غيرهم، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقد أخبر الله -تعالى- أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أى: ألوف كثيرة - كما هو أحد الأقوال في الآية - وأنهم ما استكانوا لما أصابهم، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو، وأن الله آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
فإذا كان هذا قتل المؤمنين، فما الظن بقتل الأنبياء، ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو أعظم الفلاح.
الوجه الثالث:
أن في وقوع الهزيمة والكسر على المسلمين في بعض المواطن مصالح عظيمة، وحكما باهرة كثيرة، فمع عناية الله بهم وإرادته
ظهورهم وكرامتهم، ابتلاهم بذلك في بعض الأوقات، لتتم المصلحة، وتنفذ الحكمة، فيعود المكروه محبوبا.
وقد أشار - سبحانه - في سورة آل عمران في سياق قصة أحد إلى أصول المصالح، والحكم في ذلك.
منها: تمييز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من الكاذب، فاقتضت حكمة الرب - تعالى - أن يبتليهم بذلك ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق الذي جاءوا به، ممن لا يتبعهم إلا على الظهور والغلبة خاصة، ولم يجعل الغلبة على المؤمنين دائما، لأن ذلك يمنع حصول مقصود البعثة، فاقتضت حكمته - تعالى - أن يجمع لهم بين الأمرين، لتتم المصلحة، ثم يجعل العاقبة لهم.
ومنها: تعريفهم عاقبة المعصية، فإنه - تعالى - أخبر أن ما يصيبهم فهو بسبب ذنوبهم، فيكون ذلك تنبيها على شؤم عاقبة الذنب، ليحتروزا منه.
ومنها: أنه لو نصرهم دائما وأظفرهم بعدوهم في كل موطن،
وجعل لهم التمكن والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم، وشمخت أنوفهم، كما يكونون لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر عباده، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها: أنه - سبحانه - هيأ لعباده منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه.
ومنها: أن الشهادة عند الله من أعلى المراتب، والشهداء هم خواصه المقربون من عباده، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتسلط العدو.
إلى غير ذلك من الحكم، والمصالح التي تفوت الوصف.
فإذا كان في إدالة العدو على المؤمنين في بعض المراتب ما فيه من المصالح والغايات المحمودة، كان إلى الدلالة على صحة الشريعة أقرب منه إلى العكس، ولم يكن ناقضا للاستدلال؛ إذ هذا يكون لأمر عارض، ومقتض طارئ، ثم تكون العاقبة والنصر للمؤمنين.
بل قد قدمنا أن مثل هذه الأدلة من أعلام الرسل.
ومما يزيد ذلك بيانا ما أشرنا إليه من أن ظهور الكفار على المؤمنين - أحيانا - هو سبب ذنوب المسلمين كيوم أحد.
فإذا تابوا انتصروا، كما قد جرى للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار.
فهذا من آيات النبوة؛ فإن النبي إذا قاموا بوصاياه نصروا، وإذا ضيعوها ظهر أولئك عليهم.
فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن المدار عليه.
ومن المعلوم بالاستقراء والتتبع أن نصر الله سببه اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فهو يدل على أن الله - سبحانه - يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه. فهذا يوجب العلم بنبوته.
ومن هذ ظهور بخت نصر، إنما كان لما غيرت بنو إسرائيل عهود موسى عليه السلام فإذا اتبعوها كانوا منصورين، كما كان في زمن داود وسليمان وغيرهما.
فكان ظهور بني إسرائيل تارة وظهور عدوهم تارة من دلائل نبوة موسى صلى الله عليه وسلم.
وقد قال - تعالى -: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} فأخبر - تعالى - أن سنته التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص بالمعاصي كان الأمر بحسبه، كيوم أحد. فهذه عادته المعلومة.
والكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها، ولا بد من بقاء لسان السوء له في العالم، وهو وإن ظهر سريعا فإنه يزول سريعا.
وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا؛ ليمحصوا بالبلاء، فإن الله - تعالى - إنما يمكن العبد إذا ابتلاه، ويظهر أمرهم شيئا فشيئا كالزرع.
قال الله - تعالى -: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ}
…
إلى قوله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}
…
الآية.
ولهذا كان أول من يتبعهم ضعفاء الناس، أشار إليه بعض الأئمة.
فاعتبار هذه الأمور، وسنة الله في أوليائه وأعدائه مما يوجب الفرق بين النوعين وبين دلائل هذا ودلائل هذا.
وأما قول النصراني: " إنهم - يعني المسلمين - طردوا عن بلاد الأندلس وغيرها من البلاد " فهذا من قبيل ما تقدم مما يبتلي الله - تعالى - به عباده، وهو مما جاءت به الأنذار عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أخبر بإدالة العدو على المسلمين، حتى يأخذوا بعض ما في أيديهم إذا أضاعوا أمر الله، وفرطوا فيما أوجبه عليهم من طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم فهو من أدلة الرسالة من وجهين:
من جهة إخباره بذلك، فوقع كما أخبر. ومن جهة الاعتبار في ترتب ذلك على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم إنه وإن أخذت من أيدي المسلمين بعض البلاد التي كانت في أيديهم فقد غلبوا على بلاد كثيرة بعد غلبهم على ما غلبوا عليه، فإنه قد حصل للمسلمين الغلبة في بلاد الروم وما والاها بعد خروج الأندلس عن أيديهم بما أكبر بكثير مما غلبوا عليه.
ولا تزال طائفة من هذه الأمة المحمدية على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة.
فظهر بما قررناه الفرق بين الفتوحات الإسلامية وصحة الاستدلال بها على صحة الشريعة، وبين محاربات الملوك المبطلين.
وتبين أن الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح من بعض الوجوه مع ظهور الفروق الصورية والمعنوية من وجوه أخرى غير قادح في صحة الدليل.
كما أن دخول كثير من الناس في الأديان الباطلة بمجرد الدعوة إليها وإلقاء الشبهات غير مقتض صحة ذلك الباطل، ولا قادح في صحة حجج الأنبياء وأتباعهم، حيث استجاب لهم كثير من الناس بمجرد الدعوة. فهذا اشتراك في صورة الاستجابة بالدعوة.
ولما لم يكن هذا الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح قادحا في صحة دين الحق ولا مضعفا حجة أهله، فكذلك ما نحن فيه.
فصل
قال النصراني:
" لا سيما حيث إن أكثر حروب الملوك بغير عدل، إذ يقاتلون أمما من غير الظالمين لهم، وليس لهم ما يتعللون به على محاربتهم سوى الاختلاف في الدين، وهذا ما هو إلا غاية عدم الدين، إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس.
وأما الإرادة فهي تنقاد بالتعليم والإقناع، لا بالتهديد والقهر.
ومن اضطر لتصديق الدعوى من غير إرادة منه، فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها هربا من الشدائد.
ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب له، فهو بفعله هذا يدل على عدم ما يستدل به على صحة دعواه ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
أما حروب ملوك المسلمين بعضهم لبعض في طلب الملك فليس مما نحن فيه، إذ هو من قتال الفتنة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منه، وهو قتال على الدنيا.
وأما القتال الشرعي فهو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه.
ولا ريب عند الموافق والمخالف، أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بشرع الجهاد، وتضمن الأمر به القرآن الذي أنزل عليه. وإنما شرع في المدينة بعد الهجرة إلى المدينة حين اجتمع بها المهاجرون والأنصار.
وعند ذلك علم أعداؤه من العرب واليهود أنها كانت لهم دار منعة، فخافوا منهم ما كانوا يحذرون، فرموهم عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، وكان الله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح.
ثم إنه - تعالى - بحكمته أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال - تعالى -:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} .... .
ثم فرض عليهم القتال لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال - تعالى -:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}
…
.
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، فقال - تعالى -:
…
فكان محرما، ثم مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين.
وإذ كان القتال عن أمر الله وشرعه، كان القيام به من أكبر
الفضائل، وأعظم الوسائل، لما فيه من بذل النفوس والأموال في مرضاة الله وما كان عن أمر الله فهو على وفق الحكمة والعدل، لأنه صدر عن أمر الحكيم الخبير، وقد قامت البراهين واتضحت الدلائل، وظهرت المعجزات على أن محمدا رسول الله، فبطل أن يكون قتال المسلمين لمن خالف الملة قتالا بغير عدل.
وقد ذكرنا فيما تقدم إشارة إلى بعض ما في شرع الجهاد من الحكم والغايات المحمودة.
وأما قتال المسلمين أمما من غير الظالمين لهم، وأن السبب إنما هو الاختلاف في الدين، فهذا أوضح حجة على أنه على مقتضى العدل، لأنهم إنما يقاتلون المشركين بالله الكافرين به وبرسله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية، قال:.... «اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله»
…
. فأعظم الظلم وأكبر الذنوب الشرك بالله والكفر به.
فشرع الله الجهاد ليكون الدين كله له كما قال تعالى:
وإذا كان قتالك من ظلمك واعتدى عليك، حتى يكف عن ظلمه واعتدائه لا يكون ظلما ولا قبيحا، فكيف يكون قتال الكافر بالله، المكذب لرسوله وكتابه، الآتي بأعظم الظلم وأكبر الذنب، يقال فيه: إنه بغير عدل؟ ! ما هذا إلا جهل عظيم، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون.
وقوله: " إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس " إلى قوله: " فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها، هربا من الشدائد ".
