المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر - نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس - جـ ٥

[المقري التلمساني]

الفصل: ‌في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر

‌الباب الثاني

‌في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر

المجن على عادته في مصافاته ومنافاته، وارتباكه في شباكه، وما لقي

من إحن الحاسد، ذي المذهب الفاسد، ومحن الكائد المستأسد وآفاته،

وذكر قصوره وأمواله، وغير ذلك من أحواله في تقلباته، عندما قابله الزمان

بأهواله في بدئه وإعادته إلى وفاته

أقول: كان مولد الوزير لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله كما في الإحاطة في الخامس والعشرين من شهر رجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة، وقال الرئيس الأمير الوليد ابن الأحمر رحمه الله: نشأ لسان الدين ابن الخطيب (1) على حالة حسنة سالكاً سبيل (2) أسلافه، فقرأ القرآن على المكتب الصالح أبي عبد الله ابن عبد المولى العواد تكتباً ثم حفظاً ثم تجويداً، ثم قرأ القرآن أيضاً على أستاذ الجماعة أبي الحسن القيجاطي، وقرأ عليه العربية وهو أول من انتفع به، وقرأ على الخطيب أبي القاسم ابن جزي، ولازم قراءة العربية والفقه والتفسير على الشيخ الإمام أبي عبد الله ابن الفخار البيري شيخ النحويين لعهده، وقرأ على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر، وتأدب بالرئيس أبي الحسن ابن الجياب، وروى عن كثير من الأعيان، وسرد ابن الأحمر المذكور هنا جملة أعلام من مشايخ لسان الدين سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى، ثم قال: وأخذ الطب والتعاليم وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا يحيى بن هذيل ولازمه؛ انتهى.

(1) انظر أزهار الرياض 1: 187.

(2)

الأزهار: سنن.

ص: 75

وقال بعضهم في حق لسان الدين: هو الوزير العلامة المتحلي بأجمل الشمائل وأفضل المناقب، المتميز في الأندلس بأرفع المراقي وأعلى المراتب، علم الأعلام، ورئيس أرباب السيوف والأقلام، جامع أشتات الفضائل، والمربي بحسن سياسته وعظيم رياسته على الأواخر والأوائل، حائز رتبة رياسة (1) السيف والقلم، والقائم بتدبير الملك على أرسخ قدم، صاحب القلم الأعلى، الوارد من البراعة المنهل الأحلى، صاحب الأحاديث التي لا تمل على كثرة ما تتلى، والمحاسن التي صورها على منصة التنويه تجلى؛ انتهى.

وقال لسان الدين في " الإحاطة " بعد ذكر سلفه رحمهم الله تعالى، ما ملخصه (2) : وخلفني يعني أباه عبد الله عالي الدرجة، شهير الخطة، مشمولاً بالقبول، مكنوفاً بالعناية، فقلدني السلطان سره، ولما يستكمل الشباب ويجتمع السن (3) ، معززة بالقيادة ورسوم الوزارة، واستعملني في السفارة إلى الملوك، واستنابني بدار ملكه ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه، وائتمنني على صوان حضرته (4) ، وبيت ماله، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه، ولما هلك السلطان ضاعف ولده حظوتي، وأعلى مجلسي، وقصر المشورة على نصحي، إلى أ، كانت عليه الكائنة، فاقتدى في أخوه المتغلب على الأمر به، فسجل الاختصاص، وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أهل أعوان ثورته على القبض علي، فكان ذلك، وتقبض علي، ونكث ما أبرم من أماني، واعتقلت بحال ترفيه، وبعد أن كسبت المنازل والدور، واستكثر من الحرس، وختم على الأعلاق، وأبرد إلى ما ناء (5) ، واستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربات

(1) رياسة: سقطت من ق.

(2)

الإحاطة: الورقة: 400.

(3)

الإحاطة: ولما يجتمع الشباب ويستكمل السن.

(4)

الإحاطة: خزانته وذخيرته.

(5)

الإحاطة: وبادر وأبرد إلى ما نأى.

ص: 76

الأمثال، في تبحر الغلة، وفراهة الحيوان، وغبطة العقار، ونظافة الآلات، ورفعة الثياب، واستجادة العدة، ووفور الكتب إلى الآنية والفرش والماعون والزجاج والطيب والذخيرة والمضارب والأبنية، واكتسحت السائمة وثيران الحرث وظهر الحمولة وقوام الفلاحة والخيل، فأخذ ذلك البيع، وتناهبتها الأسواق، وصاحبها البخس، ورزأتها الخونة، وشمل الخاصة والأقارب الطلب، واستخلصت القرى، وأعملت الحيل، وطوقت الذنوب، وأمد الله تعالى بالعون، وأنزل السكينة، وانصرف اللسان إلى ذكر الله تعالى، وتعلقت الآمال به وطبقت نكبة مصحفية مطلوبها الذات وسببها المال حسبما قلت عند إقالة العثرة والخلاص من الهفوة:

تخلصت منها نكبة مصحفية

لفقداني المنصور من آل عامر ووصلت الشفاعة في مكتتبة بخط ملك المغرب، وجعل خلاصي شرطاً في العقدة ومسالمة الدولة، فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحق إلى المغرب، وبالغ ملكه في بري منزلاً رحباً (1) ، وعيشاً خفضاً، وإقطاعاً جماً، وجراية ما وراءها مرمى، وجعلني بمجلسه صدراً، ثم أسعف قصدي في تهيؤ الخلوة في مدينة سلا منوه الصكوك، مهنأ القرار، متفقداً باللها والخلع، مخول العقار، موفور الحاشية، مخلى بيني وبين إصلاح معادي، إلى أ، رد الله تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه، وصير إليه حقه (2) ، فطالبني بوعد ضربته، وعمل في القدوم عليه بولده أحكمته، ولم يوسعني عذراً، ولا فسح في الترك مجالاً، فقدمت عليه بولده، وقد ساءه بإمساكه رهينة ضده، ونغص مسرة الفتح بعده، على كل حال من التقشف

(1) الإحاطة: خصبا.

(2)

الإحاطة: وهيأ إليه حقه وصرف إليه كرسيه.

ص: 77

والزهد فيما بيده، وعزف عن الطمع في ملكه وزهد في رفده، حسبما قلت من بعض المقطوعات:

قالوا لخدمته دعاك محمد

فأنفتها وزهدت في التنويه

فأحببته أنا والمهيمن كاره

في خدمة المولى محب فيه عاهدت الله تعالى على ذلك، وشرحت صدري للوفاء به، وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيدة أملي، ومرمى نيتي وعملي، فعلق بي، وخرج لي عن الضرورة، وأراني أن موازرته أبر القرب، وراكنني إلى عهد بخطه فسح لعامين أمد الثواء، واقتدى بشعيب صلوات الله عليه في طلب الزيادة على تلك النسبة، وأشهد من حضر من العلية، ثم رمى إلي بعد ذلك بمقاليد رأيه، وحكم عقلي في اختيارات عقله، وغطى من جفائي بحلمه، وحثا في وجوه شهواته تراب زجري، ووقف القبول على وعظي، وصرف هواي في التحول فانياً وقصدي، واعترف بقبول نصحي، فاستعنت الله تعالى، وعاملت وجهه فيه، من غير تلبس بجراية، ولا تشبث بولاية، مقتصراً على الكفاية، حذراً من النقد، خامل المركب، معتمداً على المنسأة، مستمشياً (1) بخلق النعل، راضياً بغير النبيه من الثوب، مشفقاً من موافقة الغرور، هاجراً للزخرف، صادعاً بالحق في أسواق الباطل، كافاً عن السخال براثن السباع. ثم صرفت الفكرة إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة، فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله تعالى من صلاح السلطان وعفاف الحاشية والأمن ورم الثغور وتثمير الجباية وإنصاف الحمات والمقاتلة ومقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدينية والصدع فوق المنابر ضماناً من السلطان بترياق سم الثورة وإصلاح بواطن الخاصة والعامة ما الله تعالى المجازي عليه، والمعوض

(1) ق ص: مستمتعا.

ص: 78

من سهر خلعته على أعطافه، وخطر اقتحمته من أجله، لا للثريد الأعفر، ولا للجرد تمرح في الأرسان، ولا للبدر تثقل للأكتاد، فهو الذي لا يضيع عمل من عمل ذكر أو أنثى سبحانه وتعالى. ومع ذلك فلم أعدم الاستهداف (1) للشرور، والاستغراض للمحذور، والنظر الشزر المنبعث من خرز العيون، شيمة من ابتلاه الله تعالى بسياسة الدهماء، ورعاية سخطة أرزاق السماء، وقتلة الأنبياء، وعبدة الأهواء، ممن لا يجعل لله تعالى إرادة نافذة، ولا مشيئة سابقة، ولا يقبل معذرة، ولا يجمل في الطلب، ولا يتلبس مع الله في الأدب، ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، والحال إلى هذا العهد - وهو منتصف عام خمسة وستين وسبعمائة (2) - على ما ذكرته، أداله الله بحال السلامة، وبفيأة العافية، والتمتع بالعبادة، وربك يخلق ما يشاء ويختار:

وعلي أن أسعى ولي

س علي إدراك النجاح ولله سبحانه فينا علم غيب (3) نحن صائرون إليه، ألحفنا الله لباس التقوى، وختم لنا بالسعادة، وجعلنا في الآخرة من الفائزين، نفثت عن بث، وتأوهت عن حمى، ليظهر بعد المنقلب قصدي، ويدل مكتتبي على عقدي، انتهى، وجله بلفظه.

وكان - رحمه الله تعالى - عارفاً بأحوال الملوك، سريع الجواب، حاضر الذهن، حاد النادرة. ومن حكاياته في حضور الجواب ما حكاه عن نفسه قال (4) : حضرت يوماً بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وفاداتي عليه لغرض الرسالة، وجرى ذكر بعض أعدائه، فقلت ما أعتقده في إطراء ذلك العدو، وما عرفته

(1) الإحاطة: ومع ذلك فقد هيف إلى أديانها من الاستهداف

إلخ.

(2)

الإحاطة: وهو عام أحد وسبعين وسبعمائة.

(3)

الإحاطة: سر عجيب.

(4)

أزهار الرياض 1: 287.

ص: 79

من فضله، فأنكر علي بعض الحاضرين ممن لا يحطب إلا في حبل السلطان، فصرفت وجهي وقلت: أيدكم الله، تحقير عدو السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء، بل غير ذلك أحق وأولى، فإن كان السلطان غالب عدوه كان قد غلب غير حقير، وهو الأولى بفخره، وجلال قدره، وإن غلبه العدو لم يغير حقير، فيكون أشد للحسرة، وآكد للفضيحة، فوافق - رحمه الله تعالى - على ذلك واستحسنه، وشكر عليه، وخجل المعترض، انتهى.

وكان - رحمه الله تعالى - مبتلى بداء الأرق، لا ينام من الليل إلا النزر اليسير جداً، وقد قال في كتابه " الوصول لحفظ الصحة في الفصول ": العجب مني - مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله في الطب، وعملي ذلك - لا أقدر على مداواة داء الأرق الذي بي، أو كما قال، ولذا يقال له " ذو العمرين " لأن الناس ينامون في الليل وهو ساهر فيه، ومؤلفاته ما كان يصنف غالبها إلا بالليل، وقد سمعت بالمغرب بعض الرؤساء يقول: لسان الدين ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتين، وذو القبرين، انتهى. وسيأتي ما يعلم منه معنى الأخيرين.

[التعريف بالسلطان أبي الحجاج]

وقد عرف - رحمه الله تعالى - بالسلطان أبي الحجاج في " الإحاطة " فقال ما حاصله (1) : يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، الأنصاري الخزرجي، أمير المسلمين بالأندلس، أبو الحجاج، تولى الملك بعد أخيه بوادي السقائين من ظاهر الخضراء ضحوة يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وسنه خمسة عشر يوماً وثمانية أشهر، أمه أم ولد، وكان له ثلاثة أولاد كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده، وتلوه

(1) الإحاطة، الورقة: 367 وانظر اللمحة البدرية: 89.

ص: 80

أخوه إسماعيل محجوره، وثالثهم قيس شقيق إسماعيل، وذكر لسان الدين أنه وزر له بعد شيخه ابن الجياب، وتولى كتابة سره مضافة إلى الوزارة في أخريات شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، انتهى. وقد علم أنه وزر بعده لابنه محمد كما تقدم ويأتي، وأما إسماعيل بن أبي الحجاج فهو الذي تغلب على الأمر، وانتهز الفرصة في ملك أخيه محمد كما تقدم، وفيه وفي أخيه قيس حين قتلا يقول لسان الدين:

بإسماعيل ثم أخيه قيس

البيتين.

وقد ذكر أيضاً - رحمه الله تعالى - حكاية وفاة السلطان أبي الحجاج ما محصله أنه هجم عليه رجل من عداد الممرورين، وهو في الركعة الأخيرة من صلاة عيد الفطر عام خمسة وخمسين وسبعمائة، فطعنه بخنجر، وقبض عليه، واستفهم فتكلم بكلام مخلط، واحتمل إلى منزله على فوت لم يستقر به إلا وقد قضى، وأخرج قاتله إلى الناس فقتل لحينه، وأحرق بالنار، ودفن عشية اليوم المذكور في مقبرة قصره، ضجيع والده، وولي أمره ولده محمد، ورثيته في غرض ناء عن الجزالة مختار ولده:

العمر نوم، والمنى أحلام

ماذا عسى أن يستمر مقام

وإذا تحققنا لشيء بدأة

فله بما تقضي العقول تمام

والنفس تجمح في مدى آمالها

ركضاً، وتأبى ذلك الأيام

من لم يصب في نفسه فمصابه

بحبيبه، نفذت بذا الأحكام

بعد الشبيبة كبرة، ووراءها

هرم، ومن بعد الحياة حمام

ولحكمة ما أشرقت شهب الدجى

وتعاقب الإصباح والإظلام

دنياك يا هذا محلة نقلة

ومناخ ركب ما لديه مقام

هذا أمير المسلمين ومن به

وجد السماح وأعدم الإعدام

ص: 81

سر الأمانة والخلافة يوسف

غيث الملوك وليثها الضرغام

قصدته عادية الزمان فأقصدت

والعز سام، والخميس لهام

فجعت به الدنيا وكدر شربها

وشكا العراق مصابه والشام

أسفاً على الخلق الجميل كأنما

بدر الدجنة قد جلاه تمام

أسفاً على العمر الجديد كأنه

زهو الحديقة زهره بسام

أسفاً على الخلق الرضي كأنه

زهر الرياض هما عليه غمام

أسفاً على الوجه الذي مهما بدا

طاشت لنور جماله الأفهام

يا ناصر الثغر الغريب وأهله

والأرض ترجف والسماء قتام

يا صاحب الصدقات في جنح الدجى

والناس في فرش النعيم نيام

يا حافظ الحرم الذي بظلاله

ستر الأرامل واكتسى الأيتام

مولاي هل لك للقصور زيارة

بعد انتزاح الدار أو إلمام

مولاي هل لك للعبيد تذكر

حاشاك أن ينسى لديك ذمام

يا واحد الآحاد والعلم الذي

خفقت بعزة نصره الأعلام

وافاك أمر الله حين تكاملت

فيك النهى والجود والإقدام

ورحلت عنا الركب خير خليفة

أثنى عليك الله والإسلام

نعم الطريق سلكت كان رفيقه

والزاد فيه تهجد وصيام

وكسفت يا شمس المحاسن ضحوة

فاليوم ليل، والضياء ظلام

وسقاك عيد الفطر كأس شهادة

فيها من الأجل الوحي مدام

وختمت عمرك بالصلاة فحبذا

عمل كريم سعيه وختام

مولاي كم هذا الرقاد إلى متى

بين الصفائح والتراب تنام

أعد التحية واحتسبها قربة

إن كان يمكنك الغداة كلام

تبكي عليك مصانع شيدتها

بيض كما تبكي الهديل حمام

تبكي عليك مساجد عمرتها

فالناس فيها سجد وقيام

ص: 82

تبكي عليك خلائق أمنتها

بالسلم وهي كأنها أنعام

عاملت وجه الله فيما رمته

منها فلم يبعد عليك مرام

لو كنت تفدى أو تجار من الردى

بذلت نفوس من لدنك كرام

لو كنت تمنع بالصوارم والقنا

ما كان ركنك بالغلاب يرام

لكنه أمر الإله، وما لنا

إلا رضى بالحكم واستسلام

والله قد كتب الفناء على الورى

وقضاؤه جفت به الأقلام

نم في جوار الله مسروراً بما

قدمت يوم تزلزل الأقدام

واعلم بأن سليل ملكك قد غدا

في مستقر علاك وهو إمام

سر تكنف منه من خلفته

ظل ظليل فهو ليس يضام

كنت الحسام وصرت في غمد الثرى

ولنصر ملكك سل منه حسام

خلفت أمة أحمد لمحمد

فقضت بسعد الأمة الأحكام

فهو الخليفة للورى في عهده

ترعى العهود وتوصل الأرحام

أبقى رسومك كلها محفوظة

لم ينتثر منها عليك نظام

العدل والشيم الكريمة والتقى

والدار والألقاب والخدام

حسبي بأن أغشى ضريحك لائماً

وأقول والدمع السفوح سجام

يا مدفن التقوى ويا مثوى الهدى

مني عليك تحية وسلام

أخفيت من حزني عليك، وفي الحشا

نار لها بين الضلوع ضرام

ولو أنني أديت حقك لم يكن

لي بعد فقدك في الجود مقام

وإذا الفتى أدى الذي في وسعه

وأتى بجهد، ما عليه ملام قال لسان الدين: وكتبت في بعض معاهده:

غبت فلا عين ولا مخبر

ولا انتظار منك مرقوب

يا يوسف أنت لنا يوسف

وكلنا في الحزن يعقوب

ص: 83

انتهى، ورحم الله تعالى الجميع بمنه وقد قدمنا ما كتبه لسان الدين على لسان سلطانه إلى السلطان أبي عنان في شأن قتل السلطان أبي الحجاج في الباب الثامن من القسم الأول.

[الغني ولسان الدين يلجآن للمغرب]

وقال لسان الدين في كتابه " اللمحة البدرية في الدولة النصرية " في ذكر ما يتعلق بخلع سلطانه وقيام أخيه عليه وفي خلال ذلك، ما نصه (1) : كان السلطان أبو عبد الله عند تصير الأمر إليه قد ألزم أخاه إسماعيل قصراً من قصور أبيه بجوار داره (2) مرفهاً عليه، متممة وظائفه له، وأسكن معه أمه وأخواته منها، وقد استأثرت يوم وفاة والده بمال جم من خزائنه الكائنة في بيتها فوجدت السبيل إلى السعي لولدها فجعلت تواصل زيارة ابنتها التي عقد لها الوالد مع ابن عمه الرئيس أبي عبد الله ابن الرئيس أبي الوليد ابن الرئيس أبي عبد الله المبايع له بأندرش ابن الرئيس أبي سعيد جدهم الذي تجمعهم جرثومته، وشمر الصهر المذكور عن ساعد عزمه وجده وهو ما هو من الإقدام، ومداخلة ذؤبان الرجال، واستعان بمن آسفته الدولة، وهفت (3) به الأطماع، فتألف منهم زهاء مائة قصدوا جهة من جهات القلعة متسنمين شفاً صعب المرتقى، واتخذوا آلة تدرك ذروته لقعود بنية كانت به عن التمام، وكبسوا حرسياً بأعلاه بما اقتضى صماته، فاستووا به، ونزلوا إلى القلعة سحور الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام ستين وسبعمائة، فاستظهروا بالمشاعل والصراخ، وعالجوا دار الحاجب رضوان، ففضوا أغلاقها ودخلوها فقتلوه بين أهله وولده، وانتهبوا ما اشتملت عليه داره، وأسرعت طائفة مع الرئيس [الصهر] فاستخرجت الأمير المعتقل إسماعيل، وأركبته وقرعت

(1) اللمحة البدرية: 108.

(2)

ق: بجواره.

(3)

ص: وهتفت.

ص: 84

الطبول، ونودي بدعوته، وقد كان أخوه السلطان متحولاً بولده إلى سكنى الجنة المنسوبة للعريف لصق داره، وهي المثل المضروب في الظل الممدود، والماء المسكوب، والنسيم البليل، يفصل بينها وبين معقل الملك السور المنيع والخندق المصنوع، فما راعه إلا النداء والعجيج وأصوات الطبول، وهب إلى الدخول إلى القلعة فألفاها قد أخذت دونه شعابها كلها ونقابها، وقذفته الحراب، ورشقته السهام، فرجع أدراجه، وسدده الله تعالى في محل الحيرة، ودس له عرق الفحول من قومه، فامتطى صهوة فرس كان مرتبطاً عنده، وصار لوجهه فأعيا المتبع، وصبح مدينة وادي آش، ولم يشعر حافظ قصبتها إلا به وقد تولج عليها، فالتف به أهلها وأعطوه صفقتهم بالذب عنه، فكان أملك بها، وتجهزت الحشود إلى منازلته، وقد جدد أخوه المتغلب على ملكه عقد السلم مع طاغية قشتالة باحتياجه إلى سلم المسلمين لجراء فتنة بينه وبين البرجلونيين من أمته، واغتبط به أهل المدينة، فذبوا عنه، ورضوا بهلاك نعمتهم دونه، واستمرت الحال إلى عيد النحر من عام التاريخ، ووصله رسول صاحب المغرب مستنزلاً عنها ومستدعياً إلى حضرته، لما عجز عن إمساكها، وراسل ملك الروم فلم يجد عنده من معول، فانصرف يوم ثاني عيد النحر المذكور، وتبعه الجمع الوافر من أهل المدينة خيلاً ورجلاً إلى مربلة من ساحل إجازته، وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحوباً من البر والكرامة بما لا مزيد عليه في السادس من شهر محرم فاتح عام أحد وستين وسبعمائة، وركب السلطان للقائه، ونزل إليه عندما سلم عليه، وبالغ في الحفاية به، وكنت قد ألحقت به مفلتاً من شرك النكبة التي استأصلت المال، وأوهمت سوء الحال، بشفاعة السلطان أبي سالم قدس الله روحه، فقمت بين يديه في الحفل الشهود يومئذ وأنشدته (1) :

(1) وردت هذه القصيدة أيضا في أزهار الرياض 1: 196.

ص: 85

سلا هل لديها من مخبرة ذكر

وهل أعشب الوادي ونم به الزهر

وهل باكر الوسمي داراً على اللوى

عفت آيها إلا التوهم والذكر

بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى

بأكنافها والعيش فينان مخضر

وجوي الذي ربى جناحي وكره

فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر

نبت بي لا عن جفوة وملالة

ولا نسخ الوصل الهنيء بها هجر

ولكنها الدنيا قليل متاعها

ولذاتها دأباً تزور وتزور

فمن لي بقرب العهد منها ودوننا

مدى طال حتى يومه عندنا (1) شهر

ولله عينا من رآنا وللأسى

ضرام له في كل جانحة جمر

وقد بددت در الدموع يد النوى

وللشوق أشجان يضيق لها الصدر

بكينا على النهر الشروب عشية

فعاد أجاجاً بعدنا ذلك النهر

أقول لأظعاني وقد غالها السرى

وآنسها الحادي وأوحشها الزجر

رويدك بعد العسر يسر أن أبشري

بإنجاز وعد الله، قد ذهب العسر

ولله فينا سر غيب، وربما

أتى النفع من حال أريد بها الضر

وإن تخن الأيام لم تخن النهى

وإن يخذل الأقوام لم يخذل الصبر

وإن عركت مني الخطوب مجرباً

نقاباً تساوى عنده الحلو والمر

فقد عجمت عوداً صليباً على الردى

وعزماً (2) كما تمضي المهندة البتر

إذا أنت بالبيضاء قررت منزلي

فلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر

زجرنا بإبراهيم برء همومنا

فلما رأينا وجهه صدق الزجر

بمنتجب من آل يعقوب كلما

دجا الخطب لم يكذب لعزمته فجر

تناقلت الركبان طيب حديثه

فلما رأته صدق الخبر الخبر

ندى لو حواه البحر لذ مذاقه

ولم يتعقب مده أبداً جزر

(1) ق: حتى عندنا يومه.

(2)

ق: وغرسا.

ص: 86

وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى

وترفل في أثوابه الفتكة البكر

أطاعته حتى العصم (1) في قنن الربى

وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر

قصدناك يا خير الملوك على النوى

لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر

كففنا بك الأيام عن غلوائها

وقد رابنا منها التعسف والكبر

وعدنا بذاك المجد فانصرم الردى

ولذنا بذاك العزم فانهزم الذعر

ولما أتينا البحر يرهب موجه

ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر

خلافتك العظمى ومن لم يدن بها

فإيمانه لغو وعرفانه نكر

ووصفك يهدي المدح قصد صوابه

إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر

دعتك قلوب المؤمنين وأخلصت

وقد طاب منها السر لله والجهر

ومدت إلى الله الأكف ضراعة

فقال لهن الله: قد قضي الأمر

وألبسها النعمى ببيعتك التي

لها الطائر الميمون والمحتد الحر

فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكاً

وقد كان مما نابه ليس يفتر

وأمنت بالسلم البلاد وأهلها

فلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو

وقد كان مولانا أبوك مصرحاً

بأنك في أبنائه الولد البر

وكنت حقيقاً بالخلافة بعده

على الفور، لكن كل شيء له قدر

وأوحشت من دار الخلافة هالة

أقامت زماناً لا يلوح بها البدر

فرد عليك الله حقك إذ قضى

بأن تشمل النعمى وينسدل الستر

وقاد إليك الملك رفقاً بخلقه

وقد عدموا ركن الإمامة واضطروا

وزادك بالتمحيص عزاً ورفعة

وأجراُ، ولولا السبك ما عرف التبر

وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى

وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر

وأنت إذا جار الزمان محكم

لك النقض والإبرام والنهي والأمر

وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه

مهيض، ومن علياك يلتمس الجبر

(1) ق ص: القصم، وهو خطأ واضح.

ص: 87

غريب يرجي منك ما أنت أهله

فإن كنت تبغي الفجر قد جاءك الفجر

ففز يا أمير المؤمنين ببيعة

موثقة قد حل عروتها الغدر

ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا

بيا لمرين جاءه العز والنصر

وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره

ففي ضمن ما تأتي به العز والأجر

وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم

بحق فما زيد يرجى ولا عمرو

فإن قيل مال، مالك الدثر وافر

وإن قيل جيش، عندك العسكر المجر

يكف بك العادي، ويحيا بك الهدى

ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر

أعده إلى أوطانه عنك راضياً

وطوقه نعماك التي ما لها حصر

وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها

فقد صدهم عنه التغلب والقهر

وهم يرقبون الفعل منك وصفقة

تحاولها يمناك ما بعدها خسر

مرامك سهل لا يؤودك كلفة

سوى عرض ما إن له في العلا خطر

وما العمر إلا زينة مستعارة

ترد، ولكن الثناء هو العمر

ومن باع ما يفنى بباق مخلد

فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر

ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدى (1)

جياد المذاكي والمحجلة الغر

وراد وشقر واضحات شياتها

فأجسامها تبر وأرجلها در

وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة

مطهمة غارت بها الأنجم الزهر

وأسد رجال من مرين مخيفة

عمائمها بيض وآسالها سمر

عليها من الماذي كل مفاضة

تدافع في أعطافها اللجج الخضر

هم القوم إن هبوا لكشف ملمة

فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر

إذا سئلوا أعطوا، وإن نوزعوا سطوا

وإن واعدوا وفوا، وإن عاهدوا بروا

وإن مدحوا اهتزوا ارتياحاً كأنهم

نشاوى تمشت في معاطفهم خمر

وإن سمعوا العوراء فروا بأنفس

حرام على هاماتها في الوغى الفر

(1) اللمحة: العلى.