جوابه:
أن هذا وإن وجد في آحاد من الناس فليس على العموم، فلا تنتقض به الحكمة في مشروعية الجهاد، فإنه قد دخل في الإسلام فئام من الناس بالقتال، وافتتحت ديارهم بالسيف، فدخلوا وكثير منهم كارهون، فلما خالطوا المسلمين، وسمعوا القرآن، وبلغتهم معجزات النبوة وآيات الرسالة صلحت عقائدهم، وانفتحت بصائرهم، وعلموا أنه الحق، ودانوا به باطنا وظاهرا، وعلموا أبناءهم ونساءهم، وبذلوا يه نفوسهم وأموالهم.
هذا ما لا يرتاب فيه ذو عقل صحيح.
وهل يستجيز من له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن من دخل في الإسلام بعد قيام الجهاد من العرب وغيرهم من أصناف الأمم أنهم إنما يصدقون بالإسلام ظاهرا فقط؟
هذا مما يعلم فساده ببديهة العقل فإن الله قد خص هذه الأمة بما وهبها من الإيمان بالله ورسوله، وتمام الانقياد لما جاء به الرسول، منشرحة بذلك صدورهم، مصدقة به قلوبهم، ما لم يعط غيرهم من الأمم، وذلك لما أيد به نبيهم صلى الله عليه وسلم من المعجزات، وأنواع الأدلة والآيات، ولهذا كان أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة، وكان أمته خير الأمم، وأكثر أهل الجنة، وأول الناس سبقا إلى الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم:" «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ".
ولا ينتقض ما ذكرناه بالمنافقين والزنادقة، فإنهم مقهورون مغمورون في المؤمنين، بل في وجودهم بين المؤمنين مع كونهم أعداء لهم في صورة أولياء، واجتهادهم في الإضرار بدينهم ودنياهم وسعيهم في ذلك بكل ما أمكنهم، ثم لم يظفروا بمطلوبهم، ولم يحصلوا على مرادهم دليل على صحة الشريعة وأنها من عند الله عز وجل.
والمقصود أن الله نصب الأدلة والبراهين على صدق رسوله وصحة
ما جاء من النبوة والكتاب، وشرع الجهاد وسيلة إلى إبلاغ الحجة وإيصال الدليل إلى المكلفين، فإن من كان على دين وجد عليه آباءه وأسلافه، وأشربه قلبه، وألفته نفسه لا يختار دينا غيره، ولا يلتفت إلى سواه، فلا يصغي إلى حجج الحق وبراهينه.
فكان من رحمة الله بعباده أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، لتبلغ الحجة مبلغها، فينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين.
وأما قول النصراني: " ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب أو التخويف
…
إلى آخره " فهو كلام ساقط، فإن الأنبياء عليهم السلام جاؤوا بالرسالة إلى الأمم مقرونة بالتخويف بالعذاب للمكذبين والإنذار للمخالفين، كما جاءت بالبشارة للمؤمنين والرجاء للمصدقين، ومنهم من جاء بالقتال.
وبنو إسرائيل لما امتنعوا من التزام أحكام التوراة - لثقلها عليهم - رفع الله جبلا فوق رؤوسهم، وقيل لهم: التزموا وإلا وقع عليكم الجبل.
كما قال - تعالى -: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
وقال - تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} .... .
وأيضا فالشرائع جاءت بالحدود وإيقاع العقوبة بالعصاة، ليرتدعوا عن المعاصي والمخالفات، وكل هذا إلزام بالأحكام بوساطة التعذيب أو التخويف، أفكان ذلك دليلا على عدم البرهان فيما دعا إليه الأنبياء عليهم السلام؟ ! وإذا لم يكن كذلك بطل هذا التمويه.
فصل
قال النصراني:
" ثم إن ما يجعلونه علة للقتال من الاختلاف في الدين فينقضه فعلهم، حيث يتركون من ينخضع لهم، ويتدين بأي دين أراد.
وقولهم - أيضا -: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
مراده بتركهم من يخضع لهم إقرار أهل الكتاب ونحوهم بالجزية.
وهذا ليس على العموم في أهل كل دين، فإطلاقه باطل، فإنها لما نزلت آية الجزية، وهي قول الله - تعالى -:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم يأخذها من عباد الأصنام.
فاختلف العلماء ههنا، فقيل: لا يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء ومن دان بدينهم، اقتداء بأخذه وتركه. وقيل: بل تؤخذ - أيضا - من عبدة الأصنام من العجم دون العرب.
والأول قول الشافعي وأحمد في رواية عنه.
والثاني قول أبي حنيفة وأحمد في روايته الأخرى.
وعلى القول الأول فإنما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من المجوس، لأن لهم شبهة كتاب، لما ورد في بعض الأحاديث أنه كان لهم كتاب ثم رفع.
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في المجوس: " «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ".
وليس المراد بسط هذه المسألة، وإنما المقصود أن أخذ الجزية ممن بذلها للمسلمين ليس على العموم في حق كل كافر.
وإذا عرف هذا فليس في إقرار من يقر بالجزية من الكفار ما يكون قدحا في حكمة الشريعة وكمالها، فإن أحكام الشريعة جاءت في كل باب على وفق الحكمة والمصلحة، والذي شرعها هو الرب سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين.
وقد قامت الأدلة القاطعة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن القرآن كلام الله - تعالى - ورسالته إلى خلقه، وشرعه هو ما تضمنه كتابه وحكمة رسوله، والحكم والغايات في أحكامه لا يحيط بها إلا هو، فما علمناه منها قلنا به، وما جهلناه وكلناه إلى عالمه.
وقد ذكر العلماء من الحكمة في إقرارهم بالجزية وجوها:
فمنها: أنهم أقروا بذلك، ولم يعاملوا معاملة غيرهم من الكفار لحرمة الكتاب الذي ينتمون إليه.
ومنها: أن ذلك لحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.
ومنها: أن إقرارهم بذلك لأنهم أهل الكتاب وبأيديهم التوراة والإنجيل، وفيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم فربما يتفكرون ويعلمون صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيتبعون الحق، فأمهلوا لهذا المعنى.
ومنها: أن إبقاءهم كذلك من الشواهد والدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن في الكتب التي بأيديهم ما يدل على أنهم بدلوا، وفيها ما يدل على أن شريعتهم ستنسخ بغيرها، كما قدمنا الإشاره إلى بعض ذلك.
وفيها من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأدلة نبوته ما قدمنا بعضه. وفيها من التناقض والاختلاف ما يبين - أيضا - وقوع التبديل.
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
" وعند أهل الكتاب ما يدل على هذه المطالب، وقد ناظرنا غير واحد منهم، وبينا لهم ذلك، وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم، ويتبينون ما عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، إذ عندهم من الشواهد والدلائل على نبوته، وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يبين أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بالدين الذي بعث الله به الرسل قبله، وأخبر من توحيد الله ومن صفاته بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله.
وقال: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} . انتهى.
وأما قول النصراني: " وقولهم - يعني المسلمين -: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا " فهو كلام باطل، وكذب صريح، فإن المسلمين متفقون على مقالة واحدة لا اختلاف بينهم، أن من بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلا خلاص له ولا نجاة إلا باتباعه والإيمان به، سواء في ذلك اليهود والنصارى وعباد الأصنام وغيرهم من طوائف بني آدم.
وقد علم من دينه بالضرورة أنه دعا الناس كافة إلى اتباعه، وأنه جاهد أهل الكتاب، كما جاهد المشركين، فجرى له مع يهود المدينة وغيرهم ما هو معلوم.
وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وسراياه، وضرب الجزية على نصارى نجران.
وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده جاهدوا أهل الكتاب يهودهم ونصاراهم، وقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون.
وهذا الكتاب الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى اتباعه، ويكفر من لم يتبعه منهم، ويذمه، ويلعنه.
قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} .
وقال - تعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ}
…
.
وقال - تعالى -:
…
وقال - تعالى -: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " «بعثت إلى الأحمر والأسود» ".
وقال: " «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ".
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل الذي لا يرتاب فيه مسلم.
المقام الخامس
قال النصراني:
" فصل: في الترجيح بين الشريعتين من جهة الوصايا ".
ونقول قبل إيراد كلامه في هذا الفصل:
إنا قد بينا - فيما تقدم - أن النظر في الترجيح بين الشريعتين ساقط بعد ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته، وأنه لا يبقى لطالب النجاة والسعادة إلا الإيمان به واتباعه مع الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله، وألا يفرق بين أحد منهم.
ثم إذا نظرنا إلى كمال الشرائع وحكمتها وعظمة وصاياها، وجدنا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم خير الشرائع وأفضلها من كل طريق من طرق التفضيل.
كما أن الذي جاء بها أفضل المرسلين وسيدهم في الدنيا والآخرة.
وكما أن ما جاء به من المعجزات أعظم مما جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام فالذي جاء به من الدين والشريعة كذلك، فما جاء به من النوعين أعظم مما جاء به موسى وعيسى، وقد جمع الله له محاسن ما في التوراه والإنجيل.
ولهذا يقال: " إن موسى عليه السلام بعث بشريعة الجلال، والمسيح عليه السلام بعث بشريعة الجمال، ومحمد - صلى الله
وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فكان في مظهر الكمال الجامع بين القوة والعدل والشدة في الله وبين اللين والرأفة والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا، وبالفضل ندبا إليه واستحبابا، وبالشدة في موضع الشدة وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه.
فيذكر الظلم فيحرمه، والعدل فيأمر به، والفضل فيندب إليه في بعض آيه. كقوله - تعالى -:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} .... فهذا عدل،
…
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} .... فهذا فضل،
…
{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} فهذا تحريم الظلم.
وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} فهذا إيجاب للعدل، وتحريم للظلم،.... {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} فهذا ندب إلى الفضل.
وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة كان صيانة وحماية لهم، حرم عليهم كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى غيرهم لم يخل من عقوبة.
وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، ووهب لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.
وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وكمل في كتابه من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله.
وكذلك في شريعته، فهذه الأمة هم المجتبون، كما قال إلههم:
…
{هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
…
.
وجعلهم شهداء على الناس وقال - تعالى -:
…
{لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}
…
فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم " انتهى.
ولا ريب أن حنس أهل الكتاب أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن لا كتاب لهم. وأن هذه الأمة أكمل من أهل الكتابين وأعدل، فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل منهم فيها.
كما قال شيخ الإسلام أبو العباس:
من نظر بعقله حتى في هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم
النافع والعمل الصالح، وما عند اليهود والنصارى، علم أن بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق.
فإن الذي عند المسلمين من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه ورسله، ومعرفة اليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، أعظم وأجل مما عند اليهود والنصارى.
وما عند المسلمين من العبادات الظاهرة والباطنة مثل الصلوات الخمس وغيرها من الصلاة والأذكار والدعوات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
وما عندهم من الشريعة في المعاملات والمناكحات والأحكام والحدود والعقوبات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
فالمسلمون فوقهم في كل علم نافع وعمل صالح. وهذا يظهر لكل أحد بأدنى نظر، لا يحتاج إلى كثير سعي.
والمسلمون متفقون على أن كل هدى وخير حصل لهم فإنما حصل بنبيهم صلى الله عليه وسلم " انتهى.
فأما العلوم فالمسلمون أحذق من جميع الأمم، حتى العلوم التي ليست بدينية كعلم الحساب والطب ونحو ذلك هم فيها أحذق، ومصنفاتهم فيها أكمل، وهم أحسن علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم.
وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين مرمي بنفاق، ولا قدر له عندهم، لكن حصل له بما تعلمه من المسلمين من العقل والبيان ما أعانه على الحذق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبيانا لها.
وأما العلوم الإلهية فكل من نظر في كلام المسلمين وأهل الكتاب وجد كلام المسلمين فيها أكمل وأتم، ومعلوم أن أهل الكتاب فيها أتم من غيرهم.
وأما العبادات فالناس مختلفون في صفاتها:
فمنهم من يظن أن الأشق هو الأفضل. وهذا مذهب كثير من مشركي الهند وغيرهم وكثير من مبتدعة المسلمين.
ومنهم من يقول: الأفضل ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية.
ومنهم من يقول: الأفضل لا علة له، بل يرجع إلى محض المشيئة.
والرابع - وهو الصواب -: أن أفضلها ما كان لله أطوع، وللعبد أنفع.
وعلى كل قول فعبادات المسلمين أكمل.
أما الأولون فيقال لهم: الجهاد أعظم مشقة من الجوع والسهر وغير ذلك.
وأما على القول الثاني فلا ريب أن عبادات المسلمين أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غيرهم، فإنها متضمنة للظلم المنافي للعدل.
وأما على قول النفاة فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله - تعالى - خير ممن عباداته قد ابتدعها أكابرهم.
وأما على القول الرابع فما علم أن الله أمر به يتضمن طاعته دون ما ابتدع، وأما انتفاع العباد بها فهذا يعرف بثمراتها، ومن ذلك آثارها في صلاح القلوب، فليتدبر العاقل عقول المسلمين وأخلاقهم وعدلهم، يظهر له الفرق.
فالصلاة فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة والاصطفاف، والركوع والسجود، واستقبال بيت إبراهيم والإمساك عن الكلام، وما فيها من الخشوع وتلاوة القرآن واستماعه الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره لكل متدبر منصف.
إلى أمثال ذلك مما يظهر به فضل عبادات المسلمين.
وأما حكمهم في الحدود والحقوق فلا تخفى على عاقل، حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون من يقضي بينهم بشرع المسلمين، وهذه جمل يطول تفصيلها.
وبما ذكرناه يعلم الجواب عن كلام النصراني في هذا الفصل على وجه الإجمال، ويتبين به أفضلية شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من شرائع الأنبياء عليهم السلام، كما أنه خيرهم وسيدهم في الدنيا والآخرة.
فصل
وأما شريعة الضلال التي بدل بها النصارى دين المسيح عليه السلام فتلك ضلالة استخفهم بها الشيطان فأطاعوه، ودعاهم إليها فأجابوه، وتلاعب بهم فيها كل التلاعب حتى خرجوا عن مقتضى العقول والشرائع في أصول دينهم وفروعه.
كما أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق، فتلاعب بهم الشيطان في شأن الملك المعبود سبحانه وتعالى وتلاعب بهم في أمر المسيح، وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته، وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس.
فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو من صورة مريم والمسيح وجرجيس وبطرس وغيرهم من القديسين والشهداء، وأكثرهم يسجد للصور، ويدعونها من دون الله.
حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه بالسجود للصور، وأن الله أمر موسى أن يصور صورة الساروس،
وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل.
قال في كتابه: " وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا، فيأخذه العامل ويقبله، ويضعه بين عينيه، ويقوم لا تعظيما للقرطاس والمداد، بل تعظيما للملك. كذلك السجود للصور تعظيما لاسم هذا المصور لا للأصباغ والألوان ".
قال ابن القيم: " وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام. وما ذكر هذا المشرك عن موسى وسليمان لو صح لم يكن فيه دليل على السجود للصور، وغايته أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود: أنه نقش خطيئته في كفه، لئلا ينساها.
فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين تلك الصور؟ !.
وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدام الملك دخل على رجل، فوثب من مجلسه، وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك.
فكل عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله، إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي أن يختص به الملك دون عبيده من الإكرام والخضوع والتذلل. ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرامه له، ورفع منزلته.
كذلك حال من سجد لمخلوق ولصورة مخلوق، لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ما يتوسل به العبد إلى رضا ربه، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من عبيده، وسوى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء، ولهذا قال تعالى:
…
{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .
وقد فطر الله -سبحانه- عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم والإجلال والخضوع والذل الذي يعامل به الملك، فكيف بحال من فعل ذلك بأعداء الملك؟ فإن الشيطان عدو الله، والمشرك إنما يشرك به لا يوالي الله ورسوله، بل الله ورسوله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم، معادون لهم، وهم أشد الناس مقتا لهم في نفس الأمر، إنما أشركوا بأعداء الله، وسووا بينهم وبين الله في العبادة والتعظيم والسجود والذل.
ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما في الفطرة السليمة والعقل الصحيح، والعلم بقبحه أظهر من العلم بسائر القبائح ".
والمقصود ذكر تلاعب الشيطان بالأمة الضالة في أصول دينهم وفروعه، وأنهم ليسوا على شيء من دين المسيح ألبتة.
فمن ذلك تلاعبه بهم في صلاتهم، وذلك من وجوه:
أحدها: أن طوائف منهم كثيرين يصلون بالنجاسة والجنابة، ويقوم أحدهم فيتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة، ويحدث من يليه بأنواع الحديث، كذبا كان أو فجورا، أو غيبة، أو سبا أو شتما، ويخبره بسعر الخمر ولحم الخنزير وما شاكل ذلك، ولا يضر ذلك الصلاة، ولا يبطلها، وإن دعته الحاجة إلى البول في الصلاة بال وهو يصلي، ولا يضر ذلك صلاته.
والمسيح عليه السلام بريء من هذه الصلاة، وسبحان الله، أن يتقرب إليه بمثل هذه الصلاة! فقدره أعلى وشأنه أجل من ذلك.
ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس، وهم يعلمون أن المسيح لم يصل إلى المشرق أصلا، بل قد نقل مؤرخوهم أن ذلك حدث بعد المسيح بثلاثمائة سنة.
وإلا فالمسيح إنما كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس، وهي قبلة الأنبياء قبله، وإليها كان يصلي نبينا صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بمكة، وبعد هجرته ثمانية عشر شهرا، ثم نقله الله إلى قبلة أبيه إبراهيم.
ومنها تصليبهم على وجوههم عند الدخول في الصلاة، والمسيح بريء من ذلك.
فصلاة مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها الشرق، وشعارها الشرك، كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع ألبتة؟.
ولما علمت الرهبان والمطارنة والأساققة أن مثل هذا الدين تنفر عنه العقول أعظم نفرة، زينوه بالحيل والصور في الحيطان بالذهب واللازورد، والزنجفر، وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر.
ومن ذلك: تلاعبه بهم في صيامهم، فإن أكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، بل هو مختلق مبتدع، فمن ذلك أنهم زادوا جمعة في بدء صومهم يصومونها لهرقل ملك بيت المقدس.
وذلك أن الفرس لما ملكوا بيت المقدس، وقتلوا النصارى، وهدموا الكنائس أعانهم اليهود على ذلك، وكانوا أكثر قتلا وفتكا في النصارى من الفرس.
فلما سار هرقل إليها استقبله اليهود بالهدايا، وسألوه أن يكتب لهم عهدا. ففعل، فلما دخل بيت المقدس شكا إليه من فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه بهم. فقال لهم هرقل: وما تريدون مني؟ قالوا: تقتلهم.
قال: كيف أقتلهم وقد كتبت لهم عهدا بالأمان، وأنتم تعلمون ما يجب على ناقض العهد؟
قال: إنك حين أعطيتهم الأمان لم تدر ما فعلوا من قتل النصارى
وهدم الكنائس، ونحن نحتمل عنك هذا الذنب، ونكفره، ونسأل المسيح ألا يؤاخذك به، ونجعل لك جمعة كاملة في بدء الصوم نصومها لك، ونترك فيها أكل اللحم ما دامت النصرانية، ونكتب به إلى جميع الآفاق غفرانا لما سألناك.