ص: 88

وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم

وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر

أمولاي غاضت فكرتي، وتبلدت

طباعي، فلا طبع يعين ولا فكر

ولولا حنان منك داركتني به

وأحييتني لم تبق عين ولا أثر

فأوجدت مني فائتاً أي فائت

وأنشرت ميتاُ ضم أشلاءه قبر (1)

بدأت بفضل لم أكن لعظيمه

بأهل، فجل اللطف وانفرج الصدر (2)

وطوقتني النعمى المضاعفة التي

يقل عليها مني الحمد والشكر

وأنت بتتميم الصنائع كافل

إلى أن يعود الجاه والعز والوفر

جزاك الذي أسنى مقامك عصمة

يفك بها عان وينعش مضطر

إذا نحن أثنينا عليك بمدحة

فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر

ولكننا نأتي بما نستطيعه

ومن بذل المجهود حق له العذر فلا تسأل عن امتعاض وانتفاض، وسداد انحناء في التأثر لنا وأغراض، والله غالب على أمره.

وفي صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال عام اثنين وستين وسبعمائة كان انصرافه إلى الأندلس وقد ألح صاحب قشتالة قي طلبه، وترجح الرأي على قصده، فقعد السلطان بقبة العرض من جنة المصارة، وبرز الناس وقد أسمعهم (3) البريح، واستحضرت البنود والطبول والآلة، وألبس خلعة الملك، وقيدت له مراكبه فاستقل، وقد التف عليه كل من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة، ورأى من رقة (4) الناس وإجهاشهم وعلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناٌ وعفافاً وقرباُ قد ظلله الله برواق الرحمة، وعطف عليه وشائج المحبة، إلى كونه مظلوم العقد، منتزع الحق، فتبعته

(1) اللمحة: القبر.

(2)

اللمحة: الحصر.

(3)

اللمحة: أخذهم.

(4)

اللمحة: وتلا من رنة.

ص: 89

الخواطر، وحميت عليه الأنفس، وانصرف لوجهته، وهو الآن برندة مستقل بها وبجهاتها [ومتعلل بألقاب] ومقتنع برسم وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف ابن كماشة الحضرمي، وبكتابته الفقيه أبو عبد الله ابن زمرك (1) ، وقد استفاض عنه من الحزم والتدرب والتيقظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر، كان الله لنا وله بفضله؛ انتهى كلام لسان الدين ابن الخطيب في " اللمحة البدرية ".

[رسالة للسان الدين عن الغني إلى المنصور بن قلاوون]

وقد علمت أنه بعد هذا التاريخ عاد سلطانه إلى حضرة غرناطة، واستبد بملك الأندلس، وعاد لسان الدين إليه حسبما أحسن سياق ذلك لسان الدين رحمه الله تعالى من إنشائه على لسان سلطانه الغني بالله، وخاطب به ملك الحرمين ومصر والشام السلطان المنصور بن أحمد بن الناصر بن قلاوون، وقد ذكرنا منه ما يتعلق بالأندلس في الباب الثاني من القسم الأول (2)، وقال بعد ذلك فيما يتعلق بالخلع المذكور ما نصه: ولما صير الله إلينا تراثهم الهني، وأمرهم السني، وبناءهم العادي، وملكهم الجهادي، أجرانا - وله الطول - على سننهم، ورفع أعلامنا في هضابهم المشرفة وقننهم، وحملنا فيهم خير حمل، ونظم بنا لهم أي شمل، وألبس أيامنا سلماً فسح الدارة، وأحكم الإدارة، وهنأ الأمارة، ومكن العمارة، وأمن في البحر والبر السيارة والعبارة، لولا ما طرقهم فينا من تمحيص أجلى عن تخصيص، وتمحض تبره بعد تخليص ومرام عويص، نبثكم بثه، ونوالي لديكم حثه، ونجمع منبثه، فإن في الحوادث ذكراً، ومعروف الدهر لا يؤمن أن يعود تكراً، وشر الوجود

(1) اللمحة: وبكتابته الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي المالقي وأبو عبد الله ابن مرزك.

(2)

انظر النفح 1: 321 - 326.

ص: 90

معاقب بخيره، والسعيد من اتعظ بغيره، والحزم أفضل ما إليه ينتسب، وعقل التجربة بالمرانة يكتسب، وهو أن بعضاً مما ينسب إلينا بوشائج الأعراق، لا بمكارم الأخلاق، ويمت إلينا بالقرابة البعيدة، لا بالنصبة السعيدة، ممن كفلناه يتيماً، وصناه ذميماً شتيماً، وبوأناه مبوأ كريماً، بعد أن نشأ حرفوشاً دميماً، وملعوناًً لئيماً، ونوهناه من خموله بالولاية، ونسخنا حكم تسحبه بآية العناية، داخل أخاً لنا كنا ألزمناه الاقتصار على قصره، ولم نجعل أداة تدل على حصره، وسامحناه في كثير من أمره، ولم نرتب بزيده ولا عمره، واغتررنا برماد علا على جمره، فاستدعى له من الصعاليك شيعته كل درب بفك الأغلاق، وتسرب أنفاق النفاق، وخارق للإجماع والإصفاق، وخبير بمكان الخراب ومذاهب الفساق، وتسور بهم القلعة من ثلم شرع في سده، بعد هده، ولم تكمل الأقدار المميزة في ليلة آثرنا مبيتنا ببعض البساتين خارج قصورنا، واستنبنا من يضطلع بأمورنا، فاستتم الحيلة التي شرعها، واقتحم القلعة وافترعها، وجدل حرس النوبة وصرعها، وكبس محل النائب عنا وجد له، ولم ينشب أن جدله، واستخرج الأخ البائس فنصبه، وشد به تاج الولاية وعصبه، وابتز أمرنا وغضبه.

وتوهم الناس أن الحادثة على ذاتنا قد تمت، والدائرة بنا قد ألمت ولقد همت، فخذل الناصر، وانقطعت الأواصر، وأقدم المتقاصر، واقتحمت الأبهاء والمقاصر، وتفرقت الأجزاء وتحللت العناصر، وفقد من عين الأعيان النور الباصر، فأعطوه طاعة معروفة، وأصبحت الوجوه إليه مصروفة، وركضنا وسرعان الخيل تقفو أثر منجاتنا والظلام يخفيها، وتكفي علينا السماء والله يكفيها، إلى أن خلصنا إلى مدينة وادي آش خلوص القمر من السرار، لا نملك إلا نفساً مسلمة لحكم الأقدار، ملقية لله مقادة الاختيار، مسلوبة بموجب الاستقرار، وناصحنا أهل تلك المدينة فعملوا على الحصار، واستبصروا في الدفاع عنا أتم الاستبصار، ورضوا لبيوتهم المصحرة، وبساتينهم المستبحرة

ص: 91

بفساد الحديد وعياث النار، ولم يرضوا لجارهم بالإخفار (1) ، ولا لنفوسهم بالعار، إلى أن كان الخروج عن الوطن بعد خطوب تسبح فيها الأقلام سبحاً طويلاً، وتوسعها الشجون شرحاً وتأويلاً، وتلقي القصص منها على الآذان قولاً ثقيلاً، وجزنا البحر وضلوع موجه إشفاقاً علينا تخفق، وأكف رياحه حسرة تصفق، ونزلنا من جانب سلطان بني مرين على المثوى الذي رحب بنا ذرعه، ودل على كرم الأصول فرعه، والكريم الذي وهب فأجزل، ونزل لنا على الصهوة وتنزل، وخير وحكم، ورد على الدهر الذي تهكم، واستعبر وتبسم، وآلى وأقسم، وبسمل وقدم، واستركب لنا واستخدم.

ولما بدا لمن وراءنا سيئات ما كسبوا، وحققوا ما حسبوا، وطفا الغثاء ورسبوا، ولم ينشب الشقي الخزي أن قتل البائس الذي موه بزيفه، وطوقه بسيفه، ودل ركب المخافة على خيفه، إذ آمن المضعوف من كيده، وجعل ضرغامه بازياً لصيده، واستقل على أريكته، استقلال الظليم على تريكته، حاسر الهامة، متنفقاً بالشجاعة والشهامة، مستظهراً بأول الجهالة والجهامة، وساءت في محاولة عدو الدين سيرته، ولما حصص الحق انكشفت سريرته، وارتابت لجبنه المستور جيرته، وفغر عليه طاغية الروم فمه فالتقمه، ومد عليه الصليب ذراعه فراعه، وشد الكفر عليه يده، فما عضده الله ولا أيده، وتخرمت ثغور الإسلام بعد انتظامها، وشكت إليه باهتضامها، وغصت بأشلاء عباد الله وعظامها، ظهور أوضامها، ووكلت السنة والجماعة، وانقطعت من النجح الطماعة، واشتدت المجاعة، وطلعت شمس دعوتنا من المغرب فقامت عليها الساعة، وأجزنا البحر تكاد جهتاه تتقاربان تيسيراً، ورياحه لا تعرف في غير وجهتنا مسيراً، وكأن ماءه ذوب لقي إكسيراً، ونهضنا يتقدمنا الرعب ويتقد منا الدعاء، وتجأحىء بنا الإشارة يحفزنا الاستدعاء.

(1) ق ص: بالإخبار؛ ولعلها " بالإختار ".

ص: 92

وأقصر الطغايا عن البلاد بعد أن ترك ثغورها مهتومة، والإخافة عليها محتومة، وطوابعها مفضوضة وكانت بنا مختومة، وأخذ الخائن الصيحة فاختبل، وظهر تهوره الذي عليه الجبل، فجمع أوباشه السفلى وأوشابه، وبهرجه الذي غش به المحض وشابه، وعمد إلى الذخيرة التي صانتها الأغلاق الحريزة، والمعاقل العزيزة، فملأ بها المناطق، واستوعب الصامت والناطق، والوشح والقراطق، واحتمل عدد الحرب والزينة، وخرج ليلاً عن المدينة، وانقضت آراؤه الفائلة، ونعامته الشائلة، ودولة بغيه الزائلة، أن يقصد طاغية الروم بقضه وقضيضه، وأوجه وحضيضه، وطويلة وعريضة، من غير عهد اقتضى وثيقته، ولا أمر عرف حقيقته، إلا ما أمل اشتراطه من تبديل الكلمة، واستئصال الأمة المسلمة، فلم يكن إلا أن تحصل في قبضته، ودنا من مضجع ربضته، واستشار نصحاءه في أمره، وحكم الحيلة في جناية غدره، وشهره ببلده، وتولى قتله بيده، ألحق به جميع من أمده في غيه، وظاهره على سوء سعيه، وبعث إلينا برؤوسهم فنصبت بمسور غدرها، وقلدت لبة تلك البنية بشذرها، وأصبحت عبرة للمعتبرين، وآية للمستبصرين، وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين.

وعدنا إلى أريكة ملكنا كما رجع القمر إلى بيته، بعد كيته وكيته، أو العقد إلى جيده، بعد انتثار فريده، أو الطير إلى وكره، مفلتاً من غول الشرك ومكره، ينظر الناس إلينا بعيون لم ترو مذ غبنا من محيا رحمة، ولا باتت للسياسة ذمة، ولا ركنت لدين ولا همة، فطوينا بساط العتاب طي الكتاب، وعاجلنا سطور المؤاخذة بالاضطراب، وآنسنا نفوس أولي الاقتراب بالاقتراب، وسهلنا النفوس إلينا، واستغفرنا الله لنفسنا ولمن جنى علينا، فلا تسألوا عما أثار ذلك من استدراك ندم، ورسوخ قدم، واستمتاع بوجود بعد عدم، فسبحان الذي يمحص ليثيب، ويأمر بالدعاء ليجيب، وينبه من الغفلة ويهيب، ويجتبي إليه من يشاء ويهدي

ص: 93

إليه من ينيب.

ورأينا أن نطالع علومكم الشريفة بهذا الواقع تسبيباً للمفاتحة المعتمدة، وتمهيداً للموالاة المجددة، فأخبار الأقطار مما تنفقه الملوك على أسمارها، وترقم ببدائعه هالات أقمارها، وتستفيد منه حسن السير، ولا أمان من الغير، وتستعين على الدهر بالتجارب، وتستدل بالشاهد على الغائب، وبلادكم ينبوع الخير وأهله، ورواق الإسلام الذي يأوي قريبه وبعيده إلى ظله، ومطلع نور الرسالة، وأفق الرحمة المنثالة، منه تقدم علينا الكواكب تضرب آباط أفلاكها، وتتخلل مداريها المذهبة غدائر أحلاكها، وتستعلي البدور، ثم يعوها إلى المغرب الحدور، وتطلع الشمس متجردة من كمائم ليلها، متهادية في دركات ميلها، ثم تسحب إلى الغروب فضل ذيلها، ومن تلقائكم ورد العلم والعمل، وأرعي الهمل.

فنحن نستوهب من مظان الإجابة لديكم دعاء يقوم لنا مقام المدد، ويعدل منه بالمال والعدد، ففي دعاء المؤمن بظهر الغيب ما فيه مما ورد، وإياه سبحانه نسأل أن يدفع عنا وعنكم دواعي الفتن، وغوائل المحن، ويحملنا على سنن السنن، ويلبسنا من تقواه أوقى الجنن، وهو سبحانه يصل لأبوتكم ما تستقل لدى قاضي القضاة رسومه، فتكتب حقوقه وتكتب خصومه، ولا تكلفه الأيام ولا تسومه، بفضل الله وعزته، وكره ومنته، والسلام الكريم الطيب المبارك بدءاً من عود، وجوداً إثر جود، ورحمة الله تعالى وبركاته؛ انتهى.

وللسان الدين ابن الخطيب رحمه الله عن سلطانه المذكور كتاب آخر في هذه الكائنة إلى كبير الموحدين أبي محمد عبد الله بن تفراجين (1) ، ولعلنا نذكره إن

(1) كتبه ابن خلدون " تافراكين " وتحت الكاف نقطة إشارة إلى أنها في النطق كالجيم المصرية.

ص: 94

شاء الله تعالى في الباب الخامس من هذا القسم، عند تعرضنا لبعض نثر لسان الدين رحمه الله تعالى.

[نقل عن ابن خلدون في خلع الغني]

وقد ساق هذه القضية قاضي القضاة الشهير الكبير ولي الدين عبد الرحمن ابن خلدون الحضرمي رحمه الله تعالى في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان الشهير أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني صاحب المغرب مما نصه (1) : الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان: لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونصب ابنه محمد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه، وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته، فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم، وكان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد، فكان يدعوه سراً إلى القيام بأمره، حتى أمكنته فرصة في الدولة بخروج السلطان إلى بعض منتزهاته في رياضه، فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في أوشاب جمعهم من الطغام لثورته، وعمد إلى دار الحاجب رضوان، فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته وقربوا إلى إسماعيل فرسه وركب، فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته، وقرعوا طبولهم بسور الحمراء، وفر السلطان من مكانه بمنتزهه، فلحق بوادي آش، وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه، واستبد عليه هذا الرئيس ابن عمه فخلعه لأشهر من بيعته، واستقل بسلطان الأندلس. ولما لحق السلطان أبو عبد الله محمد بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان، واتصل الخبر بالمولى السلطان أبي سالم، امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعياً لما سلف له في جوارهم، وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف

(1) تاريخ ابن خلدون 7: 306 وأزهار الرياض 1: 202.

ص: 95

من أهل مجلسه لاستقدامه، فوصل إلى الأندلس، وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب، وأطلق من اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله ابن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لما كان رديفاً للحاجب رضوان وركناً لدولة المخلوع، فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه، فأطلقوه، ولحق مع الرسول أبي القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب، وأجاز لذي العقدة من سنته، وقدم على السلطان بفاس، وأجل قدومه، وركب للقائه، ودخل به إلى مجلس ملكه، وقد احتفل ترتيبه، وغص بالمشيخة والعلية، ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه، ويستحثه لمظاهرته على أمره، واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة، ثم سرد ابن خلدون القصيدة، وقد تقدمت.

ثم قال بعد ما صورته (1) : ثم انفض المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى نزله، وقد فرشت له القصور، وقربت الجياد بالمراكب الذهبية، وبعث إليه بالكسا الفاخرة، ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي بطانته من الصنائع، وحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل، ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الآلة أدباً مع السلطان، واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس، وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نحن نذكره؛ انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون في هذه الواقعة، وفيه بعض مخالفة لكلام لسان الدين السابق في اللمحة البدرية، إذ قال فيها: إن الثورة عليهم كانت ليلة ثمان وعشرين من رمضان، وابن خلدون جعلها ليلة سبع وعشرين منه، والخطب سهل، وقال في اللمحة إن انصرف السلطان من وادي آش كان ثاني يوم النحر، وقال ابن خلدون في ذي القعدة، ولعله غلط من الكتاب حيث جعل مكان الحجة القعدة.

ورائية إن الخطيب التي ذكرها هي من حر كلامه وغرر شعره، على

(1) تاريخ ابن خلدون: 309 وأزهار الرياض: 203.

ص: 96

أنه كله غرر، إذ جمع فيها المطلوب في ذلك الوقت بأبدع لفظ وأحسن عبارة في ذلك المحفل العظيم، ولم نزل نسمع في المذاكرات بالمغرب لما انتهى فيها إلى قوله فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر قال له بعض من حضر ولعله أراد الغض منه: أحسنت يا وزير فيما قلت، وفي وصف الحال والسلطان، غير أنه بقي عليك شيء، هو ذكر قرابة السلطان موالينا بني مرين وهم من هم، ولا ينبغي السكوت عنهم فارتجل ابن الخطيب حينئذ قوله ومن دون ما تبغيه - إلى آخره حتى تخلص لمدح بني مرين أقارب السلطان بما لا مرمى وراءه، ثم قال بعد ذلك معتذراً أمولاي غاضت فكرتي - إلى آخره " وهذا أن صح أبلغ مما وقع لأبي تمام في سينيته حيث قال لا تنكروا ضربي له - البيتين لأن أبا تمام ارتجل بيتين فقط، ولسان الدين ارتجل تسعة عشر بيتاً، مع ما هو عليه من الخروج عن الوطن وذهاب الجاه والمال، فأين الحال من الحال

وقد كرر ابن خلدون رحمه الله تعالى في تاريخه قضية اعتقال لسان الدين وخلع سلطانه في موضع آخر، ولذكره إن سبق بعضه لاشتماله على منشأ الوزير لسان الدين، وجملة من أحواله إلى قريب من مهلكه، فنقول (1) : قال رحمه الله تعالى بعد ذكره عبد الله والد لسان الدين وأنه انتقل من لوشة إلى غرناطة، واستخدم لملوك بني الأحمر، واستعمل على مخازن الطعام، ما محصله: ونشأ ابن محمد هذا، يعني لسان الدين ابن الخطيب، بغرناطة، وقرأ وتأدب على مشيختها، واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل، وأخذ عنه العلوم الفلسفية، وبرز في الطب، وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخه، وامتلأ من حول اللسان نظمه ونثره (2) ، مع انتقاء الجيد منه، ونبغ (3) في الشعر الترسيل بحيث لا يجارى فيهما،

(1) انظر تاريخ ابن خلدون 7: 332 - 336 وأزهار الرياض 1: 204.

(2)

ابن خلدون: وامتلأ حوض السلطان من نظمه

إلخ.

(3)

ابن خلدون: وبلغ.

ص: 97

وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره، وملأ الدنيا بمدائحه، وانتشرت في الآفاق، فرقاه السلطان إلى خدمته، وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوساً بأبي الحسن ابن الجياب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية، وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سفله عندما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه (1) ، فاستبد ابن الخطيب برياسة الكتاب ببابه مثناة بالوزارة ولقبه بها، فاستقل بذلك، وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة، ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات فجمع له بها أموالاً وبلغ به في المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله، وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة معزياً بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته، ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة، عدا عليه بعض الزعانف في سجوده للصلاة، وطعنه فأشواه، وفاظ لوقته، وتعاورت سيوف المالي المعلوجي هذا القاتل، فمزقوه أشلاء، وبويع ابن محمد لوقته، وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم، واستبد بالدولة، وأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه، وجعل ابن الخطيب رديفاً لرضوان في أمره، ومشاركاً في استبداده معه، فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة، ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيراً إلى السلطان أبي عنان مستمدين منه الطاغية على عاداتهم مع سلفه فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شعر قدمه بين يدي نجواه، فأذن له، وأنشد وهو قائم:

خليفة الله ساعد القدر

علاك ما لاح في الدجى قمر

(1) سقطت هنا جملة تفيد أن ابن الجياب توفي بالطاعون الجارف سنة 749 فولى السلطان أبو الحجاج ابن الخطيب رياسة الكتاب

إلخ.

ص: 98

ودافعت عنك كف قدرته

ما ليس يسطيع دفعه البشر

وجهك في النائبات بدر دجى

لنا وفي المحل كفك المطر

والناس طراً بأرض أندلس

لولاك ما أوطنوا ولا عمروا

وجملة الأمر أنه وطن

في غير علياك ما له وطر

ومن به مذ وصلت حبلهم

ما جحدوا نعمة ولا كفروا

وقد أهمتهم بأنفسهم

فوجهوني إليك وانتظروا فاهتز السلطان لهذه الأبيات، وأذن له في الجلوس، وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم إلا بجميع طلباتهم، ثم أثقل كاهلهم بالإحسان، وردهم بجميع ما طلبوه، وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف - وكان معه في ذلك الوفد - لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا، ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين، ثم ثار بهم محمد الرئيس ابن عم السلطان، شركه في جده الرئيس أبي سعيد، وتحين خروج السلطان إلى منتزهه خارج الحمراء، وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء، وكبس رضوان في بيته فقتله، ونصب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقه، وكان معتقلاً بالحمراء، فأخرجه وبايع له، وقام بأمره مستنداً عليه، وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان، فركب ناجياً إلى وادي آش وضبطها، وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب، وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس، واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه، وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامه بالأندلس، وكان غالباً على هوى السلطان أبي سالم، فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبوناً على أهل الأندلس، ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب، فقبل ذلك منه، وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي

ص: 99

آش إليه، وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني، وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب وحل معتقله فأطلق، وصحبه الشريف أبا القاسم إلى وادي آش، وسار في ركاب سلطانه، وقدموا على السلطان أبي سالم (1) ، فاهتز لقدوم ابن الأحمر، وركب في الموكب لتلقيه، وأجلسه إزاء كرسيه، وأنشد ابن الخطيب قصيدته يستصرخ السلطان لنصره، فوعده، وكان يوماً مشهوداً، ثم أكرم مثواه وأرغد نزله، ووفر أرزاق القادمين مع ركابه، وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والإقطاع، ثم استيأس واستأذن السلطان في التجوال بجهات مراكش الوقوف على أعمال الملك بها فأذن له، وكتب إلى العمال بإتحافه فتباروا في ذلك، وحصل منه على حظ، وعندما مر بسلا إثر قفوله من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة، ووقف على قبر السلطان أبي الحسن، وأنشد قصيدة على روي الراء يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة، مطلعها:

إن بان منزله وشطت داره

قامت مقام عيانه أخباره

قسم زمانك عبرة أو عبرة

هذي ثراه وهذه آثاره فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه، واستقر هو بسلا منتبذاً عن سلطانه طول مقامه بالعدوة، ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد، والقائم بالدولة يومئذ الوزير عمر بن عبد الله بن علي، فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره، فسر السلطان لقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله، وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وابن أشياخهم قد لحق بالطاغية ملك النصارى في ركاب أبيه عندما أحس بالشر

(1) فزين له

أبي سالم: سقطت كلها سهوا من ص.

ص: 100

من الرئيس صاحب غرناطة، وأجاز يحيى من هناك إلى العدوة، وأقام عثمان بدار الحرب، فصحب السلطان في مثوى اغترابه هناك، وتقلب في مذاهب خدمته، وانحرفوا عن الطاغية عندما يئسوا من الفتح على يده، فتحولوا عنه إلى ثغور بلادهم، وخاطبوا الوزير عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية (1) التي لطاعتهم (2) بالأندلس يرتقبون منها الفتح، وخاطبني السلطان المخلوع من ذلك، وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله ذمة مرعية، وخاصة متأكدة، فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله، وحملته أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي من تراث سلفه، فقبل إشارتي في ذلك، وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها، وعثمان بن يحيى في جملته، وهو المقدم في بطانته، ثم غزوا منها مالقة، فكانت ركاباُ للفتح، وملكها السلطان (3) ، واستولى بعدها على دار ملكه بغرناطة، وعثمان بن يحيى متقدم القدم في الدولة عريق في المخالصة، وله على السلطان دالة واستبداد على هواه، فلما وصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده، وأعاده إلى مكانه في الدولة من علو يده وقبول إشارته، أدركته الغيرة من عثمان، ونكر على السلطان الاستكفاء به، وأراه التخوف من هؤلاء الأعياص (4) على ملكه، فحذره السلطان، وأخذ في التدبير عليه، حتى نكبه أباه وأخوته في رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة، وأودعهم المطبق، ثم غربهم في ذلك، وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بينه بندمائه وأهل خلوته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد، وانصرفت إليه النجوم وعلقت به الآمال، وغشي بابه الخاصة والكافة وعصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتفننوا في السعايات فيه، وقد هم السلطان

(1) ابن خلدون: القريبة.

(2)

ابن خلدون: أطاعتهم؛ الأزهار: لطاغيتهم.

(3)

فكانت

السلطان: سقطت من ق.

(4)

كذا في ابن خلدون، وفي ق ص: الأعايض، حيثما وقعت.

ص: 101

عن قبولها، ونمي الخبر بذلك إلى ابن الخطيب، فشمر عن ساعده في التفويض، واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يوم إذ في القبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان بن يعقوب ابن عبد الحق، كانوا قد نصبوه شيخاُ على الغزاة بالأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك، وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية، وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مريب، فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس، فأجاز هو ووزيره مسعود ابن ماساي، ونزلوا على السلطان المخلوع أعوام سبعة وستين وسبعمائة، فأكرم نزله، وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه، وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله، فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك، وتوقع انتقاض أمره منهم، ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسر بها في بني مرين، فجزع في ذلك، وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه، فأجابه إلى ذلك، وكتب إليه العهد بخطه على يد سفيره إلى الأندلس، وكاتبه أبي يحيى ابن أبي مدين، وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماساي، فتقبض عليهما واعتقلهما (1) ، وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية، وربما تخيل أن السلطان مال إلى قبولها، وأنهم قد أحفظوه عليه، فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب، واستأذن السلطان في تفقد الثغور، وسار إليها في لمة من فرسانه، وكان معه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان، وذهب لطيته، فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه، وسرح إذنه بين يديه، فخرج قائد الجبل لتلقيه، وقد كان السلطان عبد العزيز

(1) وأغرى

واعتقلهما: سقطت من ابن خلدون، وفيها تكرار لما سبق.

ص: 102

أوعز إليه بذلك، وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة، وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم، ثم سار لقصد السلطان، فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمقامه من تلمسان، فاهتزت له الدولة، وأركب السلطان خاصته لتلقيه، وأحله من مجلسه بمحل الأمن والغبطة، ومن دولته بمكان التنويه والعزة، وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى ابن أبي مدين سفيراً إلى صاحب الأندلس في طلب أهله وولده، فجاء بهم على أكمل حالات الأمن والتكرمة، ثم أكثر المنافسون (1) له في شأنه، وأغروا سلطانه بتتبع عثراته، وإبداء ما كان كامناً في نفسه من سقطاته، وإحصاء معايبه، وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها، ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي حسن ابن الحسن فاسترعاها، وسجل عليه بالزندقة، وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه، وبعث القاضي ابن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات، وإمضاء حكم الله فيه، فصم عن ذلك وأنف لذمته أن تخفر لجواره أن يرد وقال لهم: هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه، وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري. ثم وفر الجراية والإقطاع له ولبنيه ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته، فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان سار هو في ركاب الوزير أبي بكر ابن غازي القائم بالدولة، فنزل بفاس، واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنان، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى، واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره، انتهى.

(1) ابن خلدون: لغط المنافسون؛ ق: المتنافسون.

ص: 103

[رواية ابن خلدون عن نهاية لسان الدين]

وقال ابن خلدون في تاريخه ما صورته (1) : كان محمد بن الأحمر المخلوع قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ثلاث وستين، وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزي على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع، واستوى على كرسيه، واستقل بملكه، ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب، فاستخلصه، وعقد له على وزارته، وفوض إليه في القيام بملكه، فاستولى عليه، وملك هواه، وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه، إلى أن نزلت به آفة في رياسته فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه، وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة من ولد عمهم السلطان أبي علي، ويخشونهم على أمرهم، ولما لحق الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب، واستخلصه لنجواه، ورفع في الدولة رتبته، وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص، فكانت له آثار في الاضطلاع بها، ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه، وكان ابن الخطيب (2) ساعياُ في مرضاته عند سلطانه، فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماساي، وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره، وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما ابن الأحمر، واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز، وتغير الجو بين ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب وأظلم وتنكر له، فنزع له إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق، فقبله السلطان وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب، وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده فبعثهم إليه، واستقر في جملة السلطان، ثم تأكدت العداوة بينه

(1) تاريخ ابن خلدون 7: 337 وأزهار الرياض 1: 224.

(2)

واستخلصه

الخطيب: سقطت من ص سهوا.

ص: 104

وبين ابن الأحمر، فرغب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس وحمله عليه، وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب، ونمي ذلك إلى ابن الأحمر، فبعث إلى السلطان عبد العزيز بهدية لم يسمع بمثلها انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه، وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه، فأبى السلطان من ذلك ونكره. ولما هلك السلطان واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه ابن الخطيب وداخله، وخاطبه ابن الأحمر بمثل ما خاطب به السلطان عبد العزيز، فلج واستنكف عن ذلك، وأقبح الرد وانصرف، رسوله إليه وقد رهب سطوته، فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول، وقذف به إلى ساحل بطوية ومعه الوزير مسعود بن ماساي، ونهض - يعني ابن الأحمر - إلى جبل الفتح، فنازله بعساكره، ونزل عبد الرحمن ببطوية.

ثم ذكر ابن خلدون كلاماُ كثيراً تركته لطوله، وملخصه (1) أن الوزير أبا بكر ابن غازي الذي كان تحيز إليه ابن الخطيب ولى ابن عمه محمد عثمان مدينة سبتة خوفاُ عليها من ابن الأحمر، ونهض هو - أعني الوزير - إلى منازلة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ببطوية إذ كانوا قد بايعوه، فامتنع عليه، وقاتله أياماً ثم رجع إلى تازا، ثم إلى فاس، واستولى عبد الرحمن على تازا، وبينما الوزير أبو بكر بفاس يدبر الرأي إذ وصله الخبر أن ابن عمه محمد بن عثمان بايع السلطان أحمد بن أبي سالم، وهو المعروف بذي الدولتين، وهذه هي دولته الأولى، وذلك أن ابن عم الوزير وهو محمد بن عثمان لما تولى سبتة كان ابن الأحمر قد طاول حصار جبل الفتح، وأخذ بمخنقه وتكررت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان والعتاب، فاستعتب له، وقبح ما جاء به ابن عمه الوزير أبو بكر ابن غازي من الاستغلاظ له في شأن ابن الخطيب وغيره، فوجد ابن

(1) تاريخ ابن خلدون 7: 338 - 341 وأزهار الرياض 1: 226.

ص: 105

الأحمر في ذلك السبيل إلى غرضه، وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الحوطة والرقبة، وأن يقيمه للمسلمين سلطاناً ولا يتركهم فوضى وهملاً تحت ولاية الصبي الذي لم يبلغ ولا تصح ولايته شرعاً، وهو السعيد ابن أبي فارس الذي بايعه الوزير أبو بكر ابن غازي بتلمسان حين مات أبوه واستبد عليه، واختص ابن الأحمر أحمد بن أبي سالم من بين أولئك الأبناء لما سبق بينه وبين أبيه أبي سالم من الموات، وكان ابن الأحمر اشترط على محمد بن عثمان وحزبه شروطاً: منها أن ينزلوا له عن جبل الفتح الذي هو محاصر له، وأن يبعثوا إليه جميع أبناء الملوك من بني مرين ليكونوا تحت حوطته، وأن يبعثوا إليه بالوزير ابن الخطيب متى قدروا عليه، فانعقد أمرهم على ذلك، وتقبل محمد بن عثمان شروطه، وركب من سبتة إلى طنجة، واستدعى أبا العباس أحمد من مكان اعتقاله فبايعه، وحمل الناس على طاعته، واستقدم أهل سبتة على البيعة وكتابتها فقدموا وبايعوا، وخاطب أهل جبل الفتح فبايعوا، وأفرج ابن الأحمر عنهم، وبعث إليه محمد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح، وخاطب أهله بالرجوع إلى طاعته، فارتحل ابن الأحمر من مالقة إليه، ودخله، ومحا دولة بني مرين مما وراء البحر، وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده بعسكر من غزاة الأندلس، وحمل إليه مالاُ للإعانة على أمره. ولما وصل الخبر بهذا كله إلى الوزير أبي بكر ابن غازي قامت عليه القيامة، وكان ابن عمه محمد بن عثمان كتب إليه يموه بأن هذا عن أمره، فتبرأ من ذلك، ولاطف ابن عمه أن ينقض ذلك الأمر، فاعتل له بانعقاد البيعة لأبي العباس، وبينما الوزير أبو بكر ينتظر إجابة ابن عمه إلى ما رامه منه بلغه الخبر بأنه أشخص الأبناء المعتقلين كلهم إلى الأندلس، وحصلوا تحت كفالة ابن الأحمر، فوجم وأعرض عن ابن عمه، ونهض إلى تازا لمحاصرة عبد الرحمن ابن أبي يفلوسن، فاهتبل في غيبته ابن عمه محمد بن عثمان ملك المغرب ووصله مدد السلطان ابن الأحمر من رجال الأندلس الناشبة نحو ستمائة، وعسكر آخر من

ص: 106

الغزاة، وبعث ابن الأحمر رسالة إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد مع ابن عمه ومظاهرته واجتماعهما على ملك فاس، وعقد بينهما الاتفاق على أن يختص عبد الرحمن بملك سلفه، فتراضيا.

وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس، وبلغ الخبر إلى الوزير أبي بكر بمكانه من تازا، فانفض معسكره، ورجع إلى فاس، ونزل بكدية العرائس وانتهى السلطان أبو العباس احمد إلى زرهون، فصمد إليه الوزير بعساكره، فاختل مصافه، ورجع على عقبه مفلولاُ، وانتهب عسكره، ودخل البلد الجديد، وجأجأ بالعرب أولاد حسين فعسكروا بالزيتون ظاهر فارس، فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازا بمن كان معه من العرب الأجلاف، وشردهم إلى الصحراء، وشارف السلطان أبو العباس أحمد بجموعه من العرب وزناتة، وبعثوا إلى ولي دولتهم ونزمار ابن عريف بمكانه من قصره الذي اختطه بملوية، فجاءهم، وأطلعوه على كامن أسرارهم، فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق، فاجتمعوا بوادي النجا، وتحالفوا ثم ارتحلوا إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وبرز إليهم الوزير بعساكره، فانهزمت جموعه، وأحيط به، وخلص إلى البلد الجديد بعد غص الريق، واضطرب معسكر السلطان أبي البعباس بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزاءه، وضربوا على البلد الجديد سياجاً بالبناء للحصار، وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب، ووصلهم مدد السلطان ابن الأحمر، فأحكموا الحصار، وتحكموا في ضياع الوزير ابن الخطيب بفاس، فهدموها وعاثوا فيها، ولما كان فاتح سنة ست وسبعين داخل محمد بن عثمان ابن عمه الوزير أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان، لكون الحصار قد اشتد به ويئس وأعجزه المال، فأجاب واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي لهم عن أعمال مراكش بدل سجلماسة، فعقدوا له على كره، وطووا على المكر، وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان وبايعه، واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة، ودخل السلطان أبو العباس إلى البلد

ص: 107

الجديد سابع المحرم، وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش، وستولى عليها، انتهى.

[رواية ابن الأحمر]

وقال حفيد السلطان ابن الأحمر في تاريخه ما صورته: لما لحق الرئيس أبو عبد الله ابن الخطيب بالمغرب عام اثنين وسبعين وسبعمائة، وكان من وفاة مجيره والمحامي عنه السلطان عبد العزيز ما ألمعنا بذكره، شد الوزير أبو بكر ابن غازي يده على ابن الخطيب بانياً على أشد الأشياء ألا يسلمه لمولانا جدنا مع توقع البغضاء، واقتدى هذا الوزير بالسلطان عبد العزيز في إعراضه عن العقود الموجهة من الأندلس بالمقذع من موبقات ابن الخطيب، ولج في الغلواء، وسجل موجبات الوفاء، والبواعث من مولانا جدنا تتزايد، والأساطيل تتجهز، والآراء بالقصد الخطير ينتقى منها الصواب ويتخير، حتى خيم مولانا جدنا بظاهر جبل الفتح، وكان إذ ذاك راجعاً إلى إيالة المغرب، فأناخ عليه كلكل الجيش، وأهمهم ثقل الوطأة ولم يبال مولانا جدنا بما أرسلت آناء الليل وأطراف النهار من شآبيب الأنفاط، والجوار من باب الشطائين قريب، والخالصة من الثقات مستريب، والنجاة من تلك الأهوال من الأمر الغريب، ولم يبق بغرناطة من له خلوص، ولا من تترامى به همة إلا وأعمل السير الحثيث ولحق بمولانا جدنا لحاق المحب بالحبيب، حتى أهل العلم، والرجاحة والحلم، ولا كالسيد الإمام الأستاذ أبي سعيد قطب الجملة، وعميد الملة، وهو الذي بلغنا نظمه في هذه الوجهة، وعندما ألقى عصا التسيار في الجهة القريبة من أولي العداوة، ومن ذلك قصيدته المشهورة التي أولها:

يا جبل الفتح استملت نفوسنا

فلا قلب إلا نحو مغناك قد سبق

فأرسلت إذ جئناك فينا صواعقاً

تخال بها جو السماء قد انطبق

ص: 108

وقوله في إجابة السفهاء من الهاتفين بالسور موطئاً معجباً رحمة الله تعالى عليه:

وذموا وما يعنون إلا مذمماً

وأنت بحمد الله تدعى محمداً وقول حامل اللواء الآتي ذكره في تضاعيف الأسماء:

أما مرامك في عراض البيد

فمبلغ ما شئت من مقصود

والهجر إن ألقته ألسنة العدا

يأباه فضل مقامك المحمود

سحقاً لهم سفهاء كل قبيلة

شذت مقالتهم عن المعهود

قد ضلت الأحلام منهم رشدها

هذا، ومنك الحلم غير بعيد

مع عزمة لو شئت هدت كل ما

قد أحكموا من معلم ومشيد إلى أن قال الخبر عن اجتماع الأميرين أبي العباس وأبي زيد متصاحبين وترافقين على استخلاص مدينة فاس من يد الوزير أبي بكر ابن غازي بن الكاس: وكتب الرئيس أبو عبد الله ابن زمرك في مخلص هذه الكائنة حث الوزير محمد ابن عثمان السير في وسط عام خمسة وسبعين وسبعمائة، وتلاقى بسلطانه أبي العباس مع الأمير أبي زيد عبد الرحمن، واستقلا بالطائلة، وحصلا من التضييق على السعيد الطفل الصغير وعلى وزيره أبي بكر ابن غازي في متسع الخطة ورحيب ذرع الخلافة، وتصالحا عن رضى وتسليم منهما ومن أشياعهما على تسليم السعيد إلى اللحاق بمن كان في طنجة من الأمراء، واتصل السلطان عبد الرحمن بمراكش، فكان ملكها وجابي أموالها، وتملك السلطان أبو العباس مدينة فاس وما والى البلاد الساحلة وسواها مما يحتوي عليه ملك المدينة البيضاء براً وبحراً.

وعبر كاتب الدولة عن المدينة وعن الطفل متملكها بقوله: وإلى هذا فقد ارتفع الالتباس، واطرد القياس، وغير خفي عن ذي عقل سليم، وذي تفويض للحق وتسليم، أن دار الملك المريني كمامة بلا زهر، ورياض بلا نهر، إن لم يعتقد كرسيها، من يزين جيدها ويجيد حليها، وآن أوان البشرى لمن يمتعض

ص: 109

للدين، والآن قلادة التقوى منوطة بقلم أعلام الملوك المهتدين، ثم ذكر ما يطول من فصول، وربما اشتملت على فضول، وملخصه مثل ما ذكر ابن خلدون.

[تتمة الخبر عن نهاية لسان الدين نقلاً عن ابن خلدون]

ثم ساق قاضي القضاة ابن خلدون - بعد ما تقدم جلبه من تاريخه - الكلام على محنة لسان الدين ووفاته مقتولاً رحمه الله تعالى فقال ما صورته (1) : ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح ست وسبعين استقل بسلطانه، والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه، وسليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر رديفه، وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر - عندما بويع بطنجة - على نكبة الوزير ابن الخطيب وإسلامه إليه، لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس، فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر ابن غازي بساحة البلد الجديد، فهزمه السلطان ولازمه بالحصار، أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفاً على نفسه، فلما استولى السلطان على البلد أقام أياماً، ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض على ابن الخطيب، فقبضوا عليه، وأودعوه السجن، وطيروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر، وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب، لما كان سليمان قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس متى أعاده الله تعالى إلى ملكه، فلما استقر إليه سلطانه أجاز إليه سليمان سفيراً عن الوزير عمر بن عبد الله ومقتضياً عهده من السلطان، فصده الوزير ابن الخطيب عن ذلك، محتجاً بأن تلك الرياسة إنما هي لأعياص الملك من بني عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة، فرجع سليمان، وأثار حقد ذلك لابن الخطيب، ثم جاوز الأندلس لمحل إمارته من جبل الفتح فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات

(1) تاريخ ابن خلدون 7: 341 وأزهار الرياض 1: 229.

ص: 110

ينفث كل واحد منهما لصاحبه بما يحفظه مما كمن في صدورهما، وحين بلغ خبر القبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر بعث كتابه ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو أبو عبد الله ابن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس، وأحضر ابن الخطيب بالمشور (1) في مجلس الخاصة، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه في المحبة، فعظم النكير فيها، فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ، ثم تل إلى محبسه، واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه، ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلاً، ومعهم زعانفة جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر وقتلوه خنقاً في محبسه، وأخرج شلوه من الغد، فدفن بمقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على سافة (2) قبره طريحاً، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت عليه نار، فاحترق شعره، واسود بشره، فأعيد إلى حفرته، وكان في ذلك انتهاء محنته، وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان، واعتدوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته، والله الفعال لما يريد.

وكان - عفا الله تعالى عنه - أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتجهش هواتفه بالشعر يبكي نفسه، ومما قال في ذلك رحمه الله تعالى:

بعدنا وإن جاورتنا البيوت

وجئنا بوعظ ونحن صموت

وأنفاسنا سكنت دفعة

كجهر الصلاة تلاه القنوت

وكنا عظاماً فصرنا عظاماً

وكنا نقوت فما نحن قوت

وكنا شموس سماء العلا

غربن فناحت علينا السموت

فكم جدلت ذا الحسام الظبى

وذو البخت كم جدلته البخوت

(1) تصحفت الكلمة في ق ص؛ والمشور: القصر لأنه موضع الشورى.

(2)

ق وابن خلدون والأزهار: شافة.

ص: 111

وكم سيق للقبر في خرقة

فتى ملئت من كساه التخوت

فقل للعدا ذهب ابن الخطيب

وفات، ومن ذا الذي لا يفوت

ومن كان يفرح منهم له

فقل: يفرح اليوم من لا يموت انتهى كلام ابن خلدون في ديوان العبر.

[عن ابن حجر]

وقال الحافظ ابن حجر في " أنباء الغمر " بعد أن ذكر ما قدمناه على سبيل الاختصار، ما نصه: واشتهر أنه - يعني لسان الدين - نظم حين قدم للقتل الأبيات المشهورة التي يقول فيها:

وقل للعداة مضى ابن الخطيب

وفات فسبحان من لا يفوت

فمن كان يشمت منكم به

فقل: يشمت اليوم من لا يموت والصحيح في ذلك ما ذكره صديقه شيخنا ولي الدين ابن خلدون أنه نظم الأبيات المذكورة وهو في السجن، لما كان يستشعر من التشديد؛ انتهى.

ثم حكى ابن حجر عن بعض الأعيان أن ابن الأحمر وجهه إلى ملك الإفرنج في رسالة، فلما أراد الرجوع أخرج له رسالة لابن الخطيب تشتمل على نظم ونثر، فلما قرأها قال له: مثل هذا كان ينبغي أن لا يقتل، ثم بكى حتى بل ثيابه؛ انتهى كلام الحافظ، وبعضه بالمعنى. فانظر - سددك الله تعالى - بكاء العدو الكافر على هذا العلامة، وقتل إخوانه في الإسلام له على حظ نفساني، ولا حول ولا قوة إلا باله العلي العظيم، لا رب غيره.

[تخميس لأبيات لسان الدين]

قلت: ورأيت بحضرة فاس - حاطها الله تعالى - تخميساً لهذه الأبيات بديعاً

ص: 112

منسوباً إلى بعض بني الصباغ، وزاد في الأصل بعض أبيات على ما ذكره ابن خلدون من هذه القطعة، والمزيد يشبه نفس لسان الدين ابن الخطيب، فلعل ابن خلدون اختصر منها، أو لم يقف على الزائد، ولنثبت جملته تتميماً للمقصود، فنقول: قال رحمه الله تعالى (1) :

أيا جاهلاً غره ما يفوت

وألهاه حال قليل الثبوت

تأمل لمن بعض أنس يقوت (2)

بعدنا وإن جاورتنا البيوت وجئنا بوعظ ونحن صموت

لقد نلت من دهرنا رفعة

تقضت كبرق مضى سرعة

فهيهات نرجو لها رجعة

وأصواتنا سكنت دفعة كجهر الصلاة تلاه القنوت

بدا لي من العز وجه شباب

يؤمل سيبي وبأسي يهاب

فسرعان مزق ذلك الإهاب

ومدت وقد أنكرتنا الثياب علينا نسائجها العنكبوت

فآهاً لعز تقضى مناما

منحنا به الجاه قوماً (3) كراما

وكنا نسوس أموراً عظاما

وكنا عظاماً فصرنا عظاما وكنا نقوت فها نحن قوت

(1) هذا التخميس في أزهار الرياض 1: 231.

(2)

الأزهار: يصوت.

(3)

الأزهار: دوما.

ص: 113

وكنا لدى الملك حلي الطلى

فآهاً عليه زماناً خلا

نعوض من جدة بالبلى

وكنا شموس سماء العلا غربنا فناحت علينا السموت

تعودت بالرغم صرف الليالي

وحملت نفسي فوق احتمالي

وأيقنت أني سوف يأتي ارتحالي

ومن كان منتظراً للزوال فكيف يؤمل منه الثبوت

هو الموت يا ما له من نبا

يحوز الحجاب إلى من أبى

ويألف أخذ سني الحبا

فكم أسلمت ذا الحسام الظبى وذا البخت كم جدلته البخوت

هو الموت أفصح عن عجمة

وأيقظ بالوعظ من خفقة

وسلى عن الحزن ذا حرقة

وكم سيق للقبر من خرقة فتى ملئت من كساه التخوت

تقضى زماني بعيش خصيب

وعندي لذنبي انكسار المنيب

وها الموت قد صبت منه نصيبي

فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات ومن ذا الذي لا يفوت

مضى ابن الخطيب كمن قبله

ومن بعده يقتفي (1) سبله

وهذا الردى ناثر شمله

فمن كان يفرح منهم له فقل: يفرح اليوم من لا يموت

(1) ق: يبتغي.

ص: 114

هو الموت عم فما للعدا

يسرون بي حين ذقت الردى

ومن فاته اليوم يأتي غدا

سيبلى الجديد إذا ما المدى تتابع آحاده والسبوت

أخي توخ طريق النجاة

وقدم لنفسك قبل الممات

وشمر بجد لما هو آت

ولا تغترر بسراب الحياة فإنك عما قريب تموت

وقد ذكرني قوله رحمه الله تعالى " فمن كان يفرح منهم له - إلى آخره " قول بعض العلماء الشاميين:

يا ضاحكاً بمن استقل غباره

سيثور عن قدميك ذاك العثير

لا فارس بجنودها منعت حمى

كسرى، ولا للروم خلد قيصر

جدد مضت عاد عليه وجرهم

وتلاه كهلان وعقب حمير

وسطا بغسان الملوك وكندة

فلها دماء عنده لا تثأر

لعبت بهم فكأنهم لم يخلقوا

ونسوا بها فكأنهم لم يذكروا [فصل في الاعتبار لابن دحية]

وما أحسن قول أبي الخطاب ابن دحية الحافظ بعد كلام ما صورته (1) : وأخذت من طريق خوزستان إلى طريق حلوان، وقاسيت من الغربة أصناف الألوان، ومررت على مدائن كسرى أنوشروان، وزرت بها قبر صاحب النبي، صلى الله عليه وسلم، الزاهد العابد المعمر سلمان، وأعملت بها السير والإغذاذ، إلى مدينة بغذاذ، فنظرت إليها معالم وربوعاً، وأقمت بها مرة عاماً ومرة أسبوعاً وأسبوعا، وأنا ابدي في ندائهم وأعيد، والترب قد علا على منازلهم والصعيد، وأسأل عن الخلفاء الماضين وأنشد، ولسان الحال يجاوبني وينشد:

(1) انظر كتاب النبراس: 168.

ص: 115

يا سائل الدار عن أناس

ليس لهم نحوها معاد

مرت كما مرت الليالي

أين جديس وأين عاد بل أين البشر آدم الذي خلقه بيده الكبير المتعال أين الأنبياء من ولده والأرسال، أهل النبوة والرسالة، والوحي من الله ذو الجلالة أين سيدهم محمد الذي فضله عليهم ذو العزة والجلال، وجعله شفيعهم مع أمته والناس في شدائد الأهوال أين القرون الماضية والأجيال أين التبابعة والأقيال أين ملوك همدان أين أولو الأبلق الفرد أو غمدان أين أولو التيجان والأكاليل أين الصيد والبهاليل بل أين النمارذة وأكبرهم نمروذ إبراهيم الخليل أين الفراعنة ومن هو بالسحر عليم، الذين منهم فرعون موسى الكليم أين ملك الهدنانية (1) هدد بن بدد الكردي، الذي لم يكن غدره بمفيد له ولا مجدي وقد أخبر الحق جل جلاله عنه أنه كان يأخذ كل سفينة غصباً، وزعم المؤرخون أنه كان أيضاً يملأ القلوب رعباً، ويسوم أصحابه قتلاً وصلباً، مع الطمع في المال، وعدم النظر في عقبى المال، أين الفرس وملوكهم، وعدلها وعدولها أين دارا بن بهمان أين إسكندر بن فلبس اليوناني الذي غلبه وملك بلاده في ذلك الزمان، وأطاعه جميع ملوك الأقاليم، وقدر به الله امتحان الخلق ذلك تقدير العزيز العليم أين كسرى وقيصر غلبهما من الموت الأسد القسور، بعد أن أخرجهما من بلادهما أمير المؤمنين أبو حفص عمر، لما ظهرت الملة الحنيفية كما ظهرت (2) الشمس وبدا القمر، أين أولاد جفنة وملوك غسان أين مماديح زياد وحسان أين هرم بن سنان أين الملاعب بالسنان أين أولاد مضر بن نزار بن معد بن عدنان أين بنو عبد المدان أين أرباب العواصم أين قيس بن عاصم أين العرب العرباء الأمة الفاضلة، والجماعة المناضلة أين أولو الباس والحفاظ، وذوو الحمية والإحفاظ حيث الوفاء والعهد،

(1) في ابن الأثير والتنبيه وابن حوقل: الهذبانية.

(2)

ق ص: ظهر.

ص: 116

والحباء والرفد، إلى علو الهمم، والوفاء بالذمم، والعطاء الجزل، والضيف والنزل، وهبة الافال والبزل، وإنها لا تدين عزاً ولا تقاد، ولا ترام أنفة ولا تفاد، أين قريش المغرورين في الجاهلية بالحي اللقاح، والشعب الرقاح أين الماضون من ملك بني أمية ذوو الألسن الذلق، والأوجه الطلق والحمية أين خلفاء بني العباس بن عبد المطلب، الذي شرفهم بالأصالة وليس إليهم بالمنجلب ذوو الشرف الشامخ، والفخر الباذخ، والخلافة السنية الرضية، والمملكة العامة المرضية، بلغتنا والله وفاتهم، ولم يبقى إلا ذكرهم وصفاتهم، قبض ملك الموت أرواحهم قبضاً، ولم يترك لهم حراكاً ولا نبضاً، ومزق الدود لحومهم قدداً، ووجدوا ما عملوا حاضرا ًولا يظلم ربك أحداً، إلا ما كان من أجساد الأنبياء عليهم أفضل التسليم، فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وقد تكلمت على هذا الحديث وأثبت أنه من الصحيح لا القسيم، وخرجت طرقه في كتابي " العلم المشهور "(1) بعون من العزيز الرحيم، فما أبعد المرء عن رشده وما أقصاه، كم وعظه الدهر وكم وصاه، يخلط الحقيقة بالمحال، والعاطل بالحال، ولا توبة حتى يشيب الغراب، ويألف الدم التراب، فيا لهفي لبعد الدار، وانقضاض الجدار، وأنت هامة ليل أو نهار، وقاعد من عمرك على شفا جرف هار، تقرأ العلم وتدعيه، ولا تفهمه ولا تعيه، فهو عليك لا لك، فأولى لك ثم أولى لك، أما آن لليل الغي أن تنجلي أحلاكه، ولنظم البغي أن تنتثر أسلاكه، وأن يستفظع الجاني جناه، ويأسف على ما اقترفه وجناه، وأن يلبس عهاده بتاً (2) ، ويطلق الدنيا بتاً، ويفر منها فرار الأسد، ويتيقن أنه بد من مفارقة الروح الجسد، نبهنا الله تعالى من سنات غفلاتنا، وحسن ما ساء من صنائعنا الذميمة وسلاتنا، وجعل التقوى أحصن عددنا وأوثق آلاتنا، اللهم إليك المآب، وبيدك المتاب، قد واقعنا الخطايا،

(1) هو العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور.

(2)

ق ص: ربتا.

ص: 117

وركبنا الأجرام رواحل ومطايا، فتب عينا أجمعين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين الطائعين، وصلى الله على سيد ولد آدم محمد شفيعنا يوم القيامة، وصاحب الحوض المورود والمقام المحمود والكرامة، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه أهل الرضوان المنتخبين، وسلام الله عليه وعليهم إلى يوم الدين؛ انتهى وهو آخر كتابه " النبراس في تاريخ بني العباس " وذكرته بطوله لمناسبته.

قلت: وقد سلكت هذا المنحى نظماً في خطبة هذا الكتاب كما مر، وللسان الدين رحمه الله تعالى كلام قريب من هذا سيأتي في نثره إن شاء الله تعالى.