فأجابهم، وقتل اليهود لما لا يحصى كثرة، فصيروا أول جمعة من الصوم الذي تترك فيه الملكية أكل اللحم يصومونها لهرقل الملك غفرانا لنقضه العهد، وقتل اليهود، وكتبوا بذلك إلى الآفاق.
وكذلك لما أرادوا نقل ذلك الصوم إلى فصل الربيع المعتدل، وتغيير شريعة المسيح، زادوا فيه عشرة أيام عوضا وكفارة لنقلهم له.
ومن ذلك ما أحدثوه من الأعياد الباطلة المخترعة، فإن أعيادهم كلها مختلقة محدثة بآرائهم واستحسانهم، فمن ذلك عيد ميكائيل، وسببه أنه كان بالإسكندرية صنم، وكان جميع من بمصر والإسكندرية يعيدون له عيدا عظيما، ويذبحون له الذبائح، فولي بتركة الإسكندرية واحد منهم، فأراد أن يكسره، ويبطل الذبائح، فامتنعوا عليه، فاحتال عليهم، فقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا يضر، فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله، وجعلتم هذه الذبائح له كان يشفع لكم عند الله، وكان خيرا لكم من هذا الصنم، فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم وصيره صلبانا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل.
ثم احترقت الكنيسة وخربت، وصيروا العيد والذبائح لميكائيل، فنقلهم من كفر إلى كفر، ومن شرك إلى شرك، فكانوا في ذلك كمجوسي أسلم فصار رافضيا، فدخل عليه الناس يهنئونه، ودخل عليه رجل، وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى.
ومن ذلك عيد الصليب. وهو مما اختلقوه وابتدعوه، فإن ظهور الصليب إنما كان بعد المسيح بزمن كثير، وكان الذين أظهروه زورا وكذبا أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب الذي صلب عليه إلههم وربهم.
فنظروا إلى هذا السند، وهذا الخبر.
فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدا، وسموه عيد الصليب.
ولو أنهم فعلوا ما فعل أشباههم من الرافضة، حيث اتخذوا وقت مقتل الحسين مأتما وحزنا لكان أقرب إلى العقول. قال ابن القيم:
" وكان من حديث الصليب أنه لما صلب المسيح - على زعمهم الكاذب - وقتل ودفن، ورفع من القبر إلى السماء، كان التلاميذ كل يوم يصيرون إلى القبر وإلى موضع الصليب، ويصلون.
فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ، وإذا رأى الناس القبر خاليا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مزبلة عظيمة.
فلما كان في أيام قسطنطين الملك جاءت زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب، فجمعت من اليهود الساكنين ببيت المقدس والخليل مائة رجل، واختارت منهم عشرة، واختارت من العشرة ثلاثة: اسم أحدهم يهودا، فسألتهم أن يدلوها على الموضع، فامتنعوا، وقالوا: لا علم لنا بالموضع، فطرحتهم في الحبس في جب لا ماء فيه، فأقاموا سبعة أيام لا يطعمون ولا يسقون.
فقال يهودا لصاحبيه: إن أباه عرفه بالموضع الذي تطلب. فصاح الاثنان، فأخرجوهما، فأخبراها بما قال يهودا، فأمرت بضربه بالسياط، فأقر، وخرج إلى الموضع الذي فيه المقبرة، وكان مزبلة عظيمة، فصلى، وقال: اللهم، أسألك إن كان في هذا الموضع أن يتزلزل، ويخرج منه دخان، فتزلزل الموضع، وخرج منه دخان.
فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب، فخرجت المقبرة وأصابوا ثلاثة صلبان، فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح؟
وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة قد أيس منه، فوضع الصليب الأول عليه، ثم الثاني، ثم الثالث، فأفاق عند الثالث واستراح من علته، فعلمت أنه صليب المسيح، فجعلته في غلاف من ذهب، وحملته إلى قسطنطين. وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب ثلاثمائة وثلاثا وعشرين سنة.
هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصراني في تاريخه.
والمقصود أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة.
وبعد، فسند هذه الحكاية من بين يهودي ونصراني مع انقطاعها وظهور الكذب فيها لمن له عقل من وجوه كثيرة.
ويكفي في كذبها وبيان اختلاقها أن ذلك الصليب الذي شفى العليل كان أولى ألا يميت الإله الرب المحيي المميت.
ومنها: أنه إذا بقي تحت التراب خشب ثلاثمائة وثمان وعشرين سنة فإنه ينخر ويبلى لدون هذه المدة.
فإن قال عباد الصليب: إنه لما مس جسم المسيح حصل له الثبات والقوة والبقاء، قيل لهم: فما بال الصليبين الباقيين لم يتفتتا واشتبها به؟ فلعلهم يقولون: لما مست صليبه مسهما البقاء والثبات.
وجهل القوم وحمقهم أعظم من ذلك.
والرب - سبحانه - لما تجلى للجبل تدكدك الجبل وساخ في الأرض، ولم يثبت لتجليه، فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها في تلك الحال؟ !
ولقد صدق القائل: إن هذه الأمة عار على بني آدم أن يكونوا منهم.
فإن كانت هذه الحكاية صحيحة فما أقربها من حيل اليهود التي تخلصوا بها من الحبس والهلاك.
وحيل بني آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير، ولا سيما لما علم اليهود أن ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس، وأنها تعاقبهم حتى يدلوها على موضع القتل والصلب، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلصوا من عقوبتها.
ومنها: أن عباد الصليب يقولون: إن المسيح لما قتل غار دمه، ولو وقع قطرة على الأرض ليبست ولم تنبت.
فيا عجبا، كيف يحيي الميت، ويبرئ العليل بالخشبة التي
صلب عليها، وسمر. هذا كله من بركتها وفرحها به، وهو مشدود عليها يبكي ويستغيث؟ !
ولقد كان الأليق أن يتفتت الصليب ويضمحل لهيبة من صلب عليه، وتخسف الأرض بالحاضرين عند صلبه والمتمالئين عليه، بل تفطر السموات والأرض، وتخر الجبال هدا.
ثم يقال لعباد الصليب: لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده أو مع اللاهوت. فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده فقد فارقته الكلمة، وبطل اتحادها به، وكان المصلوب جسدا من الأجساد ليس بإله ولا فيه شيء من الإلهية والربوبية ألبتة.
وإن قلتم: إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت معا، فقد أقررتم بصلب إلإله وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه. وهذا أبطل الباطل، وأمحل المحال، فبطل تعلقكم بالصليب من كل وجه عقلا وشرعا ".
ومن العجب أنهم يقرؤون في التوراة: " ملعون من تعلق بالصليب ". وهم قد جعلوا شعار دينهم ما يلعنون عليه.
ولو كان لهم أدنى مسكة من عقل لكان الأولى أن يحرقوا الصليب
حيث وجدوه، ويكسروه، ويلطخوه بالنجاسة، فإنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأهين عليه وفضح.
فيا للعجب! بأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم لولا أن القوم أضل من الأنعام، فلو عقلوا لكان ينبغي ألا يحملوا صليبا، ولا يمسوه بأيديهم، ولا يذكروه بألسنتهم، وإذا ذكر لهم سدوا مسامعهم من ذكره.
ولقد صدق القائل: " عدو عاقل خير من صديق أحمق "، لأنهم بحمقهم قصدوا تعظيم المسيح، فاجتهدوا في ذمه، وتنقصه، والازدراء به والطعن عليه.
وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم وإغراقهم بهم، فنفروا الأمم عن النصرانية وعن المسيح ودينه أعظم تنفير.
وقد قال بعض عقلائهم: " إن تعظمينا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء، فإنه كان قبر المسيح إذ هو عليه، ثم لما دفن صار قبره في الأرض ".
وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق، فإن السجود إلى قبور الأنبياء وعبادتها شرك، بل من أعظم الشرك. وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء اليهود والنصارى، حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وأصل الشرك وعبادة الأصنام من العكوف على القبور واتخاذها، ثم يقال: فأنتم تعظمون كل صليب لا تخصون التعظيم بذلك الصليب بعينه.
فإن قلت الصليب من حيث هو يذكر بالصليب الذي صلب عليه إلهنا.
قيل: وكذلك الحفر تذكر بحفرته، فعظموا كل حفرة، واسجدوا لها، لأنها كحفرته - أيضا - بل أولى، لأن خشبة الصليب لم يستقر عليها استقراره في الحفرة.
ثم يقال: اليد التي مسته أولى أن تعظم من الصليب، فعظموا أيدي اليهود لمسهم إياه، وإمساكهم له، ثم انقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدي.
فإن قلتم: منع من ذلك مانع العداوة. قلنا: فعندكم أنه هو الذي رضي بذلك واختاره، ولو لم يرض به لم يصلوا إليه.
فعلى هذا فينبغي لكم أن تشكروهم وتحمدوهم، إذ فعلوا موجب رضاه واختياره الذي كان سبب خلاص جميع الأنبياء والمؤمنين والقديسين من الجحيم ومن سجن إبليس.
فما أعظم منة اليهود عليكم وعلى آبائكم وعلى سائر النبيين من لدن آدم إلى زمن المسيح! !.
والمقصود أن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه، وتنقص نبيهم وعيبه، ومفارقة دينه بالكلية، فلم يتمسكوا بشيء كان عليه المسيح، لا في صلاتهم، ولا صيامهم، ولا أعيادهم. بل هم في
ذلك أتباع كل ناعق، مستجيبون لكل ممخرق ومبطل، إذ أدخلوا في الشريعة ما ليس فيها، وتركوا ما أتت به.
وإذ شئت أن ترى العبر في دينهم فانظر ما أشرنا إليه من صيامهم الذي وضعوه لملوكهم وعظمائهم، فلهم صيام للحواريين، وصيام لمارمريم، وصيام لمارجرجس، وصيام الميلاد.