وأقول: إني قد تذكرت هنا قول القائل (1) :

نطوي سبوتاً وآحاداً وننشرها

ونحن في الطي بين السبت والأحد

فعد ما شئت من سبت ومن أحد

لا بد أن يخل المطوي في العدد وقول الآخر:

ألم تر أن الدهر يوم وليلة

يكران من سبت عليك إلى سبت

فقل لجديد العيش لا بد من بلى

وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت [نبذة عن أعداء لسان الدين]

واعلم أن لسان الدين لما كانت الأيام له مسالمة، لم يقدر أحد أن يواجهه بما يدنس معاليه أو يطمس معالمه، فلما قلبت الأيام له ظهر مجنها، وعاملته بمنعها بعد منحها ومنها، أكثر أعداؤه في شأنه الكلام، ونسبوه إلى الزندقة والانحلال من ربقة الإسلام، بتنقص النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، والقول بالحلول والاتحاد، والانخراط في سلك أهل الإلحاد، وسلوك مذاهب الفلاسفة في الاعتقاد، وغير ذلك مما أثاره الحقد والعداوة والانتقاد، مقالات نسبوها

(1) أزهار الرياض 1: 234.

ص: 118

إليه خارجة عن السنن السوي، وكلمات كدروا بها منهل علمه الروي، ولا يدين بها ويفوه إلا الضال الغوي، والظن أن مقامه رحمه الله تعالى من لبسها بري، وجنابه سامحه الله تعالى عن لبسها عري، وكان الذي تولى كبر محنته وقتله، تلميذه أبو عبد الله ابن زمرك الذي لم يزل مضمراً لختله، فلقد وقفت على خط ابن لسان الدين على أنه تسبب في قتل لسان الدين أبيه، وسيأتي الإلماع والإلمام (1) بابن زمرك المذكور في تلامذة لسان الدين، مع أنه - أعني لسان الدين - حلاه في الإحاطة أحسن الحلى، وصدقه فيما انتحله من أوصاف العلا، وقد سبق في كلام ولي الدين ابن خلدون أنه قدم على السلطان أبي العباس أحمد المريني في شأن الوزير ابن الخطيب، وأخرج إلى مجلس الخاصة، وامتحن والمجالس بالأعيان غاصة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن أعداءه الذين باينوه بعد أن كانوا يسعون في مرضاته سعي العبيد، القاضي أبو الحسن ابن الحسن (2) النباهي، فكم قبل يده، ثم جاهره بعد انتقال الحال، وجد في أمره مع ابن زمرك حتى قتل لسان الدين، وانقضت دولته فسبحان من لا يتحول ملكه ولا يبيد.

وقد سبق فيما جلبناه من كلام ابن خلدون أم القاضي ابن الحسن قدم على السلطان عبد العزيز في شأن لسان الدين والانتقام منه بسبب تلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه بمقتضاها، فأبى السلطان من ذلك، وقال: هلا فعلتم أنتم ذلك حين كان عندكم وامتنع لذمته أن يخفره، فلما أراد الله بنفوذ الأمر، وعدم نفع زيد وعمرو، توفي السلطان عبد العزيز، واختلت الأحوال، واضطربت بالغرب نيران الأهوال، فقدم في شأنه الوزير الكاتب ابن زمرك خادمه الذي رباه وصنيعته، فكان ما كان مما سبق به الإلمام (3) .

(1) ق ص: إلا مع الإلمام، وهو يحرف.

(2)

ق ص: الحسين، وهو خطأ.

(3)

ق ص: بالإلمام.

ص: 119

وقد ذكرنا في الباب الأول قول لسان الدين رحمه الله تعالى في قصيدته النونية:

تلون إخواني علي وقد جنت

علي خطوب جمة ذات ألوان

وما كنت أدري قبل أن يتنكروا

بأن خواني كان مجمع خواني

وكانت وقد حم القضاء صنائعي

علي بما لا أرتضي شر أعوان ولقد صدق رحمه الله تعالى، على أنه قال هذه القصيدة في النكبة الأولى التي انتقل فيها مع سلطانه إلى المغرب، كما مر مفصلاً، وكأنه عبر عن هذه المحنة الأخيرة التي ذهبت فيها نفسه على يد صنائعه الكاتب ابن زمرك والقاضي ابن الحسن، سامح الله الجميع.

ويرحم الله أبا إسحاق التلمساني صاحب الرجز في الفرائض حيث يقول:

الغدر في الناس شيمة سلفت

قد طال بين الورى تصرفها

ما كل من قد سرت له نعم

منك يرى قدرها ويعرفها

بل ربما أعقب الجزاء بها

مضرة عز عنك مصرفها

أما ترى الشمس كيف تعطف بالنو

ر على البدر وهو يكسفها وقال لسان الدين، بعد ذكره أن ملك النصارى دون جانجه بن دون الفنش استنصر على أبيه بالسلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ولاذ به، ورهن عنده تاجه ذخيرة النصارى، ولقيه بصخرة عباد من أحواز رندة، فسلم عليه ويقال: إن أمير المسلمين لما فرغ من ذلك طلب بلسان زناتة الماء ليغسل يده به من قبلة الفنش أو مصافحته، ما نصه (1) : والشيء بالشيء يذكر، فأثبت حكاية اتفقت لي بسبب ذلك، أستدعي بها الدعاء ممن يحسن عنده موقعها، وهي أن اليهودي الحكيم ابن زرزار على عهد ملك النصارى حفيد هذا الفنش

(1) ورد هذا النص في أعمال الأعلام: 333.

ص: 120

المذكور وصل إلينا بغرناطة في بعض حوائجه، ودخل إلي بدار سكناي مجاور القصر السلطاني بحمراء غرناطة، وعندي القاضي اليوم بغرناطة وغيره من أهل الدولة، وبيده كتاب من سلطان المغرب محمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان الكبير المولى أبي الحسن، وكان محمد هذا قد فر إلى صاحب قشتالة، واستدعي من قبله إلى الملك، فسهل له ذلك، واشترط عليه ما شاء، وربما وصله خطابه بما لم يقنعه في إطراءه، فقال لي: مولاي السلطان دن بطره يسلم عليك، ويقول لك: انظر مخاطبة هذا الشخص، وكان بالأمس كلباً من كلاب بابه، حتى ترى خسارة الكرامة فيه، فأخذت الكتاب من يده وقرأته، وقلت له: أبلغه عني أن هذا الكلام ما جرك إليه إلا خلو بابك من الشيوخ الذين يعرفونك بالكلاب وبالأسود، وبمن تغسل الأيدي منهم إذا قبلوها، فتعلم من الكلب الذي تغسل اليد منه ومن لا، وإن جد هذا الولد هو الذي قبل جدك يده واستدعى الماء لغسل يده منه بمحضر النصارى والمسلمين، ونسبة الجد إلى الجد كنسبة الحفيد إلى الحفيد، وكونه لجأ إلى بلادك ليس بعار عليه، وأنت معرض إلى اللجإ إليه فيكافئك بأضعاف ما عاملته به.

فقام أبو الحسن المستقضي يبكي ويقبل يدي، ويصفني بولي الله، وكذلك من حضرني، وتوجه إلى المغرب رسولاً، فقص على بني مرين خبر ما شاهده مني وسمعه، وبالحضرة اليوم ممن تلقى منه ذلك كثير، جعل الله تعالى ذلك خالصاً لوجهه؛ انتهى.

وقد أثنى لسان الدين في الإحاطة على القاضي ابن الحسن المذكور كما سيأتي، وقال في ترجمة السلطان ابن الأحمر ما نصه: ثم قدم للقضاء الفقيه الحسيب أبا الحسن، وهو عين الأعيان بمالقة، المخصوص برسم التجلة والقيام بالعقد والحل، فسدد وقارب، وحمل الكل، وأحسن مصاحبة الخطبة والخطة، وأكرم المشيخة مع النزاهة، ولم يقف في حسن التأتي على غاية، فاتفق على رجاحته، ولم يقف في النصح عند غاية، انتهى. وحين أظلم الجو بينه وبين لسان الدين ذكره في " الكتيبة الكامنة " بما يباين ما سبق، ولقبه بالجعسوس

ص: 121

ولم يقنعه ذلك حتى ألف فيه " خلع الرسن في وصف القاضي أبو الحسن ".

[كتاب من النباهي إلى لسان الدين]

وقد وقفت بفاس المحروسة على كتاب مطول كتبه للسان الدين بعد تحوله عن الأندلس، ونص ما تعلق به الغرض هنا (1) :

فشرعتم في الشراء، وتشييد البناء، وتركتم الاستعداد لهاذم اللذات، هيهات هيهات تبنون ما لا تسكنون، وتدخرون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} (النساء: 78) فأين المهرب مما هو كائن، ونحن إنما نتقلب في قدرة الطالب، شرقتم أو غربتم، الأيام تتقاضى الدين، وتنادي بالنفس الفرارة إلى أين إلى أين، ونترك الكلام مع الناقد في ما ارتكبه من تزكية نفسه، وعد ما جلبه من مناقبه، ما عدا ما هدد به من حديد لسانه، خشية اندراجه في نمط من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه " ولا غيبة في من ألقى جلباب الحياء عن وجهه، ونرحمه (2) على ما أبداه أو أهداه من العيوب التي نسبها لأخيه، واستراح على قوله بها فيه، ونذكره على طريقة نصيحة الدين بالحديث الثابت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:" أتدرون من المفلس قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ".ويعلم الله أن معنى هذا الحديث الثابت

(1) راجع هذا الكتاب في أزهار الرياض 1: 212.

(2)

ق ص: وزحمه.

ص: 122

عن النذير الصادق، هو الذي حملني على نصحكم، ومراجعتكم في كثير من الأمور: منها الإشارة عليكم بإذهاب عين ما كتبتم به في التاريخ وأمثاله، فإنكم نفعتم فيما وقعتم فيه من الغيبة المحرمة أحياء وأموات بغير شيء حصل بيدكم وضررتم نفسكم بما رتبتم لهم من المطالبات بنص الكتاب والسنة قبلكم، والرضى بهذه الصفقة الخاسرة أمر بعيد من الدين والعقل. وقد قلت لكم غير مرة عن أطراسكم المسودة بما دعوتم إليه من البدعة والتلاعب بالشريعة إن حقها التخريق والتحريق، وإن من أطراها لكم فقد خدع نفسه وخدعكم، والله الشهيد بأني نصحتكم وما غششتكم، وليس هذا القول وإن كان ثقيلاً عليكم بمخالف كل المخالفة لما ذنبتم به من تقدم المواجهة بالملاطفة والمعاملة بالمكارمة، فليست المداراة بقادحة في الدين، بل هي محمودة في بعض الأحوال، مستحسنة على ما بينه العلماء، إذا هي مقاربة في الكلام أو مجاملة بأسباب الدنيا لصلاحها أو صلاح الدين، وإنما المذموم المداهنة، وهي بذل الدين لمجرد الدنيا، والمصانعة به لتحصيلها، ومن خالط للضرورة مثلكم، وزايله بأخلاقه ونصحه مخاطبة ومكاتبة، واستدل له بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على صحة مقالته، فقد سلم والحمد لله من مداهنته، وقام لله تعالى بما يجب عليه في حقكم من التحذير والإنكار مع الإشفاق والوجل.

وأكثرتم في كتابكم من المن بما ذكرتم أنكم صنعتم، وعلى تقدير الموافقة لكم ليتكم ما فعلتم، فسلمنا من المعرة وسلمتم، وجل القائل سبحانه {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، والله غني حليم} (البقرة: 263) وقلما شاركتم أنتم في شيء إلا بأغراض حاصلة في يدكم، ولأغراض دنيوية خاصة بكم، فالملام إذاً في الحقيقة إنما هو متوجه إليكم، والتعلل بأخبار قطركم وأهلكم، فتناقض منكم وإن كنتم فيه بغدركم:

ص: 123

أتبكي على ليلى وأنت تركتها

فكنت كآت غيه وهو طائع

وما كل ما منتك نفسك مخلياً

تلاقي، ولا كل له أنت تابع

فلا تبكين في إثر شيء ندامة

إذا نزعته من يديك النوازع وعلى أن تأسفكم لما وقعتم فيه من الغدر لسلطانكم، والخروج لا للضرورة غالبة على أوطانكم، من الواجب بكل اعتبار عليكم، سيما وقد مددتم إلى التمتع بغيرها عينيكم، ولو لم يكن بهذه الجزيرة الفريدة من الفضيلة إلا ما خصت به من بركة الرباط ورحمة الجهاد لكفاها فخراً على ما يجاورها من سائر البلاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم في ما سواه " وقال عليه الصلاة والسلام " الروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما فيها " وعلى كل تقدير فإذا لم يكن يا أخي فراركم من الأندلس إلى الله وحد بالتوبة المكملة، والاستغفار من الانقطاع في أحد المواطن المكرمة المعظمة بالإجماع، وهي طيبة أو مكة أو بيت المقدس، فقد خسرتم صفقة رحلتكم، وتبين أن لغير وجه الله العظيم كانت نية هجرتكم، اللهم إلا إن كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قتل مائة نفس، وسأل أعلم أهل الأرض فأشار إليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب، واكتسب بها العيوب، فأمر آخر، مع أن كلام العلماء في هذا الحديث معروف. ويقال لكم من الجواب الخاص بكم: فعليكم إذاً بترك القيل والقال، وكسر حربة الجدال والقتال، وقصر ما بقي من مدة العمر على الاشتغال بصالح الأعمال.

ووقعت في مكتوبكم كلمات أوردها النقد في قالب الاستهزاء والازدراء، والجهالة بمقادير الأشياء، ومنها " ريح صرصر " وهو لغة القرآن، و " قاع قرقر " وهو لفظ سيد العرب والعجم محمد صلى الله عليه وسلم، ثبت في الصحيح في باب التغلظ فيمن لا يؤدي زكاة ماله. قيل: يا رسول الله، والبقر والغنم قال، ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان

ص: 124

يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً، تنطحه بقرونها، وتطأه بأظلافها، الحديث الشهير. قال صاحب المعلم: بطح لها بقاع قرقر: أي ألقي على وجهه، والقاع: المستوي من الأرض، والقرقر: كذلك، هذا ما حضر من الجواب، وبقي في مكتوبكم حشو كثير من كلام إقذاع وفحش بعيد من الحشمة والحياء ورأيت من الصواب الإعراض عن ذكره، وصون اليد عن الاستعمال فيه، والظاهر أنه إنما صدر منكم وأنتم بحال مرض، فلا حرج فيه عليكم، أنسأ الله تعالى أجلكم، ومكن أمنكم، وسكن وجلكم، ومنه جل اسمه نسأل لي ولكم حسن الخاتمة، والفوز بالسعادة الدائمة، والسلام الأتم يعتمدكم، والرحمات والبركات من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن وفقه الله، وذلك بتاريخ أخريات جمادى الأولى من عام ثلاثة وسبعين وسبعمائة.

وقيد رحمه الله تعالى في مدرج طي هذا الكتاب ما نصه: يا أخي - أصلحني الله وإياكم - بقي من الحديث شيء الصواب الخروج عنه لكم، إذ هذا أوانه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة فيه ما فيه، وليكون البناء بعد أن كان على أصل صحيح بحول الله، وحاصله أنكم عددتم ما شاركتكم فيه بحسب الأوقات، وقطعتم بنسبة الأمور كلها إلى أنفسكم، وأنها إنما صدرت عن أمركم وبإذنكم، من غير مشارك في شيء منها لكم، ثم مننتم بها المن القبيح المبطل لعمل برككم على تقدير التسليم في فعله لكم، ورميتم غيركم بالتقصير في حاله كله، طريقة من يبصر القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه، وأقصى ما تسنى للمحب أيام كونكم بالأندلس تقلد كل فتى قضاء الجماعة، وما كان إلا أن وليتها بقضاء الله وقدره، فقد تبين لكل ذي عقل سليم أنه لا موجد إلا الله، وأنه إذا كان كذلك كان الخير والشر والطاعة والمعصية حاصلاً بإيجاده سبحانه وتعالى وتخليقه وتكوينه من غير عاضد له على تحصيل مراده ولا معين، ولكنه جلت قدرته وعد فاعل الخير بالثواب فضلاً منه، وأوعد فاعل الشر بالعقاب عدلاً منه، وكأني بكم تضحكون من تقرير هذه المقدمة، وما أحوجكم إلى

ص: 125

تأملها بعين اليقين، فكابدت أيام تلك الولاية النكدة من النكاية باستحقاركم للقضايا الشرعية، وتهاونكم بالأمور الدينية، ما يعظكم الله به الأجر، وذلك في جملة مسائل: منها مسألة ابن الزبير المقتول على الزندقة بعد تقضي موجباته على كره منكم، ومنها مسألة ابن أبي العيش المثقف في السجن على آراءه المضلة التي كان منها دخوله على زوجته إثر تطليقه إياها بالثلاث، وزعمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره مشافهة بالاستمتاع بها، فحملت أحد ناسكم تناول إخراجه من الثقاف من غير مبالاة بأحد، ومنها أن أحد الفتيان المتعلقين بكم توجهت عليه المطالبة بدم قتيل، وسيق المدعى عليه بالذبح بغير سكين، فما وسعني بمقتضى الدين إلا حبسه على ما أحمته السنة، فأنفتم لذلك، وسجنتم الطالب ولي الدم، ولا يجمل بي ولا بكم ذكره، والمسألة الأخرى أنتم توليتم كبرها حتى جرى فيها القدر بما جرى به من الانفصال، والحمد لله على كل حال، وأما الرمي بكذا وكذا مما لا علم لنا بسببه، ولا عذر لكم من الحق في التكلم به، فشيء قلما يقع مثله من البهيان ممن كان يرجو لقاء ربه، وكلامكم في المدح والهجو، هو عندي من قبيل اللغو، الذي نمر به كراماُ والحمد لله، فكثروا أو قللوا من أي نوع شئتم، أنتم وما ترضونه لنفسكم، وما فهت لكم بما فهت من الكلام، إلا على جهة الإعلام، لا على جهة الانفعال، لما صدر أو يصدر عنكم من الأقوال والأفعال، فمذهبي غير مذهبكم، وعندي غير ما ليس عندكم.

وكذلك رأيتكم تكثرون في مخاطباتكم من لفظ الرقية في معرض الإنكار لوجود نفعها، والرمي بالمنقصة والحمق لمستعملها، ولو كنتم فد نظرتم في شيء من كتب السنة أو سير الأمة المسلمة نظر مصدق لما وسعكم إنكار ما أنكرتم، وكتبه بخط يدكم، فهو قادح كبير في عقيدة دينكم، فقد ثبت بالإجماع في سورة الفلق أنها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه المراد بها هو وآحاد

ص: 126

أمته، وفي أمهات الإسلام الخمس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى رقاه جبريل، فقال: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين. وفي الصحيح أيضاً أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فلم يضيفوهم، فقالوا: هل فيكم راق فإن سيد الحي لديغ، أو مصاب، فقال رجل من القوم: نعم، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرئ الرجل، فأعطى قطيعاً من غنم - الحديث الشهير -. قال أهل العلم: فيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الرقية والطب وتعليم القرآن، وهو قول مالك وأحمد والشافعي وأبي ثور وجماعة من السلف، وفيه جواز المقارضة، وإن كان ضد ذلك أحسن، وفي هذا القدر كفاية. وما رقيت قط أحداُ على الوجه الذي ذكرتم، ولا استرقيت والحمد لله، وما حملني على تبيين ما بينته الآن لكم في المسألة إلا إرادة الخير التام لجهتكم، والطمع في إصلاح باطنكم وظاهركم، فإني أخاف عليكم من الإفصاح بالطعن في الشريعة، ورمي علمائها بالمنقصة إلى عادتكم وعادة المستخف ابن هذيل شيخكم منكر علم الجزئيات، القائل بعدم قدرة الرب جل اسمه على جميع الممكنات. وأنتم قد انتقلتم إلى جوار أناس أعلام قلما تجوز عليهم - حفظهم الله - المغالطات، فتأسركم شهادة العدول التي لا مدفع لكم فيها، وتقع الفضيحة، والدين النصيحة، أعاذنا الله من درك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء.

وكذلك أحذركم من الوقوع بما لا ينبغي في الجناب الرفيع، جناب سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، صلوات الله وسلمه عليه، فإنه نقل عنكم في هذا الباب أشياء منكرة، يكبر في النفوس التكلم بها، أنتم تعلمونها، وهي التي زرعت في القلوب ما زرعت من بغضكم وإيثار بعدكم، مع استشعار الشفقة والوجل من وجه أخر عليكم، ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص ظل السلطنة عنكم لكانت الأمة المسلمة امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت بهذه الجهات

ص: 127

لطلب الحق منكم، فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدول ما صدر عنكم من العيث في الأبشار والأموال، وهتك الأعراض، وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر، والحيل والغدر، في غالب الأحوال للشريف والمشروف، والخديم والمخدوم، ولو لم يكن في الوجود من الدلائل على صحة ما رضيتم به لنفسكم من الاتسام بسوء العهد والتجاوز المحض وكفران النعم والركون إلى ما تحصل من الحطام الزائل إلا عملكم مع سلطانكم مولاكم وابن مولاكم أيده الله بنصره وما ثبت من مقالاتكم السيئة فيه وفي الكثير من أهل قطره لطفاكم وصمة لا يغسل دنسها البحر، ولا ينسى عارها الدهر، فإنكم تركتموه أولاً بالمغرب عند تلون الزمان، وذهبتم للكدية والأخذ بمقتضى المقامة الساسانية إلى أن استدعاه الملك، وتخلصت له بعد الجهد الأندلس، فسقطتم عليه سقوط الذباب على الحلواء، وضربتم وجوه رجاله بعضاً ببعض، حتى خلا لكم الجو، وتمكن الأمر والنهي، فهمزتم ولمزتم، وجمعتم من المال ما جمعتم، ثم وريتم بتفقد ثغر الجزيرة الخضراء، مكراً منكم، فلما بلغتم أرض الجبل انحرفتم عن الجادة، وهربتم بأثقالكم الهروب الذي أنكره عليكم كل من بلغه حديثكم أو يبلغه إلى آخر الدهر في العدوتين من مؤمن وكافر وبر وفاجر، فكيف يستقيم لكم بعد المعرفة بتصرفاتكم حازم، أويثق بكم في قول أو فعل صالح أو طالح ولو كان قد بقي لكم من العقل ما تتفكرون به في الكيفية التي ختمتم بها عملكم في الأندلس من الزيادة في المغرم وغير ذلك مما لكم وزره ووزر من عمل به بعدكم إلى يوم القيامة حسب ما ثبت في الصحيح لحملكم على مواصلة الحزن، وملازمة الأسف والندم على ما أوقعتم فيه نفسكم الأمارة من التورط والتنشب في أشطان الآمال ودسائس الشيطان، ونعوذ بالله من شرور الأنفس وسيئات الأعمال.

وأما قولكم عن فلان إنه كان حشرة في قلوب اللوز وإن فلانا كان برغوثاً في تراب الخمول فكلام سفساف، يقال لكم من الجواب عليه: وأنتم يا هذا أين كنتم منذ خمسين سنة مثلاً خلق الله الخلق لا استظهاراً بهم

ص: 128

ولا استكثاراً، وأنشأهم كما قدر أحوالاً وأطوارا، واستخلفهم في الأرض بعد أمة أمماً وبعد عصر أعصاراً، وكلفهم شرائعه وأحكامه ولم يتركهم هملاً، وأمرهم ونهاهم ليبلوهم أيهم أحسن عملاً " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وبكل اعتبار فلا نعلم في نمط الطلبة تدريجاً كان أسمج من تدريجكم، ونبدأ من كذا فإنه كان كذا وأكثر أهل زمانه تحملاً وتقللاً بالنسبة إلى منصبه كان الشيخ أبو الحسن ابن الجياب، ولكنه حين علم رحمه الله تعالى من نشأتكم وحالتكم ما علم نبذ مصاهرتكم وصرف عليكم صداقكم، وكذلك فعلت بنت جزي زوج الرهيصي معكم، حسبما هو مشهور في بلدكم، وذكرتم أنكم ما زلتم من أهل الغنى حيث نقرتم بذكر العرض - وهو بفتح العين والراء، حطام الدنيا على ما حكى أبو عبيد، وقال أبو زيد: هو، بسكون الراء، المال الذي لا ذهب فيه ولا فضة - وأي مال خالص يعلم لكم أو لأبيكم بعد الخروج من الثقاف على ما كان قد تبقى عنده من مجبى قرية مترايل (1) ثم من العدد الذي برز قبلكم أيام كانت أشغال الطعام بيدكم على ما شهد به الجمهور من أصحابكم، وأما الفلاحة التي أشرتم إليها فلا حق لكم فيها إذ هي في الحقيقة لبيت مال المسلمين، مع ما بيدكم على ما تقرر في الفقهيات، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، ولو قبل من أهل المعرفة بكم بعض ما لديهم من سقطاتكم في القال والقيل، ولم يصرف إلى دفع معرتها عنكم وجه التأويل، لكانت مسألتكم ثانية لمسألة أبو الخير، بل أبي الشر، الحادثة أيام خلافة الحكم، المسطورة في نوازل أبي الإصبع ابن سهل، فاعلموا ذلك، ولا تهملوا إشارتي عليكم قديماً وحديثاً بلزوم الصلوات، وحضور الجماعات، وفعل الخيرات، والعمل على التخلص من التبعات {إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} (لقمان: 33) .

(1) ق ص: منزايل.

ص: 129

" وقلم في كتابكم: " أين الخطط المتوارثة عن الآباء والأجداد وقد أذهب الله عنا ببركة الملة المحمدية عيبة الجاهلية في التفاخر بالأباء، ولكني أقول لكم على جهة المقابلة لكلامكم: إن كانت الإشارة إلى المجيب بهذا فمن المعلوم المتحقق عند أفاضل الناس أنه من حيث الأصالة أحد أماثل قطره، قال القاضي أبو عبد الله ابن عسكر (1) وقد ذكر في كتابه من سلفي فلان بن فلان، ما نصه: وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة لم يزالوا يرثون ذلك كابراً عن كابر، استقضى جده المنصور ابن أبي عامر، وقال غيره وغيره، وبيدي من عهود الخلفاء وصكوك الأمراء المكتتبة بخطوط أيديهم من لدن فتح جزيرة الأندلس وإلى هذا العهد القريب ما تقوم به الحجة القاطعة للسان الحاسد والجاحد، والمنة لله وحده. وإن كانت الإشارة للغير من الأصحاب في الوقت حفظهم الله فكل واحد منهم إذا نظر إليه بعين الحق وجد أقرب منكم نسباً للخطط المعتبرة، وأولى بميراثها بالفرض والتعصيب أو مساوياً على فرض المسامحة لكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، حرام دمه وماله وعرضه ".

ونرجع إلى طريقة أخرى فنقول: من كان يا فلان من قومكم في عمود نسبكم نبيهاً مشهوراً، أو كاتباً قبلكم معروفاً، أو شاعراً مطبوعاً، أو رجلاً نبيها ُ مذكوراً ولو كان يا لوشي وكان، لكان من الواجب الرجوع إلى التناصف والتواصل والتواضع، وترك التحاسد والتباغض والتقاطع:" إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ". وكذلك العجب كل العجب، من تسميتكم الخربات التي شرعتم في بنائها بدار السلامة، وهيهات هيهات، المعروف من الدنيا أنها دار بلاء وجلاء وعناء وفناء، ولو لم يكن من الموعظة الواقعة بتلك الدار في الوقت إلا موت سعيدكم عند دخولها، لأغناكم عن العلم اليقين بمآلها.

وأظهرتم سروراً كثيراً بما قلتم إنكم نلتم، حيث أنتم، من الشهوات التي

(1) هو محمد بن علي بن هارون الغساني (- 636) ، والإشارة إلى كتاب له عن تاريخ مالقة.

ص: 130

ذكرتم أن منها الإكثار من الأكل والخرق والقعود بإزاء جارية الماء على نطع الجلد، والإمساك أولى بالجواب على هذا الفصل، فلا خفاء بما فيه من الخسة والخبائث والخبث، وبالجملة فسرور العاقل إنما ينبغي أن يكون بما يجمل تقدمه من زاد التقوى بالدار الباقية، فما العيش - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عيش الآخرة، فقدموا إن قبلتم وصاة الحديد أو البغيض بعضاً عسى أن يكون لكم، ولا تخلفوا كلاُ يكون عليكم، هذا الذي قلته لكم، وإن كان لدى من يقف عليه من نمطه الكثير، فهو باعتبار المكان وما مر من الزمان في حيز اليسير، وهو في نفسه قول حق وصدق، ومستند أكثره كتاب الله وسنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى سائر أنبيائه. فاحمدوا الله العلي العظيم على تذكيركم به إذ هو جار مجرى النصيحة الصريحة، يسرني الله وإياكم لليسرى، وجعلنا ممن ذكر فانتفع بالذكرى، والسلام. انتهى كلام القاضي ابن الحسن النباهي في كتابه الذي خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى.

[ظهير من إنشاء لسان الدين بتولية النباهي خطة القضاء]

وأين هذا الكلام الذي صدر من ابن الحسن في حقه من إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى في تولي ابن الحسن المذكور القضاء، وهو:

هذا ظهير كريم أنتج مطلوب الاختيار قياسه، ودل على ما يرضي الله عز وجل التماسه، وأطلع نور العناية الذي يجلو الظلام نبراسه، واعتمد بمثابة العدل من عرف بافتراع هضبتها ناسه، وألقى بيد المعتمد به زمام الاعتقاد الجميل تروق أنوعه وأجناسه، وشيد مبنى العز الرفيع، في قبة الحسب المنيع، وكيف لا والله بانيه، والمجد أساسه، أمر به وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر - أيد الله أوامره، وخلد مفاخره - لقاضي حضرته العلية، وخطيب حمرائه السنية، المخصوص لديه بترفيع المزية

ص: 131

المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته النصرية، قاضي الجماع، ومصرف الأحكام الشرعية المطاعة، الشيخ الكذا أبي الحسن ابن الشيخ كذا أبي محمد ابن الحسن - وصل الله سعادته، وحرس مجادته، وسنى بفضله إرادته - عصب منه جبين المجد بتاج الولاية، وأجال قداح الاختيار حتى بلغ الغاية وتجاوز النهاية، ما ألقى منه بيمين عرابة الراية، وأحله منه محل الفظ من المعنى والإعجاز من الآية، وحشر إلى مدعاة ترفيعه وجوه البر وأعيان العناية، وأنطق بتبجيله، ألسن أهل جيله، بين الإفصاح والكناية، ولما كان له الحسب الأصيل الذي شهدت به ورقات الدواوين، والأصالة التي قامت عليها صحاح البراهين، والآباء الذين اعتد بمضاء قضائهم الدين وطبق مفاصل الحكم بسيوفهم الحق المبين، وازدان بمجالسة وزرائهم السلاطين، فمن فارس حكم أو حكيم تدبير، وقاض في الأمور الشرعية ووزير، أو جامع بينهما جمع سلامة لا جمع تكسير، تعدد ذلك واطرد، ووجد مشرع المجد عذباً فورد، وقصرت النظراء عن مداه فانفرد، وفرى الفري في يد الشرع فأشبه السيف البرد، وجاء في أعقابهم محيياً لما درس، بما حقق ودرس، جانياً لما بذر السلف المبارك واغترس، طاهر النشأة وقورها، محمود السجية مشكورها، متحلياً بالسكينة، حالاً من لدن الكون، فخطبته الخطط العلية، واغتبطت به المجابة الأولية، واستعملته دولته التي ترتاد أهل الفضائل للرتب، واستظهرت على المناصب بأبناء التقى والحسب، والفضل والمجد والأدب، ممن يجمع بين الطارف والتالد والإرث والمكتسب، فكان معدوداً من عدول قضاتها، وصدور نبهائها، وأعيان وزرائها، وأولي آرائها، فلما زان الله تعالى خلافته بالتمحيص المتحلى من التخصيص، وخلص ملكه الأصيل كالذهب الإبريز بعد التخليص، كان ممن

ص: 132

صحب ركابه الطالب للحق بسيف الحق، وسلك في مظاهرته أوضح الطرق، وجادل من حاده بأمضى من الحداد الذلق، واشتهر خبر وفائه في الغرب والشرق، وصلى به صلاة السفر والحضر، والأمن والحذر، وخطب به في الأماكن التي بعد بذكر الله عهدها، وخاطب عنه - أيده الله تعالى - المخاطبات التي حمد قصدها، حتى استقل ملكه فوق سريره، وابتهج منه الإسلام بأميره وابن أميره، ونزل الستر على العباد والبلاد ببركة إيالته ويمن تدبيره، وكان الجليس المقرب المحل، والحظي المشاور في العقد والحل، والرسول المؤتمن على الأسرار، والأمين على الوظائف الكبار، مزين المجلس السلطاني بالوقار، ومتحف الملك بغريب الأخبار، وخطيب منبره العالي في الجمعات، وقارئ الحديث لديه في المجتمعات.

" ثم رأى آيه الله تعالى أن يشرك رعيته في نفعه، ويصرف عوامل الحظوة على مزيد رفعه، ويجلسه مجلس الشارع صلوات الله عليه لإيضاح شرعه، وأصله الوثيق وشرعه، وقدمه أعلى الله تعالى قدمه، وشكر آلاءه ونعمه، قاضياً في الأمور الشرعية، وفاصلاً في القضايا الدينية، بحضرة غرناطة العلية، تقديم الاختيار والانتقاء، وأبقى له فخر السلف على الخلف والله سبحانه يمتعه بطول البقاء، فليتول ذلك عادلاً في الحكم، مهتدياً بنور العلم، مسوياً بين الخصوم حتى في لحظه والتفاته، متصفاً من الحلم بأفضل صفاته، مهيباً في الدين، رؤوفاً بالمؤمنين، جزلاً في الأحكام، مجتهداً في الفصل بأمضى حسام، مراقباً لله عز وجل، في النقد والإبرام.

وأوصاه بالمشورة التي تقدح زناد التوفيق، والتثبت حتى ينتج قياس التحقيق، باراً بمشيخة أهل التوثيق، عادلاُ إلى سعة الأقوال عند المضيق، سائراً من مشورة المذهب على أهدى طريق، وصية أصدرها له مصدر الذكرى التي تنفع، ويعلي الله بها الدرجات ويرفع، وإلا فهو عن الوصاة غني، وقصده قصد سني، والله عز وجل ولي إعانته، والحارس من التبعات أكناف ديانته

ص: 133

والكفيل بحفظه من الشبهات وصيانته.

وأمر آيه الله تعالى أن ينظر في الأحباس على اختلافها، والأوقاف على شتى أصنافها، واليتامى التي انسدلت كفالة القضاة على إضعافها، فيذود عنها طوارق الخلل، ويجري أمورها بما يتكفل لها بالأمل، وليعلم أن الله عز وجل يراه، وأن فلتات الحكم تعاوده المراجعة في أخراه، فيدرع جنة تقواه، وسبحان من يقول " إن الهدى هدى الله ".

" فعلى من يقف عليه أن يعرف أمر هذا الإجلال، صائنا منصبه من الإخلال، مبادراً أمره الواجب بالامتثال، بحول الله. وكتب في الثالث من شهر الله المحرم، فاتح عام أربعة وستين وسبعمائة، عرف الله سبحانه فيه هذا المقام العلي عوارف النصر المبين والفتح القريب بمنه وكرمه فهو المستعان لا رب غيره "، انتهى.

[ظهير من إنشاءه بتولية ابن زمرك كتابة السر]

ونظير هذا ما أنشأه لسان الدين على لسان سلطانه للكاتب أبي عبد الله ابن زمرك حين تولى كتابة السر، ونصه:

هذا ظهير كريم نصب المعتمد به للأمانة الكبرى ببابه فرفعه، وأفرد له متلو العز وجمعه، وأوتره وشفعه، وقربه في بساط الملك تقريباً فتح له باب السعادة وشرعه، وأعطاه لواء القلم الأعلى فوجب على من دون رتبته من أولي صنعته أن يتبعه، ورعى له وسيلة السابقة عند استخلاص الملك لما ابتزه الله من يد الغاصب وانتزعه، وحسبك من زمام (1) لا يحتاج إلى شيء معه، أمر به أمير المسلمين محمد نب كذا الكذا فلان، وصل الله سعادته، وحرس مجادته، أطلع الله تعالى له وجهة العناية أبهى من الصبح الوسيم، وأقطعه جناب الإنعام الجسيم، وأنشقه آراج الحظوة عاطرة النسيم، ونقله من كرسي التدريس والتعليم، إلى

(1) ق ص: ذمام.

ص: 134

مرقى التنويه والتكريم، والرتبة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وجعل أقلامه جياداً لإجالة أمره العلي، وخطابه السني، في ميدان الأقاليم، ووضع في يده أمانة القلم الأعلى، جارياً من الطريقة المثلى، على المنهج القويم، واختصه بمزية الشفوف على كتاب بابه والتقديم، لما كان ناهض الفكر في طلبة حضرته زمن البداية، ولم تزل تظهر عليه بأولي التمييز مخايل هذه العناية، فإن حضر في حلق العلم جلى في حلبة الحفاظ إلى الغاية، وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة، والمخاطبات المنقولة، فاشتهر في بلده وغير بلده، وصارت أزمة العناية طوع يده، بما أوجب له المزية في يوم وغده.

وحين رد الله عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام، وزين وجوه الليالي والأيام، وأدال الضياء من الظلام، كان ممن وسمه الوفاء وشهره، وعجب الملك عود خلوصه وخبره، فحمد أثره، وشكر ظاهره ومضمره، واستصحب على ركابه الذي صحب اليمن سفره، وأخلصت الحقيقة نفره، وكفل الله ورده وصدره، ميمون النقيبة، حسن الضريبة، صادقاً في الأحوال المريبة، ناطقاً عن مقامه بالمخاطبات العجيبة، واصلاً إلى المعاني البعيدة العبارة القريبة، مبرزاً في الخدم الغريبة، حتى استقام العماد، ونطق بصدق الطاعة الحي والجماد، ودخلت في دين الله أفواج العباد والبلاد، لله الحمد على نعمه الثرة العهاد، وآلائه المتوالية الترداد، رعى له أيد الله هذه الوسائل وهو أحق من يرعاها، وشكر له الخدم المشكور مسعاها، فنص (1) عليه الرتبة الشماء التي خطبها بوفائه، وألبسه أثواب اعتناءه، وفسح له مجال آلائه، وقدمه، أعلى الله قدمه، كاتب السر، وأمين النهي والأمر، تقديم الاختيار بعد الاختبار، والاغتباط بخدمته الحسنة الآثار، وتيمن باستخدامه قبل الحلول بدار الملك والاستقرار، وغير ذلك من موجبات الإكبار.

(1) ق ص: فقص.

ص: 135

فليتول ذلك عارفاً بمقداره، متقفياً لآثاره، مستعيناً بالكتم لأسراره، والاضطلاع بما يحمد من أمانته وعفافه ووقاره، معطياً هذا الرسم حقه من الرياسة، عارفاً بأنه أكبر أركان السياسة، حتى يتأكد الاغتباط بتقريبه وإدانته، وتتوفر أسباب الزيادة في إعلائه، وهو إن شاء الله غني عن الوصاة فهماً ثاقباً يقتدى بضيائه، وهو يعمل في ذلك أقصى العمل، المتكفل ببلوغ الأمل. وعلى من يقف عليه من حملة الأقلام، والكتاب الأعلام، وغيرهم من الكافة والخدام، أن يعرفوا قدر هذه العناية الواضحة الأحكام، والتقديم الراسخ الأقدام ويوجب ما أوجب من البر والإكرام، والإجلال والإعظام، بحول الله، وكتب في كذا، انتهى.

فانظر صانني الله وإياك من الأغيار، وكفانا شر من كفر الصنيعة التي هي على النقص عنوان ومعيار، إلى حال الوزير لسان الدين ابن الخطيب مع هذين الرجلين، القاضي ابن الحسن والوزير ابن زمرك الذين تسببا في هلاكه حتى صار أثراً بعد عين، مع تنويهه بهما في هذا الإنشاء وغيره، وتفيئهما - كما هو معلوم - ظلال خيره، فقابلاه بالغدر، وأظهرا عند الإمكان حقد القلب وغل الصدر، وسددا لقتله سهاماً وقسياً، وصيرا سبيل الوفاء نسياً منسياً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[ظهير ثالث بإضافة الخطابة إلى القضاء للنباهي]

ومن إنشاء لسان الدين في حق القاضي ابن الحسن أيضاً - حين أضيفت إليه الخطابة إلى القضاء - على لسان سلطانه:

هذا ظهير كريم أعلى رتبة الاحتفاء اختياراً واختباراً، وأظهر معاني الكرامة والتخصيص انتقاء واصطفاء وإيثار، ورفع لواء الجلالة على من اشتمل عليه حقيقة واعتباراً، ورقى في درجات العز من طاولها على بهر أنوار، وديناً

ص: 136

كرم في الصالحات آثاراً، وزكا في الأصالة نجاراً، وخلوصاً إلى هذا المقام العلي السعيد الذي راق إظهاراً وإضماراً، أمر به وأمضاه، وأنفذ حكمه ومقتضاه، أمير المسلمين عبد الله محمد، إلى آخره، للشيخ الكذا القاضي العدل الأرضى قاضي الجماعة، وخطيب الحضرة العلية، المخصوص لدى المقام العلي بالحظوة السنية، والمكانة الحفية، الموقر الفاضل، الحافل الكامل، المبرور أبي الحسن ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل، الأعز الماجد الأسنى المرفع الأحفل، الأصلح المبارك الأكمل، الموقر المبرور المرحوم أبي محمد ابن الحسن، - وصل الله عزته، ووالى رفعته ومبرته، ووهب له من صلة العناية الرانية أمله وبغيته، - لما أصبح في صدور القضاة العلماء مشاراً إلى جلاله، مستنداً إلى معرفته المخصوصة بكماله، مطرزاً على الإفادة العلمية والأدبية بمحاسنه البديعة وخصاله، محفوفاً مقعد الحكم النبوي ببركة عدالته وفضل خلاله، وحل في هذه الحضرة العلية المحل الذي لا يرقاه إلا عين الأعيان، ولا يثوي مهاده إلا مثله من أبناء المجد الثابت الأركان، ومؤملي العلم الواضح، والمبرزين بالمآثر العلية في الحسن والإحسان، وتصر لقضاة الجماعة فصدرت عنه الأحكام الراجحة الميزان، والأنظار الحسنة الأثر والعيان، والمقاصد التي وفت بالغاية التي لا تستطاع في هذا الميدان - فكم من قضية جلا بمعارفه مشكلها، ونازلة مبهمة فتح بإدراكه مقفلها، ومسألة عرف نكرتها وقرر مهملها، حتى قرت بعدالته وجزالته العيون، وصدقت فيه الآمال الناجحة والظنون، وكان في تصديره لهذه الولاية العظمى من الخير والخيرة ما عسى أن يكون، كان أحق بالتشفيع لولايته الأولى، وأجدر بمضاعفة النعم التي لا تزال تترادف على قدره الأعلى، فلذلك أصدر له أيده الله هذا الظهير الكريم مشيداً بالترفيع والتنويه، ومؤكداً للاحتفاء الوجيه، وقدمه، أعلى الله قدمه، وشكر نعمه، خطيباً بالجامع الأعظم من حضرته، مضافاُ ذلك إلى ولايته ورفيع منزلته، مرافقاً لمن في الجامع الأعظم - عمره الله بذكره - من علية الخطباء، وكبار العلماء، وخيار النبهاء الصلحاء، فليتداول ذلك في جماعته

ص: 137

مظهراً في الخطة أثر بركاته وحسناته، عاملاُ على ما يقربه عند الله من مرضاته، ويظفره بجزيل مثوباته، بحول الله وقوته؛ انتهى.

فهذا ثناء لسان الدين المرحوم على القاضي ابن الحسن، وإشادته بذكره، وبإشارته وتدبيره ولي قضاء القضاة وخطابة الجامع الأعظم بغرناطة، وهذان المنصبان لم يكن في الأندلس في ذلك الزمان من المناصب الدينية أجل منهما. ولما حصل لسان الدين رحمه الله تعالى ما حصل من النفرة في الأندلس، وإعمال الحيلة في الانفصال عنها، لعلمه أن سعايات ابن زمرك وابن الحسن ومن يعضدهما تمكنت فيه عند سلطانه، خلص منها على الوجه الذي قدمناه، وشمر القاضي ابن الحسن عن ساعد أذيته، والتسجيل عليه بما يوجب الزندقة، كما سبق جميعه مفصلاُ، فحين إذ أطلق لسان الدين عنان قلمه في سب المذكور وثلبه، وأورد في كتابه الكتيبة الكامنة في أبناء المائة الثامنة من مثالبه ما أنسى ما سطره صاحب القلائد في ابن باجة المعروف بابن الصائغ - حسبما نقلنا ذلك، أعني كلام الفتح، في غير هذا الموضع - ولم يقتنع بذلك حتى ألف الكتاب الذي سماه خلع الرسن، كما ألمعنا به فيما سبق، والله سبحانه يتجاوز عن الجميع بمنه وكرمه.

[نماذج من براعة لسان الدين في القدح]

واعلم أن لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الغاية في المدح والقدح، فتارة على طريق الترسل، وطوراً على غيرها، وقد أقذع وبالغ رحمه الله تعالى في هجو أعدائه بما لا تحتمله الجبال، وهو أشد من وقع النبال، ومنه ما وصف به الوزير، الذي كان استوزره السلطان إسماعيل بن الأحمر الثائر على سلطان ابن الخطيب، حسبما سبق الإلمام بذلك، والوزير هو إبراهيم بن أبي الفتح الأصلع الغوي، إذ قال في المذكور وفي ابن عمه محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح العقرب

ص: 138

الردي، بعد كلام، ما صورته:

وما ظنك برجل مجهول الجد، موصوم الأبوة إلى أن قال: تنور خبز، وبركة مرقة، وثعبان حلواء وفاكهة، مغي في شح النفس، متهالك في مسترذل الطبع [

] (1) ، عليه العذيوط (2) الغبي ابن عمه بسذاجة، زعموا، مع كونه قبيح الشكل، بشيع الطلعة، إلى أن قال: وفي العشر الأول من رمضان عام واحد وستين وسبعمائة تقبض على الوزير المشؤوم، وابن عمه الغوي الغشوم، وولد الغوي مرسل الظفيرة أبعد الناس في مهوى الاغترار يختال في السرق والحلية (3) ، سم من سم القوارير، وابتلاء من الله لذوي الغيرة، يروح نشوان العشيات، يرقص بين يديه ومن خلفه عدد من الأخلاف (4) ، يعاقرون النبيذ في السكك الغاصة، وولد العقرب الردي بضده قماءة وتقطباً، تنهوا عنهما العيون، ويبكي منهما الخز، كأنهما صمتاً عند المحاورة وإظلاماً عند اللألاء، من أذلاء بني النضير، ومهتضمي خيبر، فثقفا ملياً، وبودر بهما إلى ساحل المنكب.

قال المخبر: فما رأيت منكوبين أقبح شكلاُ، ولا أفقد صبراُ، من ذينك التيسين الحبقين، صلع الرؤوس، ضخام الكروش، مبهوري الأنفاس، متلجلجي الألسنة، قد ربت بمحل السيف من عنق كل جبار منهما شحمة أترجية كأنها سنام الحوار، لا يثيرون دمعاً، ولا يستنزلون رحمة، ولا يمهدون عذراً، ولا يتزودون من كتاب الله آية، قد طبع الله على قلوبهم، وأخذهم ببغيهم، وعجل لهم سوء سعيهم. وللحين أركبوهم وجراءهم - يعني أولادهم - في جفن غزوي (5) تحف بهم المساعير من الرجال، واقتفى بهم أثر قرقورة تحمل حاجاً إلى الإسكندرية تورية بالقصد، فلما لججوا قذف بهم في لجة بعد استخلاص

(1) بياض بمقدار كلمة في ص.

(2)

العذيوط: الذي يسلح حين ينزل أثناء المباشرة.

(3)

ق: في السرق والحرير والحلية؛ والسرق هو الحرير.

(4)

الأخلاف: جمع خلف وهو الرديء الذي لا خير عنده.

(5)

أي سفينة حربية.

ص: 139

ما ضبثوا به (1) ، وتلكأ الأصلع الغوي فأثبت بجراحة أشعر بها هديه، واختلط العقرب الردي فنال من جناب الله سخطاً وضيقاً، تعالى الله عن نكيره، فكان فرعون هذا الزمان جبروتاً وعتواُ وميتة، عجل الله لهم العذاب، وأغرقهم في اليم.

فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، فسبحان من لا تضيع الحقوق مع عدله، ولا تنفسخ الآماد مع منازعة رداء كبريائه، مرغم الأنوف، وقاطع دابر الكافرين، وفي ذلك أقول مستريحاً وإن لم يكن - علم الله تعالى - شاني، ولا تكرر في ديواني:

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه

ولكن من يبصر جفونك يعشق (2) ومن أمثالهم " من استغضب فلم يغضب فهو حمار " والله سبحانه يقول ومن أصدق من الله قيلا " وجزاء سيئة سيئة مثلها " والعفو أقرب للتقوى والقرب والبعد بيده سبحانه. وصدرت هذه الكلمة لحين تعرف إجلائهم في الجفن إلى الإسكندرية، وبعد ذلك صح هلاكهم:

كن من صروف الردى على حذر

لا يقبل الدهر عذر معتذر

ولا تعول فيه على دعة

فأنت في قلعة وفي سفر

فكل ري يفضي إلى ظمإ

وكل آمن يدعو إلى غرر

كم شامخ الأنف ينثني فرحاً

بال عليه زمانه وخري

قل للوزير البليد قد ركضت

في ربعك اليوم غارة الغير

يا ابن أبي الفتح نسبة عكست

فلا بفتح أتت ولا ظفر

وزارة لم يجد مقلدها

عن شؤمه في الوجود من وزر

في طالع النحس حزت رتبتها

وكل شيء في قبضة القدر

(1) ضبثوا به: قبض عليهم بسببه.

(2)

البيت للمتنبي من قصيدته " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ".

ص: 140

أي اختبار لم تأل نصبته

في جسد للنحوس أو نظر

بات له المشتري على غير

وأحرقت فيه قرصة القمر

يا طللاً ما عليه من عمل

يا شجراً ما لديه من ثمر

يا مفرط الجهل والغباوة لا

يحسب إلا من جملة البقر

يا دائم الحقد والفظاظة لا

يفرق بين ظالم وبري

يا كمد اللون ينطفي كمداً

من حسد يستطير بالشرر

يا عدل سرج يا دن مقتعد

ملآن من ريبة ومن قذر

يا واصلاً للجشاء ناشئة اللي

ل ورب الضراط في السحر

من غير لب ولا مراقبة

لله في مورد ولا صدر

يا خاملاً جاهه الفروج يرى

صهر أولي الجاه فخر مفتخر

كانوا نبيطاً في الأصل أو حبشاً

ما عنده عبرة بمعتبر

يا ناقص الدين والمروءة والعق

ل ومجري اللسان بالهذر

يا ولد السحق غير مكتم

حديثه، يا ابن فاسد الدبر

يا بغل طاحونة يدور بها

مجتهد السير مغمض البصر

في أشهر عشرة طحنتهم

فيها رحى الشؤم والبوار در

والله ما كنت يا مشوم ولا

أنت سوى عرة من العرر

ومن أبو الفتح في الكلاب وهل

لجاه في الأنام من خطر

قد ستر الدهر منك عورته

وكان لليوم غير مستتر

حانوت بز يمشي على فرش

وثور عرس يختال في حبر

لا منة تتقى لمعترك

ولا لسان يبين عن خبر

ولا يد تنتمي إلى كرم

ولا صفاء يريح من كدر

عهدي بذلك الجبين قد ملئت

غضونه الغبر بالدم الهدر

ص: 141

عهدي بذلك القفا الغليظ وقد

مد لوقع المهند الذكر

أهدتك للبحر كف منتقم

ألقتك للحوت كف مقتدر

يا يتم أولادك الصغار ويا

حيرتهم بعد ذاك في الكبر

يا ثكل تلك الصماء أمهم

وظاعن الموت غير منتظر

والله لا نال من تخلفه

من أمل بعدها ولا وطر

والله يا مسخفان لا انتقلت

رجلك منها إلا إلى سقر

ألحفك (1) الله بالهوان ولا

رعاك فيمن تركت من عرر

ما عوقب الليل بالصباح وما

تقدم البرق عارض المطر انتهى، وقال مورياً بدم الأخوين، في شأن سلطان تلك الدولة الذي أضحى أثراً بعد عين (2) :

بإسماعيل ثم أخيه قيس

تأذن ليل همي بانبلاج

دم الأخوين داوى جرح قلبي

وعالجني، وحسبك من علاج وهذه تورية بديعة، لأن الأطباء يقولون: إن في خاصية دم الأخوين النفع من الجراح.

وقال رحمه الله تعالى: قلت في رأس الغادر بالدولة حين عرض علي:

في غير حفظ الله من هامة

هام بها الشيطان في كل واد

ما تركت حمداً ولا رحمة

في فم إنسان ولا في فؤاد وقال أيضاً في تلك الدولة بعد كلام، ما نصه:

" وانتدب قاضيهم الشيخ المتراخي الدبر والفك، المنحل العصب والعقدة،

(1) ق ص: ألحقك.

(2)

أزهار الرياض 1: 274.

ص: 142

المعرق في العمومية، المشهور بقبول الرشوة، أبو فلان ابن فلان، الغريب السم والولاية، ومفتيهم معدن الرياء والهوادة، والبعد عن التخصص والحشمة، والمثل في العماه، والطرف في التهالك على الحطام، فلان البناء، المسخر في بناء الحفيرة، المستخدم في دار ابنه أجيراً، مختضباً بالطين، مضايقاً في رمق العيشة، وحسبك به دليلاً على الحياء وفضل البنوة، فلفقوا من خيوط العناكب شبهات تقلدوا بها حل العقد الموثق، ديدنهم في معارضة صلب الملة بالآراء الخبيثة، يتحكم الوقاح منهم في الحكم الذي نزل به شديد القوى على الذي لا ينطق عن الهوى، بحسب شهوته، تحكمه في غزل أمه إيثاراً للعاجل، بالوعيد، ففسخوا النكاح، وحللوا محرم البضع للدائل، وقد تأذن الله بفسخه، وأجرى دمه نقداً قبل دفع فقده، سبحانه حكم الحكام، وقاهر الظلام، وباء مشيخة السوء بلعنة الله وسوء الأحدوثة، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً "؛ انتهى.

ومن كلامه في " نفاضة الجراب "، وقد ذكر وزير المغرب محمد بن علي مسعود ما ملخصه:" وانه مجنون، أحول العين، وحش النظرة، يظن به الغضب في حال الرضى، يهيج به المرار فيكمن زماناً خلف كلة مرقده، يدخل إليه وعاء الحاجتين خوفاً من إصحاره إلى فضاء منزله، وتوحشه من أهله وولده، إلى أن تضعف (1) سورة المرة فيخف أمره، قد باين زوجه مع انسحاب رواق الشبيبة، وتوفر داعية الغبطة، لحلف جره الوسواس السوداوي، نستدفع بالله سر بلائه، فاستعان مستوزره منه برأي الفضل بن سهل ويحيى بن خالد وأمثالهما، تدارك الله رمق الإسلام بلطفه "؛ انتهى.

[في عتاب ابن أبي رمانة]

ولما دخل لسان الدين رحمه الله تعالى مدينة مكناسة الزيتون تأخر قاضيها الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي رمانة عن لقائه يوم وصوله،

(1) ق: تعصف، وهو غير مناسب للمعنى.