وتركهم أكل اللحم في صيامهم مما أدخلوه في دين المسيح، وإلا فهم يعلمون أن المسيح كان يأكل اللحم، ولم يمنعهم منه في صوم ولا فطر.
واصل ذلك أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا روح، فلما دخلوا في النصرانية خافوا أن يتركوا أكل اللحم، فيقتلوا، فشرعوا لأنفسهم صياما للميلاد والحواريين ومارمريم، وتركوا في هذا الصوم أكل
اللحم محافظة على ما اعتادوه من مذهب ماني، فلما طال الزمان تبعهم على ذلك النسطورية واليعقوبية، فصارت سنة متعارفة بينهم، ثم تبعهم على ذلك الملكانية.
قال ابن القيم:
ثم إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم قد نصبوا حبائل الحيل، ليقتنصوا بها عقول العوالم، ويتوصلوا بالتمويه والتلبيس إلى استمالتهم وانقيادهم لهم واستدرار أموالهم، وذلك أشهر وأكثر من أن يذكر.
فمن ذلك ما يعتمدونه في العيد الذي يسمونه عيد النور - ومحله ببيت المقدس - فيجتمعون من سائر النواحي في ذلك اليوم، ويأتون إلى بيت فيه قنديل معلق، لا نار فيه، فيتلو أحبارهم الإنجيل، ويرفعون أصواتهم، ويبتهلون في الدعاء. فبينما هم كذلك، وإذا نار قد نزلت من سقف البيت، فتقع على ذبالة القنديل، فيشرق، ويضيء ويشعل، فيصيحون صيحة واحدة، ويصلبون على وجوههم، ويأخذون في البكاء والشهيق.
قال أبو بكر الطرطوشي:
" كنت ببيت المقدس، وكان واليها إذ ذاك رجلا يقال له: سقمان، فلما انتهى إليه خبر هذا العيد أنفذ إلى بتاركهم، وقال: أنا نازل إليكم في هذا اليوم، لأكشف عن حقيقة ما تقولون فإن كان حقا ولم يتضح لي وجه الحيلة أقررتكم عليه، وعظمته معكم، وإن كان مخرفة على عوامكم أوقعت بكم ما تكرهون.
فصعب ذلك عليهم جدا وسألوه ألا يفعل، فأبى وألح في ذلك، فحملوا له مالا عظيما فأعرض عنهم ".
قال الطرطوشي: ثم اجتمعت بأبي محمد بن الأقدم بالإسكندرية، فحدثني أنهم يأخذون خيطا دقيقا من نحاس - وهو الشريط - ويجعلونه في وسط قبة البيت إلى رأس الفتيلة التي في القنديل، ويدهنونه بدهن البلسان، والبيت مظلم، بحيث لا يدرك الناظرون الخيط النحاس.
وقد عظموا ذلك البيت، فلا يمكنون أحدا من دخوله. وفي رأس القبة رجل، فإذا قسسوا ودعوا ألقى على ذلك الخيط النحاس شيئا من نار النفط، فتجري النار مع دهن البلسان إلى آخر الخيط النحاس، فيلقى الفتيلة فيتعلق بها.
فلو نصح أحد منهم نفسه، وفتش على نجاته لتتبع ذلك، وطلب الخيط النحاس، وفتش رأس القبة، ليرى الرجل والنفط، ويرى أن منبع ذلك النور من ذلك الممخرق الملبس.
وأنه لو نزل من السماء لظهر من فوق، ولم يكن ظهوره من الفتيلة!.
ومن حيلهم - أيضا - أنه كان بأرض الروم في زمن المتوكل كنيسة، إذا كان يوم عيدها يحج الناس إليها، ويجتمعون عند صنم فيها، فيشاهدون ثدي ذلك الصنم في ذلك اليوم يخرج منه اللبن، فكان يجتمع للسادن في ذلك اليوم مال عظيم.
فبحث الملك عنها، فانكشف له أمرها، فوجد القيم قد ثقب من وراء الحائط ثقبا إلى ثدي الصنم، وجعل فيه أنبوبة من نحاس، وأصلحها باللجين، ليخفى أمرها.
فإذا كان يوم العيد فتحها، وصب فيها اللبن، فيجري إلى الثدي، فيقطر منه، فيعتقد الجهال أن هذا سر في الصنم، وأنه علامة من الله لقبول قربانهم وتعظيمهم له.
فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادن ومحو الصور من الكنائس، وقال: إن هذه الصور مقام الأصنام، فمن سجد للصور فهو كمن سجد للأصنام.
ولقد كان من الواجب على ملوك الإسلام أن يمنعوا هؤلاء من هذا وأمثاله، لما فيه الإعانة على الكفر وتعظيم شعائره، فالمساعد على ذلك والمعين عليه شريك للفاعل، ولكن لما هان دين الإسلام، وكان السحت الذي يأخذونه أحب إليهم من الله ورسوله أقروهم على ذلك، ومكنوهم منه.
والمقصود أن رهبان النصارى وأساقفتهم لما علموا أن دينهم مما تنفر منه العقول أعظم نفرة، وضعوا لهم من الحيل والمخارق ما روجوا به على السفهاء وضعفاء البصائر، واستمالوا به الجهلة إلى التمسك بالنصرانية.
وساعدهم ما عليه اليهود من القسوة والغلظة والمكر والكذب والبهت، وما عليه كثير من المسلمين من الظلم والفواحش والفجور والبدع
والغلو في المخلوق، حتى يتخذ إلها من دون الله. واعتقاد كثير من الجهال أن هؤلاء من خواص المسلمين وصالحيهم.
فتركب من هذا وأمثاله تمسك القوم بما هم عليه من رؤيتهم أنه خير من كثير مما عليه المنتسبون إلى الإسلام من البدع والفجور والشرك والفواحش.
ولو أنهم تمسكوا بسنة محمد صلى الله عليه وسلم واقتفوا آثاره، وتركوا البدع والمحدثات، واقتدوا بالسلف الصالح من هذه الأمة، لكان ذلك من أعظم الدواعي إلى الدخول في الإسلام.
ولهذا لما رأى النصارى الصحابة وما هم عليه آمن أكثرهم اختيارا وطوعا، وقالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء.
قال ابن القيم:
" ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، فساء ظنهم بالشرع وبما جاء به، فالله طليب قطاع الطريق وحسيبهم ".
فهذه إشارة يسيرة جدا إلى تلاعب الشيطان بالأمة الصليبية تدل على ما بعدها، ويعتبر بها العاقل من وجوه:
منها: ظهور شرف دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فيعلم ذو العقل السليم أنه الحق من ربنا، لا ما ابتدعه الضلال، واخترعوه من الباطل والمحال إذ من عرف الباطل وما اشتمل عليه من القبائح ظهرت له فضيلة الحق، وما فيه من المحاسن (فبضدها تتبين الأشياء) .
ومنها: أن يعلم الموقن بالله وربوبيته لهذا العالم أنه لا يدع الخلق في هذه الضلالات، وارتكابهم لأقبح الجهالات من غير إقامة الحجة ببعثة الرسول، وبلوغ الإنذار.
فكان هذا من أعظم الأدلة على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حيث جاء بالدين القويم والصراط المستقيم. كما قال الله - تعالى -:.... {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} .... .
وإذا عرف ما قدمناه فنذكر الجواب على أفراد المسائل التي ذكرها النصراني.
فصل
قال النصراني:
" إنما المسيحيون قد أمروا بالصبر والإحسان حتى للمبغضين لهم. أما المسلمون أمروا بالقصاص وأخذ الثأر ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
إن الذي شرعه الله للمسلمين في هذا الباب أكمل وأجل مما عند غيرهم، فإنه - تعالى - أذن لهم في القصاص من المعتدي، وجعله حقا واجبا للمظلوم، وشرع التمكين له من أخذ حقه. ولم يوجب ذلك عليه، بل ندبه إلى الفضل والصبر.
…
.
فشرع - تعالى - العدل، وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، ووعد عليه الأجر.
ولهذا قال:
…
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}
…
، أي: لا يضيع ذلك عنده.
وقال تعالى:
…
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «ما زاد الله عبدا بعفوا إلا عزا» " في أحاديث كثيرة في الترغيب في العفو والحث عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم أول متصف بهذا الوصف الجميل.
ولا خفاء عند نقلة أخباره بما يؤثر من حلمه واحتماله وعفوه.
كما عفا صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل ليقتلوه، فلما قدر عليهم عفا عنهم مع قدرته على الانتقام.
وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ صلى الله عليه وسلم وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله. فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ومن يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ. فتركه، وعفا عنه، فأتى قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس.
وعفا - أيضا - عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، ولم يعرض له، ولا عاتبه مع قدرته عليه.
وكذلك عفوه عن المرأة اليهودية، وهي زينب أخت مرحب اليهودي -
التي سمت الذراع يوم خبير، فأخبره الذراع بذلك، فدعاها، فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك.
ولكن لما مات بشر بن البراء من أكله تلك الشاة المسمومة قتلها به.
والأخبار بحلمه واحتماله وعفوه كثيرة جدا.
فصل
قال النصراني:
" وأمر المسيحيون بإثبات عقدة التزويج واحتمال الزوجين أخلاق بعضهما بعضا. أما المسلمون أجيز لهم نقضها بالطلاق ".
ونقول:
لا ريب أن الذي شرع الله للمسلمين من ذلك أكمل وأليق بالحكمة، فإن تحريم الطلاق يفضي كثيرا إلى ضرر الزوجين، فإنه قد لا يلائم خلقها خلقه، فتقع النفرة بينهما، والبغض من كل منهما للآخر، ويحصل الشقاق، فيبقيان عمرهما في نكد العيش.