ص: 143

فكتب إليه بما نصه:

جفا ابن أبي رمانة وجه مقدمي

ونكب عني معرضاً وتحاماني

وحجب عني حبه غير جاهل

بأني ضيف (1) والمبرة من شأني

ولكن رآني مغربياً محققاً

وأن طعامي لم يكن حب رمان زيارة القاضي أصلحه الله لمثلي ممن لا يخافه ولا يرجوه، تجب من وجوه: أولها كوني ضيفاً، ممن لا يعد على الاختبار زيفاً، ولا تجر مؤانسته حيفاً، فضلاً عن أن تشرع رمحاً أو تسل سيفاً؛ وثانيها أني أمت إليه من الطلب بنسب، بين موروث ومكتسب، وقاعدة الفضل قد قررها الحق وأصلها، والرحم كما علم تدعو لمن وصلها؛ وثالثها المبدأ في هذا الغرض، ولكن الواو لا ترتب إلا بالعض، وهو اقتفاء سنن المولى أيده الله في تأنيسي، ووصفه إياي بمقربي وجليسي؛ ورابعها - وهو عدة كيسي، وهزبر خيسي، وقافية تجنيسي، ومقام تلويني وتلبيسي - مودة رئيس هذا الصنف العلمس ورئيسي، فليت شعري ما الذي عارض هذه الأصول الأربعة، ورجح مذاهبها المتبعة، إلا أن يكون عمل أهل المدينة ينافيها، فهذا بحسب (2) النفس ويكفيها، وإن تعذر لقاء أو استدعاء، وعدم طعام أو وعاء، ولم يقع نكاح ولا استرعاء، فلم يتعذر عذر يقتضيه الكرم، والمنصب المحترم، فالجلة إلى التماس الحمد ذات استباق، والعرف بين الله والناس باق، والغيرة على لسان مثله مفروضة، والأعمال معروضة، والله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة، وإن كان لدى القاضي في ذلك عذراً فليفده، وأولى الأعذار به أنه لم يقصده، والسلام "؛ انتهى.

ويعني بالمولى السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني، وبرئيس

(1) ص: ضعيف.

(2)

ص ق: يحسب.

ص: 144

هذا الصنف العلامة الخطيب أبا عبد الله ابن مرزوق، رحم الله الجميع.

[رسالته إلى ابن مرزوق ينصحه برفض الدنيا]

ومن كلام لسان الدين - رحمه الله تعالى - رسالة في أحوال خدمة الدولة ومصائرهم، وتنبيههم على النظر في عواقب الرياسة بعيون بصائرهم، عبر فيها عن ذوق ووجدان، وليس الخبر كالعيان، وخاطب بها الإمام الخطيب عين الأعيان، سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق، وكأنه - أعني لسان الدين - أشار ببعض فصولها إلى نفسه، ونطق بالغيب في نكبته التي قادته إلى رمسه، وكان ذلك منه عندما أراد التخلي عن خدمة (1) الملوك، والتحلي بزينة أهل التصوف والسلوك، فلم يرد الله أن تكون مهجته نائية عن ساحة الظلمة خارجة، وأراد سامحه الله وغفر له عمراً وأراد الله خارجة، وصورة ما قال رحمه الله تعالى:

" وأحسست منه - يعني ابن مرزوق - في بعض كتبه الواردة إلي إلى الدنيا وحنيناً لما بلاه من غرورها، فحملني الطور الذي ارتكبته في هذه الأيام - بتوفيق الله - على أن أخاطبه بهذه الرسالة، وحقها أن يجعلها خدمة الملوك ممن ينسب إلى نبل، ويلم بمعرفة، مصحفاً يدرسه، وشعاراً يلتزمه، وهي: سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافأة، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت الصفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرفات، أطلقك الله من أسر كل الكون كما أطلقك من أسلا بعضه، وزهدك في سمائه الفانية وفي أرضه، وحقر الحظ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه، اتصل بي الخبر السار من تركك لشانك، وإجناء الله تعالى إياك ثمرة إحسانك، وانجياب ظلام الشدة الحالك، عن أفق حالك، فكبرت، وفي الفرج من بعد الشدة اعتبرت، لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر، إنما هو فيء، وظل ليس له من الأمر شيء، ونسأله جل وعلا أن يجعلها آخر عهدك بالدنيا

(1) ص ق: مذمة.

ص: 145

وبنيها، وأول معارج نفسك التي تقربها من الحق وتدنيها، وكأني والله أحس بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادتها ولا حول ولا قوة إلا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله تعالى في عالم الإنسان، والآلة لبث العدل والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللسان، فأقول: " ليت شعري ما الذي غبط سيدي في الدنيا، وأن بلغ من زبرجها الرتبة العليا، ونفرض المثال بحال إقبالها، ووصل حبالها، وخشوع جبالها، وضراعة سبالها، ألتوقع المكروه صباحاً ومساء، وارتقاب الحوالة التي تديل من النعيم البأساء، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤساء ألترتب العتب التقصير في الكتب، وضغينة جار الجنب، وولوع الصديق بإحصاء الذنب ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري ألاستهدافك للمضار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضبطها (1) ركبة السروج، وسرحة المروج، ونجوم السماء ذات البروج ألتقليدك التقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاءها الوجود، ولا يكفيها الركوع للملك والسجود ألقطع الزمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيم تكبد، وعجاجة شر تلبد، وأقبوحة تخلد وتؤبد ألوزير يصانع ويدارى، وذي حجة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويمارى، وعورة لا توارى ألمباكرة كل قرن حاسد، وعدو مستأسد، وسوق للإنصاف والشفقة كاسد، وحال فاسد ألوفود تتزاحم بسدتك مكلفة لك غير ما في طوقك، فإن لم يقع الإسعاف قلبت عليك السماء من فوقك ألجلساء بابك، لا يقطعون زمان رجوعك وغيابك، إلا بقبيح اغتيابك، فالتصرفات تمقت، والقواطع توقت، والألاقي تبث، والسعايات تحث، والمساجد يشتكى في حلقها البث، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المأمور، ليس له شهوة ولا غضب، ولا أمل في الملك

(1) لعلها تضطبنها.

ص: 146

ولا أرب، ولا موجدة لأحد كامنة، وللشر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرة، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة ولا طفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرف كيدك، وأنك علة حيفه، ومسلط سيفه:

" الشرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخلهم الوجود أخبث ما فيه، واختارهم السفيه فالسفيه إذ الخير يستره الله تعالى عن الدول ويخفيه، ويقنعه بالقليل فيكفيه، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة، ويفتحون عليك القول ويسدون طرق السلامة، وليس لك في أثناء هذه إلا ما لا يعوزك مع ارتفاعه، ولا يفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيم، وخديم يقعد ويقيم، وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورائه سوء القضا، وجاء يحلق عليه سيف منتضى وإذا بلغت النفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، واللجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك، فكيف تنسب إلى نبل، أو تسير من السعادة في سبل وإن وجدت في القعود بمجلس التحية، بعض الأريحية، فليت شعري أي شيء زادها، أو معنى أفادها إلا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، وموجهة العدو المستأسد، أو شعرت ببعض الإيناس، في الركوب بين الناس، ما التذت إلا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور جاذب، إنما راكبت من يحدق إلى الحلية والبزة، ويستطيل مدة العزة، ويرتاب إذا حدثت بخبرك، ويتتبع بالنقد والتجسس مواقع نظرك، ويمنعك من مسايرة أنيسك، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشر لك ولرئيسك، وأي راحة لمن لا يباشر قصده، ويمشي إذا شاء وحده

ولو صح في هذه الحال لله تعالى حظ وهبه زهيداً، وعين الرشد عملاً حميداً، لساغ الصاب، وخفت الأوصاب، وسهل المصاب، لكن الوقت أشغل، والفكر أوغل، والزمن قد عمرته الحصص الوهمية، واستنفدت منه الكمية، أما ليله ففكر أو نوم، وعتب بجراء الضرائر ولوم، وأما يومه فتدبير

ص: 147

وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ولغط لا يدخل فيه حكم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير؛ ووالله يا سيدي ومن فلق الحب، وأخرج الأب، وذرأ من مشى ومن دب، وسمى نفسه الرب، لو تعلق المال الذي يجره هذا القدح، ويوري سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لما ورثه عقب، ولا خلص به محتقب، ولا فاز به سافر ولا منتقب، والشاهد الدول، والمشائيم الأول:

فأين الرباع المقتناة وأين الديار المبتناة وأين الحوائط المغترسات وأين الذخائر المختلسات وأين الودائع المؤملة وأين الأمانات المحملة تأذن الله بتتبيرها، وإدناء نار التبار من دنانيرها، فقلما تلقى أعقابهم إلا أعراء الظهور، مترمقين لجرايات الشهور، متعللين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عنها آباؤهم، وعرف منها إباؤهم، وشم من مقاصيرها عنبرهم وكبائهم، ولم تسامحهم الأيام إلا في إرث محرر، أو حلال مقرر، وربما محقه الحرام، وتعذر منه المرام.

" هذه - أعزك الله - حال قبولها مع الترفيه، ومالها المرغوب فيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العز مستوفيه، وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، ومطبق يحجب الهواء، ويطيل في التراب الثواء، وثعبان قيد يعض الساق، وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدو الفاسق، فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق، مع الأفول والشروق. فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرة، أو ما يساوي جرعة حال مرة واحسرتا للأحلام ضلت، وللأقدام زلت، ويا لها مصيبة جلت.

" ولسيدي أن يقول: حكمت باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدنيا بين خلانها وأكفائها، وتناسي عدم وفائها، فأقول: الطبيب بالعلل أدرى، والشفيق بسوء الظن مغرى، وكيف لا وأنا أقف على السحاءات بخط يد سيدي

ص: 148

من مطارح الاعتقال، ومثاقف النوب الثاقل، وخلوات الاستعداد، للقاء الخطوب الشداد، ونوشى الأسنة الحداد، وحيث يجمل بمثله أن لا في غير الخضوع لله تعالى بناناً، ولا يثني لمخلوق عناناً، وأتعرف أنها قد ملأت الجو والدو، وقصدت الجماد والبو، تقتحم أكف أولي الشمات، وحفظة المذمات، وأعوان النوب الملمات، زيادة في الشقاء، وقصداً برياً من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التجاوز على أغرب من العنقاء، ومن النفاق على أشهر من البلقاء، فهذا يوصف بالإمامة، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلف الدعاء وليس منت أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن السموم، وكتب النجوم، المذموم من العلوم، هلاكان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتاً، وأعتقد أن الله قد جعل لزمان الخير والشر ميقاتاً، وأنا لا نملك موتاً ولا نشوراً ولا حياتاً، وأنا اللوح قد حصر الأشياء محواً وإثباتاً، فكيف نرجو لما منع منالاً أو نستطيع مما قدر إفلاتاً أفيدونا ما يرجع العقيدة المتقررة فنتحول إليه، وبينوا لنا الحق نعول عليه.

" الله لله يا سيدي في النفس المرشحة، والسلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرحلة بعد حث السير، ودع الدنيا لبنيها فما أوكس حظوظهم، وأخس لحوظهم، وأقل متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم:

ما ثم إلا ما رأي

ت، وربما تعيي السلامه

والناس إما جائر

أو حائر يشكو ظلامه

وإذا أردت العز لا

ترزأ بني الدنيا قلامه

والله ما احتقب الحري

ص سوى الذنوب أو الملامه

هل ثم شك في المعا

د الحق أو يوم القيامه

قولوا لنا ما عندكم

أهل الخطابة والإمامه

ص: 149

" وإن رميت بأحجاري، وأوجرت المر من أشجاري، فوالله ما تلبست اليوم منها بشيء قديم ولا حديث، ولا استأثرت بطيب فضلاً عن خبيث، وما أنا إلا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعداً قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفر من الأسد، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي - ولله الحمد - من الطمع والحسد، فلم أبق عادة إلا قطعتها، ولا جنة للصبر إلا أدرعتها، أما اللباس فالصوف، وأما الزهد فيما بأيدي الخلق فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصدقة مصروف، ووالله لو علمت أن حالي هذه تتصل، وعراها لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يحيرني الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمت أسفا، وحسبي الله وكفى.

" ومع هذا يا سيدي فالموعظة تتلقى من لسان الوجود، والحكمة ضالة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلها المذموم ولا المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافئ عني بعض يدك، أو تنهي في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النفس قليلاً لك من غير شرط ولا ثنيا، فلما ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النصيحة المفرغة في قالب الجفاء، لمن لا يثبت عين الصفاء، ولا يشيم بارقة الوفاء، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنسين بها المنهمكين، وينظر عوارها القادح بعين اليقين، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور، تبين لي أنني قد كافيت صنيعتك المتقدمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، وأمحضت لك النصح الذي يعز بعز الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحيي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب، وقلبك من النصب، ويحقر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت.

" كل من تقع عينك عليه فهو حقير قليل، وفقير ذليل، لا يفضلك

ص: 150

بشيء إلا باقتفاء رشد أو ترك غي، أثوابه النبيهة يجردها الغاسل، وعروة عزه يفصلها الفاصل، وما له الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعين للسلف، ولا مصير المجموع إلا إلى التلف، ولا صح من الهياط والمياط، والصياح والعياط، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخباط، والاستكثار والاغتباط، والغلو والاشتطاط، وبناء الصرح وعمل الساباط، ورفع العمد وإدارة الفسطاط، إلا أمل يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوة، ثم نفس يصعد، وسكرات تتردد، وحسرات لفراق الدنيا تتجدد، ولسان يثقل، وعين تبصر الفراق وتمقل {قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون} (ص: 67) ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده، فالإضراب والإضراب، والتراب التراب.

" وإن اعتذر سيدي بقلة الجلد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزاق، وبيده من التسبب ما يتكفل بإمساك أرماق، أين النسخ الذي يتبلغ الإنسان بأجرته، في كن حجرته لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرته. السؤال والله أقوم طريقاً، وأكرم رفيقاً، من يد تمتد إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يؤمن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السوء المعشار، ثم طلب عند الشدة ففضح، وبان شؤمه ووضح، اللهم طهر منها أيدينا وقلوبنا، وبلغنا من الانصراف إليك مطلوبنا وعرفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلا خيرك، يا الله.

" وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في اجتلابها إضبارة، أو لبس منها شارة، أو تشوف لخدمة إمارة، أن لا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغتروا بسمة ولا خلق ولا لباس، فما عدا عما بدا تقضى العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضر وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقر القرار، وتلازم

ص: 151

الأذكار، وتشام الأنوار، وتستجلى الأسرار ثم يقع الشهود الذي يذهب معه الإخبار، ثم يحق الوصول الذي إليه من كل ما سواه الفرار، وعليه المدار.

" وحق الحق الذي ما سواه فباطل، والفيض الرحماني الذي ربابه الأبد هاطل، ما شابت مخاطبتي لك شائبة تريب، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب للحبيب، فتحمل جفائي الذي حملت عليه، ولا تظن بي غيره، وأن لم تعذرني مكاشفة سيادتك بهذا النث، في الأسلوب الرث، فالحق اقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في موجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفسي في النفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشهوات مزاحم، فكيف لي اليوم مع الشيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب إنما أنا اليوم على كل من عرفني كل ثقيل، وسيف العدل في كفي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النفوس في القبول سوا، ولا لكل مرض دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني - حملك الله تعالى - على الجادة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوة الصالحة، والسلام ".

انتهت الرسالة البديعة في بابها، الآتية من الموعظة بلبابها، ذات النصيحة الصريحة التي يتعين على كل عاقل خصوصاً من يريد خدمة الملوك التمسك بأسبابها.

[تعليقات ابن مرزوق وابن لسان الدين على الرسالة]

قلت: وقد رأيت بخط الأمام العلامة الخطيب ابن مرزوق على هامش قول لسان الدين أول الكلام " وأحسست منه في بعض كتبه إلى آخره " ما صورته: توهم ما لا يقع، بل لما تجلت عني سحب النكبة والامتحان جزمت بالرحلة، وعزمت على النقلة، ونفرت عن خدمة السلطان، وملازمة الأوطان، قال ابن

ص: 152

مرزوق: والعجب كل العجب أن جميع ما خاطبني به - أبقاه الله تعالى - تحلى به اجمع، وابتلي بما منه حذر، فكأنه خاطب نفسه وأنذرها بما وقع له، فلله تعالى يحسن له الخاتمة والخلاص؛ انتهى.

وكتب تحت كلام ابن مرزوق هذا بخطه ابن لسان الدين علي، ما نصه: صدق والله سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق، كان الله تعالى له، قاله ولده ابن المؤلف؛ انتهى.

قلت: وهذا الذي قاله ابن مرزوق كان في حياة ابن الخطيب، ولذلك دعا له بالبقاء، وبحسن الخاتمة والخلاص، وقد أسفر الغيب عن محنته، ثم قتله على الوجه الذي وصفه في الرسالة، إذ قال: وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، ومطبق يحجب الهواء، ويطيل في التراب الثواء، وثعبان قيد يعض الساق، وشؤبوب عذاب يمزق الأبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويجرعها العدو الفاسق، فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق، مع الأفول والشروق. فإنه رحمه الله تعالى حصل له ما ذكر، ثم اغتاله ليلاً وخنقه في محبسه عدوه الفاسق سليمان بن داود، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، فلله تعالى يثيبه بهذه الشهادة.

[مرثية المنجنيقي]

وقد تذكرت هنا مرثية ابن صابر (1) المنجنيقي، وهي:

هل لمن يرتجي البقاء خلود

وسوى الله كل شيء يبيد

والذي كان من تراب وإن عا

ش طويلاً إلى التراب يعود

فمصير الأنام طراً لما صا

ر إليه آباؤهم والجدود

أين حوا أم أين آدم إذ فا

تهما الملك والثوا والخلود

(1) ص: ابن صاعد.

ص: 153

أين هابيل أين قابيل إذ هـ

ذا لهذا معاند وحسود

أين نوح ومن نجا معه بال

فلك والعالمون طراً فقيد

أسلمته الأيام كالطفل للمو

ت ولم يغن عمره الممدود

أين عاد بل أين جنة عاد

إرم، أين صالح وثمود

أين إبراهيم الذي شاد بيت ال

له فهو المعظم المقصود

أين إسحاق أين يعقوب أم أي

ن بنوه وعدهم والعديد

حسدوا يوسف أخاهم فكادو

هـ ومات الحساد والمحسود

وسليمان في النبوة والمل

ك قضى مثلما قضى داود

ذهبا بعدما أطاع لذا الخل

ق وهذا له ألين الحديد

وابن عمران بعد آياته التس

ع وشق الخضم فهو صعيد

والمسيح ابن مريم وهو روح ال

له كادت تقضي عليه اليهود

وقضى سيد النبيين والها

دي إلى الحق أحمد المحمود

وبنوه وآله الطاهرون ال

زهر صلى عليهم المعبود

ونجوم السماء منتثرات

بعد حين وللهواء ركود

ولنار الدنيا التي توقد الصخ

ر خمود وللمياه جمود

وكذا للثرى غداة يقوم ال

ناس منها تزلزل وهمود

هذه الأمهات نار وترب

وهواء رطب وماء برود

سوف تفنى كما فنينا فلا يب

قى من الخلق والد ووليد

لا الشقي الغوي من نوب الأيا

م ينجو ولا السعيد الرشيد

ومتى سلت المنايا سيوفاً

فالموالي حصيدها والعبيد [العبرة من مراث أخرى]

وأما قصيدة ابن عبدون الأندلسي التي رثى بها بني الأفطس وذكر فيها

ص: 154

كثيراً من الملوك الذين أبادهم الدهر وطحنهم برحاه وصيرهم أثراً بعد عين ففيها ما يوقظ النوام، وأولها:

الدهر يفجع بعد العين بالأثر

فما البكاء على الأشباح والصور وبالجملة فالأمر كما قال ابن الهبارية:

الموت لا يبقي

أحد لا والداً ولا ولد

مات لبيد ولبد

وخلد الفرد الصمد {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ، اللهم اختم لنا بالحسنى، وردنا إليك رداً جميلاً.

وتذكرت هنا أيضاً مرثية على روي مرثية المنجنيقي السابقة منها:

أين أهل الديار من قوم نوح

ثم عاد من بعدهم وثمود

بينما هم على الأسرة والأن

ماط أفضت إلى التراب الخدود

ثم لم ينقض الحديث ولكن

بعد ذا الوعد كله والوعيد

وأطباء بعدهم لحقوهم

ضل عنهم سعوطهم واللدود

وصحيح أضحى يعود مريضاً

وهو أدنى للموت ممن يعود وما أحكم قول السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد المريني يخاطب أخاه السلطان أبا الحسن وقد حصره بسجلماسة حتى أخذه قسراً:

فلا يغرنك الدهر الخئون فكم

أباد من كان قبلي يا أبا الحسن

الدهر مذ كان لا يبقي على صفة

لا بد من فرح فيه ومن حزن

أين الملوك التي كانت تهابهم

أسد العرين ثووا في اللحد والكفن

بعد الأسرة والتيجان قد محيت

رسومها وعفت عن كل ذي حسن

فاعمل لأخرى وكن بالله مؤتمراً

واستعن بالله في سر وفي علن

ص: 155

واختر لنفسك أمراً أنت آمره

كأنني لم أكن يوماً ولم تكن ودخل السلطان أبو الحسن سجلماسة عنوة على أخيه السلطان أبي علي عمر سنة 734، وجاء به في الكبل لفاس، ثم قتله بالفصد والخنق في ربيع الأول من السنة، وكان القبض عليه في محرم، رحمه الله تعالى.

ومما وجد مكتوباً على قصر بعض السلاطين:

قد كان صاحب هذا القصر مغتبطاً

في ظل عيش يخاف الناس من باسه

فبينما هو مسرور بلذته

في مجلس اللهو مغبوط بجلاسه

إذ جاءه بغتة ما لا مرد له

فخر ميتاً وزال التاج عن راسه رجع إلى أخبار ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - قلت: وقد زرت قبره مراراً رحمه الله تعالى بفاس المحروسة فوق باب المدينة الذي يقال له باب الشريعة، وهو يسمى الآن باب المحروق، وشاهدت موضع دفنه غير مستو مع الأرض، بل ينزل إليه بانحدار كثير، ويزعم الجل من عوام فاس أن الباب المذكور إنما سمي بباب المحروق لأجل ما وقع من حرق لسان الدين به حين أخرجه بعض أعدائه من حفرته كما مر، وليس كذلك، وإنما سمي باب المحروق في دولة الموحدين، قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه، بسبب ثائر ثار على الدولة، فأمسك وأحرق في ذلك المحل، والله غالب على أمره. وحصل لي من الخشوع والحزن عند زيارة قبره - رحمه الله تعالى - ما لا مزيد عليه، جعل الله تلك المحن كفارة وطهرة، فإنه كان آية الله علماً وجلالة وحكمة وشهرة.

[رسالة في العزاء بأبي جعفر ابن جبير]

وقد تذكرت عند كتبي هذا المحل رسالة كتبها بعض أئمة المغرب في عزاء

ص: 156

الوزير الشهير أبي جعفر ابن جبير الأندلسي رحمه الله تعالى إلى بنيه، وهي مما يصلح أن يوصف بمثلها لسان الدين رحمه الله تعالى، وفيها عزاء بمن مضى، ونصها: "

" عزاء يا كوكب الهدى، في بدركم الذي تحيفه الردى، وفجع به الفضل والندى، فقل للشهب أن تنكدر على فراقه، وللصبح أن يخبو نور إشراقه، وللريح أن تمزق صداراً، وللأهلة أن لا تعرف إبداراً، ولليل أن يشتمل خميصة الحزن، وللسماء أن تبكيه بأدمع المزن، وللرعد أن ينتحب لوفاته، وللبرق أن يحكي برجفاته أفئدة عفاته، وللثريا أن ينفصم سوارها، وللشمس أن تنكسف أنوارها، وللنثرة أن تنثر كواكبها، وللجوزاء أن تنفض مناكبها، وللنيرات أن ترفض مواكبها، وللرامح أن يبيت أعزلا، وللبدر أن لا يألف منزلا، وللمجرة أن يفيض دمعاً نهرها، وللغميصاء أن يطرد بكاؤها وسهرها، وللروض أن يفارق إمراعه، وللأوراق أن يهتف بما راعه، وللغصون أن تنهصر لهتفه، وتتقصف أسفاً على حتفه.

" ولكن هو الحمام يختل ويختر، ولا يحفل بمن يتر، يعدم ما أوجده الكون، ويذيل من أكنفه الصون، وأين بنا عن مكافح لا نقاتله، ورام أرواحنا مقاتله، لا يد به ناصرة، وعزمته قاصرة للقياصرة، ويمنه كاسرة للأكاسرة، لم يبق من رسم لطسم، ولا من إحسان لغسان، ولا من أياد لإياد، ولا من سلطان لقحطان، ولا من نجيب لتجيب، ولا شرف ضخم للخم، لم يكن له عن اليمين إقصار، ومنهم الأنصار، وهم أسماع للنبي وأبصار، وعمد إلى المصابيح من مضر يطفيها، هذا والوحي يتنزل فيها، ولم يصخ في الصديق، إلى التصديق، وأصمى الفاروق براده، وحكم فيه أبا لؤلؤة ومداه، وأمكن صرف الأقدار، من شهيد الدار، ولم يرع من علي بالبسالة، والذبل العسالة، ولا أبقى سبطيه وقد تفقأت عنهما بيضة الرسالة، وأذهب الزبير حواري الرسول، وحنظلة وهو بأيدي الملائكة مغسول، وأفات ابن معاذ ولم

ص: 157

يحفل بفوته، على أنه اهتز العرش لموته، وأودى بحزمة ومقعده من البنوة، مقعد الأبوة، وشفى من عمار صدور الأسل، وأردى مالكاً بشربة من عسل، ولم يعبأ بمضاء عمرو، ولا بحلم معاوية ودهاء عمرو.

" فياله من خطب، مود بكل يابس ورطب، يشرب ماء الأعمار، ويجعل الأحداث منازل الأقمار، ويلوك السوقة والأملاك، ولا يبالي أية لاك، لا يقبل شفيعاً، ولا يغادر منحطاً ولا رفيعاً، ها هو اعتمد نور علاً فكسفه، وطود حلم فنفسه، وأعلق المجد في حباله، وأقصد الفضل بنباله، وفجع كنانة، بسهم لم ينثل مثله من كنانة، فيا طارق الأعين لقد بؤت بأنفس الأعلاق، ويا ناعيه لقد نعيت باسق الأخلاق، رويداً أسائلك، عمن لم تضع لديه وسائلك، أين سماحه وطلاقته أين كلفه بالحمد وعلاقته ما الذي ثنى عطفه عن الارتياح أم أين عافيه من ذلك الامتياح أو من يؤلف أمنية كما ألفت السحب أيدي الرياح

" فيا هبة الحمد اطوي عرفك فما تنشق، ويا ربة المجد أقصري طرفك فما تعشق، ويا معشر عفاته، كيف حييتم وقد علمتم بوفاته ويا زمر أماله، صفرت أيديكم من إجماله، ويا أخاير أصحابه، أين مواقع سحابه ويا بني ولائه، من يتبوأ مقام علائه ويا منافسي شيمه، من يجود بمثل ديمه ويا منازعي كرمه، من يطيف المعتفين بمثل حرمه ويا حاسدي هممه، من له كحافظه وذممه "

" سيدي لقد أضاءت مساعيك وأشرقت، وأغصت الحاسدين طراً وأشرقت، وحسبهم أن لم ينتبهوا إلا إذا نمت، ولا نطقوا إلا حين مت، وليهن ملأك وصحبك، أن أحيتك صنائعك وقد قضيت نحبك، وإن حم فناؤك، فقد أبقى الحياة الخالدة ثناؤك (1) :

(1) البيتان من قطعة في الحماسة (شرح المرزوقي: 950) للتيمي في منصور بن زياد، وعند التبريزي أن اسمه عبد الله بن أيوب، من أهل اليمامة.

ص: 158

ردت صنائعه عليه حياته

فكأنه من نشرها منشور

والناس مأتمهم عليه واحد

في كل دار أنة وزفير سيدي، أما تجيب صرخة لهفان، أم عداك عن الجواب أنك فان سيدي من لآملك، ببسط أناملك من للمرملات الضرائك، بإرشادك من لأبنائك، بلطف أحبائك انفض شملهم وكان جميعاً، ونادوك لو نادوا منك سميعاً، هذا كبيرهم يدعوك فلا تجيبه، وقد فت الأضلاع وجيبه، يبكي عند تلك الرجام، بأدمع سجام، وقد ألهبت الزفرات حشاه، وألح الدمع بجفنه حتى أعشاه، والأصاغر ما لهم بعدك مفزع، ورضيعهم تسلب به الأنفس رحمة وتنزع، لا يدري ما جزع عليك فيجزع، لشد ما أذابتهم وقدة الأوار، حين عدموا منك كرم النجوى والجوار، أف لدهر رماهم بالأجوار، وتركهم أنجماً مسلوبة الأنوار، لا جرم أن يحزنوا عليك ويكترثوا، فلقد تسلوا عنك ببعض ما ورثوا، وما ورثتهم غير الحزن والبث، وأمل في الحياة كالهباء المنبث، كما تتلى محاسنك فاسمع، طفقت عليك شؤون عيني تدمع، أيا ضريحه، كيف وجدت ريحه لقد ارج بك ذلك المعفر، حتى ما ينافحه، المسك الأذفر، وكما ظفرت بوجوده، فجد كل قبر بجوده، ففيه سماء ثرة وغمام، ونور انضم عليك منك كمام، ولو علمت بمن بين جنبيك راقد، لعلوت حتى تلوح في ذراك الفراقد، ويا دافنيه كيف هلتم عليه الرغام أو لم تنكروا على الشمس أن تغام هيهات لقد سمحتم بإقبار، عف الشمائل طيب الأخبار، وإلحاد، من لا نزاع في فضله ولا إلحاد، أي نفس تخذتم له التراب مستودعاً، فأضحى عرنين المكارم مجدعاً

فتى مثل نصل السيف من حيث جئته

لنائبة نابتك فهو مضارب

فتى همه حمد على النأي رابح

وإن بات عنه ماله وهو عازب

ص: 159

" أما وإن ازدحمت بمهلكه الأوصاب، وفدح الرزء وجل المصاب، حتى لا نألف التأساء، فلقد سر الموت من حيث ساء، فلقد خلفنا بدهر ما فيه غير مصائب، ولا يبالي من أقصد سهمه الصائب، فيا فقيد الندى ما كان أجدرك بالخلود وأخلقك، ويا جواد عمره ما كان أقصر طلقك، ثوى حين استوى وتوارى، إذ ملأ الأفق أنوارا، وكسف حين بلغ الكمال، فكان كالغصن عندما اعتل مال، أو كالشهاب عندما استقام حار:

وكذاك عمر كواكب الأسحار (1)

" هذه اليراعة التحفت بعد الضنى، والصحف تطوى على جهالة وتحنى، وعهدي به إن أمطى راحته اليراع، راع، أو دبج الأوراق، راق، أو استدر طبعه السلسال، سال، وأي روض أراد، راد، ومتى أراغ الإنشاء، أحسن إن شاء، فحق للفؤاد أن يستعر بوقده، وللمدامع أن تسيل دماً على فقده، بيد أنه الموت لا بد أن نرد مشرعه، ونسيغ على شرق به جرعه، فإنا زرع يحصده الذي ازدرعه، وصبراً يا ذوي أرحامه وبنيه، ومن مر في غلواء الوجد فالسلوان يثنيه، وشحاً على أجركم لا يذهب به الجزع ويفنيه، والله يزلف الفقيد من رحمته ويدنيه، ويقطفه زهر رضوانه ويجنيه، وييسر لكم العزاء الأجمل برحمته وينسيه، والسلام ". انتهت.

[قطع زهدية]

ويرحم الله القائل:

كل جمع إلى الشتات يصير

أي صفو ما شابه تكدير

(1) من مرثية أبي الحسن التهامي في ابنه، وصدر البيت:

يا كوكبا ما كان أقصر عمره

ص: 160

أنت في اللهو والأماني مقيم

والمنايا في كل وقت تسير

والذي غره بلوغ الأماني

بسراب وخلب مغرور

ويك يا نفس أخلصي إن ربي

بالذي أخفت الصدور بصير ولا خفاء على ذوي الأحلام، من الأعلام، أن الدنيا أضغاث أحلام (1) :

يندم المرء على ما فاته

من لبانات إذا لم يقضها

وتراه فرحاً مستبشراً

بالتي أمضى كأن لم يمضها

إنها عندي كأحلام الكرى

لقريب بعضها من بعضها وقال أبو منصور أسعد النحوي:

يجمع المرء ثم يترك ما يج

مع من كسبه لغير شكور

ليس يحظى إلا بذكر جميل

أو بعلم من بعده مأثور [شيء من مواعظ ابن الجوزي]

وقال الإمام الشهير أبو الفرج ابن الجوزي (2) :

يا ساكن الدنيا تأ

هب واتنظر يوم الفراق

وأعد زاداً للرحي

ل فسوف يحدى بالرفاق

وابك الذنوب بأدمع

تنهل من سحب المآق

يا من أضاع زمانه

أرضيت ما يفنى بباق وكان ابن الجوزي المذكور آية الله في كثرة التأليف والكتابة والوعظ

(1) تنسب إلى عمران بن حطان وإلى غيره (انظر شعر الخوارج: 19) .

(2)

ترجمة ابن الجوزي في وفيات الأعيان 2: 321 وذيل أبي شامة: 21 وهذه النتف التي أوردها المقري مأخوذة من الثاني.

ص: 161

والحفظ، وأقل من كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضر عنده مائة ألف، وقال في آخر عمره على المنبر: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني، وأسمع رحمه الله تعالى الناس أكثر من أربعين سنة، وحدث بمصنفاته مراراً.

وقال الحافظ الذهبي في حقه: الحافظ الكبير، الواعظ المفتن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في العلوم المتعددة، وعظ من صغره، وفاق فيه الأقران ونظم الشعر المليح، وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا يزيد عليه، وحزر مجلسه غير مرة بمائة ألف، وحضر مجلسه المستضيء مراراً من وراء الستر؛ انتهى.

ومن كلامه في بعض مجالسه: واله ما اجتمع لأحد أمله، إلا وسعى في تفريقه أجله، وعقارب المنايا تلسع الناس، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وقال في قوله صلى الله عليه وسلم " أعمار أمتي من الستين إلى السبعين " إنما طالت أعمار القدماء لطول البداية، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل: حثوا المطي.

وقال في الذين عبدوا العجل: لو أن الله خار لهم ما خار لهم.

وقال يوماً وقد طرب أهل المجلس: فهمتم فهمتم.

وقال في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، بعد أن ذكر أحاديث تدل على خلافته كقوله صلى الله عليه وسلم " مروا أبا بكر فليصل بالناس " وغيره، ما صورته: فهذه أحاديث تجري مجرى النص، فهمها الخصوص، غير أن الرافضة في إخفائها كاللصوص، فقال السائل: لما قال: " أقيلوني " ما سمعنا مثل جواب علي رضي الله عنه " والله لا أقلناك "، فقال: لما غاب علي عن البيعة في الأول، أخلف ما فات بالمدح في المستقبل، ليعلم السامع والرائي أن بيعة أبي بكر وإن كانت من ورائي، فهي رائي، ومثل ذلك الصدر لا يرائي.

وقال في قول فرعون {أليس لي ملك مصر} (الزحف: 51) يفتخر

ص: 162

بما أجراه، ما أجراه.

وتواجد رجل في مجلسه فقال: عجباً! كلنا في إنشاد الضالة سوا، فلم وجدت وحدك ألم الجوى وأنشد:

قد كتمت الحب حتى شفني

وإذا ما كتم الداء قتل

بين عينيك علالات الكرى

فدع النوم لربات الحجل ونظر يوماً إلى أقوام يبكون في مجلسه ويتواجدون فأنشد (1) :

ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني

حمائم ورق في الديار وقوع

تداعين فاستبكين من كان ذا هوى

نوائح لم تقطر لهن دموع

وكيف أطيق العاذلين وذكرهم

يؤرقني والعاذلون هجوع وقام رجل وتواجد فأنشد:

وما زال يشكو الشوق حتى كأنما

تنفس من أحشائه وتكلما

ويبكي فأبكي رحمة لبكائه

إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما وأعجبه يوماً كلامه فأنشد:

تزدحم الألفاظ والمعاني

على فؤادي وعلى لساني

تجري لي الأفكار في ميدان

أزاحم النجم على مكان ووعظ المستضيء يوماً فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك، على خوفي منك، لمحبتي لدوام أيامك، إن قول القائل " اتق الله " خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وقال الحسن البصري: لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تبلغ المأمن

(1) الأبيات لذي الرمة، ديوانه:352.

ص: 163

خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إذا بلغني عن عامل ظالم أنه قد ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم. يا أمير المؤمنين، كان يوسف عليه السلام لا يشبع في زمان القحط، لئلا ينسى الجياع، وكان عمر رضي الله عنه يصر بطنه عام الرمادة فيقول: قرقري إن شئت ولا تقرقري، فوالله لا شبعت والمسلمون جياع. فتصدق الخليفة المستضيء بصدقات كثيرة، وأطلق من في السجن.

وقال رحمه الله تعالى لبعض الولاة: اذكر عدل الله فيك، وعند العقوبة قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك.

وقال: الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تذل الإنسان.

وقال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، فقال: نعم، لأنك تريد أن تتفرج، وإنما لا ينبغي أن لا تنام الليل لأجل ما سمعت فيه.

وقيل له: إن فلاناً أوصى عند الموت، فقال: طين سطوحه في كانون.

وقال له قائل: أسبح أم أستغفر فقال: الثياب الوسخة أحوج إلى الصابون من البخور.

وسأله سائل: ما الذي وقر في قلب أبي بكر رضي الله عنه فقال: قوله ليلة المعراج " إن كان قال فلقد صدق " فله السبق.

ولما قال له بعضهم " سيف علي نزل من السماء فسعفة أبي بكر أين " أجابه بقوله: إن سعفة هزت يوم الردة فأثمرت سبياً جاء منه مثل ابن الحنفية لأمضى من سيوف الهند، ثم قال: يا عجباً للروافض، إذا مات لهم ميت تركوا معه سعفة، من أين ذا المصطلح

وسئل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر " فقال: الميت يقسم ماله ويكفن، وأبو بكر أخرج ماله كله وتخلل بالعباء.

وقال في قوله تعالى {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً} (الأعراف: 43) .

ص: 164

قال علي: إني والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، ثم قال أبو الفرج: إذا اصطلح أهل الحرب فما بال النظارة

وقال: قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سلم على عائشة، ولم يوجهها بالخطاب احتراماً لزوجها، وواجه مريم لأنها لم يكن لها زوج، فمن يحترمها جبريل كيف يجوز في حقها الأباطيل

قال أبو شامة: وكان ابن الجوزي رحمه الله تعالى مبتلى بالكلام في مثل هذه الأشياء، لكثرة الروافض ببغداد وتعنتهم بالسؤالات فيها، فكان بصيراً بالخروج منها لحسن إشارته.

وانقطع القراء يوماً عن مجلسه فأنشد:

وما الحلي إلا زينة لنقيصة

يتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وأما إذا كان الجمال موفراً

كحسنك لم يحتج إلى أن يزوروا وقيل له: لم تعلل موسى عليه السلام بسوف تراني فأنشد:

إن لم يكن وصل لديك لنا

يشفي الصبابة فليكن وعد ولما ذكر بلالاً رضي الله عنه لما منع الطواف بالبيت كان يقف من بعيد وينظر إليه ويبكي أنشد:

أمر على منازلهم وإني

بمن أضحى بها صب مشوق

وأومي بالتحية من بعيد

كما يومي بإصبعه الغريق ومن شعر أبي الفرج رحمه الله تعالى:

لعبت ومثلك لا يلعب

وقد ذهب الأطيب الأطيب

قد كنت في ظلمات الشباب

فلما أضاء انجلى الغيهب

ألا أين أقرانك الراحلون

لقد لاح إذ ذهبوا المذهب

ص: 165

ولنقتصر على هذا المقدار، ونرجع إلى أحوال لسان الدين رحمه الله تعالى وارتحاله، والاعتبار بحاله، فنقول:

ومما يناسب أن نذكره في هذا المحل ونثبته فيه ما حكاه العالم العلامة بلدينا سيدي أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى عن جدي الإمام قاضي القضاة سيدي أبي عبد الله المقري التلمساني رحمه الله تعالى، وهو أحد أشياخ لسان الدين كما يأتي إن شاء الله ذلك في محله، قال: كنت مع ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب في جامع إلبيرة من الأندلس إذ مر بنا الاعتبار، في تلك الآثار، فأنشد ابن الخطيب ارتجالاً (1) :

أقمنا برهة ثم ارتحلنا

كذلك الدهر حال بعد حال

وكل بداية فإلى انتهاء

وكل إقامة فإلى ارتحال

ومن سام الزمان دوام حال

فقد وقف الرجاء على المحال انتهى.

وحكى لسان الدين في الإحاطة عن نفسه أنه خطط هذه الأبيات في مرحلة نزلها رحمه الله تعالى حسبما يأتي ذلك في شعره.

وما أحسن قوله رحمه الله تعالى:

لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا

يتابع أخرانا على الغي أولانا

ونغتر بالآمال والعمر ينقضي

فما كان بالرجعى إلى الله أولانا

وماذا عسى أن ينظر الدهر من عسا

فما انقاد للزجر الحثيث ولا لانا

جزينا صنيع الله شر جزائه

فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا

فيا رب عاملنا بما أنت أهله

من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا

(1) انظر أزهار الرياض 1: 271.

ص: 166

وقد حكى غير واحد أنه رحمه الله تعالى ريء بعد موته في المنام، فقال له الرائي: ما فعل الله بك فقال: غفر لي ببيتين قلتهما، وهما (1) :

يا مصطفى من قبل نشأة آدم

والكون لم تفتح له أغلاق

أيروم مخلوق ثناءك بعدما

أثنى على أخلاقك الخلاق وقد كرر رحمه الله تعالى هذا المعنى في قصيدة في حقه صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم، ومجد وعظم، وبارك وأنعم، وهو قوله:

مدحتك آيات الكتاب فما عسى

يثني على علياك نظم مديحي

وإذا كتاب الله أثنى مفصحاً

كان القصور قصار كل فصيح وستأتي هذه القصيدة في نظمه إن شاء الله تعالى.

وقد رأيت بالغرب تخميساً للبيتين الأولين منسوباً للأديب الشهير الذكر بالمغرب أبي عبد الله مجمد بن جابر الغساني المكناسي رحمه الله تعالى، ولا بأس أن نورده هنا، وهو قوله رحمه الله تعالى:

يا سائلاً لضريح خير العالم

ينهي إليه مقام صب هائم

بالله نادي وقل مقالة عالم

يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له أغلاق

بثناك قد شهدت ملائكة السما

والله قد صلى عليك وسلما

يا مجتبى ومعظماً ومكرماً

أيروم مخلوق ثناءك بعدما أثنى على أخلاقك الخلاق

(1) أزهار الرياض 1: 319 وفيه التخميس التالي أيضا.

ص: 167

وما أحسن قول لسان الدين - رحمه الله تعالى - بعدما عرف بنفسه وسلفه: وكأني بالحي ممن ذكر قد التحق بالميت، وبالقبر قد استبدل من البيت.

وقال رحمه الله تعالى بعد إيراد جملة من نظمه ما صورته: وقلت والبقاء لله وحده، وبه يختم الهذر (1) :

عد عن كيت وكيت

ما عليها غير ميت

كيف ترج حالة البق

يا لمصباح وزيت وسيأتي ذلك، ولقد صدق رحمه الله تعالى، ورقى درجته في الجنة.

[تحقيق في نسبة بيتين]

وأما البيتان الشائعان على ألسنة أهل المشرق والمغرب وأنهما قيلا في لسان الدين رحمه الله تعالى، وبعضهم ينسبهما له نفسه، فالصحيح خلاف ذلك كما سيأتي، وهما:

قف كي ترى مغرب شمس الضحى

بين صلاة العصر والمغرب

واسترحم الله قتيلاً بها

كان إمام العصر في المغرب وشرح بعضهم البيتين فقال: إن قوله " قتيلاُ بها " من باب الاستخدام: أي قتيلاً بشمس الضحى التي هي المتغزل فيها.

وقد رأيت وأنا بالمغرب بخط الشيخ الأغصاوي أنهما لم يعن بهما قائلهما لسان الدين ابن الخطيب، وإنما هما مقولان في غيره، ونسبهما، ونسيت الآن ذلك لطول العهد، والله أعلم.

ويدل على ذلك أنه - رحمه الله تعالى - لم يقتل بين صلاة العصر والمغرب

(1) أزهار الرياض 1: 313.

ص: 168

وإنما قتل في جوف الليل كما علم في محله. على أنه يمكن بتكلف تأويل ذلك بأنه قامت لقائلها قرينة على أنه بصدد الموت في ذلك الوقت، وهذا لو ثبت أنهما قيلا فيه، وقد علمت أن الأغصاوي نفى ذلك، فالله أعلم بحقيقة الأمر. في ذلك.

ثم رأيت في كتاب إسماعيل بن الأحمر في ترجمة بعض العلماء ما نصه: فمن قوله يرثي الأمراء بالمغرب، وقد حل رمسه بين صلاة العصر والمغرب:

قف كي ترى مغرب شمس العلا

بين صلاة العصر والمغرب

واسترحم الله دفيناً به

كان مليك العصر في المغرب وهذا مما يبعد أنهما في لسان الدين من وجوه لا تخفى على المتأمل: منهما قوله كان مليك العصر فإن لسان الدين لم يكن كذلك، وقد تقدم أنفاُ كان إمام العصر في المغرب وهو أحسن؛ لما فيه من التورية البديعة، والله أعلم.

[ثلاث قصائد لابن زمرك]

رجع إلى أخبار لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - وقد عرض عدوه الرئيس ابن زمرك في بعض قصائده التي مدح بها سلطانه الغني بالله أبا عبد الله بن نصر بما تسنى له من الظفر لابن الخطيب، ومن حماه منه، وهو الوزير بن الكاس، على يد من عينه لملك المغرب، وأعانه بجنده وعضده - كما تقدم - وهو السلطان أحمد المريني، فقال من قصيدة عيدية:

يهني زمانك أعياد مجددة

من الفتوح من الأيام تغشاه

غضبت للدين والدنيا بحقهما

يا حبذا غضب في الله أرضاه

فوقت للغرب سهماً راشه قدر

وسدد الله للأعداء مرماه

ص: 169

" سهم أصاب وراميه بذي سلم "

لقد رمى الغرب الأقصى فأصماه (1)

من كان بندك يا مولاي يقدمه

فليس يخلفه فتح ترجاه

من كان جندك جند الله ينصره

أناله الله ما يرجو وسناه

ملكته غربه خلدت من ملك

للغرب والشرق منه ما تمناه

وسام أعدائك الأشقين ما كسبوا

ومن تردى رداء الغدر أرداه

قل للذي رمدت جهلاً بصيرته

فلم تر الشمس، شمس الهدي، عيناه

غطى الهوى عقله حتى إذا ظهرت

له المراشد أعشاه وأعماه

هل عنده وذنوب الغدر توبقه

أن الذي قد كساه العز أعراه

لو كان يشكر ما أوليت من نعم

ما زلت ملجأه الأحمى ومنجاه

سل السعود وخل البيض مغمدة

فالسيف مهما مضى فالسعد أقصاه

وأشرع من البرق نصلاً راع مصلته

وارفع من الصبح بنداً راق مجلاه

فالعدوتان وما قد ضم ملكهما

أنصار ملكك، صان الله علياه

لا أوحش الله قطراُ أنت مالكه

وآنس الله بالألطاف مغناه

لا أظلم الله أفقاً أنت نيره

لا أهمل الله سرحاُ أنت ترعاه

وأهنأ بشهر صيام جاء زائره

مستنزل من إله العرش رحماه

أهل بالسعد فانهلت به منن

وأوسع الصنع إجمالأ ووفاه

أما ترى بركات الأرض شاملة

وأنعم الله قد عمت براياه

وعادك العيد تستحلى موارده

ويزجل الأجر والرحمى مصلاه

جهزت جيش دعاء فيه ترفعه

لذي المعارج والإخلاص رقاه

أفضت فيه من النعماء أجزلها

وأشرف البر بالإحسان زكاه

واليت للخلق ما أوليت من نعم

والى لك الله ما أولى ووالاه

(1) ضمنه من قول الشريف الرضي:

سهم أصاب وراميه بذي سلم

من بالعراق لقد أبعدت مرماك

ص: 170

وأول هذه القصيدة:

هذي العوالم لفظ أنت معناه

كل يقول إذا استنطقه الله

بحر الوجود وفلك الكون جارية

وباسمك الله مجراه ومرساه

من نور وجهك ضاء الكون أجمعه

حتى تشيد بالأفلاك مبناه

عرش وفرش وأملاك مسخرة

وكلها ساجد لله مولاه

سبحان من أوجد الأشياء من عدم

وأوسع الكون قبل الكون نعماه

من ينسب النور للأفلاك قلت له:

من أين أطلعت الأنوار لولاه

مولاي مولاي بحر الجود أغرقني

والخلق أجمع في ذا البحر قد تاهوا

فالفلك تجري كما الأفلاك جارية

بحر السماء وبحر الأرض أشباه

وكلهم نعم للخلق شاملة

تبارك الله لا تحصى عطاياه

يا فاتق الرتق من هذا الوجود كما

في سابق العلم قد خطت قضاياه

كن لي كما كنت لي إذ كنت لا عمل

أرجو، ولا ذنب قد أذنبت أخشاه

وأنت في حضرات القدس تنقلني

حتى استقر بهذا الكون مثواه

ما أقبح العبد أن ينسى وتذكره

وأنت باللطف والإحسان ترعاه

غفرانك الله من جهل بليت به

فمن أفاد وجودي كيف أنساه

مني علي حجاب لست أرفعه

إلا بتوفيق هدي منك ترضاه

فعد علي بما عودت من كرم

فأنت أكرم من أملت رحماه

ثم الصلاة صلاة الله دائمة

على الذي باسمه في الذكر سماه

المجتبى وزناد النور ما قدحت

ولا ذكا من نسيم الروض مسراه

والمصطفى وكمام الكون ما فتقت

عن زهر زهر يروق العين مرآه

ولا تفجر نهر للنهار على

در الدراري فغطاه وأخفاه

يا فاتح الرسل أو يا ختمها شرفاً

والله قدس في الحالين معناه

ص: 171

لم أدخر غير حب فيك ارفعه

وسيلة لكريم يوم ألقاه

صلى عليك إله أنت صفوته

ما طيبت بلذيذ الذكر أفواه

وعم بالروح والريحان صحبته

وجادهم من نمير العفو أصفاه

وخص أنصاره الأعلين صفوته

وأسكنوا من جوار الله أعلاه

أنصار ملته أعلام بيعته

مناقب شرفت أنثى بها الله

وأيد الله من أحيا جهادهم

وواصل الفخر أخراه بأولاه

المنتقى من صميم الفخر جوهره

ما بين نصر وأنصار تهاداه

العلم والحلم والإفضال شيمته

والبأس والجود بعض من سجاياه وهي طويلة، ولنقتصر منها على ما ذكر.

وقد صرح ابن زمرك المذكور في قصيدة أخرى مدح بها سلطانه الغني بالله، وهنأه بفتح المغرب على يد السلطان أحمد، وذكر فيها ظفره بالوزير ابن الكاس، وهو - أعني ابن الكاس - كان القائم بنصرة لسان الدين، والمانع له، والمجير له منهم حين طلبوه منه، فلما لم يخفر ذمته تمكنت - كما سبق - أسباب العداوة، وجر ذلك أن أغرى السلطان أحمد على تملك فاس، واشترطوا عليه كما مر القبض على لسان الدين وإرساله إليهم، وقد نقلت أنا هذه القصيدة من تأليف لحفيد السلطان الغني بالله ونص محل الحاجة منه: ومن ذلك أيضاً قوله - يعني ابن زمرك - هناء لمولانا الجد رحمه الله تعالى بالفتح المغربي للسلطان أبي العباس ابن السلطان أبي سالم المريني (1) :

هي نفحة هبت من الأنصار

أهدتك فتح ممالك الأمصار

في بشرها وبشارة الدنيا بها

مستمتع الأسماع والأبصار

هبت على قطر الجهاد فروضت

أرجاءه بالنفحة المطار

(1) القصيدة في أزهار الرياض 2: 28 - 34.