ففي إباحة الطلاق الخلاص من هذا الضرر، وأيضا فإنه وإن لم يحصل شقاق فقد يحتاج إلى فراقها لمصلحة الاستبدال بأوفق منها، أو لكونها عاقرا لا تلد، فيستبدل بها ولودا، ويعرض لها ما يمنع مقصود الاستمتاع، بحيث لو منع الاستبدال بغيرها فات مقصود النكاح ومصالحه، إلى غير ذلك من الأسباب المقتضية لفراق الزوجة.
فأباح الله - تعالى - للزوج طلاقها تحصيلا للمصلحة الراجحة له، وتبقى هي مباحة للأزواج، فتتم المصلحة لكل منهما.
وهذا هو اللائق برحمة الله بخلقه، وحكمته في شرعه وأمره، وقد قال - تعالى -:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} .
فإن لم يكن حاجة إلى الطلاق فهو مكروه، لما فيه من تفويت المصالح المترتبة على النكاح من غير سبب يدعو إليه.
وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» ". رواه الدارقطني.
فصل
قال النصراني:
" والمسيحيون، فعندهم يجب على الرجل أن يفعل لامرأته ما يريد أن تفعل له، ويصير لها أسوة في الاقتصار على حبه وحده.
وأما المسلمون أحل لهم تكثير النساء الذي يزداد فيه الشره في النكاح ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
أن نقول: ما شرعه الله - تعالى - للمسلمين في عدد الزوجات مطابق للحكمة، فإنه جاء وسطا بين الإكثار منهن المفضي إلى تفويت الحقوق الواجبة لهن، وتحمل الرجل ما لا طاقة له به من أعباء حقوق الزوجية، وبين الإقلال الذي قد تفوت معه مصلحة كمال الاستمتاع، وكثرة الأولاد، والتمتع بنعمة الله التي امتن بها على عباده.
فأباح - تعالى - للرجل أن ينكح أربعا إن قدر على القيام بحقوقهن والعدل فيهن، وأمره بالاقتصار على واحدة إن خاف ألا يعدل، فقال - تعالى -:.... {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} .
والمقصود أن في إباحة العدد من الزوجات حكما عظيمة ومصالح جمة.
فمنها: أن الرجل قد لا تكفيه الواحدة، لفضل ما أعطي من القوة على النكاح، أو لما يترتب له على التعدد من المصالح المطلوبة، فأبيح له العدد المذكور من الزوجات، وما شاء من السراري، إتماما لنعمة الله عليه، وتحصينا لفرجه.
ومنها: أنه قد يعرض للمرأة ما يمنع استمتاعه بها من حيض أونفاس أو مرض أو غيبتها عنه لعذر أو سفره عنها، فأبيح له التعدد، لتحصيل المصلحة، وإتمام الإحصان.
ومنها: أن المرأة قد تكون عاقرا لا تحبل، أو يعرض لها ما يقطع الحبل من كبر أو مرض، وهو يؤثر إمساكها، وألا يفارقها، فلو اقتصر عليها فاته الولد، وهم من النعم العظيمة، وفيه تكثير الأمة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم» ".
ومنها: أن في إباحة العدد مصلحة تعود على جنس النساء، فإنهن غالبا أكثر من الرجال، ففي إباحة التعدد من مصلحة إحصانهن والقيام عليهن ما يفوت كثير منه لو منع التعدد.
وأما ما يحصل للمرأة من مشقة الغيرة بتزويج غيرها فذلك لا يوازي تلك المصالح ولا يقارب.
وأيضا فإن للرجال مزيد فضل على النساء بتفضيل الله لهم، وبما أوجب عليهم في أموالهم من الإنفاق على النساء، والقيام بهن، فناسب ذلك، وإن قصرت عليه أن يوسع له في قضاء وطره بغيرها إذا أحب ذلك، ولم يقصر عليها.
وأما كون كثرة النساء يزداد فيه الشره في النكاح فقد قدمنا الكلام على فضيلة النكاح بما أغنى عن إعادته. وما ترتب عليه الزيادة في الفضيلة فهو فضيلة، ولهذا استكثر النبي صلى الله عليه وسلم منهن، وأبيح له من العدد ما لم يبح للأمة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: " خير هذه الأمة أكثرها نساء ".
وبالجملة، إذا اعتبرت ما شرعه الله - تعالى - لهذه الأمة في هذا الباب وجدته على أحسن وجوه الحكمة وأكمل طرائق المصلحة، كما هو كذلك في كل باب، فلله الحمد.
فصل
قال النصراني:
" وعند المسيحيين أصل الدين موضوع في القلب، أن يصلح، ويثمر بما ينتفع به أبناء الجنس كلهم. وأما عند المسلمين فمعظمه في الختانة والوضوء وغيرهما من الأشياء التي من ذواتها لا تنفع ولا تضر ". هذا كلامه.
لعمر الله، إنه كلام في غاية السخافة والجهالة والكذب، فإن مبنى دين الإسلام على ما فيه غاية صلاح القلب، وفلاحه، وحياته، وهو إخلاص العبودية لله، وصدق المحبة له، وتحقيق التوكل عليه، والخوف منه، والرجاء له، والاستعانة به، والرضا عنه، والصبر والتفويض، وغير ذلك من منازل العبودية.
وكذلك الإيمان بالأصول التي جاءت بها الرسل، واتفقت عليها ملل الأنبياء، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.
وغير ذلك من أصول الإيمان الثابتة في القلب، والأعمال الباطنة التي لا تنفع الأعمال الظاهرة بدونها.
وقال - تعالى -: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} .
إلى غير ذلك من نصوص القرآن في الوصية بهذه الأصول، والحث عليها، ومدح من اتصف بها، إلى ما يتبع أعمال القلب من الأعمال الظاهرة التي مقصودها صلاح القلب ورعاية حياته وإيقاعها على وجهها من ثمرات صلاحه.
فافترض - تعالى - الصلوات الخمس المشتملة على توحيد الله - تعالى - والتأله إليه، والخضوع له رهبة منه، والابتهال إليه رغبة فيه.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إذا قام أحدكم إلى صلاته فإنما يناجي ربه، فلينظر أحدكم بم يناجيه؟» ".
وجعل من شروطها رفع الحدث، وإزالة النجاسة، لتتم النظافة للقاء ربه، والطهارة لأداء فرضه.
ثم ضمنها تلاوة كتابة المنزل، ليتدبر ما فيه من أوامره ونواهيه، ويعتبر إعجاز ألفاظه ومعانيه.
ثم علقها بأوقات راتبة، وأزمان مترادفة، ليكون ترادف زمانها وتتابع أوقاتها سببا لاستدامة الخضوع والابتهال إليه، وألا تنقطع الرهبة منه ولا الرغبة فيه.
وبهذا تنفتح أبواب المعارف في القلب، ويحصل له غاية الصلاح ونهاية الفلاح.
وكذلك فريضة الزكاة والنفقات من الأموال، ففيه من تمرين النفس على السماحة المحمودة، ومجانبة الشح المذموم، ومواساة الفقراء، ومعونة ذوي الحاجات، وظهور إيثار المنفق رضا مولاه ببذل ما يحبه من المال.
وكذلك الصيام الذي فيه رياضة النفس وصفاء القلب، وهو سر بين العبد وبين ربه، وفيه حث على رحمة الفقراء، وإطعامهم، وسد جوعتهم، لما قد عاناه الصائم من شدة المجاعة في صومه، وفيه من قهر النفس وإذلالها وكسر الشهوة المستولية عليها وإشعار النفس ما هي عليه من الحاجة إلى الطعام والشراب ما هو من أعظم صلاح القلب ومعرفته بربه وفاطره، الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه.
ولهذا احتج الله - تعالى - على من اتخذ عيسى وأمه إلهين من دونه بقوله - تعالى -: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} ....، فجعل حاجتهما إلى الطعام نقصا فيهما عن أن يكون إلهين.
وكذلك الحج، وما فيه من تحمل المشاق امتثالا للأمر في قضاء المناسك في تلك المواطن الفاضلة.
وفيه تذكير بيوم الحشر في مفارقة المال والأهل، وخضوع العزيز والذليل بين يدي الله، واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة إليه، وإقلاع أهل المعاصي عما اجترحوه، وندم المذنبين على ما أسلفوه.
كما قال بعض العلماء: " قل من حج إلا أحدث توبة من ذنب، وإقلاعا عن معصية ".
ولذلك قيل: " من علامة الحجة المبرورة أن يكون صاحبها بعدها خيرا من قبلها ".
ثم نبه بما يعانيه من مشاق السفر المؤدي إليه على مواضع النعمة برفاهة الإقامة، ونسيه الأوطان، ليحنو بما سلف من هذه النعمة على أبناء السبيل.
ثم علم بمشاهدة حرم الله الذي أنشأ منه دينه، وبعث منه رسوله، ثم بمشاهدة دار الهجرة، التي أعز الله بها أهل طاعته، وأذل بنصرة نبيه بها أهل معصيته، حتى خضع له عظماء المتكبرين، وتذلل له زعماء المتجبرين، أنه لم ينتشر عن ذلك المكان المنقطع، ولا قوي بعد الضعف البين حتى طبق الأرض شرقا وغربا إلا بمعجزة ظاهرة ونصر عزيز، يدل على عناية الله بهذه الشريعة وأنها من عنده.
وكذلك الجهاد، وما فيه من بذل النفس وإنفاق النفيس طاعة لله وامتثالا لأمره.
وكذلك أنواع العدل والإحسان والبر والصلة.
وكذلك الأقوال الطيبة من تلاوة كتاب الله، وإكثار ذكره واستغفاره، وتحصيل التوبة التي هي أحب شيء إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من الأعمال الباطنة والظاهرة التي مقصودها صلاح القلب وصفاؤه، ونماء الإيمان والمعرفة فيه، فإن أصل الدين في الحقيقة هي الأمور الباطنة من العلوم والأعمال، فلا تنفع الأعمال الظاهرة بدونها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده:" «الإسلام علانية، والإيمان في القلب» ".
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
" «الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإذا خبث الملك خبثت جنوده ".
وإذا كان الأمر ما ذكرنا بعض وصفه، فكيف يقال: إن معظم دين الإسلام في الختانة والوضوء ونحوهما؟ وما هذه الوقاحة والجرأة بالكذب البحت والجهل الصرف؟
وليس هذا بكثير على من فسد عقله وانتكست فطرته حتى سب خالقه وفاطره أعظم مسبة، وتنقصه أسوأ تنقص، بالشرك به، ودعوى الولد له، وكفر برسله وأنبيائه:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} .
وأما الختان والوضوء وتطهير النجاسات ورفع الأحداث فهو من محاسن الشريعة، فإن بالتوحيد وتوابعه طهارة الباطن، وبالوضوء ونحوه طهارة الظاهر.
فيجمع العبد في عبادة ربه بين الطهارتين، ويقوم بين يديه على أحسن الهيئات وأكمل الأحوال.
وكان كا جاءت به الشريعة المحمدية من ذلك وسطا بين جفاء النصارى وغلو اليهود، كما تقدمت الإشارة إليه.
وقد أخرج الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ما منكم من أحد يتوضأ، فيسبغ الوضوء، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» ".
فهذا فيه الإتيان بالشهادتين المتضمنتين طهارة القلب بعد الوضوء الذي هو طهارة الظاهر، لتتم له الطهارتان الظاهرة والباطنة. وهذا غاية الكمال.
وفي الختان من الطهارة والنظافة ما هو اللائق بحكمة الله في شرعه، فإن الأقلف يحمل النجاسة، ولا يمكنه الاستبراء من البول، فشرع الختان تحصيلا للطهارة، وتكميلا للعبادة، وتعظيما للمعبود.
وهو من الحنفية ملة إبراهيم، وجاءت التوراة بتقريره والأمر به، ولم تنسخه شريعة الإنجيل، وإنما إبطاله من تغيير الأمة الضالة لدين المسيح في زمن قسطنطين، كما قدمنا ذكره.
وقد اعترف هذا النصراني أن المسيح عليه السلام اختتن على سنة التوراة.
وليس معهم في إبطال الختان حجة ألبتة، بل قد ذكر هو نص
التوراة من الفصل السابع عشر من السفر الأول منها: أن الله قد قال لإبراهيم: " أعطي لك ولنسلك بعدك بلدة سكناك وهي جميع أرض كنعان حوزا مؤبدا، وأكون لكم إلها، وأنت عهدي، تحفظ أنت ونسلك بعدك لأجيالهم، هذا عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك أن يختتن كل ذكر منكم ".
فما معنى هذا النص؟ أليس صريحا في أن شرع الختان ثابت على ذرية إبراهيم وأتباعه؟
فكيف يجعلون من شريعة المسيح إبطال الختان، وقد حتم عليهم وأبد حكمه؟ ! وإنما حملهم على ذلك متابعة دين قسطنطين وأضرابه من المبدلين {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .
فصل
قال النصراني:
" والمسيحيون أحل لهم استعمال المأكل وشرب الخمر على وجه الاعتدال.
أما المسلمون قد حرم عليهم أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، مع أنه نعمة عظيمة من الله ينتفع بها النفس والجسم لمن يستعمله بالاعتدال ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
قد تقدم أن ما حرم الله على المسلمين فمصدره من رحمة الله بهم وحمايته لهم، فإنه - تعالى - أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث. كما قال - تعالى - في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم.... {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} .... .
والطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان، ليس المراد به مجرد التذاذ الأكل وعدمه، أو التذاذ طائفة من الأمم لا من العرب ولا غيرهم على القول الصحيح.
فالخبث القائم بالعين هو علة التحريم، فحرم الله - تعالى - أكل الخبائث صيانة لعباده عن ملابسة الخبيث والاغتذاء به.
قال أهل العلم: " لأن الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذي، ولا بد وأن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء ".
كما حرم الله - تعالى - الدم المسفوح، لأنه مجمع قوى النفس الشهوانية الغضبية، فيكتسب به المغتذي به كيفية توجب طغيان هذه القوى، وهو مجرى الشيطان من البدن. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» .
وكما حرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، لأنها عادية باغية، فإذا أكلها الناس صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم، وهو البغي والعدوان، وهكذا سائر المحرمات.
ومن ذلك الخنزير، فإنه مطبوع على أخلاق ذميمة، وصفات قبيحة، فحرم أكله على الإنسان صيانة له وحماية له عن أن يتكيف بتلك الكيفية.
واستحلال النصارى لها من إحداثهم في دين المسيح وتبديلهم له.
وقد قال الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن حدثنا نعيم بن حماد ثنا ابن الفضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل، قال:" نزل آدم بتحريم أربع: الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به. وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، فلما بعث الله عيسى ابن مريم جاء الأمر الذي نزل به آدم عليه السلام وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه، وعصوه ".
قال الحافظ ابن كثير: " وهذا أثر غريب ".
وأما الخمر فهي أم الخبائث ومنبع الرذائل، مفسدة للدين والعقل، فتحريمها من محاسن الشريعة.
وليس يوازي ما فيها من المنافع ما اشتملت عليه من المفاسد، لأن المنافع التي فيها تعود إلى البدن، والمفاسد تعود إلى الدين والعقل، وهما أعظم نعم الله على عباده، فلهذا قال - تعالى -:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} .... .
فهذه الشريعة الزاكية جاءت بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتقليلها.
فإذا تعارضت المصلحة والمفسدة روعي أكبرهما، فعطلت المفسدة الكبرى، ولو بإهمال مصلحة لا توازي تلك المفسدة.
وهذا من حكمة الله في شرعه وأمره، وهو الحكيم العليم.
فذكر - تعالى - نوعين من المفسدة في الخمر:
الأول: يتعلق بالدنيا، وضرره - أيضا - عائد على الدين، وهو العداوة والبغضاء.
وذلك أن الغالب على من يشرب الخمر أن يشربها مع جماعة ويكون من غرضه في ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه، ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم.
فكان من غرضه في ذلك الاجتماع تأكيد المحبة والألفة، ولكنه ينقلب في الأغلب إلى الضد، لأن الخمر تزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وربما آلت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث العداوة والبغضاء.
والشيطان سول لهم أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد المحبة والألفة، فينقلب الأمر إلى نهاية العداوة والبغضاء المفضيين غالبا إلى الهرج والمرج والفتنة، وكل ذلك مضاد لصلاح العالم.
النوع الثاني:
المفاسد المتعلقة بالدين، وذلك في قوله:.... {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ}
…
.
وكون الخمر مانعة عن ذكر الله وعن الصلاة ظاهر، لأن شرب الخمر يورث السكر واللذة والطرب في الجسم، فيمنعه ذلك من أداء العبادة، ويحول بينه وبين أسباب السعادة.
وأيضا فالنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله، ومالت إلى العاجلة.
ومن الدليل على قبح الخمر وخساستها أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو للعقل ومفسد له، وذلك أن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل القبيح كان عقله مانعا له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليا عن العقل المانع منها.
ولهذا امتنع من شربها جماعة في الجاهلية صيانة لعقولهم. قيل للعباس بن مرداس - في الجاهلية -: لم لا تشرب الخمر، فإنها تزيد في جراءتك؟ فقال: ما كنت لآخذ الجهل بيدي، فأدخله جوفي. ولا أرضى أن أصبح سيد قومي، فأمسي سفيههم.
وأيضا فإن من خواص الخمر - كما قال بعض العلماء - أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر، وقوة الإقدام عليها أوفر. بخلاف سائر المعاصي كالزنا مثلا، فإنه إذا واقعه مرة واحدة قلت رغبته فيه، وكلما كثر فعله لذلك العمل كان فتوره عنه أكثر.
بخلاف الشرب فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه إليه أكثر، ورغبته فيه أتم.
فإذا واظب الإنسان عليه صار غريقا في اللذات البدنية معرضا عن تذكر الآخرة والمعاد، حتى يكون من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
وبالجملة، فالخمر يزيل العقل، فإذا زال العقل حصلت الخبائث بأسرها.
فظهر بما قررناه أن تحريم الخمر والخنزير من محاسن الشريعة، ومن أدلة أنها من عند الله، وأنها أكمل الشرائع وأزكاها، فلله الحمد والمنة.
فصل
قال النصراني:
" وأما قبل أن وضعت الشريعة التي هي في غاية الكمال كما هي حال شريعة المسيح، فلا عجب أن تقدم ما يشبه الأصول التي تصلح لتعليم الصبيان، بل بعد إظهار الشريعة التي هي على تلك الحال فالرجوع بعد إلى الرموز والإشارات فهو أمر غير مستقيم، ولا يمكن أن يؤتى بمعنى يدل على أنه يليق - بعد إظهار شريعة المسيح التي هي في غاية الصلاح - أن يؤتى بغيرها ".
هذا كلامه، وهو يتضمن أمرين:
الأول: دعواه أن شريعة المسيح أكمل من شريعة محمد عليهما الصلاة والسلام.
والثاني: ما اقتضاه كلامه من أن المسيح خاتم الرسل، كما صرح به هو - أعني هذا النصراني - في أول كتابه.