ص: 172

وسرت وأمر الله طي برودها

يهدي البرية صنع لطف الباري

مرت بأدواح المنابر فانبرت

خطباؤها مفتنة الأطيار

حنت معارجها إلى أعشارها

لما سمن بها حنين عشار

لو أنصفتك لكللت أدواحها

تلك البشائر يانع الأزهار

فتح الفتوح أتاك من حلل الرضى

بعجائب الأزمان والأعصار

فتح الفتوح جنيت من أفنانه

ما شئت من نصر ومن أنصار

كم آية لك في السعود جلية

خلدت منها عبرة استبصار

كم حكمة لك في النفوس خفية

خفيت مداركها عن الأفكار

كم من أمير أم بابك فانثنى

يدعى الخليفة دعوة الإكبار

أعطيت أحمد راية منصورة

بركاتها تسري من الأمصار

أركبته في المنشآت كأنما

جهزته في وجهة لمزار

من كل خافقة الشراع مصفق

منها الجناح تطير كل مطار

ألقت بأيدي الريح فضل عنانها

فتكاد تصدق لمحة الأبصار

مثل الجياد تدافعت وتسابقت

من طافح الأمواج في مضمار

لله منها في المجاز سوابح

وقفت عليك الفخر وهي جواري

لما قصدت بها مراسي سبتة

عطفت على الأسوار عطف سوار

لما رأت من صبح عزمك غرة

محفوفة بأشعة الأنوار

ورأت جبيناً دونه شمس الضحى

لبتك بالإجلال والإكبار

فأفضت بها من نداك مواهباً

حسنت مواقعها على التكرار

وأريت أهل الغرب عزم مغرب

قد ساعدته غرائب الأقدار

وخطبت من فاس الجديد عقيلة

لبتك طوع تسرع وبدار

ما صدقوا متن الحديث بفتحها

حتى رأوه في متون شفار

وتسمعوا الأخبار باستفتاحها

والخبر قد أغنى عن الأخبار

قولوا لقرد في الوزارة غره

حلم مننت به على مقدار

ص: 173

أسكنته من فاس جنة ملكها

متنعماً منها بدار قرار

حتى إذا كفر الصنيعة وازدرا

بحقوقها ألحقته بالنار

جرعت نجل الكاس كأساً مرة

دست إليه الحتف في الإسكار

كفر الذي أوليته من نعمة

لا تأنس النعماء بالكفار

فطرحته طرح النواة فلم يفز

من عز مغربه بغير فرار

لم يتفق لخليفة مثل الذي

أعطى الإله خليفة الأنصار

لم أدر والأيام ذات عجائب

تردادها يحلو على التذكار

ألواء صبح في فنية مشرق

أم راية في جحفل جرار

وشهاب أفق أم سنان لامع

ينقض نجماً في سماء غبار

ومناقب المولى الإمام محمد

قد أشرقت أم هن زهر دراري

فاق الملوك بهمة علوية

من دونها نجم السماء الساري

لو صافح الكف الخصيب بكفه

فخرت بنهر للمجرة جاري

والشهب تطمع في مطالع أفقها

لو أحرزت منه منيع جوار

سل بالمشارق صبحها عن وجهه

يفتر منه عن جبين نهار

سل بالغمائم صوبها عن كفه

تنبيك عن بحر بها زخار

سل بالبروق صفاحها عن عزمه

تخبرك عن أمضى شباً وغرار

قد أحرز الشيم الخطيرة عندما

أمطى العزائم صهوة الأخطار

إن يلق ذو الإجرام صفحة صفحه

فسح القبول له خطا الأعمال

يا من إذا هبت نواسم حمده

أزرت بعرف الروضة المعطار

يا من إذا افترت مباسم بشره

وهب النفوس وعاف في الإقتار

يا من إذا طلعت شموس سعوده

تعشي أشعتها قوى الأبصار

قسماً بوجهك في الضياء وإنه

شمس تمد الشمس بالأنوار

قسماً بعزمك في المضاء فإنه

سيف تجرده يد الأقدار

ص: 174

لسماح كفك كلما استوهبته

يزري بغيمة الديمة المدرار

لله حضرتك العلية لم تزل

يلقي الغريب بها عصا التسيار

كم من طريد نازح قذفت به

أيدي النوى في القفر رهن سفار

بلغته ما شاء من آماله

فسلا عن الأوطان بالأوطار

صيرت بالإحسان دارك داره

متعت بالحسنى وعقبى الدار

والخلق تعلم أنك الغوث الذي

يضفي عليها وافي الأستار

كم دعوة لك في المحول مجابة

أغرت جفون المزن باستعبار

جادت مجاري الدمع من قطر الندى

فرعى الربيع لها حقوق الجار

فأعاد وجه الأرض طلقاً مشرقاً

متضاحكاً بمباسم النوار

يا من مآثره وفضل جهاده

تحدى القطار بها إلى الأقطار

حطت البلاد ومن حوت ثغورها

وكفى لسعدك حامياً لذمار

فلرب بكر للفتوح خطبتها

بالمشرفية والقنا الخطار

وعقيلة للكفر لما رعتها

أخرست من ناقوسها المهذار

أذهبت من صفح الوجود كيانها

ومحوتها إلا من التذكار

عمروا بها جنات عدن زخرفت

ثم انثنوا عنها ديار بوار

صبحت منها روضة مطلولة

فأعدتها للحين موقد نار

واسود وجه الكفر من خزي متى

ما احمر وجه الأبيض البتار

ولرب روض للقنا متأود

ناب الصهيل به عن الأطيار

مهما حكت زهر الأسنة زهره

حكت السيوف معاطف الأنهار

متوقد لهب الحديد بجوه

تصلى به الأعداء لفح أوار

فبكل ملتفت صقال مشهر

قداح زند للحفيظة واري

في كف أروع فوق نهد سابح

متموج الأعطاف في الإحضار

من كل منخفر بلمحة بارق

حمل السلاح به على طيار

من أشهب كالصبح يطلع غرة

في مستهل العسكر الجرار

ص: 175

أو أدهم كالليل إلا أنه

لم يرض بالجوزاء حلي عذار

أو أحمر كالجمر يذكي شعلة

وقد ارتمى من بأسه بشرار

أو أشقر حلى الجمال أديمه

وكساه من زهو جلال نضار

أو أشعل راق العيون كأنه

غلس يخالط سدفة بنهار

شهب وشقر في الطراد كأنها

روض تفتح عن شقيق بهار

عودتها أن ليس تقرب منهلاً

حتى يخالط بالدم الموار

يا أيها الملك الذي أيامه

غرر تلوح بأوجه الأعصار

يهني لواءك أن جدك زاحف

بلواء خير الخلق للكفار

لا غرو أن فقت الملوك سيادة

إذ كان جدك سيد الأنصار

السابقون الأولون إلى الهدى

والمصطفون لخدمة المختار

متهللون إذا النزيل عراهم

سفروا له عن أوجه الأقمار

من كل وضاح الجبين إذا احتبى

تلقاه معصوباً بتاج فخار

قد لاث صبحاً فوق بدر بعدما

لبس المكارم وارتدى بوقار

فاسأل ببدر عن مواقف بأسهم

فهم تلافوا أمره ببدار

لهم العوالي عن معالي فخرها

نقل الرواة عوالي الأخبار

وإذا كتاب الله يتلو حمدهم

أودى القصور بمنة الأشعار

يا ابن الذين إذا تذوكر فخرهم

فخروا بطيب أرومة ونجار

حقاً لقد أوضحت من آثارهم

لما أخذت لدينهم بالثار

أصبحت وارث مجدهم وفخارهم

ومشرف الأعصار والأمصار

يا صادراً في الفتح عن ورد المنى

رد ناجح الإيراد والأصدار

واهنأ بفتح جاء يشتمل الرضى

جذلان يرفل في حل استبشار

وإليكها ملء العيون وسامة

حيتك بالأبكار من أفكاري

تجري حداة العيس طيب حديثها

يتعللون به على الأكوار

إن مسهم لفح الهجير أبلهم

منه نسيم ثنائك المعطار

ص: 176

وتميل من أصغى لها فكأنني

عاطيته منها كؤوس عقار

قذفت بحور الفكر منها جوهراً

لما وصفت أنامل ببحار

لا زلت للإسلام ستراً كلما

أم الحجيج البيت ذا الأستار

وبقيت يا بدر الهدى تجري بما

شاءت علاك سوابق الأقدار انتهت.

ولابن زمرك السابق قصيدة أخرى قالها بعد موت لسان الدين ابن الخطيب وخلع السلطان أبي العباس أحمد ابن أبي سالم الذي قتل ابن الخطيب في دولته، وكان سلطان الأندلس موئلاً للسلطان أحمد المذكور، ولذلك امتعض لرده لملكه، فقال ابن زمرك وزير صاحب الأندلس بعد ابن الخطيب هذه القصيدة يمدح بها سلطانه أثناء وجهته لتجديد الدولة الأحمدية المذكورة صدر عام تسعة وثمانين وسبعمائة (1) :

هب النسيم على الرياض مع السحر

فاستيقظت في الدوح أجفان الزهر

ورمى القضيب دراهماً من نوره

فاعتاض من طل الغمام بها درر

نثر الأزاهر بعدما نظم الندى

يا حسن ما نظم النسيم وما نثر

قم هاتها والجو أزهر باسم

شمساً تحل من الزجاجة في قمر

إن شجها بالماء كف مديرها

ترميه من شهب الحباب بها شرر

نارية نورية من ضوئها

يقد (2) السراج لنا إذا الليل اعتكر

لم يبق منها الدهر إلا صبغة

قد أرعشت في الكأس من ضعف الكبر

من عهد كسرى لم يفض ختامها

إذ كان يدخر كنزها فيما دخر

كانت مذاب التبر فيما قد مضى

فأحالها ذوب اللجين لمن نظر

جدد بها عرس الصبوح فإنها

بكر تحييها الكرام مع البكر

(1) انظر أزهار الرياض 2: 35 - 38.

(2)

ق ص: يقدح، واقرأ: قدح.

ص: 177

وابلل بها رمق الأصيل عشية

والشمس من وعد الغروب على خطر

محمرة مصفرة قد أظهرت

خجل المريب يشوبه وجل الحذر

من كف شفاف تجسد نوره

من جوهر لألاه بهجته بهر

تهوى البدور كماله وتود أن

لو أوتيت منه المحاسن والغرر

قد خط نون عذاره في خده

قلمان من آس هناك ومن شعر

والى عليك بها الكؤوس، وربما

يسقيك من كأس الفتور إذا فتر

سكر الندامى من يديه ولحظه

متعاقب مها سقى وإذا نظر

حيث الهدير مع الهديل تناغيا

فالطير تنشد (1) في الغصون بلا وتر

والقضب مالت للعناق كأنها

وفد الأحبة قادمين من السفر

متلاعبات في الحلي ينوب في

وجناتهن حسناً عن خفر

والنرجس المطلول يرنو نحوها

بلواحظ دمع الندى منها انهمر

والنهر مصقول الحسام متى يرد

درع الغدير مصفقاً فيه صدر

يجري على الحصباء وهي جواهر

متكسراً من فوقها مهما عثر

هل هذه أم روضة البشرى التي

فيها لأرباب البصائر معتبر

لم أدر من شغف بها وبهذه

من منهما فتن القلوب ومن سحر

جاءت بها الأجفان ملء ضلوعها

ملء الخواطر والمسامع والبصر

ومسافر في البحر ملء عنانه

وافى مع الفتح المبين على قدر

قادته نحوك بالخطام كأنه

جمل يساق إلى القياد وقد نفر

وأراه دين الله عزة أهله

بك يا أعف القادرين إذا قدر

يا فخر أندلس وعصمة أهلها

للناس سر في اختصاصك قد ظهر

كم معضل من دائها عالجته

فشفيت منه البدار والبدر

ماذا عسى يصف البليغ خليفة

والله ما أيامه إلا غرر

(1) الأزهار: تشدو.

ص: 178

ورثت هذا الفخر يا ملك الهدى

من كل من آوى النبي ومن نصر

من شاء يعرف فخرهم وكمالهم

فليتل وحي الله فيهم والسير

أبناؤهم أبناء نصر بعدهم

بسيوفهم دين الإله قد انتصر

مولاي سعدك والصباح تشابها

وكلاهما في الخافقين قد اشتهر

هذا وزير الغرب عبد آبق

لم يلف غيرك في الشدائد من وزر

كفر الذي أوليته من نعمة

والله قد حتم العذاب لمن كفر

إن لم يتم بالسيف مات بغيظه

وصلي سعيراً للتأسف والفكر

ركب الفرار مطية ينجو بها

فجرت به حتى استقر على سقر

وكذا أبوه وكان منه حمامه

قد حم وهو من الحياة على غرر

بلغته والله أكبر شاهد

ما شاء من وطن يعز ومن وطر

حتى إذا جحد الذي أوليته

لم تبق منه الحادثات ولم تذر

في حاله والله أعظم عبرة

لله عبد في القضاء قد اعتبر

فاصبر تنل أمثالها في مثله

إن العواقب في الأمور لمن صبر

رد حيث شئت مسوغاً ورد المنى

فلله حسبك في الورود وفي الصدر

لا زلت محروساً بعين كلاءة

ما دام عين الشمس تعشي من نظر ومنها وقد أضاف إليه من التغزل طوع بداره، وحجة اقتداره، فقال:

والعود في كف نديم بسر ما

تلقي لنا الأنامل منه قد جهر

غنى عليه الطير وهو بدوحه

والآن غنى فوقه ظبي أغر

عود ثوى حجر القضيب، رعى له

أيام كانا في الرياض مع الشجر

لا سيما لما رأى من ثغره

زهراً، وأين الزهر من تلك الدرر

ويظن أن عذاره من آسه

ويظن تفاح الخدود من الثمر

يسبي القلوب بلفظه وبلحظه

وافتنتي بين التكلم والنظر

قد قيدته لأنسنا أوتاره

كالظبي قيد في الكناس إذا نفر

ص: 179

لم يبل قلبي قبل سماع غنائه

بمعذر سلب العقول وما اعتذر

جس القلوب بجسه أوتاره

حتى كأن قلوبنا بين الوتر

نمت لنا ألحانه بجميع ما

قد أودعت فيه القلوب من الفكر

يا صامتاً والعود تحت بنانه

يغنيك نطق الخبر فيه عن الخبر

أغنى غناؤك من مدامك، يا ترى

هل من لحاظك أم بنانك ذا السكر

باحت أناملك اللدان بكل ما

كان المتيم في هواه قد ستر

ومقاتل ما سل غير لحاظه

والرمح هز من القوام إذا خطر

دانت له منا القلوب بطاعة

والسيف يملك ربه مهما قهر وسنلم إن شاء الله تعالى بترجمة ابن زمرك هذا في باب التلامذة، ونشير هناك إلى كثير من أحواله، وكيفية قتله مع أولاده وخدمه بمرأى ومسمع من أهله، فكان الجزاء من جنس العمل، وخاب منه الأمل، إذ لسان الدين قتل غيلة بليل غاسق، على يد مختلس في السجن فاسق، وأما ابن زمرك فقتل بالسيف جهاراً، وتناوشته سيوف مخدومه بين بناته إبداء للتشفي وإظهاراً، وقتل معه من وجد من خدمه وأبناه، وأبعده الدهر وطالما أدناه. وهكذا الحال في خدام الدول وذوي الملك، أنهم أقرب شيء من الهلك، ويرحم الله من قال: إياك وخدمة الملوك فإنهم يستقلون في العقاب ضرب الرقاب، ويستكثرون في الثواب رد الجواب؛ انتهى.

رجع إلى ما كنا فيه من أحوال لسان الدين ابن الخطيب: وكان رحمه الله تعالى قبيل موته لما توفي السلطان أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني بتلمسان وتغلب على الأمر الوزير أبو بكر ابن غازي بن الكاس مبايعاً لابن صغير السن أولاد السلطان عبد العزيز - ألف كتابه المسمى بأعمال الأعلام بمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام ومراده بذلك تثبيت دولة الوزير الذي أبى أن يخفر عهده وذمته، وامتنع منه أهل الأندلس، فأكثروا

ص: 180

القالة في الوزير بسبب مبايعته للصبي، وبنوا ظاهر الأمر على أن ذلك لا يجوز بالشرع، وأبدأوا وأعادوا في ذلك، واسروا ما كان من أمرهم حسواً في ارتغاء. ومن جملة كلام لسان الدين ابن الخطيب في ذلك الكتاب قوله: فمتى نبس أهل الأندلس بإنكار بيعة صبي صغير، أو نيابة صاحب أو وزير، فقد عموا وصموا، وخطروا بربع الإنصاف فأعرضوا وما ألموا، وبما نسوه لغيرهم ذموا؛ انتهى.

وكان رحمه الله تعالى ألف للسلطان عبد العزيز حين انحيازه إليه المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية: يذكر فيه نباهة سلفه، وما لهم من المجد، وقصده الرد على أهل الأندلس المجاهرين له بالعداوة، القادحين في فخر سلفه. ثم ألف للسلطان المذكور كتاب " خلع الرسم في التعريف بأحوال ابن الحسن " لكونه تولى كبر الحط منه، والسعي في هلاكه كما مر، وقال في حق هذا الكتاب: إنه لا شيء فوقه في الظرف والاستطراف، يسلس الثكالى، ونستغفر الله تعالى؛ انتهى.

ومع هذا كله لما أنشبت المنية أظفارها لم تنفعه مما كتب تميمة، ونال ما أمل فيه أهل السعاية والنميمة، وسجلوا عليه المقالات الذميمة، وقد صار الجميع إلى حكم عدل قادر يحيي من العظم رميمه، ونصف المظلوم من الظالم، ويجازي الجاهل والعالم، ويساوي بين المأمور والآمر، والشريف والمشروف، والعزيز والحقير والمنكر والمعروف، وعفوه سبحانه مؤمل بعد، وهو لا يخلف الوعد، ومن سبقت له العناية، لم تضره الجناية.

وقد كان لسان الدين البن الخطيب - رحمه الله تعالى - محباً في العفو حتى إنه كان إذا جرى لديه ذكر عقوبة الملوك لأتباعهم تشمئز نفسه من ذلك ويقول ما معناه: ما ضرهم لو عفوا! ورأيت له - رحمه الله تعالى - في بعض مؤلفاته وقد أجرى ذكر استعطاف ذي الوزارتين أبي بكر ابن عمار للسلطان المعتمد بن عباد حين قبض عليه بقوله:

ص: 181

سجاياك إن عافيت أندى وأسمح

وعذرك إن عاقبت أولى وأوضح

وإن كان بين الخطتين مزية

فأنت من الأدنى إلى الله أجنح

وماذا عسى الأعداء أن يتزيدوا

سوى أن ذنبي ثابت ومصحح

وإن رجائي أن عندك غير ما

يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح

أقلني بما بينك وبيني من رضى

له نحو روح الله باب مفتح

ولا تلتفت قول الوشاة وزورهم

فكل إناء بالذي فيه يرشح

وقالوا: سيجزيه فلان بذنبه

فقلت: وقد يعفو فلان ويصفح

ألا إن بطشاً للمؤيد يرتمي

ولكن حلماً للمؤيد يرجح

وبين ضلوعي من هواة تميمة

ستشفع لو أن الحمام يجلح

سلام عليه كيف دار به الهوى

إلي فيدنو أو علي فينزح

ويهنيه إن رمت السلو فإنني

أموت ولي شوق إليه مبرح ما نصه: ولابن عمار كلمات شهيرة تعالج بمراهمها جراح القلوب، وتعفي على هضبات الذنوب، لولا ما فرغ عنه من القدر المكتوب والأجل المحسوب؛ إلى أن قال: وما كان أجمل بالمعتمد أن يبقي على جان من عبيده، قد مكنه الله من عنقه، لا يؤمل الحصول على أمره، ولا يحذر تعصب قبيله، ولا يزيده العفو عنه إلا ترفعاً وعزة وجلالة وهمة وذكراً جميلاً وأجراً جزيلاً، فلا شيء أمحى للسيئة من الحسنة، ولا أقتل للشر من الخير، ورحم الله الشاعر إذ يقول:

وطعنتهم بالمكرمات وباللها

في حيث لو طعن القنا لتكسرا وقد تذكرت هنا قول الأديب أبي عبد الله محمد بن أحمد التجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه:

أتعجب إن حطت يد الدهر فاضلاً

عن الرتبة العليا فأصبح تحتها

ص: 182

أما هذه الأشجار تحمل أكلها

وتسقط منه كل ما طاب وانتهى [نكبة أبي جعفر ابن عطية]

وحكى غير واحد من مؤرخي الأندلس أن الكاتب الشهير الوزير أبا جعفر ابن عطية القضاعي (1) لما تغير له عبد المؤمن وتذاكر مع بعض من أهل العلم أبيات ابن عمار السابقة، قال: ما كان المعتمد إلا قاسي القلب حيث لم تعطفه هذه الأبيات إلى العفو، ووقع لابن عطية المذكور مثل قضية ابن عمار، واستعطف فما نفع ذلك وقتل رحمه الله تعالى، ولنلم بذلك فنقول:

كان أبو جعفر هذا من أهل مراكش، وأصله القديم من طرطوشة، ثم بعد من دانية، وهو ممن كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين أمير لمتونة، وعن ابنيه تاشفين وإسحاق، ثم استخلصه لنفسه سالب ملكهم عبد المؤمن بن علي، وأسند إليه وزارته، فنهض بأعبائها، وتحبب إلى الناس بإجمال السعي والإحسان فعمت صنائعه، وفشا معروفه، وكان محمود السيرة، مبخت المحاولات، ناجح المساعي، سعيد المآخذ، ميسر المآرب، وكانت وزارته زيناً للوقت، وكمالاً للدولة، وفي أيام توجهه للأندلس وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به، حتى أوغروا صدر الخليفة عبد المؤمن عليه، فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي، وانبرى لمطالبة ابن عطية، وجد في التماس عوراته، وتشنيع سقطاته، وطرحت بمجلس السلطان أبياتاً منها:

قل للإمام أطال الله مدته

قولاً تبين لذي لب حقائقه

إن الزراجين (2) قوم قد وترتهم

وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه

(1) انظر الخبر عن أبي جعفر ابن عطية في المعجب: 267 والإحاطة 1: 132 (ط. السلفية) وقد نقل المقري ما جاء في المصدر الثاني، حتى آخر رسالة ابن عطية؛ وإعتاب الكتاب:225.

(2)

الزراجين: لقب أطلقه الموحدون على الملثمين تشبيها لهم بطائر أسود البطن أبيض الريش يقال له الزرجان (نظم الجمان: 85) .

ص: 183

وللوزير إلى آرائهم ميل

لذاك ما كثرت فيهم علائقه

فبادر الحزم في إطفاء نارهم

فربما عاق عن أمر عوائقه

هم العدو ومن والاهم كهم

فاحذر عدوك واحذر من يصادقه

الله يعلم أني ناصح لكم

والحق أبلج لا تخفى طرائقه قالوا: ولما وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزير أبي جعفر، وأسر له في نفسه تغيراً، فكان من أقوى أسباب نكبته.

وقيل: أفضى له بسر فأفشاه، وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس فقلق وعجل الانصراف إلى مراكش، فحجب عند قدومه، ثم قيد إلى المسجد في اليوم بعده حاسر العمامة، واستحضر الناس على طبقاتهم، وقرروا على ما يعلمون من أمره، وما صار إليه منهم، فأجاب كل بما اقتضاه هواه، وأمر بسجنه، ولف معه أخوه أبو عقيل عطية، وتوجه في إثر ذلك عبد المؤمن إلى زيارة تربة المهدي محمد بن تومرت، فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف. وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة من لطائف الأدب نظماً ونثراً في سبيل التوسل بتربة إمامهم المهدي عجائب لم تجد شيئاً مع نفوذ قدر الله تعالى فيه. ولما انصرف من وجهته أعادهما معه قافلاً إلى مراكش، فلما حاذى تاقمرت أنفذ الأمر بقتلهما بالشعراء المتصلة بالحصن على مقربة من الملاحة هنالك، فمضيا لسبيلهما، رحمهما الله تعالى.

ومما خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفاً له من رسالة تغالى فيه فغالته المنية، ولم ينل الأمنية، وهذه سنة الله تعالى فيمن لم يحترم جناب الألوهية، ولم يحرس لسانه من الوقوع فيما يخدش في وجه فضل الأنبياء على غيرهم وعصمتهم، قوله سامحه الله:

" تالله لو أحاطت بي كل خطيئة، ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت: إن الله تعالى

ص: 184

لم يوح، في الفلك لنوح، وبريت لقدار ثمود نبلاً، وأبرمت لحطب نار الخليل حبلاً، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة، وذممت كل قرشي، وأكرمت لأجل وحشي كل حبشي، وقلت: إن بيعة السقيفة، لا توجب إمامة خليفة، وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتقلت من حصار الدار وقتل اشمطها بشعبة، وقلت: تقاتلوا رغبة في الأبيض والأصفر، وسفكوا الدماء على الثريد الأعفر، وغادرت الوجه من الهامة خضيباً، وناولت من قرع سن الحسين قضيباً، ثم أتيت حضرة المعلوم لائذاً، وبقبر الإمام المهدي عائذاً، لقد آن لمقالتي أن تسمع، وتغفر لي هذه الخطيئات أجمع، مع أني مقترف، وبالذنب معترف.

فعفواً أمير المؤمنين فمن لنا

برد قلوب هدها الخفقان " وكتب مع ابن له صغير آخرة:

عطفاً علينا أمير المؤمنين، فقد

بان العزاء لفرط البث والحزن

قد أغرقتنا ذنوب كلها لجج

وعطفة منكم أنجى من السفن

وصادفتنا سهام كلها غرض

ورحمة منكم أوقى من الجنن

هيهات للخطب أن تسطو حوادثه

بمن أجارته رحماكم من المحن

من جاء عندكم يسعى على ثقة

بنصره لم يخف بطشاً من الزمن

فالثوب يطهر عند الغسل من درن

والطرف ينهض بعد الركض في سنن

أنتم بذلتم حياة الخلق كلهم

من دون من عليهم لا ولا ثمن

ونحن من بغض من أحيت مكارمكم

كلتا الحياتين من نفس ومن بدن

وصبية كفراخ الورق من صغر

لم يألفوا النوح في فرع ولا فنن

ص: 185

قد أوجدتهم أياد منهم سابقة

والكل لولاك لم يوجد ولم يكن فوقع عبد المؤمن على هذه القصيدة {الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} (يونس: 91) .

ومما كتب به من السجن:

أنوح على نفسي أم أنتظر الصفحا

فقد آن أن تنسى الذنوب وان تمحى

فها أنا في ليل من السخط حائر

ولا أهتدي حتى أرى للرضى صبحا وامتحن عبد المؤمن الشعراء بهجو ابن عطية، فلما أسمعوه ما قالوا، أعرض عنهم، وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه.

وكان لأبي جعفر أخ اسمه عطية قتل معه، ولعطية هذا ابن أديب كاتب، وهو أبو طالب عقيل بن عطية، ومن نظمه في رجل تعشق قينة كانت ورثت من مولاها مالاً فكانت تنفق عليه منه، فلما فرغ المال ملها:

لا تلحه أن مل من حبها

فلم يكن ذلك من ود

لما رآها قد صفا مالها

قال: صفا الوجد مع الوجد وكان أبو جعفر ابن عطية من أبلغ أهل زمانه، وقد حكي أنه مر مع الخليفة عبد المؤمن ببعض طرق مراكش، فأطلت من شباك جارية بارعة الجمال فقال عبد المؤمن:

قدت فؤادي من الشباك إذ نظرت

فقال الوزير ابن عطية مجيزاً له:

حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل

فقال عبد المؤمن:

كأنما لحظها في قلب عاشقها

ص: 186

فقال ابن عطية:

سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي

ولا خفاء أن هذه طبقة عالية.

ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص، وهي التي أورثته الرتبة العلية السنية، والوزارة الموحدية المؤمنية، قوله (1) :

كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من أمر الله الكريم، ونصر الله تعالى المعهود المعلوم {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} (آل عمران: 126) فتح بهر الأنوار إشراقاً، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقاً، ونبه للأماني النائمة جفوناً وإحداقا، واستغرق غاية الشكر استغراقاً، فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكاً ولا لحاقاً، جمع أشتات الطلب والأرب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب:

فتح تفتح أبواب السماء له

وتبرز الأرض في أثوابها القشب وتقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة، كان أولئك الضالون المرتدون قد بطروا عدواناً وظلماً، واقتطعوا الكفر معنى واسماً، وأملى لهم الله تعالى ليزدادوا إثماً، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخزعبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبات من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب، وكان الذي قادهم إلى ذلك، وأوردهم تلك المهالك، وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف عن الأعوام، واشتغل على زعمه بالقيام والصيام، آناء الليالي والأيام، لبسوا الناموس أثواباً، وتدرعوا الرياء جلباباً، فلم يفتح الله تعالى لهم للتوفيق باباً.

(1) انظرها أيضا في إعتاب الكتاب: 227.

ص: 187

ومنها في ذكر صاحبهم الماسي (1) المدعي للهداية: فصرع بحمد الله تعالى لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيئات عن يساره ويمينه، وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه، والنوائب لا تنوبه، ويقول في سواه قولاً كثيراً، ويختلق على الله تعالى إفكاً وزوراً، فلما رأوا هيئة اضطجاعه، وما خطته الأسنة في أعضائه وأضلاعه، ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه، هزم من كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب، وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحات الرقاب، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب، فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وآذنت الآجال بانقراض آمادهم، وأخذهم الله تعالى بكفرهم وفسادهم، فلم يعاين منهم إلا من خر صريعاً، وسقى الأرض نجيعاً، ولقي من أمر الهنديات فظيعاً، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي؛ فمن كان يؤمل الفرار ويرتجيه، ويسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافاً، وأذاقته موتاً ذعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثبجه، قضى عليه شرقه، وألوى بذقنه غرقه، ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتالهم طعناً وضرباً، ويلقونهم بأمر الله تعالى هولاً عظيماً وكرباً، حتى انبسطت مراقات الدماء، على صفحات الماء، وحكت حمرتها على رزقته حمرة الشفق على زرقة السماء، وجرت العبرة للمعتبر، في جري ذلك الدم جري الأبحر ".

وبالجملة فالرجل كان نسيج وحده رحمه الله تعالى وسامحه، وقضية لسان الدين تشبه قضيته، وكلاهما قد ذاق من الذل بعد العز غصته، وبدل الدهر نصيبه من الوزارة وحصته، بعد أن اقتعد ذروة ومنصته، رحم الله تعالى الجميع، إنه مجيب سميع.

(1) هذا الثائر هو محمد بن عبد الله بن هود، تلقب بالهادي، وظهر في رباط ماسة بمنطقة السوس، وكثر أتباعه، حتى قضى عليه أبو حفص عمر إينتي سنة 541.

ص: 188