والجواب عن الأول من وجوه:
الأول: أن نقول: لا ريب أن إثبات الكمال كغيره من المعلومات ليس بمجرد الدعوى، وإنما يعرف بالدلائل والبينات.
فالدعاوى ما لم يقيموا عليها
…
بينات أبناؤها أدعياء
وقد دللنا فيما تقدم على أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم في نهاية الكمال وتمام المصلحة ومقتضى الحكمة، بما فيه مقنع لذوي الإنصاف، وإن كانت الأدلة على ذلك تفوت الإحصاء، ولا يبلغها الحصر، فإن الحكم والمصالح في شرع الله وأمره لا يحيط بها إلا هو، فما ظهر لنا من ذلك قلنا به، وما لم يظهر لنا وكلناه إلى عالمه.
الوجه الثاني: أن الله - سبحانه - شرع لعباده الشرائع على وفق الحكمة والمصلحة، وخص كل أمة بشريعة اقتضتها حكمته، ولكنه - سبحانه - فضل الشرائع بعضها على بعض، كما فضل الرسل بعضهم على بعض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات.
فالكمال حاصل في كل شرع شرعه الله، ولكن حصول الكامل لا يمنع وجود ما هو أكمل منه.
فكمال شريعة موسى وعيسى عليهما السلام ليس مانعا من ظهور شرع أكمل منهما.
كما أن فضل السابق في الزمان من الأنبياء والرسل لا يمنع وجود أفضل منه، إذ الكمال في أمر الله وشرعه غير متناه.
وإذا اعتبر ذو البصيرة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، علم أنه جاء بالكمال الذي لم يتقدم نظيره في الشرائع السالفة.
ولا عجب، فإنه الذي جاء به أفضل الخلق وسيد المرسلين وخاتمهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
الوجه الثالث: أن دعواه أن شريعة المسيح لا يمكن نسخها دعوى مجردة عن الدليل، وكذب محض على شريعة من جاء بالإنجيل، شبيهة بدعوى اليهود عدم جواز النسخ في الشرائع.
وهذا النصراني قد رد على اليهود في إنكارهم النسخ، فما باله رجع يدعي كدعواهم بغير برهان عقلي ولا دليل شرعي؟.
فقد حجر على الله في شرعه بمجرد هوى النفس {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .
ثم يقال: أي فرق بين طرو النسخ على شريعة موسى وما قبلها من الشرائع، وبين طروه على شريعة المسيح؟
فإنه لا يمكن أن يؤتى بفرق صحيح عقلي، فقد خالفوا العقل والشرع في هذه الدعوى الباطلة.
فلا حجر على الله في شرعه وأمره، كما لا اعتراض عليه في خلقه.
…
{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
واعلم أن الشرائع نوعان:
منها: ما يعرف بضرورة العقل والفطرة نفعه معاشا ومعادا.
فهذا يمتنع طرو النسخ عليه، لعبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته أبدا.
ومجامع هذه الشرائع أمران: التعظيم لله، والشفقة على خلق الله. وهذه لا تختلف فيها شرائع الأنبياء.
ومنها: ما لا يعرف إلا بالسمع مما يكون تابعا للمصلحة، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان والحال.
فهذا يمكن طرو النسخ عليه وتبديله، فيكون الشيء الواحد حراما في ملة دون ملة، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، وفي حال دون حال.
وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك.
ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان على إبراهيم ونوح وسائر النبيين.
وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها، لو كان حراما لعينه وذاته لكان حراما على كل نبي وفي كل شريعة.
والأدلة على هذا كثيرة جدا، وهي تبطل شبهة أمة الغضب في دعوى عدم النسخ، ليس هذا موضع بسطها، لأن ذلك ليس من غرضنا في هذا الكتاب، إذ الكلام فيه مع الأمة الضالة، وهم يوافقوننا على جواز وقوع النسخ في الشرائع.
فإذا كان الرب - تعالى - لا حجر عليه، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبتلي عباده بما شاء، ويحكم ولا يحكم عليه، وينسخ من أمره ما يشاء ويثبت، لا معقب لحكمه، فما الذي يحيل عليه أن ينزل شريعة بعد شريعة المسيح تكون أكمل منها وأفضل؟ !.
وهل هذا إلا ما ادعته اليهود؟ فإن كان ذلك صحيحا، وأنه يمتنع أن يؤتى بشريعة بعد شريعة المسيح لزم منه صحة دعوى اليهود، إذ لا فرق، فعاد الطعن في نبوة المسيح.
وإذا كانت دعوى اليهود واضحة البطلاان فدعوى هذا الضال أبطل وأبطل.
قال بعض العلماء: " وحكمة النسخ فيما يجوز نسخه وتبديله أن الأعمال البدنية إذا واظب عليها الخلف عن السلف صارت كالعادة، وظن أنها مطلوبة لذاتها، فيمتنع الوصول بها إلى ما هو المقصود من معرفة الله وتمجيده، بخلاف ما إذا تغيرت تلك الطرائق ".
وقال غيره: " حكمته أن الخلق طبعوا على الملالة من الشيء، فوضع لهم في عصر كل رسول شريعة جديدة، لينشطوا في أدائها ".
ومن الحكمة إظهار شرف نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها.
ومن حكم النسخ - أيضا - ما فيه من حفظ مصالح العباد، كطبيب يأمر بدواء في يوم، وبآخر في يوم ثان، وهكذا بحسب المصلحة، وإن كان الثاني أفضل. انتهى.
والجواب عن الأمر الثاني - وهو دعواه أن المسيح خاتم الرسل - من وجوه، تعلم مما تقدم:
الأول: أنها دعوى مجردة عن البرهان، وعارية عن الدليل والدعاوى التي لا دليل عليها مطروحة، وهم لا يستندون في ذلك إلى دليل ألبتة.
وليس في الأناجيل التي بأيديهم ما يدل على ما زعمه، بل قد تقدم فيما أوردناه من نصوص الإنجيل الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما يبطل هذا الزعم.
الوجه الثاني: أن أدلة الرساله المحمدية ومعجزاتها، وبراهينها، التي هي أظهر من شمس الظهيرة لا يحتاج بعدها إلى تنويع الرد في إبطال هذه الدعوى الكاذبة الخاطئة.
الوجه الثالث: أن هذا القول من مخترعاتهم المحدثة من بعض متأخريهم، إما من هذا المصنف، أو أمثاله من الضالين.
وهذا كما رام بعض إخوانهم في الكفر من أنصار اليهودية أن يدعي أن موسى خاتم الرسل، وأنه عهد إليهم أن لا نبي بعده.
فدعوى هذا الضال أن المسيح خاتم الرسل، وأن شريعته خاتمة الشرائع لا نعلم به قائلا قبله من النصارى.
بل قد قال الإمام العلامة أبو عبد الله ابن القيم - وهو الإمام المحيط بأقاويل الناس-: " أهل الكتاب مجمعون على أن نبيا يخرج في آخر الزمان، ولا يشك علماؤهم أنه محمد بن عبد الله، وإنما يمنعهم من الدخول في الإسلام رياستهم على قومهم وخضوعهم لهم، وما ينالون منهم من المال والجاه ". انتهى.
وقول النصراني: " ولا يمكن أن يؤتي بمعنى يدل على أنه يليق - بعد إظهار شريعة المسيح التي هي في غاية الصلاح - أن يؤتى بغيرها " يعلم جوابه مما تقدم من بيان أفضلية شريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي اقتضت حكمة الرب - تعالى - أن جعلها خاتمة الشرائع، ففضلها على غيرها، كما فضل من جاء بها على سائر الأنبياء، وفضل أمته على جميع الأمم.
وأيضا فالأصل الذي اتفقت عليه شرائع الأنبياء، ودعا إليه جميع الرسل هو: إخلاص العبودية لله - تعالى - وخلع الأنداد التي تعبد من دونه.
ولا ريب أن الذي جاءت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم في تشييد هذا المقام وحماية هذا الباب أعظم مما جاء به غيره، فإنه قد جاء من تحقيق التوحيد، وسد طرق الشرك، والتحذير من دقيقه وجليله، وظاهره وخفيه، ما فضلت به شريعته على سائر الشرائع.
كما جاء في الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وتقرير نبوة الأنبياء، وتصديق ما تضمنته التوراة والإنجيل مع زيادة البيان والتفصيل مما تضمنه القرآن وحكمة الرسول ما حصل به للمؤمنين من العلوم النافعة ما فاقوا به على جميع الأمم.
فأي معنى يليق ببعثة الرسول أعظم من هذا؟
وأيضا فقد قدمنا في المقام الأول بيان اعتراف النصراني بخفاء الحق وظهور الضلال قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما يكفي في إبطال كلامه ههنا، ويعلم به أن الخلق محتاجون إلى بعثته صلى الله عليه وسلم أعظم من كل حاجة، ومضطرون إليه غاية الضرورة.
كما قال الله - تعالى -: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن الله اطلع على أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» ".
وأيضا فإن النصارى - عليهم لعائن الله - قد أشركوا بالله أعظم الشرك، وافتروا عليه أعظم الفرية، فقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وادعوا له ولدا، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
فلو لم يكن في بعثة الرسول من الحكمة سوى النهي عن هذا الكفر الشنيع والشرك الفظيع من أمة يدعون اتباع رسول الله، والإيمان بكتابه، وهم إذ ذاك أقرب الناس عهدا بالكتب والرسل، لكان ذلك كافيا في الحكمة، ولائقا بالمعنى الذي مضت به سنة الله في خلقه من بعثة الرسول عند الحاجة إليه. {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} .
هذا ما يسره الله - تعالى - من كتاب " منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب ".
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.